- أقسام الكتاب 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24*جميع الحقوق متاحة لجميع المسلمين
- =====
- ج13.وج14وج15وج16.{كتاب : البحر المحيط في أصول الفقه المؤلف : بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي} واختلافات الفقهاء دليل قاطع أن افرازات فكرهم ليست من عند الله ..........
- =======
- ج13.و14و15و16.
- مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
- كتاب : البحر المحيط في أصول الفقه
- المؤلف : بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي
- -------------
- == منها مُجْمَلًا خَفِيًّا ثُمَّ قال الْمَاوَرْدِيُّ وَمِنْ الْمُجْمَلِ ما لَا يَجِبُ بَيَانُهُ على الرَّسُولِ كَقَوْلِهِ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ من سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عليه رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ فَأَجْمَلَ فيه النَّفَقَةَ في أَقَلِّهَا وَأَوْسَطِهَا وَأَكْثَرِهَا حتى اجْتَهَدَ الْعُلَمَاءُ في تَقْدِيرِهَا وَسُئِلَ عن الْكَلَالَةِ فقال آيَةُ الصَّيْفِ فَوَكَلَهُ إلَى الِاجْتِهَادِ ولم يُصَرِّحْ بِالْبَيَانِ قال وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في هذا الْبَيَانِ الصَّادِرِ من الِاجْتِهَادِ هل يُؤْخَذُ قِيَاسًا أو تَنْبِيهًا وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا يُؤْخَذُ تَنْبِيهًا من لَفْظِ الْمُجْمَلِ وَشُوهِدَ أَحْوَالُهُ لِأَنَّهُ عليه السَّلَامُ قال لِعُمَرَ يَكْفِيك آيَةُ الصَّيْفِ فَرَدَّهُ إلَيْهَا لِيَسْتَدِلَّ بِمَا تَضَمَّنَتْهُ من بَيِّنَةٍ وَشَوَاهِدَ قال وَالثَّانِي أَنْ يُؤْخَذَ قِيَاسًا على ما اسْتَقَرَّ بَيَانُهُ من نَصٍّ أو إجْمَاعٍ لِأَنَّ عُمَرَ سَأَلَ عن الْقِبْلَةِ فقال أَرَأَيْت لو تَمَضْمَضْت فَجَعَلَ الْقِبْلَةَ بِغَيْرِ إنْزَالٍ كَالْمَضْمَضَةِ بِغَيْرِ ازْدِرَادٍ ا هـ وما ذَكَرَهُ في الْأَوَّلِ من التَّمْثِيلِ بِالنَّفَقَةِ يُمْكِنُ الْمُنَازَعَةُ فيه فإن بَيَانَهَا قد وَرَدَ في قَضِيَّةِ هِنْدَ حَيْثُ قال خُذِي ما يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ فَبَيَّنَ الْإِجْمَالَ في الْآيَةِ بِالْكِفَايَةِ مَسْأَلَةٌ حُكْمُ الْمُجْمَلِ وَحُكْمُهُ التَّوَقُّفُ فيه إلَى أَنْ يَرِدَ تَفْسِيرُهُ وَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِظَاهِرِهِ في شَيْءٍ يَقَعُ فيه النِّزَاعُ قَالَهُ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ وقال الْمَازِرِيُّ إنْ كان الِاحْتِمَالُ من جِهَةِ الِاشْتِرَاكِ وَاقْتَرَنَ بِهِ تَنْبِيهٌ أَخَذَ بِهِ وَإِنْ تَجَرَّدَ عن تَنْبِيهٍ وَاقْتَرَنَ بِهِ عُرْفٌ عُمِلَ بِهِ وَإِنْ تَجَرَّدَ عن تَنْبِيهٍ وَعُرْفٍ وَجَبَ الِاجْتِهَادُ في الْمُرَادِ منها وكان من خَفِيِّ الْأَحْكَامِ التي وُكِلَ الْعُلَمَاءُ فيها إلَى الِاسْتِنْبَاطِ فَصَارَ دَاخِلًا في الْمُجْمَلِ لِخَفَائِهِ وَخَارِجًا منه لِإِمْكَانِ
- اسْتِنْبَاطِهِ تَنْبِيهٌ حَمْلُ الْمُجْمَلِ على جَمِيعِ مَعَانِيهِ الْمُتَنَافِيَةِ وقد يُحْمَلُ الْمُجْمَلُ على جَمِيعِ مَعَانِيهِ غَيْرِ الْمُتَنَافِيَةِ نَظِيرَ الْعَامِّ ولم يَتَعَرَّضُوا لِذَلِكَ فيه وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ قَوْله تَعَالَى وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فإن السُّلْطَانَ مُجْمَلٌ يَحْتَمِلُ الْحُجَّةَ وَالدِّيَةَ وَالْقَوَدَ وَيَحْتَمِلُ الْجَمِيعَ لَا جَرَمَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ يُخَيِّرُ بين الْقَتْلِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّ الْكُلَّ بِالْإِضَافَةِ إلَى اللَّفْظِ سَوَاءٌ قَالَهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ في أَحْكَامِ الْقُرْآنِ مَسْأَلَةٌ الْإِجْمَالُ إمَّا أَنْ يَكُونَ في حَالِ الْإِفْرَادِ أو التَّرْكِيبِ وَالْأَوَّلُ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِتَعْرِيفِهِ كَلَفْظَةِ قال من الْقَيْلُولَةِ وَالْقَوْلِ وَكَالْمُخْتَارِ فإنه صَالِحٌ لِلْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ يُقَالُ اخْتَرْت فُلَانًا فَأَمَّا مُخْتَارٌ وهو مُخْتَارٌ قال الْعَسْكَرِيُّ وَيَفْتَرِقَانِ تَقُولُ في الْفَاعِلِ مُخْتَارٌ لِكَذَا وفي الْمَفْعُولِ مُخْتَارٌ من كَذَا وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ يُضَارِرُ بِفَتْحِ الرَّاءِ أو بِكَسْرِهَا وقد قُرِئَ بِهِمَا وَمِثْلُهُ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا في احْتِمَالِ الْوَجْهَيْنِ قَالَهُ الْعَبْدَرِيّ في شَرْحِ الْمُسْتَصْفَى وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِأَصْلِ وَضْعِهِ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مَعَانِيهِ مُتَضَادَّةً كَ الْقُرْءِ لِلطُّهْرِ وَالْحَيْضِ والناهل لِلْعَطْشَانِ وَالرَّيَّانِ والشفق لِلْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ وَإِمَّا مُتَشَابِهَةً كَالْفَرَسِ لِلْحَيَوَانِ الْمَعْرُوفِ وَالصُّورَةِ التي تُرْسَمُ على مِثَالِهِ أو لَا يَكُونَ كَذَلِكَ كَالْعَيْنِ لِلْعُضْوِ الْبَاصِرِ وَيَنْبُوعِ الْمَاءِ وَإِنْ شِئْت قُلْت إمَّا أَنْ يَتَنَاوَلَ مَعَانِيَ كَثِيرَةً بِحَسَبِ خُصُوصِيَّاتِهَا فَهُوَ الْمُشْتَرَكُ وَإِمَّا بِحَسَبِ مَعْنًى مُشْتَرَكٍ بَيْنَهَا وهو الْمُتَوَاطِئُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَآتُوا حَقَّهُ يوم حَصَادِهِ وقال أبو الْعِزِّ الْمُقْتَرِحِ الْفَرْقُ بين الْمُجْمَلِ وَالْمُشْتَرَكِ أَنَّ الْمُجْمَلَ يَسْتَدْعِي ثُبُوتَ احْتِمَالَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفَهْمِ سَوَاءٌ وُضِعَ اللَّفْظُ لَهُمَا على وَجْهِ الْحَقِيقَةِ أو في أَحَدِهِمَا مَجَازٌ وفي الْآخَرِ حَقِيقَةٌ فَالْإِجْمَالُ إنَّمَا هو بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفَهْمِ فإن الْمُشْتَرَكَ قد يَتَسَاوَى بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوَضْعِ وَلَا يَتَسَاوَى بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفَهْمِ فَلَا يَكُونُ مُجْمَلًا وَأَيْضًا إمَّا أَنْ يَكُونَ في الْأَسْمَاءِ كما سَبَقَ أو في الْأَفْعَالِ كَ عَسْعَسَ بِمَعْنَى أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ أو في الْحُرُوفِ كَتَرَدُّدِ الْوَاوِ بين الْعَطْفِ وَالِابْتِدَاءِ في قَوْله تَعَالَى وَالرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ
- وَتَرَدُّدِهَا بين الْعَطْفِ وَالْحَالِ في قَوْلِهِ الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا لِأَنَّهَا إنْ كانت عَاطِفَةً أَوْهَمَ أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِضَعْفِهِمْ حَدَثَ الْآنَ وَبِهِ احْتَجَّ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ على حُدُوثِ الْعِلْمِ تَعَالَى اللَّهُ عن ذلك وَإِنَّمَا الْمُرَادُ إعْلَامُ عِبَادِهِ وَإِنْ جُعِلَتْ غير عَاطِفَةٍ كان تَقْدِيرُهُ الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ عَالِمًا أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَلَا يَلْزَمُ منه مَحْذُورٌ وَيَجِبُ إضْمَارُ قد حِينَئِذٍ وَنَحْوُ تَرَدُّدِ من بين ابْتِدَاءِ الْغَايَةِ وَالتَّبْغِيضِ كَقَوْلِهِ فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ منه فقال أبو حَنِيفَةَ هِيَ لِلِابْتِدَاءِ أَيْ اجْعَلُوا ابْتِدَاءَ الْمَسْحِ من الصَّعِيدِ وقال الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ هِيَ لِلتَّبْعِيضِ أَيْ امْسَحُوا وُجُوهَكُمْ بِبَعْضِ الصَّعِيدِ فَلِهَذَا اشْتَرَطْنَا أَنْ يَكُونَ لِمَا يُتَيَمَّمُ بِهِ غُبَارٌ يَعْلَقُ بِالْيَدِ لِتَحَقُّقِ الْمَسْحِ بِبَعْضِهِ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مُجْمَلًا في تَرْكِيبِهِ وهو أَنْوَاعٌ منها في الْمُرَكَّبِ بِجُمْلَتِهِ في نَحْوِ قَوْله تَعَالَى أو يَعْفُوَ الذي بيده عُقْدَةُ النِّكَاحِ لِتَرَدُّدِهِ بين الزَّوْجِ وَالْوَلِيِّ وَلِذَلِكَ اُخْتُلِفَ فيه فقال الشَّافِعِيُّ بِالْأَوَّلِ وَمَالِكٌ بِالثَّانِي وَمِنْهَا في الِاسْتِثْنَاءِ كَقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ صَلَاةٌ في مَسْجِدِي هذا أَفْضَلُ من أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَلَكِنْ لَا كَبَاقِي الْمَسَاجِدِ بَلْ إنَّمَا أَزِيدُ أو أَنْقُصُ منها وَالثَّانِي أَنَّهُ ليس بِأَفْضَلَ منه بَلْ إمَّا مُسَاوٍ أو الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ أَفْضَلُ وَمِنْهَا في مَرْجِعِ الضَّمِيرِ إذَا تَقَدَّمَهُ أَمْرَانِ يَصْلُحُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ لَا يَمْنَعُ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً في جِدَارِهِ فَضَمِيرُ الْجِدَارِ يَحْتَمِلُ الْعَوْدَ على نَفْسِهِ أَيْ في جِدَارِ نَفْسِهِ أو على جَارِهِ أَيْ في جِدَارِ جَارِهِ وقد ذَكَرَ أَصْحَابُنَا هذا في كِتَابِ الصُّلْحِ وَالْأَصَحُّ امْتِنَاعُ الْوَضْعِ إلَّا بِإِذْنٍ وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا من الصَّالِحِينَ فإن هذا يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْبِشَارَةُ بِمِيلَادِهِ فَيَكُونَ الْمَأْمُورُ بِذَبْحِهِ إسْمَاعِيلَ لِأَنَّ هذا الْكَلَامَ في قِصَّةِ الذَّبِيحِ
- وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْبِشَارَةُ بِنُبُوَّتِهِ وَيَكُونَ هو الْمَأْمُورَ بِذَبْحِهِ وَمِنْهَا في مَرْجِعِ الصِّفَةِ نَحْوُ زَيْدٌ طَبِيبٌ مَاهِرٌ لِتَرَدُّدِهِ بين الْمَهَارَةِ مُطْلَقًا وَالْمَهَارَةُ في الطِّبِّ كَذَا قَالَهُ ابن الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ وقال صَاحِبُ الْبَسِيطِ من النَّحْوِيِّينَ إذَا اجْتَمَعَتْ صِفَتَانِ فَصَاعِدًا لِمَوْصُوفٍ وَاحِدٍ قال قَوْمٌ الصِّفَةُ الثَّانِيَةُ لِلْأَوَّلِ وَحْدَهُ وقال قَوْمٌ هِيَ لِمَجْمُوعِ الْمَوْصُوفِ وَالصِّفَةِ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ قال الْأَصْحَابُ الْمُجْمَلُ على أَوْجُهٍ منها أَنْ لَا يَرْجِعَ اللَّفْظُ لِلدَّلَالَةِ على شَيْءٍ بِعَيْنِهِ كَقَوْلِهِ وَآتُوا حَقَّهُ يوم حَصَادِهِ وَقَوْلُهُ عليه السَّلَامُ إلَّا بِحَقِّهَا فإن الْحَقَّ يَشْتَمِلُ على أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ وهو في هذا الْمَوْضِعِ مَجْهُولٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إلَّا ما يُتْلَى عَلَيْكُمْ فإنه صَارَ مُجْمَلًا لِمَا دَخَلَهُ الِاسْتِثْنَاءُ وَمِنْهَا أَنْ يَفْعَلَ صلى اللَّهُ عليه وسلم فِعْلًا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ احْتِمَالًا وَاحِدًا كَالْجَمْعِ بين الصَّلَاتَيْنِ في السَّفَرِ فَهُوَ مُجْمَلٌ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ السَّفَرَ الطَّوِيلَ وَالْقَصِيرَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ على أَحَدِهِمَا إلَّا بِدَلِيلٍ قال وَهَذِهِ الْوُجُوهُ لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ في إجْمَالِهَا وَافْتِقَارِهَا إلَى الْبَيَانِ انْتَهَى وَمِنْهَا في تَعَدُّدِ الْمَجَازَاتِ الْمُتَسَاوِيَةِ مع مَانِعٍ يَمْنَعُ من حَمْلِهِ على الْحَقِيقَةِ فإن اللَّفْظَ يَصِيرُ مُجْمَلًا بِالنِّسْبَةِ إلَى تِلْكَ الْمَجَازَاتِ إذْ ليس الْحَمْلُ على أَحَدِهَا أَوْلَى من حَمْلِهِ على الْبَعْضِ الْآخَرِ كما هو في الْمُشْتَرَكِ وَالْمُتَوَاطِئِ كَذَا ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ وَالْهِنْدِيُّ وابن الْحَاجِبِ وهو ظَاهِرٌ إنْ لم يُحْمَلْ الْمُشْتَرَكُ على مَعَانِيهِ لَكِنَّ قَاعِدَةَ الشَّافِعِيِّ حَمْلُهُ على سَائِرِ الْمَعَانِي احْتِيَاطٌ وَلَا يَتَوَقَّفُ على بَيَانٍ أَمَّا إذَا تَكَافَأَتْ الْمَجَازَاتُ وَتَرْجِيحُ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْحَقِيقَةِ كَنَفَيْ الصِّحَّةِ كَقَوْلِهِ لَا صَلَاةَ وَلَا صِيَامَ أو لِأَنَّهُ أَظْهَرُ غَرَضًا أو أَعْظَمُ مَقْصُودًا كَرَفْعِ الْحَرَجِ وَتَحْرِيمِ الْأَكْلِ في رُفِعَ عن أُمَّتِي وحرمت عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ حُمِلَ عليه وقد اُخْتُلِفَ في أَلْفَاظٍ منها قَوْله تَعَالَى وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ
- وَلِلشَّافِعِيِّ فيه أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا أنها عَامَّةٌ خَصَّصَهَا الْكِتَابُ الثَّانِي أنها عَامَّةٌ خَصَّصَتْهَا السُّنَّةُ الثَّالِثُ أنها مُجْمَلَةٌ بَيَّنَهَا الْكِتَابُ الرَّابِعُ أنها مُجْمَلَةٌ بَيَّنَتْهَا السُّنَّةُ وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ في آيَةِ الزَّكَاةِ وَهِيَ قَوْلُهُ وَآتُوا الزَّكَاةَ على قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أنها عَامَّةٌ خَصَّصَتْهَا السُّنَّةُ وَالثَّانِي أنها مُجْمَلَةٌ بَيَّنَتْهَا السُّنَّةُ وَهُمَا من جِهَةِ اللَّفْظِ وَالتَّعْرِيفِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ وَاحِدٌ وَفِيهِ سُؤَالٌ وهو أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُفْرَدٌ مُعَرَّفٌ فإن عَمَّ من حَيْثُ اللَّفْظُ فَلْيَعُمَّ في الْآيَتَيْنِ أو الْمَعْنَى فَلْيَعُمَّ فِيهِمَا وَإِنْ لم يَعُمَّ من حَيْثُ اللَّفْظُ وَلَا من حَيْثُ الْمَعْنَى فَلْيَسْتَوِيَا فيه مع أَنَّ الصَّحِيحَ في آيَةِ الْبَيْعِ الْعُمُومُ وفي آيَةِ الزَّكَاةِ الْإِجْمَالُ وَسَبَقَ جَوَابُهُ في بَابِ الْعُمُومِ قال ابن السَّمْعَانِيِّ الصَّحِيحُ أنها لَيْسَتْ مُجْمَلَةً لِأَنَّ الْبَيْعَ مَعْقُولٌ في اللُّغَةِ فَحُمِلَ اللَّفْظُ على الْعُمُومِ إلَّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ وقال أبو مَنْصُورٍ الصَّحِيحُ أنها مُجْمَلَةٌ في الْبُيُوعِ التي فيها الرِّبَا فَأَمَّا بَيْعٌ لَا رِبَا فيه فَدَاخِلٌ في عُمُومِ التَّحْلِيلِ وَكَذَا قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إنَّهُ مُجْمَلٌ فِيمَا اشْتَمَلَ على جِهَةٍ من جِهَاتِ الزِّيَادَةِ دُونَ ما ليس كَذَلِكَ وَمَأْخَذُهُ مُحْتَمَلٌ لِأَنَّ لَامَ التَّعْرِيفِ في الْمُفْرَدِ لِلْعُمُومِ أو الْجِنْسِ الصَّادِقِ على الْكُلِّ أو الْبَعْضِ أو أَنَّهُ وَإِنْ كان لِلْعُمُومِ لَكِنَّ قَوْلَهُ وَحَرَّمَ الرِّبَا جَارٍ مَجْرَى الِاسْتِثْنَاءِ فيه وهو مَجْهُولٌ إذْ الرِّبَا هو الزِّيَادَةُ وَلَيْسَ كُلُّ زِيَادَةٍ حَرَامًا وَبِهِ يُشْعِرُ تَفْصِيلُ الْإِمَامِ وَكَلَامُ الْغَزَالِيِّ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لِتَرَدُّدِهِ بين الْعَهْدِ وَالْعُمُومِ وهو بِإِطْلَاقِهِ لَا يَعُمُّ إلَّا عِنْدَ عَدَمِهِ وَيَلْزَمُهُ ذلك في الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ ثُمَّ هو جَزْمٌ بِالْإِجْمَالِ وقال ابن الْقُشَيْرِيّ في تَفْسِيرِهِ قال الْعُلَمَاءُ هذه الْآيَةُ مُجْمَلَةٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ يَقْتَضِي تَحْلِيلَ كل بَيْعٍ وَقَوْلَهُ وَحَرَّمَ الرِّبَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ كل بَيْعٍ لِأَنَّهُ لَا بَيْعَ إلَّا وَتُقْصَدُ منه الزِّيَادَةُ فَالرُّجُوعُ إذْنٌ إلَى بَيَانِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَقِيلَ الْبَيْعُ الذي لَا زِيَادَةَ فيه هو بَيْعُ عَشَرَةٍ بِعَشَرَةٍ مع التَّجَانُسِ فَهُوَ حَلَالٌ ليس فيه إجْمَالٌ وَإِنَّمَا الْإِجْمَالُ فِيمَا يَتَضَمَّنُ زِيَادَةً فَبَعْضُ ما يَتَضَمَّنُ الزِّيَادَةَ حَلَالٌ وَالْبَعْضُ حَرَامٌ وقال غَيْرُهُ هذه الْآيَةُ مُخَصَّصَةٌ لَا مُجْمَلَةٌ فإن قَوْلَهُ وَحَرَّمَ الرِّبَا دَلَّ على أَنَّ الْمُرَادَ في قَوْلِهِ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ الْبَعْضُ دُونَ الْكُلِّ الذي هو ظَاهِرٌ بِأَصْلِ الْوَضْعِ وَقِيلَ إنَّ الْبَيْعَ مُجْمَلٌ لِأَنَّ الرِّبَا مُجْمَلٌ وهو في حُكْمِ الْمُسْتَثْنَى من الْبَيْعِ
- وَاسْتِثْنَاءُ الْمَجْهُولِ من الْمَعْلُومِ يَعُودُ بِالْإِجْمَالِ على أَصْلِ الْكَلَامِ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ فإن الرِّبَا عَامٌّ في الزِّيَادَاتِ كُلِّهَا وَكَوْنُ الْبَعْضِ غير مُرَادٍ فَرْعُ تَخْصِيصٍ فَلَا تَتَغَيَّرُ بِهِ دَلَالَةُ الْأَوْضَاعِ وَمِنْهَا الْآيَاتُ التي ذُكِرَ فيها الْأَسْمَاءُ الشَّرْعِيَّةُ كَقَوْلِهِ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَقَوْله فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَقَوْلُهُ وَلِلَّهِ على الناس حِجُّ الْبَيْتِ وَفِيهَا وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أنها عَامَّةٌ غَيْرُ مُجْمَلَةٍ فَتُحْمَلُ الصَّلَاةُ على كل دُعَاءٍ وَالصَّوْمُ على كل إمْسَاكٍ وَالْحَجُّ على كل قَصْدٍ إلَّا ما قام الدَّلِيلُ عليه وَالثَّانِي أنها مُجْمَلَةٌ لِأَنَّ الْمُرَادَ بها مَعَانٍ لَا يَدُلُّ اللَّفْظُ عليها في اللُّغَةِ وَإِنَّمَا تُعْرَفُ من جِهَةِ الشَّرْعِ فَافْتَقَرَتْ إلَى الْبَيَانِ هَكَذَا حَكَاهُ الشَّيْخُ في اللُّمَعِ وَجَعَلَهُمَا مَبْنِيَّيْنِ على أَنَّ هذه الْأَسْمَاءَ مَنْقُولَةٌ أو حَقَائِقُ شَرْعِيَّةٌ فَمَنْ قال مَنْقُولَةٌ قال هِيَ مُجْمَلَةٌ قال وهو الْأَصَحُّ وَمَنْ قال حَقَائِقُ شَرْعِيَّةٌ قال هِيَ عَامَّةٌ وَنَسَبَ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ في شَرْحِ الْكِفَايَةِ الْقَوْلَ بِالْإِجْمَالِ في هذا إلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ قال وَحَكَى أبو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ جَعَلَهُ من الْمُجْمَلِ لِأَنَّ مَدْلُولَ الصَّلَاةِ في اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ مُخْتَلِفٌ قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَأَجَازَ الشَّافِعِيُّ الِاسْتِدْلَالَ بِعُمُومِ قَوْلِهِ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ لِأَنَّ الشَّرْعَ وَإِنْ ضَمَّ إلَيْهِ أَوْصَافًا وَشُرُوطًا فَقَدْ ضَمَّ إلَى السَّرِقَةِ في آيَةِ الْقَطْعِ بها نِصَابًا وَحِرْزًا وَمَعَ ذلك يَجُوزُ الِاسْتِدْلَال بِعُمُومِ قَوْلِهِ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ إلَّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ فَكَذَلِكَ الصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ وَمِنْهَا الْأَلْفَاظُ التي عُلِّقَ التَّحْرِيمُ فيها على الْأَعْيَانِ كَقَوْلِهِ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَفِيهَا وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أنها مُجْمَلَةٌ لَا يَصِحُّ التَّعَلُّقُ بِظَاهِرِهَا لِأَنَّ الْعَيْنَ لَا تُوصَفُ بِالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ وَإِنَّمَا الْمَوْصُوفُ بِهِمَا أَفْعَالُنَا وَهِيَ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ فَافْتَقَرَ إلَى بَيَانِ ما يَحْرُمُ من الْأَفْعَالِ وما لَا يَحْرُمُ وَبِهِ قال الْكَرْخِيّ وَتِلْمِيذُهُ أبو عبد اللَّهِ الْبَصْرِيُّ وإذا قُلْنَا بهذا فَاخْتَلَفُوا لِأَيِّ وَجْهٍ الْوَجْهُ الثَّانِي وهو الْأَصَحُّ أنها لَيْسَتْ مُجْمَلَةً لِأَنَّ الْمَعْقُولَ منه التَّصَرُّفُ
- فَيَعُمُّ جَمِيعَ أَنْوَاعِ التَّصَرُّفَاتِ من الْعَقْدِ على الْأُمِّ وَوَطْئِهَا وَأَكْلِ الْمَيْتَةِ وَالتَّصَرُّفِ فيها وهو حَقِيقَةٌ في ذلك وهو قَوْلُ الْقَاضِي عبد الْجَبَّارِ وَأَبِي عَلِيٍّ وَابْنِهِ أبي هَاشِمٍ وَأَبِي الْحُسَيْنِ من الْمُعْتَزِلَةِ لِقَوْلِهِ لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عليهم الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا وَبَاعُوهَا فَأَكَلُوا ثَمَنَهَا فَدَلَّ على أَنَّ تَحْرِيمَهَا أَفَادَ جَمِيعَ أَنْوَاعِ التَّصَرُّفِ وَإِلَّا لم يَتَّجِهْ اللَّعْنُ في الْبَيْعِ قال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَسُلَيْمٌ هذا هو الصَّحِيحُ وقال ابن بَرْهَانٍ إنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَإِنَّ الْأَوَّلَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ وقال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ ما أُرِيدَ بِهِ تَحْرِيمُ الْعَيْنِ نَفْسِهَا وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ تَحْرِيمُ أَفْعَالِنَا وهو حَقِيقَةٌ فيه وقال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ هِيَ حَقِيقَةٌ في تَحْرِيمِ الْعَيْنِ مَجَازٌ في تَحْرِيمِ الْفِعْلِ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَلَنَا أَنَّ الصَّحَابَةَ احْتَجُّوا بِظَاهِرِ هذه الْآيَاتِ في إثْبَاتِ التَّحْرِيمِ ولم يُنْقَلْ عنه أَنَّهُمْ رَجَعُوا في ذلك إلَى شَيْءٍ آخَرَ وَجَعَلَ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ من أَمْثِلَةِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَهُ لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِجُنُبٍ وَلَا حَائِضٍ قال فَمِنْ أَصْحَابِنَا من قال مُجْمَلٌ لِأَنَّ الْأَعْيَانَ لَا تَدْخُلُ في التَّحْرِيمِ إنَّمَا تَدْخُلُ الْأَفْعَالُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْمُرُورَ أو الْمُكْثَ فَيَتَوَقَّفُ فيه وَقِيلَ ليس إضْمَارُ أَحَدِهِمَا بِأَوْلَى من الْآخَرِ مُتَعَيِّنًا وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَاعْلَمْ أَنَّ هذه الْمَسْأَلَةَ هِيَ عَيْنُ مَسْأَلَةِ الْمُقْتَضَى هل له عُمُومٌ في جَمِيعِ مُقَدَّرَاتِهِ أَمْ لَا وابن الْحَاجِبِ مِمَّنْ يَمْنَعُ الْعُمُومَ في بَابِهِ وَيَقُولُ بِهِ هَاهُنَا إلَّا أَنْ يُدَّعَى أَنَّهُ لَا تَلَازُمَ بين نَفْيِ الْإِجْمَالِ وَالْعُمُومِ قال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في قَوْلِهِ إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ على وَجْهَيْنِ أَحَدِهِمَا أَنَّهُ مُجْمَلٌ لِأَنَّ الْمُجْمَلَ يُوجَدُ بِغَيْرِ النِّيَّةِ فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ شَرْطًا في الْجَوَازِ أو الْفَضِيلَةِ وَلَا ذِكْرَ لَهُمَا في الْخَبَرِ فَلَيْسَ إضْمَارُ أَحَدِهِمَا بِأَوْلَى من
- الْآخَرِ وَلَا يَجُوزُ دَعْوَى الْعُمُومِ فِيهِمَا لِأَنَّ الْعُمُومَ لِلْأَلْفَاظِ فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ فيه وَالثَّانِي ليس بِمُجْمَلٍ لِأَنَّهُ قَصَدَ بَيَانَ الشَّرْعِ دُونَ اللُّغَةِ وَإِضْمَارُ أَحَدِهِمَا خِلَافُ الْأَصْلِ فَيَجِبُ الْعُمُومُ قال وَقُلْت أَمَّا إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ قَصَدَ بَيَانَ الشَّرْعِ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ شَرْطًا في الْعَمَلِ دُونَ صِفَتِهِ فَلَا يَصِحُّ الْعَمَلُ شَرْعًا إلَّا بِالنِّيَّةِ وَهَذَا الْجَوَابُ يُغْنِي عن دَعْوَى الْعُمُومِ فيه وقال أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ إذَا قِيلَ إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ أَفَادَ شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا إذَا وَقَعَ بهذا صَحَّ وإذا لم يَأْتِ بِهِ لم يَصِحَّ وَهَذَا مَعْقُولُ الْخِطَابِ وَقِيلَ أَرَادَ الْكَمَالَ لَا الصِّحَّةَ وَلَنَا إذَا بَطَلَ الصِّحَّةُ بَطَلَ الْكَمَالُ أَيْضًا فَهُوَ أَكْثَرُ عُمُومًا فَهُوَ أَكْثَرُ فَائِدَةً قال وكان ابن أبي هُرَيْرَةَ يقول قَوْلُهُ إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ليس الْمُرَادُ إخْرَاجَهُ من الْعَدَمِ إلَى الْوُجُودِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ صِحَّتَهُ أو كَمَالَهُ لَكِنَّ حَمْلَهُ على الصِّحَّةِ أَوْلَى لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ عَامِلًا بِنِيَّتِهِ وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إلَى أَنَّهُ مُجْمَلٌ لِتَرَدُّدِهِ بين الْكُلِّ وَالْبَعْضِ وَالسُّنَّةُ بَيَّنَتْ الْبَعْضَ وَحَكَاهُ في الْمُعْتَمَدِ عن أبي عبد اللَّهِ الْبَصْرِيِّ وقال آخَرُونَ لَا إجْمَالَ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فقالت الْمَالِكِيَّةُ يَقْتَضِي مَسْحَ الْجَمِيعِ لِأَنَّ الرَّأْسَ حَقِيقَةٌ في جَمِيعِهِمَا وَالْبَاءَ إنَّمَا دَخَلَتْ لِلْإِلْصَاقِ وقال الشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى فِيمَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ إنَّهُ يَقْتَضِي التَّبْعِيضَ قال لِأَنَّ الْمَسْحَ فِعْلٌ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَى حَرْفِ التَّعَدِّيَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ مَسَحْته كُلَّهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُفِيدَ دُخُولُهُ الْبَاءَ فَائِدَةً جَدِيدَةً فَلَوْ لم يُفِدْ التَّبْعِيضَ لَبَقِيَ اللَّفْظُ عَارِيًّا عن الْفَائِدَةِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ إنَّهَا حَقِيقَةٌ فِيمَا يَنْطَلِقُ عليه الِاسْمُ وهو الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بين مَسْحِ الْكُلِّ وَالْبَعْضِ فَيَصْدُقُ بِمَسْحِ الْبَعْضِ وَنَسَبَهُ في الْمَحْصُولِ لِلشَّافِعِيِّ قال الْبَيْضَاوِيُّ هُنَا وهو الْحَقُّ وهو مُخَالِفٌ لِإِثْبَاتِهِ مَجِيءَ الْبَاءِ لِلتَّبْعِيضِ وَنَقَلَ ابن الْحَاجِبِ عن الشَّافِعِيِّ وَأَبِي الْحُسَيْنِ وَعَبْدِ الْجَبَّارِ ثُبُوتَ التَّبْعِيضِ بِالْعُرْفِ وَاَلَّذِي في الْمُعْتَمَدِ لِأَبِي الْحُسَيْنِ عن عبد الْجَبَّارِ أنها تُفِيدُ في اللُّغَةِ تَعْمِيمَ مَسْحِ الْجَمِيعِ لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَا يُسَمَّى رَأْسًا وهو اسْمٌ لِلْجُمْلَةِ لَا لِلْبَعْضِ لَكِنَّ الْعُرْفَ يَقْتَضِي إلْحَاقَ الْمَسْحِ بِالرَّأْسِ إمَّا جَمِيعَهُ وَإِمَّا بَعْضَهُ فَيُحْمَلُ الْأَمْرُ عليه ثُمَّ قال إنَّهُ الْأَوْلَى ثُمَّ قال ابن الْحَاجِبِ وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ لَا إجْمَالَ ا هـ قلت وَعِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ في كِتَابِ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ فَكَانَ مَعْقُولًا في الْآيَةِ أَنَّ
- من مَسَحَ من رَأْسِهِ شيئا فَقَدْ مَسَحَ بِرَأْسِهِ ولم تَحْتَمِلْ الْآيَةُ إلَّا هذا وَهَذَا أَظْهَرُ مَعَانِيهَا أو مَسَحَ الرَّأْسَ كُلَّهُ قال فَدَلَّتْ السُّنَّةُ على أَنْ ليس على الْمَرْءِ مَسْحَ رَأْسِهِ كُلِّهِ وإذا دَلَّتْ السُّنَّةُ على ذلك فَمَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ من مَسَحَ شيئا من رَأْسِهِ أَجْزَأَهُ ا هـ فلم يَثْبُتْ التَّبْعِيضُ بِالْعُرْفِ كما زَعَمَ ابن الْحَاجِبِ وقال صَاحِبُ الْمَصَادِرِ يَنْبَغِي على قَوْلِ الشَّافِعِيَّةِ أَنْ يَكُونَ مُجْمَلًا لِأَنَّهُ إذَا أَفَادَ إلْصَاقَ الْمَسْحِ بِالرَّأْسِ من غَيْرِ تَعْمِيمٍ أو تَبْعِيضٍ صَارَ مُحْتَمِلًا لَهُمَا فَيَصِيرُ مُجْمَلًا وَقَوْلُهُمْ إنَّهُ صَارَ مُفِيدًا لِلتَّبْعِيضِ مَمْنُوعٌ وقال الْأَصْفَهَانِيُّ مَذْهَبُ الْأَوَّلِينَ أَقْرَبُ إلَى النَّصِّ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ أَقْرَبُ إلَى الْفِعْلِ وَمِنْهَا قال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ آيَةُ السَّرِقَةِ مُجْمَلَةٌ إذْ الْيَدُ لِلْعُضْوِ من الْمَنْكِبِ وَالْمَرْفِقِ وَالْكُوعِ لِاسْتِعْمَالِهَا فيها وَالْقَطْعُ لِلْإِبَانَةِ وَالشَّقِّ لِأَنَّهُ اُسْتُعْمِلَ فِيهِمَا وَمَنَعَهُ الْجُمْهُورُ بَلْ الْيَدُ حَقِيقَةٌ في الْعُضْوِ إلَى الْمَنْكِبِ وَلِمَا دُونَهُ مَجَازٌ لِصِحَّةِ بَعْضِ الْيَدِ وَلِفَهْمِ الصَّحَابَةِ إذْ مَسَحُوا إلَى الْآبَاطِ لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ وَالْمَجَازُ خَيْرٌ من الِاشْتِرَاكِ وقال بَعْضُهُمْ الْيَدُ في الشَّرْعِ تُسْتَعْمَلُ مُطْلَقَةً وَمُقَيَّدَةً فَالْمُطْلَقَةُ تَنْصَرِفُ إلَى الْكُوعِ بِدَلِيلِ آيَةِ التَّيَمُّمِ وَآيَةِ السَّرِقَةِ وَآيَةِ الْمُحَارَبَةِ وَقَوْلِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ حتى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا وَقَوْلِهِ إذَا أَفْضَى بيده إلَى فَرْجِهِ فَلْيَتَوَضَّأْ وَالْمُقَيَّدَةُ بِحَسَبِ ما قُيِّدَتْ بِهِ كَآيَةِ الْوُضُوءِ فَلَا إجْمَالَ وَالْقَطْعُ حَقِيقَةٌ في الْإِبَانَةِ وَإِطْلَاقُهُ على الشِّقِّ لِوُجُودِهَا فيه وَالتَّوَاطُؤُ خَيْرٌ من الِاشْتِرَاكِ وَمِنْهَا ما وَرَدَ من الْأَوَامِرِ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ وَقَوْلُهُ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ قَوْلُهُ عليه السَّلَامُ الثَّيِّبُ تُشَاوَرُ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أنها تُفِيدُ الْإِيجَابَ وقال قَوْمٌ من الْأُصُولِيِّينَ
- وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إنَّهُ مَوْقُوفٌ فيه إلَى دَلِيلٍ يُعَيِّنُ جِهَةً من الْجِهَاتِ لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الْحَمْلُ على ظَاهِرِهِ وهو الْخَبَرُ لِأَنَّا نَجِدُ مُطَلَّقَةً لَا تَتَرَبَّصُ وَجُرْحًا لَا يَقْتَصُّ وَثَيِّبًا لَا تُشَاوَرُ وَاللَّفْظُ لَا يَتَعَرَّضُ لِجِهَةٍ أُخْرَى بِالنَّصِّ فَلَا بُدَّ في تَعْيِينِ الْجِهَةِ من دَلِيلٍ وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ أنها خَيْرٌ من اللَّهِ فَلَوْ حُمِلَ على حَقِيقَةِ الْخَبَرِ لَزِمَ الْخُلْفُ في خَبَرِ اللَّهِ فَوَجَبَ حَمْلُهَا على إرَادَةِ الْأَمْرِ كَذَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ وَأَدْخَلَهُ في بَابِ الْإِجْمَالِ مَسْأَلَةٌ حَرْفُ النَّفْيِ قد يَدْخُلُ على الْمَاهِيَّةِ وَالْمُرَادُ نَفْيُ الْأَصْلِ كَقَوْلِهِ لَا يَسْمَعُونَ فيها لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا وَقَوْلُهُ فَالْيَوْمَ لَا يَخْرُجُونَ منها وقد يُرَادُ بِهِ نَفْيُ الْكَمَالِ مع بَقَاءِ الْأَصْلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى إنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لهم لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ثُمَّ قال أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ فَنَفَاهَا أَوَّلًا ثُمَّ أَثْبَتَهَا ثَانِيًا فَدَلَّ على أَنَّهُ لم يُرِدْ نَفْيَ الْأَصْلِ بَلْ نَفْيَ الْكَمَالِ وَهَذَا كُلُّهُ إنَّمَا أُخِذَ من الْقَرِينَةِ فَأَمَّا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ كَقَوْلِهِ لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ولا صِيَامَ لِمَنْ لم يُبَيِّتْ الصِّيَامَ من اللَّيْلِ ولا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ ولا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا في الْمَسْجِدِ وَنَحْوُهُ فَاخْتَلَفُوا هل هِيَ مُجْمَلَةٌ أَمْ لَا فَنُقِلَ الْإِجْمَالُ عن الْقَاضِيَيْنِ أبي بَكْرٍ وَعَبْدِ الْجَبَّارِ والْجُبَّائيّيْنِ أبي عَلِيٍّ وَابْنِهِ وَأَبِي عبد اللَّهِ الْبَصْرِيِّ قال ابن بَرْهَانٍ إلَّا أَنَّ الْجُبَّائِيَّيْنِ ادَّعَيَا الْإِجْمَالَ من وَجْهٍ وَالْقَاضِي من وَجْهٍ آخَرَ وقال ابن الْإِبْيَارِيِّ إنَّمَا صَارَ الْقَاضِي إلَى الْإِجْمَالِ لِأَنَّهُ نَفَى الْأَسْمَاءَ الشَّرْعِيَّةَ وَاَلَّذِي دَلَّ اللَّفْظُ على نَفْيِهِ مَوْجُودٌ فَافْتَقَرَ إلَى التَّقْدِيرِ وَتَعَدُّدِ الْمُقَدَّرِ وَنَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ عن أَهْلِ الرَّأْيِ وَنَقَلَ الْمَازِرِيُّ عن الْقَاضِي أبي بَكْرٍ الْوَقْفَ قال وهو غَيْرُ مَذْهَبِ الْإِجْمَالِ
- فيقول يَحْتَمِلُ عِنْدِي نَفْيَ الْإِجْزَاءِ وَنَفْيَ الْكَمَالِ لَا أَكْثَرَ من ذلك حتى يَقُومَ دَلِيلٌ على أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ وَالْقَائِلُ بِالْإِجْمَالِ يقول إنَّهُ يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ الصَّالِحَةِ لِلنَّفْيِ قلت وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ بَلْ صَرَّحَ في صَدْرِ كَلَامِهِ بِأَنَّهُ بِمُجْمَلٍ وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أنها عَامَّةٌ منهم الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ وَالْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في التَّلْخِيصِ وابن الْقُشَيْرِيّ عن مُعْظَمِ الْفُقَهَاءِ وَصَحَّحَهُ ابن بَرْهَانٍ وابن السَّمْعَانِيِّ وَحَكَاهُ عن الْأَصْحَابِ وقال ابن الْقَطَّانِ إنَّهُ الظَّاهِرُ قال وَتَجَاهَلَ قَوْمٌ فَقَالُوا ليس فيه دَلَالَةٌ على دَفْعِهِ قال شَارِحُ اللُّمَعِ وَاخْتَلَفُوا إلَى مَاذَا يَعُودُ النَّفْيُ على وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا إلَى نَفْيِ الْمَذْكُورِ وهو النِّكَاحُ الشَّرْعِيُّ وَالصَّلَاةُ الشَّرْعِيَّةُ وَالصَّوْمُ الشَّرْعِيُّ لِأَنَّهُ الذي وَرَدَهُ بِهِ الشَّرْعُ وَذَلِكَ لم يُوجَدْ مع شَرْطِهِ الْمَذْكُورِ فَاسْتَغْنَى هذا عن دَعْوَى الْعُمُومِ في الْمُضْمَرِ وَعَنْ حَمْلِ الْكَلَامِ على التَّنَاقُضِ وَعَلَى مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لِأَنَّ النبي عليه السَّلَامُ بُعِثَ لِبَيَانِ الشَّرْعِيَّاتِ وَقِيلَ بَلْ يُرْجَعُ إلَى الصِّفَاتِ التي يَقَعُ بها الِاعْتِدَادُ في الْكِفَايَةِ كما يُرْجَعُ النَّفْيُ عِنْدَ أَهْلِ اللِّسَانِ في قَوْلِ الْقَائِلِ ليس في الْبَلَدِ سُلْطَانٌ على نَفْيِ الصِّفَاتِ التي يَقَعُ بِمَا الْكِفَايَةُ وَهَذِهِ الصِّفَاتُ وَإِنْ لم تَكُنْ مَذْكُورَةً فَهِيَ مَعْقُولَةٌ من ظَاهِرِ اللَّفْظِ فَنَزَلَتْ مَنْزِلَةَ الْمَلْفُوظِ بِهِ وقال بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ في النَّفْيِ إذَا وَقَعَ في الشَّرْعِ على مَاذَا يُحْمَلُ فقال بَعْضُهُمْ يُلْحَقُ بِالْمُجْمَلَاتِ لِأَنَّ نَفْيَهُ يَقْتَضِي نَفْيَ الذَّوَاتِ وَمَعْلُومٌ ثُبُوتُهَا حِسًّا فَقَدْ صَارَ الْمُرَادُ مَجْهُولًا وَهَذَا الذي قَالُوهُ خَطَأٌ فإن الْمَعْلُومَ من عَادَةِ الْعَرَبِ أنها لَا تَضَعُ هذا النَّفْيَ لِلذَّاتِ في كل مَكَان وَإِنَّمَا تُورِدُهُ مُبَالَغَةً فَتَذْكُرُ الذَّاتَ لِيَحْصُلَ لها ما أَرَادَتْ من الْمُبَالَغَةِ وقال آخَرُونَ بَلْ يُحْمَلُ على نَفْيِ الذَّاتِ وَسَائِرُ أَحْكَامِهَا وَيُخَصُّ الذَّاتُ بِالدَّلِيلِ على أَنَّ النبي عليه السَّلَامُ لم يُرِدْهُ وقال قَوْمٌ لم تَقْصِدْ الْعَرَبُ إلَى نَفْيِ الذَّاتِ وَلَكِنْ لِنَفْيِ أَحْكَامِهَا وَمِنْ أَحْكَامِهَا الْكَمَالُ وَالْإِجْزَاءُ فَيُحْمَلُ اللَّفْظُ على الْعُمُومِ فيها وَأَنْكَرَ هذا بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ لِأَنَّ الْعُمُومَ لَا يَصِحُّ دَعْوَاهُ فِيمَا يَتَنَافَى وَلَا شَكَّ أَنَّ نَفْيَ الْكَمَالِ يُشْعِرُ بِحُصُولِ الْإِجْزَاءِ فإذا قُدِّرَ الْإِجْزَاءُ مَنْفِيًّا لِتَحَقُّقِ الْعُمُومِ قُدِّرَ ثَابِتًا لِتَحَقُّقِ إشْعَارِ نَفْيِ الْكَمَالِ بِثُبُوتِهِ وَهَذَا يَتَنَاقَضُ وما يَتَنَاقَضُ لَا يَحْتَمِلُ الْكَمَالَ وَصَارَ الْمُحَقِّقُونَ إلَى التَّوَقُّفِ بين نَفْيِ الْإِجْزَاءِ
- وَنَفْيِ الْكَمَالِ وَادَّعَوْا الِاحْتِمَالَ من هذه الْجِهَةِ لَا بِمَا قال الْأَوَّلُونَ فَعَلَى هذه الْمَذَاهِبِ يَخْرُجُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لم يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَالْقَائِلُونَ اخْتَلَفُوا في سَبَبِهِ على ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ أَحَدُهَا أنها ظَاهِرَةٌ في نَفْيِ الْوُجُودِ وهو لَا يُمْكِنُ لِأَنَّهُ وَاقِعٌ قَطْعًا فَاقْتَضَتْ إيهَامًا وَالثَّانِي أنها ظَاهِرَةٌ في نَفْيِ الْوُجُودِ وَنَفْيِ الْحُكْمِ فَصَارَ مُجْمَلًا وَالثَّالِثُ أنها مُتَرَدِّدَةٌ بين نَفْيِ الْجَوَازِ وَنَفْيِ الْوُجُودِ قال الْمُقْتَرِحُ وهو الْأَلْيَقُ بِمَذْهَبِ الْقَاضِي قُلْت قد سَبَقَ التَّصْرِيحُ بِهِ عنه في كِتَابِ التَّقْرِيبِ وَصَرَّحَ بِنَقْلِهِ عنه ابن الْقُشَيْرِيّ وَرَدَّهُ وقال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ الصَّحِيحُ حَمْلُ اللَّفْظِ على نَفْيِ الْمَنْطُوقِ بِهِ دُونَ صِفَتِهِ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ اللَّفْظِ وَيُغْنِي عن دَعْوَى الْعُمُومِ فيه يَعْنِي أَنَّهُ يَلْزَمُ من نَفْيِ الْأَصْلِ نَفْيُ صِفَتِهِ وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا أَنَّ لَفْظَ النَّفْيِ في الشَّرْعِ يَقْتَضِي نَفْيَ الْعَيْنِ كَقَوْلِهِ لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ ولا صَلَاةَ إلَّا بِطُهُورٍ فَأَمَّا قَوْلُهُ لَا وُضُوءَ لِمَنْ لم يذكر اسْمَ اللَّهِ فَإِنَّمَا أَرَادَ ذِكْرَ الْقَلْبِ وَلَا يَصِحُّ بِدُونِهِ وَقَوْلُهُ لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا في الْمَسْجِدِ أَرَادَ بِالْمَسْجِدِ الْمَكَانَ الطَّاهِرَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ جُعِلَتْ لي الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا انْتَهَى وَأَجَازَ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ تَقْدِيرَ نَفْيِ الصِّحَّةِ وَحَكَى عن أَهْلِ الْعِرَاقِ نَفْيَ الْكَمَالِ وَعَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَقْتَضِي نَفْيَ الْأَمْرَيْنِ جميعا وَاخْتَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ أَنَّ النَّفْيَ ظَاهِرٌ في الْإِجْزَاءِ مُحْتَمِلٌ على الْخَفَاءِ لِنَفْيِ الْكَمَالِ فَإِنْ عَضَّدَهُ دَلِيلٌ قَوِيٌّ يَزِيدُ على قُوَّةِ الظُّهُورِ انْصَرَفَ إلَى الْكَمَالِ وَإِلَّا فَهُوَ ظَاهِرٌ في الْإِجْزَاءِ فَعُرْفُ الشَّرْعِ عِنْدَهُمْ عُرْفٌ مَقْصُودٌ وَلَهُ في الْأَلْفَاظِ اللُّغَوِيَّةِ تَصَرُّفٌ وَمَعْنَى الْإِجْزَاءِ عِنْدَهُمْ أَسْمَاءُ الصُّورَةِ الشَّرْعِيَّةِ
- وقال الْمَاوَرْدِيُّ إذَا كان الْحُكْمُ مُطْلَقًا يَحْتَمِلُ الْجَوَازَ وَنَفْيَ الْكَمَالِ قال وَيَجْرِي على مَذْهَبِ من قال يُوقَفُ الْمُحْتَمَلُ يُجْعَلُ هذا مَوْقُوفًا لِأَنَّهُ مُحْتَمَلٌ وَالْقَائِلُونَ بِالْعُمُومِ اخْتَلَفُوا هل النَّفْيُ انْصَبَّ إلَى الْأَعْيَانِ وَالْأَحْكَامِ فَهُوَ عَامٌّ فِيهِمَا ثُمَّ خُصَّتْ الْأَعْيَانُ بِدَلِيلِ الْحِسِّ أو الْعَقْلِ وَبَقِيَتْ الْأَحْكَامُ على مُوجِبِهَا وَيَجْرِي ذلك مَجْرَى تَخْصِيصِ اللَّفْظِ الْعَامِّ أو انْصَبَّ إلَى الْأَحْكَامِ فَقَطْ وَلَا يُقَدَّرُ دُخُولُ الْأَعْيَانِ لِيَحْتَاجَ إلَى تَخْصِيصِهِ لِأَنَّهُ عليه السَّلَامُ لم يَتَعَرَّضْ لِلْمَحْسُوسَاتِ فَهُوَ عَامٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَفْرَادِ الْأَحْكَامِ على قَوْلَيْنِ حَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ قال ابن الْقُشَيْرِيّ وَالْمُخْتَارُ أَنَّ اللَّفْظَ ظَاهِرٌ في نَفْيِ الْجَوَازِ مُؤَوَّلٌ في نَفْيِ الْكَمَالِ فَيُحْمَلُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ على نَفْيِ الْجَوَازِ وَلَا يُحْمَلُ على نَفْيِ الْكَمَالِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَهَكَذَا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ وَالْإِمَامُ في الْبُرْهَانِ وَالْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ في كِتَابِ الْقَضَاءِ وَنَقَلَهُ أبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ في كِتَابِهِ عن عِيسَى بن أَبَانَ ثُمَّ قال إنَّهُ الصَّحِيحُ وَجَزَمَ بِهِ ابن الْقَطَّانِ قال وَلِلتَّعْبِيرِ عنه طَرِيقَانِ إمَّا أَنْ يَقُولَ هو بَاطِلٌ أو يَقُولَ لَا كَذَا إلَّا بِكَذَا فَظَاهِرُ الْبُطْلَانِ إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ يَصْرِفُهُ عنه إلَى الْكَمَالِ وَالْفَضِيلَةِ قال وَهَذَا من آكَدِ ما يُخَاطَبُ بِهِ في إيجَابِ الشَّيْءِ ثُمَّ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في التَّلْخِيصِ تَبَعًا لِلْقَاضِي الذي نَرْتَضِيهِ إلْحَاقُ اللَّفْظِ بِالْمُحْتَمَلَاتِ لِتَرَدُّدِ اللَّفْظِ بين الْجَوَازِ وَالْكَمَالِ وَيَسْتَحِيلُ الْحَمْلُ عَلَيْهِمَا جميعا وَلَا طَرِيقَ إلَى التَّوَقُّفِ لِتَعَيُّنِ لَفْظِ الْمُحْتَمَلَيْنِ فَإِنْ قِيلَ هذا هو الْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ في ادِّعَاءِ الْإِجْمَالِ قُلْنَا الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ الَّذِينَ ادَّعَوْا الْإِجْمَالَ أَوَّلًا اسْتَنَدُوا إلَى تَوَقُّعِ نَفْيِ الْأَعْيَانِ وهو مُسْتَحِيلٌ وَنَحْنُ أَسْنَدْنَا ادِّعَاءَ الْإِبْهَامِ إلَى الْأَحْكَامِ قال ثُمَّ هذا كُلُّهُ إذَا قُلْنَا بِإِثْبَاتِ صِيَغِ الْعُمُومِ فَإِنْ مَنَعْنَاهُ لم نَحْتَجْ إلَى إيضَاحِ وَجْهِ الْإِجْمَالِ قال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ فَقَوْلُهُ لَا صَلَاةَ إلَّا بِطُهُورٍ من قال إنَّ النَّفْيَ تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ مَنَعَ من الِاسْتِدْلَالِ بِهِ على جَوَازِ الصَّلَاةِ وَفَسَادِهَا وقال إنَّ النَّفْيَ يَتَعَلَّقُ بِالصُّورَةِ وقد وُجِدَتْ وَالْمَصِيرُ إلَى الْجَوَازِ وَالْكَمَالِ لَا بُدَّ له من دَلِيلٍ وَمَنْ جَعَلَهُ عَامًّا في الْجَمِيعِ زَعَمَ أَنَّهُ يُوجِبُ نَفْيَ الْحُكْمِ وَثُبُوتُ الْعَيْنِ بِالدَّلِيلِ لَا يَمْنَعُ من اسْتِعْمَالِ الظَّاهِرِ فِيمَا بَعْدَهُ وقال هذا هو الصَّحِيحُ ا هـ وَالْمُخْتَارُ وَعَلَيْهِ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ إنْ دخل على مُسَمًّى شَرْعِيٍّ كَالصَّلَاةِ فَالْمُرَادُ نَفْيِ
- الصِّحَّةِ لِإِمْكَانِ حَمْلِهِ عليه فَلَا إجْمَالَ وَإِنْ دخل على مُسَمًّى حَقِيقِيٍّ نُظِرَ فيه فَإِنْ لم يَكُنْ إلَّا حُكْمٌ وَاحِدٌ تَعَيَّنَ كَقَوْلِهِ لَا شَهَادَةَ لِمَجْلُودٍ في قَذْفٍ إذْ لَا يُرَادُ بِهِ نَفْيُ الْفَضِيلَةِ وَإِنْ كان حُكْمَانِ الْفَضِيلَةُ وَالْجَوَازُ فَهُوَ مُجْمَلٌ لِعَدَمِ التَّعَيُّنِ وَنَحْوِ لَا يَسْتَوِي لَا يُسَمَّى مُجْمَلًا عِنْدَ من لَا يقول بِعُمُومِهِ فَائِدَةٌ الْمُقَدَّرُ في قَوْلِهِ لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ مَنَعَ ابن الدَّهَّانِ النَّحْوِيُّ تَقْدِيرَ من قَدَّرَ لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ بِقَوْلِهِ لَا صَلَاةَ كَامِلَةٌ من جِهَةِ الصِّنَاعَةِ لِأَنَّ الصِّنَاعَةَ لَا يَجُوزُ حَذْفُهَا فَلَا يَجُوزُ حَذْفُ بَعْضِهَا قال وَإِنَّمَا التَّقْدِيرُ لَا كَمَالَ صَلَاةٍ فَحَذَفَ الْمُضَافَ فَأَقَامَ الْمُضَافَ إلَيْهِ مَقَامَهُ وَكَذَا قال الْعَبْدَرِيّ في شَرْحِ الْمُسْتَصْفَى من قَدَّرَ لَا صِيَامَ صَحِيحٌ أو مُجْمَلٌ فَقَدْ أَبْعَدَ لِأَنَّ حَذْفَ الصِّفَةِ وَإِبْقَاءَ الْمَوْصُوفِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ في كَلَامِ الْعَرَبِ لم يَأْتِ إلَّا في قَوْلِهِمْ سِيرِي سَيْرَ وَأَلْفَاظٌ قَلِيلَةٌ وَإِنَّمَا الْمَعْرُوفُ وهو حَذْفُ الْمَوْصُوفِ وَإِبْقَاءُ الصِّفَةِ مَسْأَلَةٌ الْمُقَدَّرُ في مِثْلِ قَوْلِهِ رُفِعَ عن أُمَّتِي الْخَطَأُ وَهَذَا الْخِلَافُ يَجْرِي في الرَّفْعِ أَيْضًا نَحْوُ رُفِعَ عن أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ رُفِعَ الْقَلَمُ عن الصَّبِيِّ قال الْغَزَالِيُّ قَضِيَّةُ اللَّفْظِ رَفْعُ نَفْسِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وهو غَيْرُ مَعْقُولٍ فَالْمُرَادُ بِهِ رَفْعُ حُكْمِهِ لَا على الْإِطْلَاقِ بَلْ الْحُكْمُ الذي عُلِمَ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ قبل الشَّرْعِ إرَادَتُهُ بهذا اللَّفْظِ وهو دَفْعُ الْإِثْمِ فَلَيْسَ بِعَامٍّ في جَمِيعِ أَحْكَامِهِ من الضَّمَانِ وَلُزُومِ الْقَضَاءِ وَغَيْرِهِ وَلَا هو يُحْمَلُ بين الْمُؤَاخَذَةِ التي تَرْجِعُ إلَى الذَّمِّ نَاجِزًا وَإِلَى الْعُقُوبَاتِ آجِلًا وَبَيْنَ الْغُرْمِ وَالْقَضَاءِ لَا صِيغَةَ لِعُمُومِهِ حتى يُجْعَلَ عَامًّا في كل حُكْمٍ كما لم يُجْعَلْ قَوْلُهُ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ عَامًّا في كل فِعْلٍ مع أَنَّهُ لَا بُدَّ من إضْمَارِ الْفِعْلِ ثُمَّ قال فَأَمَّا إذَا وَرَدَ في مَوْضِعٍ لَا عَيْنَ فيه فَهُوَ مُجْمَلٌ يَحْتَمِلُ نَفْيَ الْأَثَرِ مُطْلَقًا أو نَفْيَ الْبَعْضِ
- وَحَكَى شَارِحُ اللُّمَعِ في هذا وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مُجْمَلٌ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي رَفْعَ الْأَفْعَالِ الْمَذْكُورَةِ وهو مُحَالٌ لِأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى ما ليس بِمَذْكُورٍ وهو إمَّا الْإِثْمُ أو الْحُكْمُ وَلَا يُحْمَلُ على شَيْءٍ إلَّا بِدَلِيلٍ وَمِنْ أَصْحَابِنَا من قال نَحْمِلُهُ على مَوْضِعِ الْخِلَافِ وَمِنْهُمْ من يَحْمِلُهُ على الْأَعَمِّ فَائِدَةً قال وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ ليس بِمُجْمَلٍ لِأَنَّهُ مَعْقُولٌ لُغَةً فإن السَّيِّدَ لو قال لِعَبْدِهِ رَفَعْت عَنْك جِنَايَتَك عُقِلَ منه رَفْعُ الْمُؤَاخَذِ عن كل ما يَتَعَلَّقُ بِالْجِنَايَةِ فَعَلَى هذا هل يَرْجِعُ الرَّفْعُ إلَى الْإِثْمِ وَالْحَرَجِ أو إلَى جَمِيعِ الْأَحْكَامِ إلَّا ما أَخْرَجَهُ دَلِيلٌ فيه وَجْهَانِ حَكَاهُمَا في الْإِرْشَادِ وَجَمَعَ الْأَصْفَهَانِيُّ شَارِحُ الْمَحْصُولِ ثَلَاثَةَ مَذَاهِبَ أَحَدُهَا أَنَّهُ مُجْمَلٌ وَالثَّانِي الْحَمْلُ على رَفْعِ الْعِقَابِ آجِلًا وَالْإِثْمِ نَاجِزًا وهو مَذْهَبُ الْغَزَالِيِّ لِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ منه في الْعُرْفِ وَلَيْسَ بِعَامٍّ في نَفْيِ الضَّمَانِ الثَّالِثُ وَاخْتَارَهُ الرَّازِيَّ في الْمَحْصُولِ حَمَلَهُ على رَفْعِ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ قُلْت وَمِمَّنْ حَكَى الثَّلَاثَةَ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ وَنَسَبَ الثَّالِثَ لِأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ من أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِهِمْ وَاخْتَارَ هو الثَّانِيَ أَعْنِي أَنَّهُ مَحْمُولٌ على نَفْيِ الْإِثْمِ وَالْحَرَجِ خَاصَّةً مَسْأَلَةٌ في أَنَّ لَفْظَ الشَّارِعِ إذَا دَارَ بين مَدْلُولَيْنِ إنْ حُمِلَ على أَحَدِهِمَا أَفَادَ مَعْنًى وَاحِدًا وَإِنْ حُمِلَ على الْآخَرِ أَفَادَ مَعْنَيَيْنِ وَلَيْسَ هو أَظْهَرَ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَحَدِهِمَا فَهَلْ هو مُجْمَلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمْ هو ظَاهِرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى إفَادَةِ الْمَعْنَيَيْنِ قال الْهِنْدِيُّ ذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إلَى الثَّانِي وَذَهَبَ الْأَقَلُّونَ منهم الْغَزَالِيُّ إلَى أَنَّهُ مُجْمَلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا قُلْت وَاخْتَارَهُ ابن الْحَاجِبِ وَالْأَوَّلُ اخْتِيَارُ الْآمِدِيَّ تَكْثِيرًا لِلْفَائِدَةِ وَلِمَا فيه من رَفْعِ الْإِجْمَالِ الذي هو خِلَافُ الْأَصْلِ فَمَنْ لم يَجْعَلْهُ مُجْمَلًا يَجْعَلُهُ حَقِيقَةً في الْمَعْنَيَيْنِ مَجَازًا في الْوَاحِدِ وَاللَّفْظُ الدَّائِرُ بين الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ ليس بِمُجْمَلٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا بَلْ هو ظَاهِرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَقِيقَةِ وَمَنْ جَعَلَهُ مُجْمَلًا لَا يَجْعَلُهُ حَقِيقَةً في أَحَدِهِمَا عَيْنًا بَلْ يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ احْتِمَالًا سَوَاءٌ أو يَكُونُ حَقِيقَةً في الْمَعْنَى الْوَاحِدِ مَجَازًا في الْمَعْنَيَيْنِ وَبِالْعَكْسِ وَأَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِيهِمَا وَلَا يَرْجِعُ لِسَبَبِ إفَادَةِ الْمَعْنَيَيْنِ ثُمَّ قال الْآمِدِيُّ وَالْهِنْدِيُّ مَحَلُّ الْخِلَافِ إنَّمَا هو فِيمَا إذَا لم يَكُنْ حَقِيقَةً في الْمَعْنَيَيْنِ فإنه يَكُونُ
- مُجْمَلًا أو حَقِيقَةً في أَحَدِهِمَا فَالْحَقِيقَةُ مُرَجَّحَةٌ قَطْعًا وَظَاهِرُهُ جَعْلُ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا كَانَا مَجَازَيْنِ لِأَنَّهُ إذَا لم يَكُنْ حَقِيقَتَيْنِ وَلَا أَحَدُهُمَا حَقِيقَةً وَالْآخَرُ مَجَازًا فما بَقِيَ إلَّا أَنْ يَكُونَا مَجَازَيْنِ وَحِينَئِذٍ فَقَدْ يَسْتَشْكِلُ جَرَيَانُ الْخِلَافِ فيه لِأَنَّ نِسْبَةَ الْمَجَازَيْنِ إلَى اللَّفْظِ نِسْبَةُ الْحَقِيقَتَيْنِ وَالْحَقُّ أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ أَعَمُّ من ذلك وهو اللَّفْظُ الْمُحْتَمِلُ لِمُتَسَاوِيَيْنِ سَوَاءٌ كَانَا حَقِيقَتَيْنِ أو مَجَازَيْنِ أو أَحَدُهُمَا حَقِيقَةً مَرْجُوحَةً وَالْآخَرُ مَجَازًا رَاجِحًا عِنْدَ الْقَائِلِ بِتَسَاوِيهِمَا وَيَكُونُ ذلك بِاعْتِبَارِ الظُّهُورِ وَالْخَفَاءِ وَيَنْزِلُ كَلَامُ الْآمِدِيَّ على ما سَنَذْكُرُهُ وَاعْلَمْ أَنَّ تَرْجَمَةَ الْمَسْأَلَةِ هَكَذَا تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمَعْنَى الْوَاحِدَ ليس وَاحِدًا من الْمَعْنَيَيْنِ وَالظَّاهِرُ في هذا تَرْجِيحُ الْإِجْمَالِ وَقَوْلُهُمْ الْحَمْلُ على الْمَعْنَيَيْنِ أَكْثَرُ فَائِدَةً مَمْنُوعٌ لِأَنَّ هذا صَحِيحٌ فِيمَا إذَا كان الْمَعْنَى الْوَاحِدَ أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ وَعَلَى هذه الْحَالَةِ يَنْزِلُ قَوْلُ الْآمِدِيَّ وَالْهِنْدِيِّ أَنَّهُ لم يَقُلْ بِالْحَمْلِ على الْمَعْنَى الْوَاحِدِ أَحَدٌ وَالْإِعْرَاضِ عن الْآخَرِ ذِي الْمَعْنَيَيْنِ الْمُغَايِرَيْنِ لِلْمَعْنَى الْوَاحِدِ بَلْ الظَّاهِرُ الْإِجْمَالُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَجَّحَ الْمُجْمَلُ ذُو الْمَعْنَيَيْنِ لِكَوْنِهِ أَكْثَرَ فَائِدَةً وقد يُمَثَّلُ لِهَذِهِ الْحَالَةِ بِقَوْلِهِ الْمُحْرِمُ لَا يَنْكِحُ وَلَا يُنْكَحُ إذَا قُلْنَا النِّكَاحُ مُشْتَرَكٌ فإنه دَائِرٌ بَيْنَهُمَا من غَيْرِ تَرْجِيحٍ فَإِنْ حُمِلَ على الْوَطْءِ اُسْتُفِيدَ منه مَعْنًى وَاحِدٌ وهو أَنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَطَأُ وَلَا يُوطَأُ وَإِنْ حُمِلَ على الْعَقْدِ اُسْتُفِيدَ منه شَيْئَانِ بَيْنَهُمَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ وهو أَنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَعْقِدُ لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا مِنْهُمَا فَيُعْمَلَ بِهِ قَطْعًا لِأَنَّهُ مُرَادٌ على كل حَالٍ وَيَبْقَى النَّظَرُ في الْمَعْنَى الْآخَرِ وقد يُمَثَّلُ لِهَذِهِ الْحَالَةِ بِقَوْلِهِ الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا فإنه يَحْتَمِلُ أنها أَحَقُّ بِنَفْسِهَا فَتَعْقِدُ على نَفْسِهَا كما يقول بِهِ الْخُصُومُ أو أنها أَحَقُّ بِنَفْسِهَا فَتُمَكَّنُ من أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ تَأْذَنَ لِمَنْ يَعْقِدُ عليها وَالثَّانِي أَنْ تَعْقِدَ بِنَفْسِهَا وَنُقِلَ ذلك عن نَصِّ الشَّافِعِيِّ إذَا كانت في مَوْضِعٍ لَا وَلِيَّ فيه وَلَا حَاكِمَ وَكَذَا قَوْلُهُ فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ مِقْدَارَ الْوَاجِبِ أو مِقْدَارَ ما يَجِبُ فيه أو مِقْدَارَ الْوَاجِبِ خَاصَّةً
- مَسْأَلَةٌ الذي له مُسَمًّى شَرْعِيٌّ هل هو مُجْمَلٌ ما له مُسَمًّى شَرْعِيٌّ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ ليس بِمُجْمَلٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ بَلْ اللَّفْظُ مَحْمُولٌ على الشَّرْعِيِّ لِأَنَّهُ عليه السَّلَامُ بُعِثَ لِبَيَانِ الشَّرِيعَةِ لَا اللُّغَةِ وَلِأَنَّ الشَّرْعَ طَارِئٌ على اللُّغَةِ وَنَاسِخٌ لها فَالْحَمْلُ النَّاسِخُ الْمُتَأَخِّرُ أَوْلَى وَلِهَذَا ضَعَّفُوا قَوْلَ من حَمَلَ الْوُضُوءَ من أَكْلِ لَحْمِ الْجَزُورِ على النَّظَافَةِ بِغَسْلِ الْيَدِ وَثَانِيهَا أَنَّهُ مُجْمَلٌ وَنَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ عن أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَبِهِ قال الْقَاضِي وقال الْغَزَالِيُّ وَلَعَلَّهُ فَرَّعَهُ على مَذْهَبِ من يُثْبِتُ الْأَسَامِي الشَّرْعِيَّةَ وَإِلَّا فَهُوَ مُنْكِرٌ لها وَثَالِثُهَا وهو الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْغَزَالِيِّ التَّفْصِيلُ بين أَنْ يَرِدَ مُثْبَتًا فَيُحْمَلُ على الشَّرْعِيِّ كَقَوْلِهِ إنِّي إذَنْ صَائِمٌ فَيُسْتَفَادُ منه صِحَّةُ نِيَّةِ النَّهَارِ وَإِنْ وَرَدَ مَنْفِيًّا فَمُجْمَلٌ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَهُمَا كَالنَّهْيِ عن صِيَامِ يَوْمِ النَّحْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَلَا يُسْتَفَادُ منه صِحَّةُ صَوْمِهِمَا من جِهَةِ أَنَّ النَّهْيَ عن الْمُمْتَنِعِ مُمْتَنِعٌ وَهَذَا منه بِنَاءً على أَصْلِهِ أَنَّ النَّهْيَ لَا يَقْتَضِي الْفَسَادَ ثُمَّ هو مع ذلك لَا يقول بِأَنَّهُ يَقْتَضِي الصِّحَّةَ وَرَابِعُهَا لَا إجْمَالَ أَيْضًا وَالْمُرَادُ في الْإِثْبَاتِ الشَّرْعِيِّ وفي النَّهْيِ اللُّغَوِيِّ وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ لِتَعَذُّرِ حَمْلِهِ على الشَّرْعِيِّ لِأَنَّ الشَّرْعِيَّ يَسْتَلْزِمُ الصِّحَّةَ وَالنَّهْيُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَلِهَذَا اتَّفَقُوا على حَمْلِ قَوْلِهِ دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِك على الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ مع أَنَّهُ في مَعْنَى النَّهْيِ تَفْرِيعٌ إذَا تَعَذَّرَ الْحَمْلُ على الشَّرْعِيِّ إنْ قُلْنَا بِالْأَصَحِّ أَنَّهُ يُحْمَلُ على الشَّرْعِيِّ فَلَوْ تَعَذَّرَ ولم يُمْكِنْ الرَّدُّ إلَيْهِ إلَّا بِضَرْبٍ
- من التَّجَوُّزِ فَهَلْ يُحْمَلُ على اللُّغَوِيِّ أو يَكُونُ مُجْمَلًا أو يُرَدُّ إلَى الشَّرْعِيِّ فيه ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ وَاخْتَارَ الْغَزَالِيُّ الْإِجْمَالَ قال ولم يَثْبُتْ أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لم يَنْطِقْ بِالْحُكْمِ الْعَقْلِيِّ وَلَا بِالِاسْمِ اللُّغَوِيِّ وَلَا بِالْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ فَتَرْجِيحُ الشَّرْعِيِّ تَحَكُّمٌ وَتُمَثَّلُ الْمَسْأَلَةُ بِ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ وب الِاثْنَيْنِ فما فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ قال فإنه يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُسَمَّى جَمَاعَةً وَانْعِقَادُ الْجَمَاعَةِ وَحُصُولُ فَضِيلَتِهَا وَالْأَكْثَرُونَ منهم ابن الْحَاجِبِ أَنَّهُ يُحْمَلُ على الشَّرْعِيِّ لِأَنَّ الشَّارِعَ بُعِثَ لِبَيَانِ الشَّرْعِيَّاتِ وهو الْأَغْلَبُ وقال الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ في كِتَابِ الْمَجَازِ أَمَّا قَوْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَمَحْمُولٌ على صِيغَةِ إيجَابِ النِّكَاحِ اللُّغَوِيَّةِ دُونَ الشَّرْعِيَّةِ وَذَلِكَ حَقِيقَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى اللُّغَةِ دُونَ الشَّرْعِ كَالصَّلَاةِ الْمَحْمُولَةِ على الدُّعَاءِ في قَوْلِهِ وَإِنْ كان صَائِمًا فَلْيُصَلِّ أَيْ فَلْيَدْعُ وَكَذَلِكَ نَهْيُهُ عن بَيْعِ الْحُرِّ فإنه مَحْمُولٌ على اللُّغَوِيِّ دُونَ الشَّرْعِيِّ وَأَمَّا نَهْيُ الْحَائِضِ عن الصَّلَاةِ فَلَيْسَتْ الصَّلَاةُ فيه مَحْمُولَةً على الْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ لِتَعَذُّرِهِ وَلَا على اللُّغَوِيِّ الذي هو الدُّعَاءُ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَإِنَّمَا هو مَجَازُ تَشْبِيهٍ لِأَنَّ صُورَةَ صَلَاتِهَا شَبِيهَةٌ بِصُورَةِ الصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّةِ فَهُوَ مَجَازٌ عن حَقِيقَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَالْمُخْتَارُ أَنَّ صَلَاتَهَا مَجَازٌ عن مَجَازٍ شَرْعِيٍّ بِالنِّسْبَةِ إلَى اللُّغَةِ لِأَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّ تَسْمِيَةَ الصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّةِ بهذا اللَّفْظِ من مَجَازِ تَسْمِيَةِ الْكُلِّ بِاسْمِ جُزْئِهِ لِأَنَّ الدُّعَاءَ جُزْءٌ من أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ فَتُجُوِّزَ بِهِ عنها كما تُجُوِّزَ عنها بِالْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مَسْأَلَةٌ ما له مُسَمًّى عُرْفِيٌّ وَشَرْعِيٌّ عَلَامَ يُحْمَلُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَجْهَانِ خَرَّجَهُمَا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ من الْخِلَافِ فِيمَنْ نَذَرَ عِتْقَ رَقَبَةٍ هل يُجْزِئُ ما يَقَعُ عليه الِاسْمُ في الْعُرْفِ أو لَا يُجْزِئُ إلَّا ما يُجْزِئُ في الْكَفَّارَةِ فيه وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ قُلْت الرَّاجِحُ الْحَمْلُ على الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ أَوَّلًا ثُمَّ الْعُرْفِيَّةُ وَيَشْهَدُ له ما لو
- وَقَفَ أو أَوْصَى لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَلِسَبِيلِ اللَّهِ فإنه يُعْتَبَرُ من اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ في الزَّكَاةِ وَكَذَا لو حَلَفَ لَا يَبِيعُ الْخَمْرَ فإنه لَا يَحْنَثُ بِبَيْعِهِ وَكَذَا لو قال إنْ رَأَيْت الْهِلَالَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَهُوَ مَحْمُولٌ على الْعِلْمِ مَسْأَلَةٌ إذَا تَرَدَّدَ اللَّفْظُ بين الْمُسَمَّى الْعُرْفِيِّ وَاللُّغَوِيِّ أَيُّهُمَا يُقَدَّمُ إذَا تَرَدَّدَ اللَّفْظُ بين الْمُسَمَّى الْعُرْفِيِّ وَاللُّغَوِيِّ قُدِّمَ الْعُرْفِيُّ الْمُطَّرِدُ ثُمَّ اللُّغَوِيُّ كَذَا قَالَهُ الْأُصُولِيُّونَ وَيُخَالِفُهُ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ ما ليس له حَدٌّ في الشَّرْعِ وَلَا في اللُّغَةِ يُرْجَعُ فيه إلَى الْعُرْفِ فإنه صَرِيحٌ في تَأْخِيرِ الْعُرْفِ عن اللُّغَةِ وَجُمِعَ بَيْنَهُمَا بِوُجُوهٍ منها عَدَمُ وُرُودِهِمَا على مَحَلٍّ وَاحِدٍ فَكَلَامُ الْفُقَهَاءِ في الضَّوَابِطِ وَهِيَ في اللُّغَةِ أَضْبَطُ فَتُقَدَّمُ اللُّغَةُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا وَكَلَامُ الْأُصُولِيِّينَ في أَصْلِ الْمَعْنَى وهو في الْعُرْفِ أَظْهَرُ فَيُقَدَّمُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وَمِنْهَا أَنَّ كَلَامَ الْأُصُولِيِّينَ في اللَّفْظِ الصَّادِرِ من الشَّارِعِ يُنْظَرُ فيه إلَى عُرْفِهِ وهو الشَّرْعِيُّ ثُمَّ عُرْفِ الناس لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يُخَاطِبُهُمْ بِمَا يَتَعَارَفُونَهُ ثُمَّ اللُّغَوِيُّ وَكَلَامُ الْفُقَهَاءِ في الصَّادِرِ من غَيْرِهِ وَلِهَذَا قال الرَّافِعِيُّ في بَابِ الطَّلَاق إذَا تَعَارَضَ الْمَدْلُولُ اللُّغَوِيُّ وَالْعُرْفِيُّ فَكَلَامُ الْأَصْحَابِ يَمِيلُ إلَى اعْتِبَارِ الْوَضْعِ وَالْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ يَرَيَانِ اتِّبَاعَ الْعُرْفِ وَصَحَّحَ الْأَوَّلَ لِأَنَّ الْعُرْفَ لَا يَكَادُ يَنْضَبِطُ وَمِنْهَا قال الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ الْبَاجِيُّ مُرَادُ الْأُصُولِيِّينَ الْعُرْفُ الْكَائِنُ في زَمَنِهِ عليه السَّلَامُ وَمُرَادُ الْفُقَهَاءِ غَيْرُهُ قلت وَيَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَ الْأُصُولِيِّينَ ما إذَا تَعَارَضَ مَعْنَاهُ في اللُّغَةِ وَالْعُرْفِ يُقَدَّمُ الْعُرْفُ وَمُرَادُ الْفُقَهَاءِ ما إذَا لم يُعْرَفْ حَدُّهُ في اللُّغَةِ فَإِنَّا نَرْجِعُ فيه إلَى الْعُرْفِ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِمْ ليس له حَدٌّ في اللُّغَةِ ولم يَقُولُوا ليس له مَعْنًى
- الْبَيَانُ وَالْمُبَيَّنُ قال الْغَزَالِيُّ جَرَتْ عَادَةُ الْأُصُولِيِّينَ بِعَقْدِ كِتَابٍ له وَلَيْسَ النَّظَرُ فيه مِمَّا يَجِبُ أَنْ يُسَمَّى كِتَابًا فَالْخَطْبُ فيه يَسِيرٌ وَالْأَمْرُ فيه قَرِيبٌ وَأَوْلَى الْمَوَاضِعِ بِهِ أَنْ يُذْكَرَ عَقِبَ الْمُجْمَلِ فإنه الْمُفْتَقِرُ إلَى الْبَيَانِ ا هـ وَأَمْرُهُ ليس بِالسَّهْلِ فإنه من جُمْلَةِ أَسَالِيبِ الْخِطَابِ بَلْ هو من أَهَمِّهَا وَلِهَذَا صَدَّرَ بِهِ الشَّافِعِيُّ كِتَابَ الرِّسَالَةِ وَالْبَيَانُ لُغَةً اسْمُ مَصْدَرِ بَيَّنَ إذَا أُظْهِرَ يُقَالُ بَيَّنَ بَيَانًا وَتِبْيَانًا كَ كَلَّمَ يُكَلِّمُ كَلَامًا وَتَكْلِيمًا قال ابن فُورَكٍ في كِتَابِهِ مُشْتَقٌّ من الْبَيْنِ وهو الْفِرَاقُ شُبِّهَ الْبَيَانُ بِهِ لِأَنَّهُ يُوَضِّحُ الشَّيْءَ وَيُزِيلُ إشْكَالَهُ وقال أبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ سُمِّيَ بَيَانًا لِانْفِصَالِهِ مِمَّا يَلْتَبِسُ بِهِ من الْمَعَانِي وَيُشْكِلُ من أَجْلِهِ وَأَمَّا في الِاصْطِلَاحِ فَيُطْلَقُ على الدَّالِّ على الْمُرَادِ بِخِطَابٍ ثُمَّ يَسْتَقِلُّ بِإِفَادَتِهِ وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الدَّلِيلُ على الْمُرَادِ وَيُطْلَقُ على فِعْلِ الْمُبَيِّنِ وَلِأَجْلِ إطْلَاقِهِ على الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِهِ بِالنَّظَرِ إلَيْهَا فَلَاحَظَ الصَّيْرَفِيُّ فِعْلَ الْمُبَيِّنِ فقال الْبَيَانُ إخْرَاجُ الشَّيْءِ من حَيِّزِ الْإِشْكَالِ إلَى حَيِّزِ التَّجَلِّي وقال الْقَاضِي في مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ وَهَذَا ما ارْتَضَاهُ من خَاضَ في الْأُصُولِ من أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وقال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ إنَّهُ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا لِأَنَّ كُلَّ ما كان إيضَاحًا لِمَعْنًى وَإِظْهَارًا له فَهُوَ بَيَانٌ له وَاعْتَرَضَهُ ابن السَّمْعَانِيِّ بِأَنَّ لَفْظَ الْبَيَانِ أَظْهَرُ من لَفْظِ إخْرَاجِ الشَّيْءِ من حَيِّزِ الْإِشْكَالِ إلَى حَيِّزِ التَّجَلِّي وَلِلصَّيْرَفِيِّ مَنْعُ ذلك وَنُقِضَ أَيْضًا بِالنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ في الْحُكْمِ الْمُبْتَدَأِ من غَيْرِ سَبْقِ إشْكَالٍ فإنه رُبَّمَا وَرَدَ من اللَّهِ تَعَالَى بَيَانٌ لم يَخْطُرْ بِبَالِ أَحَدٍ وَيَخْرُجُ منه بَيَانُ الْمَعْدُومِ فإنه لَا يُقَالُ عليه شَيْءٌ وَبَيَانُ الْمُعَلِّمِ لِمَنْ لَا يَفْهَمُ عنه لِقُصُورِهِ وَلَعَلَّهُ يَمْنَعُ تَسْمِيَةَ ما كان ظَاهِرًا ابْتِدَاءً بَيَانًا وقال الْغَزَالِيُّ هذا الْحَدُّ لِفَرْعٍ من الْبَيَانِ وهو بَيَانُ الْمُجْمَلِ خَاصَّةً وَالْبَيَانُ يَكُونُ فيه وفي غَيْرِهِ ا ه
- وَلَاحَظَ الْقَاضِي وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالْآمِدِيَّ وَالْإِمَامُ الرَّازِيَّ وَأَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ كَأَبِي هَاشِمٍ وَأَبِي الْحُسَيْنِ أَنَّهُ الدَّلِيلُ فَحَدُّوهُ بِأَنَّهُ الدَّلِيلُ الْمُوَصِّلُ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فيه إلَى الْعِلْمِ أو الظَّنِّ بِالْمَطْلُوبِ ا هـ وَلَاحَظَ أبو عبد اللَّهِ الْبَصْرِيُّ أَنَّهُ نَفْسُ الْعِلْمِ أو الظَّنِّ الْحَاصِلِ من الدَّلِيلِ فَحَدَّهُ بِأَنَّهُ تَبْيِينُ الشَّيْءِ فَهُوَ وَالْبَيَانُ عِنْدَهُ وَاحِدٌ كَذَا قَالَهُ الْهِنْدِيُّ تَبَعًا لِلْغَزَالِيِّ وَحَكَى أبو الْحُسَيْنِ عنه أَنَّهُ الْعِلْمُ الْحَادِثُ لِأَنَّ الْبَيَانَ هو ما بِهِ يَتَبَيَّنُ الشَّيْءُ وَاَلَّذِي بِهِ تَبَيُّنٌ هو الْعِلْمُ الْحَادِثُ قال وَلِهَذَا لَا يُوصَفُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِأَنَّهُ مُبَيَّنٌ لَمَّا كان عِلْمُهُ لِذَاتِهِ لَا بِعِلْمٍ حَادِثٍ وقال الْعَبْدَرِيّ بَعْدَ حِكَايَةِ الْمَذَاهِبِ الصَّوَابُ أَنَّ الْبَيَانَ هو مَجْمُوعُ هذه الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ فَعَلَى هذا يَكُونُ حَدُّهُ أَنَّهُ انْتِقَالُ ما في نَفْسِ الْمُعَلِّمِ إلَى نَفْسِ الْمُتَعَلِّمِ بِوَاسِطَةِ الدَّلِيلِ لَكِنَّ الِاصْطِلَاحَ إنَّمَا وَقَعَ على ما رَسَمَ بِهِ الْقَاضِي وَذَلِكَ أَنَّ الدَّلِيلَ هو أَقْوَى الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ وَأَكْثَرُهَا حَظًّا من إفَادَةِ الْبَيَانِ وَالْمُبَيَّنِ وقال الْمَاوَرْدِيُّ الذي عليه جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْبَيَانَ إظْهَارُ الْمُرَادِ بِالْكَلَامِ الذي لَا يُفْهَمُ منه الْمُرَادُ إلَّا بِهِ قال ابن السَّمْعَانِيِّ وَهَذَا الْحَدُّ أَحْسَنُ الْحُدُودِ وَيَرِدُ عليه ما أَوْرَدَهُ هو على الصَّيْرَفِيِّ أَعْنِي الْوَارِدَ ابْتِدَاءً من غَيْرِ سَبْقِ إجْمَالٍ وقال شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ من الْحَنَفِيَّةِ في كِتَابِهِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في مَعْنَى الْبَيَانِ فقال أَكْثَرُهُمْ هو إظْهَارُ الْمَعْنَى وَإِيضَاحُهُ لِلْمُخَاطِبِ مُنْفَصِلًا عَمَّا يُسْتَرُ بِهِ وقال بَعْضُهُمْ هو ظُهُورُ الْمُرَادِ لِلْمُخَاطِبِ وَالْعِلْمُ بِالْأَمْرِ الذي حَصَلَ له عِنْدَ الْخِطَابِ قال وهو اخْتِيَارُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الرَّجُلَ يقول بَانَ هذا الْمَعْنَى أَيْ ظَهَرَ وَالْأَصَحُّ الْأَوَّلُ أَيْ الْإِظْهَارُ ا هـ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ قال أَصْحَابُنَا في الْبَيَانِ إنَّهُ الْإِفْهَامُ بِأَيِّ لَفْظٍ كان وقال أبو بَكْرٍ الدَّقَّاقُ إنَّهُ الْعِلْمُ الذي يَتَبَيَّنُ بِهِ الْمَعْلُومُ حَكَاهُ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ في الرِّسَالَةِ أَنَّ الْبَيَانَ اسْمٌ جَامِعٌ لِأُمُورٍ مُتَّفِقَةِ الْأُصُولِ مُتَشَعِّبَةِ الْفُرُوعِ وَأَقَلُّ ما فيه أَنَّهُ بَيَانٌ لِمَنْ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِهِ فَاعْتَرَضَ عليه أبو بَكْرِ بن دَاوُد وقال الْبَيَانُ أَبْيَنُ من التَّفْسِيرِ الذي فَسَّرَهُ بِهِ قال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وَهَذَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ لم يَقْصِدْ حَدَّ الْبَيَانِ وَتَفْسِيرَ مَعْنَاهُ وَإِنَّمَا قَصَدَ بِهِ أَنَّ الْبَيَانَ اسْمٌ عَامٌّ جَامِعٌ لِأَنْوَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ من الْبَيَانِ وَهِيَ
- مُتَّفِقَةٌ في أَنَّ اسْمَ الْبَيَانِ يَقَعُ عليها وَمُخْتَلِفَةٍ في مَرَاتِبِهَا فَبَعْضُهَا أَجْلَى وَأَبْيَنُ من بَعْضٍ لِأَنَّ منه ما يُدْرَكُ مَعْنَاهُ من غَيْرِ تَدَبُّرٍ وَتَفَكُّرٍ وَمِنْهُ ما يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ وَلِهَذَا قال عليه السَّلَامُ إنَّ من الْبَيَانِ لَسِحْرًا فَأَخْبَرَ أَنَّ بَعْضَ الْبَيَانِ أَبْلَغُ من بَعْضٍ وَهَذَا كَالْخِطَابِ بِالنَّصِّ وَالْعُمُومِ وَالظَّاهِرِ وَدَلِيلِ الْخِطَابِ وَنَحْوِهِ فَجَمِيعُ ذلك بَيَانٌ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ مَرَاتِبُهَا فيه ا هـ وَكَذَا قال الصَّيْرَفِيُّ وابن فُورَكٍ مُرَادُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ اسْمَ الْبَيَانِ يَقَعُ على الْجِنْسِ وَيَقَعُ تَحْتَهُ أَنْوَاعٌ مُخْتَلِفَةُ الْمَرَاتِبِ في الْجَلَاءِ وَالْخَفَاءِ وقال أبو بَكْرٍ الْقَفَّالُ أَرَادَ أَنَّهُ وَإِنْ حَصَلَ من وُجُوهٍ فَكُلُّ ذلك يَجْتَمِعُ في أَنَّهُ يَعُودُ إلَى الْكِتَابِ وَيُسْتَفَادُ منه حَكَاهُ سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ في تَقْرِيبِهِ وقال أبو الْحُسَيْنِ في الْمُعْتَمَدِ هذا ليس بِحَدٍّ وَإِنَّمَا هو وَصْفٌ لِلْبَيَانِ بِأَنَّهُ يَجْمَعُهُ أَمْرٌ جَامِعٌ وهو أَنَّهُ سُنَّةُ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّهُ يَتَشَعَّبُ إلَى أَقْسَامٍ كَثِيرَةٍ فَإِنْ حُدَّ بِأَنَّهُ بَيَانٌ لِمَنْ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلُغَتِهِ كان قد حُدَّ الْبَيَانُ بِأَنَّهُ بَيَانٌ وَذَلِكَ حَدُّ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ وَإِنْ كان قد حُدَّ الْبَيَانُ الْعَامُّ فإنه يَخْرُجُ منه الْأَدِلَّةُ الْعَقْلِيَّةُ وَإِنْ حُدَّ الْبَيَانُ الْخَاصُّ الذي يَتَعَارَفُهُ الْفُقَهَاءُ فإنه يَدْخُلُ فيه الْكَلَامُ الْمُبْتَدَأُ إذَا عُرِفَ بِهِ الْمُرَادُ كَالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ وَغَيْرِهِمَا
- فَصْلٌ في مَرَاتِبِ الْبَيَانِ لِلْأَحْكَامِ وقد ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ في أَوَّلِ الرِّسَالَةِ وَرَتَّبَهَا خَمْسَةَ أَقْسَامٍ بَعْضُهَا أَوْضَحُ بَيَانًا من بَعْضٍ فَأَوَّلُهَا بَيَانُ التَّأْكِيدِ وهو النَّصُّ الْجَلِيُّ الذي لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ تَأْوِيلٌ كَقَوْلِهِ في صَوْمِ التَّمَتُّعِ فَصِيَامُ ثَلَاثَةٍ أَيَّامٍ في الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ وَسَمَّاهُ بَعْضُهُمْ بَيَانَ التَّقْرِيرِ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ في الْحَقِيقَةِ التي تَحْتَمِلُ الْمَجَازَ وَالْعَامَّ الْمَخْصُوصَ فَيَكُونُ الْبَيَانُ قَاطِعًا لِلِاحْتِمَالِ مُقَرِّرًا لِلْحُكْمِ على ما اقْتَضَاهُ الظَّاهِرُ ثَانِيهَا النَّصُّ الذي يَنْفَرِدُ بِدَرْكِهِ الْعُلَمَاءُ كَالْوَاوِ وَإِلَى في آيَةِ الْوُضُوءِ فإن هَذَيْنِ الْحَرْفَيْنِ يَقْتَضِيَانِ مَعَانِيَ مَعْلُومَةً عِنْدَ أَهْلِ اللِّسَانِ ثَالِثُهَا نُصُوصُ السُّنَّةِ الْوَارِدَةُ بَيَانًا لِمُشْكِلٍ في الْقُرْآنِ كَالنَّصِّ على ما يَخْرُجُ زَمَنَ الْحَصَادِ مع تَقَدُّمِ قَوْلِهِ وَآتُوا حَقَّهُ يوم حَصَادِهِ ولم يُذْكَرْ في الْقُرْآنِ مِقْدَارُ هذا الْحَقِّ وَرَابِعُهَا نُصُوصُ السُّنَّةِ الْمُبْتَدَأَةُ مِمَّا ليس في الْقُرْآنِ نَصٌّ عليها بِالْإِجْمَالِ وَلَا بِالتَّفْسِيرِ وَدَلِيلُ كَوْنِ هذا الْقِسْمِ من بَيَانِ الْكِتَابِ قَوْله تَعَالَى وما آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهَاكُمْ عنه فَانْتَهُوا خَامِسُهَا بَيَانُ الْإِشَارَةِ وهو الْقِيَاسُ الْمُسْتَنْبَطُ من الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِثْلُ الْأَلْفَاظِ التي اُسْتُنْبِطَتْ منها الْمَعَانِي وَقِيسَ عليها غَيْرُهَا لِأَنَّ الْأَصْلَ إذَا اُسْتُنْبِطَتْ منه مَعْنًى وَأُلْحِقَ بِهِ غَيْرُهُ لَا يُقَالُ لم يَتَنَاوَلْهُ النَّصُّ بَلْ يَتَنَاوَلُهُ لِأَنَّ النبي عليه السَّلَامُ أَشَارَ إلَيْهِ بِالتَّنْبِيهِ كَإِلْحَاقِ الْمَطْعُومَاتِ في بَابِ الرِّبَا بِالْأَرْبَعَةِ الْمَنْصُوصِ عليها إذْ حَقِيقَةُ الْقِيَاسِ بَيَانُ الْمُرَادِ بِالنَّصِّ وقد أَمَرَ اللَّهُ أَهْلَ التَّكْلِيفِ بِالِاعْتِبَارِ وَالِاسْتِنْبَاطِ وَالِاجْتِهَادِ فَهَذِهِ مَرَاتِبُ الْبَيَانِ في الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وقد اعْتَرَضَ عليه فيها قَوْمٌ وَتَوَهَّمُوا أَنَّهُ أَهْمَلَ قِسْمَيْنِ وَهُمَا الْإِجْمَاعُ وَقَوْلُ الْمُجْتَهِدِ إذَا انْقَرَضَ عَصْرُهُ وَانْتَشَرَ من غَيْرِ نَكِيرٍ وَإِنَّمَا لم يَذْكُرْهُمَا الشَّافِعِيُّ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إنَّمَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ بِأَحَدِ الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ التي ذَكَرَهَا الشَّافِعِيّ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ
- لَا يَصْدُرُ إلَّا عن دَلِيلٍ فَإِنْ كان نَصًّا فَهُوَ من الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَإِنْ كان اسْتِنْبَاطًا فَهُوَ من الْخَامِسِ فَإِنْ قِيلَ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَذْكُرَ أَيْضًا الْقِيَاسَ لِأَنَّهُ مُسْتَنِدٌ إلَى النَّصِّ قُلْنَا لِأَجْلِ هذا قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن الْقُشَيْرِيّ لَا مَدْفَعَ لِلسُّؤَالِ لَكِنَّهُ مَدْفُوعٌ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْإِجْمَاعَ على غَيْرِ ما دَلَّ عليه النَّصُّ فَاسْتَغْنَى بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا عن الْآخَرِ بِخِلَافِ الْآخَرِ فإنه إنَّمَا دَلَّ على وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ وَلَيْسَ دَالًّا على مَدْلُولِهِ فَلِذَلِكَ أَفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ وَالثَّانِي يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الشَّافِعِيُّ تَعَرَّضَ لِمَرَاتِبِ الْبَيَانِ الْمَوْجُودَةِ في كل عَصْرٍ وَالْإِجْمَاعُ لم يُوجَدْ في عَصْرِهِ عليه السَّلَامُ فَلِهَذَا أَغْفَلَهُ وَاعْتَرَضَ آخَرُونَ فَقَالُوا لم يذكر دَلِيلَ الْخِطَابِ وهو حُجَّةٌ عِنْدَهُ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إنْ كان مَفْهُومَ الْمُوَافَقَةِ فَهُوَ يَدْخُلُ في قِسْمِ الْبَيَانِ من الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِنْ كان مُخَالَفَةً فَهُوَ من جُمْلَةِ ما اُسْتُنْبِطَ بِالِاجْتِهَادِ فَدَخَلَ في الْقِسْمِ الْخَامِسِ وَتَعَجَّبَ الْمَازِرِيُّ من الْغَزَالِيِّ كَيْفَ حَكَى الِاتِّفَاقَ على أَنَّ مَرَاتِبَ الْبَيَانِ خَمْسَةٌ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا في أَوْضَاعِهَا ثُمَّ قال أَئِمَّتُنَا منهم ابن السَّمْعَانِيِّ يَقَعُ بَيَانُ الْمُجْمَلِ لِسِتَّةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا بِالْقَوْلِ وهو الْأَكْثَرُ كَبَيَانِ نُصُب الزَّكَوَاتِ كَقَوْلِهِ لَا قَطْعَ في تَمْرَةٍ وَلَا كِسْرَةٍ وَالْقَطْعُ في رُبُعِ دِينَارٍ وَالثَّانِي بِالْفِعْلِ كَقَوْلِهِ صَلُّوا كما رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ الثَّالِثُ بِالْكِتَابِ كَبَيَانِهِ أَسْنَانَ الدِّيَاتِ وَدِيَاتِ أَعْضَاءَ الْبَدَنِ وَكَذَا الزَّكَوَاتُ الرَّابِعُ بِالْإِشَارَةِ كَقَوْلِهِ الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا يَعْنِي ثَلَاثِينَ
- يَوْمًا ثُمَّ أَعَادَ الْإِشَارَةَ بِأَصَابِعِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَخَنَسَ إبْهَامَهُ في الثَّالِثَةِ يَعْنِي يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ قُلْت وَكَذَلِكَ حَدِيثُ كَعْبِ بن مَالِكٍ مع أبي حَدْرَدٍ إذْ أَشَارَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم إلَيْهِ بيده أَنْ ضَعْ النِّصْفَ وَمِثْلُهُ في الْمَحْصُولِ بِإِشَارَةِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم إلَى الْحَرِيرِ بيده وقال هذا حَرَامٌ على ذُكُورِ أُمَّتِي الْخَامِسُ بِالتَّنْبِيهِ وهو الْمَعَانِي وَالْعِلَلُ التي نَبَّهَ بها على بَيَانِ الْأَحْكَامِ كَقَوْلِهِ في بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ أَيَنْقُصُ إذَا جَفَّ وَقَوْلِهِ في قُبْلَةِ الصَّائِمِ أَرَأَيْت لو تَمَضْمَضْت السَّادِسُ ما خُصَّ الْعُلَمَاءُ بِبَيَانِهِ عن اجْتِهَادٍ وهو ما فيه الْوُجُوهُ الْخَمْسُ إذَا كان الِاجْتِهَادُ مَوْصُولًا إلَيْهِ من أَحَدِ وَجْهَيْنِ إمَّا من أَصْلِ تَغَيُّرِ هذا الْفَرْعِ بِهِ وَإِمَّا من طَرِيقِ أَمَارَةٍ تَدُلُّ عليه وزاد شَارِحُ اللُّمَعِ سَابِعًا وهو الْبَيَانُ بِالتَّرْكِ كما رُوِيَ أَنَّ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ وقد يُرْجَعُ إلَى الْبَيَانِ بِالْفِعْلِ لِأَنَّ التَّرْكَ كَفٌّ وَالْكَفُّ فِعْلٌ وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ قد رَتَّبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا ذلك فقال أَعْلَاهَا رُتْبَةً ما وَقَعَ من الدَّلَالَةِ بِالْخِطَابِ ثُمَّ بِالْفِعْلِ ثُمَّ بِالْإِشَارَةِ ثُمَّ بِالْكِتَابَةِ ثُمَّ بِالتَّنْبِيهِ على الْعِلَّةِ قال وَيَقَعُ الْبَيَانُ من اللَّهِ سُبْحَانَهُ بها كُلِّهَا خَلَا الْإِشَارَةِ وقال الْأُسْتَاذُ رَتَّبَهَا أَصْحَابُنَا فَقَالُوا آكَدُهَا تَبْيِينُ الشَّيْءِ بِلَفْظٍ صَرِيحٍ مع إعَادَتِهِ نَحْوُ أَعْطِ زَيْدًا أَعْطِ زَيْدًا وفي الحديث فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ ثُمَّ الْمُؤَكَّدُ نَحْوُ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وفي الحديث فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ ثُمَّ يَلِيهِ الْخِطَابُ الْمُسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ كَقَوْلِهِ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ
- حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ ثُمَّ يَلِيهِ ما يَرِدُ على لِسَانِ النبي عليه السَّلَامُ نَحْوُ الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ثُمَّ الْكِتَابَةُ ثُمَّ الْإِشَارَةُ بِتَحْرِيكِ الْيَدِ وَالرَّأْسِ قال وَرَأَيْت أَصْحَابَنَا يُقَدِّمُونَ ما وَرَدَ من الْخِطَابِ الْمُجْمَلِ الذي لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ على مَعْنَاهُ لِلْعُسْرِ في اللِّسَانِ على الْقِيَاسِ وهو أَوْلَى منه وَمُقَدَّمٌ عليه لِاسْتِقْلَالِهِ بِنَفْسِهِ وَإِمْكَانُ الْوُصُولِ إلَى الْمُرَادِ بِأَصْلِهِ وَفَرْعِهِ وَهُمَا قِسْمَانِ من الْبَيَانِ وَأَطْلَقَ جَمْعٌ من أَصْحَابِنَا أَنَّ الْبَيَانَ بِالْفِعْلِ أَقْوَى من الْقَوْلِ قال ابن الرِّفْعَةِ وَشَاهِدُهُ حَلْقُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم بِالْحَجِّ في أَنَّ اتِّبَاعَ الصَّحَابَةِ له أَقْوَى من أَمْرِهِ وَإِذْنِهِ فيه كما جاء في الْخَبَرِ مَسْأَلَةٌ الْبَيَانُ الْوَاجِبُ على الرَّسُولِ صلى اللَّهُ عليه وسلم يَجِبُ على الرَّسُولِ بَيَانُ ما يَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ وَاجِبِهَا وَمَنْدُوبِهَا وَحَرَامِهَا وَمَكْرُوهِهَا وَمُبَاحِهَا وقال بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ ما كان وَاجِبًا فَيَجِبُ عليه بَيَانُهُ أو مَنْدُوبًا فَمَنْدُوبٌ أو مُبَاحًا فَمُبَاحٌ قال ابن الْقُشَيْرِيّ وَهَذَا خَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ على وُجُوبِ تَبْلِيغِ جَمِيعِ الشَّرْعِيَّاتِ وقال غَيْرُهُ يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَكُونَ بَيَانُ الْمُحَرَّمِ مُحَرَّمًا وهو إلْزَامٌ عَجِيبٌ وقال الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ ما يَلْزَمُ الرَّسُولَ بَيَانُهُ من الْأَحْكَامِ التي لَيْسَتْ في كِتَابِ اللَّهِ كَالْقَضَاءِ بِالشُّفْعَةِ وَبِالدِّيَةِ على الْعَاقِلَةِ وَإِعْطَاءِ السَّلَبِ لِلْقَاتِلِ وَأَنْ لَا يَرِثَ الْقَاتِلُ وَنَحْوِهِ يَلْزَمُ بَيَانُهُ في حُقُوقِ الْعِبَادِ لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ لهم إلَى الْعِلْمِ بها إلَّا منه وفي لُزُومِ بَيَانِهَا في حَقِّ اللَّهِ وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ على الْخِلَافِ في أَنَّهُ هل هو بِالِاجْتِهَادِ فَإِنْ قُلْنَا له ذلك لَزِمَهُ وَإِلَّا فَلَا وقال الشَّاشِيُّ في كِتَابِهِ الذي يَجِبُ عليه هو الْبَيَانُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ سَأَلَهُ عن الْكَلَالَةِ فقال يَكْفِيك آيَةُ الصَّيْفِ فَدَلَّ هذا على أَنَّ الْوَاجِبَ من الْبَيَانِ ما لم يُتَوَصَّلْ إلَى مَعْرِفَتِهِ إلَّا بِبَيَانِهِ فَأَمَّا ما جُعِلَ في الْكِتَابِ بَيَانُهُ وكان يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ بِالتَّدَبُّرِ فَلَيْسَ عليه بَيَانُهُ
- قال وَمَعْقُولٌ أَنَّهُ عليه السَّلَامُ لَا يَجِبُ عليه إبَانَةُ كل الْأَحْكَامِ أَصْلًا وَإِنَّمَا عليه إبَانَةُ الْأُصُولِ التي لِلدَّلَالَةِ على الْفُرُوعِ وقال الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ من الْمُجْمَلِ ما وُكِلَ الْعُلَمَاءُ إلَى اجْتِهَادِهِمْ في بَيَانِهِ من غَيْرِ سَمْعٍ يَفْتَقِرُ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى حتى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ فلم يَرِدْ سَمْعٌ بِبَيَانِ أَقَلِّ الْجِزْيَةِ حتى اجْتَهَدَ الْعُلَمَاءُ في أَقَلِّهَا وَكَقَوْلِهِ إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ من يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَجْهَلَ ذِكْرَ الْعَدَدِ الذي تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ حتى اجْتَهَدَ الْعُلَمَاءُ فَهَذَا وَنَحْوُهُ سَاقِطٌ من الرَّسُولِ عليه السَّلَامُ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ من أُصُولِ الْأَدِلَّةِ الْمُسْتَقِرَّةِ وقد سَأَلَ عُمَرَ عن الْكَلَالَةِ فقال يَكْفِيك آيَةُ الصَّيْفِ فَوَكَلَهُ إلَى الِاجْتِهَادِ ولم يُصَرِّحْ بِالْبَيَانِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في هذا النَّوْعِ من الْبَيَانِ الصَّادِرِ عن الِاجْتِهَادِ هل يُؤْخَذُ قِيَاسًا أو تَنْبِيهًا على وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا يُؤْخَذُ تَنْبِيهًا من لَفْظِ الْمُجْمَلِ وَشَوَاهِدِ أَحْوَالِهِ لِأَنَّهُ عليه السَّلَامُ قال لِعُمَرَ يَكْفِيك آيَةُ الصَّيْفِ فَرَدَّهُ إلَيْهَا لِيَسْتَدِلَّ بِمَا تَضَمَّنَتْهَا من تَنْبِيهٍ وَشَوَاهِدِ حَالٍ وَالثَّانِي يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ قِيَاسًا على ما اسْتَقَرَّ بِنَاؤُهُ من نَصٍّ أو إجْمَاعٍ لِأَنَّ عُمَرَ سَأَلَ عن قُبْلَةِ الصَّائِمِ فقال أَرَأَيْت لو تَمَضْمَضْت فَجَعَلَ الْقُبْلَةَ من غَيْرِ إرَادَةٍ كَالْمَضْمَضَةِ من غَيْرِ ازْدِرَادٍ انْتَهَى
- فَصْلٌ في الْمُبَيَّنِ وَيُطْلَقُ على الْخِطَابِ الْمُحْتَاجِ إلَى الْبَيَانِ وَوَرَدَ بَيَانُهُ وَعَلَى الْخِطَابِ الْمُبْتَدَأِ الْمُسْتَغْنِي عن الْبَيَانِ وهو إمَّا أَنْ يَدُلَّ بِحَسَبِ الْوَضْعِ وهو النَّصُّ وَالظَّاهِرُ أو بِحَسَبِ الْمَعْنَى كَالْمَفْهُومِ وما دَلَّ عليه النَّصُّ بِطَرِيقِ التَّعْلِيلِ نَحْوُ إنَّهَا من الطَّوَّافِينَ أو بِوَاسِطَةِ الْعَقْلِ نَحْوُ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ أَمْرٌ بِمَا لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ وَيُسَمَّى الدَّلِيلُ الذي حَصَلَ بِهِ الْبَيَانُ مُثْبِتًا بِكَسْرِ الْبَاء وَفِيهِ مَسَائِلُ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى لَا خِلَافَ أَنَّ الْبَيَانَ يَجُوزُ بِالْقَوْلِ وَاخْتَلَفُوا في وُقُوعِهِ بِالْفِعْلِ وَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ يَقَع بَيَانًا خِلَافًا لِأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ مِنَّا وَالْكَرْخِيُّ من الْحَنَفِيَّةِ حَكَاهُ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في التَّبْصِرَةِ وَكَلَامُ الْغَزَالِيِّ يُوهِمُهُ فإنه قال وَكَذَلِكَ الْفِعْلُ يَحْتَاجُ إلَى بَيَانِ تَقَدُّمِهِ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ بَيَانَ الشَّرْعِ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَا صِيغَةَ له لَكِنْ أَوَّلَهُ الْهِنْدِيُّ وقال قَوْلُ الْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِ إنَّ الْبَيَانَ مَخْصُوصٌ بِالدَّلِيلِ الْقَوْلِيِّ فَالْمُرَادُ منه التَّسْمِيَةُ اصْطِلَاحًا كما في الْعُمُومِ بِنَاءً على الْغَالِبِ من كَوْنِ الْبَيَانِ قَوْلًا لَا في حَقِيقَةِ ما يَقَعُ بِهِ الْبَيَانُ وَلَا في جَوَازِهِ وَشَرَطَ الْمَازِرِيُّ الْإِشْعَارَ بِهِ من مَقَالٍ أو قَرِينَةِ حَالٍ وَإِلَّا لم يَحْصُلْ لِلْمُكَلَّفِ الْبَيَانُ قال وَعَلَى هذا فَالْخِلَافُ لَفْظِيٌّ قال وَمِنْهُمْ من جَعَلَهُ مَعْنَوِيًّا وهو أَنَّهُ هل يُتَصَوَّرُ فِعْلٌ يُنْبِئُ بِمُجَرَّدِهِ عن الْمُرَادِ من غَيْرِ إسْنَادِ ذلك إلَى قَرِينَةٍ أَمْ لَا قلت وَجَعَلَهُ السَّرَخْسِيُّ مَبْنِيًّا على أَصْلٍ وهو أَنَّ بَيَانَ الْمُجْمَلِ هل يَكُونُ الْمُجْمَلُ مُتَّصِلًا بِهِ فَمَنْ شَرَطَ الِاتِّصَالَ قال لَا يَكُونُ الْبَيَانُ إلَّا بِالْقَوْلِ إذْ الْفِعْلُ لَا يَكُونُ مُتَّصِلًا بِالْقَوْلِ وفي الْمَحْصُولِ لَا يُعْلَمُ كَوْنُ الْفِعْلِ
- بَيَانًا إلَّا بِأَحَدِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ أو يُعْلَمُ ذلك بِالضَّرُورَةِ من قَصْدِهِ أو بِالدَّلِيلِ اللَّفْظِيِّ كَقَوْلِهِ هذا الْفِعْلُ بَيَانٌ لِهَذَا الْمُجْمَلِ أو بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ بِأَنْ يُذْكَرَ الْمُجْمَلُ وَقْتَ الْحَاجَةِ أَيْ الْعَمَلِ بِهِ ثُمَّ يُفْعَلُ فِعْلًا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ سَبْعَ طُرُقٍ وقال صَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ الصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ الْفِعْلَ يَصْلُحُ بَيَانًا لَكِنْ بِشَرْطِ انْضِمَامِ بَيَانٍ قَوْلِيٍّ إلَيْهِ كما رُوِيَ عنه عليه السَّلَامُ أَنَّهُ صلى ثُمَّ قال صَلُّوا كما رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي فَصَارَ بَيَانًا لِقَوْلِهِ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَكَمَا رُوِيَ أَنَّهُ اشْتَغَلَ بِأَفْعَالِ الْحَجِّ ثُمَّ قال خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ أَمَّا الْفِعْلُ السَّاذَجُ فَلَا لِأَنَّهُ بِذَاتِهِ سَاكِتٌ عن جَمِيعِ الْجِهَاتِ فَلَا تَتَعَيَّنُ وَاحِدَةٌ إلَّا بِدَلِيلٍ قال اللَّهُمَّ إلَّا إذَا تَكَرَّرَ الْفِعْلُ عِنْدَهُ يَحْصُلُ الْبَيَانُ قَرِينَةٌ تَدُلُّ على كَوْنِ الْفِعْلِ بَيَانًا إحْدَاهَا وُرُودُهُ عِنْدَ وَقْتِ إيجَابِهِ لِئَلَّا يَتَأَخَّرَ الْبَيَانُ عن وَقْتِ الْحَاجَةِ الثَّانِي أَنْ يُنْقَلَ إلَيْنَا فِعْلٌ غَيْرُ مُتَّصِلِ كَمَسْحِ الرَّأْسِ وَالْأُذُنَيْنِ من غَيْرِ تَجْدِيدِ الْمَاءِ ثُمَّ يُنْقَلَ إلَيْنَا مع تَجْدِيدِهِ فَيَكُونَ ذلك بَيَانًا لِلْفَضِيلَةِ الثَّالِثَةُ أَنْ يَتْرُكَ ما يَلْزَمُ فَيَكُونَ نَسْخًا الرَّابِعَةُ أَنْ لَا يُقْطَعَ في شَيْءٍ لِيُعْلَمَ نَحْوُ تَخْصِيصِ آيَةِ السَّرِقَةِ الْخَامِسَةُ أَنْ يَفْعَلَ في الصَّلَاةِ ما لم يَكُنْ وَاجِبًا كَالرُّكُوعَيْنِ في صَلَاةِ الْخُسُوفِ السَّادِسَةُ أَنْ يَأْخُذَ الْجِزْيَةَ وَالزَّكَاةَ مُتَّصِلَةً بَعْدَ إجْمَالِهَا في النُّصُوصِ السَّابِعَةُ أَنْ يُعَاقِبَ عُقُوبَةً بِاعْتِقَادِ نَدْبِهِ أو إبَاحَتِهِ تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ هل يَجْرِي خِلَافُ الْفِعْل في الْكِتَابَةِ وَالْإِشَارَةِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ بِهِ وَالظَّاهِرُ الْمَنْعُ وَلِهَذَا قَطَعَ ابن السَّمْعَانِيِّ فِيمَا سَبَقَ بِالْبَيَانِ بِالْكِتَابَةِ وَالْإِشَارَةِ مع حِكَايَةِ الْخِلَافِ في الْفِعْلِ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ صَاحِبُ الْوَاضِحِ فقال بَعْدَ حِكَايَةِ الْخِلَافِ في الْفِعْلِ وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا في أَنَّ الْكِتَابَةَ وَالْإِشَارَةَ يَقَعُ بِهِمَا الْبَيَانُ الثَّانِي إنَّمَا يَقَعُ الْفِعْلُ بَيَانًا إذَا لم يَكُنْ هُنَاكَ قَوْلٌ يَصْلُحُ لِلْبَيَانِ وَإِلَّا لم يُرْجَعْ إلَى الْفِعْلِ لِأَنَّ الْقَوْلَ هو الْأَصْلُ في الْبَيَانِ وَالْفِعْلُ إنَّمَا يُجْعَلُ بَيَانًا بِغَيْرِهِ لَا بِنَفْسِهِ قَالَهُ ابن فُورَكٍ وَيَجِيءُ فيه الْخِلَافُ الْآتِي
- الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الْبَيَانُ بِالتَّرْكِ يَقَعُ الْبَيَانُ بِالتَّرْكِ أَيْضًا كَتَرْكِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ بَعْدَ فِعْلِهِ إيَّاهُ فإنه بَيَّنَ كَوْنَهُ غير وَاجِبٍ وَكَسُكُوتِهِ عن بَيَانِ حَادِثَةٍ وَقَعَتْ بين يَدَيْهِ فإنه يَدُلُّ على كَوْنِهِ ليس فيها حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَإِلَّا لَزِمَ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عن وَقْتِ الْحَاجَةِ وَأَنْ يَكُونَ ظَاهِرُ الْخِطَابِ يَتَنَاوَلُهُ وَالْأُمَّةُ تَتْرُكُهُ فَيَدُلُّ على أَنَّ الْخِطَابَ لم يَتَنَاوَلْهُ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ الْبَيَانُ بِالتَّقْرِيرِ يَقَعُ الْبَيَانُ بِالتَّقْرِيرِ ذَكَرَهُ أبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ في أُصُولِهِ قال كَعِلْمِنَا بِأَنَّ عُقُودَ الْكُفَّارِ كانت في زَمَنِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَعِلْمِهِ بها ولم يُنْكِرْهَا على فَاعِلِهَا يَدُلُّ على إبَاحَتِهَا وَيَجِيءُ فيه من الْوُجُوهِ ما سَبَقَ في الْفِعْلِ
- المسألة الرابعة ما المبين القول أم الفعل إذا ورد بعد المجمل قول وفعل وكل واحد منهما صالح لبيانه فماذا يكون البيان فإما أن يتفقا في الحكم وإما أن يختلفا فإن اتفقا وعلم سبق أحدهما فهو المبين قولا كان أو فعلا والثاني تأكيد له وقيل إن كان الفعل أضعف دلالة منه لم يحمل على تأكيده إذ يمتنع التأكيد بالأضعف وإن لم يعلم فلا يقضى على واحد منهما بأنه المبين بعينه بل يقضى بحصول البيان بواحد لم يطلع عليه وهو الأول في نفس الأمر والثاني تأكيد وقال صاحب الكبريت الأحمر مكانا يتميز عنهما بيانها وقيل هذا إذا تساويا في القوة فإن اختلفا فالأشبه أن المرجوح هو المتقدم ورودا وإلا لزم التأكيد بالأضعف وإن اختلفا علما كأمره بعد نزول الحج القارن أن يكون طوافا واحدا وروي أنه عليه السلام قرن فطاف لهما طوافين فالمختار عند الجمهور منهم الإمام فخر الدين وأتباعه وابن الحاجب أن المبين هو القول سواء كان متقدما على الفعل أو متأخرا أو يحمل الفعل على الندب
- أو الواجب المختص به وذلك لأن دلالة القول على البيان بنفسه بخلاف الفعل فإنه لا يدل إلا بواسطة انضمام القول إليه والدال بنفسه أولى وقال أبو الحسين البصري المقدم مطلقا هو البيان كما في صورة اتفاقهما الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ بَيَانُ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ يَجُوزُ بَيَانُ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى يُوصِيكُمْ اللَّهُ في أَوْلَادِكُمْ الْآيَةَ وَالسُّنَّةُ بِالسُّنَّةِ وَالْمُتَوَاتِرُ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ وَالْمُجْمَلُ من آيِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ سَوَاءٌ كان مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى أَمْ لَا وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ إنْ كان مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى لم يَجُزْ حَكَاهُ الْغَزَالِيُّ في الْمُسْتَصْفَى وَالْبَاجِيُّ في الْأَحْكَامِ قال ابن حَزْمٍ وَمِمَّا أُجْمِلَ في السُّنَّةِ وَبَيَّنَهُ الْقُرْآنُ قَوْلُهُ عليه السَّلَامُ أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ الناس الحديث ثُمَّ فَسَّرَ اللَّهُ تَعَالَى ذلك وَبَيَّنَهُ في سُورَةِ بَرَاءَةٌ بِقَوْلِهِ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ قال أبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ وقد يَقَعُ بَيَانُ الْمُجْمَلِ بِالْإِجْمَاعِ كَإِجْمَاعِهِمْ على أَنَّ دِيَةَ الْخَطَإِ على الْعَاقِلَةِ وَاَلَّذِي في كِتَابِ اللَّهِ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ ولم يذكر وُجُوبَهَا على الْعَاقِلَةِ فَبَيَّنَ الْإِجْمَاعَ الْمُرَادَ بها وقد يَكُونُ بَيَانُ الْإِجْمَاعِ بِحُكْمٍ مُبْتَدَإٍ كما يَكُونُ حُكْمُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَإِجْمَاعِ السَّلَفِ على حَدِّ شُرْبِ الْخَمْرِ ثَمَانِينَ وَتَأْجِيلِ امْرَأَةِ الْعِنِّينِ الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْبَيَانُ كَالْمُبَيَّنِ في الْقُوَّةِ وَهِيَ أَصْلُ التي قَبْلَهَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ كما قَالَهُ الْهِنْدِيُّ إلَى أَنَّ الْبَيَانَ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَالْمُبَيَّنِ في الْقُوَّةِ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَدْنَى منه فَيُقْبَلُ الْمَظْنُونُ في بَيَانِ الْمَعْلُومِ خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ فإنه شَرَطَ الْمُسَاوَاةَ وَلِهَذَا لم يَقْبَلْ خَبَرَ الْأَوْسَاقِ مع قَوْلِهِ فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ وما نَقَلَهُ عن الْجُمْهُورِ صَحَّحَهُ أبو الْحُسَيْنِ في الْمُعْتَمَدِ فقال بَعْدَ حِكَايَةِ قَوْلِ الْكَرْخِيِّ الصَّحِيحُ جَوَازُ كَوْنِ الْبَيَانِ وَالْمُبَيَّنِ مَعْلُومَيْنِ أو أَمَارَتَيْنِ وَأَنْ يَكُونَ الْمُبَيَّنُ مَعْلُومًا وَبَيَانُهُ مَظْنُونًا كما جَازَ تَخْصِيصُ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ا ه
- وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ ابْنِ الْحَاجِبِ مَذْهَبٌ ثَالِثٌ وهو اشْتِرَاطُ كَوْنِهِ أَقْوَى دَلَالَةً من الْمُبَيَّنِ قال الْهِنْدِيُّ وَلَا يُتَوَهَّمُ في حَقِّ أَحَدٍ أَنَّهُ ذَهَبَ إلَى اشْتِرَاطِ أَنَّهُ كَالْمُبَيَّنِ في قُوَّةِ الدَّلَالَةِ فإنه لو كان كَذَلِكَ لَمَا كان بَيَانًا له بَلْ كان هو مُحْتَاجًا إلَى بَيَانٍ آخَرَ بَلْ الْمُرَادُ هل هو كَالْمُبَيَّنِ في قُوَّةِ الْمَتْنِ حتى لو كان الْمُبَيَّنُ مَعْلُومًا وَالْبَيَانُ مَظْنُونًا لَا يَكُونُ مَقْبُولًا عِنْدَ من شَرَطَ الْمُسَاوَاةَ هذا في بَيَانِ الْمُجْمَلِ أَمَّا في بَيَانِ التَّخْصِيصِ وَالتَّقْيِيدِ فَالْأَمْرُ فيه أَظْهَرُ ضَرُورَةً أَنَّ الْمُبَيَّنَ هَاهُنَا أَظْهَرُ دَلَالَةً من الْمُجْمَلِ وَمِنْهُمْ من فَصَّلَ فقال إنْ كان الْمُبَيَّنُ مُجْمَلًا كَفَى في تَعْيِينِ أَحَدِ مُحْتَمَلَاتِهِ أَدْنَى ما يُفِيدُ التَّرْجِيحَ وَإِنْ كان عَامًّا أو مُطْلَقًا فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ الْمُخَصِّصُ أو الْقَيْدُ في دَلَالَتِهِ أَقْوَى من دَلَالَةِ الْعَامِّ على صُورَةِ التَّخْصِيصِ وَدَلَالَةُ الْمُطْلَقِ على الْمُقَيَّدِ وَإِلَّا لَزِمَ إلْغَاءُ الْأَقْوَى لِأَجْلِ الْأَضْعَفِ وَنُقِلَ عن اخْتِيَارِ الْآمِدِيَّ الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْبَيَانُ كَالْمُبَيَّنِ في الْحُكْمِ على الصَّحِيحِ وقال قَوْمٌ إذَا كان الْمُبَيَّنُ وَاجِبًا كان بَيَانُهُ كَذَلِكَ قال أبو الْحُسَيْنِ فَإِنْ أَرَادُوا أَنَّهُ بَيَانٌ لِصِفَةِ شَيْءٍ وَاجِبٍ فَصَحِيحٌ وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّهُ يَدُلُّ على الْوُجُوبِ كما يَدُلُّ الْمُبَيَّنُ فَغَيْرُ صَحِيحٍ وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّهُ إذَا كان الْمُبَيَّنُ وَاجِبًا كان بَيَانُهُ وَاجِبًا فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ بَيَانَ الْمُجْمَلِ وَاجِبٌ سَوَاءٌ تَضَمَّنَ فِعْلًا وَاجِبًا أَمْ لَا وقال الْهِنْدِيُّ تَبَعًا لِلْمَحْصُولِ نُقِلَ عن قَوْمٍ أَنَّ الْبَيَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَالْمُبَيَّنِ في الْحُكْمِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُمْ أَنَّ الْمُبَيَّنَ إذَا كان وَاجِبًا كان بَيَانُهُ وَاجِبًا وَإِلَّا فَلَا لَا أَنَّهُ بَيَانٌ لِشَيْءٍ وَاجِبٍ فإن ذلك مِمَّا لَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ بَلْ يَنْبُو عنه وَلَا أَنَّهُ يَدُلُّ على ما دَلَّ عليه الْمُبَيَّنُ من الْحُكْمِ حتى يَرِدَ بِأَنَّهُ لم يَكُنْ أَحَدُهُمَا بَيَانًا لِلْآخَرِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ بَيَانًا لِلْآخَرِ إذَا كان دَالًّا على صِفَةِ مَدْلُولِ الْآخَرِ لِأَنَّ ذلك ظَاهِرُ الْفَسَادِ وَلَا أَنَّهُ يَدُلُّ على وُجُوبِ ما تَضَمَّنَهُ من صِفَاتِ مَدْلُولِ الْمُبَيَّنِ أو نَدْبِيَّتِهِ كما دَلَّ الْمُبَيَّنُ على أَصْلِ وُجُوبِهِ أو نَدْبِيَّتِهِ وَهَذَا وَإِنْ كان أَقْرَبَ الِاحْتِمَالَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي عبد الْجَبَّارِ في تَأْوِيلِ ما نَقَلَ عنه لَكِنَّهُ أَيْضًا بَاطِلٌ لِأَنَّ الْبَيَانَ
- الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ هل يَجُوزُ أَنْ يَتَقَدَّمَ الْمُبَيَّنُ على الْمُجْمَلِ فيه قَوْلَانِ حَكَاهُمَا ابن الْقَطَّانِ في أُصُولِهِ أَحَدُهُمَا الْمَنْعُ وَخَطَّأَهُ وَأَصَحُّهُمَا الْجَوَازُ قال وَيَجُوزُ أَنْ يَرِدَ مُقْتَرِنًا وَمُرَتَّبًا فَإِنْ قِيلَ فإن التَّفْسِيرَ يَحْتَاجُ إلَى مُفَسِّرٍ فإذا لم يَكُنْ مُفَسِّرٌ لم يَكُنْ تَفْسِيرٌ قِيلَ إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إذَا عَلِمَ مَصْلَحَتَنَا في ذلك جَازَ أَنْ يُقَدَّمَ التَّفْسِيرُ فَيَجْتَمِعَانِ جميعا كما يَرِدُ بَعْدَهُ الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ قد يَكُونُ الْبَيَانُ مُنْفَصِلًا قد يَكُونُ الْبَيَانُ مُنْفَصِلًا وهو كَثِيرٌ وقد يَكُونُ مُتَّصِلًا كَتَبْيِينِهِ تَعَالَى الْمُرَادَ من الْخَيْطِ الْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى من الْفَجْرِ الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ إذَا صَدَرَ من الرَّسُولِ عليه السَّلَامُ فِعْلٌ وَاقِعٌ مَوْقِعَ الْبَيَانِ في مَكَان أو زَمَانٍ لم يَتَقَيَّدْ مُوجَبُ الْبَيَانِ بِهِمَا وقال بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ يَتَقَيَّدُ بِالْمَكَانِ وَلَا يَتَخَصَّصُ بِالزَّمَانِ وَأَبْعَدَ قَوْمٌ فَقَالُوا يَتَخَصَّصُ بِالزَّمَانِ حَكَاهُ ابن الْقُشَيْرِيّ ثُمَّ قال فَنَقُولُ لَا خِلَافَ أَنَّ الْقَوْلَ الصَّادِرَ من الرَّسُولِ عليه السَّلَامُ لِبَيَانِ الْحُكْمِ لَا يَتَضَمَّنُ تَخْصِيصَ الِامْتِثَالِ بِمَكَانٍ وَلَا زَمَانٍ فَكَذَا الْفِعْلُ وَأَمَّا السَّرَخْسِيُّ من الْحَنَفِيَّةِ فَنَقَلَ عن أَصْحَابِنَا التَّقْيِيدَ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَعَنْ أَصْحَابِهِمْ خِلَافَهُ قال وَلِهَذَا كان إحْرَامُ النبي عليه السَّلَامُ بِالْحَجِّ في أَشْهُرِ الْحَجِّ لَا يَقْتَضِي التَّقْيِيدَ بِتِلْكَ الْأَشْهُرِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَكَذَلِكَ فِعْلُهُ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ خَلْفَ الْمَقَامِ فَتَحَصَّلَ في الْمَسْأَلَةِ مَذَاهِبُ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُمَا يَدْخُلَانِ حَيْثُ يَلِيقُ دُخُولُهُمَا كما في الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَالصَّلَوَاتِ في أَوْقَاتِهَا
- الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ كُلُّ ما يَحْتَاجُ إلَى تَأْخِيرِ الْبَيَانِ من عَامٍّ وَمُجْمَلٍ وَمَجَازٍ وَمُشْتَرَكٍ وَفِعْلٍ مُتَرَدِّدٍ وَمُطْلَقٍ لِتَأْخِيرِ بَيَانِهِ حَالَانِ الْأَوَّلُ أَنْ يُؤَخَّرَ عن وَقْتِ الْحَاجَةِ وهو الْوَقْتُ الذي إنْ أُخِّرَ الْبَيَانُ عنه لم يَتَمَكَّنْ الْمُكَلَّفُ من الْمَعْرِفَةِ بِمَا تَضَمَّنَهُ الْخِطَابُ وَذَلِكَ كُلُّ ما كان وَاجِبًا على الْفَوْرِ كَالْإِيمَانِ وَرَدِّ الْمَغْصُوبِ وَالْوَدَائِعِ لِأَنَّ الْإِتْيَانَ بِالشَّيْءِ مع عَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ مُمْتَنِعٌ بِنَاءً على مَنْعِ تَكْلِيفِ ما لَا يُطَاقُ وَمَنْ جَوَّزَهُ أَجَازَهُ لَكِنْ لَا يَقَعُ وَلِهَذَا نُقِلَ إجْمَاعُ أَرْبَابِ الشَّرَائِعِ على امْتِنَاعِهِ وَالتَّعْبِيرُ بِالْحَاجَةِ لم يَسْتَحْسِنْهُ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ وقال هِيَ عِبَارَةٌ تَلِيقُ بِمَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ بِالْمُؤْمِنِينَ حَاجَةً إلَى التَّكْلِيفِ قال فَالْعِبَارَةُ الصَّحِيحَةُ على مَذْهَبِنَا أَنْ يُقَالَ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عن وَقْتِ وُجُوبِ الْفِعْلِ بِالْخِطَابِ انْتَهَى وَهِيَ مُشَاحَّةٌ لَفْظِيَّةٌ وقد عُرِفَ أَنَّ الْمَعْنِيَّ بِالْحَاجَةِ كما قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ تَوَجُّهُ الطَّلَبِ وَتَرَدَّدَ بَعْضُهُمْ هل مَعْنَى التَّأْخِيرِ عن وَقْتِ الْحَاجَةِ تَأْخِيرُهُ عن زَمَنٍ يُمْكِنُ فيه الْفِعْلُ إلَى زَمَنٍ آخَرَ مُمْكِنٍ أو مَعْنَاهُ تَأْخِيرُهُ إلَى وَقْتٍ لَا يُمْكِنُ فيه الْفِعْلُ كَالظُّهْرِ مَثَلًا هل يَجِبُ بَيَانُهَا بِمُجَرَّدِ دُخُولِ الْوَقْتِ أو لَا يَجِبُ إلَّا إذَا ضَاقَ وَقْتُهَا ا هـ وَالْمُرَادُ الثَّانِي كما بَيَّنَّاهُ أَوَّلًا وَبِهِ صَرَّحَ أبو الْحُسَيْنِ في الْمُعْتَمَدِ وَغَيْرِهِ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ لَا خِلَافَ بين الْأُمَّةِ في امْتِنَاعِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عن وَقْتِ الْحَاجَةِ إلَى الْفِعْلِ وَلَا خِلَافَ في جَوَازِهِ إلَى وَقْتِ الْفِعْلِ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ قد يُؤَخِّرُ النَّظَرَ وقد يُخْطِئُ إذَا نَظَرَ فَهَذَانِ الضَّرْبَانِ لَا خِلَافَ فِيهِمَا الْحَالُ الثَّانِي أَنْ يُؤَخَّرَ عن وَقْتِ وُرُودِ الْخِطَابِ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ إلَى الْفِعْلِ وهو كُلُّ ما لم يَكُنْ وُجُوبُهُ على الْفَوْرِ كَالْحَجِّ وَغَيْرِهِ وهو إمَّا أَنْ يَكُونَ لَا ظَاهِرَ له كَالْأَسْمَاءِ الْمُتَوَاطِئَةِ وَالْمُشْتَرِكَةِ أو له ظَاهِرٌ وقد اُسْتُعْمِلَ في خِلَافِهِ كَتَأْخِيرِ بَيَانِ التَّخْصِيصِ وَتَأْخِيرِ بَيَانِ النَّسْخِ وَتَأْخِيرِ بَيَانِ الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ إذَا اُسْتُعْمِلَتْ في غَيْرِ الْمُسَمَّيَاتِ الشَّرْعِيَّةِ كَالصَّلَاةِ مُرَادًا بها الدُّعَاءُ وَنَحْوُهُ وتأخير بيان اسم النكرة إذا أريد بها شيء معين ففي جواز تأخير ذلك مذاهب أحدها الجواز مطلقا قال ابن برهان وعليه عامة علمائنا من الفقهاء
- والمتكلمين ونقله ابن فورك والقاضي أبو الطيب والشيخ أبو إسحاق وابن السمعاني وغيرهم عن ابن سريج والإصطخري وابن أبي هريرة وابن خيران والقفال وابن القطان والطبري والشيخ أبي الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر وجزم به الخفاف في الخصال ونقله القاضي في مختصر التقريب عن الشافعي وابن سريج والطبري والقفال وعمموا القول في المجمل والعام في الأوامر والنواهي والوعد والوعيد وسائر ضروب الأخبار ونقله ابن القطان عن ابن خيران وابن أبي هريرة قال وكان يحكى عن أبي العباس أنه قال في مسائل المطرز إن قلت لك إن هذا يجوز فما تعمل وإن قلت لك لا يجوز فما تعمل واختاره الرازي وأتباعه وابن الحاجب وقال ابن السمعاني في القواطع هو الذي ننصره قال ونصره عبد الجبار البغدادي في العمد وحكاه عن وأبي هاشم وفيه نظر فالذي نقله أبو الحسين في المعتمد عن هؤلاء المنع مطلقا ونقله سليم عن المزني ونقله المازري عن ابن مطين وأبي الفرج وابن خويز منداد منهم وقال الباجي عليه أكثر أصحابنا كالقاضي أبي بكر وابن خويز منداد وحكاه القاضي عن مالك وإليه ذهب المحققون من الشافعية ومنهم شيخنا القاضي أبو الطيب الطبري وأبو إسحاق الشيرازي ومن أدلتهم قوله تعالى فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه وثم للتعقيب مع التراخي فقد ضمن البيان بعد إلزام الاتباع وقال في قصة نوح وأهلك وعمومه يتناول ابنه ولهذا سأل عن إهلاكه وقوله إنكم وما تعبدون من دون الله ولهذا سأل ابن الزبعرى عن عيسى والملائكة والثاني المنع مطلقا ولم يجوزا أن يقع ذلك إلا والبيان معه ونقله القاضي أبو بكر وابن فورك والشيخ أبو إسحاق وسليم وابن السمعاني وغيرهم عن أبي إسحاق المروزي وأبي بكر الصيرفي والقاضي أبي حامد المروزي ونقله الأستاذ أبو إسحاق عن أبي بكر الدقاق أيضا قال القاضي وهو قول المعتزلة وكثير من الحنفية وإليه صار ابن داود الظاهري ونقله ابن القشيري عن داود ونقله المازري والباجي عن الأبهري منهم وقال القاضي عبد الوهاب قالت المعتزلة والحنفية لا بد أن
- يكون الخطاب متصلا بالبيان أو في حكم المتصل احترازا من انقطاعه كعطاس ونحوه من عطف الكلام بعضه على بعض قال ووافقهم بعض المالكية والشافعية واعلم أن القاضي عبر عن هذا المذهب بقوله وأوجبوا أن لا ترد لفظة إلا ويقترن بها بيانها إذا لم تكن مستقلة بنفسها ا هـ وظاهر هذا التقييد أنهم يجوزون عند الاستقلال وفيه نظر واعلم أن نقل هؤلاء الجماعة المنع عن أبي بكر الصيرفي هو المشهور وقال الأستاذ أبو إسحاق في كتابه هذا مذهب كان يذهب إليه الصيرفي قديما فنزل به الشيخ أبو الحسن الأشعري ضيفا فناظره في هذا واستنزله عن هذه المقالة إلى مذهب الشافعي وسائر المتشيعة ولهذا نقل إمام الحرمين مسألة اعتقاد العموم موافقة للجمهور قلت وقد راجعت كتابه المسمى بالدلائل والأعلام وهو مجلد كبير فرأيته فصل القول في ذلك بين تأخير بيان المجمل فيجوز وتأخير تخصيص العموم ونحوه فيمتنع وها أنا أسوق عبارته لتقف على صواب قوله قال ما نصه القول في الخطاب المجمل الذي لا يعقل من ظاهره مراده قال أبو بكر خطاب لا يعقل من نفس اللفظ بيانه فغير لازم حتى يقع البيان كقوله أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة لا سبيل إلى معرفتها من ظاهر الاسم وحينئذ فوقت التكليف وقت البيان وهذا يجوز أن يتأخر بيانه عن وقت الخطاب إلى وقت الإلزام ويكون فائدة الخطاب الإعلام بأنه أوجب الصلاة التي سيبينها يلزمهم عند البيان قال وليس هذا تأخير البيان لأنهم لا يعرفون ما يلزمهم لأنهم لا يقدرون حينئذ على اعتقاد خلاف المراد ثم قال وأما الخطاب الذي تدرك حقيقته وحده من ظاهر الاسم فلا يحتاج إلى بيان أكثر من لفظه إلا أن يقوم دليل على إرادة بعضه أو فعله في حال دون حال فهذا لا يجوز أن يتأخر بيانه لأنه إن أخره كان الكلام مطلقا ومراده الشرط فيوجب اعتقاده عموما أو اقتضاء أمره مبادرا فيكون قد أمر بما يوجب ظاهره خلاف مراده وهو لا يجوز لما فيه من اللبس ثم ذكر الدلائل على المنع ثم قال وزعم قوم أنه يجوز تأخير بيان بعض المنزلات عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة كما لو أمر بقطع السارق فيجوز تأخير بيان الحد المقطوع إلى أن يحضر سارق يحتاج إلى قطعه وهذه الطائفة من الشافعيين وغيرهم قال أبو بكر لا يقدر
- أحد منهم أن يحكي عن الشافعي نصا في شيء من كتبه ولا يخبر عنه أنه قال إن البيان يجوز تأخيره بل قد حكى عنه المزني أنه لا يجوز تأخيره في مسائل ولا إذا بقي تأخير وهذا أصل من أصول الشافعي فيستدل على قوله أنه غير قابل لما ينتقض من أصله فإذا لم يكن متصلا لأصل له ولا تصح حكايته عنه فيضاف إليه فكيف يجوز أن يجعل ذلك له ثم قال وجماعة من الألباء أنه لا يجوز أن يخاطبنا بخطاب عام ليس في ظاهره ما يوجب التوقف ولا التراخي ولا البعض ويريد التراخي من الوقت أو بعض ما أظهر اسمه ويعريه من دليل يدل به على مراده انتهى ملخصا واعلم أن الصيرفي إنما قال ذلك بناء على اعتقاده أن الصيغة العامة إذا وردت يجب اعتقاد عمومها والعمل بموجبها ويلزم من رجوعه عن منع التأخير فيما نقله الأستاذ عنه رجوعه عن وجوب اعتقاد العموم ضرورة وما ادعاه من أن الشافعي ليس له نص في ذلك ينازعه فيه قول الشاشي في كتابه وقد ذكرنا من قول الشافعي ما يدل على الجواب في غير هذا الكتاب وقال ابن القطان وقد استدل الشافعي بقوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه قال الشافعي فلما أعطى السلب للقاتل علمنا أن المراد بالآية بعضهم دون بعض وقوله ولذي القربى فلما أعطى النبي عليه السلام بني هاشم وبني المطلب ومنع غيرهم دل على أنه أريد بعضهم دون بعض وكذلك أيضا قول الشافعي روي عن النبي عليه السلام أنه نهى عن المزابنة ثم إن قوما من الأنصار شكوا إلى النبي عليه السلام فرخص لهم في العرايا فأطلق النهي ثم خصه في ثاني الحال وهذا هو تأخير البيان قال وبه كان أبو بكر يعني الصيرفي يذكر أن المزني يذهب إلى أن البيان يتأخر حتى أخرج لنا ابن أبي هريرة كلام المزني في المنثور أن البيان لا يجوز أن يتأخر عن وقت الحاجة فدل على أن المزني كان يذهب إلى ما قلنا وقال ابن أبي هريرة جرت هذه المسألة بين أبي بكر وابن خيران فرأيت ابن خيران فيها ضعيفا فقلت لأبي بكر مقصدنا من هذه المسألة المعنى لا الاسم فإذا
- حصل المعنى فسواء سميته تأخير البيان أو لم تسمه وذلك أنا مثل أن يجوز أن يقول لنا اقطعوا السارق ويكون المراد منه البعض ولا يبينه في الحال ويبينه في ثانيه ولا نسميه تأخير بيان ثم ذكر أنه عكس ذلك عليه في تأخير بيان المجمل وما يقع من البيان بفعل النبي عليه السلام والنسخ وهو أن النسخ سماه الناس بهذا الاسم فخبرني أراد الله منا في الابتداء الصلاة إلى بيت المقدس أبدا ثم رفعه أو أراد منا في الابتداء إلى زمان فإن قلت مؤبدا أخلفت وإن قلت مقيدا قيل لك فأي شيء نسخ عنا فإن قلت سمي هذا نسخا وهو في الحقيقة أمر ثان لأنه انكشف عنا ما لم يكن ظهر لنا قلنا وهذا بعينه موجود في التخصيص وهنا تنبيه آخر يتعلق بمذهب المعتزلة وهو أن الجماهير أطلقوا النقل عنهم بالمنع وذكر بعضهم أنهم استثنوا النسخ وجوزوا تأخير بيانه وبذلك صرح أبو الحسين عنهم في المعتمد ولهذا ادعى الغزالي في المستصفى وابن برهان في الوجيز والسمرقندي من الحنفية في الميزان الاتفاق على جواز تأخير بيان النسخ قال الغزالي بل يجب تأخيره لا سيما عند المعتزلة فإن النسخ عندهم بيان لوقت العبادة ويجوز أن يرد لفظ يدل على تكرار الأفعال على الدوام ثم ينسخ ويقطع الحكم بعد حصول الاعتقاد بلزوم الفعل على الدوام لكن يشترط أن لا يرد نسخ والغزالي أخذ ذلك من قول إمامه وقد ناقضت المعتزلة أصولهم إذ النسخ عندهم بيان مدة التكليف ولم يكن هذا البيان مقترنا بمورد الخطاب الأول قال وليس لهم عن هذا جواب والإمام أخذه من القاضي فإنه قال وما استدل به أصحابنا أن قالوا النسخ تخصيص في الزمان والتخصيص في الأعيان ثم يجوز أن ترد اللفظة مطلقة في الأزمان والمراد بعضها فإن لم يبعد ذلك في الأزمان لم يبعد في الأعيان قال القاضي ولا يستقيم منا الاستدلال بذلك فإن النسخ ليس بتخصيص في الأزمان عندي وعند معظم المحققين من أصحابي وإنما هو رفع والمذهب الثالث يجوز تأخير بيان المجمل دون غيره وهو قول أبي بكر الصيرفي فيما سقناه وكذا حكاه القاضيان أبو الطيب وعبد الوهاب وحكاه ابن
- الصباغ في العدة عن الصيرفي وأبي حامد المروروذي وكذا أبو الحسين بن القطان فإنه قال لا خلاف بين أصحابنا في جواز تأخير بيان المجمل كقوله وأقيموا الصلاة وكذلك لا يختلفون في أن البيان في الخطاب العام يقع بفعل النبي عليه السلام والفعل يتأخر عن القول لأن بيانه بالقول أسرع منه بالفعل وأما العموم الذي يعقل مراده من ظاهره كقوله والسارق والسارقة فقد اختلفوا فيه فمنهم من لم يجوز تأخير بيانه إلى هذا كما في مذهب أبي بكر الصيرفي ا هـ وكذلك ابن فورك والأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني فإنهما حكيا اتفاق أصحابنا على جواز تأخير بيان المجمل ثم حكى خلافهم في تأخير اللفظ الذي يوجب تخصيص العموم أو تأويل الظاهر ونسبه القاضي أبو الطيب لأبي حامد المروروذي وحكاه أبو بكر الرازي وصاحب المعتمد عن أبي الحسن الكرخي زاد صاحب الميزان والجصاص قال أبو بكر الرازي وهو عندي مذهب أصحابنا لأنهم يجعلون الزيادة على النص نسخا إذا تراخت عنه ولا يجيزونها إلا بمثل ما يجوز به النسخ ولو جاز عندهم تأخير البيان في مثله لما كانت الزيادة نسخا بل بيانا وقد أجازوا هذه الزيادة في المجمل بالقياس وخبر الواحد ولهذا أسقطوا النية في الصوم ولم يوجب عندهم ذلك نسخه لأنها على وجه البيان وقال السرخسي منهم قال علماؤنا دليل الخصوص إذا اقترن بالعموم كان بيانا وإذا تأخر لم يكن بيانا بل نسخا وقال الشافعي بيان وأصل الخلاف أن مطلق العام قطعي كالخاص وعنده فيكون دليل الخصوص بيان التفسير لا بيان التغيير ونسبه ابن برهان في الوجيز وابن السمعاني لأبي الحسين البصري والذي في المعتمد تفصيل آخر ونقله ابن برهان في الأوسط عن عبد الجبار والذي في المعتمد عنه المنع فيهما والرابع يجوز تأخير بيان العموم لأنه قبل البيان مفهوم ولا يجوز تأخير بيان المجمل لأنه قبل البيان غير مفهوم وحكاه الماوردي والروياني وجها لأصحابنا وقال ابن السمعاني وبه قال بعض أصحاب الشافعي ونقله ابن برهان في الوجيز عن عبد الجبار وأما المازري فحكى هذا المذهب عن بعضهم ثم قال وكنت أصوبه وقد قال القاضي عبد الوهاب في بعض مصنفاته لم يقل به أحد وهذا كله مردود بما ذكرنا
- والخامس يجوز تأخير بيان الأوامر والنواهي ولا يجوز تأخير بيان الأخبار كالوعد والوعيد قال ابن السمعاني هكذا حكاه الماوردي عن الكرخي وبعض المعتزلة وعندي أن مذهب الكرخي هو ما قدمنا قبل قال الماوردي ولم يقل بهذا المذهب أحد من أصحاب الشافعي ا هـ وحكاه القاضي في مختصر التقريب وابن القشيري والشيخ أبو إسحاق والغزالي وأبو الحسين في المعتمد إلا أنه لم يتعرض للنهي والسادس عكسه حكاه الشيخ أبو إسحاق أيضا ونازع بعضهم في حكاية هذا وما قبله فإن موضوع المسألة الخطاب التكليفي فلا يذكر فيهما الأخبار وفيه نظر والسابع يجوز تأخير بيان النسخ دون غيره وحكاه أبو الحسين في المعتمد وأبو علي وابنه وعبد الجبار والثامن التفصيل بين ما ليس له ظاهر كالمشترك قال الإمام فخر الدين والأسماء المتواطئة جاز تأخير البيان لأنه لا محذور من تأخيره وأما ما له ظاهر قد استعمل في غير ظاهره كالعام والمطلق والمنسوخ ونحوه جاز تأخير بيان التفصيل دون الإجمال فإنه يشترط وجوده عند الخطاب حتى يكون مانعا من الوقوع في الخطأ فنقول مثلا المراد من هذا العام هو الخاص أو المطلق أو المقيد أو النكرة المعين أو هذا الحكم سينسخ وأما البيان التفصيلي وهو المشخص بكذا مثلا فليس بشرط وقد نقل الإمام فخر الدين وأتباعه هذا المذهب عن أبي الحسين البصري والدقاق والقفال وأبي إسحاق فأما أبو الحسين فالنقل عنه صحيح وأما الدقاق فسبق النقل عنه بموافقة المعتزلة وأما القفال فالظاهر أنه الشاشي وقد سبق النقل عنه بموافقة الجمهور وقد رأيت في كتابه التصريح بذلك قال ما لفظه البيان للعام والمجمل يجوز أن يتأخر عنه وأن يقارنه وأن يتقدم من الأمور ما يستدل به على المراد مما يحتاج إلى بيانه وذلك كله على حسب ما يقع التعبد به ا هـ وأما أبو إسحاق فإن كان هو المروزي كما صرح به الإمام فقد سبق النقل عنه بموافقة المعتزلة على المنع لكن حكى القاضي عبد الوهاب عنه المذهب الثالث وقال الهندي عن أبي إسحاق المروزي روايتان وإن كان الشيرازي فقد صحح في شرح اللمع الجواز مطلقا والتاسع وحكاه ابن السمعاني عن أبي زيد أن بيان المجمل إن لم يكن تبديلا
- ولا تغييرا جاز مقارنا وطارئا وإن كان بيان تغيير جاز مقارنا ولا يجوز طارئا بحال ثم ذكر أن بيان الاستثناء بيان تغيير قال والخلاف الذي بيننا وبين الشافعي في بيان الخصوص فعندنا هو من قبيل الاستثناء فلا يجوز إلا مقارنا وعند الشافعي هو من قبيل بيان المجمل فيصح مقارنا وطارئا قال ولهذا قال علماؤنا فيمن أوصى له بخاتم ولعمرو بفصه بكلام متصل إن الفص كله لصاحب الفص يكون تخصيصه بيانا كالاستثناء ولو فصل فقال أوصيت لهذا بفصه كان الفصل بين الأول والثاني ولا يصير بيانا عند الفصل قال وأما بيان المجمل منفصلا فجائز ألا ترى أن أصحابنا قالوا فيمن أقر أن لفلان عليه شيئا يكون البيان إليه متصلا أو منفصلا فَائِدَةٌ ذَكَرَ الْمَازِرِيُّ من فَوَائِدِ الْخِلَافِ في هذه الْمَسْأَلَةِ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إذَا وَرَدَ مُتَأَخِّرًا عن عُمُومِ الْكِتَابِ رَافِعٌ لِبَعْضِ مُقْتَضَاهُ كما في قَوْلِهِ عليه السَّلَامُ يوم حُنَيْنٍ من قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ على أَنَّ السَّلَبَ لِلْقَاتِلِ التَّفْرِيعُ الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ التَّأْخِيرِ اخْتَلَفُوا في جَوَازِ التَّدْرِيجِ بِالْبَيَانِ بِأَنْ يُبَيِّنَ تَخْصِيصًا بَعْدَ تَخْصِيصٍ على مَذَاهِبَ أَحَدُهُمَا يَجُوزُ ذلك في الثَّانِي وَالثَّالِثِ وما بَعْدَهُمَا كَالْأَوَّلِ كما يَجُوزُ تَأْخِيرُ أَصْلِ الْبَيَانِ عن اللَّفْظِ كما لو قال اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ عِنْدَ انْسِلَاخِ الشَّهْرِ ثُمَّ قال بَعْدَ زَمَانٍ إذَا كَانُوا حَرْبِيِّينَ ثُمَّ قال إذَا كَانُوا رِجَالًا وَهَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ وَمِنْهُمْ الْقَاضِي لِأَنَّ الدَّالَّ على جَوَازِ التَّأْخِيرِ دَالٌّ على جَوَازِ التَّدْرِيجِ وَعَلَى هذا فَيَجِيءُ ما سَبَقَ في الْعَامِّ من أَنَّ الْمُجْتَهِدَ يَحْكُمُ بِاللُّزُومِ إلَى أَيِّ زَمَنٍ وَالثَّانِي الْمَنْعُ من ذلك في الثَّانِي وما بَعْدَهُ وَأَنَّ الِاقْتِصَارَ على الْأَوَّلِ يُشْعِرُ بِانْحِصَارِ التَّخْصِيصِ فيه لِأَنَّ الْمُخَاطَبَ قَصَدَ بَيَانَ الْمُشْكِلِ فَاقْتَضَى الْحَالُ إكْمَالَهُ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْإِبْهَامَ في تَأْخِيرِ الْبَيَانِ أَكْثَرُ ولم يَمْتَنِعْ
- وَالثَّالِثُ يَجُوزُ ذلك في الْمُجْمَلِ وَلَا يَجُوزُ في الْعُمُومِ كَالْخِلَافِ في الْبَيَانِ الْأَوَّلِ وَالرَّابِعُ يَجُوزُ إذَا أَعْلَمَ صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ الْمُكَلَّفَ أَنَّ فيه بَيَانًا مُتَوَقَّعًا فَأَمَّا إذَا اتَّصَلَ الْبَيَانُ بِالْمُكَلَّفِينَ من غَيْرِ إشْعَارٍ وَإِعْلَامٍ في مَوْقِعِ الْبَيَانِ فَلَا يَتَرَتَّبُ بَيَانٌ آخَرُ وَأَمَّا الْمَانِعُونَ لِلتَّأْخِيرِ فَاخْتَلَفُوا في مَسْأَلَتَيْنِ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ هل يَجُوزُ لِلرَّسُولِ عليه السَّلَامُ تَأْخِيرُ تَبْلِيغِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ من الْأَحْكَامِ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إلَى الْجَوَازِ مُتَمَسِّكِينَ بِأَنَّ وُجُوبَ مَعْرِفَتِهَا إنَّمَا هو لِوُجُوبِ الْعَمَلِ وَلِهَذَا لَا تَجِبُ مَعْرِفَةُ الْأَحْكَامِ التي لَا يَجِبُ الْعَمَلُ بها وَلَا عَمَلَ قبل الْوَقْتِ فَلَا يَجِبُ تَبْلِيغُهَا وَمَنَعَهُ الْأَقَلُّونَ مُتَمَسِّكِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ من رَبِّكَ وَرُدَّ بِأَنَّهُ ليس لِلْفَوْرِ وَبِأَنَّ الْمُرَادَ الْقُرْآنُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ وَحَكَى صَاحِبُ الْمَصَادِرِ عن عبد الْجَبَّارِ أَنَّهُ إنْ كان الْمُنَزَّلُ قُرْآنًا وَجَبَ تَبْلِيغُهُ في الْحَالِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ انْتِشَارُهُ وَإِبْلَاغُهُ وَإِنْ كان غير قُرْآنٍ لم يَجِبْ تَعْجِيلُ التَّبْلِيغِ وَرَدَّهُ لِأَنَّ حَالَ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ فِيمَا أُوحِيَ إلَيْهِ سَوَاءٌ الثَّانِيَةُ في جَوَازِ سَمَاعِ الْمَخْصُوصِ بِدُونِ مُخَصِّصِهِ فقال أَكْثَرُهُمْ يَجُوزُ وَمَنَعَهُ أبو الْهُذَيْلِ وَالْجُبَّائِيُّ في الْمُخَصِّصِ السَّمْعِيِّ دُونَ الْعَقْلِيِّ وقد سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ في بَابِ الْعُمُومِ وَلَيْسَ الْمَسْأَلَةُ السَّابِقَةُ فَرْدًا من أَفْرَادِ هذه لِأَنَّا إذَا فَرَّعْنَا على الْمَنْعِ فَنَحْنُ مَانِعُونَ من وُرُودِ الْعَامِّ إلَّا وَمَعَهُ الْخَاصُّ وَتِلْكَ الْمَسْأَلَةُ في تَبْلِيغِ الْحُكْمِ من حَيْثُ الْجُمْلَةُ سَوَاءٌ الْعَامُّ الْمُقَارِنُ لِلْخَاصِّ وَالْمُطْلَقُ الْمُقَارِنُ لِلْمُقَيَّدِ وَالْمُجْمَلُ الْمُقَارِنُ لِلْمُمَيَّزِ وَالْمُبَيَّنُ بِنَفْسِهِ مَسْأَلَةٌ حَيْثُ وَجَبَ الْبَيَانُ وَالْإِسْمَاعُ فَإِنَّمَا يَجِبُ لِمَنْ أُرِيدَ إفْهَامُهُ قَطْعًا لِئَلَّا يَلْزَمَ التَّكْلِيفُ بِمَا لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهِ وَلَا يَجِبُ إذْ لَا تَعَلُّقَ له بِالْخِطَابِ وَكُلٌّ منها قد لَا يُرَادُ بِهِ الْعَمَلُ وقد يُرَادُ وَالْأَوَّلُ وَالثَّانِي كَالْعُلَمَاءِ بِالنِّسْبَةِ إلَى خِطَابِ الصَّلَاةِ وَأَحْكَامِ الْحَيْضِ وَالثَّالِثُ كَأُمَّتِنَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمِلَلِ الْمَاضِيَةِ وَالرَّابِعُ كَالنِّسَاءِ بِالنِّسْبَةِ إلَى خِطَابِ أَحْكَامِ الْحَيْضِ
- مَسْأَلَةٌ إذَا تَعَارَضَ دَلِيلَانِ وَأَحَدُهُمَا بَيَانٌ في شَيْءٍ مُجْمَلٍ في آخَرَ وَالْآخَرُ كَذَلِكَ مِثَالُهُ حَدِيثُ فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ بَيَانٌ في الْإِخْرَاجِ مُجْمَلٌ في الْمِقْدَارِ وَحَدِيثُ ليس فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ بَيَانٌ في الْمِقْدَارِ مُجْمَلٌ في الْإِخْرَاجِ فَتَمَسَّكَ أبو حَنِيفَةَ بِالْأَوَّلِ في عَدَمِ اعْتِبَارِ النِّصَابِ وَتَمَسَّكَ الشَّافِعِيُّ بِالثَّانِي في اعْتِبَارِهِ قال الْمَاوَرْدِيُّ وَمَذْهَبُنَا مُتَرَجِّحٌ فإن بَيَانَ الْمِقْدَارِ من خَبَرِنَا قَاضٍ على إجْمَالِ الْمِقْدَارِ من خَبَرِهِمْ كما أَنَّ بَيَانَ الْإِخْرَاجِ من خَبَرِهِمْ قَاضٍ على إجْمَالِ الْإِخْرَاجِ من خَبَرِنَا
- الْمَفْهُومُ اعْلَمْ أَنَّ الْأَلْفَاظَ ظُرُوفٌ حَامِلَةٌ لِلْمَعَانِي وَالْمَعَانِي الْمُسْتَفَادَةُ منها تَارَةً تُسْتَفَادُ من جِهَةِ النُّطْقِ وَالتَّصْرِيحِ وَتَارَةً من جِهَةِ التَّعْرِيضِ وَالتَّلْوِيحِ وَالْأَوَّلُ يَنْقَسِمُ إلَى نَصٍّ إنْ لم يَحْتَمِلْ وَظَاهِرٍ إنْ احْتَمَلَ وَالثَّانِي هو الْمَفْهُومُ وهو بَيَانُ حُكْمِ الْمَسْكُوتِ بِدَلَالَةِ لَفْظِ الْمَنْطُوقِ وَسُمِّيَ مَفْهُومًا لَا لِأَنَّهُ مُفْهِمٌ غَيْرَهُ إذْ الْمَنْطُوقُ أَيْضًا مَفْهُومٌ بَلْ لِأَنَّهُ مَفْهُومٌ مُجَرَّدٌ لَا يَسْتَنِدُ إلَى مَنْطُوقٍ فلما فُهِمَ من غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِالتَّعْبِيرِ عنه سُمِّيَ مَفْهُومًا قال الْعَبْدَرِيّ وَالْمَفْهُومُ يَنْقَسِمُ إلَى النَّصِّ وَالْمُجْمَلِ وَالظَّاهِرِ وَالْمُؤَوَّلِ كَانْقِسَامِ الْمَنْطُوقِ قال ابن رُشْدٍ في مُخْتَصَرِهِ فَمِثَالُ النَّصِّ وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ فإنه يَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ أَرَادَ أَهْلَ الْقَرْيَةِ وَكَذَا حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ فإن الْمَفْهُومَ منه قَطْعًا تَحْرِيمُ النِّكَاحِ وَمِثَالُ الْمُحْتَمَلِ لَا صِيَامَ فإنه يَحْتَمِلُ نَفْيَ الْقَبُولِ أَصْلًا أو نَفْيَ الْكَمَالِ وَقَوْلُهُ من أَدْرَكَ رَكْعَةً من الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ فإنه مُتَرَدِّدٌ بين فَضْلِ الصَّلَاةِ أو حُكْمِهَا أو وَقْتِهَا ا هـ تَنْبِيهٌ هل الْمَفْهُومُ مُسْتَفَادٌ من دَلَالَةِ الْعَقْلِ أو من اللَّفْظِ وَهَلْ الْمَفْهُومُ مُسْتَفَادٌ من دَلَالَةِ الْعَقْلِ من جِهَةِ التَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ أو مُسْتَفَادٌ من اللَّفْظِ قَوْلَانِ وَبِالثَّانِي قَطَعَ الْإِمَامُ في الْبُرْهَانِ وَرَدَّهُ الْكَرْخِيّ في نُكَتِهِ بِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يُشْعِرُ بِذَاتِهِ وَإِنَّمَا دَلَالَتُهُ بِالْوَضْعِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعَرَبَ لم تَضَعْ اللَّفْظَ دَالًّا على شَيْءٍ مَسْكُوتٍ عنه فإن اللَّفْظَ إمَّا أَنْ يُشْعِرَ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ أو الْمَجَازِ وَلَيْسَ الْمَفْهُومُ وَاحِدًا مِنْهُمَا وَبَنَى على هذا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِكَوْنِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ صَارُوا إلَى الْمَفْهُومِ فَإِنَّهُمْ إنَّمَا أَخَذُوهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْعَقْلِ وقد يُخْطِئُونَ فَيَكُونُ إذْنُ نِسْبَتِهِمْ كَنِسْبَةِ غَيْرِهِمْ من الْمُخَالِفِينَ
- تَقْسِيمٌ وهو إمَّا أَنْ يَلْزَمَ عن مُفْرَدٍ أو مُرَكَّبٍ وَاللَّازِمُ عن الْمُفْرَدِ إمَّا أَنْ يَتَوَقَّفَ الصِّدْقُ أو الصِّحَّةُ الْعَقْلِيَّةُ أو الشَّرْعِيَّةُ عليه أو لَا وَالثَّانِي أَنْ يَقْتَرِنَ بِحُكْمٍ لو لم يَكُنْ اقْتِرَانُهُ بِهِ لِتَعْلِيلِهِ كان اللَّفْظُ بِهِ قَصْدًا من الشَّارِعِ فَيُبَيِّنُهُ إيمَاءً كما سَيَأْتِي في بَابِ الْقِيَاسِ وَالْأَوَّلُ يُسَمَّى دَلَالَةُ الِاقْتِضَاءِ بِأَنْ يَتَوَقَّفَ تَحَقُّقُ دَلَالَةِ ذلك الْمُفْرَدِ عليه إمَّا لِوُجُوبِ صِدْقِ الْمُتَكَلِّمِ كَقَوْلِهِ رُفِعَ عن أُمَّتِي الْخَطَأُ أَيْ حُكْمُ ذلك أو الْمُؤَاخَذَةُ لِأَنَّ عَيْنَ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ مَوْجُودٌ وَإِمَّا لِاسْتِحَالَةِ الْمَنْطُوقِ بِهِ عَقْلًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ فإن الْعَقْلَ يُحِيلُ سُؤَالَ الْجُدَرَانِ فَالتَّقْدِيرُ أَهْلَ الْقَرْيَةِ وَإِمَّا لِلصِّحَّةِ الشَّرْعِيَّةِ كَقَوْلِهِ اعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي لِاسْتِدْعَائِهِ تَقْدِيرَ الْمِلْكِ إذْ الْعِتْقُ لَا يَحْصُلُ إلَّا في مِلْكٍ وما ذَكَرْنَاهُ من جَعْلِ الِاقْتِضَاءِ بِأَقْسَامِهِ من فَنِّ الْمَفْهُومِ هو الذي صَرَّحَ بِهِ الْغَزَالِيُّ في الْمُسْتَصْفَى وَجَرَى عليه الْبَيْضَاوِيُّ وَغَيْرُهُ وَأَمَّا الْآمِدِيُّ وابن الْحَاجِبِ فَجَعَلَاهُ من فَنِّ الْمَنْطُوقِ وَكَذَا الْإِيمَاءُ وَالْإِشَارَةُ مع تَفْسِيرِهِمَا الْمَنْطُوقَ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ في مَحَلِّ النُّطْقِ وَالْمَفْهُومَ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ لَا في مَحَلِّ النُّطْقِ وَهَذَا بَعِيدٌ من التَّوْجِيهِ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرَهُ أَئِمَّةُ الْأُصُولِ فَإِنَّهُمْ قالوا سُمِّيَ الْمَفْهُومُ مَفْهُومًا لِأَنَّهُ فُهِمَ من غَيْرِ التَّصْرِيحِ بِالتَّعْبِيرِ عنه وَهَذَا الْمَعْنَى شَامِلٌ لِلِاقْتِضَاءِ وَالْإِيمَاءِ وَالْإِشَارَةِ أَيْضًا فَتَكُونُ هذه الْأَقْسَامُ من قَبِيلِ الْمَفْهُومِ لَا الْمَنْطُوقِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ وَاسِطَةً بين الْمَفْهُومِ وَالْمَنْطُوقِ وَلِهَذَا اعْتَرَفَ بها من أَنْكَرَ الْمَفْهُومَ وقد وَقَعَ الْبَحْثُ في كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ هُنَا بين الشَّيْخَيْنِ عَلَاءِ الدِّينِ الْقُونَوِيِّ وَشَمْسِ الدِّينِ الْأَصْفَهَانِيِّ وَكَتَبَا فيها رِسَالَتَيْنِ وَانْتَصَرَ الْأَصْفَهَانِيُّ لِابْنِ الْحَاجِبِ بِأَنْ فَسَّرَ الْمَنْطُوقَ بِمَا دَلَّ عليه اللَّفْظُ في مَحَلِّ النُّطْقِ فَلَزِمَ منه جَعْلُ الثَّلَاثَةِ مَنْطُوقًا لِأَنَّهَا من قَبِيلِ ما دَلَّ عليه اللَّفْظُ في مَحَلِّ النُّطْقِ وَإِنْ لم يُوَضِّحْ اللَّفْظُ لها بِخِلَافِ الْمَفْهُومِ فَلْيُرَاجَعْ كَلَامُهُمَا
- وَجَعَلَ ابن الْحَاجِبِ دَلَالَةَ الْإِشَارَةِ أَنْ لَا يَقْصِدَ وهو في مَحَلِّ النُّطْقِ وَمَثَّلَهَا الْحَنَفِيَّةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الْآيَةَ فإنه يَدُلُّ على أَنَّ الْكُفَّارَ يَمْلِكُونَ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ بِالِاسْتِيلَاءِ بِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ إلَيْهِ أَيْ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ من غَيْرِ قَصْدٍ إلَى بَيَانِهِ إذْ الْآيَةُ سِيقَتْ لِبَيَانِ اسْتِحْقَاقِهِمْ سَهْمًا من الْغَنِيمَةِ لَا لِبَيَانِ أَنَّ الْكُفَّارَ يَمْلِكُونَ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ بِالِاسْتِيلَاءِ لَكِنْ وَقَعَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ من حَيْثُ إنَّ اللَّهَ سَمَّاهُمْ فُقَرَاءَ مع إضَافَةِ الْأَمْوَالِ إلَيْهِمْ وَالْفَقِيرُ اسْمٌ لِعَدِيمِ الْمَالِ لَا لِمَنْ لَا تَصِلُ يَدُهُ إلَيْهِ مع كَوْنِهِ مَالِكًا له فَلَوْ كانت أَمْوَالُهُمْ بَاقِيَةً على مِلْكِهِمْ لَكَانَتْ التَّسْمِيَةُ الْمَذْكُورَةُ مَجَازًا وهو خِلَافُ الْأَصْلِ وَضُعِّفَ بِأَنَّ التَّسْمِيَةَ وَإِنْ دَلَّتْ على ما ذَكَرُوهُ لَكِنَّ إضَافَةَ الْأَمْوَالِ إلَيْهِمْ تَدُلُّ على بَقَاءِ مِلْكِهِمْ إذْ الْأَصْلُ في الْإِضَافَةِ الْمِلْكُ فَلَيْسَ حَمْلُهُمْ الْإِضَافَةَ على التَّجَوُّزِ وَإِجْرَاءُ التَّسْمِيَةِ الْمَذْكُورَةِ على الْحَقِيقَةِ أَوْلَى من الْعَكْسِ مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ وَالْمَعْنَى اللَّازِمُ من اللَّفْظِ الْمُرَكَّبِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِمَدْلُولِ ذلك الْمُرَكَّبِ في الْحُكْمِ أو مُخَالِفًا له وَالْأَوَّلُ مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ لِأَنَّ الْمَسْكُوتَ عنه مُوَافِقٌ لِلْمَلْفُوظِ بِهِ وَيُسَمَّى فَحْوَى الْخِطَابِ لِأَنَّ فَحْوَى الْكَلَامِ ما يُفْهَمُ منه على سَبِيلِ الْقَطْعِ وَهَذَا كَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالْحُكْمِ من الْمَنْطُوقِ بِهِ أو مُسَاوٍ له وَيُسَمَّى أَيْضًا لَحْنَ الْخِطَابِ لَكِنَّ لَحْنَ الْخِطَابِ مَعْنَاهُ قال تَعَالَى وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ في لَحْنِ الْقَوْلِ هَكَذَا قال الْأُصُولِيُّونَ وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ في بَابِ الْقَضَاءِ في الْفَرْقِ بين الْفَحْوَى وَلَحْنِ الْخِطَابِ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْفَحْوَى ما نَبَّهَ عليه اللَّفْظُ وَاللَّحْنُ ما لَاحَ في أَثْنَاءِ اللَّفْظِ وَالثَّانِي الْفَحْوَى ما دَلَّ على ما هو أَقْوَى منه وَلَحْنُ الْقَوْلِ ما دَلَّ على مِثْلِهِ ا هـ وَذَكَرَ الْقَفَّالُ في فَتَاوِيهِ أَنَّ فَحْوَى الْخِطَابِ ما دَلَّ الْمُظْهَرُ على الْمُسْقَطِ وَلَحْنُ الْقَوْلِ ما يَكُونُ مُحَالًا على غَيْرِ الْمُرَادِ في الْأَصْلِ وَالْوَضْعِ من الْمَلْفُوظِ وَالْمَفْهُومُ ما يَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ الْمُظْهَرَ وَالْمُسْقَطَ كَقَوْلِهِ في سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ فَالْمُرَادُ بِهِ إثْبَاتُ
- الزَّكَاةِ في السَّائِمَةِ وَإِسْقَاطُهَا في غَيْرِهَا وَمِثْلُ فَحْوَى الْخِطَابِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَمَنْ كان مِنْكُمْ مَرِيضًا أو على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ من أَيَّامٍ أُخَرَ وَقَوْلُهُ أَنْ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ أَيْ فَضُرِبَ فَانْفَلَقَ لِأَنَّ الْفَحْوَى هو الْمَعْنَى وَإِنَّمَا يُعْرَفُ الْمُرَادُ بِهِ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ الْمُظْهَرِ على الْمُضْمَرِ الْمَحْذُوفِ قال وكان الشَّيْخُ أبو الْحَسَنِ الْمُقْرِي يُجَوِّزُ الْوَقْفَ على قَوْله تَعَالَى أَنْ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ ثُمَّ يَبْتَدِئُ بِقَوْلِهِ فَانْفَلَقَ فَقُلْت له إنَّ ذلك لَا يَجُوزُ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَنْ اضْرِبْ وَقَوْلَهُ فَانْفَلَقَ بِمَجْمُوعِهِمَا يَدُلَّانِ على ذلك الْمُسْقَطِ فلم يَجُزْ الْوَقْفُ عليه قال وَأَمَّا لَحْنُ الْقَوْلِ فَهُوَ غَيْرُ هذا وَيُسَمَّى بِهِ لِأَنَّ اللَّفْظَ يُذْكَرُ وَيُرَادُ غَيْرُهُ لَكِنْ بِاللَّحْنِ من الْقَوْلِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ غَيْرُهُ كما قال تَعَالَى وَلِتَعْرِفْنَهُمْ في لَحْنِ الْقَوْلِ لِأَنَّهُ قال قبل ذلك حتى إذَا خَرَجُوا من عِنْدِكَ قالوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قال كان الْمُرَادُ أَنَّ ما قال عليه السَّلَامُ ليس بِشَيْءٍ فَهَذَا هو لَحْنُ الْقَوْلِ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ مَاذَا قال مُحَمَّدٌ آنِفًا لم يَكُنْ غَرَضُهُمْ من هذا اللَّفْظِ اسْتِكْشَافَ الْقَوْلِ وَالْفَحْصَ عن مَعْنَاهُ وَهَذَا اللَّفْظُ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ ذلك لَكِنَّ في لَحْنِ الْقَوْلِ قد يُرَادُ بِهِ ما قَدَّرْنَاهُ فَهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ ذلك وكان ذلك بَيِّنًا في لَحْنِ قَوْلِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَهَذَا الْمَفْهُومُ تَارَةً يَكُونُ أَوْلَى بِالْحُكْمِ من الْمَنْطُوقِ إمَّا في الْأَكْثَرِ كَدَلَالَةِ تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ من قَوْلِهِ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ على تَحْرِيمِ الضَّرْبِ وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْأَذَى فإن الضَّرْبَ أَكْثَرُ أَذًى من التَّأْفِيفِ وَكَقَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم في الْمُسْلِمِينَ يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ فإنه يُفْهَمُ ثُبُوتُ الذِّمَّةِ لِأَعْلَاهُمْ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَإِمَّا في الْأَقَلِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ من إنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ مَفْهُومُهُ أَنَّ أَمَانَتَهُ تَحْصُلُ في الدِّرْهَمِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَتَارَةً يَكُونُ مُسَاوِيًا كَدَلَالَةِ جَوَازِ
- الْمُبَاشَرَةِ من قَوْلِهِ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغَوْا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ على جَوَازِ أَنْ يُصْبِحَ الرَّجُلُ صَائِمًا جُنُبًا لِأَنَّهُ لو لم يَجُزْ ذلك لم يَجُزْ لِلصَّائِمِ مَدُّهُ الْمُبَاشَرَةَ إلَى الطُّلُوعِ بَلْ وَجَبَ قَطْعُهَا مِقْدَارَ ما يَسَعُ فيه الْغُسْلُ قبل طُلُوعِ الْفَجْرِ وَيَنْقَسِمُ إلَى قَطْعِيٍّ لِأَنَّهُ لَا احْتِمَالَ كَآيَةِ التَّأْفِيفِ وَإِلَى ظَنِّيٍّ وهو ما فيه احْتِمَالٌ مع الظُّهُورِ وَمَثَّلُوهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فإن هذا عِنْدَ طَائِفَةٍ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْقَاتِلَ عَمْدًا عليه تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ من طَرِيقٍ أَوْلَى لَكِنْ فيه احْتِمَالٌ من جِهَةِ قَصْرِ الْكَفَّارَةِ على الْمُخْطِئِ لِكَوْنِ ذَنْبِ الْمُتَعَمِّدِ أَعْظَمَ من أَنْ يُكَفِّرَ وَلِهَذَا اتَّفَقُوا على الْعَمَلِ بِهِ إذَا كان جَلِيًّا وَتَنَازَعُوا في الْمَظْنُونِ فيه فلم يُوجِبْ مَالِكٌ الْكَفَّارَةَ في الْعَمْدِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَإِنْ شِئْت فَقُلْ إلَى ضَرُورِيٍّ وَنَظَرِيٍّ وَحَكَى الْمَازِرِيُّ عن بَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الْمَفْهُومَ إنْ تَطَرَّقَ إلَيْهِ أَدْنَى احْتِمَالٍ فإنه لَا يُسْتَدَلُّ بِهِ وَيَرَوْنَ أَنَّ الِاحْتِمَالَ في هذا يَسْقُطُ الْعَمَلُ بِهِ بِخِلَافِ اللَّفْظِيِّ وما ذَكَرْنَاهُ من أَنَّ مَفْهُومَ الْمُوَافَقَةِ تَارَةً يَكُونُ أَوْلَى وَتَارَةً يَكُونُ مُسَاوِيًا هو ما ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ وَالْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وَأَتْبَاعُهُ وَمِنْهُمْ من شَرَطَ فيه الْأَوْلَوِيَّةَ وهو قَضِيَّةُ ما نَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الْبُرْهَانِ عن كَلَامِ الشَّافِعِيِّ في الرِّسَالَةِ وهو قَضِيَّةُ كَلَامِ الشَّيْخِ أبي إِسْحَاقَ وَعَلَيْهِ جَرَى ابن الْحَاجِبِ في مَوْضِعٍ وَنَقَلَهُ الْهِنْدِيُّ عن الْأَكْثَرِينَ وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ شَرْطُهُ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَعْنَى في الْمَسْكُوتِ عنه أَقَلَّ مُنَاسَبَةً لِلْحُكْمِ من الْمَعْنَى في الْمَنْطُوقِ فيه فَيَدْخُلُ فيه الْأَوْلَى وَالْمُسَاوِي وهو ظَاهِرُ كَلَامِ الْجُمْهُورِ من أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ قال الْهِنْدِيُّ وَيَدُلُّ عليه تَسْمِيَةُ الشَّافِعِيِّ له بِالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ فإنه لَا يُشْتَرَطُ في الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ كَوْنُ الْحُكْمِ في الْمَقِيسِ أَوْلَى من الْمَقِيسِ عليه فَلَا يَحْسُنُ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِاشْتِرَاطِ الْأَوْلَوِيَّةِ تَسْمِيَتُهُ جَلِيًّا بَلْ هو عِنْدَهُمْ أَخَصُّ منه وَلَوْ سُمِّيَ بِهِ لَكَانَ من تَسْمِيَةِ الْخَاصِّ بِالْعَامِّ وَعَلَيْهِ يُنْزِلُونَ تَسْمِيَةَ الشَّافِعِيِّ لَكِنْ يُسَمِّي أَكْثَرُهُمْ الْأَوَّلَ بِفَحْوَى الْخِطَابِ وَالثَّانِي بِلَحْنِهِ وَاخْتَلَفُوا في دَلَالَةِ النَّصِّ عليه هل هِيَ لَفْظِيَّةٌ أو قِيَاسِيَّةٌ على قَوْلَيْنِ
- حَكَاهُمَا الشَّافِعِيُّ في الْأُمِّ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ تَرْجِيحُ أَنَّهُ قِيَاسٌ وهو الذي صَدَّرَ بِهِ كَلَامَهُ في الرِّسَالَةِ وَأَوْضَحَهُ بِالْأَمْثِلَةِ ثُمَّ قال وقد مَنَعَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُسَمَّى بَيَانًا لِأَنَّهُ نَقَلَهُ من النَّصِّ وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ في بَابِ الْقَضَاءِ على الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ قِيَاسٌ وَكَذَا الْهِنْدِيُّ في النِّهَايَةِ وقال الصَّيْرَفِيُّ ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ جُلَّةٌ سَيِّدُهُمْ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّ هذا هو الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَذْكُورَ هو الْمُسَمَّى بِاسْمِهِ وهو التَّنْبِيهُ على الْعُمُومِ وإذا كان بِهِ عَقْلٌ كان هو الْأَصْلَ وكان مِمَّا نَبَّهَ عليه فَرْعُهُ وقال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في شَرْحِ اللُّمَعِ إنَّهُ الصَّحِيحُ وَجَرَى عليه الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ فَذَكَرَهُ في أَنْوَاعِ الْقِيَاسِ وقال سُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ الشَّافِعِيُّ يُومِئُ إلَى أَنَّهُ قِيَاسٌ جَلِيٌّ لَا يَجُوزُ وُرُودُ الشَّرْعِ بِخِلَافِهِ قال وَأَنْكَرَ دَاوُد الْمَفْهُومَ قال وَذَهَبَ الْمُتَكَلِّمُونَ بِأَسْرِهِمْ الْأَشْعَرِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ إلَى أَنَّ الْمَنْعَ من التَّأْفِيفِ وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْأَذَى مُسْتَفَادٌ من النُّطْقِ انْتَهَى وقال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ الصَّحِيحُ من الْمَذَاهِبِ أَنَّهُ جَارٍ مَجْرَى النُّطْقِ لَا مَجْرَى الْقِيَاسِ وَسَمَّاهُ الْحَنَفِيَّةُ دَلَالَةَ النَّصِّ وقال آخَرُونَ ليس بِقِيَاسٍ وَلَا يُسَمَّى دَلَالَةَ النَّصِّ لَكِنَّ دَلَالَتَهُ لَفْظِيَّةٌ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ إنَّ الْمَنْعَ من التَّأْفِيفِ مَثَلًا مَنْقُولٌ بِالْعُرْفِ عن مَوْضُوعِهِ اللُّغَوِيِّ إلَى الْمَنْعِ من أَنْوَاعِ الْأَذَى وَقِيلَ إنَّهُ فَهْمٌ بِالسِّيَاقِ وَالْقَرَائِنِ وَعَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ من أَهْلِ هذا الْقَوْلِ كَالْغَزَالِيِّ وَابْنِ الْقُشَيْرِيّ وَالْآمِدِيَّ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَالدَّلَالَةُ عِنْدَهُمْ مَجَازِيَّةٌ من بَابِ إطْلَاقِ الْأَخَصِّ وَإِرَادَةِ الْأَعَمِّ قال الْمَازِرِيُّ وَالْقَائِلُونَ بهذا شَرَطُوا كَوْنَ الْمَسْكُوتِ عنه أَوْلَى بِالْحُكْمِ من الْمَنْطُوقِ بِهِ قال وَالْجُمْهُورُ على أَنَّ دَلَالَتَهُ من جِهَةِ اللُّغَةِ لَا من الْقِيَاسِ وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهُ من بَابِ الْقِيَاسِ وَرُدَّ عليه بِأَنَّ سَامِعَ الْخِطَابِ يُفْهَمُ منه النَّهْيُ عن الضَّرْبِ وَإِنْ لم يَنْظُرْ في طُرُقِ الْقِيَاسِ وَيُؤْمِنْ بِذَلِكَ وَإِنْ لم يُؤْمِنْ بِالتَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ وقال عبد الْعَزِيزِ في كَشْفِ الْأَسْرَارِ ظَنَّ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ هذا قِيَاسٌ جَلِيٌّ وَأَصْلَهُ التَّأْفِيفُ وَفَرْعَهُ الضَّرْبُ وَعِلَّتَهُ دَفْعُ الْأَذَى وَلَيْسَ كما ظَنُّوا لِأَنَّ الْأَصْلَ في الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ضَرْبًا من الْفُرُوعِ بِالْإِجْمَاعِ وقد يَكُونُ في هذا أَصْلًا بِمَا يَجْعَلُوهُ فَرْعًا وَلِأَنَّهُ كان ثَابِتًا قبل شَرْعِ الْقِيَاسِ فَعُلِمَ أَنَّهُ من الدَّلَالَاتِ
- اللَّفْظِيَّةِ وَلَيْسَ بِقِيَاسٍ وَلِهَذَا احْتَجَّ بِهِ نُفَاةُ الْقِيَاسِ وَلِأَنَّ الْمَفْهُومَ نَظَرِيٌّ وَهَذَا ضَرُورِيٌّ قال وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ في هذه الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ هل يَعْمَلُ عَمَلَ النَّصِّ وَأَنَّهُ هل يَجْرِي في الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ أَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ في الْبُرْهَانِ في كِتَابِ الْقِيَاسِ أَشَارَ إلَى أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ من فَوَائِدِهِ أَنَّهُ هل يَجُوزُ النَّسْخُ بِهِ إنْ قُلْنَا لَفْظِيَّةٌ جَازَ وَإِلَّا فَلَا وَسَيَأْتِي في النَّسْخِ وَمِنْهَا ما حَكَيْنَاهُ عن صَاحِبِ الْكَشْفِ أَيْضًا وقال الْغَزَالِيُّ في بَابِ الْقِيَاسِ من الْمَنْحُولِ قالوا فَائِدَةُ الْخِلَافِ فيه أَنَّهُ إنْ كان قِيَاسًا قُدِّمَ عليه الْخَبَرُ وَإِلَّا فَلَا وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ هو قِيَاسٌ وَلَكِنْ لَا يُقَدَّمُ على الْخَبَرِ وَهَذَا ما يَعْتَقِدُهُ في مَنْعِ التَّقْدِيمِ وَالْخِلَافُ بَعْدَهُ يَرْجِعُ إلَى عِبَارَةِ انْتَهَى قلت سَيَأْتِي تَقْدِيمُهُ على الْقِيَاسِ عِنْدَ التَّعَارُضِ لِأَنَّهُ أَقْوَى منه نعم لو كان الْقِيَاسُ عِلَّتُهُ مَنْصُوصَةٌ فَالظَّاهِرُ تَقَدُّمُ الْقِيَاسِ عليه لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ النَّصِّ وقال ابن التِّلِمْسَانِيِّ من قال مُسْتَنَدُهُ التَّنْبِيهُ بِالْأَدْنَى على الْأَعْلَى قال لَا فَرْقَ بين أَنْ تَكُونَ الْفَحْوَى قَطْعِيَّةً أو ظَنِّيَّةً وَإِلَيْهِ مَيْلُ الشَّافِعِيِّ فإنه قال في قَوْله تَعَالَى وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ إنَّ تَقْيِيدَ الْقَتْلِ بِالْخَطَأِ في إيجَابِ الْكَفَّارَةِ يَدُلُّ على إيجَابِهَا في الْعَمْدِ أَوْلَى وَهَذَا ظَاهِرٌ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ وَمَنْ قال مُسْتَنَدُهُ الْقَرَائِنُ وَالسِّيَاقُ وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْحَنَفِيَّةِ لم يَشْتَرِطْ في الْفَحْوَى أَنْ يَكُونَ مَقْطُوعًا بِهِ قال وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّهُ لو وُجِدَ في بَعْضِ الصُّوَرِ لَفْظٌ من الشَّارِعِ يُشْعِرُ بِنَقِيضِ الْحُكْمِ في الْمَسْكُوتِ عنه إنْ قُلْنَا مَأْخُوذٌ من قِيَاسٍ جَلِيٍّ امْتَنَعَ الْقِيَاسُ إلَّا على رَأْيِ من يُقَدِّمُ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ على الظَّاهِرِ وَإِنْ قُلْنَا يَعْتَمِدُ التَّنْبِيهَ أو الْقَرَائِنَ اللَّفْظِيَّةَ تَعَارَضَ اللَّفْظَانِ وَيَبْقَى النَّظَرُ في جِهَاتِ التَّرْجِيحِ
- الثَّانِي الْقَوْلُ بِمَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ من حَيْثُ الْجُمْلَةُ مُجْمَعٌ عليه كما قَالَهُ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ وَوَقَعَ في الْبُرْهَانِ وَغَيْرِهِ ما يَقْتَضِي أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يُنْكِرُهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ صَرَّحَ الْإِمَامُ بَعْدَ كَلَامٍ ذَكَرَهُ أَنَّ من أَنْكَرَ الْمَفْهُومَ سَلَّمَ الْفَحْوَى في مِثْلِ قَوْلِهِ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ قال وَأَمَّا مُنْكِرُو صِيَغِ الْعُمُومِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ يُنْكِرُونَ الْمَفْهُومَ وهو بِالتَّوْقِيفِ أَوْلَى لَكِنْ نُقِلَ عن الْأَشْعَرِيِّ ما يَقْتَضِي الْقَوْلَ بِهِ فإنه تَعَلَّقَ في مَسْأَلَةِ الرُّؤْيَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى كَلًّا إنَّهُمْ عن رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ وقال إذَا ذَكَرَ الْحِجَابَ في إذْلَالِ الْأَشْقِيَاءِ أَشْعَرَ ذلك بِنَقِيضِهِ في السَّعَادَةِ وَأَمَّا الظَّاهِرِيَّةُ فَقَدْ قال الْمَازِرِيُّ نُقِلَ عَنْهُمْ إنْكَارُ الْقَوْلِ بِمَفْهُومِ الْخِطَابِ على الْإِطْلَاقِ كما حَكَى عن قَوْمٍ من الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الْمَفْهُومَ مَتَى تَطَرَّقَ إلَيْهِ أَدْنَى احْتِمَالٍ فإنه لَا يُسْتَدَلُّ بِهِ وَيَرَوْنَ أَنَّ الِاحْتِمَالَ في هذا يَسْقُطُ الْعَمَلُ بِهِ بِخِلَافِ الظَّاهِرِ اللَّفْظِيِّ وقال ابن رُشْدٍ لَا يَنْبَغِي لِلظَّاهِرِيَّةِ أَنْ يُخَالِفُوا في مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ لِأَنَّهُ من بَابِ السَّمْعِ وَاَلَّذِي يَرُدُّ ذلك يَرُدُّ نَوْعًا من الْخِطَابِ قلت قد خَالَفَ فيه ابن حَزْمٍ قال ابن تَيْمِيَّةَ وهو مُكَابَرَةٌ الثَّالِثُ اخْتَلَفُوا كما قَالَهُ الْمَازِرِيُّ في جَوَازِ الْحُكْمِ بِنَقِيضِ هذا الْمَفْهُومِ مِثْلُ وَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَاقْتُلْهُمَا قال وَرَأَيْت الْأَذْرِيَّ تَرَدَّدَ فيه فَسَلَّمَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لِمَنْ عَمِلَ قِنْطَارًا لِمَ رَدَّهُ لِلتَّنَاقُضِ وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ من كِتَابِهِ إنَّمَا يُسْتَفَادُ الْمَنْعُ من قِبَلِهِمَا لِأَجْلِ تَحْدِيدِ النَّهْيِ عن التَّأْفِيفِ وَأَشَارَ إلَى جَوَازِ مُضَامَّةِ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ بَعْضِهِمَا لِبَعْضٍ وَمِنْ الْخِلَافِ يُلْتَفَتُ إلَى أَنَّ دَلَالَةَ هذا هل هِيَ نَصٌّ أو ظَاهِرٌ فَإِنْ قُلْنَا نَهْيٌ لم يَجُزْ وَإِلَّا جَازَ الرَّابِعُ قال بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ من فَاسِدِ هذا الضَّرْبِ قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ إذَا جَازَ السَّلَمُ في الْمُؤَجَّلِ فَفِي الْحَالِّ أَجْوَزُ وَمِنْ الْغَرَرِ أَبْعَدُ فإنه لَا بُدَّ من اشْتِرَاكِهِمَا في الْمُقْتَضَى وَلَيْسَ الْمُقْتَضِي لِصِحَّةِ السَّلَمِ الْمُؤَجَّلِ بُعْدَهُ عن الْغَرَرِ فَيَلْتَحِقُ بِهِ الْحَالُّ وَالْغَرَرُ مَانِعٌ احْتَمَلَ في الْمُؤَجَّلِ وَالْحُكْمُ لَا يَصِحُّ لِعَدَمِ مَانِعِهِ بَلْ لِوُجُودِ مُقْتَضِيهِ ثُمَّ لو كان بُعْدُهُ عن الْغَرَرِ عِلَّةَ الصِّحَّةِ مِمَّا وَجَدْت في الْفَرْعِ فَكَيْفَ يَصِحُّ الْإِلْحَاقُ
- وَالثَّانِي مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ وهو إثْبَاتُ نَقِيضِ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ لِلْمَسْكُوتِ وَيُسَمَّى دَلِيلَ الْخِطَابِ لِأَنَّ دَلِيلَهُ من جِنْسِ الْخِطَابِ أو لِأَنَّ الْخِطَابَ دَالٌّ عليه قال في الْمَنْخُولِ وقد بَدَّلَ ابن فُورَكٍ لَفْظَ الْمَفْهُومِ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ في هذا الْقِسْمِ لِمُخَالَفَتِهِ مَنْظُومَ اللَّفْظِ قال الْقَرَافِيُّ في قَوَاعِدِهِ وَهَلْ الْمُخَالَفَةُ بين الْمَنْطُوقِ وَالْمَسْكُوتِ بِضِدِّ الْحُكْمِ الْمَنْطُوقِ بِهِ أو بِنَقِيضِهِ الْحَقُّ الثَّانِي وَمَنْ تَأَمَّلْ الْمَفْهُومَاتِ وَجَدَهَا كَذَلِكَ قال وَيَظْهَرُ التَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا في اسْتِدْلَالِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا على وُجُوبِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ بِقَوْلِهِ في حَقِّ الْمُنَافِقِينَ وَلَا تُصَلِّ على أَحَدٍ منهم مَاتَ أَبَدًا إذْ مَفْهُومُهُ يَقْتَضِي وُجُوبَ الصَّلَاةِ على الْمُؤْمِنِينَ وَلَيْسَ كما قال بَلْ مَفْهُومُهُ عَدَمُ تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ على الْمُؤْمِنِينَ وَعَدَمُ التَّحْرِيمِ صَادِقٌ مع الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ وَالْإِبَاحَةِ فَلَا يَسْتَلْزِمُ الْوُجُوبَ لِأَنَّ الْأَعَمَّ من الشَّيْءِ لَا يَسْتَلْزِمُهُ فَالنَّقِيضُ أَعَمُّ من الضِّدِّ وَأَقْسَامُهُ عَشَرَةٌ اقْتَصَرَ الْأُصُولِيُّونَ منها على ذِكْرِ أَرْبَعَةٍ أو خَمْسَةٍ قال الْمَازِرِيُّ وَحَصَرَهَا الشَّافِعِيُّ في خَمْسٍ فذكر الْحَدَّ وَالْعَدَدَ وَالصِّفَةَ وَالْمَكَانَ وَالزَّمَانَ وَأَشَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إلَى شُمُولِ التَّعْبِيرِ عنها بِالصِّفَةِ وهو صَحِيحٌ لِأَنَّ الصِّفَةَ مُقَدَّرَةٌ في ظَرْفِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ كَكَائِنٍ وَمُسْتَقِرٍّ وَوَاقِعٍ من قَوْلِك زَيْدٌ في الدَّارِ وَالْغُسْلُ يوم الْجُمُعَةِ وَالْجَمِيعُ عِنْدَنَا حُجَّةٌ إلَّا اللَّقَبَ وَأَنْكَرَ أبو حَنِيفَةَ الْجَمِيعَ وَحَكَاهُ الشَّيْخُ في شَرْحِ اللُّمَعِ عن الْقَفَّالِ الشَّاشِيِّ وَأَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَزِيِّ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ في شَرْحِ التَّرْتِيبِ قد تَكَلَّمَ أَصْحَابُنَا في هذا الْبَابِ وَخَلَطُوا فيه وَآخِرُهُمْ أبو بَكْرٍ الْقَفَّالُ وَأَوَّلُ من تَكَلَّمَ فيه أبو الْعَبَّاسِ بن سُرَيْجٍ وَذَكَرَ أَنَّهُ نَظَرَ في كِتَابِ الرِّسَالَةِ وَغَيْرِهَا من كُتُبِ الشَّافِعِيِّ فلم يَنْكَشِفْ له ما
- قَالَهُ الشَّافِعِيُّ كُلَّ الِانْكِشَافِ فَحَسِبَهَا أَجْوِبَةً مُخْتَلِفَةً لِاخْتِلَافِ صُوَرِهَا فقال إنَّمَا قال الشَّافِعِيُّ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ بِدَلِيلٍ يَزِيدُ على نَفْسِ اللَّفْظِ لَا بِنَفْسِ اللَّفْظِ وَمُقْتَضَاهُ مِثْلُ ما ذَكَرَ من قِلَّةِ النَّمَاءِ وَقِلَّةِ الْمَئُونَةِ في الْمَعْلُوفَةِ فَتَلَطَّفَ أبو الْعَبَّاسِ في مَنْعِ الْقَوْلِ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ وَصَرَّحَ الْقَفَّالُ بِخِلَافِ الشَّافِعِيِّ فيه ا هـ قال الشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى في الذَّرِيعَةِ أَنْكَرَهُ ابن سُرَيْجٍ وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ من شُيُوخِهِمْ كَأَبِي بَكْرٍ الْفَارِسِيِّ وَالْقَفَّالِ وَغَيْرِهِمَا وَذَكَرَ ابن سُرَيْجٍ أَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالصِّفَةِ يَدُلُّ على ما تَنَاوَلَهُ لَفْظُهُ إذَا تَجَرَّدَ وقد تَحْصُلُ منه قَرَائِنُ يَدُلُّ مَعَهَا على أَنَّ ما عَدَاهُ بِخِلَافِهِ كَقَوْلِهِ إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ وَقَوْلُهُ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ فلم تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا وَقَوْلُهُ عليه السَّلَامُ في سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ وقال وقد يَقْتَضِي ذلك أَنَّ حُكْمَ ما عَدَاهُ مِثْلُ حُكْمِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا وَقَوْلِهِ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَقَوْلِهِ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إنَّمَا يَدُلُّ على النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ بِالْقَرَائِنِ قال وقد أَضَافَ ابن سُرَيْجٍ قَوْلَهُ هذا إلَى الشَّافِعِيِّ وَتَأَوَّلَ كَلَامَهُ الْمُقْتَضِي لِخِلَافِ ذلك وَبَنَاهُ عليه ا هـ وَأَمَّا الْأَشْعَرِيُّ فقال الْقَاضِي وَالْإِمَامُ إنَّ النَّقَلَةَ نَقَلُوا عنه نَفْيَ الْقَوْلِ بِالْمَفْهُومِ كما نَقَلُوا عنه نَفْيَ صِيَغِ الْعُمُومِ وقد أُضِيفَ إلَيْهِ خِلَافُ ذلك وَأَنَّهُ قال بِمَفْهُومِ الْخِطَابِ لِأَجْلِ اسْتِدْلَالِهِ على رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِ رَبَّهُ يوم الْقِيَامَةِ بِقَوْلِهِ في الْكَافِرِينَ إنَّهُمْ عن رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ من الْحَنَفِيَّةِ في كِتَابِ السِّيَرِ أَنَّهُ ليس بِحُجَّةٍ في خِطَابَاتِ الشَّرْعِ قال وَأَمَّا في مُصْطَلَحِ الناس وَعُرْفِهِمْ فَهُوَ حُجَّةٌ وَعَكَسَ ذلك بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَّا فقال حُجَّةٌ في كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وفي كَلَامِ الْمُصَنِّفِينَ وَغَيْرِهِمْ ليس بِحُجَّةٍ
- فَصْلٌ اخْتَلَفَ الْمُثْبِتُونَ لِلْمَفْهُومِ في مَوَاضِعَ أَحَدُهَا هل هو دَلِيلٌ من حَيْثُ اللَّفْظُ أو الشَّرْعُ على وَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا حَكَاهُمَا الْمَازِرِيُّ وَالرُّويَانِيُّ قال ابن السَّمْعَانِيِّ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ من حَيْثُ اللُّغَةُ وَوَضْعُ لِسَانِ الْعَرَبِ وقال الْإِمَامُ الرَّازِيَّ في الْمَعَالِمِ لَا يَدُلُّ على النَّفْيِ بِحَسَبِ اللُّغَةِ لَكِنَّهُ يَدُلُّ عليه بِحَسَبِ الْعُرْفِ الْعَامِّ وَذَكَرَ في الْمَحْصُولِ في بَابِ الْعُمُومِ أَنَّهُ يَدُلُّ عليه الْعَقْلُ فَحَصَلَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ وَحَكَى الْإِبْيَارِيُّ في شَرْحِ الْبُرْهَانِ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِالْمَفْهُومِ اخْتَلَفُوا هل نَفْيُ الْحُكْمِ فيه عَمَّا عَدَا الْمَنْطُوقَ بِهِ من قَبِيلِ اللَّفْظِ أو من قَبِيلِ الْمَعْنَى كَعَدَمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ في الْمَعْلُوفَةِ هل هو مَلْفُوظٌ بِهِ حتى نَقُولَ إنَّ الْعَرَبَ إذَا قالت في سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ أَنَّ هذا الْكَلَامَ قَائِمٌ مَقَامَ كَلَامَيْنِ أَحَدُهُمَا وُجُوبُهَا في السَّائِمَةِ وَالْآخَرُ نَفْيُهَا عن الْمَعْلُوفَةِ أَمْ نَقُولُ إنَّ هذا ليس من قَبِيلِ اللَّفْظِ بَلْ من قَبِيلِ الْمَعْنَى قال وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ من قَبِيلِ اللَّفْظِ وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا خُصَّ الْمَفْهُومُ هل يَبْقَى حُجَّةً فِيمَا بَقِيَ بَعْدَ التَّخْصِيصِ إنْ قُلْنَا إنَّهُ من قَبِيلِ اللَّفْظِ فَنَعَمْ وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ من قَبِيلِ الْمَعْنَى فَلَا ا هـ وَهَذَا الْخِلَافُ غَرِيبٌ وَمِمَّنْ حَكَاهُ أَيْضًا بَعْضُ شُرَّاحِ اللُّمَعِ وَيَتَحَصَّلُ حِينَئِذٍ خَمْسَةُ مَذَاهِبَ من جِهَةِ اللُّغَةِ من جِهَةِ الشَّرْعِ من جِهَةِ الْعُرْفِ من جِهَةِ الْعَقْلِ من جِهَةِ الْمَعْنَى الْمَوْضِعُ الثَّانِي اخْتَلَفُوا أَيْضًا في تَحْقِيقِ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ هل دَلَّ على نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَا الْمَنْطُوقَ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كان من جِنْسِ الْمُثْبَتِ فيه أَمْ لم يَكُنْ أو اخْتَصَّتْ دَلَالَتُهُ بِمَا إذَا كان من جِنْسِهِ فإذا قال في الْغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ فَهَلْ نَفَيْنَا الزَّكَاةَ عن الْمَعْلُوفَةِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كانت من الْإِبِلِ أو الْبَقَرِ أو الْغَنَمِ أو لم نَنْفِ إلَّا عن مَعْلُوفَةِ
- الْغَنَمِ على وَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَسُلَيْمٌ وابن السَّمْعَانِيِّ وَالْإِمَامُ الرَّازِيَّ وَغَيْرُهُمْ قال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ وَالصَّحِيحُ تَخْصِيصُهُ بِالنَّفْيِ عن مَعْلُوفَةِ الْغَنَمِ فَقَطْ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْمَنْطُوقِ وَوَجْهُ النَّفْيِ مُطْلَقًا أَنَّ السَّوْمَ كَالْعِلَّةِ فَيَنْتَفِي بِانْتِفَائِهَا وَكَذَا صَحَّحَ سُلَيْمٌ أَنَّ النَّفْيَ عن مَعْلُوفَةِ الْغَنَمِ فَقَطْ لَكِنْ صَحَّحَ أبو الْحَسَنِ السُّهَيْلِيُّ من أَصْحَابِنَا في أَدَبِ الْجَدَلِ له الثَّانِي قال الشَّيْخُ وهو ضَعِيفٌ جِدًّا الثَّالِثُ أَنَّهُ ظَاهِرٌ لَا يَرْتَقِي إلَى الْقَطْعِ وَكَلَامُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ يَقْتَضِي أَنَّهُ قد يَكُونُ قَطْعِيًّا وَعَلَى الْأَوَّلِ فَهَلْ يَصِحُّ إسْقَاطُهُ بِجُمْلَتِهِ حتى يَكُونَ كَإِزَالَةِ الظَّاهِرِ أو لَا وَإِنَّمَا يُؤَوَّلُ حتى يُرَدَّ إلَى الْبَعْضِ كما في تَخْصِيصِ الْعُمُومِ قال الْإِمَامُ في الْبُرْهَانِ يَصِحُّ إسْقَاطُهُ بِجُمْلَتِهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ فإذا دَلَّ الدَّلِيلُ على إسْقَاطِ الْمَفْهُومِ بِكَمَالِهِ بَقِيَ اللَّفْظُ فِيمَا دَلَّ عليه بِالنُّطْقِ فلم يَتَعَطَّلْ اللَّفْظُ بِخِلَافِ ما إذَا خَرَجَ من الْعُمُومِ كُلُّ أَفْرَادِهِ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَعْطِيلِ اللَّفْظِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ إسْقَاطَ الْمَفْهُومِ بِالْكُلِّيَّةِ كَتَخْصِيصِ الْعُمُومِ وَحُكِيَ في الْمَنْخُولِ عن ابْنِ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ لَا بُدَّ من تَرْكِ بَقِيَّةٍ كما في الْمَنْطُوقِ قال وَالْمُخْتَارُ خِلَافُهُ إذْ ليس الْمَفْهُومُ سَائِرُ الْكَلَامِ وَإِنَّمَا هو بَعْضُ مُقْتَضَيَاتِ اللَّفْظِ فَلَيْسَ في تَرْكِهِ مع تَبْقِيَةِ الْمَنْطُوقِ نَسْخٌ بَلْ هو كَتَخْصِيصِ الْعُمُومِ الرَّابِعُ إذَا دَلَّ دَلِيلٌ على إخْرَاجِ صُورَةٍ من صُوَرِ الْمَفْهُومِ فَهَلْ يُسْقِطُ الْمَفْهُومَ بِالْكُلِّيَّةِ أو يَتَمَسَّكَ بِهِ في الْبَقِيَّةِ يَنْبَنِي على أَنَّ الْعُمُومَ إذَا خُصَّ هل يَكُونُ مُجْمَلًا فَإِنْ قُلْنَا يَصِيرُ مُجْمَلًا فَالْمَفْهُومُ أَوْلَى وَإِنْ قُلْنَا لَا يَكُونُ مُجْمَلًا فَمُقْتَضَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ تَرْكُ الْمَفْهُومِ بِالْكُلِّيَّةِ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَلَقَّاهُ بِالنَّظَرِ إلَى فَوَائِدِ التَّخْصِيصِ وَلِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ إلَّا مُخَالَفَةُ الْمَسْكُوتِ عنه لِلْمَنْطُوقِ بِهِ فإذا أَثْبَتَ أَنَّ بَعْضَ الْمَسْكُوتِ عنه يُوَافِقُ الْمَنْطُوقَ بِهِ بَطَلَ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ هِيَ الْفَائِدَةُ فَيُطْلَبُ فَائِدَةٌ أُخْرَى وَالْحَقُّ جَوَازُ التَّمَسُّكِ بِهِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ كما إذَا قِيلَ إنَّمَا الْعَالِمُ زَيْدٌ وَلَا عَالِمَ إلَّا زَيْدٌ فإذا دَلَّ دَلِيلٌ على إثْبَاتِ عَالِمٍ غَيْرِهِ اقْتَصَرْنَا في الْإِثْبَاتِ على ما دَلَّ عليه الدَّلِيلُ الْجَدِيدُ وَيَبْقَى النَّفْيُ فِيمَا سِوَاهُ لِأَنَّ اللَّفْظَ الشَّامِلَ إذَا أُخْرِجَتْ منه صُورَةٌ بَقِيَ على الْعُمُومِ فِيمَا سِوَاهَا وَعَلَى هذا يُقْبَلُ فيه التَّخْصِيصُ كما إذَا حَلَفَ لَا آكُلُ السَّمَكَ مَثَلًا وَنَوَى تَخْصِيصَ النَّفْيِ بِغَيْرِهِ يُقْبَلُ منه
- الْخَامِسُ هل يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ قبل الْبَحْثِ عَمَّا يُوَافِقُهُ أو يُخَالِفُهُ من مَنْطُوقٍ آخَرَ فيه خِلَافُ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ قبل الْبَحْثِ عن الْمُخَصِّصِ وَحَكَى الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ في كِتَابِهِ وَجْهًا عن بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّ سَبِيلَهُ سَبِيلُ الْعُمُومِ بِنَظَرِهِ عِنْدَ وُرُودِ الْخِطَابِ بِهِ فَإِنْ وُجِدَ ما يَدُلُّ على مُوَافَقَةِ الْمَسْكُوتِ عنه لِلْمَذْكُورِ صُيِّرَ إلَيْهِ وَإِلَّا اقْتَصَرَ على الْمَذْكُورِ وكان الْمَسْكُوتُ عنه مُخَالِفًا له قال وَصَارَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ حتى يَقُومَ دَلِيلٌ على خِلَافِهِ وَاسْتَدَلَّ كُلُّ فَرِيقٍ منهم على صِحَّةِ مَذْهَبِهِ بِأَلْفَاظٍ سَرَدَهَا من كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فَصْلٌ شُرُوطُ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ الْعَائِدَةِ إلَى الْمَسْكُوتِ عنه لِلْقَوْلِ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ شُرُوطٌ منها ما يَرْجِعُ لِلْمَسْكُوتِ عنه وَمِنْهَا ما يَرْجِعُ لِلْمَذْكُورِ فَمِنْ الْأَوَّلِ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَسْكُوتُ عنه أَوْلَى بِذَلِكَ الْحُكْمِ من الْمَنْطُوقِ فَإِنْ كان أَوْلَى منه كان مَفْهُومَ مُوَافَقَةٍ أو مُسَاوِيًا كان قِيَاسًا جَلِيًّا على الْخِلَافِ السَّابِقِ وَمِنْهَا أَنْ لَا يُعَارَضَ بِمَا يَقْتَضِي خِلَافَهُ فَيَجُوزُ تَرْكُهُ بِنَصٍّ يُضَادُّهُ وَبِفَحْوَى مَقْطُوعٍ بِهِ يُعَارِضُهُ كَفَهْمِ مُشَارَكَةِ الْأَمَةِ الْعَبْدَ في سِرَايَةِ الْعِتْقِ فَأَمَّا الْقِيَاسُ فلم يُجَوِّزُ الْقَاضِي تَرْكَ الْمَفْهُومِ بِهِ مع تَجْوِيزِهِ تَرْكَ الْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ هَكَذَا نَقَلَهُ في الْمَنْخُولِ قال وَلَعَلَّهُ قَرِيبٌ مِمَّا اخْتَرْنَاهُ في الْمَفْهُومِ فإنه تِلْقَاءَ الظَّاهِرِ وَالْعُمُومُ قد لَا يُتْرَكُ بِالْقِيَاسِ بَلْ يَجْتَهِدُ النَّاظِرُ في تَرْجِيحِ أَحَدِ الظَّنَّيْنِ مِنْهُمَا على الْآخَرِ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ في الْقِيَاسِ إذَا عَارَضَهُ الْعُمُومُ ا هـ وَاَلَّذِي نَقَلَهُ الْإِمَامُ عن الْقَاضِي التَّوَقُّفُ في تَجْوِيزِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ وقال صَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ الْقَوْلُ بِالْمَفْهُومِ عِنْدَ تَجَرُّدِهِ عن الْقَرَائِنِ أَمَّا إذَا اقْتَرَنَ بِظَاهِرِ الْخِطَابِ قَرِينَةٌ فإنه لَا يَكُونُ لِدَلَالَةِ الْخِطَابِ حُكْمٌ بِالْإِجْمَاعِ وقال شَارِحُ اللُّمَعِ دَلِيلُ الْخِطَابِ إنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً إذَا لم يُعَارِضْهُ ما هو أَقْوَى منه كَالنَّصِّ وَالتَّنْبِيهِ فَإِنْ عَارَضَهُ أَحَدُ هَؤُلَاءِ سَقَطَ وَإِنْ عَارَضَهُ عُمُومٌ صَحَّ التَّعَلُّقُ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ على الْأَصَحِّ وَإِنْ عَارَضَهُ قِيَاسٌ جَلِيٌّ قُدِّمَ الْقِيَاسُ وَأَمَّا الْخَفِيُّ فَإِنْ جَعَلْنَاهُ كَالنُّطْقِ قُدِّمَ دَلِيلُ الْخِطَابِ وَإِنْ جَعَلْنَاهُ كَالْقِيَاسِ فَقَدْ رَأَيْت بَعْضَ أَصْحَابِنَا يُقَدِّمُونَ كَثِيرًا الْقِيَاسَ في كُتُبِ الْخِلَافِ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الْمَذْهَبُ أَنَّهُمَا يَتَعَارَضَانِ قُلْت وما صَحَّحَهُ في مُعَارَضَةِ الْعُمُومِ هِيَ مَسْأَلَةُ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْمَفْهُومِ
- لَكِنَّ كَلَامَ الشَّافِعِيِّ في الْبُوَيْطِيِّ يُخَالِفُهُ فإنه قال وإذا قَتَلَ الرَّجُلُ صَيْدًا عَمْدًا أو خَطَأً ضَمِنَهُ وَالْحُجَّةُ في ذلك قَوْله تَعَالَى وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا وَالْحُجَّةُ في الْخَطَأِ قَوْلُهُ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا فَدَخَلَ في هذا الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ ا هـ فَقَدْ قُدِّمَ هذا الْعُمُومُ على مَفْهُومِ قَوْلِهِ مُتَعَمِّدًا وَمِنْ الْفَوَائِدِ ما نَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ عن الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ لَا يُقْتَلُ الذَّكَرُ بِالْأُنْثَى وهو شَاهِدٌ لَكِنَّ شُبْهَتَهُ قَوِيَّةٌ فإن مَفْهُومَ قَوْله تَعَالَى وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى لَا يُعَارَضُ بِالْعُمُومِ الذي في قَوْلِهِ وَكَتَبْنَا عليهم فيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ لِأَنَّ هذا خِطَابٌ وَارِدٌ في غَيْرِ شَرِيعَتِنَا وَهِيَ مَسْأَلَةٌ مُخْتَلَفٌ فيها وما قَالَهُ في الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ فيه نَظَرٌ لِأَنَّ الْقِيَاسَ عُمُومٌ مَعْنَوِيٌّ وإذا ثَبَتَ تَقْدِيمُ الْمَفْهُومِ على الْعُمُومِ اللَّفْظِيِّ فَتَقْدِيمُهُ على الْمَعْنَوِيِّ أَوْلَى وَيَكُونُ خُرُوجُ صُوَرِ الْمَفْهُومِ من مُقْتَضَى الْقِيَاسِ كَخُرُوجِهَا من مُقْتَضَى لَفْظِ الْعُمُومِ وَمِنْهُ حَاجَةُ الْمُخَاطَبِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إمْلَاقٍ فذكر هذا الْقَيْدَ لِحَاجَةِ الْمُخَاطَبِينَ إلَيْهِ إذْ هو الْحَامِلُ لهم على قَتْلِهِمْ لَا لِاخْتِصَاصِ الْحُكْمِ بِهِ وَنَظِيرُهُ لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً شُرُوطُ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ الْعَائِدَةِ لِلْمَذْكُورِ وَأَمَّا الثَّانِي فَلَهُ شُرُوطٌ أَحَدُهَا أَنْ لَا يَكُونَ خَارِجًا مَخْرَجَ الْغَالِبِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى وَرَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي في حُجُورِكُمْ من نِسَائِكُمْ فإن الْغَالِبَ من حَالِ الرَّبَائِبِ كَوْنُهُنَّ في حُجُورِ أَزْوَاجِ أُمَّهَاتِهِنَّ فذكر هذا الْوَصْفَ لِكَوْنِهِ أَغْلَبَ لَا لِيَدُلَّ على إبَاحَةِ نِكَاحِ غَيْرِهَا وَكَذَلِكَ تَخْصِيصُ الْخُلْعِ بِحَالِ الشِّقَاقِ لَا مَفْهُومَ له إذْ لَا يَقَعُ غَالِبًا في حَالِ الْمُصَافَاةِ وَالْمُوَافَقَةِ خِلَافًا لِابْنِ الْمُنْذِرِ وإذا لَاحَ لِلتَّخْصِيصِ فَائِدَةٌ غَيْرُ نَفْيِ الْحُكْمِ فِيمَا عَدَا الْمَنْطُوقَ تَطَرَّقَ الِاحْتِمَالُ إلَى الْمَنْطُوقِ فَصَارَ مُجْمِلًا كَاللَّفْظِ الْمُجْمِلِ قال الشَّافِعِيُّ تَعَارُضُ الْفَوَائِدِ في الْمَفْهُومِ كَتَعَارُضِ الِاحْتِمَالَاتِ في الْمَنْطُوقِ يُكْسِبُهُ نَعْتَ الْإِجْمَالِ فَكَذَلِكَ تَعَارُضُ الِاحْتِمَالَاتِ في الْمَنْطُوقِ يُكْسِبُهُ نَعْتَ الْإِجْمَالِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ قَصَدَ بهذا التَّخْصِيصِ الْمُغَايَرَةَ دُونَ اعْتِبَارِ الْفَائِدَةِ الْأُخْرَى قال الشَّافِعِيُّ وَلَا حَاجَةَ إلَى دَلِيلٍ في تَرْكِ هذا الْمَفْهُومِ وقال الْغَزَالِيُّ في
- الْمَنْخُولِ الْمُخْتَارُ خِلَافُهُ إذْ الشِّقَاقُ يُنَاسِبُ الْخُلْعَ فإنه يَدُلُّ على بُعْدِ الْخِلَافِ وَتَعَذُّرِ اسْتِمْرَارِ النِّكَاحِ فَلَا تُرْفَعُ الْفَحْوَى الْمَعْلُومَةُ منه بِمُجَرَّدِ الْعُرْفِ فَلَا بُدَّ من دَلِيلٍ وَإِنْ لم يَبْلُغْ في الْقُوَّةِ مَبْلَغَ ما يُشْتَرَطُ في تَرْكِ مَفْهُومٍ لَا يُقْصَدُ بِالْعُرْفِ فإنه قَرِينَةٌ مُوهِمَةٌ ا هـ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ وهو الْمَنْصُوصُ لِلشَّافِعِيِّ قال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ في شَرْحِ الْعُنْوَانِ وَالسَّبَبُ فيه أَنَّ الْقَوْلَ بِالْمَفْهُومِ مَنْشَؤُهُ طَلَبُ الْفَائِدَةِ في التَّخْصِيصِ وَكَوْنُهُ لَا فَائِدَةَ إلَّا الْمُخَالَفَةُ في الْحُكْمِ أو تَكُونُ تِلْكَ الْفَائِدَةُ أَرْجَحَ الْفَوَائِدِ الْمُحْتَمَلَةِ فإذا وُجِدَ سَبَبٌ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ التَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ غير الْمُخَالَفَةِ في الْحُكْمِ وكان ذلك الِاحْتِمَالُ ظَاهِرًا ضَعُفَ الِاسْتِدْلَال بِتَخْصِيصِ الْحُكْمِ بِالذِّكْرِ على الْمُخَالَفَةِ لِوُجُودِ الْمُزَاحِمِ الرَّاجِحِ بِالْعَادَةِ فَبَقِيَ على الْأَصْلِ قال وَهَذَا أَحْسَنُ إلَّا أَنَّهُ يُشْكِلُ على مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ في قَوْلِهِ في سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ فإنه قال فيه بِالْمَفْهُومِ وَأَسْقَطَ الزَّكَاةَ عن الْمَعْلُوفَةِ مع أَنَّ الْغَالِبَ وَالْعَادَةَ السَّوْمُ فَمُقْتَضَى هذه الْقَاعِدَةِ أَنْ لَا يَكُونَ لِهَذَا التَّخْصِيصِ مَفْهُومٌ قُلْت قد ذَكَرَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ في كِتَابِهِ هذا السُّؤَالَ وَأَجَابَ عنه بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ اشْتِرَاطَ السَّوْمِ لم يَقُلْ بِهِ الشَّافِعِيُّ من جِهَةِ الْمَفْهُومِ بَلْ من جِهَةِ أَنَّ قَاعِدَةَ الشَّرْعِ الْعَفْوُ عن الزَّكَاةِ فِيمَا أُعِدَّ لِلْقُنْيَةِ ولم يُتَصَرَّفْ فيه لِلتَّنْمِيَةِ وَإِنَّمَا أَوْجَبَ في الْأَمْوَالِ النَّامِيَةِ هذا أَصْلُ ما تَجِبُ فيه الزَّكَاةُ فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ السَّوْمَ شَرْطٌ لَكِنَّ الْقَفَّالَ قَصَدَ بِذَلِكَ نَفْيَ الْقَوْلِ بِالْمَفْهُومِ مُطْلَقًا وقد سَبَقَ رَدُّهُ على أَنَّ كَلَامَ الشَّافِعِيِّ في الْأُمِّ يُخَالِفُ ذلك فإنه قال في كِتَابِ الزَّكَاةِ وإذا قِيلَ في سَائِمَةِ الْغَنَمِ كَذَا فَيُشْبِهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ لَا يَكُونَ في الْغَنَمِ غَيْرِ السَّائِمَةِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ كُلَّمَا قِيلَ في شَيْءٍ بِصِفَةٍ وَالشَّيْءُ يَجْمَعُ صِفَتَيْنِ يُؤْخَذُ حَقُّهُ كَذَا فَفِيهِ دَلِيلٌ على أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ من غَيْرِ تِلْكَ الصِّفَةِ من صِفَتَيْهِ قال الشَّافِعِيُّ فَلِهَذَا قُلْنَا لَا نَأْخُذُ من الْغَنَمِ غَيْرِ السَّائِمَةِ صَدَقَةَ الْغَنَمِ وإذا كان هذا في الْغَنَمِ فَهَكَذَا في الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ لِأَنَّهَا الْمَاشِيَةُ التي تَجِبُ فيها الصَّدَقَةُ دُونَ ما سِوَاهَا ا هـ فلم يَجْعَلْ الشَّافِعِيُّ الْغَلَبَةَ إلَّا لِذَكَرِ الْغَنَمِ حتى أَلْحَقَ بها الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ ولم يَجْعَلْ السَّوْمَ غَالِبًا وقال ابن الْقُشَيْرِيّ قال الشَّافِعِيُّ الْغَرَضُ من الْقَوْلِ بِالْمَفْهُومِ أَنْ لَا يُلْغِي الْقَيْدَ الذي قَيَّدَ بِهِ الشَّارِعُ كَلَامَهُ فإذا ظَهَرَ لِلْقَيْدِ فَائِدَةٌ ما مِثْلُ إنْ خَرَجَ عن الْمُعْتَادِ الْغَالِبِ
- في الْعُرْفِ كَفَى ذلك وَذَكَرَ في الرِّسَالَةِ كَلَامًا بَالِغًا في هذا الْبَابِ وقال إذَا تَرَدَّدَ التَّخْصِيصُ بين تَقْدِيرِ نَفْيِ ما عَدَا الْمُخَصَّصَ وَبَيْنَ قَصْدِ إخْرَاجِ الْكَلَامِ على مَجْرَى الْعُرْفِ فَيَصِيرُ تَرَدُّدُ التَّخْصِيصِ بين هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ كَتَرَدُّدِ اللَّفْظِ بين جِهَتَيْنِ في الِاحْتِمَالِ فَيُلْحَقُ بِالْمُحْتَمَلَاتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَإِنْ لم يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ فَاسْتِشْهَادُ النِّسَاءِ مع التَّمَكُّنِ من إشْهَادِ الرِّجَالِ خَارِجٌ على الْعُرْفِ لِمَا في ذلك من الشُّهْرَةِ وَهَتْكِ السِّتْرِ وَعَسُرَ الْأَمْرُ عِنْدَ إقَامَةِ الشَّهَادَةِ فَجَرَى التَّقْيِيدُ إجْرَاءً لِلْكَلَامِ على الْغَالِبِ وَكَقَوْلِهِ إنْ خِفْتُمْ في قَصْرِ الصَّلَاةِ وَخَالَفَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَرَأَى الْقَوْلَ بِالْمَفْهُومِ في ذلك كُلِّهِ وَأَنَّ دَلِيلَ الْخِطَابِ لم يَثْبُتْ بِمُجَرَّدِ التَّخْصِيصِ بِالذَّكَرِ إذْ لو كان كَذَلِكَ لَلَزِمَ مِثْلُهُ بِاللَّقَبِ وَلَكِنْ إنَّمَا دَلَّ على ذلك لِمَا في الْكَلَامِ من الْإِشْعَارِ على مُقْتَضَى حَقَائِقِهِ من كَوْنِهِ شَرْطًا فَلَا يَصِحُّ إسْقَاطُ مُقْتَضَى اللَّفْظِ بِاحْتِمَالٍ يُؤَوَّلُ إلَى الْعُرْفِ نعم يَظْهَرُ مَسْلَكُ التَّأْوِيلِ وَيَخِفُّ الْأَمْرُ على الْمُؤَوِّلِ في قَرِينَةِ الدَّلِيلِ الْعَاضِدِ لِلتَّأْوِيلِ وقد وَافَقَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بن عبد السَّلَامِ وزاد فقال يَنْبَغِي الْعَكْسُ أَيْ لَا يَكُونُ له مَفْهُومٌ إلَّا إذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَصْفَ الْغَالِبَ على الْحَقِيقَةِ تَدُلُّ الْعَادَةُ على ثُبُوتِهِ لِتِلْكَ الْحَقِيقَةِ فَالْمُتَكَلِّمُ يَكْتَفِي بِدَلَالَةِ الْعَادَةِ على ثُبُوتِهِ لها عن ذِكْرِ اسْمِهِ فإذا أتى بها مع أَنَّ الْعَادَةَ كَافِيَةٌ فيها دَلَّ على أَنَّهُ إنَّمَا أتى بها لِتَدُلَّ على سَلْبِ الْحُكْمِ عَمَّا يُفْهِمُ السَّامِعَ أَنَّ هذه الصِّفَةَ ثَابِتَةٌ لِهَذِهِ الْحَقِيقَةِ وقد أَجَابَ الْقَرَافِيُّ عن هذا بِأَنَّ الْوَصْفَ إذَا كان غَالِبًا كان لَازِمًا لِتِلْكَ الْحَقِيقَةِ بِسَبَبِ الشُّهْرَةِ وَالْغَلَبَةِ فَذِكْرُهُ إيَّاهُ مع الْحَقِيقَةِ عِنْدَ الْحُكْمِ عليها لِغَلَبَةِ حُضُورِهِ في الذِّهْنِ لَا لِتَخْصِيصِ الْحُكْمِ بِهِ وَأَمَّا إذَا لم يَكُنْ غَالِبًا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُذْكَرُ مع الْحَقِيقَةِ إلَّا لِتَقْيِيدِ الْحُكْمِ بِهِ لِعَدَمِ مُقَارَنَتِهِ لِلْحَقِيقَةِ في الذِّهْنِ حِينَئِذٍ فَاسْتِحْضَارُهُ معه وَاسْتِجْلَابُهُ لِذِكْرِهِ عِنْدَ الْحَقِيقَةِ إنَّمَا يَكُونُ لِفَائِدَةٍ وَالْفَرْضُ عَدَمُ ظُهُورِ فَائِدَةٍ أُخْرَى فَيَتَعَيَّنُ التَّخْصِيصُ وَنَازَعَ بَعْضُهُمْ في هذا الشَّرْطِ أَيْضًا وَاعْتَرَضَ بِالِاسْتِفْسَارِ فقال ما تُرِيدُونَ بِالْغَالِبِ أَعَادَةُ الْفِعْلِ أَمْ عَادَةُ التَّخَاطُبِ فَإِنْ أُرِيدَ عَادَةُ الْفِعْلِ فَلَا نُسَلِّمُ إلَّا إذَا صَحِبَهَا عَادَةُ التَّخَاطُبِ وَدَعْوَى أَنَّ عَادَةَ الْفِعْلِ مُسْتَلْزِمَةٌ عَادَةَ التَّخَاطُبِ ضَعِيفَةٌ بِمَنْعِ
- تَسْلِيمِ اللُّزُومِ وَلِأَنَّهُ إثْبَاتُ اللُّغَةِ لِغَلَبَتِهَا وهو وَاهٍ جِدًّا وَإِنْ أُرِيدَ عَادَةُ التَّخَاطُبِ فَإِثْبَاتُهَا في مَوْضِعِ الدَّعْوَى عَسِيرٌ الثَّانِي أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ عَهْدٌ وَإِلَّا فَلَا مَفْهُومَ له وَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ اللَّقَبِ من إيقَاعِ التَّعْرِيفِ عليه إيقَاعُ الْعِلْمِ على مُسَمَّاهُ وَهَذَا الشَّرْطُ يُؤْخَذُ من تَعْلِيلِهِمْ إثْبَاتَ مَفْهُومِ الصِّفَةِ أَنَّهُ لو لم يَقْصِدْ نَفْيَ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ لَمَا كان لِتَخْصِيصِهِ بِالذِّكْرِ فَائِدَةٌ وَقَوْلُهُمْ في مَفْهُومِ الِاسْمِ إنَّهُ إنَّمَا ذُكِرَ لِأَنَّ الْغَرَضَ منه الْإِخْبَارُ عن الْمُسَمَّى فَلَا يَكُونُ حُجَّةً الثَّالِثُ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَذْكُورُ قُصِدَ بِهِ زِيَادَةُ الِامْتِنَانِ على الْمَسْكُوتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى لِتَأْكُلُوا منه لَحْمًا طَرِيًّا فَلَا يَدُلُّ على مَنْعِ الْقَدِيدِ الرَّابِعُ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَنْطُوقُ خَرَجَ لِسُؤَالٍ عن حُكْمِ أَحَدِ الصِّنْفَيْنِ وَلَا حَادِثَةَ خَاصَّةٌ بِالْمَذْكُورِ وَلَك أَنْ تَقُولَ كَيْفَ جَعَلُوا هُنَا السَّبَبَ قَرِينَةً صَارِفَةً عن إعْمَالِ الْمَفْهُومِ ولم يَجْعَلُوهُ صَارِفًا عن إعْمَالِ الْعَامِّ بَلْ قَدَّمُوا مُقْتَضَى اللَّفْظِ على السَّبَبِ وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ كما قَالُوهُ فَهَلَّا جَرَى فيه خِلَافٌ الْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ أو بِخُصُوصِ السَّبَبِ لَا سِيَّمَا إذَا قُلْنَا إنَّ الْمَفْهُومَ عَامٌّ ثُمَّ رَأَيْت صَاحِبَ الْمُسَوَّدَةِ حَكَى عن الْقَاضِي أبي يَعْلَى من أَصْحَابِهِمْ فيه احْتِمَالَيْنِ وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ دَلَالَةَ الْمَفْهُومِ ضَعِيفَةٌ تَسْقُطُ بِأَدْنَى قَرِينَةٌ بِخِلَافِ اللَّفْظِ الْعَامِّ وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ قَوْله تَعَالَى لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً فَلَا مَفْهُومَ لِلْأَضْعَافِ إلَّا عن النَّهْيِ عَمَّا كَانُوا يَتَعَاطَوْنَهُ بِسَبَبِ الْآجَالِ كان الْوَاحِدُ منهم إذَا حَلَّ دَيْنُهُ يقول له إمَّا أَنْ تُعْطِيَ وَإِمَّا أَنْ تُرْبِيَ فَيُضَاعَفُ بِذَلِكَ أَصْلُ دَيْنِهِ مِرَارًا كَثِيرَةً فَنَزَلَتْ الْآيَةُ على ذلك الْخَامِسُ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَذْكُورُ قُصِدَ بِهِ التَّفْخِيمُ وَتَأْكِيدُ الْحَالِ كَقَوْلِهِ لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ فإن التَّقْيِيدَ بِالْإِيمَانِ لَا مَفْهُومَ له وَإِنَّمَا ذُكِرَ لِتَفْخِيمِ الْأَمْرِ لَا الْمُخَالَفَةِ وَكَقَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم الْحَجُّ عَرَفَةَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ منه إنَّمَا الرِّبَا في النَّسِيئَةِ إذْ كان أَصْلُ الرِّبَا عِنْدَهُمْ وَمُعْظَمُهُ إنَّمَا هو النَّسِيئَةُ
- السَّادِسُ أَنْ يُذْكَرَ مُسْتَقِلًّا فَلَوْ ذُكِرَ على جِهَةِ التَّبَعِيَّةِ لِشَيْءٍ آخَرَ فَلَا مَفْهُومَ له كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ في الْمَسَاجِدِ فإن قَوْلَهُ في الْمَسَاجِدِ لَا مَفْهُومَ له بِالنِّسْبَةِ لِمَنْعِ الْمُبَاشَرَةِ فإن الْمُعْتَكِفَ يَحْرُمُ عليه الْمُبَاشَرَةُ مُطْلَقًا السَّابِعُ أَنْ لَا يَظْهَرَ من السِّيَاقِ قَصْدُ التَّعْمِيمِ فَإِنْ ظَهَرَ فَلَا مَفْهُومَ له كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَاَللَّهُ على كل شَيْءٍ قَدِيرٌ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ على الْمَعْدُومِ الْمُمْكِنِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ فإن الْمَقْصُودَ بِقَوْلِهِ كل شَيْءٍ التَّعْمِيمُ في الْأَشْيَاءِ الْمُمْكِنَةِ لَا قَصْرُ الْحُكْمِ الثَّامِنُ أَنْ لَا يَعُودَ على أَصْلِهِ الذي هو الْمَنْطُوقُ بِالْإِبْطَالِ فَلَا يُحْتَجُّ على صِحَّةِ بَيْعِ الْغَائِبِ الذي عِنْدَ الْبَائِعِ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ لَا تَبِعْ ما ليس عِنْدَك إذْ لو صَحَّ لَصَحَّ بَيْعُ ما ليس عِنْدَهُ الذي نَطَقَ الْحَدِيثُ بِمَنْعِهِ لِأَنَّ أَحَدًا لم يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا وَشَرَطَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ أَنْ يَكُونَ الْمَنْطُوقُ مَعْنَاهُ خَاصًّا كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أو على سَفَرٍ إلَى قَوْلِهِ فلم تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَتَقْيِيدُ التَّيَمُّمِ بِالْمَرَضِ وَالسَّفَرِ شَرْطٌ في إبَاحَتِهِ فَإِنْ كان مَعْنَاهُ عَامًّا لم يَكُنْ له مَفْهُومٌ وَسَقَطَ حُكْمُ التَّقْيِيدِ كَتَقْيِيدِ الْفِطْرِ بِالْخَوْفِ وَالْكَفَّارَةِ بِقَتْلِ الْعَمْدِ وَقَالَا عَمَّمَ دَاوُد وَأَهْلُ الظَّاهِرِ الْحُكْمَ في الْمُقَيَّدِ اعْتِبَارًا بِاللَّفْظِ لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ على النُّصُوصِ دُونَ الْمَعَانِي عِنْدَهُمْ وَهَذَا غَلَطٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قال وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إمْلَاقٍ وَلَا يُسْتَبَاحُ قَتْلُهُمْ مع أَمْنِ إمْلَاقٍ وقال وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ على الْبِغَاءِ إنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا وَلَا يَجُوزُ الْإِكْرَاهُ وَإِنْ لم يُرِدْنَ التَّحَصُّنَ فلما سَقَطَ حُكْمُ التَّقْيِيدِ في هذا ولم يَصِرْ نَسْخًا جَازَ أَنْ يَسْقُطَ غَيْرُهُ فَإِنْ قِيلَ إذَا سَقَطَ التَّقْيِيدُ كان مُقَيَّدًا قُلْنَا يَحْتَمِلُ ذِكْرُ التَّقْيِيدِ مع سُقُوطِ حُكْمِهِ أُمُورًا منها أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْمَسْكُوتِ عنه مَأْخُوذًا من حُكْمِ الْمَنْطُوقِ بِهِ لِيَسْتَعْمِلَهُ
- الْمُجْتَهِدُ فِيمَا إذَا لم يَجِدْ فيه نَصًّا فإن الْحَوَادِثَ غَيْرُ مُنْقَرِضَةٍ وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ لِلتَّنْبِيهِ على غَيْرِهِ كما في قَوْله تَعَالَى وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ من إنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ وَمِنْهُمْ من إنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ فَنَبَّهَ بِالْقِنْطَارِ على الْكَثِيرِ وَبِالدِّينَارِ على الْقَلِيلِ وَإِنْ كان حُكْمُ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ سَوَاءً وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ هو الْأَغْلَبُ من أَحْوَالِ ما قُيِّدَ بِهِ فَيَذْكُرُهُ لِغَلَبَتِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ الْآيَةَ وَإِنْ كانت مُفَادَاةُ الزَّوْجَيْنِ تَجُوزُ مع وُجُودِ الْحَدِّ وَعَدَمِهِ وَإِنْ احْتَمَلَ هذه الْأُمُورَ وَغَيْرَهَا وَجَبَ النَّظَرُ في كل مُقَيَّدٍ فَإِنْ ظَهَرَ دَلِيلٌ على عَدَمِ تَأْثِيرِهِ سَقَطَ حُكْمُ التَّقْيِيدِ وَصَارَ في عُمُومِ حُكْمِهِ كَالْمُطْلَقِ وَإِنْ عُدِمَ الدَّلِيلُ وَجَبَ حُكْمُهُ على تَقْيِيدٍ وَجُعِلَ شَرْطًا في ثُبُوتِ حُكْمِهِ
- فَصْلٌ في أَنْوَاعِهِ النَّوْعُ الْأَوَّلُ مَفْهُومُ اللَّقَبِ وهو تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالِاسْمِ الْعَلَمِ نَحْوُ قام زَيْدٌ أو اسْمِ نَوْعٍ نَحْوُ في الْغَنَمِ زَكَاةٌ فَلَا يَدُلُّ على نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ وقد نَصَّ عليه الشَّافِعِيُّ كما قَالَهُ في الْبُرْهَانِ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ لم يَخْتَلِفْ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابُهُ فيه وَخَالَفَ فيه أبو بَكْرٍ الدَّقَّاقُ وَبِهِ اُشْتُهِرَ وَزَعَمَ ابن الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ لم يَقُلْ بِهِ من أَصْحَابِنَا غَيْرُهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ قال سُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ ثَارَ إلَيْهِ الدَّقَّاقُ وَغَيْرُهُ من أَصْحَابِنَا وَرَأَيْت في كِتَابِ ابْنِ فُورَكٍ حِكَايَتَهُ عن بَعْضِ أَصْحَابِنَا ثُمَّ قال وهو الْأَصَحُّ وقال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ في التَّلْوِيحِ إنَّ أَبَا بَكْرِ بن فُورَكٍ كان يَمِيلُ إلَيْهِ وَيَقُولُ إنَّهُ الْأَظْهَرُ وَالْأَقْيَسُ وَحَكَاهُ السُّهَيْلِيُّ في نَتَائِجِ الْفِكْرِ عن أبي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ وَلَعَلَّهُ تَحَرَّفَ عليه بِالدَّقَّاقِ وَنَقَلَهُ عبد الْعَزِيزِ في التَّحْقِيقِ عن أبي حَامِدٍ الْمَرْوَزِيِّ وَالْمَعْرُوفُ عن أبي حَامِدٍ الْمَرْوَزِيِّ إنْكَارُ الْقَوْلِ بِالْمَفْهُومِ مُطْلَقًا وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في أَوَائِلِ الْمَفْهُومِ في الْبُرْهَانِ ما صَارَ إلَيْهِ الدَّقَّاقُ صَارَ إلَيْهِ طَوَائِفُ من أَصْحَابِنَا وَنَقَلَهُ أبو الْخَطَّابِ الْحَنْبَلِيُّ في التَّمْهِيدِ عن مَنْصُوصِ أَحْمَدَ قال وَبِهِ قال مَالِكٌ وَدَاوُد وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ ا هـ وقال الْمَازِرِيُّ أُشِيرَ إلَى مَالِكٍ الْقَوْلُ بِهِ لِاسْتِدْلَالِهِ في الْمُدَوَّنَةِ على عَدَمِ إجْزَاءِ الْأُضْحِيَّةِ إذَا ذُبِحَتْ لَيْلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ قال فذكر الْأَيَّامَ ولم يذكر اللَّيَالِي وَنُقِلَ الْقَوْلُ بِهِ عن ابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ وَالْبَاجِيِّ وَابْنِ الْقَصَّارِ وَحَكَى ابن بَرْهَانٍ في الْوَجِيزِ قَوْلًا ثَالِثًا عن بَعْضِ عُلَمَائِنَا وهو الْفَرْقُ بين أَسْمَاءِ الْأَنْوَاعِ فَيَدُلُّ على نَفْيِهِ عَمَّا عَدَاهُ نَحْوُ في السُّودِ من النَّعَمِ الزَّكَاةُ وَبَيْنَ أَسْمَاءِ
- الْأَشْخَاصِ إلَّا أَنَّ مَدْلُولَ أَسْمَاءِ الْأَنْوَاعِ أَكْثَرُ وَهُمَا في الدَّلَالَةِ مُتَسَاوِيَانِ وَحَكَى ابن حَمْدَانَ وأبو يَعْلَى من الْحَنَابِلَةِ قَوْلًا رَابِعًا وهو الْفَرْقُ بين أَنْ تَدُلَّ قَرِينَةٌ فَيَكُونَ حُجَّةً كَقَوْلِهِ جُعِلَتْ لي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَتُرْبَتُهَا طَهُورًا إذْ قَرِينَةُ الِامْتِنَانِ تَقْتَضِي الْحَصْرَ فيه قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وقد سَفَّهُ الْأُصُولِيُّونَ الدَّقَّاقَ وَمَنْ قال بِمَقَالَتِهِ وَقَالُوا هذا خُرُوجٌ عن حُكْمِ اللِّسَانِ فإن من قال رَأَيْت زَيْدًا لم يَقْتَضِ أَنَّهُ لم يَرَ غَيْرَهُ قَطْعًا وَلِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ على جَوَازِ التَّعْلِيلِ وَالْقِيَاسِ فَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ تَخْصِيصَ الرِّبَا بِالِاسْمِ لَا يَدُلُّ على نَفْيِهِ عَمَّا عَدَاهُ وَلَوْ قُلْنَا بِهِ بَطَلَ الْقِيَاسُ قال وَعِنْدِي أَنَّ الْمُبَالَغَةَ في الرَّدِّ عليه سَرَفٌ لِأَنَّهُ لَا يُظَنُّ بِعَاقِلٍ التَّخْصِيصُ بِالذِّكْرِ من غَيْرِ غَرَضٍ ثُمَّ اخْتَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ التَّخْصِيصَ بِالِاسْمِ يَتَضَمَّنُ غَرَضًا مُبْهَمًا وَلَا يَتَعَيَّنُ انْتِفَاءُ غَيْرِ الْمَذْكُورِ ثُمَّ قال وأنا أَقُولُ وَرَاءَ ذلك لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُون من غَرَضِ الْمُتَكَلِّمِ في التَّخْصِيصِ نَفْيُ ما عَدَا الْمُسَمَّى بِلَقَبِهِ فإن الْإِنْسَانَ لَا يقول رَأَيْت زَيْدًا وهو يُرِيدُ الْإِشْعَارَ بِأَنَّهُ لم يَرَ غَيْرَهُ فَإِنْ هو أَرَادَ ذلك قال إنَّمَا رَأَيْت زَيْدًا وما رَأَيْت إلَّا زَيْدًا وَحَاصِلُهُ أَنَّ التَّخْصِيصَ بِاللَّقَبِ يَتَضَمَّنُ غَرَضًا مُبْهَمًا وَلَا يَتَضَمَّنُ انْتِفَاءَ الْحُكْمِ في الْمَسْكُوتِ وَالدَّقَّاقُ يقول يَتَضَمَّنُ غَرَضًا مُعَيَّنًا وَاخْتَارَ الْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ أَنَّهُ حُجَّةٌ مع قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ قال وَلِهَذَا رَدَدْنَا على ابْنِ الْمَاجِشُونِ في تَعْلِيلِهِ تَخْصِيصَ الْأَرْبَعَةِ في الرِّبَا بِالذِّكْرِ حَيْثُ عَلَّلَ الرِّبَا بِالْمَالِيَّةِ الْعَامَّةِ إنْ قُلْنَا لم تَكُنْ الْأَشْيَاءُ الْأَرْبَعَةُ غَالِبَ ما يُعَامَلُ بِهِ وكان الْحِجَازُ مَصَبَّ التُّجَّارِ في الْأَعْصَارِ الْخَالِيَةِ فَلَوْ ارْتَبَطَ الْحُكْمُ بِالْمَالِيَّةِ لَكَانَ التَّنْصِيصُ عليها أَسْهَلَ من التَّخْصِيصِ كما في الْعَارِيَّةِ على الْيَدِ ما أَخَذَتْ حتى تُؤَدِّيَهُ فَكَانَ هذا مَأْخُوذًا من قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ مع التَّخْصِيصِ بِاللَّقَبِ
- وَهَاهُنَا أُمُورٌ مُهِمَّةٌ أَحَدُهَا أَنَّ الْأُسْتَاذَ أَبَا إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ قال في كِتَابِهِ شَرْحِ التَّرْتِيبِ إنَّ أَبَا عبد اللَّهِ الْبَصْرِيَّ أَلْزَمَ الدَّقَّاقَ ذلك في مَجْلِسِ النَّظَرِ فَالْتَزَمَهُ قال وَكُنَّا نُكَلِّمُهُ في هذا في الدَّرْسِ فَأَلْزَمْنَاهُ أَنَّهُ إذَا قال له صُمْ يَجِبُ أَنْ يَدُلَّ على مَنْعِ الصَّلَاةِ وإذا قال صَلِّ يَجِبُ أَنْ يَمْتَنِعَ من الصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِهَا من الْعِبَادَاتِ فقال كَذَلِكَ أَقُولُ فَقُلْنَا إذَا قال لِوَاحِدٍ من جُمْلَةِ الْقَوْمِ يا زَيْدُ تَعَالَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ لِلْبَاقِينَ أَنْ يَأْتُوهُ قال كَذَلِكَ أَقُولُ فَقُلْنَا إذَا وَصَلْنَا إلَى هذا سَقَطَ الْكَلَامُ قال الْأُسْتَاذُ وَهَذَا الذي رَكَّبَهُ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَلَيْسَ مِمَّا يَتَخَالَجُ لِقَبُولِهِ في الْقُلُوبِ وَجْهٌ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ أَلْبَتَّةَ قال وَلَوْ تَصَوَّرَ دَلِيلَ الْخِطَابِ لم يَصِرْ إلَى ذلك ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ صُورَتَهُ أَنْ يَذْكُرَ الشَّيْءَ بِلَفْظِهِ الْعَامِّ مُقَيَّدًا بِأَحَدِ أَوْصَافِهِ نَحْوُ اُقْتُلْ أَهْلَ الْكِتَابِ الْيَهُودَ منهم قال وكان الدَّقَّاقُ إذَا جَرَى له كَلَامٌ في مِثْلِهِ يَذْكُرُهُ في مَجْلِسِ الدَّرْسِ وَيُعِيدُهُ وَيَتَحَجَّجُ له وَيَنْصُرُهُ وَرَأَيْنَاهُ كَأَنَّهُ اسْتَحَى من هذا الْقَوْلِ الذي رَكَّبَهُ في دَلِيلِ الْخِطَابِ فلم نَرَهُ عَادَ إلَيْهِ أو تَكَلَّمَ بِهِ في كِتَابٍ ا هـ وَهَذَا يَدُلُّ على رُجُوعِ الدَّقَّاقِ عن هذا الرَّأْيِ أو تَوَقُّفِهِ فيه وَلَيْسَ ما أُلْزِمَ بِهِ الدَّقَّاقُ بِعَجِيبٍ لِأَنَّهُ يقول أَقُولُ بِذَلِكَ ما لم يَقُمْ دَلِيلُ النُّطْقِ بِخِلَافِهِ الْأَمْرُ الثَّانِي إطْلَاقُ أَنَّ مَفْهُومَ اللَّقَبِ ليس بِحُجَّةٍ مُطْلَقًا قد اسْتَشْكَلَ فإن أَصْحَابَنَا قد قالوا بِهِ في مَوَاضِعَ وَاحْتَجُّوا بِهِ كَاحْتِجَاجِهِمْ في تَعْيِينِ الْمَاءِ في إزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِحَدِيثِ حُتِّيهِ ثُمَّ اُقْرُصِيهِ بِالْمَاءِ وَعَلَى تَعْيِينِ التُّرَابِ بِالتَّيَمُّمِ بِقَوْلِهِ وَتُرْبَتُهَا طَهُورًا وَالْحَقُّ أَنَّ ذلك ليس من اللَّقَبِ بَلْ من قَاعِدَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّهُ مَتَى انْتَقَلَ من الِاسْمِ الْعَامِّ إلَى الْخَاصِّ أَفَادَ الْمُخَالَفَةَ فلما تَرَكَ الِاسْمَ الْعَامَّ وهو الْأَرْضُ إلَى الْخَاصِّ وهو التُّرَابُ جُعِلَ دَلِيلًا وَأَمَّا في الِاسْمِ فَلِأَنَّ امْتِثَالَ الْمَأْمُورِ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْمُعَيَّنِ وقال في شَرْحِ الْإِلْمَامِ الْأَمْرُ إذَا تَعَلَّقَ بِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ لَا يَقَعُ الِامْتِثَالُ إلَّا بِذَلِكَ الشَّيْءِ لِأَنَّهُ قبل فِعْلِهِ لم يَأْتِ بِمَا أُمِرَ بِهِ فَلَا يَخْرُجُ عن الْعُهْدَةِ وَسَوَاءٌ كان الذي تَنَاوَلَهُ الْأَمْرُ صِفَةً أو لَقَبًا عِنْدَنَا لِمَا ذَكَرْنَاهُ من تَوَقُّفِ الِامْتِثَالِ عليه وكان بَعْضُ أَصْحَابِنَا قد اعْتَرَضَ في مَسْأَلَةِ تَعْيِينِ الْمَاءِ في النَّجَاسَةِ بِقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ بِأَنَّهُ حُكْمٌ عُلِّقَ بِلَقَبٍ وَمَفْهُومُ اللَّقَبِ ليس بِحُجَّةٍ فَيُقَالُ عليه
- مُتَعَلِّقُ الْأَمْرِ لَا بُدَّ له منه لِضَرُورَةِ الِامْتِثَالِ وَلَا نَظَرَ هُنَا لِكَوْنِهِ لَقَبًا أو صِفَةً وَإِنَّمَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا في مَحَلِّ الْحُكْمِ وهو الدَّمُ مَثَلًا فَلَا يُقَالُ إنَّهُ يَدُلُّ على أَنَّ غير الدَّمِ يَجُوزُ غَسْلُهُ بِغَيْرِ الْمَاءِ عَمَلًا بِالْمَفْهُومِ لِأَنَّ الدَّمَ لَقَبٌ لَا يَدُلُّ على انْتِفَاءِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ ا هـ وقال الشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى في الذَّرِيعَةِ احْتَجُّوا على أَنَّ غير الْمَاءِ لَا يُطَهِّرُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَأَنْزَلْنَا من السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا فَنَقُولُ الْحُكْمُ غَيْرُ الْمَاءِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِالِاسْمِ لَا بِالصِّفَةِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ من اسْتَدَلَّ بهذا إنَّمَا عُوِّلَ على أَنَّ الِاسْمَ يَجْرِي فيها مَجْرَى الصِّفَةِ لِأَنَّ مُطْلَقَ الِاسْمِ الْمَاءُ يُخَالِفُ اتِّصَافَهُ فَأُجْرِيَ مَجْرَى كَوْنِ الْإِبِلِ سَائِمَةً أو عَامِلَةً وَالتَّحْقِيقُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ ليس بِحُجَّةٍ إذَا لم يُوجَدْ فيه رَائِحَةُ التَّعْلِيلِ فَإِنْ وُجِدَ كان حُجَّةً وقد أَشَارَ إلَى ذلك ابن دَقِيقِ الْعِيدِ فقال في قَوْلِهِ إذَا اسْتَأْذَنَتْ أَحَدَكُمْ امْرَأَتُهُ إلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يَمْنَعْهَا يُحْتَجُّ بِهِ على أَنَّ الزَّوْجَ يَمْنَعُ امْرَأَتَهُ من الْخُرُوجِ إلَّا بِإِذْنِهِ لِأَجْلِ تَخْصِيصِ النَّهْيِ بِالْخُرُوجِ لِلْمَسَاجِدِ فَيَقْتَضِي بِمَفْهُومِهِ جَوَازُ الْمَنْعِ في غَيْرِ الْمَسَاجِدِ وَلَا يُقَالُ إنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ هُنَا مَوْجُودٌ وهو أَنَّ الْمَسْجِدَ فيه مَعْنًى مُنَاسِبٌ وهو مَحَلُّ الْعِبَادَةِ فَلَا يُمْنَعُ من التَّعَبُّدِ فَلَا يَكُونُ ذلك من مَفْهُومِ اللَّقَبِ قُلْت وَلِهَذَا يَنْفَصِلُ الْجَوَابُ عن اسْتِدْلَالِهِمْ بِالْحَدِيثَيْنِ السَّابِقَيْنِ فإن في اخْتِصَاصِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِالْمَاءِ وَالتَّيَمُّمِ بِالتُّرَابِ مَعْنًى لَا يُوجَدُ في غَيْرِهِمَا وقال الْإِبْيَارِيُّ ظَنَّ قَوْمٌ أَنَّ الْمَنْفِيَّ مَأْخُوذٌ من الْمَفْهُومِ وهو غَلَطٌ فإذا قال لِوَكِيلِهِ بِعْ غَانِمًا لَا يَتَمَكَّنُ من بَيْعِ سَالِمٍ لَا لِأَجْلِ النَّصِّ على بَيْعِ غَانِمٍ وَلَكِنَّهُ لَا يَبِيعُ إلَّا بِإِذْنٍ وَالْحَجْرُ سَابِقٌ وَالْإِذْنُ قَاصِرٌ فَيَبْقَى الْحَجْرُ على ما كان عليه في غَيْرِ مَحَلِّ الْإِذْنِ قُلْت قال الْأَصْحَابُ لو قال لِوَكِيلِهِ بِعْ هذا من زَيْدٍ تَعَيَّنَ عليه بَيْعُهُ منه فَلَا يَبِيعُهُ من غَيْرِهِ لِأَنَّهُ قد يَكُونُ لِلْمُوَكِّلِ غَرَضٌ في تَخْصِيصِهِ لِكَوْنِ مَالِهِ أَقْرَبَ إلَى الْحِلِّ وَنَحْوِهِ فَفِيهِ رَائِحَةُ التَّعْلِيلِ فَلِهَذَا قُلْنَا بِهِ وَلِهَذَا قال الْمَاوَرْدِيُّ لو مَاتَ
- ذلك الشَّخْصُ الْمُعَيَّنُ بَطَلَتْ الْوَكَالَةُ بِخِلَافِ ما لو امْتَنَعَ من الشِّرَاءِ فإنه يَجُوزُ أَنْ يَرْغَبَ بَعْدَ ذلك وَلَوْ أَوْصَى بِأَنْ تُبَاعَ الْعَيْنُ الْفُلَانِيَّةُ من زَيْدٍ فَإِنْ كانت مُحَابَاةً صَحَّ وَتَعَيَّنَتْ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ وَإِنْ لم تَكُنْ مُحَابَاةً فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ لِأَنَّهُ لَا قُرْبَةَ حِينَئِذٍ وَلَوْ قالت الْمَرْأَةُ لِلْأَوْلِيَاءِ غَيْرِ الْمُجْبِرِينَ رَضِيت بِأَنْ أُزَوَّجَ من فُلَانٍ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُكْتَفَى بِهِ وَلِكُلٍّ منهم تَزْوِيجُهَا منه فَلَوْ عَيَّنَتْ بَعْدَ ذلك وَاحِدًا فَهَلْ يَنْعَزِلُ الْآخَرُونَ وَجْهَانِ الصَّحِيحُ عَدَمُ الِانْعِزَالِ قال الرَّافِعِيُّ وَبَنَاهُ بَعْضُهُمْ على أَنَّ الْمَفْهُومَ هل هو حُجَّةٌ أَمْ لَا وَلَوْ قال الْيَهُودِيُّ عِيسَى رسول اللَّهِ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ في كِتَابِ الرِّدَّةِ قال لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لو جَحَدَ نُبُوَّتَهُ كَفَرَ وَحَكَاهُ الْإِمَامُ في كِتَابِ الْكَفَّارَاتِ عن الْمُحَقِّقِينَ قال الرَّافِعِيُّ ثَمَّ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافُهُ وفي هذا نَفْيُ الْقَوْلِ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ الثَّالِثُ قال ابن الْحَاجِّ في تَعْلِيقِهِ على الْمُسْتَصْفَى يَنْبَغِي تَحَقُّقُ الْمُرَادِ بِاللَّقَبِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْمُرْتَجَلَ فَقَطْ بَلْ الْمُرْتَجَلُ وَالْمَنْقُولُ من الصِّفَاتِ وقد جَعَلَ الْغَزَالِيُّ منه لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ لِأَنَّ الطَّعَامَ لَقَبٌ لِجِنْسِهِ وَإِنْ كان مُشْتَقًّا مِمَّا يُطْعَمُ إذْ لَا يُدْرَكُ فَرْقٌ بين قَوْلِهِ في الْغَنَمِ زَكَاةٌ وفي الْمَاشِيَةِ زَكَاةٌ وَإِنْ كانت الْمَاشِيَةُ مُشْتَقَّةً ا هـ وما ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ من إلْحَاقِ الِاسْمِ الْمُشْتَقِّ الدَّالِّ على الْجِنْسِ بِاللَّقَبِ تَبِعَهُ عليه الْآمِدِيُّ لِأَنَّ الصِّفَةَ فيه لَيْسَتْ مُتَخَيَّلَةً إذْ الطَّعَامُ لَا يُنَاسِبُ حُكْمَ الرِّبَا لَكِنْ قال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ يَلْحَقُ بِالصِّفَةِ الصَّرِيحَةِ وَجْهًا وَاحِدًا لِأَنَّ الْمُشْتَقَّ يَتَضَمَّنُ صِفَةً وَجَزَمَ بِهِ سُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ وَجَعَلَ الْآمِدِيُّ اسْمَ الْجِنْسِ وَالْعَلَمَ من بَابِ مَفْهُومِ اللَّقَبِ قال لِتَخْصِيصِ الرِّبَوِيَّاتِ السِّتَّةِ بِتَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ وَقَوْلُنَا زَيْدٌ عَالِمٌ وقال الْقَرَافِيُّ قال التَّبْرِيزِيُّ اللَّقَبُ كَالْأَعْلَامِ وَأَلْحَقَ بها أَسْمَاءَ الْأَجْنَاسِ قال وَغَيْرُهُ أَطْلَقَ في الْجَمِيعِ كَأَنَّهُ يُشِيرُ لِلْآمِدِيِّ قال ابن السَّمْعَانِيِّ وَأَمَّا تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالِاسْمِ فَضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا اسْمٌ مُشْتَقٌّ من مَعْنًى كَالْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ وَالزَّانِي وَالْقَاتِلِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الصِّفَةِ في قَوْلِ جُمْهُورِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وقال بَعْضُهُمْ يَنْظُرُ في الِاسْمِ الْمُشْتَقِّ فَإِنْ كان لِمَعْنَى اشْتِقَاقِهِ تَأْثِيرٌ في الْحُكْمِ اسْتَعْمَلَ دَلِيلَ خِطَابِهِ وَإِنْ لم يَكُنْ له تَأْثِيرٌ في الْحُكْمِ لم يَسْتَعْمِلْ دَلِيلَ خِطَابِهِ فَإِنْ ما لَا يُؤَثِّرْ في الْحُكْمِ لَا يَكُونُ عِلَّةً في الْحُكْمِ وَالثَّانِي اسْمُ لَقَبٍ غَيْرِ مُشْتَقٍّ من مَعْنًى كَالرَّجُلِ
- وَالْمَرْأَةِ وَنَحْوِهِ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ غَيْرُ حُجَّةٍ وَخَالَفَ فيه الدَّقَّاقُ قال وَيَلْتَحِقُ بِاللَّقَبِ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالْأَعْيَانِ كَقَوْلِهِ في هذا الْمَالِ الزَّكَاةُ وَعَلَى هذا الرَّجُلِ الْحَجُّ فَدَلِيلُ خِطَابِهِ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ وَلَا يَدُلُّ وُجُوبُ الزَّكَاةِ في ذلك الْمَالِ على تَرْكِهَا في غَيْرِهِ وَهَذَا عِنْدَنَا كَتَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِالِاسْمِ ا ه
- النَّوْعُ الثَّانِي مَفْهُومُ الصِّفَةِ وهو تَعْلِيقُ الْحُكْمِ على الذَّاتِ بِأَحَدِ الْأَوْصَافِ نَحْوُ في سَائِمَةِ الْغَنَمِ زَكَاةٌ وَكَتَعْلِيقِ نَفَقَةِ الْبَيْنُونَةِ على الْحَمْلِ وَشَرْطِ ثَمَرَةِ النَّخْلِ لِلْبَائِعِ إذَا كانت مُؤَبَّرَةً فَيَدُلُّ على أَنْ لَا زَكَاةَ في الْمَعْلُوفَةِ وَلَا نَفَقَةَ لِلْحَامِلِ وَلَا ثَمَرَةَ لِبَائِعِ النَّخْلَةِ غَيْرِ الْمُؤَبَّرَةِ وَالْمُرَادُ بِالصِّفَةِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ تَقْيِيدُ لَفْظٍ مُشْتَرَكِ الْمَعْنَى بِلَفْظٍ آخَرَ مُخْتَصٍّ ليس بِشَرْطٍ وَلَا غَايَةٍ وَلَا يُرِيدُونَ بها النَّعْتَ فَقَطْ كَالنُّحَاةِ وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ تَمْثِيلُهُمْ بِ مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ مع أَنَّ التَّقْيِيدَ بِهِ إنَّمَا هو بِالْإِضَافَةِ فَقَطْ وقد جَعَلُوهُ صِفَةً إذَا عَلِمْت ذلك فَقَدْ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَمُعْظَمُ الْفُقَهَاءِ وَأَصْحَابُ مَالِكٍ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ إلَى أَنَّهُ يَدُلُّ على نَفْيِهِ عَمَّا عَدَاهُ وَحَكَاهُ سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ عن اخْتِيَارِ الْمُزَنِيّ وَالْإِصْطَخْرِيِّ وَأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَابْنِ خَيْرَانَ قال وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد وأبو ثَوْرٍ قُلْت وأبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ وَنَقَلَهُ في كِتَابِهِ عن نَصِّ الشَّافِعِيِّ فقال قال الشَّافِعِيُّ وَمَعْقُولٌ في لِسَانِ الْعَرَبِ أَنَّ الشَّيْءَ إذَا كان له وَصْفَانِ فَوُصِفَ أَحَدُهُمَا بِصِفَةٍ أَنَّ ما لم يَكُنْ فيه تِلْكَ الصِّفَةُ بِخِلَافِهِ ا هـ وَكَذَا حَكَاهُ أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ وقال إنَّهُ نَصَّ عليه في كِتَابِ الزَّكَاةِ ثُمَّ حَكَى في الْقَوْلِ بِهِ بِمُجَرَّدِهِ وَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا قال الْقَاضِي وَيَدُلُّ عليه كَلَامُ شَيْخِنَا أبي الْحَسَنِ لِأَنَّهُ قال في إثْبَاتِ خَبَرِ الْوَاحِدِ قال تَعَالَى إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا مَفْهُومُ ذلك يَدُلُّ على أَنَّ غير الْفَاسِقِ لَا نَتَبَيَّنُهُ وَتَمَسَّكَ أَيْضًا في إثْبَاتِ الرُّؤْيَةِ بِ كَلًّا إنَّهُمْ عن رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ قال مَفْهُومُهُ يَقْتَضِي إثْبَاتَ الرُّؤْيَةِ لِأَهْلِ الْجِنَانِ وَهَذَا نَصَّ عليه الشَّافِعِيُّ أَيْضًا في أَحْكَامِ الْقُرْآنِ وقال عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ قال جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ وَنَصَّ عليه أبو الْفَرَجِ في اللُّمَعِ وهو ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ ا هـ وَبِهَذَا يُرَدُّ نَقْلُ صَاحِبِ الْمَعَالِمِ عن مَالِكٍ مُوَافَقَةً أبي حَنِيفَةَ قال ابن التِّلِمْسَانِيِّ وَلَعَلَّهُمَا يُنْقَلَانِ عنه بِالتَّخْرِيجِ في مَسَائِلَ
- وفي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ في كِتَابِ الْجَنَائِزِ عن ابْنِ مَسْعُودٍ قال قال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم من مَاتَ يُشْرِكُ بِاَللَّهِ دخل النَّارَ وَقُلْت أنا من مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاَللَّهِ شيئا دخل الْجَنَّةَ ا هـ وَهَذَا مُصَيَّرٌ منه إلَى الْقَوْلِ بِالْمَفْهُومِ وَذَهَبَ أبو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَطَوَائِفُ من أَصْحَابِنَا وَالْمَالِكِيَّةُ إلَى نَفْيِهِ قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وقد رَآهُ الْحَنَفِيَّةُ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ وَمَنْعُهُمْ من الزِّيَادَةِ على النَّصِّ ا هـ وهو اخْتِيَارُ الْقَاضِي وَبِهِ قال ابن سُرَيْجٍ وَالْقَفَّالُ زَادَ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ وأبو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ قال وَأَضَافَ ذلك ابن سُرَيْجٍ إلَى الشَّافِعِيِّ وَتَأَوَّلَ كَلَامَهُ الْمُقْتَضِي بِخِلَافِ ذلك وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ أَبَاحَ الْقَفَّالُ بِمُخَالَفَةِ الشَّافِعِيِّ في مَفْهُومِ الصِّفَةِ وَأَمَّا ابن سُرَيْجٍ فَتَلَطَّفَ وقال إنَّمَا قال الشَّافِعِيُّ بِالْمَفْهُومِ بِدَلِيلٍ يَزِيدُ على نَفْسِ اللَّفْظِ لَا من نَفْسِ اللَّفْظِ ا هـ وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ وَالْآمِدِيَّ وَصَاحِبُ الْمَحْصُولِ فيه وَاخْتَارَ في الْمَعَالِمِ خِلَافَهُ وَمِمَّنْ صَارَ إلَيْهِ من أَهْلِ اللُّغَةِ الْأَخْفَشُ وابن فَارِسٍ في كِتَابِ فِقْهِ الْعَرَبِيَّةِ وابن جِنِّي وَذَهَبَ الْمَاوَرْدِيُّ من أَصْحَابِنَا إلَى التَّفْصِيلِ بين أَنْ يَقَعَ ذلك جَوَابَ سُؤَالٍ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً وَبَيْنَ أَنْ يَقَعَ ذلك ابْتِدَاءً فَيَكُونُ حُجَّةً لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِتَخْصِيصِهِ بِالذِّكْرِ من مُوجِبٍ فلما خَرَجَ عن الْجَوَابِ ثَبَتَ وُرُودُهُ لِلْبَيَانِ قال وَهَذَا هو الظَّاهِرُ من مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَقَوْلِ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُجْعَلَ هذا مَذْهَبًا آخَرَ لِأَنَّ من شَرْطِ الْقَوْلِ بِالْمَفْهُومِ من أَصْلِهِ أَنْ لَا يَظْهَرَ لِلتَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ فَائِدَةٌ غَيْرُ نَفْيِ الْحُكْمِ وَذَهَبَ أبو عبد اللَّهِ الْبَصْرِيُّ فِيمَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ إلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ في ثَلَاثِ صُوَرٍ أَنْ يَرِدَ مَوْرِدَ الْبَيَانِ كَقَوْلِهِ في سَائِمَةِ الْغَنَمِ أو مَوْرِدَ التَّعْلِيمِ نَحْوُ خَبَرِ التَّحَالُفِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ أو يَكُونُ ما عَدَا الصِّفَةَ دَاخِلًا تَحْتَ الصِّفَةِ نَحْوُ الْحُكْمِ بِالشَّاهِدَيْنِ يَدُلُّ على نَفْيِهِ عن الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ تَحْتَ الشَّاهِدَيْنِ وَلَا يَدُلُّ على نَفْيِ الْحُكْمِ فِيمَا سِوَى ذلك وَفَصَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بين الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ وَغَيْرِهِ فقال بِمَفْهُومِ الْأَوَّلِ دُونَ
- الثَّانِي وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ ما نَقَلَهُ الرَّازِيَّ عنه من الْمَنْعِ وابن الْحَاجِبِ من الْجَوَازِ وَإِلَّا فَهُمَا نَقْلَانِ مُتَنَافِيَانِ نعم صُرِّحَ في بَابِ الرِّبَا من الْأَسَالِيبِ بِعَدَمِ الِاشْتِرَاطِ فقال إذَا عَلَّلْنَا بِالشَّيْءِ الْمُحْتَمَلِ فَلَا تُشْتَرَطُ الْإِحَالَةُ في الْمَفْهُومِ بَلْ نَقُولُ إذَا خُصِّصَ مَوْصُوفٌ بِذِكْرٍ أَيَنْفِي الْحُكْمَ عَمَّا عَدَاهُ وَإِنْ لم يَفْدِ إحَالَةً في الصِّفَةِ قال الْإِمَامُ وَمِنْ سِرِّ مَذْهَبِنَا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ في الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ ما يُشْتَرَطُ في الْعِلَلِ من السَّلَامَةِ عن الْقَوَادِحِ وَصَلَاحِيَّتِهِ اسْتِقْلَالًا لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ في الْمَنْطُوقِ بِهِ لِأَنَّهُ لَا يُسْنَدُ إلَى الْمَعْنَى وَإِنَّمَا يُسْنَدُ إلَى اللَّفْظِ وَالْمُنَاسَبَةُ عِنْدَهُ مُعْتَبَرَةٌ لِتَرْجِيحِ قَصْدِ اخْتِصَاصِ الْحُكْمِ بِالْمَنْطُوقِ بِهِ وَقَطْعِ الْإِلْحَاقِ وَخَالَفَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الشَّافِعِيَّ في زِيَادَةِ هذا الشَّرْطِ وقال لِأَنَّ كُلَّ صِفَةٍ لَا يُفْهَمُ منها مُنَاسَبَةُ الْحُكْمِ فَالْمَوْصُوفُ بها كَاللَّقَبِ قُلْت وَخَرَجَ من هذا أَنَّا إذَا أَثْبَتْنَاهُ فَهَلْ هو من جِهَةِ الْعِلَّةِ أو من جِهَةِ اللَّفْظِ قَوْلَانِ وَالْأَوَّلُ ظَاهِرُ مَذْهَبِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَهَذَا شَرْطُ الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ وَعَلَى هذا مَحَلُّ الْقَوْلِ بِهِ إذَا كانت الصِّفَةُ في الْمَحْكُومِ عليه وَالْحُكْمُ تَعْلِيلٌ بها فَلَا يَثْبُتُ عِنْدَ انْتِفَائِهَا وَهَذَا التَّفْصِيلُ هو قَضِيَّةُ اخْتِيَارِ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ كما ذَكَرَهُ الْمَازِرِيُّ وقد رَدَّ ابن السَّمْعَانِيِّ هذا التَّفْصِيلَ على الْإِمَامِ فإنه خِلَافُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيُّ وَبِأَنَّ الْعِلَّةَ ليس من شَرْطِهَا الِانْعِكَاسُ ا هـ وَالْإِمَامُ قد أَوْرَدَ هذا على نَفْسِهِ وَأَجَابَ بِأَنَّ قَضِيَّةَ اللِّسَانِ هِيَ الدَّالَّةُ عِنْدَ إحَالَةِ الْوَصْفِ على ما عَدَاهُ بِخِلَافِهِ وَزَعَمَ أَنَّ هذا وَضْعُ اللِّسَانِ وَمُقْتَضَاهُ وَالْحَالَةُ هذه وما ذَكَرَهُ من مُقْتَضَيَاتِ اللِّسَانِ بِخِلَافِ الْعِلَلِ الْمُسْتَنْبَطَةِ وإذا قُلْنَا حُجَّةٌ فَهَلْ دَلَّ عليه اللُّغَةُ أَمْ اسْتَفَدْنَاهُ من جِهَةِ الشَّرْعِ على وَجْهَيْنِ حَكَاهُمَا الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ وقد سَبَقَ أَنَّ ابْنَ السَّمْعَانِيِّ حَكَاهُمَا في صِيَغِ مَفَاهِيمِ الْمُخَالَفَةِ وَاخْتَارَ الْإِمَامُ في الْمَعَالِمِ أَنَّهُ يَدُلُّ بِالْعُرْفِ لَا بِاللُّغَةِ لِأَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ يَقْصِدُونَهُ وَإِلَّا لم يَكُنْ لِلتَّخْصِيصِ فَائِدَةٌ وَأَمَّا انْتِقَاؤُهُ بِحَسَبِ الْوَضْعِ فَلِأَنَّ مُقْتَضَاهُ ثُبُوتُ الْحُكْمِ في تِلْكَ الصُّورَةِ الْمُقَيَّدَةِ بِالصِّفَةِ وهو غَيْرُ مُسْتَلْزِمٍ لِلِانْتِفَاءِ في الصُّورَةِ الْأُخْرَى وَإِلَّا لَمَا كانت الْقَضِيَّةُ الْكُلِّيَّةُ مُمْكِنَةً وهو الْمَطْلُوبُ ثُمَّ إنَّ الصِّفَةَ على قِسْمَيْنِ تَارَةً يُقْتَصَرُ على ذِكْرِ الصِّفَةِ من غَيْرِ ذِكْرِ الْمَوْصُوفِ كَقَوْلِهِ في السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ وَتَارَةً تُذْكَرُ الصِّفَةُ وَالْمَوْصُوفُ مَعًا كَقَوْلِهِ في سَائِمَةِ الْغَنَمِ
- فَدَلَالَةُ هذا على الِاخْتِصَاصِ أَقْوَى من التَّرَتُّبِ على مُجَرَّدِ الصِّفَةِ إذْ لَوْلَا اخْتِصَاصُ الْحُكْمِ بِحَالَةِ السَّوْمِ لَوَقَعَ ذِكْرُ السَّوْمِ لَغْوًا لَا فَائِدَةَ فيه وقال بَعْضُهُمْ صُورَةُ مَفْهُومِ الصِّفَةِ أَنْ تُذْكَرَ ذَاتٌ ثُمَّ تُذْكَرَ صِفَتُهَا كَالْغَنَمِ السَّائِمَةِ وَالرَّجُلِ الْقَائِمِ أَمَّا إذَا ذُكِرَ الِاسْمُ الْمُشْتَقُّ كَالْقَائِمِ فَقَطْ أو السَّائِمَةِ فَقَطْ فَهَلْ هو كَالصِّفَةِ أو لَا مَفْهُومَ له لِأَنَّ الصِّفَةَ إنَّمَا جُعِلَ لها مَفْهُومٌ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لها إلَّا نَفْيُ الْحُكْمِ وَالْكَلَامُ بِدُونِهَا لَا يُحْتَمَلُ وَأَمَّا الْمُشْتَقُّ فَكَاللَّقَبِ يَخْتَلُّ الْكَلَامُ بِدُونِهِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في ذلك كما حَكَاهُ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ وابن السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرِهِمَا وَعِبَارَةُ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ الِاسْمُ الْمُشْتَقُّ كَالْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ وَالْقَاتِلِ يَجْرِي مَجْرَى تَعْلِيقِهِ بِالصِّفَةِ في اسْتِعْمَالِ دَلِيلِهِ في قَوْلِ جُمْهُورِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وقال بَعْضُهُمْ يُنْظَرُ في الِاسْمِ الْمُشْتَقِّ فَإِنْ صَلَحَ لِلْغَلَبَةِ اُسْتُعْمِلَ وَإِلَّا فَلَا ا هـ وَجَعَلَ أبو الْحَسَنِ السُّهَيْلِيُّ من أَصْحَابِنَا في كِتَابِ أَدَبِ الْجَدَلِ له مَحَلَّ الْخِلَافِ في الِاقْتِصَارِ على الصِّفَةِ دُونَ الِاسْمِ فإن ذُكِرَا جميعا كَقَوْلِهِ في سَائِمَةِ الْغَنَمِ زَكَاةٌ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ حُجَّةٌ قَطْعًا يُسْتَدَلُّ بِهِ على نَفْيِ الزَّكَاةِ في الْمَعْلُوفَةِ لَكِنْ اخْتَلَفُوا هل يُسْتَدَلُّ بِهِ على نَفْيِ الزَّكَاةِ عن سَائِمَةِ غَيْرِ الْغَنَمِ على وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا الْمَنْعُ وَإِلَّا لَكَانَ اسْتِدْلَالًا بِالْأَلْقَابِ وَأَصَحُّهُمَا الْجَوَازُ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْحُكْمَ بِشَرْطَيْنِ كَوْنُهَا غَنَمًا وَكَوْنُهَا سَائِمَةً وَالْحُكْمُ الْمُعَلَّقُ بِشَرْطَيْنِ يَسْقُطُ بِسُقُوطِ أَحَدِهِمَا ا هـ وقد سَبَقَ الْوَجْهَانِ قال فَإِنْ عَلَّقَ الْحُكْمَ بِنَوْعٍ من جِنْسٍ كَقَوْلِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْكُمْ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ فَهَلْ يَدُلُّ على أَنَّ شَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَجِلْدَهُ وَشَعْرَهُ غَيْرُ مُحَرَّمٍ وَهَلْ يَدُلُّ على أَنَّ لَحْمَ الشَّاةِ وَالْبَقَرَةِ وَغَيْرِهِ حَلَالٌ أَمْ لَا على وَجْهَيْنِ كما ذَكَرْنَا ا هـ وقال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ هذا إذَا كانت الصِّفَةُ مَقْصُودَةً فَإِنْ كانت غير مَقْصُودَةٍ لِذَلِكَ الْحُكْمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ إلَى قَوْله وَمَتِّعُوهُنَّ لم يَكُنْ له دَلِيلٌ في أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ لِأَنَّ الصِّفَةَ لم تُذْكَرْ لِتَعْلِيقِ الْحُكْمِ بها وَإِنَّمَا قُصِدَ بَيَانُ رَفْعِ الْحَرَجِ عَمَّنْ طَلَّقَ قبل الْمَسِيسِ وَالْفَرْضِ هذا الْحُكْمُ وهو إيجَابُ الْمُتْعَةِ على وَجْهِ التَّبَعِ فَصَارَ كَأَنَّهُ مَذْكُورٌ ابْتِدَاءً غير مُعَلَّقٍ على الصِّفَةِ ا هـ وقال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْقِيَاسُ تَخْصِيصُ الْمُتْعَةِ لها لِأَنَّ الصِّفَةَ عُلِّقَ بها حُكْمَانِ فَاقْتَضَى انْتِفَاءَ الْحُكْمَيْنِ مَعًا بِانْتِفَائِهَا وقال الْإِبْيَارِيُّ مَوْضِعُ هذا الْخِلَافِ في
- الْأَوْصَافِ التي تَطْرَأُ وَتَزُولُ كَقَوْلِهِ الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا وَالسَّائِمَةُ فيها الزَّكَاةُ وَأَمَّا التَّخْصِيصُ بِالصِّفَاتِ التي لَا تَطْرَأُ وَلَا تَزُولُ كَأَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ نَحْوُ لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ فَفِيهِ خِلَافٌ وَجَزَمَ الْعَبْدَرِيّ وابن الْحَاجِّ بِاشْتِرَاطِ هذا وَزَادَا شَرْطًا آخَرَ وهو أَنْ يَكُونَ نَقِيضُ الصِّفَةِ يَخْطِرُ بِالْبَالِ قال الْإِبْيَارِيُّ فَأَمَّا إذَا ذَكَرَ الِاسْمَ الْعَامَّ ثُمَّ ذَكَرَ الصِّفَةَ الْخَاصَّةَ في مَعْرِضِ الِاسْتِدْرَاكِ كَقَوْلِهِ من بَاعَ ثَمَرَةً غير مُؤَبَّرَةٍ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ وَكَقَوْلِهِ من يَلُومُ الْعُلَمَاءَ الصَّالِحِينَ فَقَدْ يُقَالُ لو كان الْحُكْمُ يَعُمُّهَا لَمَا أَنْشَأَ بَعْدَ ذلك اسْتِدْرَاكًا وَهَذَا ضَعِيفٌ نعم التَّخْصِيصُ يُفْهِمُ أَنَّ هذا هو الْمَنْطُوقُ بِهِ أَمَّا إنَّهُ يَنْفِي الْحُكْمَ فِيمَا عَدَاهُ فَلَا ا هـ وقد سَبَقَ في كَلَامِ السُّهَيْلِيِّ هذه الصُّورَةُ تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ خَرَجَ لنا من هذا أَنَّ الصُّوَرَ ثَلَاثٌ الِاقْتِصَارُ على الصِّفَةِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الِاسْمِ ثُمَّ الصِّفَةُ فِيهِمَا إمَّا أَنْ تَتَبَدَّلَ أو لَا وَبَقِيَتْ صُورَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ تَقَدُّمَ الصِّفَةِ نَحْوُ في سَائِمَةِ الْغَنَمِ وَهَذَا يَسْتَدْعِي تَجْدِيدَ عَهْدٍ بِمَا سَبَقَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصِّفَةِ التَّقْيِيدُ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْبَيْضَاوِيِّ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بين الْمُتَقَدِّمِ وَالْمُتَأَخِّرِ وَالْغَنَمُ مَوْصُوفٌ وَالسَّائِمَةُ صِفَةٌ في الْمَوْضِعَيْنِ قِيلَ وَالظَّاهِرُ تَغَايُرُهُمَا وَأَنَّهُمَا مُشْتَرِكَانِ في أَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مَفْهُومَ صِلَةٍ لَكِنَّ الْمَفْهُومَ فِيهِمَا مُتَغَايِرٌ فَالْمُقَيَّدُ في قَوْلِنَا في الْغَنَمِ السَّائِمَةِ إنَّمَا هو الْغَنَمُ وفي قَوْلِنَا في سَائِمَةِ الْغَنَمِ إنَّمَا هو السَّائِمَةُ فَمَفْهُومُ الْأَوَّلِ عَدَمُ
- وُجُوبِ الزَّكَاةِ في الْغَنَمِ الْمَعْلُوفَةِ إذْ لَوْلَا التَّقْيِيدُ بِالسَّوْمِ لَشَمِلَهَا لَفْظُ الْغَنَمِ وَمَفْهُومُ الثَّانِي عَدَمُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ في سَائِمَةٍ غَيْرِ الْغَنَمِ كَالْبَقَرِ مَثَلًا إذْ لَوْلَا تَقْيِيدُ السَّائِمَةِ بِإِضَافَتِهَا إلَى الْغَنَمِ لَشَمِلَهَا لَفْظُ السَّائِمَةِ وَأَمَّا عَدَمُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ في الْغَنَمِ الْمَعْلُوفَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى هذا التَّرْكِيبِ الثَّانِي فَمِنْ بَابِ مَفْهُومِ اللَّقَبِ وفي هذه الدَّعْوَى نَظَرٌ الثَّانِي هذا إذَا تَجَرَّدَتْ الصِّفَةُ عن دَلِيلٍ آخَرَ فَلَوْ اقْتَرَنَ بِالْحُكْمِ الْمُعَلَّقِ بِالصِّفَةِ حُكْمٌ مُطْلَقٌ قال ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ فَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ في دَلِيلِ الْمُقَيَّدِ بِالصِّفَةِ هل يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا في الْمُطْلَقِ على قَوْلَيْنِ وَمِثَالُهُ قَوْله تَعَالَى إذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ من قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ من عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا قَضِيَّتُهُ أَنْ لَا عِدَّةَ على غَيْرِ الْمَدْخُولِ بها وَدَلِيلُهُ وُجُوبُهَا على الْمَدْخُولِ بها ثُمَّ قال فَمَتِّعُوهُنَّ فَهَلْ يَكُونُ إطْلَاقُ الْمُتْعَةِ مَعْطُوفًا على الْعِدَّةِ في اشْتِرَاطِ الدُّخُولِ بها على قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ تَصِيرُ الْمُتْعَةُ بِالْعَطْفِ على الْعِدَّةِ مَشْرُوطَةً بِعَدَمِ الدُّخُولِ وَالثَّانِي أَنَّ قَوْلَهُ ومتعوهن لَا يُقَيَّدُ بِمَا تَقَدَّمَ الثَّالِثُ قال بَعْضُ مَشَايِخِنَا ما أَطْلَقَهُ الْأَصْحَابُ عن أبي حَنِيفَةَ من إنْكَارِ مَفْهُومِ الصِّفَةِ ليس على إطْلَاقِهِ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ هُنَا أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَرِدَ دَلِيلُ الْعُمُومِ ثُمَّ يَرِدُ إخْرَاجُ فَرْدٍ منه بِالْوَصْفِ فَهُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ كَقِيَامِ الدَّلِيلِ على وُجُوبِ زَكَاةِ الْغَنَمِ مُطْلَقًا ثُمَّ وَرَدَ الدَّلِيلُ بِتَقَيُّدِهَا بِالسَّائِمَةِ فيقول أبو حَنِيفَةَ لَا تَقْتَضِي نَفْيَ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهَا لِقِيَامِ دَلِيلِ الْعُمُومِ فَيَسْتَصْحِبُهُ وَلَا يُجْعَلُ لِلتَّقْيِيدِ بِالْوَصْفِ أَثَرًا معه وَالثَّانِي أَنْ يَرِدَ الْوَصْفُ مُبْتَدَأً كما يقول أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ الطِّوَالَ فَأَبُو حَنِيفَةَ يُوَافِقُ على أَنَّ غير الطِّوَالِ لَا يَجِبُ إكْرَامُهُمْ فَلْيُتَفَطَّنْ لِذَلِكَ الرَّابِعُ أَصْلُ وَضْعِ الصِّفَةِ أَنْ تَجِيءَ لِلتَّخْصِيصِ في النَّكِرَاتِ وَلِلتَّوْضِيحِ في الْمَعَارِفِ نَحْوُ مَرَرْت بِرَجُلٍ عَاقِلٍ وَزَيْدٍ الْعَالِمِ وقد تَجِيءُ لِمُجَرَّدِ الثَّنَاءِ كَصِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى أو لِمُجَرَّدِ الذَّمِّ نَحْوُ الشَّيْطَانُ الرَّجِيمُ أو لِلتَّوْكِيدِ نَحْوُ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ وَهَذِهِ الْأَقْسَامُ لَا مَفْهُومَ لها وقد تَتَرَدَّدُ بين التَّخْصِيصِ وَالتَّوْضِيحِ كما سَبَقَ ذِكْرُهُ في أَوَائِلِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ فَلْيُرَاجَعْ
- النَّوْعُ الثَّالِثُ مَفْهُومُ الْعِلَّةِ وهو تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالْعِلَّةِ مِثْلُ حُرِّمَتْ الْخَمْرُ لِشِدَّتِهَا وَالسُّكْرُ لِحَلَاوَتِهِ يَدُلُّ على أَنَّ غير الشَّدِيدِ وَالْحُلْوِ لَا يُحَرَّمُ وَالْفَرْقُ بين هذا وَاَلَّذِي قَبْلَهُ أَنَّ الصِّفَةَ قد تَكُونُ عِلَّةً كَالْإِسْكَارِ وقد لَا تَكُونُ بَلْ تَتِمَّةً لِلْعِلَّةِ كَالسَّوْمِ فإن الْعَيْنَ هِيَ الْعِلَّةُ وَالسَّوْمَ مُتَمِّمٌ قال الْقَاضِي وَالْغَزَالِيُّ وَالْخِلَافُ فيه وفي مَفْهُومِ الصِّفَةِ وَاحِدٌ وَصَمَّمَا على إنْكَارِهِ لَا سِيَّمَا إذَا جَوَّزْنَا تَعْلِيلَ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ عِنْدَ ثُبُوتِهَا وَلَا يَنْتَفِي عِنْدَ انْتِفَائِهَا على ما يَقْتَضِيهِ الْأَصْلُ وَفَائِدَةُ ذِكْرِ الْعِلَّةِ مَعْرِفَةُ الْعِلَّةِ فَقَطْ تَنْبِيهٌ أَمَّا فَهْمُ الْعِلَّةِ من إضَافَةِ الْحُكْمِ إلَى الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا فإنه كما فُهِمَ وُجُوبُ الْقَطْعِ وَالْجَلْدِ من الْمَنْطُوقِ بِهِ فُهِمَ كَوْنُ السَّرِقَةِ وَالزِّنَى عِلَّةَ الْحُكْمِ وهو إنْ كان غير مَنْطُوقٍ بِهِ لَكِنْ سَبَقَ إلَى الْفَهْمِ من فَحَوَى الْكَلَامِ فلم يَجْعَلْهُ الْغَزَالِيُّ من الْمَفْهُومِ وَأَلْحَقَهُ بِدَلَالَةِ الْإِشَارَةِ وَجَعَلَهُ ابن الْحَاجِبِ من أَقْسَامِ الْمَنْطُوقِ غَيْرِ الصَّرِيحِ
- النوع الرابع مفهوم الشرط اعلم أن الشرط في اصطلاح المتكلمين ما يتوقف عليه الشيء ولا يكون داخلا في الشيء ولا مؤثرا فيه وفي اصطلاح النحاة ما دخل عليه أحد الحرفين إن وإذا أو ما يقوم مقامهما من الأسماء والظروف الدالة على سببية الأول ومسببية الثاني وهو المراد هنا أعني اللغوي لا الشرعي والعقلي نحو وإن كن أولات حمل فيتعلق الحكم بوجوده إجماعا وينتفي بعدمه عند القائلين المفهوم قالوا وهو أقوى المفاهيم وأما المنكرون له فاختلفوا فذهب ابن سريج وابن الصباغ والكرخي
- وأبو الحسين البصري إلى لزوم القول به ونقله إمام الحرمين عن أكثر العلماء ونقله ابن القشيري عن معظم أهل العراق ونقله أبو الحسن السهيلي في أدب الجدل عن أكثر الحنفية وذهب أكثر المعتزلة كما نقله في المحصول إلى المنع وقالوا لا ينتفي بعدمه بل هو باق على ما كان عليه قبل التعليق ورجحه المحققون من الحنفية ونقل عن أبي حنيفة ونقله ابن التلمساني عن مالك وهو اختيار القاضي والغزالي والآمدي وقد احتج القاضي حسين في باب الأصول والثمار من تعليقه على الحنفية بحديث يعلى بن أمية أنه قال لعمر بن الخطاب لماذا نقصر وقد أمنا وقال تعالى إن خفتم فقال له عمر تعجبت مما تعجبت منه فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته قال وهما من صميم العرب وأرباب اللسان وعرفا من الآية أن المفهوم يعني الشرطي حجة وإنما تركاه لقول النبي صلى الله عليه وسلم ا هـ وقد بالغ إمام الحرمين في الرد على المنكرين لهذا المفهوم وقال من الصور التي يجب الاعتناء بها الشرط والجزاء فإن سلم الخصم اقتضاء الشرط تخصيص الجزاء به تعدينا هذه الرتبة وإن استقر على النزاع اكتفينا بنسبته إلى الجهالة باللسان أو المراغمة والعناد فنحن نعلم من مذهب العرب قاطبة أنها وضعت باب الشرط لتخصيص الجزاء به فإذا قال القائل من أكرمني أكرمته فقد أشعر باختصاص إكرامه بمن يكرمه ومن جوز أن يكون وضع هذا الكلام على أن يكرم مكرمه ويكرم غيره أيضا فقد آل الكلام معه إلى التسفيه والتجهيل والإحالة على تعلم مذهب العرب قيل وفيه نظر لأن النزاع في هذه المسألة راجع إلى أن مثل قول القائل من أكرمني أكرمته كما أنه يدل على إثبات إكرام مكرمه بطريق المنطوق هل يدل على نفي إكرام غير مكرمه بطريق المفهوم أم لا ولا خلاف في أن هذا الكلام لم يوضع لأن يكرم مكرمه ويكرم غير مكرمه فإنه لا دلالة له على إثبات إكرام غير مكرمه بالاتفاق لا بالمنطوق ولا بالمفهوم ولم
- يصر إليه أحد من منكري المفهوم وإنما قالوا إنه لم يلزم إلا إكرام مكرمه خاصة وأما غير مكرمه فلا مدخل له في هذا الوعد ولا دلالة لمثل هذا الكلام على إكرامه بنفي ولا إثبات بل هو مسكوت عنه وهذا غير محال ولا مناف لاختصاص الجزاء بالشرط تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ سَبَقَ في التَّخْصِيصِ في الْكَلَامِ على الشَّرْطِ خِلَافٌ في أَنَّ مَجْمُوعَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ كَلَامٌ وَاحِدٌ وَالْحُكْمُ هو الْجَزَاءُ وَالشَّرْطُ قَيْدٌ بِمَنْزِلَةِ الْحَالِ وهو أَصْلُ الْخِلَافِ هُنَا فَعَلَى الثَّانِي يُجْعَلُ التَّعْلِيقُ إيجَادًا لِلْحُكْمِ على تَقْدِيرِ وُجُودِ الشَّرْطِ وَإِعْدَامًا له على تَقْدِيرِ عَدَمِهِ فَصَارَ كُلٌّ من الثُّبُوتِ وَالِانْتِفَاءِ حُكْمًا شَرْعِيًّا ثَابِتًا بِاللَّفْظِ مَنْطُوقًا وَمَفْهُومًا وَعَلَى الْأَوَّلِ يُجْعَلُ مُوجِبًا لِلْحُكْمِ على تَقْدِيرِ وُجُودِ الشَّرْطِ سَكْتًا عن النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ على تَقْدِيرِ عَدَمِهِ فَصَارَ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ عَدَمًا أَصْلًا مَبْنِيًّا على دَلِيلِ عَدَمِ الثُّبُوتِ لَا حُكْمًا شَرْعِيًّا مُسْتَفَادًا من النَّظْمِ قال في الْبَدِيعِ وَنَصَّ فَخْرُ الْإِسْلَامِ الْخِلَافَ على حَرْفٍ آخَرَ وهو أَنَّ الشَّرْطَ عِنْدَنَا مَانِعٌ من انْعِقَادِ السَّبَبِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ من الْحُكْمِ فَالتَّعْلِيقُ سَبَبٌ عِنْدَنَا عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ بِعَدَمِ الْحُكْمِ فَيُضَافُ إلَى عَدَمِ سَبَبِهِ وَعِنْدَهُ إلَى انْتِفَاءِ شَرْطِهِ مع وُجُودِ سَبَبِهِ وَفَرَّعَ على هذا أَنَّ التَّعْلِيقَ بِالْمِلْكِ قَبْلَهُ في الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ صَحِيحٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَكَذَا تَعْجِيلُ النَّذْرِ الْمُعَلَّقِ وَكَفَّارَةُ الْيَمِينِ مُمْتَنِعٌ وَطَوْلُ الْحَرَّةِ غَيْرُ مَانِعٍ من نِكَاحِ الْأَمَةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ الثَّانِي أَنَّ هذا الْمَنْزَعُ يَدُلُّ على انْتِفَاءِ الْحُكْمِ قبل وُجُودِ الشَّرْطِ وهو مَعْنَى قَوْلِهِمْ الْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ عُدِمَ قبل وُجُودِ الشَّرْطِ وَإِلَّا لَكَانَ التَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ نَسْخًا وَلَخَلَا من الْفَائِدَةِ وكان بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَسْتَدِلُّ على أَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ عُدِمَ قبل وُجُودِ الشَّرْطِ فيقول لو قال لِامْرَأَتِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَإِنَّك طَالِقٌ لَا تَطْلُقُ قبل دُخُولِ الدَّارِ فَلَوْلَا أَنَّ الشَّرْطَ يَنْفِي ثُبُوتَ الْحُكْمِ قَبْلَهُ لَوَجَبَ الْوُقُوعُ عَمَلًا بِالْمُقْتَضَى وهو قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ الثَّالِثُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّرْطِ هو اللُّغَوِيُّ سَبَقَ وهو مُغَايِرٌ لِلشَّرْعِيِّ وَالْعَقْلِيِّ فإن كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْتَفِي الْمُسَمَّى بِانْتِفَائِهِ وَلَا يُوجَدُ بِوُجُودِهِ وَأَمَّا اللُّغَوِيُّ فَلَا يَبْقَى أَثَرُهُ إلَّا في وُجُودِ الْمُعَلَّقِ بِوُجُودِ ما عُلِّقَ عليه لَا غَيْرُ وَأَمَّا عَدَمُهُ فَإِمَّا لِعَدَمِ مُقْتَضِيهِ أو لِأَنَّ
- الْأَصْلَ بَقَاءُ ما كان قبل التَّعْلِيقِ لَا من جِهَةِ الْمَفْهُومِ كما سَبَقَ فَالْخِلَافُ حِينَئِذٍ إنَّمَا نَشَأَ من إطْلَاقِ اسْمِ الشَّرْطِ وَمَنْ قال الْمُعَلَّقُ بِكَلِمَةِ إنْ صَرِيحٌ فَدَلَّ بِمَنْطُوقِهِ على وُجُودِ ما عُلِّقَ عليه عِنْدَ وُجُودِهِ ليس إلَّا أَمَّا الْعَدَمُ عِنْدَ الْعَدَمِ فَلَا يَدُلُّ عليه أَلْبَتَّةَ بَلْ ذلك من بَابِ الْمَفْهُومِ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ في انْتِفَاءِ الْحُكْمِ عِنْدَ انْتِفَاءِ الشَّرْطِ وَلَكِنْ هل الدَّالُّ على الِانْتِفَاءِ صِيغَةُ الشَّرْطِ أو الْبَقَاءُ على الْأَصْلِ فَمَنْ جَعَلَهُ حُجَّةً قال بِالْأَوَّلِ وَمَنْ أَنْكَرَهُ قال بِالثَّانِي وَهَاهُنَا أُمُورٌ أَرْبَعَةٌ أَحَدُهَا ثُبُوتُ الْجَزَاءِ عِنْدَ ثُبُوتِ الشَّرْطِ وَثَانِيهَا عَدَمُ الْجَزَاءِ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ وَثَالِثُهَا دَلَالَةُ النُّطْقِ على الْأَوَّلِ وَرَابِعُهَا دَلَالَتُهُ على الثَّانِي فَأَمَّا الدَّلَالَةُ الْأُولَى فَمُتَّفَقٌ عليها وَالرَّابِعُ هو الْمُخْتَلَفُ فيه بَعْدَ الِاتِّفَاقِ على أَنَّ عَدَمَ الْجَزَاءِ ثَابِتٌ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ لَكِنْ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالْمَفْهُومِ ثُبُوتُهُ لِدَلَالَةِ التَّعْلِيقِ عليه وَعِنْدَ النُّفَاةِ ثَابِتٌ بِمُقْتَضَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ فَالْحُكْمُ مُتَّفَقٌ عليه وَالْخِلَافُ في عِلَّتِهِ فَالْخِلَافُ إنَّمَا هو في دَلَالَةِ حَرْفِ الشَّرْطِ على الْعَدَمِ عِنْدَ الْعَدَمِ لَا على أَصْلِ الْعَدَمِ عِنْدَ الْعَدَمِ فإن ذلك ثَابِتٌ بِالْأَصْلِ قبل أَنْ يَنْطِقَ النَّاطِقُ بِكَلَامٍ وَهَكَذَا الْكَلَامُ في سَائِرِ الْمَفَاهِيمِ قال أبو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ وهو من الْمُنْكِرِينَ له انْتِفَاءُ الْمُعَلَّقِ حَالَ عَدَمِ الشَّرْطِ لَا يُفْهَمُ من الْمُتَعَلِّقِ بَلْ يَبْقَى على ما كان قبل وُرُودِ النَّصِّ قال وَحَاصِلُ الْخِلَافِ يَرْجِعُ إلَى أَنَّ الشَّرْطَ هل يَمْنَعُ من انْعِقَادِ عِلَّةِ الْحُكْمِ فَعِنْدَنَا يَمْنَعُ وَعِنْدَهُمْ لَا فإذا لم يَكُنْ الشَّرْطُ عِنْدَهُمْ مِمَّا يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْعِلَّةِ كانت الْعِلَّةُ مَوْجُودَةً وَكَانَتْ مُوجِبَةً لِلْحُكْمِ وَالشَّرْطُ يَمْنَعُ وُجُودَ الْحُكْمِ وَعِنْدَنَا لَمَّا كان الشَّرْطُ يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْعِلَّةِ لم تَكُنْ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةً حتى تُوجِبَ الْحُكْمَ فلم يُتَصَوَّرُ اسْتِنَادُ مَنْعِ الْحُكْمِ إلَى الشَّرْطِ
- فَائِدَةٌ الْغَزَالِيِّ من الْمُنْكِرِينَ لِمَفْهُومِ الشَّرْطِ وَرَأَى مُوَافَقَتَهُ لِلشَّافِعِيِّ في عَدَمِ النَّفَقَةِ لِغَيْرِ الْحَامِلِ مع أَنَّ الشَّافِعِيَّ عُمْدَتُهُ فيه مَفْهُومُ قَوْله تَعَالَى وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ قال إنَّ عَدَمَ النَّفَقَةِ ليس من نَاحِيَةِ الْمَفْهُومِ بَلْ من حَيْثُ إنَّ انْقِطَاعَ مِلْكِ النِّكَاحِ يُوجِبُ سُقُوطَ النَّفَقَةِ إلَّا ما اُسْتُثْنِيَ وَالْحَامِلُ هِيَ الْمُسْتَثْنَى فَنَفْيُ غَيْرِ الْحَامِلِ على أَصْلِ الْمَنْعِ فَانْتَفَتْ نَفَقَتُهَا لَا بِالشَّرْطِ لَكِنْ بِانْتِفَاءِ النِّكَاحِ الذي كان عِلَّةَ النَّفَقَةِ وَهَذَا نَظِيرُ امْتِنَاعِ نِكَاحِ الْأَمَةِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ على نِكَاحِ الْحُرَّةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ من الْمَفْهُومِ وَلِهَذَا جَعَلَهُ تَخْصِيصًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَرَاءَ ذَلِكُمْ وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَدَمٌ أَصْلِيٌّ لَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَلَا يَصْلُحُ تَخْصِيصًا لِأَنَّ الْمُخَصَّصَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمًا شَرْعِيًّا لَا عَدَمًا أَصْلِيًّا فَهُمَا وَإِنْ اتَّفَقَا على الْحُكْمِ لَكِنْ اخْتَلَفَا في الْأَخْذِ وَفِيمَا قَالُوهُ نَظَرٌ لِأَنَّهُ إذَا لم يَكُنْ مُخَصَّصًا وَلَا نَاسِخًا يَبْقَى الْجَوَازُ بِالنَّصِّ وهو قَوْلُهُ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَرَاءَ ذَلِكُمْ وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْله تَعَالَى فَمَنْ لم يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَمَنْ لم يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا فلم تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَإِنْ لم يُفْهَمُ مَدْلُولُهُ على ثُبُوتِ هذه الْأَحْكَامِ قبل هذه الشُّرُوطِ ثَبَتَ الْحُكْمُ على الْعَدَمِ ا هـ النَّوْعُ الْخَامِسُ مَفْهُومُ الْعَدَدِ وهو تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ يَدُلُّ على انْتِفَاءِ الْحُكْمِ فِيمَا عَدَا ذلك الْعَدَدِ زَائِدًا كان أو نَاقِصًا كَقَوْلِهِ إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ في إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا وقَوْله تَعَالَى فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وهو دَلِيلٌ مُسْتَعْمَلٌ كَالصِّفَةِ سَوَاءٌ كما قال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ وابن السَّمْعَانِيِّ وَنَقَلَهُ أبو حَامِدٍ عن نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَكَذَا
- الْقَاضِيَانِ أبو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ في بَابِ بَيْعِ الطَّعَامِ قبل أَنْ يُسْتَوْفَى وَجَرَى عليه الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وابن الصَّبَّاغِ في الْعُدَّةِ وَسُلَيْمٌ قال وهو دَلِيلُنَا في نِصَابِ الزَّكَاةِ وَالتَّحْرِيمِ بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ وقال ابن الرِّفْعَةِ في بَابِ الْجَمَاعَةِ من الْمَطْلَبِ إنَّهُ الْعُمْدَةُ لنا في عَدَمِ تَنْقِيصِ الْأَحْجَارِ في الِاسْتِنْجَاءِ عن الثَّلَاثَةِ وَالزِّيَادَةِ على ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ في خِيَارِ الشَّرْطِ وَتَعَجَّبْت من النَّوَوِيِّ في قَوْلِهِ إنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ بَاطِلٌ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ قال وَلَعَلَّهُ سَبَقَ الْوَهْمُ إلَيْهِ من اللَّقَبِ وَنَقَلَهُ أبو الْخَطَّابِ الْحَنْبَلِيُّ عن مَنْصُوصِ أَحْمَدَ وَبِهِ قال مَالِكٌ وَدَاوُد وقال آخَرُونَ لَا يَدُلُّ وهو رَأْيِ مُنْكِرِي الصِّفَةِ كَالْقَاضِي وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وقد قال بِهِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ من الْحَنَفِيَّةِ فقال في قَوْلِهِ خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ في الْحِلِّ وَالْحَرَمِ إنَّهُ يَبْقَى غَيْرُهَا بِالْعَدَدِ وَأَجَابَ عن خَمْسِ رَضَعَاتٍ بِأَنَّهُ إنَّمَا لم يَنْتِفْ تَحْرِيمُ الرَّضْعَةِ لِثُبُوتِهِ في إطْلَاقِ أَرْضَعْنَكُمْ الصَّرِيحِ وقال أبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ كُنْت أَسْمَعُ كَثِيرًا من مَشَايِخِنَا يَقُولُونَ في الْمَخْصُوصِ إنَّهُ حُجَّةٌ كَقَوْلِهِ خَمْسٌ فَوَاسِقُ وَقَوْلِهِ أُحِلَّتْ لنا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ فَدَلَّ على أَنَّ غَيْرَهُمَا من الْمَيِّتَةِ غَيْرُ مُبَاحٍ وَلَقِيت مُحَمَّدَ بن شُجَاعٍ قد احْتَجَّ بِهِ وَلَا أَعْرِفُ جَوَابَ الْمُتَقَدِّمِينَ من أَصْحَابِنَا عنه قال وَالْقَائِلُونَ بهذا فَرَّقُوا بين أَنْ يُصَرِّحَ بِالْعَدَدِ كما
- ذَكَرْنَا فَيَكُونَ حُجَّةً وَبَيْنَ أَنْ لَا يُصَرِّحَ بِهِ كَقَوْلِهِ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ إلَى آخِرِ الْأَصْنَافِ السِّتَّةِ فَلَا يَدُلُّ على أَنَّ ما عَدَاهُ بِخِلَافِهِ لِأَنَّهُ لم يَقُلْ إنَّ الرِّبَا في السِّتَّةِ كما قِيلَ خَمْسٌ يَقْتُلهُنَّ الْمُحْرِمُ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ أبي حَنِيفَةَ في الْعَدَدِ إذَا وَرَدَ مَقْرُونًا بِاللَّفْظِ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ ليس بِحُجَّةٍ ثُمَّ نَاقَضُوا أَصْلَهُمْ في الزِّيَادَةِ على النَّصِّ فَجَعَلُوهُ أَقْوَى النَّصَّيْنِ وَمَنَعُوا من الزِّيَادَةِ عليه بِالْقِيَاسِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَقَالُوا إنَّهُ يَدُلُّ على سُقُوطِ التَّغْرِيبِ وَمِمَّنْ أَنْكَرَ الْعَدَدَ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ بَعْدَ تَفْصِيلٍ سَبَقَهُ إلَيْهِ أبو الْحُسَيْنِ في الْمُعْتَمَدِ وَنَبَّهَ عليه الْآمِدِيُّ أَيْضًا وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ فإنه قال الْحُكْمُ الْمُقَيَّدُ بِعَدَدٍ إنْ كان مَعْلُولَ ذلك الْعَدَدِ ثَبَتَ في الزَّائِدِ لِوُجُودِهِ فيه كما في جَلْدِ مِائَةٍ أو حُكْمٍ بِأَنَّ الْقُلَّتَيْنِ يَدْفَعَانِ حُكْمَ النَّجَاسَةِ وَإِلَّا يَلْزَمُ كما أَوْجَبَ مِائَةُ جَلْدَةٍ وَالنَّاقِصُ عن ذلك الْعَدَدُ إنْ كان دَاخِلًا فيه وكان الْحُكْمُ إيجَابًا أو إبَاحَةً ثَبَتَ فيه كما أَوْجَبَ أو أَبَاحَ جَلْدَ مِائَةٍ وَإِنْ كان تَحْرِيمًا فَلَا يَلْزَمُ وَإِنْ لم يَكُنْ دَاخِلًا فيه كَالْحُكْمِ بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ وَاحِدٍ فإنه لَا يَدْخُلُ في الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ فَالتَّحْرِيمُ قد ثَبَتَ فيه بِطَرِيقِ الْأُولَى وَالْإِيجَابُ وَالْإِبَاحَةُ لَا يَلْزَمَانِ قال فَثَبَتَ أَنَّ قَصْرَ الْحُكْمِ على الْعَدَدِ لَا يَدُلُّ على نَفْيِهِ عَمَّا زَادَ أو نَقَصَ إلَّا بِدَلِيلٍ تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ مَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَا لم يُقْصَدْ بِهِ التَّكْثِيرُ فَأَمَّا الْمَقْصُودُ بِهِ كَالْأَلْفِ وَالسَّبْعِينَ وَغَيْرِهِمَا فما جَرَى في لِسَانِ الْعَرَبِ لِلْمُبَالَغَةِ فَلَا يَدُلُّ بِمُجَرَّدِهِ على التَّحْدِيدِ ذَكَرَهُ ابن فُورَكٍ وَكَلَامُ الْبَاقِينَ في الْجَوَابِ عن الحديث مُصَرِّحٌ بِهِ وَاسْتَثْنَى ابن الصَّبَّاغِ في الْعُدَّةِ ما إذَا كان في الْعَدَدِ تَنْبِيهٌ على ما زَادَ عليه كَقَوْلِهِ إذَا بَلَغَ الْمَاءَ قُلَّتَيْنِ فإنه تَنْبِيهٌ على أَنَّ ما زَادَ عَلَيْهِمَا أَوْلَى بِأَنْ لَا يُحْمَلَ الثَّانِي قال بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مَحَلُّ الْخِلَافِ إنَّمَا هو عِنْدَ ذِكْرِ الْعَدَدِ نَفْسِهِ كَاثْنَيْنِ وَثَلَاثَةٍ أَمَّا الْمَعْدُودُ فَلَا يَكُونُ مَفْهُومُهُ حُجَّةً كَقَوْلِهِ أُحِلَّتْ لنا مَيْتَتَانِ
- وَدَمَانِ فَلَا يَكُونُ تَحْرِيمُ مَيْتَةٍ ثَالِثَةٍ مَأْخُوذًا من مَفْهُومِ الْعَدَدِ لَكِنَّ الناس يُمَثِّلُونَ لِمَفْهُومِ الْعَدَدِ بِقَوْلِهِ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ ليس فيه اسْمُ عَدَدٍ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْعَدَدَ يُشْبِهُ الصِّفَةَ وَالْمَعْدُودَ يُشْبِهُ اللَّقَبَ وَلَا فَرْقَ فيه بين أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا أو مُثَنًّى أَلَا تَرَى أَنَّك لو قُلْت رِجَالٌ لم يُتَوَهَّمْ أَنَّ صِيغَةَ الْجَمْعِ عَدَدٌ وَلَا يُفْهَمُ منها ما يُفْهَمُ من التَّخْصِيصِ بِالْعَدَدِ فَكَذَلِكَ الْمُثَنَّى لِأَنَّهُ اسْمٌ مَوْضُوعٌ لِاثْنَيْنِ كما أَنَّ الرِّجَالَ اسْمٌ مَوْضُوعٌ لِمَا زَادَ فَمِنْ ثَمَّ لم يَكُنْ قَوْلُهُ مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ يَدُلُّ على نَفْيِ حِلِّ مَيْتَةٍ ثَالِثَةٍ كما أَنَّهُ لو قال أُحِلَّتْ لنا مَيْتَةٌ لم يَدُلَّ على عَدَمِ حِلِّ أُخْرَى الثَّالِثُ أَنَّهُ من أَشْهَرِ حِجَجِ الْمُثْبِتِينَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى إنْ تَسْتَغْفِرْ لهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لهم قال النبي عليه السَّلَامُ لَأَزِيدَنَّ على السَّبْعِينَ فَعُلِمَ من الْآيَةِ أَنَّ حُكْمَ ما زَادَ على السَّبْعِينَ بِخِلَافِهِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَعَلَّهُ
- قَالَهُ رَجَاءَ حُصُولِ الْمَغْفِرَةِ بِنَاءً على بَقَاءِ حُكْمِ الْأَصْلِ فإن رَجَاءَهَا كان ثَابِتًا قبل نُزُولِ الْآيَةِ لَا لِأَنَّهُ فَهِمَهُ من التَّقْيِيدِ وَأَجَابَ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وَالْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَمَنْ تَابَعَهُمْ بِالطَّعْنِ في الحديث وَقَالُوا لم يَصِحَّ وَهَذَا غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ فإنه مُخَرَّجٌ في الصَّحِيحَيْنِ لَكِنْ بِلَفْظِ سَأَزِيدُ على السَّبْعِينَ قال أبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ فَأَمَّا ما رَوَاهُ أبو عُبَيْدٍ لَأَزِيدَنَّ على السَّبْعِينَ فَهِيَ رِوَايَةٌ بَاطِلَةٌ لَا تَصِحُّ وَلَا تَجُوزُ عليه فإنه يَمْتَنِعُ غُفْرَانُ ذَنْبِ الْكَافِرِ وَإِنَّمَا الْمَرْوِيُّ لو عَلِمْت أَنْ يُغْفَرَ له إذَا زِدْت على السَّبْعِينَ لَزِدْت قُلْت هَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ في بَابِ الْجَنَائِزِ بِلَفْظِ لو عَلِمْت أَنِّي إنْ زِدْت على السَّبْعِينَ يُغْفَرُ له لَزِدْت عليها وقال ابن فُورَكٍ لَا مَعْنَى لِتَوْهِينِ الحديث لِأَنَّهُ قد صَحَّ وَلَيْسَ بِمُنْكَرٍ اسْتِغْفَارُهُ عليه السَّلَامُ لِأَنَّهَا لَا تَسْتَحِيلُ عَقْلًا وَالْإِجَابَةُ مُمْكِنَةٌ وَلَوْ خُلِّينَا وَظَاهِرَ الْآيَةِ لَكَانَ الزَّائِدُ على السَّبْعِينَ يَقْتَضِي الْغُفْرَانَ لَكِنَّهُ نَزَلَ بَعْدَهُ وَلَا تُصَلِّ على أَحَدٍ منهم مَاتَ أَبَدًا فَدَلَّ ذلك على زَوَالِ حُكْمِ الْمَفْهُومِ فإن صَلَاتَهُ عليه السَّلَامُ تُوجِبُ الْمَغْفِرَةَ وَلِهَذَا امْتَنَعَ من الصَّلَاةِ على الْمَدِينِ وَتَلَطَّفَ الْقَاضِي ابن الْمُنِيرِ فقال لَعَلَّ الْقَصْدَ بِالِاسْتِغْفَارِ التَّخْفِيفُ كما في
- دُعَائِهِ لِأَبِي طَالِبٍ وَقَوْلُهُ لَأَزِيدَنَّ على السَّبْعِينَ أَيْ أَفْعَلُ ذلك لِأُثَابَ على الِاسْتِغْفَارِ فإنه عِبَادَةٌ وَقَوْلُ الْأُصُولِيِّينَ إنَّ أَسْمَاءَ الْعَدَدِ نُصُوصٌ ليس على إطْلَاقِهِ بَلْ هِيَ نُصُوصٌ دَالَّةٌ بِقَرَائِن الْأَحْوَالِ إذَا قَصَدَ الْكَثْرَةَ كَقَوْلِك جِئْت أَلْفَ مَرَّةٍ وَمِنْهُ حَثُّهُ عليه السَّلَامُ على صَوْمِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ وَإِنَّمَا هو تِسْعَةُ أَيَّامٍ خَاصَّةً وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ هذه الْعَشْرِ لم يَكُنْ نَاذِرًا صَوْمَ يَوْمِ الْعِيدِ وَلَا عَاصِيًا بهذا اللَّفْظِ إجْمَاعًا فَدَلَّ على أَنَّ الْعَشَرَةَ قد تُطْلَقُ على التِّسْعَةِ تَقْرِيبًا النَّوْعُ السَّادِسُ مَفْهُومُ الْحَالِ أَيْ تَقْيِيدُ الْخِطَابِ بِالْحَالِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ في الْمَسَاجِدِ وهو كَالصِّفَةِ قَالَهُ ابن السَّمْعَانِيِّ ولم يَذْكُرْهُ الْمُتَأَخِّرُونَ لِرُجُوعِهِ إلَى الصِّفَةِ وقد ذَكَرَهُ سُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ وَإِلْكِيَا وَمَثَّلَاهُ بِالْآيَةِ وَكَذَلِكَ ابن فُورَكٍ في كِتَابِهِ وقال هذه الْوَاوُ تُنْبِئُ عن حَالِ من وَقَعَ عليه كما تَقُولُ لَا تَأْكُلْ السَّمَكَ وَتَشْرَبُ اللَّبَنَ بِالرَّفْعِ أَيْ في حَالِ شُرْبِك اللَّبَنَ فَيَكُونُ تَخْصِيصًا لِلْحَالِ فَيَدُلُّ على أَنَّ ما لَا حَالَ فيه حُكْمُهُ بِخِلَافِهِ النَّوْعُ السَّابِعُ مَفْهُومُ الزَّمَانِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ من يَوْمِ الْجُمُعَةِ وهو حُجَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ كما نَقَلَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ وَلَوْ قال لِوَكِيلِهِ بِعْ يوم الْخَمِيسِ تَعَيَّنَ عليه لِأَنَّهُ قد يَحْتَاجُ إلَى بَيْعِهِ في ذلك الْوَقْتِ لِكَثْرَةِ الرَّاغِبِينَ إذْ ذَاكَ كما إذَا أَمَرَهُ بِبَيْعِ الْفِرَاءِ في الشِّتَاءِ وَلَوْ وَكَّلَهُ بِالْعِتْقِ يوم الْجُمُعَةِ تَعَيَّنَ وَلَيْسَ له عِتْقُهُ في غَيْرِهِ وَلَوْ قال طَلِّقْ زَوْجَتِي يوم الْخَمِيسِ فَالْمَنْقُولُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ قبل ذلك الْوَقْتِ وَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَهُ وَقَعَ وَاسْتَشْكَلَهُ النَّوَوِيُّ نعم لو ادَّعَى عليه بِعَشَرَةٍ فقال لَا يَلْزَمُنِي تَسْلِيمُ هذا الْمَالِ الْيَوْمَ لَا يُجْعَلُ مُقِرًّا بِهِ لِأَنَّ الْأَقَارِيرَ لَا تَثْبُتُ بِالْمَفْهُومِ نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عن الْقَاضِي الْحُسَيْنِ
- النَّوْعُ الثَّامِنُ مَفْهُومُ الْمَكَانِ نَحْوُ جَلَسْت أَمَامَ زَيْدٍ مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لم يَجْلِسْ عن شِمَالِهِ وَنَحْوُ اضْرِبْ زَيْدًا في الدَّارِ قال تَعَالَى فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وهو حُجَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا كما نَقَلَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ وَلَوْ قال بِعْ في مَكَانِ كَذَا تَعَيَّنَ على الْأَصَحِّ وَهُنَا بَحْثٌ نَفِيسٌ وهو أَنَّهُ هل يُشْتَرَطُ في الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ أَنْ يَكُونَا في الظَّرْفِ أَمْ لَا مُقْتَضَى كَلَامِ النُّحَاةِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وقد فَرَّقَ أَصْحَابُنَا بين ما لو قال إنْ قَذَفْت زَيْدًا في الْمَسْجِدِ فَأَنْتِ طَالِقٌ أَنَّهُ لَا بُدَّ من وُجُودِ الْقَاذِفِ وَالْمَقْذُوفِ في الْمَسْجِدِ وَلَوْ قال إنْ قَذَفْت زَيْدًا في الْمَسْجِدِ فَأَنْتِ طَالِقٌ يُشْتَرَطُ وُجُودُ الْقَاذِفِ في الْمَسْجِدِ وَالتَّحْقِيقُ في هذه الْقَاعِدَةِ التَّفْصِيلُ بين الْمُشَخِّصَاتِ الْحِسِّيَّةِ فَيُشْتَرَطُ وُجُودُهَا كَالْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَإِلَّا فَيُشْتَرَطُ وُجُودُ الْفَاعِلِ في الظَّرْفِ كَالثَّانِيَةِ وَيَنْشَأُ عن هذا الْخِلَافِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ في حديث صلى على سُهَيْلِ بن بَيْضَاءَ في الْمَسْجِدِ فَهُمْ يَقُولُونَ كان النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم في الْمَسْجِدِ وَسُهَيْلٌ خَارِجَهُ قُلْنَا هذا ضَعِيفٌ لِأَنَّ الصَّلَاةَ من الْحِسِّيَّاتِ فَلَا بُدَّ من وُجُودِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ وَأَمَّا من جِهَةِ الْوَاقِعِ فَلَيْسَ في حَائِطِ الْمَسْجِدِ فُرْجَةٌ حتى يَرَاهُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَمِثْلُهُ الْبُصَاقُ في الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ هل يَمْتَنِعُ على من بِالْمَسْجِدِ أَنْ يَبْصُقَ إلَى خَارِجِ الْمَسْجِدِ فيه هذا الْعَمَلُ
- تَنْبِيهٌ مَفْهُومُ ظَرْفَيْ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ رَاجِعٌ إلَى الصِّفَةِ عِنْدَ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَشَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إلَى رُجُوعِ هذا وما قَبْلَهُ إلَى الصِّفَةِ لِأَنَّ الظَّرْفَيْنِ يُقَدَّرُ فِيهِمَا الصِّفَةُ فإذا قُلْت زَيْدٌ في الدَّارِ فَالْمُرَادُ كَائِنٌ فيها وإذا قُلْت الْقِيَامُ يوم الْجُمُعَةِ فَالْمُرَادُ وَاقِعٌ يوم الْجُمُعَةِ وَالْكَوْنُ وَالْوُقُوعُ صِفَتَانِ النَّوْعُ التَّاسِعُ مَفْهُومُ الْغَايَةِ وَمَدُّ الْحُكْمِ بِإِلَى وَحَتَّى كَقَوْلِهِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ وَقَوْلِهِ لَا زَكَاةَ في مَالٍ حتى يَحُولَ عليه الْحَوْلُ يَدُلُّ على الْوُجُوبِ عِنْدَ الْحَوْلِ لِأَنَّ الْحَوْلَ جُعِلَ غَايَةً لِلشَّيْءِ وَغَايَةُ الشَّيْءِ آخِرُهُ وقد نَصَّ الشَّافِعِيُّ على الْقَوْلِ بِهِ فقال في الْأُمِّ وما جَعَلَ اللَّهُ له غَايَةً فَالْحُكْمُ بَعْدَ مُضِيِّ الْغَايَةِ فيه غَيْرُهُ قبل مُضِيِّهَا ثُمَّ مَثَّلَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وإذا ضَرَبْتُمْ في الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ الْآيَةَ وكان في شَرْطِ الْقَصْرِ لهم بِحَالَةٍ مَوْصُوفَةٍ دَلِيلٌ على أَنَّ حُكْمَهُمْ في غَيْرِ تِلْكَ الصِّفَةِ غَيْرُ الْقَصْرِ ا هـ وقد اعْتَرَفَ بِهِ جَمْعٌ من مُنْكِرِي الْمَفْهُومِ الشَّرْطِيِّ كَالْقَاضِي أبي بَكْرٍ وَالْغَزَالِيِّ وَالْقَاضِي عبد الْجَبَّارِ وَأَبِي الْحُسَيْنِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مُعْظَمُ نُفَاةِ الْمَفْهُومِ كما قَالَهُ الْقَاضِي وابن الْقُشَيْرِيّ وَحَكَى ابن بَرْهَانٍ وَصَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ الِاتِّفَاقَ عليه وقال سُلَيْمٌ لم يَخْتَلِفْ أَهْلُ الْعِرَاقِ في ذلك وَخَالَفَ الْأَشْعَرِيَّةُ في ذلك وقال الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ صَارَ مُعْظَمُ نُفَاةِ دَلِيلِ الْخِطَابِ إلَى أَنَّ التَّقْيِيدَ بِحُرُوفِ الْغَايَةِ يَدُلُّ على انْتِفَاءِ الْحُكْمِ وَرَاءَ الْغَايَةِ ثُمَّ قال وَكُنَّا قد نَصَرْنَا إبْطَالَ حُكْمِ الْغَايَةِ في كُتُبٍ وَالْأَوْضَحُ عِنْدَنَا الْآنَ الْقَوْلُ بها فإذا قال اضْرِبْ عَبْدِي حتى يَتُوبَ اقْتَضَى ذلك بِالْوَضْعِ الْكَفَّ عن ضَرْبِهِ إذَا تَابَ وَلِهَذَا أَجْمَعُوا على تَسْمِيَتِهَا حُرُوفَ الْغَايَةِ وَغَايَةُ الشَّيْءِ نِهَايَتُهُ فَلَوْ ثَبَتَ الْحُكْمُ بَعْدَهَا لم تَفْدِ تَسْمِيَتُهَا غَايَةً قال وَهَذَا من تَوْقِيفِ اللُّغَةِ مَعْلُومٌ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِمْ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالْغَايَةِ
- مَوْضُوعٌ لِلدَّلَالَةِ على أَنَّ ما بَعْدَهَا بِخِلَافِ ما قَبْلَهَا وَاحْتَجَّ الْقَاضِي أَيْضًا بِالِاتِّفَاقِ على أَنَّك تَقْدِرُ في غَايَةِ الطُّهْرِ فَتَقُولُ في وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ تَقْدِيرُهُ فَاقْرُبُوهُنَّ وفي حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَتَحِلُّ وَنَحْوُ ذلك وَهَذَا الْكَلَامُ من الْقَاضِي يَقْتَضِي أَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِيمَا بَعْدَ الْغَايَةِ من جِهَةِ الْمَنْطُوقِ لَا الْمَفْهُومِ فَتَنَبَّهْ لِذَلِكَ وَكَذَا قال الْعَبْدَرِيُّ في الْمُسْتَوْفَى وابن الْحَاجِّ في تَعْلِيقِهِ على الْمُسْتَصْفَى عَدُّ الْأُصُولِيِّينَ الْمُغَيَّا بِإِلَى وَحَتَّى في الْمَفْهُومِ جَهْلٌ بِكَلَامِ الْعَرَبِ فإن الْمُخَالِفَ بِمَا يَقْتَضِيهِ حتى وَإِلَى لَا من جِهَةِ الْمَفْهُومِ قُلْت وَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يَقُولُوا بِذَلِكَ في الشَّرْطِ فإن الْجَزَاءَ مُرْتَبِطٌ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ اللِّسَانِ وهو غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ كَالْغَايَةِ وَذَهَبَ الْآمِدِيُّ وَطَائِفَةٌ من الْحَنَفِيَّةِ إلَى الْمَنْعِ تَصْمِيمًا على إنْكَارِ الْمَفْهُومِ وَنَقَلَهُ الْمَازِرِيُّ عن الْأَزْدِيِّ تِلْمِيذِ الْقَاضِي أبي بَكْرٍ وقد سَبَقَ في التَّخْصِيصِ بِالْغَايَةِ ما يَسْتَدْعِي تَجْدِيدَ الْعَهْدِ بِهِ هَاهُنَا وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْخِلَافَ هُنَا كَخِلَافِ مَفْهُومِ الْحَصْرِ قِيلَ لَا يُفِيدُ وَقِيلَ مَنْطُوقٌ وَقِيلَ مَفْهُومٌ تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ فَسَّرُوا الْغَايَةَ بِمَدِّ الْحُكْمِ بِإِلَى وَحَتَّى وَأَلْحَقَ بِهِ بَعْضُهُمْ مَدَّهَا بِصَرِيحِ الْكَلَامِ نَحْوُ صُومُوا صَوْمًا آخِرُهُ اللَّيْلُ قال الْهِنْدِيُّ وَفِيهِ نَظَرٌ الثَّانِي ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ هذا الْخِلَافَ السَّابِقَ هل يَدْخُلُ في الْمُغَيَّا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ ذلك كَلَامٌ في الْغَايَةِ نَفْسِهَا وَالْكَلَامُ هُنَا فِيمَا بَعْدَ الْغَايَةِ فَلَنَا في نَحْوِ قَوْله تَعَالَى إلَى الْمَرَافِقِ ثَلَاثُ قَضَايَا غَسْلُ ما دُونَ الْمِرْفَقِ وهو بِالْمَنْطُوقِ وَغَسْلُ الْمِرْفَقِ وهو الْخِلَافُ في أَنَّ الْغَايَةَ هل تَدْخُلُ وَعَدَمُ غَسْلِ ما بَعْدَ الْمِرْفَقِ وهو خِلَافُ الْمَفْهُومِ الثَّالِثُ إذَا تُصُوِّرَ في الْغَايَةِ تَطَاوُلٌ فَهَلْ يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِأَوَّلِهَا أَمْ يَتَوَقَّفُ على تَمَامِهَا هذا الْأَصْلُ وَلَّدْته من الْخِلَافِ في أَنَّ دَمَ التَّمَتُّعِ يَجِبُ عِنْدَنَا إذَا فَرَغَ من الْعُمْرَةِ أو أَحْرَمَ بِالْحَجِّ لِأَنَّهُ بِهِ يُسَمَّى مُتَمَتِّعًا وقال مَالِكٌ ما لم يَقِفْ بِعَرَفَةَ لَا يَجِبُ دَمُ التَّمَتُّعِ بِهِ وقال عَطَاءٌ ما لم يَرْمِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَالدَّلِيلُ في الْمَسْأَلَةِ قَوْله تَعَالَى فَمَنْ
- تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَنَحْنُ نَقُولُ كَلِمَةُ إلَى لِلْغَايَةِ فَيُكْتَفَى بِأَوَّلِهَا وَلَا يُشْتَرَطُ الِاسْتِيعَابُ وَالْخَصْمُ يَشْرِطُهُ وَمَبْنَى حَمْلِنَا قَوْله تَعَالَى ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ فإن اسْتِيعَابَ جَمِيعِ اللَّيْلِ لَا يَكُونُ شَرْطًا فَكَذَا هُنَا النَّوْعُ الْعَاشِرُ مَفْهُومُ الِاسْتِثْنَاءِ نَحْوُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَلَا عَالِمَ في الْبَلَدِ إلَّا زَيْدٌ وَنَحْوُ ما قام الْقَوْمُ إلَّا زَيْدٌ وهو يَدُلُّ على ثُبُوتِ ضِدِّ الْحُكْمِ السَّابِقِ لِلْمُسْتَثْنَى منه لِلْمُسْتَثْنَى فَإِنْ كانت الْقَضِيَّةُ السَّابِقَةُ نَفْيًا كان الْمُسْتَثْنَى مُثْبَتًا أو إثْبَاتًا كان مَنْفِيًّا وقد اعْتَرَفَ بِهِ أَكْثَرُ مُنْكِرِي الْمَفْهُومِ كَالْقَاضِي وَالْغَزَالِيِّ وَأَصَرَّتْ الْحَنَفِيَّةُ على الْإِنْكَارِ بِنَاءً على أَنَّهُ لَا عَمَلَ لِلِاسْتِثْنَاءِ في الْمَنْفِيِّ عن غَيْرِهِ وَإِنَّمَا مُقْتَضَاهُ الثُّبُوتُ فَقَطْ وقد سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ في بَابِ التَّخْصِيصِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا في دَلَالَةِ النَّفْيِ وَالِاسْتِثْنَاءِ على الثُّبُوتِ قِيلَ بِالْمَفْهُومِ وَالصَّحِيحُ أنها بِالْمَنْطُوقِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لو قال ما له عَلَيَّ إلَّا دِينَارٌ كان ذلك إقْرَارًا بِالدِّينَارِ حتى يُؤَاخَذَ بِهِ وَلَوْلَا أَنَّهُ مَنْطُوقٌ لَمَا ثَبَتَتْ الْمُؤَاخَذَةُ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْمَفْهُومِ لَا تُعْتَبَرُ في الْإِقْرَارِ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ فقال نَحْوُ قَوْلِهِ لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ ولا صِيَامَ لِمَنْ لم يُبَيِّتْ الصِّيَامَ من اللَّيْلِ هِيَ النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ مَعًا بِالْمَنْطُوقِ وَالْآخَرُ بِالْمَفْهُومِ قال أبو الْحُسَيْنِ هُمَا جميعا بِالْمَنْطُوقِ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِالْمَفْهُومِ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا صِيَامَ نَفْيٌ لِلصِّيَامِ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ وَإِثْبَاتٌ له عِنْدَ وُجُودِهَا كَقَوْلِك لَا تُعْطِ زَيْدًا شيئا إلَّا أَنْ يَدْخُلَ الدَّارَ فَكَانَ الْعَطَاءُ وَالْمَنْعُ مَنْصُوصًا عَلَيْهِمَا فَكَذَلِكَ هُنَا ا هـ النَّوْعُ الْحَادِيَ عَشَرَ مَفْهُومُ الْحَصْرِ وَلَهُ صِيَغٌ الْأُولَى وَهِيَ أَقْوَاهَا تَقْدِيمُ النَّفْيِ على إلَّا نَحْوُ ما قام إلَّا زَيْدٌ يَدُلُّ على نَفْيِ
- الْقِيَامِ عن غَيْرِهِ وَإِثْبَاتِهِ له وَنَحْوُ لَا صَلَاةَ إلَّا بِطَهُورٍ وهو أَحَدُ نَوْعَيْ الِاسْتِثْنَاءِ وقد سَبَقَ بَلْ قال جَمَاعَةٌ إنَّ ذلك مَنْطُوقٌ لَا مَفْهُومٌ وَبِهِ جَزَمَ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في الْمُلَخَّصِ وَرَجَّحَهُ الْقَرَافِيُّ في الْقَوَاعِدِ وقال الْمَاوَرْدِيُّ النَّفْيُ إذَا تَجَرَّدَ عن الْإِثْبَاتِ فَإِنْ كان جَوَابًا لِسُؤَالِ سَائِلٍ لَا يَكُونُ مُوجِبًا لِإِثْبَاتِ ما عَدَاهُ كَقَوْلِهِ لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَلَا الرَّضْعَتَانِ فَلَا يَدُلُّ على التَّحْرِيمِ بِالثَّالِثَةِ وَإِنْ كان ابْتِدَاءً كَقَوْلِهِ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ فَيَدُلُّ على ثُبُوتِهَا بِالطُّهُورِ وَيَكُونُ نَفْيُ الْحُكْمِ عن تِلْكَ الصِّفَةِ مُوجِبًا لِإِثْبَاتِهِ عِنْدَ عَدَمِهَا وهو الظَّاهِرُ من مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ قال وَيَحْتَمِلُ قَوْلُ من جَعَلَ ما عَدَا الْإِثْبَاتَ في إنَّمَا مَوْقُوفًا أَنْ يَجْعَلَ ما عَدَا النَّفْيَ مَوْقُوفًا وقال سُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ لَا صَلَاةَ إلَّا بِطُهُورٍ يُفِيدُ إجْزَاءَ الصَّلَاةِ بِالطُّهُورِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا من قال يُفِيدُ أَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ في الصَّلَاةِ وَلَا يُفِيدُ إجْزَاءَهَا وَهَذَا غَلَطٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ إلَّا بِطُهُورٍ يَقْتَضِي رَدَّ جَمِيعِ ما نَفَاهُ بِقَوْلِهِ لَا صَلَاةَ وَإِثْبَاتُهُ قال وَهَذَا اللَّفْظُ لَا يَدُلُّ على وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالطَّهَارَةِ وَذَهَبَ ابن الدَّقَّاقِ إلَى أَنَّهُ يَدُلُّ على وُجُوبِ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَغَلِطَ في ذلك لِأَنَّهُ يَصِحُّ اسْتِعْمَالُ هذا اللَّفْظِ في النَّوَافِلِ فَيُقَالُ لَا صَلَاةَ نَافِلَةٍ إلَّا بِطَهَارَةٍ وَإِنَّمَا يَدُلُّ على صِحَّتِهَا وَإِجْزَائِهَا بِالطَّهَارَةِ وقال إِلْكِيَا الْمَفْهُومُ يَجْرِي في النَّفْيِ كَالْإِثْبَاتِ وَلَا فَرْقَ بين قَوْلِهِ الْقَطْعُ في رُبْعِ دِينَارٍ وَبَيْنَ قَوْلِهِ لَا قَطْعَ إلَّا في رُبْعِ دِينَارٍ قال وَمِنْ الْعُلَمَاءِ من قال إذَا قال لَا قَطْعَ إلَّا في رُبْعِ دِينَارٍ كان نَصًّا في الْقَطْعِ في الرُّبْعِ مَفْهُومًا في الذي فَوْقَهُ وَدُونَهُ وقال ابن الْحَاجِبِ في أَمَالِيهِ الْإِثْبَاتُ بَعْدَ النَّفْيِ في الِاسْتِثْنَاءِ الْمُفَرَّغِ مُفِيدٌ لِلْحَصْرِ أَيْ يَنْفَرِدُ ما بَعْدَ إلَّا بِذَلِكَ دُونَ الْعَامِّ الْمُقَدَّرِ فإذا قُلْت ما جاء إلَّا زَيْدٌ فَزَيْدٌ مُنْفَرِدٌ بِالْمَجِيءِ دُونَ الْآخَرِينَ الْمُقَدَّرِينَ في ما جاء أَحَدٌ وإذا قُلْت ما زَيْدٌ
- إلَّا بَشَرٌ لَا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ بَشَرًا غَيْرُهُ لِأَنَّك إنَّمَا أَثْبَتَّهَا له دُونَ غَيْرِهَا من الصِّفَاتِ ولم تَتَعَرَّضْ لِنَفْيِهَا عَمَّنْ عَدَاهُ وَهَكَذَا في كل مُسْتَثْنًى هو في الْحَقِيقَةِ كَالصِّفَةِ وَالْحَالِ نَحْوُ ما جاء زَيْدٌ إلَّا رَاكِبًا وما زَيْدٌ إلَّا عَالِمٌ لم تُرِدْ نَفْيَ الرُّكُوبِ وَالْعِلْمِ عَمَّنْ عَدَاهُ وَإِنَّمَا أَرَدْت ثُبُوتَ هذه الصِّفَاتِ له وَذَلِكَ ثَابِتٌ فَإِنْ قُلْت فَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ ثَمَّ مَنْفِيٌّ عَامٌّ وَهَذَا مُثْبَتٌ منه دُونَهُ فَيَكُونَ الْمَعْنَى إثْبَاتَ هذه الصِّفَةِ له دُونَ غَيْرِهَا من الصِّفَاتِ وهو غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ فَإِنَّك إذَا قُلْت ما زَيْدٌ إلَّا قَائِمٌ لم يَسْتَقِمْ نَفْيُ جَمِيعِ الصِّفَاتِ عن زَيْدٍ فَالْجَوَابُ أَنَّ هذا كان الْقِيَاسَ وَلَكِنَّهُ أتى على غَيْرِهِ لِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لو اُعْتُبِرَ ذلك لَامْتَنَعَ اسْتِعْمَالُ هذا الْبَابِ فيه فَيَفُوتُ كُلُّ مَعْنَاهُ منه وَالثَّانِي أَنَّهُمْ قَصَدُوا إثْبَاتَ ذلك وَنَفْيَ ما يَتَوَهَّمُ الْمُتَوَهِّمُ مِمَّا يُضَادُّ ذلك وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ لَا صَلَاةَ إلَّا بِطُهُورٍ فإن الْمَعْنَى إثْبَاتُ الطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ الْمَشْرُوعَةِ لَا إثْبَاتُ الطَّهَارَةِ لها خَاصَّةً يَلْزَمُ أنها إذَا وُجِدَتْ وُجِدَتْ إذْ قد تُوجَدُ الطَّهَارَةُ وَلَا تُشْرَعُ الصَّلَاةُ لِفَوَاتِ شَرْطٍ آخَرَ الثَّانِيَةُ وهو قَرِيبٌ مِمَّا قَبْلَهُ في الْقُوَّةِ الْحَصْرُ بِإِنَّمَا نَحْوُ إنَّمَا زَيْدٌ في الدَّارِ مَفْهُومُهُ أَنَّهُ ليس في غَيْرِهَا قال إِلْكِيَا وهو أَقْوَى من الْغَايَةِ وقد نَصَّ عليه الشَّافِعِيُّ في الْأُمِّ فقال وإذا أَسْلَمَ الرَّجُلُ على يَدِ الرَّجُلِ وَوَالَاهُ ثُمَّ مَاتَ لم يَكُنْ له مِيرَاثُهُ من قَبِيلِ قَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وَهَذَا يَدُلُّ على مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْوَلَاءَ لَا يَكُونُ إلَّا لِمَنْ أَعْتَقَ وَالثَّانِي لَا يَتَحَوَّلُ الْوَلَاءُ عَمَّنْ أَعْتَقَ وَلِهَذَا قال الْمَاوَرْدِيُّ في الْحَاوِي مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِهِ أنها في قُوَّةِ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ وَذَهَبَ ابن سُرَيْجٍ وأبو حَامِدٍ وَالْمَرْوَرُوذِيُّ إلَى أَنَّ حُكْمَ ما عَدَا الْإِثْبَاتَ مَوْقُوفٌ على الدَّلِيلِ لِمَا تَضَمَّنَتْهُ من الِاحْتِمَالِ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ أنها في قُوَّةٍ ما وَإِلَّا لَكِنْ اخْتَلَفُوا في أَنَّ الْمَنْفِيَّ فيها بِالْمَنْطُوقِ أو الْمَفْهُومِ على وَجْهَيْنِ قال وَعَلَى هذا فإذا انْتَفَى حُكْمُ الْإِثْبَاتِ عَمَّا عَدَاهُ فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في مُوجِبِ نَفْيِهِ عنه
- أَحَدُهُمَا أَوْجَبَهُ لِسَانُ الْعَرَبِ لُغَةً وَالثَّانِي أَوْجَبَهُ دَلِيلُ الْخِطَابِ شَرْعًا قال وَلَا فَرْقَ في هذا النَّوْعِ بين أَنْ يَقَعَ جَوَابًا أو ابْتِدَاءً بِخِلَافِ ما سَبَقَ في مَفْهُومِ الصِّفَةِ ا هـ وقد قال بِهِ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَالْإِمَامُ الرَّازِيَّ وقال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ إنَّمَا لِتَحْقِيقِ الْمُتَّصِلِ وَتَمْحِيقِ الْمُنْفَصِلِ وَنَقَلَ ابن الْقُشَيْرِيّ عن الْقَاضِي الْقَوْلَ بِهِ بَعْدَ تَرَدُّدِهِ لِأَنَّ الْعَرَبَ لَا تَفْصِلُ بين قَوْلِك إنَّمَا الرِّبَا في النَّسِيئَةِ وَلَا رِبَا إلَّا في النَّسِيئَةِ وقد سَمَّى أَهْلُ اللُّغَةِ ذلك تَمْحِيقًا وَتَحْقِيقًا وَنَفْيًا وَإِثْبَاتًا قال ابن الْقُشَيْرِيّ وَلَعَلَّ الْأَصَحَّ أَنَّ الظَّاهِرَ من هذا اللَّفْظِ اقْتِضَاءُ النَّفْيِ ثُمَّ يَجُوزُ تَرْكُهُ بِدَلِيلٍ فَمَنْ قال بِالْمَفْهُومِ قال هذا نَقِيضُ النَّفْيِ وَمَنْ لم يَقُلْ بِهِ تَرَدَّدَ وَحَكَى الْغَزَالِيُّ عن الْقَاضِي أَنَّهُ ظَاهِرٌ في الْحَصْرِ مُحْتَمَلٌ في التَّأْكِيدِ وَاخْتَارَهُ وقد سَبَقَ في فَصْلِ الْحُرُوفِ في الْكَلَامِ على إنَّمَا بَقِيَّةُ الْمَذَاهِبِ وَفِيهِ ما يَتَعَيَّنُ اسْتِحْضَارُهُ هُنَا الثَّالِثَةُ حَصْرُ الْمُبْتَدَأِ في الْخَبَرِ سَوَاءٌ كان الْخَبَرُ مَقْرُونًا بِاللَّامِ نحو الْعَالِمُ زَيْدٌ أو مُضَافًا نحو صَدِيقِي زَيْدٌ يُفِيدُ حَصْرَ الْمُبْتَدَأِ في الْخَبَرِ عِنْدَ عَدَمِ قَرِينَةِ عَهْدٍ وَمِمَّنْ قال بِإِفَادَتِهِ الْحَصْرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالْهَرَّاشِيُّ وَغَيْرُهُمْ من الْفُقَهَاءِ وَأَنْكَرَهَا الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وَجَمَاعَةٌ من الْمُتَكَلِّمِينَ وَتَبِعَهُمْ الْآمِدِيُّ وَاخْتَلَفَ الْأَوَّلُونَ في أَنَّهُ هل يُفِيدُ الْحَصْرَ بِالْمَنْطُوقِ أو الْمَفْهُومِ فَذَهَبَ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ وَمَنْ تَبِعَهُ إلَى الْأَوَّلِ وَاسْتَدَلَّ في الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ على أَنَّ اللَّهَ خَالِقٌ لِأَفْعَالِ الْعِبَادِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى هو اللَّهُ الْخَالِقُ قال وَهَذَا التَّرْكِيبُ يُفِيدُ الْحَصْرَ وَذَهَبَ الْغَزَالِيُّ وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ إلَى الثَّانِي قال الْغَزَالِيُّ وَإِنَّمَا أَفَادَ الْحَصْرَ لِأَنَّ الْمُبْتَدَأَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَخَصَّ من الْخَبَر أو مُسَاوِيًا وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ أَعَمَّ لُغَةً وَعَقْلًا فَلَا يَجُوزُ الْحَيَوَانُ إنْسَانٌ وَلَا الزَّوْجُ عَشَرَةٌ بَلْ الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ وَالْعَشَرَةُ زَوْجٌ وَالْعَرَبُ لم تَتَّبِعْ إلَّا الصِّدْقَ وَالْمُسَاوِي يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَحْصُورًا في مُسَاوِيهِ وَالْأَخَصُّ مَحْصُورًا في أَعَمِّهِ وَإِلَّا لم يَكُنْ أَخَصَّ وَلَا مُسَاوِيًا قالوا فَلَوْ لم تَقْتَضِ الْحَصْرَ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْمُبْتَدَأُ أَعَمَّ من الْخَبَرِ وهو غَيْرُ جَائِزٍ بَيَانُهُ أَنَّا إذَا قُلْنَا الْعَالِمُ زَيْدٌ فَالْأَلِفُ وَاللَّامُ لَيْسَتْ لِلْجِنْسِ قَطْعًا وَلَا لِلْعَهْدِ فَتَعَيَّنَ أَنْ تَكُونَ لِمَاهِيَّةِ الْعَالِمِ وَتِلْكَ الْمَاهِيَّةُ إمَّا أَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً في غَيْرِ زَيْدٍ أو لَا فَإِنْ لم تَكُنْ انْحَصَرَتْ الْعَالِمِيَّةُ في زَيْدٍ وهو الْمَطْلُوبُ وَإِنْ كانت مَوْجُودَةً في غَيْرِهِ فَتَكُونُ أَعَمَّ من زَيْدٍ وَزَيْدٌ أَخَصُّ منها
- وقد أَخْبَرْتُمْ عنها فَلَزِمَ الْإِخْبَارُ بِالْأَعَمِّ عن الْأَخَصِّ كما ادَّعَيْنَا قِيلَ وَهَذَا الدَّلِيلُ إنَّمَا يَتِمُّ بِجَعْلِ الْعَالِمِ مُخْبِرًا عنه وَزَيْدٌ مُخْبِرًا بِهِ أَمَّا لو جَعَلَ الْعَالِمَ خَبَرًا مُقَدَّمًا على الْمُخْبَرِ عنه فَحِينَئِذٍ لَا فَرْقَ بين الْعَالِمُ زَيْدٌ وَزَيْدٌ الْعَالِمُ ثُمَّ نَقُولُ الْعَالِمُ زَيْدٌ يُفِيدُ الْحَصْرَ وَأَيْضًا لو جَعَلَ الْأَلِفَ وَاللَّامَ في الْعَالِمِ لِلْمَعْهُودِ وَهِيَ مَعْنَى الْكَامِلِ وَالْمُشْتَهِرِ في الْعَالِمِيَّةِ فَحِينَئِذٍ يُفِيدُ الْمُبَالَغَةَ وَلَا يُفِيدُ الْحَصْرَ هذا إذَا كان الْمُبْتَدَأُ وَالْخَبَرُ مَعْرِفَتَيْنِ وقد خُيِّرْنَا فِيهِمَا أَمَّا إذَا كان الْمُبْتَدَأُ مَعْرِفَةً وَالْخَبَرُ نَكِرَةً نَحْوُ زَيْدٌ قَائِمٌ فَلَا حَصْرَ فيها قَطْعًا فإنه لَا يَنْحَصِرُ زَيْدٌ في الْقِيَامِ قَطْعًا وقال الْعَبْدَرِيُّ ما ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ من أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَدِيقِي زَيْدٌ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ هو جَائِزٌ وَيَكُونُ الْمُبْتَدَأُ لَفْظًا خَاصًّا لَا عَامًّا وَإِنَّمَا أَوْقَعَهُ في هذا الْغَلَطِ كَوْنُ الصَّدَاقَةِ لَفْظًا عَامًّا نعم هو عَامٌّ إذَا انْفَرَدَ فلم يَقَعْ خَبَرًا وَلَا مُبْتَدَأً وَلَا صِفَةً فَيُقَالُ صَدِيقِي يَصْلُحُ لِلْخَبَرِيَّةِ عن وَاحِدٍ وَعَنْ أَكْثَرَ فإذا وُصِفَ بِهِ مَوْصُوفٌ أو أُخْبِرَ بِهِ عن مُبْتَدَأٍ كان مُفْرَدًا إذَا كان الْمُبْتَدَأُ أو الْمَوْصُوفُ مُفْرَدًا فَإِنْ كان الْمُبْتَدَأُ أو الْمَوْصُوفُ مُثَنًّى أو جَمْعًا كان هو كَذَلِكَ وَيَدُلُّ عليه الضَّمَائِرُ الْمُقَدَّرَةُ فيه فَإِنَّمَا تُقَدَّرُ على وَفْقِ من تَعُودُ عليه مِثَالُهُ زَيْدٌ صَدِيقِي هو وَالزَّيْدَانِ صَدِيقِي هُمَا وَالزَّيْدُونَ صَدِيقِي هُمْ وقال ابن الْحَاجِبِ في أَمَالِيهِ زَعَمَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّك إنْ أَخَّرْت صَدِيقِي كانت الصَّدَاقَةُ غير مَحْصُورَةٍ في زَيْدٍ وَإِنْ قَدَّمْته كانت مَحْصُورَةً فيه وَكَلَامُهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ خَبَرٌ في الْجُمْلَتَيْنِ جميعا وقال غَيْرُهُ هذا الْقَوْلَ وَزَعَمَ أَيَّهُمَا قُدِّمَ فَهُوَ الْمُبْتَدَأُ وقال قَوْمٌ بِاسْتِوَاءِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وَوَجَّهَ قَوْمٌ قَوْلَ الْإِمَامِ إنَّ صَدِيقِي مُقْتَضٍ لِلْخَبَرِيَّةِ لِإِفَادَتِهِ النِّسْبَةَ إلَى زَيْدٍ فإذا كان خَبَرًا وَأَخَّرْته لم يَلْزَمْ الْحَصْرُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ أَعَمَّ كَقَوْلِك زَيْدٌ عَالِمٌ فإذا قَدَّمْته مع كَوْنِهِ خَبَرًا فلم تُقَدِّمْهُ إلَّا لِغَرَضٍ وَلَا غَرَضَ إلَّا قَصْدُ الْحَصْرِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْمَعْرِفَتَيْنِ إذَا اجْتَمَعَا كان أَسْبَقُهُمَا الْمُبْتَدَأَ فإذا قُلْت زَيْدٌ صَدِيقِي فَلَا حَصْرَ لِجَوَازِ عُمُومِ الْخَبَرِ وإذا قُلْت صَدِيقِي زَيْدٌ أَفَادَ الْحَصْرَ لِأَنَّ الْمُبْتَدَأَ صَدِيقِي فَلَوْ قَدَّرْت الْخَبَرَ عَامًّا لم يَسْتَقِمْ فَلَا بُدَّ من مُطَابَقَتِهِ وَأَنْ لَا صَدِيقَ سِوَاهُ قال ابن الْحَاجِبِ وَلَيْسَ الْقَوْلَانِ بِقَوِيَّيْنِ وَالدَّلِيلُ على الْقَوْلِ الثَّالِثِ أَنَّ الْمَعْرِفَتَيْنِ إذَا اجْتَمَعَا فَالْمُقَدَّمُ هو الْمُبْتَدَأُ
- مَذْكُورٌ في مَوْضِعِهِ وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُك صَدِيقِي زَيْدٌ أو زَيْدٌ صَدِيقِي إمَّا أَنْ تُرِيدَ بِالصَّدِيقِ مَعْهُودًا أو عُمُومَ الْأَصْدِقَاءِ فَإِنْ قَصَدَ وَاحِدًا وَقَدَّمَ زَيْدًا أو أَخَّرَهُ فَالْمَعْنَى وَاحِدٌ وَإِنْ قَصَدَ عُمُومَ الْأَصْدِقَاءِ وَقَدَّمَ زَيْدًا أو أَخَّرَهُ وَجَبَ الْعُمُومُ فإذا قُلْت صَدِيقِي زَيْدٌ أَيْ إنَّ كُلَّ صَدَاقَةٍ لي مَحْصُورَةٌ في زَيْدٍ أو زَيْدٌ صَدِيقِي فَزَيْدٌ هو الْمُخْبَرُ عنه لَا صَدِيقَ سِوَاهُ وَجَبَ الْحَصْرُ فِيهِمَا جميعا وَلَوْ سَلَّمَ تَعْيِينَ صَدِيقِي لِلْخَبَرِيَّةِ كما قَالَهُ الْإِمَامُ فَالْمَعْنَى فِيهِمَا وَاحِدٌ فإنه إنْ أُرِيدَ الْخَاصُّ فَلَا عُمُومَ في التَّقْدِيمِ أو التَّأْخِيرِ أو أُرِيدَ الْمَعْنَى فَالْمَعْنَى وَاحِدٌ قَدَّمَ أو أَخَّرَ وَإِنَّمَا فُهِمَ التَّغَايُرُ لِتَنْزِيلِهِ مَنْزِلَةَ الْعَالِمُ زَيْدٌ وَلَيْسَ هو نَظِيرَهُ وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا في الْمُبْتَدَأِ إذَا كان مَعْرِفَةً وَالْخَبَرُ نَكِرَةً هل يُفِيدُ الْحَصْرَ فَقِيلَ لَا يُفِيدُ أَصْلًا وَاحْتَجَّ له بِقَوْلِهِ الصِّيَامُ جُنَّةٌ فإنه لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ كَذَلِكَ وقد ثَبَتَ قَوْلُهُ فَلْيَتَّقِ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ وَقِيلَ يُفِيدُهُ ثُمَّ اخْتَلَفُوا هل يُفِيدُهُ من جِهَةِ الْمَنْطُوقِ أو الْمَفْهُومِ على قَوْلَيْنِ فَقِيلَ إنَّهُ بِالْمَفْهُومِ وَنَقَلَهُ ابن الْقُشَيْرِيّ عن الْحَنَفِيَّةِ قال وَلِهَذَا لم يَقْبَلُوهُ قال وَعِنْدَنَا أَنَّهُ ليس من قَبِيلِ الْمَفْهُومِ الْمُتَلَقَّى من تَخْصِيصِ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ وَمَنْ قال زَيْدٌ صَدِيقِي لم يَتَضَمَّنْ نَفْيَ الصَّدَاقَةِ عن غَيْرِهِ فَلَوْ قال صَدِيقِي زَيْدٌ اقْتَضَاهُ قال وَلَا يَبْعُدُ ادِّعَاءُ إجْمَاعِ أَهْلِ اللِّسَانِ عليه لِأَنَّهُ غَيَّرَ نَظْمَ الْكَلَامِ فَدَلَّ على قَصْدِ الِاهْتِمَامِ وَحَصْرِ الصَّدَاقَةِ فيه وهو تَابِعٌ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَكَذَلِكَ اخْتَارَ الْغَزَالِيُّ أَنَّهُ مَنْطُوقٌ وَجَعَلَهُ دُونَ إنَّمَا في الْقُوَّةِ وَكَذَلِكَ إِلْكِيَا وقال إنَّ تَلَقِّي الْحَصْرِ فيه مَأْخُوذٌ من حَيْثُ اللَّفْظُ فَجَعَلَ جِنْسَ التَّحْرِيمِ مَحْصُورًا في الْمُسْكِرِ وَالصَّدَاقَةُ مُبْتَدَأً وَالْمُبْتَدَأُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا لِلْمُخَاطَبِ وَضْعًا وَالصَّدَاقَةُ لَا تُعْرَفُ إلَّا بِصَرْفِهَا إلَى الْجِنْسِ فَكَأَنَّهُ قال جِنْسُ الصَّدَاقَةِ مَحْصُورٌ في زَيْدٍ وَلَوْ قال زَيْدٌ صَدِيقِي لَا يُفْهَمُ منه أَنَّهُ لَا صَدِيقَ سِوَاهُ لِأَنَّهُ جَعَلَ الصَّدَاقَةَ خَبَرًا ولم يَجْعَلْهَا مُبْتَدَأً فلم يَعْرِفْهُ الْمُخَاطَبُ قال وَيُتَلَقَّى الْحَصْرُ من فَحَوَى اللَّفْظِ وَنَظْمِ الْكَلَامِ قال وَلِهَذَا قال إنَّ تَلَقِّي الْمَفْهُومِ من الْفَحْوَى لَا يَسْقُطُ
- لِظُهُورِ فَائِدَةِ التَّخْصِيصِ من جِهَةِ مُوَافَقَةِ الْعَادَةِ أو السُّؤَالِ حتى يَجُوزَ الِاحْتِجَاجُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ في نَفْيِ الْحُكْمِ حَالَةَ الْمُصَافَاةِ قال فَيَرْجِعُ حَاصِلُ نَظَرِ الْإِمَامَ إلَى أَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يَدُلُّ على الْمُخَالَفَةِ في هذه الصُّورَةِ وَغَيْرِهَا وَلَكِنَّ حُكْمَ الْمُخَالَفَةِ يُتَلَقَّى من الْفَحْوَى فَهُوَ يَدُلُّ بِالْمَنْطُوقِ لَا بِالْمَفْهُومِ ا هـ مَسْأَلَةٌ هذه صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ في اللَّامِ الْجِنْسِيَّةِ أَمَّا التي لِلتَّعْرِيفِ أَيْ لِلْعَهْدِ فَلَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ من الْفُقَهَاءِ قال في بَابِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ في الْكَلَامِ على زَوَائِدِ الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي بَعْدَ الْقَبْضِ وَقَبْلَهُ لِقَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ فَالْحَدِيثُ يَقْتَضِي أنها لِلْبَائِعِ فِيمَا قبل الْقَبْضِ لِأَنَّهُ من ضَمَانِ الْبَائِعِ فَأَجَابَ لِلْمَذْهَبِ أَنَّ هذه الْأَلِفَ وَاللَّامَ في الْخَرَاجِ بِالضَّمَانِ لِلتَّعْرِيفِ فَكَأَنَّهُ قال الْخَرَاجُ في مُقَابَلَةِ مِثْلِ هذا بِالضَّمَانِ وَدَلَّ على هذا التَّقْيِيدِ قِيَامُ الدَّلِيلِ من خَارِجِ أَنَّ ضَمَانَ الْغَاصِبِ وَالْمَقْبُوضِ عن فَسْخِ الْبَيْعِ وَالْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ الضَّمَانُ فيها وَلَا خَرَاجَ لِلضَّامِنِ بِالضَّمَانِ وقد كانت قِصَّةُ الحديث في بَيْعٍ وُجِدَ فيه الرَّدُّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْقَبْضِ وَهَذَا لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْخَرَاجِ بِمِلْكٍ أو نَحْوِهِ وَإِنْ لم يَكُنْ ضَمَانًا إذْ لَا حَصْرَ إلَّا في اللَّقَبِ وَاللَّامِ الْجِنْسِيَّةِ هذا كَلَامُهُ مَسْأَلَةٌ إفَادَةُ ضَمِيرِ الْفَصْلِ بين الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ الْحَصْرَ الْإِتْيَانُ بِضَمِيرِ الْفَصْلِ بين الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ نَحْوُ زَيْدٌ هو الْعَالِمُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى فَاَللَّهُ هو الْوَلِيُّ إنَّ شَانِئَكَ هو الْأَبْتَرُ ذَكَرَهُ الْبَيَانِيُّونَ وقال ابن الْحَاجِبِ في أَمَالِيهِ صَارَ إلَيْهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا مِثْلُ قَوْله تَعَالَى وَإِنَّ جُنْدَنَا لهم الْغَالِبُونَ فإنه لم يُسَقْ إلَّا لِلْإِعْلَامِ بِأَنَّهُمْ الْغَالِبُونَ دُونَ غَيْرِهِمْ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ إنَّ اللَّهَ هو الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
- وَالثَّانِي أَنَّهُ لم يُوضَعْ إلَّا لِلْفَائِدَةِ وَلَا فَائِدَةَ في مِثْلِ قَوْلِهِ وَلَكِنْ كَانُوا هُمْ الظَّالِمِينَ سِوَى الْحَصْرِ مَسْأَلَةٌ تَقْدِيمُ الْمَعْمُولَاتِ على عَوَامِلِهَا تَقْدِيمُ الْمَعْمُولَاتِ على عَوَامِلِهَا نَحْوُ إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ وقد صَرَّحَ صَاحِبُ الْمَحْصُولِ وَغَيْرُهُ بِدَلَالَتِهِ على الْحَصْرِ قال بَعْضُهُمْ وَلَا خِلَافَ في إفَادَةِ هذا الْحَصْرِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ من جِهَةِ الْمَفْهُومِ لَا الْمَنْطُوقِ وَذَكَرَهُ الْبَيَانِيُّونَ أَيْضًا وَرَدَّهُ ابن الْحَاجِبِ في شَرْحِ الْمُفَصَّلِ وَالشَّيْخُ أبو حَيَّانَ وقال الذي نَصَّ عليه أَنَّ التَّقْدِيمَ لِلِاهْتِمَامِ وَالْعِنَايَةِ فقال كَأَنَّهُمْ يُقَدِّمُونَ الذي شَأْنُهُ أَهَمُّ وَهُمْ بِبَيَانِهِ أَعَنَى وَإِنْ كَانَا جميعا مُهْتَمًّا بِهِمَا أو بِعِنَايَتِهِمَا ا هـ وَهَذَا إنَّمَا قَالَهُ سِيبَوَيْهِ في بَابِ الْفَاعِلِ الذي يَتَعَدَّاهُ فِعْلُهُ إلَى مَفْعُولٍ قال وَذَلِكَ قَوْلُك ضَرَبَ زَيْدًا عبد اللَّهِ ثُمَّ قال وَكَأَنَّهُمْ يُقَدِّمُونَ إلَى آخِرِهِ وَلَيْسَ هذا مَحَلُّ النِّزَاعِ لِأَنَّ الْكَلَامَ في تَقْدِيمِ الْمَعْمُولِ على الْعَامِلِ لَا في تَقْدِيمِهِ على الْفَاعِلِ وَذَكَرَهُ في بَابِ ما يَكُونُ فيه الِاسْمُ مَبْنِيًّا على الْفِعْلِ قال وَذَلِكَ قَوْلُك زَيْدًا ضَرَبْت فَالِاهْتِمَامُ وَالْعِنَايَةُ هُنَا في التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ سَوَاءٌ مِثْلُهُ في ضَرَبَ زَيْدٌ عُمْرًا وَضَرَبَ زَيْدًا عَمْرٌو فَهَذَا وَإِنْ كان مَحَلُّ النِّزَاعِ فَلَا حُجَّةَ فيه لِأَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَهُ من الْجِهَةِ التي شَابَهُ بها تَقْدِيمَ الْفَاعِلِ على الْمَفْعُولِ أو الْعَكْسِ في الْمِثَالَيْنِ وَلَيْسَ فيه من هذه الْجِهَةِ إلَّا الِاهْتِمَامُ وَلَا يَبْقَى ذلك الذي اخْتَصَّ بها إذَا تَقَدَّمَ على الْعَامِلِ وَهِيَ الْحَصْرُ وَالْحَقُّ أَنَّ التَّقْدِيمَ يُفِيدُ الِاهْتِمَامَ وقد يُفِيدُ مع ذلك الِاخْتِصَاصَ بِقَرَائِنَ وهو الْغَالِبُ وقد اجْتَمَعَ الِاخْتِصَاصُ وَعَدَمُهُ في آيَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ قَوْله تَعَالَى أَغْيَر اللَّهِ تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إيَّاهُ تَدْعُونَ فإن التَّقْدِيمَ في الْأُولَى قَطْعًا لِلِاخْتِصَاصِ وفي إيَّاهُ قَطْعًا لِلِاخْتِصَاصِ وَاَلَّذِي عليه مُحَقِّقُو الْبَيَانِيِّينَ أَنَّ ذلك غَالِبٌ لَا لَازِمٌ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى كُلًّا هَدْينَا وَنُوحًا هَدَيْنَا من قَبْلُ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ إنْ جَعَلْنَا ما بَعْدَ الظَّرْفِ مُبْتَدَأً
- وقد رَدَّ صَاحِبُ الْفَلَكِ الدَّائِرِ الْقَاعِدَةَ بِالْآيَةِ الْأُولَى قِيلَ وَرَدَّ ابن الْحَاجِبِ في شَرْحِ الْمُفَصَّلِ الْقَاعِدَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ مع قَوْلِهِ فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصًا فَدَلَّ على أَنَّ التَّقْدِيمَ وَالتَّأْخِيرَ سَوَاءٌ وَهَذَا فيه نَظَرٌ بَلْ ذلك يَدُلُّ على عَدَمِ الْمُسَاوَاةِ فإنه حَيْثُ أَخَّرَ الْمَعْمُولَ أتى بِمَا يَنُوبُ عن التَّقْدِيمِ وهو قَوْلُهُ مُخْلِصًا وَلَوْ لم يَذْكُرْهُ مع التَّقْدِيمِ دَلَّ على إفَادَتِهِ الِاخْتِصَاصَ وَالْحَصْرَ وَلَعَلَّ ابْنَ الْحَاجِبِ أَرَادَ الْآيَةَ الْأُخْرَى وَهِيَ قُلْ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا له دِينِي فَقَدْ ذَكَرَ مُخْلِصًا فِيهِمَا مع اخْتِلَافِهِمَا بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وقال ابن أبي الْحَدِيدِ في الْفَلَكِ الدَّائِرِ الْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ على الِاخْتِصَاصِ إلَّا بِالْقَرَائِنِ وَإِلَّا فَقَدْ كَثُرَ في الْقُرْآنِ التَّصْرِيحُ بِهِ مع عَدَمِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَجَعَلْنَا في الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَلَا يَدُلُّ على أَنَّ غير الرَّوَاسِي لم يَجْعَلْهُ في الْأَرْضِ وَقَوْلِهِ إنَّ لك أَلَّا تَجُوعَ فيها وَلَا تَعْرَى ولم يَكُنْ ذلك مُخْتَصًّا بِهِ فَقَدْ كانت حَوَّاءُ كَذَلِكَ وَقَوْلِهِ إذْ نَفَشَتْ فيه غَنَمُ الْقَوْمِ وَلَا يَدُلُّ على أنها ما نَفَشَتْ إلَّا فيه لِأَنَّ النَّفْشَ انْتِشَارُ الْغَنَمِ من غَيْرِ رَاعٍ سَوَاءٌ كان في حَرْثٍ أو غَيْرِهِ وقال تَعَالَى وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فُقِدَ الظَّرْفُ وَلَا يَدُلُّ على أَنَّهُ لم يَشْهَدْ إلَّا حُكْمَهُمْ وقال وَوَهَبْنَا له يحيى وَأَصْلَحْنَا له زَوْجَهُ وَلَا يَدُلُّ على أَنَّهُ لم يُصْلِحْ زَوْجَةَ أَحَدٍ غَيْرِهِ قال وفي الْكِتَابِ أَلْفُ آيَةٍ مِثْلُ هذه تُبْطِلُ الِاخْتِصَاصَ وَالْحَصْرَ قال وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْقَرِينَةَ تَدُلُّ على الِاخْتِصَاصِ لَا بِمُجَرَّدِ الصِّيغَةِ ا هـ وَأَنْتَ إذَا عَرَفْت قَيْدَ الْعِلَّةِ سَهُلَ الْأَمْرُ نعم له شَرْطَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يَكُونَ الْمَعْمُولُ مُقَدَّمًا على الْوَضْعِ فإنه لَا يُسَمَّى مُقَدَّمًا حَقِيقَةً كَأَسْمَاءِ الِاسْتِفْهَامِ وَالْمُبْتَدَأِ عِنْدَ من يَجْعَلُهُ مَعْمُولًا لِخَبَرِهِ وَالثَّانِي أَنْ لَا يَكُونَ التَّقْدِيمُ لِمَصْلَحَةِ التَّرْكِيبِ مِثْلُ وَأَمَّا ثَمُودَ فَهَدَيْنَاهُمْ على قِرَاءَةِ النَّصْبِ وَاعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْبَيَانِيِّينَ أَنَّ الِاخْتِصَاصَ وَالْحَصْرَ وَالْقَصْرَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَلِهَذَا يَجْعَلُونَ من الْحَصْرِ تَقْدِيمَ الْخَبَرِ فَهُوَ عِنْدَهُمْ مُقَيِّدٌ لِلِاخْتِصَاصِ وَالْحَصْرِ وَحَكَى ابن الْحَاجِبِ عن إمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ على أَنَّ مَفْهُومَ الصِّفَةِ حُجَّةٌ بِأَنَّهُ لو لم يُفِدْ الْحَصْرَ لم يُفِدْ الِاخْتِصَاصَ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ بِمَعْنَاهُ
- وَخَالَفَهُمْ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الِاخْتِصَاصَ إعْطَاءُ الْحُكْمِ لِشَيْءٍ وَالْإِعْرَاضُ عَمَّا سِوَاهُ فَهُوَ مَسْكُوتٌ عنه وَالْحَصْرُ إعْطَاءُ الْحُكْمِ له وَالتَّعَرُّضُ لِنَفْيِهِ عَمَّا عَدَاهُ فَفِي الِاخْتِصَاصِ قَضِيَّةٌ وَاحِدَةٌ وفي الْحَصْرِ قَضِيَّتَانِ فإذا قُلْت لَا قَائِمَ إلَّا زَيْدٌ فَفِيهِ إثْبَاتُ الْقِيَامِ لِزَيْدٍ وَنَفْيُهُ عَمَّا عَدَاهُ وَهَلْ ذلك بِطَرِيقِ الْمَنْطُوقِ أو الْمَفْهُومِ خِلَافٌ يَنْبَنِي عليه ما إذَا قُلْت بَعْدَهُ وَعَمْرٌو وَهَلْ هو نَسْخٌ أو تَخْصِيصٌ فَإِنْ قُلْنَا بِالْمَنْطُوقِ فَهُوَ نَسْخٌ وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَفْهُومِ فَتَخْصِيصٌ قال وَيَدُلُّ على أَنَّ الْحَصْرَ غَيْرُ الِاخْتِصَاصِ قَوْله تَعَالَى يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ من يَشَاءُ فإنه لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ يَقْصُرُ رَحْمَتَهُ على من يَشَاءُ لِأَنَّهَا لَا تُقْصَرُ وَلَا تَخْتَصُّ بها لِأَنَّهَا لَا تُخْتَصُّ بَلْ مَدْلُولُ الْآيَةِ أَنَّهُ يَرْحَمُ من يَشَاءُ وَغَيْرُهُمْ يُعْرِضُ عنه تَنْبِيهٌ يَدْخُلُ في هذا الْقِسْمِ تَقْدِيمُ الْخَبَرِ فإن الْخَبَرَ مَعْمُولٌ لِلْمُبْتَدَأِ على الصَّحِيحِ مَسْأَلَةٌ في إفَادَةِ لَامِ التَّعْرِيفِ في الْخَبَرِ الْحَصْرَ لَامُ التَّعْرِيفِ في الْخَبَرِ نَحْوُ زَيْدٌ الْمُنْطَلِقُ ذَكَرَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ في نِهَايَةِ الْإِعْجَازِ وهو مُقْتَضٍ حَصْرَ الْخَبَرِ في الْمُبْتَدَإِ عَكْسَ الْحَصْرِ في الْمُبْتَدَإِ فإن الْأَوَّلَ يَكُونُ مَحْصُورًا في الثَّانِي فإذا قُلْت الصَّدِيقُ هو الْخَلِيفَةُ وَزَيْدٌ هو الْمُحَدِّثُ أَيْ لَا يَتَكَلَّمُ فيها غَيْرُهُ وَاللَّازِمُ ثُبُوتُهُ في هذه الْمَفْهُومَاتِ هو النَّقِيضُ لَا الْحَصْرُ وَلَا الْخِلَافُ وقال أبو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ قد ذَكَرَ شَيْخُنَا أبو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ أَنَّ لِلْحَصْرِ أَرْبَعَةَ أَلْفَاظٍ إنَّمَا وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ نَحْوُ إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلَفْظُ ذلك كَقَوْلِهِ تَعَالَى ذلك لِمَنْ لم يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْإِضَافَةُ كَقَوْلِهِ تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ قال أبو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ
- وَاَلَّذِي يَصِحُّ عِنْدِي من ذلك لَفْظَةُ إنَّمَا قال وقد وَرَدَ لِمَالِكٍ ما يَقْتَضِي أَنَّ لَامَ كَيْ عِنْدَهُ من حُرُوفِ الْحَصْرِ وَذَلِكَ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ على الْمَنْعِ من أَكْلِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ بِقَوْلِهِ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً مَسْأَلَةُ التَّعْلِيلِ بِالْمُنَاسَبَةِ قال الشَّيْخُ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ الْخِلَافِيُّونَ من الْمُتَأَخِّرِينَ يَقُولُونَ التَّعْلِيلُ بِالْمُنَاسَبَةِ يَقْتَضِي الْحَصْرَ لِأَنَّ قَوْلَنَا افْعَلْ كَذَا لِكَذَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَالَ فَلَعَلَّهُ لِكَذَا في الْعُرْفِ وَالِاسْتِعْمَالِ فإذا قال أَعْطَيْت هذا لِفَقْرِهِ لم يَحْسُنْ أَنْ يَقُولَ أَعْطَيْته لِعِلْمِهِ
- كتاب النسخ
- كِتَابُ النَّسْخِ وَالنَّظَرُ فيه بِحَسَبِ اللُّغَةِ وَالِاصْطِلَاحِ أَمَّا في اللُّغَةِ فَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْإِبْطَالَ وَالْإِزَالَةَ وَمِنْهُ نَسَخَتْ الشَّمْسُ الظِّلَّ وَالرِّيحُ آثَارَ الْقَدَمِ وَمِنْهُ تَنَاسُخُ الْقُرُونِ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الْعَسْكَرِيُّ وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ النَّقْلُ وَالتَّحْوِيلُ بَعْدَ الثُّبُوتِ وَمِنْهُ نَسَخْتُ الْكِتَابَ أَيْ نَقَلْته وهو الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى إنَّا كنا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وَمِنْهُ تَنَاسُخُ الْأَرْوَاحِ وَالْمَوَارِيثِ وَسُمِّيَ قَوْمٌ من الْمُبْتَدِعَةِ الْمُتَنَاسِخَةَ لِأَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ الْأَرْوَاحَ تَنْتَقِلُ من هَيْكَلٍ إلَى هَيْكَلٍ وَمِنْ قَالِبٍ إلَى قَالِبٍ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ كما قَالَهُ الْهِنْدِيُّ إلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ في الْإِزَالَةِ مَجَازٌ في النَّقْلِ وَعَلَيْهِ أبو الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ وَالرَّازِيَّ وَنَقَلَهُ ابن بَرْهَانٍ عن عبد اللَّهِ الْبَصْرِيِّ وَذَهَبَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ إلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ في النَّقْلِ وَذَهَبَ أبو بَكْرٍ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ وَالْغَزَالِيُّ إلَى أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا لَفْظًا لِاسْتِعْمَالِهِ فِيهِمَا وَذَهَبَ ابن الْمُنِيرِ في شَرْحِ الْبُرْهَانِ إلَى أَنَّهُ بِالِاشْتِرَاكِ الْمَعْنَوِيِّ وهو التَّوَاطُؤُ لِأَنَّ بين نَسْخِ الشَّمْسِ الظِّلَّ وَنَسْخِ الْكِتَابِ قَدْرًا مُشْتَرَكًا وهو الرَّفْعُ وهو في نَسْخِ الظِّلِّ بَيِّنٌ لِأَنَّهُ زَالَ بِضِدِّهِ وفي نَسْخِ الْكِتَابِ مُقَدَّرٌ من حَيْثُ إنَّ الْكَلَامَ الْمَنْقُولَ بِالْكِتَابَةِ لم يَكُنْ مُسْتَفَادًا إلَّا من الْأَصْلِ فَكَانَ لِلْأَصْلِ بِالْإِفَادَةِ خُصُوصِيَّةٌ فإذا نَسَخْتُ الْأَصْلَ ارْتَفَعَتْ تِلْكَ الْخُصُوصِيَّةُ وَارْتِفَاعُ الْأَصْلِ وَالْخُصُوصِيَّةِ سَوَاءٌ في مُسَمَّى الرَّفْعِ وَقِيلَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا هو التَّغْيِيرُ وقد صَرَّحَ بِهِ الْجَوْهَرِيُّ وَنَبَّهَ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ على أَنَّ نَسَخْت الْكِتَابَ ليس من بَابِ النَّقْلِ وَالتَّحْوِيلِ لِأَنَّ الْمَكْتُوبَ لم يَنْتَقِلْ على الْحَقِيقَةِ بَلْ يُشْبِهُ الْمَنْقُولَ ثُمَّ قِيلَ الْخِلَافُ لَفْظِيٌّ وقال ابن بَرْهَانٍ بَلْ مَعْنَوِيٌّ يُبْنَى عليه جَوَازُ النَّسْخِ بِلَا بَدَلٍ فَمَنْ قال حَقِيقَةٌ في الْإِزَالَةِ مَجَازٌ في النَّقْلِ جَوَّزَهُ وَمَنْ قال حَقِيقَةٌ فِيهِمَا مَنَعَهُ وقال أبو الْحُسَيْنِ في الْمُعْتَمَدِ فَأَمَّا اسْتِعْمَالُ النَّسْخِ في الشَّرْعِ فقال أبو عبد اللَّهِ الْبَصْرِيُّ هو مَنْقُولٌ إلَى مَعْنًى في الشَّرْعِ وَلَا يَجْرِي عليه على سَبِيلِ التَّشْبِيهِ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ لِأَنَّهُ يُفِيدُ في الشَّرْعِ مَعْنًى مُمَيَّزًا يَجْرِي مَجْرَى اسْمِ الصَّلَاةِ وقال الشَّيْخُ أبو هَاشِمٍ إنَّهُ يُفِيدُ مَعْنًى في الشَّرْعِ على طَرِيقِ التَّشْبِيهِ بِاللُّغَةِ وَذَلِكَ أَنَّهُ يُفِيدُ إزَالَةَ مِثْلِ
- الْحُكْمِ الْمُتَقَدِّمِ كما يُفِيدُ في اللُّغَةِ الْإِزَالَةَ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ قَصَرَهُ على إزَالَةِ مِثْلِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِطَرِيقٍ شَرْعِيٍّ على وَجْهٍ مَخْصُوصٍ يَجْرِي مَجْرَى قَوْلِنَا دَابَّةٌ في أَنَّهُ غَيْرُ مَنْقُولٍ لَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِبَعْضِ ما يَدِبُّ ا هـ قال ابن الصَّبَّاغِ ذَهَبَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ إلَى أَنَّهُ مَنْقُولٌ من اللُّغَةِ إلَى الشَّرْعِ كما نُقِلَ اسْمُ الصَّلَاةِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مَخْصُوصٌ في الشَّرْعِ بِرَفْعِ مِثْلِ الْحُكْمِ وَإِنْ كان الرَّفْعُ عَامًّا كما خُصِّصَتْ الدَّابَّةُ بِالِاسْمِ وَإِنْ كان غَيْرُهَا يَدِبُّ عليها وَأَمَّا في الِاصْطِلَاحِ فَقَدْ اُخْتُلِفَ في حَدِّهِ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ رَفْعُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِخِطَابٍ وَالْمُرَادُ بِالْحُكْمِ ما يَحْصُلُ على الْمُكَلَّفِ بَعْدَ أَنْ لم يَكُنْ فَلَا يَرِدُ أَنَّ الْقَدِيمَ لَا يَرْفَعُ وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إلَى التَّعَلُّقِ وهو حَادِثٌ وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ نَفْسُهُ ليس بِحُكْمٍ وَالْمُرَادُ ارْتِفَاعُ دَوَامِ الْحُكْمِ بِمَعْنَى تَكَرُّرِهِ لَا ارْتِفَاعُ الْحُكْمِ الذي هو الْخِطَابُ لِأَنَّ ما ثَبَتَ قِدَمُهُ اسْتَحَالَ عَدَمُهُ وَتَقْيِيدُهُ بِالشَّرْعِيِّ يُخْرِجُ الْعَقْلِيَّ كَالْمُبَاحِ الثَّابِتِ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِ فإنه لو حَرَّمَ فَرْدًا من تِلْكَ الْأَفْرَادِ لم يُسَمَّ نَسْخًا وَقُلْنَا بِخِطَابٍ لِيَعُمَّ وُجُوهَ الْأَدِلَّةِ وَلْيَخْرُجْ الْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ النَّسْخُ فِيهِمَا وَلَا بِهِمَا وَلْيَخْرُجْ ارْتِفَاعُهُ بِالْمَوْتِ وَنَحْوِهِ فإنه لَا يُسَمَّى نَسْخًا وَكَمَنْ سَقَطَ رِجْلَاهُ فإنه لَا يُقَالُ نُسِخَ عنه غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ وما قَالَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ في الْمَحْصُولِ من أَنَّهُ نَسْخٌ ضَعِيفٌ وَمِنْهُمْ من زَادَ قَيْدَ التَّرَاخِي لِيَخْرُجَ الْمُتَّصِلُ بِالْحُكْمِ كَالِاسْتِثْنَاءِ وَالشَّرْطِ وَالصِّفَةِ لِأَنَّهُ بَيَانٌ لِغَايَةِ الْحُكْمِ وَلَا يُسَمَّى نَسْخًا لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَكُونَ آخِرُ الْكَلَامِ قد مَنَعَ أَوَّلَهُ وَقَوْلُنَا رَفْعُ حُكْمٍ يُغْنِي عن هذا الْقَيْدِ إذْ ليس من ذلك رَفْعُ الْحُكْمِ لِأَنَّ الرَّفْعَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الثُّبُوتِ وَلَيْسَ شَيْءٌ منها ثُبُوتَ الْحُكْمِ لِأَنَّهَا تَخْصِيصَاتٌ وهو يُبَيِّنُ أَنَّهُ غير مُرَادٍ وَقَوْلُنَا بِخِطَابٍ أَيْ بِحَيْثُ لو لم يُرِدْ الثَّانِي لَكَانَ حُكْمُ الْأَوَّلِ بَاقِيًا وما ذَكَرْنَاهُ من كَوْنِ النَّسْخِ رَفْعًا هو مُخْتَارُ الصَّيْرَفِيِّ وَالْقَاضِي أبي بَكْرٍ وَالشَّيْخِ أبي إِسْحَاقَ وَالْغَزَالِيِّ وَالْآمِدِيَّ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ الْإِبْيَارِيِّ وهو الْمُخْتَارُ وقد أَنْكَرَهُ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ بِنَاءً على أَنَّ الْحُكْمَ رَاجِعٌ إلَى كَلَامِ اللَّهِ وهو قَدِيمٌ وَالْقَدِيمُ لَا يُرْفَعُ وَلَا يُزَالُ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَرْفُوعَ تَعَلُّقُ الْحُكْمِ النِّسْبِيِّ لَا ذَاتُهُ وَلَا تَعَلُّقُهُ الذَّاتِيُّ وقال بَعْضُ شَارِحِي الْبُرْهَانِ الْحَقُّ ما ذَكَرَهُ الْقَاضِي من أَنَّهُ الرَّفْعُ وَلَا يَلْزَمُهُ ما أَلْزَمَهُ الْإِمَامُ من التَّنَاقُضِ في التَّعَلُّقِ فإن الْقَاضِيَ بَنَى على أَصْلَيْنِ أَحَدُهُمَا
- أَنَّ الْأَمْرَ يُفَارِقُ الْإِرَادَةَ وَثَانِيهِمَا أَنَّ الْكَلَامَ الْقَدِيمَ يَتَعَلَّقُ بِمُتَعَلِّقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ على الِاتِّحَادِ في نَفْسِهِ وَالِاخْتِلَافُ رَاجِعٌ إلَى التَّعَلُّقِ فَالْأَمْرُ عِبَارَةٌ عن الطَّلَبِ الْقَائِمِ بِذَاتِ الْبَارِّي سُبْحَانَهُ فَقَدْ يَتَعَلَّقُ بِالْمَطْلُوبِ على الدَّوَامِ قَطْعًا وَتَكُونُ الْإِرَادَةُ غير ذلك وقد يَتَعَلَّقُ بِالْمَطْلُوبِ نَفْسِهِ في بَعْضِ الْأَزْمَانِ وَيَكُونُ هذا التَّعَلُّقُ بَيَانًا لِلْإِرَادَةِ وَالْعِلْمِ أَنَّهُ لم يُرَدْ الدَّوَامُ وَإِنَّمَا أُرِيدَ بَعْضُ الْأَزْمِنَةِ ولم يَتَعَلَّقْ الْعِلْمُ بِالدَّوَامِ وَلَا تَنَاقُضَ في تَعَلُّقِ الطَّلَبِ بِمُتَعَلِّقٍ وَاحِدٍ على صِفَتَيْنِ في وَقْتَيْنِ مَطْلُوبًا على التَّأْبِيدِ في الْوَقْتِ وفي بَعْضِ الْأَزْمَانِ في وَقْتٍ آخَرَ لم يَخْتَلِفْ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ التَّعَلُّقُ وَالزَّمَانُ وَإِنَّمَا يَسْتَحِيلُ هذا أَنْ لو كان الْمُخَاطَبُ يَفْهَمُ في وَقْتٍ وَاحِدٍ وَلَا اسْتِحَالَةَ في وَقْتَيْنِ فَيَرْجِعُ حَاصِلُ النَّسْخِ إلَى بَيَانِ الْإِرَادَةِ وَالْعِلْمِ وَحَدَّهُ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّهُ الْخِطَابُ الدَّالُّ على انْتِهَاءِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ مع التَّأْخِيرِ عن مَوْرِدِهِ وَأَلْزَمُوا عليه كَوْنَ النَّسْخِ من بَابِ التَّخْصِيصِ فَيَصِحُّ أَنْ يَنْسَخَ بِمَا بِهِ يُخَصِّصُ فَيَنْسَخُ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ وَبِالْإِجْمَاعِ وهو لَا يَجُوزُ وَإِلَى كَوْنِهِ بَيَانًا ذَهَبَ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ وَالْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وَسُلَيْمٌ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وَغَيْرُهُمْ وَحَكَاهُ في الْمَعَالِمِ عن أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَاخْتَارَهُ الْقَرَافِيُّ وَهَؤُلَاءِ يَجْعَلُونَ النَّسْخَ تَخْصِيصًا وَبَيَانًا أَيْ أَنَّ الْخِطَابَ الثَّانِي بَيَّنَ أَنَّ الْأَزْمِنَةَ بَعْدَهُ لم يَكُنْ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فيها مُرَادًا من الْخِطَابِ الْأَوَّلِ كما أَنَّ التَّخْصِيصَ في الْأَعْيَانِ كَذَلِكَ وَأَوْرَدُوا على من حَدَّهُ بِالرَّفْعِ بِأَنَّ الرَّافِعَ الْحَادِثَ إنْ وُجِدَ حَالَ وُجُودِ الْأَوَّلِ لم يُنَافِهِ وَإِنْ وُجِدَ حَالَ عَدَمِهِ لم يَعْدَمْهُ لِامْتِنَاعِ إعْدَامِ الْمَعْدُومِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الرَّفْعَ كَالْكَسْرِ وَالِارْتِفَاعَ كَالِانْكِسَارِ وَلِذَلِكَ يَجْعَلُونَ الرَّفْعَ كَفَسْخِ الْعُقُودِ وَقَالُوا أَيْضًا إنَّمَا عَدَلْنَا إلَى الْبَيَانِ احْتِرَازًا عن تَعَارُضِ الرَّافِعِ وَالدَّافِعِ وَالرَّفْعُ ليس أَوْلَى من الدَّفْعِ وَهَذَا منهم بِنَاءً على أَنَّ الرَّفْعَ وَالدَّفْعَ من مُقْتَضَى اللَّفْظِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْأَلْفَاظُ دَلَائِلُ على إرَادَةِ الشَّارِعِ وَالشَّارِعُ له الْمَحْوُ وَالْإِثْبَاتُ وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالثَّانِي أَيْضًا بِأَنَّ عِلْمَ اللَّهِ إمَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِدَوَامِ الْحُكْمِ أَبَدًا أو إلَى وَقْتٍ مُعَيَّنٍ وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ فَلَا يُمْكِنُ الرَّفْعُ أَمَّا إذَا تَعَلَّقَ بِالدَّوَامِ فَلِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ رَفْعُهُ لِاسْتِحَالَةِ وُقُوعِ خِلَافِ مَعْلُومِهِ وَأَمَّا على التَّقْدِيرِ الثَّانِي وهو أَنْ يُعْلَمَ انْتِهَاؤُهُ إلَى
- الْوَقْتِ وإذا كان الِانْتِهَاءُ وَاجِبًا في ذلك لم يَحْصُلْ الرَّفْعُ الثَّانِي لِأَنَّهُ قد وَجَبَ ارْتِفَاعُهُ وَأُجِيبَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إذَا تَعَلَّقَ الْعِلْمُ بِالِانْتِهَاءِ في ذلك الْوَقْتِ يَمْتَنِعُ الرَّفْعُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ تَعَلَّقَ بِالِانْتِهَاءِ في ذلك الْوَقْتِ بِالْحَادِثِ فإن الْعِلْمَ يَتَعَلَّقُ على ما هو بِهِ وَتَحْرِيرُ هذا الْخِلَافِ أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا على أَنَّ الْحُكْمَ السَّابِقَ له انْعِدَامٌ وَتَحَقَّقَ انْعِدَامُهُ لِانْعِدَامِ مُتَعَلَّقِهِ لَا لِانْعِدَامِ ذَاتِ الْحُكْمِ وَاتَّفَقُوا على أَنَّ الْحُكْمَ الْمُتَأَخِّرَ اللَّاحِقَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُنَافِيًا لِلْأَوَّلِ وَأَنَّ عِنْدَهُ يَتَحَقَّقُ عَدَمُ الْأَوَّلِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا في عَدَمِ الْأَوَّلِ هل هو مُضَافٌ إلَى وُجُودِ الْحُكْمِ الْمُتَأَخِّرِ فَيُقَالُ إنَّمَا ارْتَفَعَ الْأَوَّلُ لِوُجُودِ الْمُتَأَخِّرِ اللَّاحِقِ أو لَا يُضَافُ إلَيْهِ بَلْ يُقَالُ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ انْتَهَى لِأَنَّهُ كان في نَفْسِ الْأَمْرِ مُغَيًّا إلَى غَايَةٍ مَعْلُومَةٍ لِلَّهِ وقد عَلِمْنَاهَا بِالْحُكْمِ اللَّاحِقِ الْمُتَأَخِّرِ فَإِذْنُ النِّزَاعِ في اسْتِنَادِ عَدَمِ السَّابِقِ إلَى وُجُودِ اللَّاحِقِ فَالْأُسْتَاذُ يقول الْحُكْمُ في نَفْسِ الْأَمْرِ لم يَكُنْ له صَلَاحِيَّةُ الدَّوَامِ لِكَوْنِهِ مُغَيًّا إلَى غَايَةٍ مَعْلُومَةٍ مُعَيَّنَةٍ لَا نَعْرِفُهَا إلَّا بَعْدَ وُرُودِ النَّاسِخِ فَيَكُونُ النَّسْخُ بَيَانًا وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ وَهْمُ من قال إنَّ النِّزَاعَ لَفْظِيٌّ وَقَدَّرَ ابن الْمُنِيرِ كَوْنَهُ لَفْظًا بِأَنَّ الْفُقَهَاءَ يُثْبِتُونَ رَفْعًا مع الْبَيَانِ وَالْأُصُولِيُّونَ يُثْبِتُونَ بَيَانًا مع الرَّفْعِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْفُقَهَاءَ لَا يُنَازِعُونَ في أَنَّ الْحُكْمَ الْمَنْسُوخَ كان قبل النَّسْخِ ثَابِتًا وهو بَعْدَ النَّسْخِ غَيْرُ ثَابِتٍ وَإِنَّمَا أَنْكَرُوا رَفْعًا يُنَاقِضُ الْإِثْبَاتَ وَيُجَامِعُهُ وَالْأُصُولِيُّونَ لَا يُنَازِعُونَ في أَنَّ الْمُكَلَّفِينَ كَانُوا على ظَنٍّ بِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يُنْسَخُ بِنَاءً على أَنَّ الْغَالِبَ في الْأَحْكَامِ الْقَرَارُ وَعَدَمُ النَّسْخِ ثُمَّ بِالنَّسْخِ تَبَيَّنَ لهم أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ من الْأَوَّلِ نَسْخَهُ في الزَّمَانِ الْمَخْصُوصِ لِأَنَّ الْإِرَادَةَ قَدِيمَةٌ لَا بُدَّ منها اتِّفَاقًا فَلَا يَبْقَى لِلْخِلَافِ مَحَطٌّ وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ إنَّ انْتِهَاءَ غَايَةِ الْحُكْمِ يُنَافِي بَقَاءَهُ وَلَا نَعْنِي بِالرَّفْعِ إلَّا ذلك مَرْدُودٌ فإن هذا ليس بِرَافِعٍ وَمِنْهُمْ من جَعَلَ الْخِلَافَ هُنَا مَبْنِيًّا على اخْتِلَافِ الْمُتَكَلِّمِينَ في أَنَّ زَوَالَ الْأَعْرَاضِ بِالذَّاتِ أو بِالضِّدِّ فَمَنْ قال بِبَقَائِهَا قال إنَّمَا يَنْعَدِمُ الضِّدُّ الْمُتَقَدِّمُ لِطَرَيَانِ الطَّارِئِ وَلَوْلَاهُ لَبَقِيَ وَمَنْ لم يَقُلْ بِبَقَائِهَا قال إنَّهُ يَنْعَدِمُ بِنَفْسِهِ ثُمَّ يَحْدُثُ الضِّدُّ الطَّارِئُ وَلَيْسَ له تَأْثِيرٌ في إعْدَامِ الضِّدِّ الْأَوَّلِ وقال إِلْكِيَا زَعَمَ الْقَاضِي أَنَّ النَّسْخَ رَفْعٌ وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ إذَا جَعَلْنَا النَّصَّ الْأَوَّلَ مُوجِبًا حَقِيقَةً تَامًّا وَالْمُوجِبُ هو اللَّهُ تَعَالَى وَالْوُجُوبُ بِاقْتِضَائِهِ فَقَدْ تَبَيَّنَ انْتِهَاءُ الْأَوَّلِ في عِلْمِ اللَّهِ بِالنَّسْخِ بِأَمْرٍ يُخَالِفُ الْأَمْرَ الْأَوَّلَ وَيَسْتَحِيلُ تَقْدِيرُ وَضْعِ أَمْرَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ في زَمَانٍ وَاحِدٍ
- وَاخْتَارَ الْإِمَامُ أَنَّ النَّسْخَ ظُهُورُ ما يُنَافِي اشْتِرَاطَ اسْتِمْرَارِ الْحُكْمِ بِقَوْلِهِ افْعَلْ من حَيْثُ اللَّفْظُ لِلطَّلَبِ وَلَكِنَّهُ مَشْرُوطٌ بِأَنْ لَا يُنْهَى عنه وَيَصِحُّ منه أَنْ يَقُولَ افْعَلْ إنْ لم أَنْهَكَ عنه وقال اخْتَرْت على هذا الرَّأْيِ النَّسْخَ قبل مُضِيِّ إمْكَانِ الْفِعْلِ وَعَلَى ما ذَكَرَهُ الْأَوَّلُونَ لَا يَجُوزُ فإنه لَا ثُبُوتَ قبل الْإِمْكَانِ فَقِيلَ لِلْإِمَامِ فَهَذَا من قَبِيلِ الِاسْتِثْنَاءِ فقال الِاسْتِثْنَاءُ هو الْمَقْرُونُ بِاللَّفْظِ وَالنَّسْخُ مُتَرَاخٍ وهو على هذا الْقَوْلِ يَرَى ظُهُورَ الْمُنَافِي بِالْإِضَافَةِ إلَى اعْتِقَادِنَا التَّأْبِيدَ فيه وَعَلَى رَأْيِ الْفُقَهَاءِ النَّسْخُ لَا يُصَادِفُ الْأَمْرَ بَلْ يُصَادِفُ اسْتِمْرَارَهُ وَعَلَى رَأْيِ الْآخَرِينَ لَا يُصَادِفُ لَا الْبَقَاءَ وَلَا الْأَمْرَ وَلَكِنْ يَبْقَى الْحُكْمُ في الِاسْتِقْبَالِ وهو إنَّمَا يُصَادِفُ ما اعْتَقَدْنَاهُ فيه فَيَرْفَعُ اعْتِقَادَنَا وَالْبَقَاءُ ظَاهِرٌ في اعْتِقَادِنَا وهو في حَقِّ اللَّهِ انْتِهَاءٌ فَعَلَى هذا النَّاسِخِ لَا يُضَادُّ الْأَمْرَ الْأَوَّلَ وَلَا تُتَصَوَّرُ الْمُضَادَّةُ في إمْضَاءِ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا بِطَرِيقِ الْبَدَاءِ وهو غَيْرُ جَائِزٍ عليه وَحَدَّتْهُ الْمُعْتَزِلَةُ بِالْخِطَابِ الدَّالِّ على أَنَّ مِثْلَ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالنَّصِّ الْمُتَقَدِّمِ زَائِلٌ وَذَكَرُوا مَثَلًا لِيَحْتَرِزُوا بِهِ عن الرَّفْعِ وَجَوَّزُوا نَسْخَ الْعِبَادَةِ قبل التَّمَكُّنِ من فِعْلِهَا وقال الْعَبَّادِيُّ من أَصْحَابِنَا في كِتَابِ الزِّيَادَاتِ اُخْتُلِفَ في النَّسْخِ فَقِيلَ إزَالَةُ فَرْضِ الْعَمَلِ في الْمُسْتَقْبَلِ وَقِيلَ بَيَانُ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْعِبَادَةِ وَقِيلَ انْتِهَاءُ مُدَّةِ التَّكْلِيفِ على ضَرْبٍ من التَّرَاخِي بِدَلِيلٍ لَوْلَاهُ لَوَجَبَ اسْتِرْسَالُهُ على عَدَمِ الْعُمُومِ وَقِيلَ قَطْعُ حُكْمٍ تُوُهِّمَ دَوَامُهُ قِيلَ وَهَذَا أَصْلُ الْعِبَارَاتِ على أَصْلِ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ ما قبل الْعَمَلِ وَبَعْدَهُ ا هـ وَالْحَدُّ الثَّانِي حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عن الْقَاضِي أبي الطَّيِّبِ وَضَعَّفَهُ بِأَنَّ النَّسْخَ يَجْرِي في غَيْرِ الْعِبَادَاتِ وقال الشَّافِعِيُّ في الْأُمِّ النَّاسِخُ من الْقُرْآنِ الْأَمْرُ نَزَّلَهُ اللَّهُ بَعْدَ الْأَمْرِ بِخِلَافِهِ كما حُوِّلَتْ الْقِبْلَةُ وقال في الرِّسَالَةِ وَهَكَذَا كُلُّ ما نَسَخَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَهِيَ نَسْخُهُ تَرْكَ فَرْضِهِ وكان حَقًّا في وَقْتِهِ وَتَرْكُهُ حَقٌّ إذَا نَسَخَهُ فَيَكُونُ من أَدْرَكَ فَرْضَهُ مُطِيعًا بِاتِّبَاعِ الْفَرْضِ النَّاسِخِ له قال ابن الْقَطَّانِ وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ في النَّسْخِ عِنْدَنَا هو أَنْ يَأْمُرَ بِأَمْرٍ على الْإِطْلَاقِ ==
- ===============ج14 ج14 ج14 ============================
- مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
- ج14.كتاب : البحر المحيط في أصول الفقه
- المؤلف : بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي
- في جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ وَيُرِيدُ منه بَعْضَهَا وَلَا يَكْشِفُ ذلك ثُمَّ يَأْمُرُ بِأَمْرٍ ثَانٍ فَيُعْلَمُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ بَعْضَ الْأَزْمِنَةِ قال وَلَا فَرْقَ بين النَّسْخِ وَالتَّخْصِيصِ على هذا إلَّا في خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ أَنَّ التَّخْصِيصَ قد يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُقْتَرِنًا مع الْأَمْرِ وَلَا يَجُوزُ ذلك في النَّسْخِ انْتَهَى وَالْحَقُّ أَنَّ النَّسْخَ لِلْحُكْمِ كَالْفَسْخِ لِلْعَقْدِ كَالْكَسْرِ لِلصَّحِيحِ وَالْخِلَافُ في أَنَّ الْفَسْخَ رَفْعٌ لِلْعَقْدِ من أَصْلِهِ أو من حِينِهِ لَا يَجِيءُ هُنَا تَنْبِيهٌ الْفَرْقُ بين التَّخْصِيصِ وَالنَّسْخِ سَبَقَ في بَابِ التَّخْصِيصِ تَفْرِيقُ بَعْضِهِمْ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ التَّخْصِيصَ يَرْفَعُ بَعْضَ الْحُكْمِ وَالنَّسْخَ يَرْفَعُ الْكُلَّ وهو ضَعِيفٌ بَلْ قد يَكُونُ النَّسْخُ رَافِعًا لِلْبَعْضِ لِأَنَّ الشَّارِعَ إذَا أَثْبَتَ الْحُكْمَ في جَمِيعِ أَفْرَادِ الْعَامِّ ثُمَّ رَفَعَ بَعْضَهُ يَكُونُ نَسْخًا لِذَلِكَ الْبَعْضِ كما يُنْسَخُ الْكُلُّ وَمَثَّلَهُ بَعْضُهُمْ بِالْعَرَايَا وَإِنْ كان الْأَصْحَابُ جَعَلُوهُ من التَّخْصِيصِ لِأَنَّ نَهْيَهُ عن بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ عَامٌّ ثُمَّ رَفَعَ بَعْضَهُ بِالْعَرَايَا وَقَوْلُهُ أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا جَفَّ دَلِيلٌ على أَنَّ قَوْلَهُ لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ إيرَادٌ على عُمُومِهِ تَمْرًا أو غير تَمْرٍ فَحِينَئِذٍ تَكُونُ إبَاحَةُ الْعَرَايَا نَسْخًا لِذَلِكَ الْبَعْضِ لَا تَخْصِيصًا لِأَنَّ التَّخْصِيصَ إخْرَاجُ بَعْضِ ما تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ وَلَا يَكُونُ مُنْدَرِجًا تَحْتَ إرَادَةِ اللَّافِظِ ابْتِدَاءً وَبِهِ يَحْصُلُ الْفَرْقُ بين النَّسْخِ وَالتَّخْصِيصِ
- فَصْلٌ في أَرْكَانِ النَّسْخِ أَرْكَانُ النَّسْخِ ثَلَاثَةٌ النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ وَالْمَنْسُوخُ عنه أَمَّا النَّاسِخُ فَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى على الْحَقِيقَةِ وَتَسْمِيَةُ خِطَابِهِ الدَّالِّ على النَّسْخِ نَاسِخًا تَوَسُّعٌ إذْ بِهِ يَقَعُ النَّسْخُ كما يُقَالُ صَوْمُ رَمَضَانَ نَاسِخٌ لِصَوْمِ عَاشُورَاءَ وَالْمَنْسُوخُ هو الْمُزَالُ وهو الْحُكْمُ الْمُرْتَفِعُ أو الْمُبَيَّنُ على الْخِلَافِ وَالْمَنْسُوخُ عنه هو الْمُتَعَبِّدُ بِالْعِبَادَةِ الْمُزَالَةِ مَسْأَلَةٌ النَّسْخُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْبَدَاءَ وَلَا يَسْتَلْزِمُ النَّسْخُ الْبَدَاءَ إذْ النَّسْخُ بِأَمْرٍ وَالْبَدَاءُ الظُّهُورُ بَعْدَ أَنْ لم يَكُنْ خِلَافًا لِلرَّافِضَةِ وَالْيَهُودِ فَإِنَّهُمْ ادَّعَوْا اسْتِلْزَامَهُ فَلَزِمَهُمْ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا في الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ فقالت الْيَهُودُ لَا يَجُوزُ النَّسْخُ عليه لِامْتِنَاعِ الْبَدَاءِ عليه وَقَالَتْ الرَّافِضَةُ يَجُوزُ الْبَدَاءُ عليه لِجَوَازِ النَّسْخِ منه وَالْكُلُّ كُفْرٌ وَالثَّانِي أَغْلَظُ إذْ يُمْكِنُ حَمْلُ الْأَوَّلِ على وَجْهٍ لَا يُكَفَّرُ بِأَنْ يُجْعَلَ التَّعَبُّدُ بِكُلِّ شَرْعٍ مُغَيَّا إلَى ظُهُورٍ آخَرَ وَبِهَذَا الْمَعْنَى أَنْكَرَهُ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ وقال سُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيَّةِ في النَّسْخِ يُؤَدِّي إلَى جَوَازِ الْبَدَاءِ لِأَنَّ اللَّفْظَ بِصِيغَتِهِ عِنْدَهُمْ لَا يَدُلُّ على اسْتِغْرَاقِ الْأَعْيَانِ وَالْأَزْمَانِ حتى يَقْتَرِنَ بِهِ دَلِيلٌ عليه يَخُصُّهُ وَلَفْظُ الْعُمُومِ في الْأَزْمَانِ لَا يَقْتَرِنُ بِهِ ما يُنْسَخُ بَعْضُهُ لِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَكُونُ إلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ عن الْمَنْسُوخِ مُتَأَخِّرٍ عنه فَلَا بُدَّ في قَوْلِهِ أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ أَنَّهُ قَصَدَ إيجَابَ الْعِبَادَاتِ في عُمُومِ الْأَوْقَاتِ ثُمَّ يَدُلُّ دَلِيلٌ آخَرُ بَعْدَهُ على النَّسْخِ ا هـ وقال إِلْكِيَا لَا يَسْتَلْزِمُ الْبَدَاءَ لِأَنَّ النَّسْخَ هو النَّصُّ الدَّالُّ على أَنَّ مِثْلَ الثَّابِتِ زَائِلٌ في الِاسْتِقْبَالِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ الْفِعْلَ الْمَأْمُورَ بِهِ غَيْرُ الْمَنْهِيِّ عنه وَأَنَّ وَقْتَ النَّهْيِ عنه غَيْرُ وَقْتِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَبَنَوْا على هذا الْأَصْلِ أَنَّ نَسْخَ الْفِعْلِ قبل وَقْتِ إمْكَانِهِ غَيْرُ جَائِزٍ وَأَمَّا الْأَشْعَرِيَّةُ فَجَوَّزُوهُ بِنَاءً على أَنَّ الذي أَمَرَ بِهِ لِمَصْلَحَةٍ وَاَلَّذِي نهى عنه لِمَفْسَدَةٍ لَا أَنَّهُ أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عنه عَبَثًا وَتَقْدِيرُ النَّهْيِ بَعْدَ الْأَمْرِ قبل إمْكَانِ الْأَوَّلِ ضَرْبٌ من الْبَدَاءِ وَغَايَةُ ما تَمَسَّكُوا بِهِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْفِعْلِ مَشْرُوطٌ بِبَقَائِهِ أو مَشْرُوطٌ
- بِانْتِفَاءِ النَّهْيِ فإذا نُهِيَ عنه فَقَدْ زَالَ الشَّرْطُ بَعْدَ نَهْيِهِ عن الْفِعْلِ غير الْوَجْهِ الذي أَمَرَ بِهِ وَلَيْسَ كما إذَا قال أَمَرْتُكُمْ بِكَذَا وَكَذَا وَنَهَيْتُكُمْ عنه مُتَّصِلًا بِهِ لِأَنَّهُ نهى عن الْفِعْلِ على وَجْهِ الْأَمْرِ وَهَاهُنَا النَّهْيُ على غَيْرِ وَجْهِ الْأَمْرِ فَهُوَ كَقَوْلِك أَمَرْتُكُمْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَظْهَرَ لَكُمْ ما يُنَافِيهِ فَائِدَةٌ تَحْقِيقٌ لُغَوِيٌّ في لَفْظِ الْبَدَاءِ حَكَى ابن الْفَارِضِ الْمُعْتَزِلِيُّ في كِتَابِ النُّكَتِ عن بَعْضِهِمْ أَنَّ لَفْظَ الْبَدَاءِ غَيْرُ صَحِيحٍ في اللُّغَةِ وَإِنَّمَا هو الْبُدُوُّ من بَدَا الشَّيْءُ يَبْدُو بَدْوًا وَبُدُوًّا إذَا ظَهَرَ قال ابن الصَّلَاحِ في فَوَائِدِ رِحْلَتِهِ وَهَذَا ليس بِصَحِيحٍ فَقَدْ أَوْرَدَ هذا اللَّفْظَ ابن دُرَيْدٍ في قَصِيدَتِهِ في الْمَمْدُودِ وَالْمَقْصُورِ فقال تُوصَى وَعَقْلُك في بَدَا فَكَذَاك رَأْيُك ذُو بَدَاءٍ قال التَّبْرِيزِيُّ الْبَدَا الْمَقْصُورُ مَوْضِعٌ وَقِيلَ إنَّهُ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ وَالْبَدَاءُ الْمَمْدُودُ من قَوْلِهِمْ بَدَا لي في الْأَمْرِ تُرِيدُ تَغَيَّرَ رَأْيِي فيه عَمَّا كان قُلْت وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ عن سِيبَوَيْهِ فقال بَدَا الشَّيْءُ يَبْدُو بَدْوًا وَبُدُوًّا وَبَدَاءً الْأَخِيرَةُ عن سِيبَوَيْهِ وفي صِحَاحِ الْجَوْهَرِيِّ بَدَا له في هذا الْأَمْرِ بَدَاءً مَمْدُودٌ وقد نَبَّهَ عليه أبو مُحَمَّدِ بن بَرِّيٍّ فقال صَوَابُهُ بَدَاءٌ بِالرَّفْعِ لِأَنَّهُ الْفَاعِلُ وقال السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ الْمَصْدَرُ الْبُدُوُّ وَالْبَدْوُ وَالِاسْمُ الْبَدَاءُ وَلَا يُقَالُ في الْمَصْدَرِ بَدَا له بُدُوٌّ كما لَا يُقَالُ ظَهَرَ له ظُهُورٌ بِالرَّفْعِ لِأَنَّ الذي يَظْهَرُ وَيَبْدُو هَاهُنَا هو الِاسْمُ نَحْوُ الْبَدَاءِ قال وَمِنْ أَجْلِ أَنَّ الْبُدُوَّ الظُّهُورُ كان الْبَدَاءُ في وَصْفِ الْبَارِئِ سُبْحَانَهُ مُحَالًا لِأَنَّهُ لَا يَبْدُو له شَيْءٌ كان غَائِبًا عنه وقد يَجِيءُ بَدَا بِمَعْنَى أَرَادَ مَجَازًا كَحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ في الثَّلَاثَةِ الْأَقْرَعُ وَالْأَعْمَى وَالْأَبْرَصُ وَأَنَّهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال بَدَا لِلَّهِ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ تَنْبِيهٌ مَنَعَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إطْلَاقَ لَفْظِ التَّبْدِيلِ على النَّسْخِ فإنه رَفْعُ الْحُكْمِ
- الْمَنْسُوخِ وَإِقَامَةُ النَّاسِخِ مُقَامَهُ وَذَلِكَ يُوهِمُ الْبَدَاءَ وهو مَحْجُوجٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وإذا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ مَسْأَلَةٌ النَّسْخُ جَائِزٌ عَقْلًا وَوَاقِعٌ شَرْعًا النَّسْخُ جَائِزٌ عَقْلًا وَوَاقِعٌ سَمْعًا خِلَافًا لِلْيَهُودِ غَيْرِ الْعِيسَوِيَّةِ وَبَعْضِ غُلَاةِ الرَّوَافِضِ وَمِنْهُمْ من مَنَعَهُ عَقْلًا وَمِنْهُمْ من جَوَّزَهُ عَقْلًا وَمَنَعَهُ شَرْعًا حَكَاهُ أبو زَيْدٍ قال وَلِذَلِكَ ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ وَسَمَّاهُ أبو مُسْلِمٍ الْأَصْفَهَانِيُّ من الْمُعْتَزِلَةِ تَخْصِيصًا فَقِيلَ هو إنْكَارٌ لِلْوُقُوعِ وهو مَنْقُولُ الْآمِدِيَّ وَابْنِ الْحَاجِبِ عنه وَقِيلَ إنَّمَا أَنْكَرَ الْجَوَازَ وهو مَنْقُولُ الشَّيْخِ أبي إِسْحَاقَ وَسُلَيْمٍ وَالْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ الرَّازِيَّانِ وَصَرَّحَ بِأَنَّ خِلَافَهُ في الْقُرْآنِ خَاصَّةً قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ نُقِلَ عن بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ إنْكَارُ النَّسْخِ لَا بِمَعْنَى أَنَّ الْحُكْمَ الثَّابِتَ لَا يَرْتَفِعُ بَلْ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَنْتَهِي بِنَصٍّ دَلَّ على انْتِهَائِهِ فَلَا يَكُونُ نَسْخًا ا هـ وَحَاصِلُهُ صَيْرُورَةُ الْخِلَافِ لَفْظِيًّا وَبِهِ صَرَّحَ ابن السَّمْعَانِيِّ قال الْهِنْدِيُّ وَلَيْسَ من ضَرُورَةِ الْقَوْلِ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صلى اللَّهُ عليه وسلم الْقَوْلُ بِصِحَّةِ النَّسْخِ حتى يَلْزَمَ من إنْكَارِهِ إنْكَارُ النُّبُوَّةِ وَذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُقَالَ إنَّ شَرْعَ الْمَاضِينَ كان مُغَيَّا إلَى ظُهُورِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم في اللَّفْظِ وَهُنَا مُبَاحَثَةٌ مع الْيَهُودِ لُعِنُوا بِمَا قالوا وَهِيَ أَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ التَّعَبُّدَ في الشَّرَائِعِ بِالْعِبَادَاتِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَغَيَّرَ قِيَاسًا على التَّوْحِيدِ فإن التَّعَبُّدَ بِالتَّوْحِيدِ لَا يَجُوزُ تَغْيِيرُهُ إلَى الْكُفْرِ فَيُقَالُ لهم أَيَجُوزُ أَنْ يُتَعَبَّدَ بِالصَّلَاةِ مَثَلًا في وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ مع الْقُدْرَةِ على الْفِعْلِ فَإِنْ قالوا نعم وهو قَوْلُهُمْ لِأَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِاسْتِغْرَاقِ الزَّمَانِ بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فَيُقَالُ لهم أَيَجُوزُ أَنْ يُتَعَبَّدَ بِالتَّوْحِيدِ في وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ مع كَمَالِ الْعَقْلِ وَالْقُدْرَةِ فَإِنْ قالوا نعم فَقَدْ جَوَّزُوا تَرْكَ التَّوْحِيدِ وَإِنْ قالوا لَا وهو قَوْلُهُمْ فَقَدْ فَرَّقُوا بين التَّوْحِيدِ وَالشَّرَائِعِ وَحِينَئِذٍ فَلَا امْتِنَاعَ في اخْتِلَافِ التَّعَبُّدِ بِالشَّرَائِعِ في الْكَيْفِيَّةِ وَالْعَدَدِ وَالْوَقْتِ وَالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ
- مسألة يجوز نسخ الحكم عندنا وإن لم يقترن به إعلام بأنه سينسخ قال ابن برهان وعن أبي الحسين البصري وغيره من المعتزلة أنه لا يجوز إلا إذا اقترن به ما يدل على النسخ في الجملة كقوله تعالى قد نرى تقلب وجهك في السماء الآية قالوا فهذه قرينة أن الله تعالى سينسخ القبلة من بيت المقدس وقال الأستاذ أبو إسحاق رأيت بعض من كان يظهر التوحيد ويتهم بالإلحاد يزعم أن النسخ لا يجوز إلا بدليل مقرون باللفظ يعلم أنه كائن بعد وإن لم يبين وقته قال الأستاذ فهذا قول اليهود وقد أجمعت الأمة على خلافه ا هـ ونقل عن أبي الحسين البصري أنه يجب أن يذكر مع المنسوخ ما يدل على أنه منسوخ من حيث الجملة وإلا لكان تلبيسا وخالفه جمهور المعتزلة وأصحابنا قالوا لا يجب ذلك بل يجوز تأخير بيان النسخ من وقت الخطاب إلى وقت الحاجة وقال الماوردي سمعت بعض أهل العلم يقول إن كل آية منسوخة ففي ضمن تلاوتها ما يدل على أن حكمها ليس بثابت على الإطلاق مثل قوله في سورة النساء فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا نبه على أن حكمها لا يدوم فنسختها آية النور بقوله الزانية والزاني الآية ولذا قال صلى الله عليه وسلم قد جعل الله لهن سبيلا قال وهذا الذي ادعاه يبعد أن يوجد في كل آية منسوخة لكنه معتضد لمذهب أبي حنيفة في أن الزيادة على النص تكون نسخا فجعل ذلك من شواهد المنسوخ مَسْأَلَةٌ لَا يَتَحَقَّقُ النَّسْخُ إلَّا مع التَّعَارُضِ فَأَمَّا مع إمْكَانِ الْجَمْعِ فَلَا وَقَوْلُ من قال نُسِخَ صَوْمُ عَاشُورَاءَ بِرَمَضَانَ وَنَسَخَتْ الزَّكَاةُ كُلَّ صَدَقَةٍ سِوَاهَا فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا لَا مُنَافَاةَ فيه وَإِنَّمَا وَافَقَ نَسْخُ عَاشُورَاءَ فَرْضَ رَمَضَانَ وَنَسْخُ سَائِرِ الصَّدَقَاتِ فَرْضَ الزَّكَاةِ فَحَصَلَ النَّسْخُ معه لَا بِهِ
- قال أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ في كِتَابِهِ حَكَى بَعْضُ مَشَايِخِنَا خِلَافًا في أَنَّ النَّسْخَ في الْأَمْرِ أو الْمَأْمُورِ فَقِيلَ وَقَعَ في الْأَمْرِ وَقِيلَ في الْمَأْمُورِ نَفْسِهِ وَالْأَمْرُ هو الْقَوْلُ وَالْمَأْمُورُ هو الْمُخَاطَبُ قال وَاَلَّذِي عِنْدَنَا أَنَّ النَّسْخَ وَقَعَ في الْأَمْرِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ما نَنْسَخُ من آيَةٍ فَأَخْبَرَ أَنَّ النَّسْخَ يَقَعُ في الْآيَةِ وَمِمَّنْ تَعَرَّضَ لِهَذَا الْخِلَافِ ابن حَزْمٍ في الْإِحْكَامِ وقال الصَّحِيحُ أَنَّهُ إنَّمَا يَقَعُ على الْأَمْرِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ على الْمَأْمُورِ بِهِ أَصْلًا لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ هو فِعْلُنَا وَفِعْلُنَا إنْ كان قد وَقَعَ مِنَّا فَقَدْ فَنَى وَلَا يَنْهَى عَمَّا مَضَى وَإِنْ لم يَكُنْ قد وَقَعَ بَعْدُ فَكَيْفَ يُنْسَخُ شَيْءٌ لم يَكُنْ بَعْدُ وَيَدُلُّ له قَوْلُهُ ما نَنْسَخْ من آيَةٍ الْآيَةَ فَدَلَّ على أَنَّ الْآيَةَ هِيَ الْمَنْسُوخَةُ لَا أَفْعَالَنَا الْمَأْمُورَ بها وَالْمَنْهِيَّ عنها مَسْأَلَةٌ الْمَنْسُوخُ عِنْدَ أَئِمَّتِنَا الْحُكْمُ الثَّابِتُ نَفْسُهُ وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ مِثْلُ الْحُكْمِ الثَّابِتِ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ وَاَلَّذِي قَادَهُمْ إلَى ذلك مَذْهَبُهُمْ في أَنَّ الْأَوَامِرَ مُرَادَةٌ وَأَنَّ الْحُسْنَ صِفَةٌ نِسْبِيَّةٌ لِلْحَسَنِ وَمُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى حَسَنٌ وقد قَامَتْ الْأَدِلَّةُ على أَنَّ الْأَوَامِرَ لَا تَرْتَبِطُ بِالْإِرَادَةِ على أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ في الْأَحْكَامِ إنَّمَا هو من جِهَةِ الشَّرْعِ لَا بِصِفَةٍ نِسْبِيَّةٍ قَالَهُ ابن عَطِيَّةَ في تَفْسِيرِهِ مَسْأَلَةٌ يَجِبُ اعْتِقَادُ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ قبل وُرُودِ النَّاسِخِ إنْ بَقِيَ الْأَمْرُ بِهِ ولم يَرْتَفِعْ عنه بِضِدِّهِ وَإِنْ جَوَّزْنَا النَّسْخَ قبل الْفِعْلِ وَلَا يَجِيءُ الْخِلَافُ السَّابِقُ في الْبَحْثِ عن الْمُخَصَّصِ وقال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ أَمَّا في حَيَاةِ الرَّسُولِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَلَا يُقْطَعُ بِالْحُكْمِ قبل ظُهُورِ نَاسِخِهِ لِأَنَّ دَوَامَهُ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ لِجَوَازِ نُزُولِ الْوَحْيِ بِمَا يَنْسَخُهُ وَأَمَّا بَعْدَ وَفَاتِهِ فَقَدْ انْتَفَى احْتِمَالُ النَّسْخِ وَصَارَ الْبَقَاءُ ثَابِتًا بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ نَسْخُ النَّسْخِ لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِجَوَازِهِ أَوَّلًا قد يَتَّفِقُ في الثَّانِي وقد وَقَعَ ذلك قال الشَّافِعِيُّ فِيمَا حَكَاهُ الْعَبَّادِيُّ عنه لَا أَعْلَمُ شيئا أُحِلَّ ثُمَّ حُرِّمَ ثُمَّ أُحِلَّ ثُمَّ حُرِّمَ إلَّا الْمُتْعَةَ وَذَكَرَ غَيْرُهُ أنها نُسِخَتْ خَمْسَ مَرَّاتٍ وَمِمَّنْ ذَكَرَ هذه الْمَسْأَلَةَ ابن حَزْمٍ في الْإِحْكَامِ وقال لَا فَرْقَ بين أَنْ يَنْسَخَ
- اللَّهُ حُكْمًا بِغَيْرِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْسَخَ ذلك الثَّانِيَ بِثَالِثٍ وَذَلِكَ الثَّالِثَ بِرَابِعٍ وَهَكَذَا كُلَّمَا زَادَ وقد جاء في بَعْضِ الْآثَارِ أُحِيلَتْ الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ وَصَحَّ التَّكْرِيرُ في نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وقال الْقَاضِي ابن الْعَرَبِيِّ نُسِخَتْ الْقِبْلَةُ مَرَّتَيْنِ وَكَذَا نِكَاحُ الْمُتْعَةِ وَلُحُومُ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَلَا أَحْفَظُ رَابِعًا قُلْت وَادَّعَى بَعْضُهُمْ تَكَرُّرَ النَّسْخِ في الْكَلَامِ في الصَّلَاةِ مَسْأَلَةٌ شَرِيعَةُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صلى اللَّهُ عليه وسلم نَاسِخَةٌ لِجَمِيعِ الشَّرَائِعِ بِالْإِجْمَاعِ وَاخْتُلِفَ في أَنَّ عِيسَى بُعِثَ مُقَرِّرًا لِشَرِيعَةِ مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ أو بِشَرِيعَةٍ مُبْتَدَأَةٍ حَكَاهُ ابن الرِّفْعَةِ في الْمَطْلَبِ ثُمَّ قال وَالْحَقُّ أَنَّهُ لم يَنْسَخْ كُلَّ شَرِيعَةِ مُوسَى وَلِهَذَا قال تَعَالَى وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الذي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ لِأَنَّهُ لم يُحْلِلْ لهم كُلَّ ما حُرِّمَ عليهم لِأَنَّ منه الزِّنَى وَالْقَتْلَ وَالسَّرِقَةَ وَإِنَّمَا أَحِلَّ لهم السَّبْتَ وَلَحْمَ الْإِبِلِ وَأَشْيَاءُ من الْحِيتَانِ وَالطَّيْرِ تَخْفِيفًا عَنْهُمْ ولم يُوجِبْ عليهم شيئا لم تُوجِبْهُ شَرِيعَةُ مُوسَى وقال الْإِمَامُ في تَفْسِيرِهِ رُوِيَ أَنَّ الرُّسُلَ بَعْدَ مُوسَى عليه السَّلَامُ كانت شَرِيعَتُهُمْ وَاحِدَةً مُوَافِقَةً لِشَرِيعَةِ مُوسَى إلَى أَنْ جاء عِيسَى عليه السَّلَامُ بِشَرِيعَةٍ مُجَدِّدَةٍ قال وَمَنَعَ الْقَاضِي كَوْنَ الرَّسُولِ الثَّانِي يَأْتِي بِشَرِيعَةِ الرَّسُولِ الْأَوَّلِ سَوَاءً أَيْ من غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ إذَا كانت شَرِيعَةُ الْأَوَّلِ مَحْفُوظَةً يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهَا بِالتَّوَاتُرِ لِأَنَّ الرَّسُولَ إذَا كان كَذَلِكَ لم يُعْلَمْ من جِهَتِهِ إلَّا ما قد عُلِمَ من قَبْلُ فَكَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَبْعَثَ رَسُولًا لَا شَرِيعَةَ معه أَصْلًا لِمَا بَيَّنَ في الْعَقْلِيَّاتِ كَذَلِكَ ما نَحْنُ فيه وَأَجَابَ الْإِمَامُ عن ذلك بِمَا يُوقَفُ عليه من كَلَامِهِ
- فَصْلٌ في بَيَانِ الْحِكْمَةِ في نَسْخِ الشَّرَائِعِ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ في الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ وهو أَنَّ الشَّرَائِعَ قِسْمَانِ منها ما يُعْرَفُ نَفْعُهَا بِالْعَقْلِ في الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ وَمِنْهَا سَمْعِيَّةٌ لَا يُعْرَفُ الِانْتِفَاعُ بها إلَّا من السَّمْعِ فَالْأَوَّلُ يَمْتَنِعُ طُرُوُّ النَّسْخِ عليها كَمَعْرِفَةِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ أَبَدًا وَمَجَامِعُ هذه الشَّرَائِعِ الْعَقْلِيَّةِ أَمْرَانِ التَّعْظِيمُ لِأَمْرِ اللَّهِ وَالشَّفَقَةُ على خَلْقِ اللَّهِ قال تَعَالَى وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا وَالثَّانِي ما يُمْكِنُ طَرَيَان النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ عليه أُمُورٌ تَحْصُلُ في كَيْفِيَّةِ إقَامَةِ الطَّاعَاتِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْعِبَادَاتِ الْحَقِيقِيَّةِ وَفَائِدَةُ نَسْخِهَا أَنَّ الْأَعْمَالَ الْبَدَنِيَّةَ إذَا وَاظَبُوا عليها خَلَفًا عن سَلَفٍ صَارَتْ كَالْعَادَةِ عِنْدَ الْخَلْقِ وَظَنُّوا أَنَّ أَعْيَانَهَا مَطْلُوبَةٌ لِذَاتِهَا وَمَنَعَهُمْ ذلك من الْوُصُولِ إلَى الْمَقْصُودِ وهو مَعْرِفَةُ اللَّهِ وَتَمْجِيدُهُ فإذا غَيَّرَ ذلك الطَّرِيقَ إلَى نَوْعٍ من الْأَنْوَاعِ وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمَقْصُودَ من هذه الْأَعْمَالِ رِعَايَةُ أَحْوَالِ الْقَلْبِ وَالْأَرْوَاحِ في الْمَعْرِفَةِ وَالْمَحَبَّةِ انْقَطَعَتْ الْأَوْهَامُ عن الِاشْتِغَالِ عن تِلْكَ الصُّوَرِ وَالظَّوَاهِرِ إلَى عَلَّامِ السَّرَائِرِ وَذَكَرَ غَيْرُهُ في ذلك وُجُوهًا منها أَنَّ الْخَلْقَ طُبِعُوا على الْمَلَالَةِ من الشَّيْءِ فَوَضَعَ في كل عَصْرٍ شَرِيعَةً جَدِيدَةً لِيَنْشَطُوا في أَدَائِهَا وَمِنْهَا بَيَانُ شَرَفِ نَبِيِّنَا عليه السَّلَامُ فإنه نَسَخَ بِشَرِيعَتِهِ شَرَائِعَهُمْ وَشَرِيعَتُهُ لَا نَاسِخَ لها وَمِنْهَا ما فيه من حِفْظِ مَصَالِحِ الْعِبَادِ كَطَبِيبٍ يَأْمُرُ بِدَوَاءٍ في كل يَوْمٍ وفي الْيَوْمِ الثَّانِي بِخِلَافِهِ لِلْمَصْلَحَةِ وَمِنْهَا ما فيه من الْبِشَارَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِرَفْعِ الْخِدْمَةِ وَمُؤْنَتِهَا عَنْهُمْ في الْجَنَّةِ فَجَرَيَانُ النَّسْخِ عليها في الدُّنْيَا يُؤْذِنُ بِرَفْعِهَا في الْجَنَّةِ يَمْحُوَا اللَّهُ ما يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ في الرِّسَالَةِ أَنَّ فَائِدَةَ النَّسْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ بِعِبَادِهِ وَالتَّخْفِيفُ عَنْهُمْ وَأُورِدَ عليه أَنَّهُ قد يَكُونُ بِأَثْقَلَ وَجَوَابُهُ أَنَّهُ رَحْمَةٌ في الْحَقِيقَةِ بِالْوُجُوهِ التي ذَكَرْنَا
- فَصْلٌ في شُرُوطِ النَّسْخِ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الْمَنْسُوخُ شَرْعِيًّا لَا عَقْلِيًّا أَيْ قد ثَبَتَ بِالشَّرْعِ ثُمَّ رُفِعَ فَإِنْ كان شيئا يَفْعَلُهُ الناس بِعَادَةٍ لهم أُقِرُّوا عليها ثُمَّ رُفِعَ كَاسْتِبَاحَتِهِمْ الْخَمْرَ في أَوَّلِ الْإِسْلَامِ على عَادَةٍ كانت لهم إلَى أَنْ حُرِّمَ لم يَكُنْ نَسْخًا وَإِنَّمَا هو ابْتِدَاءُ شَرْعٍ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ النَّاسِخُ مُنْفَصِلًا عن الْمَنْسُوخِ مُتَأَخِّرًا عنه فإن الْمُقْتَرِنَ كَالشَّرْطِ وَالصِّفَةِ وَالِاسْتِثْنَاءِ لَا يُسَمَّى نَسْخًا وَإِنَّمَا هو تَخْصِيصٌ كَقَوْلِهِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ فَلَيْسَ ذلك نَاسِخًا لِلصَّوْمِ نَهَارًا وَكَذَا قَوْلُهُ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ قال إِلْكِيَا هذا إذَا كانت الْغَايَةُ مَعْلُومَةً فَإِنْ كانت مُجْمَلَةً وَهِيَ التي رَمَزَ الشَّرْعُ إلَيْهَا وَلَوْ لم تَرِدْ أَمْكَنَ إجْرَاءُ حُكْمِ النَّصِّ كَقَوْلِهِ فَأَمْسِكُوهُنَّ في الْبُيُوتِ حتى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أو يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا فَهَلْ يُجْعَلُ بَيَانُ الْحُكْمِ على خِلَافِ الْحُكْمِ السَّابِقِ بَعْدَهَا نَسْخًا لِلْحُكْمِ الْمُتَقَدِّمِ أَمْ لَا قال فيه قَوْلَانِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ نَسْخٌ بِحَقِّ شَرْعِيَّةِ الْجَلْدِ بَعْدَ قَوْلِهِ أو يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا وَبِهِ جَزَمَ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ كما لو قال افْعَلُوهُ إلَى أَنْ أَنْسَخَهُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ النَّسْخُ بِخِطَابٍ شَرْعِيٍّ فَارْتِفَاعُ الْحُكْمِ بِمَوْتِ الْمُكَلَّفِ أو جُنُونِهِ ليس بِنَسْخٍ وَإِنَّمَا هو سُقُوطُ التَّكْلِيفِ جُمْلَةً الرَّابِعُ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَرْفُوعُ مُقَيَّدًا بِوَقْتٍ يَقْتَضِي دُخُولُهُ زَوَالَ الْمُغَيَّا بِغَايَةٍ فَلَا يَكُونُ نَسْخًا عِنْدَ وُجُودِهَا الْخَامِسُ أَنْ يَكُونَ النَّاسِخُ أَقْوَى من الْمَنْسُوخِ أو مثله فَإِنْ كان أَضْعَفَ منه لم يَنْسَخْهُ لِأَنَّ الضَّعِيفَ لَا يُزِيلُ الْقَوِيَّ قال إِلْكِيَا وَهَذَا مِمَّا قَضَى بِهِ الْعَقْلُ بَلْ دَلَّ الْإِجْمَاعُ عليه فإن الصَّحَابَةَ لم يَنْسَخُوا نَصَّ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ السَّادِسُ وَذَكَرَهُ إِلْكِيَا أَنْ يَكُونَ الْمُقْتَضَى بِالْمَنْسُوخِ غير الْمُقْتَضَى بِالنَّاسِخِ حتى لَا يَلْزَمَ الْبَدَاءُ قال وَلَا يُشْتَرَطُ بِالِاتِّفَاقِ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ النَّاسِخُ مُتَنَاوِلًا لِمَا تَنَاوَلَهُ الْمَنْسُوخُ أَعْنِي التَّكْرَارَ وَالْبَقَاءَ إذْ لَا يُمْنَعُ فَهْمُ الْبَقَاءِ بِدَلِيلٍ آخَرَ سِوَى اللَّفْظِ وَمِنْ هُنَا يُفَارِقُ التَّخْصِيصَ السَّابِعُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا وَأَنْ لَا يَكُونَ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ
- التَّوْقِيتَ نَسْخًا مع كَوْنِهِ مَشْرُوعًا فَلَا يَدْخُلُ النَّسْخُ أَصْلَ التَّوْحِيدِ بِحَالٍ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ لم يَزَلْ وَلَا يَزَالُ وَكَذَا ما عُلِمَ بِالنَّصِّ أَنَّهُ يَتَأَبَّدُ وَلَا يَتَأَقَّتُ فَلَا يَدْخُلُهُ نَسْخٌ كَشَرِيعَتِنَا هذه قال سُلَيْمٌ وَكُلُّ ما لَا يَكُونُ إلَّا على صِفَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَوَحْدَانِيِّتِهِ وَنَحْوِهِ فَلَا يَدْخُلُهُ النَّسْخُ وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا نَسْخَ في الْأَخْبَارِ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهَا على خِلَافِ ما أَخْبَرَ بِهِ الصَّادِقُ وَكَذَا قال إِلْكِيَا الطَّبَرِيُّ وقال الضَّابِطُ فِيمَا يُنْسَخُ ما يَتَغَيَّرُ حَالُهُ من حُسْنٍ لِقُبْحٍ وَاعْلَمْ أَنَّ في جَوَازِ نَسْخِ الْحُكْمِ الْمُعَلَّقِ بِالتَّأْبِيدِ وَجْهَيْنِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا أَحَدُهُمَا الْمَنْعُ لِأَنَّ صَرِيحَ التَّأْبِيدِ مَانِعٌ من احْتِمَالِ النَّسْخِ قال وَأَشْبَهَهُمَا الْجَوَازُ قُلْت وَنَسَبَهُ ابن بَرْهَانٍ إلَى مُعْظَمِ الْعُلَمَاءِ وأبو الْحُسَيْنِ في الْمُعْتَمَدِ إلَى الْمُحَقِّقِينَ قال لِأَنَّ الْعَادَةَ في لَفْظِ التَّأْبِيدِ الْمُسْتَعْمَلِ في لَفْظِ الْأَمْرِ الْمُبَالَغَةُ لَا الدَّوَامُ وقال الْمَاوَرْدِيُّ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَقْتَضِي التَّأْبِيدَ كَالْمُؤَكَّدِ وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ انْقِطَاعُ الْمُؤَبَّدِ بِالِاسْتِثْنَاءِ في قَوْلِهِ وَلَا تَقْبَلُوا لهم شَهَادَةً أَبَدًا الْآيَةَ جَازَ انْقِطَاعُهُ بِالنَّسْخِ كَالْمُطْلَقِ وَنَظِيرُ الْمَسْأَلَةِ تَخْصِيصُ الْحُكْمِ الْمُؤَكَّدِ وقال صَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ ظَاهِرُ كَلَامِ الْجُمْهُورِ جَوَازُ نَسْخِ الْحُكْمِ الْمُصَرَّحِ فيه بِكَلِمَةِ التَّأْبِيدِ وَمَنَعَهُ جَمَاعَةٌ وقال الْجَصَّاصُ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا امْتِنَاعُ نَسْخِهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَلْزَمَنَا اعْتِقَادَ الْحُكْمِ بَاقِيًا على سَبِيلِ التَّأْبِيدِ بِالتَّنْصِيصِ عليه فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَقَاؤُهُ مُؤَقَّتًا إلَى وَقْتٍ وَعَلَى ذلك جَرَى أبو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ وَالدَّبُوسِيُّ والبزدويان الْأَخَوَانِ وَادَّعَى شَارِحُ الْبَزْدَوِيِّ في الْكَشْفِ الِاتِّفَاقَ على أَنَّ التَّنْصِيصَ في وَقْتٍ من أَوْقَاتِ الزَّمَانِ بِخُصُوصِهِ يَمْنَعُ النَّسْخَ وَلَيْسَ كما قال ثُمَّ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ تَخْصِيصُ الْجَوَازِ بِمَا إذَا كان إنْشَاءً نَحْوُ صُومُوا أَبَدًا بِخِلَافِ ما إذَا كان خَبَرًا مِثْلَ الصَّوْمُ وَاجِبٌ مُسْتَمِرٌّ أَبَدًا فَلَا يَجُوزُ نَسْخُهُ وفي كَلَامِ الْآمِدِيَّ إشَارَةٌ إلَيْهِ وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ إذْ يَلْزَمُ من نَسْخِ الْخَبَرِ الْخِلَافُ وَكَذَلِكَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ حَيْثُ قال في أَوَّلِ النَّسْخِ فَإِنْ قِيلَ لو قال هذا الْحُكْمُ مُؤَبَّدٌ لَا يَنْسَخُهُ شَيْءٌ فَهَلْ يَجُوزُ تَقْدِيرُ نَسْخِهِ قُلْنَا لَا لِأَنَّ في تَقْدِيرِ وُرُودِهِ تَجْوِيزَ الْخُلْفِ ا هـ وَلَكِنَّ هذه الْعِلَّةَ لَا خُصُوصِيَّةَ لها بِالْمُؤَبَّدِ فإن الْخَبَرَ من حَيْثُ هو يَمْتَنِعُ فيه
- النَّسْخُ لَا من حَيْثُ التَّأْبِيدُ وَصَوَابُ الْعِبَارَةِ أَنْ يُقَالَ التَّقْيِيدُ بِالتَّأْبِيدِ لَا يَزِيدُ حُكْمًا مُتَجَدِّدًا بَلْ هو تَأْكِيدٌ سَوَاءٌ كان في الْخَبَرِ أَمْ الْإِنْشَاءِ أَمَّا في الْخَبَرِ فَلَا خِلَافَ وَأَمَّا في الْإِنْشَاءِ فَعَلَى الْمُخْتَارِ وقال بَعْضُهُمْ إنَّمَا مَنَعَ ابن الْحَاجِبِ بَعْضَ الْإِنْشَاءَاتِ فَكَأَنَّهُ فَصَلَ بين أَنْ يَكُونَ التَّأْبِيدُ قَيْدًا في فِعْلِ الْمُكَلَّفِ نَحْوُ صُومُوا أَبَدًا فَيَجُوزُ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَيْدًا لِلْوُجُوبِ وَبَيَانًا لِمُدَّةِ بَقَائِهِ وَاسْتِمْرَارِهِ فَلَا يَجُوزُ قُلْت وَهَذَا هو الصَّوَابُ كما صَرَّحَ بِهِ في الْمُنْتَهَى مَسْأَلَةٌ في وَقْتِ النَّسْخِ يَجُوزُ النَّسْخُ بَعْدَ اعْتِقَادِ الْمَنْسُوخِ وَالْعَمَلِ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ قال الْمَاوَرْدِيُّ وَسَوَاءٌ عَمِلَ بِهِ كُلُّ الناس كَاسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أو بَعْضُهُمْ كَفَرْضِ الصَّدَقَةِ عِنْدَ مُنَاجَاةِ الرَّسُولِ صلى اللَّهُ عليه وسلم نُسِخَتْ بَعْدَ أَنْ عَمِلَ بها عَلِيُّ بن أبي طَالِبٍ رضي اللَّهُ عنه وَأَمَّا النَّسْخُ قبل الْفِعْلِ فَهُوَ على أَقْسَامٍ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ قبل عِلْمِ الْمُكَلَّفِ بِوُجُوبِهِ كما إذَا أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ جِبْرِيلَ أَنْ يُعْلِمَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِوُجُوبِ شَيْءٍ على الْأُمَّةِ ثُمَّ يَنْسَخُهُ قبل وُصُولِهِ إلَيْهِ فَجَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ في بَابِ الْقَضَاءِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ وُرُودُ النَّسْخِ عليه لِأَنَّ من شَرْطِ النَّسْخِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ اسْتِمْرَارِ الْفَرْضِ لِيَخْرُجَ عن الْبَدَاءِ إلَى الْإِعْلَامِ بِالْمُدَّةِ قَالَا وَأَمَّا ما رُوِيَ في لَيْلَةِ الْمِعْرَاجِ من فَرْضِ خَمْسِينَ صَلَاةً ثُمَّ اسْتَقَرَّتْ بِخَمْسٍ فَكَانَ على وَجْهِ التَّقْدِيرِ دُونَ الْفَرْضِ لِأَنَّ الْفَرْضَ يَسْتَقِرُّ بِنُفُوذِ الْأَمْرِ ولم يَكُنْ من اللَّهِ تَعَالَى فيه أَمْرٌ إلَّا عِنْدَ اسْتِقْرَارِ الْخَمْسِ انْتَهَى وقد حَكَى ابن السَّمْعَانِيِّ في ذلك الِاتِّفَاقَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ في الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا حَكَاهُمَا الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَإِلْكِيَا وقال لَا يَتَحَقَّقُ الْخِلَافُ لِأَنَّ
- النَّسْخَ نَوْعُ تَكْلِيفٍ أو حَطُّ تَكْلِيفٍ فَإِنْ كان إلَى بَدَلٍ كان تَكْلِيفًا وَإِلَّا حَطَّ تَكْلِيفٍ وقد شُرِعَ لِمِثْلِ ما شُرِعَ له أَصْلُ التَّكْلِيفِ وَالْعِلْمُ شَرْطٌ لِحُصُولِ أَصْلِ التَّكْلِيفِ إلَّا حَيْثُ لَا يَتَوَقَّفُ الْإِمْكَانُ عليه فَالنَّسْخُ مِثْلُهُ بِلَا فَرْقٍ قال وَإِنَّمَا يَظْهَرُ الْخِلَافُ في أَنَّ الْقَضَاءَ هل يَلْزَمُهُمْ بَعْدَ الْعِلْمِ وَالتَّدَارُكِ أو لَا يَتَحَتَّمُ عليهم وَيَنْبَغِي التَّغَايُرُ على أَنَّ الْقَضَاءَ هل يَجِبُ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ أو بِأَمْرٍ جَدِيدٍ فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ وَجَبَ وَإِلَّا فَلَا وَلَا مَزِيدَ على حُسْنِ هذا ا هـ وقال ابن بَرْهَانٍ في الْوَجِيزِ في آخِرِ بَابِ النَّسْخِ نَسْخُ الْحُكْمِ قبل عِلْمِ الْمُكَلَّفِ بِوُجُوبِهِ جَائِزٌ عِنْدَنَا وَمَنَعَتْهُ الْمُعْتَزِلَةُ وَأَصْحَابُ أبي حَنِيفَةَ وَبَنَوْا على ذلك أَنَّ عَزْلَ الْوَكِيلِ لَا يَثْبُتُ قبل الْعِلْمِ وَزَعَمُوا أَنَّ النَّسْخَ قبل الْعِلْمِ يَتَضَمَّنُ تَكْلِيفَ الْمُحَالِ قال وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فَرْعُ تَكْلِيفِ ما لَا يُطَاقَ فإذا قَضَيْنَا بِصِحَّتِهِ صَحَّ النَّسْخُ حِينَئِذٍ قال وَاحْتَجَّ عُلَمَاؤُنَا في هذه الْمَسْأَلَةِ بِقِصَّةِ الْمِعْرَاجِ فإن اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ على الْأُمَّةِ خَمْسِينَ صَلَاةً ثُمَّ نَسَخَهَا قبل عِلْمِهِمْ بِوُجُوبِهَا وَهَذَا لَا حُجَّةَ فيه لِأَنَّ النَّسْخَ إنَّمَا كان بَعْدَ الْعِلْمِ فإن رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَحَدُ الْمُكَلَّفِينَ وقد عَلِمَ وَلَكِنَّهُ قبل عِلْمِ جَمِيعِ الْأُمَّةِ وَعِلْمُ الْجَمِيعِ لَا يُشْتَرَطُ فإن التَّكْلِيفَ اسْتَقَرَّ بِعِلْمِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَلَا اعْتِمَادَ على هذا الحديث ا هـ وَظَهَرَ أَنَّ ما قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وابن السَّمْعَانِيِّ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ وقد قال ابن حَاتِمٍ الْأَزْدِيُّ تِلْمِيذُ الْقَاضِي في كِتَابِ اللَّامِعِ له من لم يَبْلُغْهُ الْأَمْرُ ولم يَعْلَمْ أَنَّهُ مَأْمُورٌ هل يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ قد يُنْسَخُ عنه الْأَمْرُ أَمْ لَا ثُمَّ قال عِنْدَنَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ قد يُنْسَخُ عنه الْأَمْرُ إذَا بَلَغَهُ وَتَأَدَّى إلَيْهِ لَزِمَهُ الْمَصِيرُ إلَى مُوجَبِ النَّاسِخِ قال عبد الْجَلِيلِ الرَّبَعِيُّ في شَرْحِهِ وَهَذَا صَحِيحٌ وَإِنْ تَجَوَّزَ في قَوْلِهِ يَصِحُّ وَحَقُّهُ أَنْ يَقُولَ يَجِبُ إذْ ليس من شَرْطِ كَوْنِ الْأَمْرِ نَسْخًا أَنْ يُبَلَّغَ الْمَأْمُورُ وَإِنَّمَا الْبَلَاغُ شَرْطُ الِامْتِثَالِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَنَا أَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا حين عَدَمِهِ وقال الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وابن حَاتِمٍ وَاللَّفْظُ له يَجُوزُ عِنْدَنَا أَنْ يُقَالَ قد نُسِخَ عنه الْأَمْرُ وإذا بَلَغَهُ لَزِمَهُ الْمَصِيرُ إلَى مُوجَبِ النَّاسِخِ لَا بِالْأَمْرِ الْمُتَقَدِّمِ بَلْ بِاعْتِقَادٍ له آخَرَ وَلَوْ كان على شَيْءٍ آخَرَ فَبَلَغَهُ أَنَّهُ أَمْرٌ ثُمَّ نُسِخَ عنه وَجَبَ أَنْ يَصِيرَ إلَى مُوجَبِ النَّاسِخِ وقال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ مِثْلُ هذا لَا يَكُونُ نَسْخًا أَمَّا إذَا لم يَبْلُغْهُ الْمَنْسُوخُ فَلَا يَلْزَمُهُ حُكْمُ النَّاسِخِ كما لم يَبْلُغْهُ حُكْمُ الْمَنْسُوخِ ا هـ وقال بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ نَسْخُ الْحُكْمِ قبل عِلْمِ الْمُكَلَّفِ بِالْحُكْمِ الْمَنْسُوخِ اتَّفَقَتْ
- الْأَشَاعِرَةُ على جَوَازِهِ وَالْمُعْتَزِلَةُ على مَنْعِهِ وَحَكَى الْفُقَهَاءُ في الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ لِلشَّافِعِيِّ في الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ وَالثَّانِي الْفَرْقُ بين الْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ وَالْأَحْكَامِ التَّعْرِيفِيَّةِ فَمَنَعُوهُ في الْأَوَّلِ وَجَوَّزُوهُ في الثَّانِي كَتَكْلِيفِ الْغَافِلِ وهو مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ ا هـ وَاعْلَمْ أَنَّ النَّاسِخَ إذَا كان مع جِبْرِيلَ عليه السَّلَامُ فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ قبل أَنْ يَصِلَ إلَى النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِالِاتِّفَاقِ كما قَالَهُ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وَسُلَيْمٌ وَغَيْرُهُ وَاخْتَلَفُوا بَعْدَ وُصُولِهِ إلَى النبي عليه السَّلَامُ وَقَبْلَ تَبْلِيغِهِ إلَيْنَا هل يَثْبُتُ حُكْمُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا قبل الْعِلْمِ بِهِ على وَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا حَكَاهُمَا الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وَسُلَيْمٌ وابن الصَّبَّاغِ في الْعِدَّةِ وَغَيْرُهُمْ وَهُمَا قَوْلَانِ لِلْأُصُولِيِّينَ وَاخْتَارَ الثُّبُوتَ وقال سُلَيْمٌ إنَّهُ الصَّحِيحُ وَنَصَرَهُ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في التَّبْصِرَةِ وقال ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ إنَّهُ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا وَنَصَرَهُ وَنُقِلَ عن أَصْحَابِ أبي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ ما لم يَصِلْ إلَيْنَا وَاخْتَارَهُ ابن الْحَاجِبِ وَجَزَمَ بِهِ الرُّويَانِيُّ في بَابِ الْقَضَاءِ وَنَسَبَهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ لِلْجُمْهُورِ وقال وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ يَثْبُتُ النَّسْخُ شَرَطُوا فيه الْبَلَاغَ فَوَجَبَ كَوْنُ الْخِلَافِ لَفْظِيًّا ا هـ وَلَا شَكَّ أَنَّ من لم يَبْلُغْهُ قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا الْمُتَمَكِّنُ وهو الثَّابِتُ في حَقِّهِ وَالثَّانِي غَيْرُ الْمُتَمَكِّنِ وهو مَحَلُّ الْخِلَافِ فَالْجُمْهُورُ على أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ في حَقِّهِ لَا بِمَعْنَى الِامْتِثَالِ وَلَا بِمَعْنَى ثُبُوتِهِ في الذِّمَّةِ وقال بَعْضُهُمْ وَيَثْبُتُ بِالْمَعْنَى الثَّانِي كَالنَّائِمِ ولم يَصِرْ أَحَدٌ إلَى ثُبُوتِهِ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ وقال الْقَاضِي في مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ إنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ لو قُدِّرَ أَنَّ من لم يَبْلُغْهُ النَّاسِخُ أَقْدَمَ على الْحُكْمِ الْأَوَّلِ يَكُونُ ذلك خَطَأً منه بَيْدَ أَنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ وَيُعْذَرُ لِجَهْلِهِ ا هـ وَلَيْسَ كما قال فإن الْأُسْتَاذَ أَبَا مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيَّ قال إنَّ من أَصْحَابِنَا من قال يَصِحُّ عَمَلُهُ بِالْمَنْسُوخِ إلَى وَقْتِ عِلْمِهِ بِالنَّسْخِ وَمِنْهُمْ من قال لَا يَحْسُنُ الْعَمَلُ بِهِ قبل عِلْمِهِ بِالنَّسْخِ لَكِنَّهُ يُعْذَرُ قال وَلِأَجْلِ هذا الْخِلَافِ خَرَّجُوا عَمَلَ الْوَكِيلِ قبل عِلْمِهِ بِالْعَزْلِ على وَجْهَيْنِ وقال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ لَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ في التَّأْثِيمِ وَهَلْ يَثْبُتُ في حُكْمِ الْقَضَاءِ إذْ هو من الْأَحْكَامِ الْوَضْعِيَّةِ هذا فيه تَرَدُّدٌ لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ فيه تَكْلِيفُ ما
- لَا يُطَاقُ قال ابن بَرْهَانٍ وَهَكَذَا الْقَوْلُ في الْأَحْكَامِ الْوَارِدَةِ من جِهَةِ اللَّهِ تَعَالَى ولم تَتَّصِلْ بِنَا لِأَنَّ الْعَادَةَ تَخْصِيصُ جَانِبِ النَّسْخِ بِالذِّكْرِ دُونَ الْحُكْمِ الْمُبْتَدَأِ ا هـ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ غَرِيبَةٌ وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ في حَقِّ من لم يَبْلُغْهُ اتَّفَقُوا على أَنَّهُ يُخَاطَبُ بِحُكْمِ الْأَوَّلِ إلَى أَنْ يَبْلُغَهُ النَّسْخُ ثُمَّ اخْتَلَفُوا هل يَتَّصِفُ بِكَوْنِهِ نَاسِخًا قبل الْبُلُوغِ كما أَنَّ الْأَمْرَ أَمْرٌ لِلْمَعْدُومِ على شَرْطِ الْوُجُودِ أو لَا يَتَّصِفُ إلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ قال الْقَاضِي وهو خِلَافٌ لَفْظِيٌّ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ الْحَقِيقِيُّ مع الَّذِينَ قَدَّمْنَا ذِكْرَهُمْ يَعْنِي الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْحُكْمَ يَرْتَفِعُ عَمَّنْ لم يَبْلُغْهُ النَّاسِخُ وقد تَبِعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْقَاضِيَ في جَعْلِ الْخِلَافِ لَفْظِيًّا قال لِأَنَّهُ إنْ كان الْمُرَادُ أَنَّ عليهم الْأَخْذَ بِالنَّاسِخِ قبل بُلُوغِهِ فَتَكْلِيفُ ما لَا يُطَاقُ وَإِنْ أُرِيدَ إلْزَامُ التَّدَارُكِ فَلَا مَنْعَ قَطْعًا وقد قال بَلْ تَظْهَرُ فَائِدَتُهُ في أَنَّهُ هل يَحْتَاجُ في التَّدَارُكِ إلَى خِطَابٍ جَدِيدٍ أو يَكْفِي النَّاسِخُ وقد سَبَقَ عن إلْكِيَا ما يَنْبَغِي اسْتِحْضَارُهُ هُنَا قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في التَّلْخِيصِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَطْعِيَّةٌ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى إلْحَاقِهَا بِالْمُجْتَهَدَات حتى نَقَلُوا فيها قَوْلَيْنِ من الْوَكِيلِ إذَا عُزِلَ ولم يَبْلُغْهُ الْعَزْلُ هذا كُلُّهُ إذَا بَلَّغَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وهو في الْأَرْضِ فَإِنْ بَلَّغَهُ وهو في السَّمَاءِ كَقَضِيَّةِ الصَّلَاةِ فَهَلْ يُسَمَّى نَسْخًا أَمْ لَا ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ تَسْمِيَتُهُ بِهِ وَمَنَعَ أبو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ في كِتَابِهِ ذلك لِأَنَّ الْأَمْرَ لم يَقَعْ قَطُّ إلَّا في الْوَقْتِ الثَّانِي قال وَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ نَسْخًا لِلتَّخَلُّصِ من تَأْخِيرِ الْبَيَانِ لَجَازَ ذلك في قِصَّةِ أَصْحَابِ الْبَقَرَةِ حين أُمِرُوا بِذَبْحِهَا حتى رَاجَعُوا وَعَيَّنَ لهم فَرَدُّوا فَيَنْبَغِي تَسْمِيَتُهُ نَسْخًا لِأَنَّهُ سَبَبٌ حَادِثٌ بَعْدَ الْأَمْرِ الْمُتَقَدِّمِ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّ الْخِطَابَ قد وُجِّهَ بِهِ فَهُوَ أَوْلَى من الذي لم يُوَاجَهْ بِهِ الْمَفْرُوضُ عليه وَلَا نَزَلَ من السَّمَاءِ قال وَلَا يُسَمِّي أَحَدٌ هذا نَسْخًا وقال ابن عَقِيلٍ من الْحَنَابِلَةِ يَجُوزُ النَّسْخُ في السَّمَاءِ إذَا كان هُنَاكَ تَكْلِيفٌ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ قد أُسْرِيَ بِبَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ كَنَبِيِّنَا صلى اللَّهُ عليه وسلم وَلَا يَكُونُ ذلك بَدَاءً خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَمَنَعُوا كَوْنَ الْإِسْرَاءِ يَقَظَةً وقال الْإِمَامُ أبو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ في كِتَابِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ تَأْلِيفُهُ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا من أَهْلِ الْعِلْمِ اسْتَجَازَ أَنْ يُطْلَقَ اللَّفْظُ بِنَسْخِ الشَّيْءِ قبل أَنْ يَنْزِلَ من السَّمَاءِ إلَى الْأَرْضِ قِيلَ الْقَاشَانِيُّ يُسَمِّي الرُّجُوعَ من خَمْسِينَ صَلَاةً إلَى خَمْسٍ نَسْخًا فَخَرَجَ بِذَلِكَ من قَوْلِك الْأُمَّةَ انْتَهَى
- الْقِسْمُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ بَعْدَ عِلْمِ بَعْضِ الْمُكَلَّفِينَ بِوُجُوبِهِ وَهَذِهِ هِيَ مَسْأَلَةُ الْمِعْرَاجِ وقد سَبَقَ حُكْمُهَا وقد ذَكَرَهَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ فَقَالَا إنْ أَبْلَغَهُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم إلَى الْبَعْضِ هل يَثْبُتُ حُكْمُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْغَائِبِينَ فيه وَجْهَانِ أَشْبَهَهُمَا أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لِأَنَّ أَهْلَ قُبَاءَ لَمَّا بَلَغَهُمْ نَسْخُ الْقِبْلَةِ وَهُمْ في الصَّلَاةِ اسْتَدَارُوا وَبَنَوْا ولم يَسْتَأْنِفُوا وقال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في التَّبْصِرَةِ إذَا نَزَلَ النَّسْخُ على الرَّسُولِ ثَبَتَ النَّسْخُ في حَقِّهِ وفي حَقِّهِمْ في قَوْلِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَمِنْ قَائِلٍ لَا يَثْبُتُ في حَقِّ الْأُمَّةِ قبل أَنْ يَتَّصِلَ ذلك بِهِمْ وهو قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ ثُمَّ نَصَرَ الشَّيْخُ الْأَوَّلَ وَأَجَابَ عن قِصَّةِ أَهْلِ قُبَاءَ بِأَنَّ الْقِبْلَةَ يَجُوزُ تَرْكُهَا بِالْأَعْذَارِ وَلِهَذَا تُتْرَكُ مع الْعِلْمِ بها في نَوَافِلِ السَّفَرِ فَلِهَذَا لم يُؤَمَّرُوا بِالْإِعَادَةِ وَحَكَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مَذْهَبًا ثَالِثًا بِالتَّفْصِيلِ بين الْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ وَخِطَابِ الْوَضْعِ فَمَنَعَهُ في الْأَوَّلِ وَجَوَّزَهُ في الثَّانِي لِأَنَّهُ يَلْتَحِقُ بِالْغَافِلِ وَنَحْوِهِ الْقِسْمُ الثَّالِثُ أَنْ يَعْلَمَ الْمُكَلَّفُ بِوُجُوبِهِ عليه لَكِنْ لم يَدْخُلْ وَقْتُهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُوَسَّعًا كما لو قال اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ غَدًا ثُمَّ نُسِخَ عَنْهُمْ في ذلك الْيَوْمِ أو يَكُونَ على الْفَوْرِ ثُمَّ يُنْسَخَ قبل التَّمَكُّنِ من الْفِعْلِ أو يُؤْمَرَ بِالْعِبَادَةِ مُطْلَقًا ثُمَّ يُنْسَخَ قبل مُضِيِّ وَقْتِ التَّمَكُّنِ من فِعْلِهَا فَهَاهُنَا اخْتَلَفُوا فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ من أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ إلَى الْجَوَازِ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وَسُلَيْمٌ عن أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَنَقَلَهُ ابن بَرْهَانٍ عن الْأَشْعَرِيَّةِ وَجَمَاعَةٍ من الْحَنَفِيَّةِ وَنَقَلَهُ غَيْرُهُمْ عن مُعْتَزِلَةِ الْبَصْرَةِ قال الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ وهو قَوْلُ جَمِيعِ أَهْلِ الْحَقِّ وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ كما قَالَهُ ابن السَّمْعَانِيِّ وَالْحَنَابِلَةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَمِنْهُمْ من قَيَّدَهُ بِمُعْتَزِلَةِ بَغْدَادَ إلَى الْمَنْعِ وقال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ إنَّهُ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ وَلِهَذَا حَدَّ النَّسْخَ بِاللَّفْظِ الدَّالِّ على زَوَالِ مِثْلِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ في الْمُسْتَقْبَلِ قال وَإِنَّمَا مَنَعَهُ الْأَشَاعِرَةُ وقال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ وهو قَوْلُ شُيُوخِنَا الْمُتَكَلِّمِينَ قال ابن بَرْهَانٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الصَّيْرَفِيُّ وَكَثِيرٌ من أَصْحَابِنَا وَعَامَّةُ الْمُعْتَزِلَةِ
- وقال صَاحِبُ الْمَصَادِرِ إنَّهُ الصَّحِيحُ وَهَكَذَا حَكَى الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وابن السَّمْعَانِيِّ الْمَنْعَ عن الصَّيْرَفِيِّ وَنَقَلَ صَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ عن الصَّيْرَفِيِّ الْجَوَازَ وهو الذي رَأَيْته في كِتَابِهِ قال وهو مَذْهَبُ أبي بَكْرٍ الدَّقَّاقِ وَعَلَيْهِ مَشَايِخُ ما وَرَاءَ النَّهْرِ وَذَكَرَ الْبَزْدَوِيُّ أَنَّ التَّمَكُّنَ من أَدَاءِ الْعِبَادَةِ ليس بِشَرْطٍ في نَسْخِهَا وَإِنَّمَا الْمَشْرُوطُ هو التَّمَكُّنُ من الْعَزْمِ وقال صَاحِبُ اللُّبَابِ اخْتَلَفُوا في التَّمَكُّنِ من الْفِعْلِ هل هو شَرْطٌ لِجَوَازِ النَّسْخِ قال بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ من أَصْحَابِنَا مِثْلُ أبي بَكْرٍ الْجَصَّاصِ وَالْقَاضِي أبي زَيْدٍ وَغَيْرِهِمَا وَعَامَّةِ الْمُعْتَزِلَةِ إنَّهُ شَرْطٌ وقال بَعْضُ مَشَايِخنَا وَعَامَّةُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ليس بِشَرْطٍ حتى لو كان الْأَمْرُ مُعَلِّقًا بِوَقْتٍ جَازَ نَسْخُهُ قبل مَجِيءِ الْوَقْتِ وَكَذَلِكَ إذَا كان مُنَجَّزًا غير مُعَلَّقٍ لَكِنْ لَمَّا لم يَتَمَكَّنْ من الِامْتِثَالِ بِهِ فيه وَقَعَ الْخِلَافُ وَأَجْمَعُوا على أَنَّ التَّمَكُّنَ من الِاعْتِقَادِ شَرْطٌ ا هـ وقال شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ شَرْطُ جَوَازِ النَّسْخِ عِنْدَنَا التَّمَكُّنُ من عَقْدِ الْقَلْبِ وَأَمَّا الْفِعْلُ وَالتَّمَكُّنُ منه فَلَيْسَ بِشَرْطٍ وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ التَّمَكُّنُ من الْفِعْلِ شَرْطٌ قال الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ قال أَهْلُ الْحَقِّ لَا نَسْخَ على الْحَقِيقَةِ إلَّا قبل دُخُولِ الْوَقْتِ قال وَاخْتَلَفَ الْمُجَوِّزُونَ لِنَسْخِ الشَّيْءِ قبل وَقْتِهِ فَقِيلَ يَجُوزُ مُطْلَقًا وَلَهُ أَنْ يَنْهَى عن نَفْسِ ما أُمِرَ بِهِ قبل دُخُولِ وَقْتِهِ وَقِيلَ إنَّمَا يَجُوزُ بِشَرْطٍ أَنْ يَنْهَى على غَيْرِ الْوَجْهِ الْمَأْمُورِ بِإِيقَاعِهِ عليه فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْهَى عنه في ذلك الْوَقْتِ على ذلك الْوَجْهِ الذي تَنَاوَلَهُ الْأَمْرُ عليه وَاخْتَلَفُوا في وَجْهِ الْمُغَايَرَةِ على طُرُقٍ إنَّمَا يُؤْمَرُ بِالْفِعْلِ بِشَرْطِ بَقَاءِ الْأَمْرِ فإذا نُهِيَ عنه قبل وَقْتِهِ زَالَ الْأَمْرُ بِهِ فَصَارَ لِذَلِكَ مَأْمُورًا بِهِ على وَجْهٍ وَمَنْهِيًّا عن إيقَاعِهِ على غَيْرِ الْوَجْهِ الذي تَنَاوَلَهُ الْأَمْرُ وَقِيلَ إنَّمَا يُؤْمَرُ بِالْفِعْلِ في الْوَقْتِ مع انْتِفَاءِ النَّهْيِ عنه بَدَلَ الْأَوَّلِ مع بَقَاءِ الْأَمْرِ وَقِيلَ إنَّمَا يُؤْمَرُ بِالْفِعْلِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُمْنَعَ منه وَقِيلَ بِشَرْطِ أَنْ يَخْتَارَهُ الْمُكَلَّفُ وَيَعْزِمَ عليه فإذا نهى عنه فَإِنَّمَا ذلك لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَا يَخْتَارُهُ ثُمَّ قال الْقَاضِي وَالْمُخْتَارُ عَدَمُ الْقَوْلِ بِالْحَاجَةِ إلَى شَيْءٍ من ذلك قال بَعْضُهُمْ وَحَاصِلُ الْخِلَافِ يَرْجِعُ إلَى أَنَّ الْأَمْرَ قبل التَّمَكُّنِ هل هو ثَابِتٌ مَوْجُودٌ بِالْفِعْلِ فَيَصِحُّ نَسْخُهُ أو غَيْرُ ثَابِتٍ فَلَا يَصِحُّ كما تَقَدَّمَ في مَسْأَلَةِ خِطَابِ الْكُفَّارِ بِالْفُرُوعِ وَاسْتَشْكَلَ بَعْضُهُمْ فَائِدَةَ الْأَمْرِ على تَقْدِيرِ تَجْوِيزِ النَّسْخِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ فَائِدَتَهُ اعْتِقَادُ الْوُجُوبِ لِأَنَّ ما يَجِبُ لِلَّهِ يَكُونُ على مَحْضِ الِابْتِلَاءِ وَيَتَحَقَّقُ الِابْتِلَاءُ في التَّكْلِيفِ
- بِاعْتِقَادِ الْوُجُوبِ الْقِسْمُ الرَّابِعُ أَنْ يَدْخُلَ وَقْتُ الْمَأْمُورِ بِهِ لَكِنْ يُنْسَخُ قبل فِعْلِهِ إمَّا لِكَوْنِهِ مُوَسِّعًا وَإِمَّا لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَشْرَعَ فَيَنْسَخَ فقال سُلَيْمٌ وابن الصَّبَّاغِ في الْعِدَّةِ إنَّهُ لَا خِلَافَ بين أَهْلِ الْعِلْمِ في جَوَازِهِ وَجَعَلَا الْخِلَافَ فِيمَا قبل دُخُولِ الْوَقْتِ وَكَذَلِكَ فَعَلَ ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ وَالْقَاضِي من الْحَنَابِلَةِ وَكَذَا نَقَلَ فيه الْإِجْمَاعَ صَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ قال لِلْمَعْنَى الذي جَازَ نَسْخُهُ بَعْدَ إيجَادِهِ وهو انْقِلَابُ الْمَصْلَحَةِ مَفْسَدَةً وَكَذَا الْآمِدِيُّ في أَثْنَاءِ الِاسْتِدْلَالِ فإنه قال وَالْخِلَافُ إنَّمَا هو فِيمَا قبل التَّمَكُّنِ لَا بَعْدَهُ وَكَلَامُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ في الْبُرْهَانِ مُصَرِّحٌ بِهِ وَجَرَى عليه الْعَبْدَرِيّ في شَرْحِ الْمُسْتَصْفَى فقال النَّسْخُ قبل التَّمَكُّنِ من الْفِعْلِ ثَلَاثُ صُوَرٍ إحْدَاهَا أَنْ يَرِدَ بَعْدَ أَنْ مَضَى من الْوَقْتِ قَدْرُ ما تَقَعُ فيه الْعِبَادَةُ كُلُّهَا الثَّانِيَةُ أَنْ يَرِدَ بَعْدَ أَنْ مَضَى من الْوَقْتِ قَدْرُ ما يَقَعُ فيه بَعْضُهَا فَهَاتَانِ الصُّورَتَانِ مُتَّفَقٌ على جَوَازِ النَّسْخِ عِنْدَ الْأَشْعَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةُ فِيهِمَا لِأَنَّ شَرْطَ الْأَمْرِ حَاصِلٌ وهو التَّمَكُّنُ من الْفِعْلِ الثَّالِثَةُ أَنْ يَرِدَ الْأَمْرُ قبل وَقْتِهِ الْمُعْتَدِّ بِهِ ثُمَّ يُنْسَخُ قبل دُخُولِ ذلك الْوَقْتِ فَهُوَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ ا هـ وفي هذا رَدٌّ على الْقَرَافِيِّ وَغَيْرِهِ حَيْثُ أَجْرَوْا خِلَافَ الْمُعْتَزِلَةِ هُنَا نعم الْخِلَافُ ثَابِتٌ بِنَقْلِ الْهِنْدِيِّ أَنَّ في بَعْضِ الْمُؤَلَّفَاتِ الْقَدِيمَةِ أَنَّ بَعْضَهُمْ كَالْكَرْخِيِّ خَالَفَ فيه وقال لَا يَجُوزُ النَّسْخُ قبل الْفِعْلِ سَوَاءٌ مَضَى من الْوَقْتِ مِقْدَارُ ما يَسَعُهُ أَمْ لم يَمْضِ وقد أَطْلَقَ جَمَاعَةٌ من أَئِمَّتِنَا حِكَايَةَ الْخِلَافِ في النَّسْخِ قبل الْفِعْلِ وهو يَشْمَلُ هذه الصُّورَةَ وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ فيها ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ فقال إذَا وَرَدَ النَّسْخُ قبل اعْتِقَادِ الْمَنْسُوخِ وَقَبْلَ الْعَمَلِ بِهِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا لَا يَجُوزُ كما لَا يَجُوزُ قبل الِاعْتِقَادِ وَالثَّانِي يَجُوزُ كما يَجُوزُ بَعْدَ الْعَمَلِ لِأَنَّ الِاعْتِقَادَ من أَعْمَالِ الْقَلْبِ وَالثَّالِثُ لَا يَجُوزُ إلَّا إنْ مَضَى بَعْدَ الِاعْتِقَادِ زَمَانُ الْعَمَلِ بِهِ وَإِنْ لم يُعْمَلْ بِهِ لِاخْتِصَاصِ النَّسْخِ بِتَقْدِيرِهِ التَّكْلِيفَ وَذَلِكَ مَوْجُودٌ بِمُضِيِّ زَمَانِهِ ا هـ وَقَضِيَّتُهُ جَرَيَانُ الْخِلَافِ مُطْلَقًا فِيمَا قبل التَّمَكُّنِ وَبَعْدَهُ
- وَعَنْ أبي الْعَبَّاسِ بن سُرَيْجٍ حِكَايَةُ وَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ في النَّسْخِ قبل الْفِعْلِ أَحَدُهُمَا الْمَنْعُ وَالثَّانِي التَّفْصِيلُ بين أَنْ يُنْقَلَ من فَرْضٍ إلَى إسْقَاطِهِ فَيَجُوزَ لِأَنَّ الْإِسْقَاطَ حَصَلَ فيه الْإِثْبَاتُ لِلتَّخْفِيفِ وَهَذَا الْوَجْهُ رَأَيْته مَحْكِيًّا في كِتَابِ أبي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ الذي أَلَّفَهُ في النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ قال بَابُ ذِكْرِ نَسْخِ الْفَرْضِ الْمَأْمُورِ بِهِ قبل أَنْ يُسْتَعْمَلَ منه شَيْءٌ بِإِسْقَاطِهِ أو بِالنَّقْلِ إلَى غَيْرِهِ قال أبو إِسْحَاقَ لَسْت أَحْفَظُ لِلشَّافِعِيِّ في هذا الْبَابِ شيئا نَصًّا إلَّا ما ذَكَرَهُ في بَعْضِ الْمَوَاضِعِ من أَنَّ اللَّهَ عز وجل إذَا فَرَضَ شيئا اسْتَعْمَلَ عِبَادَهُ بِهِ ما أَحَبَّ ثُمَّ نَقَلَهُمْ منه إذَا شَاءَ هذا مَعْنَاهُ وَلَيْسَ فيه ما يَقْتَضِي الْجَوَازَ أو الْمَنْعَ لَكِنَّهُ إلَى الْمَنْعِ أَقْرَبُ وقد ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى جَوَازِهِ لِأَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فُرِضَ عليه خَمْسُونَ صَلَاةً حَيْثُ أُسْرِيَ بِهِ ثُمَّ رُدَّ إلَى خَمْسٍ فَصَارَ نَسْخًا قبل اسْتِعْمَالِهِ وَكَذَلِكَ قِصَّةُ إبْرَاهِيمَ في الذَّبْحِ وَنَسْخُ الصَّدَقَةِ عِنْدَ مُنَاجَاةِ الرَّسُولِ وَعَهْدُ النبي عليه السَّلَامُ مع قُرَيْشٍ أَنْ يَرُدَّ عليهم من جَاءَهُ من نِسَائِهِمْ وَذَلِكَ نَقْلٌ عَمَّا أُمِرُوا بِهِ قبل اسْتِعْمَالِهِ قال أبو إِسْحَاقَ وَهَذَا كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ وَالْأَصَحُّ عِنْدِي على مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَسْخُ الشَّيْءِ قبل أَنْ يُسْتَعْمَلَ منه شَيْءٌ وَأَمَّا الِانْفِصَالُ عن جَمِيعِ ما ذَكَرَ على مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَالْجَوَابُ في ذلك على وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَسْخُ شَيْءٍ لم يُسْتَعْمَلْ منه شَيْءٌ بِأَيِّ وُجُوهٍ النَّسْخِ كان نَقْلًا من فَرْضٍ إلَى غَيْرِهِ أو من وُجُوبٍ إلَى إسْقَاطٍ أو من حَظْرٍ إلَى إبَاحَةٍ أو عَكْسِهِ وَالثَّانِي أَنَّ ذلك جَائِزٌ فِيمَا نُقِلَ من فَرْضٍ إلَى إسْقَاطٍ لِأَنَّ الْإِسْقَاطَ قد حَصَلَ منه الِامْتِنَانُ بِالتَّخْفِيفِ وهو الْمَقْصُودُ وَلِهَذَا قال تَعَالَى الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ فَامْتَنَّ بِالتَّخْفِيفِ بَعْدَ التَّغْلِيظِ فَهَذَا جَائِزٌ فَأَمَّا إذَا نُقِلَ من فَرْضٍ إلَى مِثْلِهِ أو أَغْلَظَ منه فَلَيْسَ ذلك مَوْضِعَ الِامْتِنَانِ وَلَا الْمَقْصِدَ في الْأَمْرِ الْأَوَّلِ إلَّا فِعْلَ ما أُمِرُوا بِهِ وَالنَّقْلُ عن ذلك إلَى مِثْلِهِ لَا مَقْصِدَ فيه يُنْسَبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِعْلًا إلَّا وَيَكُونُ في ذلك مَقْصِدٌ مُعْتَزِلِيٌّ مَعْرُوفٌ ثُمَّ قال
- وَإِنَّمَا حَمَلَ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ النَّسْخِ قبل الْفِعْلِ مُرَاعَاةُ مَذْهَبِهِمْ في الْمَنْعِ من تَأْخِيرِ الْبَيَانِ فَأَرَادُوا تَصْحِيحَ مَذْهَبِهِمْ فَسَمَّوْا ما وَقَعَ التَّأْخِيرُ فيه نَسْخًا لِئَلَّا يَلْزَمَهُمْ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ فَعَدَلُوا عن تَسْمِيَتِهِ بَيَانًا إلَى النَّسْخِ لِذَلِكَ قال وَأَوَّلُ من فَعَلَ ذلك الْقَاشَانِيُّ وقد كان قَوْلُهُ بِتَأْخِيرِ الْبَيَانِ أَوْلَى ثَمَّ وَأَشْبَهَ بِمَذَاهِبِ أَهْلِ الْعِلْمِ في جَوَازِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ ثُمَّ قال فَإِنْ قُلْنَا بِالْوَجْهِ الثَّانِي فما ذَكَرُوهُ من الْأَدِلَّةِ سَاقِطٌ لِأَنَّ جَمِيعَهَا نُقِلَ من فَرْضٍ إلَى إسْقَاطٍ وَالِامْتِنَانُ في جَمِيعِ ذلك ثَابِتٌ وَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ وهو نَفْيُ جَوَازِ ذلك مُطْلَقًا فَالْجَوَابُ عنه أنها كُلُّهَا نَسْخٌ بَعْدَ الشُّرُوعِ في الْأَمْرِ وَنَحْنُ إنَّمَا نَمْنَعُ من قبل أَنْ يُؤْتَى منه بِشَيْءٍ وَقِصَّةُ إبْرَاهِيمَ أُتِيَ فيها بِالْإِضْجَاعِ وَإِمْرَارِ السِّكِّينِ وَالطَّعْنِ بِهِ وَكَذَلِكَ قِصَّةُ النَّجْوَى فَقَدْ فَعَلَهَا بَعْضُ الصَّحَابَةِ وَقِصَّةُ الصَّلَاةِ لَا نُسَمِّيهِ نَسْخًا لِأَنَّهُ لم يَسْتَقِرَّ الْأَمْرُ إلَّا بِخَمْسٍ وَأَمَّا قِصَّةُ الصُّلْحِ فقال الشَّافِعِيُّ إنَّ الصُّلْحَ كان قد وَقَعَ في الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَرَدَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم الرِّجَالَ وَمَنَعَ من رَدِّ النِّسَاءِ وَأَعْطَوْا الْغَرَضَ منه فَقَدْ اُسْتُعْمِلَ بَعْدَ الْفِعْلِ وَنَحْنُ لَا نَمْنَعُ وُقُوعَ النَّسْخِ بَعْدَ أَنْ يُفْعَلَ بَعْضُهُ هذا خُلَاصَةُ كَلَامِهِ الْقِسْمُ الْخَامِسُ أَنْ يَدْخُلَ وَقْتُهُ فَيَشْرَعَ في فِعْلِهِ لَكِنَّهُ يُنْسَخُ قبل تَمَامِهِ وقد سَبَقَ التَّصْرِيحُ من كَلَامِ أبي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ بِجَوَازِ هذه الْحَالَةِ وقد جَعَلَهَا الْأَصْفَهَانِيُّ في شَرْحِ الْمَحْصُولِ من صُوَرِ الْخِلَافِ وقال الْقَرَافِيُّ لم أَرَ فيه نَقْلًا وَلَكِنَّ مُقْتَضَى قَوْلِنَا الْجَوَازُ مُطْلَقًا وَمُقْتَضَى قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ التَّفْصِيلُ بين أَنْ يُقَالَ إذَا أتى بِبَعْضِ الْمَأْمُورِ بِهِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَأْتِيُّ بِهِ تَحْصُلُ بِهِ مَصْلَحَةٌ أو لَا تَحْصُلُ فَإِنْ لم تَحْصُلْ كما إذَا أُمِرَ بِإِنْقَاذِ الْغَرِيقِ يَأْتِي بِهِ إلَى قَرِيبٍ من الشَّاطِئِ وكان الْغَرِيقُ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ السِّبَاحَةُ إلَى طُلُوعِ الْبَرِّ فإن هذه الصُّورَةَ وَأَشْبَاهَهَا لَا يَجُوزُ فيها النَّسْخُ وَإِنْ حَصَلَ بَعْضُ الْمَقْصُودِ كما إذَا أُمِرَ بِإِشْبَاعِ الْجَائِعِ وَسَقْيِ الْعَطْشَانِ وَإِكْسَاءِ الْعُرْيَانِ فَفَعَلَ الْبَعْضُ فإنه
- يَجُوزُ نَسْخُ الْبَاقِي لِأَنَّ الذي فَعَلَهُ مَقْصُودٌ القسم السادس أن يقع بعد خروج الوقت قبل فعله مقتضى استدلال ابن الحاجب أنه يمتنع بالاتفاق ووجه بأن التكليف بذلك الفعل المأمور بعد مضي وقته ينتفي لانتفاء شرطه وهو الوقت وإذا انتفى فلا يمكن رفعه لامتناع رفع المعدوم لكن صرح الآمدي في الإحكام بالجواز وأنه لا خلاف فيه قيل ولا يتأتى الأمر إذا صرح بوجوب القضاء أو قلنا الأمر بالأدلة يستلزمه والصواب هذه الطريقة فإن أبا الحسين البصري من المعتزلة قطع به فقال في المعتمد نسخ الشيء قبل فعله ضربان نسخ له قبل وقته وهو غير جائز عند شيوخنا المتكلمين وذهب بعض الفقهاء إلى جوازه ونسخ له بعد مضي وقته وهو جائز لأن مثل الفعل يجوز أن يصير في مستقبل الأوقات مفسدة قال ولا فرق في جواز ذلك في العقل بين أن يعصي المكلف أو يطيع ا هـ فهذا تصريح بأن خلاف المعتزلة لا يجيء في هذه الصورة بل هي محل وفاق بيننا وبينهم لكن القاضي في التقريب صرح بجريان خلافهم في هذه المسألة فقال لا يستحيل عندنا أن ينسخ الفعل قبل وقوعه وبعد مضي وقته الذي وقته به لا على أن يقال للمكلف لا تفعله في الوقت الماضي الذي كان قد وقت به لاستحالته ولكن يجوز النسخ له والنهي عنه قبل فعله ومع فعله وبعد مضي وقته بأن تعاد القدرة على فعله أو على تركه في المستقبل لأن ذلك يصح ثم يؤمر المكلف بأن يفعله مرة ثانية فيما بعد إذا عرفه بعينه ثم يقال له قبل دخول وقته الذي وقت له ثانيا لا تفعله فقد نهيناك عنه هذا جائز غير ممتنع ويكون نسخا للشيء قبل وقته وقبل إيقاعه ومنع إيقاعه في وقته الأول قال وهذا لا يصح إلا مع القول بجواز إعادة أفعال العبادات والمعتزلة ينكرونه وعلى إعادة الباقي من أفعال العباد وغير الباقي فلذلك أحالوا نسخ الشيء قبل تقضي وقته إما لاختصاصه بالزمان أو لاستحالة الإعادة عليه وإن كان باقيا ومن وافقهم من الفقهاء على مسألة النسخ فلم يعرف ما أرادوا من ذلك فليحذر الفقيه السليم من بدعتهم
- تنبيهات الأول أن القاضي أبا الطيب الطبري ترجم المسألة بالنسخ قبل وقت الفعل ثم قال وقال بعض العلماء بالأصول إنما قلنا نسخ الحكم قبل وقت الفعل ولم نقل قبل فعله لأن المخالف يقول يجوز قبل فعله وهو نسخ الفعل الثاني والثالث وما بعده قال القاضي والصحيح أن النسخ إذا ورد قبل وقت الفعل بينا أن المراد به إيجاب مقدمات الفعل وكل النسخ عندنا هكذا لأنه تخصيص للزمان وبيان لما يراد باللفظ كالتخصيص في الأعيان ولا نقول إن الله نسخ ما أمر به وأوجب علينا فعله وأراد إيجابه لاستلزامه البداء وهو محال ا هـ وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني جوز الجمهور النسخ قبل الفعل وجعلوا الحقيقة إذا قال لهم صلوا غدا واقتلوا زيدا ثم منعهم منه قبل دخول الوقت إنه إنما أمرهم به على وصف إن وجد سقط الأمر كأن قال صلوا غدا واقتلوا زيدا إن لم تموتوا الثاني قال ابن أبي هريرة والأستاذ أبو إسحاق والخفاف في الخصال كل نسخ فإنما يكون قبل الفعل لأن ما مضى يستحيل لحوق النسخ له لأن النسخ رفع الحكم في المستقبل من الزمان فلا معنى لقول من أبطل النسخ قبل الفعل ولهذا قال إمام الحرمين ترجمة المسألة بالنسخ قبل الفعل مختلة يعني لأنها تفهم صحة النسخ بعد الفعل وهو غير صحيح ولا نسخ أبدا إلا قبل الفعل سواء قلنا إنه رفع أو بيان إذ لا ينعطف النسخ على سابق وإنما المراد به هل يجوز نسخ الفعل قبل دخول وقته أو قبل أن يمضي من وقت الأمر به ما يسعه فأهل الحق على جوازه والمعتزلة على منعه ثم احتج بقصة الخليل عليه السلام فإنه نسخ الأمر قبل وقوعه وهذا الدليل لا يطابق المدعى بظاهره وصور الغزالي المسألة في النسخ قبل التمكن من الفعل وأبو الحسين في النسخ قبل وقت الفعل وتبعه ابن الحاجب وغيره والأحسن أن يقال قبل مضي مقدار ما يسعه من وقته ليشمل ما إذا حضر وقت الفعل ولكن لم يمض مقدار ما يسعه فإن هذه الصورة من محل النزاع أيضا قلت والقائلون بالنسخ قيل أرادوا به نسخ الخطاب الذي لم يتقدم به عمل ألبتة وحينئذ فلا يتوجه ما قاله الإمام فإن المراد نسخ الحكم المتلقى من الخطاب قبل التمكن من مقتضاه ألبتة
- الثالث أصل الخلاف هنا الخلاف السابق في صحة التكليف بما علم الآمر انتفاء شرط وقوعه عند وقته وكذلك يعلم المأمور كونه مأمورا قبل التمكن من الامتثال والمعتزلة يمنعونه ولهذا أنكروا ثبوت الأمر المقيد بالشرط فمن قال إنه يمتنع كالمعتزلة لزمه هنا عدم جواز النسخ قبل وقته إذ لا يتمكن قبل الوقت فلا أمر والنسخ يستدعي تحقق الأمر السابق فيستحيل النسخ عند عدمه ويلزم إمام الحرمين موافقتهم هنا لأنه وافقهم على ذلك الأصل أما من لم يقل بذلك كالجمهور فيجوز أن يقول بجوازه وأن لا يقول بذلك لما يظهر له من دليل تخصيصه وليست هذه المسألة فرع تلك على الإطلاق أعني في الجواز وعدمه كما أشعر به كلام الغزالي بل في عدم الجواز فقط وفي تقريب القاضي أن أصل الخلاف هنا الخلاف الكلامي في جواز إعادة أفعال العبادة وقد سبق قريبا مَسْأَلَةٌ لَا يُشْتَرَطُ في النَّسْخِ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ إشْعَارُ الْمُكَلَّفِ بِوُقُوعِهِ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ وقد سَبَقَتْ مسألة لا يشترط في النسخ أن يخلفه بدل كما في نسخ الصدقة في مناجاة الرسول والإمساك بعد الإفطار في ليالي رمضان خلافا للمعتزلة حيث قالوا لا يجوز نسخ الحكم إلى غير بدل حكاه الإمام في مختصر التقريب واستدل القاضي بأنه يجوز ارتفاع التكليف عن المخاطبين جملة فلأن يجوز ارتفاع عبادة بعينها لا إلى بدل أولى قال والمخالفون في ذلك وهم المعتزلة لا يجوزون ارتفاع التكليف فلهذا خالفونا في هذه المسألة فهذا مثار الخلاف بيننا وبينهم ا هـ لكن المجزوم به في المعتمد لأبي الحسين الجواز وإنما نسب الأصوليون المنع في هذه المسألة لبعض الظاهرية هذا بالنسبة إلى الجواز أما الوقوع فالجمهور عليه وقيل لم يقع وهو ظاهر نص الشافعي فإنه قال في الرسالة وليس ينسخ فرض أبدا إلا إذا أثبت مكانه فرض كما نسخت قبلة بيت المقدس فأثبت مكانها الكعبة قال وكل منسوخ في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم هكذا وقال الشافعي في موضع آخر بعد ذكر نسخ التوجه
- لبيت المقدس وهذا مع إبانته لك أن الناسخ والمنسوخ في الكتاب والسنة دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا سن سنة حوله الله عنها إلى سنن أخرى غيرها يصير إليها الناس بعد التي حول عنها لئلا يذهب على عامتهم الناسخ فيثبتون على المنسوخ ولئلا يشتبه على أحد بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يسن فيكون في الكتاب شيء يرى بعض من جهل اللسان أو العلم بموقع السنة مع الكتاب بمعانيه أن الكتاب ينسخ السنة ا هـ كلامه وليس ذلك مراده بل هو موافق للجماهير على أن النسخ قد يقع بلا بدل وإنما أراد الشافعي بهذه العبارة كما نبه عليه الصيرفي في شرح الرسالة وأبو إسحاق المروزي في كتاب الناسخ أنه ينقل من حظر إلى إباحة أو إباحة إلى حظر أو يجري على حسب أحوال المفروض ومثله بالمناجاة وكان يناجى النبي صلى الله عليه وسلم بلا تقديم صدقة ثم فرض الله تقديم الصدقة ثم أزال ذلك فردهم إلى ما كانوا عليه فإن شاءوا تقربوا بالصدقة إلى الله وإن شاءوا ناجوه من غير صدقة قال فهذا معنى قول الشافعي فرض مكان فرض فتفهمه ا هـ والحاصل أنهم ينقلون من حكم شرعي إلى مثله ولا يتركون غير محكوم عليهم بشيء وهذا صحيح موجود في كل منسوخ قال أبو إسحاق معنى قولنا لا ينسخ الشيء إلا بمثله يعني ما لا بد له من الناسخ كالنقل من الحظر إلى الإباحة أو من الفرض إلى الندب أو إلى الفرض فأما إن أريد إسقاطه فنسخه إما أن ينسخ برسم مع ثبوت الرسم الأول فلا يكون ذلك إلا بقرار رسمه وإما برفع رسمه مع حكمه بأن ينسى فيستغني بذلك عن رسم يرفع به كسورة الأحزاب التي كانت تعدل سورة البقرة وقال ابن القطان قول الشافعي إن النسخ يكون بأن يبدل مكانه شيئا جوابه من وجهين أحدهما أنه أراد أن الأكثر في الفرائض هو الذي ذكره الثاني أن ذلك يجري مجرى أمر ثان بعبارة أخرى والفرض الأول قد تغير لأن الله تعالى حين أمر به أراد في زمان يوصف إنما خفي ذلك علينا وقدر أنه عام في الأزمنة كلها إلا أنه لا بد أن يعلم أن الفرض الأول قد تغير ألا ترى أنه كان خمسين صلاة فكان علينا أن نعتقد أن الكل واجب فإذا سقط البعض تغير الاعتقاد الذي كنا قد اعتقدناه فلا محالة يتغير شيء ما من الفرض الأول ا هـ والحاصل أن الصور أربع الأولى جواز النسخ بلا بدل لا شك فيه وإنما فيه خلاف المعتزلة
- الثانية وقوعه بلا بدل أصلا بحيث يعود الأمر كهو قبل ورود الشرائع ويتركون غير محكوم عليهم بشيء وهذا هو الذي منع الشافعي وقوعه وإن كان جائزا عقلا كما صرح به إمام الحرمين في التلخيص الثالثة يبدل من الأحكام الشرعية إما إحداث أمر مغاير لما كان واجبا أولا كالكعبة قبل القدس أو الحكم بإباحة ما كان واجبا كالمناجاة والنسخ لم يقع إلا هكذا كما قاله الشافعي وبه صرح إمام الحرمين في التلخيص فقال بعد أن ذكر جواز النسخ لا إلى بدل فإن قال قائل كيف يتصور ذلك ولو وجبت عبادة فمن ضرورة نسخ وجوبها إباحة تركها والإباحة حكم من الأحكام وهو بدل من الحكم الثابت أولا وهو الوجوب قلنا من مذهب من يخالفنا أن العبادة لا تقع إلا بعبادة ولا يجوزون نسخا بإباحة على أن ما طالبتمونا به يتصور بأن يقال الرب سبحانه نسخ حكم العبادة وعاد الأمر إلى ما كان عليه قبل ورود الشرائع فهذا مما يعقل ولا ينكر فإن استروحوا في منع ذلك بقوله ما ننسخ من آية الآية وهي مصرحة بإثبات البدل قلنا هذا إخبار بأن النسخ يقع على هذا الوجه وليس فيه ما يدل على أنه لا يجوز وقوع النسخ على غير هذا الوجه ا هـ فقد صرح بأن النسخ لا يقع إلا على هذا الوجه بعد أن جوز وقوعه لا إلى بدل الرابعة وقوعه ببدل بشرط أن يكون تأصيلا لأمر آخر كالكعبة بعد المقدس ولم يشترطه الشافعي كما توهم عليه
- فَصْلٌ النَّسْخُ بِبَدَلٍ يَقَعُ على وُجُوهٍ أَحَدُهَا أَنْ يُنْسَخَ بمثله في التَّخْفِيفِ أو التَّغْلِيظِ كَنَسْخِ اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِالْكَعْبَةِ الثَّانِي نَسْخُهُ إلَى ما هو أَخَفُّ منه كَنَسْخِ الْعِدَّةِ حَوْلًا بِالْعِدَّةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَهَذَانِ الْقِسْمَانِ لَا خِلَافَ فِيهِمَا الثَّالِثُ نَسْخُهُ إلَى ما هو أَغْلَظُ منه وَالْجُمْهُورُ على جَوَازِهِ كَالْعَكْسِ وَلِوُقُوعِهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَضَعَ الْقِتَالَ في أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نَسَخَهُ بِفَرْضِ الْقِتَالِ وَنَسَخَ الْإِمْسَاكَ في الزِّنَا بِالْجَلْدِ وَذَهَبَ قَوْمٌ من الظَّاهِرِيَّةِ إلَى الْمَنْعِ وَإِلَيْهِ صَارَ ابن دَاوُد كما نَقَلَهُ ابن السَّمْعَانِيِّ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمَانِعُونَ فَقِيلَ مَنَعَ منه الْعَقْلُ لِمَا فيه من التَّنْفِيرِ وَقِيلَ بَلْ الشَّرْعُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَزَعَمَ الْهِنْدِيُّ أَنَّ كُلَّ من قال بِالْجَوَازِ قال بِالْوُقُوعِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ حَكَى الْقَاضِي قَوْلًا أَنَّهُ جَائِزٌ وَلَكِنَّهُ لم يَقَعْ وَذَكَرَ ابن بَرْهَانٍ أَنَّ بَعْضَهُمْ نَقَلَ الْمَنْعَ عن الشَّافِعِيِّ قال وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ وَكَذَا حَكَاهُ عبد الْوَهَّابِ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ قُلْت كَأَنَّ مُسْتَنَدَ النَّقْلِ عنه قَوْلُ الشَّافِعِيِّ في الرِّسَالَةِ إنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ أَثْبَتَهَا وَأُخْرَى نَسَخَهَا رَحْمَةً وَتَخْفِيفًا لِعِبَادِهِ هذا لَفْظُهُ وقد اخْتَلَفَ فيه أَصْحَابُنَا كما قَالَهُ أبو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ فقال بَعْضُهُمْ أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ النَّاسِخَ يَكُونُ أَخَفَّ من الْمَنْسُوخِ لِأَنَّهُ جَعَلَ النَّسْخَ رَحْمَةً وَتَخْفِيفًا وما نُسِخَ بِأَغْلَظَ منه كان تَشْدِيدًا لَا تَخْفِيفًا وقال آخَرُونَ لم يُرِدْ بِهِ جَمِيعَ أَنْوَاعِ النَّسْخِ بَلْ الْبَعْضَ قال أبو إِسْحَاقَ وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ مُخَرَّجٌ على وُجُوهٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ أَطْلَقَ اللَّفْظَ على الْأَكْثَرِ من النَّسْخِ لِأَنَّ أَكْثَرَ ما يَقَعُ فيه النَّسْخُ نَقْلٌ من تَغْلِيظٍ إلَى تَخْفِيفٍ وَالثَّانِي أَنَّهُ لم يَقْصِدْ ذلك وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْفَرَائِضَ وَأَرَادَ ما لم يَلْزَمْ إثْبَاتُهُ من الْفَرَائِضِ فَأُسْقِطَ قُلْت
- وَبِالْجُمْلَةِ فَالْقَوْلُ بِالْجَوَازِ مُطْلَقًا هو الْأَشْبَهُ وقد قال بِكُلٍّ مِنْهُمَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَلَيْسَ في ذلك عن الشَّافِعِيِّ شَيْءٌ نَقْطَعُ بِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَشَارَ بِهِ إلَى وَجْهِ الْحِكْمَةِ في النَّسْخِ وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ لِأَنَّ النَّسْخَ لِلِابْتِلَاءِ وقد يَكُونُ لِمَصْلَحَةٍ تَارَةً في النَّقْلِ إلَى ما هو أَخَفُّ وَتَارَةً أُشَقُّ الثَّالِثُ نَسْخُ التَّخْيِيرِ بين أَمْرَيْنِ بِتَعْيِينِ أَحَدِهِمَا وهو رَاجِعٌ إلَى النَّسْخِ بِالْأَثْقَلِ كَاَلَّذِي كان في صَدْرِ الْإِسْلَامِ بين التَّخْيِيرِ في صَوْمِ رَمَضَانَ بِالْفِدْيَةِ وَالصِّيَامِ بِقَوْلِهِ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ الْآيَةَ ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَيَنْقَسِمُ بِاعْتِبَارٍ آخَرَ إلَى ما سَقَطَ وُجُوبُهُ إلَى النَّدْبِ كَنَسْخِ ثَبَاتِ الْوَاحِدِ لِلْعَشَرَةِ إلَى ثَبَاتِهِ لِلِاثْنَيْنِ فَكَانَ ثَبَاتُهُ لِلْعَشَرَةِ مَنْدُوبًا وَنَسْخِ وُجُوبِ قِيَامِ اللَّيْلِ فَجُعِلَ نَدْبًا وَإِلَى ما سَقَطَ وُجُوبُهُ إلَى الْإِبَاحَةِ كَتَرْكِ الْمُبَاشَرَةِ بِاللَّيْلِ لِلصَّائِمِ بَعْدَ النَّوْمِ إلَى ما سَقَطَ تَحْرِيمُهُ إلَى الْإِبَاحَةِ كَزِيَارَةِ الْقُبُورِ وَادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ مَسْأَلَةٌ يَدْخُلُ النَّسْخُ في جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ يَدْخُلُ النَّسْخُ في كل حُكْمٍ شَرْعِيٍّ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فِيمَا حُسْنُهُ وَقُبْحُهُ ذَاتِيٌّ أو لَازِمٌ له كَالظُّلْمِ وَالْكَذِبِ وَوَافَقَهُمْ الصَّيْرَفِيُّ كما رَأَيْته في كِتَابِهِ فقال الْأَشْيَاءُ في الْعُقُودِ على ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ أَحَدُهَا وَاجِبٌ لَا يَجُوزُ النَّهْيُ عنه وهو الِاعْتِرَافُ لِلْمُنْعِمِ بِالْإِحْسَانِ وَلِلْخَالِقِ بِالتَّعْظِيمِ وَاعْتِقَادُ تَوْحِيدِهِ وَالثَّانِي مَحْظُورٌ لَا تَجُوزُ إبَاحَتُهُ كَإِبَاحَةِ الْكَذِبِ وَالظُّلْمِ وَنَحْوِهِ وَالثَّالِثُ ما يَجُوزُ أَنْ يَأْتِيَ الْعِبَادُ بِهِ وَيَجُوزَ أَنْ لَا يَأْتُوا وَهَذَا هو الذي يَقَعُ فيه النَّسْخُ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ وَنَحْوِهَا لِأَنَّ النَّهْيَ عنه وَالْأَمْرَ بِهِ لَا يَدْفَعُهُ الْعَقْلُ فَجَازَ أَنْ يُوقِعَهُ اللَّهُ في زَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ وفي مَكَان دُونَ مَكَان لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ لَا يَأْتِيَ بِهِ أَلْبَتَّةَ وَلَا يَقَعُ النَّسْخُ في غَيْرِ ذلك وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ النَّسْخُ في التَّوْحِيدِ وَلَا في صِفَةٍ من صِفَاتِهِ هذا لَفْظُهُ
- وَهَكَذَا قال أبو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ في كِتَابِهِ لَا يَجُوزُ النَّسْخُ في تَوْحِيدِ اللَّهِ وما أُمِرَ بِهِ من الِاعْتِرَافِ بِرُبُوبِيَّتِهِ وَالِامْتِثَالِ لِأَمْرِهِ وَالِاتِّبَاعِ لِرُسُلِهِ وَالْكُفْرِ بِالشَّيْطَانِ وَأَوْلِيَائِهِ وَلَا في صِفَاتِ اللَّهِ ا هـ وقد سَبَقَ مِثْلُهُ عن سُلَيْمٍ وَاتَّفَقَ الْكُلُّ على جَوَازِ زَوَالِ التَّكَالِيفِ بِأَسْرِهَا عن الْمُكَلَّفِ لِزَوَالِ شَرْطِهِ كَالْعَقْلِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْهَى اللَّهُ الْمُكَلَّفَ عن مَعْرِفَتِهِ سُبْحَانَهُ إلَّا إذَا جَوَّزْنَا تَكْلِيفَ ما لَا يُطَاقُ وَاخْتَلَفُوا في زَوَالِهَا بِالنَّسْخِ فَمَنَعَهُ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْغَزَالِيُّ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ التَّكْلِيفَ بِمَعْرِفَةِ النَّاسِخِ وهو ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُتَوَلِّي وَالرَّافِعِيِّ حَيْثُ ذَكَرَا فيه لو عَلَّقَ الطَّلَاقَ على ما يَسْتَحِيلُ شَرْعًا كما لو قال إنْ نُسِخَ وُجُوبُ الْمَكْتُوبَاتِ الْخَمْسِ أو صَوْمُ رَمَضَانَ فَأَنْتِ طَالِقٌ أَنَّهُ يَقَعُ في الْحَالِ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ ابْنِ الْحَاجِبِ جَوَازُهُ لِأَنَّهَا أَحْكَامٌ كَغَيْرِهَا لَكِنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِنَا كما ذَكَرْنَا على الْمَنْعِ مَسْأَلَةٌ في جَوَازِ نَسْخِ الْمُقِرُّونَ بِكَلِمَةِ التَّأْبِيدِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ وقال قال الْجَصَّاصُ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الْمَنْعُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَلْزَمَنَا اعْتِقَادَهُ بَاقِيًا على سَبِيلِ التَّأْبِيدِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَقَاؤُهُ مُؤَقَّتًا قال وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ جَوَازُهُ كَالْمُطْلَقِ وَكَلِمَةُ التَّأْبِيدِ تُسْتَعْمَلُ لِلدَّوَامِ الْمَعْهُودِ قُلْت وقد سَبَقَ نَظِيرُهُ في التَّخْصِيصِ لِلْحُكْمِ الْمُؤَكِّدِ مَسْأَلَةٌ في نَسْخِ الْأَخْبَارِ الْخَبَر إمَّا أَنْ يَنْسَخَ لَفْظَهُ أو مَدْلُولَهُ وَالْأَوَّلُ إمَّا أَنْ يَنْسَخَ تَكْلِيفًا بِأَنْ يُخْبِرَ بِهِ أو تِلَاوَتَهُ وَلَا خِلَافَ في جَوَازِهِ سَوَاءٌ كان مَاضِيًا أو مُسْتَقْبَلًا فِيمَا يَقْبَلُ التَّغْيِيرَ كَإِيمَانِ زَيْدٍ أَمْ لَا وَسَيَأْتِي حَدِيثُ لو أَنَّ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَيْنِ من ذَهَبٍ لَابْتَغَى لَهُمَا ثَالِثًا لِأَنَّهُ من الْمَنْسُوخِ تِلَاوَتُهُ وهو
- خَبَرٌ لَكِنْ هل يَجُوزُ نَسْخُ تَكْلِيفِنَا بِالْإِخْبَارِ عَمَّا لَا يَتَغَيَّرُ تَكْلِيفًا بِالْإِخْبَارِ بِنَقِيضِهِ مَنَعَهُ الْمُعْتَزِلَةُ لِأَنَّهُ كَذِبٌ وَالتَّكْلِيفُ فيه قَبِيحٌ قال الْآمِدِيُّ وَهَذَا مَبْنِيٌّ على قَاعِدَةِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْبَاطِلَةِ عِنْدَنَا قال وَعَلَى هذا فَلَا مَانِعَ من التَّكْلِيفِ بِالْخَبَرِ نَقِيضَ الْحَقِّ وَالثَّانِي وهو نَسْخُ مَدْلُولِهِ وَثَمَرَتِهِ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْمُلَقَّبَةُ بِنَسْخٍ الْأَخْبَارِ بين الْأُصُولِيِّينَ فَنَنْظُرُ فَإِنْ كان مِمَّا لَا يُمْكِنُ تَغْيِيرُهُ بِأَنْ لَا يَقَعَ إلَّا على وَجْهٍ وَاحِدٍ كَصِفَاتِ اللَّهِ وَخَبَرِ ما كان من الْأَنْبِيَاءِ وَالْأُمَمِ وما يَكُونُ من السَّاعَةِ وَآيَاتِهَا كَخُرُوجِ الدَّجَّالِ فَلَا يَجُوزُ نَسْخُهُ بِالِاتِّفَاقِ كما قَالَهُ أبو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى الْكَذِبِ وَإِنْ كان مِمَّا يَصِحُّ تَغْيِيرُهُ بِأَنْ يَقَعَ على غَيْرِ الْوَجْهِ الْمُخْبَرِ عنه مَاضِيًا كان أو مُسْتَقْبَلًا أو وَعْدًا أو وَعِيدًا أو خَبَرًا عن حُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَهُوَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ فَذَهَبَ أبو عبد اللَّهِ وأبو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيَّانِ وَعَبْدُ الْجَبَّارِ وَالْإِمَامُ الرَّازِيَّ إلَى جَوَازِهِ مُطْلَقًا وَنَسَبَهُ ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ إلَى الْمُعْظَمِ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إلَى الْمَنْعِ منهم أبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ كما رَأَيْته في كِتَابِهِ وأبو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ كما رَأَيْته في كِتَابِهِ في النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ وَالْقَاضِي أبو بَكْرٍ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ وَالْجُبَّائِيُّ وَابْنُهُ أبو هَاشِمٍ وابن السَّمْعَانِيِّ وابن الْحَاجِبِ وقال الْأَصْفَهَانِيُّ إنَّهُ الْحَقُّ وَمِنْهُمْ من فَصَلَ وَمَنَعَ في الْمَاضِي لِأَنَّهُ يَكُونُ تَكْذِيبًا دُونَ الْمُسْتَقْبَلِ لِجَرَيَانِهِ مَجْرَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَيَجُوزُ أَنْ يُرْفَعَ وَلِأَنَّ الْكَذِبَ يَخْتَصُّ بِالْمَاضِي وَلَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَقْبَلِ وَلِهَذَا قال الشَّافِعِيُّ لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِالْوَعْدِ وَإِنَّمَا يُسَمَّى من لم يَفِ بِالْوَعْدِ مُخْلِفًا لَا كَاذِبًا وَهَذَا التَّفْصِيلُ جَزَمَ بِهِ سُلَيْمٌ وَجَرَى عليه الْبَيْضَاوِيُّ في الْمِنْهَاجِ وَسَبَقَهُمَا إلَيْهِ أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ فقال الْخَبَرُ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا ما يُمْنَعُ نَسْخُهُ كما حَكَاهُ اللَّهُ لنا عن الْأُمَمِ السَّالِفَةِ كَقَوْلِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلَّا خَمْسِينَ عَامًا وَالثَّانِي ما كان من بَابِ الْأَخْبَارِ الْكَائِنَةِ كَقَوْلِهِ من صلى دخل الْجَنَّةَ وَمَنْ زَنَى دخل النَّارَ فَهَذَا يَجُوزُ تَغْيِيرُهُ فَيُقَالُ بَعْدَ ذلك من صلى أَدْخَلْته النَّارَ على حَسَبِ الْمَصْلَحَةِ ا هـ وَقِيلَ إنْ كان الْخَبَرُ الْأَوَّلُ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ أو اسْتِثْنَاءٍ جَازَ نَسْخُهُ قال ابن مُقْلَةَ
- في كِتَابِهِ الْبُرْهَانِ كما وَعَدَ قَوْمَ يُونُسَ بِالْعَذَابِ إنْ لم يَتُوبُوا فلما تَابُوا كَشَفَهُ عَنْهُمْ وقال الْآمِدِيُّ يَجُوزُ مُطْلَقًا إذَا كان مِمَّا يَتَكَرَّرُ وَالْخَبَرُ عَامٌّ فَيُبَيِّنُ النَّاسِخُ إخْرَاجَ ما لم يَتَنَاوَلْهُ اللَّفْظُ وقال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ الْمَشْهُورُ في الْخَبَرِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُهُ النَّسْخُ لِأَنَّ صِدْقَهُ مُطَابَقَتُهُ لِلْوَاقِعِ وَذَلِكَ لَا يَرْتَفِعُ وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ من الْفُضَلَاءِ جَوَازَهُ لَكِنْ جَوَازًا مُقَيَّدًا وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ في صُورَتَيْنِ إحْدَاهُمَا أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْأَمْرِ نَحْوُ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ تَابِعًا لِلْحُكْمِ فَيَرْتَفِعُ بِارْتِفَاعِ الْحُكْمِ تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ أَنَّ الْخِلَافَ مَبْنِيٌّ على تَفْسِيرِ النَّسْخِ وَهَلْ هو رَفْعٌ أو بَيَانٌ كما صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فقال ذَهَبَ كُلُّ من قال بِأَنَّ النَّسْخَ بَيَانٌ وَلَيْسَ بِرَفْعٍ حَقِيقِيٍّ إلَى جَوَازِ النَّسْخِ في الْأَخْبَارِ على هذا التَّأْوِيلِ قال وَأَمَّا نَحْنُ إذَا صِرْنَا إلَى أَنَّهُ رَفْعٌ لِثَابِتٍ حَقِيقِيٍّ وَأَنَّ الْمُبَيَّنَ ليس بِنَسْخٍ أَصْلًا فَلَا نَقُولُ على هذا بِنَسْخِ الْأَخْبَارِ لِأَنَّ في تَجْوِيزِهِ حِينَئِذٍ تَجْوِيزَ الْخُلْفِ في خَبَرِ اللَّهِ وهو بَاطِلٌ وَهَذَا بِخِلَافِ تَجْوِيزِ النَّسْخِ في الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُهَا صِدْقٌ وَلَا كَذِبٌ ا هـ وَمِنْ هذا يُعْلَمُ أَنَّ من وَافَقَ الْقَاضِيَ في تَفْسِيرِهِ بِالرَّفْعِ وقال بِتَجْوِيزِ النَّسْخِ في الْأَخْبَارِ فلم يَتَحَقَّقْ ولم يَقِفْ الْهِنْدِيُّ على كَلَامِ الْقَاضِي فقال لَا يُتَّجَهُ الْخِلَافُ إنْ فَسَّرْنَا النَّسْخَ بِالرَّفْعِ لِأَنَّ نَسْخَهُ حِينَئِذٍ يَسْتَلْزِمُ الْكَذِبَ وَإِنَّمَا يَتِمُّ إذَا فَسَّرْنَاهُ بِالِانْتِهَاءِ فإنه لَا يَمْتَنِعُ حِينَئِذٍ أَنْ يُرَادَ من الدَّلِيلِ على ثُبُوتِ الْحُكْمِ في كل الْأَزْمِنَةِ لَا بَعْضِهَا نَسْخُ الْخَبَرِ الذي بِمَعْنَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ الثَّانِي أَنَّ الْخِلَافَ أَيْضًا في الْخَبَرِ الْمَحْضِ أَمَّا الْخَبَرُ الذي بِمَعْنَى الْأَمْرِ أو النَّهْيِ نَحْوُ وَالْوَالِدَاتِ يُرْضِعْنَ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ لَا يَمَسُّهُ إلَّا الْمُطَهَّرُونَ فَلَا خِلَافَ في جَوَازِ نَسْخِهِ اعْتِبَارًا بِمَعْنَاهُ قَالَهُ ابن بَرْهَانٍ وَتَبِعَهُ الْهِنْدِيُّ قال وَأَمَّا نَقْلُ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ الْخِلَافَ في الْخَبَرِ عن حُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَمَحْمُولٌ على ما كان خَبَرًا لَفْظًا وَمَعْنًى قُلْت لَكِنْ ذَهَبَ أبو بَكْرٍ الْقَفَّالُ من أَصْحَابِنَا إلَى مَنْعِ نَسْخِ الْخَبَرِ وَإِنْ كان حُكْمًا شَرْعِيًّا اعْتِبَارًا بِلَفْظِهِ حَكَاهُ عنه الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في اللُّمَعِ وَشَرْحِهَا وَسُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ وابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ
- وقال عبد الْوَهَّابِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَسْخُ الْخَبَرِ إلَّا إذَا كان مُرَادًا بِهِ الْأَمْرُ وقال الرُّويَانِيُّ يَجُوزُ نَسْخُ الْأَمْرِ وَإِنْ وَرَدَ بِلَفْظِ الْخَبَرِ وقال بَعْضُ أَصْحَابِنَا لَا يَجُوزُ اعْتِبَارًا بِالْأَخْبَارِ وهو فَاسِدٌ لِاخْتِصَاصِ الْأَخْبَارِ بِالْإِعْلَامِ وَاخْتِصَاصِ الْأَوَامِرِ بِالْإِلْزَامِ النَّسْخُ في الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ الثَّالِثُ النَّسْخُ في الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ نَقَلَ أبو الْحُسَيْنِ في الْمُعْتَمَدِ عن شُيُوخِ الْمُعْتَزِلَةِ مَنْعَ النَّسْخِ فِيهِمَا وَأَمَّا عِنْدَنَا فَكَذَلِكَ في الْوَعْدِ لِأَنَّهُ إخْلَافٌ وَالْخُلْفُ في الْإِنْعَامِ مُسْتَحِيلٌ على اللَّهِ وَبِهِ صَرَّحَ الصَّيْرَفِيُّ في كِتَابِهِ وَأَمَّا الْوَعِيدُ كَآخِرِ الْبَقَرَةِ فَنَسْخُهُ جَائِزٌ كما قَالَهُ ابن السَّمْعَانِيِّ قال وَلَا يُعَدُّ ذلك خُلْفًا بَلْ عَفْوًا وَكَرَمًا وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْقَطَّانِ السَّابِقِ جَوَازُ نَسْخِهِمَا وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَنْشَأَ الْخِلَافِ أَنَّ الْوَعِيدَ هل هو خَبَرٌ مَحْضٌ أو هو مع ذلك إنْشَاءٌ كَصِيَغِ الْعُقُودِ التي تَقْبَلُ النَّسْخَ لِكَوْنِهِ إخْبَارًا عن إرَادَةِ الْمُتَوَعِّدِ وَعَزْمِهِ كَالْخَبَرِ عن الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ الْمُتَضَمِّنِ خَبَرَهُ عن طَلَبِهِ الْمُتَضَمِّنِ إرَادَتَهُ الشَّرْعِيَّةَ وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ لَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى وَإِنْ تُبْدُوا ما في أَنْفُسِكُمْ أو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ عَظُمَ ذلك فَأَمَرَهُمْ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا فلما ذَلَّتْ بها أَلْسِنَتُهُمْ نَسَخَهَا اللَّهُ بِقَوْلِهِ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا قال الْبَيْهَقِيُّ وَهَذَا النَّصُّ بِمَعْنَى التَّخْصِيصِ فإن الْآيَةَ الْأُولَى وَرَدَتْ مَوْرِدَ الْعُمُومِ فَبَيَّنَتْهَا التي بَعْدَهَا أَنَّ مِمَّا لَا يَخْفَى لَا يُؤَاخَذُ بِهِ وهو حَدِيثُ النَّفْسِ الذي لَا يَسْتَطِيعُ الْعَبْدُ دَفْعَهُ عن قَلْبِهِ قال وَكَثِيرٌ من الْمُتَقَدِّمِينَ كَانُوا يُطْلِقُونَ عليه اسْمَ النَّسْخِ على الِاتِّسَاعِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْلَا الْآيَةُ الثَّانِيَةُ لَكَانَ مُؤَاخَذًا بِجَمِيعِ ذلك قال وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هذا خَبَرًا مُضَمَّنًا لِحُكْمٍ وَكَأَنَّهُ حَكَمَ بِمُؤَاخَذَةِ عِبَادِهِ بِجَمِيعِ ذلك وَتَعَبُّدِهِمْ بِهِ فلما قَابَلُوهُ بِالطَّاعَةِ خَفَّفَ عَنْهُمْ وَوَضَعَ عَنْهُمْ حَدِيثَ النَّفْسِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ خَبَرًا مُضَمَّنًا لِحُكْمٍ أَيْ مُحَاسِبُكُمْ بِهِ وَهَذَا كَقَوْلِهِ إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ الْآيَةَ قال وَهَذَا كَتَبْته من جُمْلَةِ كَلَامِ الشَّيْخِ أبي بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيِّ قال وقال الْخَطَّابِيُّ النَّسْخُ لَا يَجْرِي فِيمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عنه أَنَّهُ كان وَأَنَّهُ فَعَلَ ذلك فِيمَا مَضَى لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى الْكَذِبِ وَالْخُلْفِ وَيَجْرِي عِنْدَ بَعْضِهِمْ فِيمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ يَفْعَلُهُ لِجَوَازِ تَعْلِيقِهِ بِشَرْطٍ بِخِلَافِ إخْبَارِهِ عَمَّا فَعَلَهُ فإنه لَا يَجُوزُ دُخُولُ الشَّرْطِ فيه
- وَهَذَا أَصَحُّ الْوُجُوهِ وَعَلَيْهِ تَأَوَّلَ ابن عُمَرَ الْآيَةَ وَيَجْرِي ذلك مَجْرَى الْعَفْوِ وَالتَّخْفِيفِ وَلَيْسَ بِخُلْفٍ وقال الصَّيْرَفِيُّ فإن سَبَّبَ على أَحَدِنَا إدْخَالَ الْوَعِيدِ في بَابِ الْأَخْبَارِ فَقَدْ وَهَمَ لِأَنَّ اللَّهَ قد أَخْبَرَ أَنَّهُ يَغْفِرُ ما دُونَ الشِّرْكِ إنْ شَاءَ وقال الْقُرْطُبِيُّ أَمَّا الْوَعِيدُ وَالْوَعْدُ فلما كَانَا مُعَلَّقِينَ على ما يُجَوِّزُ النَّسْخَ وَالتَّبْدِيلَ جَازَ نَسْخُهُمَا نعم قد وَرَدَ في الشَّرْعِ أَخْبَارٌ ظَاهِرُهَا الْإِطْلَاقُ وَقُيِّدَتْ في مَوَاضِعَ أُخْرَى كَقَوْلِهِ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذَا دَعَانِ فَقَدْ جاء تَقْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شَاءَ وَنَحْوِهِ فَقَدْ يَظُنُّ من لَا بَصِيرَةَ له أَنَّ هذا من بَابِ النَّسْخِ في الْأَخْبَارِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هو من بَابِ الْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ وقال ابن حَاتِمٍ الْأَزْدِيُّ في اللَّامِعِ وَأَمَّا الْأَوْقَاتُ فَلَا تُنْسَخُ لِأَنَّهَا لَا تَدْخُلُ تَحْتَ قُدْرَةِ الْعِبَادِ وقال شَارِحُهُ وَهَذَا صَحِيحٌ وَإِنَّمَا نُؤْمَرُ أَنْ نُوقِعَ أَفْعَالَنَا في أَوْقَاتٍ تُعَيَّنُ لها الرَّابِعُ هل يَرِدُ النَّسْخُ في الدُّعَاءِ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عن ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قال اللَّهُمَّ الْعَنْ أَبَا سُفْيَانَ اللَّهُمَّ الْعَنْ الْحَارِثَ بن هِشَامٍ اللَّهُمَّ الْعَنْ صَفْوَانَ بن أُمَيَّةَ قَالَهُ عليه السَّلَامُ وَهُمْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ ثُمَّ أَسْلَمُوا بَعْدَ ذلك قال صَاحِبُ مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ وَهَذَا مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ اللَّهُمَّ أَيُّمَا رَجُلٍ سَبَبْته أو شَتَمْته فَاجْعَلْ ذلك قُرْبَةً إلَيْك مُتَّفَقٌ عليه وفي رِوَايَةٍ أَيُّمَا مُؤْمِنٍ مَسْأَلَةٌ نَسْخُ جَمِيعِ الْقُرْآنِ مُمْتَنِعٌ يَمْتَنِعُ نَسْخُ جَمِيعِ الْقُرْآنِ بِالْإِجْمَاعِ كما قَالَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ وَغَيْرُهُ وَأَمَّا نَسْخُ بَعْضِهِ فَجَائِزٌ خِلَافًا لِأَبِي مُسْلِمٍ الْأَصْفَهَانِيِّ كما نَقَلَهُ عنه الْإِمَامُ
- فَصْلٌ في وُجُوهِ النَّسْخِ في الْقُرْآنِ وَقَسَمَهُ أبو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وابن السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُمْ إلَى سِتَّةِ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا ما نُسِخَ حُكْمُهُ وَبَقِيَ رَسْمُهُ وَثَبَتَ حُكْمُ النَّاسِخِ وَرَسْمُهُ كَنَسْخِ آيَةِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ وَنَسْخِ الْعِدَّةِ حَوْلًا بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ فَالْمَنْسُوخُ ثَابِتُ التِّلَاوَةِ مَرْفُوعُ الْحُكْمِ وَالنَّاسِخُ ثَابِتُ التِّلَاوَةِ وَالْحُكْمِ وَمَنَعَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ من ذلك لِأَنَّ الْمَقْصُودَ من التِّلَاوَةِ حُكْمُهَا فإذا انْتَفَى الْحُكْمُ فَلَا فَائِدَةَ في بَقَائِهَا حَكَاهُ جَمَاعَةٌ من الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَمِنْهُمْ من ادَّعَى الْإِجْمَاعَ على الْجَوَازِ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ هَكَذَا مَثَّلُوا بِآيَةِ الْعِدَّةِ وَعِنْدِي أنها من الْمَخْصُوصِ لِأَنَّ فيها تَخْصِيصَ بَعْضِ الشُّرُوطِ بِالْإِيجَابِ وَبَعْضِهَا بِالْإِسْقَاطِ الثَّانِي ما نُسِخَ حُكْمُهُ وَرَسْمُهُ وَثَبَتَ حُكْمُ النَّاسِخِ وَرَسْمُهُ كَنَسْخِ اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ وَصِيَامِ عَاشُورَاءَ بِرَمَضَانَ قال أبو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَمِنْهُمْ من جَعَلَ الْقِبْلَةَ من نَسْخِ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ وَزَعَمَ أَنَّ اسْتِقْبَالَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِالسُّنَّةِ لَا بِالْقُرْآنِ الثَّالِثُ ما نُسِخَ حُكْمُهُ وَبَقِيَ رَسْمُهُ وَرُفِعَ رَسْمُ النَّاسِخِ وَبَقِيَ حُكْمُهُ كَقَوْلِهِ فَأَمْسَكُوهُنَّ في الْبُيُوتِ حتى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أو يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا بِقَوْلِهِ الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ نَكَالًا من اللَّهِ وقال عُمَرُ كنا نَقْرَؤُهَا على عَهْدِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَلَوْلَا أَنْ يُقَالَ زَادَ عُمَرُ في كِتَابِ اللَّهِ لَأَثْبَتهَا فَإِنْ قِيلَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الرَّجْمَ ثَبَتَ بِهَذِهِ الْآيَةِ بَلْ إنَّمَا ثَبَتَ بِقَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ
- وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ الرَّجْمُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ قُلْنَا هذا مُقَرِّرٌ لِحُكْمِ تِلْكَ الْآيَةِ وَيُعْرَفُ أَنَّهُ لم يُنْسَخْ وقد يُضَعَّفُ هذا من وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ حَمْلَ الحديث على التَّأْسِيسِ وَإِثْبَاتَ الرَّجْمِ ابْتِدَاءً أَوْلَى من حَمْلِهِ على تَأْكِيدِ الْآيَةِ الْمَنْسُوخَةِ وَثَانِيهِمَا أَنَّ الحديث وَرَدَ مُبَيِّنًا لِلسَّبِيلِ الْمَذْكُورِ في قَوْلِهِ أو يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا فَدَلَّ على أَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِآيَةِ الرَّجْمِ بَلْ هو إمَّا مُسْتَقِلٌّ بِإِثْبَاتِهِ أو مُبَيِّنٌ لِلسَّبِيلِ من الْآيَةِ الْأُخْرَى الرَّابِعُ ما نُسِخَ حُكْمُهُ وَرَسْمُهُ وَنُسِخَ رَسْمُ النَّاسِخِ وَبَقِيَ حُكْمُهُ كَالْمَرْوِيِّ عن عَائِشَةَ كان فِيمَا أُنْزِلَ عَشْرُ رَضَعَاتٍ ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ فَتُوُفِّيَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَهُنَّ مِمَّا يُتْلَى من الْقُرْآنِ قال الْبَيْهَقِيُّ فَالْعَشْرُ مِمَّا نُسِخَ رَسْمُهُ وَحُكْمُهُ وَالْخَمْسُ مِمَّا نُسِخَ رَسْمُهُ بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّحَابَةَ حين جَمَعُوا الْقُرْآنَ لم يُثْبِتُوهَا رَسْمًا وَحُكْمُهَا بَاقٍ عِنْدَ هُمْ وَقَوْلُهَا وَهِيَ مِمَّا يُقْرَأُ من الْقُرْآنِ قال ابن السَّمْعَانِيِّ يَعْنِي أَنَّهُ يُتْلَى حُكْمُهُ دُونَ لَفْظِهِ وقال الْبَيْهَقِيُّ يَعْنِي من لم يَبْلُغْهُ نَسْخُ تِلَاوَتِهِ قُرْآنًا فَهَذَا أَوْلَى وَإِنَّمَا احْتَجْنَا لِهَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ لِأَنَّهُ ليس في الْقُرْآنِ الْيَوْمُ وَأَنَّ حُكْمَهُ غَيْرُ ثَابِتٍ فَكَانَ الْمَنْسُوخُ مَرْفُوعَ التِّلَاوَةِ وَالْحُكْمِ وَالنَّاسِخُ بَاقِيَ التِّلَاوَةِ وَمَنَعَ قَوْمٌ من نَسْخِ اللَّفْظِ مع بَقَاءِ حُكْمِهِ وَمِنْ نَسْخِ حُكْمِهِ مع بَقَاءِ لَفْظِهِ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي أَحَدُهُمَا إلَى أَنْ يَبْقَى الدَّلِيلُ وَلَا مَدْلُولَ وَالْآخَرُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَرْتَفِعَ الْأَصْلُ وَيَبْقَى النَّاسِخُ وَالصَّحِيحُ هو الْجَوَازُ لِأَنَّ التِّلَاوَةَ وَالْحُكْمَ في الْحَقِيقَةِ شَيْئَانِ مُخْتَلِفَانِ فَجَازَ نَسْخُ أَحَدِهِمَا وَتَبْقِيَةُ الْآخَرِ كَالْعِبَادَتَيْنِ وَجَزَمَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ بِامْتِنَاعِ نَسْخِ التِّلَاوَةِ مع بَقَاءِ الْحُكْمِ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَثْبُتُ بِدُونِ التِّلَاوَةِ وقد أُورِدَ على أَثَرِ عُمَرَ السَّابِقِ كَوْنُهُ مِمَّا نُسِخَ رَسْمُهُ لِأَنَّ الْقُرْآنَ لَا يَثْبُتُ بِمِثْلِ هذا فإن من أَنْكَرَ آيَةً من الْقُرْآنِ كَفَرَ وَبِمِثْلِ هذا لَا يَكْفُرُ فإذا لم يَثْبُتْ كَوْنُهُ قُرْآنًا فَكَيْفَ يُدَّعَى نَسْخُهُ وَالرَّجْمُ ما عُرِفَ بهذا بَلْ بِحَدِيثِ مَاعِزٍ وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَائِشَةَ فإن الْقُرْآنَ لَا يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَلَا تَثْبُتُ بِهِ تِلَاوَةُ ما هو من الْقُرْآنِ وَحُكْمُهُ مَعًا فَإِنَّا لَا نَعْقِلُ كَوْنَهُ مَنْسُوخًا حتى نَعْقِلَ كَوْنَهُ قُرْآنًا وَكَوْنُهُ من الْقُرْآنِ لَا يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ في الْقِسْمَيْنِ أَعْنِي في مَنْسُوخِ التِّلَاوَةِ دُونَ الْحُكْمِ وَعَكْسِهِ وَلِهَذَا
- قال صَاحِبُ الْمَصَادِرِ وَأَمَّا نَسْخُ التِّلَاوَةِ دُونَ الْحُكْمِ فَوُجُودُهُ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ لِأَنَّهُ مَنْقُولٌ من طَرِيقِ الْآحَادِ وَكَذَلِكَ نَسْخُهُمَا جميعا لَا يُقَالُ إنَّ ذلك لم يَكُنْ قُرْآنًا لِقَوْلِ عُمَرَ لَوْلَا أَنْ يَقُولَ الناس زَادَ عُمَرُ في الْقُرْآنِ وَذَلِكَ يَدُلُّ على أَنَّهُ لم يَكُنْ قُرْآنًا قُلْنَا إنَّمَا قال ذلك لِارْتِفَاعِ تِلَاوَتِهِ فلم يَكْتُبْهُ لِأَنَّهُ نُسِخَ رَسْمُهُ وقال لَوْلَا أَنْ يُقَالَ زَادَ في الْقُرْآنِ الْمُثْبَتِ لَكَتَبْت ذلك فَإِنْ قِيلَ الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ لم يَثْبُتْ بِالتَّوَاتُرِ بَلْ بِقَوْلِ عُمَرَ وَنَسْخُ الْمُتَوَاتِرِ بِالْآحَادِ مُمْتَنِعٌ سَوَاءٌ كان قُرْآنًا أو خَبَرًا قُلْنَا وَالرَّجْمُ أَيْضًا لم يَثْبُتْ بِالتَّوَاتُرِ بَلْ بِالْآحَادِ وَغَايَتُهُ أَنَّ الرَّجْمَ ثَابِتٌ إجْمَاعًا وَالْإِجْمَاعُ ليس بِنَاسِخٍ وَغَايَتُهُ الْكَشْفُ عن نَاسِخٍ مُتَوَاتِرٍ وقد تَكُونُ سُنَّةً مُتَوَاتِرَةً وَلَيْسَ كَوْنُ أَحَدِهِمَا مُتَوَاتِرًا أَوْلَى من الْآخَرِ وَأَجَابَ الْهِنْدِيُّ عن أَصْلِ السُّؤَالِ بِأَنَّ التَّوَاتُرَ شَرْطٌ في الْقُرْآنِ الْمُثْبَتِ بين الدَّفَّتَيْنِ أَمَّا الْمَنْسُوخُ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ ذلك شَرْطٌ فيه بَلْ يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَكِنَّ الذي قد ثَبَتَ ضِمْنًا بها لَا يَثْبُتُ بِهِ اسْتِقْلَالًا كَالنَّسَبِ بِشَهَادَةِ الْقَوَابِلِ وَكَقَبُولِ قَوْلِ الرَّاوِي في أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ الْمُتَوَاتِرَيْنِ أَنَّهُ قبل الْآخَرِ على رَأْيٍ وَإِنْ لَزِمَ نَسْخُ الْمَعْلُومِ بِقَوْلِهِ وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِأَنَّ زَمَانَنَا هذا ليس زَمَانَ نَسْخٍ وفي زَمَانِ النَّسْخِ لم يَقَعْ النَّسْخُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وقال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ الْقُرْآنُ وَإِنْ لم يَثْبُتْ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَكِنْ يَثْبُتُ حُكْمُهُ وَالْعَهْدُ بِهِ بِقَوْلِ عَائِشَةَ وَهِيَ مِمَّا يُتْلَى أَيْ في حَقِّ الْحُكْمِ وَضُعِّفَ هذا بِأَنَّ التِّلَاوَةَ لَا تَجُوزُ بِذَلِكَ وَأَجَابَ آخَرُونَ بِأَنَّ قَوْله تَعَالَى وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ مُطْلَقٌ في الْإِرْضَاعِ وَالْخَبَرُ جاء لِبَيَانِ الْعَدَدِ فَلَفْظُ الْقُرْآنِ مُجْمَلٌ في حَقِّ الْعَدَدِ وَالتَّغَيُّرُ إنَّمَا يَلْحَقُ بِخَبَرِ عَائِشَةَ فَالْآيَةُ إذَا كانت مُبَيَّنَةً بِالْخَبَرِ وكان الْمُرَادُ بِهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ كان الْمَتْلُوُّ خَمْسَ رَضَعَاتٍ يَعْنِي وَهَذَا كَقَوْلِهِ وَأُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ إذَا ثَبَتَ بِالْخَبَرِ بَيَانُ قَدْرِ الزَّكَاةِ نِصْفُ دِينَارٍ وهو الْمُرَادُ بِالْخَبَرِ فَكَانَ قِرَاءَةُ الزَّكَاةِ في الْقُرْآنِ قِرَاءَةَ نِصْفِ دِينَارٍ وَالدَّلِيلُ على جِوَارِ نَسْخِ الْآخَرِ مع بَقَاءِ الْحُكْمِ أَنَّ التِّلَاوَةَ حُكْمٌ فَلَا يَبْعُدُ نَسْخُ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ مع بَقَاءِ الْآخَرِ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا تَبَعًا لِلثَّانِي
- فَرْعٌ هل يَجُوزُ لِلْمُحَدِّثِ مَسُّ الْمَنْسُوخِ التِّلَاوَةِ قال الْآمِدِيُّ تَرَدَّدَ فيه الْأُصُولِيُّونَ وَالْأَشْبَهُ الْمَنْعُ وَخَالَفَهُ ابن الْحَاجِبِ وقال الْأَشْبَهُ الْجَوَازُ وهو أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَنَا وَلِذَلِكَ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِذِكْرِهِ فيها وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ في أَوَّلِ بَابِ حَدِّ الزِّنَى أَنَّ الْقَاضِيَ ابْنَ كَجٍّ حَكَى عن بَعْضِ الْأَصْحَابِ وَجْهًا أَنَّهُ لو قَرَأَ قَارِئٌ آيَةَ الرَّجْمِ في الصَّلَاةِ لم تَفْسُدْ صَلَاتُهُ وَالصَّحِيحُ خِلَافُهُ وَأَمَّا الْمَنْسُوخُ حُكْمُهُ دُونَ لَفْظِهِ فَلَهُ حُكْمُ ما لم يُنْسَخْ بِالْإِجْمَاعِ الْخَامِسُ ما بَقِيَ رَسْمُهُ وَحُكْمُهُ وَلَا نَعْلَمُ الذي نَسَخَهُ كَالْمَرْوِيِّ أَنَّهُ كان في الْقُرْآنِ لو كان لِابْنِ آدَمَ وَادٍ من ذَهَبٍ لَابْتَغَى أَنْ يَكُونَ له ثَانٍ وَلَا يَمْلَأُ فَاهُ إلَّا التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ على من تَابَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ من حديث أَنَسٍ مَرْفُوعًا وَرَوَاهُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وقال كان هذا قُرْآنًا فَنُسِخَ خَطُّهُ قال ابن عبد الْبَرِّ في التَّمْهِيدِ قِيلَ إنَّهُ في سُورَةِ ص وفي رِوَايَةٍ عن أَنَسٍ قال فَلَا نَدْرِي أَشَيْءٌ نَزَلَ أَمْ شَيْءٌ كان يَقُولُهُ وَكَمَا رَوَاهُ أَنَسٌ في أَصْحَابِ بِئْرِ مَعُونَةَ إنَّهُمْ لَقُوا رَبَّهُمْ فَرَضِيَ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ فَكُنَّا نَقْرَأُ أَنْ قد بَلِّغُوا قَوْمَنَا أَنَّا قد لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ في مُسْتَدْرَكِهِ من حديث زِرِّ بن حُبَيْشٍ عن أُبَيِّ بن كَعْبٍ أَنَّ النبي قَرَأَ عليه لم يَكُنْ وَقَرَأَ فيها إنَّ ذَاتَ الدِّينِ عِنْدَ اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ لَا الْيَهُودِيَّةُ وَلَا النَّصْرَانِيَّةُ وَمَنْ تَعَجَّلَ خَيْرًا فَلَنْ يُكْفَرْ قال الْحَاكِمُ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ
- هَكَذَا ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ هذا الْقِسْمَ في الْحَاوِي وَمَثَّلَهُ بِالْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَفِيهِ نَظَرٌ كما قَالَهُ ابن السَّمْعَانِيِّ وقال هذا ليس بِنَسْخٍ حَقِيقَةً وَلَا يَدْخُلُ في حَدِّهِ وَعَدَّهُ غَيْرُهُ مِمَّا نُسِخَ لَفْظُهُ وَبَقِيَ مَعْنَاهُ وَعَدَّهُ ابن عبد الْبَرِّ في التَّمْهِيدِ مِمَّا نُسِخَ خَطُّهُ وَحُكْمُهُ وَحِفْظُهُ يُنْسَى مع رَفْعِ خَطِّهِ من الْمُصْحَفِ وَلَيْسَ حِفْظُهُ على وَجْهِ التِّلَاوَةِ وَلَا يُقْطَعُ بِصِحَّتِهِ عن اللَّهِ وَلَا يَحْكُمُ بِهِ الْيَوْمَ أَحَدٌ قال وَمِنْهُ قَوْلُ من قال إنَّ سُورَةَ الْأَحْزَابِ كانت نحو سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَالْأَعْرَافِ السَّادِسُ نَاسِخٌ صَارَ مَنْسُوخًا وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا لَفْظٌ مَتْلُوٌّ كَالْمَوَارِيثِ بِالْحَلِفِ وَالنُّصْرَةِ نُسِخَ بِالتَّوَارُثِ بِالْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ ثُمَّ نُسِخَ التَّوَارُثُ بِالْهِجْرَةِ ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ قال ابن السَّمْعَانِيِّ وَهَذَا يَدْخُلُ في النَّسْخِ من وَجْهٍ ثُمَّ قال وَعِنْدِي أَنَّ الْقِسْمَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ تَكَلُّفٌ وَلَيْسَ يَتَحَقَّقُ فِيهِمَا النَّسْخُ وَجَعَلَ أبو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ التَّوْرِيثَ بِالْهِجْرَةِ من قِسْمِ ما عُلِمَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ ولم يُعْلَمْ نَاسِخُهُ قال وَكَذَا قَوْله تَعَالَى وَإِنْ تُبْدُوا ما في أَنْفُسِكُمْ أو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَهُوَ مَنْسُوخٌ لَا نَدْرِي نَاسِخَهُ وَقِيلَ نَاسِخُهُ لها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا ما اكْتَسَبَتْ وَذَكَرَ أبو إِسْحَاقَ في وُجُوهِ النَّسْخِ في الْقُرْآنِ شيئا أُنْسِيَ فَرُفِعَ بِلَا نَاسِخٍ يُعْرَفُ فلم يَبْقَ له رَسْمٌ وَلَا حُكْمٌ مِثْلُ ما رُوِيَ أَنَّ سُورَةَ الْأَحْزَابِ كانت تَعْدِلُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَرُفِعَتْ قال وَهَذِهِ الْأَوْجُهُ في نَسْخِ الْقُرْآنِ أَمَّا نَسْخُ السُّنَّةِ فَإِنَّمَا يَقَعُ في الْحُكْمِ فَأَمَّا الرَّسْمُ فَلَا مَدْخَلَ له مَسْأَلَةٌ لَا يُشْتَرَطُ في النَّاسِخِ أَنْ يَكُونَ مُتَأَخِّرًا عن الْمَنْسُوخِ في التِّلَاوَةِ وَهَذَا كَالْآيَةِ الدَّالَّةِ على الْبَقَاءِ بِالْبَيْتِ سُنَّةٌ مُتَأَخِّرَةٌ عن الدَّالَّةِ على الْبَقَاءِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا لِأَنَّهَا مُتَقَدِّمَةٌ في النُّزُولِ على أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ وَلَكِنَّ كِتَابَتَهَا في الْمُصْحَفِ جَاءَتْ على خِلَافِ ما وَقَعَ بِهِ النُّزُولُ كَذَلِكَ نَقَلَهُ الْمُفَسِّرُونَ وَشَبَّهُوهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ من الناس ما وَلَّاهُمْ عن قِبْلَتِهِمْ التي كَانُوا عليها وَهَذَا نَزَلَ بَعْدَ أَنْ تَوَلَّوْا عن الْقِبْلَةِ الْأُولَى وَتَوَجَّهُوا إلَى الْكَعْبَةِ ثُمَّ جاء بَعْدَ ذلك قد نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ في السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا وَقَوْلُهُ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ يَدُلُّ على أَنَّهُ لم يُحَوَّلْ بَعْدُ وَقَوْلُهُ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ نَزَلَ قبل التَّحْوِيلِ وَقَوْلُهُ ما وَلَّاهُمْ نَزَلَ بَعْدَ التَّحْوِيلِ فلم يَأْتِ التَّرْتِيبُ في
- الْكِتَابَةِ على مُقْتَضَى النُّزُولِ فَتَفَهَّمَ هذا الْفَصْلَ فإنه دَقِيقُ الْمَسْأَلَةِ عَزِيزُ الْأَمْثِلَةِ مَسْأَلَةٌ نَسْخُ الْمُتَوَاتِرِ بِالْآحَادِ لَا خِلَافَ في جَوَازِ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ بِمِثْلِهَا وَالْآحَادِ بِالْآحَادِ وَالْآحَادِ بِالْمُتَوَاتِرِ وَأَمَّا نَسْخُ الْمُتَوَاتِرِ سُنَّةً أو قُرْآنًا بِالْآحَادِ فَالْكَلَامُ في الْجَوَازِ وَالْوُقُوعِ أَمَّا الْجَوَازُ عَقْلًا فَالْأَكْثَرُونَ عليه وَحَكَاهُ سُلَيْمٌ عن الْأَشْعَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَمِنْهُمْ من نَقَلَ فيه الِاتِّفَاقَ وَبِهِ صَرَّحَ ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ فقال لَا يَسْتَحِيلُ عَقْلًا نَسْخُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ بِلَا خِلَافٍ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ في جَوَازِهِ شَرْعًا وَمَنَعَهُ الْهِنْدِيُّ وَظَاهِرُ كَلَامِ سُلَيْمٍ في التَّقْرِيبِ أَنَّ غير الْأَشْعَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ يَقُولُونَ بِمَنْعِهِ عَقْلًا وهو ظَاهِرُ ما نَقَلَهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ عن الْجُمْهُورِ وقال إلْكِيَا لَا يُمْنَعُ منه وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى من قال إنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُفِيدُ الظَّنَّ وَكِتَابُ اللَّهِ قَطْعِيٌّ فَكَيْفَ يُرْفَعُ الْمَقْطُوعُ بِمَظْنُونٍ فإن هذا شَاعَ مِمَّا يَلُوجُ في الظَّاهِرِ لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ وَإِنْ كان مُفْضِيًا إلَى الظَّنِّ لَكِنَّ الْعَمَلَ بِهِ مُسْتَنِدٌ إلَى قَاطِعٍ وَذَلِكَ الْقَاطِعُ أَوْجَبَ عَلَيْنَا الْعَمَلَ بِالظَّنِّ وَلَوْلَاهُ لَمَا صِرْنَا إلَى الْعَمَلِ بِهِ فَوُجُوبُ الْعَمَلِ بِهِ مَقْطُوعٌ وَالظَّنُّ وَرَاءَ ذلك فَعَلَى هذا ما رَفَعْنَا الْمَقْطُوعَ بِمَظْنُونٍ وَأَمَّا الْوُقُوعُ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ كما قَالَهُ ابن بَرْهَانٍ وابن الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمَا إلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاقِعٍ وَنَقَلَ ابن السَّمْعَانِيِّ وَسُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ فيه الْإِجْمَاعَ وَعِبَارَتُهُمَا لَا يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ وَهَكَذَا عِبَارَةُ الْقَاضِي أبي الطَّيِّبِ في شَرْحِ الْكِفَايَةِ وَالشَّيْخِ أبي إِسْحَاقَ في اللُّمَعِ ولم يَحْكِيَا خِلَافًا وَيَنْبَغِي حَمْلُ كَلَامِهِمْ على نَفْيِ الْوُقُوعِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَإِنْ كانت أَدِلَّتُهُمْ صَرِيحَةً في نَفْيِ الْجَوَازِ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ من أَهْلِ الظَّاهِرِ منهم ابن حَزْمٍ إلَى وُقُوعِهِ وَهِيَ رِوَايَةٌ عن أَحْمَدَ احْتِجَاجًا بِقِصَّةِ أَهْلِ قُبَاءَ حَكَاهَا ابن عَقِيلٍ وَأَلْزَمَ الشَّافِعِيُّ ذلك أَيْضًا فإنه احْتَجَّ على خَبَرِ الْوَاحِدِ بِقِصَّةِ قُبَاءَ وَفَصَلَ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ وَالْغَزَالِيُّ وأبو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ وَالْقُرْطُبِيُّ بين زَمَانِ الرَّسُولِ وما بَعْدَهُ فَقَالَا بِوُقُوعِهِ في زَمَانِهِ وَكَذَا قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ
- على أَنَّ الثَّابِتَ قَطْعًا لَا يَنْسَخُهُ مَظْنُونٌ ولم يَتَعَرَّضْ لِزَمَانِ الرَّسُولِ وَكَأَنَّ الْفَارِقَ أَنَّ الْأَحْكَامَ في زَمَانِ الرَّسُولِ في مَعْرِضِ التَّغَيُّرِ وَفِيمَا بَعْدَهُ مُسْتَقِرَّةٌ فَكَانَ لَا قَطْعَ في زَمَانِهِ مَسْأَلَةٌ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ وَأَمَّا نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ فَإِنْ كانت السُّنَّةُ آحَادًا فَقَدْ سَبَقَ الْمَنْعُ وَكَرَّرَ ابن السَّمْعَانِيِّ نَقْلَ الِاتِّفَاقِ فيه وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنْ كانت مُتَوَاتِرَةً فَاخْتَلَفُوا فيه فَالْجُمْهُورُ على جَوَازِهِ وَوُقُوعِهِ كما قَالَهُ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وابن بَرْهَانٍ وقال ابن فُورَكٍ في شَرْحِ مَقَالَاتِ الْأَشْعَرِيِّ إلَيْهِ ذَهَبَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَإِلَيْهِ يَذْهَبُ شَيْخُنَا أبو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ وكان يقول إنَّ ذلك وُجِدَ في قَوْله تَعَالَى كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ فإن هذه الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِالسُّنَّةِ وهو قَوْلُهُ لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ وكان يقول إنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنَّهَا نُسِخَتْ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا ا هـ وَمِنْ خَطِّ ابْنِ الصَّلَاحِ نَقَلْته قال ابن السَّمْعَانِيِّ وهو مَذْهَبُ أبي حَنِيفَةَ وَعَامَّةِ الْمُتَكَلِّمِينَ وقال سُلَيْمٌ هو قَوْلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَقَالُوا ليس لِأَبِي حَنِيفَةَ نَصٌّ فيه وَلَكِنْ نَصَّ عليه أبو يُوسُفَ وَاخْتَارَهُ قال وهو مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَسَائِرِ الْمُتَكَلِّمِينَ قال الدَّبُوسِيُّ في التَّقْوِيمِ إنَّهُ قَوْلُ عُلَمَائِنَا يَعْنِي الْحَنَفِيَّةَ قال الْبَاجِيُّ قال بِهِ عَامَّةُ شُيُوخِنَا وَحَكَاهُ أبو الْفَرَجِ عن مَالِكٍ قال وَلِهَذَا لَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ عِنْدَهُ لِلْوَارِثِ لِلْحَدِيثِ فَهُوَ نَاسِخٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ الْآيَةَ قال عبد الْوَهَّابِ قال الشَّيْخُ أبو بَكْرٍ وَهَذَا سَهْوٌ لِأَنَّ مَالِكًا صَرَّحَ بِأَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ في نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ في عَامَّةِ كُتُبِهِ كما قَالَهُ ابن السَّمْعَانِيِّ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ بِحَالٍ وَإِنْ كانت مُتَوَاتِرَةً وَجَزَمَ بِهِ الصَّيْرَفِيُّ في كِتَابِهِ وَالْخَفَّافُ في كِتَابِ الْخِصَالِ وَنَقَلَهُ عبد الْوَهَّابِ عن أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَأَجْمَعَ
- أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ على الْمَنْعِ وَرَأَيْت التَّصْرِيحَ بِهِ في آخِرِ كِتَابِ الْوَدَائِعِ لِابْنِ سُرَيْجٍ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ قَطَعَ الشَّافِعِيُّ جَوَابَهُ بِأَنَّ الْكِتَابَ لَا يُنْسَخُ بِالسُّنَّةِ وَتَرَدَّدَ في عَكْسِهِ قُلْت وَسَيَأْتِي عن الشَّافِعِيِّ حِكَايَةُ خِلَافٍ في نَسْخِ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ فَلْيَجِئْ هُنَا بِطَرِيقٍ أَوْلَى أو نَقْطَعُ بِالْمَنْعِ في الْعَكْسِ قال ابن السَّمْعَانِيِّ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَوْلُ على مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ مَنَعَ منه الْعَقْلُ أو الشَّرْعُ قال وَظَاهِرُ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ مَنَعَ منه الْعَقْلُ وَالشَّرْعُ جميعا وَكَذَا قَالَهُ قَبْلَهُ سُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ وَعِبَارَتُهُ وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذلك شَرْعًا وَلَا عَقْلًا وهو ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ا هـ وَفِيمَا قَالَاهُ نَظَرٌ بَلْ قُصَارَى كَلَامِهِ مَنْعُ الشَّرْعِ كَيْفَ وَالْعَقْلُ عِنْدَهُ لَا يُحَكَّمُ ثُمَّ قال وَالثَّانِي أَنَّهُ مَنَعَ منه الشَّرْعُ دُونَ الْعَقْلِ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بهذا فقال ابن سُرَيْجٍ فِيمَا نَقَلَهُ عنه الشَّيْخُ في التَّبْصِرَةِ وابن الصَّبَّاغِ في الْعُدَّةِ أَنَّ الذي مَنَعَ منه أَنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ بِهِ وَلَوْ وَرَدَ بِهِ كان جَائِزًا وَهَذَا أَصَحُّ وقال أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ الشَّرْعُ مَنَعَ منه ولم يَكُنْ مُجَوِّزًا فيه ا هـ وقال الْمَاوَرْدِيُّ في الْحَاوِي صَرَّحَ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ وَوَافَقَهُ أَصْحَابُهُ وَاخْتَلَفُوا هل مَنَعَ منه الْعَقْلُ أو الشَّرْعُ على وَجْهَيْنِ ا هـ وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ منهم من أَجَازَهُ عَقْلًا وَادَّعَى أَنَّ الشَّرْعَ مَنَعَ منه وهو قَوْله تَعَالَى ما نَنْسَخْ من آيَةٍ أو نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ منها وَبِهِ قال ابن سُرَيْجٍ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَمِنْهُمْ من قال يَجُوزُ ذلك في الْعَقْلِ ولم يَرِدْ الشَّرْعُ بِمَنْعِهِ إلَّا أَنَّهُ لم يُوجَدْ في الْقُرْآنِ آيَةٌ نُسِخَتْ بِسُنَّةٍ ا هـ وقال في كِتَابِهِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ أَجْمَعَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ على الْمَنْعِ من نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ وَبِهِ قال أبو الْعَبَّاسِ الْقَلَانِسِيُّ وَعَلِيُّ بن مَهْدِيٍّ الطَّبَرِيُّ وَجَمَاعَةٌ من مُتَكَلِّمِيهِمْ وَاخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ في طَرِيقِ الْمَنْعِ منه فَمِنْهُمْ من قال إنَّهُ مُسْتَحِيلٌ من جِهَةِ دَلَالَةِ الْعَقْلِ على اسْتِحَالَتِهِ وَبِهِ نَقُولُ وهو أَيْضًا اخْتِيَارُ الْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ وَمِنْهُمْ من قال إنَّ ذلك في الْعَقْلِ جَائِزٌ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ قد وَرَدَ بِالْمَنْعِ منه وهو في قَوْله تَعَالَى ما نَنْسَخْ من آيَةٍ أو نُنْسِهَا فَلَا تَكُونُ السُّنَّةُ خَيْرًا وَلَا مِثْلَهَا فَلَا يَجُوزُ نَسْخُهَا بها وَلَوْلَا هذه الْآيَةُ لَأَجَزْنَا نَسْخَ الْآيَةِ بِالسُّنَّةِ وَهَذَا اخْتِيَارُ أبي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَابْنِ سُرَيْجٍ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ
- وَمِنْهُمْ من قال إنَّ الْعَقْلَ يُجِيزُ نَسْخَ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ ولم يَرِدْ الشَّرْعُ بِالْمَنْعِ منه إلَّا أَنَّا لم نَجِدْ في الْقُرْآنِ آيَةً مَنْسُوخَةً بِسُنَّةٍ انْتَهَى وَمِمَّنْ قال بِنَفْيِ الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ الْحَارِثُ بن أَسَدٍ الْمُحَاسِبِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بن سَعْدٍ وَالْقَلَانِسِيُّ وَالْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ وَالظَّاهِرِيَّةُ وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ عن الشَّرِيفِ الْمُرْتَضَى وَهِيَ رِوَايَةٌ عن أَحْمَدَ وَمِمَّنْ نَفَى الْجَوَازَ السَّمْعِيَّ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في اللُّمَعِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ قد غَلِطَ الناس في النَّقْلِ عن الشَّافِعِيِّ في هذه الْمَسْأَلَةِ وَنَحْنُ نَذْكُرُ وَجْهَ الصَّوَابِ في ذلك فَنَقُولُ قال الشَّافِعِيُّ في الرِّسَالَةِ وَأَبَانَ اللَّهُ لهم أَنَّهُ إنَّمَا نَسَخَ ما نَسَخَ بِالْكِتَابِ وَأَنَّ السُّنَّةَ لَا تَكُونُ نَاسِخَةً لِلْكِتَابِ وَإِنَّمَا هِيَ تَبَعٌ لِلْكِتَابِ بِمِثْلِ ما نَزَلَ بِهِ نَصًّا وَمُفَسِّرَةٌ مَعْنًى بِمَا أُنْزِلَ منه حُكْمًا قال تَعَالَى وإذا تُتْلَى عليهم آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قال الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أو بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لي أَنْ أُبَدِّلَهُ من تِلْقَاءِ نَفْسِي إنْ أَتَّبِعُ إلَّا ما يُوحَى إلَيَّ فَفِي قَوْلِهِ ما يَكُونُ لي أَنْ أُبَدِّلَهُ ما وَصَفْته من أَنَّهُ لَا يَنْسَخُ كِتَابَ اللَّهِ إلَّا كِتَابُهُ كما كان الْمُبْتَدِئُ بِفَرْضِهِ فَهُوَ الْمُزِيلُ الْمُثْبَتُ لِمَا شَاءَ منه وَلَيْسَ ذلك لِأَحَدٍ من خَلْقِهِ وَكَذَلِكَ قال تَعَالَى يَمْحُو اللَّهُ ما يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وهو أَشْبَهُ ما قِيلَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وفي كِتَابِ اللَّهِ دَلَالَةٌ عليه قال تَعَالَى ما نَنْسَخْ من آيَةٍ أو نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ منها أو مِثْلِهَا وقال تَعَالَى وإذا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ انْتَهَى لَفْظُهُ وَمَنْ صَدَّرَ هذا الْكَلَامَ قِيلَ عنه إنَّ السُّنَّةَ لَا تَنْسَخُ الْكِتَابَ وقد اسْتَنْكَرَ جَمَاعَةٌ من الْعُلَمَاءِ ذلك حتى قال إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ هَفَوَاتُ الْكِبَارِ على أَقْدَارِهِمْ وَمَنْ عُدَّ خَطَؤُهُ عَظُمَ قَدْرُهُ قال وقد كان عبد الْجَبَّارِ بن أَحْمَدَ كَثِيرًا ما يَنْصُرُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ في الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ فلما وَصَلَ إلَى هذا الْمَوْضِعِ قال هذا الرَّجُلُ كَبِيرٌ وَلَكِنَّ الْحَقَّ أَكْبَرُ منه قال إلْكِيَا في التَّلْوِيحِ لم نَعْلَمْ أَحَدًا مَنَعَ جَوَازَ نَسْخِ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عَقْلًا فَضْلًا عن الْمُتَوَاتِرِ فَلَعَلَّهُ يقول دَلَّ عُرْفُ الشَّرْعِ على الْمَنْعِ منه وإذا لم يَدُلَّ قَاطِعٌ من السَّمْعِ تَوَقَّفْنَا وَإِلَّا فَمَنْ الذي يقول إنَّهُ عليه السَّلَامُ لَا يُحْكَمُ بِقَوْلِهِ من نَسْخِ ما ثَبَتَ في الْكِتَابِ وَهَذَا مُسْتَحِيلٌ في الْعَقْلِ قال وَالْمُغَالُونَ في حُبِّ الشَّافِعِيِّ لَمَّا رَأَوْا هذا الْقَوْلَ لَا يَلِيقُ بِعُلُوِّ قَدْرِهِ كَيْفَ وهو الذي مَهَّدَ هذا الْفَنَّ وَرَتَّبَهُ وَأَوَّلُ من أَخْرَجَهُ قالوا لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لِهَذَا الْقَوْلِ
- من هذا الْعَظِيمِ مَحْمَلٌ فَتَعَمَّقُوا في مَحَامِلَ ذَكَرُوهَا قال وَغَايَةُ الْإِمْكَانِ في تَوْجِيهِهِ شَيْئَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الرَّسُولَ كان له أَنْ يَجْتَهِدَ وكان اجْتِهَادُهُ وَاجِبَ الِاتِّبَاعِ قَطْعًا فقال الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَيِّنَ الرَّسُولُ بِاجْتِهَادِهِ ما يُخَالِفُ نَصَّ الْكِتَابِ مع أَنَّ اجْتِهَادَهُ مَقْطُوعٌ بِهِ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ له من مُسْتَنِدٍ في الشَّرْعِ وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَلُوحَ له من وَضْعِ الشَّرْعِ ما يَقْتَضِي نَسْخَ الْكِتَابِ وَهَذَا بَعِيدٌ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يَتَطَرَّقُ إلَى النَّسْخِ أَصْلًا الثَّانِي لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ قالوا قال اللَّهُ تَعَالَى ما نَنْسَخْ من آيَةٍ أو نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ منها أو مِثْلِهَا يَحْتَمِلُ الْكِتَابَ وَغَيْرَهُ مِمَّا هو أَجْزَلُ في الْمَثُوبَةِ وَأَصْلَحُ في الدَّارَيْنِ فلما قال بَعْدَهُ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ على كل شَيْءٍ قَدِيرٌ عَلِمْنَا أَنَّهُ أَرَادَ بِمَا تَقَدَّمَ ما تَفَرَّدَ هو بِالْقُدْرَةِ عليه وهو الْقُرْآنُ الْمُعْجِزُ فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قال نَأْتِ بِخَيْرٍ منها مِمَّا يَخْتَصُّ بِالْقُدْرَةِ عليه وهو بَعِيدٌ فإن الْمُرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ الْقَادِرُ على الْعِلْمِ بِالْمَصَالِحِ أو إنْشَائِهَا أو إزَالَتِهَا عن الصُّدُورِ وقد قِيلَ نَأْتِ بِخَيْرٍ منها بَعْدَ النَّسْخِ إذَا قَدَّمَ النَّسْخَ عليه وَلَيْسَ في الْآيَةِ نَسْخُ حُكْمِ الْآيَةِ وَلِأَنَّ الْمُرَادَ خَيْرٌ منها لَكُمْ انْتَهَى كَلَامُهُ وقد صَنَّفَ الْإِمَامُ أبو الطَّيِّبِ سَهْلِ بن سُهَيْلٍ الصُّعْلُوكِيُّ كِتَابًا في نُصْرَةِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَكَذَلِكَ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ وَتِلْمِيذُهُ أبو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ وَكَانَا من النَّاصِرِينَ لِهَذَا الرَّأْيِ وَكَذَلِكَ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ في كِتَابِهِ النَّاسِخِ حَكَى نَصَّ الشَّافِعِيِّ بِالْمَنْعِ وَقَرَّرَهُ وقال قال أبو الْعَبَّاسِ بن سُرَيْجٍ كُنْت أَتَأَوَّلُ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَدِيمًا في الْمَنْعِ أَنَّهُ لم يُرِدْ ذلك فلم يُجَوِّزْهُ وَأَنَّهُ يَجُوزُ كَوْنُهُ حتى تَدَبَّرْت هذه الْآيَةَ ما نَنْسَخْ من آيَةٍ فَقِيلَ له لِمَ لَا يَكُونُ مَعْنَى خَيْرٍ منها حُكْمًا لَكُمْ خَيْرٌ من الْحُكْمِ الْأَوَّلِ وقد يَكُونُ ذلك بِالسُّنَّةِ فقال هذا هَذَيَانٌ لِأَنَّ الْآمِرَ قد يَأْمُرُ بِالشَّيْءِ ثُمَّ يَأْمُرُ بَعْدَهُ بِخِلَافِهِ وَهَذَا جَارٍ في قُدْرَةِ الرَّبِّ الْآمِرِ بِهِ وَإِنَّمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عز وجل عن قُدْرَتِهِ التي تُعْجِزُ الْخَلْقَ عن إبْدَالِ هذا الْقُرْآنِ الْمُعْجِزِ الذي يَعْجِزُ الْخَلْقُ عن افْتِعَالِ مِثْلِهِ وَذَلِكَ دَلَالَةً على أَنَّهُ حَقٌّ وَأَنَّ الرَّسُولَ الذي جاء بِهِ صَادِقٌ وَأَنَّ الْجَمِيعَ من عِنْدِ اللَّهِ وَنَبَّهَ بِقَوْلِهِ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ على كل شَيْءٍ قَدِيرٌ على عَجِيبِ قُدْرَتِهِ فِيمَا ذَكَرَ أَنَّهُ يَفْعَلُ وَإِنَّمَا ذلك في إنْزَالِ الْآيَاتِ الْمُعْجِزَاتِ بَدَلًا من الْآيِ الْمُعْجِزِ وَإِذْ هِيَ
- آيَاتٌ مُعْجِزَاتٌ لِلْخَلْقِ أَنْ يَأْتُوا بمثله وَلِذَلِكَ أتى بِصِفَةِ الْقُدْرَةِ وَمَعْنَى نَأْتِ بِخَيْرٍ منها أَيْ في عَيْنِهَا وَيَجُوزُ إطْلَاقُ ذلك وَالْمُرَادُ أَكْثَرُ ثَوَابًا في التِّلَاوَةِ كما وَرَدَ في أُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةِ الْإِخْلَاصِ قال أبو إِسْحَاقَ هذا كَلَامُ أبي الْعَبَّاسِ بَعْدَ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وفي كُلٍّ مِنْهُمَا كِفَايَةٌ ثُمَّ أَخَذَ أبو إِسْحَاقَ في الِاسْتِدْلَالِ على الْمَنْعِ وَفِيهِ فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ وَهِيَ تَحْرِيرُ النَّقْلِ عن ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ كان أَوَّلًا يَذْهَبُ في تَأْوِيلِ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ إلَى مَنْعِ الْوُقُوعِ ثُمَّ ثَبَتَ على الِامْتِنَاعِ فَاعْرِفْ ذلك فإن الناس خَلَطُوا في النَّقْلِ عن ابْنِ سُرَيْجٍ وَكَذَلِكَ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ في الْمَنْعِ حَرَّرَهُ الْإِمَامُ أبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ في كِتَابِهِ ثُمَّ قال وَجِمَاعُ ما أَقُولُهُ أَنَّ الْقُرْآنَ لم يُنْسَخْ قَطُّ بِسُنَّةٍ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُرِنَا ذلك فإنه لَا يَقْدِرُ عليه قال وَالشَّافِعِيُّ لم يُحِلْ جَوَازَ الْعِبَادَةِ أَنْ يَأْتِيَ بِرَفْعِ حُكْمِ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ وَإِنَّمَا قال لَا يَجُوزُ لِلدَّلَائِلِ التي ذَكَرْنَاهَا فَقِيَامُ الدَّلِيلِ عِنْدَهُ هو الْمَانِعُ من جَوَازِ ذلك وهو كَقَوْلِهِ لَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْمُحْرِمِ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ كَذَا بِالْخَبَرِ وَغَيْرِ ذلك من قِيَامِ الدَّلِيلِ فَهَذَا وَجْهُ قَوْلِهِ يَمْتَنِعُ أَنْ تَنْسَخَ السُّنَّةُ الْقُرْآنَ ا هـ وَعَلَى ذلك جَرَى أبو إِسْحَاقَ في اللُّمَعِ فقال لَا يَجُوزُ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ من جِهَةِ السَّمْعِ على قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَكَذَا ابن بَرْهَانٍ فقال لَا يَصِحُّ عن الشَّافِعِيِّ ذلك وَإِنَّمَا نُقِلَ عنه امْتِنَاعُ ذلك من جِهَةِ السَّمْعِ لَا من جِهَةِ الْعَقْلِ وقال الْقَاضِي في مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ منهم من يقول يَجُوزُ عَقْلًا وَإِنَّمَا امْتَنَعَ بِأَدِلَّةِ السَّمْعِ قال وَهَذَا هو الظَّنُّ بِالشَّافِعِيِّ مع عُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ في هذا الْفَنِّ انْتَهَى وَالْحَاصِلُ على هذا الْوَجْهِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ لم يَمْنَعْ الْجَوَازَ الْعَقْلِيَّ بَلْ لم يَتَكَلَّمْ فيه أَلْبَتَّةَ لَا في هذا الْمَوْضِعِ وَلَا في غَيْرِهِ وَلَا وَجْهَ لِلْقَوْلِ بِهِ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِهِ قَائِلُهُ أَنَّهُ يَلْزَمُ من فَرْضِهِ الْمُحَالُ فَبَاطِلٌ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الْعَقْلَ يُقْتَضَى تَقْبِيحَهُ فَهُوَ قَوْلٌ مُعْتَزِلِيٌّ وَالشَّافِعِيُّ بَرِيءٌ من الْمَقَالَتَيْنِ فَإِنْ قُلْت فما وَجْهُ قَوْلِ سُلَيْمٍ وَابْنِ السَّمْعَانِيِّ إنَّ ظَاهِرَ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ مَنَعَ منه الْعَقْلُ وَالسَّمْعُ جميعا وَكَذَلِكَ نُقِلَ عن أبي الْحُسَيْنِ في الْمُعْتَمَدِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ مَنَعَ منه بِالْعَقْلِ وَكَذَا الْبَاجِيُّ قُلْت من نَقَلَ عنه الْمَنْعَ الشَّرْعِيَّ فَقَطْ أَعْظَمُ وَأَكْثَرُ فَيُرَجَّحُ على نَقْلِ هَؤُلَاءِ وَلَوْ قَطَعْنَا النَّظَرَ عن كُلٍّ من الْمَقَالَتَيْنِ لَرَجَعْنَا إلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وقد عَلِمْت أَنَّ كَلَامَهُ في نَفْيِ الْجَوَازِ الشَّرْعِيِّ على هذه الْكَيْفِيَّةِ التي بَيَّنَّاهَا لَا الْمَنْعِ مُطْلَقًا وَلِهَذَا احْتَجَّ بِأَدِلَّةِ الشَّرْعِ وَلِهَذَا ذَهَبَ الصُّعْلُوكِيُّ وأبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ وأبو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ إلَى أَنَّ الْعَقْلَ يُجَوِّزُ نَسْخَ كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ وَلَكِنَّ الشَّرْعَ مَانِعٌ منه فِيهِمَا
- جميعا وقال في الْمُقْتَرَحِ لم يُرِدْ الشَّافِعِيُّ مُطْلَقَ السُّنَّةِ بَلْ أَرَادَ السُّنَّةَ الْمَنْقُولَةَ آحَادًا وَاكْتَفَى بهذا الْإِطْلَاقِ لِأَنَّ الْغَالِبَ في السُّنَنِ الْآحَادُ قُلْت وَالصَّوَابُ أَنَّ مَقْصُودَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ لَا يُوجَدَانِ مُخْتَلِفَيْنِ إلَّا وَمَعَ أَحَدِهِمَا مِثْلُهُ نَاسِخٌ له وَهَذَا تَعْظِيمٌ عَظِيمٌ وَأَدَبٌ مع الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَفَهْمٌ بِمَوْقِعِ أَحَدِهِمَا من الْآخَرِ وَكُلُّ من تَكَلَّمَ في هذه الْمَسْأَلَةِ لم يَقَعْ على مُرَادِ الشَّافِعِيِّ بَلْ فَهِمُوا خِلَافَ مُرَادِهِ حتى غَلِطُوا وَأَوَّلُوهُ وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ فيه في الْمَسْأَلَةِ بَعْدَهَا وقد احْتَجَّ من خَالَفَ الشَّافِعِيَّ بِآيٍ من الْكِتَابِ نُسِخَتْ أَحْكَامُهَا وَلَا نَاسِخَ لها في الْقُرْآنِ وَإِنَّمَا نَسَخَتْهَا السُّنَّةُ التي كانت مُتَوَاتِرَةً في الصَّدْرِ الْأَوَّلِ ثُمَّ اُسْتُغْنِيَ عن نَقْلِهَا بِالْإِجْمَاعِ فَصَارَتْ آحَادًا كَوُجُوبِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِقَوْلِهِ لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ وَأَجَابَ الصَّيْرَفِيُّ بِأَنَّ آيَةَ الْمَوَارِيثِ نَسَخَتْ وَالرَّسُولُ بَيَّنَ أنها نَاسِخَةٌ وقال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ نُسِخَ بِآيَةٍ أُخْرَى لم يُنْقَلْ رَسْمُهَا وَنَظْمُهَا إلَيْنَا كما قِيلَ في قَوْله تَعَالَى وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ من أَزْوَاجِكُمْ فإن هذا الْحُكْمَ مَنْسُوخٌ الْيَوْمَ إلَّا أَنَّهُ لم يَظْهَرْ له سُنَّةٌ نَاسِخَةٌ فَإِنْ جَازَ لَكُمْ الْحَمْلُ على سُنَّةٍ لم تَظْهَرْ جَازَ لنا الْحَمْلُ على كِتَابٍ لم يَظْهَرْ انْتَهَى وقال الصَّيْرَفِيُّ وَلَا يُقَالُ إنَّ الرَّجْمَ نُسِخَ بِالْجَلْدِ عن الزَّانِي لِأَنَّ الرَّجْمَ رَفْعٌ لم يَكُنْ الْجَلْدُ عليه بِالْقُرْآنِ فَحَظُّ السُّنَّةِ الْبَيَانُ وَالْإِخْبَارُ عن الْمُرَادِ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ السُّنَّةَ لِلْبَيَانِ فَمُحَالٌ أَنْ يُنْسَخَ الشَّيْءُ بِمَا يُبَيِّنُهُ قال وَإِنَّمَا جَازَ نَسْخُ بَعْضِ الْقُرْآنِ بِبَعْضِهِ لِلِاحْتِرَازِ من حُجَّةِ الْكُفَّارِ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ الْمُعْجِزِ وَلَيْسَ هذا في السُّنَّةِ انْتَهَى فَإِنْ قِيلَ قد نُسِخَ قَوْله تَعَالَى قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ الْآيَةَ بِنَهْيِهِ عن أَكْلِ كل ذِي نَابٍ قُلْنَا الْآيَةُ اجْتَمَعَ فيها لَفْظَانِ مُتَعَارِضَانِ فَيَتَعَيَّنُ صَرْفُ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ فَلَفْظُ أُوحِيَ مَاضٍ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا حين وُرُودِ الْآيَةِ وَلَفْظُ لَا لِنَفْيِ الْمُسْتَقْبِلِ بِنَصِّ سِيبَوَيْهِ كما في قَوْله تَعَالَى لَا يَمُوتُ فيها وَلَا يحيى وَالْمُرَادُ الِاسْتِقْبَالُ ضَرُورَةً وَحِينَئِذٍ لَا بُدَّ من صَرْفِ لَا لِأُوحِيَ أو صَرْفِ أُوحِيَ لِلَفْظِ لَا فَإِنْ صَرَفْنَا لَا لِلَفْظِ أُوحِيَ فَلَا نَسْخَ لِعَدَمِ التَّنَاقُضِ بين الْآيَةِ وَالْخَبَرِ
- وَإِنْ عَكَسْنَا كان تَخْصِيصًا لَا نَسْخًا فَلَا حُجَّةَ فيه وَمِمَّا عَارَضَ بِهِ الْخُصُومُ دَعْوَاهُمْ أَنَّ الشَّافِعِيَّ عَمِلَ بِأَحَادِيثِ الدِّبَاغِ مع أنها نَاسِخَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ فَنَسَخَ الْكِتَابَ بِالسُّنَّةِ وَلَنَا أَنَّهُ من بَابِ التَّخْصِيصِ لَا النَّسْخِ وقد رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ في حديث شَاةِ مَيْمُونَةَ وَقَوْلُهُ هَلَّا أَخَذْتُمْ مَسْكَهَا فقالت مَيْمُونَةُ نَأْخُذُ مَسْكَ شَاةٍ مَيْتَةٍ فقال لها رسول اللَّهِ إنَّمَا قال اللَّهُ تَعَالَى قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أو دَمًا مَسْفُوحًا أو لَحْمَ خِنْزِيرٍ فإنه رِجْسٌ وَإِنَّكُمْ لَا تَطْعَمُونَهُ حِينَئِذٍ فَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى إلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً تَحْرِيمُ الْأَكْلِ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَكْلِهِ وهو اللَّحْمُ فلم تَتَنَاوَلْ الْآيَةُ الْجِلْدَ وَهَذَا جَوَابٌ آخَرُ تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ إذَا قُلْنَا بِامْتِنَاعِ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَمَاذَا يُفْعَلُ فيه وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا حَكَاهُمَا أبو الْحُسَيْنِ السُّهَيْلِيُّ في كِتَابِهِ أَدَبِ الْجَدَلِ أَحَدُهُمَا يَجِبُ الِاعْتِمَادُ على الْآيَةِ وَتَرْكُ الْخَبَرِ إذْ لم يُمْكِنْ اسْتِعْمَالُهُ وَلَا يَنْسَخُ الْآيَةَ وَالثَّانِي أَنَّهُ يَجِبُ حَمْلُ الْآيَةِ على أنها نُسِخَتْ بِمِثْلِهَا أو بِمَا يَجُوزُ نَسْخُهَا بِهِ بِدَلِيلِ الْخَبَرِ الصَّحِيحِ بَعْدَهُ بِخِلَافِهِ قال فَأَمَّا إذَا كان الْخَبَرُ مُتَوَاتِرًا وَقُلْنَا بِالْمَنْعِ فَحُكْمُهُ ما سَبَقَ في خَبَرِ الْوَاحِدِ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالْمُسْتَفِيضِ من السُّنَّةِ الثَّانِي أَنَّهُمْ تَعَرَّضُوا لِلْآحَادِ وَالتَّوَاتُرِ وَسَكَتُوا عن الْمُسْتَفِيضِ لِأَنَّهُ يُؤْخَذُ حُكْمُهُ من الْمُتَوَاتِرِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وقد تَوَقَّفَ فيه النَّقْشَوَانِيُّ وقال قد جَوَّزُوا التَّخْصِيصَ بِهِ وَالِاحْتِيَاطُ في النَّسْخِ آكَدُ وقد تَعَرَّضَ له ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ في بَابِ الْأَخْبَارِ وَحَكَى عن بَعْضِهِمْ جَوَازَ نَسْخِ الْكِتَابِ بِهِ قال وَمِنْهُمْ من مَنَعَ وَجَوَّزَ الزِّيَادَةَ على الْكِتَابِ بِهِ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَيْسَتْ بِنَسْخٍ انْتَهَى وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمَاوَرْدِيِّ في الْحَاوِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ بين الْمُسْتَفِيضِ وَالْمُتَوَاتِرِ فإنه حَكَى الْخِلَافَ في نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ ثُمَّ قال وَجَوَّزَ أبو حَنِيفَةَ نَسْخَ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ الْمُسْتَفِيضَةِ كما نُسِخَتْ آيَةُ الْمَوَارِيثِ بِحَدِيثِ لَا وَصِيَّةَ قال وَهَذَا غَلَطٌ
- فإنه إنَّمَا نَسَخَهَا آيَةُ الْمَوَارِيثِ وَكَانَتْ السُّنَّةُ بَيَانًا الثَّالِثُ في الْمَسْأَلَةِ حَدِيثٌ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عن جَابِرٍ رَفَعَهُ كَلَامِي لَا يَنْسَخُ كَلَامَ اللَّهِ وَكَلَامُ اللَّهِ يَنْسَخُ بَعْضُهُ بَعْضًا وقال ابن عَدِيٍّ في الْكَامِلِ إنَّهُ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ مَسْأَلَةٌ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ وَأَمَّا نَسْخُ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ فَمَنْ جَوَّزَ نَسْخَ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ فَأَوْلَى أَنْ يُجَوِّزَ هذا وَأَمَّا الْمَانِعُونَ هُنَاكَ فَاخْتَلَفُوا وَلِلشَّافِعِيِّ فيها قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَسُلَيْمٌ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَصَحَّحُوا الْجَوَازَ وقال ابن بَرْهَانٍ هو قَوْلُ الْمُعْظَمِ وقال سُلَيْمٌ هو قَوْلُ عَامَّةِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفُقَهَاءِ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ إنَّهُ الْأَوْلَى بِالْحَقِّ وَجَزَمَ بِهِ الصَّيْرَفِيُّ هُنَا مع مَنْعِهِ هُنَاكَ وَظَاهِرُ كَلَامِ أبي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ تَصْحِيحُهُ لَكِنْ حَكَى الرَّافِعِيُّ في بَابِ الْهُدْنَةِ أَنَّ الْمَنْعَ مَنْسُوبٌ إلَى أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ وقال الْمَاوَرْدِيُّ في الْحَاوِي في بَابِ الْقَضَاءِ ظَاهِرُ مَذْهَبِنَا وَجْهَانِ أو قَوْلَانِ التَّرَدُّدُ منه وقال الذي نَصَّ عليه الشَّافِعِيُّ في الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ كَالْعَكْسِ وقال ابن سُرَيْجٍ يَجُوزُ بِخِلَافِ ذلك لِأَنَّ الْقُرْآنَ آكَدُ من السُّنَّةِ وَخَرَّجُوا قَوْلًا ثَانِيًا لِلشَّافِعِيِّ من كَلَامٍ تَأَوَّلَهُ في الرِّسَالَةِ انْتَهَى مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ في نَسْخِ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ وقال أبو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ في كِتَابِهِ نَصَّ الشَّافِعِيُّ في الرِّسَالَةِ الْقَدِيمَةِ وَالْجَدِيدَةِ على أَنَّ السُّنَّةَ لَا تَنْسَخُ إلَّا السُّنَّةَ وَأَنَّ الْكِتَابَ لَا يَنْسَخُ السُّنَّةَ وَلَا الْعَكْسُ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ في الرِّسَالَةِ الْقَدِيمَةِ وَالْجَدِيدَةِ ما يَدُلُّ على أَنَّ نَسْخَ السُّنَّةِ لَا يَجُوزُ وَلَعَلَّهُ صَرَّحَ بِذَلِكَ وَلَوَّحَ في مَوْضِعٍ آخَرَ بِمَا يَدُلُّ على الْجَوَازِ فَخَرَّجَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا على قَوْلَيْنِ وَأَظْهَرُهُمَا من مَذْهَبِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَالثَّانِي الْجَوَازُ وهو أَوْلَى بِالْحَقِّ انْتَهَى
- وقد اسْتَعْظَمَ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ الْقَوْلَ بِالْمَنْعِ هَاهُنَا أَيْضًا وقال تَوْجِيهُهُ عَسِرٌ جِدًّا وَالْمُمْكِنُ فيه أَنْ يُقَالَ إنَّهُ عليه السَّلَامُ إذَا قال عن اجْتِهَادٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ الْكِتَابُ من بَعْدُ بِخِلَافِهِ لِمَا فيه من تَقْرِيرِ الرَّسُولِ صلى اللَّهُ عليه وسلم على الْبَاطِلِ وَإِيهَامِ الْمُخَالَفَةِ وقال في تَعْلِيقِهِ قد صَحَّ عن الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قال في رِسَالَتَيْهِ جميعا إنَّ ذلك غَيْرُ جَائِزٍ وَعَلَى ذلك من هَفَوَاتِهِ وَهَفَوَاتُ الْكِبَارِ على أَقْدَارِهِمْ وَمَنْ عُدَّ خَطَؤُهُ عَظُمَ قَدْرُهُ وقد كان عبد الْجَبَّارِ بن أَحْمَدَ كَثِيرًا ما يَنْصُرُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ في الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ فلما وَصَلَ إلَى هذا الْمَوْضِعِ قال هذا الرَّجُلُ كَبِيرٌ لَكِنَّ الْحَقَّ أَكْبَرُ منه ثُمَّ نَصَرَ هو الْحَقَّ قال إلْكِيَا وَالْمُتَغَالُونَ في مَحَبَّةِ الشَّافِعِيِّ لَمَّا رَأَوْا أَنَّ هذا الْقَوْلَ لَا يَلِيقُ بِهِ طَلَبُوا له مَحَامِلَ فَقِيلَ إنَّمَا قال هذا بِنَاءً على أَصْلٍ وهو جَوَازُ الِاجْتِهَادِ لِلرَّسُولِ فإذا جَازَ له الِاجْتِهَادُ في بِنَصِّ الْكِتَابِ وَحَكَمَ ثُمَّ أَرَادَ الرَّسُولُ نَسْخَهُ بِاجْتِهَادِهِ لَا يَجُوزُ له لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يُؤَدِّي إلَى بَيَانِ أَمَدِ الْعِبَادَةِ وَلَا يَهْدِي إلَى مِقْدَارِ وَقْتِهَا وَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ مَنَعَ من النَّسْخِ بِالْمُتَوَاتِرِ وَقَضِيَّةُ هذا الْكَلَامِ تَجْوِيزُ نَسْخِ الْقُرْآنِ لِلسُّنَّةِ التي لَا تُوجَدُ وَبَيَانُهُ أَنَّ ما كان بَيَانًا في كِتَابِ اللَّهِ بِالنَّصِّ كان ثُبُوتُهُ عنه بِاجْتِهَادِ الرَّسُولِ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ اسْتِخْرَاجٌ من جِهَةِ اللَّهِ وهو لَا يَجُوزُ مع وُجُودِ الْكِتَابِ فَكَأَنَّهُ يقول الشَّافِعِيُّ يَمْنَعُ من نَسْخِ الْكِتَابِ لِسُنَّةٍ لَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُهَا انْتَهَى كَلَامُهُ قُلْت وَعِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ في الرِّسَالَةِ بَعْدَ الْكَلَامِ السَّابِقِ وَهَكَذَا سُنَّةُ رسول اللَّهِ لَا يَنْسَخُهَا إلَّا سُنَّةٌ لِرَسُولِهِ وَلَوْ أَحْدَثَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ في أَمْرٍ سَنَّ فيه غير ما سَنَّ رسول اللَّهِ لَسَنَّ فِيمَا أَحْدَثَ اللَّهُ إلَيْهِ حتى يُبَيِّنَ لِلنَّاسِ أَنَّ له سُنَّةً نَاسِخَةً لِلَّتِي قَبْلَهَا مِمَّا يُخَالِفُهَا وَهَذَا مَذْكُورٌ في سُنَّتِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَإِنْ قِيلَ هل تُنْسَخُ السُّنَّةُ بِالْقُرْآنِ قِيلَ لو نُسِخَتْ السُّنَّةُ بِالْقُرْآنِ كان لِلنَّبِيِّ صلى اللَّهُ عليه وسلم فيه سُنَّةٌ تُبَيِّنُ أَنَّ السُّنَّةَ الْأُولَى مَنْسُوخَةٌ بِسُنَّتِهِ الْأَخِيرَةِ حتى يُقِيمَ الْحُجَّةَ على الناس بِأَنَّ الشَّيْءَ يُنْسَخُ بمثله انْتَهَى وَفِيهِ كَذَلِكَ قَوْلُهُ في الرِّسَالَةِ في مَوْضِعٍ آخَرَ وقد وَرَدَ حَدِيثُ أبي سَعِيدٍ في تَأْخِيرِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم الصَّلَاةَ يوم الْخَنْدَقِ وَأَنَّ ذلك قبل أَنْ يُنْزِلَ اللَّهُ الْآيَةَ التي ذَكَرَ فيها صَلَاةَ الْخَوْفِ ثُمَّ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ صَلَاةَ النبي بِذَاتِ الرِّقَاعِ ثُمَّ قال وفي هذا دَلَالَةٌ على ما وَصَفْت قبل هذا في هذا الْكِتَابِ من أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم إذَا سَنَّ سُنَّةً فَأَحْدَثَ اللَّهُ إلَيْهِ في تِلْكَ السُّنَّةِ نَسْخَهَا أو مَخْرَجًا إلَى سَعَةٍ منها سَنَّ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم سُنَّةً تَقُومُ الْحُجَّةُ
- على الناس بها حتى يَكُونُوا إنَّمَا صَارُوا من سُنَّتِهِ إلَى سُنَّتِهِ التي بَعْدَهَا فَنَسَخَ اللَّهُ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ عن وَقْتِهَا في الْخَوْفِ إلَى أَنْ يُصَلُّوهَا كما أَنْزَلَ اللَّهُ وَسَنَّ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم في وَقْتِهَا وَنَسَخَ صلى اللَّهُ عليه وسلم سُنَّتَهُ في تَأْخِيرِهَا بِفَرْضِ اللَّهِ في كِتَابِهِ ثُمَّ سُنَّتِهِ صَلَّاهَا رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم في وَقْتِهَا كما وَصَفْت انْتَهَى وَمِنْ صَدْرِ هذا الْكَلَامِ أُخِذَ من قَبْلُ عن الشَّافِعِيِّ أَنَّ السُّنَّةَ لَا تُنْسَخُ بِالْكِتَابِ وَلَوْ تَأَمَّلَ عَقِبَ كَلَامِهِ بَانَ له غَلَطُ هذا الْفَهْمِ وَإِنَّمَا مُرَادُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الرَّسُولَ إذَا سَنَّ سُنَّةً ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ في كِتَابِهِ ما يَنْسَخُ ذلك الْحُكْمَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَسُنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم سُنَّةً أُخْرَى مُوَافِقَةً لِلْكِتَابِ تَنْسَخُ سُنَّتَهُ الْأُولَى لِتَقُومَ الْحُجَّةُ على الناس في كل حُكْمٍ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ جميعا وَلَا تَكُونُ سُنَّةً مُنْفَرِدَةً تُخَالِفُ الْكِتَابَ وَقَوْلُهُ وَلَوْ أَحْدَثَ إلَى آخِرِهِ صَرِيحٌ في ذلك وَكَذَلِكَ ما بَعْدَهُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ يَشْتَرِطُ لِوُقُوعِ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ سُنَّةً مُعَاضِدَةً لِلْكِتَابِ نَاسِخَةً فَكَأَنَّهُ يقول لَا تُنْسَخُ السُّنَّةُ إلَّا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَعًا لِتَقُومَ الْحُجَّةُ على الناس بِالْأَمْرَيْنِ مَعًا وَلِئَلَّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ انْفِرَادَ أَحَدِهِمَا من الْآخَرِ فإن الْكُلَّ من اللَّهِ وَالْأُصُولِيُّونَ لم يَقِفُوا على مُرَادِ الشَّافِعِيِّ في ذلك وقد سَبَقَ أَنَّ هذا أَدَبٌ عَظِيمٌ من الشَّافِعِيِّ وَلَيْسَ مُرَادُهُ إلَّا ما ذَكَرْنَاهُ فَإِنْ قِيلَ يَرِدُ عليه الْكِتَابُ الْمُنْفَرِدُ بِلَا سُنَّةٍ وَالسُّنَّةُ الْمُنْفَرِدَةُ بِلَا كِتَابٍ قِيلَ الْحُجَّةُ في ذلك قَائِمَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ جميعا أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِتَبْلِيغِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَالْعِلْمِ بِاتِّبَاعِهِ له ما تَوَاتَرَ عنه من الْأَمْرِ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِقَوْلِهِ وما آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَاجْتَمَعَ في كل مَسْأَلَةٍ دَلِيلَانِ فَإِنْ قِيلَ فَهَذَا حَاصِلٌ فِيمَا إذَا كان أَحَدُهُمَا نَاسِخًا لِلْآخَرِ قِيلَ نعم وَلَكِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَعْلَمُ بِاَللَّهِ وَأَكْثَرُ أَدَبًا وَمُسَارَعَةً إلَى ما يُؤْمَرُ بِهِ وَلَا يَبْقَى مَكَانُ إزَالَةِ الشُّبْهَةِ عن الناس وَإِزَالَةِ عُذْرِهِمْ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَبْقَى له سُنَّةٌ تُخَالِفُ الْكِتَابَ إلَّا بَيَّنَ أنها مَنْسُوخَةٌ بَيَانًا صَرِيحًا بِقَوْلِهِ أو فِعْلِهِ حتى لَا يَتَعَلَّقَ من في قَلْبِهِ رَيْبٌ بِأَحَدِهِمَا وَيَتْرُكَ الْآخَرَ وَهَذَا من مَحَاسِنِ الشَّافِعِيِّ الذي لم يَسْبِقْهُ غَيْرُهُ إلَى الْإِفْصَاحِ بِهِ وقد وَقَعَ على هذا الْمَعْنَى وَنَبَّهَ عليه جَمَاعَةٌ من أَئِمَّتِنَا منهم أبو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ في كِتَابِهِ النَّاسِخِ فقال وقد نَقَلَ كَلَامَ الشَّافِعِيِّ في الرِّسَالَتَيْنِ فذكر الْكَلَامَ السَّابِقَ ثُمَّ قال وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ في الرِّسَالَةِ الْقَدِيمَةِ مَنْعَ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ ثُمَّ قال وَكَذَلِكَ الْقُرْآنُ لَا يَنْسَخُ السُّنَّةَ وَلَوْ أَحْدَثَ اللَّهُ عز وجل لِنَبِيِّهِ في سُنَّةٍ سَنَّهَا غير ما سَنَّ الرَّسُولُ لَبَيَّنَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَيْضًا غير السُّنَّةِ الْأُولَى حتى تَنْسَخَ سُنَّتُهُ الْأَخِيرَةُ سُنَّتَهُ الْأُولَى
- وقال أَيْضًا في الْقَدِيمَةِ في مُنَاظَرَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ حِكَايَةً عن مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قال وإذا كانت لِرَسُولِ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم سُنَّةٌ فَرَسُولُ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَعْلَمُ بِمَعْنَى ما أَرَادَ اللَّهُ عز وجل وَلَا يَتَأَوَّلُ على سُنَّةٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَلَا يُزْعَمُ أَنَّ الْكِتَابَ يُنْسَخُ بِسُنَّةٍ وَلَكِنَّ السُّنَّةَ تَدُلُّ على مَعْنَى الْكِتَابِ فقال الشَّافِعِيُّ إذًا أَصَبْت وَهَذَا قَوْلُنَا فَكَيْفَ لَا نَقُولُ بِالْيَمِينِ مع الشَّاهِدِ قال أبو إِسْحَاقَ فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ في الرِّسَالَةِ الْقَدِيمَةِ وَالْجَدِيدَةِ على أَنَّ سُنَّةَ الرَّسُولِ لَا تُنْسَخُ إلَّا بِسُنَّةٍ وَأَنَّ الْكِتَابَ لَا يَنْسَخُ السُّنَّةَ وَلَا السُّنَّةُ تَنْسَخُ الْكِتَابَ وَأَنَّ كِتَابَ اللَّهِ فِيمَا لِلنَّبِيِّ صلى اللَّهُ عليه وسلم فيه سُنَّةٌ إنَّمَا يَأْتِي أَمْرٌ ثَانٍ يَنْسَخُ سُنَّتَهُ حتى يَكُونَ هو الْمُتَوَلِّيَ لِنَسْخِهِ وَسُنَّتُهُ أَنْ يَكُونَ ذلك لِئَلَّا يَخْتَلِطَ الْبَيَانُ بِالنَّسْخِ فَلَا يُوجَدُ لِرَسُولِ اللَّهِ سُنَّةٌ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ خِلَافُهَا إلَّا جُعِلَ الْقُرْآنُ نَاسِخًا أو جُعِلَتْ السُّنَّةُ إذَا كان ظَاهِرُهَا خِلَافَ الْقُرْآنِ نَاسِخَةً لِلْقُرْآنِ فَيَكُونُ ذلك ذَرِيعَةً إلَى أَنْ يَخْرُجَ أَكْثَرُ السُّنَنِ من أَيْدِينَا وقد قال الشَّافِعِيُّ في مَوَاضِعَ ما يُوجِبُ أَنَّ الْقُرْآنَ يَنْسَخُ السُّنَّةَ إلَّا أَنَّهُ في أَيْدِينَا وَجَبَ اسْتِعْمَالُهَا على ما يُمْكِنُ مِنْهُمَا وَاَلَّذِي يُمْكِنُ تَخْصِيصُ الْعَامِّ بِالنَّصِّ بِعِلْمِنَا ذلك ثُمَّ سَوَاءٌ تَقَدَّمَتْ السُّنَّةُ أو تَأَخَّرَتْ لِأَنَّهَا إنْ تَقَدَّمَتْ فَالْكَلَامُ الْعَامُّ مُثْبَتٌ عليها وَهِيَ بَيَانٌ وَإِنْ تَأَخَّرَتْ فَهِيَ تَفْسِيرُهُ وَهِيَ بَيَانٌ وَمَنْ جَعَلَهَا مَنْسُوخَةً فَإِنَّمَا يُرِيدُ مِنَّا أَنْ نَتْرُكَ الْمُفَسَّرَ بِالْمُجْمَلِ وَالنَّصَّ بِالْمُجْمَلِ وَمَنْ أَرَادَ ذلك مِنَّا قُلْنَا له بَلْ بَيَانٌ كما أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِالْبَيَانِ بِهِ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ النَّصِّ بِمَا يَحْتَمِلُ الْمَعَانِي قال وَهَذَا جُمْلَةٌ مِمَّا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ في هذا الْبَابِ وما قَالَهُ أبو الْعَبَّاسِ بن سُرَيْجٍ فيه ا هـ وَمِنْهُمْ أبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ في كِتَابِهِ فقال وَمَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ إنَّ السُّنَّةَ لَا تَنْسَخُ الْقُرْآنَ صَحِيحٌ على الْإِطْلَاقِ لَا يَأْتِي بِرَفْعِ حُكْمِ الْقُرْآنِ أَبَدًا وَمَعْنَى قَوْلِهِ لَا يَنْسَخُ الْقُرْآنُ السُّنَّةَ إلَّا أَحْدَثَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم سُنَّةً تُبَيِّنُ أَنَّ سُنَّتَهُ الْأُولَى قد أُزِيلَتْ بِهَذِهِ الثَّانِيَةِ كَلَامٌ صَحِيحٌ أَحَالَ أَنْ تَكُونَ السُّنَّةُ تَأْتِي بِرَفْعِ الْقُرْآنِ الثَّابِتِ على ما بَيَّنَّا من قِيَامِ الْأَدِلَّةِ وَأَجَازَ أَنْ يَأْتِيَ الْقُرْآنُ بِرَفْعِ السُّنَّةِ بَلْ قد وَجَدَهُ ثُمَّ قَرَنَهُ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ من سُنَّةٍ معه تُبَيِّنُ أَنَّهُ أَزَالَ الْحُكْمَ لِئَلَّا يَجُوزَ أَنْ يُجْعَلَ عُمُومُ الْقُرْآنِ مُزِيلًا لِمَا بَيْنَهُ من سُنَنِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لِوَهْمِ أَنْ يُتَوَهَّمَ أَنَّ قَوْلَهُ فَاغْسِلُوا أَرْجُلَكُمْ مُزِيلٌ لِحُكْمِ مَسْحِ الْخُفَّيْنِ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ قُلْ لَا أَجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ مُزِيلٌ لِتَحْرِيمِ كل ذِي نَابٍ من السِّبَاعِ وَنَحْوِهِ وَهَكَذَا قال الشَّافِعِيُّ عِنْدَ ذِكْرِهِ صَلَاةَ الْخَوْفِ وَحُكِيَ عن أبي سَعِيدٍ صَلَاةُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم يوم الْخَنْدَقِ وَذَلِكَ قبل أَنْ يُنْزِلَ اللَّهُ فَرِجَالًا أو رُكْبَانًا فقال وَهَذَا من الذي قُلْت لَك إنَّ اللَّهَ إذَا أَحْدَثَ لِرَسُولِهِ في شَيْءٍ سُنَّةً عليه السَّلَامُ
- فَلَا بُدَّ من سُنَّةٍ تُبَيِّنُ أَنَّ سُنَّتَهُ الْأُولَى مَنْسُوخَةٌ بِسُنَّتِهِ الْأَخِيرَةِ يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ عز وجل رَفَعَ الْحُكْمَ بِالْآيَةِ فَفَعَلَ هذه السُّنَّةَ لِأَنَّ الرَّافِعَ هو الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ هِيَ الْمُثْبِتَةُ أَنَّ الْقُرْآنَ قد رَفَعَ حُكْمَ ما سَنَّهُ وَبَيَانًا لِلْأُمَّةِ أَلَا تَرَى النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قد عَلِمَ أَنَّ الْحُكْمَ قد زَالَ بِمَا أَمَرَ وَصَارَ هو الْفَرْضَ بِفِعْلِهِ امْتِثَالًا لِلْمَفْرُوضِ عليه وَعَلَى أُمَّتِهِ وَبَيَانًا لِلْأُمَّةِ أَنَّهُ قد أُزِيلَ ما سَنَّهُ فَيُعْلِمُ بِسُنَّتِهِ الثَّانِيَةِ أَنَّ اللَّهَ قد أَزَالَ سُنَّتَهُ الْأُولَى لِمَا وَصَفْت من احْتِمَالِ تَرْتِيبِ الْآيَةِ على السُّنَّةِ لِئَلَّا يُشْكِلَ ذلك في التَّرْتِيبِ وَالْفَرْضِ وقد نَصَّ الشَّافِعِيُّ على ذلك فقال فِيمَا عَقَدَهُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لِقُرَيْشٍ بِنَقْضِ اللَّهِ الصُّلْحَ من رَدِّ الْمُؤْمِنَاتِ فَهَذَا يَدُلُّ على أَنَّ الْقُرْآنَ هو الذي رَفَعَ السُّنَّةَ انْتَهَى كَلَامُهُ وقال الْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ أَمَّا وُرُودُ آيَةٍ على مُنَاقَضَةِ ما تَضَمَّنَهُ الْخَبَرُ فَجَائِزٌ بِالِاتِّفَاقِ وَلَكِنَّ الْفُقَهَاءَ قالوا النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم هو النَّاسِخُ لِخَبَرِهِ دُونَ الْآيَةِ قال وَهَذَا كَلَامٌ لَا فَائِدَةَ فيه وَلَا اسْتِحَالَةَ في كَوْنِ الْآيَةِ نَاسِخَةً لِلْخَبَرِ وَعُزِيَ إلَى الشَّافِعِيِّ الْمَصِيرُ إلَى اسْتِحَالَتِهِ وَلَعَلَّهُ عَنَى في الْمَسْأَلَةِ أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا يَنْسَخُ وَلَا يُبَيِّنُ وَإِنَّمَا النَّاسِخُ اللَّهُ ا هـ وقال الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ كان الشَّافِعِيُّ يقول بِتَجْوِيزِ وُرُودِ الْقُرْآنِ بِلَفْظٍ يَنْفِي الْحُكْمَ الثَّابِتَ بِالسُّنَّةِ غير أَنَّهُ لَا يَقَعُ النَّسْخُ بِهِ حتى يُحْدِثَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم مع الْقُرْآنِ سُنَّةً له أُخْرَى يُبَيِّنُ بها انْتِفَاءَ حُكْمِ السُّنَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَهَذَا مِمَّا لَا وَجْهَ له لِأَنَّهُ إذَا كان الْقُرْآنُ من عِنْدِ اللَّهِ وكان ظَاهِرُهُ يَنْفِي حُكْمَ السُّنَّةِ وَجَبَ الْقَضَاءُ على رَفْعِهِ لها وَلَوْ كان ما هذا حُكْمُهُ من الْقُرْآنِ لَا يَكْفِي في ذلك في رَفْعِ حُكْمِ السُّنَّةِ لَفْظُ سُنَّةٍ أُخْرَى يَنْفِي حُكْمَهَا فَإِنْ قِيلَ قد يَلْتَبِسُ الْأَمْرُ في ذلك فَيَظُنُّ سَامِعٌ لَفْظَ الْآيَةِ أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ بِهِ رَفْعُ حُكْمِ السُّنَّةِ قُلْنَا إذَا لم يَحْتَمِلْ اللَّفْظُ غير ما يُضَادُّ حُكْمَ السُّنَّةِ ارْتَفَعَ التَّوَهُّمُ وقال أبو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ نَصَّ الشَّافِعِيُّ في مَوْضِعٍ آخَرَ على أَنَّ اللَّهَ يَنْسَخُ سُنَّةَ رَسُولِهِ غير أَنَّ قَوْلَهُ لم يُخْتَلَفْ في أَنَّ اللَّهَ إذَا نَسَخَ ذلك لم يَكُنْ بُدٌّ من أَنْ يَكُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم سُنَّةٌ تُبَيِّنُ أَنَّ سُنَّتَهُ الْأُولَى مَنْسُوخَةٌ إمَّا بِالسُّنَّةِ أو بِكِتَابِ اللَّهِ لِأَنَّ الْمَنْعَ من إجَازَةِ نَسْخِ اللَّهِ سُنَّةَ نَبِيِّهِ لِئَلَّا يَخْتَلِطَ الْبَيَانُ بِالنَّسْخِ فَتَخْرُجَ السُّنَنُ من أَيْدِينَا فإذا انْضَمَّ إلَى السُّنَّةِ الْأُولَى وَإِلَى الْقُرْآنِ الذي أتى بِرَفْعِهِ سُنَّةٌ أُخْرَى تَبَيَّنَ أَنَّ السُّنَّةَ الْأُولَى مَنْسُوخَةٌ فَقَدْ زَالَ ما يُخَوِّفُ من اخْتِلَاطِ الْبَيَانِ بِالنَّسْخِ وَلَا يُبَالَى بَعْدَ ذلك أَيُّهُمَا النَّاسِخُ
- لِلْحُكْمِ الْأَوَّلِ الْكِتَابُ لِلسُّنَّةِ أو السُّنَّةُ لِلسُّنَّةِ وَلَيْسَ في أَيْدِينَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ على أَنَّهُ لَا يَنْسَخُ الْكِتَابُ السُّنَّةَ كما أَنَّ السُّنَّةَ لَا تَنْسَخُ الْقُرْآنَ قال وَحَكَى أبو الْعَبَّاسِ بن سُرَيْجٍ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ في الرِّسَالَةِ أَنَّ اللَّهَ لَا يَنْسَخُ سُنَّةً إلَّا وَمَعَهَا سُنَّةٌ له تُبَيِّنُ أَنَّ سُنَّتَهُ الْأُولَى مَنْسُوخَةٌ وَإِلَّا خَرَجَتْ السُّنَنُ من أَيْدِينَا ثُمَّ قال وَهَذَا الذي احْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ بَيِّنٌ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ قال لِنَبِيِّهِ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ فإذا كانت هذه الْآيَاتُ مُحْتَمِلَةً لِلْخُصُوصِ ثُمَّ جاء عنه صلى اللَّهُ عليه وسلم ما يَدُلُّ على ذلك فَهُوَ بَيَانٌ منه لها فإذا جُعِلَتْ نَاسِخَةً له فَقَدْ أَدَّى ذلك إلَى إبْطَالِ الْوَضْعِ الذي وَضَعَ اللَّهُ له نَبِيَّهُ من الْإِبَانَةِ عن مَعْنَى الْكِتَابِ فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا هِيَ بَيَانٌ إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ قال بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ قِيلَ إنَّ قَوْلَهُ وَالْآيَةُ إذَا جَعَلْنَا النَّاسِخَ دَلِيلًا على أَنَّهُ النَّاسِخُ وَأَنَّ الذي يُنَافِيهِ مَنْسُوخٌ كَقَوْلِهِ كُنْت نَهَيْتُكُمْ عن زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا
- تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ قَسَمَ الصَّيْرَفِيُّ ما يَأْتِي من الْقُرْآنِ بِرَفْعِ ما حَكَمَ بِهِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم إلَى ضَرْبَيْنِ أَحَدُهُمَا ما لَا يَحْتَمِلُ الْمُوَافَقَةَ فَبِالْخِطَابِ يُعْلَمُ رَفْعُهُ كَقَوْلِهِ قد نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ في السَّمَاءِ الْآيَةَ وَكَصُلْحِ الرَّسُولِ لِقُرَيْشٍ على أَنْ يَرُدُّ النِّسَاءَ إلَيْهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إلَى الْكُفَّارِ فَهَذَا يُعْلَمُ من ظَاهِرِ الْخِطَابِ أَنَّ الْحُكْمَ قد أُزِيلَ وَيَكُونُ فِعْلُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ وَالثَّانِي يَحْتَمِلُ الْمُوَافَقَةَ كَآيَةِ الْوَصَايَا مع الْمِيرَاثِ فإنه يَحْتَمِلُ أَنْ يَجْمَعَ الْوَصِيَّةَ وَالْمِيرَاثَ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ فَلَا يَثْبُتُ النَّسْخُ إلَّا أَنْ تَأْتِيَ سُنَّةٌ تُبَيِّنُ أَنَّ الْآيَةَ رَافِعَةٌ كَقَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم إنَّ اللَّهَ قد أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ قال وَمِثْلُ أَنَّ عُمُومَ آيَةٍ على سُنَّةٍ فَلَا بُدَّ حِينَئِذٍ من سُنَّةٍ تُبَيِّنُ أَنَّ السُّنَّةَ الْأُولَى قد أُزِيلَ حُكْمُهَا بِبَيَانِ السُّنَّةِ الثَّانِيَةِ الثَّانِي أَنَّ الْكَلَامَ هُنَا في الْجَوَازِ هل هو الشَّرْعِيُّ أو الْعَقْلِيُّ فيه ما سَبَقَ وقد صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ بِأَنَّ الْعَقْلِيَّ مَحَلُّ وِفَاقٍ فقال بَعْدَمَا سَبَقَ ثُمَّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في طَرِيقِ الْجَوَازِ وَالْمَنْعِ في الشَّرْعِ مع جَوَازِهِ في الْعَقْلِ على ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا لَا تُوجَدُ سُنَّةٌ إلَّا وَلَهَا في كِتَابِ اللَّهِ أَصْلٌ كانت فيه بَيَانًا لِمُجْمَلِهِ فإذا وَرَدَ الْكِتَابُ بِنَسْخِهَا كان نَسْخًا لِمَا في الْكِتَابِ من أَصْلِهَا فَصَارَ ذلك نَسْخَ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ وَالثَّانِي يُوحِي إلَى رَسُولِهِ بِمَا تَحَقَّقَهُ من أُمَّتِهِ فإذا أَرَادَ نَسْخَ ما سَنَّهُ الرَّسُولُ أَعْلَمَهُ بِهِ حتى يَظْهَرَ نَسْخُهُ ثُمَّ يَرِدُ الْكِتَابُ بِنَسْخِهِ تَأْكِيدًا لِنَسْخِ رَسُولِهِ فَصَارَ ذلك نَسْخَ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ وَالثَّالِثُ نَسْخُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ فَيَكُونُ أَمْرًا من اللَّهِ لِرَسُولِهِ بِالنَّسْخِ فَيَكُونُ اللَّهُ هو الْآمِرُ بِهِ وَالرَّسُولُ هو النَّاسِخُ فَصَارَ ذلك نَسْخَ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ الثَّالِثُ حَكَى أبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ من الْحَنَفِيَّةِ في كِتَابِهِ عن بَعْضِهِمْ طَرِيقًا آخَرَ في الِامْتِنَاعِ وهو أَنَّهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم قد كان يَقِفُ في تَأْوِيلِ مُجْمَلِ الْكِتَابِ على ما لَا يُشْرِكُهُ في الْوُقُوفِ عليه أَحَدٌ من أُمَّتِهِ فَلَيْسَتْ له سُنَّةٌ لَا كِتَابَ فيها إلَّا وقد يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لها في الْكِتَابِ
- جُمْلَةٌ تَدُلُّ عليها فَخَصَّ اللَّهُ رَسُولَهُ بِعِلْمِ ذلك فلم يَثْبُتْ أَنَّ آيَةً نَسَخَتْ سُنَّةً لِأَنَّ تِلْكَ السُّنَّةَ قد تَكُونُ مَأْخُوذَةً من جُمْلَةِ الْكِتَابِ وَإِنْ خَفِيَ عَلَيْنَا عِلْمُ ذلك بَعْدُ قال أبو بَكْرٍ وَهَذَا يُوجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ لِلنَّبِيِّ صلى اللَّهُ عليه وسلم سُنَّةٌ أَصْلًا وَأَنْ يَكُونَ كُلُّ ما بَيَّنَهُ فَهُوَ بَيَانٌ لِجُمْلَةٍ مَذْكُورَةٍ في الْقُرْآنِ قد عَلِمَهَا دُونَنَا قال وَبُطْلَانُهُ مَعْلُومٌ بِاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ قُلْت قد حَكَاهُ الشَّافِعِيُّ في أَوَّلِ الرِّسَالَةِ قَوْلًا عن بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ ثُمَّ حَكَى الرَّازِيَّ عن هذا الْقَائِلِ اسْتِقْرَاءَ أَنَّهُ لم يُرِدْ أَنَّهُ نُسِخَتْ عِنْدَهُ سُنَّةٌ إلَّا وقد وُجِدَ لها حِكْمَةٌ من الْكِتَابِ نَحْوُ ما ادَّعَوْهُ من نَسْخِ اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَاسْتِحْلَالِ الْخَمْرِ وَتَحْرِيمِ الْمُبَاشَرَةِ وَالْفِطْرِ بَعْدَ النَّوْمِ في لَيَالِي الصَّوْمِ فَقَدْ يَكُونُ اسْتِقْبَالُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَأْخُوذًا من قَوْلِهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ وَشُرْبُ الْخَمْرِ من قَوْلِهِ إثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ شُرْبَهَا لَا يَحِلُّ وَفِيهِ إثْمٌ وَيَحْرُمُ ما يَحِلُّ لِلْمُفْطِرِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كما كُتِبَ على الَّذِينَ من قَبْلِكُمْ أَيْ على الصِّفَةِ قال وَإِنْ وَرَدَ ما لم يَطَّلِعْ فيه على ذلك فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا من الْكِتَابِ وَإِنْ خَفِيَ عَلَيْنَا عِلْمُهُ ثُمَّ زَيَّفَ الرَّازِيَّ هذه الْمَقَالَةَ وَرَدَّ هذا كُلَّهُ الرَّابِعُ أَشَارَ الدَّبُوسِيُّ إلَى أَنَّ الْخِلَافَ في هذه الْمَسْأَلَةِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا نَشَأَ من الْخِلَافِ في أَنَّ الزِّيَادَةَ نَسْخٌ أو بَيَانٌ فَالشَّافِعِيُّ يَرَى أَنَّهُ بَيَانٌ وما وَرَدَ مِمَّا يُوهِمُ النَّسْخَ جَعَلَهُ من قِسْمِ الْبَيَانِ وَعِنْدَنَا أَنَّ الزِّيَادَةَ نَسْخٌ فَاضْطُرِرْنَا إلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ وَبِالْعَكْسِ وقال ابن الْمُنَيَّر في شَرْحِ الْبُرْهَانِ طَرِيقُ النَّظَرِ عِنْدِي في هذه الْمَسْأَلَةِ غَيْرُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُونَ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ أَمْرٌ قد فُرِغَ منه وَجَفَّ بِهِ الْقَلَمُ فَلَا تَتَوَقَّعْ فيه الزِّيَادَةَ وَيَنْبَغِي أَنْ يُسْمَعَ النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ من الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَإِنْ لم نَجِدْ شيئا من الذي نُسِخَ بِالسُّنَّةِ وَلَا الْعَكْسِ قَطَعْنَا بِالْوَاقِعِ وَاسْتَغْنَيْنَا عن الْكَلَامِ على الزَّائِدِ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ أَبَدًا قال وَهَا هُنَا مَزَلَّةُ قَدَمٍ لَا بُدَّ من التَّنْبِيهِ عليها وَذَلِكَ أَنَّا قد نَجِدُ حُكْمًا من السُّنَّةِ مَنْسُوخًا وَنَجِدُ في الْكِتَابِ حُكْمًا مُضَادًّا لِذَلِكَ الْمَنْسُوخِ فَيَسْبِقُ الْوَهْمُ إلَى أَنَّهُ النَّاسِخُ وَهَذَا غَيْرُ لَازِمٍ لِأَنَّا قد نَجِدُ في السُّنَّةِ نَاسِخًا فَلَعَلَّ الْمَوْجُودَ في السُّنَّةِ هو الذي نَسَخَ وَالْمَوْجُودَ في الْكِتَابِ نَزَلَ بَعْدَ أَنْ اسْتَقَرَّ النَّسْخُ فَلَا يَتَعَيَّنُ كَوْنُ ذلك هو النَّاسِخُ ثُمَّ نُتْبِعُ ذلك بِالْأَمْثِلَةِ
- مَسْأَلَةٌ إذَا وَرَدَتْ السُّنَّةُ بَيَانًا لِمُجْمَلِ الْكِتَابِ كَقَوْلِهِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَبَيَّنَ الرَّسُولُ الْوُضُوءَ ثُمَّ قال هذا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ قال أبو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ فما كان من السُّنَّةِ من هذا النَّوْعِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَخَ بِالسُّنَّةِ لِأَنَّ الْفَرْضَ إنَّمَا ثَبَتَ بِالْكِتَابِ لَا بِالسُّنَّةِ قال وَكَذَلِكَ ما وَرَدَ في الْكِتَابِ مُجْمَلًا فَفَسَّرَتْهُ السُّنَّةُ أو عَامًّا فَخَصَّصَتْهُ أو مُتَشَابِهًا أو بَيَانًا لِلنَّاسِخِ من الْمَنْسُوخِ مِثْلُ وَأُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَا يَجُوزُ نَسْخُ ذلك بِالسُّنَّةِ فِيمَا كان بَيَانًا لِلْجُمْلَةِ التي اُحْتِيجَ إلَى تَفْسِيرِهَا فَأَمَّا ما ضُمَّ هو إلَيْهَا فَيَجُوزُ نَسْخُهُ بِالسُّنَّةِ مَسْأَلَةٌ نُسِخَ كُلُّ وَاحِدٍ من الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ بِالْآخَرِ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ كما قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ أَنَّ الْقَوْلَ لَا يُنْسَخُ إلَّا بِالْقَوْلِ وَأَنَّ الْفِعْلَ لَا يُنْسَخُ إلَّا بِالْفِعْلِ وقال بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَجُوزُ نَسْخُ كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سُنَّةٌ يُؤْخَذُ بها وقد قال صلى اللَّهُ عليه وسلم في السَّارِقِ فَإِنْ عَادَ في الْخَامِسَةِ فَاقْتُلُوهُ ثُمَّ رُفِعَ إلَيْهِ سَارِقٌ في الْخَامِسَةِ فلم يَقْتُلْهُ فَدَلَّ على أَنَّهُ مَنْسُوخٌ وقال الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ ثُمَّ رَجَمَ مَاعِزًا ولم يَجْلِدْهُ فَدَلَّ على أَنَّ الْجَلْدَ مَنْسُوخٌ
- وما حَكَيْنَاهُ عن بَعْضِ الْأَصْحَابِ صَحَّحَهُ الشَّيْخُ في اللُّمَعِ وهو الذي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فإنه ذَكَرَ في إيجَابِ الْقُعُودِ إذَا صلى الْإِمَامُ قَاعِدًا أَنَّهُ نُسِخَ بِفِعْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم في مَرَضِ مَوْتِهِ وقال الْقَاضِي يَجُوزُ نَسْخُ الْفِعْلِ بِالْفِعْلِ إذَا عُلِمَ كَوْنُهُمَا مُثْبِتَيْنِ لِحُكْمَيْنِ مُتَنَافِيَيْنِ فَأَمَّا النَّسْخُ بِإِقْرَارِ الرَّسُولِ صلى اللَّهُ عليه وسلم على الْفِعْلِ أو الْمَنْعِ منه فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ في بَابِ الْأَخْبَارِ قال وَاخْتُلِفَ أَيْضًا في نَسْخِ قَوْلِهِ بِفِعْلِهِ فَأَجَازَهُ قَوْمٌ وَمَنَعَهُ آخَرُونَ وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ وقال ابن عَقِيلٍ من الْحَنَابِلَةِ لَا يَجُوزُ النَّسْخُ بِالْأَفْعَالِ وَإِنْ جَعَلْنَاهَا دَالَّةً على الْوُجُوبِ دُونَ دَلَالَةِ صَرِيحِ الْقَوْلِ وَالشَّيْءُ إنَّمَا يُنْسَخُ بمثله أو بِأَقْوَى منه وقال ابن فُورَكٍ إذَا أَقَرَّ على غَيْرِ ما أُمِرَ بِهِ هل يَدُلُّ إقْرَارُهُ على نَسْخِ الْأَوَّلِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَقَعُ بِهِ نَسْخٌ كما يَقَعُ بِهِ التَّخْصِيصُ على قَوْلِنَا إنَّ الْفِعْلَ يَدُلُّ على الْوُجُوبِ وَمَنْ تَوَقَّفَ في الْفِعْلِ قال وَيُسْتَدَلُّ بِإِقْرَارِهِ على أَنَّهُ قد سَبَقَهُ قَوْلٌ نُسِخَ بِهِ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ فِعْلَهُ يَقَعُ تَخْصِيصًا وَيَقَعُ مُتَعَدِّيًا فَمَنْ قال بهذا فإنه يقول في حديث مُعَاذٍ وكان قد تَقَدَّمَ من النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لِمُعَاذٍ قَوْلٌ في ذلك ثُمَّ قال سَنَّ لَكُمْ مُعَاذٌ سُنَّةً فَاتَّبَعُوهُ فَأَضَافَهَا إلَيْهِ تَنْوِيهًا بِذِكْرِهِ لَمَّا كان هو الْمُبْتَدِيَ بِهِ وَمَنْ قال بِالْأَوَّلِ جَعَلَ سُكُوتَهُ على الْإِنْكَارِ نَسْخًا له
- مسألة الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به أما كونه لا ينسخ فلأن الإجماع لا يكون إلا بعد وفاة الرسول والنسخ لا يكون بعد موته هكذا قاله ابن الصباغ وسليم وابن السمعاني وأبو الحسين في المعتمد والإمام فخر الدين وجعلوا هذه المسألة مبنية على أن الإجماع لا ينعقد في زمانه لأن قولهم بدون قوله لاغ وأما معه فالحجة في قوله وقول الغير لاغ وإذا لم ينعقد إلا بعد زمانه فلا يمكن نسخه بالكتاب والسنة لتعذرهما بعد وفاته ولا بإجماع آخر لأن هذا الإجماع الثاني إن كان لا عن دليل فهو خطأ وإن كان عن دليل فقد غفل عنه الإجماع الأول فكان خطأ والإجماع لا يكون خطأ فاستحال النسخ بالإجماع ولا بالقياس لأن من شرط العمل به أن لا يكون مخالفا للإجماع فتعذر نسخ الإجماع مطلقا لأنه لو انتسخ لكان انتساخه بواحد مما ذكرنا والكل باطل وما ذكروه من عدم تصور انعقاد الإجماع في حياته عليه السلام هو ما ذكره أكثر الأصوليين وفيه نظر إذا جوزنا لهم الاجتهاد في زمانه كما هو الصحيح فلعلهم اجتهدوا في مسألة وأجمعوا عليها من غير علمه صلى الله عليه وسلم وقد ذكر أبو الحسين البصري في المعتمد بعد ذلك ما يخالف الأول فإنه جزم بأن الإجماع لا ينسخ لأنه إنما ينعقد بعد وفاته ثم قال نعم يجوز أن ينسخ الله حكما أجمعت عليه الأمة على عهده ثم قال فإن قيل يجوز أن ينسخ إجماع وقع في زمانه قلنا يجوز وإنما منعنا الإجماع بعده أن ينسخ وأما في حياته فالمنسوخ الدليل الذي أجمعوا عليه لا حكمه وقد استشكل القرافي في شرح التنقيح هذا الحكم ونقل عن أبي إسحاق وابن برهان جواز انعقاد الإجماع في زمانه قال وشهادة الرسول لهم بالعصمة متناولة لما في زمانه وما بعده وقال صاحب المصادر ذهب الجماهير إلى أن الإجماع لا يكون ناسخا ولا منسوخا لأنه إنما يستقر بعد انقطاع الوحي والنسخ إنما يكون بالوحي قال الشريف المرتضى وهذا غير كاف لأن دلالة الإجماع عندنا مستقرة في كل حال قبل انقطاع الوحي وبعده قال فالأقرب أن يقال أجمعت الأمة على أن ما ثبت بالإجماع لا
- ينسخ ولا ينسخ به أي لا يقع ذلك لا أنه غير جائز ولا يلتفت إلى خلاف عيسى بن أبان وقوله إن الإجماع ناسخ لما وردت به السنة من وجوب الغسل من غسل الميت انتهى وأما كونه ينسخ به فكما لا يكون منسوخا لا يكون ناسخا لأنه لما كان ينعقد بعد زمانه لم يتصور أن ينسخ ما كان من الشرعيات في زمانه ولأن الأمة لا تجتمع على مثل هذا لأنه يكون إجماعا على خلافه وهم معصومون منه فإن قيل قد نسختم خبر الواحد بالإجماع وهو حديث الغسل من غسل الميت والوضوء من مسه قلنا إنما استدل بمخالفة الإجماع له على تقدير نسخه فصار منسوخا بغير الإجماع لا بالإجماع فصار الإجماع في هذا الموضع دليلا على النسخ لا أنه وقع به النسخ قاله ابن السمعاني في القواطع وقال الأستاذ أبو منصور إذا أجمعت الأمة على حكم واحد ووجدنا خبرا بخلافه استدللنا بالإجماع على سقوط الخبر لا نسخه أو تأويله على خلاف ظاهره وكذا قال الصيرفي في كتابه ليس للإجماع حظ في نسخ الشرع لأنهم لا يشرعون ولكن إجماعهم يدل على الغلط في الخبر أو رفع حكمه لا أنهم رفعوا الحكم وإنما هم أتباع لما أمروا به وقال القاضي من الحنابلة يجوز النسخ بالإجماع لكن لا بنفسه بل بمستنده فإذا رأينا نصا صحيحا والإجماع بخلافه استدللنا بذلك على نسخه وأن أهل الإجماع اطلعوا على ناسخ وإلا لما خالفوه وقال ابن حزم جوز بعض أصحابنا أن يورد حديث صحيح والإجماع على خلافه قال وذلك دليل على أنه منسوخ قال ابن حزم وهذا عندنا خطأ فاحش لأن ذلك معدوم لقوله تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون وكلام الرسول وحي محفوظ ا هـ وممن جوز كون الإجماع ناسخا الحافظ البغدادي في كتاب الفقيه والمتفقه ومثله بحديث الوادي الذي في الصحيح حين نام الرسول وأصحابه فما أيقظهم إلا حر الشمس وقال في آخره فإذا سها أحدكم عن صلاة فليصلها حين يذكرها ومن الغد للوقت
- قال فأعاد الصلاة المنسية بعد قضائها حال الذكر وفي الوقت منسوخ بإجماع المسلمين على أنه لا يجب ولا يستحب ومثله أيضا بحديث أسنده إلى زر قال قلت لحذيفة أي ساعة تسحرتم مع رسول الله قال هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع فقال أجمع المسلمون أن طلوع الفجر يحرم الطعام والشراب على الصائم مع بيان ذلك في قوله تعالى من الفجر انتهى ودعواه النسخ في الثاني بالإجماع فيه نظر فإن قوله تعالى من الفجر صريح في التقييد بالفجر فهو الناسخ حينئذ لا الإجماع إلا أن يريد أن الأمة لما أجمعت على ترك ظاهره دل إجماعهم على نسخه لا أن الإجماع هو الناسخ وقال إلكيا يتصور نسخ الإجماع بأن الأولين إذا اختلفوا على قولين ثم أجمعوا على أحدهما فنقول إن الخلاف نسخ وجزم القول به مع إجماع الأولين على جواز الاختلاف قلنا الصحيح أن الخلاف الأول يزول به ومن قال يزول به قال هذا لا يعد ناسخا لأنهم إنما سوغوا القول الأول بشرط أن لا يكون هناك ما يمنع من الاجتهاد كالغائب عن الرسول لا يجتهد إلا بشرط فقد النص والإجماع كالنص في ذلك والاختلاف مشروط بشرط وهذا بعيد فإن نص الرسول ذلك الحكم المخالف لم يكن حكم الله وهنا الإجماع بعد الخلاف لا يبين أن الخلاف لم يكن شرعيا وإنما اعترض على دوام حكم الخلاف نسخا فإن قيل بهذا المذهب فهو نسخ الإجماع على الخلاف لا محالة انتهى وقال ابن برهان في الأوسط وأما إجماع الطبقة الثانية على أحد القولين فليس بنسخ لأن القول المهجور بطل في نفسه ولهذا قال الشافعي المذاهب لا تموت بموت أربابها وأيضا فلفقد شرط الإجماع وهو أن يكون للمذهب الأول ذاب وناصر وقال ابن السمعاني في القواطع وأما نسخ الإجماع بالإجماع فمثل أن تجمع الصحابة في حكم على قولين ثم يجمع المانعون بعدهم على قول واحد فيكون الصحابة
- مجمعين على جواز الاجتهاد والمانعون مجمعين على عدم جواز الاجتهاد قال وفي هذه المسألة للشافعي قولان وإن قلنا بجوازه لا يكون ناسخا لأن الصحابة وإن سوغوا الاجتهاد فشرطه ما لم يمنع مانع مَسْأَلَةُ الْقِيَاسِ لَا يَنْسَخُ وَلَا يُنْسَخُ بِهِ أَمَّا كَوْنُهُ نَاسِخًا فَالْجُمْهُورُ على مَنْعِهِ وَمِنْهُمْ الصَّيْرَفِيُّ في كِتَابِهِ وَإِلْكِيَا في التَّلْوِيحِ وابن الصَّبَّاغِ وَسُلَيْمٌ وأبو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ في التَّحْصِيلِ وابن السَّمْعَانِيِّ وَنَقَلَهُ أبو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ عن نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَكَلَامِ ابْنِ سُرَيْجٍ وَاخْتَارَهُ أَيْضًا وقال الْقَاضِي الْحُسَيْنُ في تَعْلِيقِهِ في بَابِ الْأَقْضِيَةِ إنَّهُ الصَّحِيحُ في الْمَذْهَبِ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وَنَقَلَهُ في التَّقْرِيبِ عن الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ قالوا فَلَا يَجُوزُ نَسْخُ شَيْءٍ من الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ بِالْقِيَاسِ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يُسْتَعْمَلُ مع عَدَمِ النَّصِّ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَخَ النَّصُّ وَلِأَنَّهُ دَلِيلٌ مُحْتَمَلٌ وَالنَّسْخُ يَكُونُ بِأَمْرٍ مَقْطُوعٍ وَلِأَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الْقِيَاسِ أَنْ لَا يَكُونَ في الْأُصُولِ ما يُخَالِفُهُ فَفِي نَسْخِ الْأُصُولِ بِالْقِيَاسِ تَحْقِيقُ الْقِيَاسِ دُونَ شَرْطِهِ وهو مُمْتَنِعٌ وَلِأَنَّهُ إنْ عَارَضَ نَصًّا أو إجْمَاعًا فَالْقِيَاسُ فَاسِدُ الْوَضْعِ وَإِنْ عَارَضَ قِيَاسًا آخَرَ فَتِلْكَ الْمُعَارَضَةُ إنْ كانت بين أَصْلِيِّ الْقِيَاسِ فَهَذَا يُتَصَوَّرُ فيه النَّسْخُ قَطْعًا إذْ هو من بَابِ نَسْخِ النُّصُوصِ وَإِنْ كان بين الْعِلَّتَيْنِ فَهُوَ من بَابِ الْمُعَارَضَةِ في الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ لَا من بَابِ الْقِيَاسِ قال الصَّيْرَفِيُّ لَا يَقَعُ النَّسْخُ إلَّا بِدَلِيلٍ تَوْقِيفِيٍّ وَلَا حَظَّ لِلْقِيَاسِ فيه أَصْلًا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَرِدَ خَبَرٌ لِمَعْنًى ثُمَّ يَرِدُ نَاسِخٌ لِذَلِكَ الْخَبَرِ الذي فيه ذلك الْمَعْنَى فَيَرْتَفِعُ هو وَدَلَالَتُهُ كما لو حُرِّمَ بَيْعُ الْبُرِّ بِالْبُرِّ لِلْأَكْلِ فَقِسْنَا كُلَّ مَأْكُولٍ عليه ثُمَّ أُحِلَّ الْبُرُّ بِالْبُرِّ فَيَصِيرُ ما قِسْنَاهُ عليه حَلَالًا لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ لِلْمَعْنَى الذي أَوْجَبَهُ ما أَوْجَبَهُ في غَيْرِهَا فَمَتَى أَزَالَ حُكْمَهَا بَطَلَ حُكْمُ ما تَعَلَّقَ بها وَلَيْسَ هذا نَسْخًا بِالْقِيَاسِ إنَّمَا هو نَسْخٌ لِلْمَنْصُوصِ عليه بِالْمَنْصُوصِ وقال كَذَلِكَ ما أَقَرَّ عليه النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا يَجُوزُ رَفْعُهُ بِالْقِيَاسِ لِأَنَّهُ قد ثَبَتَ تَحْلِيلُ عَيْنِهِ وَالْقِيَاسُ يَقَعُ فيه الْخَطَأُ انْتَهَى وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي الْجَوَازُ مُطْلَقًا بِكُلِّ دَلِيلٍ يَقَعُ بِهِ التَّخْصِيصُ حَكَاهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وقال الْجَزَرِيُّ في أَجْوِبَةِ التَّحْصِيلِ لو دَلَّ نَصٌّ على إبَاحَةِ النَّبِيذِ مَثَلًا كما يقول من يُبِيحُهُ ثُمَّ دَلَّ نَصٌّ على تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وكان مُتَرَاخِيًا عن إبَاحَةِ النَّبِيذِ ثُمَّ قِسْنَا
- التَّحْرِيمَ في النَّبِيذِ على الْخَمْرِ كان الْقِيَاسُ الثَّانِي نَاسِخًا وَهَذَا مَبْنِيٌّ على أَمْرَيْنِ تَقَدُّمِ إبَاحَةِ النَّبِيذِ وَكَوْنِ التَّحْرِيمِ في النَّبِيذِ بِالْقِيَاسِ لَا بِالنَّصِّ كما قال بَعْضُهُمْ وَحِينَئِذٍ يُتَصَوَّرُ كَوْنُ الْقِيَاسِ نَاسِخًا لِلنَّصِّ وَحَكَى الْقَاضِي عن بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يُنْسَخُ بِهِ الْمُتَوَاتِرُ وَنَصُّ الْقُرْآنِ وَعَنْ آخَرِينَ أَنَّهُ إنَّمَا يُنْسَخُ بِهِ أَخْبَارُ الْآحَادِ فَقَطْ الثَّالِثُ التَّفْصِيلُ بين الْجَلِيِّ فَيَجُوزُ النَّسْخُ بِهِ وَبَيْنَ الْخَفِيِّ فَلَا يَجُوزُ حَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَغَيْرُهُ عن أبي الْقَاسِمِ الْأَنْمَاطِيِّ إجْرَاءً له مُجْرَى التَّخْصِيصِ وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ عن ابْنِ سُرَيْجٍ وَحَكَى أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ عن الْأَنْمَاطِيِّ أَنَّهُ كان يقول الْقِيَاسُ الْمُسْتَخْرَجُ من الْقُرْآنِ يُنْسَخُ بِهِ الْقُرْآنُ وَالْقِيَاسُ الْمُسْتَخْرَجُ من السُّنَّةِ يُنْسَخُ بِهِ السُّنَّةُ وَحَكَى في مَوْضِعٍ آخَرَ عنه أَنَّهُ جَوَّزَ ذلك وقال ما لَا يَحْتَمِلُ إلَّا مَعْنًى وَاحِدًا وقال جَوَّزَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا إلَّا أَنَّهُ لم يَقَعْ وَحَكَى الْبَاجِيُّ عن الْأَنْمَاطِيِّ التَّفْصِيلَ الْأَوَّلَ ثُمَّ قال وَهَذَا ليس بِخِلَافٍ في الْحَقِيقَةِ لِأَنَّ الْقِيَاسَ عِنْدَهُ مَفْهُومُ الْخِطَابِ وهو ليس بِقِيَاسٍ في الْحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا يَجْرِي مُجْرَى النَّصِّ وَقَسَمَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا ما عُرِفَ مَعْنَاهُ من ظَاهِرِ النَّصِّ بِغَيْرِ الِاسْتِدْلَالِ كَقَوْلِهِ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ فإنه يَدُلُّ على تَحْرِيمِ الضَّرْبِ قِيَاسًا لَا لَفْظًا على الْأَصَحِّ وفي جَوَازِ النَّسْخِ بِهِ وَجْهَانِ وَالْأَكْثَرُونَ على الْمَنْعِ الثَّانِي ما عُرِفَ كَنَهْيِهِ عن الضَّحِيَّةِ بِالْعَوْرَاءِ وَالْعَرْجَاءِ فَكَانَتْ الْعَمْيَاءُ قِيَاسًا على الْعَوْرَاءِ وَالْعَرْجَاءِ على الْقَطْعِ لِأَنَّ نَقْصَهَا أَكْثَرُ فَهَذَا لَا يَجُوزُ التَّعَبُّدُ بِهِ بِخِلَافِ أَصْلِهِ وَيَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهِ وَلَا يَجُوزُ النَّسْخُ بِالِاتِّفَاقِ لِجَوَازِ وُرُودِ التَّعَبُّدِ في الْفَرْعِ بِخِلَافِ أَصْلِهِ الثَّالِثُ ما عُرِفَ مَعْنَاهُ بِاسْتِدْلَالٍ ظَاهِرٍ بِتَأَدِّي النَّظَرِ كَقِيَاسِ الْأَمَةِ على الْعَبْدِ في السِّرَايَةِ وَقِيَاسِ الْعَبْدِ عليها في تَنْصِيفِ الْحَدِّ فَلَا يَجُوزُ النَّسْخُ بِهِ وَيَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا ا هـ الرَّابِعُ التَّفْصِيلُ بين أَنْ تَكُونَ عِلَّتُهُ مَنْصُوصَةً كَقَوْلِهِ حُرِّمَتْ الْخَمْرُ لِأَجْلِ الشِّدَّةِ فَهَذَا يَجُوزُ النَّسْخُ بِهِ مع التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ وَيُرْفَعُ بِهِ حُكْمُ تَحْلِيلِ الْأَنْبِذَةِ التي فيها الشِّدَّةُ وَبَيْنَ أَنْ تَكُونَ مُسْتَنْبَطَةً فَهِيَ على ضَرْبَيْنِ
- أَحَدُهُمَا أَنْ تُسْتَنْبَطَ من خِطَابٍ مُتَأَخِّرٍ عن الْخِطَابِ الْمُعَارِضِ لها فَهَذَا قد كان يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ الشَّرْعُ بِنَسْخِهَا لِلْخِطَابِ الْمُتَقَدِّمِ وَإِنَّمَا مَنَعَ من ذلك الشَّرْعُ وَالثَّانِي أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ مُسْتَخْرَجَةً من خِطَابٍ سَابِقٍ على الْخِطَابِ الْمُعَارِضِ لها فَهَذَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَرِدَ شَرْعٌ بِنَسْخِهَا لِلْخِطَابِ الْمُتَأَخِّرِ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ من الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ تَحْرِيمُ الْمُبَاحِ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ ثُمَّ يَرِدُ الْخِطَابُ الْمَنْسُوخُ بَعْدَ الْعِلَّةِ النَّاسِخَةِ بِالْإِبَاحَةِ فَيَجْتَمِعُ الْحَظْرُ وَالْإِبَاحَةُ في حُكْمٍ وَاحِدٍ وَذَلِكَ يَمْنَعُ التَّكْلِيفَ قال الْبَاجِيُّ في أَحْكَامِهِ وَهَذَا هو الْحَقُّ وَفَصَلَ الْآمِدِيُّ بين أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ مَنْصُوصَةً فَيَصِحُّ وَإِلَّا فَإِنْ كان الْقِيَاسُ قَطْعِيًّا كَقِيَاسِ الْأَمَةِ على الْعَبْدِ في السِّرَايَةِ فإنه وَإِنْ كان مُقَدَّمًا لَكِنْ ليس نَسْخًا لِكَوْنِهِ ليس بِخِطَابٍ وَالنَّسْخُ عِنْدَهُ هو الْخِطَابُ وَإِنْ كان ظَنِّيًّا بِأَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ مُسْتَنْبَطَةً فَلَا يَكُونُ نَاسِخًا وقد سَبَقَهُ إلَى هذا التَّفْصِيلِ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ أَيْضًا ثُمَّ قال قال الْقَاضِي عبد الْجَبَّارِ إذَا كان كَذَلِكَ يَعْنِي الْعِلَّةَ مَنْصُوصَةً فَالْأَقْرَبُ أَنَّ النَّاسِخَ هو ما كان من جِهَةِ الرَّسُولِ وَلَكِنْ فَعَلْنَا بِشَرْطٍ وَجَعَلَ الْهِنْدِيُّ مَحَلَّ الْخِلَافِ في حَيَاةِ الرَّسُولِ وقال أَمَّا بَعْدَهُ فَلَا يَنْسَخُ بِالِاتِّفَاقِ وَأَمَّا كَوْنُهُ مَنْسُوخًا فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ إحْدَاهُمَا مع بَقَاءِ أَصْلِهِ قال ابن السَّمْعَانِيِّ وَفِيهِ وَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا نُسِخَ الْأَصْلُ هل يَكُونُ ذلك نَسْخًا لِلْقِيَاسِ قال وَصُورَتُهُ أَنْ يَثْبُتَ الْحُكْمُ في عَيْنٍ بِعِلَّةٍ وَيُقَاسُ عليها غَيْرُهَا ثُمَّ يُنْسَخُ الْحُكْمُ في تِلْكَ الْعَيْنِ الْمَقِيسِ عليها فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَبْطُلُ الْحُكْمُ في الْفَرْعِ لِأَنَّ الْفَرْعَ تَابِعٌ لِلْأَصْلِ فإذا بَطَلَ الْحُكْمُ في الْأَصْلِ بَطَلَ في الْفَرْعِ وقال ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ نُقِلَ عن عبد الْجَبَّارِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَسْخُ الْقِيَاسِ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ نَسْخَ أُصُولِهِ من الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَهِيَ لم تُنْسَخْ وَنُقِلَ عنه قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُهُ قال وَالْحَقُّ ما ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا وهو أَنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُهُ في زَمَنِ الرَّسُولِ بِالْكِتَابِ لَا السُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ وَأَمَّا بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَا يَجُوزُ ا هـ وَكَذَا قال إلْكِيَا قِيلَ لَا يَصِحُّ نَسْخُهُ لِأَنَّهُ مع الْأُصُولِ فما دَامَتْ الْأُصُولُ ثَابِتَةً فَنَسْخُهُ لَا يَصِحُّ قال وَهَذَا عِنْدَنَا بَعْدَ الرَّسُولِ فإنه إنَّمَا تَبَيَّنَ بُطْلَانُهُ من أَصْلِهِ وَذَلِكَ ليس من النَّسْخِ في شَيْءٍ بَلْ يَظْهَرُ مُخَالِفٌ أو لَا يَظْهَرُ وَكَيْفَمَا قُدِّرَ فَلَا يَكُونُ نَسْخًا وَإِنْ كان في عَهْدِ الرَّسُولِ فَيَجُوزُ ذلك إنْ قُلْنَا بِجَوَازِ الِاجْتِهَادِ لِلْغَائِبِ عنه بِنَاءً
- على الْأُصُولِ فإذا طَرَأَ نَاسِخٌ بَعْدَهُ صَحَّ نَسْخُ الْقِيَاسِ ثُمَّ يَتَّجِهُ أَنْ يُقَالَ ليس نَسْخُ الْقِيَاسِ فإنه تَبَعٌ لِلْأُصُولِ فإذا ارْتَفَعَتْ ارْتَفَعَ التَّبَعُ وَأَطْلَقَ سُلَيْمٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَسْخُ الْقِيَاسِ قال لِأَنَّهُ يُسْتَفَادُ من أَصْلِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَخَ مع بَقَاءِ حُكْمِ أَصْلِهِ وقال صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ مَنَعَ الْقَاضِي عبد الْجَبَّارِ من نَسْخِ الْقِيَاسِ قال لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْأُصُولِ فلم يَجُزْ مع ثُبُوتِهَا رَفْعُهُ وَلِأَنَّهُ إنَّمَا ثَبَتَ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْوَحْيِ وقال في الدَّرْسِ إنْ كان مَعْلُومَ الْعِلَّةِ جَازَ نَسْخُهُ قال لِأَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لو نَصَّ على أَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِ الْبُرِّ هِيَ الْكَيْلُ وَأَمَرَ بِالْقِيَاسِ لَكَانَ ذلك كَالنَّصِّ في تَحْرِيمِ الْأُرْزِ فَكَمَا جَازَ أَنْ يُحَرِّمَ الْأَرُزَّ ثُمَّ يَنْسَخَهُ جَازَ أَنْ يَنْسَخَ عَنَّا تَحْرِيمَ الْأُرْزِ الْمُسْتَفَادِ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصِ عليها وَيَمْنَعُ من قِيَاسِهِ على الْبُرِّ وقال الْبَيْضَاوِيُّ في مِنْهَاجِهِ إنَّمَا يُنْسَخُ بِقِيَاسٍ أَجْلَى منه وقال الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ في الْمَحْصُولِ تَبَعًا لِصَاحِبِ الْمُعْتَمَدِ وَابْنِ الصَّبَّاغِ يُنْسَخُ الْقِيَاسُ إنْ كان في حَيَاتِهِ فَلَا يَمْتَنِعُ رَفْعُهُ بِالنَّصِّ وَبِالْإِجْمَاعِ وَبِالْقِيَاسِ أَمَّا بِالنَّصِّ فَبِأَنْ يَنُصَّ عليه السَّلَامُ في الْفَرْعِ بِخِلَافِ حُكْمِ الْقِيَاسِ بَعْدَ اسْتِمْرَارِ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ وَأَمَّا بِالْإِجْمَاعِ فإنه إذَا اخْتَلَفَتْ الْأُمَّةُ على قَوْلَيْنِ قِيَاسًا ثُمَّ أَجْمَعُوا على أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ كان إجْمَاعُهُمْ رَافِعًا لِحُكْمِ الْقِيَاسِ الْمُقْتَضِي لِلْقَوْلِ الْآخَرِ وَأَمَّا بِالْقِيَاسِ فَبِأَنْ يَنُصَّ على صُورَةٍ بِخِلَافِ ذلك الْحُكْمِ وَيَجْعَلَهُ مُعَلَّلًا بِعِلَّةٍ مَوْجُودَةٍ في ذلك الْفَرْعِ وَيَكُونَ أَمَارَةُ عِلِّيَّتِهَا أَقْوَى من أَمَارَةِ عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ لِلْحُكْمِ في الْأَصْلِ الْأَوَّلِ وَأَمَّا بَعْدَ وَفَاتِهِ فإنه يَجُوزُ نَسْخُهُ في الْمَعْنَى وَإِنْ كان لَا يُسَمَّى نَسْخًا في اللَّفْظِ كما إذَا أَفْتَى الْمُجْتَهِدُ بِالْقِيَاسِ ثُمَّ ظَفِرَ بِالنَّصِّ أو بِالْإِجْمَاعِ أو بِالْقِيَاسِ الْمُخَالِفِ لِلْأَوَّلِ فَإِنْ قُلْنَا كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ كان هذا الْوُجْدَانُ نَسْخًا لِقِيَاسِهِ الْأَوَّلِ وَإِنْ قُلْنَا الْمُصِيبُ وَاحِدٌ لم يَكُنْ الْقِيَاسُ الْأَوَّلُ مُتَعَبَّدًا بِهِ فلم يَكُنْ النَّصُّ الذي وَجَدَهُ آخِرًا نَاسِخًا لِذَلِكَ الْقِيَاسِ قال صَاحِبُ التَّحْصِيلِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ وفي هذه الْأَقْسَامِ نَظَرٌ فَلْيَتَأَمَّلْهُ النَّاظِرُ وهو كما قال فإن تَجْوِيزَهُ نَسْخَ الْقِيَاسِ في حَيَاةِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِالْإِجْمَاعِ يُنَاقِضُ قَوْلَهُ قبل ذلك إنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَنْعَقِدُ في زَمَانِهِ كما قَالَهُ الْقَرَافِيُّ وَنَقْلُهُ الْإِجْمَاعَ على بُطْلَانِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ ليس بِجَيِّدٍ بَلْ الْخِلَافُ ثَابِتٌ في تَجْوِيزِ نَسْخِ الْكِتَابِ بِالْقِيَاسِ كما سَبَقَ وقال بَعْضُهُمْ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ مُطْلَقًا فَإِنَّا وَإِنْ قُلْنَا إنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِمَا غَلَبَ على ظَنِّهِ كَالْقِبْلَةِ إذَا لم يُعَيِّنْهَا فإنه تَكْلِيفٌ بِمَا أَدَّى إلَيْهِ
- اجْتِهَادُهُ وقال ابن بَرْهَانٍ نُقِلَ عن عبد الْجَبَّارِ أَنَّهُ مَنَعَ نَسْخَ الْقِيَاسِ لِأَنَّهُ إنَّمَا تُنْسَخُ أُصُولُهُ وَأُصُولُهُ بَاقِيَةٌ لم تُنْسَخُ وَنُقِلَ عنه الْجَوَازُ وَالْحَقُّ الْبَيِّنُ ما قَسَمَهُ أَصْحَابُنَا فَقَالُوا إذَا كان الْقِيَاسُ في زَمَنِ الرَّسُولِ جَازَ نَسْخُهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ فإذا قال لَا تَبِيعُوا الْبُرَّ بِالْبُرِّ وَنَبَّهَ على عِلَّتِهِ فَعَدَّيْنَاهَا إلَى الْأُرْزِ ثُمَّ وُجِدَ نَصٌّ من كِتَابِ اللَّهِ أو سُنَّةِ رَسُولِهِ يَقْتَضِي إبَاحَةَ بَيْعِ الْأُرْزِ بِالْأُرْزِ مُتَفَاضِلًا فإنه نَسْخٌ لِحُكْمِ ذلك الْقِيَاسِ أَمَّا بَعْدَ وَفَاتِهِ فَلَا يَجُوزُ نَسْخُهُ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ بَعْدَ الْوَفَاةِ تَجَدُّدُ شَرْعٍ وقال الْآمِدِيُّ الْعِلَّةُ الْجَامِعَةُ في الْقِيَاسِ إنْ كانت مَنْصُوصَةً فَهِيَ في مَعْنَى النَّصِّ وَيُمْكِنُ نَسْخُهُ بِنَصٍّ أو قِيَاسٍ في مَعْنَاهُ لو ذَهَبَ إلَيْهِ ذَاهِبٌ بَعْدَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لِعَدَمِ اطِّلَاعِهِ على نَاسِخِهِ بَعْدَ الْبَحْثِ فإنه وَإِنْ وَجَبَ عليه اتِّبَاعُ ما ظَنَّهُ فَرُفِعَ حُكْمُهُ في حَقِّهِ بَعْدَ اطِّلَاعِهِ على النَّاسِخِ لَا يَكُونُ نَسْخًا مُتَجَدِّدًا بَلْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كان مَنْسُوخًا وَإِنْ كانت مُسْتَنْبَطَةً فَحُكْمُهَا في حَقِّهِ غَيْرُ ثَابِتٍ بِالْخِطَابِ فَرَفْعُهُ في حَقِّهِ عِنْدَ الظَّفَرِ بِذَلِكَ مُعَارَضَةٌ وَيَتَرَجَّحُ عليه فَلَا يَكُونُ نَسْخًا لِكَوْنِهِ ليس بِخِطَابٍ لِأَنَّ النَّسْخَ هو الْخِطَابُ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِالْقِيَاسِ نَسْخُ أَصْلِهِ يُوجِبُ نَسْخَهُ في قَوْلِ الْجُمْهُورِ كما قَالَهُ ابن السَّمْعَانِيِّ وَصُورَتُهُ ما لو نَصَّ الشَّارِعُ على حُكْمٍ وَعَلَّلَهُ بِعِلَّةٍ وَأَلْحَقَ غَيْرَهُ بِهِ ثُمَّ نُسِخَ الْحُكْمُ في الْأَصْلِ فَهَلْ يَرْتَفِعُ في الْفَرْعِ عِنْدَنَا يَرْتَفِعُ وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ يَبْقَى لِأَنَّهُ لو زَالَ لَكَانَ زَوَالُهُ نَسْخًا بِالْقِيَاسِ وهو مَمْنُوعٌ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الْفَرْعَ لَا يَبْقَى بَعْدَ زَوَالِ الْأَصْلِ لِأَنَّهُ إذَا بَقِيَ لَا يَكُونُ فَرْعًا وَفَصَلَ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ بين أَنْ يُنْسَخَ الْأَصْلُ لَا إلَى بَدَلٍ فَلَا يَبْقَى الْفَرْعُ وَبَيْنَ أَنْ يُنْسَخَ إلَى بَدَلٍ فَيَبْقَى وهو غَرِيبٌ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْحَقُّ أَنَّ الْمَعْنَى يَبْقَى اسْتِدْلَالًا وَفِيهِ نَظَرٌ فإن شَرْطَ الِاسْتِدْلَالِ عِنْدَ الْعَامِلِ بِهِ أَنْ لَا يَشْهَدَ عليه أَصْلٌ وَهَذَا الْمَعْنَى قد أَلْغَاهُ النَّاسِخُ وَمُنْشَأُ الْخِلَافِ في هذه الْمَسْأَلَةِ الْبَحْثُ في ثُبُوتِ الْحُكْمِ وَكَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً شَرْعًا هل هُمَا مُتَلَازِمَانِ تَلَازُمَهُمَا وَالْحَنَفِيَّةُ يَعْتَقِدُونَهُمَا مُنْفَكَّيْنِ فَلَا يَلْزَمُ من بُطْلَانِ أَحَدِهِمَا بُطْلَانُ الْآخَرِ
- وَاعْلَمْ أَنَّ التَّعْبِيرَ في هذه الْمَسْأَلَةِ بِالرَّفْعِ وَقَعَ في عِبَارَاتٍ لِسُلَيْمٍ في التَّقْرِيبِ وَابْنِ بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ في التَّلْخِيصِ وهو أَحْسَنُ من تَعْبِيرِ غَيْرِهِمْ كَابْنِ بَرْهَانٍ وَالْهِنْدِيِّ وَغَيْرُهُمَا بِالنَّسْخِ لِأَنَّ أَصْحَابَنَا لَا يَقُولُونَ إنَّ حُكْمَ الْفَرْعِ يُنْسَخُ بِارْتِفَاعِ حُكْمِ الْأَصْلِ بَلْ يَزُولُ لِزَوَالِ كَوْنِ الْعِلَّةِ مُعْتَبَرَةً وَالْحُكْمُ إذَا زَالَ لِزَوَالِ عِلَّتِهِ لَا يُقَالُ إنَّهُ مَنْسُوخٌ قالوا لو كان نَسْخُ الْأَصْلِ نَسْخَ الْفَرْعِ لَكَانَ ذلك بِالْقِيَاسِ على الْأَصْلِ إذَا لم يَرِدْ نَاسِخٌ لِلْفَرْعِ وَأُجِيبَ بِمَنْعِهِ إذْ لَا جَامِعَ وهو لَا يَتِمُّ بِدُونِهِ بَلْ هو لِزَوَالِ حُكْمِ الْأَصْلِ إذْ الْعِلَّةُ مَبْنِيَّةٌ عليه قال الْهِنْدِيُّ وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ مَحَلَّ النِّزَاعِ في زَوَالِ الْحُكْمِ لَا من حَيْثُ إنَّهُ نَسْخٌ حَقِيقَةً إذْ زَوَالُ الْحُكْمِ لِزَوَالِ عِلَّتِهِ ليس نَسْخًا بِالِاتِّفَاقِ قال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ في التَّلْخِيصِ وَغَيْرُهُمْ قد بَنَتْ الْحَنَفِيَّةُ على أَصْلِهِمْ فَرَعَيْنَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِالنَّبِيذِ الْمُسْكِرِ النِّيءِ وَإِنَّمَا يَجُوزُ إذَا كان مَطْبُوخًا وقد تَوَضَّأَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِالنِّيءِ وَأَلْحَقُوا بِهِ الْمَطْبُوخَ قِيَاسًا ثُمَّ نُسِخَ التَّوَضُّؤُ بِالنِّيءِ وَبَقِيَ التَّوَضُّؤُ بِالْمَطْبُوخِ وَالثَّانِي ادَّعَوْا أَنَّ يوم عَاشُورَاءَ كان يَجِبُ صَوْمُهُ وَيَجُوزُ إيقَاعُ النِّيَّةِ فيه نَهَارًا فإن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بَعَثَ إلَى أَهْلِ الْعَوَالِي يوم عَاشُورَاءَ أَنَّ من لم يَأْكُلْ فَلِيَصُمْ فَدَلَّ على أَنَّهُ يَجُوزُ إيقَاعُ النِّيَّةِ من النَّهَارِ وَأُلْحِقَ بِهِ رَمَضَانُ من حَيْثُ إنَّهُ صَوْمٌ ثُمَّ نُسِخَ صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَبَقِيَ الْقِيَاسُ مُسْتَمِرًّا في رَمَضَانَ وقد نُوزِعَ في هذا الْمِثَالِ الثَّانِي لِأَنَّهُ غَيْرُ مُطَابِقٍ من جِهَةِ أَنَّ حُكْمَ الْقِيَاسِ مُغَايِرٌ لِلْحُكْمِ الْمَنْسُوخِ لِأَنَّ حُكْمَ الْقِيَاسِ تَرْكُ التَّبْيِيت وَالْحُكْمُ الْمَنْسُوخُ إنَّمَا هو وُجُوبُ الصَّوْمِ وَلَيْسَتْ مَسْأَلَتُنَا من هذا الْقَبِيلِ وقال إلْكِيَا ذَهَبَ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ إلَى جَوَازِ الِاسْتِنْبَاطِ من الْمَنْسُوخِ في أَمْثِلَةٍ لَا بُدَّ من مُسَاعَدَتِهِمْ على بَعْضِهَا كَقَوْلِهِمْ في صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ كان وَاجِبًا وَجَوَّزَهُ الرَّسُولُ بِنِيَّةٍ من النَّهَارِ ثُمَّ نُسِخَ وُجُوبُهُ فَادَّعَوْا أَنَّ النَّسْخَ يَرْجِعُ إلَى تَبْدِيلِ النِّيَّةِ وما
- فَهِمْنَاهُ من جَوَازِ النِّيَّةِ من النَّهَارِ بَاقٍ بِحَالِهِ لَا يَتَأَثَّرُ بِنَسْخِهِ فإذا عَرَفْنَا تَمَاثُلَ الْحُكْمَيْنِ عِنْدَ وُجُوبِهَا من النِّيَّةِ فَالنَّسْخُ رَاجِعٌ إلَى أَحَدِهِمَا في الْوُجُوبِ لِأَنَّهُ الْمَعْنَى الْمَنْقُولُ منه قال إلْكِيَا وَهَذَا حَسَنٌ لَا رَيْبَ فيه نعم لو نُسِخَ الْأَصْلُ لَا إلَى بَدَلٍ فَالْفَرْعُ لَا يَبْقَى دُونَ الْأَصْلِ وَهَاهُنَا نَسْخٌ إلَى بَدَلٍ كما إذَا نُسِخَ تَحْرِيمُ التَّفَاضُلِ في الْأَشْيَاءِ الْأَرْبَعَةِ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ الْحُكْمِ بِالْمَعْنَى الْمُسْتَنْبَطِ منه في الْمَطْعُومَاتِ لِأَنَّهُ يَكُونُ فَرْعًا بِلَا أَصْلٍ وَعَلَى هذا يَبْطُلُ قَوْلُهُمْ إنَّ التَّوَضُّؤَ بِالنَّبِيذِ جَائِزٌ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَإِنْ تَمَّ أَدَاؤُهُ من حَيْثُ كان نَقْعُ التَّمْرِ وَلَكِنْ يُفْهَمُ منه إجْزَاؤُهُ بِنَبِيذِ التَّمْرِ حَيْثُ إنَّ هذا فَرْعٌ بِلَا أَصْلٍ قال وقد يَلْتَبِسُ بهذا ما احْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ من حَيْثُ وُجُوبُ التَّيَمُّمِ لِكُلِّ صَلَاةٍ تَلَقِّيًا من قَوْلِهِ إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ ثُمَّ فَعَلَ الْوُضُوءَ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَكَانَ التَّيَمُّمُ بِذَلِكَ أَوْلَى ثُمَّ رَوَى الْجَمْعُ بين صَلَاتَيْنِ فَأَكْثَرَ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ وَلَا يَجُوزُ ذلك في التَّيَمُّمِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فلم يَعْقِلْ من حُكْمِ النَّسْخِ ما عَقَلَ من حُكْمِ الْأَصْلِ وَهَذَا خَطَأٌ من الظَّانِّ فإن الظَّاهِرَ دَلَّ عليها مَسْأَلَةٌ في نَسْخِ الْمَفْهُومِ وهو يَنْقَسِمُ إلَى مَفْهُومِ مُخَالَفَةٍ وَمَفْهُومِ مُوَافَقَةٍ أَمَّا الْمُخَالَفَةُ فَيَجُوزُ نَسْخُهُ مع نَسْخِ الْأَصْلِ وَبِدُونِهِ كَقَوْلِهِ إنَّمَا الْمَاءُ من الْمَاءِ فإنه نُسِخَ مَفْهُومُهُ بِقَوْلِهِ إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَبَقِيَ أَصْلُهُ وهو وُجُوبُ الْغُسْلِ من الْإِنْزَالِ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ دَلِيلُ الْخِطَابِ يَجُوزُ نَسْخُ مُوجِبِهِ وَلَا يَجُوزُ النَّسْخُ بِمُوجِبِهِ لِأَنَّ النَّصَّ أَقْوَى من دَلِيلِهِ ا هـ وما ذَكَرَهُ في نَسْخِهِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ وَأَمَّا النَّسْخُ بِهِ فقال الشَّيْخُ في اللُّمَعِ يَجُوزُ لِأَنَّهُ في مَعْنَى النُّطْقِ على الْمَذْهَبِ على الصَّحِيحِ قال وَمِنْ أَصْحَابِنَا من جَعَلَهُ كَالْقِيَاسِ فَعَلَى هذا لَا يَجُوزُ النَّسْخُ بِهِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ا هـ وَيَحْتَمِلُ وَجْهًا ثَالِثًا وهو التَّفْصِيلُ بين أَقْوَى الْمَفَاهِيمِ وهو ما قِيلَ فيه إنَّهُ مَنْطُوقٌ
- كَالْحَصْرِ وَالشَّرْطِ وَبَيْنَ ما أَجْمَعُوا على أَنَّهُ ليس من قَبِيلِ الْمَنْطُوقِ وَأَمَّا نَسْخُ الْأَصْلِ بِدُونِهِ فَفِي جَوَازِهِ احْتِمَالَانِ لِلصَّفِيِّ الْهِنْدِيِّ قال وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَدُلُّ على الْعَدَمِ بِاعْتِبَارِ ذلك الْقَيْدِ الْمَذْكُورِ فإذا بَطَلَ تَأْثِيرُ ذلك الْقَيْدُ بَطَلَ ما يُبْنَى عليه فَعَلَى هذا نَسْخُ الْأَصْلِ نَسْخُ الْمَفْهُومِ وَلَيْسَ الْمَعْنَى فيه أَنْ يُرْفَعَ الْعَدَمُ وَيَحْصُلَ الْحُكْمُ الثُّبُوتِيُّ بَلْ الْمَعْنَى فيه أَنْ يَرْتَفِعَ الْعَدَمُ الذي كان شَرْعِيًّا وَيَرْجِعَ إلَى ما كان عليه قَبْلُ وقال سُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ في بَابِ الْمَفْهُومِ من أَصْحَابِنَا من قال يَجُوزُ أَنْ يَسْقُطَ اللَّفْظُ وَيَبْقَى دَلِيلُ الْخِطَابِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذلك لِأَنَّ الدَّلِيلَ إنَّمَا هو تَابِعٌ لِلَّفْظِ فَهُوَ تَابِعٌ له وَفَرْعٌ عنه فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَسْقُطَ الْأَصْلُ وَيَكُونَ الْفَرْعُ بَاقِيًا نَسْخُ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ وَالنَّسْخُ بِهِ وَأَمَّا مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ فَهَلْ يَجُوزُ نَسْخُهُ وَالنَّسْخُ بِهِ أَمَّا كَوْنُهُ نَاسِخًا فَجَزَمَ الْقَاضِي بِجَوَازِهِ في التَّقْرِيبِ وقال لَا فَرْقَ في جَوَازِ النَّسْخِ بِمَا اقْتَضَاهُ نَصُّ الْكِتَابِ وَظَاهِرُهُ وَجَوَازُهُ بِمَا اقْتَضَاهُ فَحْوَاهُ وَلَحْنُهُ وَمَفْهُومُهُ وما أَوْجَبَهُ الْعُمُومُ وَدَلِيلُ الْخِطَابِ عِنْدَ مُثْبِتِهَا لِأَنَّهُ كَالنَّصِّ أو أَقْوَى منه انْتَهَى وَكَذَا جَزَمَ ابن السَّمْعَانِيِّ قال لِأَنَّهُ مِثْلُ النُّطْقِ أو أَقْوَى منه قال لَكِنَّ الشَّافِعِيَّ جَعَلَهُ قِيَاسًا فَعَلَى قَوْلِهِ لَا يَجُوزُ نَسْخُ النَّصِّ بِهِ وَنَقَلَ الْآمِدِيُّ وَالْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الِاتِّفَاقَ على أَنَّهُ يُنْسَخُ بِهِ ما يُنْسَخُ بِمَنْطُوقِهِ وهو عَجِيبٌ فإن في الْمَسْأَلَةِ وَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ في الْحَاوِي وَالشَّيْخُ في اللُّمَعِ وَسُلَيْمٌ وَصَحَّحَا الْمَنْعَ قال سُلَيْمٌ وهو الْمَذْهَبُ لِأَنَّهُ قِيَاسٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَلَا يَقَعُ النَّسْخُ بِهِ وَنَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عن الْأَكْثَرِينَ قال لِأَنَّ الْقِيَاسَ فَرْعُ النَّصِّ الذي هو أَقْوَى فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا له قال وَالثَّانِي وهو اخْتِيَارُ ابْنِ أبي هُرَيْرَةَ وَجَمَاعَةٍ الْجَوَازُ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَرِدَ التَّعَبُّدُ في فَرْعِهِ بِخِلَافِ أَصْلِهِ صَارَ الْفَرْعُ كَالنَّصِّ فَجَازَ بِهِ النَّسْخُ وَإِنْ كان أَصْلُهُ نَصًّا في الْقُرْآنِ جَازَ أَنْ يُنْسَخَ بِهِ الْقُرْآنُ وَإِنْ كان أَصْلُهُ نَصًّا في السُّنَّةِ جَازَ أَنْ يُنْسَخَ بِهِ السُّنَّةُ دُونَ الْقُرْآنِ قال وَمِنْ هَاهُنَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في قَوْله تَعَالَى إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا من الَّذِينَ كَفَرُوا مع قَوْلِهِ الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا
- مِائَتَيْنِ الْآيَةَ أَنَّ نَسْخَ مُصَابَرَةِ عِشْرِينَ مِئَتَيْنِ بِمُصَابَرَةِ عِشْرِينَ أَرْبَعِينَ عُلِمَ بِالْقِيَاسِ أو بِاللَّفْظِ فَمِنْهُمْ من قال عُلِمَ بِالْقِيَاسِ لِأَنَّ اللَّهَ لم يَنُصَّ على حُكْمِ الْعِشْرِينَ وَإِنَّمَا قِسْنَاهُ على حُكْمِ الْمِئَتَيْنِ وَمِنْهُمْ من قال عُلِمَ بِاللَّفْظِ ا هـ وَمُنْشَأُ الْخِلَافِ في أَنَّهُ قِيَاسٌ جَلِيٌّ أو لَا أَنَّ دَلَالَتَهُ لَفْظِيَّةٌ أو عَقْلِيَّةٌ الْتِزَامِيَّةٌ فَإِنْ قُلْنَا لَفْظِيَّةٌ جَازَ نَسْخُهَا وَالنَّسْخُ بها كَالْمَنْطُوقِ وَإِنْ كانت عَقْلِيَّةً كانت قِيَاسًا جَلِيًّا وَالْقِيَاسُ لَا يُنْسَخُ وَلَا يُنْسَخُ بِهِ وَأَمَّا كَوْنُهُ مَنْسُوخًا فَتَارَةً يَتَوَجَّهُ النَّسْخُ إلَيْهِ مع بَقَاءِ حُكْمِ اللَّفْظِ وَتَارَةً يَتَوَجَّهُ إلَى اللَّفْظِ فَإِنْ تَوَجَّهَ إلَى اللَّفْظِ فَلَا شَكَّ في جَوَازِهِ وَيَكُونُ نَسْخًا لِلْفَحْوَى على الْخِلَافِ الْآتِي وَإِنْ تَوَجَّهَ إلَى الْفَحْوَى فَقَطْ وَحُكْمُ اللَّفْظِ بَاقٍ فَاخْتَلَفَ فيه الْأُصُولِيُّونَ على قَوْلَيْنِ حَكَاهُمَا ابن السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُ أَحَدُهُمَا الْجَوَازُ وَنَقَلَهُ عن أَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ كَالنَّصَّيْنِ يَجُوزُ نَسْخُ أَحَدِهِمَا مع بَقَاءِ الْآخَرِ وَنَقَلَهُ سُلَيْمٌ عن الْأَشْعَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ من الْمُتَكَلِّمِينَ قال بِنَاءً على أَصْلِهِمْ أَنَّ ذلك مُسْتَفَادٌ من اللَّفْظِ فَكَانَا بِمَنْزِلَةِ لَفْظَيْنِ فَجَازَ نَسْخُ أَحَدِهِمَا مع بَقَاءِ حُكْمِ الْآخَرِ ا هـ وَجَزَمَ بِهِ سُلَيْمٌ قال لِأَنَّهُمَا في الْحُكْمِ بِمَنْزِلَةِ ما تَنَاوَلَهُ الْعُمُومُ من الْمُشْتَبِهَاتِ وَنَسْخُ بَعْضِ ذلك مع بَقَاءِ بَعْضٍ سَائِغٌ قال وَيُفَارِقُ الْقِيَاسُ حَيْثُ يَمْتَنِعُ نَسْخُهُ مع بَقَاءِ أَصْلِهِ لِأَنَّ صِحَّةَ الْأَصْلِ صِحَّةُ الْفَرْعِ فما دَامَ الْأَصْلُ بَاقِيًا وَجَبَتْ صِحَّتُهُ وَالثَّانِي الْمَنْعُ وَصَحَّحَهُ سُلَيْمٌ وَجَزَمَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَنَقَلَهُ ابن السَّمْعَانِيِّ عن أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ لِأَنَّ ثُبُوتَ نُطْقِهِ مُوجِبٌ لِفَحْوَاهُ وَمَفْهُومِهِ فلم يَجُزْ نَسْخُ الْفَحْوَى مع بَقَاءِ مُوجِبِهِ كما لَا يُنْسَخُ الْقِيَاسُ مع بَقَاءِ أَصْلِهِ وقال أبو الْحُسَيْنِ في الْمُعْتَمَدِ فَأَمَّا نَسْخُ الْفَحْوَى مع بَقَاءِ الْأَصْلِ فَجَوَّزَهُ الْقَاضِي عبد الْجَبَّارِ في الْعُمَدِ وقال في شَرْحِهِ يَجُوزُ ذلك إلَّا أَنْ يَكُونَ نَقْضًا لِلْغَرَضِ وَمَنَعَ منه في الدَّرْسِ وهو الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ مع بَقَاءِ الْأَصْلِ إلَّا وقد انْتَقَضَ الْغَرَضُ لِأَنَّهُ إذَا حُرِّمَ التَّأْفِيفُ على سَبِيلِ الْإِعْظَامِ لِلْأَبَوَيْنِ كانت إبَاحَةُ مَضَرَّتِهِمَا نَقْضًا لِلْغَرَضِ وَفَصَلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بين أَنْ تَكُونَ عِلَّةُ الْمَنْطُوقِ لَا تَحْتَمِلُ التَّغَيُّرَ كَإِكْرَامِ الْوَالِدِ بِالنَّهْيِ عن تَأْفِيفِهِ فَيَمْتَنِعُ نَسْخُ الْفَحْوَى لَتَنَاقُضِ الْمَقْصُودِ وَإِنْ احْتَمَلَتْ النَّقْضَ جَازَ لِاحْتِمَالِ الِانْتِقَالِ من عِلَّةٍ إلَى عِلَّةٍ كما لو قال لِغُلَامِهِ لَا تُعْطِ زَيْدًا دِرْهَمًا يَقْصِدُ بِذَلِكَ حِرْمَانَهُ لِغَضَبِهِ فَفَحْوَاهُ أَنْ لَا يُعْطِيَهُ أَكْثَرَ منه فإذا نَسَخَ ذلك بِأَنْ قال
- أَعْطِهِ أَكْثَرَ من دِرْهَمٍ وَلَا تُعْطِهِ دِرْهَمًا جَازَ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ انْتَقَلَ من عِلَّةِ حِرْمَانِهِ إلَى عِلَّةِ مُوَاسَاتِهِ وإذا فَرَّعْنَا على الْجَوَازِ فَفِي اسْتِتْبَاعِ نَسْخِ أَحَدِهِمَا نَسْخَ الْآخَرِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ أَحَدُهَا أَنَّ نَسْخَ كُلٍّ مِنْهُمَا يَسْتَلْزِمُ نَسْخَ الْآخَرِ وَاخْتَارَهُ الْبَيْضَاوِيُّ لِتَلَازُمِهِمَا وَالثَّانِي لَا يَلْزَمُ من نَسْخِ أَحَدِهِمَا نَسْخُ الْآخَرِ وَالثَّالِثُ أَنَّ نَسْخَ الْأَصْلِ يَسْتَلْزِمُ نَسْخَ الْفَحْوَى لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ وَلَا يُتَصَوَّرُ بَقَاءُ التَّابِعِ بِدُونِ مَتْبُوعِهِ وَنَسْخُ الْمَفْهُومِ لَا يَتَضَمَّنُ نَسْخَ الْأَصْلِ وَجَعَلَهُ ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ الْمَذْهَبَ وَنُقِلَ عن الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ نَسْخَ الْمَنْصُوصِ لَا يَتَضَمَّنُ نَسْخَ الْمَفْهُومِ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى النَّسْخِ بِالْقِيَاسِ قال وَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّ الْمَنْصُوصَ عليه إذَا نُسِخَ كان من ضَرُورَتِهِ انْتِسَاخُ الْمَفْهُومِ لِأَنَّهُ من تَوَابِعِهِ وَلَا يُتَصَوَّرُ بَقَاءُ التَّابِعِ مع فَقْدِ الْأَصْلِ وَوَجَّهَ غَيْرُهُ مَذْهَبَ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّهُ أَوْلَى بِالثُّبُوتِ من النَّصِّ فَلَا يَكُونُ رَفْعُ الْأَصْلِ مُسْتَلْزِمًا لِرَفْعِهِ قال الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ وهو مُتَّجِهٌ وَلِهَذَا لو صَرَّحَ بِنَفْيِ تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ وَتَحْرِيمِ الضَّرْبِ لم يَكُنْ تَنَاقُضًا وهو على قَوْلِ من يقول نَسْخُ الْوُجُوبِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْجَوَازَ أَلْزَمُ وَبَنَوْا عليه أَنَّ نَسْخَ قَوْلِهِ من قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ لَا يَقْتَضِي نَسْخَ مَفْهُومِهِ وهو أَنَّهُ يُقْتَلُ بِقَتْلِ عبد غَيْرِهِ بِطَرِيقٍ أَوْلَى وَاخْتَارَ الْآمِدِيُّ أَنَّا إنْ قُلْنَا الْفَحْوَى ثَبَتَ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ فَهِيَ على تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ صَرِيحَةٌ وَعَلَى الضَّرْبِ الْتِزَامِيَّةٌ فَهُمَا دَلَالَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ فَلَا يَلْزَمُ من رَفْعِ إحْدَاهُمَا رَفْعُ الْأُخْرَى وَإِنْ قُلْنَا ثَبَتَ بِالْقِيَاسِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ رَفْعَ حُكْمِ الْأَصْلِ مُوجِبًا لِرَفْعِ حُكْمِ الْفَرْعِ لِاسْتِحَالَةِ بَقَاءِ الْفَرْعِ دُونَ أَصْلِهِ وَإِنْ لم يُسَمَّ ذلك نَسْخًا وَإِنَّ رَفْعَ حُكْمِ الْفَرْعِ لَا يُوجِبُ رَفْعَ حُكْمِ الْأَصْلِ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ من رَفْعِ التَّابِعِ رَفْعُ الْمَتْبُوعِ فَرْعَانِ الْأَوَّلُ زَعَمَ في الْمَحْصُولِ أَنَّ الْعَقْلَ يَكُونُ نَاسِخًا في حَقِّ من سَقَطَتْ رِجْلَاهُ فإن الْوُجُوبَ سَاقِطٌ عنه وهو مَرْدُودٌ بِأَنَّ زَوَالَ الْحُكْمِ لِزَوَالِ سَبَبِهِ لَا يَكُونُ نَسْخًا كما
- سَبَقَ وقد قال الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ لَا خِلَافَ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ من جِهَةِ الْعَقْلِ إلَى مَعْرِفَةِ النَّاسِخِ من نَاحِيَةِ ضَرُورَتِهِ أو دَلِيلِهِ نعم حَكَى أبو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ في كِتَابِهِ عن جَمَاعَةٍ أَنَّ ارْتِفَاعَ الْحُكْمِ لِارْتِفَاعِ شَرْطِهِ أو سَبَبِهِ يُسَمَّى نَسْخًا الثَّانِي وَقَعَ في الْمَحْصُولِ في مَسْأَلَةِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ ما يَقْتَضِي جَعْلَ الْمَوْتِ نَسْخًا وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ لو كان كَذَلِكَ لَكَانَ كُلُّ حُكْمٍ مَنْسُوخًا وَانْتَقَضَ حَدُّ النَّسْخِ وَأَشْكَلَ على الْمُعْتَزِلَةِ النَّسْخُ فَإِنَّهُمْ لَا يُجَوِّزُونَ النَّسْخَ قبل الْفِعْلِ وَكَمْ مَوْتٍ وَقَعَ قبل الْفِعْلِ وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومِ الْوُقُوعِ فَجَازَ تَقْدِيمُهُ وَتَأْخِيرُهُ وَلَوْ صَحَّ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ نَسْخًا بِالنِّسْبَةِ إلَى جُمْلَةِ الْحُكْمِ بَلْ بِالنِّسْبَةِ إلَى كل مَيِّتٍ وَيَصِحُّ على هذا أَنْ يَكُونَ النَّاسِخُ غير الشَّرْعِ وَهَذَا كُلُّهُ تَشْوِيشٌ لِلْقَوَاعِدِ
- مسألة في الزيادة على النص هل تكون نسخا لحكم النسخ اعلم أن الزائد إما أن يكون مستقلا بنفسه أو لا الأول المستقل وهو إما أن يكون من غير جنس الأول كزيادة وجوب الزكاة على الصلاة فليس بنسخ لما تقدمه من العبادات بالإجماع لعدم التنافي وإما أن يكون من جنسه كزيادة صلاة على الصلوات الخمس فليس بنسخ أيضا عند الجماهير وذهب بعض أهل العراق إلى أنها تكون نسخا لحكم المزيد عليه كقوله تعالى حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى لأنها تجعلها غير الوسطى قال القاضي عبد الجبار ويلزمهم زيادة عبادة على العبادة الأخيرة فإنها تجعلها غير الأخيرة وتغير عدها وهو خلاف الإجماع الثاني الذي لا يستقل كزيادة ركعة على الركعات والتغريب وصفة رقبة الكفارة من الأيمان وغيرها وكاشتراط النية في الوضوء مع قوله إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم فإن اشتراطها يكون تغييرا لما دل عليه النص من الاكتفاء بالمذكور فيه فاختلفوا على أقوال أحدها أنها لا تكون نسخا مطلقا وبه قالت الشافعية والمالكية والحنابلة وغيرهم من المعتزلة كالجبائي وأبي هاشم وسواء اتصلت بالمزيد عليه أم لا قال الماوردي وهو قول أكثر الأشعرية والمعتزلة قال ولا فرق بين أن تكون هذه مانعة من إجراء المزيد عليه أو غير مانعة وقال ابن فورك وإلكيا قال الشافعي في اليمين مع الشاهد إنه زيادة على ما في الكتاب وليس بنسخ وأن ذلك كالمسح على الخفين وقال
- في المنخول قال الشافعي ليس بنسخ وإنما هي تخصيص عموم يعني حتى يجوز بخبر الواحد والقياس والثاني أنها نسخ وهو قول الحنفية قال شمس الأئمة السرخسي وسواء كانت الزيادة في السبب أو الحكم وقال ابن السمعاني وأما أصحاب أبي حنيفة فقالوا إن الزيادة على النص بعد استقرار حكمه توجب النسخ حكاه الصيمري عن أصحابه على الإطلاق واختاره بعض أصحابنا قال ابن فورك وإلكيا عزي إلى الشافعي أيضا فإنه قال في قوله إنما الماء من الماء منسوخ في وجه دون وجه فإن هذا النص تضمن أمرين أحدهما نصه وهو غير منسوخ والثاني أن لا غسل فيما سواه وهو منسوخ بحديث التقاء الختانين وإنما صار منسوخا بالزيادة على الأصل وحكاه ابن السمعاني وجها لبعض أصحابنا ثم قال وهذا غلط لأن إنما الماء من الماء إنما دل من حيث دليل الخطاب فهو نسخ للمفهوم لا نسخ للنص من حيث الزيادة انتهى ولا يقال إن هذا هو المذهب الآتي القائل بالتفصيل بين ما نفاه المفهوم وما لم ينفه لأن القائل بهذا التفصيل يجعل ما نفاه المفهوم نسخا للنص وأصحابنا لا يجعلون ذلك نسخا للنص ألبتة ولا تعلق له به وإنما هو نسخ للمفهوم غير مستلزم نسخ النص والكلام في هذه المسألة إنما هو فيما يجعل نسخا للنص ولم يقل أحد منا بذلك في نسخ مفهوم المخالفة إلا هذا الوجه الضعيف والثالث إن كان المزيد عليه ينفي الزيادة بفحواه فإن تلك الزيادة نسخ كقوله في سائمة الغنم الزكاة فإنه يفيد دليله نفي الزكاة عن المعلوفة فإن زيدت الزكاة في المعلوفة كان نسخا وإن كان ذكرها لا ينفي تلك الزيادة فوجوده لا يكون نسخا حكاه ابن برهان وصاحب المعتمد وغيرهما والرابع إن غيرت المزيد عليه تغييرا شرعيا حتى صار لو فعل بعد الزيادة على حد ما كان يفعل مثلها لم يعتد به ويجب استئنافه فإنه يكون نسخا كزيادة على
- ركعتين وإن كان المزيد عليه لو فعل على حد ما يكون يفعل قبل الزيادة يصح فعله لم يكن نسخا كزيادة التغريب على الجلد حكاه صاحب المعتمد والقواطع عن عبد الجبار وحكاه سليم عن اختيار القاضي أبي بكر والإستراباذي والبصري قلت وهو ظاهر ما رأيته في التقريب للقاضي فإنه ذكره واستدل له بأمور ثم شرط القاضي لكونها نسخا إذا غيرت المزيد عليه أن يعلم ورودها بعد استمرار الحكم بثبوت الغرض عاريا منها فإن لم يعلم جاز أن يكون على وجه البيان وحكى ابن برهان في الأوسط عن عبد الجبار التفصيل بين أن يتصل به فهو نسخ كزيادة ركعة رابعة على الثلاثة وإن انفصلت لم يكن كضم التغريب إلى الجلد وهذا ما اختاره الغزالي والخامس إن كانت الزيادة مغيرة حكم المزيد عليه في المستقبل كانت نسخا وإن لم تغير حكمه في المستقبل بل كانت مقارنة له لم تكن نسخا فزيادة التغريب في المستقبل على الجلد نسخ وكذا لو زيد في حد القذف عشرون وأما الزيادة التي لا تسقط من المزيد عليه فكوجوب ستر الفخذ ثم يجب ستر بعض الركبة فلا يكون وجوب ستر بعضها نسخا حكاه ابن فورك عن أصحاب أبي حنيفة وقال صاحب المعتمد وبه قال شيخنا أبو الحسن الكرخي وأبو عبد الله البصري والسادس أن الزيادة إن رفعت حكما عقليا أو ما ثبت باعتبار الأصل كبراءة الذمة لم تكن نسخا لأنا لا نعتقد أن العقل يوجب الأحكام ومن يعتقد إيجابه لا يعتقد رفعها نسخا وإن تضمنت رفع حكم شرعي تكون نسخا كقوله في سائمة الغنم الزكاة فإن ظاهره يدل على الوجوب وفحواه يدل على نفي الزكاة عن المعلوفة فلو ورد خبر بإيجاب الزكاة في المعلوفة كان ناسخا لهذه الفحوى لأنه حكم شرعي حكى هذا التفصيل ابن برهان في الأوسط عن أصحابنا وقال إنه الحق واختاره الآمدي وابن الحاجب والإمام فخر الدين والبيضاوي ونقلاه عن اختيار أبي الحسين البصري يعني في المعتمد وهو قضية كلام القاضي أبي بكر في مختصر التقريب وإمام الحرمين في البرهان وقال الصفي الهندي إنه أجود الطرق وأحسنها وقال الأصفهاني لا يتجه على قولنا إن النسخ بيان وحينئذ لا يتجه للآمدي والرازي القول به وحكى القاضي أبو الطيب في شرح الكفاية عن القاضي إن كانت الزيادة شرطا في المزيد عليه كانت نسخا وإلا فلا والذي في كتاب التقريب خلاف ذلك
- فإنه قرر ما سبق نعم قال فإن قيل فيجب على هذا أن تكون زيادة شرط للعبادة لا تصح إلا بها نسخا لها لأنها إن فعلت مع عدمه لم تكن عبادة فإذا فعلت مع عدمها لم تكن صلاة قال وأما زيادة الترتيب والنية في الوضوء فهو من باب النقصان في حكم النص لا الزيادة لأن ظاهر قوله فاغسلوا الآية الإجزاء على أي وجه وقع فإذا وردت السنة بإيجاب النية والترتيب جعلت بعض ما كان مجزئا غير مجزئ فصار بمثابة تقييد الرقبة المطلقة في الكفارة بالأيمان بعد استقرار إطلاقها وإجزاء جميع الرقبات مؤمنة وكافرة فإن قلت لها حكم وإن كان نقصانا قيل إذا أورد بالنص كان تخصيص عموم وإلا فهو نسخ انتهى وقال بعضهم إن هذه التفاصيل لا حاصل لها وليست في محل النزاع فإنه لا ريب عند الكل أن ما رفع حكما شرعيا كان نسخا لأنه حقيقة وليس الكلام هنا في مقام أن النسخ رفع أو بيان وما لا فليس بنسخ فالقائل أنا أفصل بين ما رفع حكما شرعيا وما لم يرفع كأنه قال إن كانت الزيادة نسخا فهي نسخ وإلا فلا وهذا لا حاصل له وإنما النزاع بينهم هل يرفع حكما شرعيا فيكون نسخا أو لا فلا يكون فلو وقع الاتفاق على أنها ترفع حكما شرعيا لوقع الاتفاق على أنها تنسخ أو على أنها لا ترفع لوقع على أنها ليست بنسخ ولكن النزاع في الحقيقة في أنها هل هي رفع أو لا وهذا كما يقول فيما لو لطخ ثوب العبد بالمداد في ثبوت الخيار وجهان منشؤهما أن مثل هذا هل يصلح أن يكون تغريرا والأصح لا لأن الإنسان قد يلبس ثوب غيره عارية فلو وقع الاتفاق على أنها تعزير لوقع على إثبات الخيار أو على عدمه لوقع على عدمه والظاهر أن هؤلاء لم يجعلوا مذاهبهم مغايرة للمذاهب السابقة بل عرضوا الأمر على حقيقة النسخ ليعتبر به وذكر السماني في الكفاية أن الخلاف في هذه المسألة مبني على الخلاف السابق في أن الأمر هل يدل على الإجزاء فإن قلنا يدل كانت نسخا وإلا فلا واعلم أن فائدة هذه المسألة أن ما ثبت أنه من باب النسخ وكان مقطوعا به فلا ينسخ إلا بقاطع كالتغريب فإن أبا حنيفة لما كان عنده نسخا نفاه لأنه نسخ للقرآن بخبر الواحد ولما لم يكن عند الجمهور نسخا قبلوه إذ لا معارضة
- وقد ردوا بذلك أخبارا صحيحة لما اقتضت زيادة على القرآن والزيادة نسخ ولا يجوز نسخ القرآن بخبر الآحاد فردوا أحاديث تعيين الفاتحة في الصلاة والشاهد واليمين وأيمان الرقبة واشتراط النية في الوضوء ويلزمهم أن يجعلوا حديث المسح على الخفين ناسخا لآية الوضوء والحديث الوارد بالتوضؤ بالنبيذ عند عدم الماء مخالفا للقياس وقد رجع فيه إلى الحديث وخالف عادته في حديث المصراة وحديث القرعة بين العبيد لما خالف الأصول والقياس فتحصل من مذهبه طرح حديث لم يخالفه قياس واستعمال حديث جاء بخلاف القياس وإنما قصرنا حديث الشاهد واليمين بالأموال دون غيرها لإجماع الأمة على ذلك لأن معنا قائلين أحدهما تركه أصلا كالحنفية
- والثاني القول به في الأموال خاصة كالشافعي ومالك وإذا قالت الأمة في مسألة بقولين لم يجز إحداث ثالث قال القاضي أبو الطيب وقد تمسك بعض الحنفية في سهم ذي القربى أنه لا يستحق إلا بالحاجة لأنه سهم من الخمس فوجب أن يستحق بالحاجة قياسا على سائر السهام فقلت له لا يصح هذا القياس لأنه زيادة في النص وهو قوله ولذي القربى ولا ينسخ القرآن بالقياس فلم يكن له جواب وقال الأستاذ أبو منصور البغدادي ومن زاد الخلوة على الآيتين الواردتين في الطلاق قبل المسيس في إيجاب العدة وتكميل المهر بخبر عمر مع مخالفة غيره وامتنع من الزيادة على النص بخبر صحيح كان حاكما في دين الله تعالى برأيه ونقض عليهم الأستاذ أبو منصور أيضا فإن زيادة التغريب إن كانت نسخا لزمكم أن يكون إدخال نبيذ التمر بين الماء والتراب نسخا لآيتي الوضوء والتيمم فهو مساو لزيادة التغريب وإنظاره بما تقدم وإن انفصلوا عن هذا بأن نبيذ التمر داخل في عموم الماء لقوله ثمرة طيبة وماء طهور قيل لهم فيكون حينئذ رافعا لإطلاق فاغسلوا وجوهكم ضرورة أنه لا يجوز التوضؤ به عند وجود غيره من المياه وتقييد مدلول النص المطلق نسخ للنص عندهم وقال أبو الطيب فائدة هذه المسألة جواز الزيادة بالقياس وخبر الواحد بعدما جاز التخصيص به جازت الزيادة به وفصل ابن برهان في الأوسط فقال المزيد عليه إن ثبت بخبر الواحد جاز
- إثبات تلك الزيادة بخبر الواحد وإن لم يكن الأصل مما يجوز إثباته بخبر الواحد فلا يجوز إثبات الزيادة به قال وأبو حنيفة يعتقد أن خبر الواحد لا يقبل إذا ورد فيما تعم به البلوى ويعتبر للعمل به شرائط والشافعي لا يلتفت إلى ذلك تنبيه أطلق النص في هذه المسألة وإنما يستمر إذا سمينا الظواهر نصوصا فإن قلنا الظاهر لا يسمى نصا فهذه العبارة مستدركة لأن تغيير النصوص التي لا احتمال فيها نسخ لا محالة نبه عليه المازري في غير هذا الباب فُرُوعٌ الْأَوَّلُ لو أَوْجَبَ الشَّارِعُ الزَّكَاةَ في مَعْلُوفَةِ الْغَنَمِ فَهَلْ يَكُونُ نَسْخًا لِوُجُوبِهَا في السَّائِمَةِ لِأَنَّ مَفْهُومَهُ نَفْيُ إيجَابِهَا في الْمَعْلُوفَةِ فَلَوْ وَجَبَتْ فيها لَكَانَتْ زِيَادَةً نَفَاهَا الْمَفْهُومُ فَمَنْ لم يَقُلْ بِالْمَفْهُومِ لَا يَكُونُ نَسْخًا لِأَنَّهُ لم يَرْفَعْ شيئا من مَدْلُولِهِ وَإِنَّمَا رَفَعَ الْمَسْكُوتَ عنه وَمَنْ قال بِهِ كان نَسْخًا لو ثَبَتَ أَنَّ الْمَفْهُومَ مُرَادٌ من الْكِتَابِ الثَّانِي لو زِيدَتْ رَكْعَةٌ في الصُّبْحِ بِحَيْثُ صَارَتْ ثَلَاثًا قال أبو الْحُسَيْنِ ليس بِنَسْخٍ لِحُكْمِ الدَّلِيلِ الدَّالِّ على وُجُوبِ الصُّبْحِ لِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَفْعَالِ وَلَا بِإِجْزَائِهَا لِأَنَّهُمَا يَجْزِيَانِ وقال ابن الْحَاجِبِ نَسْخُ تَحْرِيمِ الزِّيَادَةِ على الرَّكْعَتَيْنِ وَالتَّحْرِيمُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وقد ارْتَفَعَ بِالزِّيَادَةِ وقال الْآمِدِيُّ هذا ليس بِحَقٍّ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِحُّ أَنْ لو كان الْأَمْرُ بِالرَّكْعَتَيْنِ مُقْتَضِيًا لِلنَّهْيِ عن الزِّيَادَةِ عليها وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يُمْكِنُ اسْتِفَادَتُهُ من دَلِيلٍ آخَرَ فَزِيَادَةُ الرَّكْعَةِ على الرَّكْعَتَيْنِ لَا يَكُونُ نَسْخًا لِحُكْمِ الدَّلِيلِ الدَّالِّ على وُجُوبِ الرَّكْعَتَيْنِ انْتَهَى وَهَذَا هو الْحَقُّ فإن كَلَامَنَا في أَنَّ الزِّيَادَةَ هل هِيَ نَسْخٌ لِلْمَزِيدِ عليه لَا في كَوْنِهَا نَسْخًا لِأَمْرٍ آخَرَ وقال في الْمَحْصُولِ إنَّهُ نَسْخٌ كَوُجُوبِ التَّشَهُّدِ عَقِيبَ الرَّكْعَتَيْنِ وَوَافَقَهُ الْآمِدِيُّ لِلرَّدِّ بِهِ على أبي الْحُسَيْنِ وَنَازَعَهُ الْهِنْدِيُّ الثَّالِثُ زِيَادَةُ التَّغْرِيبِ على الْجَلْدِ لَا يُزِيلُ نَفْيَ وُجُوبِ ما زَادَ على الْمِائَةِ وَهَذَا النَّفْيُ غَيْرُ مَعْلُومٍ بِالشَّرْعِ لِأَنَّ إيجَابَ الْمِائَةِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بين إيجَابِهَا مع نَفْيِ الزَّائِدِ وَثُبُوتِهِ وما بِهِ الِاشْتِرَاكُ لَا إشْعَارَ له بِمَا بِهِ الِامْتِيَازُ لَكِنَّهُ مَعْلُومٌ بِالْعَقْلِ وَرَفْعُ الثَّابِتِ بِالْعَقْلِ ليس بِنَسْخٍ وقال ابن الْحَاجِبِ هو نَسْخٌ فقال زِيَادَةُ التَّغْرِيبِ نَسْخٌ لِتَحْرِيمِهِ إذْ
- كان يَحْرُمُ التَّغْرِيبُ وقد عَرَفْت أَنَّهُ ليس كَلَامَنَا إلَّا في أَنَّهُ هل هو نَسْخٌ لِلْمَزِيدِ عليه الذي هو الْجَلْدُ لَا غَيْرُهُ الرَّابِعُ إذَا أَوْجَبَ اللَّهُ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ عَيْنًا ثُمَّ خَيَّرَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْحِ على الْخُفِّ أو أَخْبَرَ بِأَنَّ الْكَفَّارَةَ في الْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ ثُمَّ زَادَ ثَالِثًا وهو الْعِتْقُ فَهَلْ يَكُونُ نَسْخًا لِوُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ على التَّعْيِينِ قال الْإِمَامُ وَالْآمِدِيَّ ليس بِنَسْخٍ لِأَنَّ مَعْنَى كَوْنِ الْكُلِّ وَاجِبًا على التَّعْيِينِ وُجُوبُهُ وَأَنَّ غَيْرَهُ لَا يَقُومُ مَقَامَهُ وَوُجُوبُهُ لم يَرْتَفِعْ وَإِنَّمَا الْمُرْتَفِعُ عَدَمُ قِيَامِ غَيْرِهِ مَقَامَهُ وَإِنَّمَا يُنْتَقَضُ النَّفْيُ الْأَصْلِيُّ فَلَا يَكُونُ رَفْعُهُ نَسْخًا وقال ابن الْحَاجِبِ إنَّهُ نَسْخٌ لِأَنَّ التَّخْيِيرَ وَالتَّعْيِينَ حُكْمَانِ شَرْعِيَّانِ وقد رُفِعَ الْأَوَّلُ لَا الثَّانِي وهو الصَّوَابُ الْخَامِسُ إذَا زِيدَ في الطَّهَارَةِ اشْتِرَاطُ غَسْلِ عُضْوٍ زَائِدٍ على الْأَعْضَاءِ السِّتَّةِ فَلَا يَكُونُ نَسْخًا لِوُجُوبِ غَسْلِهَا إذْ هِيَ وَاجِبَةٌ مع وُجُوبِ غَسْلِ الْعُضْوِ الزَّائِدِ وَلَا لِإِجْزَائِهَا السَّادِسُ قَبِلَ أَصْحَابُنَا خَبَرَ الْوَاحِدِ في الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَرَدَّهُ الْحَنَفِيَّةُ لِأَنَّهُ نَاسِخٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ من رِجَالِكُمْ فَإِنْ لم يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ قالوا فإن الْأَمْرَ كان دَائِرًا بين اثْنَيْنِ فَزِيدَ ثَالِثٌ وَالزِّيَادَةُ نَسْخٌ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يَنْسَخُ الْكِتَابَ وهو ضَعِيفٌ فإن الحديث وَالْآيَةَ لم يَتَوَارَدَا على مَحَلٍّ وَاحِدٍ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَمْرَ في الْآيَةِ في الِاسْتِشْهَادِ وَالْحَدِيثَ في الْحُكْمِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَالِاسْتِشْهَادُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَلَا تَعَلُّقَ لِأَحَدِهِمَا بِالْآخِرِ كَذَا ذَكَرَهُ ابن الْحَاجِبِ وهو حَسَنٌ لَا يُقَالُ مَفْهُومُ الْآيَةِ يَقْتَضِي الْحَصْرَ وَيَمْنَعُ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّمَا يَمْتَنِعُ اسْتِشْهَادُ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَنَحْنُ قَائِلُونَ بِذَلِكَ إذْ يَمْتَنِعُ الْإِرْشَادُ في الِاسْتِشْهَادِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَنَحْنُ قَائِلُونَ بِهِ السَّابِعُ تَقْيِيدُ الرَّقَبَةِ الْمُطْلَقَةِ بِالْأَيْمَانِ مَسْأَلَةٌ النُّقْصَانُ من الْعِبَادَةِ هل هو نَسْخٌ لها لَا خِلَافَ أَنَّ النُّقْصَانَ من الْعِبَادَةِ نَسْخٌ لِمَا أُسْقِطَ منها لِأَنَّهُ كان وَاجِبًا في جُمْلَةِ الْعِبَادَةِ ثُمَّ أُزِيلَ وُجُوبُهُ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى نَسْخِ الْبَاقِي فَيَنْظُرُ فَإِنْ كان مِمَّا لَا تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهَا عليه كَسُنَّةٍ من سُنَنِهَا فَلَا خِلَافَ أَيْضًا أَنَّهُ ليس بِنَسْخٍ لِلْعِبَادَةِ نَقَلَهُ الْآمِدِيُّ
- وَالرَّازِيَّ لَكِنَّ الْغَزَالِيَّ في كَلَامِهِ ما يُشْعِرُ بِجَرَيَانِ الْخِلَافِ فيه وَبِهِ صَرَّحَ الشَّيْخُ في اللُّمَعِ وَإِنْ كان مِمَّا يَتَوَقَّفُ عليه صِحَّتُهَا من شَرْطٍ أو غَيْرِهِ فَاخْتَلَفُوا فيه على مَذَاهِبَ أَصَحِّهَا أَنَّهُ ليس بِنَسْخٍ لِلْعِبَادَةِ وَيَكُونُ بِمَثَابَةِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ قال ابن بَرْهَانٍ وهو قَوْلُ عُلَمَائِنَا وقال ابن السَّمْعَانِيِّ إلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَاخْتَارَهُ الرَّازِيَّ وَالْآمِدِيَّ وقال الْأَصْفَهَانِيُّ إنَّهُ الْحَقُّ وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ عن الْكَرْخِيِّ وَقِيلَ نَسْخٌ لها وَحَكَاهُ ابن بَرْهَانٍ وابن السَّمْعَانِيِّ عن الْحَنَفِيَّةِ وَفَصَلَ الْقَاضِي عبد الْجَبَّارِ بين الشَّرْطِ الْمُنْفَصِلِ فَلَا يَكُونُ نَسْخًا لها فَنَسْخُ الْوُضُوءِ لَا يَنْسَخُ الصَّلَاةَ وَبَيْنَ الْجُزْءِ كَالْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ في الصَّلَاةِ كان نَسْخًا لها وَوَافَقَهُ الْغَزَالِيُّ في الْجُزْءِ وَتَرَدَّدَ في الشَّرْطِ وَصَحَّحَهُ الْقُرْطُبِيُّ لِأَنَّ الشَّرْطَ خَارِجٌ عن مَاهِيَّةِ الْمَشْرُوطِ بِخِلَافِ الْجُزْءِ أَمَّا الْمُنْفَصِلُ فَلَا خِلَافَ فيه لِأَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ مُنْفَصِلَتَانِ وَقِيلَ بِهِ مُطْلَقًا لِزَوَالِ إجْزَائِهَا بِدُونِهِ وَقِيلَ إنْ كان مِمَّا لَا تُجْزِئُ الْعِبَادَةُ قبل النَّسْخِ إلَّا بِهِ فَيُنْسَخُ سَوَاءٌ الْجَزَاءُ وَالشَّرْطُ وَإِنْ كان مِمَّا تُجْزِئُ الْعِبَادَةُ قبل النَّسْخِ مع عَدَمِهِ كَالْوُقُوفِ عن يَمِينِ الْإِمَامِ وَسَتْرِ الرَّأْسِ فَلَيْسَ بِنَسْخٍ حَكَاهُ الشَّيْخُ في اللُّمَعِ وقال إلْكِيَا الذي يَجِبُ أَنْ يُقَالَ هُنَا نَحْوُ ما سَبَقَ في الزِّيَادَةِ على النَّصِّ وَجَعَلَ الْهِنْدِيُّ الْخِلَافَ في الشَّرْطِ الْمُتَّصِلِ نَحْوِ الِاسْتِقْبَالِ فَأَمَّا الْمُنْفَصِلُ كَالْوُضُوءِ قال فَإِيرَادُ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فيه وَكَلَامُ غَيْرِهِ يَقْتَضِي إثْبَاتَ الْخِلَافِ في الْكُلِّ قُلْت وَبِالْأَوَّلِ صَرَّحَ صَاحِبُ الْمُسَوَّدَةِ فقال الْخِلَافُ في الْمُتَّصِلِ كَالتَّوَجُّهِ فَأَمَّا الْمُنْفَصِلُ كَالْوُضُوءِ فَلَا يَكُونُ نَسْخًا لها إجْمَاعًا لَكِنَّ ابْنَ السَّمْعَانِيِّ طَرَدَ الْخِلَافَ في الْكُلِّ فقال صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا لو قَدَّرْنَا نَسْخَ الْوُضُوءِ أو نَسْخَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وفي هذا وَأَمْثَالِهِ يَكُونُ الْكَلَامُ ظَاهِرًا في أَنَّهُ لَا يَكُونُ نَسْخًا لِلصَّلَاةِ قال فَأَمَّا في إسْقَاطِ الْجُزْءِ كَالرُّكُوعِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ على ما ذَكَرْنَاهُ فِيمَا إذَا زِيدَتْ رَكْعَةٌ على رَكْعَتَيْنِ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ يَجِيءُ هُنَا مَذْهَبُ عبد الْجَبَّارِ من التَّفْصِيلِ بين أَنْ يَكُونَ النَّسْخُ لِغَيْرِ الْمَزِيدِ عليه أو لَا تَنْبِيهٌ دَعْوَى ابْنِ الْحَاجِّ أَنَّ النَّسْخَ يَرِدُ على الْحُكْمِ لَا على الْعِبَادَةِ نَازَعَ ابن الْحَاجِّ في نُكَتِ الْمُسْتَصْفَى في تَرْجَمَةِ الْمَسْأَلَةِ بِنَسْخِ بَعْضِ الْعِبَادَةِ وقال إنَّمَا نَشَأَ هذا من ظَنِّهِمْ كَوْنَ الْعِبَادَةِ تُنْسَخُ وهو فَاسِدٌ لِأَنَّ النَّسْخَ إنَّمَا يَرِدُ على الْخِطَابِ الْمُتَعَلِّقِ بِأَصْلِ الْعِبَادَةِ لَا على الْعِبَادَةِ كَالْخِطَابِ الْوَارِدِ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ تُجْزِئُ ثُمَّ
- يَرِدُ خِطَابٌ آخَرُ بِأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ بَلْ يُجْزِئُ بَدَلًا منها رَكْعَتَانِ فَأَمَّا الْعِبَادَةُ فَهِيَ الْمَحِلُّ الْقَابِلُ قال فَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ إذَا رَفَعَ الْخِطَابُ الْإِجْزَاءَ عن عِبَادَةِ لها أَجْزَاءٌ وَلَا يُوجِبُهُ لِبَعْضِهَا من حَيْثُ هو بَعْضٌ لها بَلْ أَوْجَبَ الْجَزَاءَ لِمَا هو مُسَاوٍ لِبَعْضِهَا فَقَدْ ظَنَّ قَوْمٌ أَنَّ الشَّارِعَ لم يَرْفَعْ حُكْمَهَا رَأْسًا وَذَلِكَ بَاطِلٌ لِأَنَّ النَّسْخَ وَارِدٌ على الْحُكْمِ لَا على الْعِبَادَةِ فَيَنْدَفِعُ هذا الْخَيَالُ
- فصل في دلائل النسخ إذا ورد في الشيء الواحد حكمان مختلفان ولم يمكن استعمالهما استدل على نسخ أحدهما بأمور أحدها اقتضاء اللفظ له بأن يعلم تقدم أحد الحكمين على الآخر فيكون المتقدم منسوخا والمتأخر ناسخا قال الماوردي المراد بالتقدم التقدم في التنزيل لا التلاوة فإن العدة بأربعة أشهر سابقة في التلاوة على العدة بالحول مع أنها ناسخة لها واقتضاء اللفظ إما بالتصريح كقوله الآن خفف الله عنكم فإنه يقتضي نسخه لثبات الواحد للعشرة بقوله علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فإنه يقتضي نسخ الإمساك بعد الفطر وقوله أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات الآية فإنه يقتضي نسخ الصدقة عند المناجاة وإما بأن يذكر لفظ يتضمن التنبيه على النسخ كما نسخ الإمساك في البيوت حد الزنى بقوله أو يجعل الله لهن سبيلا فنبه على عدم الاستدامة في الإمساك ولذلك قال خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا وإما بالاستدلال بأن تكون إحدى الآيتين مكية والأخرى مدنية فعلم أن المنزل بالمدينة ناسخ للمنزل بمكة قاله أبو إسحاق المروزي وغيره الثاني بقوله عليه السلام هذا ناسخ أو ما في معناه كقوله كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها الثالث فعل النبي صلى الله عليه وسلم كرجم ماعز ولم يجلده يدل على أن قوله الثيب بالثيب جلد مائة ورجمه بالحجارة منسوخ ذكره ابن السمعاني ثم قال وقد قالوا إن الفعل لا ينسخ القول في قول أكثر الأصوليين وإنما يستدل بالفعل على تقدم النسخ بالقول فيكون القول منسوخا بمثله من القول لكن فعله بين ذلك القول
- الرابع إجماع الصحابة كنسخ رمضان صوم يوم عاشوراء ونسخ الزكاة سائر الحقوق في المال ذكره ابن السمعاني أيضا وكذا حديث من غل صدقته فإنا آخذوها وشطر ماله واتفقت الصحابة على ترك استعمالهم هذا فدل عدولهم عنه على نسخه انتهى وقد نص الشافعي على ذلك أيضا فيما نقله البيهقي في المدخل فقال ولا يستدل على الناسخ والمنسوخ إلا بخبر عن الرسول آخر مؤقت يدل على أن أحدهما بعد الآخر أو بقول من سمع الحديث أو العامة انتهى وجرى عليه أبو إسحاق المروزي في الناسخ من كتابه والشيخ في اللمع وسليم في التقريب والماوردي في الحاوي وقال يكون الإجماع مبينا لا ناسخا وكذا قال القاضي يستدل بالإجماع على أن معه خبرا به وقع النسخ لأن الإجماع لا ينسخ ولم يجعل الصيرفي الإجماع دليلا على تعيين النص للنسخ بل جعله مترددا بين النسخ والغلط فإنه قال في كتابه فإن أجمع على إبطال حكم أحدهما فهو منسوخ أو غلط والأمر ثابت انتهى ومعنى قوله أو غلط أي من جهة بعض رواته كما صرح به القفال الشاشي في كتابه فقال إذا روي حديث والإجماع على خلافه دل على أن الخبر منسوخ أو غلط من الراوي هذا لفظه والتحقيق أن الإجماع لا ينسخ به لأنه لا ينعقد إلا بعد الرسول وبعده يرتفع النسخ وإنما النسخ يرفع بدليل الإجماع وعلى هذا ينزل نص الشافعي والأصحاب الخامس نقل الراوي الصحابي تقدم أحد الحكمين وتأخر الآخر إذ لا مدخل للاجتهاد فيه كما لو روي أن أحدهما شرع بمكة والآخر بالمدينة أو أحدهما عام بدر والآخر عام الفتح فإن وجد مثال هذا فلا بد أن يكون المتأخر ناسخا للمتقدم كقول جابر كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار وكقول أبي بن كعب كان الماء من الماء رخصة في أول الإسلام ثم أمر بالغسل كذا قاله ابن
- السمعاني وغيره وهو واضح إن كان الخبران غير متواترين أما إذا قال في أحد الخبرين المتواترين إنه كان قبل الآخر ففي قوله خلاف وجزم القاضي في التقريب بأنه لا يقبل قوله ونقله الهندي عن الأكثرين لأنه يتضمن نسخ المتواتر بالآحاد وهو غير جائز وقال القاضي عبد الجبار يقبل وإن لم يقبل المظنون في نسخ العلوم إذ الشيء يقبل بطريق الضمن والتبع ولا يقبل بطريق الأصالة كما تقبل شهادة القابلة بالولادة ويتضمن ذلك ثبوت النسب وإن كن لو شهدن بالنسب ابتداء لم يقبل وقال أبو الحسين البصري هذا يقتضي الجواز العقلي في قبوله لا في وقوعه ما لم يثبت أنه يلزم من ثبوت أحد الحكمين ثبوت الآخر والجواز العقلي لا نزاع فيه ثم قال القاضي في التقريب لا فرق في ثبوت النسخ بالمتأخر بين أن يكون الراوي للحديثين واحدا أو اثنين لأنه قد يسمعهما الاثنان في وقتين وكذلك الواحد وشرط ابن السمعاني كون الراوي لهما واحدا قال فإن كان راوي المتقدم غير راوي المتأخر نظر فإن كان المتأخر خبر واحد كان ناسخا للمتقدم وإن كان المتقدم من أخبار المتواتر لم يصر منسوخا بخبر الواحد المتأخر وإن كانا متواترين أو آحادا فالمتأخر ناسخ للمتقدم هذا كله إن أخبر أن هذا متأخر فإن قال هذا ناسخ نظر فإن كان ذكر دليله فواضح قاله ابن السمعاني وقال القاضي لا يثبت به النسخ عند الجمهور ولو ذكر دليله لكن ينظر فيه فإن اقتضى النسخ عمل به وإلا فلا وإن أرسله إرسالا ففيه وجهان حكاهما ابن السمعاني أحدهما يقبل قوله في النسخ ونقله عن الكرخي قلت والذي في المعتمد أن أبا عبد الله البصري حكى عن شيخه أبي الحسن الكرخي أنه إن عينه فقال هذا نسخ لهذا لم يرجع إليه لاحتمال أنه قاله عن اجتهاد وإن لم يعينه بل قال هذا منسوخ قبل وحكى الدبوسي في التقويم هذا التفصيل عن أبي عبد الله البصري ثم قال ومنهم من قال لا فرق بينهما والثاني أنه لا يقبل قوله في النسخ ما لم يذكر دليله لجواز أن يعتقد ما ليس بنسخ نسخا ولأن العلماء مختلفون في أسباب النسخ كالزيادة على النص والنقصان منه وكاعتقاد آخرين أن قوله إذا التقى الختانان منسوخ بقوله إنما الماء من الماء ونحو ذلك ولذلك لم يقبل قول من قال إن مسح الخف نسخ بالكتاب وهذا ما نقله القاضي في التقريب عن الجمهور وقال إنه الصحيح وعلله بما ذكرنا وقال ابن السمعاني إنه أظهر الوجهين وكذا صححه في اللمع وسليم وصرح ابن برهان بأنه المذهب فقال في كتابه الأوسط إذا قال الصحابي
- هذا منسوخ لم يقبل منه عندنا خلافا للحنفية لأن مذاهب الناس في النسخ مختلفة فرب شيء يعتقده ناسخا وليس بناسخ ولأن النسخ إسقاط للحديث بالكلية وجزم به الغزالي في المستصفى وإلكيا في التلويح وعلله بما سبق ثم قال فأما إذا قال الصحابي إن كذا كان حكما ثابتا من قبل وإنه نسخ الآن ولم يذكر ما به نسخ فإن الكرخي كان يتابعه كقول ابن مسعود حين ذكر له في التشهد التحيات الزاكيات قال كان هذا ثم نسخ ونحوه ما روي عن ابن عمر وابن عباس في الرضاع أنهما قالا قد كان التوقيت وأما الآن فلا قال والذي رآه أكثر الأصوليين أنه لا يرجع إلى قول الصحابي في ذلك لأنه إذا كان فيما صرح به بأنه ناسخا للأية أن لا يكون ناسخا لها في الحقيقة وإن اعتقده فغير ممتنع أن يطلق ذلك إطلاقا ولا يذكر ما لأجله النسخ ولو ذكره لكان مما لا ينسخ به قال نعم ولو علم من حاله أنه إنما ذكر أنه منسوخ لأمر لا يلتبس وجب الرجوع إلى قوله قال وهذا قريب من مخالفة الراوي مضمون الحديث الذي رواه انتهى وهذا تفصيل حسن وفصل بعض المتأخرين من الحنابلة بين أن يكون هناك نص آخر يخالف ما ادعى نسخه فإنه يقبل قوله لأن الظاهر أن ذلك النص الناسخ ويكون حاصل الصحابي الإعلام بالمتقدم والمتأخر وقوله يقبل في ذلك قال ونقل القاضي أبو يعلى عن أحمد أنه أومأ إلى أن الصحابي إذا قال هذه الآية منسوخة لم يصر إلى قوله حتى يبين الناسخ وقال عبد الوهاب في الملخص إذا قال الصحابي هذا منسوخ فقيل يقبل مطلقا وقيل بالمنع وقيل إن أطلق قبل وإن أضافه إلى ناسخ زعم أنه الذي نسخه نظر فيه فإن كان مما يوجب النسخ حكم به وإلا فلا قال ولست أحفظ في هذا عن أصحابنا شيئا ولكن عندي إن كان في معنى النسخ وصفته وليس فيه خلاف بين الصحابة فالواجب أن يخرج فيه قولان وإن لم يكن بينهم خلاف في صفة النسخ وشروطه وجب قبوله انتهى وأطلق الأستاذ أبو منصور النسخ بقول الصحابي وكذا القاضي أبو الطيب في مسألة قول الراوي أمرنا وجرى عليه المحدثون ومنهم ابن الصلاح وهو ظاهر نص الشافعي السابق ذكره في الإجماع وقد احتج أصحابنا بقول عائشة في الرضعات إن العشر منها نسخن بالخمس واحتجوا على أن قوله تعالى لا يحل لك النساء من بعد
- منسوخ بقوله إنا أحللنا لك لأجل قول عائشة ما مات الرسول حتى أحل الله له النساء اللاتي حظرن عليه لكن أجاب القاضي عن هذا بأنهم لم ينسخوا بقول عائشة بل بحجتها في النسخ فلأجل الآية والتأول لها قالوا وقالت ذلك ووراء ذلك أمور أحدها أن يقول الصحابي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نسخت عنكم كذا قال القاضي ويجب قبوله إذا كان المنسوخ من غير الآحاد فإن كان مما يوجب العلم لم يرفع مثل هذا إلا أن ينضم ما يوجب القطع الثاني هذا كله إذا صرح بالنسخ قياسا وأما إذا قال قولا يخالف الحديث فلا يقتضي نسخ النص سواء انتشر أم لا قاله القاضي أيضا قال ومن جعل قوله حجة إذا انتشر ولم يحفظ له مخالف ترك به حكم النص وتبين عنده أنه منسوخ لأنه إجماع الثالث إذا كان راوي أحدهما متقدم الصحبة والآخر متأخرا فقسمه ابن السمعاني إلى قسمين أحدهما أن تنقطع صحبة الأول عند صحبة الثاني فيكون الحكم الذي رواه المتأخر ناسخا للذي رواه الأول كرواية قيس بن طلق وأبي هريرة في مس الذكر والثاني أن لا تنقطع صحبة المتقدم عند صحبة المتأخر فلا تكون رواية المتأخر الصحبة ناسخة لرواية المتقدم لجواز أن يكون المتقدم راويا لما تأخر كما لا يجوز أن يكون راويا لما تقدم وإثبات النسخ بمجرد الاحتمال ممتنع كرواية ابن عباس وابن مسعود في التشهد فلا تكون رواية ابن عباس ناسخة لرواية ابن مسعود ولكن يطلب الترجيح من خارج ا هـ والقسم الأول ذكره إلكيا وصاحب المصادر ومثلا به وجزما به لكن القاضي خالفهم
- قال في المصادر وشرط الشريف المرتضى في ذلك أن يكون الذي صحبه آخرا لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم شيئا قبل صحبته له لأنه لا يمتنع أن يراه أولا ويسمع منه وهو مصاحب له ثم رآه ثانيا ويختص به والقسم الثاني ذكره الشيخ في اللمع وجزم بعدم النسخ وكذا الهندي قال ومن هذا يعلم أنه لا يثبت النسخ بكون راوي أحد الخبرين من أحداث الصحابة أو يكون إسلامه متأخرا عن إسلام راوي الآخر وبذلك صرح القاضي في التقريب وأطلق الأستاذ أبو منصور وابن برهان أن رواية المتأخر صحبة ناسخة لرواية المتقدم الرابع أن يكون الراوي لأحدهما أسلم بعد موت الآخر أو بعد قصته وفيه احتمالان للشيخ في اللمع وجزم سليم في صورة الموت بأن رواية المتأخر ناسخة الخامس معرفة التاريخ للواقعتين كحديث شداد بن أوس أنه قال أفطر الحاجم والمحجوم قال الشاشي هو منسوخ بحديث ابن عباس احتجم وهو محرم صائم أخرجه مسلم فإن ابن عباس إنما صحبه محرما في حجة الوداع سنة عشر وفي بعض طرق حديث شداد أن ذلك كان في زمن الفتح وذلك سنة ثمان السادس كون أحد الحكمين شرعيا والآخر موافقا للعادة فيكون الشرعي ناسخا للمعتاد كخبر مس الفرج ذكره الأستاذ أبو منصور وغيره ومنعه القاضي والغزالي لأنه يجوز ورود الشرع بتقرير الوصف ثم يرد نسخه ورده إلى ما كان في العقل فإن الموافق للعقل لم يرد بعد نقل حكمه وقال الماوردي في الحاوي دلائل النسخ يقدم أحدها على الآخر فإن جهل عدل إلى الثاني وهو بيان الرسول فإن ثبت عنه عمل به وكانت السنة مبينة لا ناسخة فإن عدم عدل إلى الثالث وهو الإجماع فإن فقد عدل إلى الرابع وهو
- الاستعمال فإذا كان أحدهما مستعملا والآخر متروكا كان المستعمل ناسخا والمتروك منسوخا فإن فقد عدل إلى الخامس وهو الترجيح بشواهد الأصول والأدلة وكان غاية العمل به وما ذكره في الرابع ينازعه قول الصيرفي إذا وجد حكمان متماثلان وأحدهما منسوخ لم يحكم بأن السابق منهما نسخ بالآخر وذلك كصوم عاشوراء مع صوم رمضان جاء أنه لما نزل فرض رمضان نسخ صوم عاشوراء فنقول اتفق نسخه عند ثبوت فرض رمضان لا أنه نسخه لأنه غير مناف له وحكاه سليم أيضا مَسْأَلَةٌ إذَا لم يُعْلَمْ النَّاسِخُ من الْمَنْسُوخِ بِوَجْهٍ من الْوُجُوهِ قال ابن الْحَاجِبِ فَالْوَجْهُ التَّوَقُّفُ إلَى التَّبَيُّنِ بِهِ وَلَا يُتَخَيَّرُ وقال الْآمِدِيُّ إنْ عُلِمَ اقْتِرَانُهُمَا مع تَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فَعِنْدِي أَنَّ ذلك غَيْرُ مُتَصَوَّرِ الْوُقُوعِ وَإِنْ جَوَّزَهُ قَوْمٌ وَبِتَقْدِيرِ وُقُوعِهِ فَالْوَاجِبُ إمَّا الْوُقُوفُ عن الْعَمَلِ بِأَحَدِهِمَا أو التَّخْيِيرُ بَيْنَهُمَا إنْ أَمْكَنَ وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا إذَا لم يُعْلَمْ شَيْءٌ من ذلك وَاعْلَمْ أَنَّ كَلَامَهُمْ يَشْمَلُ ما إذَا عُلِمَ اقْتِرَانُهُمَا وَذَلِكَ لَا يَقَعُ وما إذَا لم يُعْلَمْ الْحَالُ أو عُلِمَ أَنَّ أَحَدَهُمَا مُتَأَخِّرٌ وَلَكِنْ لم تُعْرَفْ عَيْنُهُ وما إذَا عُلِمَ الْمُتَأَخِّرُ ثُمَّ نُسِيَ وقد ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ هذه الْأَقْسَامَ في الْجُمُعَتَيْنِ وَالنِّكَاحِ وَعَقْدِ الْأَمَانِ لِاثْنَيْنِ وَمَوْتِ جَمَاعَةٍ من الْأَقَارِبِ بِهَدْمٍ أو غَرَقٍ فَأَمَّا إذَا عُلِمَ عَيْنُ الْمُتَقَدِّمِ من الْمُتَأَخِّرِ ثُمَّ نُسِيَ فَلَا وَجْهَ لِلتَّخْيِيرِ بَلْ يَتَعَيَّنُ الْوَقْفُ خَاتِمَةٌ أُمُورٌ لَا يَثْبُتُ بها النَّسْخُ لَا يَثْبُتُ النَّسْخُ بِالتَّرْتِيبِ في الْمُصْحَفِ وقد سَبَقَ وَلَا بِكَوْنِ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ أَخَفَّ من الْآخَرِ خِلَافًا لِلْقَائِلَيْنِ بِأَنَّهُ لَا يُنْسَخُ الشَّيْءُ إلَّا بِمَا هو أَخَفُّ منه فَإِنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ ذلك من أَدِلَّةِ النَّسْخِ وَأَنَّ الْأَخَفَّ هو النَّاسِخُ وَالْأَغْلَظَ هو الْمَنْسُوخُ حَكَاهُ أبو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَلَا بِكَوْنِ أَحَدِهِمَا يُوَافِقُ الْحَظْرَ وَالْآخَرِ الْإِبَاحَةَ خِلَافًا لِلْقَائِلَيْنِ بِأَنَّ أَصْلَ الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ النَّاسِخَ ما يَقْتَضِي الْحَظْرَ لِأَنَّ الِانْتِقَالَ من الْحَظْرِ إلَى الْإِبَاحَةِ يُعَيِّنُ الْعَوْدَ إلَى الْإِبَاحَةِ ثَانِيًا فَجُعِلَتْ الْآيَةُ الْمُبِيحَةُ تَأْكِيدًا لِمَا قَبْلَهَا من الْإِبَاحَةِ
- وَالْآيَةُ التي فيها الْحَظْرُ نَاقِلَةً عَمَّا كان عليه من الْإِبَاحَةِ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْأَشْيَاءَ على الْحَظْرِ حتى يَأْتِيَ دَلِيلُ الْإِبَاحَةِ فإنه يَجْعَلُ آيَةَ الْإِبَاحَةِ نَاسِخَةً وَيَجْعَلُ التي فيها الْحَظْرُ مُؤَكِّدَةً لِمَا كان عليه من الْحَظْرِ قال أبو إِسْحَاقَ وَهَذَا خِلَافُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَلَيْسَتْ الْأَشْيَاءُ عِنْدَهُ على الْحَظْرِ وَلَا على الْإِبَاحَةِ بَلْ هِيَ على ما شَرَعَ اللَّهُ فَلَا بُدَّ من دَلِيلٍ على النَّسْخِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- الْكِتَابُ الثَّانِي مباحث السنة
- مَبَاحِثُ السُّنَّةِ تَعْرِيفُ السُّنَّةِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا السُّنَّةُ لُغَةً الطَّرِيقَةُ الْمَسْلُوكَةُ وَأَصْلُهَا من قَوْلِهِمْ سَنَنْت الشَّيْءَ بِالْمِسَنِّ إذَا أَمْرَرْته عليه حتى يُؤَثِّرَ فيه سُنَنًا أَيْ طَرَائِقَ وقال إلْكِيَا مَعْنَاهَا الدَّوَامُ فَقَوْلُنَا سُنَّةٌ مَعْنَاهُ الْأَمْرُ بِإِدَامَتِهِ من قَوْلِهِمْ سَنَنْت الْمَاءَ إذَا وَالَيْت في صَبِّهِ قال الْخَطَّابِيُّ أَصْلُهَا الطَّرِيقَةُ الْمَحْمُودَةُ فإذا أُطْلِقَتْ انْصَرَفَتْ إلَيْهَا وقد تُسْتَعْمَلُ في غَيْرِهِ مُقَيَّدَةً كَقَوْلِهِمْ من سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً وَتُطْلَقُ على الْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ في عُرْفِ اللُّغَوِيِّينَ وَالْمُحَدِّثِينَ وَأَمَّا في عُرْفِ الْفُقَهَاءِ فَإِنَّمَا يُطْلِقُونَهَا على ما ليس بِوَاجِبٍ وَأَطْلَقَهَا بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ هُنَا على الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ وَالْمُبَاحِ وَتُطْلَقُ في مُقَابَلَةِ الْبِدْعَةِ كَقَوْلِهِمْ فُلَانٌ من أَهْلِ السُّنَّةِ قال ابن فَارِسٍ في فِقْهِ الْعَرَبِيَّةِ وَكَرِهَ الْعُلَمَاءُ قَوْلَ من قال سُنَّةُ أبي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَإِنَّمَا يُقَالُ فَرْضُ اللَّهِ وَسُنَّتُهُ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ وقال الدَّبُوسِيُّ ذَكَرَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ السُّنَّةَ الْمُطْلَقَةَ عِنْدَ صَاحِبِنَا تَنْصَرِفُ إلَى سُنَّةِ الرَّسُولِ وَأَنَّهُ على مَذْهَبِهِ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ لَا يَرَى اتِّبَاعَ الصَّحَابِيِّ إلَّا بِحُجَّةٍ كما لَا يُتَّبَعُ من بَعْدَهُ إلَّا بِحُجَّةٍ وَيُحْتَمَلُ لِأَنَّهُ لم يَبْلُغْهُ اسْتِعْمَالُ السَّلَفِ إطْلَاقَ السُّنَّةِ على طَرَائِقِ الْعُمَرَيْنِ وَالصَّحَابَةِ وَأَمَّا في الِاصْطِلَاحِ فَتُطْلَقُ على ما تَرَجَّحَ جَانِبُ وُجُودِهِ على جَانِبِ عَدَمِهِ تَرْجِيحًا ليس معه الْمَنْعُ من النَّقِيضِ وَتُطْلَقُ وهو الْمُرَادُ هُنَا على ما صَدَرَ من الرَّسُولِ صلى اللَّهُ عليه وسلم من الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ وَالتَّقْرِيرِ وَالْهَمِّ وَهَذَا الْأَخِيرُ لم يَذْكُرْهُ الْأُصُولِيُّونَ وَلَكِنْ اسْتَعْمَلَهُ الشَّافِعِيُّ في الِاسْتِدْلَالِ مَسْأَلَةٌ السُّنَّةُ الْمُسْتَقِلَّةُ بِتَشْرِيعِ الْأَحْكَامِ وَلِهَذَا لم يُفْرِدْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ السُّنَّةَ عن الْكِتَابِ وقال كُلُّ ما يَقُولُهُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم عن قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فلم يَكُنْ لِذِكْرِ فَصْلٍ بين الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَعْنًى وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ في الرِّسَالَةِ على أَنَّ السُّنَّةَ مُنَزَّلَةٌ كَالْقُرْآنِ مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَاذْكُرْنَ ما يُتْلَى في بُيُوتِكُنَّ
- من آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ فذكر السُّنَّةَ بِلَفْظِ التِّلَاوَةِ كَالْقُرْآنِ وَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ آتَاهُ مع الْكِتَابِ غير الْكِتَابِ وهو ما سَنَّهُ على لِسَانِهِ مِمَّا لم يَذْكُرْهُ فيه وَلِهَذَا قال صلى اللَّهُ عليه وسلم أَلَا إنِّي قد أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ معه رَوَاهُ أبو دَاوُد وفي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّهُ قال دخل يوم خَيْبَرَ لَمَّا حَرَّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ قال الْحَافِظُ الدَّارِمِيُّ يقول أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَأُوتِيتُ مثله من السُّنَنِ التي لم يَنْطِقْ بها الْقُرْآنُ بِنَصِّهِ وما هِيَ إلَّا مُفَسِّرَةٌ لِإِرَادَةِ اللَّهِ بِهِ كَتَحْرِيمِ لَحْمِ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ وَكُلِّ ذِي نَابٍ من السِّبَاعِ وَلَيْسَا بِمَنْصُوصَيْنِ في الْكِتَابِ وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ من طَرِيقِ ثَوْبَانَ في الْأَمْرِ بِعَرْضِ الْأَحَادِيثِ على الْقُرْآنِ فقال الشَّافِعِيُّ في الرِّسَالَةِ ما رَوَاهُ أَحَدٌ ثَبَتَ حَدِيثُهُ في شَيْءٍ صَغِيرٍ وَلَا كَبِيرٍ وقد حَكَمَ إمَامُ الحديث يحيى بن مَعِينٍ بِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ وَضَعَتْهُ الزَّنَادِقَةُ قال ابن عبد الْبَرِّ في كِتَابِ جَامِعِ بَيَانِ الْعِلْمِ قال عبد الرحمن بن مَهْدِيٍّ الزَّنَادِقَةُ وَالْخَوَارِجُ وَضَعُوا حَدِيثَ ما أَتَاكُمْ عَنِيفًا عَرِّضُوهُ على كِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ وَافَقَ كِتَابَ اللَّهِ فَأَنَا قُلْته وَإِنْ خَالَفَ فلم أَقُلْهُ قال الْحَافِظُ وَهَذَا لَا يَصِحُّ وقد عَارَضَهُ قَوْمٌ وَقَالُوا نَحْنُ نَعْرِضُهُ على كِتَابِ اللَّهِ فَوَجَدْنَاهُ مُخَالِفًا لِلْكِتَابِ لِأَنَّا لم نَجِدْ فيه لَا يُقْبَلُ من الحديث إلَّا ما وَافَقَ الْكِتَابَ بَلْ وَجَدْنَا فيه الْأَمْرَ بِطَاعَتِهِ وَتَحْذِيرَ الْمُخَالَفَةِ عن أَمْرِهِ حَكَمَ على كل حَالٍ انْتَهَى وقال ابن حِبَّانَ في صَحِيحِهِ في قَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً فيه دَلَالَةٌ على أَنَّ السُّنَّةَ يُقَالُ فيها آيٌ وقال الشَّافِعِيُّ في الرِّسَالَةِ في بَابِ فَرْضِ طَاعَةِ الرَّسُولِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال تَعَالَى من يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَكُلُّ فَرِيضَةٍ فَرَضَهَا اللَّهُ تَعَالَى في كِتَابِهِ كَالْحَجِّ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ لَوْلَا بَيَانُ الرَّسُولِ ما كنا نَعْرِفُ كَيْفَ نَأْتِيهَا وَلَا كان يُمْكِنُنَا أَدَاءُ شَيْءٍ من الْعِبَادَاتِ وإذا كان الرَّسُولُ من الشَّرِيعَةِ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ
- كانت طَاعَتُهُ على الْحَقِيقَةِ طَاعَةً لِلَّهِ مَسْأَلَةٌ السُّنَنُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ قال الشَّافِعِيُّ في الرِّسَالَةِ لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بين أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ سُنَنَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم تَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فيه نَصَّ كِتَابٍ فَبَيَّنَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم مِثْلَ نَصِّ الْكِتَابِ وَالثَّانِي ما أَنْزَلَ اللَّهُ فيه جُمْلَةَ كِتَابٍ فَبَيَّنَ عن اللَّهِ ما أَرَادَ وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ لم يَخْتَلِفُوا فِيهِمَا وَالثَّالِثُ ما سَنَّ الرَّسُولُ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَلَيْسَ فيه نَصُّ كِتَابٍ وَاخْتَلَفُوا فيه فَمِنْهُمْ من قال جَعَلَ اللَّهُ له بِمَا فَرَضَ من طَاعَتِهِ وَسَبَقَ في عِلْمِهِ من تَوْفِيقِهِ لِرِضَاهُ أَنْ يَسُنَّ فِيمَا ليس فيه نَصُّ كِتَابٍ وَمِنْهُمْ من قال لم يَسُنَّ سُنَّةً قَطُّ إلَّا وَلَهَا أَصْلٌ في الْكِتَابِ وَمِنْهُمْ من قال بَلْ جَاءَتْهُ رِسَالَةُ اللَّهِ فَأَثْبَتَ سُنَّتَهُ بِفَرْضِ اللَّهِ وَمِنْهُمْ من قال أُلْقِيَ في رُوعِهِ كما سَنَّ انْتَهَى وَبِالْقَوْلِ الثَّانِي جَزَمَ أبو الْحَكَمِ بن بُرْجَانَ وَبَنَى عليه كِتَابَهُ الْمُسَمَّى بِالْإِرْشَادِ وَبَيَّنَ كَثِيرًا من ذلك مُفَصَّلًا وقال كُلُّ حَدِيثٍ فَفِي الْقُرْآنِ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ تَعْرِيضًا أو تَصْرِيحًا وما قال مُنْشِئٌ فَهُوَ في الْقُرْآنِ أو فيه أَصْلُهُ قَرُبَ أو بَعُدَ فَهِمَهُ من فَهِمَهُ وَعَمِهَ عنه من عَمِهَ قال تَعَالَى ما فَرَّطْنَا في الْكِتَابِ من شَيْءٍ أَلَا يُسْمَعَ إلَى قَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَقَضَى بِالرَّجْمِ وَلَيْسَ هو نَصًّا في كِتَابِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَعْرِيضٌ مُجْمَلٌ في قَوْلِهِ وَيَدْرَأُ عنها الْعَذَابَ وَأَمَّا تَعْيِينُ الرَّجْمِ من عُمُومِ ذلك الْعَذَابِ وَتَفْسِيرُ هذا الْمُجْمَلِ فَهُوَ مُبَيَّنٌ بِحُكْمِ الرَّسُولِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فيه وَبِأَمْرِهِ بِهِ
- وَمَوْجُودٌ في عُمُومِ قَوْلِهِ وما آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهَاكُمْ عنه فَانْتَهُوا وَقَوْلُهُ من يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَهَكَذَا جَمِيعُ قَضَائِهِ وَحُكْمِهِ وَإِنَّمَا يُدْرِكُ الطَّالِبُ من ذلك بِقَدْرِ اجْتِهَادِهِ وَبَذْلِ وُسْعِهِ وَيَبْلُغُ منه الرَّاغِبُ فيه حَيْثُ بَلَّغَهُ رَبُّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِأَنَّهُ وَاهِبُ النِّعَمِ قال وقد نَبَّهَنَا النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم على هذا الْمَطْلَبِ بِمَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ من خِطَابِهِ منها قَوْلُهُ عن الْجَنَّةِ فيها ما لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ على قَلْبِ بَشَرٍ بَلْهَ ما أَطْلَعَكُمْ اللَّهُ عليه ثُمَّ قال اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لهم من قُرَّةِ أَعْيُنٍ وَحَدِيثُهُ الْآخَرُ اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ له فَمَنْ كان من أَهْلِ السَّعَادَةِ فَهُوَ يَعْمَلُ لها وَمَنْ كان من أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَهُوَ يَعْمَلُ لها ثُمَّ قَرَأَ فَأَمَّا من أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا من بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى وَمِنْهَا قَوْلُهُ إنَّ في الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ في ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا ثُمَّ قال اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ وَظِلٍّ مَمْدُودٍ فَأَعْلَمَ صلى اللَّهُ عليه وسلم بِمَوَاضِعِ حَدِيثِهِ من الْقُرْآنِ وَنَبَّهَهُمْ على مِصْدَاقِ خِطَابِهِ من الْكِتَابِ لِيَسْتَخْرِجَ عُلَمَاءُ أُمَّتِهِ مَعَانِيَ حَدِيثِهِ منه طَلَبًا لِلْيَقِينِ وَحِرْصًا منه عليه السَّلَامُ على أَنْ يُزِيلَ عَنْهُمْ الِارْتِيَابَ وَأَنْ يَرْتَقُوا في الْأَسْبَابِ مَسْأَلَةٌ حَاجَةُ الْكِتَابِ إلَى السُّنَّةِ قال الْأَوْزَاعِيُّ الْكِتَابُ أَحْوَجُ إلَى السُّنَّةِ من السُّنَّةِ إلَى الْكِتَابِ قال أبو عُمَرَ يُرِيدُ أنها تَقْضِي عليه وَتُبَيِّنُ الْمُرَادَ منه وقال يحيى بن أبي كَثِيرٍ السُّنَّةُ قَاضِيَةٌ على الْكِتَابِ وقال الْفَضْلُ بن زِيَادٍ سَمِعْت أَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ وقد سُئِلَ عن الحديث الذي رُوِيَ أَنَّ السُّنَّةَ قَاضِيَةٌ على الْكِتَابِ فقال ما أَجْسُرُ على هذا أَنْ أَقُولَهُ وَلَكِنْ أَقُولُ إنَّ السُّنَّةَ تُفَسِّرُ الْكِتَابَ وَتُبَيِّنُهُ
- الْقِسْمُ الْأَوَّلُ الْأَقْوَالُ وَالْمُرَادُ بها التي لَا على وَجْهِ الْإِعْجَازِ وَيَنْقَسِمُ إلَى نَصٍّ وَظَاهِرٍ مُجْمَلٍ وَغَيْرِهِ وقد سَبَقَتْ مَبَاحِثُ الْأَقْوَالِ بِأَقْسَامِهَا من الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْعَامِّ وَالْخَاصِّ وَالْمُجْمَلِ وَالْمُبَيَّنِ وَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ قال الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ في كِتَابِ فَهْمِ السُّنَنِ وَهَذَا الْقِسْمُ على وُجُوهٍ شَتَّى فَمِنْهَا ما يَبْتَدِئُ ثَمَّ بِتَعْلِيمِ عَامَّتِهِمْ أو بَعْضِهِمْ وَمِنْهَا ما يَسْأَلُهُ بَعْضُهُمْ عنه فَيُخْبِرُهُمْ وَمِنْهَا ما يَكُونُ من بَعْضِهِمْ السَّبَبُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ لِيُعْلِمَهُ بِسَبَبِهِ فَيُبَيِّنُهُ في ذلك تَبْيِينًا له أو يَنْهَى عنه كما كَانُوا يُصَلُّونَ ما سَبَقَهُمْ بِهِ من الصَّلَاةِ ثُمَّ يَدْخُلُونَ معه في الصَّلَاةِ فَجَاءَ مُعَاذٌ فَدَخَلَ معه في الصَّلَاةِ ولم يَبْدَأْ بِمَا سُبِقَ ثُمَّ قَضَى ما سُبِقَ بِهِ لَمَّا سَلَّمَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فقال النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم إنَّ مُعَاذًا قد سَنَّ لَكُمْ فَافْعَلُوا ذلك رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عن عَمْرِو بن مُرَّةَ عن عبد الرحمن بن أبي لَيْلَى عن مُعَاذٍ وَمِنْهَا ما يُحْتَكَمُ فيه إلَيْهِ فَيَقْضِي بين بَعْضِهِمْ بِذَلِكَ إيضَاحًا لِمَا أَحَبَّ اللَّهُ وَتَعْلِيمًا لهم وَذَلِكَ كَتَعْلِيمِهِ الصَّلَاةَ لِلْمُسِيءِ صَلَاتَهُ وَتَعْلِيمِهِ التَّشَهُّدَ كما يُعَلِّمُ السُّورَةَ من الْقُرْآنِ وَغَيْرِ ذلك
- الْقِسْمُ الثَّانِي الْأَفْعَالُ وَعَادَتُهُمْ يُقَدِّمُونَ عليها الْكَلَامَ على الْعِصْمَةِ لِأَجْلِ أَنَّهُ يَنْبَنِي عليها وُجُوبُ التَّأَسِّي بِأَفْعَالِهِ عِصْمَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْكَلَامُ قبل النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا أَمَّا قبل النُّبُوَّةِ فقال الْمَازِرِيُّ لَا تُشْتَرَطُ الْعِصْمَةُ وَلَكِنْ لم يَرِدْ في السَّمْعِ وُقُوعُهَا وقال الْقَاضِي عِيَاضٌ الصَّوَابُ عِصْمَتُهُمْ قبل النُّبُوَّةِ من الْجَهْلِ بِاَللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَالتَّشْكِيكِ في شَيْءٍ من ذلك وقد تَعَاضَدَتْ الْأَخْبَارُ عن الْأَنْبِيَاءِ بِتَبْرِئَتِهِمْ عن هذه النَّقِيصَةِ مُنْذُ وُلِدُوا وَنَشْأَتِهِمْ على التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ وَنَقَلَ ابن الْحَاجِبِ عن الْأَكْثَرِينَ عَدَمَ امْتِنَاعِهَا عَقْلًا وَأَنَّ الرَّوَافِضَ ذَهَبُوا إلَى امْتِنَاعِهَا وَنَقَلَهُ غَيْرُهُ عن الْمُعْتَزِلَةِ لِأَنَّ ذلك يُوجِبُ هَضْمَهُ وَاحْتِقَارَهُ وهو خِلَافُ الْحِكْمَةِ وَالْأَصَحُّ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ وَمِنْهُمْ الْقَاضِي لِأَنَّ السَّمْعَ لَا دَلَالَةَ له على الْعِصْمَةِ قبل الْبَعْثَةِ وَأَمَّا دَلَالَةُ الْعَقْلِ فَمَبْنِيَّةٌ على فَاسِدِ أَصْلِهِمْ في التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيِّ وَوُجُوبِ رِعَايَةِ الْأَصْلَحِ وَالْمَصْلَحَةِ وَأَمَّا بَعْدَ النُّبُوَّةِ وَالْإِرْسَالِ بِالْمُعْجِزَةِ فَقَدْ دَلَّتْ الْمُعْجِزَةُ دَلَالَةً قَطْعِيَّةً على صِدْقِهِ وَهَلْ دَلَالَتُهَا عَقْلِيَّةٌ أو عَادِيَةٌ خِلَافٌ سَبَقَ في أَوَّلِ الْكِتَابِ فَكُلُّ أَمْرٍ يُنَافِي دَلَالَتَهَا فَهُوَ على الْأَنْبِيَاءِ مُحَالٌ عَقْلًا وَالْكَلَامُ في الْعِصْمَةِ يَرْجِعُ إلَى أُمُورٍ أَحَدُهَا في الِاعْتِقَادِ وَلَا خِلَافَ بين الْأُمَّةِ في وُجُوبِ عِصْمَتِهِمْ عَمَّا يُنَاقِضُ مَدْلُولَ الْمُعْجِزَةِ وهو الْجَهْلُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَالْكُفْرُ بِهِ وَثَانِيهَا أَمْرُ التَّبْلِيغِ وقد اتَّفَقُوا على اسْتِحَالَةِ الْكَذِبِ وَالْخَطَأِ فيه وَثَالِثُهَا في الْأَحْكَامِ وَالْفَتْوَى وَالْإِجْمَاعُ على عِصْمَتِهِمْ فيها وَلَوْ في حَالِ الْغَضَبِ بَلْ يُسْتَدَلُّ بِشِدَّةِ غَضَبِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم على تَحْرِيمِ ذلك الشَّيْءِ
- وَرَابِعُهَا في أَفْعَالِهِمْ وَسِيَرِهِمْ فَأَمَّا الْكَبَائِرُ فَحَكَى الْقَاضِي إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا على عِصْمَتِهِمْ فيها وَيَلْحَقُ بها ما يُزْرِي بِمَنَاصِبِهِمْ كَرَذَائِلِ الْأَخْلَاقِ وَالدَّنَاءَاتِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا في الطَّرِيقِ هل هو الشَّرْعُ أو الْعَقْلُ فقالت الْمُعْتَزِلَةُ وَبَعْضُ أَئِمَّتِنَا يَسْتَحِيلُ وُقُوعُهَا منهم عَقْلًا لِأَنَّهَا مُنَفِّرَةٌ عن الِاتِّبَاعِ وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الْبُرْهَانِ عن طَبَقَاتِ الْخَلْقِ قال وَإِلَيْهِ مَصِيرُ جَمَاهِيرِ أَئِمَّتِنَا وقال ابن فُورَكٍ إنَّ ذلك مُمْتَنِعٌ من مُقْتَضَى الْمُعْجِزَةِ وقال الْقَاضِي عِيَاضٌ إنَّهَا مُمْتَنِعَةٌ سَمْعًا وَالْإِجْمَاعُ دَلَّ عليه وَلَوْ رَدَدْنَا إلَى الْعَقْلِ فَلَيْسَ فيه ما يُحِيلُهَا وَاخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَإِلْكِيَا وابن بَرْهَانٍ وقال ابن الْقُشَيْرِيّ إنَّهُ الْمُسْتَقِيمُ على أُصُولِنَا وقال الْمُقْتَرِحُ إنَّهُ الصَّوَابُ لِأَنَّهُ ليس في الْعَقْلِ ما يُحِيلُهُ وَجَعَلَ الْهِنْدِيُّ الْخِلَافَ فِيمَا إذَا لم يُسْنِدْهُ إلَى الْمُعْجِزَةِ في التَّحَدِّي فَإِنْ أَسْنَدَهُ إلَيْهَا كان امْتِنَاعُهُ عَقْلًا الْعِصْمَةُ من الصَّغَائِرِ وَأَمَّا الصَّغَائِرُ التي لَا تُزْرِي بِالْمَنَاصِبِ وَلَا تَقْدَحُ في فَاعِلِهَا فَفِي جَوَازِهَا خِلَافٌ من حَيْثُ السَّمْعُ مَبْنِيٌّ أَوَّلًا على ثُبُوتِ الصَّغِيرَةِ في نَفْسِهَا فَمَنْ نَفَاهَا كَالْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ من حَيْثُ النَّظَرُ إلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِ الْآمِرِ فَلَا تَجُوزُ عِنْدَهُ عليهم وَالْعَجَبُ أَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ في الْإِرْشَادِ وَافَقَ الْأُسْتَاذَ على مَنْعِ تَصَوُّرِ الصَّغَائِرِ في الذُّنُوبِ وَخَالَفَهُ هُنَا وَالصَّحِيحُ تَصَوُّرُهَا وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهِ هل تَجُوزُ عليهم وإذا جَازَتْ فَهَلْ وَقَعَتْ منهم أَمْ لَا وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَإِلْكِيَا عن الْأَكْثَرِينَ الْجَوَازَ عَقْلًا قال ابن السَّمْعَانِيِّ وَأَمَّا السَّمَاعُ فَأَبَاهُ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالصَّحِيحُ صِحَّةُ وُقُوعِهَا منهم وَتُتَدَارَكُ بِالتَّوْبَةِ ا هـ وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن الْقُشَيْرِيّ عن الْأَكْثَرِينَ عَدَمَ الْوُقُوعِ قال وَأَوَّلُوا تِلْكَ الْآيَاتِ وَحَمَلُوهَا على ما قبل النُّبُوَّةِ وَعَلَى تَرْكِ الْأَوْلَى وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الذي ذَهَبَ إلَيْهِ الْمُحَصِّلُونَ أَنَّهُ ليس في الشَّرْعِ قَاطِعٌ في ذلك نَفْيًا وَإِثْبَاتًا وَالظَّوَاهِرُ مُشْعِرَةٌ بِالْوُقُوعِ وَنَسَبَ الْإِبْيَارِيُّ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ الْوُقُوعَ في الْجُمْلَةِ وَالْقَائِلُونَ بِالْجَوَازِ قالوا لَا يُقَرُّونَ عليه وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ تَجْوِيزَ الصَّغَائِرِ وَوُقُوعَهَا عن جَمَاعَةٍ من السَّلَفِ وَمِنْهُمْ أبو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ وَجَمَاعَةٍ من الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وقال في الْإِكْمَالِ إنَّهُ مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ وَلَا بُدَّ من تَنْبِيهِهِمْ عليه إمَّا في الْحَالِ على رَأْيِ جُمْهُورِ الْمُتَكَلِّمِينَ أو قبل وَفَاتِهِمْ على رَأْيِ بَعْضِهِمْ وَالْمُخْتَارُ امْتِنَاعُ ذلك عليهم وَأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ من الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ جميعا وَعَلَيْهِ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ وأبو بَكْرِ بن مُجَاهِدٍ وابن فُورَكٍ كما نَقَلَهُ
- عنهما ابن حَزْمٍ في كِتَابِهِ الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ وقال إنَّهُ الذي نَدِينُ اللَّهَ بِهِ وَاخْتَارَهُ ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ وَنَقَلَهُ في الْوَجِيزِ عن اتِّفَاقِ الْمُحَقِّقِينَ وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ في زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ عن الْمُحَقِّقِينَ وقال الْقَاضِي الْحُسَيْنُ في أَوَّلِ الشَّهَادَاتِ من تَعْلِيقِهِ إنَّهُ الصَّحِيحُ من مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا وَإِنْ وَرَدَ فيه شَيْءٌ من الْخَبَرِ حُمِلَ على تَرْكِ الْأَوْلَى وقال الْقَاضِي عِيَاضٌ على ما قبل النُّبُوَّةِ أو فَعَلُوهُ بِتَأْوِيلٍ وهو قَوْلُ أبي الْفَتْحِ الشِّهْرِسْتَانِيّ وَالْقَاضِي عِيَاضٍ وَالْقَاضِي أبي مُحَمَّدٍ بن عَطِيَّةَ الْمُفَسِّرِ فقال عِنْدَ قَوْله تَعَالَى وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ الذي أَقُولُ بِهِ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ من الْجَمِيعِ وَأَنَّ قَوْلَ الرَّسُولِ إنِّي لَأَتُوبُ في الْيَوْمِ وَأَسْتَغْفِرُ سَبْعِينَ مَرَّةً إنَّمَا هو رُجُوعُهُ من حَالَةٍ إلَى أَرْفَعَ منها لِمَزِيدِ عُلُومِهِ وَاطِّلَاعِهِ على أَمْرِ اللَّهِ فَهُوَ يَتُوبُ من الْمَنْزِلَةِ الْأُولَى إلَى الْأُخْرَى وَالتَّوْبَةُ هُنَا لُغَوِيَّةٌ وَاخْتَارَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الْعِصْمَةَ منها عَمْدًا وَجَوَّزَهَا سَهْوًا وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عن بَعْضِ أَئِمَّتِهِمْ أَنَّهُ على الْقَوْلَيْنِ تَجُبُّ الْعِصْمَةُ من تَكْرَارِ الصَّغَائِرِ لِالْتِحَاقِهَا حِينَئِذٍ بِالْكَبَائِرِ وَنَقَلَ الْإِجْمَاعَ على الْعِصْمَةِ عن الصَّغِيرَةِ الْمُفْضِيَةِ لِلْخِسَّةِ وَسُقُوطِ الْمُرُوءَةِ وَالْحِشْمَةِ قال بَلْ الْمُبَاحُ إذَا أَدَّى إلَى ذلك كان مَعْصُومًا منه وَنُقِلَ عن بَعْضِهِمْ أَنَّهُ أَوْجَبَ الْعِصْمَةَ عِنْدَ قَصْدِ الْمَكْرُوهِ مَعْنَى الْعِصْمَةِ ثُمَّ الْقَائِلُونَ بِالْعِصْمَةِ اخْتَلَفُوا في مَعْنَاهَا فَقِيلَ الْمَعْصُومُ من لَا يُمْكِنُهُ الْإِتْيَانُ بِالْمَعَاصِي وَقِيلَ يُمْكِنُهُ ثُمَّ الْأَوَّلُونَ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ إنَّهُ يَخْتَصُّ في نَفْسِهِ أو بَدَنِهِ بِخَاصِّيَّةٍ تَقْتَضِي امْتِنَاعَ إقْدَامِهِ عليها وَقِيلَ هو مُسَاوٍ لِغَيْرِهِ في خَوَاصِّ بَدَنِهِ وَلَكِنْ فَسَّرَ الْعِصْمَةَ بِالْقُدْرَةِ على الطَّاعَةِ وَعَدَمِ الْقُدْرَةِ على الْمَعْصِيَةِ وهو قَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ حَكَاهُ في الْمَحْصُولِ وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ لِإِمْكَانِ الْوُقُوعِ مع أَنَّ اللَّهَ مَنَعَهُمْ منها بِأَلْطَافِهِ بِهِمْ من صَرْفِ دَوَاعِيهِمْ عنها بِمَا يُلْهِمُهُمْ إيَّاهُ من تَرْغِيبٍ أو تَرْهِيبٍ أو كَمَالِ مَعْرِفَةٍ وَنَحْوِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى قُلْ إنِّي أَخَافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ وقال التِّلِمْسَانِيُّ الْمَعْنِيُّ بِالْعِصْمَةِ عِنْدَ الْأَشْعَرِيَّةِ تَهْيِئَةُ الْعَبْدِ لِلْمُوَافَقَةِ مُطْلَقًا وَذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى خَلْقِ الْقُدْرَةِ على كل
- طَاعَةٍ أُمِرُوا بها وَالْقُدْرَةُ تُقَارِنُ وُقُوعَ الْمَقْدُورِ كما قالوا إنَّ التَّوْفِيقَ خَلْقُ الْقُدْرَةِ على الطَّاعَةِ فَإِذَنْ الْعِصْمَةُ تَوْفِيقٌ عَامٌّ وَرَدَّتْ الْمُعْتَزِلَةُ الْعِصْمَةَ إلَى خَلْقِ أَلْطَافٍ تُقَرِّبُ فِعْلَ الطَّاعَةِ ولم يَرُدُّوهَا إلَى الْقُدْرَةِ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ عِنْدَهُمْ على الشَّيْءِ حَاصِلَةٌ لِضِدِّهِ قال الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وَلَا تُطْلَقُ الْعِصْمَةُ في غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ على وَجْهِ التَّعْظِيمِ لهم في التَّحَمُّلِ بِمَا يُؤَدُّونَهُ عن اللَّهِ تَعَالَى قُلْت وَوَقَعَ في كَلَامِ الشَّافِعِيِّ في الرِّسَالَةِ وَأَسْأَلُهُ الْعِصْمَةَ مَسْأَلَةٌ وُقُوعُ النِّسْيَانِ من النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَأَمَّا النِّسْيَانُ فَلَا امْتِنَاعَ في تَجْوِيزِ وُقُوعِهِ من الْأَنْبِيَاءِ فِيمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّكْلِيفِ قال ابن عَطِيَّةَ وَكَذَلِكَ ما أَرَادَ اللَّهُ من نَبِيِّهِ نِسْيَانَهُ ولم يُرِدْ أَنْ يُكْتَبَ قُرْآنًا وَأَمَّا ما يَتَعَلَّقُ بِالتَّكْلِيفِ فَاخْتَلَفُوا فيه قال ابن الْقُشَيْرِيّ وَاَلَّذِي نَقْطَعُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ وُقُوعُهُ عَقْلًا إلَّا أَنْ نَقُولَ النبي لَا يَقَعُ في نِسْيَانٍ وَنُقِيمُ الْمُعْجِزَةَ عليه وإذا ثَبَتَ جَوَازُهُ عَقْلًا فَالظَّوَاهِرُ تَدُلُّ على وُقُوعِهِ وقال قَوْمٌ لَا يُقَرُّونَ عليه بَلْ يُنَبَّهُونَ على قُرْبٍ وَهَذَا لَا يَحْصُلُ فيه وَلَا يَمْتَنِعُ التَّرَاخِي في التَّقْرِيرِ عليه وَلَكِنَّ لَا يَنْقَرِضُ زَمَانُهُمْ وَهُمْ مُسْتَمِرُّونَ على النِّسْيَانِ وَادَّعَى فيه الْإِجْمَاعَ لِلْمُسْلِمِينَ قال ابن الْقُشَيْرِيّ ما أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ فَنَسِيَ فَالْحُكْمُ كما قال فَأَمَّا ما أُمِرَ بِهِ ثُمَّ نَسِيَ فَلَا أُبَعِّدُ أَنْ يَنْسَى ثُمَّ لَا يَتَذَكَّرُ حتى يَنْقَرِضَ زَمَانُهُ وهو مُسْتَمِرٌّ على النِّسْيَانِ مِثْلُ أَنْ يَنْسَى صَلَاةً ثُمَّ لَا يَتَذَكَّرُهَا ا هـ وَفَصَّلَ ابن عَطِيَّةَ في الْكَلَامِ على النَّسْخِ بين ما لَا يَحْفَظُهُ أَحَدٌ من الصَّحَابَةِ فَالنَّبِيُّ مَعْصُومٌ من النِّسْيَانِ قبل التَّبْلِيغِ وَبَعْدَهُ فَإِنْ حَفِظَهُ جَازَ عليه ما يَجُوزُ على الْبَشَرِ لِأَنَّهُ قد بَلَّغَ وَأَدَّى الْأَمَانَةَ وَمِنْهُ قَوْلُ أبي حَسِبْت أنها رُفِعَتْ فقال النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لم تُرْفَعْ وَلَكِنْ نُسِّيتُهَا وقال ذَهَبَ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ وَكَثِيرٌ من الْأَئِمَّةِ إلَى امْتِنَاعِ النِّسْيَانِ وَذَهَبَ الْقَاضِي إلَى جَوَازِهِ وَأَمَّا الْإِمَامُ الرَّازِيَّ فَادَّعَى في بَعْضِ كُتُبِهِ الْإِجْمَاعَ على الِامْتِنَاعِ وَحَكَى الْخِلَافَ في بَعْضِهَا قال الشَّيْخُ كَمَالُ الدِّينِ بن الزَّمْلَكَانِيِّ الظَّاهِرُ أَنَّ ما طَرِيقُهُ التَّبْلِيغُ فيه مِمَّا يُقْطَعُ
- بِدُخُولِهِ تَحْتَ دَلَالَةِ الْمُعْجِزَةِ على الصِّدْقِ فَهَذَا هو مَحَلُّ الْإِجْمَاعِ وما طَرِيقُهُ التَّبْلِيغُ وَالْبَيَانُ لِلشَّرَائِعِ فَهُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ فَيُحْمَلُ كَلَامُ الرَّازِيَّ على ذلك وقد أَشَارَ إلَى هذا التَّفْصِيلِ الْقَاضِي وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُمَا وَحَاصِلُ الْخِلَافِ يَرْجِعُ إلَى أَنَّ ذلك هل هو دَاخِلٌ تَحْتَ دَلَالَةِ الْمُعْجِزَةِ على التَّصْدِيقِ أَمْ لَا فَمَنْ جَعَلَهُ دَاخِلًا فيها مَنَعَهُ وقال لو جَازَ تَبَعَّضَتْ دَلَالَةُ الْمُعْجِزَةِ على التَّصْدِيقِ وَمَنْ جَعَلَهُ غير دَاخِلٍ فيها جَوَّزَهُ لِعَدَمِ انْتِقَاصِ الدَّلَالَةِ وَأَمَّا الْقَاضِي عِيَاضٌ فَحَكَى الْإِجْمَاعَ على امْتِنَاعِ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ في الْأَقْوَالِ الْبَلَاغِيَّةِ وَخَصَّ الْخِلَافَ بِالْأَفْعَالِ وَأَنَّ الْأَكْثَرِينَ ذَهَبُوا إلَى الْجَوَازِ وَأَنَّ الْمَانِعِينَ تَأَوَّلُوا الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ في سَهْوِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم على أَنَّهُ تَعَمَّدَ ذلك لِيَقَعَ النِّسْيَانُ فيه بِالْفِعْلِ وَخَطَّأَهُمْ في ذلك لِتَصْرِيحِهِ عليه السَّلَامُ بِالنِّسْيَانِ بِقَوْلِهِ إنَّمَا أنا بَشَرٌ أَنْسَى كما تَنْسَوْنَ فإذا نَسِيت فَذَكِّرُونِي وَلِأَنَّ الْأَفْعَالَ الْعَمْدِيَّةَ تُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَالْبَيَانُ كَافٍ بِالْقَوْلِ فَلَا ضَرُورَةَ إلَى الْفِعْلِ وَحَيْثُ قُلْنَا بِالْجَوَازِ فَالشَّرْطُ بِالِاتِّفَاقِ أَنْ لَا يُقَرَّ أَحَدُهُمْ عليه فِيمَا طَرِيقُهُ الْبَلَاغُ لِمَا يُؤَدِّي ذلك إلَيْهِ من فَوَاتِ الْمَقْصُودِ بِالتَّشْرِيعِ وَاشْتَرَطَ الْجُمْهُورُ اتِّصَالًا لِتَنْبِيهٍ بِالْوَاقِعَةِ وَمِيلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ إلَى جَوَازِ التَّأْخِيرِ قال الْقَاضِي عِيَاضٌ وَأَمَّا الْأَقْوَالُ فَلَا خِلَافَ في امْتِنَاعِ ذلك فيها وفي السُّنَنِ من حديث عبد اللَّهِ بن عَمْرِو بن الْعَاصِ قُلْت يا رَسُولَ اللَّهِ أَكْتُبُ كُلَّ ما أَسْمَعُ مِنْك قال نعم قُلْت في الرِّضَا وَالْغَضَبِ قال نعم فَإِنِّي لَا أَقُولُ إلَّا حَقًّا قال وَتَنْزِيهُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم عن ذلك كُلِّهِ وَاجِبٌ بُرْهَانًا وَإِجْمَاعًا كما قَالَهُ الْأُسْتَاذُ وفي كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ ما يَقْتَضِي وُجُودَ خِلَافٍ فيه وهو مُؤَوَّلٌ على ما ليس طَرِيقُهُ الْبَلَاغَ وقال الرَّازِيَّ في تَفْسِيرِهِ وَأَمَّا ما يَتَعَلَّقُ بِالتَّبْلِيغِ فَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ على الْعِصْمَةِ فيه من الْكَذِبِ وَالتَّحْرِيفِ عَمْدًا وَسَهْوًا وَمِنْهُمْ من جَوَّزَهُ سَهْوًا وَلَا يَحْسُنُ حِكَايَةُ الْخِلَافِ بَعْدَ إجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَالصَّوَابُ ما قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَكَلَامُهُ مُوَافِقٌ لِجُمْهُورِ الْأُمَّةِ في ذلك
- ثُمَّ قال الْقَاضِي وَأَمَّا ما ليس سَبِيلُهُ الْبَلَاغَ وَلَا تَعَلُّقَ له بِالْوَحْيِ وَلَا بِالْأَحْكَامِ فَاَلَّذِي يَجِبُ اعْتِقَادُهُ تَنْزِيهُ النبي عن أَنْ يَقَعَ خَبَرُهُ في شَيْءٍ من ذلك كُلِّهِ بِخِلَافِ مَخْبَرِهِ لَا عَمْدًا وَلَا سَهْوًا وَلَا غَلَطًا وَأَنَّهُ مَعْصُومٌ من ذلك كُلِّهِ في كل حَالٍ رِضَاهُ وَغَضَبِهِ وَمِزَاحِهِ لِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَالصَّحَابَةِ على تَصْدِيقِهِ في جَمِيعِ أَحْوَالِهِ وَتَلَقِّيهِ بِالْقَبُولِ وَالْعَمَلِ عِصْمَةُ الْمَلَائِكَةِ هذا كُلُّهُ في الْأَنْبِيَاءِ أَمَّا الْمَلَائِكَةُ فَقَدْ تَكَلَّمَ الْقَاضِي على عِصْمَتِهِمْ وقال أَمَّا الرُّسُلُ منهم فَالْقَوْلُ فِيهِمْ كَالْقَوْلِ في الْأَنْبِيَاءِ وقال هُمْ في حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ كَالْأَنْبِيَاءِ في حَقِّ الْأُمَمِ قال ابن الْقُشَيْرِيّ وَلَعَلَّهُ بَنَى هذه اللَّفْظَةَ على تَفْضِيلِهِ الْمَلَائِكَةَ على الرُّسُلِ من بَنِي آدَمَ وَأَمَّا من عَدَّ الرُّسُلَ من الْمَلَائِكَةِ فقال قَوْمٌ بِثُبُوتِ عِصْمَتِهِمْ وَمِنْهُمْ من خَصَّهُ بِالْمُقَرَّبِينَ منهم كَالْحَمَلَةِ وَالْكَرُوبِيِّينَ وَنَحْوِهِمْ وَنَقَلَ ابن السَّمْعَانِيِّ في الْعِصْمَةِ عن الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ قال وَعِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُ يَصِحُّ وُقُوعُ ذلك منهم بِدَلِيلِ قِصَّةِ إبْلِيسَ وقد كان من الْمَلَائِكَةِ فَرْعٌ هل يَجُوزُ أَنْ يَخْلَعَ اللَّهُ نَبِيًّا من النُّبُوَّةِ ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ إنْ قِيلَ هل يَجُوزُ أَنْ يَخْلَعَ اللَّهُ نَبِيًّا من النُّبُوَّةِ قُلْنَا هذا لَا يَمْتَنِعُ عَقْلًا فإن اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشَاءُ وَيَحْكُمُ ما يُرِيدُ قال فَإِنْ قِيلَ لو خَلَعَ كَيْفَ يَكُونُ أَحْوَالُ تِلْكَ الْمُعْجِزَاتِ قُلْنَا كانت تُرَدُّ إذَنْ أو تُزَالُ وَأَمَّا شَرْعًا فَمَنْ ثَبَتَتْ له الْعِصْمَةُ لَا تَزُولُ عنه قال وَلَا مُعَوَّلَ على ما نَقَلَهُ الضُّعَفَاءُ من أَنَّ بَلْعَمَ بن بَاعُورَاءَ كان نَبِيًّا فَخَلَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى فإن ذلك ضَعِيفٌ لَا يَصِحُّ مَسْأَلَةٌ جَوَازُ الْإِغْمَاءِ على الْأَنْبِيَاءِ أَطْلَقَ أَصْحَابُنَا الْفُقَهَاءُ جَوَازَ الْإِغْمَاءِ على الْأَنْبِيَاءِ لِأَنَّهُ مَرَضٌ وَنَقَلَ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ في تَعْلِيقِهِ في كِتَابِ الصِّيَامِ عن الدَّرْكِ أَنَّ الْإِغْمَاءَ إنَّمَا يَجُوزُ على الْأَنْبِيَاءِ سَاعَةً وَسَاعَتَيْنِ فَأَمَّا الشَّهْرُ وَالشَّهْرَانِ فَلَا يَجُوزُ كَالْجُنُونِ
- مَسْأَلَةٌ وُقُوعُ الْمُحَرَّمِ وَالْمَكْرُوهِ من النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم يَمْتَنِعُ فِعْلُ الْمُحَرَّمِ عليه لِمَا بَيَّنَّا من الْعِصْمَةِ وَكَذَلِكَ الْمَكْرُوهُ لَا يَفْعَلُهُ لِيُبَيِّنَ بِهِ الْجَوَازَ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ فيه التَّأَسِّي لِأَنَّ الْفِعْلَ يَدُلُّ على الْجَوَازِ فإذا فَعَلَهُ اُسْتُدِلَّ بِهِ على جَوَازِهِ وَانْتَفَتْ الْكَرَاهَةُ وَقِيلَ بَلْ فِعْلُ الْمَكْرُوهِ في حَقِّهِ في تِلْكَ الْحَالَةِ أَفْضَلُ لِأَجْلِ تَكْلِيفِهِ الْبَيَانَ وقد لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْفِعْلِ وقد صَرَّحَ بِذَلِكَ أَصْحَابُنَا في وُضُوئِهِ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ وَنُقِلَ عن الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُمْ حَمَلُوا وُضُوءَهُ بِسُؤْرِ الْهِرِّ على بَيَانِ الْجَوَازِ مع الْكَرَاهَةِ تَنْبِيهٌ شَرْطُ إلْحَاقِ فِعْلِهِ بِقَوْلِهِ شَرَطَ الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ في كِتَابِهِ كَوْنَ فِعْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم مُلْحَقًا بِقَوْلِهِ أَنْ يَجْمَعَهُمْ عليه أو بَعْضَهُمْ أو يَفْعَلَهُ بِنَفْسِهِ هو وَيُظْهِرَهُ لهم لِيَأْخُذُوهُ عنه يَعْنِي فَإِنْ لم يَكُنْ كَذَلِكَ كان مَخْصُوصًا بِهِ قُلْت وَكَذَلِكَ ما كان يَفْعَلُهُ في خَلَوَاتِهِ من الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ وَلِهَذَا كان أَهْلُهُ يَفْعَلُونَهُ وَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ في إظْهَارِ الْبَيَانِ كما في الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ وَالِاغْتِسَالِ من الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَمِنْ ذلك اسْتِدْبَارُهُ الْكَعْبَةَ في الْبُنْيَانِ وَنَحْوِهِ وَشَرَطَ صَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ أَنْ يَكُونَ لَوْلَا مُبَاشَرَةُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم له ما كنا نَفْعَلُهُ وَإِنَّمَا نَفْعَلُهُ لِأَجْلِ أَنَّهُ فَعَلَهُ لِأَنَّهُ لو دَلَّ على الْفِعْلِ دَلِيلٌ آخَرُ غَيْرُ فِعْلِهِ لم نَكُنْ مُتَأَسِّينَ أَقْسَامُ الْأَفْعَالِ وَأَمَّا تَقْسِيمُ الْأَفْعَالِ فَفِعْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم يَنْقَسِمُ إلَى أَقْسَامٍ أَحَدُهَا ما كان من هَوَاجِسِ النَّفْسِ وَالْحَرَكَاتِ الْبَشَرِيَّةِ كَتَصَرُّفِ الْأَعْضَاءِ وَحَرَكَاتِ الْجَسَدِ قال ابن السَّمْعَانِيِّ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ أَمْرٌ بِامْتِنَاعٍ وَلَا نَهْيٌ عن مُخَالَفَةٍ أَيْ وَإِنَّمَا يَدُلُّ على الْإِبَاحَةِ الثَّانِي ما لَا يَتَعَلَّقُ بِالْعِبَادَاتِ وَوَضَحَ فيه أَمْرُ الْجِبِلَّةِ كَأَحْوَالِهِ في قِيَامِهِ وَقُعُودِهِ وَالْمَشْهُورُ في كُتُبِ الْأُصُولِ أَنَّهُ يَدُلُّ على الْإِبَاحَةِ وَنَقَلَ الْقَاضِي عن قَوْمٍ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ بِخُصُوصِهِ وَكَذَلِكَ حَكَاهُ الْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ وقد كان ابن عُمَرَ لَمَّا حَجَّ جَرَّ خِطَامَ نَاقَتِهِ حتى بَرَّكَهَا حَيْثُ بَرَكَتْ نَاقَةُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم تَبَرُّكًا بِآثَارِهِ الظَّاهِرَةِ الثَّالِثُ ما احْتَمَلَ أَنْ يَخْرُجَ عن الْجَبَلِيَّةِ إلَى التَّشْرِيعِ بِمُوَاظَبَتِهِ على وَجْهٍ خَاصٍّ
- كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَاللُّبْسِ وَالنَّوْمِ وهو دُونَ ما ظَهَرَ منه قَصْدُ الْقُرْبَةِ وَفَوْقَ ما ظَهَرَ فيه الْجِبِلِّيَّةُ وقد يَخْرُجُ فيه قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ من الْقَوْلَيْنِ في تَعَارُضِ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ إذْ الْأَصْلُ عَدَمُ التَّشْرِيعِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ شَرْعِيٌّ لِكَوْنِهِ مَنْصُوبًا لِبَيَانِ الشَّرْعِيَّاتِ وقد جاء عن الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قال لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ اسْقِنِي قَائِمًا فإن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم شَرِبَ قَائِمًا وقد صَرَّحَ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ بِحِكَايَةِ الْخِلَافِ وَفِيهِ وَجْهَانِ لِلْأَصْحَابِ أَحَدُهُمَا وهو قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّهُ يَصِيرُ سُنَّةً وَشَرِيعَةً وَيُتَّبَعُ وَالْأَصْلُ فيه أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ على إبَاحَةِ ذلك وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يُتَّبَعُ فيه إلَّا بِدَلِيلٍ هَكَذَا حَكَى الْخِلَافَ في شَرْحِ التَّرْتِيبِ وقال في كِتَابِهِ في الْأُصُولِ يُعْلَمُ تَحْلِيلُهُ على أَظْهَرِ الْوَجْهَيْنِ وَيُتَوَقَّفُ فيه في الْوَجْهِ الْآخَرِ على الْبَيَانِ وَهَكَذَا حَكَى الْخِلَافَ إلْكِيَا وَعَلَّلَ الْوَقْتَ بِأَنَّ الْفِعْلَ لَا يَدُلُّ على جَوَازِ الْإِيقَاعِ وَالْمَصَالِحُ مُخْتَلِفَةٌ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْمُكَلَّفِينَ قال وفي هذا نَظَرٌ لِلْأُصُولِيِّينَ مُتَّجَهٌ إلَّا أَنَّ الذي عليه الْأَكْثَرُونَ أَنَّهُ مُبَاحٌ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وقد سُئِلَتْ أُمُّ سَلَمَةَ عن الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ فَأَجَابَتْ بِأَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لم يَكُنْ يَبْتَعِدُ عن ذلك ا هـ وَجَزَمَ ابن الْقَطَّانِ بِأَنَّهُ على الْإِبَاحَةِ وَكَذَلِكَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ في كِتَابِ الْقَضَاءِ حتى يَقُومَ دَلِيلٌ على اخْتِصَاصِهِ بِهِ وفي الصَّحِيحِ عن عُبَيْدِ بن جُرَيْجٍ قال قُلْت لِابْنِ عُمَرَ رَأَيْتُك تَصْنَعُ أَرْبَعًا وَفِيهَا رَأَيْتُك تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ فقال رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم يَلْبَسُهَا وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ في بَابِ الِاقْتِدَاءِ بِالنَّبِيِّ صلى اللَّهُ عليه وسلم حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم اتَّخَذَ خَاتَمًا من ذَهَبٍ فَاِتَّخَذَ الناس خَوَاتِيمَ من ذَهَبٍ فَنَبَذَهُ وقال إنِّي لم أَلْبَسْهُ أَبَدًا فَنَبَذَ الناس خَوَاتِيمَهُمْ
- وَيَخْرُجُ من كَلَامِ الْفُقَهَاءِ ما يَقْتَضِي انْقِسَامَ هذا الْقِسْمِ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا ما يَتَرَقَّى إلَى الْوُجُوبِ كَإِيجَابِ الشَّافِعِيِّ الْجُلُوسَ بين الْخُطْبَتَيْنِ لِأَنَّهُ عليه السَّلَامُ كان يَجْلِسُ بين الْخُطْبَتَيْنِ وَثَانِيهَا ما يَتَرَقَّى إلَى النَّدْبِ كَاسْتِحْبَابِ أَصْحَابِنَا الِاضْطِجَاعَ على الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ بين رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ سَوَاءٌ كان الْمَرْءُ تَهَجَّدَ أو لَا لِقَوْلِ عَائِشَةَ كان النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم إذَا صلى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ اضْطَجَعَ على شِقِّهِ الْأَيْمَنِ وَأَمَّا حَدِيثُ الْأَمْرِ بِهِ فَمَعْلُولٌ ثَالِثُهَا ما يَجِيءُ فيه خِلَافٌ كَدُخُولِهِ مَكَّةَ من ثَنِيَّةِ كَدَاءَ وَخُرُوجِهِ من ثَنِيَّةِ كَدَاءَ وَحَجِّهِ رَاكِبًا وَذَهَابِهِ إلَى الْعِيدِ في طَرِيقٍ وَرُجُوعِهِ في أُخْرَى وقد اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في هذا هل يُحْمَلُ على الْجِبِلِّيِّ فَلَا يُسْتَحَبُّ أو على الشَّرْعِيِّ فَيُسْتَحَبُّ على وَجْهَيْنِ وقال أبو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ إذَا فَعَلَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فِعْلًا لِمَعْنًى ولم يَكُنْ مُخْتَصًّا بِهِ فَعَلْنَاهُ وَمِنْ طَرِيقٍ الْأَوْلَى إذَا عَرَفْنَا أَنَّهُ فَعَلَهُ لِمَعْنًى يُشَارِكُهُ فيه غَيْرُهُ وقال أبو عَلِيِّ بن أبي هُرَيْرَةَ نَفْعَلُهَا اتِّبَاعًا له سَوَاءٌ عَرَفْنَا أَنَّهُ لِمَعْنًى يَخْتَصُّ بِهِ أَمْ لَا وقال الرَّافِعِيُّ الذي مَالَ إلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ قَوْلُ ابْنِ أبي هُرَيْرَةَ ذَكَرَهُ في اسْتِحْبَابِ تَخَالُفِ الطَّرِيقَيْنِ في الْعِيدِ وَعَنْ الْمَاوَرْدِيِّ أَنَّ ما فَعَلَهُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لِمَعْنًى فَزَالَ ذلك الْمَعْنَى فيه وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا قَالَهُ أبو إِسْحَاقَ لَا يُفْعَلُ إلَّا بِدَلِيلٍ وَالثَّانِي قَالَهُ ابن أبي هُرَيْرَةَ يُفْعَلُ وقال ابن الصَّبَّاغِ في صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ من الشَّامِلِ قال أبو إِسْحَاقَ إذَا عَقَلْنَا مَعْنَى ما فَعَلَهُ وكان بَاقِيًا أو لم نَعْقِلْ مَعْنَاهُ فَإِنَّا نَقْتَدِي بِهِ فيه فَأَمَّا إذَا عَقَلْنَا مَعْنَى فِعْلِهِ ولم يَكُنْ الْغَرَضُ بِهِ بَاقِيًا لم نَفْعَلْهُ لِزَوَالِ مَعْنَاهُ وقال ابن أبي هُرَيْرَةَ نَقْتَدِي بِهِ
- وَإِنْ زَالَ مَعْنَاهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَاتَّبِعُوهُ الْآيَةَ لِأَنَّهُ كان يَفْعَلُ الرَّمَلَ وَالِاضْطِبَاعَ لِإِظْهَارِ الْقُوَّةِ من الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ صَارَ سُنَّةً وَإِنْ زَالَ مَعْنَاهُ وَبَقِيَ قِسْمٌ آخَرُ وهو أَنْ لَا يُعْلَمَ السَّبَبُ وقال النَّوَوِيُّ في الرَّوْضَةِ يُسْتَحَبُّ التَّأَسِّي قَطْعًا الرَّابِعُ ما عُلِمَ اخْتِصَاصُهُ بِهِ كَالضُّحَى وَالْوِتْرِ وَالْمُشَاوَرَةِ وَالتَّخْيِيرِ لِنِسَائِهِ وَالْوِصَالِ وَالزِّيَادَةِ على أَرْبَعٍ فَلَا يُشَارِكُهُ فيه غَيْرُهُ وَتَوَقَّفَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في أَنَّهُ هل يَمْتَنِعُ التَّأَسِّي بِهِ وقال ليس عِنْدَنَا نَقْلٌ لَفْظِيٌّ أو مَعْنَوِيٌّ في أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَقْتَدُونَ بِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم في هذا النَّوْعِ ولم يَتَحَقَّقْ عِنْدَنَا ما يَقْتَضِي ذلك فَهَذَا هو مَحَلُّ التَّوَقُّفِ وَتَابَعَهُ على ذلك ابن الْقُشَيْرِيّ وَالْمَازِرِيُّ وَفَصَّلَ الشَّيْخُ الْحَافِظُ شِهَابُ الدِّينِ أبو شَامَةَ الْمَقْدِسِيُّ في كِتَابِهِ الْمُحَقَّقِ في الْأَفْعَالِ بين الْمُبَاحِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ التَّشَبُّهُ فيه بِهِ كَالزِّيَادَةِ على أَرْبَعٍ وَبَيْنَ الْوَاجِبِ فَيُسْتَحَبُّ التَّشَبُّهُ وَكَذَلِكَ التَّنَزُّهُ عن الْمُحَرَّمِ كَأَكْلِ ذِي الرِّيحِ الْكَرِيهَةِ وَطَلَاقِ من تُكْرَهُ صُحْبَتُهُ قال وَهَذَا تَفْصِيلٌ حَسَنٌ لِمَنْ فَهِمَ الْفِقْهَ وَقَوَاعِدَهُ وَلَعَلَّ الْإِمَامَ عَنَى بِذَلِكَ أَنَّهُ لم يُنْقَلْ أَنَّ الصَّحَابَةَ فَعَلُوا ذلك بِمُجَرَّدِ الِاقْتِدَاءِ وَالتَّأَسِّي بَلْ لِأَدِلَّةٍ مُنْفَصِلَةٍ قُلْت
- وقد ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَقَسَّمَا هذا النَّوْعَ إلَى ما أُبِيحَ له وَحُظِرَ عَلَيْنَا كَالْمَنَاكِحِ وَإِلَى ما أُبِيحَ له وَكُرِهَ لنا كَالْوِصَالِ وَإِلَى ما وَجَبَ عليه وَنُدِبَ لنا كَالسِّوَاكِ وَالْوِتْرِ وَالضُّحَى الْخَامِسُ ما يَفْعَلُهُ لِانْتِظَارِ الْوَحْيِ كَابْتِدَاءِ إحْرَامِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بِالْحَجِّ حَيْثُ أَبْهَمَهُ مُنْتَظِرًا لِلْوَحْيِ فقال بَعْضُ أَصْحَابِنَا إطْلَاقُ الْإِحْرَامِ أَفْضَلُ من تَعْيِينِهِ تَأَسِّيًا وَالصَّحِيحُ خِلَافُهُ قال الْإِمَامُ في النِّهَايَةِ وَهَذَا عِنْدِي هَفْوَةٌ ظَاهِرَةٌ فإن إبْهَامَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم مَحْمُولٌ على انْتِظَارِ الْوَحْيِ قَطْعًا فَلَا مَسَاغَ لِلِاقْتِدَاءِ بِهِ في هذه الْجِهَةِ السَّادِسُ ما يَفْعَلُهُ مع غَيْرِهِ عُقُوبَةً فَلَا شَكَّ أَنَّهُ وَاجِبٌ عليه قال ابن الْقَطَّانِ وَلَا خِلَافَ فيه وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هل غَيْرُهُ مِمَّنْ يُشَارِكُهُ في الْمَعْنَى قِيَاسًا عليه أَمْ على الظَّاهِرِ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ ما يَفْعَلُهُ مع غَيْرِهِ إنْ تَعَلَّقَ بِهِ أَحَدُ طَرَفَيْهِ كَالْبُيُوعِ وَالْأَنْكِحَةِ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ مَحْمُولٌ على الْجَوَازِ في غَيْرِهِ مُسْتَدَلٌّ على إبَاحَتِهِ وَاخْتَلَفُوا في وُجُوبِ أَوْصَافِهِ على حَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِيمَا يَأْتِيهِ من عِبَادَاتِهِ وَإِنْ فَعَلَهُ بين شَخْصَيْنِ مُتَدَاعِيَيْنِ أو على جِهَةِ التَّوَسُّطِ فَهُوَ مَحْمُولٌ على الْوُجُوبِ بِلَا خِلَافٍ وَيَجْرِي مَجْرَى الْقَضَاءِ وَالْحُكْمِ قال وما تَصَرَّفَ فيه من أَمْلَاكِ الْغَيْرِ فَهُوَ بِالْإِجْمَاعِ مَوْقُوفٌ على مَعْرِفَةِ السَّبَبِ وَيَدْخُلُ فيه جَمِيعُ وُجُوهِ الِاسْتِبَاحَةِ السَّابِعُ ما يَفْعَلُهُ مع غَيْرِهِ إعْطَاءً وقد حَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهَيْنِ في أَنَّ الرَّضْخَ لِلْعَبِيدِ وَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ مُسْتَحَبٌّ أو وَاجِبٌ قال وَالْمَشْهُورُ وُجُوبُهُ لم يَتْرُكْ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم الرَّضْخَ قَطُّ وَلَنَا فيه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ الثَّامِنِ الْفِعْلُ الْمُجَرَّدُ عَمَّا سَبَقَ فَإِنْ وَرَدَ بَيَانًا كَقَوْلِهِ صَلُّوا كما رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي وخذوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ أو لِآيَةٍ كَالْقَطْعِ من الْكُوعِ الْمُبَيِّنِ لِآيَةِ السَّرِقَةِ فَهُوَ دَلِيلٌ في حَقِّنَا وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ وَاجِبٌ وَحَيْثُ وَرَدَ بَيَانًا لِمُجْمَلٍ فَحُكْمُهُ حُكْمُ ذلك الْمُجْمَلِ إنْ كان وَاجِبًا فَوَاجِبٌ وَإِنْ كان مَنْدُوبًا فَمَنْدُوبٌ كَأَفْعَالِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَصَلَاةِ الْفَرْضِ وَالْكُسُوفِ
- وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَهَذَا على الْقَوْلِ بِجَوَازِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ وَمَنْ أَبَاهُ مَنَعَ بَيَانَ الْمُجْمَلِ بِالْفِعْلِ الْمُتَأَخِّرِ عنه وَإِنْ لم يَكُنْ كَذَلِكَ بَلْ وَرَدَ مُبْتَدَأً فَإِنْ عُلِمَتْ صِفَتُهُ في حَقِّهِ من وُجُوبٍ أو نَدْبٍ وَإِبَاحَةٍ فما حُكْمُ الْأُمَّةِ فيه اخْتَلَفُوا فيه على مَذَاهِبَ أَصَحُّهَا أَنَّ أُمَّتَهُ مِثْلُهُ إلَّا أَنْ يَدُلَّ على تَخْصِيصِهِ بِهِ وَثَانِيهَا كما لم تُعْلَمْ صِفَتُهُ وهو قَوْلُ الْقَاضِي أبي بَكْرٍ وَثَالِثُهَا مِثْلُهُ في الْعِبَادَاتِ دُونَ غَيْرِهَا وَبِهِ قال أبو عَلِيِّ بن خَلَّادٍ من الْمُعْتَزِلَةِ وَرَابِعُهَا الْوَقْفُ قَالَهُ الرَّازِيَّ وَحَكَى ابن السَّمْعَانِيِّ عن أبي بَكْرٍ الدَّقَّاقِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ شَرْعًا لنا إلَّا بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عليه ثُمَّ قال ابن السَّمْعَانِيِّ هَكَذَا أَوْرَدَهُ الْأَصْحَابُ وَعِنْدِي أَنَّ ما فَعَلَهُ على جِهَةِ التَّقَرُّبِ سَوَاءٌ عُرِفَ أَنَّهُ فَعَلَهُ على جِهَةِ التَّقَرُّبِ أو لم يُعْرَفْ فإنه شَرْعٌ لنا إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ على تَخْصِيصِهِ بِهِ وقال الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أبو شَامَةَ هذه الْمَسْأَلَةُ لم يُفْصِحْ عنها الْمُحَقِّقُونَ وأنا أَقُولُ إذَا عَلِمْنَا أَنَّ فِعْلَهُ على طَرِيقِ الْوُجُوبِ فَإِنْ عَلِمْنَاهُ وَاجِبًا عليه وَعَلَيْنَا فَلَا حَاجَةَ إلَى الِاسْتِدْلَالِ بِفِعْلِهِ على أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْنَا بَلْ مَرْجِعُنَا إلَى الدَّلِيلِ الدَّالِّ على عَدَمِ خُصُوصِيَّتِهِ وَإِنْ عَلِمْنَاهُ مُخْتَصًّا بِهِ فَقَدْ مَرَّ الْكَلَامُ في خَصَائِصِهِ وَإِنْ شَكَكْنَا فَلَا دَلِيلَ على الْوُجُوبِ إلَّا أَدِلَّةُ الْقَائِلِينَ بِالْوُجُوبِ فِيمَا لم تُعْلَمْ صِفَتُهُ فَلَا حَاجَةَ إلَى فَرْضِ هذه الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ أَنَّهُ مَعْلُومُ الصِّفَةِ أَوَّلًا وَإِنْ عَلِمْنَا أَنَّهُ أَوْقَعَهُ نَدْبًا فَهُوَ على اخْتِيَارِنَا النَّدْبَ في مَجْهُولِ الصِّفَةِ أو مُبَاحًا فَهُوَ الذي لم يَظْهَرْ فيه قَصْدُ الْقُرْبَةِ ا هـ مُلَخَّصًا وَإِنْ لم نَعْلَمْ صِفَتَهُ في حَقِّهِ فَتَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ الْأَوَّلُ أَنْ يَظْهَرَ فيه قَصْدُ الْقُرْبَةِ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الْبُرْهَانِ فَذَهَبَتْ طَوَائِفُ من الْمُعْتَزِلَةِ إلَى حَمْلِهِ على الْوُجُوبِ وَبِهِ قال ابن سُرَيْجٍ وابن أبي هُرَيْرَةَ من أَصْحَابِنَا وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّهُ لَا يَدُلُّ على الْوُجُوبِ وَلَكِنْ يَقْتَضِي الِاسْتِحْبَابَ قال وفي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ ما يَدُلُّ عليه وَحَكَاهُ غَيْرُهُ عن الْقَفَّالِ وَأَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَزِيِّ وَذَهَبَ الْوَاقِفِيَّةُ إلَى الْوَقْفِ وَنَسَبَهُ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ لِأَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَيُحْكَى عن الدَّقَّاقِ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وَحَكَاهُ في اللُّمَعِ عن الصَّيْرَفِيِّ وَأَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ ولم
- يَحْكِ الْإِمَامُ قَوْلَ الْإِبَاحَةِ هَاهُنَا لِأَنَّ قَصْدَ الْقُرْبَةِ لَا يُجَامِعُ اسْتِوَاءَ الطَّرَفَيْنِ لَكِنَّ ابْنَ السَّمْعَانِيِّ حَكَاهُ حَمْلًا على أَقَلِّ الْأَحْوَالِ وَكَذَا الْآمِدِيُّ صَرَّحَ بِجَرَيَانِ الْخِلَافِ الْآتِي في الْحَالَتَيْنِ جميعا وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ بِأَنَّ الْقَصْدَ بِفِعْلِ الْمُبَاحِ جَوَازُ الْإِقْدَامِ عليه وَيُثَابُ عليه السَّلَامُ على هذا الْقَصْدِ فَهُوَ قُرْبَةٌ في حَقِّهِ بهذا الِاعْتِبَارِ الثَّانِي أَنْ لَا يَظْهَرَ فيه قَصْدُ الْقُرْبَةِ بَلْ كان مُجَرَّدًا مُطْلَقًا وَهَذَا مَوْضِعُ الْخِلَافِ الْآتِي وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ التَّحْقِيقُ فِيمَا إذَا لم يُعْرَفْ حُكْمُ ذلك الْفِعْلِ بِالنِّسْبَةِ إلَى النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ من الْعِبَادَاتِ فَهُوَ مُتَرَدِّدٌ بين الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وما كان من غَيْرِهَا وهو دُنْيَوِيٌّ كَالتَّنَزُّهِ فَهُوَ مُتَرَدِّدٌ بين الْإِبَاحَةِ وَالنَّدْبِ وَإِلَّا كان ظَاهِرًا في النَّدْبِ وَيَحْتَمِلُ الْوُجُوبَ وَأَمَّا حُكْمُ ذلك الْفِعْلِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا فَفِيهِ مَذَاهِبُ أَحَدُهَا أَنَّهُ وَاجِبٌ في حَقِّنَا وَحَقِّهِ ما لم يَمْنَعْ مَانِعٌ وَنَسَبُوهُ لِابْنِ سُرَيْجٍ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وهو زَلَلٌ في النَّقْلِ عنه وهو أَجَلُّ قَدْرًا من ذلك وَحَكَاهُ ابن الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ عن الْإِصْطَخْرِيِّ وَابْنِ خَيْرَانَ وَابْنِ أبي هُرَيْرَةَ وَالطَّبَرِيِّ وَأَكْثَرِ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا كما قَالَهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وقال سُلَيْمٌ إنَّهُ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَنَصَرَهُ ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ وقال إنَّهُ الْأَشْبَهُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لَكِنَّهُ لم يَتَكَلَّمْ إلَّا فِيمَا ظَهَرَ فيه قَصْدُ الْقُرْبَةِ وَاخْتَارَهُ أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ وَنَصَرَ أَدِلَّتَهُ قال وَأَخَذُوهُ من قَوْلِ الشَّافِعِيِّ في الرَّدِّ على أَهْلِ الْعِرَاقِ في سُنَنِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَأَوَامِرِهِ أَجْمَعْنَا أَنَّ الْأَمْرَ يَخْتَصُّ بِهِ الظَّاهِرُ فَهُوَ إذَا انْفَرَدَ بِنَفْسِهِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ في الْمَعَالِمِ وَمِنْ هذا الْبَابِ جُلُوسُهُ بين الْخُطْبَتَيْنِ يوم الْجُمُعَةِ وَلَيْسَ فيه إلَّا فِعْلُهُ عليه السَّلَامُ وَرَأَى الشَّافِعِيُّ فَسَادَ الصَّلَاةِ بِتَرْكِهِ وَالْقَوْلُ بِوُجُوبِ التَّأَسِّي في حَقِّنَا هو الصَّحِيحُ عن مَالِكٍ قَالَهُ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وابن خُوَيْزِ مَنْدَادٍ وَاخْتَارَهُ وقال عبد الْوَهَّابِ إنَّهُ اللَّائِقُ بِأُصُولِهِمْ قال الْقَرَافِيُّ وهو الذي نَقَلَهُ أَئِمَّةُ الْمَالِكِيَّةِ في كُتُبِهِمْ الْأُصُولِيَّةِ وَالْفُرُوعِيَّةِ وَفُرُوعُ الْمَذْهَبِ مَبْنِيَّةٌ عليه وَنَقَلَهُ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ عن أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِرَاقِ منهم الْكَرْخِيّ وَغَيْرُهُ ثُمَّ قال
- الْقَاضِي وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالْوُجُوبِ على طَرِيقَيْنِ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّا نُدْرِكُ الْوُجُوبَ بِالْعَقْلِ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّا نُدْرِكُهُ بِالسَّمْعِ وهو الذي أَوْرَدَهُ ابن السَّمْعَانِيِّ وقال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا أَقِيسُ من حَيْثُ الْعَقْلُ لِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فيه وَالْمُخَالِفُ يُسَلِّمُ ذلك وَلَكِنَّهُ يقول دَلِيلُ السَّمْعِ دَلَّ عليه فَيَرْجِعُ النِّزَاعُ إلَى دَلِيلِ السَّمْعِ إذَنْ لَا مُتَعَلَّقَ لهم وَالْأَلْفَاظُ دَلَّتْ على التَّأَسِّي بِهِ وَتَهْدِيدُ تَارِكِ التَّأَسِّي بِهِ وَالِاتِّبَاعِ له وَالثَّانِي أَنَّهُ مَنْدُوبٌ وهو قَوْلُ أَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي وابن الصَّبَّاغِ وَسُلَيْمٌ عن الصَّيْرَفِيِّ وَالْقَفَّالِ الْكَبِيرِ فَأَمَّا النَّقْلُ عن الْقَفَّالِ فَصَحِيحٌ فَقَدْ رَأَيْته في كِتَابِهِ وَعِبَارَتُهُ لَا تَدُلُّ على الْوُجُوبِ في حَقِّ الْأُمَّةِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَلَنَا أُسْوَةٌ بِهِ وهو غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِهِ حتى يُوقَفَ على الْخُصُوصِ وَأَمَّا الصَّيْرَفِيُّ فَسَيَأْتِي عنه الْوَقْفُ وَنَسَبَهُ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وقال ابن الْقُشَيْرِيّ في كَلَامِ الشَّافِعِيِّ ما يَدُلُّ عليه وقال الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ إنَّهُ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ وَأَطْنَبَ أبو شَامَةَ في نُصْرَتِهِ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ مُبَاحٌ وَلَا يُفِيدُ إلَّا ارْتِفَاعَ الْحَرَجِ عن الْأُمَّةِ لَا غَيْرُ وهو الرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَنَقَلَهُ الدَّبُوسِيُّ في التَّقْوِيمِ عن أبي بَكْرٍ الرَّازِيَّ وقال إنَّهُ الصَّحِيحُ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ في الْبُرْهَانِ وَأَطْنَبَ في الرَّدِّ على الْأَوَّلِينَ وَنُقِلَ عن مَالِكٍ قال الْقُرْطُبِيُّ وَلَيْسَ مَعْرُوفًا عِنْدَ أَصْحَابِهِ قال ابن الْقَطَّانِ وَنَسَبُوهُ إلَى الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ قال في كِتَابِ الْمَنَاسِكِ في صَلَاةِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَلَا أَدْرِي أَفَرْضٌ أو تَطَوُّعٌ وَلَا أَدْرِي الْفَرِيضَةُ تُجْزِئُ عنها أَمْ لَا إلَّا أَنَّ الظَّاهِرَ إنْ صَلَّاهُمَا أَنَّ عَلَيْنَا صَلَاتَهُمَا وَإِنَّمَا مَنَعَنَا من إيجَابِهِمَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الطَّوَافَ ولم يذكر الصَّلَاةَ فَدَلَّ على أَنَّ فِعْلَهُ عليه السَّلَامُ غَيْرُ وَاجِبٍ قال وَذَكَرَ أَيْضًا في الْأَمْرِ قَوْلَ عَائِشَةَ فَعَلْت أنا وَرَسُولُ اللَّهِ اغْتَسَلْنَا وقَوْله تَعَالَى وَلَا جُنُبًا إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ إنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الْجِمَاعُ وَإِنْ لم يَكُنْ معه إنْزَالٌ لِأَنَّهُ يُوجِبُ الْمَهْرَ ولم يَعُدْ إلَى حديث عَائِشَةَ بَلْ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ وَلَا جُنُبًا إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ وَبِاتِّفَاقِهِمْ على إيجَابِ الْمَهْرِ وَإِنْ لم يَكُنْ إنْزَالٌ فَكَذَلِكَ الْغُسْلُ فَلَوْ كان فِعْلُهُ عِنْدَهُ وَاجِبًا لَكَانَ أَوْلَى ما يَحْتَجُّ بِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال وَالْقَائِلُونَ بِالْوُجُوبِ أَوَّلُوا هذا إلَى قَوْلِهِمْ ا هـ الرَّابِعُ أَنَّهُ على الْوَقْفِ حتى يَقُومَ دَلِيلٌ على الْوَقْفِ وَبِهِ قال جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا ==
- =============ج15 ج15 ج15.=================================
- مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
- ج15.كتاب : البحر المحيط في أصول الفقه
- المؤلف : بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي
- منهم الصَّيْرَفِيُّ كما رَأَيْت التَّصْرِيحَ بِهِ في كِتَابِهِ الدَّلَائِلِ وَنَقَلَهُ ابن السَّمْعَانِيِّ عن أَكْثَرِ الْأَشْعَرِيَّةِ قال وَاخْتَارَهُ من أَصْحَابِنَا الدَّقَّاقُ وأبو الْقَاسِمِ بن كَجٍّ وقال ابن فُورَكٍ إنَّهُ الصَّحِيحُ وَكَذَا صَحَّحَهُ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ في شَرْحِ الْكِفَايَةِ وَنَقَلَهُ عن كَثِيرٍ من أَصْحَابِنَا منهم ابن كَجٍّ وَالدَّقَّاقُ وَالسُّرَيْجِيُّ قال وَقَالُوا لَا نَدْرِي إنَّهُ لِلْوُجُوبِ أو لِلنَّدَبِ أَوَلِلْإِبَاحَةِ لِاحْتِمَالِ هذه الْأُمُورِ كُلِّهَا وَاحْتِمَالِ أَنَّهُ من خَصَائِصِهِ وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ وَالْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وَأَتْبَاعُهُ وَنَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ عن الْأَشْعَرِيِّ وَالصَّيْرَفِيِّ وقال ابن الْقَطَّانِ هذا الْقَوْلُ بَعِيدٌ جِدًّا عن الْمَذْهَبِ إلَّا أَنَّهُ أَقْيَسُ من الذي قَبْلَهُ وَصَحَّحَهُ أبو الْخَطَّابِ من الْحَنَابِلَةِ وَذَكَرَهُ عن أَحْمَدَ قال بَعْضُهُمْ وَلِلْوَقْفِ في أَفْعَالِهِ مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا الْوَقْفُ في تَعْدِيَةِ حُكْمِهِ إلَى الْأُمَّةِ وَثُبُوتِ التَّأَسِّي وَإِنْ عُرِفَتْ جِهَةُ فِعْلِهِ وَالثَّانِي الْوَقْفُ في تَعْيِينِ جِهَةِ فِعْلِهِ من وُجُوبٍ أو اسْتِحْبَابٍ وَإِنْ كان التَّأَسِّي ثَابِتًا وهو بهذا يَئُولُ إلَى قَوْلِ النَّدْبِ وَالْخَامِسُ أَنَّهُ يَدُلُّ على الْحَظْرِ قال الْغَزَالِيُّ وَتَبِعَهُ الْآمِدِيُّ وَالْهِنْدِيُّ وهو قَوْلُ من جَوَّزَ على الْأَنْبِيَاءِ الْمَعَاصِي وهو سُوءُ فَهْمٍ فإن هذا الْقَائِلَ يقول إنَّ غَيْرَهُ يَحْرُمُ عليه اتِّبَاعُهُ فيها لَا إنْ وَقَعَ منه يَكُونُ حَرَامًا كما صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وابن الْقُشَيْرِيّ فَقَالَا ذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ اتِّبَاعُهُ وَهَذَا بِنَاءً على أَصْلِهِمْ في الْأَحْكَامِ قبل وُرُودِ الشَّرَائِعِ فَإِنَّهُمْ زَعَمُوا أنها على الْحَظْرِ ولم يَجْعَلُوا فِعْلَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم عَلَمًا في تَثْبِيتِ حُكْمٍ فَبَقِيَ الْحُكْمُ على ما كان عليه في قَضِيَّةِ الْعَقْلِ قبل وُرُودِ الشَّرَائِعِ تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ الظَّاهِرُ أَنَّ هذا الْخِلَافَ يَجْرِي في حُكْمِ الْفِعْلِ بِالنِّسْبَةِ إلَى النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ حُكْمَنَا حُكْمُهُ في الْأَفْعَالِ الْمَعْرُوفَةِ الْأَحْكَامِ ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ النَّفِيسِ قال في كِتَابِهِ الْإِيضَاحِ الذي يَظْهَرُ لي أَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّ ما يَكُونُ من الْعِبَادَاتِ فَهُوَ مُتَرَدِّدٌ بين الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وما كان من غَيْرِهَا وهو دُنْيَوِيٌّ كَالتَّنَزُّهِ فَهُوَ مُتَرَدِّدٌ بين الْإِبَاحَةِ وَالنَّدْبِ وَإِلَّا كان ظَاهِرًا في النَّدْبِ وَيَحْتَمِلُ الْوُجُوبَ وَأَمَّا كَوْنُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ وَحَكَى الْخِلَافَ السَّابِقَ الثَّانِي ما أَطْلَقُوهُ من أَنَّ الْفِعْلَ إذَا وَقَعَ بَيَانًا يَصِيرُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمُبَيِّنِ في الْوُجُوبِ أو النَّدْبِ أَثَارَ فيه ابن دَقِيقِ الْعِيدِ بَحْثًا وهو أَنَّ الْخِطَابَ الْمُجْمَلَ مُبَيَّنٌ بِأَوَّلِ الْأَفْعَالِ وُقُوعًا فإذا تَبَيَّنَ بِذَلِكَ الْفِعْلِ لم يَكُنْ ما وَقَعَ بَعْدَهُ بَيَانًا لِوُقُوعِ الْبَيَانِ بِالْأَوَّلِ فَيَبْقَى فِعْلًا
- مُجَرَّدًا لَا يَدُلُّ على الْوُجُوبِ مِثَالُهُ قَوْلُهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَصَحَّ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّهُ افْتَتَحَ الصَّلَاةَ بَعْدَ التَّكْبِيرِ بِدُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ وفي حديث عَائِشَةَ رضي اللَّهُ عنها أَنَّهُ افْتَتَحَهَا بَعْدَ التَّكْبِيرِ بِالْفَاتِحَةِ فَيَتَعَارَضَانِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ على وُقُوعِ ذلك الْفِعْلِ الْمُسْتَدَلِّ بِهِ بَيَانًا فَيَتَوَقَّفُ الِاسْتِدْلَال بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ على وُجُودِ ذلك الدَّلِيلِ بَلْ قد يَقُومُ الدَّلِيلُ على خِلَافِهِ كَرِوَايَةِ من رَأَى فِعْلًا لِلنَّبِيِّ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَسَبَقَنَا له هذه التَّقَاسِيمُ كُلُّهَا في الْأَفْعَالِ بَعْدَ السَّمْعِ وَأَمَّا أَفْعَالُهُ قبل وُرُودِ السَّمْعِ فَحُكْمُهَا مَبْنِيٌّ على أَنَّهُ مُتَعَبَّدٌ بِشَرِيعَةِ من قَبْلَنَا وَسَيَأْتِي مَسْأَلَةٌ حُكْمُ التَّأَسِّي بِالرَّسُولِ صلى اللَّهُ عليه وسلم في فِعْلِهِ التَّأَسِّي بِالنَّبِيِّ عليه السَّلَامُ وَاجِبٌ فِيمَا سِوَى خَوَاصِّهِ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وما آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وقال عُمَرُ لَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ يُقَبِّلُك ما قَبَّلْتُك وَقِيلَ إنَّ ذلك إنَّمَا يَجِبُ في الْعِبَادَاتِ وَفَسَّرُوا التَّأَسِّي بِأَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم إذَا فَعَلَ فِعْلًا على وَجْهِ الْوُجُوبِ وَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَفْعَلَهُ كَذَلِكَ وَإِنْ فَعَلَهُ على وَجْهِ الْإِبَاحَةِ أو النَّدْبِ وَجَبَ عَلَيْنَا اعْتِقَادُ أَنَّهُ كَذَلِكَ وَيَنْبَغِي أَنْ يُخَصَّ بهذا من عَرَفَ الْفِعْلَ وَحُكْمَهُ إذْ لو وَجَبَ تَحْصِيلُ الْعِلْمِ بِذَلِكَ لَكَانَ تَعَلُّمُ مَسَائِلِ الْفِقْهِ من فُرُوضِ الْأَعْيَانِ
- فصل في بَيَانِ الطُّرُقِ التي بها تُعْرَفُ جِهَةُ الْفِعْلِ من كَوْنِهِ وَاجِبًا وَمَنْدُوبًا وَمُبَاحًا لِأَنَّ وُجُوبَ الْمُتَابَعَةِ يَتَوَقَّفُ على ذلك اعْلَمْ أَنَّ فِعْلَهُ عليه السَّلَامُ يَنْحَصِرُ فِيمَا ذَكَرْنَا لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ يَمْتَنِعُ صُدُورُهُ منه إجْمَاعًا وَكَذَلِكَ الْمَكْرُوهُ عِنْدَنَا بَلْ لَا يَتَصَوَّرُ منه وُقُوعُهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَفْعَلُهُ لِقَصْدِ التَّشْرِيعِ فَهُوَ أَفْضَلُ في حَقِّهِ من التَّرْكِ وَإِنْ كان فِعْلُهُ مَكْرُوهًا لنا ثُمَّ الطَّرِيقُ قد يَعُمُّ هذه الْأُمُورَ وقد يَخُصُّ الْبَعْضَ فَالْعَامُّ أَرْبَعَةٌ أَحَدُهَا أَنْ يَنُصَّ على كَوْنِهِ من الْقِسْمِ الْفُلَانِيِّ ثَانِيهَا أَنْ يُسَوِّيَهُ بِفِعْلٍ عُلِمَتْ جِهَتُهُ ثَالِثُهَا أَنْ يَقَعَ امْتِثَالًا لِآيَةٍ مُجْمَلَةٍ دَلَّتْ على أَحَدِ هذه الثَّلَاثَةِ رَابِعُهَا أَنْ يَقَعَ بَيَانًا لِآيَةٍ مُجْمَلَةٍ دَلَّتْ على أَحَدِهَا وَأَمَّا الْخَاصُّ بِالْوُجُوبِ فَعُرِفَ بِطُرُقٍ أَحَدُهَا أَنْ يَقَعَ على صِفَةٍ تَقَرَّرَ في الشَّرْعِ أنها أَمَارَةُ الْوُجُوبِ كَالصَّلَاةِ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ثَانِيهَا أَنْ يَقَعَ قَضَاءً لِعِبَادَةٍ عُلِمَ وُجُوبُهَا عليه ثَالِثُهَا أَنْ يَقَعَ جَزَاءَ شَرْطٍ كَفِعْلِ ما وَجَبَ بِالنَّذْرِ قُلْنَا إنَّ النَّذْرَ غَيْرُ مَكْرُوهٍ رَابِعُهَا أَنْ يُدَاوِمَ على الْفِعْلِ مع عَدَمِ ما يَدُلُّ على عَدَمِ الْوُجُوبِ لِأَنَّهُ لو كان غير وَاجِبٍ لَأَخَلَّ بِتَرْكِهِ خَامِسُهَا ذَكَرَ الصَّيْرَفِيُّ أَنْ يَفْعَلَهُ فَصْلًا بين الْمُتَدَاعِيَيْنِ جَزَاءً فَهُوَ دَلِيلٌ على وُجُوبِهِ قال تَعَالَى ثُمَّ لَا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَكَذَلِكَ ما أَخَذَهُ من مَالِ رَجُلٍ وَأَعْطَاهُ لِآخَرَ فَيُعْلَمُ أَنَّ ذلك الْأَخْذَ وَاجِبٌ سَادِسُهَا أَنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا منه لو لم يَجِبْ كَالْإِتْيَانِ بِالرُّكُوعَيْنِ في صَلَاةِ الْخُسُوفِ فإن الزِّيَادَةَ في الصَّلَاةِ مُبْطِلَةٌ في غَيْرِ الْخُسُوفِ فَمَشْرُوعِيَّتُهَا دَلِيلٌ على وُجُوبِهَا وَهَذَا الْمَعْنَى نَقَلُوهُ عن ابْنِ سُرَيْجٍ في إيجَابِ الْخِتَانِ وهو مُنْتَقِضٌ بِصُوَرٍ كَثِيرَةٍ منها سُجُودُ السَّهْوِ وَالتِّلَاوَةِ في الصَّلَاةِ فإنه مَمْنُوعٌ منه وَلَمَّا جَازَ لم يَجِبْ وَكَذَلِكَ رَفْعُ الْيَدَيْنِ على التَّوَالِي في تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ وَغَيْرِهِ وقال الْخَفَّافُ في الْخِصَالِ فِعْلُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْنَا إلَّا في خَصْلَتَيْنِ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ بَيَانًا أو يُقَارِنُهُ دَلَالَةٌ
- وَأَمَّا الْخَاصُّ بِالنَّدْبِ فَأُمُورٌ منها قَصْدُ الْقُرْبَةِ مُجَرَّدًا عن أَمَارَةٍ دَالَّةٍ على الْوُجُوبِ فإنه يَدُلُّ على كَوْنِهِ مَنْدُوبًا وَبِكَوْنِهِ قَضَاءً لِمَنْدُوبٍ وَمُدَاوَمَتُهُ على الْفِعْلِ ثُمَّ يُخِلُّ بِتَرْكِهِ كَتَرْكِهِ الْجُلُوسَ لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَكَذَا تَرْكُهُ الْوُضُوءَ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ بَعْدَ وُجُوبِهِ فيه دَلِيلٌ على أَنَّهُ كان غير وَاجِبٍ فيه قَالَهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَمِنْهَا بِالدَّلَالَةِ على أَنَّهُ كان مُخَيَّرًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ فِعْلٍ آخَرَ ثَبَتَ عَدَمُ وُجُوبِهِ لِأَنَّ التَّخْيِيرَ لَا يَقَعُ بين وَاجِبٍ وَغَيْرِ وَاجِبٍ وقد يَكُونُ بَعْضُ النُّدُوبِ آكِدٌ من بَعْضٍ قال الْقَفَّالُ في مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ وَمِمَّا تُعْرَفُ بها الْآكَدِيَّةُ الْمُدَاوَمَةُ عليه لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِمَوَاقِعِ الشُّكْرِ فَيُقَدَّمُ على ما لم يُدَاوِمْ عليه وَمِنْهَا أَدَاؤُهُ في جَمَاعَةٍ فَيَكُونُ آكَدَ مِمَّا شَرَعَهُ مُنْفَرِدًا لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ من شَعَائِرِ الْفَرَائِضِ وَمِنْهَا التَّوْقِيتُ فَالْفِعْلُ الْمُؤَقَّتُ أَفْضَلُ مِمَّا لَا وَقْتَ له لِأَنَّ التَّوْقِيتَ من مَعَالِمِ الْفُرُوضِ وَجُعِلَ منه الْوِتْرُ وَالرَّوَاتِبُ وما نَقَصَ عن ذلك كان بَعْدَهُ في الرُّتْبَةِ وَذَكَرَ الْإِمَامُ في النِّهَايَةِ من أَسْبَابِ الْآكَدِيَّةِ أَنَّ ما اُتُّفِقَ عليه آكَدُ مِمَّا اُخْتُلِفَ فيه وَهَذَا خَارِجٌ عَمَّا نَحْنُ فيه وَتُعْرَفُ الْإِبَاحَةُ بِمُجَرَّدِ الْفِعْلِ وَتَنْتَفِي نَدْبِيَّتُهُ وَوُجُوبُهُ بِالْبَقَاءِ على حُكْمِ الْأَصْلِ فَيُعْرَفُ أَنَّهُ مُبَاحٌ قال في الْمَحْصُولِ وَبِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ رَاجِحَ التَّرْكِ فَيُعْلَمُ أَنَّ فِعْلَهُ غَيْرُ رَاجِحِ التَّرْكِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ رُجْحَانِ الْفِعْلِ فَثَبَتَتْ الْإِبَاحَةُ قال الصَّيْرَفِيُّ وَبِأَنْ يَفْعَلَهُ بَعْدَ نَهْيٍ منه فَيُعْلَمُ زَوَالُ النَّهْيِ وَمِثْلُهُ بِأَمْرِهِ بِالصَّلَاةِ قُعُودًا خَلْفَ الْإِمَامِ الْقَاعِدِ ثُمَّ صلى قَاعِدًا وَالنَّاسُ قِيَامٌ خَلْفَهُ قال وَهَذَا إنَّمَا يَقَعُ في السُّنَّةِ لِأَنَّ السُّنَّةَ لَا تَنْسَخُ الْقُرْآنَ مَسْأَلَةٌ ما فَعَلَهُ الرَّسُولُ صلى اللَّهُ عليه وسلم مَرَّةً وَاحِدَةً يَأْتِي بِهِ على أَكْمَلِ وَجْهٍ فِعْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم إنَّمَا يُحْمَلُ على بَيَانِ الْجَوَازِ في شَيْءٍ يَتَكَرَّرُ فِعْلُهُ كَثِيرًا فَيَفْعَلُهُ مَرَّةً أو مَرَّاتٍ على الْوَجْهِ الْجَائِزِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَيُوَاظِبُ غَالِبًا على فِعْلِهِ على أَكْمَلِ وُجُوهِهِ كَالْوُضُوءِ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا كُلُّهُ ثَابِتٌ وَالْكَثِيرُ أَنَّهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَأَمَّا الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ فلم يَتَكَرَّرْ وَإِنَّمَا جَرَى منه مَرَّةً وَاحِدَةً فَلَا يَقَعُ منه إلَّا على أَكْمَلِ وُجُوهِهِ كَذَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ وَرَدَّ بِهِ قَوْلَ من قال إنَّهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم إنَّمَا أَحْرَمَ من الْمِيقَاتِ
- دُونَ بَلَدِهِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ مَسْأَلَةٌ دُخُولُ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ فِيمَا وَقَعَ من الْأَفْعَالِ لِلْبَيَانِ إذَا فَعَلَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فِعْلًا لِبَيَانٍ دخل في ذلك هَيْئَةُ الْفِعْلِ وَأَمَّا الزَّمَانُ وَالْمَكَانُ فَإِنَّمَا يَدْخُلَانِ حَيْثُ يَلِيقُ دُخُولُهُمَا كما في الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَالصَّلَوَاتِ في أَوْقَاتِهَا وَقِيلَ إنَّ تَكْرِيرَهُ لِلْفِعْلِ في زَمَانٍ وَاحِدٍ أو مَكَان وَاحِدٍ يَدُلُّ على اعْتِبَارِ ما وَقَعَ فيه وقد سَبَقَتْ في مَبَاحِثِ الْبَيَانِ مَسْأَلَةٌ قَوْلُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَفِعْلُهُ الْمُوَافِقَانِ لِلْقُرْآنِ هل هُمَا بَيَانٌ لِلْقُرْآنِ أو بَيَانُ حُكْمٍ مُبْتَدَأٍ نَقَلَ السَّرَخْسِيُّ من الْحَنَفِيَّةِ عن أَصْحَابِهِمْ أَنَّ فِعْلَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أو قَوْلَهُ مَتَى وَرَدَ مُوَافِقًا لِلْقُرْآنِ يُجْعَلُ صَادِرًا عن الْقُرْآنِ وَبَيَانًا لِمَا فيه قال وَالشَّافِعِيَّةُ يَجْعَلُونَهُ بَيَانَ حُكْمٍ مُبْتَدَأٍ حتى يَقُومَ الدَّلِيلُ على خِلَافِهِ قال وَعَلَى هذا قُلْنَا بَيَانُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم التَّيَمُّمَ في حَقِّ الْجُنُبِ صَادِرٌ عَمَّا في الْقُرْآنِ وَبِهِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ أو لَامَسْتُمْ الْجِمَاعُ دُونَ الْمَسِّ بِالْيَدِ وَهُمْ يَجْعَلُونَ ذلك بَيَانَ حُكْمٍ مُبْتَدَأٍ وَيَحْمِلُونَ قَوْلَهُ أو لَامَسْتُمْ على الْمَسِّ بِالْيَدِ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ صَادِرًا عَمَّا في الْقُرْآنِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ شُرِعَ في الْحُكْمِ ابْتِدَاءً وهو في الظَّاهِرِ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِالْآيَةِ فَيُحْمَلُ على أَنَّهُ بَيَانُ حُكْمٍ مُبْتَدَأٍ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ وَلِمَا فيه من زِيَادَةِ الْفَائِدَةِ قُلْت وَسَبَقَ في أَوَّلِ الْبَابِ عَكْسُهَا مَسْأَلَةٌ طُرُقُ إثْبَاتِ فِعْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم إذَا قُلْنَا في أَمْرٍ من الْأُمُورِ إنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَعَلَهُ فَلَنَا في مَعْرِفَتِهِ ثَلَاثَ طُرُقٍ الْأَوَّلُ أَنْ يُنْقَلَ إلَيْنَا أَنَّهُ فَعَلَهُ تَوَاتُرًا أو آحَادًا كَفِعْلِ التَّكْبِيرِ عِنْدَ التَّحَرُّمِ وَالطُّمَأْنِينَةِ في الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالِاعْتِدَالِ فإنه مَنْقُولٌ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْنَا لِأَنَّهُ عليه السَّلَامُ فَعَلَ ذلك وَكُلُّ ما فَعَلَهُ وَجَبَ عَلَيْنَا فِعْلُهُ الثَّانِي أَنْ نَقُولَ هذا الْفِعْلُ أَفْضَلُ بِالْإِجْمَاعِ وَأَفْضَلُ الْخَلْقِ لَا يُوَاظِبُ على
- تَرْكِ الْأَفْضَلِ فَيَلْزَمُ أَنْ يُوَاظِبَ على الْأَفْضَلِ وَكَقَوْلِنَا الْوُضُوءُ الْمُرَتَّبُ الْمَنْوِيُّ أَفْضَلُ بِالْإِجْمَاعِ وَالْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ حَاصِلٌ بِأَنَّ أَفْضَلَ الْخَلْقِ لَا يُوَاظِبُ على تَرْكِ الْأَفْضَلِ فَثَبَتَ إتْيَانُهُ بِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَجِبَ عَلَيْنَا مِثْلُهُ الثَّالِثُ أَنَّهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم لو تَرَكَ النِّيَّةَ وَالتَّرْتِيبَ لَوَجَبَ عَلَيْنَا تَرْكُهُ لِدَلِيلِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ لِأَنَّ الْمُتَابَعَةَ كما تَكُونُ في الْأَفْعَالِ تَكُونُ في التُّرُوكِ وَلَمَّا لم يَجِبْ عَلَيْنَا تَرْكُهُ ثَبَتَ أَنَّهُ ما تَرَكَهُ بِفِعْلِهِ وَحِينَئِذٍ فَنَقُولُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَاظَبَ على التَّكْبِيرِ وَالتَّحِيَّاتِ فَإِنْ دَلَّ دَلِيلٌ من إجْمَاعٍ أو نَصٍّ على عَدَمِ وُجُوبِهَا حَكَمْنَا بِهِ وَيَكُونُ تَخْصِيصُ عُمُومٍ وَإِلَّا فَهِيَ وَاجِبَةٌ لَكِنْ لَا نَطْمَعُ بِالْإِجْمَاعِ لِمُخَالَفَةِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ وَلَا يُفِيدُ الْقِيَاسُ كَقَوْلِهِمْ الْقِيَامُ هَيْئَةٌ مُعْتَادَةٌ وَلَا تَتَمَيَّزُ الْعَادَةُ فيه من الْعِبَادَةِ إلَّا بِسَبَبِ ما فيه من الْقِرَاءَةِ فَلَا جَرَمَ كانت وَاجِيَةً أَعْنِي الْقِرَاءَةَ لَا غَيْرُ وَأَمَّا الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ فَهَاهُنَا مُخَالَفَةٌ لِلْعَادَةِ فلم يَكُنْ لِكَوْنِهَا عِبَادَةً حَاجَةٌ إلَى الذِّكْرِ فَلَا تَجِبُ التَّسْبِيحَاتُ فَهَذِهِ ضَعِيفَةٌ في مُقَابَلَةِ ما ذَكَرْنَا من الدَّلِيلِ مَسْأَلَةٌ قال ابن السَّمْعَانِيِّ يَحْصُلُ بِالْفِعْلِ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الْبَيَانِ كَنَهْيِهِ عن الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ رُوِيَ أَنَّهُ صلى صَلَاةً لها سَبَبٌ فَكَانَ ذلك تَخْصِيصًا لِعُمُومِ النَّهْيِ وَكَنَهْيِهِ عن الْقَوَدِ في الطَّرَفِ قبل الِانْدِمَالِ ثُمَّ رُوِيَ أَنَّهُ أَقَادَ قبل الِانْدِمَالِ فَيُعْلَمُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالنَّهْيِ الْكَرَاهَةَ في وَقْتٍ دُونَ التَّحْرِيمِ وَالرَّابِعُ وهو النَّسْخُ في بَابِهِ فَإِنْ تَعَارَضَ قَوْلٌ وَفِعْلٌ في الْبَيَانِ فَفِيهِ أَوْجُهٌ أَحَدُهَا تَقْدِيمُ الْقَوْلِ لِتَعَدِّيهِ بِصِيغَتِهِ وَالثَّانِي تَقْدِيمُ الْفِعْلِ لِأَنَّهُ أَوْلَى وَأَقْوَى في الْبَيَانِ وَالثَّالِثُ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ وَلَا بُدَّ من دَلِيلٍ آخَرَ لِتَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا قال وَهَذَا هو الْأَوْلَى
- فَصْلٌ سَنَتَكَلَّمُ في بَابِ التَّرْجِيحِ على تَعَارُضِ الْقَوْلَيْنِ وَهُنَا على تَعَارُضِ الْفِعْلَيْنِ لِتَعَلُّقِهِ بِأَحْكَامِ الْأَفْعَالِ وَعَلَى تَعَارُضِ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ تَعَارُضُ الْفِعْلَيْنِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّعَارُضُ بين الْأَفْعَالِ بِحَيْثُ يَكُونُ الْبَعْضُ منها نَاسِخًا لِبَعْضٍ أو مُخَصِّصًا له لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ في ذلك الْوَقْتِ وَاجِبًا وفي مِثْلِ ذلك الْوَقْتِ بِخِلَافِهِ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَا عُمُومَ له وَتَأَخُّرُ أَحَدِهِمَا لَا يَكُونُ هو النَّاسِخُ في الْحَقِيقَةِ لِأَنَّ فِعْلَهُ الْأَوَّلَ لَا يَنْتَظِمُ جَمِيعَ الْأَوْقَاتِ الْمُسْتَقْبَلَةِ وَلَا يَدُلُّ على التَّكْرَارِ هَكَذَا جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ من الْأُصُولِيِّينَ على اخْتِلَافِ طَبَقَاتِهِمْ وَحَكَى ابن الْعَرَبِيِّ في كِتَابِ الْمَحْصُولِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا التَّخْيِيرُ وَثَانِيهَا تَقْدِيمُ الْمُتَأَخِّرِ كَالْأَقْوَالِ إذَا تَأَخَّرَ بَعْضُهَا وَالثَّالِثُ حُصُولُ التَّعَارُضِ وَطَلَبُ التَّرْجِيحِ من خَارِجٍ قال كما اتَّفَقَ في صَلَاةِ الْخَوْفِ صُلِّيَتْ على أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ صِفَةٍ يَصِحُّ منها سِتَّةَ عَشَرَ خَيَّرَ أَحْمَدُ فيها وقال مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ يَتَرَجَّحُ بِمَا هو أَقْرَبُ لِهَيْئَةِ الصَّلَاةِ وَقَدَّمَ بَعْضُهُمْ الْأَخِيرَ منها إذَا عُلِمَ وَحَكَى صَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ عن ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْحُكْمَ في الْأَفْعَالِ كَالْحُكْمِ في الْأَقْوَالِ وَمَثَّلَهُ بِرِوَايَةِ وَائِلٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ رَفْعُ الْيَدَيْنِ في تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ حِذَاءَ أُذُنَيْهِ وَعَدَمُ ذلك وقال الْقُرْطُبِيُّ يَجُوزُ التَّعَارُضُ بين الْفِعْلَيْنِ عِنْدَ من قال بِأَنَّ الْفِعْلَ يَدُلُّ على الْوُجُوبِ فَإِنْ عُلِمَ التَّارِيخُ فَالنَّسْخُ وَإِنْ جُهِلَ فَالتَّرْجِيحُ وَإِلَّا فَهُمَا مُتَعَارِضَانِ كَالْقَوْلَيْنِ وَأَمَّا على الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَدُلُّ على النَّدْبِ أو الْإِبَاحَةِ فَلَا تَعَارُضَ وقال الْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ إذَا نُقِلَ فِعْلٌ وَحُمِلَ على الْوُجُوبِ ثُمَّ نُقِلَ فِعْلٌ يُنَاقِضُهُ قال الْقَاضِي لَا يُقْطَعُ على أَنَّهُ نَاسِخٌ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ انْتِهَاءٌ لِمُدَّةِ الْفِعْلِ الْأَوَّلِ قال وَهَذَا مُحْتَمَلٌ فَيُتَوَقَّفُ في كَوْنِهِ نَاسِخًا وَنَعْلَمُ انْتِهَاءَ ذلك الْحُكْمِ قَطْعًا لِأَنَّ النَّسْخَ رَفْعٌ
- قال وَذَهَبَ مُجَاهِدٌ إلَى أَنَّهُ نَسْخٌ وَتَرَدَّدَ في الْقَوْلِ الطَّارِئِ على الْفِعْلِ قال الْغَزَالِيُّ وَلَا وَجْهَ لِهَذَا الْفَرْقِ وَالْأَصَحُّ ما ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَأَطْلَقَ إلْكِيَا عَدَمَ تَصَوُّرِ تَعَارُضِ الْفِعْلَيْنِ ثُمَّ اسْتَثْنَى من ذلك ما إذَا عُلِمَ بِدَلَالَةٍ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ إدَامَتُهُ في الْمُسْتَقْبَلِ فإنه يَكُونُ ما بَعْدَهُ نَاسِخًا له قال وَعَلَى مِثْلِهِ بَنَى الشَّافِعِيُّ مَذْهَبَهُ في سُجُودِ السَّهْوِ قبل السَّلَامِ وَبَعْدَهُ فقال وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْأَخْبَارُ في فِعْلِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم في ذلك وَلَكِنْ كان آخَرُ الْأَمْرَيْنِ على ما رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ قبل السَّلَامِ وكان يُؤْخَذُ من مَرَاسِيمِ الرَّسُولِ بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ وَاسْتَثْنَى ابن الْقُشَيْرِيّ من الْأَفْعَالِ ما وَقَعَ بَيَانًا كَقَوْلِهِ صَلُّوا كما رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي فَآخِرُ الْفِعْلَيْنِ يَنْبَغِي أَنْ يَنْسَخَ الْأَوَّلَ كَآخِرِ الْقَوْلَيْنِ لِأَنَّ هذا الْفِعْلَ بِمَثَابَةِ الْقَوْلِ ا هـ وَهَذَا من صُوَرِ ما ذَكَرَهُ إلْكِيَا وَصَرَّحَ ابن الْقُشَيْرِيّ عن الْقَاضِي بِأَنَّ الْأَفْعَالَ التي لَا يَقَعُ فيها التَّعَارُضُ هِيَ الْمُطْلَقَةُ التي لم تَقَعْ مَوْقِعَ الْبَيَانِ من الرَّسُولِ وَهِيَ التي يَتَوَقَّفُ فيها الْوَاقِفِيَّةُ فَلَا يَتَحَقَّقُ فيها التَّعَارُضُ فإن الْأَفْعَالَ صِيَغٌ فيها وَلَا يُتَصَوَّرُ تَعَارُضُ الذَّوَاتِ وَالْأَفْعَالِ الْمُتَغَايِرَةِ الْوَاقِعَةِ في الْأَوْقَاتِ ولم تَقَعْ مَوْقِعَ الْبَيَانِ لِيُصْرَفَ التَّعَارُضُ إلَى مُوجِبَاتِ الْأَحْكَامِ وَأَمَّا الْأَفْعَالُ الْوَاقِعَةُ مَوْقِعَ الْبَيَانِ فإذا اخْتَلَفَا وَتَنَافَيَا ولم يُمْكِنْ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا في الْحُكْمِ فَالتَّعَارُضُ في مُوجِبِهِمَا كَالتَّعَارُضِ في مُوجِبِ الْقَوْلَيْنِ قال وَلَا يَرْجِعُ التَّعَارُضُ إلَى ذَاتَيْ الْفِعْلَيْنِ بَلْ التَّلَقِّي وَالْبَيَانِ الْمَنُوطِ بِهِمَا وَكَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ التَّعَارُضُ في مَعْنَى الْقَوْلَيْنِ وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ في الْحُكْمِ الْمُسْتَفَادِ من ظَاهِرِهِمَا ثُمَّ قال وَحَاصِلُ ما نَقُولُ عِنْدَ تَعَارُضِ الْفِعْلَيْنِ تَجْوِيزُهُمَا إذَا لم يَكُنْ في أَحَدِهِمَا ما يَتَضَمَّنُ حَظْرًا سَوَاءٌ تَقَدَّمَ أَحَدُهُمَا أَمْ لَا قال وَهَذَا ظَاهِرٌ في نَظَرِ الْأُصُولِيِّ لِأَنَّ الْأَفْعَالَ لَا صِيَغَ لها ثُمَّ فَصَّلَ ابن الْقُشَيْرِيّ بين ما يَقَعُ بَيَانًا وما لَا يَقَعُ بَيَانًا كَقَوْلِهِ صَلُّوا كما رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي فَآخِرُ الْفِعْلَيْنِ يَنْبَغِي أَنْ يَنْسَخَ الْأَوَّلَ كَآخِرِ الْقَوْلَيْنِ لِأَنَّ هذا الْفِعْلَ بِمَثَابَةِ الْقَوْلِ وَأَمَّا ما ليس بَيَانًا فَإِنْ كان في مَسَاقِ الْقُرَبِ فَالِاخْتِيَارُ أَنَّهُ على النَّدْبِ فَلْيَجْرِ
- ذلك في آخِرِ الْفِعْلَيْنِ لِأَنَّهُ نَاسِخٌ لِلْمُتَقَدِّمِ كَالْقَوْلَيْنِ الْمُؤَخَّرَيْنِ وقد نُقِلَ عن الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ سَجَدَ عليه السَّلَامُ قبل السَّلَامِ وَبَعْدَهُ وكان آخِرُ الْأَمْرَيْنِ منه قَبْلُ فَرَأَى الْعُلَمَاءُ الْأَخْذَ بِذَلِكَ أَوْلَى ثُمَّ قال تَبَعًا لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَذَهَبَ كَثِيرٌ من الْأَئِمَّةِ فِيمَا إذَا نُقِلَ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فِعْلَانِ مُؤَرَّخَانِ مُخْتَلِفَانِ أَنَّ الْوَاجِبَ التَّمَسُّكُ بِآخِرِهِمَا وَاعْتِقَادُ كَوْنِهِ نَاسِخًا لِلْأَوَّلِ وقال وقد ظَهَرَ مَيْلُ الشَّافِعِيِّ إلَى هذا فإنه قال في صَلَاةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَحَّ فيها رِوَايَةُ ابْنِ عُمَرَ وَرِوَايَةُ خَوَّاتٍ ثُمَّ رَأَى الشَّافِعِيِّ رِوَايَةَ خَوَّاتٍ مُتَأَخِّرَةٌ وَقَدَّرَ ما رَوَاهُ ابن عُمَرَ في غَزْوَةٍ سَابِقَةٍ وَرُبَّمَا سَلَكَ مَسْلَكًا آخَرَ فَسُلِّمَ اجْتِمَاعُ الرِّوَايَتَيْنِ في غَزْوَةٍ وَاحِدَةٍ وَرَآهُمَا مُتَعَارِضَيْنِ ثُمَّ رَجَّحَ أَحَدَهُمَا فَرَجَّحَ رِوَايَةَ خَوَّاتٍ لِقُرْبِهَا من الْأُصُولِ فإن فيها قِلَّةَ الْحَرَكَةِ وَالْأَفْعَالِ وَهِيَ أَقْرَبُ إلَى الْخُضُوعِ وَالْخُشُوعِ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ بَلْ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ في الرِّسَالَةِ يَقْتَضِي عَكْسَ ذلك فإنه قال وَخَوَّاتٌ مُتَقَدِّمُ الصُّحْبَةِ وَالسِّنِّ فَجَعَلَ ذلك مُرَجِّحًا على رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ وَصَرَّحَ قَبْلَهُ بِأَنَّهُ رَجَّحَهَا لِمُوَافَقَةِ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَأَنَّهُ أَقْوَى في مُكَايَدَةِ الْعَدُوِّ وَنَقَلَ إلْكِيَا في مِثْلِ هذا عن الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَتَلَقَّى مِنْهُمَا جَوَازَ الْفِعْلَيْنِ وَيُحْتَاجُ في تَفْضِيلِ أَحَدِهِمَا على الْآخَرِ إلَى دَلِيلٍ قال إلْكِيَا وَهَذَا هو الْحَقُّ الذي لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ وَهَذَا ما نَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عن الْقَاضِي أبي بَكْرٍ وقال إنَّهُ ظَاهِرُ نَظَرِ الْأُصُولِيِّينَ وقال الْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ الْمُخْتَارُ إنْ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ على صِحَّةِ الْفِعْلَيْنِ وَاخْتَلَفُوا في الْأَفْضَلِ تَوَقَّفْنَا في الْأَفْضَلِ وَإِنْ ادَّعَى كُلُّ فَرِيقٍ يَتَمَسَّكُ بِرِوَايَةٍ بُطْلَانَ مَذْهَبِ صَاحِبِهِ فَيُتَوَقَّفُ وَلَا يُفْهَمُ الْجَوَازُ فِيهِمَا فَإِنَّهُمَا مُتَعَارِضَانِ وَيُعْلَمُ أَنَّ الْوَاقِعَ من رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَحَدُهُمَا وَلَا يُرَجَّحُ وَإِنْ اتَّفَقُوا على صِحَّةِ وَاحِدٍ فَنَحْكُمُ بِهِ وَنَتَوَقَّفُ في الْآخَرِ وَالشَّافِعِيُّ إنَّمَا قال ذلك في صَلَاةِ الْخُسُوفِ وقد رَجَّحَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ لِقُرْبِهِ إلَى هَيْئَةِ الصَّلَاةِ وقال الْمَازِرِيُّ إذَا نُقِلَ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فِعْلَانِ ولم يُمْكِنْ تَأْوِيلُ أَحَدِهِمَا طُلِبَ التَّأْرِيخُ حتى يُعْلَمَ الْآخِرُ فَيَكُونُ هو النَّاسِخَ كَتَعَارُضِ الْقَوْلَيْنِ هذا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَرَأَى الْقَاضِي أَنَّ النُّسَخَ هَاهُنَا لَا ضَرُورَةَ إلَيْهِ كما دَعَتْ في الْأَقْوَالِ لِأَنَّ الْفِعْلَ مَقْصُورٌ على فَاعِلِهِ لَا يَتَعَدَّاهُ وَلَيْسَ كَالصِّيَغِ الْمُشْتَمِلَةِ على مَعَانٍ مُتَضَادَّةٍ فإذا وَجَدْنَا فِعْلَيْنِ
- مُتَعَارِضَيْنِ حَمَلْنَاهُمَا على التَّجْوِيزِ وَالْإِبَاحَةِ وَهَذَا فيه نَظَرٌ إلَّا على رَأْيِ من يقول إنَّ فِعْلَهُ يَدُلُّ على الْإِبَاحَةِ وَلَيْسَ الْقَاضِي من الْقَائِلِينَ بِهِ وَالصَّحِيحُ اتِّبَاعُ آخِرِ الْفِعْلَيْنِ قال وَادَّعَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ قَدَّمَ في صَلَاةِ الْخَوْفِ رِوَايَةَ خَوَّاتٍ على رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ لِتَأَخُّرِ رِوَايَةِ خَوَّاتٍ فَإِنَّهَا في غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ وَرِوَايَةَ ابْنِ عُمَرَ في غَيْرِهَا وَنَازَعَهُ الْمَازِرِيُّ بِاحْتِمَالِ أَنَّ رِوَايَةَ ابْنِ عُمَرَ مُتَأَخِّرَةٌ عنها قال وَلِهَذَا قال الْإِمَامُ بَعْدَهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الشَّافِعِيُّ قَدَّمَ رِوَايَةَ خَوَّاتٍ لِضَرْبٍ من التَّرْجِيحِ وفي التَّعَادُلِ بَيْنَهُمَا نَظَرٌ فَذَكَرَهُ قال وَأَشَارَ الْإِمَامُ إلَى أَنَّ الْمُخْتَارَ ما قَالَهُ الْفُقَهَاءُ من الْأَخْذِ بِآخِرِ الْأَمْرَيْنِ تَارِيخًا وَإِنْ كان لَا يُقْطَعُ بِذَلِكَ عن الصَّحَابَةِ وَالْأَظْهَرُ عِنْدَهُ من أَفْعَالِهِمْ اتِّبَاعُ آخِرِ الْفِعْلَيْنِ وَلَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونُوا رضي اللَّهُ عَنْهُمْ قَدَّمُوا الْمُتَأَخِّرَ تَقْدِمَةً أَوْلَى وَأَفْضَلَ لَا تَقْدِمَةَ نَاسِخٍ على مَنْسُوخٍ ا هـ وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ تُخَالِفُ ما سَبَقَ لِأَنَّ الْأَوَّلِينَ لَا يَقُولُونَ بِأَنَّ الْفِعْلَ الثَّانِي نَاسِخٌ لِلْأَوَّلِ إلَّا إذَا دَلَّ دَلِيلٌ خَاصٌّ على تَكَرُّرِ هذا الْفِعْلِ الْخَاصِّ في حَقِّهِ وَحَقِّ الْأُمَّةِ فَحِينَئِذٍ إذَا تَرَكَهُ بَعْدَ ذلك وَأَتَى بِمُنَاقِضٍ له أو أَقَرَّ أَحَدًا من الْأُمَّةِ على عَمَلٍ يُنَاقِضُهُ كان ذلك مُقْتَضِيًا لِنَسْخِ الثَّانِي وَعَلَى قَوْلِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْمَازِرِيِّ لَا يُحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ لِذَلِكَ الْفِعْلِ بَلْ يَكْتَفُونَ بِالْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ على اقْتِدَاءِ الْأُمَّةِ بِفِعْلِهِ عليه السَّلَامُ مُطْلَقًا أو وُجُوبًا أو نَدْبًا أو إبَاحَةً على اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ فَمَتَى وَقَعَ منه عليه السَّلَامُ نَقِيضُ ذلك الْفِعْلِ شُرِعَ لِلْأُمَّةِ الثَّانِي أَيْضًا كما كان الْأَوَّلُ مَشْرُوعًا لهم لَكِنْ هل يَقْتَضِي ذلك نَسْخَ الْأَوَّلِ وَإِزَالَةَ الْحُكْمِ أو يَكُونُ كُلٌّ من الْفِعْلَيْنِ جَائِزًا وَالثَّانِي هو الْأَوَّلُ هذا هو مَحَلُّ نَظَرِ الْإِمَامِ وَالْمَازِرِيُّ يَمِيلُ إلَى النَّسْخِ أَمَّا إذَا نُقِلَ إلَيْنَا أَخْبَارٌ مُتَعَارِضَةٌ في فِعْلٍ وَاحِدٍ ولم يَصِحَّ عِنْدَنَا أَحَدُهَا كَيْفَ كان فَالْمُكَلَّفُ مُخَيَّرٌ في الْكُلِّ كَسُجُودِ السَّهْوِ قبل السَّلَامِ أو بَعْدَهُ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ في رَفْعِ الْيَدَيْنِ إلَى الْمَنْكِبَيْنِ أو الْأُذُنَيْنِ فَهُنَا يُرَجَّحُ ما يَتَأَيَّدُ بِالْأَصْلِ فَنُرَجِّحُ الْمَنْكِبَيْنِ لِأَنَّ الْأَصْلَ تَقْلِيلُ الْأَفْعَالِ في الصَّلَاةِ وَهَذَا أَقَلُّ فَإِنْ لم يُوجَدْ هذا التَّرْجِيحُ حُكِمَ بِالتَّخْيِيرِ كَأَخْبَارِ قَبْضِ الْأَصَابِعِ في التَّشَهُّدِ
- التَّعَارُضُ بين الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَأَمَّا الثَّانِي وهو التَّعَارُضُ بين الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَيَتَحَصَّلُ من أَفْرَادِهِ سِتُّونَ صُورَةً وَبَيَانُهُ بِانْقِسَامِهَا أَوَّلًا إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا أَنْ يُعْلَمَ تَقَدُّمُ الْقَوْلِ على الْفِعْلِ وَثَانِيهَا أَنْ يُعْلَمَ تَقَدُّمُ الْفِعْلِ على الْقَوْلِ وَثَالِثُهَا أَنْ يُجْهَلَ التَّارِيخُ وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ إمَّا أَنْ يَتَعَقَّبَ الثَّانِي الْأَوَّلُ بِحَيْثُ لَا يَتَخَلَّلُ بَيْنَهُمَا زَمَانٌ أو يَتَرَاخَى أَحَدُهُمَا عن الْآخَرِ وَهَذَانِ قِسْمَانِ آخَرَانِ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ عَامًّا لِلنَّبِيِّ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَأُمَّتِهِ أو خَاصًّا بِهِ أَوَخَاصًّا بِهِمْ وَالْفِعْلُ إمَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ على وُجُوبِ تَكْرَارِهِ في حَقِّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَوُجُوبِ تَأَسِّي الْأُمَّةِ بِهِ فيه وَإِمَّا أَلَا يَدُلَّ دَلِيلٌ على وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَإِمَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ على التَّكْرَارِ دُونَ التَّأَسِّي أو الْعَكْسُ هذا حَصْرُ التَّقْسِيمِ فيها وَبَيَانُ ارْتِقَائِهَا إلَى الْعَدَدِ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّك إذَا ضَرَبْتَ الْأَقْسَامَ الْأَرْبَعَةَ التي يُعْلَمُ بها تَعَقُّبُ الْفِعْلِ لِلْقَوْلِ أو تَرَاخِيهِ عنه وَتَعَقُّبُ الْقَوْلِ لِلْفِعْلِ أو تَرَاخِيهِ عنه في الثَّلَاثَةِ التي يَنْقَسِمُ إلَيْهَا من كَوْنِهِ يَعُمُّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أو يَخُصُّهُ أو يَخُصُّ الْأُمَّةَ حَصَلَ فيها اثْنَا عَشَرَ قِسْمًا وَمَجْهُولُ الْحَالِ من التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ بِالنِّسْبَةِ إلَى عُمُومِ الْقَوْلِ وَخُصُوصِهِ له ثَلَاثَةٌ أَيْضًا فَهَذِهِ خَمْسَةَ عَشَرَ قِسْمًا تَضْرِبُهَا في أَقْسَامِ الْفِعْلِ الْأَرْبَعَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى التَّكْرَارِ وَالتَّأَسِّي أو عَدَمِهَا أو وُجُودِ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ فَيَنْتَهِي إلَى السِّتِّينَ صُورَةً من غَيْرِ تَدَاخُلٍ وَأَكْثَرُهَا لَا يُوجَدُ في السُّنَّةِ وَالْحُكْمُ فيها على وَجْهِ التَّفْصِيلِ يَخْتَلِفُ وَيَطُولُ الْكَلَامُ فيه وَلَا تُوجَدُ هذه السِّتُّونَ مَجْمُوعَةً هَكَذَا في كِتَابِ أَحَدٍ من الْأُصُولِيِّينَ وَذَكَرَ ابن الْخَطِيبِ في الْمَحْصُولِ منها خَمْسَةَ عَشَرَ وهو أَنَّ الْمُتَأَخِّرَ من الْقَوْلِ أو الْفِعْلِ إمَّا أَنْ يَتَعَقَّبَ الْمُتَقَدِّمَ أو يَتَرَاخَى عنه فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ تُضْرَبُ في الثَّلَاثَةِ التي يَنْقَسِمُ الْقَوْلُ إلَيْهَا من كَوْنِهِ عَامًّا لنا وَلَهُ أو خَاصًّا بِهِ أو خَاصًّا بِنَا فَيَصِيرُ اثْنَيْ عَشَرَ قِسْمًا وَالْمَجْهُولُ الْحَالِ من الْمُتَقَدِّمِ وَالْمُتَأَخِّرِ ثَلَاثَةٌ أُخْرَى بِالنِّسْبَةِ إلَى عُمُومِ الْقَوْلِ وَخُصُوصِهِ أَيْضًا وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ في الْإِحْكَامِ انْقِسَامَ الْفِعْلِ إلَى الْأَرْبَعَةِ وهو إمَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ
- على تَكَرُّرِهِ وَتَأَسِّي الْأُمَّةِ أو لَا أو يَدُلُّ على التَّكْرَارِ دُونَ التَّأَسِّي أو عَكْسُهُ فإذا جَمَعْتَ بين الْكَلَامَيْنِ وَضَرَبْتَ الْخَمْسَ عَشْرَةَ صُورَةً في الْأَرْبَعَةِ حَصَلَ سِتُّونَ وقد ذَكَرَ خِلَافًا في الْمَوْضِعَيْنِ وهو دَاخِلٌ في هذه الصُّوَرِ السِّتِّينَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ عَامًّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُخَاطَبِينَ وقد فَعَلَهُ عليه السَّلَامُ مُطْلَقًا وَوَرَدَ في بَعْضِ صُوَرِ الْعُمُومِ كَنَهْيِهِ عن الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ ثُمَّ صَلَاتُهُ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا قَضَاءً لِسُنَّةِ الظُّهْرِ وَمُدَاوَمَتُهُ عليها بَعْدَ ذلك وَكَنَهْيِهِ عن اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارِهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ ثُمَّ فَعَلَ ذلك في الْبُيُوتِ فَفِي مِثْلِ هذه ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا وهو قَوْلُ الْجُمْهُورِ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِفِعْلِهِ في الْحَالَةِ التي وَرَدَ فيها وَجَعَلُوا الْفِعْلَ أَحَدَ الْأَنْوَاعِ التي خُصِّصَ بها الْعُمُومُ وَسَوَاءٌ تَقَدَّمَ الْفِعْلُ أو تَأَخَّرَ الْقَوْلُ الرَّاجِحُ وَبُنِيَ الْعَامُّ على الْخَاصِّ وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ إنْ تَقَدَّمَ الْفِعْلُ دَلَّ الْقَوْلُ على نَسْخِهِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِدُخُولِ الْمُخَاطَبِ في عُمُومِ خِطَابِهِ وَلَيْسَ بِنَسْخٍ عِنْدَ الْمَانِعِينَ له وَالثَّانِي جَعْلُ الْفِعْلِ خَاصًّا بِهِ عليه السَّلَامُ وَإِمْضَاءُ الْقَوْلِ على عُمُومِهِ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ عن عبد الْجَبَّارِ قال وَنَسَبَهُ إلَى الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ قال وَعَلَى
- جَعْلِ الشَّافِعِيِّ قَوْلَهُ عليه السَّلَامُ من قَرَنَ حَجًّا إلَى عُمْرَةٍ فَلْيَطُفْ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا أَوْلَى مِمَّا رُوِيَ أَنَّهُ عليه السَّلَامُ طَافَ طَوَافَيْنِ لَمَّا كان الْأَوَّلُ قَوْلًا وَالثَّانِي حِكَايَةَ فِعْلٍ وَالثَّالِثُ التَّوَقُّفُ كَدَلِيلَيْنِ تَعَارَضَا في الظَّاهِرِ وَيُطْلَبُ وَجْهُ التَّرْجِيحِ وَجَعَلَ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ الْخِلَافَ فِيمَا إذَا وَرَدَ قَوْلٌ مُجْمَلٌ ثُمَّ صَدَرَ بَعْدَهُ فِعْلٌ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِذَلِكَ الْمُجْمَلِ وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ مَحَلَّ الْخِلَافِ ما إذَا لم يَقُمْ دَلِيلٌ خَاصٌّ على تَأَسِّي الْأُمَّةِ في هذا الْفِعْلِ الْمَخْصُوصِ فَإِنْ دَلَّ عليه دَلِيلٌ خَاصٌّ كان نَاسِخًا لِلْقَوْلِ إنْ تَأَخَّرَ وَإِنْ جُهِلَ التَّارِيخُ فَفِيهِ ما يَأْتِي من الْخِلَافِ وَالْمَوْضِعُ الثَّانِي أَنْ لَا يَكُونَ الْقَوْلُ من صِيَغِ الْعُمُومِ وَيُجْهَلُ التَّارِيخُ في تَقَدُّمِهِ على الْفِعْلِ أو تَأَخُّرِهِ عنه كَقَوْلِهِ لِعُمَرَ بن أبي سَلَمَةَ كُلْ مِمَّا يَلِيك وَتَتَبُّعُهُ الدُّبَّاءَ في جَوَانِبِ الصَّحْفَةِ وَكَنَهْيِهِ عن الشُّرْبِ قَائِمًا وَعَنْ الِاسْتِلْقَاءِ وَوَضْعِ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ على الْأُخْرَى وَثَبَتَ عنه أَنَّهُ فَعَلَ ذلك فَأَطْلَقَ جَمَاعَةٌ من
- الْمُصَنِّفِينَ في مِثْلِ هذا ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا وهو مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ تَقْدِيمُ الْقَوْلِ لِقُوَّتِهِ بِالصِّيغَةِ وَأَنَّهُ حُجَّةٌ بِنَفْسِهِ وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ بَرْهَانٍ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَجَزَمَ بِهِ إلْكِيَا قال لِأَنَّ فِعْلَهُ لَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَحَقُّ قَوْلِهِ أَنْ يَتَعَدَّاهُ فإذا اجْتَمَعَا تَمَسَّكْنَا بِقَوْلِهِ وَحَمَلْنَا فِعْلَهُ على أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِهِ وَكَذَا جَزَمَ بِهِ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ في اللُّمَعِ وَالْإِمَامُ في الْمَحْصُولِ وَالْآمِدِيَّ في الْأَحْكَامِ وَالْقُرْطُبِيُّ وابن حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ وَالثَّانِي تَقْدِيمُ الْفِعْلِ لِعَدَمِ الِاحْتِمَالِ فيه وَنُقِلَ عن اخْتِيَارِ الْقَاضِي أبي الطَّيِّبِ وَالثَّالِثُ أَنَّهُمَا شَيْئَانِ لَا يَتَرَجَّحُ أَحَدُهُمَا على الْآخَرِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَحَكَاهُ ابن الْقُشَيْرِيّ عن الْقَاضِي أبي بَكْرٍ وَنَصَرَهُ وَاخْتَارَهُ ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ وَمِنْهُمْ من جَعَلَ مَحَلَّ هذه الْأَقْوَالِ فِيمَا إذَا تَعَارَضَ الْقَوْلُ وَالْفِعْلُ في بَيَانِ مُجْمَلٍ دُونَ ما إذَا كَانَا مُبْتَدَأَيْنِ وَبِهِ صَرَّحَ الشَّيْخُ في اللُّمَعِ وابن الْقُشَيْرِيّ في كِتَابِهِ وَالْغَزَالِيُّ في الْمُسْتَصْفَى وَعَكَسَ الْقُرْطُبِيُّ فَجَعَلَ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا لم تَقُمْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ على أَنَّهُ بَيَانٌ وَجَعَلَ الْآمِدِيُّ وابن الْحَاجِبِ مَحَلَّ هذا الْخِلَافِ أَيْضًا فِيمَا إذَا دَلَّ الدَّلِيلُ الْخَاصُّ على تَكَرُّرِ هذا الْفِعْلِ في حَقِّهِ وَعَلَى تَأَسِّي الْأُمَّةِ بِهِ وَعَلَى أَنَّ الْقَوْلَ الْمُعَارِضَ له خَاصٌّ بِهِ أو بِالْأُمَّةِ وَجُهِلَ التَّارِيخُ في تَقْدِيمِ أَحَدِهِمَا على الْآخَرِ وَاخْتَارَ الْآمِدِيُّ تَقْدِيمَ الْقَوْلِ وَاخْتَارَهُ ابن الْحَاجِبِ إذَا كان الْقَوْلُ خَاصًّا بِالْأُمَّةِ وَأَمَّا إذَا كان خَاصًّا بِالنَّبِيِّ عليه السَّلَامُ فَالْوَقْفُ وَلِلْفُقَهَاءِ في مِثْلِ ما مَثَّلْنَا بِهِ طَرِيقَةٌ أُخْرَى لم يَذْكُرْهَا أَهْلُ الْأُصُولِ هُنَا وهو حَمْلُ الْأَمْرِ على النَّدْبِ وَالنَّهْيِ على الْكَرَاهَةِ وَجَعْلُ الْفِعْلِ بَيَانًا لِذَلِكَ أو حَمْلُ كُلٍّ من الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ على صُورَةٍ خَاصَّةٍ لَا تَجِيءُ في الْأُخْرَى كَالِاسْتِلْقَاءِ مَنْهِيٌّ عنه إذَا بَدَتْ منه الْعَوْرَةُ وَجَائِزٌ إذَا لم تَبْدُ منه إلَى غَيْرِ ذلك من الصُّوَرِ التي يُمْكِنُ الْجَمْعُ فيها بين الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَيَخْرُجُ من هذا تَخْصِيصُ الْخِلَافِ بِحَالَةِ تَعَذُّرِ إمْكَانِ الْجَمْعِ فإنه الذي يَقَعُ فيها التَّعَارُضُ وَاعْلَمْ أَنَّ هذا الْخِلَافَ إنَّمَا يَتَّجِهُ من الْقَائِلِينَ بِحَمْلِ فِعْلِهِ على الْوُجُوبِ فَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِحَمْلِهِ على الْإِبَاحَةِ وَالْوَقْفِ فَلَا شَكَّ عِنْدَهُمْ في تَقْدِيمِ الْقَوْلِ مُطْلَقًا وقال
- الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَإِلْكِيَا إنْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ وَمَضَى وَقْتُ وُجُوبِهِ ولم يَفْعَلْهُ أو فَعَلَ ضِدَّهُ عَلِمْنَا نَسْخَهُ كَتَرْكِهِ قَتْلَ شَارِبِ الْخَمْرِ في الرَّابِعَةِ بَعْدَ أَمْرِهِ بِهِ وَإِنْ فَعَلَ ما يُضَادُّهُ قبل وَقْتِ وُجُوبِهِ دَلَّ على نَسْخِ حُكْمِ قَوْلِهِ عِنْدَ من أَجَازَ نَسْخَ الشَّيْءِ قبل مَجِيءِ وَقْتِهِ ولم يُنْسَخْ عِنْدَ من مَنَعَهُ وَإِنْ قَدَّمَ الْفِعْلَ كان الْقَوْلُ نَاسِخًا له وقد اسْتَشْكَلَ جَعْلُ الْفِعْلِ نَاسِخًا لِأَنَّ شَرْطَ النَّاسِخِ مُسَاوَاتُهُ لِلْمَنْسُوخِ أو أَقْوَى وَالْفِعْلُ أَضْعَفُ وَأَجَابَ الْقَرَافِيُّ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْمُسَاوَاةُ بِاعْتِبَارِ السَّنَدِ لَا غَيْرُ وَذَلِكَ لَا يُنَاقِضُ كَوْنَهُ فِعْلًا وَلِهَذَا يَجِبُ أَنْ يُفَصَّلَ في هذه الْمَسْأَلَةِ فَيُقَالُ الْقَوْلُ وَالْفِعْلُ إنْ كان في زَمَنِهِ عليه السَّلَامُ وَبِحَضْرَتِهِ فَقَدْ اسْتَوَيَا وَإِنْ نُقِلَا إلَيْنَا تَعَيَّنَ أَنْ لَا يُقْضَى بِالنَّسْخِ إلَّا بَعْدَ اسْتِوَاءِ كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَإِنْ كان أَحَدُهُمَا مُتَوَاتِرًا وَالْآخَرُ آحَادًا مَنَعْنَا نَسْخَ الْآحَادِ لِلْمُتَوَاتِرِ قال وَهَذَا لَا بُدَّ منه ثُمَّ قال الْأُسْتَاذُ هذا كُلُّهُ فِيمَا إذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ بين الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ الصَّادِرِ منه عليه السَّلَامُ فَأَمَّا الْقَوْلُ من الْقُرْآنِ وَالْفِعْلُ من النبي عليه السَّلَامُ إذَا تَعَارَضَا فإنه يُحْمَلُ الْفِعْلُ على خَصَائِصِهِ بِهِ وَلَا يَجُوزُ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِفِعْلِهِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا نَسْخُ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ
- الْقِسْمُ الثَّالِثُ التَّقْرِيرُ وَصُورَتُهُ أَنْ يَسْكُتَ النبي عليه السَّلَامُ عن إنْكَارِ قَوْلٍ أو فِعْلٍ قِيلَ أو فُعِلَ بين يَدَيْهِ أو في عَصْرِهِ وَعَلِمَ بِهِ فَذَلِكَ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ فِعْلِهِ في كَوْنِهِ مُبَاحًا إذْ لَا يُقِرُّ على بَاطِلٍ وقال الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ هو أَنْ يَرَاهُمْ أو بَعْضَهُمْ يَفْعَلُ الْفِعْلَ أو يُخْبَرُ عَنْهُمْ أو بَعْضِهِمْ وَذَلِكَ الْفِعْلُ لَا يَحْتَمِلُ إلَّا الطَّاعَةَ من عَمَلٍ في فَرْضٍ أو عَمَلٍ لَا يَحْتَمِلُ إلَّا الْحِلَّ أو التَّحْرِيمَ عِنْدَهُمْ لَا يَنْهَاهُمْ عنه كَأَكْلِهِمْ الضَّبَّ بِحَضْرَتِهِ وَنَحْوِهِ ثُمَّ قال ابن سُرَيْجٍ في كِتَابِ الْوَدَائِعِ هو على النَّدْبِ فَقَطْ بِخِلَافِ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالْمَانِعُونَ من التَّعَلُّقِ بِفِعْلِهِ عليه السَّلَامُ يُسَلِّمُونَ أَنَّ تَقْرِيرَهُ لِغَيْرِهِ شُرِعَ لِنَفْيِ رَفْعِ الْحَرَجِ من حَيْثُ تَعَلُّقُ التَّقْرِيرِ بِالْمُقَرَّرِ فَكَانَ ذلك في حُكْمِ الْخِطَابِ بِرَفْعِ الْحَرَجِ وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فيه كما قَالَهُ ابن الْقُشَيْرِيّ وَغَيْرُهُ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا في شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ إذَا دَلَّ التَّقْرِيرُ على انْتِفَاءِ الْحَرَجِ فَهَلْ يَخْتَصُّ بِمَنْ قُرِّرَ أو يَعُمُّ سَائِرَ الْمُكَلَّفِينَ فَذَهَبَ الْقَاضِي إلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّ التَّقْرِيرَ ليس له صِيغَةٌ تَعُمُّ وَلَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَنْعَقِدَ الْإِجْمَاعُ على أَنَّ التَّحْرِيمَ إذَا ارْتَفَعَ في حَقِّ وَاحِدٍ ارْتَفَعَ في حَقِّ الْكَافَّةِ وَذَهَبَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إلَى الثَّانِي وهو الْأَظْهَرُ لِأَنَّا بَيَّنَّا أَنَّهُ في حُكْمِ الْخِطَابِ وقد تَقَرَّرَ أَنَّ خِطَابَ الْوَاحِدِ خِطَابٌ لِلْجَمِيعِ وَاخْتَارَهُ الْمَازِرِيُّ وَنَقَلَهُ عن الْجُمْهُورِ هذا إذَا لم يَكُنْ التَّقْرِيرُ مُخَصِّصًا لِلْعُمُومِ الْمُتَقَدِّمِ فَإِنْ كان كَذَلِكَ فَاخْتَلَفُوا فيه أَيْضًا وَاخْتَارَ الْآمِدِيُّ أَنَّهُ إنْ بَيَّنَ لِذَلِكَ الْفِعْلِ مَعْنًى يَقْتَضِي جَوَازَ مُخَالَفَةِ ذلك الْوَاحِدِ لِلْعُمُومِ فإنه يَتَعَدَّى إلَى كل من وُجِدَ فيه ذلك الْمَعْنَى بِالْقِيَاسِ على ما قُرِّرَ
- وقال الرَّازِيَّ إنْ ثَبَتَ أَنَّ حُكْمَهُ عليه السَّلَامُ في الْوَاحِدِ حُكْمُهُ في الْكُلِّ كان ذلك التَّقْرِيرُ تَخْصِيصًا في حَقِّ الْكُلِّ وَإِلَّا فَلَا وَاخْتَارَ ابن الْحَاجِبِ عِنْدَ فَهْمِ الْمَعْنَى قَطْعَ الْإِلْحَاقِ وَالِاخْتِصَاصِ بِمَنْ قُرِّرَ فَقَطْ وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ التَّعَدِّيَ إلَى الْكُلِّ وقد صَرَّحَ جَمْعٌ من الْأُصُولِيِّينَ بِأَنَّ الْفِعْلَ إذَا سَبَقَ تَحْرِيمُهُ فَيَبْقَى تَقْرِيرُهُ نَسْخًا لِذَلِكَ الْحُكْمِ وَلَوْلَا أَنَّ التَّقْرِيرَ يَتَعَدَّى حُكْمُهُ لَكَانَ تَخْصِيصًا لَا نَسْخًا وقد نَصَّ الشَّافِعِيُّ على أَنَّ تَقْرِيرَ النبي عليه السَّلَامُ لِلصَّلَاةِ قِيَامًا خَلْفَهُ وهو جَالِسٌ نَاسِخٌ لِأَمْرِهِ السَّابِقِ بِالْقُعُودِ الْأَمْرُ الثَّانِي إذَا تَضَمَّنَ رَفْعَ الْحَرَجِ إمَّا خَاصًّا أو عَامًّا فَهَلْ يُحْمَلُ على الْإِبَاحَةِ أو لَا يَقْضِي بِكَوْنِهِ مُبَاحًا أو وَاجِبًا أو نَدْبًا بَلْ يُحْتَمَلُ فَيَتَوَقَّفُ ذَهَبَ الْقَاضِي إلَى الثَّانِي وابن الْقُشَيْرِيّ إلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ الْأَقَلُّ وإذا قُلْنَا بِالْإِبَاحَةِ وهو الْمَشْهُورُ فَاخْتَلَفُوا في حُكْمِ الِاسْتِبَاحَةِ لِمَا أَقَرَّ على وَجْهَيْنِ حَكَاهُمَا إلْكِيَا وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مُبَاحٌ بِالْأَصْلِ الْمُتَقَدِّمِ وهو بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ فَلَا يَنْتَقِلُ إلَّا بِسَبَبٍ وَهَذَا منهم تَعَلُّقٌ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ وَالثَّانِي أَنَّهُ مُبَاحٌ بِالشَّرْعِ حين أُقِرُّوا عليها وَهُمَا الْوَجْهَانِ في أَصْلِ الْأَشْيَاءِ قبل وُرُودِ الشَّرْعِ هل كانت على الْإِبَاحَةِ حتى حَظَرَهَا الشَّارِعُ أو على الْحَظْرِ حتى أَبَاحَهَا ولم يَقِفْ الشَّيْخُ السُّبْكِيُّ على هذا الْخِلَافِ وَسَأَلَهُ الصَّدْرُ بن الْوَكِيلِ فلم يَسْتَحْضِرْ فيه نَصًّا وَرَجَّحَ أَنَّهُ يَدُلُّ على الْإِبَاحَةِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِقْدَامُ على فِعْلٍ حتى يُعْرَفَ حُكْمُهُ فَمِنْ هُنَا دَلَّ التَّقْرِيرُ على الْإِبَاحَةِ شُرُوطُ حُجِّيَّةِ التَّقْرِيرِ إذَا ثَبَتَ هذا فَإِنَّمَا يَكُونُ التَّقْرِيرُ حُجَّةً بِشُرُوطٍ أَحَدُهَا أَنْ يَعْلَمَ بِهِ فَإِنْ لم يَعْلَمْ بِهِ لَا يَكُونُ حُجَّةً وهو ظَاهِرٌ من لَفْظِ التَّقْرِيرِ وَخَرَجَ من هذا ما فُعِلَ في عَصْرِهِ مِمَّا لم يَطَّلِعْ عليه غَالِبًا كَقَوْلِهِمْ كنا نُجَامِعُ وَنَكْسَلُ وما فُعِلَ في عَهْدِهِ عليه السَّلَامُ ولم يُعْلَمْ انْتِشَارُهُ انْتِشَارًا يَبْلُغُ النبي عليه السَّلَامُ فَهَلْ يُجْعَلُ ذلك سُنَّةً وَشَرِيعَةً من شَرَائِعِهِ جَزَمَ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في الْمُلَخَّصِ بِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ في شَرْحِ التَّرْتِيبِ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فيه وَلِهَذَا قال في الْأَقِطِ هل يَجُوزُ في الْفِطْرَةِ أَمْ لَا على قَوْلَيْنِ لِأَنَّهُ لم يَكُنْ قد عُلِمَ أَنَّهُ بَلَغَ النبي عليه السَّلَامُ ما كَانُوا يُخْرِجُونَهُ في الزَّكَاةِ في الْأَقِطِ لِأَنَّهُ رُوِيَ عن بَعْضِ
- الصَّحَابَةِ أَنَّهُ قال كنا نُخْرِجُ على عَهْدِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم صَاعًا من أَقِطٍ فَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ الْقَوْلَ في هذا على وَجْهَيْنِ ا هـ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ إذَا قال الصَّحَابِيُّ كَانُوا يَفْعَلُونَ كَذَا وَأَضَافَهُ إلَى عَصْرِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وكان مِمَّا لَا يَخْفَى مِثْلُهُ حُمِلَ على الْإِقْرَارِ وَيَكُونُ شَرْعًا لنا وَإِنْ كان مِثْلُهُ يَخْفَى فَإِنْ تَكَرَّرَ منه ذِكْرُهُ حُمِلَ على إقْرَارِهِ لِأَنَّ الْأَغْلَبَ فِيمَا كَثُرَ أَنَّهُ لَا يَخْفَى كَقَوْلِ أبي سَعِيدٍ كنا نُخْرِجُ صَدَقَةَ الْفِطْرِ في زَمَنِ النبي عليه السَّلَامُ صَاعًا من تَمْرٍ أو صَاعًا من شَعِيرٍ أو صَاعًا من بُرٍّ قال وَعَلَى هذا إذَا خَرَّجَ الرَّاوِي الرِّوَايَةَ مَخْرَجَ الْكَثِيرِ بِأَنْ قال كَانُوا يَفْعَلُونَ كَذَا حُمِلَتْ الرِّوَايَةُ على عَمَلِهِ وَإِقْرَارِهِ وَصَارَ كَالْمَنْقُولِ شَرْعًا وَإِنْ تَجَرَّدَ عن لَفْظِ التَّكْثِيرِ كَقَوْلِهِ فَعَلُوا كَذَا فَهُوَ مُحْتَمَلٌ وَلَا يَثْبُتُ شَرْعٌ بِاحْتِمَالٍ أَمَّا إذَا أَضَافَهُ إلَى عَصْرِ الصَّحَابَةِ أو أَطْلَقَ فَسَيَأْتِي الشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ قَادِرًا على الْإِنْكَارِ كَذَا قال ابن الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ من خَصَائِصِهِ عَدَمَ سُقُوطِ وُجُوبِ تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ بِالْخَوْفِ على النَّفْسِ وَعَدَمَ السُّقُوطِ في الْحَقِيقَةِ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ منه خَوْفٌ على نَفْسِهِ بَعْدَ إخْبَارِ اللَّهِ بِعِصْمَتِهِ في قَوْلِهِ وَاَللَّهُ يَعْصِمُك من الناس قال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ في تَعْلِيقِهِ وَإِنَّمَا اخْتَصَّ عليه السَّلَامُ بِوُجُوبِهِ لِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ اللَّهَ ضَمِنَ له النَّصْرَ وَالظَّفَرَ بِقَوْلِهِ إنَّا كَفَيْنَاك الْمُسْتَهْزِئِينَ الثَّانِي أَنَّهُ لو لم يُنْكِرْهُ لَكَانَ يُوهِمُ أَنَّ ذلك جَائِزٌ وَإِلَّا لَأَمَرَ بِتَرْكِهِ ا هـ وَحِينَئِذٍ فَلَا يُعْقَلُ هذا الشَّرْطُ الشَّرْطُ الثَّالِثُ كَوْنُ الْمُقَرِّ على الْفِعْلِ مُنْقَادًا لِلشَّرْعِ سَامِعًا مُطِيعًا فَالْمُمْتَنِعُ كَالْكَافِرِ لَا يَكُونُ التَّقْرِيرُ في حَقِّهِ دَالًّا على الْإِبَاحَةِ وَأَلْحَقَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْمُنَافِقَ وَنَازَعَهُ الْمَازِرِيُّ لِأَنَّا نُجْرِي عليه الْأَحْكَامَ ظَاهِرًا وهو كما قال لِأَنَّهُ من أَهْلِ الِالْتِزَامِ وَالِانْقِيَادِ في الْجُمْلَةِ وَحَكَى الْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ في تَقْرِيرِ الْمُنَافِقِ خِلَافًا وَمَالَ إلْكِيَا إلَى ما قَالَهُ إمَامُهُ قال لِأَنَّهُ عليه السَّلَامُ كان كَثِيرًا ما يَسْكُتُ عن الْمُنَافِقِينَ عِلْمًا منه أَنَّ الْعِظَةَ لَا تَنْفَعُ مَعَهُمْ وَإِنْ كان الْعَذَابُ حَقِيقًا بِهِمْ وَشَرَطَ ابن أبي هُرَيْرَةَ في تَعْلِيقِهِ كَوْنَ التَّقْرِيرِ بَعْدَ ثُبُوتِ الشَّرْعِ وَأَمَّا ما كان يُقِرُّ
- عليه قبل اسْتِقْرَارِ الشَّرْعِ حين كان دَاعِيًا إلَى الْإِسْلَامِ فَلَا وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى الثَّانِي وَشَرَطَ ابن السَّمْعَانِيِّ أَنْ لَا يَتَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ إنْكَارٌ سَابِقٌ قال وإذا ذَمَّ الرَّسُولُ فَاعِلًا بَعْدَ إقْرَارِهِ على فِعْلِ مِثْلِهِ دَلَّ على حَظْرِهِ بَعْدَ إبَاحَتِهِ وَإِنْ كان الْآخَرُ هو الذَّمُّ بَعْدَ الْإِقْرَارِ دَلَّ على الْحَظْرِ بَعْدَ الْإِبَاحَةِ قال وإذا عُلِمَ من حَالِ مُرْتَكِبِ الْمُنْكَرِ أَنَّ الْإِنْكَارَ عليه يَزِيدُهُ إغْرَاءً على مِثْلِهِ فَإِنْ عَلِمَ بِهِ غَيْرُ الرَّسُولِ لم يَجِبْ عليه الْإِنْكَارُ لِئَلَّا يَزْدَادَ من الْمُنْكَرِ بِالْإِغْرَاءِ وَإِنْ عَلِمَ بِهِ الرَّسُولُ فَفِي إنْكَارِهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَجِبُ لِمَا ذُكِرَ وهو قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ وَالثَّانِي يَجِبُ إنْكَارُهُ لِيَزُولَ بِالْإِنْكَارِ تَوَهُّمُ الْإِبَاحَةِ قال وَهَذَا الْوَجْهُ أَظْهَرُ وهو قَوْلُ الْأَشْعَرِيَّةِ وَعَلَيْهِ يَكُونُ الرَّسُولُ مُخَالِفًا لِغَيْرِهِ لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ وَالْحَظْرَ شَرْعٌ مُخْتَصٌّ بِالرَّسُولِ دُونَ غَيْرِهِ وَشَرَطَ ابن الْقُشَيْرِيّ أَنْ لَا نَجِدَ لِلسُّكُوتِ مَحْمَلًا سِوَى التَّقْرِيرِ وَرَفْعِ الْحَرَجِ فَلَوْ كان مُشْتَغِلًا بِبَيَانِ حُكْمٍ مُسْتَغْرِقًا فيه فَرَأَى إنْسَانًا على أَمْرٍ ولم يَتَعَرَّضْ له فَلَا يَكُونُ تَرْكُهُ ذلك تَقْرِيرًا إذْ لَا يُمْكِنُهُ تَقْرِيرُ جَمِيعِ الْمَوَانِعِ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ قال وَلِهَذَا أَقُولُ ليس كُلُّ ما كان عليه الناس في صَدْرِ الشَّرْعِ ثُمَّ تَغَيَّرَ الْأَمْرُ لَا يُدَّعَى فيه النَّسْخُ بَلْ إذَا ثَبَتَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ ثُمَّ تَغَيَّرَ فَهُوَ النَّسْخُ فَأَمَّا ما كان عليه الناس في الْجَاهِلِيَّةِ ثُمَّ قَرَّرَ الرَّسُولُ فيه حُكْمًا فَلَا يُقَالُ كان ذلك الْمُتَقَدِّمُ شَرْعًا مُسْتَمِرًّا ثُمَّ نُسِخَ إذْ رُبَّمَا لم يَتَفَرَّغْ الرَّسُولُ لِبَيَانِهِ أو لم يَتَذَكَّرْهُ مِثَالُهُ قَوْلُ الْخَصْمِ في نِكَاحِ الْمُشْرِكَاتِ كان قد تَقَرَّرَ في ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ انْتِفَاءُ الْحَظْرِ في الْمَنْكُوحَاتِ ثُمَّ طَرَأَ الْحَظْرُ فَنُسِخَ ذلك الْحُكْمُ وَهَذَا مُجَازَفَةٌ إذْ من الْمُمْكِنِ أَنَّهُمْ كَانُوا ولم يَكُنْ ذلك شَرْعًا بَلْ جَرْيًا على حُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ ثُمَّ بَيَّنَ النبي عليه السَّلَامُ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ على أَرْبَعٍ بَيَانًا مُبْتَدَأً وَأَمَّا إذَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ سُكُوتُهُ مَحْمُولًا على أَنَّ جِبْرِيلَ عليه السَّلَامُ لم يُبَيِّنْ له بَعْدَ ذلك الْحُكْمَ لم يُقْطَعْ بِمَشْرُوعِيَّةِ ذلك التَّقْرِيرِ بَلْ يُقَالُ بِانْتِفَاءِ الْحُكْمِ إذْ لَا عُثُورَ فيه على شَرْعٍ لِانْدِرَاسِ الشَّرَائِعِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَهَذَا لَا يُقْضَى فيه بِحُكْمٍ أَصْلًا ا هـ صُوَرُ التَّقْرِيرِ ثُمَّ في التَّقْرِيرِ صُوَرٌ تَعَرَّضَ لها الشَّيْخُ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ إحْدَاهَا أَنْ يُخْبِرَ النبي عليه السَّلَامُ عن وُقُوعِ فِعْلٍ في الزَّمَنِ الْمَاضِي على وَجْهٍ من الْوُجُوهِ وَيَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ حُكْمٍ من الْأَحْكَامِ هل هو من لَوَازِمِ ذلك الْفِعْلِ فإذا
- سَكَتَ عن بَيَانِ كَوْنِهِ لَازِمًا دَلَّ على أَنَّهُ ليس من لَوَازِمِ ذلك الْفِعْلِ كما لو أَخْبَرَ بِإِتْلَافٍ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ تَعَلُّقِ الضَّمَانِ أو عَدَمِهِ كَإِتْلَافِ خَمْرِ الذِّمِّيِّ مَثَلًا فَسُكُوتُهُ يَدُلُّ على عَدَمِ تَعَلُّقِ الضَّمَانِ بِهِ وَكَمَا لو أَخْبَرَ عن وُقُوعِ الْعِبَادَةِ الْمُؤَقَّتَةِ على وَجْهٍ ما وَيَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِ الْقَضَاءِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا فإذا لم يُبَيِّنْهُ دَلَّ على عَدَمِ وُجُوبِ الْقَضَاءِ وَثَانِيَتُهَا أَنْ يُسْأَلَ عن قَوْلٍ أو فِعْلٍ لَا يَلْزَمُ من سُكُوتِهِ عليه مَفْسَدَةٌ في نَفْسِ الْأَمْرِ لَكِنْ قد يَكُونُ ظَنُّ الْفَاعِلِ أو الْقَائِلِ يَقْتَضِي أَنْ تَتَرَتَّبَ عليه مَفْسَدَةٌ على تَقْدِيمِ امْتِنَاعِهِ فَهَلْ يَكُونُ هذا السُّكُوتُ دَلِيلًا على الْجَوَازِ بِنَاءً على ظَنِّ الْمُتَكَلِّمِ أو لَا لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ منه مَفْسَدَةٌ في نَفْسِ الْأَمْرِ لَكِنَّ الْمُطَلِّقَ إنَّمَا أَرْسَلَ الثَّلَاثَ بِنَاءً على ظَنِّهِ بَقَاءَ النِّكَاحِ فَيَقْضِي ظَنُّهُ بِكَوْنِ الْمَفْسَدَةِ وَاقِعَةً على تَقْدِيرِ امْتِنَاعِ الْإِرْسَالِ هذا إذَا ظَهَرَ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ وَالْحَاضِرِينَ عَقِبَ طَلَاقِهِ أَنَّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ بِاللِّعَانِ وَإِلَّا فَيَكُونُ الْبَيَانُ وَاجِبًا لِمَفْسَدَةِ الْوُقُوعِ في الْإِرْسَالِ وَمِثَالُهُ أَيْضًا اسْتِبْشَارُهُ عليه السَّلَامُ بِإِلْحَاقِ الْقَائِفِ عليه السَّلَامُ نَسَبَ أُسَامَةَ بن زَيْدٍ فإن الَّذِينَ لَا يَعْتَبِرُونَ إلْحَاقَ الْقَائِفِ يَعْتَذِرُونَ بِأَنَّ الْإِلْحَاقَ مَفْسَدَةٌ في صُورَةِ الِاشْتِبَاهِ وَنَسَبُ أُسَامَةَ لَاحِقٌ بِالْفِرَاشِ في حُكْمِ الشَّرْعِ فَلَا تَتَحَقَّقُ الْمَفْسَدَةُ عِنْدَهُمْ في نَفْسِ الْأَمْرِ لَكِنْ لَمَّا كان الطَّاعِنُونَ في النِّسْبَةِ اعْتَقَدُوا أَنَّ إلْحَاقَ الْقَافَةِ صَحِيحٌ اقْتَضَى ذلك الظَّنُّ منهم مع ثُبُوتِ النَّسَبِ شَرْعًا عَدَمَ الْمَفْسَدَةِ في إلْحَاقِ الْقَائِفِ وَثَالِثَتُهَا أَنْ يُخْبَرَ عن حُكْمٍ شَرْعِيٍّ بِحَضْرَتِهِ عليه السَّلَامُ فَيَسْكُتُ عنه فَيَدُلُّ ذلك على الْحُكْمِ كما لو قِيلَ بِحَضْرَتِهِ هذا الْفِعْلُ وَاجِبٌ أو مَحْظُورٌ إلَى غَيْرِهِمَا من الْأَحْكَامِ وَرَابِعَتُهَا أَنْ يُخْبَرَ بِحَضْرَتِهِ عن أَمْرٍ ليس بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُطَابِقًا وَأَنْ لَا يَكُونَ فَهَلْ يَكُونُ سُكُوتُهُ دَلِيلًا على مُطَابَقَتِهِ كَحَلِفِ عُمَرَ بِحَضْرَتِهِ أَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ الدَّجَّالُ ولم يُنْكِرْ عليه فَهَلْ يَدُلُّ على كَوْنِهِ هو وفي تَرْجَمَةِ بَعْضِ أَهْلِ
- الحديث ما يُشْعِرُ بِأَنَّهُ ذَهَبَ إلَى ذلك قال الشَّيْخُ وَالْأَقْرَبُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَدُلُّ لِأَنَّ مَأْخَذَ الْمَسْأَلَةِ وَمَنَاطَهَا أَعْنِي كَوْنَ التَّقْرِيرِ حُجَّةً هو الْعِصْمَةُ من التَّقْرِيرِ على بَاطِلٍ وَذَلِكَ يَتَوَقَّفُ على تَحَقُّقِ الْبُطْلَانِ وَلَا يَكْفِي فيه تَحَقُّقُ الْعِصْمَةِ نعم التَّقْرِيرُ يَدُلُّ على جَوَازِ الْيَمِينِ على حَسَبِ الظَّنِّ وَأَنَّهَا لَا تَتَوَقَّفُ على الْعِلْمِ لِأَنَّ عُمَرَ حَلَفَ على حَسَبِ ظَنِّهِ وَأَقَرَّهُ عليه ا هـ وَيَلْتَحِقُ بِالتَّقْرِيرِ صُوَرٌ أُخْرَى إحْدَاهَا ذَكَرَهَا ابن السَّمْعَانِيِّ وَهِيَ ما يَبْلُغُ النبي عليه السَّلَامُ عَنْهُمْ وَيَعْلَمُهُ ظَاهِرًا من حَالِهِمْ وَتَقَرَّرَ عِنْدَهُ من عَادَاتِهِمْ مِمَّا سَبِيلُهُ الِانْتِشَارُ وَالِاشْتِهَارُ فَلَا يَتَعَرَّضُ له بِنَكِيرٍ كَنَوْمِ الصَّحَابَةِ قُعُودًا يَنْتَظِرُونَ الصَّلَاةَ فَلَا يَأْمُرُهُمْ بِتَجْدِيدِ الطَّهَارَةِ وَكَعِلْمِهِ بِأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَتَعَامَلُونَ بِالرِّبَا وَيَشْرَبُونَ الْخَمْرَ فَلَا يَتَعَرَّضُ لهم قال وَيَتَّصِلُ بهذا ما اسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا بِهِ من إسْقَاطِ الزَّكَاةِ في أَشْيَاءَ سَكَتَ النبي عليه السَّلَامُ عنها من الزَّيْتُونِ وَالرُّمَّانِ وَنَحْوِهِمَا وَذَلِكَ أَنَّهُ كان لَا يَخْفَى عليه أَنَّ الناس يَتَّخِذُونَهَا كما يَتَّخِذُونَ الْكُرُومَ وَالنَّخِيلَ وكان الْأَمْرُ في إرْسَالِهِ الْمُصَدِّقِينَ وَالسُّعَاةَ في أَقْطَارِ الْأَرْضِ ظَاهِرًا بَيِّنًا وكان إذَا بَعَثَهُمْ كَتَبَ لهم الْكُتُبَ فَتُقْرَأُ بِحَضْرَتِهِ وَيَشْهَدُ عليها فَلَوْ كان يَجِبُ فيها شَيْءٌ لَأَمَرَ بِأَخْذِهِ وَلَوْ أَمَرَ لَظَهَرَ كما ظَهَرَ غَيْرُهُ من الْأَشْيَاءِ التي فيها الْوُجُوبُ لِلْأَخْذِ فلما لم يَكُنْ كَذَلِكَ دَلَّ على سُقُوطِ الزَّكَاةِ عنها وَأَمَّا قَوْلُ من رَوَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَبِيعُونَ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ على عَهْدِ النبي عليه السَّلَامُ فَإِنَّهَا لم تَجْرِ بهذا الْمَجْرَى في الدَّلَالَةِ على جَوَازِ بَيْعِهِنَّ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ هل كان يَبْلُغُهُ هذا الْفِعْلُ عَنْهُمْ أو لم يَظْهَرْ له ذلك وقد قام الدَّلِيلُ على فَسَادِ بَيْعِهِنَّ من وُجُوهٍ فلم يُعْتَرَضْ بِهِ على تِلْكَ الدَّلَالَةِ وَهَكَذَا ذَكَرَ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ في كِتَابِهِ من صُوَرِ كَوْنِ الشَّيْءِ من الْأُمُورِ الْعَامَّةِ وَلَا يَتَعَرَّضُ فيه بِالْأَخْذِ وَالْإِيجَابِ فَيُعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ كما قال الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ في الْخَضْرَاوَاتِ كانت على عَهْدِ الرَّسُولِ فلم يَبْلُغْهُمَا أَنَّهُ أَخَذَ منها الزَّكَاةَ أو أَوْجَبَهَا
- قال وَهَذَا فِيمَا إذَا كان تَرْكُهُ يُؤَدِّي إلَى تَرْكِ الْفَرْضِ فَأَمَّا الْمُبَايَعَاتُ وَالْإِجَارَةُ التي لم تَرِدْ فيها النُّصُوصُ الْمُبَيِّنَةُ لِلصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ فَلَا يَكُونُ الْإِمْسَاكُ عنه دَلِيلًا على الصِّحَّةِ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْفَوَاتِ وقد أَقَامَ الدَّلِيلَ عليه من الْمَعَانِي الْمُودَعَةِ في النُّصُوصِ وَلَا يَكْفِي إقَامَةُ الدَّلَالَةِ في مِثْلِ الْخَضْرَاوَاتِ بَلْ الْأَخْذُ وَالتَّقَدُّمُ بِالْإِحْرَامِ إنْ كان فيها فَرْضٌ ا هـ أَحْكَامُ سُكُوتِهِ ثُمَّ تَكَلَّمَ ابن السَّمْعَانِيِّ على أَحْكَامِ سُكُوتِهِ وقد نَقَلَهَا إلَى دَلِيلِ مَسْأَلَةِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ لِأَنَّهُ ذَكَرَهَا هُنَاكَ فَلْتُرَاجَعْ وقد ذَكَرَهَا إلْكِيَا وهو أَنْ يَسْكُتَ عَمَّا لم تَشْتَمِلْ عليه أَدِلَّةُ الشَّرْعِ وَمِمَّا ذُكِرَ له في الْقُرْآنِ وَالْمُسْتَفْتِي ليس خَبِيرًا بِأَدِلَّةِ الشَّرْعِ بَصِيرًا بِالْأَحْكَامِ قال فَسُكُوتُ الرَّسُولِ صلى اللَّهُ عليه وسلم في مِثْلِ ذلك حُجَّةٌ وَإِلَّا لَزِمَ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عن وَقْتِ الْحَاجَةِ فإنه لو كان وَاجِبًا عليه لَبَيَّنَهُ وَمِثَالُهُ ما رُوِيَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا مُحْرِمًا جاء إلَى الرَّسُولِ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ مُضَمَّخٌ بِالْخَلُوقِ فقال له عليه السَّلَامُ انْزِعْ الْجُبَّةَ وَاغْسِلْ الصُّفْرَةَ وَاصْنَعْ في حَجَّتِك ما تَصْنَعُ في عُمْرَتِك ولم يَتَعَرَّضْ لِوُجُوبِ الْفِدْيَةِ وَلَوْ وَجَبَتْ لَبَيَّنَهَا لِجَهْلِ الْأَعْرَابِيِّ فإن من جَهِلَ جَوَازَ اللُّبْسِ فَهُوَ بِالْفِدْيَةِ أَجْهَلُ وَكَذَلِكَ سُكُوتُهُ في قَضِيَّةِ الْأَعْرَابِيِّ الْمَجَامِعِ عن بَيَانِ حَالِ الْمَرْأَةِ قال وَمِنْ هذا الْقَبِيلِ اسْتِدْلَالُ الشَّافِعِيِّ في مَسْأَلَةِ الْخَارِجِ من غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ بِأَنَّهُ ليس من الْأَحْدَاثِ لِأَنَّ الْأَحْدَاثَ مُقْصَاةٌ من الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَوْ كان من قَبِيلِ الْأَحْدَاثِ لَذُكِرَ في الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَلَوْ كان حَدَثًا كان من الْأَحْدَاثِ الْمَشْهُورَةِ التي تَعُمُّ بها الْبَلْوَى وَاقْتِبَاسُ ذلك من الْقِيَاسِ غَيْرُ مُمْكِنٍ وَكَذَلِكَ قال في صَلَاةِ الْمَغْرِبِ بَيَّنَ جِبْرِيلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَقْتَيْنِ ولم يُبَيِّنُ لِلْمَغْرِبِ وَقْتَيْنِ وَإِنَّمَا جاء مُبَيِّنًا لِلْأَوْقَاتِ فَلَوْ كان لها وَقْتَانِ لَبَيَّنَهُ جِبْرِيلُ قال وَيُشْتَرَطُ في هذا أَنْ يَكُونَ الْمَسْكُوتُ عنه لم تَشْمَلْهُ أَدِلَّةُ الشَّرْعِ فَلَوْ كان له ذِكْرٌ فيها كما لو أتى بِزَانٍ فَأَمَرَ بِالْجَلْدِ ولم يذكر الْمَهْرَ وَالْعِدَّةَ وَنَحْوَهُمَا
- فَذَلِكَ مِمَّا لَا يُحْتَجُّ بِهِ لِأَنَّ ذلك يُحَالُ بِهِ على الْبَيَانِ في غَيْرِ الْمَوْضِعِ قال وَعَلَى هذا سُكُوتُ الرَّاوِي قد يُحْتَجُّ بِهِ وقد لَا يُحْتَجُّ بِهِ فإذا سَاقَ الرَّاوِي قَضِيَّةً ظَهَرَ منها أَنَّهُ بَعْدَ اسْتِغْرَاقِهَا بِالْحِكَايَةِ أَنَّهُ لم يُغَادِرُ من مَشَاهِيرِ أَحْكَامِهَا شيئا كما نَقَلَ الرَّاوِي قَضِيَّةَ مَاعِزٍ من مُفْتَتَحِهَا إلَى مُخْتَتَمِهَا ولم يَنْقُلْ أَنَّهُ جَلَدَ وَرُدَّ على هذا من ظَنِّ الْمُعْتَرِضِ أَنَّ الْجَلْدَ لَا يَتَشَوَّفُ إلَى نَقْلِهِ عِنْدَ نَقْلِ الرَّجْمِ فإنه غَيْرُ مُحْتَفَلٍ بِهِ في مِثْلِ ذلك وَيُجَابُ بِأَنَّ سِيَاقَ الْقَضِيَّةِ وَاسْتِغْرَاقَهُ بِتَفَاصِيلِهَا بِالْحِكَايَةِ من غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْجَلْدِ دَلِيلٌ على نَفْيِ الْجَلْدِ إذْ لو جَرَى الْجَلْدُ لَنَقَلَهُ وَمِنْهُ حِكَايَةُ الْمَوَاقِعِ في الصُّوَرِ النَّادِرَةِ وَالظَّنُّ بِالرَّاوِي أَنَّهُ إذَا نَقَلَ الحديث أَنْ يَنْقُلَ بِصُورَتِهَا إذَا كانت الصُّورَةُ نَادِرَةً فإذا سَكَتَ عنها فَسُكُوتُهُ حُجَّةٌ مِثَالُهُ ما رُوِيَ أَنَّهُ عليه السَّلَامُ أَقَادَ مُسْلِمًا بِكَافِرٍ وقال أنا أَحَقُّ من وَفَّى بِذِمَّتِهِ قال بَعْضُ الْمُتَأَوِّلِينَ لَعَلَّ كَافِرًا قَتَلَ كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ الْقَاتِلُ وفي ذلك نَظَرٌ فإنه لو كان لَنُقِلَ مِثْلُ ذلك على نُدُورٍ وَتَشَوُّفِ الطِّبَاعِ إلَى نَقْلِ الْغَرَائِبِ وَهَذَا حَسَنٌ ا هـ الثَّانِيَةُ إذَا اسْتَبْشَرَ من فِعْلِ الشَّيْءِ أو قَوْلِهِ كان ذلك دَلِيلًا على كَوْنِهِ جَائِزًا حَسَنًا لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحْسِنُ مَمْنُوعًا منه يَبْقَى أَنَّهُ هل اسْتَحْسَنَهُ لِكَوْنِهِ مَنْدُوبًا إلَيْهِ شَرْعًا أو لِكَوْنِهِ لِغَرَضٍ عَادِيٍّ فيه احْتِمَالٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يَطْرُقَهُ الْخِلَافُ السَّابِقُ وَالْأَوْلَى حَمْلُهُ على الشَّرْعِيِّ لِأَنَّهُ الْأَغْلَبُ من حَالِهِ عليه السَّلَامُ وَلِكَوْنِهِ مَبْعُوثًا لِبَيَانِ الشَّرْعِيَّاتِ وَأَمَّا غَضَبُهُ وَتَغَيُّرُ وَجْهِهِ الْكَرِيمِ من شَيْءٍ فَذَلِكَ يَدُلُّ على مَنْعِ ذلك الشَّيْءِ ثُمَّ هل ذلك الْمَنْعُ على جِهَةِ التَّحْرِيمِ أو الْكَرَاهِيَةِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَجِيءَ فيه الْخِلَافُ وَالْمَرْجِعُ في هذا النَّظَرُ في قَرَائِنِ أَحْوَالِهِ وَقْتَ غَضَبِهِ فَيُحْكَمُ بها فَإِنْ لم تَكُنْ قَرِينَةٌ أو لم يَفْعَلْ فَالظَّاهِرُ التَّحْرِيمُ وَاعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِبْشَارَ أَقْوَى في الدَّلَالَةِ على الْجَوَازِ من السُّكُوتِ وَلِذَلِكَ تَمَسَّكَ الشَّافِعِيُّ في إثْبَاتِ الْقِيَافَةِ وَإِلْحَاقِ النَّسَبِ بها بِاسْتِبْشَارِ النبي بِقَوْلِ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ وقد بَدَتْ
- له أَقْدَامُ زَيْدٍ وَأُسَامَةَ إنَّ هذه الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا من بَعْضٍ وَاسْتَضْعَفَهُ الْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ وقال إنَّمَا سُرَّ بِكَلِمَةِ صِدْقٍ صَدَرَتْ مِمَّنْ هو مَقْبُولُ الْقَوْلِ فِيمَا بين الْكُفَّارِ على مُنَاقَضَةِ قَوْلِهِمْ لَمَّا قَدَحُوا في نِسْبَةِ أُسَامَةَ إلَى زَيْدٍ إذْ كان رسول اللَّهِ قد تَأَذَّى بِهِ وَغَايَتُهُ أَنَّهُ أَلْحَقَ نَسَبَهُ بِمَعْلُومٍ عِنْدَهُ ا هـ وَرَدَّ عليه الطَّرَسُوسِيُّ وقال لو احْتَجَّ النبي عليه السَّلَامُ عليه بِمَا لَا يَعْتَقِدُهُ لَدُحِضَتْ حُجَّتُهُ عِنْدَهُمْ وَلَقَالُوا كَيْفَ تَحْتَجُّ عَلَيْنَا بِالرَّمْزِ وَالْقِيَافَةِ وَأَنْتَ لَا تَقُولُ بِهِ وَنَقَلَ إلْكِيَا أَنَّ هذا السُّؤَالَ أُورِدَ على الشَّافِعِيِّ فَقِيلَ له إنَّمَا ثَبَتَ نَسَبُهُ بِالرَّسُولِ وَقَوْلُ مُجَزِّزٍ لَغْوٌ إذْ الْقَائِفُ يُقْضَى بِهِ في بَيَانِ نَسَبٍ مُلْتَبِسٍ وَلَكِنْ كان الِاسْتِبْشَارُ لِانْقِطَاعِ مَظَاهِرِ الْكُفَّارِ عن نَسَبِ أُسَامَةَ بن زَيْدٍ فقال مُجِيبًا لو لم يَكُنْ لِلْقِيَافَةِ أَصْلٌ لم يَسْتَبْشِرْ فإن ذلك يُوهِمُ التَّلْبِيسَ وقد كان شَدِيدَ النَّكِيرِ على الْكُهَّانِ وَالْمُنَجِّمِينَ وَمَنْ لَا يَسْتَنِدُ قَوْلُهُمْ إلَى أَصْلٍ شَرْعِيٍّ وَلَوْ لم تَكُنْ الْقِيَافَةُ مُعْتَبَرَةً لَكَانَتْ من هذا الْقَبِيلِ
- الْقِسْمُ الرَّابِعُ ما هَمَّ بِهِ وَلِهَذَا اسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ في الْجَدِيدِ لِلْخَطِيبِ في الِاسْتِسْقَاءِ مع تَحْوِيلِ الرِّدَاءِ تَنْكِيسَهُ بِجَعْلِ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ مُحْتَجًّا بِأَنَّهُ عليه السَّلَامُ اسْتَسْقَى وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ أَسْفَلَهَا فَيَجْعَلَهُ أَعْلَاهَا فلما ثَقُلَتْ عليه قَلَبَهَا على عَاتِقِهِ قال الشَّافِعِيُّ فَيُسْتَحَبُّ الْإِتْيَانُ بِمَا هَمَّ بِهِ الرَّسُولُ وَعِنْدَ التَّعَارُضِ قال الْأَصْحَابُ وَمِنْهُمْ الرَّافِعِيُّ في كِتَابِ الْإِحْرَامِ نَقْلًا عن الشَّافِعِيِّ إنَّهُ يُقَدَّمُ الْقَوْلُ على الْفِعْلِ ثُمَّ الْهَمُّ الْقِسْمُ الْخَامِسُ ما أَشَارَ إلَيْهِ كَإِشَارَتِهِ عليه السَّلَامُ بِأَصَابِعِهِ الْعَشْرِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ إلَى أَيَّامِ الشَّهْرِ الْكَامِلِ حَيْثُ قال الشَّهْرُ كَذَا وَكَذَا ثُمَّ أَشَارَ مِثْلَ ذلك وَقَبَضَ في الثَّالِثَةِ الْإِبْهَامَ فَبَيَّنَ بِهَذِهِ الْإِشَارَةِ أَنَّ الشَّهْرَ قد يَكُونُ ثَلَاثِينَ وقد يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ وَقَوْلُهُ الشَّهْرُ عَامٌّ في الشُّهُورِ كُلِّهَا من حَيْثُ إنَّهُ لَا مَعْهُودَ يَصِيرُ إلَيْهِ وَهَذَا مُبْطِلٌ لِقَوْلِ من قال إنَّ رَمَضَانَ لَا يَنْقُصُ حَكَاهُ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ
- الْقِسْمُ السَّادِسُ الْكِتَابَةُ مِثْلُ كِتَابَتِهِ إلَى عُمَّالِهِ في الصَّدَقَاتِ وَسَائِرِ الْأَحْكَامِ وزاد الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ التَّنْبِيهَ على الْعِلَّةِ كَحَصْرِهِ الرِّبَا في سِتَّةِ أَشْيَاءَ تَنْبِيهًا على جَرَيَانِهِ في كل ما شَارَكَهَا قال وَيُقَدَّمُ الْقَوْلُ ثُمَّ الْفِعْلُ ثُمَّ الْإِشَارَةُ ثُمَّ الْكِتَابَةُ ثُمَّ التَّنْبِيهُ على الْعِلَّةِ وَهَذَا ذَكَرَهُ الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ فذكر أَنَّ سُنَّتَهُ مُنْحَصِرَةٌ في أَرْبَعٍ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالتَّقْرِيرِ ثُمَّ قال وَالرَّابِعُ أَنْ يَرَوْهُ عليه السَّلَامُ يَفْعَلُ أو يَتْرُكُ فَيَفْهَمُهُ أَخِصَّاؤُهُ عنه وما أَرَادَ بِهِ فَيَتَدَيَّنُوا بِذَلِكَ لِفَهْمِهِمْ عن نَبِيِّهِمْ مُرَادَ اللَّهِ في قَوْلِهِ أو فِعْلِهِ وَإِنْ كان الْقَوْلُ وَالْفِعْلُ في الظَّاهِرِ أَقَلَّ من الْمَعْنَى كَنَهْيِهِ عن الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ الرِّبَوِيَّةِ فَأَجْمَعُوا على أَنَّ كُلَّ طَعَامٍ له مَرْجُوعٌ وَاحِدٌ يَقُومُ مَقَامَ ذلك في الرَّبَّا وَأَجْمَعُوا فَقَالُوا كُلُّ ما لم يُسَمِّهِ لنا النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِعَيْنِهِ فَهُوَ لنا مُبَاحٌ وَكَذَلِكَ الزَّكَاةُ في الْبَقَرِ وَأَجْمَعُوا على أَنَّ الْجَوَامِيسَ كَذَلِكَ إذْ هو في مَعْنَاهُ وَذَكَرَ لِذَلِكَ نَظَائِرَ
- الْقِسْمُ السَّابِعُ التَّرْكُ لم يَتَعَرَّضُوا لِتَرْكِهِ عليه السَّلَامُ وقد احْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ دَلَالَةِ الْفِعْلِ على الْوُجُوبِ أَنَّهُ لو دَلَّ عليه لَدَلَّ التَّرْكُ على الْوُجُوبِ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ إذَا تَرَكَ الرَّسُولُ شيئا وَجَبَ عَلَيْنَا مُتَابَعَتُهُ فيه أَلَا تَرَى أَنَّهُ عليه السَّلَامُ لَمَّا قُدِّمَ إلَيْهِ الضَّبُّ فَأَمْسَكَ عنه وَتَرَكَ أَكْلَهُ فَأَمْسَكَ عنه الصَّحَابَةُ وَتَرَكُوهُ إلَى أَنْ قال لهم إنِّي أَعَافُهُ وَأَذِنَ لهم في ذلك لِمَعْنًى فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ على الْخِلَافِ فِيمَا إذَا فَعَلَهُ لِمَعْنًى زَالَ هل يَبْقَى سُنَّةً وَمِثَالُهُ صَلَاةُ التَّرَاوِيحِ فإنه عليه السَّلَامُ تَرَكَهَا خَشْيَةَ الِافْتِرَاضِ على الْأُمَّةِ وَهَذَا الْمَعْنَى زَالَ بَعْدَهُ فَمِنْ ثَمَّ حَصَلَ الْخِلَافُ في اسْتِحْبَابِهَا الْحُكْمُ في حَادِثَةٍ لم يَحْكُمْ الرَّسُولُ صلى اللَّهُ عليه وسلم في نَظِيرِهَا بِشَيْءٍ إذَا حَدَثَتْ حَادِثَةٌ بِحَضْرَةِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم ولم يَحْكُمْ فيها بِشَيْءٍ فقال الْقَاضِي أبو يَعْلَى لنا أَنْ نَحْكُمَ في نَظِيرِهَا خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ في قَوْلِهِمْ تَرْكُهُ عليه السَّلَامُ الْحُكْمَ في حَادِثَةٍ يَدُلُّ على وُجُوبِ تَرْكِ الْحُكْمِ في نَظِيرِهَا وقال هذا كَرَجُلٍ شَجَّ رَجُلًا شَجَّةً فلم يَحْكُمْ فيها رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بِحُكْمٍ فَيُعْلَمُ بِتَرْكِهِ لِذَلِكَ أَنْ لَا حُكْمَ لِهَذِهِ الشَّجَّةِ في الشَّرِيعَةِ وقال بَعْضُهُمْ يُحْتَمَلُ التَّوَقُّفُ وَلَنَا أَنَّ عَدَمَ نَصِّ اللَّهِ في الْحَادِثَةِ على حُكْمٍ لَا يُوجِبُ تَرْكَ الْحُكْمِ في نَظِيرِهَا فَكَذَلِكَ في السُّنَّةِ
- الْكَلَامُ في الْأَخْبَارِ اعْلَمْ أَنَّ أَسَاسَ النُّبُوَّاتِ وَالشَّرَائِعِ يَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ الْأَخْبَارِ وَأَكْثَرُ الْأَخْبَارِ مُسْتَفَادٌ منها وما هذا شَأْنُهُ فَحَقِيقٌ الِاهْتِمَامُ بِهِ لِمَا يُؤَمَّلُ لِمَعْرِفَتِهِ من صَلَاحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالْكَلَامُ في الْخَبَرِ في مَوَاطِنَ الْمَوْطِنُ الْأَوَّلُ في مَدْلُولِهِ أَمَّا لُغَةً فَمُشْتَقٌّ من الْخَبَارِ وَهِيَ الْأَرْضُ الرَّخْوَةُ لِأَنَّ الْخَبَرَ يُثِيرُ الْفَائِدَةَ كما أَنَّ الْأَرْضَ الْخَبَارَ تُثِيرُ الْغُبَارَ إذَا قَرَعَهَا الْحَافِرُ وَيُطْلَقُ في اصْطِلَاحِ الْعُلَمَاءِ على أُمُورٍ أَحَدُهَا الْمُحْتَمِلُ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ وهو اصْطِلَاحُ الْأُصُولِيِّينَ وَثَانِيهَا على مُقَابِلُ الْمُبْتَدَأِ نَحْوُ قَائِمٍ من زَيْدٌ قَائِمٌ فإنه خَبَرٌ نَحْوِيٌّ وَلَا يُقَالُ إنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِلتَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ لِأَنَّ الْمُفْرَدَ من حَيْثُ هو مُفْرَدٌ لَا يَحْتَمِلُهُمَا وَاَلَّذِي يَحْتَمِلُ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ إنَّمَا هو الْمُرَكَّبُ قَسِيمُ الْإِنْشَاءِ لَا خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ اتِّفَاقُهُمْ على أَنَّ أَصْلَ خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ الْإِفْرَادُ وَاحْتِمَالُ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ إنَّمَا هو من صِفَاتِ الْكَلَامِ وَلِهَذَا ضُعِّفَ مَنْعُ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ وَبَعْضِ الْكُوفِيِّينَ كَوْنَ الْجُمْلَةِ الْخَبَرِيَّةِ طَلَبِيَّةً نَظَرًا إلَى أَنَّ الْخَبَرَ ما احْتَمَلَ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ وَالطَّلَبُ ليس كَذَلِكَ وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ وما عُلِّلَ بِهِ بَاطِلٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ وَثَالِثُهَا على ما هو أَعَمُّ من الْإِنْشَاءِ وَالطَّلَبِ وَهَذَا كَقَوْلِ الْمُحَدِّثِينَ أَخْبَارُ الرَّسُولِ مع اشْتِمَالِهَا على الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي وقال الْقَاضِي أبو بَكْرٍ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَصِحُّ تَسْمِيَةُ الحديث بِالْخَبَرِ وَمُعْظَمُ السُّنَّةِ الْأَوَامِرُ وَالنَّوَاهِي فَالْجَوَابُ من وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ حَاصِلَ جَمِيعِهَا آيِلٌ إلَى الْخَبَرِ فَالْمَأْمُورُ بِهِ في حُكْمِ الْمُخْبَرِ عن وُجُوبِهِ وَكَذَا الْقَوْلُ في النَّوَاهِي قال وَالسِّرُّ فيه أَنَّهُ عليه السَّلَامُ ليس آمِرًا على سَبِيلِ الِاسْتِقْلَالِ وَإِنَّمَا الْآمِرُ حَقًّا هو اللَّهُ تَعَالَى وَصِيَغُ الْأَمْرِ من الْمُصْطَفَى في حُكْمِ الْإِخْبَارِ عن اللَّهِ
- وَالثَّانِي إنَّمَا سُمِّيَتْ أَخْبَارًا لِنَقْلِ الْمُتَوَسِّطِينَ وَهُمْ يُخْبِرُونَ عَمَّنْ يَرْوِي لهم وَمَنْ عَاصَرَ الرَّسُولَ كان إذَا بَلَغَهُ لَا يقول أخبرنا رسول اللَّهِ بَلْ يقول أَمَرَنَا فَالْمَنْقُولُ إذًا اسْتِجْدَادُ اسْمِ الْخَبَرِ في الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ إلَى حَيْثُ انْتَهَى تَعْرِيفُ الْخَبَرِ في اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ وَأَمَّا في اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ فَيُطْلَقُ الْخَبَرُ على الصِّيغَةِ كَقَوْلِنَا قام زَيْدٌ وَيُطْلَقُ على الْمَعْنَى الْقَائِمِ بِذَاتِ الْمُتَكَلِّمِ الذي هو مَدْلُولُ اللَّفْظِ ثُمَّ قال ابن الْحَاجِبِ هو حَقِيقَةٌ فِيهِمَا وَقِيلَ حَقِيقَةٌ في النَّفْسَانِيِّ مَجَازٌ في اللِّسَانِيِّ وَقِيلَ عَكْسُهُ كَالْخِلَافِ في الْكَلَامِ لِأَنَّ الْخَبَرَ قِسْمٌ من أَقْسَامِهِ وَنُقِلَ عن الْأَشْعَرِيَّةِ أَنَّهُ لَا صِيغَةَ لِلْخَبَرِ وَعَنْ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهُ إنَّمَا يَصِيرُ خَبَرًا إذَا انْضَمَّ إلَى اللَّفْظِ قَصْدُ الْمُتَكَلِّمِ إلَى الْإِخْبَارِ بِهِ كما قالوا في الْأَمْرِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ له صِيغَةً تَدُلُّ عليه في اللُّغَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ زَيْدٌ قَائِمٌ وما أَشْبَهَهُ وقد اخْتَلَفُوا في الْخَبَرِ هل يُمْكِنُ تَحْدِيدُهُ فَاخْتَارَ السَّكَّاكِيُّ أَنَّهُ غَنِيٌّ عن التَّعْرِيفِ وَكَذَا الْإِمَامُ الرَّازِيَّ قال لِأَنَّ تَصَوُّرَهُ ضَرُورِيٌّ إذْ تَصَوُّرُنَا مَوْجُودٌ ضَرُورِيٌّ وهو خَبَرٌ خَاصٌّ وَالْعَامُّ جُزْؤُهُ فَتَصَوُّرُهُ تَابِعٌ لِتَصَوُّرِ الْكُلِّ وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُفَرِّقُ بِالضَّرُورَةِ بين مَعْنَى الْخَبَرِ وَغَيْرِهِ وَالضَّرُورِيُّ لَا يُحَدُّ فَكَذَا الْخَبَرُ قال الْآمِدِيُّ وَهَذَا ضَعِيفٌ إذْ الضَّرُورِيُّ لَا يَفْتَقِرُ إلَى أَنْ يُسْتَدَلَّ عليه كما فُعِلَ سَلَّمْنَاهُ لَكِنَّ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ نِسْبَةٌ خَاصَّةٌ لَا بِالْخَبَرِ من جِهَةِ كَوْنِهِ خَبَرًا وَقَوْلُهُمْ الْعَامُّ هو جُزْءُ الْخَاصِّ قُلْنَا يَلْزَمُ انْحِصَارُ الْأَعَمِّ في الْأَخَصِّ وهو مُحَالٌ ثُمَّ هو مَنْقُوضٌ بِالْعَرَضِ الْعَامِّ كَالْأَسْوَدِ وَلَيْسَ السَّوَادُ جُزْءًا من مَعْنَى الْإِنْسَانِ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ انْتِقَاضُهُ بِالْحَدِّ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ إنَّهُ الذي يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ أو الْكَذِبَ لِذَاتِهِ أَيْ الصَّالِحَ لَأَنْ يُجَابَ الْمُتَكَلِّمَ بِهِ بِصِدْقٍ أو كَذَبَ وَقُلْنَا لِذَاتِهِ لِيَخْرُجَ ما يَصْلُحُ لِذَلِكَ بِالتَّقْدِيرِ كما يُقَدِّرُ النَّحْوِيُّ في النِّدَاءِ وَالتَّعَجُّبِ وَالْمُرَادُ ما يَحْتَمِلُهُ بِصِيغَتِهِ من حَيْثُ هو مع قَطْعِ النَّظَرِ عن الْعَوَارِضِ لِكَوْنِ مُخْبِرِهِ صَادِقًا أو كَاذِبًا وَأَتَى بِصِيغَةٍ أو لِيَحْتَرِزَ بها عن السُّؤَالِ الْمَشْهُورِ وهو أَنَّ خَبَرَ اللَّهِ وَخَبَرَ رَسُولِهِ لَا يَحْتَمِلُ الْكَذِبَ وَهَذَا إنَّمَا يَرِدُ إذَا ذُكِرَ بِالْوَاوِ وَأَمَّا إذَا قِيلَ بِاحْتِمَالِهِ أَحَدَهُمَا فَلَا يَرِدُ
- وقد فَسَّرْنَا الِاحْتِمَالَ بِالْقَبُولِ الذي يُقَابِلُهُ عَدَمُ الْقَبُولِ في نَفْسِ الْأَمْرِ وَعَلَى هذا فَلَا يَنْتَفِي ذلك الْوُجُوبُ بِأَنَّ كُلَّمَا فَهُوَ مُحْتَمَلٌ بهذا التَّفْسِيرِ وَلَا يَضُرُّ اسْتِعْمَالُ أو فيه لِأَنَّ التَّرْدِيدَ في أَقْسَامِ الْمَحْدُودِ لَا الْحَدِّ وَالِاعْتِرَاضُ بِلُزُومِ اجْتِمَاعِهِمَا فَاسِدٌ لِأَنَّ شَرْطَ التَّعْبِيرِ اتِّحَادُ الْمَحْمُولِ وَالْمَوْضُوعِ وَلَا يَتَحَقَّقُ هذا إلَّا في الْجُزْئِيِّ وَالْمَحْدُودُ إنَّمَا هو الْكُلِّيُّ قال الْقَاضِي أبو بَكْرٍ في التَّقْرِيبِ فَإِنْ قِيلَ ما حَدُّ الْخَبَرِ قُلْنَا ما يَصِحُّ أَنْ يَدْخُلَهُ الصِّدْقُ أو الْكَذِبُ وَذَكَرَ أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّهُ ما يَصِحُّ أَنْ يَدْخُلَهُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ وما قُلْنَا أَوْلَى لِأَنَّ من الْأَخْبَارِ ما لَا يَصِحُّ دُخُولُ الْكَذِبِ فيه وَمِنْهَا ما لَا يَصِحُّ دُخُولُ الصِّدْقِ فيه وَرَدَّهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَيْضًا لِأَنَّ الْمَجِيءَ بِالْوَاوِ الْجَامِعَةِ يُشْعِرُ بِقَبُولِ الضِّدَّيْنِ وَالْمَحَلُّ لَا يَقْبَلُ إلَّا أَحَدَهُمَا لَا هُمَا مَعًا فَالْمُقْتَضِي الْمَجِيءُ بِأَوْ وَغَلَّطَهُ الْقَرَافِيُّ وقال بَلْ الْمَحَلُّ يَقْبَلُ الضِّدَّيْنِ مَعًا كما يَقْبَلُ النَّقِيضَيْنِ مَعًا وَإِنَّمَا الْمَشْرُوطُ بِعَدَمِ هذا وُقُوعُ الْآخَرِ الْمَقْبُولِ لَا قَبُولُهُ وَالْمُحَالُ اجْتِمَاعُ الْمَقْبُولَيْنِ لَا إجْمَاعُ الْقَبُولَيْنِ وَهَذَا وَاجِبٌ وَالْأَوَّلُ مُسْتَحِيلٌ وَلَا يَلْزَمُ من تَنَافِي الْمَقْبُولَيْنِ تَنَافِي الْقَبُولَيْنِ وَلِهَذَا يُقَالُ الْمُمْكِنُ يَقْبَلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ وَهُمَا مُتَنَاقِضَانِ وَالْقَبُولَانِ يَجِبُ اجْتِمَاعُهُمَا له لِذَاتِهِ لِأَنَّهُ لو وُجِدَ أَحَدُ الْقَبُولَيْنِ دُونَ الْآخَرِ لم يَكُنْ مُمْكِنًا فإنه لو لم يَقْبَلْ الْوُجُودَ كان مُسْتَحِيلًا وَلَوْ لم يَقْبَلْ الْعَدَمَ كان وَاجِبًا فَلَا يُتَصَوَّرُ الْإِمْكَانُ إلَّا بِاجْتِمَاعِ الْقَبُولَيْنِ وَإِنْ تَنَافِي الْمَقْبُولَانِ وَإِنَّمَا أَوْقَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في ذلك الْتِبَاسَ الْمَقْبُولَيْنِ بِالْقَبُولَيْنِ قُلْت لم يَنْفِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إلَّا الْمَقْبُولَيْنِ فإنه لم يَتَكَلَّمْ في غَيْرِهِ لِأَنَّهُ لم يَقُلْ إنَّ الْحَدَّ يَسْتَلْزِمُ اجْتِمَاعَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ الْمَقْبُولَيْنِ وَقِيلَ ما يَحْتَمِلُ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ يَرْجِعَانِ إلَى نِسْبَتَيْنِ وَإِضَافَتَيْنِ في نَفْسِ الْأَمْرِ وَهُمَا الْمُطَابَقَةُ في الصِّدْقِ وَعَدَمُهَا في الْكَذِبِ وَالْمُطَابَقَةُ وَالْمُخَالَفَةُ نِسْبَتَانِ بين اللَّفْظِ وَمَدْلُولِهِ وَأَمَّا التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ فَيَرْجِعَانِ إلَى الْإِخْبَارِ عنهما فَقَدْ يُوجَدُ التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ مع الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ عِنْدَ مُوَافَقَةِ الْأَخْبَارِ لِلْوَاقِعِ وَبِدُونِهِمَا إنْ كان كَذِبًا فَقَدْ يَصْدُقُ وَلَيْسَ بِصَادِقٍ وَيَكْذِبُ وَلَيْسَ بِكَاذِبٍ فَبَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ من وَجْهٍ وَهَذَا الْحَدُّ سَلِمَ مِمَّا وَرَدَ على الْأَوَّلِ من اجْتِمَاعِهِمَا في كل خَبَرٍ وفي هذا رَدٌّ على السَّكَّاكِيِّ حَيْثُ قال إنَّ صَاحِبَ هذا الْحَدِّ ما زَادَ على أَنْ وَسَّعَ الدَّائِرَةَ وَأَوْرَدَ عليه أَنَّهُمَا نَوْعَانِ لِلْخَبَرِ لَا يُعْرَفَانِ إلَّا بِهِ فَلَوْ عُرِفَ بِهِمَا لَزِمَ الدَّوْرُ وَأُجِيبَ بِمَنْعِ نَوْعِيَّتِهِمَا بَلْ هُمَا صِفَتَانِ عَارِضَتَانِ له على سَبِيلِ الْبَدَلِ كَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ لِلْإِنْسَانِ
- مَسْأَلَةٌ تَعْرِيفُ الْكَذِبِ الْكَذِبُ الْإِخْبَارُ عن الشَّيْءِ بِخِلَافِ ما هو بِهِ مع السَّهْوِ وَالْعَمْدِ وَشَرَطَتْ الْمُعْتَزِلَةُ الْعَمْدَ وفي الصَّحِيحِ من كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا وَهُنَا تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ ما ذَكَرْنَا من أَنَّ الْخَبَرَ مَوْضُوعٌ لَهُمَا هو الْمَشْهُورُ وَخَالَفَ في ذلك الْقَرَافِيُّ وَادَّعَى أَنَّ الْعَرَبَ لم تَضَعْ الْخَبَرَ إلَّا لِلصِّدْقِ وَلَيْسَ لنا خَبَرُ كَذِبٍ قال وَاحْتِمَالُ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ إنَّمَا جاء من جِهَةِ الْمُتَكَلِّمِ لَا من جِهَةِ الْوَضْعِ وَنَظِيرُهُ قَوْلُنَا الْكَلَامُ يَحْتَمِلُ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ وَأَجْمَعُوا على أَنَّ الْمَجَازَ ليس من الْوَضْعِ الْأَوَّلِ قال وَظَنَّ جَمَاعَةٌ من الْفُقَهَاءِ أَنَّ احْتِمَالَ الْخَبَرِ لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ مُسْتَفَادٌ من الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَا يَحْتَمِلُ الْخَبَرُ من حَيْثُ الْوَضْعُ إلَّا الصِّدْقَ لِاتِّفَاقِ اللُّغَوِيِّينَ وَالنُّحَاةِ على أَنَّ مَعْنَى قَوْلِنَا قام زَيْدٌ حُصُولُ الْقِيَامِ في الزَّمَنِ الْمَاضِي ولم يَقُلْ أَحَدٌ منهم إنَّ مَعْنَاهُ صُدُورُ الْقِيَامِ أو عَدَمُهُ وَإِنَّمَا احْتِمَالُهُ من جِهَةِ الْمُتَكَلِّمِ لَا من جِهَةِ اللُّغَةِ وَهَذَا الذي قَالَهُ الْقَرَافِيُّ مُصَادِمٌ لِإِجْمَاعِ الناس على أَنَّ الْخَبَرَ مَوْضُوعٌ لِأَعَمَّ من ذلك وَقَوْلُهُ الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ على أَنَّ مَعْنَى قَوْلِنَا قام زَيْدٌ حُصُولُ الْقِيَامِ مَمْنُوعٌ وَإِنَّمَا مَدْلُولُهُ الْحُكْمِ بِحُصُولِ الْقِيَامِ وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ الثَّانِي الْمَشْهُورُ أَنَّ الْكَذِبَ الْخَبَرُ الْمُخَالِفُ لِلْمُخْبَرِ عنه مَاضِيًا كان أو مُسْتَقْبَلًا خِلَافًا لِأَبِي الْقَاسِمِ الزَّجَّاجِيِّ في كِتَابِ الْأَذْكَارِ بِالْمَسَائِلِ النَّحْوِيَّةِ وَلِابْنِ قُتَيْبَةَ حَيْثُ خَصَّا الْكَذِبَ بِمَا مَضَى وَأَمَّا الْمُسْتَقْبَلُ فَيُقَالُ له خُلْفٌ وَلَا يُقَالُ له كَذِبٌ لنا قَوْله تَعَالَى حِكَايَةٌ عن الَّذِينَ نَافَقُوا لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ وَكَذِبُهُمْ في خَبَرِهِمْ عن الْمُسْتَقْبَلِ وَكَذَا قَوْلُهُ وَلَوْ تَرَى إذْ وُقِفُوا على النَّارِ إلَى قَوْلِهِ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عن جَابِرٍ أَنَّ عَبْدًا لِحَاطِبٍ جاء يَشْكُوا حَاطِبًا
- فقال يا رَسُولَ اللَّهِ لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ فقال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم كَذَبْتَ لَا يَدْخُلُهَا فإنه شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ وفي جَانِبِ الصِّدْقِ قَوْلُهُ عليه السَّلَامُ أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إنْ صَدَقَ فَاسْتَعْمَلَ الصِّدْقَ في الْخَبَرِ عن الْمُسْتَقْبَلِ فَالْحَقُّ أَنَّهُ يُوصَفُ بِهِمَا مَاضِيًا وَمُسْتَقْبَلًا لَكِنْ له وَصْفٌ خَاصٌّ وهو الْخُلْفُ وَالْوَفَاءُ وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ كَلَامَ الشَّافِعِيِّ يُفْهِمُ أَنَّ الْكَذِبَ يَخْتَصُّ بِالْمَاضِي إذْ قال لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِالْوَعْدِ وَضَعَّفَ سُؤَالَ من قال لِصَاحِبِهِ غَدًا أُعْطِيكَ دِرْهَمًا ثُمَّ لم يَفْعَلْ كان كَاذِبًا وَالْكَذِبُ حَرَامٌ فَكَيْفَ لَا يُوجِبُونَ الْوَفَاءَ بِالْوَعْدِ فقال وَالْحَالَةُ هذه آيَةٌ أَنَّهُ حَاكِمٌ على أَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ وَلَا كَذِبَ فيه وَالْوَعْدُ إنْشَاءٌ لَا خَبَرٌ وَإِنَّمَا يُسَمَّى من لم يَفِ بِالْوَعْدِ مُخْلِفًا لَا كَاذِبًا وَلِهَذَا قال عليه السَّلَامُ في حَقِّ الْمُنَافِقِ إذَا حَدَّثَ كَذَبَ وإذا وَعَدَ أَخْلَفَ فَسَمَّاهُ مُخْلِفًا لَا كَاذِبًا وَلَوْ كان الْإِخْلَافُ كَذِبًا دخل تَحْتَ عُمُومِ إذَا حَدَّثَ كَذَبَ وقد يُقَالُ إذَا لم يَدْخُلْهُ الْكَذِبُ لَا يَكُونُ خَبَرًا لِأَنَّ الْخَبَرَ ما يُفِيدُ الْكَذِبَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخَبَرَ يَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَقْبَلِ كما تَقُولُ سَيَخْرُجُ الدَّجَّالُ وَيَصِحُّ فيه التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ وَالْوَعْدُ إنْشَاءٌ لَا خَبَرٌ الثَّالِثُ أَنَّ قَوْلَهُمْ الْخَبَرُ ما يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ هل هو خَاصٌّ بِالْكَلَامِ الذي له خَارِجٌ عن كَلَامِ النَّفْسِ أَمْ يَجْرِي في لَفْظِ خَ بَ رَ وقد اضْطَرَبَ كَلَامُ الْفُقَهَاءِ في الثَّانِي فَجَعَلُوهُ في مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مَخْصُوصًا بِالصِّدْقِ وَلِهَذَا لو قال إنْ لم تُخْبِرِينِي بِعَدَدِ هذا النَّوَى فَأَنْتِ طَالِقٌ ولم يَكُنْ قَصْدُهُ التَّمْيِيزَ فَلَا يَكْتَفِي بِأَيِّ عَدَدٍ كان إنْ كان الْمُعَلَّقُ عليه لَفْظُ الْإِخْبَارِ وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ الْمَاوَرْدِيِّ في الْحَاوِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ بين الْبِشَارَةِ وَالْخَبَرِ فِيمَا إذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ عليه في أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الصِّدْقُ في وُقُوعِ الطَّلَاقِ فِيهِمَا وما ذَكَرَهُ في الْبِشَارَةِ صَحِيحٌ وَأَمَّا في الْخَبَرِ فَكَلَامُهُمْ مُخْتَلِفٌ فيه فَقَدْ قالوا فِيمَا لو قال إنْ لم تُخْبِرِينِي بِمَجِيءِ زَيْدٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَخْبَرَتْهُ بِمَجِيئِهِ كَاذِبَةً أنها لَا تَطْلُقُ لِوُجُودِ الْإِخْبَارِ بِقُدُومِهِ وهو لَا يَشْتَرِطُ فيه الْمُطَابَقَةَ وَلَوْ قال من أَخْبَرَتْنِي مِنْكُمَا بِكَذَا فَهِيَ طَالِقٌ فَأَخْبَرَتَاهُ صَدَقَتَا أو كَذَبَتَا طَلُقَتَا
- وَجَعَلَ الْفُورَانِيُّ الْخَبَرَ لِلصِّدْقِ فَقَطْ إذَا قُرِنَ بِحَرْفِ الْبَاءِ لِأَنَّهُ لِلْإِلْصَاقِ فَيَقْتَضِي وُجُودَ الْمُخْبَرِ بِهِ حتى يُلْصَقَ بِهِ الْخَبَرُ فإذا قال إنْ أَخْبَرْتِنِي أَنَّ فُلَانًا قَدِمَ فَعَبْدِي حُرٌّ فَأَخْبَرَهُ صَادِقًا أو كَاذِبًا عَتَقَ الْعَبْدُ وَلَوْ قال إنْ أَخْبَرْتِنِي بِقُدُومِ فُلَانٍ فَعَبْدِي حُرٌّ فَأَخْبَرَهُ كَاذِبًا لَا يَحْنَثُ عِنْدَ الْفُورَانِيِّ وَخَالَفَهُ الْجُمْهُورُ وفي فَتَاوَى الْقَفَّالِ لو قال رَجُلٌ لِآخَرَ إنْ أَخْبَرْتَنِي بِخُرُوجِ فُلَانٍ من هذا الْبَلَدِ فَلَكَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَأَخْبَرَهُ هل يَسْتَحِقُّ الْعَشَرَةَ نُظِرَ إنْ كان له غَرَضٌ في خُرُوجِهِ من الْبَلَدِ اسْتَحَقَّ وَإِلَّا فَلَا وَالنُّكْتَةُ في الْجَعَالَةِ فَقَدْ حَكَاهُ عنه الرَّافِعِيُّ ثُمَّ بَحَثَ معه في شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ هل يَتَقَيَّدُ الْخَبَرُ بِالصِّدْقِ فَلَوْ كان كَاذِبًا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ شيئا لِانْتِفَاءِ الْمَعْنَى الذي عَلَّلَ بِهِ قُلْت وَلَعَلَّ الْقَفَّالَ يَخُصُّ ذلك بِحَالَةِ وُجُودِ الْبَاءِ كما حَكَيْنَاهُ عن تِلْمِيذِهِ الْفُورَانِيِّ وَالثَّانِي يَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ هل يَنَالُهُ تَعَبٌ أَمْ لَا قُلْت وقد حَكَى النَّوَوِيُّ في الرَّوْضَةِ من زَوَائِدِهِ قبل هذا تَصْرِيحَ الْبَغَوِيّ أَنَّهُ لو قال من أخبرني بِكَذَا فَلَهُ كَذَا فَأَخْبَرَهُ إنْسَانٌ فَلَا شَيْءَ له لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فيه إلَى عَمَلٍ ا هـ فَجُعِلَ هذا من زَوَائِدِهِ وَأَقَرَّ الرَّافِعِيَّ على الْبَحْثِ الثَّانِي هُنَاكَ وَيَتَحَصَّلُ في الْمَسْأَلَةِ مَذَاهِبُ ثَالِثُهَا إنْ اقْتَرَنَ بِالْبَاءِ وَإِلَّا فَلَا الْمَوْطِنُ الثَّانِي في أَنَّ صِدْقَ الْخَبَرِ وَكَذِبَهُ بِمَاذَا يَكُونَانِ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ صِدْقُ الْخَبَرِ وَكَذِبُهُ بِنَفْسِ الْخَبَرِ وَإِنَّمَا يُعْرَفُ بِدَلِيلٍ يُضَافُ إلَيْهِ وَالْمَشْهُورُ على الْقَوْلِ بِعَدَمِ الْوَاسِطَةِ أَنَّ صِدْقَ الْخَبَرِ مُطَابَقَتُهُ لِلْوَاقِعِ سَوَاءٌ وَافَقَ الِاعْتِقَادَ أَمْ لَا وَكَذِبَهُ عَدَمُ مُطَابَقَتِهِ وَعَنْ صُورَةِ الْجَهْلِ احْتَرَزَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِقَوْلِهِ من كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا الحديث وقال النَّظَّامُ صِدْقُهُ مُطَابَقَتُهُ لِاعْتِقَادِ الْمُخْبِرِ سَوَاءٌ وَافَقَ الْوَاقِعَ أَمْ لَا وَاحْتَجَّ عليه بِوَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ أَنَّ من اعْتَقَدَ شيئا فَأَخْبَرَ بِهِ ثُمَّ ظَهَرَ على خِلَافِ الْوَاقِعِ يُقَالُ له ما كَذَبَ وَلَكِنْ أَخْطَأَ كما رُوِيَ عن عَائِشَةَ فِيمَنْ شَأْنُهُ كَذَلِكَ وَرُدَّ بِأَنَّ الْمَنْفِيَّ تَعَمُّدُ الْكَذِبِ لَا الْكَذِبُ مُطْلَقًا الثَّانِي في قَوْله تَعَالَى وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ كَذَّبَهُمْ في قَوْلِهِمْ إنَّك لَرَسُولُ اللَّهِ مع كَوْنِهِ مُطَابِقًا لِلْوَاقِعِ لِأَنَّهُمْ لم يَعْتَقِدُوهُ فَلَوْ كانت الْعِبْرَةُ بِمَا في نَفْسِ الْأَمْرِ لم يُكَذِّبْهُمْ وَأُجِيبَ
- بِأَنَّ الْمَعْنَى لَكَاذِبُونَ في الشَّهَادَةِ لِأَنَّهَا تَتَضَمَّنُ التَّصْدِيقَ بِالْقَلْبِ فَهِيَ إخْبَارٌ عن اعْتِقَادِهِمْ وهو غَيْرُ مَوْجُودٍ أو كَاذِبُونَ في تَسْمِيَتِهِمْ إخْبَارَهُمْ شَهَادَةً لِأَنَّ الْإِخْبَارَ إذَا خَلَا عن مُوَاطَأَةِ الْقَلْبِ لم يَكُنْ في الْحَقِيقَةِ شَهَادَةً أو لَكَاذِبُونَ في الْمَشْهُودِ بِهِ في زَعْمِهِمْ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُ خَبَرٌ على خِلَافِ ما عليه حَالُ الْمُخْبَرِ عنه لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِلْوَاقِعِ فَيَكُونُ كَذِبًا عِنْدَهُمْ وقد يُقَالُ إنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يَعْلَمُونَ نُبُوَّةَ الرَّسُولِ وَإِنَّمَا يُنْكِرُونَهَا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَاحْتَجَّ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ لِلْمَشْهُورِ بِ لقد كَفَرَ الَّذِينَ قالوا إنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وما من إلَهٍ إلَّا إلَهٌ وَاحِدٌ وَلَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْقَائِلِينَ لِذَلِكَ غَيْرُ عَالِمِينَ بِأَنَّهُ تَعَالَى ليس ما أَخْبَرُوا عنه فَدَلَّ على أَنَّ التَّكْذِيبَ بِاعْتِبَارِ الْوَاقِعِ وَأَصْرَحُ منها قَوْلُهُ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ فإنه يَدُلُّ على أَنَّ الِاعْتِبَارَ في الْكَذِبِ بِالْمُطَابَقَةِ الْخَارِجِيَّةِ أو بها مع الِاعْتِقَادِ فَائِدَةٌ مِمَّا يَتَفَرَّعُ على هذا الْخِلَافِ لو أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً ثُمَّ قال هِيَ كَذِبٌ امْتَنَعَ الْحُكْمُ بها وفي بُطْلَانِ دَعْوَاهُ وَجْهَانِ اخْتِيَارُ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ نعم لِأَنَّ الْكَذِبَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ عَدَمُ مُطَابَقَةِ الْخَبَرِ لِمَا في الْخَارِجِ وَإِنْ لم يَعْلَمْ الشَّخْصُ ذلك وَأَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُرِيدَ بِكَذِبِ الشُّهُودِ أَنَّهُمْ أَخْبَرُوا عن غَيْرِ عِلْمٍ فَلَهُمْ حُكْمُ الْكَاذِبِينَ إذْ رَضَوْا بِخَبَرٍ يُجَوِّزْنَ كَذِبَهُ جَوَازًا غير بَعِيدٍ وَذَلِكَ رِضًى بِالْكَذِبِ الْمَوْطِنُ الثَّالِثُ في انْحِصَارِهِ في ذِي الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا وَاسِطَةَ بين الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ وَقَوْلُهُ عليه السَّلَامُ من كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا لِدَلَالَتِهِ على انْقِسَامِ الْكَذِبِ إلَى عَمْدٍ وَغَيْرِهِ وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ كَذَبَ نَوْفٌ أَيْ الْبِكَالِيُّ ليس صَاحِبَ الْخَضِرِ مُوسَى بَنِي إسْرَائِيلَ وَمِنْهُمْ من أَثْبَتَ الْوَاسِطَةَ وَاخْتَلَفُوا فيه على أَقْوَالٍ أَحَدُهَا وَنُقِلَ عن أبي عُثْمَانَ الْجَاحِظِ أَنَّ صِدْقَهُ مُطَابَقَتُهُ لِلْوَاقِعِ مع اعْتِقَادِ الْمُخْبِرِ وَكَذِبَهُ عَدَمُهُمَا وَغَيْرُهُمَا ليس بِصِدْقٍ وَلَا كَذِبٍ وَكَأَنَّهُ أَجْرَى الصِّدْقَ مَجْرَى الْعِلْمِ فَكَمَا أَنَّ الْعِلْمَ يَتَعَلَّقُ بِالشَّيْءِ على ما هو بِهِ من جِهَةِ صِحَّتِهِ فَكَذَلِكَ الْخَبَرُ وَيَجُوزُ أَنَّهُ رَاعَى أَصْلَهُ الْفَاسِدَ في التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ فَرَاعَى في كَوْنِهِ صِدْقًا وُقُوعَهُ حَسَنًا لِمُفَارَقَةِ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ في حُسْنِ أَحَدِهِمَا وَقُبْحِ الْآخَرِ وَلَا يَكُونُ الْخَبَرُ حَسَنًا إلَّا مع الْمُخْبِرِ
- بِحَالِ الْمَخْبَرِ عنه لِأَنَّ تَجْوِيزَهُ على خِلَافِ ما أَخْبَرَ يَقْتَضِي قُبْحَهُ وَنَحْنُ قد بَيَّنَّا أَنَّ الصِّدْقَ قد يَقْبُحُ فَلَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ كَوْنُهُ صِدْقًا عِلَّةً لِحُسْنِهِ كَكَوْنِهِ كَذِبًا عِلَّةٌ لِقُبْحِهِ بَلْ لو كان كَوْنُهُ صِدْقًا عِلَّةً تَقْتَضِي الْحُسْنَ لَكَانَ الْحُسْنُ إنَّمَا ثَبَتَ إذَا انْتَفَتْ وُجُوهُ الْقُبْحِ الثَّانِي أَنَّ صِدْقَهُ مُطَابَقَتُهُ لِاعْتِقَادِ الْمُخْبِرِ سَوَاءٌ طَابَقَ الْخَارِجَ أو لَا وَكَذِبُهُ عَدَمُهُمَا فَالسَّاذَجُ وَاسِطَةٌ وَالثَّالِثُ هو قَوْلُ الرَّاغِبِ إنَّ صِدْقَهُ مُطَابَقَتُهُ لِلْخَارِجِ وَالِاعْتِقَادِ مَعًا فَإِنْ فُقِدَا منه لم يَكُنْ صِدْقًا بَلْ لَا يَكُونُ صِدْقًا وقد يُوصَفُ بِالصِّدْقِ وَالْكَذِبِ بِنَظَرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ كما لو كان مُطَابِقًا لِلْخَارِجِ غير مُطَابِقٍ لِلِاعْتِقَادِ كَقَوْلِ الْكَافِرِ أَشْهَدُ إنَّك لَرَسُولُ اللَّهِ وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ في هذه الْمَسْأَلَةِ تَعْرِيفُهُمْ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ وقال ابن الْحَاجِبِ الْخِلَافُ في هذه الْمَسْأَلَةِ لَفْظِيٌّ وقال الْهِنْدِيُّ إنَّهُ الْحَقُّ لِأَنَّهُ إنْ عَنَى بِالْخَبَرِ الصِّدْقَ ما يَكُونُ مُطَابِقًا لِلْمُخْبَرِ عنه كَيْفَمَا كان وَبِالْكَذِبِ ما لَا يَكُونُ مُطَابِقًا كَيْفَمَا كان فَالْعِلْمُ بِاسْتِحَالَةِ حُصُولِ الْوَاسِطَةِ بَيْنَهُمَا ضَرُورِيٌّ وَإِنْ عَنَى بِهِمَا ما يَكُونُ مُطَابِقًا وَغَيْرَ مُطَابِقٍ لَكِنْ مع الْعِلْمِ بِهِمَا فَإِمْكَانُ حُصُولِ الْوَاسِطَةِ بَيْنَهُمَا مَعْلُومٌ أَيْضًا بِالضَّرُورَةِ وهو ما لَا يَكُونُ مَعْلُومًا لِمُطَابَقَتِهِ وَعَدَمِ مُطَابَقَتِهِ فَثَبَتَ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ قلت يَتَفَرَّعُ على هذا الْخِلَافِ ما لو قال لَا أُنْكِرُ ما تَدَّعِيهِ وَهِيَ عِبَارَةُ التَّنْبِيهِ أو لَسْتُ مُنْكِرًا له وَهِيَ عِبَارَةُ الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ فَهُوَ إقْرَارٌ وَهَذَا بِنَاءً على أَنَّهُ لَا وَسَاطَةَ بين الْإِقْرَارِ وَعَدَمِ الْإِنْكَارِ فَإِنْ قُلْنَا بَيْنَهُمَا وَسَاطَةٌ وَهِيَ السُّكُوتُ فَلَيْسَ بِإِقْرَارٍ وهو اخْتِيَارُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ الْمَوْطِنُ الرَّابِعُ في مَدْلُولِ الْخَبَرِ مَدْلُولُهُ الْحُكْمُ بِالنِّسْبَةِ لَا بِثُبُوتِهَا فإذا قِيلَ زَيْدٌ قَائِمٌ فَلَيْسَ مَدْلُولُهُ نَفْسَ ثُبُوتِ الْقِيَامِ لِزَيْدٍ في الْخَارِجِ وَإِلَّا لم يَكُنْ شَيْءٌ من الْخَبَرِ كَذِبًا وَإِنَّمَا يُفِيدُ أَنَّكَ حَكَمْتَ بِقِيَامِ زَيْدٍ وَأَخْبَرْتَ عنه ثُمَّ إنْ طَابَقَ ذلك الْوَاقِعَ فَيُسْتَدَلُّ بِهِ على الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ وَإِلَّا فَلَا هَكَذَا قال الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وهو مَبْنِيٌّ على أَنَّ الْأَلْفَاظَ مَوْضُوعَةٌ لِلْمَعَانِي الذِّهْنِيَّةِ لَا الْخَارِجِيَّةِ لَكِنْ في كَلَامِ الْإِمَامِ إبْهَامٌ فإنه قال إذَا قِيلَ الْعَالَمُ حَادِثٌ فَمَدْلُولُهُ الْحُكْمُ بِثُبُوتِ الْحُدُوثِ لِلْعَالَمِ
- لَا نَفْسُ الْحُدُوثِ لِلْعَالَمِ إذْ لو كان مَدْلُولُهُ نَفْسَ ثُبُوتِ الْحُدُوثِ لِلْعَالَمِ لَكَانَ حَيْثُمَا وَجَدْنَا قَوْلَنَا الْعَالَمُ مُحْدَثٌ كان الْعَالَمُ مُحْدَثًا لَا مَحَالَةَ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْكَذِبُ خَبَرًا وَلَمَّا بَطَلَ ذلك عَلِمْنَا أَنَّ مَدْلُولَ الصِّيغَةِ هو الْحُكْمُ بِالنِّسْبَةِ لَا نَفْسِ النِّسْبَةِ انْتَهَى وَاعْتَرَضَ الْقَرَافِيُّ وَصَاحِبُ الْحَاصِلِ والتحصيل على قَوْلِهِ وَإِلَّا لم يَكُنْ الْكَذِبُ خَبَرًا وَقَالُوا صَوَابُهُ الْعَكْسُ أَيْ لَا يَكُونُ الْخَبَرُ كَذِبًا لِأَنَّهُ يُوهِمُ تَحَقُّقَ الْكَذِبِ لَا بِصِيغَتِهِ الْخَبَرِيَّةِ وَالْوَاقِعُ على هذا التَّقْدِيرِ انْتِفَاءُ الْكَذِبِ قال الْقَرَافِيُّ لِأَنَّ الْكَذِبَ إذَا تَعَذَّرَ لَا يَتَّصِفُ الْخَبَرُ أَبَدًا إلَّا بِالصِّدْقِ فَلَا يَكُونُ كَذِبًا وَأَمَّا الْكَذِبُ في نَفْسِهِ فَهُوَ مُتَعَذَّرٌ مُطْلَقًا فَلَا حَاجَةَ إلَى قَوْلِنَا لَا يَكُونُ الْكَذِبُ خَبَرًا لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّهُ قد يَكُونُ غير خَبَرٍ وَالتَّعَذُّرُ في نَفْسِهِ على هذا التَّقْدِيرِ لَا يُوجَدُ مع الْخَبَرِ وَلَا مع غَيْرِهِ وَقِيلَ الصَّوَابُ عِبَارَةُ الْإِمَامِ وَالِانْتِقَادَاتُ عليهم لَا عليه أَمَّا تَقْرِيرُ عِبَارَتِهِ فَلِأَنَّ مَدْلُولَ النِّسْبَةِ لو كان ثُبُوتِيًّا لَكَانَ الْكَذِبُ غير خَبَرٍ لَكِنَّ اللَّازِمَ مُنْتَفٍ ضَرُورَةً لِأَنَّ الْكَذِبَ أَحَدُ قِسْمَيْ الْخَبَرِ الذي هو صِدْقٌ وَكَذِبٌ فَالْمَلْزُومُ مُنْتَفٍ وَبَيَانُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ ثُبُوتَ النِّسْبَةِ وَوُقُوعَهَا في الْخَارِجِ قد يَكُونُ الْإِخْبَارُ عنه كَذِبًا وهو وَاضِحٌ وَأَمَّا تَبْيِينُ فَسَادِ عِبَارَتِهِمْ فإن مَعْنَى قَوْلِنَا وَإِلَّا لم يَكُنْ الْخَبَرُ كَذِبًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ من الْخَبَرِ صِدْقٌ كما أَنَّ منه كَذِبًا نعم اسْتِدْلَالُ الْإِمَامِ على أَنَّ مَدْلُولَهُ الْحُكْمُ بِالنِّسْبَةِ لَا ثُبُوتُهَا بِأَنَّهُ لو لم يَكُنْ كَذَلِكَ لم يَكُنْ شَيْءٌ من الْخَبَرِ بِكَذِبٍ وقد مَنَعَ الْقَرَافِيُّ انْتِفَاءَ الْمُلَازَمَةِ وَادَّعَى أَنَّ الْعَرَبَ لم تَضَعْ الْخَبَرَ إلَّا لِلصِّدْقِ وَسَبَقَ الرَّدُّ عليه الْمَوْطِنُ الْخَامِسُ أَنَّ مَوْرِدَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ النِّسْبَةُ التي تَضَمَّنَهَا فَقَطْ لَا وَاحِدٌ من طَرَفَيْهَا فَهُمَا يَتَوَجَّهَانِ إلَى خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ لَا إلَى صِفَتِهِ فإذا كَذَّبْت الْقَائِلَ في قَوْلِهِ زَيْدُ بن عَمْرٍو كَرِيمٌ فإن التَّكْذِيبَ لَا يَتَوَجَّهُ إلَى كَوْنِهِ ابْنَ عَمْرٍو بَلْ إلَى كَوْنِهِ كَرِيمًا لِأَنَّ الصِّفَةَ ثَابِتَةٌ حَالَ النَّفْيِ ثُبُوتَهَا حَالَ الْإِثْبَاتِ وَلِأَنَّ عِلْمَ الْمُخَاطَبِ بِثُبُوتِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ ليس لِإِثْبَاتِ الْمُتَكَلِّمِ إيَّاهَا له وَأَنَّ الِاحْتِيَاجَ إلَى ذِكْرِهَا لِإِزَالَةِ اللَّبْسِ فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً لِلْمُخَاطَبِ وَإِلَّا فَلَا يَحْصُلُ التَّمْيِيزُ وإذا كانت مَعْلُومَةً لِلْمُخَاطَبِ فَلَا يَقْصِدُهَا الْمُتَكَلِّمُ بِإِخْبَارِهِ إيَّاهَا وَالتَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ إنَّمَا يَتَوَجَّهَانِ إلَى ما يَقْصِدُهُ الْمُتَكَلِّمُ لَا إلَى ما لَا يَقْصِدُهُ فإذا قِيلَ قام زَيْدٌ فَقِيلَ صِدْقٌ أو كَذِبٌ انْصَرَفَ ذلك إلَى قِيَامِ زَيْدٍ لَا إلَى ذلك الْمُشَارِ إلَيْهِ بِالْقِيَامِ هل اسْمُهُ زَيْدٌ أو عَمْرٌو وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ هذا فِيمَا لو كان مُخْتَلَفًا في اسْمِهِ فَلَا يُسْتَفَادُ من ذلك أَنَّك حَاكِمٌ بِأَنَّ ذلك اسْمُهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَلِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ اُسْتُشْكِلَ قِرَاءَةُ من قَرَأَ وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابن اللَّهِ بِإِسْقَاطِ
- التَّنْوِينِ على أَنَّ الِابْنَ صِفَةٌ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ حِينَئِذٍ هو عُزَيْرُ ابن اللَّهِ أو عُزَيْرُ ابن اللَّهِ إلَهُنَا إمَّا بِحَذْفِ الْمُبْتَدَأِ أو الْخَبَرِ وهو خَطَأٌ لِأَنَّهُ إذَا أَخْبَرَ عن مُبْتَدَأٍ مَوْصُوفٍ أو عن مَوْصُوفٍ غَيْرِ الْمُبْتَدَأِ فإن الْكَذِبَ يَنْصَرِفُ إلَى الْخَبَرِ وَتَبْقَى الصِّفَةُ على أَصْلِ الثُّبُوتِ فَحِينَئِذٍ يَبْقَى كَوْنُهُ ابْنًا لِلَّهِ ثَابِتًا تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يقول الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا وَاَلَّذِي يُقَالُ في تَوْجِيهِ هذه الْقِرَاءَةِ أَنَّ هذا الْكَلَامَ سَبَقَ لِنَفْيِ إلَهِيَّةِ مِثْلِ هذا بَلْ بَيَّنَ جَهْلَهُمْ إذْ ادَّعَوْا الْوَلَدِيَّةَ فيه وَلَا رَيْبَ أَنَّ دَعْوَى الشَّرْطِ أَسْهَلُ من إثْبَاتِ الْوَلَدِيَّةِ له أو على طَرِيقِ الْحِكَايَةِ أَيْ قالوا هذه الْعِبَارَةَ الْمُنْكَرَةَ ولم يَتَعَرَّضْ لِمَا قالوا خَبَرًا عنها فَلَا يُقَدَّرُ هُنَاكَ مَحْذُوفٌ أَصْلًا أو غَيْرُ ذلك كما بَيَّنْته في كِتَابٍ الْبُرْهَانِ في عُلُومِ الْقُرْآنِ وَلِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ قال مَالِكٌ وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا فِيمَا إذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ بِأَنَّ فُلَانَ بن فُلَانٍ وَكِيلُ فُلَانٍ إنَّ شَهَادَتَهُمَا بِالتَّوْكِيلِ لَا يُسْتَفَادُ منها أَنَّهُمَا شَهِدَا بِالْبُنُوَّةِ فَلَيْسَ له إنْ نُوزِعَ في مُحَاكَمَةٍ أُخْرَى في الْبُنُوَّةِ أَنْ يَقُولَ هَذَانِ شَهِدَا لي بِالْبُنُوَّةِ لِقَوْلِهِمَا في شَهَادَةِ التَّوْكِيلِ إنَّ فُلَانَ بن فُلَانٍ لَكِنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أنها شَهَادَةٌ له بِالْوَكَالَةِ أَصْلًا وَبِالنِّسْبَةِ ضِمْنًا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ في الْحَاوِي في بَابِ التَّحَفُّظِ في الشَّهَادَةِ وَالْعِلْمِ بها وَكَذَلِكَ الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ وَالْهَرَوِيُّ في الْأَشْرَافِ فَإِنْ قُلْتَ فَهَذَا يُشْكِلُ على هذا الْأَصْلِ قلت لَا إشْكَالَ لِأَنَّا لَمَّا صَدَّقْنَا الشَّاهِدَيْنِ كان قَوْلُهُمَا مُتَضَمِّنًا لِذَلِكَ نعم احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ على صِحَّةِ أَنْكِحَةِ الْكُفَّارِ بِقَوْلِهِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَبِقَوْلِهِ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فقال ما مَعْنَاهُ سَمَّى كُلًّا مِنْهُمَا امْرَأَةً لِكَافِرٍ وَلَفْظُ الشَّارِعِ مَحْمُولٌ على الشَّرْعِيِّ فَدَلَّ على أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا زَوْجَةٌ لَهُمَا فَعَلَى هذا يَتَوَجَّهُ صِدْقُ الْخَبَرِ لِلطَّرَفَيْنِ وَالنِّسْبَةِ الْمَوْطِنُ السَّادِسُ يَقَعُ الْخَبَرُ الْمُوجَبُ بِهِ مَوْقِعَ الْأَمْرِ وَبِالْعَكْسِ فَمِنْ الْأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ أَيْ لِيُرْضِعْنَ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا لِأَنَّ الرَّضَاعَ في الْوَاقِعِ قد يَكُونُ أَقَلَّ أو أَكْثَرَ منه
- وَمِنْهُ قَوْلُهُ هل أَدُلُّكُمْ على تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ من عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ قال يَغْفِرْ لَكُمْ وَالْمَعْنَى آمِنُوا بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ هَكَذَا جَعَلَ النُّحَاةُ يَغْفِرْ جَوَابًا لِ تُؤْمِنُونَ لِوُقُوعِهِ مَوْقِعَ آمِنُوا وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا لِ هل أَدُلُّكُمْ على حَدِّ قَوْلِهِ هل تَأْتِينِي أُكْرِمْكَ لِأَنَّ الْمَغْفِرَةَ لَا تَجِبُ بِالدَّلَالَةِ وَإِنَّمَا تَجِبُ بِالْإِيمَانِ وَقَوْلُهُ لَا يَمَسُّهُ إلَّا الْمُطَهَّرُونَ وَقِيلَ إنَّهُ نَهْيٌ مَجْزُومٌ وَلَكِنْ ضُمَّتْ السِّينُ إتْبَاعًا لِلضَّمِيرِ كَقَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَمِنْ الثَّانِي قَوْله تَعَالَى فَلْيَمْدُدْ له الرَّحْمَنُ مَدًّا الْمَعْنَى مَدَّ وَقَوْلُهُمْ في التَّعَجُّبِ أَحْسِنْ بِزَيْدٍ كَقَوْلِهِ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ أَيْ ما أَسْمَعَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ وَقَوْلُهُ لَا يَمَسُّهُ إلَّا الْمُطَهَّرُونَ قِيلَ إنَّهُ خَبَرٌ مَنْفِيٌّ وَاقِعٌ مَوْقِعَ النَّهْيِ هذا هو الْمَشْهُورُ وَمَنَعَ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وَالسُّهَيْلِيُّ وُرُودَ الْخَبَرِ مُرَادًا بِهِ الْأَمْرَ وقال هو بَاقٍ على خَبَرِيَّتِهِ وَلَا يَلْزَمُ الْخُلْفَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعُصَاةِ فإنه خَبَرٌ عن حُكْمِ الشَّرْعِ أَيْ أَنَّ حُكْمَهُنَّ أَنْ يَجِبَ أو يُشْرَعَ رَضَاعُهُنَّ أو عَلَيْهِنَّ الرَّضَاعَةُ وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ بَلْ قِيلَ إنَّهُ أَبْلَغُ من الْأَمْرِ الْمَحْضِ إذَا عَلِمْتَ هذا وَوَرَدَ الْخَبَرُ مُرَادًا بِهِ الْأَمْرَ فَهَلْ يَتَرَتَّبُ عليه ما يَتَرَتَّبُ على الْأَمْرِ من الْوُجُوبِ إذَا قُلْنَا الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ أو يَكُونُ مَخْصُوصًا بِالصِّيغَةِ الْمُعَيَّنَةِ التي هِيَ صِيغَةُ افْعَلْ قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ في شَرْحِ الْعُنْوَانِ فيه نَظَرٌ قُلْتَ الْمَنْقُولُ عِنْدَنَا هو الْأَوَّلُ كَذَا رأيت التَّصْرِيحَ بِهِ في كِتَابِ الْقَفَّالِ الشَّاشِيِّ وقد سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ في بَابِ الْأَمْرِ الْمَوْطِنُ السَّابِعُ في الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِنْشَاءِ وَذَلِكَ من وُجُوهٍ الْأَوَّلُ أَنَّ الْإِنْشَاءَ سَبَبٌ لِمَدْلُولِهِ وَلَيْسَ الْخَبَرُ سَبَبًا لِمَدْلُولِهِ فإن الْعُقُودَ إنْشَاءَاتٌ مَدْلُولَاتُهَا وَمَنْطُوقَاتُهَا بِخِلَافِ الْأَخْبَارِ الثَّانِي أَنَّ الْإِنْشَاءَاتِ يَتْبَعُهَا مَدْلُولُهَا وَالْإِخْبَارَاتِ تَتْبَعُ مَدْلُولَاتِهَا فإن الْمِلْكَ وَالطَّلَاقَ مَثَلًا يَثْبُتَانِ بَعْدَ صُدُورِ صِيَغِ الْبَيْعِ وَالطَّلَاقِ وفي الْخَبَرِ قَبْلَهُ فإن قَوْلَنَا قام زَيْدٌ
- تَبَعٌ لِقِيَامِهِ في الزَّمَنِ الْمَاضِي الثَّالِثُ أَنَّ الْإِنْشَاءَ لَا يَحْتَمِلُ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ فَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ لِمَنْ قال امْرَأَتِي طَالِقٌ صِدْقٌ وَلَا كَذِبٌ إلَّا أَنْ يُرِيدَ الْإِخْبَارَ عن طَلَاقِهَا الرَّابِعُ أَنَّ الْإِنْشَاءَ يَقَعُ مَنْقُولًا غَالِبًا عن أَصْلِ الصِّيَغِ في صِيَغِ الْعُقُودِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَنَحْوِهَا وَلِهَذَا لو قال لِامْرَأَتَيْهِ إحْدَاكُمَا طَالِقٌ مَرَّتَيْنِ يَجْعَلُ الثَّانِي خَبَرًا لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى النَّقْلِ وقد يَكُونُ إنْشَاءً بِالْوَضْعِ الْأَوَّلِ كَالْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي فَإِنَّهَا لِلطَّلَبِ بِالْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ وَالْخَبَرُ يَكْفِي فيه الْوَضْعُ الْأَوَّلُ في جَمِيعِ صُوَرِهِ هذا حَاصِلُ ما ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ وَيَفْتَرِقَانِ أَيْضًا من جِهَةِ أَنَّ الْإِنْشَاءَ كَلَامٌ نَفْسِيٌّ عَبَّرَ عنه لَا بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِ الْعِلْمِ بِالْأَعْيَانِ وَالْجِنَانِ فإنه إذَا قام بِالنَّفْسِ طَلَبٌ مَثَلًا وَقَصَدَ الْمُتَكَلِّمُ التَّعْبِيرَ عنه بِاعْتِبَارِ الْعِلْمِ وَالْجِنَانِ قال طَلَبْتُ من زَيْدٍ وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُعَبِّرَ عنه لَا بِاعْتِبَارِ ذلك قال افْعَلْ أو لَا تَفْعَلْ وَاعْلَمْ أَنَّ كُلًّا من الْإِنْشَاءِ وَالْخَبَرِ يَسْتَحِيلُ تَعْلِيقُهُ إذْ هُمَا نَوْعَانِ من أَنْوَاعِ الْكَلَامِ يَسْتَحِيلُ وُجُودُهُمَا حَيْثُ لَا كَلَامَ وَالتَّعْلِيقُ إنَّمَا هو في النِّسْبَةِ الْحَاصِلَةِ بين جُزْأَيْ الْجُمْلَةِ غير أَنَّ النِّسْبَةَ مَوْقُوفَةٌ على ذلك الشَّرْطِ
- أَقْسَامُ الْإِنْشَاءِ إذَا عَلِمْتَ هذا فَاعْلَمْ أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا على أَنَّ أَقْسَامَ الْإِنْشَاءِ الْقَسَمُ وَالْأَوَامِرُ وَالنَّوَاهِي وَالتَّرَجِّي وَالتَّمَنِّي وَالْعَرْضُ وَالتَّحْضِيضُ وَالْفَرْقُ بين هَذَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ أَنَّ الْعَرْضَ طَلَبٌ بِلِينٍ بِخِلَافِ التَّحْضِيضِ وَالْفَرْقُ بين التَّرَجِّي وَالتَّمَنِّي أَنَّ التَّرَجِّيَ لَا يَكُونُ في الْمُسْتَحِيلَاتِ وَالتَّمَنِّيَ يَكُونُ فيها وفي الْمُمْكِنَاتِ وقال التَّنُوخِيُّ في الْأَقْصَى الْقَرِيبِ الْمُتَمَنَّى يَكُونُ مُتَشَوَّفًا لِلنَّفْسِ وَالْمَرْجُوُّ قد لَا يَكُونُ كَذَلِكَ وَيَكُونُ الْمَرْجُوُّ مُتَوَقَّعًا وَالْمُتَمَنَّى قد لَا يَكُونُ كَذَلِكَ فَالتَّرَجِّي أَعَمُّ من التَّمَنِّي من وَجْهٍ وَذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيّ أَنَّ الِاسْتِعْطَافَ نَحْوُ بِاَللَّهِ هل قام زَيْدٌ قَسَمٌ وقال ابن النَّحَّاسِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ ليس بِقَسَمٍ لِكَوْنِهِ ليس خَبَرًا وَأَمَّا النِّدَاءُ نَحْوُ يا زَيْدُ فَاتَّفَقُوا على أَنَّهُ إنْشَاءٌ لَكِنْ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ فيه فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ أُنَادِي أو الْحَرْفُ وَحْدَهُ مُفِيدٌ لِلنِّدَاءِ فَقِيلَ على الْأَوَّلِ لو كان الْفِعْلُ مُضْمَرًا لَقَبِلَ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ وَأَجَابَ الْمُبَرِّدُ بِأَنَّ الْفِعْلَ مُضْمَرٌ وَلَا يَلْزَمُ قَبُولُهُ لَهُمَا لِأَنَّهُ إنْشَاءٌ وَالْإِنْشَاءُ لَا يَقْبَلُهُمَا وَاخْتَلَفُوا في صِيَغِ الْعُقُودِ كما سَبَقَ في مَبَاحِثِ اللُّغَةِ وَمِمَّا لم يَسْبِقْ أَنَّ فَصْلَ الْخِطَابِ في ذلك كما قال بَعْضُهُمْ أَنَّ لِهَذِهِ الصِّيَغَ نِسْبَتَيْنِ نِسْبَةٌ إلَى مُتَعَلِّقَاتِهَا الْخَارِجِيَّةِ وَهِيَ من هذه الْجِهَةِ إنْشَاءَاتٌ مَحْضَةٌ وَنِسْبَةٌ إلَى قَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ وَإِرَادَتِهِ وَهِيَ من هذه الْجِهَةِ خَبَرٌ عَمَّا قُصِدَ إنْشَاؤُهُ فَهِيَ إخْبَارَاتٌ بِالنَّظَرِ إلَى مَعَانِيهَا الذِّهْنِيَّةِ وَإِنْشَاءَاتٌ بِالنَّظَرِ إلَى مُتَعَلِّقَاتِهَا الْخَارِجِيَّةِ وَعَلَى هذا فَإِنَّمَا لم يَحْسُنْ أَنْ يُقَابَلَ بِالصِّدْقِ وَالْكَذِبِ وَإِنْ كانت أَخْبَارًا لِأَنَّ مُتَعَلَّقَ التَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ وَمَعْنَاهُمَا مُطَابَقَةُ الْخَبَرِ لِمُخْبِرِهِ أو عَدَمُ مُطَابَقَتِهِ وَهُنَاكَ الْمُخْبَرُ عنه حَصَلَ بِالْخَبَرِ حُصُولُ الْمُسَبَّبِ لِسَبَبِهِ فَلَا يُتَصَوَّرُ فيه تَصْدِيقٌ وَلَا تَكْذِيبٌ وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ في خَبَرٍ لَا يَحْصُلُ مُخْبَرُهُ ولم يَقَعْ بِهِ كَقَوْلِكَ قام زَيْدٌ قال ابن الْحَاجِبِ في كُتُبِهِ النَّحْوِيَّةِ وَهِيَ مَسْلُوبَةُ الدَّلَالَةِ على الزَّمَانِ وَخَالَفَهُ ابن مَالِكٍ فقال وَهِيَ مَاضِيَةُ اللَّفْظِ حَاضِرَةُ الْمَعْنَى وَمِنْ الْإِنْشَاءَاتِ الشَّرْعِيَّةِ الظِّهَارُ كما قَالَهُ الرَّافِعِيُّ في كِتَابِ الظِّهَارِ وَقِيلَ في تَقْرِيرِهِ لو كان خَبَرًا لَمَا أَحْدَثَ حُكْمًا وَحَكَى الرَّافِعِيُّ في الْفَصْلِ الثَّانِي في التَّعَلُّقِ بِالْمَشِيئَةِ من كِتَابِ الطَّلَاقِ وَجْهًا أَنَّهُ إخْبَارٌ وهو الذي صَرَّحَ بِهِ الْغَزَالِيُّ في الْوَجِيزِ وَنَصَرَهُ
- الْقَرَافِيُّ وَغَلِطَ الْأَوَّلُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَذَّبَهُمْ بِقَوْلِهِ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا من الْقَوْلِ وَزُورًا وَبِقَوْلِهِ ما هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ وَقَرَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ ثَمَّ أَلْفَاظًا أَبْقَاهَا الشَّارِعُ على مَدْلُولِهَا اللُّغَوِيِّ وَلَكِنْ من قَالَهَا يُلْزَمُ بِأَمْرٍ فإذا قال أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَهُوَ بَاقٍ على وَضْعِهِ الْأَصْلِيِّ وَذَلِكَ كَذِبٌ وَلِهَذَا أَسْمَاهُ اللَّهُ زُورًا وَحُكْمُ اللَّهِ فِيمَنْ كَذَبَ هذا الْكَذِبَ الْكَفَّارَةُ عِنْدَ الْعَوْدِ وَكَانَتْ عَلَيَّ حَرَامٌ بَاقٍ على مَوْضُوعِهِ وهو كَذِبٌ وَحُكْمُ اللَّهِ فِيمَنْ قَالَهُ عِنْدَنَا كَفَّارَةُ الْيَمِينِ وَلَيْسَ ذلك كَبِعْتُ وَاشْتَرَيْتُ فإن الشَّرْعَ وَضَعَهُمَا لِإِحْدَاثِ ما دَلَّا عليه فَالْأَلْفَاظُ ثَلَاثَةٌ نَحْوُ قام زَيْدٌ وَذَلِكَ خَبَرٌ من كل وَجْهٍ وَنَحْوُ بِعْتُ وَذَلِكَ إنْشَاءٌ مَحْضٌ وَنَحْوُ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي وَذَلِكَ خَبَرٌ وَمِنْ الْإِنْشَاءَاتِ الشَّرْعِيَّةِ الطَّلَاقُ على الْمَذْهَبِ وَلَا يَقُومُ الْإِقْرَارُ مَقَامَهُ نعم يُؤَاخَذُ ظَاهِرًا بِمَا أَقَرَّ بِهِ وَبَعْضُهُمْ جَعَلَ الْإِقْرَارَ على صِيغَتِهِ إنْشَاءً في صُوَرٍ منها إذَا أَقَرَّ بِالطَّلَاقِ يَنْفُذُ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا وَحُكِيَ وَجْهٌ أَنَّهُ يَصِيرُ إنْشَاءً حتى يَحْرُمَ بِهِ بَاطِنًا قال الْإِمَامُ وهو تَلْبِيسٌ فإن الْإِقْرَارَ وَالْإِنْشَاءَ يَتَنَافَيَانِ فَذَلِكَ إخْبَارٌ عن مَاضٍ وَهَذَا إحْدَاثٌ في الْحَالِ وَذَلِكَ يَدْخُلُهُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ وَهَذَا بِخِلَافِهِ وَمِنْهَا حُكْمُ الْإِمَامِ وَالْقَاضِي إنْ كان في مَعْرِضِ الْحُكْمِ فَإِنْ لم يَكُنْ فَإِنْ كان في مَعْرِضِ الْحِكَايَاتِ وَالْأَخْبَارِ كَقَوْلِهِ لِزَيْدٍ على عَمْرٍو كَذَا وَفُلَانٌ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ لم يَكُنْ حُكْمًا بَلْ هو كَغَيْرِهِ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ في بَابِ الْإِقْرَارِ فَإِنْ قال بَعْدَهُ أَرَدْتُ الْحُكْمَ فَيَتَّجِهُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ وَعَلَى هذا فإذا شَكَكْنَا في ذلك لم يَكُنْ حُكْمًا لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ على الْإِخْبَارِ وَعَدَمُ نَقْلِهِ وَمِنْهَا قَوْلُ الشَّاهِدِ أَشْهَدُ إنْشَاءٌ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُهُ التَّكْذِيبُ شَرْعًا وَقِيلَ إخْبَارٌ وَقِيلَ إنْشَاءٌ تَضَمَّنَ الْإِخْبَارَ عَمَّا في النَّفْسِ وَكَأَنَّهُ جَمَعَ بين الْقَوْلَيْنِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في قَوْلِ الْمُلَاعِنِ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ هل هو يَمِينٌ مُؤَكَّدٌ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ أو يَمِينٌ فيها ثُبُوتُ شَهَادَةٍ وَالْأَصَحُّ الْأَوَّلُ الْمَوْطِنُ الثَّامِنُ في تَقْسِيمَاتِهِ اعْلَمْ أَنَّ الْخَبَرَ من حَيْثُ هو مُحْتَمِلٌ لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ لَكِنْ قد يُقْطَعُ بِكَذِبِهِ أو صِدْقِهِ بِأُمُورٍ خَارِجَةٍ أو لَا يُقْطَعُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا لِفُقْدَانِ ما يُوجِبُ الْقَطْعَ وَحِينَئِذٍ فَقَدْ يُظَنُّ الصِّدْقُ وقد يُظَنُّ الْكَذِبُ وقد يَسْتَوِيَانِ
- الْأَوَّلُ ما يُقْطَعُ بِصِدْقِهِ وهو إمَّا أَنْ يُعْلَمَ بِالضَّرُورَةِ أو النَّظَرِ فَالْأَوَّلُ كَقَوْلِنَا الْوَاحِدُ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ وَالثَّانِي ضَرْبَانِ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ على صِدْقِ الْخَبَرِ في نَفْسِهِ فَيَكُونُ كُلُّ من يُخْبِرُ بِهِ صَادِقًا وهو ضُرُوبٌ أَحَدُهَا خَبَرُ من دَلَّ الدَّلِيلُ على أَنَّ الصِّدْقَ وَصْفٌ وَاجِبٌ له وهو اللَّهُ تَعَالَى الثَّانِي من دَلَّتْ الْمُعْجِزَةُ على صِدْقِهِ وَهُمْ الْأَنْبِيَاءُ لِأَنَّهُمْ ادَّعَوْا الصِّدْقَ وَظَهَرَتْ الْمُعْجِزَاتُ على الْوَفْقِ الثَّالِثُ من صَدَّقَهُ اللَّهُ أو رَسُولُهُ وهو خَبَرُ كل الْأُمَّةِ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ إنْ قُلْنَا إنَّهُ قَطْعِيٌّ الرَّابِعُ خَبَرُ الْعَدَدِ الْعَظِيمِ عن الصِّفَاتِ الْقَائِمَةِ بِقُلُوبِهِمْ من الشَّهْوَةِ وَالنَّفْرَةِ وَالْجُوعِ وَالْعَطَشِ فَلَيْسَ هذا من التَّوَاتُرِ الْمَعْنَوِيِّ لِعَدَمِ تَوَارُدِهِ على شَيْءٍ وَاحِدٍ وَالثَّابِتُ في الْمَعْنَوِيِّ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ الْمُتَوَاتِرُ الْخَامِسُ الْمُتَوَاتِرُ وهو لُغَةً تَرَادُفُ الْأَشْيَاءِ الْمُتَعَاقِبَةِ وَاحِدٍ بَعْدَ وَاحِدٍ بِمُهْلَةٍ وَاصْطِلَاحًا خَبَرُ جَمْعٍ يَمْتَنِعُ تَوَاطُؤُهُمْ على الْكَذِبِ من حَيْثُ كَثْرَتُهُمْ عن مَحْسُوسٍ وَإِنَّمَا قال من حَيْثُ كَثْرَتُهُمْ لِيَحْتَرِزَ بِهِ عن خَبَرِ قَوْمٍ يَسْتَحِيلُ كَذِبُهُمْ لِسَبَبٍ آخَرَ خَارِجٍ عن الْكَثْرَةِ وَلَهُ شُرُوطٌ منها ما يَرْجِعُ إلَى الْمُخْبِرِينَ وَمِنْهَا ما يَرْجِعُ إلَى السَّامِعِينَ شُرُوطُ الْمُتَوَاتِرِ التي تَرْجِعُ إلَى الْمُخْبِرِينَ فَاَلَّذِي رَجَعَ إلَى الْمُخْبِرِينَ أُمُورٌ أَحَدُهَا أَنْ يَكُونُوا عَالِمِينَ بِمَا أَخْبَرُوا بِهِ غير مُجَازِفِينَ فَلَوْ كَانُوا ظَانِّينَ ذلك لم يُفِدْ الْقَطْعَ هَكَذَا شَرَطَهُ جَمَاعَةٌ منهم الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وقال ابن الْحَاجِبِ إنَّهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ عِلْمُ الْجَمِيعِ فَبَاطِلٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ ظَاهِرًا وَمَعَ ذلك يُحَصِّلُ الْعِلْمَ وَإِنْ أُرِيدَ عِلْمُ الْبَعْضِ فَلَازِمٌ من شَرْطِ الْحِسِّ
- ثَانِيهَا أَنْ يَعْلَمُوا ذلك عن ضَرُورَةٍ إمَّا بِعِلْمِ الْحِسِّ من مُشَاهَدَةٍ أو سَمَاعٍ وَإِمَّا أَخْبَارٍ مُتَوَاتِرَةٍ لِأَنَّ ما لَا يَكُونُ كَذَلِكَ يُحْتَمَلُ دُخُولُ الْغَلَطِ فيه فَلَا يَحْصُلُ بِهِ الْعِلْمُ قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ فَأَمَّا إذَا تَوَاتَرَتْ أَخْبَارُهُمْ عن شَيْءٍ قد عَلِمُوهُ وَاعْتَقَدُوهُ بِالنَّظَرِ أو الِاسْتِدْلَالِ أو عن شُبْهَةٍ فإن ذلك لَا يُوجِبُ عِلْمًا ضَرُورِيًّا لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ مع تَوَاتُرِهِمْ يُخْبِرُونَ الدَّهْرِيَّةَ بِحُدُوثِ الْعَالَمِ وَتَوْحِيدِ الصَّانِعِ وَيُخْبِرُونَ أَهْلَ الذِّمَّةِ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَلَا يَقَعُ لهم الْعِلْمُ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِهِ من طَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ دُونَ الِاضْطِرَارِ فإن الْمَطْلُوبَ صُدُورٌ عن الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ ثُمَّ قد يَتَرَتَّبُ على الْحَوَاسِّ وَدَرْكِهَا وقد يَحْصُلُ عن قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ وَلَا أَثَرَ لِلْحِسِّ فيها على الِاخْتِصَاصِ فإن الْحِسَّ لَا يُمَيِّزُ احْمِرَارَ الْخَجَلِ وَالْغَضْبَانِ عن اصْفِرَارِ الْمَحْبُوبِ وَالْمَرْغُوبِ وَإِنَّمَا الْعَقْلُ يُدْرِكُ تَمْيِيزَ هذه الْأَحْوَالِ قال فَالْوَجْهُ اشْتِرَاطُ صُدُورِ الْأَخْبَارِ عن الْبَدِيهَةِ وَالِاضْطِرَارِ هذا كَلَامُهُ وَغَايَتُهُ الْحِسُّ أَيْضًا لِأَنَّ الْقَرَائِنَ الْمُفِيدَةَ لِلْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ مُسْتَنِدَةٌ إلَى الْحِسِّ ثَالِثُهَا أَنْ تَكُونَ مُشَاهَدَةُ الشَّاهِدَيْنِ لِلْمُخْبَرِ عنه حَقِيقَةً وَصَحِيحَةً فَلَا تَكُونُ على سَبِيلِ غَلَطِ الْحِسِّ فَلِذَلِكَ لَا يُلْتَفَتُ إلَى إخْبَارِ النَّصَارَى بِصَلْبِ الْمَسِيحِ رَابِعُهَا أَنْ يَكُونَ بِصِفَةٍ يُوثَقُ مَعَهَا بِقَوْلِهِمْ فَلَوْ أَخْبَرُوا مُتَلَاعِبِينَ أو مُكْرَهِينَ على ذلك الْخَبَرِ لم يُلْتَفَتْ إلَيْهِ خَامِسُهَا أَنْ يَبْلُغَ عَدَدُ الْمُخْبِرِينَ إلَى مَبْلَغٍ يَمْتَنِعُ عَادَةً تَوَاطُؤُهُمْ على الْكَذِبِ وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْقَرَائِنِ وَالْوَقَائِعِ وَالْمُخْبِرِينَ وَلَا يَتَقَيَّدُ بِعَدَدٍ مُعَيَّنٍ بَلْ هذا الْقَدْرُ كَافٍ وَمِنْهُمْ من عَبَّرَ عنه بِأَنْ تَكُونَ شَوَاهِدُ أَحْوَالِهِمْ تَنْفِي عن مِثْلِهِمْ الْمُوَاطَأَةَ وَالْغَلَطَ وَلَا خِلَافَ في هذا وَلَكِنْ اخْتَلَفُوا هل يُشْتَرَطُ فيه عَدَدٌ مُعَيَّنٌ وَالْجُمْهُورُ على أَنَّهُ ليس فيه حَصْرٌ وَإِنَّمَا الضَّابِطُ حُصُولُ الْعِلْمِ فَمَتَى أَخْبَرَ هذا الْجَمْعُ وَأَفَادَ خَبَرُهُمْ الْعِلْمَ عَلِمْنَا أَنَّهُ مُتَوَاتِرٌ وَإِلَّا فَلَا لَكِنْ منهم من قَطَعَ بِهِ في جَانِبِ النَّفْيِ ولم يَقْطَعْ في جَانِبِ الْإِثْبَاتِ فقال بِعَدَمِ إفَادَةِ عَدَدٍ مُعَيَّنٍ له وَتَوَقَّفَ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وقال يَجِبُ أَنْ يَكُونُوا أَكْثَرَ من أَرْبَعَةٍ لِأَنَّهُ لو كان خَبَرُ الْأَرْبَعَةِ يُوجِبُ الْعِلْمَ لَمَا سَأَلَ الْحَاكِمُ عن عَدَالَتِهِمْ إذَا شَهِدُوا عِنْدَهُ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ ذَهَبَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَاتَرَ الْخَبَرُ بِأَقَلَّ من خَمْسَةٍ فما زَادَ فَعَلَى هذا لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَاتَرَ بِأَرْبَعَةٍ لِأَنَّهُ عَدَدٌ مُعَيَّنٌ في
- الشَّهَادَةِ الْمُوجِبَةِ لِغَلَبَةِ الظَّنِّ دُونَ الْعِلْمِ ا هـ وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ عن الْجُبَّائِيُّ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مُسْتَنَدَهُ عَدَدُ أُولِي الْعَزْمِ وَهُمْ على الْأَشْهَرِ نُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدٌ صَلَوَاتُ اللَّهِ عليهم وَالْمُشْتَرِطُونَ لِلْعَدَدِ اخْتَلَفُوا وَاضْطَرَبُوا اضْطِرَابًا كَثِيرًا فَقِيلَ يُشْتَرَطُ عَشَرَةٌ وَنُسِبَ لِلْإِصْطَخْرِيِّ وَاَلَّذِي في الْقَوَاطِعِ عنه لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَاتَرَ بِأَقَلَّ من عَشَرَةٍ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَتَوَاتَرَ بِالْعَشَرَةِ فما زَادَ لِأَنَّ ما دُونَهَا جَمْعُ الْآحَادِ فَاخْتَصَّ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ وَالْعَشَرَةُ فما زَادَ جَمْعُ الْكَثْرَةِ قال وقال قَوْمٌ من غَيْرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَقَلُّ ما يَتَوَاتَرُ بِهِ الْخَبَرُ اثْنَا عَشَرَ لِأَنَّهُمْ عَدَدُ النُّقَبَاءِ وَنَقَلَ الْقَرَافِيُّ عن غَيْرِهِ اعْتِبَارَ الْعَشَرَةِ بِعَدَدِ بَيْعَةِ أَهْلِ الرِّضْوَانِ وهو وَهْمٌ لِمَا سَيَأْتِي وَقِيلَ عِشْرُونَ أَيْ إذَا كَانُوا عُدُولًا كَذَا قَيَّدَهُ الصَّيْرَفِيُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ وَنُقِلَ عن أبي الْهُذَيْلِ وَغَيْرِهِ من الْمُعْتَزِلَةِ وَقِيلَ أَرْبَعُونَ وَقِيلَ سَبْعُونَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا وَقِيلَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ عَدَدُ أَهْلِ بَدْرٍ وَإِنَّمَا خَصَّهُمْ بِذَلِكَ لِحُصُولِ الْعِلْمِ بِخَبَرِهِمْ لِلْمُشْرِكِينَ وَوَقَعَ في التَّقْرِيبِ لِلْقَاضِي وَالْبُرْهَانِ لِلْإِمَامِ وَغَيْرِهِمَا تَقْيِيدُهُمْ بِثَلَاثِمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ وَحَكَى الْحَافِظُ الدِّمْيَاطِيُّ وَغَيْرُهُ ذلك وَقَوْلًا آخَرَ أَنَّهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَعَشَرَةُ رِجَالٍ وَالْجَمْعُ بين الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّ الَّذِينَ خَرَجُوا مع النبي في غَزْوَةِ بَدْرٍ لِلْمُقَاتَلَةِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسَةُ رِجَالٍ ولم يَحْضُرْ الْغَزْوَةَ ثَمَانِيَةٌ من الْمُؤْمِنِينَ أَدْخَلَهُمْ النبي عليه السَّلَامُ في حُكْمِ عِدَادِ الْحَاضِرِينَ وَأَجْرَى عليهم حُكْمَهُمْ فَكَانَتْ الْجُمْلَةُ ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ فَاعْرِفْ ذلك وَقِيلَ عَدَدُ أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَهُمْ أَلْفٌ وَسَبْعُمِائَةٍ قلت وفي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عن جَابِرٍ أَنَّ عَدَدُهُمْ خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً وفي رِوَايَةٍ أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةٍ ثُمَّ رُوِيَ عن قَتَادَةَ قلت لِسَعِيدِ بن الْمُسَيِّبِ كَمْ كان الَّذِينَ شَهِدُوا بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ قال خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً قلت قال جَابِرُ بن عبد اللَّهِ كَانُوا أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً قال رَحِمَهُ اللَّهُ وَهَمَ هو حدثني أَنَّهُمْ كَانُوا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً قال الْبَيْهَقِيُّ هذه الرِّوَايَةُ تَدُلُّ على أَنَّهُ كان في الْقَدِيمِ يقول خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً ثُمَّ ذَكَرَ الْوَهْمَ وقال أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً
- وَقِيلَ لَا بُدَّ من خَبَرِ كل الْأُمَّةِ وهو الْإِجْمَاعُ حَكَاهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ عن ضِرَارِ بن عَمْرٍو قال طَوَائِفُ من الْفُقَهَاءِ يَنْبَغِي أَنْ يَبْلُغُوا مَبْلَغًا عَظِيمًا أَيْ لَا يَحْوِيهِمْ بَلَدٌ وَلَا يَحْصُرُهُمْ عَدَدٌ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وهو سَرَفٌ وَالْكُلُّ ضَعِيفٌ لِتَعَارُضِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ وَلَا مُرَجِّحَ لِأَحَدِهَا قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَلَوْ عَنَّ مُرَجِّحٌ فَلَيْسَ ذلك من مَدْلُولِ الْخَبَرِ الْمَقْطُوعِ بِهِ فإن التَّرْجِيحَاتِ ثَمَرَاتُهَا غَلَبَةُ الظُّنُونِ في مُطَّرِدِ الْعَادَةِ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ الْقَوْلَانِ الْأَوَّلَانِ أَمْثَلُ الْأَقَاوِيلِ وَالْبَاقِي ليس بِشَيْءٍ أَيْ فَإِنَّهَا تَحَكُّمَاتٌ فَاسِدَةٌ لَا تُنَاسِبُ الْغَرَضَ وَلَا تَدُلُّ عليه وَتَعَارُضُ أَقْوَالِهِمْ دَلِيلٌ على فَسَادِهَا وَأَمَّا اسْتِخْرَاجُ أبي الْهُذَيْلِ من قَوْلِهِ إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ فَمَرْدُودٌ لِأَنَّ هذا مَنْسُوخٌ ثُمَّ جَعَلَ اللَّهُ الْوَاحِدَ يَقُومُ بِإِزَاءِ الِاثْنَيْنِ فَهَذِهِ الْآيَةُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ أَوْلَى لِأَنَّ فَرْضَ الْعِشْرِينَ أَنْ يَقُومُوا لِمِائَتَيْنِ مَنْسُوخٌ وَصَارَ ثُبُوتُ الْوَاحِدِ لِلِاثْنَيْنِ فَلَوْ اُحْتُجَّ بها عليه في ثُبُوتِ خَبَرِ الْوَاحِدِ لَكَانَ أَقْرَبَ الْأَدِلَّةِ وَبَاقِي الْأَدِلَّةِ لَا تَدُلُّ لِأَنَّهَا أُمُورٌ اتِّفَاقِيَّةٌ فَالْحَقُّ عَدَمُ التَّعْيِينِ مع الْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ من عَدَدٍ يَحْصُلُ بِخَبَرِهِمْ الْعِلْمُ وَهَلْ ذلك الْعَدَدُ الْمُفِيدُ لِلْعِلْمِ في وَاقِعَةٍ يُتَصَوَّرُ أَنْ لَا يُفِيدَ في وَاقِعَةٍ أُخْرَى قال الْقَاضِي ذلك مُحَالٌ بَلْ لَا بُدَّ إلَى تَحْصِيلِ ذلك الْعَدَدِ الْعِلْمُ لِكُلِّ من سَمِعَهُ وَمَهْمَا حَصَلَ هذا الْعِلْمُ لِشَخْصٍ فَلَا بُدَّ من حُصُولِهِ لِجَمِيعِ الْأَشْخَاصِ لِتَحَقُّقِ الْمُوجَبِ لِلْعَمَلِ عِنْدَ كل وَاحِدٍ منهم وَهَذَا بَنَاهُ على أَنَّ الْإِخْبَارَ بِمُجَرَّدِهِ يُفِيدُ الْعِلْمَ عَادَةً دُونَ الْقَرَائِنِ وَمَنْعُ إفَادَتِهِ الْعِلْمَ من حَيْثُ انْضِمَامُ الْقَرَائِنِ التي لم يُجْعَل لها أَثَرٌ قال الْغَزَالِيُّ وَهَذَا غَيْرُ مَرْضِيٍّ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْإِخْبَارِ يَجُوزُ أَنْ يُورِثَ الْعِلْمَ وَإِنْ لم تَكُنْ قَرِينَةٌ وَمُجَرَّدُ الْقَرَائِنِ أَيْضًا قد تُورِثُ الْعِلْمَ وَإِنْ لم يَكُنْ مَعَهَا إخْبَارٌ كَعِلْمِنَا بِخَجَلِ الْخَجِلِ وَوَجِلِ الْوَجِلِ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ تُضَمَّ الْقَرَائِنُ إلَى الْأَخْبَارِ فَيَقُومُ بَعْضُ الْقَرَائِنِ مَقَامَ بَعْضِ الْعَدَدِ فَيَحْصُلُ الْعِلْمُ بِمَجْمُوعِهِمَا قال وَهَذَا مِمَّا يُقْطَعُ بِهِ وَالتَّجْرِبَةُ تَدُلُّ عليه وَتَوَسَّطَ الْهِنْدِيُّ فقال الْحَقُّ أَنْ يُقَالَ إنْ كان حُصُولُ الْعِلْمِ في الصُّورَةِ التي حَصَلَ الْعِلْمُ فيها بِمُجَرَّدِ الْخَبَرِ من غَيْرِ احْتِفَافِ قَرِينَةٍ بِهِ لَا من جِهَةِ الْمُخْبِرِينَ وَلَا من جِهَةِ السَّامِعِينَ حَالِيَّةً كانت أو مَالِيَّةً كان الْإِطْرَادُ وَاجِبًا وَإِنْ لم يَكُنْ بِمُجَرَّدِهِ بَلْ بِانْضِمَامِ أَمْرٍ آخَرَ إلَيْهِ فَلَا يَجِبُ الْإِطْرَادُ
- سَادِسُهَا أَنْ يَتَّفِقُوا على الْخَبَرِ من حَيْثُ الْمَعْنَى وَإِنْ اخْتَلَفُوا في الْعِبَارَةِ فَإِنْ اخْتَلَفُوا في الْمَعْنَى بَطَلَ تَوَاتُرُهُمْ وَشَرَطَ ابن عَبْدَانِ في كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالشَّرَائِطِ في النَّاقِلِينَ شَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا الْعَدَالَةُ قال فَلَا يُقْبَلُ التَّوَاتُرُ من الْفُسَّاقِ وَمَنْ ليس بِعَدْلٍ على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا من قَبِلَهُ وَالثَّانِي الْإِسْلَامُ قال فَالتَّوَاتُرُ من الْكُفَّارِ لَا يَصِحُّ على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ أَخْبَارَ الْآحَادِ لَا تُقْبَلُ من الْكُفَّارِ وَالْفُسَّاقِ وَهِيَ لَا تُوجِبُ الْعِلْمَ فَالتَّوَاتُرُ الذي يُوجِبُ الْعِلْمَ أَوْلَى أَنْ لَا يُقْبَلَ منهم وَمِنْ أَصْحَابِنَا من قال يُقْبَلُ تَوَاتُرُ الْكُفَّارِ ا هـ وَالصَّحِيحُ خِلَافُ ما قال قال سُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ لَا يُشْتَرَطُ في وُقُوعِ الْعِلْمِ بِالتَّوَاتُرِ صِفَاتُ الْمُخْبِرِينَ بَلْ يَقَعُ ذلك بِإِخْبَارِ الْمُسْلِمِينَ وَالْكَفَّارِ وَالْعُدُولِ وَالْفُسَّاقِ وَالْأَحْرَارِ وَالْعَبِيدِ وَالْكِبَارِ وَالصِّغَارِ إذَا اجْتَمَعَتْ الشُّرُوطُ وَكَذَا قال أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ في كِتَابِهِ ذَهَبَ قَوْمٌ من أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّ شَرْطَ التَّوَاتُرِ في الْكُفَّارِ أَنْ يَكُونَ منهم مُسْلِمُونَ لِلْعِصْمَةِ وَعِنْدَنَا لَا فَرْقَ بين الْكُفَّارِ وَالْمُسْلِمِينَ في الْخَبَرِ وَإِنَّمَا غَلِطَتْ هذه الْفِرْقَةُ فَنَقَلَتْ ما طَرِيقُهُ الِاجْتِهَادُ إلَى ما طَرِيقُهُ الْخَبَرُ وَصَرَّحَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ بِأَنَّ الْإِسْلَامَ ليس بِشَرْطٍ وَإِنَّمَا رَدَدْنَا خَبَرَ النَّصَارَى بِقَتْلِ عِيسَى لِأَنَّ أَصْلَهُ ليس بِمُتَوَاتِرٍ لِأَنَّهُمْ بَلَّغُوهُ عن خَبَرِ وَلَوْ ما وَمَارِقِينَ ثُمَّ تَوَاتَرَ الْخَبَرُ من بَعْدِهِمْ وَكَذَلِكَ قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ قال وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ نَقَلَتُهُ مُؤْمِنِينَ أو عُدُولًا وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِجْمَاعِ حَيْثُ اشْتَرَطَ الْإِيمَانَ وَالْعَدَالَةَ فيه أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَاعْتُبِرَ في أَهْلِهِ كَوْنَهُمْ من أَهْلِ الشَّرِيعَةِ وقال ابن بُرْهَانٍ لَا يُشْتَرَطُ إسْلَامُهُمْ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ وَجَرَى عليه الْمُتَأَخِّرُونَ من الْأُصُولِيِّينَ وَقَطَعَ بِهِ ابن الصَّبَّاغِ في بَابِ السَّلَمِ من الشَّامِلِ فإن الشَّافِعِيَّ قال في الْمُخْتَصَرِ وَلَوْ وَقَّتَ بِفَصْحِ النَّصَارَى لم يَجُزْ لِأَنَّهُ قد يَكُونُ عَامًا في شَهْرٍ وَعَامًا في غَيْرِهِ على حِسَابٍ يَنْسَئُونَ فيه أَيَّامًا فَلَوْ اخْتَرْنَاهُ كنا قد عَمِلْنَا في ذلك بِشَهَادَةِ النَّصَارَى وَهَذَا غَيْرُ حَلَالٍ لِلْمُسْلِمِينَ قال ابن الصَّبَّاغِ هذا ما لم يَبْلُغُوا حَدَّ التَّوَاتُرِ فَإِنْ بَلَغُوهُ بِحَيْثُ يَسْتَحِيلُ تَوَاطُؤُهُمْ على الْكَذِبِ فإنه يَكْفِي لِحُصُولِ الْعِلْمِ وَمِنْهُمْ من حَكَى فيه قَوْلًا ثَالِثًا وهو التَّفْصِيلُ بين أَنْ يَطُولَ الزَّمَانُ فَيُعْتَبَرُ
- الْإِسْلَامُ لِجَوَازِ التَّوَاطُؤِ وَإِلَّا فَلَا يُعْتَبَرُ حَكَاهُ الشَّيْخُ في التَّبْصِرَةِ وَمِنْهُمْ من فَصَّلَ بين ما طَرِيقُهُ الدَّيَّانَاتُ فَلَا مَدْخَلَ لهم فيه وما طَرِيقُهُ الْأَقَالِيمُ وَشَبَهُهَا فَهَلْ لهم مَدْخَلٌ بِالتَّوَاتُرِ فيه هو مَحَلُّ الْخِلَافِ وقد سَبَقَ عن الْمَاوَرْدِيِّ أَنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطٌ في التَّوَاتُرِ دُونَ الِاسْتِفَاضَةِ وَجَزَمَ الرُّويَانِيُّ بِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ لَا تُشْتَرَطُ وَذَكَرَ وَجْهَيْنِ في انْفِرَادِ الصِّبْيَانِ بِهِ مع شَوَاهِدِ الْحَالِ بِانْتِفَاءِ الْمُوَاطَأَةِ فَتَحَصَّلْنَا على وُجُوهٍ وَلَا يُعْتَبَرُ في الْمُخْبِرِينَ أَنْ لَا يَحْصُرَهُمْ عَدَدٌ وَلَا يَحْوِيَهُمْ بَلَدٌ خِلَافًا لِقَوْمٍ لِأَنَّ أَهْلَ الْجَامِعِ لو أَخْبَرُوا عن سُقُوطِ الْمُؤَذِّنِ عن الْمَنَارَةِ فِيمَا بين الْخَلْقِ لَأَفَادَ خَبَرُهُمْ الْعِلْمَ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِمْ أَنْ يَكُونُوا مُخْتَلِفِي الْأَدْيَانِ وَالْأَنْسَابِ وَالْأَوْطَانِ خِلَافًا لِلْيَهُودِ فَإِنَّهُمْ شَرَطُوا أَنْ لَا يَكُونَ نَسَبُهُمْ وَاحِدًا وَأَنْ لَا يَكُونَ سَكَنُهُمْ وَاحِدًا وَالدَّلِيلُ على فَسَادِ ذلك أَنَّ قَبِيلَةً من الْقَبَائِلِ الْمُتَّفِقَةِ أَدْيَانُهُمْ وَأَنْسَابُهُمْ لو أَخْبَرُوا بِوَاقِعَةٍ في نَاحِيَتِهِمْ حَصَلَ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِمْ ضَرُورَةً وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَعْصُومٌ خِلَافًا لِلشِّيعَةِ وَلِابْنِ الرَّاوَنْدِيِّ وَاعْلَمْ أَنَّ هذه الشُّرُوطَ لَا بُدَّ منها سَوَاءٌ أَخْبَرَ الْمُخْبِرُونَ عن مُشَاهَدَةٍ أو لَا عن مُشَاهَدَةٍ بَلْ عن سَمَاعٍ من آخَرِينَ فَأَمَّا إذَا حَصَلَ الْوَسَائِطُ فَيُعْتَبَرُ شَرْطٌ آخَرُ وهو وُجُودُ الشُّرُوطِ في كل الطَّبَقَاتِ وهو مَعْنَى قَوْلِهِمْ لَا بُدَّ من اسْتِوَاءِ الطَّرَفَيْنِ وَالْوَاسِطَةِ فَيَرْوِي الْعَدَدُ الْمَذْكُورُ بِالصِّفَةِ السَّابِقَةِ عن مِثْلِهِ إلَى أَنْ يَتَّصِلَ بِالْمُخْبَرِ عنه أَيْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حَالُ من نَقَلَ عن الْأَوَّلِينَ كَحَالِ الْأَوَّلِينَ فِيمَا عَلِمُوهُ ضَرُورَةً وَكَذَلِكَ النَّقَلَةُ في الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ ثُمَّ الثَّالِثَةِ ثُمَّ الرَّابِعَةِ إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إلَيْنَا وَلِهَذَا لم يَصِحَّ ما نَقَلَهُ النَّصَارَى عن صَلْبِ عِيسَى عليه السَّلَامُ لِأَنَّهُمْ نَقَلُوهُ عن عَدَدٍ لَا تَقُومُ بِهِمْ الْحُجَّةُ ابْتِدَاءً وَكَذَا ما نَقَلَتْهُ الرَّوَافِضُ من النَّصِّ على إمَامَةِ عَلِيٍّ وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ التَّوَاتُرَ يَنْقَلِبُ آحَادًا وَرُبَّمَا انْدَرَسَ دَهْرًا فَالْمُتَوَاتِرُ من أَخْبَارِ النبي عليه السَّلَامُ ما اطَّرَدَتْ الشَّرَائِطُ فيه عَصْرًا بَعْدَ عَصْرٍ حتى انْتَهَى إلَيْنَا وَهَذَا لَا خَفَاءَ فيه قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَلَكِنَّهُ ليس من شَرْطِهِ التَّوَاتُرُ قال بَلْ حَاصِلُهُ أَنَّ التَّوَاتُرَ قد يَنْقَلِبُ آحَادًا وَلَيْسَ من شَرَائِطِ وُقُوعِ التَّوَاتُرِ فَلَا يَصِحُّ تَعْبِيرُهُمْ بِاسْتِوَاءِ الطَّرَفَيْنِ وَالْوَاسِطَةِ وَخَالَفَهُ ابن الْقُشَيْرِيّ وقال ما هو من شُرُوطِهِ لَا من شَرْطِ حُصُولِ الْعِلْمِ وَالْعِلْمُ قد يَحْصُلُ من غَيْرِ تَوَاتُرٍ وقد يَنْبَنِي على التَّوَاتُرِ
- شُرُوطُ الْمُتَوَاتِرِ التي تَرْجِعُ إلَى السَّامِعِينَ وَأَمَّا ما يَرْجِعُ إلَى السَّامِعِينَ فَأُمُورٌ أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ السَّامِعُ له من أَهْلِ الْعِلْمِ إذْ يَسْتَحِيلُ حُصُولُ الْعِلْمِ من غَيْرِ مُتَأَهِّلٍ له فَلِذَلِكَ لَا يَكُونُ مَجْنُونًا وَلَا غَافِلًا ثَانِيهَا أَنْ يَكُونَ غير عَالِمٍ بِمَدْلُولِهِ ضَرُورَةً وَإِلَّا يَلْزَمُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ فَلَوْ أَخْبَرُوا بِأَنَّ النَّفْيَ وَالْإِثْبَاتَ لَا يَجْتَمِعَانِ لم يُفِدْ عِلْمًا قال ابن الْحَاجِبِ وَهَذَا إنَّمَا نَشْرُطُهُ على الْقَوْلِ بِأَنَّ الْعِلْمَ غَيْرُ نَظَرِيٍّ فَإِنْ قُلْنَا ضَرُورِيٌّ فَلَا يُشْتَرَطُ وَنَازَعَ الْجَزَرِيُّ الْإِمَامَ فَخْرَ الدِّينِ في تَمْثِيلِهِ بِأَنَّ النَّفْيَ وَالْإِثْبَاتَ لَا يَجْتَمِعَانِ وقال ليس هذا من بَابِ ما ثَبَتَ بِالْخَبَرِ وهو عَجِيبٌ فإن مَقْصُودَ الْإِمَامِ أَنَّهُ لَمَّا عَلِمَهُ السَّامِعُ صَارَ مَعْلُومًا له بِالضَّرُورَةِ بِإِخْبَارِ الْمُخْبِرِينَ كَإِخْبَارِ الْمُخْبِرِينَ بِأَنَّ النَّفْيَ وَالْإِثْبَاتَ لَا يَجْتَمِعَانِ وهو مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ ثَالِثُهَا أَنْ يَكُونَ السَّامِعُ مُنْفَكًّا عن اعْتِقَادِ ما يُخَالِفُ الْخَبَرَ إذَنْ لِشُبْهَةِ دَلِيلٍ أو تَقْلِيدِ إمَامٍ ذَكَرَهُ الشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى وَتَبِعَهُ الْبَيْضَاوِيُّ وَأَمَّا إذَا كان عِنْدَهُ شُبْهَةٌ مُشْكِلَةٌ في صِدْقِ الْخَبَرِ لم يُفِدْ الْعِلْمَ وَمُرَادُ الشَّرِيفِ بِذَلِكَ إثْبَاتُ إمَامَةِ عَلِيٍّ رضي اللَّهُ عنه بِالتَّوَاتُرِ وَإِنَّمَا لم يَحْصُلْ الْعِلْمُ لنا لِاعْتِقَادِ مُتَابِعِي النَّصِّ لِأَجْلِ الشُّبَهِ الْمَانِعَةِ لنا عنه وَهَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ لَا تَقْوَى على دَفْعِ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ وَبَنَاهُ على أَنَّ حُصُولَ الْعِلْمِ عَقِبَ التَّوَاتُرِ بِالْعَادَةِ لَا بِطَرِيقِ التَّوَلُّدِ فَجَازَ إخْلَافُهُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ السَّامِعِينَ فَيَحْصُلُ لِلسَّامِعِ إذَا لم يَكُنْ قد اعْتَقَدَ نَقِيضَ ذلك الْحُكْمِ قبل ذلك وَلَا يَحْصُلُ له إذَا اعْتَقَدَ نَقِيضَهُ قال الْقُرْطُبِيُّ وهو بَاطِلُ بِآيَةِ الِاسْتِوَاءِ وَالْمَجِيءِ فإنه قد اسْتَوَى في الْعِلْمِ بِتَوَاتُرِهَا من اعْتَقَدَ ظَاهِرَهَا وَمَنْ لم يَعْتَقِدْ وقال الْهِنْدِيُّ هذا وَإِنْ بَنَاهُ على أَصْلِهِ الْفَاسِدِ وَلَكِنْ لَا بَأْسَ بِهِ وَقِيلَ يَلْزَمُ عليه أَنْ يُجَوَّزَ صِدْقُ من أخبرنا بِأَنَّهُ لم يَعْلَمْ وُجُودَ الْكِبَارِ وَالْحَوَادِثَ الْعَظِيمَةَ بِالْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ لِأَجْلِ شُبْهَةٍ اعْتَقَدَهَا في نَفْيِ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ وهو بَاطِلٌ
- ثُمَّ فيه مَسَائِلُ الْأَوَّلُ أَنَّ التَّوَاتُرَ يَدُلُّ على الصِّدْقِ قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَزَعَمَ النَّظَّامُ وَأَتْبَاعُهُ من الْقَدَرِيَّةِ أَنَّهُ قد يَكُونُ كَذِبًا وَأَنَّ الْحُجَّةَ فِيمَا غَابَ عن الْحَوَاسِّ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالْخَبَرِ الذي يَضْطَرُّ سَامِعُهُ إلَى أَنَّهُ صِدْقٌ سَوَاءٌ أَخْبَرَ بِهِ جَمْعٌ أو وَاحِدٌ وَأَجَازَ إجْمَاعُ أَهْلِ التَّوَاتُرِ على الْكَذِبِ وَأَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ وَاقِعًا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وهو بَاطِلٌ الثَّانِيَةُ الْجُمْهُورُ على أَنَّ التَّوَاتُرَ يُفِيدُ الْعِلْمَ الْيَقِينِيَّ سَوَاءٌ كان عن أَمْرٍ مَوْجُودٍ في زَمَانِنَا كَالْإِخْبَارِ عن الْبُلْدَانِ الْبَعِيدَةِ وَالْأُمُورِ الْمَاضِيَةِ كَوُجُودِ الشَّافِعِيِّ وَقَالَتْ السُّمَنِيَّةُ وَالْبَرَاهِمَةُ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ بَلْ الظَّنَّ وَجَوَّزَ الْبُوَيْطِيُّ فيه وَفَصَّلَ آخَرُونَ فَقَالُوا إنْ كان خَبَرًا عن مَوْجُودٍ أَفَادَ الْعِلْمَ أو عن مَاضٍ فَلَا يُفِيدُهُ لنا أَنَّا بِالضَّرُورَةِ نَعْلَمُ وُجُودَ الْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ كَبَغْدَادَ وَالْأَشْخَاصَ الْمَاضِيَةَ كَالشَّافِعِيِّ فَصَارَ وُرُودُهُ كَالْعِيَانِ في وُقُوعِ الْعِلْمِ بِهِ اضْطِرَارًا وقد قال الطُّفَيْلُ الْغَنَوِيُّ مع أَعْرَابِيَّتِهِ في وُقُوعِ الْعِلْمِ بِاسْتِفَاضَةِ الْخَبَرِ ما دَلَّتْ عليه الْفِطْرَةُ وَقَادَ إلَيْهِ الطَّبْعُ فقال تَأَوَّبَنِي هَمٌّ من اللَّيْلِ مُنْصِبٌ وَجَاءَ من الْأَخْبَارِ ما لَا يُكَذَّبُ تَظَاهَرْنَ حتى لم يَكُنْ لي رِيبَةٌ ولم يَكُ عَمَّا أَخْبَرُوا مُتَعَقَّبُ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وما نُقِلَ عن السُّمَنِيَّةِ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ مَحْمُولٌ على أَنَّ الْعَدَدَ وَإِنْ كَثُرَ فَلَا اكْتِفَاءَ بِهِ حتى يَنْضَمَّ إلَيْهِ ما يَجْرِي مَجْرَى الْقَرِينَةِ من انْتِفَاءِ الْحَالَاتِ الْمَانِعَةِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ وَأَنَّهُمْ لَا يُنْكِرُونَ وُقُوعَ الْعِلْمِ على الْجُمْلَةِ لَكِنَّهُمْ لم يُضِيفُوا وُقُوعَهُ إلَى مُجَرَّدِ الْخَبَرِ بَلْ إلَى قَرِينَةٍ وَوُقُوعُ الْعِلْمِ عن الْقَرَائِنِ لَا يُنْكِرُهُ عَاقِلٌ وقال أبو الْوَلِيدِ بن رُشْدٍ في مُخْتَصَرِ الْمُسْتَصْفَى لم يَقَعْ خِلَافٌ في أَنَّ التَّوَاتُرَ يُفِيدُ الْيَقِينَ إلَّا مِمَّنْ لَا يُؤْبَهُ بِهِ وَهُمْ السُّوفِسْطَائِيَّة وَجَاحِدُ ذلك يَحْتَاجُ إلَى عُقُوبَةٍ لِأَنَّهُ كَاذِبٌ بِلِسَانِهِ على ما في نَفْسِهِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ في جِهَةِ وُقُوعِ الْيَقِينِ عنه فَقَوْمٌ رَأَوْهُ بِالذَّاتِ وَقَوْمٌ رَأَوْهُ بِالْعَرَضِ وَقَوْمٌ مُكْتَسَبًا تَنْبِيهٌ ظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا في الْفُرُوعِ جَرَيَانُ خِلَافٍ في هذه الْمَسْأَلَةِ فإن بَيْعَ الْغَائِبِ عِنْدَهُمْ بَاطِلٌ فَلَوْ كان الْبَيْعُ مُنْضَبِطًا بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ فَفِي الْبَحْرِ قال بَعْضُ أَصْحَابِنَا
- بِخُرَاسَانَ فيه طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مُطْلَقًا كَالْمَرْئِيِّ وَقِيلَ فيه قَوْلَانِ الثالثة أن هذا العلم ضروري لا نظري ولا حاجة معه إلى كسب كما نقله القاضي في التقريب عن الكل من الفقهاء والمتكلمين وبه قال ابن عبدان في شرائط الأحكام وابن الصباغ وقال ابن فورك إنه الصحيح وقال أبو الطيب إنه الصحيح المشهور وقال سليم إنه قول الكافة إلا البلخي واختاره الإمام الرازي وأتباعه وابن الحاجب وقال صاحب الواضح إنه قول عامة متكلمينا ونقله في المعتمد عن الجبائي وأبي هاشم وذهب الكعبي إلى أنه مستثنى مفتقر إلى تقدم استدلال ويثمر علما نظريا كغيره من العلوم النظرية ووافقه أبو الحسين البصري وابن القطان كما رأيته في كتابه ونقله القاضي أبو الطيب عن الدقاق ونقله الإمام فخر الدين عن الغزالي والذي في المستصفى أنه ضروري بمعنى أنه لا يحتاج إلى حصوله إلى الشعور بتوسط واسطة مفضية إليه مع أن الواسطة حاضرة في الذهن وليس ضروريا بمعنى أنه حاصل من غير واسطة كقولنا القديم لا يكون محدثا والموجود لا يكون معدوما فإنه لا بد فيه من حصول مقدمتين في النفس عدم اجتماع هذا الجمع على الكذب واتفاقهم على الإخبار عن هذه الواقعة وهذا الذي ذكره الغزالي يقرب منه قول إمام الحرمين إنه قد كثر الطاعن على قول الكعبي إنه نظري والذي أراه تنزيل مذهبه عند كثرة المخبرين على النظر في ثبوت أمارات جامعة وانتفائها فلم يعن الرجل نظرا عقليا وفكرا سبريا على مقدمات ونتائج فليس ما ذكره إلا الحق وتبعه ابن القشيري وإذا تبين توارد إمام الحرمين وتلميذه على ذلك وتنزيل مذهب الكعبي عليه لم يبق خلاف وقال إلكيا ما ذكره الكعبي يرجع إلى سبب العلم يعني أن العلم لم يحصل وليس الخلاف في هذا إنما الخلاف في أن الخبر إذا حصل بشرائطه هل يوجب العلم من غير نظر واعلم أن الكعبي لا يجوز أن يخالف في هذا فإنا نرى العلم يحصل للنساء والصبيان من غير نظر وإلا فالكعبي لا ينكر المحسوس ويقول لم أعلم البلاد الغائبة إلا بالنظر وما كان ضروريا يعلم ضرورة لأنه لا يربط النظر قال وقاضينا أبو بكر يقول أعلم أن العلم ضرورة وأعلم بالنظر أنه ضروري فجعل العلم به بالنظر يدرك
- والمعلوم الثاني وهو صدق المخبرين مدركا بالنظر ووجه النظر تيسير مدارك البحث الذي يظن المخالف أنه يتطرق منه إلى العلم وإذن بطل تعين كونه مدركا بالضرورة وهذا بعيد فإنه يلزم مثله في العلم باستحالة اجتماع الضدين فبطل ما رآه القاضي وصح ما قلناه من أن الكعبي إنما ادعى النظر في السبب الأول لا في العلم بصدق المخبرين ا هـ ويدل له أن ابن القطان احتج على أنه ليس ضروريا بأن العلم به لا يزيد المعجزة ونحن لم نعلمها إلا بالاستدلال فكذا الخبر وفي المسألة مذهب ثالث وهو أنه بين المكتسب والضروري وهو أقوى من المكتسب وليس في قوة الضروري قاله صاحب الكبريت الأحمر ورابع وهو الوقف ذهب إليه الشريف المرتضى وقال صاحب المصادر إنه الصحيح واختاره الآمدي وإذا قلنا بأنه نظري فهو بطريق التوليد عند القائلين به وإلا ففيه خلاف عندهم لترتبه على فعل اختياري ووجه الآخر القياس على سائر الضروريات الرَّابِعَةُ إذَا ثَبَتَ وُقُوعُ الْعِلْمِ عنه وَأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ فَاخْتَلَفُوا إلَى مَاذَا يَسْتَنِدُ فَالْجُمْهُورُ أَطْلَقُوا الْقَوْلَ بِاسْتِنَادِهِ إلَى الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَأَنْكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هذا وَرَأَى أَنَّهُ يَسْتَنِدُ إلَى الْقَرَائِنِ وَمِنْهَا كَثْرَةُ الْعَدَدِ الذي لَا يُمْكِنُ معه التَّوَاطُؤُ على الْكَذِبِ وَطَرْدُ أَصْلِهِ هذا في خَبَرِ الْوَاحِدِ إذَا احْتَفَّتْ بِهِ قَرَائِنُ وقال إنَّهُ يُفِيدُ الْقَطْعَ الْخَامِسَةُ أَنَّ هذا الْعِلْمَ عَادِيٌّ لَا عَقْلِيٌّ لِأَنَّ الْعَقْلَ يُجَوِّزُ الْكَذِبَ على كل عَدَدٍ وَإِنْ عَظُمَ وَإِنَّمَا هذه الِاسْتِحَالَةُ عَادِيَةٌ السَّادِسَةُ قال ابن الْحَاجِبِ في مُخْتَصَرِهِ الْكَبِيرِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ غير شُذُوذٍ على أَنَّ خَبَرَ التَّوَاتُرِ لَا يُوَلِّدُ الْعِلْمَ لنا أَنَّهُ مَوْجُودٌ وَمُمْكِنٌ وَكُلُّ مَوْجُودٍ مُمْكِنٍ ليس إلَّا بِخَلْقِ اللَّهِ وقال الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ الْقَوْلُ في أَنَّ الْعِلْمَ بِهِ يَقَعُ مُبْتَدَأً من فِعْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ غير مُتَوَلِّدٍ عن الْخَبَرِ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِالتَّوَلُّدِ بَاطِلٌ في أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَفْعَالِ خَلْقِهِ على ما بَيَّنَّاهُ في أُصُولِ الدِّيَانَاتِ السَّابِعَةُ إذَا أَخْبَرَ وَاحِدٌ بِحَضْرَةِ خَلْقٍ كَثِيرٍ لَا يَجُوزُ عليهم التَّوَاطُؤُ على الْكَذِبِ ولم يَكْذِبُوهُ وَعُلِمَ أَنَّهُ لو كان كَذِبًا لَعَلِمُوهُ وَلَا حَامِلَ لهم على سُكُوتِهِمْ
- كَالْخَوْفِ وَالطَّمَعِ يَدُلُّ على صِدْقِهِ قَطْعًا قَالَهُ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وَسُلَيْمٌ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَالْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن الْقُشَيْرِيّ وَالْغَزَالِيُّ وابن الصَّبَّاغِ وَاخْتَارَهُ ابن الْحَاجِبِ قال الْأُسْتَاذُ وَبِهَذَا النَّوْعِ أَثْبَتْنَا كَثِيرًا من مُعْجِزَاتِ الرَّسُولِ قال ابن الصَّبَّاغِ لَكِنَّ الْعِلْمَ بِذَلِكَ نَظَرِيٌّ بِخِلَافِ الْمُتَوَاتِرِ فإنه ضَرُورِيٌّ وَقِيلَ ليس صِدْقُهُ قَطْعِيًّا وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ وَالْآمِدِيَّ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لهم اطِّلَاعٌ على كَذِبِهِ أو صِدْقِهِ أو اطَّلَعَ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ وَالْعَادَةُ لَا تُحِيلُ سُكُوتَ هذا الْبَعْضِ وَبِتَقْدِيرِ اطِّلَاعِ الْكُلِّ يُحْتَمَلُ أَنَّ مَانِعًا مَنَعَهُمْ من التَّصَرُّفِ بِتَكْذِيبِهِ وَمَعَ هذه الِاحْتِمَالَاتِ يَمْتَنِعُ الْقَطْعُ بِتَصْدِيقِهِ وَهَذِهِ الِاحْتِمَالَاتُ ضَعِيفَةٌ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَفْرُوضَةٌ عِنْدَ انْتِفَائِهَا كما نَبَّهَ عليه ابن الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ فَحِينَئِذٍ سُكُوتُهُمْ بِمَثَابَةِ قَوْلِهِمْ صَدَقْت وَفَصَّلَ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ وابن الْقُشَيْرِيّ فَقَالَا إنْ أَخْبَرَ بِأَمْرٍ ضَرُورِيٍّ دَلَّ على الصِّدْقِ وَإِنْ أَخْبَرَ بِأَمْرٍ نَظَرِيٍّ فَسَكَتُوا لم يَكُنْ سُكُوتُهُمْ بِمَثَابَةِ تَصْرِيحِهِمْ بِالْحُكْمِ لِأَنَّ الْمَحَلَّ مَحَلُّ الِاجْتِهَادِ وَفَصَّلَ ابن السَّمْعَانِيِّ بين أَنْ يَتَمَادَى على ذلك الزَّمَنَ الطَّوِيلَ وَلَا يَظْهَرُ منهم مُنْكِرٌ فَيَدُلُّ على الصِّدْقِ وَإِلَّا فَلَا قال وَأَلْحَقَ بِهِ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ مُضَافًا إلَى حَالٍ قد شَاهَدَهَا كَثِيرٌ من الناس ثُمَّ يَرْوِيهِ وَاحِدٌ وَاثْنَانِ وَيَسْمَعُ بِرِوَايَاتِهِ سَائِرُ من شَهِدَ الْحَالَ فَلَا يُكْرَهُ فَيَدُلُّ تَرْكُ إنْكَارِهِمْ له على صِدْقِهِ لِأَنَّهُ ليس في جَارِي الْعَادَةِ إمْسَاكُهُمْ جميعا عن رَدِّ الْكَذِبِ وَتَرْكِ الْإِنْكَارِ وقال وَعَلَى هذا وَرَدَتْ أَكْثَرُ سِيَرِ النبي عليه السَّلَامُ وَأَكْثَرُ أَحْوَالِهِ في مَغَازِيهِ قال وَهَذَا وَجْهٌ حَسَنٌ جِدًّا الثَّامِنَةُ إذَا أَخْبَرَ وَاحِدٌ بِحَضْرَتِهِ عليه السَّلَامُ وَلَا حَامِلَ له على الْكَذِبِ ولم يُنْكِرْهُ فَيَدُلُّ على صِدْقِهِ قَطْعًا في الْمُخْتَارِ خِلَافًا لِلْآمِدِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَمِمَّنْ جَزَمَ بِالْأَوَّلِ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وَسُلَيْمٌ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَالْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وابن السَّمْعَانِيِّ لَكِنَّ شَرْطًا أَنْ يَدَّعِيَ عِلْمَ النبي عليه السَّلَامُ بِهِ وَلَا يُكَذِّبَهُ وَقِيلَ إنْ كان عن أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ لم يَدُلَّ على صِدْقِهِ أو دِينِيٍّ دَلَّ وَاخْتَارَهُ الْهِنْدِيُّ بِشُرُوطِ التَّقْرِيرِ وهو ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْقُشَيْرِيّ فإنه قال إذَا أَخْبَرَ الْمُخْبِرُ بين يَدَيْ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ فَتَقْرِيرُ الرَّسُولِ على إخْبَارِهِ وَلَا يُنْكِرُهُ عليه مع دَلَالَةِ الْحَالِ على انْتِفَاءِ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ عنه عليه السَّلَامُ يَدُلُّ على صِدْقِهِ قَطْعًا
- وَالْحَقُّ أَنَّ هذا الْخَبَرَ إنْ كان عن أَمْرٍ دِينِيٍّ فَإِنَّمَا يُجْزَمُ بِصِدْقِهِ بِشُرُوطٍ أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ وَقْتُ الْعَمَلِ بِهِ قد دخل وَإِلَّا فَلَا لِأَنَّ تَرْكَ الْإِنْكَارِ يُحْتَمَلُ لِأَنَّ له تَأْخِيرَ الْبَيَانِ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ ثَانِيهَا أَنْ لَا يَكُونَ سُكُوتُ النبي عليه السَّلَامُ قد تَقَدَّمَهُ بَيَانُ حُكْمِ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ فإنه لَا يَجِبُ عليه تَكْرِيرُ الْبَيَانِ كُلَّ وَقْتٍ فَلَعَلَّهُ حِينَئِذٍ إنَّمَا تَرَكَ الْإِنْكَارَ لِاعْتِمَادِهِ على ما تَقَدَّمَ من الْبَيَانِ ثَالِثُهَا أَنْ يَكُونَ ما أَخْبَرَ بِهِ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُشْرَعَ فَلَوْ قال قَائِلٌ أَوْجَبَ اللَّهُ على الناس الطَّيَرَانَ أو تَرْكَ التَّنَفُّسِ لَجَازَ أَنْ يَكُونَ سُكُوتُهُ عن الْإِنْكَارِ لِعِلْمِهِ أَنَّ مِثْلَ هذا الْقَوْلِ مِمَّا لَا يُصْغَى إلَيْهِ وَإِنْ كان عن أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ فَقَدْ قِيلَ أَيْضًا إنَّهُ يُجْزَمُ بِصِدْقِهِ إذَا عُلِمَ عِلْمُ الرَّسُولِ بِالْوَاقِعَةِ وَضَعَّفَهُ آخَرُونَ وَقَالُوا الرَّسُولُ لَا يَلْزَمُهُ تَبْيِينُ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَلَا يَلْزَمُهُ الْإِنْكَارُ على الْكَاذِبِ إذَا لم يَحْلِفْ تَنْبِيهٌ الْعِلْمُ في هذا وَاَلَّذِي قَبْلَهُ نَظَرِيٌّ لِوُقُوعِهِ عن النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ قَالَهُ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ في شَرْحِ الْكِفَايَةِ التَّاسِعَةُ خَبَرُ الْوَاحِدِ إذَا صَارَ إلَى التَّوَاتُرِ في الْعَصْرِ الثَّانِي أو الثَّالِثِ أو الرَّابِعِ فَهُوَ مَقْطُوعٌ بِصِدْقِهِ قَالَهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ قال وَخَالَفَ أَهْلُ الْبِدَعِ وَمِثْلُهُ بِالْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ في الرُّؤْيَةِ وَالْقَدَرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ وَالْحَوْضِ وَالْمِيزَانِ وَالشَّفَاعَةِ وَخَبَرِ الرَّجْمِ وَالْمَسْحِ على الْخُفِّ وَنَحْوِهِ الْعَاشِرَةُ خَبَرُ الْوَاحِدِ وَالطَّائِفَةِ الْمَحْصُورَةِ إذَا أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ على قَبُولِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ كَإِجْمَاعِهِمْ على الْخَبَرِ الْمَرْوِيِّ في مِيرَاثِ الْجَدَّةِ وفي إنَّهُ لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ وفي أَنَّهُ لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ على عَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا يَدُلُّ على الصِّدْقِ قَطْعًا عِنْدَ الْأُسْتَاذَيْنِ أبي إِسْحَاقَ وَتِلْمِيذِهِ أبي مَنْصُورٍ وَالْقَاضِي أبي الطَّيِّبِ وَالشَّيْخِ أبي إِسْحَاقَ وَسُلَيْمٍ الرَّازِيَّ وَابْنِ السَّمْعَانِيِّ وَنَقَلَهُ الْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ عن الْأُصُولِيِّينَ وَنَقَلَهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ عن الْأَكْثَرِينَ وَنُقِلَ عن الْكَرْخِيِّ وَأَبِي هَاشِمٍ وَأَبِي عبد اللَّهِ الْبَصْرِيِّ
- وقال الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ في كِتَابِ فَهْمِ السُّنَنِ إنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ على إثْبَاتِهِ وَأَنَّهُ حَقٌّ وَصِدْقٌ وَمَثَّلَهُ بِخَبَرِ في خَمْسِ أَوَاقٍ وَخَمْسِ ذَوْدٍ وَعِشْرِينَ دِينَارًا وَأَرْبَعِينَ من الْغَنَمِ الزَّكَاةُ قال كما أنها إذَا أَجْمَعَتْ على تَرْكِ الْخَبَرِ وَعَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ دَلَّ على خِلَافِهِ وَذَهَبَ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ إلَى أَنَّهُ لَا يَدُلُّ على الْقَطْعِ بِصِدْقِهِ وَإِنْ تَلَقَّوْهُ بِالْقَبُولِ قَوْلًا وَنُطْقًا وَقُصَارَاهُ غَلَبَةُ الظَّنِّ وَاخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَإِلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَغَيْرُهُمْ فإن تَصْحِيحَ الْأُمَّةِ لِلْخَبَرِ يَجْرِي على حُكْمِ الظَّاهِرِ فإذا اسْتَجْمَعَ شُرُوطَ الصِّحَّةِ أَطْلَقَ عليه الْمُحَدِّثُونَ الصِّحَّةَ فَلَا وَجْهَ لِلْقَطْعِ وَالْحَالَةُ هذه وَقِيلَ بِالتَّفْصِيلِ بين أَنْ يَتَّفِقُوا على الْعَمَلِ بِهِ فَلَا يُقْطَعُ بِصِدْقِهِ وَحُمِلَ الْأَمْرُ على اعْتِقَادِهِمْ وُجُوبَ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَإِنْ تَلَقَّوْهُ بِالْقَبُولِ قَوْلًا وَنُطْقًا حُكِمَ بِصِدْقِهِ وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عن ابْنِ فُورَكٍ وقال الْمَازِرِيُّ الْإِنْصَافُ التَّفْصِيلُ فَإِنْ لَاحَ من سَائِرِ الْعُلَمَاءِ مَخَايِلُ الْقَطْعِ وَالتَّصْمِيمِ وَأَنَّهُمْ أَسْنَدُوا التَّصْدِيقَ إلَى يَقِينٍ فَلَا وَجْهَ لِلتَّشْكِيكِ وَيُحْمَلُ على أَنَّهُمْ عَلِمُوا صِحَّةَ الحديث من طُرُقٍ خَفِيَتْ عَلَيْنَا إمَّا بِأَخْبَارٍ نُقِلَتْ مُتَوَاتِرَةً ثُمَّ انْدَرَسَتْ أو بِغَيْرِهَا وَإِنْ لَاحَ منهم التَّصْدِيقُ مُسْتَنِدًا إلَى تَحْسِينِ الظَّنِّ بِالْعُدُولِ بِالْبِدَارِ إلَى الْقَبُولِ فَلَا وَجْهَ لِلْقَطْعِ ا هـ وقال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ فَأَمَّا إذَا اجْتَمَعَتْ الْأُمَّةُ على الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لِأَجْلِهِ فَهَذَا هو الْمُسَمَّى مَشْهُورًا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وهو الذي يَكُونُ وَسَطُهُ وَآخِرُهُ على حَدِّ التَّوَاتُرِ وَأَوَّلُهُ مَنْقُولٌ عن الْوَاحِدِ وَلَا شَكَّ أَنَّ ذلك لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ ضَرُورَةً فإنه لو أَوْجَبَهُ ثَبَتَتْ حُجَّةُ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ وَالْمَجُوس في أَشْيَاءَ نَقَلُوهَا عن أَسْلَافِهِمْ وَنَحْنُ نُخَالِفُهُمْ وقد قال أبو هَاشِمٍ في مِثْلِ ذلك إنَّ تَوَافُقَ الْأُمَّةِ على الْعَمَلِ بِهِ يَدُلُّ على أَنَّ الْحُجَّةَ قد قَامَتْ بِهِ في الْأَصْلِ لِأَنَّ عَادَتَهُمْ فِيمَا قَبِلُوهُ من الْأَخْبَارِ قد جَرَتْ بِأَنَّ ما لم تَقُمْ بِهِ الْحُجَّةُ لَا يُطْبِقُونَ على قَبُولِهِ فلما أَطْبَقُوا على قَبُولِهِ فَقَدْ عَظَّمُوا النَّكِيرَ على من خَالَفَهُمْ وَمِنْهُ أَخْبَارُ أُصُولِ الزَّكَاةِ وَالْعِبَادَاتِ وَلِذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِيمَا لم تَقُمْ بِهِ الْحُجَّةُ من الْأَخْبَارِ كَرِوَايَةِ بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ وَرِوَايَاتِ أبي هُرَيْرَةَ قال وَبِمِثْلِهِ احْتَجَجْنَا بِالْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ على صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ فَإِنَّهَا وَإِنْ كانت أَخْبَارَ آحَادٍ وَلَكِنْ تَلَقَّتْهَا الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ وَمَنَعَتْ بِسَبَبِهَا مُخَالَفَةَ الْإِجْمَاعِ وَشَدَّدَتْ النَّكِيرَ على الْمُخَالِفِ
- فَإِنْ قِيلَ خَبَرُ الْوَاحِدِ ظَنِّيٌّ وَلَا يَتَّفِقُ جَمْعٌ لَا يُحْصَوْنَ على الظَّنِّ كما لَا يَتَّفِقُونَ على الْقِيَاسِ قِيلَ الصَّحِيحُ جَوَازُ اسْتِنَادِ الْإِجْمَاعِ إلَى الْقِيَاسِ وَنَقَلَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ عن الْقَاضِي أبي بَكْرٍ أَنَّهُ قال لَا تُتَصَوَّرُ هذه الْمَسْأَلَةُ لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إذَا لم يُوجِبْ الْعِلْمَ فَلَا يُتَصَوَّرُ اتِّفَاقُ الْأُمَّةِ على انْقِطَاعِ الِاحْتِمَالِ حَيْثُ لَا يَنْقَطِعُ وَاخْتَارَ ذلك ابن بَرْهَانٍ فقال عَدَدُ التَّوَاتُرِ إذَا أَجْمَعُوا على الْعَمَلِ عن الْوَاحِدِ لم يَصِرْ مُتَوَاتِرًا وَهَلْ يُفِيدُ الْقَطْعَ أَمْ لَا قال وَلَا يُتَصَوَّرُ هذا لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ مَظْنُونٌ وَالظَّنِّيُّ لَا يَنْقَلِبُ قَطْعِيًّا وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عن الْقَاضِي أبي بَكْرٍ أَنَّ تَلَقِّيَ الْأُمَّةِ بِالْقَبُولِ لَا يَقْتَضِي الْقَطْعَ بِالصِّدْقِ لِلِاحْتِمَالِ ثُمَّ قال ثُمَّ قِيلَ لِلْقَاضِي لو دَفَعُوا هذا الظَّنَّ وَبَاحُوا بِالصِّدْقِ فقال مُجِيبًا لَا يُتَصَوَّرُ هذا فَإِنَّهُمْ لَا يَصِلُونَ إلَى الْعِلْمِ بِصِدْقِهِ وَلَوْ نَطَقُوا لَكَانُوا مُجَازِفِينَ وَأَهْلُ الْإِجْمَاعِ لَا يُجْمِعُونَ على بَاطِلٍ قال أبو نَصْرِ بن الْقُشَيْرِيّ هَكَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ وقد حُكِيَتْ عن الْقَاضِي أَنَّهُ بَيَّنَ في كِتَابِ التَّقْرِيبِ أَنَّ الْأُمَّةَ إذَا أَجْمَعَتْ أو أَجْمَعَ أَقْوَامٌ لَا يَجُوزُ عليهم التَّوَاطُؤُ على الْكَذِبِ من غَيْرِ أَنْ يَظْهَرَ فِيهِمْ التَّوَاطُؤُ على أَنَّ هذا الْخَبَرَ صِدْقٌ كان ذلك دَلِيلًا على الصِّدْقِ قال فَهَذَا عَكْسُ ما حَكَاهُ الْإِمَامُ عنه وَقَوْلُهُ إنَّهُمْ لو نَطَقُوا بهذا عن أَمْرٍ عَلِمُوهُ ذلك كَلَامٌ لَا يَسْتَنِدُ لِأَنَّا لَا نُطَالِبُ أَهْلَ الْإِجْمَاعِ بِمُسْتَنِدِ إجْمَاعِهِمْ وقال وَلَعَلَّ ما حَكَاهُ الْإِمَامُ فِيمَا إذَا تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ وَلَكِنْ لم يَحْصُلْ إجْمَاعٌ على تَصْدِيقِ الْمُخْبِرِ فَهَذَا وَجْهُ الْجَمْعِ ا هـ وهو بَعِيدٌ وَكَلَامُ الْإِمَامِ يَأْبَاهُ وَجَزَمَ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ بِصِحَّةِ ما إذَا تَلَقَّوْهُ بِالْقَبُولِ قال وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا أَجْمَعَتْ على الْعَمَلِ بِمُوجَبِ الْخَبَرِ لِأَجْلِهِ هل يَدُلُّ ذلك على صِحَّتِهِ أَمْ لَا على قَوْلَيْنِ قال وَكَذَلِكَ إذَا عَمِلَ بِمُوجَبِهِ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ وَأَنْكَرُوا على من عَدَلَ عنه فَهَلْ يَدُلُّ على صِحَّتِهِ وَقِيَامِ الْحُجَّةِ بِهِ كَحَدِيثِ أبي سَعِيدٍ وَعُبَادَةَ في الرِّبَا وَتَحْرِيمِ الْمُتْعَةِ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً بِذَلِكَ وَذَهَبَ عِيسَى بن أَبَانَ إلَى أَنَّهُ يَدُلُّ على حُجِّيَّتِهِ قال فَهَذَا فَرْعُ الْكَلَامِ في خِلَافِ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ هل يَكُونُ خِلَافًا مُعْتَدًّا بِهِ وَالصَّحِيحُ الِاعْتِدَادُ بِهِ وَحِينَئِذٍ يَمْتَنِعُ مع هذا أَنْ لَا يَدُلَّ على صِحَّةِ الْخَبَرِ ا هـ وقال ابن الصَّلَاحِ إنَّ جَمِيعَ ما اتَّفَقَ عليه الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهِ
- لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ اتَّفَقُوا على صِحَّةِ هَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ ليس كَذَلِكَ إذْ الِاتِّفَاقُ إنَّمَا وَقَعَ على جَوَازِ الْعَمَلِ بِمَا فِيهِمَا وَذَلِكَ لَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ ما فِيهِمَا مَظْنُونُ الصِّحَّةِ فإن اللَّهَ تَعَالَى لم يُكَلِّفْنَا الْقَطْعَ وَلِذَلِكَ يَجِبُ الْحُكْمُ بِمُوجَبِ الْبَيِّنَةِ وَإِنْ لم تُفِدْ إلَّا الظَّنَّ مَسْأَلَةٌ إجْمَاعُهُمْ على الْعَمَلِ على وَفْقِ الْخَبَرِ لَا يَقْتَضِي صِحَّةَ الْخَبَرِ أَمَّا إجْمَاعُهُمْ على الْعَمَلِ على وَفْقِ الْخَبَرِ فَلَا يَقْتَضِي صِحَّتَهُ فَضْلًا عن الْقَطْعِ بِهِ فَقَدْ يَعْمَلُونَ على وَفْقِهِ بِغَيْرِهِ جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ في الرَّوْضَةِ في كِتَابِ الْقَضَاءِ وفي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ سَيَأْتِي في بَابِ الْإِجْمَاعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَمَّا إذَا افْتَرَقَتْ الْأُمَّةُ شَطْرَيْنِ شَطْرٌ قَبِلُوهُ وَعَمِلُوا بِمُقْتَضَاهُ وَالشَّطْرُ الْآخَرُ اشْتَغَلَ بِتَأْوِيلِهِ فَلَا يَدُلُّ على صِحَّتِهِ على وَجْهِ الْقَطْعِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ كما قَالَهُ الْهِنْدِيُّ وقال إنَّهُ الْحَقُّ وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ في اللُّمَعِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُفِيدُ الْقَطْعَ فإنه قال خَبَرُ الْوَاحِدِ إذَا تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ يُقْطَعُ بِصِدْقِهِ سَوَاءٌ عَمِلَ الْكُلُّ بِهِ أو الْبَعْضُ وَتَأَوَّلَهُ الْبَعْضُ ا هـ وَتَبِعَهُ ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ خَبَرُ الْوَاحِدِ الْمَحْفُوفُ بِالْقَرَائِنِ ذَهَبَ النَّظَّامُ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ إلَى أَنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ الْقَطْعِيَّ وَاخْتَارَهُ الرَّازِيَّ وَالْآمِدِيَّ وابن الْحَاجِبِ وَالْبَيْضَاوِيُّ وَالْهِنْدِيُّ وَغَيْرُهُمْ وهو الْمُخْتَارُ وَيَكُونُ الْعَمَلُ نَاشِئًا عن الْمَجْمُوعِ من الْقَرِينَةِ وَالْخَبَرِ وَذَهَبَ الْبَاقُونَ إلَى أَنَّهُ لَا يُفِيدُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ يَنْقَسِمُ التَّوَاتُرُ بِاعْتِبَارَاتٍ أَحَدُهَا إلَى ما يَتَوَاتَرُ عِنْدَ الْكَافَّةِ وَإِلَى ما يَتَوَاتَرُ عِنْدَ أَهْلِ الصِّنَاعَةِ كَمَسْأَلَةِ عَدَمِ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ فَإِنَّهَا مُتَوَاتِرَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ دُونَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْأَوَّلُ مُنْكِرُهُ مُعَانِدٌ كَافِرٌ كَمُنْكِرِ الْقُرْآنِ بِخِلَافِ السُّنَّةِ إذْ جَازَ أَنْ يَخْتَصَّ بِذَلِكَ أَهْلُ الحديث دُونَ غَيْرِهِمْ فَإِنْ قِيلَ فما قَوْلُك في الْبَسْمَلَةِ إذَا ادَّعَيْتُمْ التَّوَاتُرَ بِكَوْنِهَا من الْفَاتِحَةِ وَخَالَفَكُمْ فيه الْأَئِمَّةُ قُلْنَا لم يَقَعْ النِّزَاعُ في كَوْنِهَا آيَةً من كِتَابِ اللَّهِ لِيَكُونَ جَاحِدُهَا كَافِرًا وَإِنَّمَا وَقَعَ النِّزَاعُ في تَعَدُّدِ الْمَوْضِعِ وَاتِّحَادِهِ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ على تَوَاتُرِ أَصْلِهَا من الْقُرْآنِ قَالَهُ أبو الْعِزِّ الْمُقْتَرِحُ وهو أَحْسَنُ من جَوَابِ ابْنِ الْحَاجِبِ بِقُوَّةِ الشُّبْهَةِ
- ثَانِيهَا التَّوَاتُرُ قد يَكُونُ لَفْظِيًّا وقد يَكُونُ مَعْنَوِيًّا وهو أَنْ يَجْتَمِعَ من سَبَقَ ذِكْرُهُمْ على أَخْبَارٍ تَرْجِعُ إلَى خَبَرٍ وَاحِدٍ كَشَجَاعَةِ عَلِيٍّ رضي اللَّهُ عنه وُجُودِ حَاتِمٍ قالوا وَمُعْجِزَاتُ النبي تَثْبُتُ بهذا النَّوْعِ وهو دُونَ التَّوَاتُرِ اللَّفْظِيِّ لِأَجْلِ الِاخْتِلَافِ في طَرِيقِ النَّقْلِ قال أبو نَصْرِ بن الصَّبَّاغِ في كِتَابِ الطَّرِيقِ السَّالِمِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الْمَنْقُولِ بِالتَّوَاتُرِ الْمَعْنَوِيِّ مُتَقَوَّلًا أَلَا تَرَى أَنَّ من قال إنَّ الْآحَادَ كُلَّهَا الْمَرْوِيَّةَ عنه عليه السَّلَامُ غَيْرُ صَحِيحَةٍ حَكَمَتْ الْعُقُولُ بِكَذِبِهِ وَنَطَقَتْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَّفِقَ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ كُلِّهَا مُتَقَوَّلَةً وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ فيها شَيْءٌ من ذلك وقال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَلَا يَكَادُ يَقَعُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ إلَّا في شَيْءٍ من الْأُصُولِ وَمَسَائِلَ قَلِيلَةٍ في الْفُرُوعِ كَغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ مع الرَّوَافِضِ وَالْمَسْحِ على الْخُفَّيْنِ مع الْخَوَارِجِ وَنَازَعَ بَعْضُهُمْ في التَّمْثِيلِ بِشَجَاعَةِ عَلِيٍّ لِأَنَّ أَفْعَالَهُ في الْجَمَلِ وَصِفِّينَ بِأَنْ نَقَلَهُ عَدَدُ التَّوَاتُرِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ الْمُحَصِّلِينَ فَشَجَاعَتُهُ مُتَوَاتِرَةٌ لَفْظًا وَمَعْنًى تَنْبِيهٌ الْخَبَرُ الْمُتَوَاتِرُ عِنْدَ أَهْلِ الحديث الْخَبَرُ الْمُتَوَاتِرُ ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ وَالْأُصُولِيُّونَ وَبَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ قال ابن الصَّلَاحِ وَأَهْلُ الحديث لَا يَذْكُرُونَهُ بِاسْمِهِ الْخَاصِّ الْمُشْعِرِ بِمَعْنَاهُ الْخَاصِّ وَإِنْ كان الْخَطِيبُ ذَكَرَهُ فَفِي كَلَامِهِ ما يُشْعِرُ بِأَنَّهُ اتَّبَعَ أَهْلَ الحديث قُلْت قد ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ وابن عبد الْبَرِّ وابن حَزْمٍ وَغَيْرُهُمْ وَادَّعَى ابن الصَّلَاحِ أَنَّهُمْ إنَّمَا لم يَذْكُرُوهُ لِأَنَّهُ لم تَشْمَلْهُ صِنَاعَتُهُمْ وَلَا يَكَادُ يُوجَدُ في رِوَايَاتِهِمْ لِنُدْرَتِهِ وَمَنْ سُئِلَ عن مِثَالٍ له أَعْيَاهُ طَلَبُهُ قال وَلَيْسَ منه حَدِيثُ إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ لِأَنَّ التَّوَاتُرَ طَرَأَ عليه في وَسَطِ إسْنَادِهِ نعم حَدِيثُ من كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ من النَّارِ مُتَوَاتِرٌ رَوَاهُ الْجَمُّ الْغَفِيرُ من الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَنْهُمْ وَذَكَرَ الْبَزَّارُ أَنَّهُ رَوَاهُ أَرْبَعُونَ رَجُلًا من الصَّحَابَةِ قُلْت وَأَنْكَرَ الْحَافِظُ ابن حِبَّانَ في صَدْرِ صَحِيحِهِ الْخَبَرَ الْمُتَوَاتِرَ فقال وَأَمَّا الْأَخْبَارُ فَإِنَّهَا كُلَّهَا أَخْبَارُ آحَادٍ لِأَنَّ ليس يُوجَدُ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم خَبَرٌ من رِوَايَةِ عَدْلَيْنِ رَوَى أَحَدُهُمَا عن عَدْلَيْنِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عن عَدْلَيْنِ حتى يَنْتَهِي ذلك إلَى النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فلما اسْتَحَالَ هذا وَبَطَلَ ثَبَتَ أَنَّ الْأَخْبَارَ كُلَّهَا أَخْبَارُ آحَادٍ وَمَنْ رَدَّ قَبُولَهُ فَقَدْ رَدَّ السُّنَّةَ كُلَّهَا لِعَدَمِ وُجُودِ السُّنَنِ إلَّا من رِوَايَةِ الْآحَادِ ا هـ وفي هذا ما يَرُدُّ على الْحَاكِم دَعْوَاهُ أَنَّ الشَّيْخَيْنِ اشْتَرَطَا أَنْ لَا يَرْوِيَا الحديث إلَّا بِرِوَايَةِ اثْنَيْنِ عن اثْنَيْنِ وَهَكَذَا
- فَصْلٌ في الْمُسْتَفِيضِ تَعْرِيفُ الْمُسْتَفِيضِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُتَوَاتِرِ قِيلَ إنَّهُ وَالْمُتَوَاتِرَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وهو الذي جَرَى عليه أبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ وَالْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ كما رَأَيْته في كِتَابَيْهِمَا وَقِيلَ بَلْ الْمُسْتَفِيضُ رُتْبَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ بين الْمُتَوَاتِرِ وَالْآحَادِ وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَأَتْبَاعُهُ عن الْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ وَجَرَى عليه تِلْمِيذُهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ في كِتَابِ مِعْيَارِ النَّظَرِ وابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ فقال ضَابِطُهُ أَنْ يَنْقُلَهُ عَدَدٌ كَثِيرٌ يَرْبُو على الْآحَادِ وَيَنْحَطُّ عن عَدَدِ التَّوَاتُرِ وَجَعَلَهُ الْآمِدِيُّ وابن الْحَاجِبِ قِسْمًا من الْآحَادِ قال الْآمِدِيُّ وهو ما نَقَلَهُ جَمَاعَةٌ تَزِيدُ على الثَّلَاثَةِ وَالْأَرْبَعَةِ وهو الْمَشْهُورُ في اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ وَقِيلَ الْمُسْتَفِيضُ ما تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ وَعَنْ الْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ أَنَّهُ ما اُشْتُهِرَ عِنْدَ أَئِمَّةِ الحديث ولم يُنْكِرُوهُ وَكَأَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِالِاشْتِهَارِ مع التَّسْلِيمِ وَعَدَمِ الْإِنْكَارِ على صِحَّةِ الحديث وقد أَشَارَ ابن فُورَكٍ في صَدْرِ كِتَابِهِ مُشْكِلِ الحديث إلَى هذا أَيْضًا وَمَثَّلَهُ بِخَبَرِ في الرِّقَةِ رُبُعُ الْعُشْرِ وفي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ وقال الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ الْمُسْتَفِيضُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَلَيْسَ هُنَاكَ رُتْبَةٌ تَدُلُّ على خِلَافِهِ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ الشَّائِعُ بين الناس وقد صَدَرَ عن أَصْلٍ لِيُخْرِجَ الشَّائِعَ لَا عن أَصْلٍ وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ في الْحَاوِي وَالرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ تَقْسِيمًا غَرْبِيًّا جَعَلَا فيه الْمُسْتَفِيضَ أَعْلَى رُتْبَةً من الْمُتَوَاتِرِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُفِيدُ الْعِلْمَ فَقَالَا الْخَبَرُ على ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ أَحَدُهَا الِاسْتِفَاضَةُ وهو أَنْ يَنْتَشِرَ من ابْتِدَائِهِ بين الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ وَيَتَحَقَّقُهُ الْعَالِمُ وَالْجَاهِلُ وَلَا يُخْتَلَفُ فيه وَلَا يَشُكُّ فيه سَامِعٌ إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ وَعَنَيَا بِذَلِكَ اسْتِوَاءَ الطَّرَفَيْنِ
- وَالْوَسَطِ قَالَا وَهَذَا أَقْوَى الْأَخْبَارِ وَأَثْبَتُهَا حُكْمًا وَالثَّانِي التَّوَاتُرُ وهو أَنْ يَبْتَدِئَ بِهِ الْوَاحِدُ بَعْدَ الْوَاحِدِ حتى يَكْثُرَ عَدَدُهُمْ وَيَبْلُغُوا قَدْرًا يَنْتَفِي عن مِثْلِهِمْ التَّوَاطُؤُ وَالْغَلَطُ فَيَكُونُ في أَوَّلِهِ من أَخْبَارِ الْآحَادِ وفي آخِرِهِ من الْمُتَوَاتِرِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاسْتِفَاضَةِ من ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا ما ذَكَرْنَاهُ من اخْتِلَافِهِمَا في الِابْتِدَاءِ وَاتِّفَاقِهِمَا في الِانْتِهَاءِ الثَّانِي أَنَّ خَبَرَ الِاسْتِفَاضَةِ لَا تُرَاعَى فيه عَدَالَةُ الْمُخْبِرِ وفي الْمُتَوَاتِرِ يُرَاعَى ذلك وَالثَّالِثُ أَنَّ الِاسْتِفَاضَةَ تَنْتَشِرُ من غَيْرِ قَصْدٍ له وَالْمُتَوَاتِرُ ما انْتَشَرَ عن قَصْدٍ لِرِوَايَتِهِ وَيَسْتَوِيَانِ في انْتِفَاءِ الشَّكِّ وَوُقُوعِ الْعِلْمِ بِهِمَا وَلَيْسَ الْعَدَدُ فِيهِمَا مَحْصُورًا وَإِنَّمَا الشَّرْطُ انْتِفَاءُ التَّوَاطُؤِ على الْكَذِبِ من الْمُخْبِرِينَ قَالَا وَالْمُسْتَفِيضُ من أَخْبَارِ السُّنَّةِ مِثْلُ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَالتَّوَاتُرُ منها مِثْلُ وُجُوبِ الزَّكَوَاتِ هَكَذَا قَالَا وهو غَرِيبٌ لَكِنَّ قَوْلَهُمَا في الِاسْتِفَاضَةِ مُوَافِقٌ لِمَا اخْتَارَاهُ من أَنَّ الشَّهَادَةَ بِالِاسْتِفَاضَةِ من طُرُقِهَا أَنْ يَكُونَ قد سمع ذلك من عَدَدٍ يَمْتَنِعُ تَوَاطُؤُهُمْ على الْكَذِبِ وهو اخْتِيَارُ ابْنِ الصَّبَّاغِ وَالْغَزَالِيِّ وَالْمُتَأَخِّرِينَ قال الرَّافِعِيُّ وهو أَشْبَهُ بِكَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَاَلَّذِي اخْتَارَهُ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وأبو حَاتِمٍ الْقَزْوِينِيُّ أَنَّ أَقَلَّ ما ثَبَتَتْ بِهِ الِاسْتِفَاضَةُ سَمَاعُهُ من اثْنَيْنِ وَإِلَيْهِ مَيْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ في مَوْضِعٍ آخَرَ عن ابْنِ كَجٍّ وَنَقَلَ وَجْهَيْنِ في أَنَّهُ هل يُشْتَرَطُ أَنْ يَقَعَ في قَلْبِ السَّامِعِ صِدْقُ الْمُخْبِرِ قال وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هذا غير الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ في أَنَّهُ هل يُعْتَبَرُ خَبَرُ عَدَدٍ يُؤْمَنُ فِيهِمْ التَّوَاطُؤُ مَسْأَلَةٌ إفَادَةُ الْمُسْتَفِيضِ الْعِلْمَ وَالْمُسْتَفِيضُ على الْقَوْلِ بِالْوَاسِطَةِ يُفِيدُ الْعِلْمَ في قَوْلِ الْأُسْتَاذَيْنِ أبي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ وَأَبِي مَنْصُورٍ التَّمِيمِيِّ وابن فُورَكٍ وَمَثَّلَهُ أبو مَنْصُورٍ في كِتَابِهِ الْمَعْرُوفِ بِالْأُصُولِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ بِالْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ في الْمَسْحِ على الْخُفِّ وَأَخْبَارِ الرُّؤْيَةِ وَالْحَوْضِ وَالشَّفَاعَةِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ وَمَثَّلَهُ ابن بَرْهَانٍ بِحَدِيثِ إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَحَدِيثِ لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ على عَمَّتِهَا وقال الصَّحِيحُ أَنَّهُ يُفِيدُ ظَنًّا قَوِيًّا
- مُتَأَخِّرًا عن الْعَمَلِ مُقَارِبًا لِلْيَقِينِ وَسَبَقَهُ إلَيْهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَضَعَّفَ مَقَالَةَ الْأُسْتَاذِ بِأَنَّ الْعُرْفَ وَإِطْرَادَ الِاعْتِبَارِ لَا يَقْتَضِي الصِّدْقَ قَطْعًا بَلْ قُصَارَاهُ غَلَبَةُ الظَّنِّ وقال الْإِبْيَارِيُّ كَأَنَّ الْأُسْتَاذَ أَرَادَ أَنَّ النَّظَرَ في أَحْوَالِ الْمُخْبِرِينَ من أَهْلِ الثِّقَةِ وَالتَّجْرِبَةِ يَحْصُلُ ذلك وقد مَالَ إلَيْهِ الْغَزَالِيُّ وَلَا وَجْهَ له نعم هو بِغَلَبَةِ الظَّنِّ لَا الْعِلْمِ وإذا قُلْنَا إنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ فَهُوَ نَظَرِيٌّ لَا ضَرُورِيٌّ في قَوْلِ الْأُسْتَاذَيْنِ
- الْقِسْمُ الثَّانِي فِيمَا يُقْطَعُ بِكَذِبِهِ وهو أَقْسَامٌ أَحَدُهَا الْخَبَرُ الْمَعْلُومُ خِلَافُهُ إمَّا بِالضَّرُورَةِ كَالْإِخْبَارِ بِاجْتِمَاعِ النَّقِيضَيْنِ أو ارْتِفَاعِهِمَا أو بِالِاسْتِدْلَالِ كَإِخْبَارِ الْفَيْلَسُوفِ بِقِدَمِ الْعَالَمِ الثَّانِي الْخَبَرُ الذي لو كان صَحِيحًا لَتَوَفَّرَتْ الدَّوَاعِي على نَقْلِهِ مُتَوَاتِرًا إمَّا لِكَوْنِهِ من أُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَإِمَّا لِكَوْنِهِ أَمْرًا غَرِيبًا كَسُقُوطِ الْخَطِيبِ عن الْمِنْبَرِ وَقْتَ الْخُطْبَةِ وَيَتَفَرَّعُ على هذا الْأَصْلِ مَسَائِلُ منها بُطْلَانُ النَّصِّ الذي تَزْعُمُ الرَّوَافِضُ أَنَّهُ دَلَّ على إمَامَةِ عَلِيِّ بن أبي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ فَعَدَمُ تَوَاتُرِهِ دَلِيلٌ على عَدَمِ صِحَّتِهِ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَلَوْ كان حَقًّا لَمَا خَفِيَ على أَهْلِ بَيْعَةِ الثَّقِيفَةِ وَلَتَحَدَّثَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ على مِغْزَلِهَا وَلَا بُدَّ أَنْ يُخَالِفَ أو يُوَافِقَ وَبِهَذَا الْمَسْلَكِ أَيْضًا تَبَيَّنَ بُطْلَانُ قَوْلِ من يقول إنَّ الْقُرْآنَ قد عُورِضَ فإن ذلك لو جَرَى لَمَا خَفِيَ وَالنَّصُّ الذي تَزْعُمُ الْعِيسَوِيَّةُ أَنَّ في التَّوْرَاةِ أَنَّ مُوسَى عليه السَّلَامُ آخِرُ مَبْعُوثٍ وَمُسْتَنَدُ هذا الْحُكْمِ الرُّجُوعُ إلَى الْعَادَةِ وَاقْتِضَائِهَا الِاشْتِهَارَ في ذلك وَالشِّيعَةُ تُخَالِفُ في ذلك وَيَقُولُونَ يَجُوزُ أَنْ لَا يَشْتَهِرَ لِخَوْفٍ أو فِتْنَةٍ وهو بَاطِلٌ لِمَا يُعْلَمُ بِالْعَادَةِ في مِثْلِهِ وَلَيْسَ من هذا ما قَدَحَ بِهِ الرَّوَافِضُ عَلَيْنَا مِثْلُ قَوْلِهِمْ إنَّهُ عليه السَّلَامُ حَجَّ مَرَّةً وَاحِدَةً وَاخْتَلَفَ الناس في نَفْسِ حَجَّتِهِ اخْتِلَافًا لم يَتَحَصَّلْ الْمُخْتَلِفُونَ فيه على يَقِينٍ وَكَذَا الِاخْتِلَافُ في فَتْحِ مَكَّةَ هل كان صُلْحًا أو عَنْوَةً وَكَذَا الْإِقَامَةُ في طُولِ عَهْدِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَالْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ يَخْتَلِفُونَ في تَثْنِيَتِهَا وَإِفْرَادِهِ مع أَنَّ ذلك مِمَّا تَتَوَفَّرُ فيه الدَّوَاعِي على نَقْلِهِ قُلْنَا أَمْرُ الْقِرَانِ وَالْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ وَاضِحٌ لِأَنَّهُ لَمَّا تَقَرَّرَ عِنْدَ الْكُلِّ جَوَازُ الْكُلِّ لم يَعْتَنُوا بِالتَّفْتِيشِ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم كان يُلَقِّنُ الْخَلْقَ إضَافَةَ الْحَجِّ فَنَاقِلُ الْإِفْرَادِ سَمِعَهُ يُلَقِّنُ غَيْرَهُ ذلك وَنَاقِلُ التَّمَتُّعِ كَذَلِكَ
- وَكَذَلِكَ فَتْحُ مَكَّةَ نُقِلَ أَنَّهُ على هَيْئَةِ الْعَنْوَةِ وَالْقَهْرِ وَصَحَّ أَنَّهُ لم يَأْخُذْ مَالًا وَتَوَاتَرَ ذلك وَإِنَّمَا الْخِلَافُ في أَحْكَامٍ جُزْئِيَّةٍ كَمُصَالَحَةٍ جَرَتْ على الْأَرَاضِي وَغَيْرِهَا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بها مَنْعُ بَيْعِ دُورِ مَكَّةَ أو تَجْوِيزُهُ قال الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وَصُورَةُ دُخُولِهِ عليه السَّلَامُ مُتَسَلِّحًا بِالْأَلْوِيَةِ وَالرَّايَاتِ وَبَذْلُهُ الْأَمَانَ لِمَنْ دخل دَارَ أبي سُفْيَانَ وَمَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ وَاعْتَصَمَ بِالْكَعْبَةِ غَيْرُ مُخْتَلَفٍ فيه وَإِنَّمَا اسْتَدَلَّ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ على أَنَّهُ كان صُلْحًا بِأَنَّهُ وَدَى قَوْمًا قَتَلَهُمْ خَالِدٌ وَنَهْيُهُ عن ذلك وَغَيْرُ هذا مِمَّا يَجُوزُ فيه التَّأْوِيلُ وَأَمَّا الْإِقَامَةُ فَتَثْنِيَتُهَا وَإِفْرَادُهَا ليس من عَظَائِمِ الْعَزَائِمِ وَلَوْلَا اشْتِهَارُهَا بين أَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ لم تَعْلَمْ الْعَامَّةُ تَفْصِيلَهَا فَإِنَّهَا لَا تَهُمُّهُمْ وَالْعُصُورُ تَنَاسَخَتْ وَتَعَلَّقَتْ الْإِقَامَةُ بِالْبَدَلِ وَشَعَائِرُ الْمُلُوكِ وَلَا كَذَلِكَ أَمْرُ الْإِمَامَةِ فَإِنَّهَا من مُهِمَّاتِ الدِّينِ وَتَتَعَلَّقُ بِعَزَائِمِ الْخُطُوبِ وَيَسْتَحِيلُ تَقْدِيرُ دُثُورِهَا على قُرْبِ الْعَهْدِ بِالرَّسُولِ وَأَمَّا انْشِقَاقُ الْقَمَرِ فَمِنْهُمْ من أَنْكَرَهُ لِأَنَّهُ لم يَتَوَاتَرْ وهو لَا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي على نَقْلِهِ وَنُقِلَ ذلك عن الْحَلِيمِيِّ هَكَذَا حَكَاهُ عنه إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن الْقُشَيْرِيّ وَالْغَزَالِيُّ وقال الْقَاضِي أبو بَكْرٍ إنَّمَا لم يَتَوَاتَرْ لِأَنَّهُ آيَةٌ لَيْلِيَّةٌ تَكُونُ وَالنَّاسُ نِيَامٌ غَافِلُونَ وَإِنَّمَا يَرَى ذلك من نَاظَرَهُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم من قُرَيْشٍ وَصَرَفَ هِمَّتَهُ إلَى النَّظَرِ فيه وَإِنَّمَا انْشَقَّ منه شُعْبَةٌ في مِثْلِ طَرَفِ الْقَمَرِ ثُمَّ رَجَعَ صَحِيحًا وَكَمْ من انْقِضَاضٍ وَرِيَاحٍ تَحْدُثُ بِاللَّيْلِ وَلَا يَشْعُرُ بها أَحَدٌ فَلِهَذَا لم يُنْقَلْ ظَاهِرًا وَإِنَّمَا يَسْتَدِلُّ أَكْثَرُ الناس على انْشِقَاقِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ وَأَنَّهُ لو أَرَادَ الْإِخْبَارَ عن اقْتِرَابِ انْشِقَاقِهِ لَوَجَبَ أَنْ يَقُولَ وَانْشِقَاقُ الْقَمَرِ وَلَوَجَبَ أَنْ يُعَرِّفَهُمْ الرَّسُولُ أَنَّ من الْآيَاتِ الْمُسْتَقْبَلَةِ انْشِقَاقَهُ ا هـ وَالْحَقُّ أَنَّهُ مُتَوَاتِرٌ وقد رَوَاهُ خَلْقٌ من الصَّحَابَةِ وَعَنْهُمْ خَلْقٌ كما أَوْضَحْته في تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْمُخْتَصَرِ وَمِنْهَا أَنَّ الْقِرَاءَاتِ الشَّاذَّةِ لَا يَجُوزُ إثْبَاتُهَا في الْمُصْحَفِ لِأَنَّ الِاهْتِمَامَ بِهِ من الصَّحَابَةِ الَّذِينَ بَذَلُوا أَرْوَاحَهُمْ في إحْيَاءِ مَعَالِمِ الدِّينِ يَمْنَعُ تَقَدُّرَ دَرْسِهِ وَارْتِبَاطَ مَسَائِلِهِ بِلَا حَاجَةٍ فَإِنْ قِيلَ فَلِمَ اخْتَلَفُوا في الْبَسْمَلَةِ أنها من الْقُرْآنِ أَمْ لَا قِيلَ لِأَنَّهُ لم يَجُزْ دُرُوسُ رَسْمِهَا وَنَظْمِهَا فلم يَكُنْ لِنَقْلِ كَوْنِهَا من السُّوَرِ كَبِيرُ أَثَرٍ في الدِّينِ بَعْدَ الِاهْتِمَامِ بِهِ وَلِهَذَا اخْتَلَفَتْ مُعْجِزَاتُ الْأَنْبِيَاءِ عليهم الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَمِنْهَا ما نُقِلَ مُتَوَاتِرًا وَمِنْهَا ما نُقِلَ آحَادًا مع أنها أَعَاجِيبُ خَارِقَةٌ لِلْعَادَةِ وَكَذَا إذَا كَثُرَتْ
- الْمُعْجِزَاتُ وَكَثُرَتْ فيها عُسْرَتُهُمْ مِثْلُ تَشَوُّقِهِمْ إلَى نَقْلِ آحَادِهَا وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ في الْقِرَاءَاتِ الشَّاذَّةِ ولم يَهْتَمَّ عُثْمَانُ بِجَمْعِ الناس على بَعْضِ الْقِرَاءَاتِ وَحَرَصَ ابن مَسْعُودٍ على ذلك فَإِنْ قِيلَ يَجْرِي ذلك في الْقُرْآنِ قُلْنَا لَمَّا كان الْقُرْآنُ رُكْنَ الدِّينِ اسْتَوَتْ الْأُمَّةُ في الِاعْتِنَاءِ بِهِ فلم نُجِزْ أَنْ يُنْقَلَ بَعْضُهُ مُتَوَاتِرًا وَبَعْضُهُ آحَادًا مع اسْتِوَاءِ الْجَمِيعِ في تَوَفُّرِ الدَّوَاعِي على نَقْلِهِ بِخِلَافِ بَاقِي الْمُعْجِزَاتِ فَإِنَّهُمْ اعْتَنَوْا بِنَقْلِ ما يَبْقَى رَسْمُهُ أَبَدَ الدَّهْرِ وقد صَنَّفَ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ في هذا النَّوْعِ كِتَابِ الِانْتِصَارِ وما أَعْجَبَهُ من كِتَابٍ فَقَدْ أَزَالَ بِهِ الْحَائِكَ عن صُدُورِ الْمُرْتَابِينَ وَمِنْهَا لو غَصَّ الْمَجْلِسُ بِجَمْعٍ كَثِيرٍ وَنَقَلَ كلهم عن صَاحِبِ الْمَجْلِسِ حَدِيثًا وَانْفَرَدَ وَاحِدٌ منهم وهو ثِقَةٌ بِنَقْلِ زِيَادَةٍ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أنها تُرَدُّ وَإِلَّا لَنَقَلَهَا الْبَاقُونَ وهو بَعِيدٌ فإن انْفِرَادَ بَعْضِ النَّقَلَةِ بِمَزِيدِ حِفْظٍ لَا يُنْكَرُ وَالْقَرَائِحُ وَالْفِطَنُ تَخْتَلِفُ وَلَيْسَتْ الرِّوَايَاتُ مِمَّا تَتَكَرَّرُ على الْأَلْسِنَةِ حتى لَا يَشِذَّ شَيْءٌ منها وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَبَنَى بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ على هذا الْأَصْلِ رَدَّ أَخْبَارِ الْآحَادِ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى كَمَسِّ الذَّكَرِ وَالْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ وَسَتَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قال الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ وَإِنَّمَا قُبِلَتْ من الْوَاحِدِ لِأَنَّهُ لم يَقَعْ الْإِخْبَارُ بها بِحَضْرَةِ من يَجِبُ تَوَفُّرُ دَوَاعِيهِمْ على النَّقْلِ وَالْإِظْهَارِ لِذَلِكَ وَإِنَّمَا كان يُلْقِيهِ إلَى الْآحَادِ الثَّالِثُ ما نُقِلَ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْأَخْبَارِ ثُمَّ فَتَّشَ عنه فلم يُوجَدْ في بُطُونِ الْكُتُبِ وَلَا في صُدُورِ الرُّوَاةِ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ وَغَيْرُهُ وَغَايَتُهُ الظَّنُّ لَا الْقَطْعُ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْأَخْبَارِ عَمَّا قبل ذلك في زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ حَيْثُ كانت الْأَخْبَارُ مُنْتَشِرَةً ولم تَعْتَنِ الرُّوَاةُ بِتَدْوِينِهَا قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ وَفِيمَا ذَكَرُوهُ نَظَرٌ عِنْدِي لِأَنَّهُمْ إنْ أَرَادُوا جَمِيعَ الدَّفَاتِرِ وَجَمِيعَ الرُّوَاةِ فَالْإِحَاطَةُ بِذَلِكَ مُتَعَذِّرَةٌ مع انْتِشَارِ أَقْطَارِ الْإِسْلَامِ وَإِنْ أَرَادُوا أَكْثَرَ من الدَّفَاتِرِ وَالرُّوَاةُ فَهَذَا لَا يُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ الْعُرْفِيَّ وَلَا يُفِيدُ الْقَطْعَ الرَّابِعُ خَبَرُ مُدَّعِي الرِّسَالَةَ من غَيْرِ مُعْجِزَةٍ نَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ ثُمَّ قال وَعِنْدِي فيه تَفْصِيلٌ فَأَقُولُ إنْ زَعَمَ أَنَّ الْخَلْقَ كُلِّفُوا مُتَابَعَتَهُ وَتَصْدِيقَهُ من غَيْرِ آيَةٍ فَهُوَ كَذِبٌ فَإِنْ قال ما أُكَلِّفُ الْخَلْقَ اتِّبَاعِي وَلَكِنْ أُوحِيَ إلَيَّ فَلَا يُقْطَعُ بِكَذِبِهِ ا هـ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا قبل نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَأَمَّا بَعْدَهَا فَنَقْطَعُ بِكَذِبِهِ بِكُلِّ حَالٍ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ الْقَاطِعِ على أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ
- الْخَامِسُ كُلُّ خَبَرٍ أَوْهَمَ بَاطِلًا ولم يَقْبَلْ التَّأْوِيلَ إمَّا لِمُعَارَضَتِهِ لِلدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ أو الْقَطْعِيِّ النَّقْلِيِّ وهو الْمُتَوَاتِرُ عن صَاحِبِ الشَّرْعِ مُمْتَنِعٌ صُدُورُهُ عنه قَطْعًا كَأَخْبَارٍ رَوَتْهَا الزَّنَادِقَةُ تُخَالِفُ الْقَطْعَ قَصْدًا لِشَيْنِ الدِّينِ وقد نُقِلَ عن بَعْضِ من يُنَافِرُ أَهْلَ الحديث كَحَدِيثِ عَرَقِ الْخَيْلِ أَسْبَابُ الْوَضْعِ وَسَبَبُ الْوَضْعِ إمَّا نِسْيَانُ الرَّاوِي لِطُولِ عَهْدِهِ بِالْخَبَرِ الْمَسْمُوعِ وَإِمَّا غَلَطُهُ بِأَنْ أَرَادَ النُّطْقَ بِلَفْظٍ فَسَبَقَ لِسَانُهُ إلَى سِوَاهُ أو وَضَعَ لَفْظًا مَكَانَ آخَرَ ظَانًّا أَنَّهُ يُؤَدِّي مَعْنَاهُ وَإِمَّا افْتِرَاءُ الزَّنَادِقَةِ وَغَيْرِهِمْ من أَعْدَاءِ الدِّينِ الْوَاضِعِينَ أَحَادِيثَ تُخَالِفُ الْعُقُولَ تَنْفِيرًا عن الشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ وَغَيْرُ ذلك السَّادِسُ بَعْضُ الْمَنْسُوبِ إلَى النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِطَرِيقِ الْآحَادِ لِقَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم سَيَكْذِبُ عَلَيَّ فَإِنْ صَحَّ هذا الحديث لَزِمَ وُقُوعُ الْكَذِبِ ضَرُورَةً وَإِنْ لم يَصِحَّ مع كَوْنِهِ رُوِيَ عنه فَقَدْ حَصَلَ الْكَذِبُ فِيمَا رُوِيَ عنه ضَرُورَةً أَخْبَارُ الْآحَادِ الْقِسْمُ الثَّالِثُ ما لَا يُقْطَعُ بِصِدْقِهِ وَلَا كَذِبِهِ وهو إمَّا أَنَّهُ يَتَرَجَّحُ احْتِمَالَاتُ صِدْقِهِ كَخَبَرِ الْعَدْلِ أو كَذِبِهِ كَخَبَرِ الْفَاسِقِ أو يَتَسَاوَى الْأَمْرَانِ كَخَبَرِ الْمَجْهُولِ وَهَذَا الضَّرْبُ لَا يَدْخُلُ إلَّا في الْجَائِزِ الْمُمْكِنِ وُقُوعُهُ وَعَدَمُهُ وَالْكَلَامُ إنَّمَا هو في الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ الذي يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ ما يَرْوِيهِ الْوَاحِدُ فَقَطْ وَإِنْ كان مَوْضُوعُ خَبَرِ الْوَاحِدِ في اللُّغَةِ يَقْتَضِي وَحْدَهُ الْمُخْبَرَ الذي يُنَافِيهِ التَّثْنِيَةُ وَالْجَمْعُ لَكِنْ وَقَعَ الِاصْطِلَاحُ بِهِ على كل ما لَا يُفِيدُ الْقَطْعَ وَإِنْ كان الْمُخْبِرُ بِهِ جَمْعًا إذَا نَقَصُوا عن حَدِّ التَّوَاتُرِ وَمِنْهُمْ من قال ما لم يَنْتَهِ نَاقِلُهُ إلَى حَدِّ الِاسْتِفَاضَةِ وَالشُّهْرَةِ وهو ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ بَرْهَانٍ قال الْهِنْدِيُّ وهو ضَعِيفٌ على رَأْيِ أَصْحَابِنَا وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ على رَأْيِ الْحَنَفِيَّةِ لِأَنَّهُمْ يُفْرِدُونَ له أَحْكَامًا أُصُولِيَّةً قَرِيبًا من أَحْكَامِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ أَمَّا أَصْحَابُنَا فَلَا وَهَذَا الذي قَالَهُ الْهِنْدِيُّ بَنَاهُ على أَنَّ الِاسْتِفَاضَةَ من جُمْلَةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ وقد سَبَقَ أَنَّ الْأَمْرَ ليس كَذَلِكَ
- مسألة أقسام خبر الواحد قسم الأقدمون من أصحابنا منهم القفال الشاشي في كتابه والماوردي وابن السمعاني خبر الواحد إلى أقسام أحدها ما يحتج به فيه إجماعا كالشهادات والمعاملات قال القفال ولا خلاف في قبوله لقوله تعالى إذا دعيتم فادخلوا قال الماوردي ومن بعده ولا يراعى فيها عدالة المخبر وإنما يراعى فيها سكون النفس إلى خبره فيقبل من كل بر وفاجر ومسلم وكافر وحر وعبد فإذا قال الواحد منهم هذه هدية فلان إليك أو هذه الجارية وهبها فلان إليك أو كنت أمرته بشرائها فاشتراها كلف المخبر قبول قوله إذا وقع في نفسه صدقه ويحل له استمتاع بالجارية والتصرف في الهدية وكذا الإذن في دخول الدار وهذا شيء متعارف في الأعصار من غير نكير ويلتحق به خبر الصبي في ذلك على الصحيح وأما خبر الشهادات فيعتبر فيه شرطان بالإجماع العدالة والعدد قال القفال وقد ورد الكتاب والإجماع بقبولها في الجملة وإن اختلف في شرط بعضها الأكثرون منا ومن المعتزلة كأبي علي وأبي هاشم والقاضي عبد الجبار إلى نفيه وهو قول أبي جعفر الطوسي من الإمامية وذهب الأقلون من الفريقين كابن سريج والصيرفي والقفال منا وأبي الحسين البصري من المعتزلة إلى أن الدليل العقلي دل عليه أيضا لاحتياج الناس إلى معرفة بعض الأشياء من جهة الخبر ومن بعدها أعظم الضرر إذ لا يمكنهم التلافي بأجمعهم ونقل عن الإمام أحمد بن حنبل والأول هو الصحيح وفصل أبو عبد الله البصري بين الخبر الدال على ما يسقط بالشبهة وما لا يسقط بها فمنعه في الأول وجوزه في الثاني حكاه في الأحكام وقد بسط الشافعي كلامه في هذا الفصل في كتاب الرسالة وقد احتجوا على وجوب العمل بخبر الواحد بقوله تعالى إن جاءكم فاسق وبقوله فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة وهذا لا يفيد إلا الظن والاستدلال بالثانية أضعف من الأولى قال ابن دقيق العيد والحق عندنا في الدليل بعد اعتقاد أن المسألة علمية أنا
- قاطعون بعمل السلف والأمة بخبر الواحد وبأن النبي صلى الله عليه وسلم قد ورد منه ما يقتضي العمل بخبر الواحد وهذا القطع حصل لنا من تتبع الشريعة وبلوغ جزيئات لا يمكن حصرها ومن تتبع أخبار النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين وجمهور الأمة ما عدا هذه الفرقة اليسيرة علم ذلك قطعا ا هـ ولنا على وجوب العمل به ثلاثة مسالك الأول ما تواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من إنفاذ ولاته ورسله آحادا إلى أطراف البلاد النائية ليعلموا الناس الدين وليوقفوهم على أحكام الشريعة ومن طالع كتب السير ارتوى بذلك والثاني ما علم بالتواتر من عمل الصحابة ورجوعهم إليه عندما يقع لهم من الحوادث والثالث أن العمل بخبر الواحد يقتضي دفع ضرر مظنون فكان العمل به واجبا لأن العدل إذا أخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر بكذا حصل ظن أنه وجد الأمر وأنا لو تركناه لصرنا إلى العذاب وبهذا الدليل استدل ابن سريج ومتابعوه على وجوب العمل به عقلا ونقول سبب الاضطرار إلى العمل به أما في الشهادات والفتوى والأمور الدنيوية كالإذن في دخول الدار ونحوها فظاهر فإنه يشق على الناس الرجوع في ذلك ونحوه إلى الأخبار المتواترة ووقوفهم عندها وقد وقع الاتفاق على ذلك بين جميع العلماء وأما في الأحكام الشرعية فلأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث ليعلمها الناس وهو صلى الله عليه وسلم مبعوث لجميع الناس مضطر إلى تبليغ الناس كلهم تلك الأحكام وليس يمكنه ذلك بمشافهة الجميع فلا بد من بعث الرسل إليهم بالتبليغ وليس عليه أن يسير إلى كل بقعة عددا متواترا فلزم بالضرورة أن التبليغ يكون بأخبار الآحاد ويلزم من ذلك وجوب العمل بها وإلا لم يلزم المبعوث إليهم العمل بما يقوله الرسل فبطل فائدتهم هذا إذا كان أكثر عنه مما يكتفى فيه بالظن أما ما يطلب فيه اليقين كالعلم بالله وصفاته فإن ذلك لا يجوز العمل فيه بهذه الأخبار لأنها لا تفيد العلم والظن في ذلك غير جائز فكيف يمكن تبليغ هذه إلى الناس كلهم
- فنقول إن ذلك يمكن بأن يرسل فيها الآحاد أيضا ولكنه يشير في كلامه إلى البرهان العقلي مما يخبرهم به ممن يكون له فطانة فيتنبه بذلك الخبر إلى ذلك البرهان بطريق العقل ومن لا فطانة له فقد يتعلم على الطول وقد يسافر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليستقصي به ذهنه شرعا فإن قيل فهلا فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في جميع الأحكام الشرعية فكانت كلها علمية قلنا هذا غير ممكن أما إذا قلنا إن الأحكام لا تعرف إلا بالشرع فظاهر وإن قلنا بالعقل فتكليف الناس الوقوف على براهين جميع الأحكام الشرعية مما يشق جدا ويشغلهم عن الأعمال التي لا بد منها في عمارة البلد فلذلك اكتفى الشارع في هذه الأحكام بالظن فكفت فيها أخبار الآحاد وإشارات البراهين العقلية في الأحكام التي لا بد فيها من اليقين وهي التي يتوقف عليها الإيمان فيتم بذلك تبليغه الناس كلهم جميع الأحكام تنبيهات الأول قولهم إنه يوجب العمل قال إمام الحرمين في العبارة تساهل لأن نفس الخبر لو أوجب العمل لعلم ذلك منه وهو لا يثمر علما وإنما وجب العمل عند سماعه بدليل آخر فالتحقيق أنه يجب العمل عنده لا به وهذا سهل الثاني أن الشافعي صنف كتابا في إثبات العمل بخبر الواحد وذكر في أوله الحديث المشهور رحم الله امرأ سمع مقالتي فاعترض أبو داود وقال أثبت خبر الواحد بخبر الواحد والشيء لا يثبت بنفسه كمن ادعى شيئا فقيل له من يشهد لك فقال أنا أشهد لنفسي قال الأصحاب هذا الذي ذكره باطل فإن الشافعي لم يستدل بحديث واحد وإنما ذكر نحوا من ثلاثمائة حديث وذكر وجوه الاستدلال فيها فالمجموع هو الدال عليه ثم قال الشافعي بعد ذلك ومن الذي ينكر خبر الواحد والحكام آحاد والمفتون آحاد والشهود آحاد
- مَسْأَلَةٌ إثْبَاتُ أَسْمَاءِ اللَّهِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ اُخْتُلِفَ في أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى هل تَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالصَّحِيحُ كما قَالَهُ ابن الْقُشَيْرِيّ في الْمُرْشِدِ وَالْآمِدِيَّ في الْإِحْكَامِ الثُّبُوتُ كما في سَائِرِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لِكَوْنِ التَّجْوِيزِ وَالْمَنْعِ من الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَقِيلَ لَا يَثْبُتُ بَلْ لَا بُدَّ من الْقَاطِعِ كَأَصْلِ الصِّفَاتِ مَسْأَلَةٌ إثْبَاتُ الْعَقِيدَةِ بِخَبَرِ الْآحَادِ سَبَقَ مَنْعُ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ من التَّمَسُّكِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ فِيمَا طَرِيقُهُ الْقَطْعُ من الْعَقَائِدِ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ وَالْعَقِيدَةُ قَطْعِيَّةٌ وَالْحَقُّ الْجَوَازُ وَالِاحْتِجَاجُ إنَّمَا هو بِالْمَجْمُوعِ منها وَرُبَّمَا بَلَغَ مَبْلَغَ الْقَطْعِ وَلِهَذَا أَثْبَتْنَا الْمُعْجِزَاتِ الْمَرْوِيَّةَ بِالْآحَادِ وقال الْإِمَامُ في الْمَطْلَبِ إلَّا أَنَّ هذا الطَّرِيقَ يَنْتَقِضُ بِأَخْبَارِ التَّشْبِيهِ فإن لِلْمُشَبِّهَةِ أَنْ يَقُولُوا إنَّ مَجْمُوعَهَا بَلَغَ مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ فَإِنْ مَنَعْنَاهُمْ عن ذلك كان لِخُصُومِنَا في هذه الْمَسْأَلَةِ مَنْعُنَا عنه وَأَيْضًا فَالدَّلَائِلُ الْعَقْلِيَّةُ إذَا صَحَّتْ وَسَاعَدَتْ أَلْفَاظُ الْأَخْبَارِ تَأَكَّدَ دَلِيلُ الْعَقْلِ وَقَوِيَ الْيَقِينُ مَسْأَلَةٌ إفَادَةُ خَبَرِ الْوَاحِدِ الْعِلْمَ إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ فَهَلْ يُفِيدُ الْعِلْمَ اخْتَلَفُوا فيه فَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إلَى أَنَّهُ يُفِيدُهُ وَحَكَاهُ ابن حَزْمٍ في كِتَابِ الْإِحْكَامِ عن دَاوُد وَالْحُسَيْنِ بن عَلِيٍّ الْكَرَابِيسِيِّ وَالْحَارِثِ بن أَسَدٍ الْمُحَاسِبِيِّ وَغَيْرِهِمْ قال وَبِهِ نَقُولُ قال وَحَكَاهُ ابن خُوَيْزِ مَنْدَادٍ عن مَالِكِ بن أَنَسٍ ا هـ وَفِيمَا حَكَاهُ عن الْحَارِثِ نَظَرٌ فَإِنِّي رَأَيْت كَلَامَهُ في كِتَابِ فَهْمِ السُّنَنِ نَقَلَ عن أَكْثَرِ أَهْلِ الحديث وَأَهْلِ الرَّأْيِ وَالْفِقْهِ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ ثُمَّ قال وقال أَقَلُّهُمْ يُفِيدُ
- الْعِلْمَ ولم يَخْتَرْ شيئا وَاحْتَجَّ بِإِمْكَانِ السَّهْوِ وَالْغَلَطِ من نَاقِلِهِ كَالشَّاهِدَيْنِ يَجِبُ الْعَمَلُ بِقَوْلِهِمَا لَا الْعِلْمُ وَنَقَلَهُ ابن عبد الْبَرِّ عن الْكَرَابِيسِيِّ وَنَقَلَهُ الْبَاجِيُّ عن أَحْمَدَ وَابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ وقال الْمَازِرِيُّ ذَهَبَ ابن خُوَيْزِ مَنْدَادٍ إلَى أَنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ وَنَسَبَهُ إلَى مَالِكٍ وَأَنَّهُ نَصَّ عليه وَأَطَالَ في تَقْرِيرِهِ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ لَكِنْ تَتَفَاوَتُ مَرَاتِبُهُ وَنَازَعَهُ الْمَازِرِيُّ وقال لم يُعْثَرْ لِمَالِكٍ على نَصٍّ فيه وَلَعَلَّهُ رَأَى مَقَالَةً تُشِيرُ إلَيْهِ وَلَكِنَّهَا مُتَأَوَّلَةٌ قال وَقِيلَ إنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ الظَّاهِرَ دُونَ الْبَاطِنِ وَكَأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّهُ يُثْمِرُ الظَّنَّ الْقَوِيَّ وَحَكَى أبو الْحَسَنِ السُّهَيْلِيُّ من أَصْحَابِنَا في كِتَابِ أَدَبِ الْجَدَلِ له قَوْلًا غَرِيبًا أَنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ في إسْنَادِهِ إمَامٌ مِثْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَسُفْيَانَ وَإِلَّا فَلَا يُوجِبُهُ وَعَنْ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ يُوجِبُهُ مُطْلَقًا وَنَقَلَ الشَّيْخُ في التَّبْصِرَةِ عن بَعْضِ أَهْلِ الحديث أَنَّ منها ما يُوجِبُ الْعِلْمَ كَحَدِيثِ مَالِكٍ عن نَافِعٍ عن ابْنِ عُمَرَ وما أَشْبَهَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هو الْقَوْلُ الذي حَكَاهُ السُّهَيْلِيُّ وقال الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ الْبَاطِنَ قَطْعًا بِخِلَافِ الْمُسْتَفِيضِ وَالْمُتَوَاتِرِ وَهَلْ يُوجِبُ الظَّاهِرَ فيه وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا الْمَنْعُ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْعِلْمِ من نَتَائِجِ بَاطِنِهِ فلم يَفْتَرِقَا وَالثَّانِي يُوجِبُهُ لِأَنَّ سُكُونَ النَّفْسِ إلَيْهِ مُوجِبٌ له وَلَوْلَاهَا كان ظَنًّا ا هـ وَحَكَى صَاحِبُ الْمَصَادِرِ عن أبي بَكْرٍ الْقَفَّالِ أَنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ الظَّاهِرَ وَكَأَنَّ مُرَادَهُ غَالِبُ الظَّنِّ وَإِلَّا فَالْعِلْمُ لَا يَتَفَاوَتُ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ ابن فُورَكٍ في كِتَابِهِ فقال قَائِلُ هذا أَرَادَ غَلَبَةَ الظَّنِّ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ في الْعِلْمِ ظَاهِرٌ لَا يَتَحَقَّقُ بِهِ مَعْلُومٌ وَجَزَمَ بِهِ أبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ فقال خَبَرُ الْوَاحِدِ يُوجِبُ الْعَمَلَ دُونَ الْعِلْمِ وقال يَعْنِي بِالْعِلْمِ عِلْمَ الْحَقِيقَةِ لَا عِلْمَ الظَّاهِرِ وَنَقَلَهُ عن جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ منهم الشَّافِعِيُّ قال وَالْقَائِلُ بِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُفِيدُ الْعِلْمَ إنْ أَرَادَ الْعِلْمَ الظَّاهِرَ فَقَدْ أَصَابَ وَإِنْ أَرَادَ الْقَطْعَ حتى يَتَسَاوَى مع التَّوَاتُرِ فَبَاطِلٌ وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ كَجٍّ في كِتَابِهِ إنَّا نَقْطَعُ على اللَّهِ بِصِحَّةِ الْقَوْلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ النَّصِّ أَلَا تَرَى أَنَّا نَنْقُضُ حُكْمَ من تَرَكَ أَخْبَارَ الْآحَادِ وَحَكَى عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ أَنَّهُ هل يُفِيدُ الْعِلْمَ الظَّاهِرَ أَمْ لَا ثُمَّ قال إنَّهُ
- خِلَافٌ لَفْظِيٌّ لِأَنَّ مُرَادَهُمْ أَنَّهُ يُوجِبُ غَلَبَةَ الظَّنِّ فَصَارَ الْخِلَافُ في أَنَّهُ هل يُسَمَّى عِلْمًا أَمْ لَا وقال الْهِنْدِيُّ إنْ أَرَادُوا بِقَوْلِهِمْ يُفِيدُ الْعِلْمَ أَنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ أو أَنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ بِمَعْنَى الظَّنِّ فَلَا نِزَاعَ فيه لِتَسَاوِيهِمَا وَبِهِ أَشْعَرَ كَلَامُ بَعْضِهِمْ أو قالوا يُورِثُ الْعِلْمَ الظَّاهِرَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعِلْمَ ليس له ظَاهِرٌ فَالْمُرَادُ منه الظَّنُّ وَإِنْ أَرَادُوا منه أَنَّهُ يُفِيدُ الْجَزْمَ صَدَقَ مَدْلُولُهُ سَوَاءٌ كان على وَجْهِ الِاطِّرَادِ كما نَقَلَ بَعْضُهُمْ عن الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَبَعْضِ الظَّاهِرِيَّةِ أو لَا على وَجْهِ الِاطِّرَادِ بَلْ في بَعْضِ أَخْبَارِ الْآحَادِ دُونَ الْكُلِّ كما نُقِلَ عن بَعْضِهِمْ فَهُوَ بَاطِلٌ ا هـ وَلَعَلَّ مُرَادَ أَحْمَدَ إنْ صَحَّ عنه إفَادَةُ الْخَبَرِ لِلْعِلْمِ بِمُجَرَّدِهِ ما إذَا تَعَدَّدَتْ طُرُقُهُ وَسَلِمَتْ عن الطَّعْنِ فإن مَجْمُوعَهَا يُفِيدُ ذلك وَلِهَذَا قال يحيى بن مَعِينٍ لو لم نَكْتُبْ الحديث من ثَلَاثِينَ وَجْهًا ما عَقَلْنَاهُ وَحَكَى الْقَاضِي أبو يَعْلَى قَوْلَ أَحْمَدَ في أَحَادِيثِ الرُّؤْيَةِ نُؤْمِنُ بها وَنَعْلَمُ أنها حَقٌّ يَقْطَعُ على الْعِلْمِ بها قال فَذَهَبَ إلَى ظَاهِرِ هذا الْكَلَامِ طَائِفَةٌ من أَصْحَابِنَا وَقَالُوا خَبَرُ الْوَاحِدِ إنْ كان شَرْعِيًّا أَوْجَبَ الْعِلْمَ قال وَعِنْدِي هو مَحْمُولٌ على أَنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ من طَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ لَا من جِهَةِ الضَّرُورَةِ وَأَنَّ الْقَطْعَ حَصَلَ اسْتِدْلَالًا بِأُمُورٍ انْضَمَّتْ إلَيْهِ من تَلَقِّي الْأُمَّةِ لها بِالْقَبُولِ أو دَعْوَى الْمُخْبِرِ على النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّهُ سَمِعَهُ منه بِحَضْرَتِهِ فَيَسْكُتُ وَلَا يُنْكِرُ عليه أو دَعْوَاهُ على جَمَاعَةٍ حَاضِرِينَ السَّمَاعَ منه فما يُنْكِرُونَهُ وقال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ قد أَكْثَرَ الْأُصُولِيُّونَ من حِكَايَةِ إفَادَتِهِ الْقَطْعَ عن الظَّاهِرِيَّةِ أو بَعْضِهِمْ وَتَعَجَّبَ الْفُقَهَاءُ وَغَيْرُهُمْ منهم لِأَنَّا نُرَاجِعُ أَنْفُسَنَا فَنَجِدُ خَبَرَ الْوَاحِدِ مُحْتَمِلًا لِلْكَذِبِ وَالْغَلَطِ وَلَا قَطْعَ مع هذا الِاحْتِمَالِ لَكِنَّ مَذْهَبَهُمْ له مُسْتَنَدٌ لم يَتَعَرَّضْ له الْأَكْثَرُونَ وهو أَنْ يُقَالَ ما صَحَّ من الْأَخْبَارِ فَهُوَ مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهِ لَا من جِهَةِ كَوْنِهِ خَبَرَ وَاحِدٍ فإنه من حَيْثُ هو كَذَلِكَ مُحْتَمِلٌ لِمَا ذَكَرْتُمُوهُ من الْكَذِبِ وَالْغَلَطِ وَإِنَّمَا وَجَبَ أَنْ يُقْطَعَ بِصِحَّتِهِ لِأَمْرٍ خَارِجٍ عن هذه الْجِهَةِ وهو أَنَّ الشَّرِيعَةَ مَحْفُوظَةٌ وَالْمَحْفُوظُ ما لَا يَدْخُلُ فيه ما ليس منه وَلَا يَخْرُجُ عنه ما هو منه فَلَوْ كان ما ثَبَتَ عِنْدَنَا من الْأَخْبَارِ كَذِبًا لَدَخَلَ في الشَّرِيعَةِ ما ليس منها وَالْحِفْظُ يَنْفِيهِ وَالْعِلْمُ بِصِدْقِهِ من هذه الْجِهَةِ لَا من جِهَةِ ذَاتِهِ فَصَارَ هذا كَالْإِجْمَاعِ فإن قَوْلَ الْأُمَّةِ من حَيْثُ هو وَحُكْمُهُمْ لَا يَقْتَضِي الْعِصْمَةَ لَكِنْ لَمَّا قام الدَّلِيلُ على ذلك وَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ
- من هذا الْوَجْهِ لَا من حَيْثُ كَوْنُهُ قَوْلًا لهم وَحُكْمًا وَأَخَذُوا الْحِفْظَ من وَجْهٍ آخَرَ قَرَّرُوهُ يَقَعُ فيه الْبَحْثُ مَعَهُمْ قال وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا هذا لِأَنَّ كَثِيرًا من الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ مَذْهَبَهُمْ خَارِجٌ عن ضُرُوبِ الْعَقْلِ فَبَيَّنَّا هذا دَفْعًا لِهَذَا الْوَهْمِ وَتَنْبِيهًا لِمَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ وَيُبْحَثَ مَعَهُمْ فيه وهو الْمَحَلُّ الذي ادَّعَوْهُ من قِيَامِ الْقَاطِعِ على ما ذَكَرُوهُ وَأَقْرَبُ ما يُقَالُ لهم فيه إنَّ هذا الْقَاطِعَ أَعْنِي الْعِلْمَ بِصِحَّةِ كل ما صَحَّ عِنْدَنَا وَبِكَذِبِ كل ما لم يَصِحَّ إمَّا أَنْ يُؤْخَذَ بِالنِّسْبَةِ إلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ أو إلَى بَعْضِهَا فَإِنْ أُخِذَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْجَمِيعِ فَمُسَلَّمٌ وَلَكِنَّهُ لَا يُفِيدُ بِالنِّسْبَةِ إلَى كل فَرْدٍ هُنَا إلَّا إذَا أَثْبَتْنَا الْعَزْمَ بِالنِّسْبَةِ إلَى كل الْأُمَّةِ لَكِنَّ ذلك مُتَعَذِّرٌ وَإِنْ أَخَذْنَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبَعْضِ لم يُفِدْ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْأُمَّةِ قد وَصَلَ إلَيْهِ ذلك الْمُقْتَضِي لِلْحُكْمِ وقد وَقَعَ كَثِيرٌ من هذا وهو اطِّلَاعُ بَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ على حَدِيثٍ لم يَطَّلِعْ عليه غَيْرُهُ وَإِنْ قال إذَا لم أَطَّلِعْ عليه فَالْأَصْلُ عَدَمُ اطِّلَاعِ غَيْرِي عليه فَيَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِالنِّسْبَةِ إلَيَّ قُلْنَا أنت تَدَّعِي الْقَطْعَ وَالتَّمَسُّكُ بِالْأَصْلِ لَا يُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ هذا كُلُّهُ فِيمَا إذَا انْضَمَّتْ إلَيْهِ قَرِينَةٌ لِغَيْرِ التَّعْرِيفِ فَإِنْ كان لِلتَّعْرِيفِ بِصِدْقِ الْمُخْبِرِ فَقَدْ يَدُلُّ على الْقَطْعِ في صُوَرٍ كَثِيرَةٍ قد سَبَقَتْ منها الْإِخْبَارُ بِحَضْرَةِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَلَا يُنْكِرُهُ أو بِحَضْرَةِ جَمْعٍ يَسْتَحِيلُ تَوَاطُؤُهُمْ على الْكَذِبِ وَيُقِرُّوهُ أو بِأَنْ تَتَلَقَّاهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ أو الْعَمَلِ أو بِأَنْ يَحْتَفَّ بِقَرَائِنَ على الْخِلَافِ السَّابِقِ الثَّانِي لم يَتَعَرَّضُوا لِضَابِطِ الْقَرَائِنِ وقال الْمَازِرِيُّ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُشَارَ إلَيْهَا بِعِبَارَةٍ تَضْبِطُهَا قُلْت وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ هِيَ ما لَا يَبْقَى مَعَهَا احْتِمَالٌ وَتَسْكُنُ النَّفْسُ عِنْدَهُ مِثْلُ سُكُونِهَا إلَى الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ أو قَرِيبًا منه الثَّالِثُ زَعَمَ جَمَاعَةٌ أَنَّ الْخِلَافَ في هذه الْمَسْأَلَةِ لَفْظِيٌّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هو مَعْنَوِيٌّ وَتَظْهَرُ فَائِدَتُهُ في مَسْأَلَتَيْنِ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ هل يَكْفُرُ جَاحِدُ ما ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ إنْ قُلْنَا يُفِيدُ الْقَطْعَ كَفَرَ وَإِلَّا فَلَا وقد حَكَى ابن حَامِدٍ من الْحَنَابِلَةِ أَنَّ في تَكْفِيرِهِ وَجْهَيْنِ وَلَعَلَّ هذا مَأْخَذُهَا
- الثَّانِيَةُ أَنَّهُ هل يُقْبَلُ خَبَرُ الْوَاحِدِ في أُصُولِ الدِّيَانَاتِ فَمَنْ قال يُفِيدُ الْعِلْمَ قَبِلَهُ وَمَنْ قال لَا يُفِيدُ لم يَثْبُتْ بِمُجَرَّدِهِ إذْ الْعَمَلُ بِالظَّنِّ فِيمَا هو مَحَلُّ الْقَطْعِ مُمْتَنِعٌ
- فَصْلٌ في شَرْطِ الْفِعْلِ بِخَبَرِ الْآحَادِ منها ما هو في الْمُخْبِرِ وهو الرَّاوِي وَمِنْهَا ما هو في الْمُخْبَرِ عنه وهو مَدْلُولُ الْخَبَرِ وَمِنْهَا ما هو في الْخَبَرِ نَفْسِهِ وهو اللَّفْظُ الشُّرُوطُ التي يَجِبُ تَوَفُّرُهَا في الْمُخْبِرِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلَهُ شُرُوطٌ الْأَوَّلُ التَّكْلِيفُ فَلَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ مُمَيِّزًا كان أو لَا لِعَدَمِ الْوَازِعِ عن الْكَذِبِ وَاعْتَمَدَ الْقَاضِي في رَدِّ رِوَايَةِ الصَّبِيِّ الْإِجْمَاعَ وقال الْمُعَلِّقُ عنه وقد كان الْإِمَامُ يَحْكِي وَجْهًا في صِحَّةِ رِوَايَةِ الصَّبِيِّ فَلَعَلَّهُ أَسْقَطَهُ ا هـ وَالْخِلَافُ ثَابِتٌ مَشْهُورٌ حَكَاهُ ابن الْقُشَيْرِيّ مُعْتَرِضًا بِهِ على الْقَاضِي بَلْ هُمَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ في إخْبَارِهِ عن الْقُبْلَةِ كما حَكَاهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ في تَعْلِيقِهِ وَلِأَصْحَابِنَا خِلَافٌ مَشْهُورٌ في قَبُولِ رِوَايَتِهِ في هِلَالِ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ بَلْ قال الْفُورَانِيُّ في الْإِبَانَةِ في كِتَابِ الصِّيَامِ الْأَصَحُّ قَبُولُ رِوَايَتِهِ وَحَكَى إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ خَبَرًا في مُسْتَنَدِ رَدِّ أَحَادِيثِ الصَّبِيِّ فَقِيلَ هو مُقْتَبَسٌ من رِوَايَةِ الْفَاسِقِ لِأَنَّ مُلَابَسَةَ الْفِسْقِ تُهَوِّنُ عليه تَوَقِّي الْكَذِبِ وَالصَّبِيُّ أَوْلَى بِذَلِكَ فإن الْفَاسِقَ لَا يَخْلُو عن خِيفَةٍ يَسْتَوْحِشُهَا وَالصَّبِيُّ يُعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ آثِمٍ وَقِيلَ بَلْ ذلك مُتَلَقًّى من الْإِجْمَاعِ قال وَهَذَا أَسَدُّ فإن الصَّحَابَةَ لم يُرَاجِعُوا صَبِيًّا قَطُّ ولم يَسْتَخْبِرُوهُ وقد رَاجَعُوا النِّسَاءَ وَرَاءَ الْخُدُورِ وكان في الصِّبْيَانِ من يَلِجُ على رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَيَطَّلِعُ على أَحْوَالٍ له بِحَيْثُ لو نَقَلَهَا لم يَخْلُ الْأَخْذُ بِقَوْلِهِ من فَائِدَةٍ شَرْعِيَّةٍ ثُمَّ لم يُرَاجَعُوا قَطُّ ا هـ وَجَعَلَ الْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ مَحَلَّ الْخِلَافِ في الْمُرَاهِقِ الْمُتَثَبِّتِ في كَلَامِهِ قال أَمَّا غَيْرُهُ فَلَا يُقْبَلُ قَطْعًا كَالْبَالِغِ الْفَاسِقِ وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْوَاضِحِ قَوْلًا ثَالِثًا في الْمَسْأَلَةِ وهو التَّفْصِيلُ بين الْمُرَاهِقِ وَمَنْ دُونَهُ وَالْقَائِلُونَ بِعَدَمِ الْقَبُولِ اخْتَلَفُوا هل ذلك
- مَظْنُونٌ أو مَقْطُوعٌ بِهِ وَالْأَكْثَرُونَ على أَنَّهُ مَظْنُونٌ هذا كُلُّهُ إذَا أَدَّى في حَالِ صِبَاهُ فَإِنْ تَحَمَّلَ في صِبَاهُ ثُمَّ أَدَّاهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ فَقَوْلَانِ في شَرْحِ اللُّمَعِ ومختصر التَّقْرِيبِ وَأَصَحُّهُمَا وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ يُقْبَلُ لِلْإِجْمَاعِ على قَبُولِ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَمُعَاذِ بن بَشِيرٍ من غَيْرِ تَفْرِقَةٍ بين ما تَحَمَّلُوهُ قبل الْبُلُوغِ وَبَعْدَهُ وقد رَوَى مَحْمُودُ بن الرَّبِيعِ حَدِيثَ الْمَجَّةِ التي مَجَّهَا النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وهو ابن خَمْسِ سِنِينَ وَاعْتَمَدَ الْعُلَمَاءُ رِوَايَتَهُ ذلك بَعْدَ بُلُوغِهِ وَجَعَلُوهُ أَصْلًا في سَمَاعِ الصَّغِيرِ وَالْإِجْمَاعُ على إحْضَارِ الصِّبْيَانِ مَجَالِسَ الرِّوَايَاتِ قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ وَلَوْ قِيلَ هذا لِقَبُولِ الْأُمَّةِ رِوَايَاتِ من سَبَقَ كان عِنْدِي أَوْلَى لِتَوَقُّفِ الْأَوَّلِ على أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْأَصَاغِرَ رَوَوْا لِلْأَكَابِرِ ما لم يَعْلَمُوهُ إلَّا من جِهَتِهِمْ فَقَبِلُوهُ وَثُبُوتُ مِثْلِ هذا عن كل الصَّحَابَةِ قد يَتَعَذَّرُ وَلَكِنَّ الْأُمَّةَ بَعْدَهُمْ قد قَبِلُوا رِوَايَةَ هَؤُلَاءِ قال وَالتَّمْثِيلُ بِابْنِ عَبَّاسٍ وَنَحْوِهِ ذَكَرَهُ الْأُصُولِيُّونَ وفي مُطَابَقَتِهِ لِحَالِ بَعْضِهِمْ نَظَرٌ قال ابن الْقُشَيْرِيّ وَإِنَّمَا يَصِحُّ من الصَّبِيِّ تَحَمُّلُ الرِّوَايَةِ ثُمَّ أَدَاؤُهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ إذَا كان وَقْتَ التَّحَمُّلِ مُمَيِّزًا فَأَمَّا إذَا كان غير مُمَيِّزٍ ثُمَّ بَلَغَ لم تَصِحَّ رِوَايَتُهُ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ نَقْلُ ما سَمِعَهُ وَلَا يَتَحَقَّقُ نَقْلُ ما سَمِعَهُ إلَّا بَعْدَ عِلْمِهِ وَهَذَا إجْمَاعٌ وَلِهَذَا قُلْنَا لو سمع الْمَجْنُونُ ثُمَّ أَفَاقَ لم تُسْمَعْ رِوَايَتُهُ وقال قَوْمٌ لَا يَصِحُّ التَّحَمُّلُ إلَّا من بَالِغٍ عَاقِلٍ وما سَمِعَهُ الصَّبِيُّ في حَالِ صِبَاهُ لَا تَصِحُّ رِوَايَتُهُ وَالصَّحِيحُ خِلَافُهُ وَكَذَا لو تَحَمَّلَ وهو فَاسِقٌ أو كَافِرٌ ثُمَّ رَوَى وهو عَدْلٌ مُسْلِمٌ قال الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَحَكَاهُ في الْقَوَاطِعِ عن الْأُصُولِيِّينَ الْمُرَادُ بِالْعَقْلِ الْمُعْتَبَرُ هُنَا التَّيَقُّظُ وَكَثْرَةُ التَّحَفُّظِ وَلَا يَكْفِي الْعَقْلُ الذي يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّكْلِيفُ قال ابن السَّمْعَانِيِّ فَإِنْ كان يُفِيقُ يَوْمًا وَيُجَنُّ يَوْمًا فَإِنْ أَثَّرَ جُنُونُهُ في زَمَنِ إفَاقَتِهِ لم يُقْبَلْ وَإِلَّا قُبِلَ الثَّانِي كَوْنُهُ من أَهْلِ الْقِبْلَةِ فَلَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ الْكَافِرِ كَالْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ إجْمَاعًا سَوَاءٌ عُلِمَ من دِينِهِ الِاحْتِرَازُ عن الْكَذِبِ أَمْ لَا وَسَوَاءٌ عُلِمَ أَنَّهُ عَدْلٌ في دِينِهِ أَمْ لَا لِأَنَّ قَبُولَ الرِّوَايَةِ مَنْصِبٌ شَرِيفٌ وَمَكْرُمَةٌ عَظِيمَةٌ وَالْكَافِرُ ليس أَهْلًا لِذَلِكَ
- وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ في الْمُسْنَدِ من جِهَةِ مُحَمَّدِ بن الْحَنَفِيَّةِ عن عُرْوَةَ بن عَمْرٍو الثَّقَفِيِّ سَمِعْت أَبَا طَالِبٍ قال سَمِعْت ابْنَ أَخِي الْأَمِينَ يقول اُشْكُرْ تُرْزَقْ وَلَا تَكْفُرْ فَتُعَذَّبَ وَرَوَاهُ الْحَافِظُ الصُّرَيْفِينِيُّ وقال غَرِيبٌ عَجِيبٌ رِوَايَةُ أبي طَالِبٍ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم حكم ما رواه أهل البدع وأما الذي من أهلها وهم المبتدعة فإن كفر ببدعته كالمجسمة إذا قلنا بتكفيرهم فإن علمنا من مذهبهم جواز الكذب إما لنصرة رأيهم أو غير ذلك لم تقبل روايتهم قطعا كذا قالوه وقيده بعضهم بما إذا اعتقدوا جوازه مطلقا فإن اعتقدوا جوازه في أمر خاص كالكذب فيما يتعلق بنصرة العقيدة أو الترغيب في الطاعة أو الترهيب عن المعصية ردت روايتهم فيما هو متعلق بذلك الأمر الخاص فقط وإن اعتقدوا حرمة الكذب فقولان قال الأكثرون لا تقبل ومنهم القاضيان أبو بكر وعبد الجبار والغزالي والآمدي قياسا على الفاسق بل هو أولى وقال أبو الحسين البصري يقبل وهو رأي الإمام وأتباعه لأن اعتقادهم حرمة الكذب يمنعهم من الإقدام عليه فيحصل صدقه فيجب العمل به وهذا التفصيل في الكافر بالبدعة ذكره في المحصول أطلق القاضي عبد الوهاب في الملخص وابن برهان في الأوسط عدم قبول رواياتهم مطلقا وقال لا خلاف فيه وجرى عليه ابن الصلاح وغيره من المحدثين وأما المبتدع إذا لم يكفر ببدعته فإن كان ممن يرى الكذب والتدين به لم يقبل بالاتفاق وإلا فاختلفوا فيه على أقوال أحدها رد روايته مطلقا لأنه فاسق ببدعته وإن كان متأولا يرد كالفاسق بغير التأويل كما لا يقبل الكافر مطلقا وبه قال القاضي والأستاذ أبو منصور والشيخ أبو إسحاق في اللمع قال الخطيب البغدادي ويروى عن مالك واستبعده ابن الصلاح لأن كتبهم طافحة بالرواية عن المبتدعة وقال ابن دقيق العيد لعل هذا القول مبني على القول بتكفيرهم ورواية
- الكافر غير مقبولة وغاية ما يقال في الفرق أنه غير عالم بكفره وذلك ضم جهل إلى كفر فهو أولى بعدم القبول وما قاله ممنوع فإن التفريع على عدم تكفيره بالبدعة وإنما مأخذ الرد عندهم الفسق ولم يعذروه بتأويله وقالوا هو فاسق بقوله وفاسق لجهله ببدعته فتضاعف فسقه والثاني يقبل سواء دعا إلى بدعته أو لا إذا كان ممن لا يستحل الكذب كما سبق من تصوير المسألة وهو قضية مذهب الشافعي قال الحافظ ابن عدي قلت للربيع ما حمل الشافعي على روايته عن إبراهيم بن أبي يحيى مع وصفه إياه بأنه كان قدريا فقال كان الشافعي يقول لأن يخر إبراهيم من السماء أحب إليه من أن يكذب وقال الخطيب وهذا مذهب الشافعي لقوله هل هو إلا من الخطابية الرافضة لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم قال ويحكى عن ابن أبي ليلى والثوري وأبي يوسف القاضي وقال أبو نصر بن القشيري إلى هذا ميل الشافعي وقبل شهادة هؤلاء والخوارج مع استحلالهم الدماء والأموال لتوقيهم الكذب واعتقادهم كفر فاعله وقال ابن برهان إنه الصحيح وقول الشافعي لقوله أقبل شهادة أهل الأهواء والبدع إلا الخطابية فإنهم يتدينون بالكذب وقال محمد بن الحسن إذا كنا نقبل رواية أهل العدل وهم يعتقدون أن من كذب فسق فلأن نقبل رواية أهل الأهواء وهم يعتقدون أن من كذب كفر بطريق الأولى قال وتحقيق ما ذكرناه أن أئمة الحديث كالبخاري ومسلم وغيرهما رووا في كتبهم عن أهل الأهواء حتى قيل لو حذفت رواياتهم لابيضت الكتب ا هـ وقد اعترض الشيخ الهندي في النهاية على كون الخطابية من هذا القبيل بأن المحكي في كتب المقالات ما يوجب تكفيرهم قطعا قال فإن صح ذلك عنهم لم يكونوا من قبيل ما نحن فيه بل من قبيل الكفرة من أهل القبلة فيكون الاستثناء في كلام الشافعي منقطعا وقال ابن دقيق العيد هذا هو المذهب الحق لأنا لا نكفر أحدا من أهل القبلة إلا بإنكار متواتر عن صاحب الشرع وإذا لم نكفره وانضم إليه التقوى المانعة من الإقدام على ما يعتقد تحريمه فالموجب للقبول موجود وهو الإسلام مع العدالة الموجبة لظن الصدق والمانع المتخيل لا يعارض ذلك الموجب بل قد يقويه كما في الخوارج الذين يكفرون بالذنب والوعيدية الذين يرون الخلود بالذنب وإذا وجد المقتضى
- وزال المانع وجب القبول وأطلق الماوردي والروياني القول بقبول رواياتهم وهو محمول على هذا التفصيل وكذلك قال إلكيا الطبري الفساق بسبب العقيدة كالخوارج والروافض وغيرهم من أهل البدع اختلف في قبول روايتهم والصحيح الذي عليه الجمهور أن رواياتهم مقبولة فإن العقائد التي تحلوا بها لا تهون عليهم افتعال الأحاديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم والأصل الثقة وهو في حق المتأول والمحق سواء نعم الشافعي لا يقبل شهادة الكافر على الكافر مع أنه عدل في دينه من حيث إن الشهادة تستدعي رتبة ووقارا ولذلك لم يكن العبد من أهلها بخلاف الرواية فإنها إثبات الشرع على نفسه وغيره فاستدعت مزيد منصب والثالث إن كان داعيا إلى بدعته لم يقبل وإلا قبل وبه جزم سليم في التقريب وحكاه القاضي عبد الوهاب في الملخص عن مالك لقوله لا تأخذ الحديث عن صاحب هوى يدعو إلى هواه قال القاضي عياض وهذا يحتمل أن يريد أنه إذا لم يدع يقبل ويحتمل أنه أراد لا يقبل مطلقا ويكون قوله يدعو لبيان سبب تهمته أي لا تأخذ عن مبتدع فإنه ممن يدعو إلى هواه وهذا هو المعروف من مذهبه ا هـ قال الخطيب وهو مذهب أحمد ونسبه ابن الصلاح للأكثرين قال وهو أعدل المذاهب وأولاها وفي الصحيحين كثير من أحاديث المبتدعة غير الدعاة احتجاجا واستشهادا كعمران بن حطان وداود بن الحصين وغيرهما وقد نقل أبو حاتم بن حبان في كتاب الثقات الإجماع على الأمرين فقال في ترجمة جعفر بن سليمان الضبعي فليس بين أهل الحديث من أئمتنا خلاف في أن الصدوق التقي إذا كان فيه بدعة ولم يكن يدعو إليها أن الاحتجاج بأخباره جائز فإذا دعا إلى بدعته سقط الاحتجاج بأخباره ا هـ وقال ابن دقيق العيد جعل بعض المتأخرين من أهل الحديث هذا المذهب متفقا عليه وليس كما قاله نعم في هذا المذهب وجه أنه إذا روى المبتدع الداعية ما يقوي به حجته على خصمه وكذلك إذا لم يكن داعية إلا أنه أضعف من الأول قال نعم الذي أختاره أن الداعية إذا روى فإما أن يروي ما ينفرد به عن غيره ولا يوجد إلا عنده أو ما يوجد عند غيره فإن كان الأول روي عنه لأن الرواية عنه هاهنا في مرتبة الضرورة وإن كان يوجد عند غيره لم يرو عنه لا لأن روايته
- باطلة بل لإهانته وعدم تعظيمه ا هـ وهو تفصيل غريب وما حكاه عن بعض المتأخرين كأنه يريد به ابن القطان المحدث فإنه قال في كتاب الوهم والإيهام الخلاف في غير الداعية أما الداعية فهو ساقط عند الجميع وليس كما قال وفعل أبو علي الغساني من المحدثين فقال إن ضم إلى بدعته افتعاله الحديث وتحريف الرواية لنصرة مذهبه لم يقبل وإلا قبل وهذا التفصيل لا وقع له فإن ذلك متروك ولو لم يكن صاحب بدعة
- تنبيهات الأول المراد بالداعية إلى البدعة الأول يتبادر أن المراد بالداعية الحامل على بدعته لكن قال أبو الوليد الباجي الخلاف في الداعية بمعنى أنه يظهرها ويحقق عليها فأما الداعي بمعنى حمل الناس عليها فلم يختلف في ترك حديثه الثَّانِي مَتَى تُقْبَلُ رِوَايَةُ الْكَافِرِ إنَّمَا لَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ الْكَافِرِ إذَا رَوَى في حَالِ كُفْرِهِ أَمَّا لو تَحَمَّلَ وهو كَافِرٌ ثُمَّ أَدَّى في الْإِسْلَامِ قُبِلَتْ على الصَّحِيحِ قَالَهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ وَجَزَمَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ قَالَا وَكَذَلِكَ لو رَوَى وهو فَاسِقٌ ثُمَّ أَدَّى وقد اعْتَدَلَ وفي الصَّحِيحِ عن جُبَيْرٍ بن مُطْعِمٍ أَنَّهُ سمع النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم يَقْرَأُ في الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ وَلَمَّا سمع هذا كان كَافِرًا عَقِبَ أَسْرِهِ في غَزْوَةِ بَدْرٍ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ في الحديث ثُمَّ أَنَّهُ رَوَاهُ بَعْدَمَا أَسْلَمَ وَأَجْمَعُوا على قَبُولِهِ الشَّرْطُ الثَّالِثُ الْعَدَالَةُ في الدِّينِ فَالْفَاسِقُ لَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ كما لَا يَوْثُقُ بِشَهَادَتِهِ وَالْعَدْلُ هو الْعَادِلُ تَوَسُّعًا مَأْخُوذٌ من الِاعْتِدَالِ وفي الِاصْطِلَاحِ من تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَيُحْكَمُ بها وَالْعَدَالَةُ في الْأَصْلِ هِيَ الِاسْتِقَامَةِ يُقَالُ طَرِيقٌ عَدْلٌ لِطَرِيقِ الْجَادَّةِ وَضِدُّهَا الْفِسْقُ وهو الْخُرُوجُ عن الْحَدِّ الذي جُعِلَ له وَالْمَقْصُودُ أَنْ لَا تُقْبَلَ رِوَايَتُهُ من حَيْثُ إنَّ هَوَاهُ غَالِبٌ على تَقْوَاهُ فَلَا تَصِحُّ الثِّقَةُ بِقَوْلِهِ ثُمَّ ضَابِطُ الشَّرْعِ في ذلك مُعْتَبَرٌ فَلَوْ لَاحَ بِالْمَخَايِلِ صِدْقُهُ لم يَجُزْ قَبُولُ رِوَايَتِهِ فإنه يُخَالِفُ ضَابِطَ الشَّرْعِ وَلَيْسَ لنا أَنْ نَعْمَلَ بِكُلِّ ظَنٍّ
- بَلْ ظَنٍّ له أَصْلٌ شَرْعًا هذا إذَا رَجَعَ الْفِسْقُ إلَى الدِّيَانَةِ فَلَا خِلَافَ فيه كما قَالَهُ ابن بَرْهَانٍ وَغَيْرُهُ فَإِنْ رَجَحَ إلَى الْعَقِيدَةِ كَأَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ فَقَدْ سَبَقَ حُكْمُهُ قال الْقَاضِي وَلَا تُقْبَلُ مِمَّنْ اُتُّفِقَ على فِسْقِهِ وَإِنْ كان مُتَأَوِّلًا تَعْرِيفُ الْعَدَالَةِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطٌ بِالِاتِّفَاقِ وَلَكِنْ اُخْتُلِفَ في مَعْنَاهَا فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عِبَارَةٌ عن الْإِسْلَامِ مع عَدَمِ مَعْرِفَةِ الْفِسْقِ وَعِنْدَنَا مَلَكَةٌ في النَّفْسِ تَمْنَعُ عن اقْتِرَافِ الْكَبَائِرِ وَصَغَائِرِ الْخِسَّةِ كَسَرِقَةِ لُقْمَةٍ وَالرَّذَائِلِ الْمُبَاحَةِ كَالْبَوْلِ في الطَّرِيقِ وَالْمُرَادُ جِنْسُ الْكَبَائِرِ وَالرَّذَائِلِ الصَّادِقِ بِوَاحِدَةٍ لَا حَاجَةَ لِلْإِصْرَارِ على الصَّغِيرَةِ لِأَنَّهَا تَصِيرُ كَبِيرَةً قال ابن الْقُشَيْرِيّ وَاَلَّذِي صَحَّ عن الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قال ليس من الناس من يَمْحُضُ الطَّاعَةَ فَلَا يَمْزُجُهَا بِمَعْصِيَةٍ وَلَا في الْمُسْلِمِينَ من يَمْحُضُ الْمَعْصِيَةَ فَلَا يَمْزُجُهَا بِالطَّاعَةِ فَلَا سَبِيلَ إلَى رَدِّ الْكُلِّ وَلَا إلَى قَبُولِ الْكُلِّ فَإِنْ كان الْأَغْلَبُ على الرَّجُلِ من أَمْرِهِ الطَّاعَةَ وَالْمُرُوءَةَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ وَإِنْ كان الْأَغْلَبُ الْمَعْصِيَةَ وَخِلَافَ الْمُرُوءَةِ رَدَدْتهَا وهو ظَاهِرٌ في جَرْيِ الرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ مَجْرًى وَاحِدًا وَعَلَيْهِ جَرَى الْقَاضِي وقال أبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ من قَارَفَ كَبِيرَةً رُدَّتْ شَهَادَتُهُ وَمَنْ اقْتَرَفَ صَغِيرَةً لم تُرَدَّ شَهَادَتُهُ وَلَا رِوَايَتُهُ قال وَالْمُوَاظَبَةُ على الصَّغِيرَةِ كَمُقَارَفَةِ الْكَبِيرَةِ وقال لو ثَبَتَ كَذِبُ الرَّاوِي رُدَّتْ رِوَايَتُهُ إذَا تَعَمَّدَ وَإِنْ كان لَا يُعَدُّ ذلك الْكَذِبَ من الْكَبَائِرِ لِأَنَّهُ قَادِحٌ في نَفْسِ الْمَقْصُودِ بِالرِّوَايَةِ وقال الْقَاضِي ما مَعْنَاهُ الْمَعْنِيُّ في الرِّوَايَةِ الثِّقَةُ فَكُلُّ ما لَا يَخْرِمُ الثِّقَةَ لَا يَقْدَحُ في الرِّوَايَةِ وَإِنَّمَا الْقَادِحُ ما يَخْرِمُ الثِّقَةَ ا هـ وقال الصَّيْرَفِيُّ في كِتَابِ الدَّلَائِلِ وَالْأَعْلَامِ الْمُرَادُ بِالْعَدْلِ من كان مُطِيعًا لِلَّهِ في نَفْسِهِ ولم يُكْثِرْ من الْمَعَاصِي إلَّا هَفَوَاتٍ وَزَلَّاتٍ إذْ لَا يَعْرَى وَاحِدٌ من مَعْصِيَةٍ فَكُلُّ من أتى كَبِيرَةً فَاسِقٌ أو صَغِيرَةً فَلَيْسَ بِفَاسِقٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى إنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ ما تُنْهَوْنَ عنه وَمَنْ تَتَابَعَتْ منه الصَّغِيرَةُ وَكَثُرَتْ وُقِفَ خَبَرُهُ وَكَذَا من جُهِلَ أَمْرُهُ قال وما ذَكَرْتُ من مُتَابَعَةِ الْأَفْعَالِ لِلْعَاصِي أنها عِلْمُ الْإِصْرَارِ لِعِلْمِ الظَّاهِرِ كَالشَّهَادَةِ الظَّاهِرَةِ وَعَلَى أَنِّي على حَقِّ النَّظَرِ لَا أَجْعَلُ الْمُقِيمَ على الصَّغِيرَةِ الْمَعْفُوِّ عنها مُرْتَكِبًا لِلْكَبِيرَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُقِيمًا على الْمَعْصِيَةِ الْمُخَالِفَةِ أَمْرَ اللَّهِ دَائِمًا قال فَكُلُّ من
- ظَهَرَتْ عَدَالَتُهُ فَمَقْبُولٌ حتى يُعْلَمَ الْجَرْحُ وَلَيْسَ لِذَلِكَ غَايَةٌ يُحَاطُ بها وَأَنَّهُ عَدْلٌ في الْحَقِيقَةِ وَلَا يَكُونُ مَوْقُوفًا حتى يُعْلَمَ الْجَرْحُ ا هـ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ لَا بُدَّ في الْعَدْلِ من أَرْبَعِ شَرَائِطَ 1 الْمُحَافَظَةُ على فِعْلِ الطَّاعَةِ وَاجْتِنَابُ الْمَعْصِيَةِ وَأَنْ لَا يَرْتَكِبَ من الصَّغَائِرِ ما يَقْدَحُ في دِينٍ أو عِرْضٍ 3 وَأَنْ لَا يَفْعَلَ من الْمُبَاحَاتِ ما يُسْقِطُ الْقَدْرَ وَيُكْسِبُ النَّدَمَ 4 وَأَنْ لَا يَعْتَقِدَ من الْمَذَاهِبِ ما تَرُدُّهُ أُصُولُ الشَّرْعِ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الثِّقَةُ من الْمُعْتَمَدِ عليها فَمَتَى حَصَلَتْ الثِّقَةُ بِالْخَبَرِ قُبِلَ وَهَذَا مَفْهُومٌ من عَادَةِ الْأُصُولِيِّينَ وَهَذَا ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ في الرِّسَالَةِ فإنه قال وَلَيْسَ لِلْعَدْلِ عَلَامَةٌ تُفَرِّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِ الْعَدْلِ في بَدَنِهِ وَلَا لَفْظِهِ وَإِنَّمَا عَلَامَةُ صِدْقِهِ بِمَا يُخْتَبَرُ من حَالِهِ في نَفْسِهِ فَإِنْ كان الْأَغْلَبُ من أَمْرِهِ ظَاهِرَ الْخَيْرِ قُبِلَ وَإِنْ كان فيه تَقْصِيرٌ من بَعْضِ أَمْرِهِ لِأَنَّهُ لَا يَعْرَى أَحَدٌ رَأَيْنَاهُ من الذُّنُوبِ فإذا خَلَطَ الذُّنُوبَ وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ فَلَيْسَ فيه إلَّا الِاجْتِهَادُ على الْأَغْلَبِ من أَمْرِهِ وَالتَّمْيِيزُ بين حُسْنِهِ وَقُبْحِهِ ا هـ وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَدَالَةَ في الرِّوَايَةِ وَإِنْ كانت عِنْدَنَا شَرْطًا بِلَا خِلَافٍ لَكِنْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هل يَنْتَهِي إلَى الْعَدَالَةِ الْمُشْتَرَطَةِ في الشَّهَادَةِ أَمْ لَا وَفِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا ابن عَبْدَانِ في شَرَائِطِ الْأَحْكَامِ أَحَدُهُمَا أَنْ تُعْتَبَرَ الْعَدَالَةُ مِمَّنْ يَقْبَلُهُ الْحَاكِمُ في الدِّمَاءِ وَالْفُرُوجِ وَالْأَمْوَالِ أو زَكَّاهُ مُزَكِّيَانِ وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ في نَاقِلِ الْخَبَرِ وَعَدَالَتِهِ ما يُعْتَبَرُ في الدِّمَاءِ وَالْفُرُوجِ وَالْأَمْوَالِ بَلْ إذَا كان ظَاهِرُهُ الدِّينَ وَالصِّدْقَ قُبِلَ خَبَرُهُ هذا كَلَامُهُ قُلْت وَظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ على الْأَوَّلِ فإنه قال في اخْتِلَافِ الحديث في جَوَابِ سُؤَالٍ أَوْرَدَهُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتْرَكَ شَهَادَتُهُمَا إذَا كَانَا عَدْلَيْنِ في الظَّاهِرِ ا هـ وهو ظَاهِرٌ في أَنَّ ظَاهِرَ الْعَدَالَةِ من يَحْكُمُ الْحَاكِمُ بِشَهَادَتِهِ
- ثُمَّ اخْتَلَفُوا في مَوَاطِنَ أَقْسَامُ الذُّنُوبِ أَحَدُهَا أَنَّ الذُّنُوبَ إلَى كَمْ تَنْقَسِمُ على ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا إلَى قِسْمَيْنِ صَغَائِرَ وَكَبَائِرَ وهو الْمَشْهُورُ بين الْفُقَهَاءِ وَيُسَاعِدُهُمْ إطْلَاقَاتُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَكَرَّهَ إلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ فَجَعَلَ الْفُسُوقَ وهو الْكَبَائِرُ تَلِي رُتْبَةَ الْكُفْرِ وَجَعَلَ الصَّغَائِرَ تَلِي رُتْبَةَ الْكَبِيرَةِ وقد خَصَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بَعْضَ الذُّنُوبِ بِاسْمِ الْكَبَائِرِ الثَّانِي هو قِسْمٌ وَاحِدٌ وهو الْكَبَائِرُ وهو طَرِيقَةُ جَمْعٍ من الْأُصُولِيِّينَ منهم الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ وَنَفْيُ الصَّغَائِرِ وَجَرَى عليه إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الْإِرْشَادِ وابن فُورَكٍ في كِتَابِهِ مُشْكِلِ الْقُرْآنِ فقال الْمَعَاصِي عِنْدَنَا كَبَائِرُ وَإِنَّمَا يُقَالُ لِبَعْضِهَا صَغِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى ما هو أَكْبَرُ منها كما يُقَالُ الزِّنَا صَغِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْكُفْرِ وَالْقُبْلَةُ الْمُحَرَّمَةُ صَغِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الزِّنَا وَكُلُّهَا كَبَائِرُ قال وَمَعْنَى الْآيَةِ إنْ اجْتَنَبْتُمْ كَبَائِرَ ما نَهَاكُمْ عنه وهو الْكُفْرُ بِاَللَّهِ كَفَّرْت عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ التي دُونَ الْكُفْرِ إنْ شِئْت ثُمَّ حَكَى انْقِسَامَ الذُّنُوبِ إلَى صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ عن الْمُعْتَزِلَةِ وَغَلَّطَهُمْ وَلَعَلَّ أَصْحَابَ هذا الْوَجْهِ كَرِهُوا تَسْمِيَةَ مَعْصِيَةِ اللَّهِ صَغِيرَةً إجْلَالًا لِلَّهِ وَتَعْظِيمًا لِأَمْرِهِ مع أَنَّهُمْ وَافَقُوا في الْجَرْحِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ بِمُطْلَقِ الْمَعْصِيَةِ وَالثَّالِثُ قَوْلُ الْحَلِيمِيِّ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ وَفَاحِشَةٍ فَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ كَبِيرَةٌ فإذا قَتَلَ ذَا رَحِمٍ فَفَاحِشَةٌ فَأَمَّا الْخَدْشَةُ وَالضَّرْبَةُ مَرَّةً أو مَرَّتَيْنِ فَصَغِيرَةٌ وَجَعَلَ سَائِرَ الذُّنُوبِ هَكَذَا وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ فإن رُتْبَةَ الْكَبَائِرِ تَتَفَاوَتُ قَطْعًا تَعْرِيفُ الْكَبِيرَةِ الثَّانِي إذَا قُلْنَا بِالْمَشْهُورِ فَاخْتَلَفُوا في الْكَبِيرَةِ هل تُعَرَّفُ بِالْحَدِّ أو بِالْعَدِّ على وَجْهَيْنِ وَبِالْأَوَّلِ قال الْجُمْهُورُ وَاخْتَلَفُوا على أَوْجُهٍ قِيلَ الْمَعْصِيَةُ الْمُوجِبَةُ لِلْحَدِّ وَقِيلَ ما لَحِقَ صَاحِبَهَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ وَقِيلَ ما تُؤْذِنُ بِقِلَّةِ اكْتِرَاثِ مُرْتَكِبِهَا بِالدِّينِ وَرِقَّةِ الدِّيَانَةِ قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَقِيلَ ما نَصَّ الْكِتَابُ على تَحْرِيمِهِ أو وَجَبَ في جِنْسِهِ حَدٌّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ كُلَّ قَائِلٍ ذَكَرَ بَعْضَ أَفْرَادِهَا وَيَجْمَعُ الْكَبَائِرَ جَمِيعُ ذلك وَالْقَائِلُونَ بِالْعَدِّ اخْتَلَفُوا في أنها هل تَنْحَصِرُ فَقِيلَ تَنْحَصِرُ وَاخْتَلَفُوا فَقِيلَ
- مُعَيَّنَةٌ وقال الْوَاحِدِيُّ في الْبَسِيطِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ ليس لِلْكَبَائِرِ حَدٌّ يَعْرِفُهُ الْعِبَادُ وَتَتَمَيَّزُ بِهِ عن الصَّغَائِرِ تَمْيِيزَ إشَارَةٍ وَلَوْ عُرِفَ ذلك لَكَانَتْ الصَّغَائِرُ مُبَاحَةً وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْفَى ذلك على الْعِبَادِ لِيَجْتَهِدَ كُلُّ وَاحِدٍ في اجْتِنَابِ ما نُهِيَ عنه رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ مُجْتَنِبًا لِلْكَبَائِرِ وَنَظِيرُهُ إخْفَاءُ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى في الصَّلَوَاتِ وَلَيْلَةِ الْقَدْرِ في رَمَضَانَ ا هـ ثُمَّ قِيلَ هِيَ سَبْعَةٌ وَقِيلَ أَرْبَعَةَ عَشْرَ وقال ابن عَبَّاسٍ هِيَ إلَى سَبْعِينَ أَقْرَبُ منها إلَى السَّبْعِ وَالصَّحِيحُ أنها لَا تَنْحَصِرُ إذْ لَا يُؤْخَذُ ذلك إلَّا من السَّمْعِ ولم يَرِدْ فيه حَصْرُهَا وقد أَنْهَاهَا الْحَافِظُ الذَّهَبِيِّ في جُزْءٍ صَنَّفَهُ إلَى السَّبْعِينَ وَمِنْ الْمَنْصُوصِ عليه الْقَتْلُ وَالزِّنَا وَاللِّوَاطُ وَشُرْبُ الْخَمْرِ وَمُطْلَقُ السُّكْرِ وَالسَّرِقَةُ وَالْغَصْبُ وَالْقَذْفُ وَالنَّمِيمَةُ وَشَهَادَةُ الزُّورِ وَالْيَمِينُ الْفَاجِرَةُ وَقَطِيعَةُ الرَّحِمِ وَالْعُقُوقُ وَالْفِرَارُ وَمَالُ الْيَتِيمِ وَخِيَانَةُ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَتَقَدُّمُ الصَّلَاةِ وَتَأْخِيرُهَا وَالْكَذِبُ على مُحَمَّدٍ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَضَرْبُ الْمُسْلِمِ وَسَبُّ الصَّحَابَةِ وَكِتْمَانُ الشَّهَادَةِ وَالرِّشْوَةُ وَالدِّيَاثَةُ وَهِيَ الْقِيَادَةُ على أَهْلِهِ وَالْقِيَادَةُ وَهِيَ على أَجْنَبِيٍّ وَالسِّعَايَةُ عِنْدَ السُّلْطَانِ وَمَنْعُ الزَّكَاةِ وَالْيَأْسُ من رَحْمَةِ اللَّهِ وَأَمْنُ الْمَكْرِ وَالظِّهَارُ وَأَكْلُ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ وَفِطْرُ رَمَضَانَ وَالْغُلُولُ وَالْمُحَارَبَةُ وَالسِّحْرُ وَالرِّبَا وَتَرْكُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عن الْمُنْكَرِ وَنِسْيَانُ الْقُرْآنِ بَعْدَ حِفْظِهِ وَإِحْرَاقُ الْحَيَوَانِ بِالنَّارِ وَامْتِنَاعُ الْمَرْأَةِ من زَوْجِهَا بِلَا سَبَبٍ وَتَوَقَّفَ الرَّافِعِيُّ في تَرْكِ الْأَمْرِ وما بَعْدَهُ وَنَقَلَ عن صَاحِبِ الْعُدَّةِ جَعْلَ الْغِيبَةِ من الصَّغَائِرِ وهو يُخَالِفُ نَصَّ الشَّافِعِيِّ كَيْفَ وَهِيَ أُخْتُ النَّمِيمَةِ وقد رَوَى الطَّبَرَانِيُّ حَدِيثَ الْمُعَذَّبَيْنِ في قَبْرِهِمَا فذكر الْغِيبَةَ بَدَلَ النَّمِيمَةِ وَمِنْهَا إدْمَانُ الصَّغِيرَةِ الثَّالِثُ أَنَّ الْإِصْرَارَ على الصَّغَائِرِ حُكْمُهُ حُكْمُ مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ الْوَاحِدَةِ على الْمَشْهُورِ وقال أبو طَالِبٍ الْقُضَاعِيُّ في كِتَابِ تَحْرِيرِ الْمَقَالِ في مُوَازَنَةِ الْأَعْمَالِ إنَّ الْإِصْرَارَ حُكْمُهُ حُكْمُ ما أُصِرَّ بِهِ عليه فَالْإِصْرَارُ على الصَّغِيرَةِ صَغِيرَةٌ قال وقد جَرَى على أَلْسِنَةِ الصُّوفِيَّةِ لَا صَغِيرَةَ مع الْإِصْرَارِ وَرُبَّمَا يَرْوِي حَدِيثًا وَلَا يَصِحُّ وَالْإِصْرَارُ يَكُونُ بِاعْتِبَارَيْنِ أَحَدُهُمَا حُكْمِيٌّ وهو الْعَزْمُ على فِعْلِ تِلْكَ الصَّغِيرَةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ منها فَهَذَا
- حُكْمُهُ حُكْمُ من كَرَّرَهَا فِعْلًا بِخِلَافِ التَّائِبِ منها فَلَوْ ذَهَلَ من ذلك ولم يَعْزِمْ على شَيْءٍ فَهَذَا هو الذي تُكَفِّرُهُ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ من الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَالْجُمُعَةِ وَالصِّيَامِ كما دَلَّ عليه الْأَحَادِيثُ لَكِنْ اُخْتُلِفَ في هذا هل شَرْطُ التَّكْفِيرِ عَدَمُ مُلَابَسَتِهِ لِشَيْءٍ من الْكَبَائِرِ أو لَا يُشْتَرَطُ ذلك على قَوْلَيْنِ لِأَجْلِ قَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم الصَّلَاةُ إلَى الصَّلَاةِ كَفَّارَةُ ما بَيْنَهُمَا ما اُجْتُنِبَتْ الْكَبَائِرُ وَحَكَى ابن عَطِيَّةَ وَغَيْرُهُ عن الْجُمْهُورِ الِاشْتِرَاطَ لِظَاهِرِ الحديث وَاخْتَارَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ قال وَالشَّرْطُ في الحديث بِمَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ وَالتَّقْدِيرُ مُكَفِّرَاتُ ما بَيْنَهُنَّ إلَّا الْكَبَائِرَ وَهَذَا يُسَاعِدُهُ مُطْلَقُ الْأَحَادِيثِ الْمُصَرِّحَةِ بِالتَّكْفِيرِ من غَيْرِ شَرْطٍ وَإِنْ قُلْنَا إنَّ الْمُرَادَ بِالْكَبَائِرِ في الْآيَةِ السَّابِقَةِ الْكُفْرُ كما قال ابن فُورَكٍ فَنَحْمِلُ الحديث عليها وَتَسْقُطُ الدَّلَالَةُ بها لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي الْإِصْرَارُ بِالْفِعْلِ وَيَحْتَاجُ إلَى ضَابِطٍ قال ابن الرِّفْعَةِ لم أَظْفَرْ فيه بِمَا يُثْلِجُ الصُّدُورَ وقد عَبَّرَ عنه بَعْضُهُمْ بِالْمُدَاوَمَةِ وَحِينَئِذٍ هل تُعْتَبَرُ الْمُدَاوَمَةُ على نَوْعٍ وَاحِدٍ من الصَّغَائِرِ أَمْ الْإِكْثَارِ من الصَّغَائِرِ سَوَاءٌ كانت من نَوْعٍ وَاحِدٍ أو أَنْوَاعٍ وَيَخْرُجُ من كَلَامِ الْأَصْحَابِ عنه وَجْهَانِ قال الرَّافِعِيُّ وَيُوَافِقُ الثَّانِي قَوْلَ الْجُمْهُورِ من تَغْلِبُ مَعَاصِيهِ طَاعَتَهُ كَأَنْ يُزَوِّرَ الشَّهَادَةَ قال وإذا قُلْنَا بِهِ لم يَضُرَّهُ الْمُدَاوَمَةُ على نَوْعٍ وَاحِدٍ من الصَّغَائِرِ إذَا غَلَبَتْ الطَّاعَاتُ وَعَلَى الْأَوَّلِ تَضُرُّهُ قال ابن الرِّفْعَةِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّ مُدَاوَمَةَ النَّوْعِ تَضُرُّ على الْوَجْهَيْنِ أَمَّا على الْأَوَّلِ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا على الثَّانِي فَلِأَنَّهُ في ضِمْنِ حِكَايَتِهِ قال إنَّ الْإِكْثَارَ من النَّوْعِ الْوَاحِدِ كَالْإِكْثَارِ من الْأَنْوَاعِ وَحِينَئِذٍ يَحْسُنُ معه التَّفْصِيلُ نعم يَظْهَرُ أَثَرُهَا فِيمَا إذَا أتى بِأَنْوَاعٍ من الصَّغَائِرِ فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ لم يَضُرَّ وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي ضَرَّ
- ويتفرع على اشتراط العدالة مسائل أحدها عدم قبول خبر الفاسق والفسق نوعان أحدهما من حيث الأفعال فلا خلاف في رده
- الثاني من جهة الاعتقاد كالمبتدعة وفيه خلاف وحكى مسلم في صحيحه الإجماع على رد خبر الفاسق قال إنه غير مقبول عند أهل العلم كما أن شهادته مردودة عند جميعهم وذكر إمام الحرمين أن الحنفية وإن باحوا بقبول شهادة الفاسق فلم يبوحوا بقبول روايته فإن قال به قائل فهو مسبوق بالإجماع وللمقدم على الفسق أحوال أحدها أن يعلم حرمة ما أقدم عليه والإجماع على رده كذا قال في المحصول وغيره ويتجه تقييده بالمقطوع بكونه فسقا أما المظنون فيشبه تخريج خلاف فيه إذ حكوا وجها فيمن شرب النبيذ وهو يعتقد تحريمه أن شهادته لا ترد والرواية ملحقة بالشهادة فيما يرجع إلى العدالة الثاني أن يقدم على الفسق معتقدا جوازه لشبهة أو تقليد فأقوال ثالثها الفرق بين المظنون والمقطوع وهو ظاهر كلام الشافعي رضي الله عنه فإنه قال في المظنونات أقبل شهادة الحنفي إذا شرب النبيذ وأحده وقال في القطعيات أقبل شهادة أهل البدع والأهواء إلا الخطابية من الرافضة لأنهم يرون شهادة الزور لموافقيهم وحكي في المحصول الاتفاق في المظنون على القبول قال الهندي والأظهر ثبوت الخلاف فيه كما في الشهادة وهذا من الشافعي في المقطوع به إذا لم ير صاحبه جواز الكذب والأكثرون قبلوا روايته وهو اختيار الغزالي والإمام الرازي وأبي الحسين البصري وقال ابن الصباغ في العدة إذا كان فسقه من جهة الاعتقاد لم يرد خبره وقد قبل التابعون أخبار الخوارج وقال الشافعي لا أرد شهادة أهل الأهواء واختار القاضي أبو بكر والجبائي وأبو هاشم عدم القبول وقد نازع في كونه صورة النبيذ ونحوها من الفسق المظنون طائفتان فطائفة قالت ليس هو من الفسق أصلا لأنه مجتهد فيه والمسائل الاجتهادية لا إنكار فيها على المخالف ولا فسق لأن كل مجتهد مصيب أو المصيب واحد لا نعلمه ولا إثم على المخطئ وإلى هذا جنح العبدري في شرح المستصفى وطائفة قالت بل هو من المقطوع به لأن الحد إنما يصح مع التفسيق والفسق رد الشهادة ولهذا قال مالك أحده ولا أقبل شهادته وإلى هذا جنح ابن الحاجب والقرافي وجعل ذلك من الشافعي تناقضا
- لكن الشافعي حقق اختلاف الجهتين فقال الحد للزجر فلم يراع فيه مذهب الشارب للنبيذ والشهادة ترد للكبيرة وهذا يتأول فيمن شرب معتقدا إباحة فعذر بتأويله الثالث أن يقدم غير معتقد بحل ولا حرمة عالما بالخلاف في إباحته وحظره فيحد وفي فسقه ورد شهادته وجهان حكاهما الماوردي ولا يبعد تخريجهما في الرواية أحدهما أنه فاسق مردود الشهادة لأن ترك الإرشاد في الشبهات تهاون والثاني لا يفسق لأن اعتقاد الإباحة أغلظ من التعاطي ولا يفسق معتقد الإباحة الثانية من ظهر عناده فيما ذهب إليه لا تقبل روايته لأنه كذب مع علمه به الثالثة إذا ثبت أن عدالة الراوي شرط فله ثلاثة أحوال لأنه إما أن يعلم عدالته ولا إشكال في قبوله وإما أن يعلم جرحه فلا إشكال في رده وإما أن يجهل حاله وَلَهُ أَحْوَالٌ الرَّاوِي الْمَجْهُولُ الْحَالِ أَحَدُهَا مَجْهُولُ الْحَالِ في الْعَدَالَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا مع كَوْنِهِ مَعْرُوفَ الْعَيْنِ بِرِوَايَةِ عَدْلَيْنِ عنه وَفِيهِ أَقْوَالٌ أَحَدُهَا وهو قَوْلُ الْجَمَاهِيرِ كما حَكَاهُ ابن الصَّلَاحِ أَنَّ رِوَايَتَهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ وَالثَّانِي تُقْبَلُ مُطْلَقًا وَالثَّالِثُ إنْ كان الرَّاوِيَانِ أو الرُّوَاةُ عنه لَا يَرْوُونَ عن غَيْرِ عَدْلٍ قُبِلَ وَإِلَّا فَلَا الرَّاوِي الْمَسْتُورُ الْحَالِ الثَّانِي الْمَجْهُولُ بَاطِنًا وهو عَدْلٌ في الظَّاهِرِ وهو الْمَسْتُورُ فَعِنْدَ أبي حَنِيفَةَ يُقْبَلُ ما لم يُعْلَمْ الْجَرْحُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يُقْبَلُ ما لم تُعْلَمْ الْعَدَالَةُ كَالشَّهَادَةِ وَكَذَا قال الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَمِمَّنْ نَقَلَهُ عن جَزْمِ الشَّافِعِيُّ أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ وَنَقَلَهُ إلْكِيَا عن الْأَكْثَرِينَ وَنَقَلَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ عن مُحَمَّدِ بن الْحَسَنِ وقال نُصَّ في كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ على أَنَّ خَبَرَ الْمَسْتُورِ كَخَبَرِ الْفَاسِقِ وَرُوِيَ عن أبي حَنِيفَةَ أَنَّهُ كَالْعَدْلِ وهو قِيَاسُ قَوْلِهِ في الشَّهَادَةِ قال أبو الْحَسَنِ السُّهَيْلِيُّ في أَدَبِ الْجَدَلِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ على قَوْلِهِ لَا يُحْتَجُّ بِهِ وَإِنْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ على جَهَالَةِ الْحَالِ وَالْفَرْقُ أَنَّ في الشَّهَادَةِ خَصْمًا يُطَالِبُ
- بِالْعَدَالَةِ فَجَازَ لِلْقَاضِي الْقَضَاءُ بِشَهَادَتِهِ إذَا تَرَكَ الْخَصْمُ حَقَّهُ بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ كما قُلْنَا بِالِاتِّفَاقِ في الشَّهَادَةِ بِالْحُدُودِ وَوَافَقَ الْحَنَفِيَّةَ مِنَّا الْأُسْتَاذُ أبو بَكْرِ بن فُورَكٍ كما رَأَيْت نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ في كِتَابِهِ وَكَذَا وَافَقَهُمْ سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ في كِتَابِ التَّقْرِيبِ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ الْإِخْبَارَ مَبْنِيٌّ على حُسْنِ الظَّنِّ بِالرَّاوِي وَلِأَنَّ رِوَايَةَ الْأَخْبَارِ تَكُونُ عِنْدَ من يَتَعَذَّرُ عليه مَعْرِفَةُ الْعَدَالَةِ في الْبَاطِنِ فَاقْتُصِرَ فيه على مَعْرِفَةِ ذلك في الظَّاهِرِ وَيُفَارِقُ الشَّهَادَةَ فَإِنَّهَا تَكُونُ عِنْدَ الْحُكَّامِ وَلَا يَتَعَذَّرُ عليهم ذلك فَاعْتُبِرَ فيها الْعَدَالَةُ في الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ قال ابن الصَّلَاحِ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ على هذا الرَّأْيِ في كَثِيرٍ من كُتُبِ الحديث الْمَشْهُورَةِ في غَيْرِ وَاحِدٍ من الرُّوَاةِ الَّذِينَ تَقَادَمَ الْعَهْدُ بِهِمْ وَتَعَذَّرَتْ الْخِبْرَةُ الْبَاطِنَةُ بِهِمْ وَإِلَى نَحْوِهِ مَالَ ابن عبد الْبَرِّ فِيمَنْ عُرِفَ بِحَمْلِ الْعِلْمِ وَسَنَذْكُرُهُ قُلْت وَذَكَرَ الْأَصْفَهَانِيُّ أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ من الْحَنَفِيَّةِ قَيَّدُوا ما سَبَقَ عَنْهُمْ بِصَدْرِ الْإِسْلَامِ حَيْثُ الْغَالِبُ على الناس الْعَدَالَةُ وَأَمَّا الْمَسْتُورُ في زَمَانِنَا فَلَا يُقْبَلُ لِكَثْرَةِ الْفَسَادِ وَقِلَّةِ الرَّشَادِ وَإِنَّمَا كان يُقْبَلُ في زَمَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ وقال أبو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ في التَّقْوِيمِ الْمَجْهُولُ خَبَرُهُ حُجَّةٌ إنْ نَقَلَ عنه السَّلَفُ وَعَمِلُوا بِهِ أو سَكَتُوا عن رَدِّهِ فَإِنْ لم يَظْهَرْ فَيُعْمَلْ بِهِ ما لم يُخَالِفْ الْقِيَاسَ انْتَهَى وَهَذَا تَفْصِيلٌ في الْمَسْأَلَةِ وقد جَرَتْ عَادَةُ ابْنِ حِبَّانَ في كِتَابِ الثِّقَاتِ أَنْ يُوَثِّقَ من كان في الطَّبَقَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ من التَّابِعِينَ قال بَعْضُ الْأَئِمَّةِ اسْتَقْرَيْت ذلك منه لِغَلَبَةِ السَّلَامَةِ على ذلك الْعَصْرِ مع عَدَمِ ظُهُورِ ما يَقْتَضِي التَّضْعِيفَ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ يُوقَفُ وَيَجِبُ الِانْكِفَافُ إذَا رُوِيَ التَّحْرِيمُ إلَى الظُّهُورِ فَتَحَصَّلْنَا على أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ وَأَطْلَقَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ الْمُهَذَّبِ تَصْحِيحَ قَبُولِ رِوَايَةِ الْمَسْتُورِ وَرُبَّمَا أَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ على انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِمَسْتُورِي الْعَدَالَةِ فَالرِّوَايَةُ أَوْلَى وَأَنْكَرَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ وقال قَبُولُ رِوَايَةِ الْمَسْتُورِ إنَّمَا تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْقَضَاءِ بِالنِّكَاحِ لَا مَنْزِلَةَ انْعِقَادِ النِّكَاحِ وَالنِّكَاحُ لَا يُقْضَى فيه عِنْدَ التَّجَاحُدِ بِشَهَادَةِ مَسْتُورٍ فَكَذَلِكَ لَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ الْمَشْهُورِ وقال الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ إنْ كان الشَّافِعِيُّ قد اعْتَقَدَ أَنَّ شُهُودَ النِّكَاحِ عُدُولٌ في ظَاهِرِ الْإِسْلَامِ فَقَدْ نَاقَضَ ما قَالَهُ في حَدِّ الْعَدَالَةِ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ
- الْإِسْلَامَ أَصْلُ الْعَدَالَةِ وَمُعْظَمُهَا وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ وَحْدَهُ عَدَالَةً فَذَلِكَ بَعِيدٌ من قَوْلِهِ انْتَهَى وَجَوَابُهُ ما ذُكِرَ وَأَطْلَقَ الشَّافِعِيُّ كَلَامَهُ في اخْتِلَافِ الحديث أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْمَجْهُولُ وهو الذي نَقَلَهُ عنه الْبَيْهَقِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ ثُمَّ الْمُرَادُ بِالْمَسْتُورِ من يَكُونُ عَدْلًا في الظَّاهِرِ وَلَا تُعْرَفُ عَدَالَتُهُ بَاطِنًا قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ وَذُكِرَ في كِتَابِ الصِّيَامِ تَبَعًا لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ في النِّهَايَةِ أَنَّ الْعَدَالَةَ الْبَاطِنَةَ هِيَ التي تَرْجِعُ فيها الْقُضَاةُ إلَى قَوْلِ الْمُزَكِّينَ وَسَبَقَ عن النَّصِّ في اخْتِلَافِ الحديث ما يُؤَيِّدُهُ وَفَسَّرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْمَسْتُورَ بِاَلَّذِي لم يَظْهَرْ منه نَقِيضُ الْعَدَالَةِ ولم يَبْقَ الْبَحْثُ على الْبَاطِنِ في عَدَالَتِهِ وَكَلَامُ الْأُصُولِيِّينَ وَمِنْهُمْ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ صَرِيحٌ في أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَدَالَةِ الْبَاطِنَةِ الِاسْتِقَامَةُ بِلُزُومِ أَدَاءِ أَوَامِرِ اللَّهِ وَتَجَنُّبِ مَنَاهِيهِ وما يَثْلِمُ مُرُوءَتَهُ أَيْ سَوَاءٌ ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَمْ لَا قال الْقَاضِي وَلَا يَكْفِيهِ اجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ حتى يَتَوَقَّى مع ذلك لِمَا يقول كَثِيرٌ من الناس إنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ كَبِيرَةٌ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَغِيرَةً كَالضَّرْبِ الْخَفِيفِ وَتَطْفِيفِ الدَّانِقِ وَنَحْوِهِ الثَّالِثُ مَجْهُولُ الْعَيْنِ وهو من لم يَشْتَهِرْ ولم يَرْوِ عنه إلَّا رَاوٍ وَاحِدٌ فَالصَّحِيحُ لَا يُقْبَلُ وَقِيلَ يُقْبَلُ مُطْلَقًا وهو قَوْلُ من لم يَشْتَرِطْ في الرَّاوِي مَزِيدًا على الْإِسْلَامِ وَقِيلَ إنْ كان الْمُنْفَرِدُ بِالرِّوَايَةِ عنه لَا يَرْوِي إلَّا عن عَدْلٍ كَابْنِ مَهْدِيٍّ وَيَحْيَى بن سَعِيدٍ فَاكْتَفَيْنَا في التَّعْدِيلِ بِوَاحِدٍ قُبِلَ وَإِلَّا فَلَا وَقِيلَ إنْ كان مَشْهُورًا في غَيْرِ الْعِلْمِ بِالزُّهْدِ وَالنَّجْدَةِ قُبِلَ وَإِلَّا فَلَا وهو قَوْلُ ابْنِ عبد الْبَرِّ وَقِيلَ إنْ زَكَّاهُ أَحَدٌ من أَئِمَّةِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ مع رِوَايَتِهِ وَأَخَذَهُ عنه قُبِلَ وَإِلَّا فَلَا وهو اخْتِيَارُ أبي الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ الْمُحَدِّثِ صَاحِبِ كِتَابِ الْوَهْمِ وَالْإِيهَامِ قال الْخَطِيبُ وَأَقَلُّ ما تَرْتَفِعُ بِهِ الْجَهَالَةُ أَنْ يَرْوِيَ عنه اثْنَانِ فَصَاعِدًا من الْمَشْهُورِينَ بِالْعِلْمِ إلَّا أَنَّهُ لم يَثْبُتْ له حُكْمُ الْعَدَالَةِ بِرِوَايَتِهِمَا عنه وقد رَوَيْنَا ذلك عن مُحَمَّدِ بن يحيى الذُّهْلِيِّ وَغَيْرِهِ قُلْت وَظَاهِرُ تَصَرُّفِ ابْنِ حِبَّانَ في ثِقَاتِهِ وَصَحِيحِهِ ارْتِفَاعُ الْجَهَالَةِ بِرِوَايَةِ عَدْلٍ وَاحِدٍ وَحُكِيَ ذلك عن النَّسَائِيّ أَيْضًا وقال أبو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ ذَهَبَ جُمْهُورُ أَصْحَابِ الحديث إلَى أَنَّ الرَّاوِيَ إذَا رَوَى عنه وَاحِدٌ فَقَطْ فَهُوَ مَجْهُولٌ وإذا رَوَى عنه اثْنَانِ فَصَاعِدًا فَهُوَ مَعْلُومٌ انْتَفَتْ عنه الْجَهَالَةُ قال وَهَذَا ليس بِصَحِيحٍ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ من أَصْحَابِ الْأُصُولِ لِأَنَّهُ قد يَرْوِي الْجَمَاعَةُ عن الرَّجُلِ لَا يَعْرِفُونَ وَلَا يُخْبِرُونَ شيئا من
- أَمْرِهِ وَيُحَدِّثُونَ بِمَا رَوَوْا عنه وَلَا تُخْرِجُهُ رِوَايَتُهُمْ عنه عن الْجَهَالَةِ إذَا لم يَعْرِفُوا عَدَالَتَهُ قُلْت مُرَادُ الْمُحَدِّثِينَ ارْتِفَاعُ جَهَالَةِ الْعَيْنِ لَا الْحَالِ وَعُمْدَتُهُمْ أَنَّ رِوَايَةَ الِاثْنَيْنِ بِمَنْزِلَةِ التَّرْجَمَةِ في الشَّهَادَةِ قَبُولُ رِوَايَةِ التَّائِبِ عن الْكَذِبِ الرَّابِعَةُ من عُرِفَ بِالْكَذِبِ في أَحَادِيثِ الناس لم تُقْبَلْ رِوَايَتُهُ وَإِنْ كان يُصَدَّقُ في حديث النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم حَكَاهُ عبد الْوَهَّابِ عن مَالِكٍ وَأَمَّا إذَا تَعَمَّدَ الْكَذِبَ في أَحَادِيثِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَلَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ أَبَدًا وَإِنْ تَابَ وَحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ كما قَالَهُ جَمَاعَةٌ من الْأَئِمَّةِ منهم أَحْمَدُ بن حَنْبَلٍ وأبو بَكْرٍ الْحُمَيْدِيُّ بِخِلَافِ التَّائِبِ من الْكَذِبِ في حديث الناس قال ابن الصَّلَاحِ وَأَطْلَقَ أبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ في شَرْحِهِ لِرِسَالَةِ الشَّافِعِيِّ كُلُّ من أَسْقَطْنَا خَبَرَهُ من أَهْلِ النَّقْلِ بِكَذِبٍ وَجَدْنَاهُ عليه لم نَعُدْ لِقَبُولِهِ بِتَوْبَةٍ تَظْهَرُ منه وَمَنْ ضَعَّفْنَا نَقْلَهُ لم نَجْعَلْهُ قَوِيًّا بَعْدَ ذلك وَذَكَرَ أَنَّ ذلك مِمَّا فَارَقَتْ فيه الرِّوَايَةُ الشَّهَادَةَ قال وَذَكَرَ أبو الْمُظَفَّرِ بن السَّمْعَانِيِّ أَنَّ من يَكْذِبُ في خَبَرٍ وَاحِدٍ وَجَبَ إسْقَاطُ ما تَقَدَّمَ من حَدِيثِهِ قُلْت وَكَذَا قال الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ من كَذَبَ في حَدِيثٍ رُدَّ بِهِ جَمِيعُ أَحَادِيثِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَوَجَبَ نَقْضُ ما عُمِلَ بِهِ منها وَإِنْ لم يَنْتَقِضْ الْحُكْمُ بِشَهَادَةِ من حُدِّثَ فِسْقُهُ لِأَنَّ الحديث حُجَّةٌ لَازِمَةٌ لِجَمِيعِ الناس فَكَانَ حُكْمُهُ أَغْلَظَ ا هـ وَحَكَى الرُّويَانِيُّ في بَابِ الرُّجُوعِ عن الشَّهَادَةِ عن الْقَفَّالِ أَنَّ الرَّاوِيَ إذَا كَذَبَ في حديث النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لم يُقْبَلْ حَدِيثُهُ أَبَدًا وَكَذَا قال أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ في كِتَابِهِ من قال كَذَبْت في هذا الحديث فَقَدْ فَسَقَ ولم يُؤْخَذْ بَعْدَ ذلك بِحَدِيثٍ حَدَّثَ بِهِ قَبْلَهُ أو بَعْدَهُ قال ثُمَّ إنْ كان له رَاوٍ غَيْرَهُ اُكْتُفِيَ بِهِ وَإِنْ لم يَكُنْ له رَاوٍ غَيْرَهُ فَقَدْ كان بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَجْعَلُ ذلك كَالشَّهَادَةِ وَيَقْبَلُهُ وَبَعْضُهُمْ قال وَلَيْسَ هذا مُتَعَلِّقًا بِالشَّهَادَةِ وَإِلَّا لَوَجَبَ أَنْ يَنْتَقِضَ الْحُكْمُ وَلَا يُسْمَعُ ما لم يَنْفُذْ الْحُكْمُ وَيُقْبَلُ رُجُوعُهُ فِيمَا حُكِمَ وَفِيمَا لم يُحْكَمْ يُعْلَمُ أَنَّ أَخْبَارَهُ كُلَّهَا مَرْدُودَةٌ قال وَجُمْلَتُهُ أَنَّ من قال إذَا رُجِعَ عن خَبَرٍ لَا أَحْكُمُ بِهِ وَمَتَى حَكَمْت بِهِ لم أَنْقُضْ فَأَجْرَاهُ مَجْرَى الشَّهَادَةِ إذَا فَسَقَ قال وَأَمَّا إذَا ارْتَدَّ أو عَمِلَ بِمَا يُوجِبُ رِدَّتَهُ أو فِسْقَهُ لم يُمْنَعْ من قَبُولِ ما تَقَدَّمَ من أَخْبَارِهِ ا ه
- وما حَكَاهُ عن بَعْضِ الْأَصْحَابِ هو الذي أَجَابَ بِهِ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ الشَّامِيُّ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ خَبَرَهُ فِيمَا رُدَّ وَيَقْبَلُ في غَيْرِهِ اعْتِبَارًا بِالشَّهَادَةِ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَظَهَرَ بهذا أَنَّ قَوْلَ النَّوَوِيِّ الْمُخْتَارُ الْقَطْعُ بِصِحَّةِ تَوْبَتِهِ وَقَبُولِ رِوَايَاتِهِ بَعْدَهَا ليس بِمُوَافِقٍ اعْتِبَارُ الْعَدَالَةِ في الْمُعَامَلَاتِ الْخَامِسَةُ قال الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ الْعَدَالَةُ إنَّمَا تُعْتَبَرُ في خَبَرِ الْوَاحِدِ في الشَّهَادَاتِ وَالْعِبَادَاتِ وَالسُّنَنِ أَمَّا في الْمُعَامَلَاتِ فَلَا بَلْ الْمُعْتَبَرُ فيها سُكُونُ النَّفْسِ إلَى خَبَرِهِ فإذا قال هذه هَدِيَّةُ فُلَانٍ جَازَ قَبُولُهَا وَالتَّصَرُّفُ فيها وَكَذَا الْإِذْنُ في دُخُولِ الدَّارِ وَتَأْتِي مَسْأَلَةٌ في الصَّبِيِّ ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ في بَابِ التَّيَمُّمِ من الْحَاوِي أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا عَدِمَ الْمَاءَ فَأَرَادَ الطَّلَبَ قبل التَّيَمُّمِ فَأَخْبَرَهُ فَاسِقٌ أَنَّهُ لَا مَاءَ في تِلْكَ الْجِهَةِ فإنه يُعْتَمَدُ عليه فيه بِخِلَافِهِ ما إذَا أخبره بِوُجُودِ الْمَاءِ فإنه لَا يَعْتَمِدُهُ وَسَبَبُهُ أَنَّ عَدَمَ الْمَاءِ هو الْأَصْلُ فَيَتَقَوَّى خَبَرُ الْفَاسِقِ بِهِ بِخِلَافِ وُجُودِ الْمَاءِ السَّادِسَةُ قَالَا أَيْضًا تَجُوزُ الرِّوَايَةُ عن غَيْرِ الْعَدْلِ في الْمَشَاهِيرِ وَلَا تَجُوزُ في الْمَنَاكِيرِ السَّابِعَةُ أَصْحَابُ الْحِرَفِ الدَّنِيئَةِ كَالدَّبَّاغِ وَالْجَزَّارِ وما أَشْبَهَهُمَا إذَا حَسُنَتْ طَرِيقَتُهُمْ في الدِّينِ لَا نَصَّ فيه وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّ أَخْبَارَهُمْ تَنْبَنِي على الْوَجْهَيْنِ في شَهَادَتِهِمْ فَإِنْ قُلْنَا تُقْبَلُ فَرِوَايَتُهُمْ أَوْلَى وَإِنْ قُلْنَا لَا تُقْبَلُ فَفِي رِوَايَاتِهِمْ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْقَبُولُ لِأَنَّ هذه مَكَاسِبُ مُبَاحَةٌ وَبِالنَّاسِ إلَيْهَا حَاجَةٌ وَالثَّانِي لَا تُقْبَلُ لِمَا فيها من اخْتِرَامِ الْمُرُوءَةِ الثَّامِنَةُ تَعَاطِي الْمُبَاحَاتِ الْمُسْقِطَةِ لِلْمُرُوءَةِ كَالْجُلُوسِ لِلنُّزْهَةِ على قَارِعَةِ الطُّرُقِ وَالْأَكْلِ فيه وَصُحْبَةِ أَرَاذِلِ الْعَامَّةِ قال الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ فَعِنْدَ قَوْمٍ أَنَّهُ شَرْطٌ في عَدَالَةِ الرَّاوِي وَعِنْدَنَا أَنَّ ذلك مَوْكُولٌ إلَى اجْتِهَادِ الْعَالِمِ وَالْحَاكِمِ
- فَصْلٌ الطَّرِيقُ الذي تَثْبُتُ الْعَدَالَةُ بِهِ وإذا عَرَفْت أَنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطٌ فَلَا بُدَّ من طَرِيقِهَا فَنَقُولُ تَثْبُتُ عَدَالَةُ الرَّاوِي بِالِاخْتِبَارِ أو التَّزْكِيَةِ أَمَّا الِاخْتِبَارُ فَهُوَ الْأَصْلُ إذْ التَّزْكِيَةُ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِهِ وهو إنَّمَا يَحْصُلُ بِاعْتِبَارِ أَحْوَالِهِ وَاخْتِبَارِ سِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ بِطُولِ الصُّحْبَةِ وَالْمُعَاشَرَةِ سَفَرًا وَحَضَرًا وَالْمُعَامَلَةِ معه وَلَا يُشْتَرَطُ عَدَمُ مُوَافَقَةِ الصَّغِيرَةِ وَلَكِنْ إذَا لم يُعْثَرْ منه على كَبِيرَةٍ تُهَوِّنُ على مُرْتَكِبِهَا الْأَكَاذِيبَ وَافْتِعَالَ الْأَحَادِيثِ وَلَا تُسْقِطُ الثِّقَةَ وَأَمَّا التَّزْكِيَةُ فَبِأُمُورٍ منها تَنْصِيصُ عَدْلَيْنِ على عَدَالَتِهِ كَالشَّهَادَةِ وَأَعْلَاهُ أَنْ يَذْكُرَ السَّبَبَ معه وهو تَعْدِيلٌ بِاتِّفَاقٍ وَدُونَهُ أَنْ لَا يَذْكُرَهُ وَإِنَّمَا انْحَطَّ عَمَّا قَبْلَهُ لِلِاخْتِلَافِ فيه وَأَنَّهُ لَا بُدَّ من ذِكْرِ السَّبَبِ على قَوْلٍ وَيَكْفِي أَنْ يَقُولَ هو عَدْلٌ وَقِيلَ لَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ عَدْلٌ لي وَعَلَيَّ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَهَذَا تَأْكِيدٌ وقال الْقُرْطُبِيُّ عِنْدَنَا لَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ عَدْلٌ مَرْضِيٌّ وَلَا يَكْفِي الِاقْتِصَارُ على أَحَدِهِمَا وَلَا يَلْزَمُهُ زِيَادَةٌ عَلَيْهِمَا وَهَلْ تَثْبُتُ بِوَاحِدٍ فيه أَقْوَالٌ أَحَدُهَا لَا لِاسْتِوَاءِ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ وَحَكَاهُ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ عن أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ من أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهِمْ وقال الْإِبْيَارِيُّ هو قِيَاسُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالثَّانِي الِاكْتِفَاءُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي لِأَنَّهَا نِهَايَةُ الْخَبَرِ قال الْقَاضِي وَاَلَّذِي يُوجِبُهُ الْقِيَاسُ وُجُوبُ قَبُولِ تَزْكِيَةِ كل عَدْلٍ مَرْضِيٍّ ذَكَرٍ أو أُنْثَى حُرٍّ أو عَبْدٍ لِشَاهِدٍ وَمُخْبِرٍ وَالثَّالِثُ الْفَرْقُ بين الشَّهَادَةِ فَيُشْتَرَطُ فيها اثْنَانِ وَالرِّوَايَةُ يُكْتَفَى فيها بِوَاحِدٍ كما يُكْتَفَى بِهِ في الْأَصْلِ لِأَنَّ الْفَرْعَ لَا يَزِيدُ على الْأَصْلِ وَهَذَا هو الصَّحِيحُ وَنَقَلَهُ الْآمِدِيُّ وَالْهِنْدِيُّ عن الْأَكْثَرِينَ قال ابن الصَّلَاحِ وهو الصَّحِيحُ الذي اخْتَارَهُ الْخَطِيبُ وَغَيْرُهُ لِأَنَّ الْعَدَدَ لَا يُشْتَرَطُ في قَبُولِ الْخَبَرِ فَلَا تُشْتَرَطُ في جَرْحِ رِوَايَتِهِمْ وَتَعْدِيلِهِمْ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ
- وَحَاصِلُ الْخِلَافِ كما قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ أَنَّ تَعْدِيلَ الرَّاوِي هل يَجْرِي مَجْرَى الْخَبَرِ أو مَجْرَى الشَّهَادَةِ لِأَنَّهُ حُكْمٌ على غَائِبٍ قَالَا وفي جَوَازِ كَوْنِ الْمُحَدِّثِ أَحَدَهُمَا وَجْهَانِ كما لو عُدِلَ بِشُهُودِ الْأَصْلِ وَجَعَلَا الْخِلَافَ السَّابِقَ في التَّعْدِيلِ وَجَزَمَا في الْجَرْحِ بِالتَّعَدُّدِ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ على بَاطِنٍ مَغِيبٍ وَأَجْرَى الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ الْخِلَافَ فيه كَالتَّعْدِيلِ بِوَاحِدٍ تَزْكِيَةُ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَحَيْثُ اكْتَفَيْنَا بِتَعْدِيلِ الْوَاحِدِ فَأُطْلِقَ في الْمَحْصُولِ قَبُولُ تَزْكِيَةِ الْمَرْأَةِ وَحَكَى الْقَاضِي أبو بَكْرٍ عن أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ النِّسَاءُ في التَّعْدِيلِ لَا في الشَّهَادَةِ وَلَا في الرِّوَايَةِ ثُمَّ اخْتَارَ قَبُولَ قَوْلِهَا فِيهِمَا كما تُقْبَلُ رِوَايَتُهَا وَشَهَادَتُهَا في بَعْضِ الْمَوَاضِعِ وَأَمَّا تَزْكِيَةُ الْعَبْدِ فقال الْقَاضِي يَجِبُ قَبُولُهَا في الْخَبَرِ دُونَ الشَّهَادَةِ لِأَنَّ خَبَرَهُ مَقْبُولٌ وَشَهَادَتَهُ مَرْدُودَةٌ وَبِهِ جَزَمَ صَاحِبُ الْمَحْصُولِ وَغَيْرُهُ قال الْخَطِيبُ وَالْأَصْلُ في هذا سُؤَالُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بَرِيرَةَ في قِصَّةِ الْإِفْكِ عن حَالِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَجَوَابُهَا له وَمِنْهَا أَنْ يَحْكُمَ الْحَاكِمُ بِشَهَادَتِهِ قَالَهُ الْقَاضِي وَالْإِمَامُ وَغَيْرُهُمَا وقال الْقَاضِي وهو أَقْوَى من تَزْكِيَتِهِ بِاللَّفْظِ وَحَكَى الْهِنْدِيُّ فيه الِاتِّفَاقَ لِأَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِشَهَادَتِهِ إلَّا وهو عَدْلٌ عِنْدَهُ قال وهو أَقْوَى من الطَّرِيقَيْنِ اللَّذَيْنِ بَعْدَهُ وَقَيَّدَهُ الْآمِدِيُّ بِمَا إذَا لم يَكُنْ الْحَاكِمُ مِمَّنْ يَرَى قَبُولَ الْفَاسِقِ الذي لَا يَكْذِبُ وهو قَيْدٌ صَحِيحٌ يَأْتِي في الْعَمَلِ بِخَبَرِهِ وقال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ وَهَذَا قَوِيٌّ إذَا مَنَعْنَا حُكْمَ الْحَاكِمِ بِعِلْمِهِ أَمَّا إذَا أَجَزْنَا فَعِلْمُهُ بِالشَّهَادَةِ ظَاهِرًا يَقُومُ معه احْتِمَالٌ أَنَّهُ حُكْمٌ بِعِلْمِهِ بَاطِنًا قُلْت وَحِينَئِذٍ يُتَّجَهُ التَّفْصِيلُ بين أَنْ يَعْلَمَ يَقِينًا أَنَّهُ حُكْمٌ بِشَهَادَتِهِ فَتَعْدِيلٌ وَأَنْ لَا يَعْلَمَهُ فَلَا وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الْعَبْدَرِيُّ شَارِحُ الْمُسْتَصْفَى
- وَمِنْهَا الِاسْتِفَاضَةُ فَمَنْ اُشْتُهِرَتْ عَدَالَتُهُ بين أَهْلِ الْعِلْمِ وَشَاعَ الثَّنَاءُ عليه بِالثِّقَةِ وَالْأَمَانَةِ اُسْتُغْنِيَ بِذَلِكَ عن تَعْدِيلِهِ قَضَاءً قال ابن الصَّلَاحِ وَهَذَا هو الصَّحِيحُ من مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ في أُصُولِ الْفِقْهِ وَمِمَّنْ ذَكَرَهُ من الْمُحَدِّثِينَ الْخَطِيبُ وَنَقَلَهُ مَالِكٌ وَشُعْبَةَ وَالسُّفْيَانَانِ وَأَحْمَدُ وابن مَعِينٍ وابن الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُهُمْ فَلَا يُسْأَلُ عَنْهُمْ وقد سُئِلَ أَحْمَدُ عن إِسْحَاقَ بن رَاهْوَيْهِ فقال مِثْلُ إِسْحَاقَ يُسْأَلُ عنه وقال الْقَاضِي أبو بَكْرٍ الشَّاهِدُ وَالْمُخْبِرُ يَحْتَاجَانِ إلَى التَّزْكِيَةِ مَتَى لم يَكُونَا مَشْهُورَيْنِ بِالْعَدَالَةِ وَالرِّضَا وكان أَمْرُهُمَا مُشْكِلًا مُلْتَبِسًا وَيَجُوزُ فيه الْعَدَالَةُ وَغَيْرُهَا لِأَنَّ الْعِلْمَ بِذَلِكَ من الِاسْتِفَاضَةِ أَقْوَى من تَعْدِيلِ وَاحِدٍ وَاثْنَيْنِ يَجُوزُ عَلَيْهِمَا الْكَذِبُ وَالْمُحَابَاةُ في تَعْدِيلِهِ وقال ابن عبد الْبَرِّ كُلُّ حَامِلِ عِلْمٍ مَعْرُوفٌ بِالْعِنَايَةِ بِهِ فَهُوَ عَدْلٌ مَحْمُولٌ في أَمْرِهِ على الْعَدَالَةِ حتى يَتَبَيَّنَ جَرْحُهُ لِقَوْلِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم يَحْمِلُ هذا الْعِلْمَ من كل خَلْفٍ عُدُولُهُ يَنْفُونَ عنه تَحْرِيفَ الْغَالِينَ وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ وَتَبِعَهُ على ذلك جَمَاعَةٌ من الْمَغَارِبَةِ وَهَذَا أَوْرَدَهُ الْعُقَيْلِيُّ في ضُعَفَائِهِ من جِهَةِ مُعَافَى بن رِفَاعَةَ السُّلَامِيِّ عن إبْرَاهِيمَ بن عبد الرحمن الْعُذُرِيِّ وقال لَا يُعْرَفُ إلَّا بِهِ وهو مُرْسَلٌ أو مُعْضَلٌ ضَعِيفٌ وَإِبْرَاهِيمُ الذي أَرْسَلَهُ قال فيه ابن الْقَطَّانِ لَا نَعْرِفُهُ أَلْبَتَّةَ في شَيْءٍ من الْعِلْمِ غير هذا لَكِنْ في كِتَابِ الْعِلَلِ لِلْخَلَّالِ سُئِلَ أَحْمَدُ عن هذا الحديث فَقِيلَ له كما تَرَى إنَّهُ مَوْضُوعٌ فقال لَا هو صَحِيحٌ قال ابن الصَّلَاحِ وَفِيمَا قَالَهُ اتِّسَاعٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ وَمِنْهَا أَنْ يُعْمَلَ بِخَبَرِهِ إذَا تَحَقَّقَ أَنَّ مُسْتَنَدَهُ ذلك الْخَبَرُ ولم يَكُنْ عَمَلُهُ على الِاحْتِيَاطِ فَهُوَ تَعْدِيلٌ حَكَاهُ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ عن الْأَصْحَابِ وَنَقَلَ الْآمِدِيُّ فيه الِاتِّفَاقَ وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ فَقَدْ حَكَى الْخِلَافَ فيه الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ وَالْغَزَالِيُّ في
- الْمَنْخُولِ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن الْقُشَيْرِيّ فيه أَقْوَالٌ أَحَدُهَا أَنَّهُ تَعْدِيلٌ له وَالثَّانِي ليس بِتَعْدِيلٍ وَالثَّالِثُ قال وهو الصَّحِيحُ إنْ أَمْكَنَ أَنَّهُ عَمَلٌ بِدَلِيلٍ آخَرَ وَوَافَقَ عَمَلَهُ من حَيْثُ الْخَبَرُ الذي رَوَاهُ فَعَمَلُهُ ليس بِتَعْدِيلٍ وَإِنْ بَانَ بِقَوْلِهِ أو بِقَرِينَةٍ إنَّمَا عُمِلَ بِالْخَبَرِ الذي رَوَاهُ ولم يُعْمَلْ بِغَيْرِهِ فَإِنْ كان ذلك من مَسَائِلِ الِاحْتِيَاطِ فَهُوَ تَعْدِيلٌ وَإِلَّا فَلَا وهو اخْتِيَارُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ قال وَفَرْقٌ بين قَوْلِنَا عَمَلٌ بِالْخَبَرِ وَبَيْنَ قَوْلِنَا عَمَلٌ بِمُوجِبِ الْخَبَرِ فإن الْأَوَّلَ يَقْتَضِي أَنَّهُ مُسْتَنَدُهُ وَالثَّانِيَ لَا يَقْتَضِي ذلك لِجَوَازِ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ لِدَلِيلٍ غَيْرِهِ وقال الْغَزَالِيُّ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ إنْ أَمْكَنَ حَمْلُ عَمَلِهِ على الِاحْتِيَاطِ فَلَا وَإِنْ لم يُمْكِنْ فَهُوَ كَالتَّعْدِيلِ لِأَنَّهُ يُحَصِّلُ الثِّقَةَ وَكَذَا قال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ إنْ كان الذي عُمِلَ بِهِ من بَابِ الِاحْتِيَاطِ ولم يَكُنْ من الْمَحْظُورَاتِ التي يَخْرُجُ الْمُتَحَلِّي بها عن سِمَةِ الْعَدَالَةِ لم يَكُنْ تَعْدِيلًا وَإِلَّا كان تَعْدِيلًا على التَّفْصِيلِ السَّابِقِ قال هذا كُلُّهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ ما عُمِلَ بِهِ يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ بِظَاهِرٍ أو قِيَاسٍ جَلِيٍّ وقد يَنْقَدِحُ في خَاطِرِ الْفَقِيهِ أَنَّهُ وَإِنْ لم يُتَوَصَّلْ إلَيْهِ بِقِيَاسٍ أو ظَاهِرٍ أَمْكَنَ أَنَّهُ عَمَلٌ بِرِوَايَةِ غَيْرِهِ لِهَذَا الحديث لَا من رِوَايَتِهِ وَيُتَّجَهُ على هذا أَنَّهُ إذَا لم يَظْهَرْ عنه رِوَايَةٌ فَلَا مَحْمَلَ له إلَّا رِوَايَتُهُ قال وَمِنْ فُرُوعِ هذا قَبُولُ الْمُرْسَلِ وقال الْمَاوَرْدِيُّ شَرَطَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنْ لَا يَكُونَ ذلك الْعَمَلُ مِمَّا لَا يُؤْخَذُ فيه بِالِاحْتِيَاطِ حتى يَجُوزَ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي احْتَاطَ لِلْعَمَلِ بِأَنْ أَخَذَ بِالرِّوَايَةِ قال وَهَذَا في الْحَقِيقَةِ رَاجِعٌ لِقَوْلِنَا أَوَّلًا إذَا عُلِمَ أَنَّهُ إنَّمَا عُدِلَ عن الحديث وَالْأَخْذُ بِالِاحْتِيَاطِ ضَرْبٌ منه وَفَصَّلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بين أَنْ يُعْمَلَ بِذَلِكَ في التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ فَلَا يُقْبَلُ لِأَنَّهُ يُتَسَامَحُ فيه بِالضَّعْفِ أو غَيْرِهِمَا فَيَكُونُ تَعْدِيلًا وهو حَسَنٌ وَأَمَّا تَرْكُ الْعَمَلِ بِمَا رَوَاهُ فَهَلْ يَكُونُ جَرْحًا قال الْقَاضِي إنْ تَحَقَّقَ تَرْكُهُ لِلْعَمَلِ بِالْخَبَرِ مع ارْتِفَاعِ الدَّوَافِعِ وَالْمَوَانِعِ وَتَقَرَّرَ عِنْدَنَا تَرْكُهُ مُوجَبَ الْخَبَرِ مع أَنَّهُ لو كان ثَابِتًا لَلَزِمَ الْعَمَلُ بِهِ فَيَكُونُ ذلك جَرْحًا وَإِنْ كان مَضْمُونُ الْخَبَرِ مِمَّا يَسُوغُ تَرْكُهُ ولم
- يُتَبَيَّنْ قَصْدُهُ إلَى مُخَالَفَةِ الْخَبَرِ فَلَا يَكُونُ جَرْحًا كما لو عَمِلَ بِالْخَبَرِ وَجَوَّزْنَا أَنَّهُ كان ذلك بِخَبَرٍ آخَرَ فإنه ليس بِتَعْدِيلٍ وَمِنْهَا أَنْ يَرْوِيَ عنه من لَا يَرْوِي عن غَيْرِ الْعَدْلِ كَيَحْيَى بن سَعِيدٍ الْقَطَّانِ وَشُعْبَةَ وَمَالِكٍ فإنه يَكُونُ تَعْدِيلًا على الْمُخْتَارِ عِنْدَ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَابْنِ الْقُشَيْرِيّ وَالْغَزَالِيِّ وَالْآمِدِيِّ وَالْهِنْدِيِّ وَالْبَاجِيِّ وَغَيْرِهِمْ لِشَهَادَةِ ظَاهِرِ الْحَالِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ في صَحِيحَيْهِمَا وقال الْمَازِرِيُّ هو قَوْلُ الْحُذَّاقِ وَهَذَا على قَوْلِنَا لَا حَاجَةَ لِبَيَانِ سَبَبِ التَّعْدِيلِ فَإِنْ رَوَى عنه من لم يَشْتَرِطْ الرِّوَايَةَ عن الْعَدْلِ فَلَيْسَ بِتَعْدِيلٍ لِأَنَّا رَأَيْنَاهُمْ يَرْوُونَ عن أَقْوَامٍ وَيَجْرَحُونَهُمْ لو سُئِلُوا عَنْهُمْ قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ نعم هَاهُنَا أَمْرٌ آخَرُ وهو النَّظَرُ في الطَّرِيقِ التي منها يُعْرَفُ كَوْنُهُ لَا يَرْوِي إلَّا عن عَدْلٍ فَإِنْ كان ذلك بِتَصْرِيحِهِ فَهُوَ أَقْصَى الدَّرَجَاتِ وَإِنْ كان ذلك بِاعْتِبَارِنَا بِحَالِهِ في الرِّوَايَةِ وَنَظَرْنَا إلَى أَنَّهُ لم يَرْوِهِ من عَرَفْنَاهُ إلَّا عن عَدْلٍ فَهَذَا دُونَ الدَّرَجَةِ الْأُولَى وَهَلْ يُكْتَفَى بِذَلِكَ في قَبُولِ رِوَايَتِهِ عَمَّنْ لَا نَعْرِفُهُ فيه وَقْفَةٌ لِبَعْضِ أَصْحَابِ الحديث مِمَّنْ قَارَبَ زَمَانُنَا زَمَانَهُ وَفِيهِ تَشْدِيدٌ ا هـ وقال الْمَازِرِيُّ نَعْرِفُ ذلك من عَادَتِهِ وقال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ يُعْرَفُ ذلك بِإِخْبَارِهِ صَرِيحًا أو عَرَفْنَاهُ بِالْقَرَائِنِ الْكَاشِفَةِ عن سِيرَتِهِ قال وَجَرَتْ عَادَةُ الْمُحَدِّثِينَ في التَّعْدِيلِ أَنْ يَقُولُوا فُلَانٌ عَدْلٌ رَوَى عنه مَالِكٌ أو الزُّهْرِيُّ أو هو من رِجَالِ الْمُوَطَّإِ أو من رِجَالِ الصَّحِيحَيْنِ وَالتَّحْقِيقُ في هذا أَنَّهُ إنْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِالرِّوَايَةِ عن الْعَدْلِ وَغَيْرِهِ فَلَيْسَتْ رِوَايَتُهُ تَعْدِيلًا وَكَذَلِكَ إذَا لم يُعْلَمْ ذلك من حَالِهِ فإن من الْمُمْكِنِ رِوَايَتَهُ عن رَجُلٍ لم يُعْتَقَدْ عَدَالَتُهُ حتى إذَا اسْتَقْرَى أَحْوَالَهُ وَعَرَفَ عَدَالَتَهُ بِبَيِّنَةٍ فَلَا يَظْهَرُ بِذَلِكَ عَدَالَةُ الْمَرْوِيِّ عنه وَإِنْ اطَّرَدَتْ عَادَتُهُ بِالرِّوَايَةِ عَمَّنْ عَدَّلَهُ وَلَا يَرْوِي عن غَيْرِهِ أَصْلًا فَإِنْ لم يُعْلَمْ مَذْهَبُهُ في التَّعْدِيلِ فَلَا يَلْزَمُنَا اتِّبَاعُهُ لِأَنَّهُ لو صَرَّحَ بِالتَّعْدِيلِ لم يُقْبَلْ فَكَيْفَ إذَا رُوِيَ وَإِنْ عَلِمْنَا مَذْهَبَهُ في التَّعْدِيلِ ولم يَكُنْ مُوَافِقًا لِمَذْهَبِنَا لم يُعْتَمَدْ تَعْدِيلُهُ وَرِوَايَتُهُ عنه وَإِنْ كان مُوَافِقًا عُمِلَ بِهِ ا هـ وَقِيلَ الرِّوَايَةُ تَعْدِيلٌ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ لو كان عِنْدَهُ غير عَدْلٍ لَكَانَ رِوَايَتُهُ عنه مع السُّكُوتِ عَبَثًا وَظَاهِرُ الْعَدْلِ التَّقِيِّ الِاحْتِرَازُ عن ذلك حَكَاهُ الْخَطِيبُ وَغَيْرُهُ ثُمَّ قال وقد لَا يَعْلَمُهُ بِعَدَالَةٍ وَلَا جَرْحٍ وَحَكَاهُ أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ وابن فُورَكٍ عن الْقَاضِي إسْمَاعِيلَ بن إِسْحَاقَ في هذا وفي الشَّهَادَةِ على الشَّهَادَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ وَإِنْ لم يَذْكُرْهُ
- بِالْعَدَالَةِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ على الْعَدَالَةِ حتى يُعْلَمَ خِلَافُهَا قَالَا وَهَذَا غَلَطٌ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ عَدْلًا وَعِنْدَ غَيْرِهِ ليس بِعَدْلٍ وَقِيلَ ليس بِتَعْدِيلٍ مُطْلَقًا كما أَنَّ تَرْكَهَا ليس بِجَرْحٍ وَبِهِ جَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وأبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ في كِتَابِهِ وَحُكِيَ عن أَكْثَرِ أَهْلِ الحديث وقال الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ إنَّهُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَإِنَّهُ الصَّحِيحُ قال وَالْأَقْرَبُ فيه رِوَايَةُ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ عنه أو رِوَايَةُ الْعُدُولِ الْكَثِيرِ في أنها غَيْرُ تَعْدِيلٍ له قُلْت وَيَخْرُجُ من تَصَرُّفِ الْبَزَّارِ في مُسْنَدِهِ التَّعْدِيلُ إذَا رَوَى عنه كَثِيرٌ من الْعُدُولِ فَوَجَبَ إثْبَاتُ قَوْلٍ بِالتَّفْصِيلِ فَائِدَةٌ الْمُحَدِّثُونَ الَّذِينَ لَا يَرْوُونَ إلَّا عن عُدُولٍ ذَكَرَ ابن عبد الْبَرِّ الَّذِينَ عَادَتُهُمْ لَا يَرْوُونَ إلَّا عن عُدُولٍ ثَلَاثَةٌ شُعْبَةُ وَمَالِكٌ وَيَحْيَى بن سَعِيدٍ وَذَكَرَ الْخَطِيبُ عن عبد الرحمن بن مَهْدِيٍّ ذلك وَذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ وزاد عليه مَالِكٌ وَيَحْيَى قال وقد يُوجَدُ في رِوَايَةِ بَعْضِهِمْ الرِّوَايَةُ عن بَعْضِ الضُّعَفَاءِ لِخَفَاءِ حَالِهِ كَرِوَايَةِ مَالِكٍ عن عبد الْكَرِيمِ بن أبي الْمُخَارِقِ مَسْأَلَةٌ التَّعْدِيلُ الْمُبْهَمُ التَّعْدِيلُ الْمُبْهَمُ كَقَوْلِهِ حدثني الثِّقَةُ وَنَحْوُهُ من غَيْرِ أَنْ يُسَمِّيَهُ لَا يَكْفِي في التَّوْثِيقِ كما جَزَمَ بِهِ أبو بَكْرٍ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ وَالْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ وَالصَّيْرَفِيُّ وَالْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وابن الصَّبَّاغِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ قال وهو كَالْمُرْسَلِ قال ابن الصَّبَّاغِ وقال أبو حَنِيفَةَ يُقْبَلُ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ وَإِنْ كان عَدْلًا عِنْدَهُ فَرُبَّمَا لو سَمَّاهُ لَكَانَ مِمَّنْ جَرَحَهُ غَيْرُهُ بَلْ قال الْخَطِيبُ لو صَرَّحَ بِأَنَّ جَمِيعَ شُيُوخِهِ ثِقَاتٌ ثُمَّ رَوَى عَمَّنْ لم يُسَمِّهِ أَنَّا لَا نَعْمَلُ بِرِوَايَتِهِ لِجَوَازِ أَنْ نَعْرِفَهُ إذَا ذَكَرَهُ بِخِلَافِ الْعَدَالَةِ قال نعم لو قال الْعَالِمُ كُلُّ من أَرْوِي عنه وَأُسَمِّيهِ فَهُوَ عَدْلٌ مَرْضِيٌّ مَقْبُولُ الحديث كان هذا الْقَوْلُ تَعْدِيلًا لِكُلِّ من رَوَى عنه وَسَمَّاهُ كما سَبَقَ
- وفي الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ أُخْرَى أَحَدُهَا أَنَّهُ يُقْبَلُ مُطْلَقًا كما لو عَيَّنَهُ لِأَنَّهُ مَأْمُونٌ في الْحَالِ وَالثَّانِي التَّفْصِيلُ بين من يُعْرَفُ من عَادَتِهِ إذَا قال أخبرني الثِّقَةُ أَنَّهُ أَرَادَ رَجُلًا بِعَيْنِهِ وكان ثِقَةً فَيُقْبَلُ وَإِلَّا فَلَا حَكَاهُ شَارِحُ اللُّمَعِ الْيَمَانِيُّ عن صَاحِبِ الْإِرْشَادِ الثَّالِثُ وَحَكَاهُ ابن الصَّلَاحِ عن اخْتِيَارِ بَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ إنْ كان الْقَائِلُ لِذَلِكَ عَالِمًا أَجْزَأَ ذلك في حَقِّ من يُوَافِقُهُ في مَذْهَبِهِ كَقَوْلِ مَالِكٍ أخبرني الثِّقَةُ وَكَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ ذلك في مَوَاضِعَ وهو اخْتِيَارُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ ابْنِ الصَّبَّاغِ في الْعُدَّةِ فإنه قال إنَّ الشَّافِعِيَّ لم يُورِدْ ذلك احْتِجَاجًا بِالْخَبَرِ على غَيْرِهِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ لِأَصْحَابِهِ قِيَامَ الْحُجَّةِ عِنْدَهُ على الْحُكْمِ وقد عَرَفَ هو من رَوَى عنه الْمُرَادُ بِالثِّقَةِ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وقال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ إنَّمَا يقول الشَّافِعِيُّ ذلك لِبَيَانِ مَذْهَبِهِ وما وَجَبَ عليه مِمَّا صَحَّ عِنْدَهُ من الْخَبَرِ ولم يَذْكُرْهُ احْتِجَاجًا على غَيْرِهِ وَقِيلَ إنَّهُ قد كان أَعْلَمَ أَصْحَابِهِ بِذَلِكَ وَلِهَذَا قِيلَ في بَعْضِهِمْ إنَّهُ أَحْمَدُ بن حَنْبَلٍ وفي بَعْضِهِمْ عَلِيُّ بن حَسَّانَ وفي بَعْضِهِمْ ابن أبي فُدَيْكٍ وَسَعِيدُ بن سَالِمٍ الْقَدَّاحُ وَغَيْرُهُمْ وَقِيلَ إنَّهُ ذُكِرَ فِيمَا يَثْبُتُ من طُرُقٍ مَشْهُورَةٍ وقال الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَأَمَّا تَعْبِيرُ الشَّافِعِيِّ بِذَلِكَ فَقَدْ اُشْتُهِرَ أَنَّهُ يَعْنِي بِهِ إبْرَاهِيمَ بن إسْمَاعِيلَ فَصَارَ كَالتَّسْمِيَةِ له وقال ابن بَرْهَانٍ اُخْتُلِفَ فيه فَقِيلَ إنَّهُ كان يُرِيدُ مَالِكًا وَقِيلَ بَلْ مُسْلِمُ بن خَالِدٍ الزِّنْجِيُّ إلَّا أَنَّهُ كان يَرَى الْقَدَرَ فَاحْتَرَزَ عن التَّصْرِيحِ بِاسْمِهِ لِهَذَا الْمَعْنَى ا هـ وقال أبو حَاتِمٍ إذَا قال الشَّافِعِيُّ أخبرني الثِّقَةُ عن ابْنِ أبي ذِئْبٍ فَهُوَ ابن أبي فُدَيْكٍ وإذا قال أخبرني الثِّقَةُ قال اللَّيْثُ بن سَعْدٍ فَهُوَ يحيى بن حَسَّانَ وإذا قال أخبرني الثِّقَةُ عن الْوَلِيدِ بن كَثِيرٍ فَهُوَ عَمْرُو بن أبي سَلَمَةَ وإذا قال أخبرني الثِّقَةُ عن ابْنِ جُرَيْجٍ فَهُوَ مُسْلِمُ بن خَالِدٍ الزِّنْجِيُّ وإذا قال أخبرني الثِّقَةُ عن صَالِحٍ مولى التَّوْأَمَةَ فَهُوَ إبْرَاهِيمُ بن أبي يحيى وقال بَعْضُهُمْ حَيْثُ قال مَالِكٌ عن الثِّقَةِ عِنْدَهُ عن بُكَيْر بن عبد اللَّهِ بن
- الْأَشَجِّ فَالثِّقَةُ مَخْرَمَةُ بن بُكَيْر وَحَيْثُ قال عن الثِّقَةِ عن عَمْرِو بن شُعَيْبٍ فَقِيلَ الثِّقَةُ عبد اللَّهِ بن وَهْبٍ وَقِيلَ الزُّهْرِيُّ وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ في بَابِ الِاسْتِثْنَاءِ من الْمَعْرِفَةِ عن الرَّبِيعِ إذَا قال الشَّافِعِيُّ أخبرنا الثِّقَةُ يُرِيدُ يحيى بن حَسَّانَ وإذا قال من لَا أَتَّهِمُ فَإِبْرَاهِيمُ بن أبي يحيى وإذا قال بَعْضُ الناس يُرِيدُ أَهْلُ الْعِرَاقِ وإذا قال بَعْضُ أَصْحَابِنَا يُرِيدُ بِهِ أَهْلَ الْحِجَازِ ثُمَّ قال قال الْحَاكِمُ قد أَخْبَرَ الرَّبِيعُ عن الْغَالِبِ من هذه الرِّوَايَاتِ فإن أَكْثَرَ ما رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عن الثِّقَةِ هو يحيى بن حَسَّانَ وقد قال في كُتُبِهِ أخبرنا الثِّقَةُ وَالْمُرَادُ بِهِ غَيْرُ يحيى بن حَسَّانَ وقال الْبَيْهَقِيُّ وقد فَصَّلَ ذلك شَيْخُنَا الْحَاكِمُ تَفْصِيلًا على غَالِبِ الظَّنِّ فذكر في بَعْضِ ما قَالَهُ أخبرنا الثِّقَةُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ إسْمَاعِيلَ بن عُلَيَّةَ وفي بَعْضِهِ أَبَا أُسَامَةَ وفي بَعْضِهِ عبد الْعَزِيزِ بن مُحَمَّدٍ وفي بَعْضِهِ هِشَامُ بن يُوسُفَ الصَّنْعَانِيُّ وفي بَعْضِهِ أَحْمَدُ بن حَنْبَلٍ أو غَيْرُهُ من أَصْحَابِهِ وَلَا يَكَادُ يُعْرَفُ ذلك بِالْيَقِينِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَيَّدَ كَلَامَهُ في مَوَاضِعَ أُخَرَ ا هـ مَسْأَلَةٌ قَوْلُ لَا أَتَّهِمُ هل هو تَعْدِيلٌ فَلَوْ قال لَا أَتَّهِمُ فَلَا يُقْبَلُ في التَّعْدِيلِ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَكَذَا قال أبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ في كِتَابِ الْأَعْلَامِ إذَا قال الْمُحَدِّثُ حدثني الثِّقَةُ عِنْدِي أو حدثني من لَا أَتَّهِمُهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً لِأَنَّ الثِّقَةَ عِنْدَهُ قد لَا يَكُونُ ثِقَةً عِنْدِي فَأَحْتَاجُ إلَى عِلْمِهِ ا هـ مَسْأَلَةٌ هل يَجِبُ ذِكْرُ سَبَبِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ هل يُقْبَلَانِ أو أَحَدُهُمَا من غَيْرِ ذِكْرِ سَبَبٍ فيه خِلَافٌ مَنْشَؤُهُ أَنَّ الْمُعَدِّلَ وَالْمُجَرِّحَ هل هو مُخْبِرٌ فَيُصَدَّقُ أو حَاكِمٌ وَمُفْتٍ فَلَا يُقَلَّدُ أَحَدُهَا وهو الصَّحِيحُ يُقْبَلُ التَّعْدِيلُ من غَيْرِ سَبَبٍ بِخِلَافِ الْجَرْحِ لِأَنَّ أَسْبَابَ التَّعْدِيلِ كَثِيرَةٌ فَيَشُقُّ ذِكْرُهَا بِخِلَافِ الْجَرْحِ فإنه يَحْصُلُ بِأَمْرٍ وَاحِدٍ وَالِاخْتِلَافُ في سَبَبِ الْجَرْحِ فَرُبَّمَا ذَكَرَ شيئا لَا جَرْحَ فيه كما حُكِيَ عن شُعْبَةَ أَنَّهُ قِيلَ
- له لِمَ تَرَكْت حَدِيثَ فُلَانٍ قال رَأَيْته يُرْكِضُ بِرْذَوْنًا فَتَرَكْت حَدِيثَهُ قال الصَّيْرَفِيُّ وَلِأَنَّ الشَّافِعِيَّ حَكَى أَنَّهُ وَقَفَ عِنْدَ بَعْضِ الْقُضَاةِ على رَجُلٍ يَجْرَحُ رَجُلًا فَسُئِلَ فقال رَأَيْته يَبُولُ قَائِمًا فَقِيلَ له فما بَوْلُهُ قَائِمًا قال يَتَرَشْرَشُ عليه وَيُصَلِّي فَقِيلَ له رَأَيْته بَالَ قَائِمًا يَتَرَشْرَشُ عليه ثُمَّ صلى فلم يَكُنْ عِنْدَهُ جَوَابٌ وَلِأَنَّهُ بَالَ قَائِمًا وَهَذَا الْقَوْلُ هو الْمَنْصُوصُ لِلشَّافِعِيِّ وقال الْقُرْطُبِيُّ هو أَكْثَرُ من قَوْلِ مَالِكٍ قال الْخَطِيبُ وَذَهَبَ إلَيْهِ الْأَئِمَّةُ من حُفَّاظِ الحديث وَنُقَّادِهِ كَالْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَالثَّانِي عَكْسُهُ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْجَرْحِ مُبْطِلُ الثِّقَةِ وَمُطْلَقَ التَّعْدِيلِ لَا يَحْصُلُ بِهِ الثِّقَةُ لِتَسَارُعِ الناس إلَى الظَّاهِرِ فَلَا بُدَّ من السَّبَبِ وَنَقَلَهُ الْإِمَامُ في الْبُرْهَانِ وَإِلْكِيَا في التَّلْوِيحِ وابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ وَالْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ عن الْقَاضِي وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إنَّهُ أَوْقَعُ في مَأْخَذِ الْأُصُولِ وما حَكَوْهُ عن الْقَاضِي وَهْمٌ لِمَا سَيَأْتِي وَالثَّالِثُ أَنَّهُ لَا بُدَّ من السَّبَبِ فِيهِمَا أَخْذًا بِمَجَامِعِ كُلٍّ من الْفَرِيقَيْنِ وَبِهِ قال الْمَاوَرْدِيُّ وقد رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ رضي اللَّهُ عنه زُكِّيَ عِنْدَهُ رَجُلٌ فَسَأَلَ الْمُزَكِّي عن أَحْوَالِهِ فَظَهَرَ له ما لَا يُكْتَفَى بِهِ وَالرَّابِعُ عَكْسُهُ وهو أَنَّهُ لَا يَجِبُ ذِكْرُ السَّبَبِ فِيهِمَا لِأَنَّهُ إنْ لم يَكُنْ بَصِيرًا بهذا الشَّأْنِ لم يَصْلُحْ لِلتَّزْكِيَةِ وَإِنْ كان بَصِيرًا بِهِ فَلَا مَعْنَى لِلسُّؤَالِ وَهَذَا هو اخْتِيَارُ الْقَاضِي أبي بَكْرٍ كَذَا نَصَّ عليه في التَّقْرِيبِ وَكَذَا نَقَلَهُ عنه الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ في الْكِفَايَةِ وَالْغَزَالِيُّ في الْمُسْتَصْفَى وأبو نَصْرِ بن الْقُشَيْرِيّ في كِتَابِهِ وَرَدَّ على إمَامِ الْحَرَمَيْنِ في نَقْلِهِ عنه ما سَبَقَ وَكَذَا نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ في شَرْحِ الْبُرْهَانِ وَالْقُرْطُبِيُّ في الْأُصُولِ وَالْآمِدِيَّ وَالْإِمَامُ الرَّازِيَّ وَالْهِنْدِيُّ وَالْخَامِسُ إنْ كان الْمُزَكِّي عَالِمًا بِأَسْبَابِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ اكْتَفَيْنَا بِإِطْلَاقِهِ فِيهِمَا وَإِنْ لم يُعْرَفْ اطِّلَاعُهُ على شَرَائِطِهِمَا اسْتَخْبَرْنَاهُ عن أَسْبَابِهِمَا وقال الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ إنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ عَزَاهُ لِلشَّافِعِيِّ قُلْت وهو ظَاهِرُ تَصَرُّفِهِ فَإِنْ وُجِدَ له نَصٌّ بِالْإِطْلَاقِ حُمِلَ على ذلك وَلَا يَخْرُجُ قَوْلَانِ وقد حَكَى الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ في تَعْلِيقِهِ في بَابِ الْأَوَانِي أَنَّ من أَخْبَرَ
- بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ يُعْتَمَدُ خَبَرُهُ إذَا بَيَّنَ السَّبَبَ ثُمَّ قال قال الشَّافِعِيُّ في الْأُمِّ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ من حَالِ الْمُخْبِرِ أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ سُؤْرَ السِّبَاعِ طَاهِرٌ وَأَنَّ الْمَاءَ إذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ لَا يُنَجَّسُ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ هذا كَلَامُهُ وهو قَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ وَالرَّازِيِّ وقال الْهِنْدِيُّ إنَّهُ الصَّحِيحُ وَإِلَيْهِ مَيْلُ كَلَامِ الْخَطِيبِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هذا هو مَذْهَبُ الْقَاضِي لِأَنَّهُ إذَا لم يَكُنْ عَارِفًا بِشُرُوطِ الْعَدَالَةِ لم يَصْلُحْ لِلتَّزْكِيَةِ وَهَذَا حَكَاهُ ابن الْقُشَيْرِيّ في كِتَابِهِ عن إمَامِ الْحَرَمَيْنِ قال وقد أَشَارَ الْقَاضِي إلَى هذا في التَّقْرِيبِ أَيْضًا وَحَكَاهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ عن إمَامِ الْحَرَمَيْنِ بِلَفْظِ إنْ كان لَا يُطْلَقُ التَّعْدِيلُ إلَّا بَعْدَ اسْتِقْصَاءٍ كَمَالِكٍ فَمُطْلَقُ تَعْدِيلِهِ كَافٍ وَإِنْ كان من الْمُتَسَاهِلِينَ فَلَا ثُمَّ قال وَيَرِدُ عليه أَنَّهُ إذَا كان من الْعَالِمِينَ بِشَرَائِطِ الْعَدَالَةِ فَالظَّنُّ أَنَّهُ اسْتَقْصَى وَتَقْدِيرُ خِلَافِ ذلك فيه نِسْبَةٌ إلَى مُخَالَفَةِ الشَّرْعِ فَإِنْ عُلِمَ من حَالِهِ ذلك وَإِلَّا فَلَيْسَ هو من أَهْلِ التَّعْدِيلِ وَكَلَامُنَا في التَّعْدِيلِ الْمُطْلَقِ فِيمَنْ هو من أَهْلِ التَّعْدِيلِ فإن من الناس من يقول هو وَإِنْ كان من أَهْلِ التَّعْدِيلِ إلَّا أَنَّهُ عُرْضَةٌ لِلْغَلَطِ فَلَا بُدَّ وَأَنْ يُبَيِّنَ لنا الْمُسْتَنَدَ لِئَلَّا نَكُونَ مُقَلِّدِينَ غير مَعْصُومٍ وَهَذَا هو الْأَصْلُ إلَّا أَنْ يَسْقُطَ اعْتِبَارُهُ وَالْإِمَامُ يقول الْمُعْتَبَرُ غَلَبَةُ الظَّنِّ مَتَى حَصَلَتْ وإذا لَاحَ لنا من حَالِ مِثْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَتَسَاهَلُ حَصَلَتْ غَلَبَةُ الظَّنِّ فَيُقَالُ غَلَبَةُ الظَّنِّ لَا بُدَّ أَنْ تَسْتَنِدَ إلَى ضَابِطِ الشَّرْعِ الْوَاضِحِ وقد رَوَيْنَا من رَوَى عنه مَالِكٌ في الْمُوَطَّإِ وقد طَعَنَ فيه غَيْرُهُ مِثْلُ عبد اللَّهِ بن أبي بَكْرٍ فإنه من رِجَالِ الْمُوَطَّإِ وقد قَدَحَ فيه سُفْيَانُ بن عُيَيْنَةَ فَلَا بُدَّ من بَيَانِ حَالِهِ إلَّا أَنْ يَتَضَمَّنَ ذلك عُسْرًا كما قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ا هـ وقال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ في شَرْحِ الْعُنْوَانِ وقد حَكَى هذا الْمَذْهَبَ يَنْبَغِي أَنْ يُشْتَرَطَ في هذا عِنْدَ التَّعْدِيلِ بين يَدَيْ الْحَاكِمِ شَرْطٌ آخَرُ وهو اتِّفَاقُ مَذْهَبِهِ مع مَذْهَبِ الْمُعَدِّلِ في الشَّرَائِطِ الْمُعْتَبَرَةِ في التَّزْكِيَةِ وَإِلَّا فَمَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْمُسْلِمَ على الْعَدَالَةِ وَيَكْتَفِي بِظَاهِرِ الْحَالِ فَقَدْ يُزَكِّي من لَا يَقْبَلُهُ من يُخَالِفُهُ في هذا الْمَذْهَبِ وَكَذَا إذَا ظَهَرَ في مُزَكِّي الرُّوَاةِ أَنَّ هذا مَذْهَبٌ لِذَلِكَ الْمُزَكِّي فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكْتَفِيَ بِهِ من يُخَالِفُهُ في هذا الْمَذْهَبِ
- تَفْرِيعٌ هل يَكْفِي في الْجَرْحِ الْمُجْمَلِ وَإِذْ ثَبَتَ أَنَّ بَيَانَ السَّبَبِ في الْجَرْحِ شَرْطٌ قال أَصْحَابُنَا وَمِنْهُمْ الصَّيْرَفِيُّ وابن فُورَكٍ وَالْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ فُلَانٌ ليس بِشَيْءٍ وَلَا فُلَانٌ ضَعِيفٌ وَلَا لَيِّنٌ مَاذَا بِالْكَذَّابِ اُسْتُفْسِرَ وَقِيلَ له ما تَعْنِي أَتَعَمَّدَ الْكَذِبَ فَإِنْ قال نعم تُوُقِّفَ في خَبَرِهِ وَإِلَّا فَلَا لِأَنَّ الْكَذِبَ لُغَةً يَحْتَمِلُ الْغَلَطَ وَوَضْعَ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ كَذَبَ أبو مُحَمَّدٍ في حديث الْوِتْرِ يَعْنِي غَلِطَ وَادَّعَى النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِمْ لَا يُقْبَلُ الْجَرْحُ الْمُطْلَقُ وُجُوبُ التَّوَقُّفِ عن الْعَمَلِ بِحَدِيثِهِ إلَى أَنْ يُبْحَثَ عن السَّبَبِ قُلْت وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا سَبَقَ وَيُحْتَمَلُ التَّفْصِيلُ بين من عُرِفَتْ عَدَالَتُهُ فَلَا أَثَرَ لِلْجَرْحِ الْمُطْلَقِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ وَاسْتَثْنَى ابن الْقَطَّانِ الْمُحَدِّثُ من هذا الْأَصْلِ ما إذَا كان الرَّاوِي لَا يُعْلَمُ حَالُهُ وَلَا وَثَّقَهُ مُوَثِّقٌ قال فَيُقْبَلُ فيه الْجَرْحُ وَإِنْ لم يُفَسَّرْ ما بِهِ جَرْحُهُ لِأَنَّا قد كنا نَتْرُكُ حَدِيثَهُ بِمَا عَدِمْنَا من مَعْرِفَةِ ثِقَتِهِ قُلْت وفي الْحَقِيقَةِ لَا يُسْتَثْنَى وَحَكَى ابن عبد الْبَرِّ في التَّمْهِيدِ عن مُحَمَّدِ بن نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّ من ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ بِرِوَايَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ عنه وَحَمْلِهِمْ حَدِيثَهُ فَلَيْسَ يُقْبَلُ فيه تَجْرِيحُ أَحَدٍ حتى يَثْبُتَ عليه ذلك بِأَمْرٍ لَا يُجْهَلُ يَكُونُ بِهِ جَرْحُهُ فَأَمَّا قَوْلُهُمْ فُلَانٌ كَذَّابٌ فَلَيْسَ مِمَّا يَثْبُتُ بِهِ جَرْحٌ حتى يُبَيِّنَ ما قَالَهُ وَوَافَقَهُ على ذلك وَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِمَا أبو الْحَسَنِ بن الْمُفَوَّزِ وقال بَلْ الذي عليه أَئِمَّةُ الحديث قَبُولُ تَعْدِيلِ من عَدَّلَ وَتَعْدِيلِ وَتَجْرِيحِ من جَرَّحَ لِمَنْ عُرِفَ وَاشْتُهِرَ بِأَمَانَتِهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِالْحَدِيثِ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فيه إذَا تَعَارَضَ الْجَرْحُ الْمُفَسَّرُ وَالتَّعْدِيلُ في رَاوٍ وَاحِدٍ فَأَقْوَالٌ أَحَدُهَا يُقَدَّمُ الْجَرْحُ مُطْلَقًا وَإِنْ كان الذي عَدَّلَ أَكْثَرَ وَهَذَا ما جَزَمَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وابن الْقُشَيْرِيّ وقال نَقَلَ الْقَاضِي فيه الْإِجْمَاعَ وَنَقَلَهُ الْخَطِيبُ وَالْبَاجِيُّ عن جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وقال الْآمِدِيُّ وَالرَّازِيُّ وابن الصَّلَاحِ إنَّهُ الصَّحِيحُ لِأَنَّ مع الْجَارِحِ زِيَادَةَ عِلْمٍ لم يَطَّلِعْ عليها الْمُعَدِّلُ قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ وَهَذَا إنَّمَا يَصِحُّ مع اعْتِقَادِ الْمَذْهَبِ الْآخَرِ وهو أَنَّ الْجَرْحَ لَا يُقْبَلُ إلَّا مُفَسَّرًا وَبِشَرْطٍ آخَرَ وهو أَنْ يَكُونَ الْجَرْحُ بِنَاءً على أَمْرٍ مَجْزُومٍ بِهِ أَيْ بِكَوْنِهِ جَارِحًا لَا بِطَرِيقٍ اجْتِهَادِيٍّ كما اصْطَلَحَ أَهْلُ الحديث على الِاعْتِمَادِ في الْجَرْحِ ==
- =================ج16 ج16 ج16. ===================================
- مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
- ج163. كتاب : البحر المحيط في أصول الفقه
- المؤلف : بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي
- على اعْتِبَارِ حديث الرَّاوِي مع اعْتِبَارِ حديث غَيْرِهِ وَالنَّظَرِ إلَى كَثْرَةِ الْمُوَافَقَةِ وَالْمُخَالَفَةِ وَالتَّفَرُّدِ وَالشُّذُوذِ ا هـ وقد اسْتَثْنَى أَصْحَابُنَا من هذا ما إذَا جَرَحَهُ لِمَعْصِيَةٍ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ قد تَابَ منها يُقَدَّمُ التَّعْدِيلُ لِأَنَّ معه زِيَادَةَ عِلْمٍ وَالثَّانِي عَكْسُهُ وهو تَقْدِيمُ التَّعْدِيلِ لِأَنَّ الْجَارِحَ قد يَجْرَحُ بِمَا ليس في نَفْسِ الْأَمْرِ جَارِحًا وَالْمُعَدِّلُ إذَا كان عَدْلًا مُثْبِتًا لَا يُعَدِّلُ إلَّا بَعْدَ تَحْصِيلِ الْمُوجِبِ لِقَبُولِهِ جَزْمًا حَكَاهُ الطَّحْطَاوِيُّ عن أبي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَقَضِيَّةُ هذه الْعِلَّةِ تَخْصِيصُ الْخِلَافِ بِالْجَرْحِ غَيْرِ الْمُفَسَّرِ وَالثَّالِثُ يُقَدَّمُ الْأَكْثَرُ من الْجَارِحِينَ أو الْمُعَدِّلِينَ حَكَاهُ في الْمَحْصُولِ لِأَنَّ كَثْرَتَهُمْ تُقَوِّي حَالَهُمْ وَرَدَّهُ الْخَطِيبُ وَالرَّابِعُ أَنَّهُمَا مُتَعَارِضَانِ فَلَا يُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا إلَّا بِمُرَجِّحٍ حَكَاهُ ابن الْحَاجِبِ ثُمَّ جَعَلَ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ الْخِلَافَ فِيمَا إذَا كان عَدَدُ الْمُعَدِّلِينَ أَكْثَرَ فَإِنْ اسْتَوَيَا قُدِّمَ الْجَرْحُ بِالْإِجْمَاعِ وَكَذَا قال الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ في الْكِفَايَةِ وأبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ في كِتَابِهِ وأبو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ في الْأَحْكَامِ وَلَيْسَ كما قالوا فَفِيهِ الْخِلَافُ وَمِمَّنْ حَكَاهُ أبو نَصْرِ بن الْقُشَيْرِيّ وَأَنَّهُ نُصِبَ الْخِلَافُ فِيمَا إذَا اسْتَوَى عَدَدُ الْمُعَدِّلِينَ وَالْجَارِحِينَ قال فَإِنْ كَثُرَ عَدَدُ الْمُعَدِّلِينَ وَقَلَّ عَدَدُ الْجَارِحِينَ تَقَبُّلُ الْعَدَالَةِ في هذه الصُّورَةِ أَوْلَى وَاخْتَارَ الْقَاضِي تَقْدِيمَ الْجَرْحِ وقال الْمَازِرِيُّ قد حَكَى ابن شَعْبَانَ في كِتَابِهِ الزَّاهِي الْخِلَافَ عِنْدَ تَسَاوِيهِمَا في الْعَدَدِ أَمَّا إذَا زَادَ عَدَدُ الْمُجَرِّحِينَ فَلَا وَجْهَ لِجَرَيَانِ الْخِلَافِ وَبِهِ صَرَّحَ الْبَاجِيُّ فقال لَا خِلَافَ في تَقْدِيمِ الْجَرْحِ وقال الْمَاوَرْدِيُّ لَا شَكَّ فيه وهو أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ إجْمَاعًا على نَقْلِ الْقَاضِي أبي بَكْرٍ قال وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ حَيْثُ لم يُمْكِنْ الْجَمْعُ بين الْقَوْلَيْنِ فَإِنْ قال أَحَدُهُمَا هو عَدْلٌ وَالْآخَرُ هو مَجْرُوحٌ قُدِّمَ الْجَرْحُ قَطْعًا وَلَا يَحْسُنُ فيه إجْرَاءُ خِلَافٍ وَإِنْ اخْتَلَفَ الْعَدَدُ لِأَنَّ التَّعْدِيلَ مَبْنَاهُ على الظَّاهِرِ بِخِلَافِ الْجَرْحِ قال الْبَاجِيُّ فَلَوْ نَصَّ الْمُجَرِّحُ على سَبَبِهِ في وَقْتٍ بِعَيْنِهِ وَنَفَاهُ الْعَدَدُ تَعَارَضَا قال وَفِيهِ نَظَرٌ وقال الْهِنْدِيُّ في النِّهَايَةِ مَتَى كان الْجَرْحُ مُطْلَقًا أو مُعَيَّنًا بِذِكْرِ سَبَبِهِ ولم يُمْكِنْ ضَبْطُهُ كَقَوْلِهِ رَأَيْته يَشْرَبُ أو سَمِعْت منه الْكَذِبَ قُدِّمَ على التَّعْدِيلِ لِأَنَّهُ
- زِيَادَةٌ لم يَطَّلِعْ عليها الْمُعَدِّلُ وَلَا نَفَاهَا فَإِنْ نَفَاهَا بَطَلَتْ عَدَالَتُهُ لِعِلْمِنَا بِمُجَازَفَتِهِ وَجَزْمِهِ فِيمَا لَا يُمْكِنُ فيه الْجَزْمُ وَإِنْ كان مُعَيَّنًا بِذِكْرِ سَبَبٍ يَنْضَبِطُ بِهِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُعْلَمَ كَقَوْلِهِ رَأَيْته قد قَتَلَ فُلَانًا فَإِنْ لم يَتَعَرَّضْ الْمُعَدِّلُ لِنَفْيِهِ بَلْ اقْتَصَرَ على التَّعْدِيلِ مُطْلَقًا أو مع سَبَبِهِ فَكَالْعَدِمِ وَإِنْ تَعَرَّضَ لِنَفْيِهِ بِأَنْ قال رَأَيْته حَيًّا بَعْدَ ذلك فَهُمَا يَتَعَارَضَانِ وَيُصَارُ إلَى التَّرْجِيحِ بِنَحْوِ كَثْرَةِ الْعَدَدِ وَالضَّبْطِ وَزِيَادَةِ الْوَرَعِ وَغَيْرِهَا
- فَصْلٌ في عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ وما ذَكَرَهُ مِمَّا سَبَقَ من شَرْطِ الْبَحْثِ عن الْعَدَالَةِ في الرَّاوِي إنَّمَا هو في غَيْرِ الصَّحَابَةِ فَأَمَّا فِيهِمْ فَلَا فإن الْأَصْلَ فِيهِمْ الْعَدَالَةُ عِنْدَنَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ وفي الصَّحِيحِ خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي فَتُقْبَلُ رِوَايَتِهِمْ من غَيْرِ بَحْثٍ عن أَحْوَالِهِمْ قال الْقَاضِي هو قَوْلُ السَّلَفِ وَجُمْهُورِ السَّلَفِ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ قال وَلَعَلَّ السَّبَبَ فيه أَنَّهُمْ نَقَلَةُ الشَّرِيعَةِ وَلَوْ ثَبَتَ تَوَقُّفٌ في رِوَايَتِهِمْ لَانْحَصَرَتْ الشَّرِيعَةُ على عَصْرِ الرَّسُولِ عليه السَّلَامُ وَلَمَا اسْتَرْسَلَتْ على سَائِرِ الْأَعْصَارِ وقال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَعَلَيْهِ كَافَّةُ أَصْحَابِنَا وَأَمَّا ما وَقَعَ بَيْنَهُمْ من الْحُرُوبِ وَالْفِتَنِ فَتِلْكَ أُمُورٌ مَبْنِيَّةٌ على الِاجْتِهَادِ وَكُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ أو الْمُصِيبُ وَاحِدٌ وَالْمُخْطِئُ مَعْذُورٌ بَلْ وَمَأْجُورٌ وَكَمَا قال عُمَرُ بن عبد الْعَزِيزِ تِلْكَ دِمَاءٌ طَهَّرَ اللَّهُ منها سُيُوفَنَا فَلَا نُخَضِّبُ بها أَلْسِنَتَنَا قال الصَّيْرَفِيُّ وَالْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُمْ وَأَمَّا أَمْرُ أبي بَكْرَةَ وَأَصْحَابِهِ فلما نَقَصَ الْعَدَدُ أَجْرَاهُمْ عُمَرُ رضي اللَّهُ عنه مَجْرَى الْقَذَفَةِ وَحَدُّهُ لِأَبِي بَكْرَةَ بِالتَّأْوِيلِ وَلَا يُوجِبُ ذلك تَفْسِيقًا لِأَنَّهُمْ جَاءُوا مَجِيءَ الشَّهَادَةِ وَلَيْسَ بِصَرِيحٍ في الْقَذْفِ وقد اخْتَلَفُوا في وُجُوبِ الْحَدِّ فيه وَسُوِّغَ فيه الِاجْتِهَادُ وَلَا تُرَدُّ الشَّهَادَةُ بِمَا يُسَوَّغُ فيه الِاجْتِهَادُ وَمِنْ الناس من يَزْعُمُ أَنَّ حُكْمَهُمْ في الْعَدَالَةِ كَحُكْمِ غَيْرِهِمْ فَيَجِبُ الْبَحْثُ عنها وهو قَضِيَّةُ كَلَامِ أبي الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ من أَصْحَابِنَا فإنه قال وَحْشِيٌّ قَتَلَ حَمْزَةَ وَلَهُ صُحْبَةٌ وَالْوَلِيدُ شَرِبَ الْخَمْرَ قُلْنَا من ظَهَرَ منه خِلَافُ الْعَدَالَةِ لم يَقَعْ عليه اسْمُ الصُّحْبَةِ وَالْوَلِيدُ ليس بِصَحَابِيٍّ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ إنَّمَا هُمْ الَّذِينَ كَانُوا على الطَّرِيقَةِ ا هـ وهو غَرِيبٌ فَقَدْ ذَكَرَهُمَا الْمُحَدِّثُونَ في كُتُبِ الصَّحَابَةِ
- وَقِيلَ حُكْمُهُمْ الْعَدَالَةُ قبل الْفِتَنِ لَا بَعْدَهَا فَيَجِبُ الْبَحْثُ عَنْهُمْ وَقِيلَ عُدُولٌ إلَّا من قَاتَلَ عَلِيًّا فَلَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ وَلَا شَهَادَتُهُ وَقِيلَ بِهِ في الْفَرِيقِ الْآخَرِ وَقِيلَ الْحَدِيثُ بِالْعَدَالَةِ يَخْتَصُّ بِمِنْ اُشْتُهِرَ منهم وَالْبَاقُونَ كَسَائِرِ الناس منهم عُدُولٌ وَغَيْرُ عُدُولٍ وَكُلُّ هذه الْأَقْوَالِ بَاطِلَةٌ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَمِنْ الْفَوَائِدِ ما قَالَهُ الْحَافِظُ جَمَالُ الدِّينِ الْمِزِّيُّ إنَّهُ لم تُوجَدْ رِوَايَةٌ عَمَّنْ يُلْمَزُ بِالنِّفَاقِ من الصَّحَابَةِ وقال الْمَازِرِيُّ الْعَدَالَةُ لِمَنْ اُشْتُهِرَ منهم بِالصُّحْبَةِ دُونَ من قَلَّتْ صُحْبَتُهُ أو كان له مُجَرَّدُ الرُّؤْيَةِ فقال لَا نَعْنِي بِالْعَدْلِ كُلَّ من رَآهُ اتِّفَاقًا أو زَارَهُ لِمَامًا أو أَلَمَّ بِهِ وَانْصَرَفَ من قَرِيبٍ لَكِنْ إنَّمَا نُرِيدُ بِهِ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ لَازَمُوهُ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الذي أُنْزِلَ معه وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ يُخْرِجُ كَثِيرًا من الْمَشْهُورِينَ بِالصُّحْبَةِ وَالرِّوَايَةِ عن الْحُكْمِ بِالْعَدَالَةِ كَوَائِلِ بن حُجْرٌ وَمَالِكِ بن الْحُوَيْرِثِ وَعُثْمَانَ بن أبي الْعَاصِ وَأَمْثَالِهِمْ مِمَّنْ وَفَدَ عليه صلى اللَّهُ عليه وسلم ولم يُقِمْ إلَّا أَيَّامًا قَلَائِلَ ثُمَّ انْصَرَفَ وَكَذَلِكَ من لم يُعْرَفْ إلَّا بِرِوَايَةِ الْوَاحِدِ أو الِاثْنَيْنِ فَالْقَوْلُ بِالتَّعْمِيمِ هو الصَّوَابُ كما هو قَضِيَّةُ إطْلَاقِ الْجُمْهُورِ الْمُرَادُ بِعَدَالَةِ الصَّحَابَةِ وقال الْإِبْيَارِيُّ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِعَدَالَتِهِمْ ثُبُوتُ الْعِصْمَةِ لهم وَاسْتِحَالَةُ الْمَعْصِيَةِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ قَبُولُ رِوَايَاتِهِمْ من غَيْرِ تَكَلُّفِ بَحْثٍ عن أَسْبَابِ الْعَدَالَةِ وَطَلَبِ التَّزْكِيَةِ إلَّا من يَثْبُتُ عليه ارْتِكَابُ قَادِحٍ ولم يَثْبُتْ ذلك وَالْحَمْدُ لِلَّهِ فَنَحْنُ على اسْتِصْحَابِ ما كَانُوا عليه في زَمَنِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم حتى يَثْبُتَ خِلَافُهُ وَلَا الْتِفَاتَ إلَى ما يَذْكُرُهُ أَهْلُ السِّيَرِ فإنه لَا يَصِحُّ وما صَحَّ فَلَهُ تَأْوِيلٌ صَحِيحٌ وَلَا عِبْرَةَ بِرَدِّ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ رِوَايَاتِ أبي هُرَيْرَةَ وَتَعْلِيلِهِمْ بِأَنَّهُ ليس بِفَقِيهٍ فَقَدْ عَمِلُوا بِرَأْيِهِ في الْغُسْلِ ثَلَاثًا من وُلُوغِ الْكَلْبِ وَغَيْرِهِ وقد وَلَّاهُ عُمَرُ الْوِلَايَاتِ الْجَسِيمَةَ وَيَتَخَرَّجُ على هذا الْأَصْلِ مَسْأَلَةٌ وَهِيَ أَنَّهُ إذَا قِيلَ في الْإِسْنَادِ عن رَجُلٍ من أَصْحَابِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم كان حُجَّةً وَلَا تَضُرُّ الْجَهَالَةُ بِهِ لِثُبُوتِ عَدَالَتِهِمْ وَخَالَفَ
- ابن مَنْدَهْ فقال من حُكْمِ الصَّحَابِيِّ أَنَّهُ إذَا رَوَى عنه تَابِعِيٌّ وَإِنْ كان مَشْهُورًا كَالشَّعْبِيِّ وَسَعِيدِ بن الْمُسَيِّبِ نُسِبَ إلَى الْجَهَالَةِ فإذا رَوَى عنه رَجُلَانِ صَارَ مَشْهُورًا وَاحْتُجَّ بِهِ قَالَا وَعَلَى هذا بَنَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ صَحِيحَيْهِمَا إلَّا أَحْرُفًا تَبَيَّنَ أَمْرُهَا وَيُسَمِّي الْبَيْهَقِيُّ مِثْلَ ذلك مُرْسَلًا وهو مَرْدُودٌ وقال أبو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ الْمَجْهُولُ من الصَّحَابَةِ خَبَرُهُ حُجَّةٌ إنْ عَمِلَ بِهِ السَّلَفُ أو سَكَتُوا عن رَدِّهِ مع انْتِشَارِهِ بَيْنَهُمْ فَإِنْ لم يَنْتَشِرْ فَإِنْ وَافَقَ الْقِيَاسَ عُمِلَ بِهِ وَإِلَّا فَلَا لِأَنَّهُ في الْمَرْتَبَةِ دُونَ ما إذَا لم يَكُنْ فَقِيهًا قال يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ إنَّ خَبَرَ الْمَشْهُورِ الذي ليس بِفَقِيهٍ حُجَّةٌ ما لم يُخَالِفْ الْقِيَاسَ وَخَبَرُ الْمَجْهُولِ مَرْدُودٌ ما لم يَرُدُّهُ الْقِيَاسُ لِيَقَعَ الْفَرْقُ بين من ظَهَرَتْ عَدَالَتُهُ وَمَنْ لم تَظْهَرْ
- تعريف الصحابي فإن قيل أثبتم العدالة للصحابي مطلقا فمن الصحابي قلنا اختلفوا فيه فذهب الأكثرون إلى أنه من اجتمع مؤمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم وصحبه ولو ساعة روى عنه أو لا لأن اللغة تقتضي ذلك وإن كان العرف يقتضي طول الصحبة وكثرتها وقيل يشترط الرواية وطول الصحبة وقيل يشترط أحدهما وقال ابن السمعاني هو من حيث اللغة والظاهر من طالت صحبته مع النبي صلى الله عليه وسلم وكثرت مجالسته له وينبغي أن يطيل المكث معه على طريق التبع له والأخذ عنه ولهذا يوصف من أطال مجالسة أهل العلم بأنه من أصحابه ثم قال هذه طريقة الأصوليين أما عند أصحاب الحديث فيطلقون اسم الصحابة على كل من روى عنه حديثا أو كلمة ويتوسعون حتى يعدون من رآه رؤية ما من الصحابة وهذا لشرف منزلة النبي صلى الله عليه وسلم أعطوا كل من رآه حكم الصحابة لأنه قال طوبى لمن رآني ومن رأى من رآني والأول الصحابة والثاني التابعون
- وقال ابن فورك هو من أكثر مجالسته واختص به ولذلك لم يعد الوافدون من الصحابة وقد يقال فلان من الصحابة بمعنى أنه لقيه وروى عنه وإن لم تطل صحبته ولم يختص به إلا أن ذلك بتقييد والأول بإطلاق انتهى وقال أبو نصر بن القشيري لفظ الصحابي من الصحبة فكل من صحبه صلى الله عليه وسلم لحظة يطلق عليه اسم الصحابي لفظا غير أن العرف اقترن به فلا يطلق هذا اللفظ إلا على من صحبه مدة طالت صحبته فيها قال ولا تضبط هذه المدة بحد معين وكذا قال الغزالي
- هل للصحبة مدة معينة وحكى شارح البزدوي عن بعضهم تحديدها بستة أشهر وشرط سعيد بن المسيب الإقامة معه سنة أو الغزو معه وضعف بأن جرير بن عبد الله ووائل بن حجر ومعاوية بن الحكم السلمي وغيرهم ممن وفد على النبي صلى الله عليه وسلم عام تسع وبعده فأسلم وأقام عنده أياما ثم رجع إلى قومه وروى عنه أحاديث لا خلاف في عده من الصحابة ونحوه قول إلكيا الطبري هو من ظهرت صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم صحبة القرين قرينه حتى يعد من أحزابه وخدمته المتصلين وذكر صاحب الواضح أن هذا قول شيوخ المعتزلة وقال أبو الحسين في المعتمد هو من طالت مجالسته معه على طريق التبع له والأخذ عنه فمن لم تطل مجالسته كالوافدين أو طالت ولم يقصد الاتباع لا يكون صحابيا ونقله صاحب الكبريت الأحمر عن الجمهور من أصحابهم وقال القاضي أبو عبد الله الصيمري من الحنفية هو من رأى النبي صلى الله عليه وسلم واختص به اختصاص الصاحب بالمصحوب وإن لم يرو عنه ولم يتعلم منه وقال الجاحظ يشترط تعلمه منه وقيل يشترط أن يروي عنه حديثا واحدا هل الْبُلُوغُ شَرْطٌ في اعْتِبَارِ الصُّحْبَةِ وَقِيلَ يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُ حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عن الْوَاقِدِيِّ وهو ضَعِيفٌ فإنه يَخْرُجُ نَحْوُ مَحْمُودِ بن الرَّبِيعِ الذي عَقَلَ من النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم مَجَّةً وهو ابن خَمْسِ سِنِينَ وَعَدُوُّهُ من الصَّحَابَةِ وَكَلَامُ السَّفَاقِسِيِّ شَارِحِ الْبُخَارِيِّ يَقْتَضِي اشْتِرَاطَ التَّمْيِيزِ فإنه
- قال في حديث عبد اللَّهِ بن ثَعْلَبَةَ بن صُعَيْرٍ وكان النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قد مَسَحَ وَجْهَهُ عَامَ الْفَتْحِ قال الشَّارِحُ إنْ كان عبد اللَّهِ هذا عَقَلَ ذلك أو عَقَلَ عنه كَلِمَةً كانت له صُحْبَةٌ وَإِنْ لم يَعْقِلْ شيئا كانت تِلْكَ فَضِيلَةً وهو من الطَّبَقَةِ الْأُولَى من التَّابِعِينَ ا هـ اشْتِرَاطُ الرُّؤْيَةِ لِلصُّحْبَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ رُؤْيَتُهُ لِلنَّبِيِّ صلى اللَّهُ عليه وسلم لِيَدْخُلَ ابن أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى وَغَيْرُهُ من الْأَضِرَّاءِ وَإِنَّمَا اشْتَرَطْنَا الْإِيمَانَ لِأَنَّ الْكُفَّارَ لَا يَدْخُلُونَ في اسْمِ الصُّحْبَةِ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ رَأَوْهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَمِمَّنْ ذَكَرَ هذا الْقَيْدَ الْآمِدِيُّ وابن الصَّلَاحِ وَغَيْرُهُمَا وَصَرَّحَ بِهِ الْبُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ حَيْثُ قال من صَحِبَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أو رَآهُ من الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ من أَصْحَابِهِ وَحَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عن أَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ وَاشْتَرَطَ أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ الْعَدَالَةَ قال من لم يَظْهَرْ منه ذلك لَا يُطْلَقُ عليه اسْمُ الصُّحْبَةِ قال وَالْوَلِيدُ الذي شَرِبَ الْخَمْرَ ليس بِصَحَابِيٍّ وَإِنَّمَا أَصْحَابُهُ الَّذِينَ كَانُوا على الطَّرِيقَةِ ا هـ وهو عَجِيبٌ لِمَا قَرَرْنَاهُ من ثُبُوتِ عَدَالَتِهِمْ الْمُطْلَقَةِ ما يَتَرَتَّبُ على الِاخْتِلَافِ في اشْتِرَاطِ الرُّؤْيَةِ ثُمَّ ذَكَرَ الْآمِدِيُّ وابن الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمَا من الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الْخِلَافَ في هذه الْمَسْأَلَةِ لَفْظِيٌّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ تُرَتَّبُ عليه فَوَائِدُ منها الْعَدَالَةُ فإن من لَا يَعُدُّ الرَّائِيَ من جُمْلَةِ الصَّحَابَةِ يَطْلُبُ تَعْدِيلَهُ بِالتَّنْصِيصِ على ذلك كما في سَائِرِ الرُّوَاةِ من التَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وَمَنْ يُثْبِتُ الصُّحْبَةَ بِمُجَرَّدِ اللِّقَاءِ لَا يَحْتَاجُ لِذَلِكَ وَمِنْهَا الْحُكْمُ على ما رَوَاهُ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِكَوْنِهِ مُرْسَلَ صَحَابِيٍّ أَمْ لَا فإن الْجُمْهُورَ على قَبُولِ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ خِلَافًا لِلْأُسْتَاذِ فإذا ثَبَتَ بِمُجَرَّدِ الرُّؤْيَةِ كَوْنُهُ صَحَابِيًّا الْتَحَقَ مُرْسَلُهُ بِمِثْلِ ما رَوَى ابن عَبَّاسٍ وَالنُّعْمَانُ بن بَشِيرٍ وَأَمْثَالُهُمَا وَإِنْ لم نُعْطِهِ اسْمَ الصُّحْبَةِ كان كَمُرْسَلِ التَّابِعِيِّ
- وَمِنْهَا أَنَّ من كان منهم مُجْتَهِدًا أو نُقِلَتْ عنه فَتَاوَى حُكْمِيَّةٌ هل يَلْتَحِقُ ذلك بِكَوْنِهِ قَوْلَ صَحَابِيٍّ حتى يَكُونَ حُجَّةً أَمْ لَا وَمِنْهَا هل يُعْتَبَرُ خِلَافُهُمْ لهم أو يَتَوَقَّفُ إجْمَاعُهُمْ على قَوْلِهِمْ أو غَيْرِ ذلك الذي رَأَى الرَّسُولَ كَافِرًا بِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ ثُمَّ هَاهُنَا فَوَائِدُ أَحَدُهَا من اجْتَمَعَ بِهِ كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ ولم يَرَهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَلَكِنْ رَوَى شيئا سَمِعَهُ منه في حَالِ كُفْرِهِ أو لم يَرْوِهِ هل يَكُونُ صَحَابِيًّا ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ وَلِهَذَا لم يذكر أَحَدٌ عَبْدَ اللَّهِ بن حَمَّادٍ في الصَّحَابَةِ وقد كَلَّمَهُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَوَقَفَ معه في قِصَّتِهِ الْمَشْهُورَةِ مع كَوْنِهِ أَسْلَمَ بَعْدَ وَفَاةِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فلم يَعْتَدُّوا بِذَلِكَ اللِّقَاءِ وَالْكَلَامِ في الْكُفْرِ من اجْتَمَعَ بِهِ قبل الْبَعْثَةِ ثُمَّ أَسْلَمَ ولم يَلْقَهُ الثَّانِيَةُ من اجْتَمَعَ بِهِ قبل الْمَبْعَثِ وَحَادَثَهُ ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ الْمَبْعَثِ ولم يَلْقَهُ فَهَلْ يُكْتَفَى بِاللِّقَاءِ الْأَوَّلِ مع إسْلَامِهِ في زَمَنِهِ فيه نَظَرٌ وقد رَوَى أبو دَاوُد في سُنَنِهِ عن عبد اللَّهِ بن شَقِيقٍ عن أُمَيَّةَ عن عبد اللَّهِ بن أبي الْحَمْسَاءِ قال بَايَعْت النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قبل أَنْ يُبْعَثَ وَبَقِيَتْ له بَقِيَّةٌ فَوَعَدْته أَنْ آتِيَهُ بها في مَكَان وَنَسِيت ثُمَّ إنِّي ذَكَرْت بَعْدَ ثَلَاثٍ فَجِئْت فإذا هو في مَكَانِهِ فقال يا فَتَى لقد شَقَقْت عَلَيَّ أنا في انْتِظَارِك مُنْذُ ثَلَاثٍ أَنْتَظِرُك فَهَذِهِ الْقَضِيَّةُ كانت قبل النُّبُوَّةِ ولم يَكُنْ ابن أبي الْحَمْسَاءِ أَسْلَمَ إذْ ذَاكَ قَطْعًا وَلَكِنَّهُ أَسْلَمَ بَعْدَ ذلك ولم تَثْبُتْ صُحْبَتُهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ الثَّالِثَةُ من اجْتَمَعَ بِهِ بَعْدَ الْمَبْعَثِ وَأَسْلَمَ قبل وَفَاتِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ وهو أَوْلَى بِالصُّحْبَةِ من الْقِسْمَيْنِ قَبْلَهُ من أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ الرَّابِعَةُ من صَحِبَهُ ثُمَّ ارْتَدَّ بَعْدَ وَفَاتِهِ ثُمَّ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ هل تُحْبِطُ رِدَّتُهُ تِلْكَ الصُّحْبَةَ السَّالِفَةَ يَنْبَنِي هذا على أَنَّ الْمُرْتَدَّ هل تَحْبَطُ أَعْمَالُهُ بِمُجَرَّدِ الرِّدَّةِ أَمْ لَا بُدَّ من الْوَفَاةِ على الرِّدَّةِ وَالثَّانِي هو الْمَشْهُورُ عِنْدَنَا وَعَلَيْهِ لَا تَحْبَطُ صُحْبَتُهُ وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ وَعَلَيْهِ تَحْبَطُ فَإِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ هذا إسْلَامًا جَدِيدًا يَجِبُ بِهِ اسْتِئْنَافُ
- الْحَجِّ وَلَا يَعْتَدُّونَ بِمَا سَبَقَ وَالْأَصَحُّ هو الْأَوَّلُ وَيَدُلُّ له إجْمَاعُ الْمُحَدِّثِينَ على عَدِّ الْأَشْعَثِ بن قَيْسٍ من الصَّحَابَةِ وَجَعْلِ أَحَادِيثِهِ مُسْنَدَةً وكان مِمَّنْ ارْتَدَّ بَعْدَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم ثُمَّ رَجَعَ بين يَدَيْ الصِّدِّيقِ وَقَوْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَيُذَادَنَّ عن حَوْضِي فَأَقُولُ أَصْحَابِي أَصْحَابِي فَيُقَالُ سُحْقًا فَإِنَّك لَا تَدْرِي مَاذَا أَحْدَثُوا بَعْدَك فَسَمَّاهُمْ أَصْحَابًا بِنَاءً على ما عَلِمَهُ منهم من أَسْلَمَ في حَيَاتِهِ ولم يَرَهُ إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ الْخَامِسَةُ من كان مُسْلِمًا في حَيَاتِهِ ولم يَرَهُ قبل مَوْتِهِ لَكِنْ رَآهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَقَبْلَ الدَّفْنِ هل يَكُونُ صَحَابِيًّا ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عبد الْبَرِّ نعم لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الصُّحْبَةَ لِمَنْ أَسْلَمَ في حَيَاتِهِ وَإِنْ لم يَرَهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ غَيْرُ صَحَابِيٍّ لِعَدَمِ وِجْدَانِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ أو الْمُجَالَسَةِ وَهَذَا كَأَبِي ذُؤَيْبٍ خُوَيْلِدِ بن خَالِدٍ الْهُذَلِيِّ الشَّاعِرِ وَقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ فإنه أُخْبِرَ بِمَرَضِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَسَافَرَ نَحْوَهُ فَقُبِضَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قبل وُصُولِهِ بِيَسِيرٍ وَحَضَرَ الصَّلَاةَ عليه وَرَآهُ مُسَجًّى وَشَهِدَ دَفْنَهُ السَّادِسَةُ اسْمُ الصَّحَابِيِّ شَامِلٌ لِلذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْجِنْسُ أَكْثَرُ صَحَابَةِ الرَّسُولِ صلى اللَّهُ عليه وسلم كَانُوا فُقَهَاءَ السَّابِعَةُ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ لَازَمُوا النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم كَانُوا فُقَهَاءَ قال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في طَبَقَاتِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ طُرُقَ الْفِقْهِ في حَقِّ الصَّحَابَةِ خِطَابُ اللَّهِ وَخِطَابُ رَسُولِهِ وَأَفْعَالُهُ فَخِطَابُ اللَّهِ هو الْقُرْآنُ وقد نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ وَعَلَى أَسْبَابٍ عَرَفُوهَا فَعَرَفُوا مَنْطُوقَهُ وَمَفْهُومَهُ وَمَنْصُوصَهُ وَمَعْقُولَهُ وَلِهَذَا قال أبو عُبَيْدٍ في كِتَابِ الْمَجَازِ لم يُنْقَلْ أَنَّ أَحَدًا من الصَّحَابَةِ رَجَعَ في مَعْرِفَةِ شَيْءٍ من الْقُرْآنِ إلَى رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم مَسْأَلَةٌ طَرِيقُ مَعْرِفَةِ الصَّحَابِيِّ يُعْرَفُ الصَّحَابِيُّ بِالتَّوَاتُرِ وَالِاسْتِفَاضَةِ وَبِكَوْنِهِ مُهَاجِرًا أو أَنْصَارِيًّا وَبِقَوْلِ صَحَابِيٍّ آخَرَ مَعْلُومِ الصُّحْبَةِ وما يَلْزَمُ منه أَنْ يَكُونَ صَحَابِيًّا كَقَوْلِهِ كُنْت أنا وَفُلَانٌ عِنْدَ
- النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أو دَخَلْنَا على النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَهَذَانِ يُشْتَرَطُ فِيهِمَا أَنْ يُعْرَفَ إسْلَامُهُ في تِلْكَ الْحَالَةِ وَيُمَيَّزَ فَأَمَّا إنْ ادَّعَى الْعَدْلُ الْمَعَاصِرُ لِلنَّبِيِّ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّهُ صَاحَبَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ قال الْقَاضِي أبو بَكْرٍ نعم لِأَنَّ وَازِعَ الْعَدْلِ يَمْنَعُهُ من الْكَذِبِ إذَا لم يَرِدْ عن الصَّحَابَةِ رَدُّ قَوْلِهِ وَجَرَى عليه ابن الصَّلَاحِ وَالنَّوَوِيُّ وَمِنْهُمْ من تَوَقَّفَ في ثُبُوتِهَا بِقَوْلِهِ لِمَا في ذلك من دَعْوَاهُ رُتْبَةً لِنَفْسِهِ وهو ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْقَطَّانِ الْمُحَدِّثِ وهو قَوِيٌّ فإن الشَّخْصَ لو قال أنا عَدْلٌ لم تُقْبَلْ لِدَعْوَاهُ لِنَفْسِهِ مَزِيَّةً فَكَيْفَ إذَا ادَّعَى الصُّحْبَةَ التي هِيَ فَوْقَ الْعَدَالَةِ وَالْأَوَّلُ حَكَاهُ أبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ في كِتَابِ الدَّلَائِلِ وَالْأَعْلَامِ قال إذَا ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ صَاحَبَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وهو مِمَّنْ لَا يُعْرَفُ لم يُقْبَلْ منه حتى تُعْلَمَ عَدَالَتُهُ فإذا عُرِفَتْ عَدَالَتُهُ قُبِلَ منه أَنَّهُ سمع من النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَرَآهُ مع إمْكَانِ ذلك منه لِأَنَّ الذي يَدَّعِيهِ دَعْوَى لَا أَمَارَةَ مَعَهَا وَخَالَفَ أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ وقال وَمَنْ يَدَّعِي صُحْبَةَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا يُقْبَلُ منه حتى تُعْلَمَ صُحْبَتُهُ فإذا عَلِمْنَاهَا فما رَوَاهُ فَهُوَ على السَّمَاعِ حتى يُعْلَمَ من غَيْرِهِ وهو ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ فإنه قال تُعْلَمُ الصُّحْبَةِ إمَّا بِطَرِيقٍ قَطْعِيٍّ وهو خَبَرُ التَّوَاتُرِ أو ظَنِّيٍّ وهو خَبَرُ الثِّقَةِ وَيَخْرُجُ من كَلَامِ بَعْضِهِمْ قَوْلٌ ثَالِثٌ وهو التَّفْصِيلُ بين أَنْ يَدَّعِيَ الصُّحْبَةَ الْيَسِيرَةَ وَقُلْنَا بِالِاكْتِفَاءِ بها في مُسَمَّى الصَّحَابِيِّ فَيُقْبَلُ لِأَنَّهُ مِمَّا يَتَعَذَّرُ إثْبَاتُهُ بِالنَّقْلِ إذْ رُبَّمَا لَا يَحْضُرُهُ حَالَةَ اجْتِمَاعِهِ بِالنَّبِيِّ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَحَدٌ أو حَالَ رُؤْيَتِهِ إيَّاهُ وَإِنْ ادَّعَى طُولَ الصُّحْبَةِ وَكَثْرَةَ التَّرَدُّدِ في السَّفَرِ وَالْحَضَرِ فإن مِثْلَ ذلك يُشَاهَدُ وَيُنْقَلُ وَيُشْتَهَرُ فَلَا يَثْبُتُ بِقَوْلِهِ ولم يَقِفْ ابن الْحَاجِبِ على نَقْلٍ في هذه الْمَسْأَلَةِ فقال لو قال الْمَعَاصِرُ الْعَدْلُ أنا صَحَابِيٌّ اُحْتُمِلَ الْخِلَافُ وقال أبو عبد اللَّهِ الصَّيْمَرِيُّ من الْحَنَفِيَّةِ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا الْإِخْبَارُ عن أَحَدٍ بِأَنَّهُ صَحَابِيٌّ إلَّا بَعْدَ وُقُوعِ الْعِلْمِ بِهِ إمَّا اضْطِرَارًا أو اكْتِسَابًا وَقِيلَ يَجُوزُ أَنْ يُخْبَرَ بِذَلِكَ إذَا أَخْبَرَ بِهِ الصَّحَابِيُّ قُلْت وهو الصَّحِيحُ وقد رَوَى الْبُخَارِيُّ في الْمَغَازِي عن الزُّهْرِيِّ عن سُنَيْنِ بن جَمِيلَةَ قال زَعَمَ أَنَّهُ أَدْرَكَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَخَرَجَ معه عَامَ الْفَتْحِ أَمَّا إذَا أَخْبَرَ عنه عَدْلٌ من التَّابِعِينَ أو تَابِعِيهِمْ أَنَّهُ صَحَابِيٌّ قال بَعْضُ شُرَّاحِ اللُّمَعِ لَا أَعْرِفُ فيه نَقْلًا قال وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ فيه أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ ذلك كما لَا يُقْبَلُ من ذلك مَرَاسِيلُهُ لِأَنَّ تِلْكَ قَضِيَّةٌ لم يَحْضُرْهَا ا ه
- وَالظَّاهِرُ قَبُولُهُ لِأَنَّهُ لَا يقول ذلك إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ إمَّا اضْطِرَارًا أو اكْتِسَابًا وَإِلَيْهِ يُشِيرُ كَلَامُ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ السَّابِقُ قال الصَّيْرَفِيُّ وَمَنْ عُلِمَ أَنَّهُ سمع رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فما حَكَاهُ على السَّمَاعِ حتى يُعْلَمَ غَيْرُهُ سَوَاءٌ بَيَّنَ ذلك أو لَا لِظُهُورِ الْعَدَالَةِ في الْكُلِّ مَسْأَلَةٌ تَعْرِيفُ التَّابِعِينَ الْخِلَافُ في التَّابِعِيِّ كَالْخِلَافِ في الصَّحَابِيِّ هل هو الذي رَأَى صَحَابِيًّا أو الذي جَالَسَ صَحَابِيًّا قَوْلَانِ حَكَاهُمَا النَّوَوِيُّ أَوَّلَ تَهْذِيبِهِ وقال الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ هو من صَحِبَ الصَّحَابِيَّ وَكَلَامُ الْحَاكِمِ كما قَالَهُ ابن الصَّلَاحِ يُشْعِرُ بِالِاكْتِفَاءِ بِاللِّقَاءِ وهو أَقْرَبُ منه في الصَّحَابِيِّ نَظَرًا إلَى مُقْتَضَى اللَّفْظَيْنِ فِيهِمَا وقد يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِشَرَفِ الصُّحْبَةِ وَعِظَمِ رُؤْيَةِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَذَلِكَ أَنَّ رُؤْيَةَ الصَّالِحِينَ لها أَثَرٌ عَظِيمٌ فَكَيْفَ رُؤْيَةُ سَيِّدِ الصَّالِحِينَ فإذا رَآهُ مُسْلِمٌ وَلَوْ لَحْظَةً انْصَبَغَ قَلْبُهُ على الِاسْتِقَامَةِ لِأَنَّهُ بِإِسْلَامِهِ تَهَيَّأَ لِلْقَبُولِ فإذا قَابَلَ ذلك النُّورَ الْعَظِيمَ أَشْرَقَ عليه وَظَهَرَ أَثَرُهُ في قَلْبِهِ وَعَلَى جَوَارِحِهِ الشَّرْطُ الرَّابِعُ من الشُّرُوطِ التي يَجِبُ أَنْ تَتَحَقَّقَ في الْمُخْبِرِ أَنْ يَكُونَ بَعِيدًا من السَّهْوِ وَالْغَلَطِ ضَابِطًا لِمَا يَتَحَمَّلُهُ وَيَرْوِيهِ لِيَكُونَ الناس على ثِقَةٍ منه في ضَبْطِهِ وَقِلَّةِ غَلَطِهِ فَإِنْ كان قَلِيلَ الْغَلَطِ قُبِلَ خَبَرُهُ إلَّا فِيمَا نَعْلَمُهُ أَنَّهُ غَلِطَ فيه وَإِنْ كان كَثِيرَ الْغَلَطِ رُدَّ إلَّا فِيمَا نَعْلَمُ أَنَّهُ لم يَغْلَطْ فيه قال ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ وَنَحْوُهُ قَوْلُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ لَا يُشْتَرَطُ انْتِفَاءُ الْغَفْلَةِ فَكَوْنُ الرَّاوِي مِمَّنْ تَلْحَقُهُ الْغَفْلَةُ لَا يُوجِبُ رَدَّ حَدِيثِهِ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ قد لَحِقَتْهُ الْغَفْلَةُ فيه بِعَيْنِهِ وَأَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ لَا يَخْلُونَ من جَوَازِ يَسِيرِ الْغَفْلَةِ وَإِنَّمَا يُرَدُّ إذَا غَلَبَتْ الْغَفْلَةُ على أَحَادِيثِهِ وَعَلَيْهِ يَخْرُجُ ما قَالَهُ الشَّافِعِيُّ في إسْمَاعِيلَ بن عَيَّاشٍ قال إنَّهُ كان سَيِّئَ الْحِفْظِ فِيمَا يَرْوِيهِ عن غَيْرِ الشَّامِيِّينَ وَعَنَى بِهِ أَنَّ الْغَفْلَةَ كانت غَالِبَةً عليه في ذلك فَاخْتَلَطَتْ رِوَايَاتُهُ وَلَكِنْ إذَا تَعَارَضَتْ رِوَايَاتُ من تَنَاهَى بِحِفْظِهِ وَمَنْ تَلْحَقُهُ الْغَفْلَةُ رُجِّحَ الْأَوَّلُ وَذَكَرَ نَحْوَهُ ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ وقال ابن فُورَكٍ في كِتَابِهِ فَإِنْ لم يَكُنْ ضَابِطًا لِكُلِّ ما حَدَّثَ بِهِ سَاغَ الِاجْتِهَادُ فيه وَإِنْ غَلَبَ عليه تَرْكُ الضَّبْطِ لم يُقْبَلْ خَبَرُهُ كما لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ إنْ كان الرَّاوِي تَلْحَقُهُ الْغَفْلَةُ في حَالَةٍ لَا يُرَدُّ حَدِيثُهُ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ قد لَحِقَتْهُ
- الْغَفْلَةُ في حَدِيثٍ بِعَيْنِهِ وقال أبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ من أَخْطَأَ في حَدِيثٍ فَلَيْسَ بِدَلِيلٍ على الْخَطَأِ في غَيْرِهِ ولم يَسْقُطْ بِذَلِكَ حَدِيثُهُ وَمَنْ كَثُرَ خَطَؤُهُ وَغَلَطُهُ لم يُقْبَلْ خَبَرُهُ لِأَنَّ الْمَدَارَ على حِفْظِ الْحِكَايَةِ ا هـ وَهَذَا ما حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ في عِلَلِهِ عن جُمْهُورِ أَهْلِ الحديث فقال كُلُّ من كان مُتَّهَمًا في الحديث بِالْكَذِبِ أو كان مُغَفَّلًا يُخْطِئُ الْكَثِيرَ فَاَلَّذِي اخْتَارَهُ أَكْثَرُ أَهْلِ الحديث من الْأَئِمَّةِ أَنْ لَا يُشْتَغَلَ منه بِالرِّوَايَةِ ا هـ وقال صَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ الْأَحْوَالُ ثَلَاثَةٌ لِأَنَّهُ إنْ غَلَبَ خَطَؤُهُ وَسَهْوُهُ على حِفْظِهِ فَمَرْدُودٌ قَطْعًا وَإِنْ غَلَبَ حِفْظُهُ على اخْتِلَالِهِ فَيُقْبَلُ إلَّا إذَا قام دَلِيلٌ على خَطَئِهِ وَإِنْ اسْتَوَيَا فَخِلَافٌ قال الْقَاضِي عبد الْجَبَّارِ يُقْبَلُ لِأَنَّ جِهَةَ الصِّدْقِ رَاجِحَةٌ في خَبَرِهِ لِعَقْلِهِ وَدِينِهِ ا هـ قُلْت وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ مِمَّنْ غَلَبَ غَلَطُهُ وَأَطْلَقَ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ رَدَّ خَبَرِهِ إذَا كَثُرَ منه السَّهْوُ وَالْغَلَطُ وَأَشَارَ بَعْضُ الْخُرَاسَانِيِّينَ من أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّهُ يُقْبَلُ خَبَرُهُ إذَا كان مُفَسَّرًا وهو أَنْ يَذْكُرَ من رَوَى عنه وَيُعَيِّنَ وَقْتَ السَّمَاعِ منه وما أَشْبَهَ ذلك قُلْت وَبِهِ جَزَمَ الْقَاضِي أبو الْحُسَيْنِ في كِتَابِ الشَّهَادَاتِ من تَعْلِيقِهِ وَذَكَرَ ابن الرِّفْعَةِ أَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ نَقَلَهُ عن الشَّافِعِيِّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الشَّهَادَةِ فَفِي الرِّوَايَةِ أَوْلَى قال وهو ما أَوْرَدَهُ الْفُورَانِيُّ وَالْمَسْعُودِيُّ وَالْغَزَالِيُّ الشَّرْطُ الْخَامِسُ أَنْ لَا يُعْرَفَ بِالتَّسَاهُلِ فِيمَا يَرْوِيهِ وَبِالتَّأْوِيلِ لِمَذْهَبِهِ فَرُبَّمَا أَحَالَ الْمَعْنَى بِتَأَوُّلِهِ وَرُبَّمَا يَزِيدُ في مَوْضِعٍ زِيَادَةً يُصَحِّحُ بها فَاسِدَ مَذْهَبِهِ فلم يُوثَقْ بِخَبَرِهِ قَالَهُ ابن السَّمْعَانِيِّ وَلَوْ رَوَى الحديث وهو غَيْرُ وَاثِقٍ بِهِ لم يُقْبَلْ وَإِنْ كان يَتَسَاهَلُ في غَيْرِ الحديث وَيَحْتَاطُ في الحديث قُبِلَتْ رِوَايَاتُهُ على الْأَصَحِّ وقال الْمَازِرِيُّ الرَّاوِي إنْ عُرِفَ منه التَّسَاهُلُ في حَدِيثِهِ وَالتَّسَامُحُ لم يُقْبَلْ قَطْعًا وَإِنْ لم يُعْرَفْ ذلك منه وَلَكِنْ نَرَى منه غَفْلَةً وَسَهْوًا فَإِنْ كان ذلك نَادِرًا لم يُؤَثِّرْ ما لم يَلُحْ لِلسَّامِعِ فيه ظُهُورُ مَخَايِلِ الْغَفْلَةِ وَإِنْ كَثُرَتْ فَاخْتَلَفُوا على ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا لَا يُمْنَعُ من قَبُولِهِ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ منه مَخَايِلُ الْغَفْلَةِ وَالثَّانِي لَا يُقْبَلُ
- وَالثَّالِثُ يُجْتَهَدُ وَيُبْحَثُ في الحديث الذي سُمِعَ منه حتى يَظْهَرَ ضَعْفُهُ من قُوَّتِهِ وهو مَذْهَبُ عِيسَى بن أَبَانَ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ لَكِنَّهُ مَثَّلَ بِمِثَالٍ فيه نَظَرٌ مَسْأَلَةٌ رُوَاةٌ لَا تُرَدُّ رِوَايَتُهُمْ لَا يُرَدُّ خَبَرُ من قَلَّتْ رِوَايَتُهُ كما لَا تُرَدُّ شَهَادَةُ من قَلَّتْ شَهَادَتُهُ وَلَا يُرَدُّ خَبَرُ من لم يَعْرِفْ مُجَالَسَةَ الْعُلَمَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ لِأَنَّهُ قد سمع من حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ قال ابن فُورَكٍ وابن السَّمْعَانِيِّ نعم إنْ رَوَى كَثِيرًا لَا يَحْتَمِلُهُ حَالُهُ لم يُقْبَلْ لِأَنَّ التُّهْمَةَ تَقْوَى فيه فَيَضْعُفُ الظَّنُّ بِقَوْلِهِ مَسْأَلَةٌ التَّدْلِيسُ وَحُكْمُهُ من عُرِفَ بِتَدْلِيسِ الْمُتُونِ فَهُوَ مَجْرُوحٌ مَطْرُوحٌ وهو مِمَّنْ يُحَرِّفُ الْكَلِمَ عن مَوَاضِعِهِ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وابن السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُمْ وَأَمَّا الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ فقال التَّدْلِيسُ في الْمَتْنِ هو الذي يُسَمِّيهِ أَصْحَابُ الحديث بِالْمُدْرَجِ وهو أَنْ يُدْرَجَ في كَلَامِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم كَلَامٌ غَيْرُهُ فَيَظُنُّ السَّامِعُ أَنَّ الْجَمِيعَ من كَلَامِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قال فَلَا حُجَّةَ فِيمَا هذا سَبِيلُهُ تدليس الرواة وأما من عرف بتدليس الرواة مع صدقه في المتون كشريك وهشيم وقتادة والأعمش وسفيان بن عيينة وقيل إن التدليس في أهل الكوفة أشهر منه في أهل البصرة فله أحوال أحدها أن يكون في إبدال الأسماء بغيرها كما يقول عن اسم زيد بن خالد عمرو بن بكر فهو كذب يرد به حديثه قاله الماوردي والروياني ثانيها أن يسميه بتسمية غير مشهورة وسهل ابن الصلاح أمره وقال ابن السمعاني ليس يجرح إلا أنه بحيث لو سئل عنه لم ينبه عليه وأما أبو الفتح بن برهان فقال هو جرح إلا أن يكون الذي يروي باسمه من أهل الأهواء ولكنه عدل عن اسمه المشهور صونا له عن القدح فلا ترد بذلك روايته لأن من العلماء من قبل أهل
- الأهواء ا هـ وليس من هذا إعطاء شخص اسم آخر تشبيها له كقول القائل أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ويعني به بعض مشايخه تشبيها بالبيهقي يعني الحاكم ثالثها أن يكون التدليس في اطراح اسم الراوي الأقرب وإضافة الحديث إلى من هو أبعد منه فهذا قد فعله سفيان بن عيينة فلا يكون به مجروحا لكن لا يقبل من حديثه إذا روي عن فلان حتى يقول حدثني أو أخبرني قاله الماوردي والروياني وقال إلكيا الطبري من قبل المراسيل لم ير له أثرا إلا أن يدلس لضعف عمن سمع منه فلا يعمل به وأما إذا لم يعلم بمطلق روايته فلا بد أن يقول حدثني أو أخبرني أو سمعته وفصل ابن السمعاني في القواطع بين أن يعرف بالتدليس ويغلب عليه وإذا استكشف لم يخبر باسم من يروي عنه فهذا يسقط الاحتجاج بحديثه لأنه تزوير لا حقيقة له وذلك يؤثر في صدقه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور وبين أن يرى اسم من يروي عنه إلا أنه إذا كشف عنه أخبر باسمه وأضاف الحديث إلى ناقله فهذا لا يسقط الحديث ولا يقتضي القدح في الراوي وقد كان سفيان بن عيينة يدلس فإذا سئل عمن حدثه بالخبر نص على اسمه ومذهب الشافعي أن من اشتهر بالتدليس لا تقبل روايته إلا إذا صرح بالسماع والتحديث فأما إذا قال عن فلان لم يقبل وأما إذا لم يشتهر بالتدليس فيقبل منه إذا حدث بالضعف لأن الناس قد يفعلون ذلك طلبا للخفة والاختصار وقال أبو بكر الصيرفي في كتاب الدلائل والأعلام كل من ظهر تدليسه من غير الثقات لم يقبل خبره حتى يقول حدثني أو سمعت ومن قال في الحديث حدثنا فلان عن فلان قبل خبره لأن الظاهر أنه إنما حكى عنه وإنما توقفنا في المدلس لعيب ظهر لنا فيه وإن لم يظهر فهو على سلامته ولو توقيناها لتوقينا في حدثنا لإمكان أن يكون حدث قبيلته وأصحابه كقول الحسن خطبنا فلان بالبصرة ولم يكن حاضرا لأنه احتمال لاغ فكذلك من علم سماعه إذا كان عن مدلس وكذلك
- إذا قال صحابي كأبي بكر وعمر قال رسول الله كذا فهو محمول على السماع والقائل بخلاف ذلك يغفل وقال أبو الحسين بن القطان في كتابه المدلس هو من يوهم شيئا ظاهره بخلاف باطنه وليس بصريح من الكذب مثل أن يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكون بينه وبين الرسول واسطة فإذا كف ذلك منه وجب أن يكف عن إخباره وقد شدد بعض المحدثين فيه فقال شعبة لأن أدمى أحب إلي من أن أدلس قال ووجدت ابن أخي هشام حكى عن الشافعي أنه لا يجيز التدليس ولا يقول به ويقول هذا سليمان الشاذكوني يقول من أراد أن يتدين بالحديث فلا يكتب عن فلان وفلان شيئا إلا ما قالا حدثنا أو أخبرنا وما سوى ذلك فهو خل وبقل قال ومن عرف بالتدليس وقف في خبره قال أبو الحسين وجملته أن المحدث إن قصد بقوله عن فلان إيهام أنه سمع منه فهو غش وإن كان على طريق الفتوى كقصة أبي هريرة في الجنب يصوم فإن ذلك لا يضره قال والكلام في الصحف وغيرها مثل هذا ولا يقبل ذلك الكتاب إلا أن يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم ككتاب عمرو بن حزم فأما إذا كان كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فيجوز أن يجعل أصلا فيقال به لأنه لم يسمعه إلا وقد صح شرائطه ويجوز أن يقال يقف عنه حتى يعلم من أي وجه كان ا هـ قال ومن عرف بالتدليس لا يقبل منه حرف حتى يبين سماعه ويقبل ذلك من الثقات وقد يعرف التدليس بأن يكثر عن المجهولين ويصل الوقوف وإذا فعل ذلك توقف في خبره وكذلك قال القفال الشاشي في كتابه من عرف بالتدليس لم يقبل خبره حتى يخبر بالسماع فيقول سمعت أو أخبرني أو حدثني ونحوه فأما إذا قال قال فلان فلا يقبل لأن تدليسه ظهر فالواجب التوقف عنه في خبره وإنما يسامح الثقات غير المعروفين بالتدليس في قولهم عن فلان لأن ذلك أخف من الإخبار بالسماع في خبره ويحمل ذلك منهم على السماع على حمله ما عرف منهم فصير ذلك كاللغة الجارية فأما من ظهر فيه التدليس فلا بد من الكشف ليوقف على من سمع منه الخبر لينظر في أحواله ا هـ وقال القاضي أبو الطيب والأستاذ أبو منصور إن عرف بالتدليس لم يقبل حتى يصرح بالتحديث وإن لم يعرف به قبل منه قوله قال فلان إذا حكاه
- عمن أدركه وحمل على سماعه منه قال سليم وذهب بعض المحدثين إلى أنه لا يقبل خبر المدلس بحال وجعله جرحا وقال القاضي عبد الوهاب اختلفوا في قبول خبر المدلس وهو الذي يعزي الرواية إلى رجل بينه وبينه رجل آخر فعن أصحاب أبي حنيفة أنه تقبل روايته وهو قول داود على ما حكاه الجزري ولا شك أن روايته لا تقبل على رأي من رد المراسيل وإنما الخلاف في ذلك فيمن قبلها وحكي عن الشافعي أنه شدد في المنع من قبول روايته حتى قال لا تقبل منه إذا قال أخبرني حتى يقول حدثني أو سمعت لأن هذا القول لا لبس فيه والأول فيه لبس قال وذكر بعض أصحابنا قبول روايته والظاهر على أصول مالك عندي أنها مردودة وحكى المازري الخلاف في قبول حديث المدلس ثم اختار أنه يقدح في ورعه وتحفظه وأما قبول حديثه أو رده فيتوقف على الاطلاع على تأويله وغرضه الباعث له على التدليس وعلى الفطن في مقدار تغريره بالسامعين منه وهل أمن أن يقعوا بما حدثهم في نقل ما لا يحل لهم لو أبدى لهم ما كتم أم لا وقال القاضي في التقريب التدليس يتضمن الإرسال لا محالة لاشتراكهما في حذف الواسطة وإنما يفترقان في أن التدليس يوهم سماع من لم يسمع منه وهو الموهن لأمره والإرسال لا يتضمن التدليس لأنه لا يوهم ذلك والجمهور على قبول خبره وقال به جمهور من قبل المرسل وقيل لا يقبل لما فيه من التوهم والمختار أن من عرف منه لم يقبل إذا أورده على وجه يحتمل السماع وغيره وإن لم يوهم ذلك قبل وقال وأما من قال في الإجازة والمناولة حدثني أو أخبرني فإن قلنا إنه يجوز العمل بالإجازة قبل ومن لا يجوزه لم يقبله لإيهام إرادة ما يجوز العمل به وهو لا يجوزه تَنْبِيهٌ شَرْطُ صِحَّةِ تَحَمُّلِ الرِّوَايَةِ هذه الشُّرُوطُ إنَّمَا تُعْتَبَرُ حَالَةَ الْأَدَاءِ لَا حَالَةَ التَّحَمُّلِ وَلِهَذَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ ما تَحَمَّلَهُ في حَالِ صَبَاهُ وَكُفْرِهِ وَفِسْقِهِ وَأَدَّاهُ في حَالَةِ الْكَمَالِ على ما سَبَقَ وَشَرْطُ صِحَّةِ التَّحَمُّلِ وُجُودُ التَّمْيِيزِ فَقَطْ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ قَالَا فَلَوْ كان الصَّبِيُّ غير مُمَيِّزٍ لم يَصِحَّ تَحَمُّلُهُ قَالَا وَعَلَى مُتَحَمِّلِ السُّنَّةِ أَنْ يَرْوِيَهَا إذَا سُئِلَ عنها وَلَا يَلْزَمُهُ رِوَايَتُهَا إذَا لم يُسْأَلْ عنها إلَّا أَنْ يَجِدَ الناس على خِلَافِهَا
- فَصْلٌ رِوَايَةُ الْأَعْمَى وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي بَصِيرًا بَلْ يُقْبَلُ خَبَرُ الْأَعْمَى الضَّابِطِ وَاخْتَلَفُوا في جَوَازِ سَمَاعِهِ وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ إذَا حَصَلَتْ الثِّقَةُ بِهِ بِأَنْ يَكُونَ ضَابِطًا لِلصَّوْتِ بِدَلِيلِ إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ على قَبُولِ حديث عَائِشَةَ رضي اللَّهُ عنها من خَلْفِ سِتْرٍ وَهُمْ في تِلْكَ الْحَالَةِ كَالْعُمْيَانِ وقد قَبِلُوا خَبَرَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَعِتْبَانَ بن مَالِكٍ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ في كِتَابِ الشَّهَادَاتِ في رِوَايَةِ الْأَعْمَى وَجْهَيْنِ وَأَنَّ الْإِمَامَ وَالْغَزَالِيَّ صَحَّحَا الْمَنْعَ وَأَنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ الْجَوَازُ لِمَا ذَكَرْنَا قال وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا تَحَمَّلَهَا وهو أَعْمَى فَأَمَّا ما سَمِعَهُ قبل الْعَمَى فَتُقْبَلُ رِوَايَتُهُ في الْعَمَى بِلَا خِلَافٍ أَيْ لِلْإِجْمَاعِ على قَبُولِ رِوَايَاتِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ طَرَأَ الْعَمَى عليه رِوَايَةُ الْأَخْرَسِ بِالْإِشَارَةِ وَهَلْ تُقْبَلُ رِوَايَةُ الْأَخْرَسِ إذَا كانت الْإِشَارَةُ مُفْهِمَةً قال بَعْضُ شُرَّاحِ اللُّمَعِ لَا أَعْرِفُ فيه نَصًّا وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ أَنْ يَنْبَنِيَ ذلك على الْوَجْهَيْنِ في شَهَادَتِهِ فَإِنْ قُلْنَا تُقْبَلُ فَرِوَايَتُهُ أَوْلَى وَإِنْ قُلْنَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فَفِي رِوَايَتِهِ وَجْهَانِ وَالظَّاهِرُ الْقَبُولُ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ أَوْسَعُ من الشَّهَادَةِ رِوَايَةُ الْمَرْأَةِ وَلَا تُشْتَرَطُ الذُّكُورَةُ بَلْ يُقْبَلُ خَبَرُ الْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى وَنَقَلَ صَاحِبُ الْحَاوِي عن أبي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ أَخْبَارُ النِّسَاءِ في الدِّينِ إلَّا أَخْبَارَ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ رضي اللَّهُ عنهما قال الرُّويَانِيُّ هَكَذَا نَقَلَهُ وَلَا يَصِحُّ وهو غَلَطٌ لِأَنَّهُ لو كان نَقْصُ الْأُنُوثَةِ مَانِعًا لَهُنَّ لم يُقْبَلْ قَوْلُهَا في الْفَتْوَى وهو غَلَطٌ ا هـ وَهَذَا النَّقْلُ لَا تَعْرِفُهُ الْحَنَفِيَّةُ وقد قال أبو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ رِوَايَةُ النِّسَاءِ مَقْبُولَةٌ لِأَنَّهُنَّ في الشَّهَادَةِ فَوْقَ الْأَعْمَى وقد قُبِلَتْ رِوَايَةُ الْأَعْمَى فَالْمَرْأَةُ أَوْلَى وَلِأَنَّ
- الصَّحَابَةَ كَانُوا يَسْأَلُونَ أَزْوَاجَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم نعم في تَعْلِيقِ ابْنِ أبي هُرَيْرَةَ حِكَايَةُ وَجْهَيْنِ في قَبُولِ فَتْوَى الْمَرْأَةِ لَا يَبْعُدُ جَرَيَانُهُمَا في رِوَايَتِهَا وَخَرَجَ من ذلك طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا الْقَطْعُ بِالْقَبُولِ نعم في تَرْجِيحِ رِوَايَةِ الرَّجُلِ على الْمَرْأَةِ خِلَافٌ حَكَاهُ في الْمَنْخُولِ اشْتِرَاطُ الْحُرِّيَّةِ وَلَا تُشْتَرَطُ الْحُرِّيَّةُ بَلْ تُقْبَلُ رِوَايَةُ الْعَبْدِ وَإِنْ لم تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ قال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ لَا خِلَافَ بين الْعُلَمَاءِ في عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ وَالذُّكُورَةِ اشْتِرَاطُ كَوْنِ الرَّاوِي فَقِيهًا وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فَقِيهًا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ سَوَاءٌ خَالَفَتْ رِوَايَتُهُ الْقِيَاسَ أَمْ لَا وَشَرَطَ عِيسَى بن أَبَانَ فِقْهَ الرَّاوِي لِتَقْدِيمِ الْخَبَرِ على الْقِيَاسِ وَلِهَذَا رَدَّ حَدِيثَ الْمُصَرَّاةِ وَتَابَعَهُ أَكْثَرُ مُتَأَخِّرِي الْحَنَفِيَّةِ وَمِنْهُمْ الدَّبُوسِيُّ وَأَمَّا الْكَرْخِيّ وَأَتْبَاعُهُ فلم يَشْتَرِطُوا ذلك بَلْ قَبِلُوا خَبَرَ كل عَدْلٍ إذَا لم يَكُنْ مُخَالِفًا لِلْكِتَابِ أو السُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ وَيُقَدَّمُ على الْقِيَاسِ قال أبو الْيُسْرِ منهم وَإِلَيْهِ مَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ قال صَاحِبُ التَّحْقِيقِ وقد عَمِلَ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ أبي هُرَيْرَةَ إذَا أَكَلَ أو شَرِبَ نَاسِيًا وَإِنْ كان مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ حتى قال أبو حَنِيفَةَ لَوْلَا الرِّوَايَةُ لَقُلْت بِالْقِيَاسِ وقد ثَبَتَ عن أبي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قال ما جَاءَنَا عن اللَّهِ وَعَنْ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَعَلَى الرَّأْسِ وَالْعَيْنِ وَاحْتَجَّ أبو حَنِيفَةَ في مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ على تَقْدِيرِ الْحَيْضِ وَغَيْرِهِ بِمَذْهَبِ أَنَسِ بن مَالِكٍ مُقَلِّدًا له فما ظَنُّك بِأَبِي هُرَيْرَةَ مع أَنَّهُ أَفْقَهُ من أَنَسٍ قال ولم يُنْقَلْ عن أَحَدٍ من السَّلَفِ اشْتِرَاطُ الْفِقْهِ في الرَّاوِي فَثَبَتَ أَنَّهُ قَوْلٌ مُحْدَثٌ ا هـ وَكَذَا قال بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْحَنَفِيَّةِ قال وَلِهَذَا قُلْنَا بِحَدِيثِ الْقَهْقَهَةِ وَأَوْجَبْنَا الْوُضُوءَ فيها وَلَيْسَتْ بِحَدَثٍ في الْقِيَاسِ وَلِهَذَا لم يُوجِبُوا الْوُضُوءَ على من
- قَهْقَهَ في صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ لِأَنَّ النَّصَّ لم يَرِدْ إلَّا في صَلَاةٍ ذَاتِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ قُلْت وَالصَّوَابُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كان من فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ وقد أَفْرَدَ الْقَاضِي أبو الْحُسَيْنِ السُّبْكِيُّ جُزْءًا في فَتَاوِيهِ وقال شَارِحُ الْبَزْدَوِيِّ بَلْ كان فَقِيهًا ولم يَعْدَمْ شيئا من آلَاتِ الِاجْتِهَادِ وكان يُفْتِي في زَمَنِ الصَّحَابَةِ وما كان يُفْتِي في ذلك الزَّمَانِ إلَّا فَقِيهٌ مُجْتَهِدٌ وقد انْتَشَرَ عنه مُعْظَمُ الشَّرِيعَةِ فَلَا وَجْهَ لِرَدِّ حَدِيثِهِ بِالْقِيَاسِ ا هـ أُمُورٌ أُخْرَى لَا تُشْتَرَطُ في الرُّوَاةِ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَا عِلْمُهُ بِمَا رَوَاهُ وَلَا بِكَوْنِهِ لَا يَدْرِي الْمُرَادَ بِهِ كَالْأَعْجَمِيِّ لِأَنَّ جَهْلَهُ بِمَعْنَى الْكَلَامِ لَا يَمْنَعُ من ضَبْطِهِ لِلْحَدِيثِ وَلِهَذَا يُمْكِنُهُ حِفْظُ الْقُرْآنِ وَإِنْ لم يَعْرِفْ مَعْنَاهُ كما لَا يُرَدُّ بِكَوْنِهِ لم يَرْوِ غير الْقَلِيلِ كَالْحَدِيثِ وَالْحَدِيثَيْنِ وَلَا بِكَوْنِهِ لَا يَعْرِفُ مُجَالَسَةَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَا بِطَلَبِهِ لِأَنَّهُ لَا يَقْدَحُ في صِدْقِهِ قَالَهُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ قال
- وإذا كان الرَّاوِي مُخْتَلَفًا في اسْمِهِ إلَّا أَنَّ له كُنْيَةً أو لَقَبًا يُعْرَفُ بِهِ فَلَا يُرَدُّ بِذَلِكَ خَبَرُهُ لِأَنَّهُ بِهِ يُعْرَفُ وَيَخْرُجُ عن الْجَهَالَةِ وَنُقِلَ في مَوْضِعٍ آخَرَ عن مَالِكٍ اشْتِرَاطُ مَعْرِفَتُهُ بهذا الشَّأْنِ قال وَعَنِيَ بِهِ مَعْرِفَةَ الرِّجَالِ وَالرُّوَاةِ وَأَنْ يَعْرِفَ هل زِيدَ في الحديث بِنَفْيٍ أو نَقْصٍ منه وَالصَّحِيحُ قَبُولُ رِوَايَةِ من صَحَّتْ رِوَايَتُهُ وَلَوْ لم يَعْنِ بهذا الشَّأْنِ وَبِهِ جَزَمَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَغَيْرُهُ قال وَلَكِنْ يُرَجَّحُ عليه رِوَايَةُ من اعْتَنَى بِالرِّوَايَاتِ وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ أَجْنَبِيًّا فَلَوْ رَوَى خَبَرًا يَنْفَعُ بِهِ نَفْسَهُ أو وَلَدَهُ قُبِلَ فإنه إنَّمَا يَرْجِعُ نَفْعُهُ إلَيْهِ ثُمَّ بَعْدَ مَوْتِهِ يَصِيرُ شَرْعًا وهو لَا يَخْتَصُّ بِأَحَدٍ قَالَهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ سَمِعْت وَلَا أخبرنا خِلَافًا لِلظَّاهِرِيَّةِ أو من ذَهَبَ منهم إلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ الْحَدِيثُ إلَّا إذَا قال رَاوِيَةً سَمِعْت أو أخبرنا حتى يَنْتَهِيَ إلَى رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَحَكَاهُ أبو الْعَبَّاسِ بن سُرَيْجٍ في كِتَابِ الْإِعْذَارِ الرَّادِّ كِتَابَ الْإِنْذَارِ ثُمَّ قال وَهَذَا يَقْتَضِي رَدَّ أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ إذْ ليس فيها ذلك وَخَافَ إنْ قِيلَ فُلَانٌ عن فُلَانٍ قَبُولَ الْمُرْسَلِ وَذَهَبَ عن الْعُرْفِ لِأَنَّ الناس اسْتَثْقَلُوا أخبرنا وَسَمِعْت فَأَقَامُوا عن مَقَامِهِمَا لِأَنَّهَا أَلْحَقَتْ الْخَبَرَ بِالْمُخْبِرِ ا هـ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَحْلِفَ على رِوَايَتِهِ وَعَنْ عَلِيِّ بن أبي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَّهُ كان يُرَهِّبُ الرَّاوِي الثِّقَةَ حتى يَحْلِفَ على خَبَرِهِ وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ وَلَا يُشْتَرَطُ الِاجْتِمَاعُ بِالرَّاوِي في كل رِوَايَةٍ بَلْ يَكْفِي مُجَرَّدُ الِاجْتِمَاعِ وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً وَاشْتَرَطَ الْبُخَارِيُّ الْأَوَّلَ وَنَقَلَهُ مُسْلِمُ بن الْحَجَّاجِ في كِتَابِهِ وقال لَا أَصْلَ له في أَفْعَالِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَلَا يُشْتَرَطُ الْعَدَدُ وَنَقَلُوا عن الْجُبَّائِيُّ أَنَّهُ اشْتَرَطَ في قَبُولِ الْخَبَرِ رِوَايَةَ اثْنَيْنِ وَشَرَطَ على الِاثْنَيْنِ اثْنَيْنِ حتى يَنْتَهِيَ الْخَبَرُ إلَى السَّامِعِ وَذَكَرَ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ مَذْهَبُ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ رضي اللَّهُ عنهما لِطَلَبِهِمَا الزِّيَادَةَ في الرُّوَاةِ وَنَقَلَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ عنه تَعْلِيلَ ذلك فَإِنَّا لو لم نَقُلْ ذلك تَضَاعَفَتْ الْأَعْدَادُ حتى يَخْرُجَ عن الْحَصْرِ كما يُقَالُ ذلك في تَضْعِيفِ أَعْدَادِ بُيُوتِ الشِّطْرَنْجِ قال وَلَا يُتَّجَهُ له اعْتِبَارُ ذلك بِالشَّهَادَةِ لِقِيَامِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا في أُمُورٍ كَثِيرَةٍ فَلَعَلَّهُ اعْتَمَدَ في ذلك على أَخْبَارٍ صَحَّتْ عن الصِّدِّيقِ وَالْفَارُوقِ في الْتِمَاسِ شَاهِدٍ آخَرَ مع الرَّاوِي الْوَاحِدِ كَقَوْلِ الصِّدِّيقِ لِلْمُغِيرَةِ من شَهِدَ معه وَقَوْلِ عُمَرَ الْفَارُوقِ لِأَبِي مُوسَى مثله وهو
- بَاطِلٌ فإنه لَا خَفَاءَ في قَبُولِ الصَّحَابِيِّ رِوَايَةَ الصِّدِّيقِ وَحْدَهُ وَرِوَايَةِ جُلَّةِ الصَّحَابَةِ إلَّا أَنَّهُ طَلَبَ في بَعْضِ الْأَحْوَالِ مَزِيدَ اسْتِقْصَائِهِمْ لِرَيْبٍ اعْتَرَاهُمْ في خُصُوصِ أَحْوَالِهِ كَإِحْلَافِ عَلِيٍّ بَعْضَ الرُّوَاةِ ا هـ وَاعْلَمْ أَنَّ أَثْبَتَ مَنْقُولٍ عن أبي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ في ذلك ما نَقَلَهُ عنه أبو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ في الْمُعْتَمَدِ فقال قال أبو عَلِيٍّ إذَا رَوَى اثْنَانِ خَبَرًا وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ وَإِنْ رَوَاهُ وَاحِدٌ فَقَطْ لم يَجُزْ إلَّا بِشَرْطِ أَنْ يُعَضِّدَهُ ظَاهِرٌ أو عَمَلُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ بِهِ أو اجْتِهَادٌ أو يَكُونَ مُنْتَشِرًا وَحَكَى الْقَاضِي عبد الْجَبَّارِ عنه أَنَّهُ لم يَقْبَلْ في الزِّنَا إلَّا خَبَرَ أَرْبَعَةٍ كَالشَّهَادَةِ عليه ولم يَقْبَلْ شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ الْوَاحِدَةِ ا هـ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ رِوَايَةُ الْوَاحِدِ مُطْلَقًا بَلْ يَعْتَبِرُ مع ذلك عَاضِدًا له وَيَقُومُ الْعَاضِدُ مَقَامَ الرَّاوِي الْآخَرِ وَهَذَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْكِبْرِيتِ عنه وَهُمْ أَعْرَفُ بِمَذْهَبِهِ قُلْت وَلَا نَظُنُّ أَنَّ ما نُقِلَ أَوَّلًا عن الْجُبَّائِيُّ هو مَذْهَبُ الْبُخَارِيِّ فإن الْحَاكِمَ ذَكَرَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ في صَحِيحِهِ اشْتَرَطَ رِوَايَةَ عَدْلَيْنِ عن عَدْلَيْنِ مُتَّصِلَةً أُنْكِرَ ذلك على الْحَاكِمِ قال ابن الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُ هذا غَيْرُ صَحِيحٍ منه وقد ظَنَّ ذلك ولم يُصِبْ وَأَيْضًا فَذَلِكَ احْتِيَاطٌ منه لَا اشْتِرَاطٌ في الْعَمَلِ بِهِ وَحَكَى الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ وابن الْأَثِيرِ في جَامِعِ الْأُصُولِ أَنَّ بَعْضَهُمْ اشْتَرَطَ أَرْبَعَةً عن أَرْبَعَةٍ إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الْإِسْنَادُ وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ منهم من شَرَطَ خَبَرَ الِاثْنَيْنِ عن اثْنَيْنِ في كل عَصْرٍ إلَى أَنْ يَتَّصِلَ بِأَصْلِهِ وهو قَوْلُ الْجُبَّائِيُّ وَمِنْهُمْ من اعْتَبَرَ رِوَايَةَ ثَلَاثَةٍ عن ثَلَاثَةٍ في كل عَصْرٍ وَمِنْهُمْ من اعْتَبَرَ أَرْبَعَةً وَمِنْهُمْ من اعْتَبَرَ خَمْسَةً وَمِنْهُمْ من اعْتَبَرَ سَبْعَةً وَمِنْهُمْ من اعْتَبَرَ عِشْرِينَ وَمِنْهُمْ من اعْتَبَرَ سَبْعِينَ وَهَذَا غَرِيبٌ وَإِنَّمَا قِيلَ بِبَعْضِهِ في الْمُتَوَاتِرِ مَسْأَلَةٌ الِاعْتِمَادُ على كُتُبِ الحديث من غَيْرِ الرِّوَايَةِ بِالْإِسْنَادِ ذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّ شَرْطَ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ سَمَاعُهُ وَحَكَاهُ ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ عن الْمُحَدِّثِينَ ثُمَّ قال وَذَهَبَ الْفُقَهَاءُ كلهم إلَى أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عليه فإذا صَحَّ عِنْدَهُ النُّسْخَةُ من الصَّحِيحَيْنِ مَثَلًا أو من السُّنَنِ جَازَ له الْعَمَلُ منها وَإِنْ لم يَسْمَعْ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إذَا وَجَدَ النَّاظِرُ حَدِيثًا مُسْنَدًا في كِتَابٍ مُصَحَّحٍ ولم يَرْتَبْ في ثُبُوتِهِ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ وَإِنْ لم يَسْمَعْ الْكِتَابَ فَلَا يَتَوَقَّفُ وُجُوبُ الْعَمَلِ على
- أَنْ تَنْتَظِمَ له الْأَسَانِيدُ وَمَنَعَهُ الْمُحَدِّثُونَ وَاَلَّذِي قُلْنَاهُ مَقْطُوعٌ بِهِ فإن من رَأَى في صَحِيحِ مُسْلِمٍ أو الْبُخَارِيِّ خَبَرًا وَعَلِمَ ثِقَةَ النُّسْخَةِ فَلَا يُتَمَارَى في أَنَّهُ يَجِبُ الْعَمَلُ بِذَلِكَ الْخَبَرِ وهو مَحَلُّ إجْمَاعٍ هَكَذَا نَقَلَهُ عنه ابن الْقُشَيْرِيّ في كِتَابِهِ ثُمَّ قال وإذا كان التَّعْوِيلُ على الثِّقَةِ فَلَوْ رَأَى حَدِيثًا في كِتَابِ رَجُلٍ مَوْثُوقٍ بِهِ عَرَفَ منه أَنَّهُ لَا يُجَازِفُ يَجِبُ عليه الْعَمَلُ بِهِ وَإِنْ لم يَرَهُ مَذْكُورًا بِإِسْنَادِهِ إلَى النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَوُجُوبُ الْعَمَلِ لَا يَتَوَقَّفُ على الْإِسْنَادِ حِسًّا حتى إذَا رَآهُ في مَوْضِعٍ يَنْتَفِي عنه اللَّبْسُ منه وَهَذَا يُشِيرُ إلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالْمَرَاسِيلِ ا هـ وَهَكَذَا جَزَمَ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ قَالَا وقال قَائِلُونَ من الْمُحَدِّثِينَ ليس له ذلك وهو بَعِيدٌ وَلَهُ أَنْ يَقُولَ قال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم مُسْتَنِدًا إلَى كِتَابٍ وَكَمَا أَنَّ عليه أَنْ يَعْمَلَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحْتَجَّ بِهِ على غَيْرِهِ اعْتِمَادًا على ما في الْكِتَابِ وَاسْتِنَادًا إلَيْهِ مَسْأَلَةٌ إذَا رُوِيَتْ لِصَحَابِيٍّ غَابَ عن الرَّسُولِ صلى اللَّهُ عليه وسلم سُنَّةٌ هل يَلْزَمُهُ سُؤَالُهُ عنها عِنْدَ لُقْيَاهُ لو رُوِيَتْ سُنَّةٌ لِمَنْ غَابَ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَعَمِلَ بها ثُمَّ لَقِيَهُ هل يَلْزَمُهُ سُؤَالُهُ عنها فيه وَجْهَانِ حَكَاهُمَا ابن فُورَكٍ وأبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ أَحَدُهُمَا يَلْزَمُهُ لِيَكُونَ على يَقِينٍ من وُجُوبِ الْعَمَلِ بها وَالثَّانِي لَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ لو لَزِمَهُ السُّؤَالُ إذَا حَضَرَ لَلَزِمَهُ الْهِجْرَةُ إذَا غَابَ وقال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في التَّبْصِرَةِ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ في التَّقْرِيبِ وابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ وقال ابن فُورَكٍ إنَّهُ الْأَصَحُّ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا كُلِّفُوا بِالظَّاهِرِ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ عن الْحَنَفِيَّةِ قال لَكِنَّ الْأَوْلَى ذلك وقال صَاحِبُ الْحَاوِي الصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ وُجُوبَ السُّؤَالِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ السُّنَّةِ فَإِنْ كانت تَغْلِيظًا لم يَلْزَمُهُ السُّؤَالُ وَإِنْ كانت تَرْخِيصًا لَزِمَهُ السُّؤَالُ لِأَنَّ التَّغْلِيظَ الْتِزَامٌ وَالتَّرْخِيصَ إسْقَاطٌ قال أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ وابن فُورَكٍ وَاحْتَجَّ من لم يُوجِبْهُ بِأَنَّ أَهْلَ الْيَمَنِ لَقِيَ خَلْقٌ منهم النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فلم يَبْلُغْنَا أَنَّ وَاحِدًا منهم سَأَلَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم عن مَسْأَلَةٍ مِمَّا كان
- مُعَاذٌ أَدَّاهُ إلَيْهِمْ وَلَمَّا أتى آتٍ أَهْلَ قُبَاءَ فَأَخْبَرَهُمْ لم يَقُلْ أَنَّهُمْ سَأَلُوا النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بَعْدَ ذلك وَاحْتَجَّ الْآخَرُونَ بِأَنَّا مَأْمُورُونَ بِالِاعْتِقَادِ فَحَيْثُ يُمْكِنُ فَلَا يُعْدَلُ عنه وَأَهْلُ قُبَاءَ اسْتَغْنَوْا عن السُّؤَالِ بِمُشَاهَدَةِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم التَّحْوِيلَ وَأَهْلُ الْيَمَنِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا سَأَلُوهُ وَمِثْلُهُ بِمَا أَتَاهُمْ آتٍ في تَحْرِيمِ الْخَمْرِ أَرَاقُوهَا ولم يَسْأَلُوا وَبِأَنَّ شُهُودَ الْأَصْلِ إذَا حَضَرُوا كان السَّمَاعُ لهم دُونَ الْفَرْعِ فَكَذَلِكَ هُنَا وقال الْآخَرُونَ يَنْظُرُ في ذلك فَإِنْ كان قد حَكَمَ بِشَهَادَةِ الْفَرْعِ ثُمَّ حَضَرَ شُهُودُ الْأَصْلِ لم يَكُنْ عليه أَنْ يَسْأَلَهُمْ وَهُمَا سَوَاءٌ في الْمَعْنَى ا هـ فَرْعٌ فَلَوْ رَوَى تَابِعِيٌّ عن صَحَابِيٍّ ثُمَّ ظَفِرَ الْمَرْوِيُّ له بِالْمَرْوِيِّ عنه فَهَلْ يَلْزَمُهُ سُؤَالُهُ يُتَّجَهُ أَنْ يُقَالَ إنْ قُلْنَا يَلْزَمُ ذلك في الصَّحَابِيِّ فَهَاهُنَا أَوْلَى وَإِنْ قُلْنَا لَا يَلْزَمُ فَهَاهُنَا وَجْهَانِ مَسْأَلَةٌ إذَا ظَفِرَ الْإِنْسَانُ بِرَاوِي حَدِيثٍ عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم يَتَعَلَّقُ بِالسُّنَنِ وَالْأَحْكَامِ قال الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فَإِنْ كان من الْعَامَّةِ الْمُقَلِّدِينَ لم يَلْزَمْهُ سُؤَالٌ لِأَنَّ فَرْضَ السُّؤَالِ عِنْدَ نُزُولِ الْحَوَادِثِ بِهِ وَإِنْ كان من الْخَاصَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ لَزِمَ سَمَاعُ الحديث لِيَكُونَ أَصْلًا في اجْتِهَادِهِ قَالَا وَنَقْلُ السُّنَنِ من فُرُوضِ الْكِفَايَةِ فإذا نَقَلَهَا من فيه كِفَايَةٌ سَقَطَ فَرْضُهَا عن الْبَاقِينَ وَإِلَّا جُرِّحُوا أَجْمَعُونَ فَائِدَةٌ إذَا سمع الحديث من رَجُلٍ ثُمَّ وَجَدَ من هو أَعْلَمُ منه فَالسُّنَّةُ أَنْ يَسْمَعَ منه لِخَبَرِ ضِمَامِ بن ثَعْلَبَةَ قَالَهُ الْبُخَارِيُّ حَكَاهُ عنه الْعَبَّادِيُّ في الطَّبَقَاتِ مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ لِلصَّحَابِيِّ الِاقْتِصَارُ على السَّمَاعِ عن الصَّحَابِيِّ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ خِلَافًا لِمَنْ قال يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْأَلَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لِتَمَكُّنِهِ منه وَقِصَّةُ عَلِيٍّ رضي اللَّهُ عنه في أَمْرِهِ الْمِقْدَادَ بن الْأَسْوَدِ أَنْ يَسْأَلَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم تُبْطِلُ قَوْلَهُمْ قَالَهُ السَّفَاقِسِيُّ شَارِحُ الْبُخَارِيِّ
- مَسْأَلَةٌ إنْكَارُ الشَّيْخِ ما حَدَّثَ بِهِ إذَا رَوَى ثِقَةٌ عن ثِقَةٍ حَدِيثًا ثُمَّ رَجَعَ الشَّيْخُ فَأَنْكَرَهُ فَلَهُ حَالَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُكَذِّبَ الرَّاوِيَ عنه صَرِيحًا كَقَوْلِهِ كَذَبَ عَلَيَّ ما رَوَيْت له هذا قَطُّ فَالْمَشْهُورُ عَدَمُ قَبُولِ الحديث وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ الْقَاضِيَ عَزَاهُ لِلشَّافِعِيِّ قال ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ إنَّهُ الذي عليه الْأَصْحَابُ وَسَوَاءٌ كان الْفَرْعُ جَازِمًا بِالرِّوَايَةِ عنه أو لم يَكُنْ وَيَصِيرُ كَتَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ فَيُرَدُّ ما جَحَدَهُ الْأَصْلُ لِأَنَّ الرَّاوِيَ عنه فَرْعُهُ وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُكَذِّبٌ لِلْآخَرِ فِيمَا يَدَّعِيهِ فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا كَاذِبًا قَطْعًا لَكِنْ لَا يَثْبُتُ كَذِبُ الْفَرْعِ بِتَكْذِيبِ الْأَصْلِ له في غَيْرِ هذا الذي رَوَاهُ بِحَيْثُ أَنْ يَكُونَ ذلك جَرْحًا لِلْفَرْعِ لِأَنَّهُ أَيْضًا يُكَذِّبُ شَيْخَهُ في نَفْيِهِ ذلك وَلَيْسَ قَبُولُ جَرْحِ أَحَدِهِمَا بِأَوْلَى من الْآخَرِ فَتَسَاقَطَا وَيُرَدُّ من حديث الْفَرْعِ ما نَفَى الْأَصْلُ تَحْدِيثَهُ بِهِ خَاصَّةً وَلَا يُرَدُّ من حديث الْأَصْلِ نَفْسِهِ إذَا حَدَّثَ بِهِ كما قال الْقَاضِي أبو بَكْرٍ فِيمَا حَكَاهُ عن الْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ وَكَذَا إذَا حَدَّثَ بِهِ فَرْعٌ آخَرُ ثِقَةً عنه ولم يُكَذِّبْهُ الْأَصْلُ فَهُوَ مَقْبُولٌ وَنَقَلَ الْهِنْدِيُّ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ في هذه الْحَالَةِ على الرَّدِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ في الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبَانِ أَحَدُهُمَا التَّوَقُّفُ لِأَنَّهُ تَعَارَضَ أَمْرَانِ قَطَعَ الْمَنْقُولُ عنه بِكَذِبِ الرَّاوِي وَقَطَعَ النَّاقِلُ بِالنَّقْلِ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى من الْآخَرِ وهو ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الصَّبَّاغِ في الْعُدَّةِ وَنَقَلَهُ ابن الْقُشَيْرِيّ عن اخْتِيَارِ الْقَاضِي أبي بَكْرٍ وَاخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَنَقَلَ عن الْقَاضِي أَنَّهُ قَطَعَ بِالرَّدِّ في هذا الْمَوْضِعِ وَنَازَعَهُ ابن الْقُشَيْرِيّ وقال الذي الْتَزَمَهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ التَّوَقُّفُ وهو عَيْنُ ما اخْتَارَهُ الْإِمَامُ قال وَهَذَا كَخَبَرَيْنِ تَعَارَضَا فَإِمَّا أَنْ يَتَسَاقَطَا أو يُرَجَّحَ أَحَدُهُمَا إنْ أَمْكَنَ قُلْت رَوَى الْخَطِيبُ في الْكِفَايَةِ بِإِسْنَادِهِ عن الْقَاضِي مِثْلَ ما نَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَعَابَهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ فَأَمَّا إذَا قال أَعْلَمُ أَنِّي ما حَدَّثْته فَقَدْ كَذَّبَ فَلَيْسَ قَبُولُ جَرْحِ شَيْخِهِ له أَوْلَى من الْعَكْسِ فَيَجِبُ إيقَافُ الْعَمَلِ بهذا الحديث وَيَرْجِعُ في
- الْحُكْمِ إلَى غَيْرِهِ وَيُجْعَلُ بِمَثَابَةِ ما لم يَرِدْ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَرْوِيَهُ الشَّيْخُ مع قَوْلِهِ إنِّي لم أُحَدِّثْ بِهِ هذا الرَّاوِي عَنِّي فَيُعْمَلُ فيه بِرِوَايَتِهِ دُونَ رِوَايَتِهِ عنه ا هـ وَالثَّانِي أَنَّ تَكْذِيبَ الْأَصْلِ لِلْفَرْعِ لَا يُسْقِطَ الْمَرْوِيَّ وَلِهَذَا لو اجْتَمَعَا في شَهَادَةٍ لم تُرَدَّ وَهَذَا ما اخْتَارَهُ أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ كما رَأَيْته في كِتَابِهِ وأبو الْمُظَفَّرِ بن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ قال ابن الْقَطَّانِ وهو مُخَالِفٌ لِلشَّهَادَةِ من هذا الْوَجْهِ لِأَنَّ أَمْرَ الشَّهَادَةِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ بِخِلَافِ الْخَبَرِ وَجَزَمَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ أَيْضًا فَقَالَا لَا يَقْدَحُ ذلك في صِحَّةِ الحديث إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْفَرْعِ أَنْ يَرْوِيَهُ عن الْأَصْلِ الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يُنْكِرَهُ فِعْلًا بِأَنْ يَعْمَلَ بِخِلَافِ الْخَبَرِ فَإِنْ كان قبل الرِّوَايَةِ فَلَا يَكُونُ تَكْذِيبًا بِوَجْهٍ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ تَرَكَهُ لَمَّا بَلَغَهُ الْخَبَرُ وَكَذَلِكَ إذَا لم يَعْلَمْ التَّارِيخَ حُمِلَ عليه تَحَرِّيًا لِمُوَافَقَةِ السُّنَّةِ وَأَمَّا إذَا كان بَعْدَ الرِّوَايَةِ نُظِرَ فيه فَإِنْ كان الْخَبَرُ يَحْتَمِلُ ما عُمِلَ بِهِ بِضَرْبٍ من التَّأْوِيلِ لم يَكُنْ تَكْذِيبًا لِأَنَّ بَابَ التَّأْوِيلِ في الْأَخْبَارِ غَيْرُ مَسْدُودٍ لَكِنْ لَا يَكُونُ حُجَّةً لِأَنَّ تَأْوِيلَهُ بِرَأْيِهِ لَا يَلْزَمُ غَيْرُهُ وَإِنْ كان الْخَبَرُ لَا يَحْتَمِلُ ما عُمِلَ بِهِ فَهُوَ مَرْدُودٌ هَكَذَا قال ابن الْأَثِيرِ في شَرْحِ مُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ وَاعْلَمْ أَنَّ هذا التَّفْصِيلِ لِأَبِي زَيْدٍ الدَّبُوسِيِّ وَقِيَاسُ مَذْهَبِنَا أَنَّهُ لَا يُرَدُّ بِهِ مُطْلَقًا الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ أَنْ يُنْكِرَهُ تَرْكًا فَإِنْ امْتَنَعَ الشَّيْخُ من الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ فَفِيهِ دَلِيلٌ على أَنَّهُ لو عَرَفَ صِحَّتَهُ لَمَا امْتَنَعَ من الْعَمَلِ بِهِ فإنه يَحْرُمُ عليه مُخَالَفَتُهُ مع الْعِلْمِ بِصِحَّتِهِ وَلَهُ حُكْمُ الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ أَنْ لَا يُصَرِّحَ الْأَصْلُ بِتَكْذِيبِهِ وَلَكِنْ شَكَّ أو ظَنَّ أو قال لَا أَذْكُرُهُ أو لَا أَعْرِفُهُ وَيَغْلِبُ على ظَنِّي أَنِّي ما حَدَّثْتُك وَالْفَرْعُ جَازِمٌ بِهِ فَهَاهُنَا تَوَقَّفَ الْقَاضِي فِيمَا نَقَلَهُ عنه الْخَطِيبُ في الْكِفَايَةِ وَالْجُمْهُورُ على عَدَمِ التَّوَقُّفِ وهو الذي رَأَيْته في التَّقْرِيبِ لِلْقَاضِي وَاخْتَلَفُوا هل يَكُونُ الْحُكْمُ لِلْفَرْعِ الذَّاكِرِ أو الْأَصْلِ النَّاسِي فيه قَوْلَانِ فَذَهَبَ أَصْحَابُنَا إلَى الْأَوَّلِ وَوَافَقَنَا محمد بن الْحَسَنِ وَأَنَّ نِسْيَانَ الْأَصْلِ لَا يَسْقُطُ الْعَمَلُ بِمَا فيه قال الْقَاضِي وهو مَذْهَبُ الدَّهْمَاءِ من الْعُلَمَاءِ وَالْفُقَهَاءِ من أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَهَذَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ في نَفْسِهِ تَارِكًا له وَأَنْ يَكُونَ الرَّاوِي النَّاسِي لِمَا رَوَاهُ وَقْتَ رِوَايَتِهِ بِصِفَةِ من يُقْبَلُ خَبَرُهُ وقال سُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ هو قَوْلُ أَصْحَابِ الحديث بِأَسْرِهِمْ وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ وقال ابن الْقُشَيْرِيّ هو ما اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَادَّعَاهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ قال وَأَطْلَقَ الشَّافِعِيُّ الْقَوْلَ بِقَبُولِ الحديث وَإِيجَابِ الْعِلْمِ بِهِ
- وقال الْقَاضِي فيه تَفْصِيلٌ وَنَزَلَ عليه كَلَامُ الشَّافِعِيِّ وَذَهَبَ الْكَرْخِيّ وَالرَّازِيَّ وَأَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ إلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ وَلِهَذَا رَدُّوا خَبَرَ أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا الْخَبَرُ لِأَنَّ رَاوِيَهُ الزُّهْرِيُّ قال لَا أَذْكُرُهُ وَكَذَا حَدِيثُ سُهَيْلِ بن أبي صَالِحٍ في الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ في بَابِ الْأَقْضِيَةِ أَنَّ الْقَاضِيَ ابْنَ كَجٍّ حَكَاهُ وَجْهًا عن بَعْضِ الْأَصْحَابِ وَنَقَلَهُ شَارِحُ اللُّمَعِ عن اخْتِيَارِ الْقَاضِي أبي حَامِدٍ الْمَرْوَرُوذِيِّ وَأَنَّهُ قَاسَهُ على الشَّهَادَةِ وَحُكِيَ عن بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَجُوزُ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَرْوِيَهُ إلَّا الذي نَسِيَهُ فإنه يَسْقُطُ في حَقِّهِ وَلَيْسَ له أَنْ يَرْوِيَهُ عن الْمَرْوِيِّ عنه لِأَنَّهُ فَرْعٌ وَسَتَأْتِي هذه الْمَسْأَلَةُ لنا أَنَّ الرَّاوِي عَدْلٌ جَازِمٌ بِالرِّوَايَةِ فَيَجِبُ الْعَمَلُ لِحُصُولِ الْيَقِينِ وَتَوَقُّفُ الشَّيْخِ ليس بِمُعَارِضٍ بَلْ يَجِبُ على الشَّيْخِ أَنْ يَقُولَ حدثني فُلَانٌ عَنِّي وَيُعْمَلُ بِهِ قال الْقَرَافِيُّ فَإِنْ قِيلَ هَلَّا حَمَلْتُمْ النِّسْيَانَ على الْكَلَامِيِّ وَتَعْرِيفَهُمْ قِيلَ له النِّسْيَانُ لم يَقَع منه وهو ظَاهِرُ الْعَدَالَةِ قال الْعُلَمَاءُ وَلِأَجْلِ هذا الْخِلَافِ كَرِهَ جَمَاعَةٌ الرِّوَايَةَ عن الْأَحْيَاءِ منهم الشَّعْبِيُّ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ وَالشَّافِعِيُّ حَكَاهُ الْخَطِيبُ في الْكِفَايَةِ وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ في الْمَدْخَلِ أَنَّ ابْنَ عبد الْحَكَمِ رَوَى عن الشَّافِعِيِّ حِكَايَةً فَأَنْكَرَهَا الشَّافِعِيُّ ثُمَّ ذَكَرَهَا وقال لَا تُحَدِّثْ عن حَيٍّ فإن الْحَيَّ لَا يُؤْمَنُ عليه النِّسْيَانُ وَفَصَّلَ أبو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ بين أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ يَغْلِبُ عليه النِّسْيَانُ وَاعْتَادَ ذلك في مَحْفُوظَاتِهِ فَيُقْبَلُ وَإِنْ كان رَأْيُهُ يَمِيلُ إلَى جَهْلِهِ أَصْلًا بِذَلِكَ الْخَبَرِ رَدَّهُ وَفَصَّلَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ مِنَّا بين أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ دَلِيلٌ يَسْتَقِلُّ فإن التَّرَدُّدَ وَإِنْ لم يُعَارِضْ قَطْعَ الرَّاوِي لَكِنَّهُ يُورِثُ ضَعْفًا فَيَصِيرُ بِمَثَابَةِ خَبَرَيْنِ يَتَعَارَضَانِ وَأَحَدُ الرَّاوِيَيْنِ أَوْثَقُ فإن مُعَارَضَةَ الثَّانِي له تُخْرِجُهُ عن أَحَدِ الْأَدِلَّةِ الْمُسْتَقِلَّةِ وَإِنْ وَجَدْنَا
- وَرَاءَهُ دَلِيلًا مُسْتَقِلًّا فَهُوَ أَوْلَى فإن ما في أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ من مَزِيدِ وُضُوحٍ لَا يَسْتَقِلُّ دَلِيلًا قال وَهَذَا حَسَنٌ جِدًّا إلَّا أَنَّا سَنَذْكُرُ تَرَدُّدًا في أَنَّ مَزِيَّةَ الحديث أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ أو الْقِيَاسِ وَيَضْطَرِبُ الرَّاوِي فيه سِيَّمَا إذَا كان الْقِيَاسُ جَلِيًّا كَاَلَّذِي يُقَرِّرُونَهُ في مَسْأَلَةِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ فَإِنْ قِيلَ إذَا لم يَكُنْ مَعَكُمْ خَبَرٌ مُسْتَقِلٌّ في تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ فَعَلَى مَاذَا تَعْتَمِدُونَ ما رَوَاهُ فَقِيلَ رُوِيَ الْخَبَرُ الذي تَرَدَّدَ فيه الزُّهْرِيُّ من طَرِيقٍ آخَرَ غَيْرِ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ قال وكان إمَامُ الْحَرَمَيْنِ يَرَى الْخَبَرَ دَلِيلًا مُسْتَقِلًّا مع تَرَدُّدِ الشَّيْخِ وَلَكِنْ كان يَرَى إذَا قَطَعَ الشَّيْخُ بِالرَّدِّ أَنَّ ذَاكَ يَمْنَعُ قَبُولُ رِوَايَتِهِ قال إلْكِيَا وَمَنْ لم يَسْلُكْ الطَّرِيقَ الذي سَلَكْنَاهُ لَا يَعْدَمُ من التَّعَرُّضِ على ما ذَكَرَهُ الْإِمَامُ كَلَامًا مُخَيِّلًا فإن قَطْعَ النَّافِي قد لَا يُعَارِضُ قَطْعَ الْمُثْبِتِ فَمِنْ الْمُمْكِنِ أَنَّهُ رَوَاهُ ثُمَّ نَسِيَ وَظَهَرَ عِنْدَهُ أَنَّهُ لم يَرْوِ تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ يَجُوزُ لِلرَّاوِي في هذه الْحَالَةِ أَنْ يَرْوِيَهُ عن الْأَصْلِ بِخِلَافِ ما قَبْلَهَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ والروياني الثَّانِي هذا كُلُّهُ في أَنَّ الْغَيْرَ هل يَجُوزُ له أَنْ يَعْتَمِدَهُ لِأَنَّهُ الطَّرِيقُ له وقد تَمَسَّك الشَّافِعِيُّ بِرِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بن مُوسَى عن الزُّهْرِيِّ مع قَوْلِ الزُّهْرِيِّ لَا أَدْرِي أَمَّا الشَّيْخُ نَفْسُهُ إذَا لم يَتَذَكَّرْ هل له أَنْ يَتَّبِعَ رِوَايَتَهُ وَيَرْوِيَهُ كما يقول سُهَيْلٌ حدثني رَبِيعَةُ عَنِّي قال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ في كِتَابِ نَقْضِ مُفْرَدَاتِ أَحْمَدَ هذا مَوْضِعُ نَظَرٍ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ تُتْبَعُ رِوَايَتُهُ تَشَوُّفًا إلَى الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ وَحَكَى بَعْضُ شُرَّاحِ اللُّمَعِ من أَهْلِ الْيَمَنِ أَنَّ صَاحِبَ الْأَمْثَالِ حَكَى عن بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَجُوزُ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَرْوِيَهُ إلَّا الذي نَسِيَهُ فإنه يَسْقُطُ في حَقِّهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْوِيَ عن الرَّاوِي عنه لِأَنَّهُ فَرْعٌ له وَتَابِعٌ له فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ الْفَرْعُ أَصْلًا وَالتَّابِعُ مَتْبُوعًا في شَيْءٍ وَاحِدٍ قال وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وقال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في الْمُلَخَّصِ صَنَّفَ الدَّارَقُطْنِيُّ جُزْءًا فِيمَنْ رَوَى عَمَّنْ رَوَى عنه يَعْنِي بَعْدَ نِسْيَانِهِ قُلْت وَكَذَلِكَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ وَذَكَرَ ما أَهْمَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَمَّا عَمَلُهُ بِهِ فَحَكَى الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ عن الشَّافِعِيِّ أَنَّهُمْ اعْتَلُّوا بِأَنَّ الرَّاوِيَ إذَا نَسِيَ الْخَبَرَ حَرُمَ الْعَمَلُ عليه بِمُوجَبِهِ فَكَذَلِكَ يَحْرُمُ على غَيْرِهِ قال الْبَاجِيُّ
- يُقَالُ لهم من سَلَّمَ لَكُمْ هذا بَلْ يَجِبُ عليه الْعَمَلُ بِهِ إذَا أخبره الْعَدْلُ أَنَّهُ كان قد رَوَاهُ الثَّالِثُ مَحَلُّ الْخِلَافِ في إنْكَارِ لَفْظِ الحديث بِالْجُمْلَةِ فَأَمَّا في اللَّفْظَةِ الزَّائِدَةِ فيه إذَا قال رَاوِيهِ لَا أَحْفَظُ هذه اللَّفْظَةَ أو لم أُحَدِّثْك بها فَلَا خِلَافَ في وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ وَجَعَلَهُ أَصْلًا مَقِيسًا عليه أَصْلُ الحديث وقال لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قال إنَّهُ يَقْدَحُ في الحديث قال وَكَذَا نِسْيَانُ الْإِعْرَابِ وَكَلَامُ ابْنِ فُورَكٍ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ الْخِلَافِ بِالْوَاحِدِ فَأَمَّا الْجَمَاعَةُ الْكَثِيرَةُ إذَا نَسَبُوا ذلك كان قَادِحًا قَطْعًا لِاسْتِحَالَةِ ذلك في حَقِّهِمْ بِخِلَافِ الْوَاحِدِ الرَّابِعُ مَحَلُّ الْخِلَافِ أَيْضًا فِيمَا إذَا لم يَجْزِمْ الْأَصْلُ بِهِ وَجَزَمَ بِهِ الْفَرْعُ فَإِنْ كان الْفَرْعُ غير جَازِمٍ بِأَنْ كان شَاكًّا فيه غير ظَانٍّ له لم تُقْبَلْ رِوَايَتُهُ وَإِنْ حَذَفَهُ الشَّيْخُ لِفَقْدِ شَرْطِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّ شَرْطَهَا الْجَزْمُ بها أو الظَّنُّ فَإِنْ كان ظَانًّا وَالْأَصْلُ شَاكٌّ فيه قال الْهِنْدِيُّ فَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ من صُوَرِ الْخِلَافِ وَإِنْ كان الْأَصْلُ ظَانًّا عَدَمَ الرِّوَايَةِ عنه قال فَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ من جُمْلَةِ صُوَرِ الِاتِّفَاقِ على عَدَمِ الْقَبُولِ قال وَالضَّابِطُ فيه أَنَّهُ مَهْمَا كان قَوْلُ الْأَصْلِ مُعَادِلًا لِقَوْلِ الْفَرْعِ فإنه من جُمْلَةِ صُوَرِ الِاتِّفَاقِ وَمَهْمَا كان الْفَرْعُ رَاجِحًا على قَوْلِ الْأَصْلِ فإنه من جُمْلَةِ صُوَرِ الْخِلَافِ وقال الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وَيُتَّجَهُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ في كل هذه الْأَقْسَامِ مَقْبُولًا لِأَنَّ الْفَرْعَ لم يُوجَدْ في مُقَابَلَتِهِ من يُعَارِضُهُ فَلَا يَسْقُطُ بِهِ الِاسْتِدْلَال الْخَامِسُ أَنَّ الْخِلَافَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الرِّوَايَةِ أَمَّا الشَّهَادَةُ فَمَحَلُّ وِفَاقٍ فإذا أَنْكَرَ شَاهِدُ الْأَصْلِ الشَّهَادَةَ بَطَلَتْ شَهَادَةُ هذا الْفَرْعِ قال ابن بَرْهَانٍ وَهَاهُنَا مَسْأَلَةٌ يُخَالِفُ فيها الْمَذْهَبَانِ أُصُولَهُمْ وَهِيَ ما لو ادَّعَى رَجُلٌ على الْقَاضِي أَنَّك قَضَيْت لي أو سَجَّلَتْ في الْوَاقِعَةِ الْفُلَانِيَّةِ فَأَنْكَرَ الْقَاضِي دَعْوَاهُ وقال ما قَضَيْت وما سَجَّلْت وما عِنْدِي خَبَرٌ بِمَا تَدَّعِيهِ فإن الْمُدَّعِيَ لو أَقَامَ شَاهِدَيْنِ وَشَهِدَا بِمُوجَبِ دَعْوَاهُ لَا تَثْبُتُ هذه الدَّعْوَى بِشَهَادَتِهِمَا وَقِيَاسُ مَذْهَبِنَا أنها تَثْبُتُ لِأَنَّ الْقَاضِيَ كَالْأَصْلِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الشُّهُودِ وَقُصَارَى ما يَصْدُرُ هَاهُنَا إنْكَارُ الْأَصْلِ وَإِنْكَارُ الْأَصْلِ عِنْدَمَا لَا يَمْنَعُ من الْعَمَلِ بِقَوْلِ الْفَرْعِ في مَذْهَبِنَا في هذه الْمَسْأَلَةِ الْخِلَافِيَّةِ وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا على الْقَضَاءِ وَالْإِسْجَالِ وَمُقْتَضَى مَذْهَبِهِمْ أَنْ لَا تُقْبَلَ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَعْنِي الْقَاضِيَ أَنْكَرَ وَعِنْدَهُمْ إنْكَارُ الْأَصْلِ يُسْقِطُ الْفَرْعَ
- مَسْأَلَةٌ إذَا رَوَى حَدِيثًا عن شَيْخٍ وَلَيْسَ هو مَعْدُودًا من أَصْحَابِهِ الْمَشَاهِيرِ وَأَنْكَرَ عليه أَصْحَابُهُ هل يُقْبَلُ مِثَالُهُ تَمَسَّك الْحَنَفِيَّةُ في عَدَمِ نَقْضِ الْوُضُوءِ بِالنَّوْمِ في الصَّلَاةِ بِحَدِيثِ أبي خَالِدٍ الدَّالَانِيِّ ليس الْوُضُوءُ على من نَامَ قَائِمًا أو قَاعِدًا أو رَاكِبًا أو سَاجِدًا وَإِنَّمَا الْوُضُوءُ على من نَامَ مُضْطَجِعًا قال أَصْحَابُنَا ليس هذا الْحَدِيثُ بِصَحِيحٍ لِأَنَّهُ نُقِلَ عن الْإِمَامِ أَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ أَنَّهُ قال ما لِأَبِي خَالِدٍ الدَّالَانِيِّ يُزَاحِمُ أَصْحَابَ قَتَادَةَ وَلَيْسَ منهم أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّهُ لم يُعَدَّ من جُمْلَةِ أَصْحَابِهِ وَرَوَى الحديث دُونَهُمْ فَأَوْرَثَ شَكًّا قال ابن بَرْهَانٍ وَهَذَا الذي تَخَيَّلَهُ أَصْحَابُنَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْحَنَفِيَّةَ يَقُولُونَ الْكَلَامُ وَاقِعٌ في رَجُلٍ ثِقَةٍ عَدْلٍ فَتُقْبَلُ سَائِرُ رِوَايَاتِهِ فَكَيْفَ يُرَدُّ حَدِيثُهُ قال وَهَذَا هو اللَّائِقُ بِمَذْهَبِنَا فَإِنَّا بَيَّنَّا فِيمَا سَلَفَ أَنَّ الزِّيَادَةَ من الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ وَهَذَا مِثْلُهُ مَسْأَلَةٌ إنْكَارُ الرَّاوِي لِلْحَدِيثِ بَعْدَ رِوَايَتِهِ إنْكَارُ الرَّاوِي لِلْحَدِيثِ بَعْدَ رِوَايَتِهِ حُكْمُهُ مِثْلُ ما ذَكَرْنَاهُ قَالَهُ أبو الْحَسَنِ بن الْقَطَّانِ لِاحْتِمَالِ النِّسْيَانِ وقال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ إذَا رَجَعَ الرَّاوِي عَمَّا رَوَاهُ وقال كُنْت أَخْطَأْت فيه وَجَبَ قَبُولُهُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ من حَالِ الْعَدْلِ الثِّقَةِ الصِّدْقُ في خَبَرِهِ فَوَجَبَ أَنْ يُقْبَلَ رُجُوعُهُ فيه كَأَصْلِ رِوَايَتِهِ فَإِنْ قال تَعَمَّدْت الْكَذِبَ فقال أبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ في أُصُولِهِ لَا يُعْمَلُ بِهِ وَلَا بِشَيْءٍ من خَبَرِهِ فِيمَا نُقِلَ
- مَسْأَلَةٌ إذَا تَشَكَّكَ الرَّاوِي في الحديث بَعْدَ رِوَايَتِهِ له فَأَمَّا ما ذَكَرَ الرَّاوِي شَكًّا مُبْتَدَأً فإنه يَكُونُ قَادِحًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ شَكَّ بَعْدَمَا رَوَاهُ على غَيْرِ ذلك التَّشْكِيكِ قَالَهُ ابن الْقَطَّانِ الْمُحَدِّثُ في الْوَهْمِ وَالْإِيهَامِ وَنَازَعَهُ تِلْمِيذُهُ ابن الْمَوَّاقِ وقال تَشْكِيكُ الرَّاوِي بَعْدَ الْيَقِينِ عِنْدِي غَيْرُ قَادِحٍ فِيمَا حَدَّثَ بِهِ أَوَّلًا على الْيَقِينِ فإن شَكَّهُ بَعْدَ ذلك مَحْمُولٌ على النِّسْيَانِ وَتَغَيُّرِ الْحِفْظِ بِالْكِبَرِ وَغَيْرِهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرَاجِعَ الرَّاوِي أُصُولَهُ وَيَسْتَرِيبَ فِيمَا حَدَّثَ بِهِ أَوَّلًا من مَحْفُوظِهِ فإنه حِينَئِذٍ يَلْزَمُ بَيَانُ ذلك لِكُلِّ من حَمَّلَهُ إيَّاهُ فَيُقْبَلُ ذلك عنه وَيُعْرَفُ مَسْأَلَةٌ إذَا قال الرَّاوِي أَظُنُّ أَنَّ فُلَانًا حدثني أو قال هل يَقْدَحُ في الحديث قال ابن الْقَطَّانِ في الْوَهْمِ وَالْإِيهَامِ نعم لِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فيه وقال صَاحِبُ الْإِنْصَافِ هذا فيه نَظَرٌ أُصُولِيٌّ وَلِتَجْوِيزِهِ وَجْهٌ فإن الرَّاوِيَ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنِدَ في الرِّوَايَةِ إلَى الظَّنِّ وَلِهَذَا له أَنْ يَرْوِيَ على الْخَطِّ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ وفي مُسْلِمٍ في بَابِ الِاغْتِسَالِ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ حَدِيثٌ عن ابْنِ جُرَيْجٍ عن عَمْرِو بن دِينَارٍ قال أَكْبَرُ عِلْمِي وَاَلَّذِي يَخْطُرُ على بَالِي أَنَّ أَبَا الشَّعْثَاءِ أخبرني عن ابْنِ عَبَّاسٍ أخبره أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم كان يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ وقد اعْتَذَرَ بَعْضُهُمْ عن مُسْلِمٍ في هذا الحديث بِأَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَهُ مُتَابَعَةً لَا اعْتِمَادًا قُلْت وَهَلْ يُعْمَلُ بِالرِّوَايَةِ إذَا كان ذلك مُسْتَنَدَهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ على الْخِلَافِ في الشَّهَادَةِ بِالِاسْتِفَاضَةِ إذَا ذَكَرَهَا في مُسْنَدِهِ هل تُرَدُّ شَهَادَتُهُ مَسْأَلَةٌ إذَا قال الْعَدْلُ في حَدِيثٍ رَوَاهُ الْعَدْلُ الْمَرَضِيُّ إنَّهُ ليس بِصَحِيحٍ ولم يُبَيِّنْ وَجْهَ الْقَدَحِ لم يُسْمَعْ منه قَالَهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ لِأَنَّ الْأَسْبَابَ الْمُعَدِّلَةَ إذَا اجْتَمَعَتْ لم يَبْقَ لِلتُّهْمَةِ مَوْضِعٌ إلَّا أَنْ يُبَيِّنَ السَّبَبَ قال وَبِمِثْلِهِ رَدَدْنَا قَوْلَ يحيى بن
- مَعِينٍ لم يَصِحَّ في النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ حَدِيثٌ أَصْلًا وَإِنْ زَعَمَ زَاعِمٌ أَنَّ مُطْلَقَ قَدَحِهِ يُورِثُ تُهْمَةً قُلْنَا إنَّهُ لَا مُبَالَاةَ بِمُخَايِلِ التُّهْمَةِ إنَّمَا التَّعْوِيلُ على الْأَسْبَابِ ا هـ وَيُتَّجَهُ جَرَيَانُ خِلَافٍ فيه أَنَّ الْجَرْحَ الْمُطْلَقَ هل يُقْبَلُ وَظَاهِرُ تَصَرُّفِ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّ ذلك قَادِحٌ وَكَذَا قال ابن بَرْهَانٍ قَوْلُ الْكَثِيرِ من الْمُحَدِّثِينَ في رِوَايَةِ الْعَدْلِ الثِّقَةِ هذا لَا يَصِحُّ غَيْرُ مَقْبُولٍ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُرِيدَ نَفْيَ الصِّحَّةِ عِنْدَهُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْنَا تَقْلِيدُهُ فإنه لم يَحْتَوِ على جَمِيعِ الطُّرُقِ وَالْأَسَانِيدِ وَإِنْ عَنَى بِهِ عِنْدَهُ وَعِنْدَ غَيْرِهِ فَذَلِكَ جَرْحٌ مُطْلَقٌ فَلَا يُقْبَلُ حتى يُبَيِّنَ سَبَبَهُ
- مسألة زيادة الراوي الثقة إذا انفرد الثقة بزيادة في الحديث فتارة تكون لفظية كقوله في ربنا لك الحمد ولك الحمد فإن الواو زيادة في اللفظ وتارة تكون معنوية تفيد معنى زائدا كرواية من المسلمين في حديث زكاة الفطر ولها ثلاثة أحوال لأنه إما أن يعلم تعدد المجلس أو اتحاده أو جهل الأمر الحالة الأولى أن يعلم تعدده فيقبل قطعا لأنه لا يمنع أن يذكر النبي صلى الله عليه وسلم الكلام في أحد المجلسين بدون زيادة وفي الآخر بها وزعم الإبياري وابن الحاجب والهندي وغيرهم أنه لا خلاف في هذا القسم وليس كذلك وقد أجرى فيها ابن السمعاني التفصيل الذي سنحكيه عنه في اتحاد المجلس الحالة الثانية أن يشكل الحال فلا يعلم هل تعدد المجلس أو اتحد فألحقها الإبياري بالتي قبلها حتى يقبل بلا خلاف وقال الهندي ينبغي أن يكون فيها خلاف يترتب على الخلاف في الاتحاد وأولى بالقبول لأن المقتضي لتصديقه حاصل والمعارض له غير محقق قلت وكذا قال الآمدي حكمه حكم المتحد وأولى بالقبول نظرا إلى احتمال التعدد
- وأشار أبو الحسين في المعتمد إلى التوقف والرجوع إلى الترجيح ثم قال والصحيح أنه يجب حمل الخبرين على أنهما جريا في مجلسين لأنهما لو كانا في مجلس واحد جرى على لفظ واحد ولو كان اللفظ واحدا لكان الظاهر من عدالتهما وحفظهما ألا تختلف روايتهما فحصل في هذه الحالة أقوال وقال ابن دقيق العيد قيل إن احتمل تعدد المجلس قبلت الزيادة اتفاقا وهذا فيه نظر في بعض المواضع وهو ما إذا كانت القضية مشتملة على ألفاظ وقرائن تدل على الاتحاد فكذلك إذا رجحت الروايات كلها إلى راو واحد مع عدد المراتب في الرواة وإن طرأ التعدد فهاهنا ضعيف مرجوح وربما جزم ببطلانه كما في قضيته الواهية نفسها فإنها راجعة إلى رواية أبي حازم عن سهل بن سعد واختلف الرواة عن أبي حازم في ألفاظ فيها فالقول بتعدد المجلس في الواقعة هاهنا مع اتحاد السياق وتوافق أكثر الألفاظ واتحاد المخرج للحديث بعيد جدا فالطريق الرجوع إلى الترجيح بين الرواة
- المذاهب في الزيادة من الراوي إذا اتحد المجلس الحالة الثالثة أن يتحد المجلس وينقل بعضهم الزيادة ويسكت بعضهم عنها ولا يصرح بنفيها وفي المسألة مذاهب أحدها وهو قول الجمهور من الفقهاء والمحدثين أنها مقبولة مطلقا سواء تعلق بها حكم شرعي أم لا وسواء غيرت الحكم الثابت أم لا وسواء أوجب نقصا ثبت بخبر ليس فيه تلك الزيادة أم لا وسواء كان ذلك من شخص واحد بأن رواه مرة ناقصا ومرة بتلك الزيادة أو كانت الزيادة من غير من رواه ناقصا وهي كالحديث التام ينفرد به الثقة فالزيادة أولى لأنها غير مستقلة بل تابعة وقد قبل النبي صلى الله عليه وسلم خبر الأعرابي عن رؤية الهلال مع انفراده برؤيته وقبل خبر ذي اليدين وأبي بكر وعمر وإن انفردوا عن جميع الحاضرين قال ابن السمعاني ولا فرق بين أن يسند الراوي للزيادة والتارك لها ما روياه إلى مجلس واحد أو إلى مجلسين أو يطلقا إطلاقا فتقبل إلا في صورة واحدة وهي أن التارك للزيادة لو كانوا جماعة لا يجوز عليهم الغفلة عنها وكان المجلس واحدا أن لا يقبل رواية راوي الزيادة ونحوه قول ابن الصباغ في العدة إنما يقبل بشرط أن لا يكون من نقل الزيادة واحد ومن رواه ناقصا جماعة لا يجوز عليهم الوهم فإن كان كذلك
- سقطت هذا إذا روياه عن مجلس واحد قال فإن روياه عن مجلسين فإن كانا خبرين عمل بهما قال فإن كان الناقل لها عددا كثيرا فهي مقبولة وإن كان كل منهما واحدا فالأخذ برواية الضابط منهما وإن كانا ضابطين ثقتين كان الأخذ بالزيادة أولى وكلام الإمام في المحصول قريب من هذا التفصيل ونحوه قول الآمدي إذا اتحد المجلس فإن كان من لم يرو الزيادة قد انتهى إلى حد لا يقضي في العادة بغفلة مثله عن سماعها والذي رواها واحد فهي مردودة وإن لم ينتهوا إلى هذا الحد فاتفق جماعة الفقهاء والمتكلمين على قبول الزيادة خلافا لجماعة من المحدثين وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه ا هـ وكذلك قال ابن الحاجب والقرافي وغيرهما وخالفهم آخرون فأطلقوا القول بقبول الزيادة مطلقا وحكاه القاضي عبد الوهاب في الملخص عن مالك وأبي الفرج من أصحابه وأصحاب الشافعية وأجرى عليه الإطلاق أبو الحسين بن القطان وإمام الحرمين في البرهان والغزالي في المستصفى وقال سواء كانت الزيادة من حيث اللفظ أو المعنى والشيخ أبو إسحاق في اللمع وابن برهان وقال ابن القشيري بعد حكاية الخلاف والتفصيل والاختيار قبول الزيادة من الثقة في جميع الأحوال واعلم أن إمام الحرمين وغيره أطلقوا النقل عن الشافعي بقبول الزيادة من غير تعرض لشيء من الشروط وسيأتي في بحث المرسل من كلام الشافعي أن الزيادة من الثقة ليست مقبولة مطلقا وهو أثبت نقل عنه في المسألة وسنذكر قريبا عن نصه في الأم أنها لا تقبل إذا خالف الأحفظ والأكثر الثاني لا يقبل مطلقا وعزاه ابن السمعاني لبعض أهل الحديث ونقل عن معظم الحنفية ونقل الإمام عن الشافعي أنه قال من تناقض القول الجمع بين قبول رواية القراءة الشاذة في القرآن ورد الزيادة التي ينفرد بها بعض الرواة وحق القرآن أن ينقل تواترا بخلاف الأخبار وما كان أصله التواتر وقبل فيه زيادة الواحد فلأن يقبل فيما سواه الآحاد أولى وحكاه القاضي عبد الوهاب عن أبي بكر الأبهري وغيره من أصحابهم قال وعلى هذا بنوا الكلام في الزيادة المروية في حديث عدي بن حاتم
- وإن أكل فلا تأكل والثالث الوقف لأن في كل واحد من الاحتمالات بعدا والأصل وإن كان عدم الصدور لكن الأصل أيضا صدق الراوي وإذا تعارضا وجب التوقف حكاه الهندي والرابع إن كان غيره لا يغفل مثله عن مثلها عادة لم تقبل وإلا قبلت وهو قول الآمدي وابن الحاجب والخامس إن كان غيره لا يغفل أو كانت الدواعي لا تتوفر على نقلها وإليه يميل كلام ابن السمعاني كما سبق والسادس أنها لا تقبل ممن رواه ناقصا ثم رواه بتلك الزيادة أو رواه بالزيادة ثم رواه ناقصا وتقبل من غيره من الثقات نقله ابن القشيري والقاضي في التقريب عن فرقة من الشافعية وذكر ابن الصباغ في العدة فيما إذا روى الواحد خبرا ثم رواه بعد ذلك بزيادة فإن ذكر أنه سمع كل واحد من الخبرين في مجلس قبلت الزيادة وإن عزى ذلك إلى مجلس واحد أو تكررت روايته بغير زيادة ثم روى الزيادة فإن قال كنت نسيت هذه الزيادة قبل منه وإن لم يقل ذلك وجب التوقف في الزيادة وقال أبو الحسين في المعتمد إن أسند الروايتين إلى مجلسين قبل وهذا إن لم يعلم الحال حمل على التعدد وإن علم أنه لم يسندها إلى مجلسين وكان قد روى الخبر دفعات كثيرة من غير زيادة ورواه مرة واحدة بالزيادة فالأغلب أنه سها في إثبات الزيادة ولأن سهو الإنسان مرة واحدة أغلب من سهوه مرارا كثيرة فإن قال كنت قد أنسيت هذه الزيادة والآن ذكرتها قبلت الزيادة وحمل أمره على الأقل النادر وإن كان إنما رواها مرة واحدة بروايتها مرة فإن كانت الزيادة تغير إعراب الكلام تعارضت الروايتان وإن كانت الزيادة لا تغير اللفظ احتمل أن يتعارضا لأنه على كل حال قد وهم قال وهذا إذا لم يقارنه استهانة فلو روى الحديث تارة بالزيادة وتارة بحذفها استهانة وقلة تحفظ سقطت عدالته ولم يقبل حديثه
- السابع إن كانت الزيادة تغير إعراب الباقي كما لو روى راو في أربعين شاة شاة وروى الآخر نصف شاة لم يقبل ويتعارضان وهو الحق عند الإمام الرازي وأتباعه وحكاه الهندي عن الأكثرين قال لأن كل واحد منهما يروي غير ما رواه الآخر فيكون منافيا له معارضا فلا يقبل إلا بعد الترجيح قال وخالف أبو عبد الله البصري والمزي وفي المعتمد لأبي الحسين قبل أبو عبد الله البصري الزيادة سواء أثرت في اللفظ أم لا إذا أثرت في المعنى وقبلها القاضي عبد الجبار إذا أثرت في المعنى دون اللفظ ولم يقبلها إذا أثرت في إعراب اللفظ الثامن أنها لا تقبل إلا إذا أفادت حكما شرعيا حكاه القاضي عبد الوهاب فلو لم تفد حكما لم تعتبر كقولهم في محرم وقصت به ناقته في أخافيق جرذان قال فإن ذكر الموضع لا يتعلق به حكم شرعي وهذا حكاه ابن القشيري فقال وقيل إنما تقبل إذا اقتضت فائدة جديدة التاسع عكسه أنها تقبل إذا رجعت إلى لفظ لا يتضمن حكما زائدا كما حكاه ابن القشيري العاشر تقبل لو كانت باللفظ دون المعنى حكاه القاضي أبو بكر في التقريب ويحتمل أنه الذي قبله الحادي عشر بشرط أن يكون راويها حافظا وهو قول أبي بكر الخطيب والصيرفي قال الصيرفي وهو حينئذ بمعنى من نقل تلك الزيادة مستقلا بها لا شريك معه في الرواية ثم قال والحاصل أن كل من لو انفرد بحديث يقبل فإن زيادته مقبولة وإن خالف الحفاظ الثاني عشر إن تكافأ الرواة في الحفظ والإتقان وزاد حافظ عالم بالأخبار زيادة قبلت وإن كان لا يلحقهم في الحفظ لم تقبل وهو قول ابن خزيمة في صحيحه ويحتمل رجوعه لما قبله وإنما اختلفت العبارة الثالث عشر إن كان ثقة ولم يشتهر بنقل الزيادات في الوقائع وإنما كان ذلك منه على طريق الشذوذ قبلت كرواية مالك من المسلمين في صدقة الفطر وإن اشتهر بكثرة الزيادات مع اتحاد المجلس وامتناع الامتياز بسماع فاختلفوا فيه فمذهب الأصوليين قبول زيادته ومذهب المحدثين ردها للتهمة قاله أبو الحسن الإبياري في شرح البرهان
- شُرُوطُ الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ الرَّابِعَ عَشَرَ وهو الْمُخْتَارُ عِنْدِي تُقْبَلُ بِشُرُوطٍ أَحَدُهَا أَنْ لَا تَكُونَ مُنَافِيَةً لِأَصْلِ الْخَبَرِ ذَكَرَهُ سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ ثَانِيهَا أَنْ لَا تَكُونَ عَظِيمَةَ الْوَقْعِ بِحَيْثُ لَا يَذْهَبُ عن الْحَاضِرِينَ عِلْمُهَا وَنَقْلُهَا أَمَّا ما يَجُلُّ خَطَرُهُ فَبِخِلَافِهِ قَالَهُ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ ثَالِثُهَا أَنْ لَا يُكَذِّبَهُ النَّاقِلُونَ في نَقْلِ الزِّيَادَةِ فَإِنَّهُمْ إذَا قالوا شَهِدْنَا أَوَّلَ الْمَجْلِسِ وَآخِرَهُ مُصْغِينَ إلَيْهِ مُجَرِّدِينَ له أَذْهَانَنَا فلم نَسْمَعْ الزِّيَادَةَ فَذَلِكَ منهم دَلِيلٌ على ضَعْفِهِ فإنه لو كان لِلِاحْتِمَالِ مَجَالٌ لم يُكَذِّبُوهُ على عَدَالَتِهِ قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن الْقُشَيْرِيّ وَإِلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَالْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ وقال الْإِبْيَارِيُّ أَمَّا إذَا صَرَّحَ الْآخَرُونَ بِالنَّفْيِ وَاتَّحَدَ الْمَجْلِسُ فَقِيلَ هو مُعَارِضٌ فَيُقَدَّمُ أَقْوَاهَا وَقِيلَ الْإِثْبَاتُ مُقَدَّمٌ قال وهو الرَّاجِحُ رَابِعُهَا أَنْ لَا يُخَالِفَ الْأَحْفَظَ وَالْأَكْثَرَ عَدَدًا فَإِنْ خَالَفَتْ فَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ في الْأُمِّ في الْكَلَامِ على مَسْأَلَةِ إعْتَاقِ الشَّرِيكِ ما يَقْتَضِي أنها مَرْدُودَةٌ ولم يُفَرِّقْ بين بُلُوغِهِمْ إلَى حَدٍّ يَمْتَنِعُ عليهم الْغَفْلَةُ وَالذُّهُولُ أَمْ لَا بَلْ اعْتَبَرَ الْمُطْلَقَ مِنْهُمَا فإنه قال في كَلَامِهِ على زِيَادَةِ مَالِكٍ وَأَتْبَاعِهِ في حَدِيثٍ وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ منه ما عَتَقَ إنَّمَا يَغْلَطُ الرَّجُلُ بِخِلَافِ من هو أَحْفَظُ منه أو يَأْتِي بِشَيْءٍ فَيَتْرُكُهُ فيه من لم يَحْفَظْ منه ما حَفِظَ منه وَهُمْ عَدَدٌ وهو مُنْفَرِدٌ ا هـ وقال في حديث سَعِيدِ بن أبي عَرُوبَةَ وَإِنْ كان مُعْسِرًا اسْتَسْعَى الْعَبْدُ في قِيمَتِهِ هذه الزِّيَادَةُ وَهِيَ ذِكْرُ الِاسْتِسْعَاءِ تَفَرَّدَ بها سَعِيدٌ وَخَالَفَ الْجَمَاعَةَ فَلَا تُقْبَلُ
- وَلَمَّا رَأَى أَصْحَابُهُ هذا مُخَالِفًا لِمَا عَلِمُوهُ منه في قَبُولِ زِيَادَةِ الثِّقَةِ مُطْلَقًا ولم يَحْمِلُوا كَلَامَهُ على ما ذَكَرْنَا احْتَاجُوا لِتَأْوِيلِهِ فقال سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ لم يَرُدَّ الشَّافِعِيُّ هذه الْجِهَةَ بَلْ إنَّ رِوَايَةَ الْوَاحِدِ عَارَضَهَا رِوَايَةُ الْجَمَاعَةِ فَتُرَجَّحُ الْجَمَاعَةُ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ لِأَنَّ سَعِيدَ بن أبي عَرُوبَةَ رَوَاهُ مُطْلَقًا وَغَيْرُهُ رَوَى الْخَبَرَ وقال قال قَتَادَةُ وَيُسْتَسْعَى فَمَيَّزَ حَدِيثَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم من كَلَامِ قَتَادَةَ فَيَكُونُ هذا الرَّاوِي قد حَفِظَ ما خَفِيَ على الْآخَرِ وقال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَنَحْنُ وَإِنْ قَبِلْنَا الزِّيَادَةَ بِالشَّرْطِ السَّابِقِ فَيَتَطَرَّقُ إلَيْهَا احْتِمَالُ الضَّعْفِ وَيَخْدِشُ وَجْهَ الثِّقَةِ فَلَوْ عَارَضَهُ حَدِيثٌ آخَرُ على مُنَاقَضَةٍ لَقُدِّمَ عليه فَلِأَجْلِهِ قَدَّمَ الشَّافِعِيَّةُ خَبَرَ السِّرَايَةِ على خَبَرِ السِّعَايَةِ لِأَنَّهُ تَفَرَّدَ بِنَقْلِ السِّعَايَةِ سَعِيدُ بن أبي عَرُوبَةَ من بَيْنِ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ وَقَسَّمَ ابن الصَّلَاحِ الزِّيَادَةَ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا ما كان مُخَالِفًا مُنَافِيًا لِمَا رَوَاهُ الثِّقَاتُ فَمَرْدُودٌ ثَانِيهَا ما لَا يُنَافِي رِوَايَةَ الْغَيْرِ كَالْحَدِيثِ الذي تَفَرَّدَ بِرِوَايَةِ جُمْلَتِهِ ثِقَةٌ من الثِّقَاتِ فَيُقْبَلُ تَفَرُّدُهُ وَلَا يَتَعَرَّضُ فيه لِمَا رَوَاهُ الْغَيْرُ بِمُخَالَفَتِهِ أَصْلًا وَادَّعَى الْخَطِيبُ فيه الِاتِّفَاقَ ثَالِثُهَا ما يَقَعُ بين هَاتَيْنِ الْمَرْتَبَتَيْنِ كَزِيَادَةٍ في لَفْظِ حَدِيثٍ لم يَذْكُرْهَا سَائِرُ رُوَاةِ الحديث يَعْنِي وَلَا اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ وَلَا نَفَاهَا الْبَاقُونَ صَرِيحًا وَتَوَقَّفَ ابن الصَّلَاحِ في قَبُولِ هذا الْقِسْمِ وَحَكَى الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ عنه اخْتِيَارَ الْقَبُولِ فيه وَلَعَلَّهُ قَالَهُ في مَوْضِعٍ غَيْرِ هذا قَوْلُ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ وقال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ إذَا عُلِمَ اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ فَالْقَوْلُ لِلْأَكْثَرِ سَوَاءٌ كَانُوا رُوَاةَ الزِّيَادَةِ أو غَيْرَهُمْ تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْكَثْرَةِ فَإِنَّهَا عن الْخَطَأِ أَبْعَدُ فَإِنْ اسْتَوَوْا قُدِّمَ الْأَحْفَظُ وَالْأَضْبَطُ فَإِنْ اسْتَوَوْا قُدِّمَ الْمُثْبِتُ على النَّافِي وَقِيلَ النَّافِي لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهَا وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الزِّيَادَةَ إنْ نَافَتْ الْمَزِيدَ عليه اُحْتِيجَ لِلتَّرْجِيحِ لِتَعَذُّرِ الْجَمْعِ
- كَحَدِيثِ عِتْقِ بَعْضِ الْعَبْدِ فإن أَبَا هُرَيْرَةَ رضي اللَّهُ عنه رَوَى الِاسْتِسْعَاءَ وابن عُمَرَ لم يَرْوِهِ بَلْ قال وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ منه ما عَتَقَ وَهِيَ تُنَافِي الِاسْتِسْعَاءَ وَإِنْ لم تُنَافِهِ لم يَحْتَجْ إلَى التَّرْجِيحِ بَلْ يُعْمَلُ بِالزِّيَادَةِ إذَا أُثْبِتَتْ كما في الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ كَقَوْلِ أَنَسٍ رَضَخَ يَهُودِيٌّ رَأْسَ جَارِيَةٍ فَرَضَخَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم رَأْسَهُ بين حَجَرَيْنِ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ هَكَذَا مُطْلَقًا وَبَعْضُهُمْ يقول فَأَخَذَ الْيَهُودِيُّ فَاعْتَرَفَ فَرَضَخَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم رَأْسَهُ وَهِيَ رِوَايَةُ الصَّحِيحَيْنِ مَذْهَبُ أَهْلِ الحديث قال بَعْضُ مَشَايِخِنَا وَالْمُحَقِّقُونَ من أَئِمَّةِ الحديث خُصُوصًا الْمُتَقَدِّمِينَ كَيَحْيَى بن سَعِيدٍ الْقَطَّانِ وَعَبْدِ الرحمن بن مَهْدِيٍّ وَمَنْ بَعْدَهُمَا كَأَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ وَعَلِيِّ بن الْمَدِينِيِّ وَيَحْيَى بن مَعِينٍ وَهَذِهِ الطَّبَقَةُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ كَالْبُخَارِيِّ وَأَبِي زُرْعَةَ وَأَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيَّيْنِ وَمُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَأَمْثَالِهِمْ وَالدَّارَقُطْنِيِّ كل هَؤُلَاءِ مُقْتَضَى تَصَرُّفِهِمْ في الزِّيَادَةِ قَبُولًا وَرَدًّا التَّرْجِيحُ بِالنِّسْبَةِ إلَى ما يَقْوَى عِنْدَ الْوَاحِدِ منهم في كل حَدِيثٍ وَلَا يَحْكُمُونَ في الْمَسْأَلَةِ بِحُكْمٍ كُلِّيٍّ يَعُمُّ جَمِيعَ الْأَحَادِيثِ وَهَذَا هو الْحَقُّ الصَّوَابُ في نَظَرِ أَهْلِ الحديث وَمِنْهُمْ من قَبِلَ زِيَادَةَ الثِّقَةِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ أو تَعَدَّدَ كَثُرَ السَّاكِتُونَ أو تَسَاوَوْا وَمِنْ هَؤُلَاءِ الْحَاكِمُ وابن حِبَّانَ فَقَدْ أَخْرَجَا في كِتَابَيْهِمَا اللَّذَيْنِ الْتَزَمَا فِيهِمَا الصِّحَّةَ كَثِيرًا من الْأَحَادِيثِ الْمُتَضَمَّنَةِ لِلزِّيَادَةِ التي تَفَرَّدَ بها رَاوٍ وَاحِدٌ وَخَالَفَ فيها الْعَدَدَ وَالْأَحْفَظَ وقد اخْتَارَ الْخَطِيبُ هذا الْمَذْهَبَ وَحَكَاهُ عن جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وقد نُوزِعَ في نَقْلِهِ ذلك عن جُمْهُورِ الْمُحَدِّثِينَ وَعُمْدَتُهُمْ هو أَنَّ الْوَاحِدَ لو انْفَرَدَ بِنَقْلِ حَدِيثٍ عن جَمِيعِ الْحُفَّاظِ قُبِلَ فَكَذَلِكَ إذَا انْفَرَدَ بِالزِّيَادَةِ لِأَنَّ الْعَدْلَ لَا يُتَّهَمُ وهو مَرْدُودٌ فَإِنْ تَفَرَّدَ بِأَصْلِ الحديث لَا يَتَطَرَّقُ الْوَهْمُ إلَى غَيْرِهِ من الثِّقَاتِ بِخِلَافِ تَفَرُّدِهِ بِالزِّيَادَةِ إذَا خَالَفَ من هو أَحْفَظُ فإن الظَّنَّ مُرَجِّحٌ لِقَوْلِهِمْ دُونَهُ لَا سِيَّمَا عِنْدَ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ
- تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ لِتَوْجِيهِ إمْكَانِ انْفِرَادِ الرَّاوِي بِالزِّيَادَةِ طُرُقٌ أَحَدُهَا أَنْ يَعْرِضَ لِلرَّاوِي النَّاقِصِ التَّشَاغُلُ عن سَمَاعِ الزِّيَادَةِ مِثْلُ بُلُوغِهِ خَبَرًا مُزْعِجًا أو عَرَضَ له أَلَمٌ أو حَاجَةُ الْإِنْسَانِ كما رَوَى عِمْرَانُ بن حُصَيْنٍ قال دَخَلْت على النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَعَقَلْت نَاقَتِي بِالْبَابِ فَأَتَى نَاسٌ من أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ جِئْنَا لِنَتَفَقَّهَ في الدِّينِ وَلِنَسْأَلَك عن أَوَّلِ هذا الْأَمْرِ ما كان قال كان اللَّهُ ولم يَكُنْ معه شَيْءٌ وكان عَرْشُهُ على الْمَاءِ ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ قال عِمْرَانُ ثُمَّ أَتَانِي رَجُلٌ فقال يا عِمْرَانُ أَدْرِكْ نَاقَتَكَ قد ذَهَبَتْ فَانْطَلَقْتُ أَطْلُبُهَا فإذا السَّرَابُ يَنْقَطِعُ دُونَهَا وَأَيْمُ اللَّهِ لَوَدِدْتُ أنها ذَهَبَتْ ولم أَقُمْ الثَّانِي أَنَّ رَاوِيَ النَّاقِصِ دخل في أَثْنَاءِ الحديث وقد فَاتَهُ بَعْضُهُ فَرَوَاهُ من سَمِعَهُ دُونَهُ كما رَوَى عُتْبَةُ بن عَامِرٍ قال كانت عَلَيْنَا رِعَايَةُ الْإِبِلِ فَكَانَتْ نَوْبَتِي أَنْ أَرْعَاهَا فَرَوَّحْتُهَا بَيْتِي فَأَدْرَكْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم يحدث الناس فَأَدْرَكْتُ من قَوْلِهِ ما من مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ يُقْبِلُ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ إلَّا وَجَبَتْ له الْجَنَّةُ فَقُلْت ما أَجْوَدَ هذا فإذا عُمَرُ بن الْخَطَّابِ بين يَدَيَّ يقول التي قَبْلَهَا أَجْوَدُ قال ما مِنْكُمْ من أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ يقول أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ له إلَّا فُتِحَتْ له أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَدْخُلُ من أَيُّهَا يَشَاءُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ وَقَعَ في مَجْلِسَيْنِ وفي أَحَدِهِمَا زِيَادَةٌ ولم يَحْضُرْهَا أَحَدُ الرَّاوِيَيْنِ الرَّابِعُ أَنْ يَكُونَ في مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وقد كَرَّرَهُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَذَكَرَهُ أَوَّلًا بِالزِّيَادَةِ وَسَمِعَهُ الْوَاحِدُ ثُمَّ يَذْكُرُهُ بِلَا زِيَادَةٍ اقْتِصَارًا على ما ذَكَرَهُ قَبْلُ كَحَدِيثِ أبي سَعِيدٍ حَيْثُ رَوَى حَدِيثَ الذي يُمَنِّيهِ اللَّهُ تَعَالَى في الْجَنَّةِ فَيَنْتَهِي حَيْثُ تَنْقَطِعُ بِهِ الْأَمَانِيُّ فيقول اللَّهُ عز وجل فإن لك ما تَمَنَّيْتَ وَمِثْلَهُ معه فقال أبو هُرَيْرَةَ وكان سمع هذا الحديث من أبي سَعِيدٍ فإن لك من تَمَنَّيْتَ وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهِ فقال أبو سَعِيدٍ
- لم أَسْمَعْ إلَّا وَمِثْلَهُ معه فقال أبو هُرَيْرَةَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم يقول وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهِ فَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ في مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَأَتَى النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِلَفْظَيْنِ أَحَدُهُمَا قبل الْآخَرِ بِوَحْيٍ أو إلْهَامٍ سمع أبو سَعِيدٍ وَمِثْلَهُ معه وَشَغَلَ بِعَارِضٍ عن سَمَاعِ الْآخَرِ الذي سَمِعَهُ أبو هُرَيْرَةَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كان في مَجْلِسَيْنِ حَضَرَ أَحَدُهُمَا أبو هُرَيْرَةَ وَالْآخَرُ أبو سَعِيدٍ وفي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ ثُمَّ قال أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ حَدِّثْ بِمَا سَمِعْتَ وَأُحَدِّثُ بِمَا سمعت وفي رِوَايَةٍ لِأَبِي سَعِيدٍ كَرِوَايَةِ أبي هُرَيْرَةَ فَلَعَلَّهُ وَافَقَهُ أو تَذَكَّرَهُ وَمِنْ هذا الْبَابِ حَدِيثُ عُرْوَةَ بن الزُّبَيْرِ قال لِزَيْدِ بن ثَابِتٍ يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَافِعِ بن خَدِيجٍ أنا وَاَللَّهِ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ منه يَعْنِي حَدِيثَ الْمَزَارِعِ إنَّمَا أَتَاهُ رَجُلَانِ من الْأَنْصَارِ قد اقْتَتَلَا فقال إنْ كان هذا شَأْنُكُمْ فَلَا تُكْرُوا الْمَزَارِعَ سمع منه يَعْنِي رَافِعًا قَوْلُهُ لَا تُكْرُوا الْمَزَارِعَ يَعْنِي ولم يَسْمَعْ الشَّرْطَ وَذَكَرَ الْقَاضِي من الْأَسْبَابِ أَنْ يَسْمَعَ الْجَمْعُ الحديث فَيَنْسَى بَعْضُهُمْ الزِّيَادَةَ وَيَحْفَظُهَا الْبَاقِي الثَّانِي قد تَكُونُ الزِّيَادَةُ في الحديث رَافِعَةً لِلْإِشْكَالِ مُزِيلَةً لِلِاحْتِمَالِ وقد تَكُونُ دَالَّةً على إرَادَةِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ لَا على خُصُوصِيَّةِ الزِّيَادَةِ أو ضِدِّهَا مِثَالُ الْأَوَّلِ حَدِيثُ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ الْقُلَّتَيْنِ لم يَحْمِلْ الْخَبَثَ فإنه يَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَدْفَعُهُ عن نَفْسِهِ لِقُوَّتِهِ كما يُقَالُ فُلَانٌ لَا يَحْتَمِلُ الضَّيْمَ وهو تَأْوِيلُ الْجُمْهُورِ في أَنَّ الْقُلَّتَيْنِ لَا يُنَجَّسُ ما لم يَتَغَيَّرْ وَاحْتُمِلَ أَنَّهُ لم يَحْمِلْ الْخَبَثَ أَيْ يَضْعُفُ عن حَمْلِهِ لِضَعْفِهِ كما يُقَالُ
- الْمَرِيضُ لَا يَحْمِلُ الْحَرَكَةَ وَالضَّرْبَ فَجَاءَ في لَفْظِ أَحْمَدَ وَابْنِ مَاجَهْ لم يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ فَكَانَ هذا رَافِعًا لِذَلِكَ الْإِجْمَالِ وَمِثَالُ الثَّانِي حَدِيثُ الْوُلُوغِ إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ وفي لَفْظٍ أُولَاهُنَّ وفي لَفْظٍ أُخْرَاهُنَّ فَالتَّقْيِيدُ بِالْأُولَى وَالْأُخْرَى تَضَادٌّ مُمْتَنِعُ الْجَمْعِ فَكَانَ دَلِيلًا على إرَادَةِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ وهو غَسْلُ وَاحِدَةٍ أَيَّتَهُنَّ شَاءَ مَسْأَلَةٌ الْحَدِيثُ يَرْوِيهِ بَعْضُهُمْ مُرْسَلًا وَبَعْضُهُمْ مُتَّصِلًا إذَا اخْتَلَفَ الثِّقَاتُ في حَدِيثٍ فَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ مُتَّصِلًا وَبَعْضُهُمْ مُرْسَلًا فَهَلْ الْحُكْمُ لِلْوَصْلِ أو الْإِرْسَالِ أو لِلْأَكْثَرِ أو الْأَحْفَظِ أَقْوَالٌ أَحَدُهَا أَنَّ الْحُكْمَ لِمَنْ وَصَلَ وَجَزَمَ بِهِ الصَّيْرَفِيُّ فقال إذَا أَرْسَلَ سَعِيدُ بن الْمُسَيِّبِ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَوَصَلَهُ أبو سَلَمَةَ بن عبد الرحمن عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَالْحُجَّةُ لِمَنْ وَصَلَ إذَا كان حَافِظًا هذا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَبِهِ أَقُولُ انْتَهَى وَحَكَى الْقَاضِي أبو بَكْرٍ في التَّقْرِيبِ فيه اتِّفَاقَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَبِهِ جَزَمَ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ قال وَالْمُرْسَلُ تَأْكِيدٌ له وَصَحَّحَهُ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ وقال ابن الصَّلَاحِ إنَّهُ الصَّحِيحُ في الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ وَسُئِلَ الْبُخَارِيُّ عن حديث لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وهو حَدِيثٌ اُخْتُلِفَ فيه على أبي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ رَوَاهُ شُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ عنه عن أبي بُرْدَةَ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم مُتَّصِلًا فَحَكَمَ الْبُخَارِيُّ لِمَنْ وَصَلَهُ وقال الزِّيَادَةُ من الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ هذا مع أَنَّ مُرْسِلَهُ سُفْيَانُ وَشُعْبَةُ وَهُمَا ما هُمَا وَالثَّانِي أَنَّ الْحُكْمَ لِمَنْ أَرْسَلَهُ وَحَكَاهُ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ في التَّقْرِيبِ وَالْخَطِيبُ عن أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ وَالثَّالِثُ أَنَّ الْحُكْمَ لِلْأَكْثَرِ فَإِنْ كان من أَسْنَدَهُ أَكْثَرُ مِمَّنْ أَرْسَلَهُ فَالْحُكْمُ لِلْإِرْسَالِ وَإِلَّا فَالْوَصْلُ
- وَالرَّابِعُ أَنَّ الْحُكْمَ لِلْأَحْفَظِ وَعَلَى هذا لو أَرْسَلَ الْأَحْفَظُ فَهَلْ يَقْدَحُ ذلك في عَدَالَةِ من وَصَلَهُ أَمْ لَا قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا وَبِهِ صَدَّرَ ابن الصَّلَاحِ كَلَامَهُ الْمَنْعُ قال وَمِنْهُمْ من قال يَقْدَحُ في سَنَدِهِ وفي عَدَالَتِهِ وفي أَهْلِيَّتِهِ وَالْخَامِسُ قَالَهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ إنَّهُ بِمَثَابَةِ الزِّيَادَةِ من الثِّقَةِ فَيُقَدَّمُ الْوَصْلُ بِشَرْطَيْنِ أَنْ لَا يَكُونَ الْحَدِيثُ عَظِيمَ الْوَقْعِ بِحَيْثُ يَزِيدُ الِاعْتِنَاءُ بِهِ وَأَنْ لَا يُكَذِّبَهُ رَاوِي الْإِرْسَالِ
- فَرْعَانِ الرَّاوِي يَرْوِي الحديث مُتَّصِلًا وَمُرْسَلًا الْأَوَّلُ لو أَرْسَلَهُ هو مَرَّةً وَأَسْنَدَهُ أُخْرَى فَإِنْ فَرَّعْنَا على قَبُولِ الْمُرْسَلِ فَلَا شَكَّ في قَبُولِهِ وَإِلَّا فَاخْتَلَفُوا فَجَزَمَ ابن السَّمْعَانِيِّ وَالرَّازِيَّ وَأَتْبَاعُهُ بِأَنَّ الْحُكْمَ لِوَصْلِهِ قال ابن الصَّلَاحِ وهو الصَّحِيحُ وَعَنْ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ لِإِرْسَالِهِ وَقِيلَ الِاعْتِبَارُ بِمَا يَقَعُ فيه أَكْثَرُ وَإِنْ وَقَعَ وَصْلُهُ أَكْثَرُ من إرْسَالِهِ فَالْحُكْمُ لِلْوَصْلِ وَإِلَّا فَلَا وَقِيلَ إنْ كان الرَّاوِي ثِقَةً مُتَذَكِّرًا لِرَفْعِهِ جَازَ له أَنْ يُرْسِلَهُ وَلَا يُعَدُّ اضْطِرَابًا وَإِنْ لم يَثِقْ بِحِفْظِهِ فَهُوَ اضْطِرَابٌ في رِوَايَتِهِ قَالَهُ ابن الْقَطَّانِ الْمُحَدِّثُ الثَّانِي من شَأْنُهُ إرْسَالُ الْأَخْبَارِ إذَا أَسْنَدَ خَبَرًا هل يُقْبَلُ أو يُرَدُّ قَوْلَانِ الصَّحِيحُ الْقَبُولُ قال الشَّافِعِيُّ وَإِنَّمَا يُقْبَلُ من حَدِيثِهِ ما قال فيه حدثني أو سَمِعْت وَلَا يُقْبَلُ ما يَأْتِي فيه بِلَفْظٍ مُوهِمٍ وقال بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ لَا يُقْبَلُ إلَّا إذَا قال سَمِعْت فُلَانًا قال أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ وَأَصْحَابُ الحديث يُفَرِّقُونَ بين أَنْ يَقُولَ حدثني أو أخبرني فَيَجْعَلُونَ الْأَوَّلَ دَالًّا على الْمُشَافَهَةِ وَالثَّانِي مُتَرَدِّدًا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْإِجَازَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ وَهَذَا عَادَةٌ لهم وَإِلَّا فَظَاهِرُ قَوْلِهِ أخبرني يُفِيدُ أَنَّهُ تَوَلَّى إخْبَارَهُ بِالْحَدِيثِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا مُشَافَهَةً مَسْأَلَةٌ إذَا تَعَارَضَ الْوَقْفُ وَالرَّفْعُ أَمَّا تَعَارُضُ الرَّفْعِ وَالْوَقْفِ فَالْحُكْمُ على الْأَصَحِّ كما قَالَهُ ابن الصَّلَاحِ لِمَا رَوَاهُ الثِّقَةُ من الرَّفْعِ لِأَنَّهُ مُثْبِتٌ وَغَيْرُهُ سَاكِتٌ هذا بِالنِّسْبَةِ إلَى رَاوِيَيْنِ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى رَاوٍ وَاحِدٍ كما لو رَفَعَ حَدِيثًا في وَقْتٍ ثُمَّ وَقَفَهُ مَرَّةً أُخْرَى فَالْحُكْمُ لِرَفْعِهِ وقال الْمَاوَرْدِيُّ في بَابِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ من الْحَاوِي مَذْهَبُنَا أَنْ يُحْمَلَ الْمَوْقُوفُ على مَذْهَبِ الرَّاوِي وَالْمُسْنَدُ على أَنَّهُ من قَوْلِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم
- فَصْلٌ الْكَلَامُ على مَتْنِ الحديث وإذا انْقَضَى الْكَلَامُ في شُرُوطِ الرَّاوِي فَالْكَلَامُ في الثَّانِي وهو الْمَتْنُ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَصِحُّ كَوْنُهُ وَلَا يَسْتَحِيلُ في الْعَقْلِ وُجُودُهُ فَإِنْ أَحَالَهُ الْعَقْلُ رُدَّ قال الْغَزَالِيُّ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَأَمَّا أَحَادِيثُ الصِّفَاتِ فَكُلُّ ما صَحَّ تَطَرُّقُ التَّأْوِيلِ إلَيْهِ وَلَوْ على بُعْدٍ قُبِلَ وما لَا يُؤَوَّلُ وَأَوْهَمَ فَهُوَ مَرْدُودٌ وَأَنْ لَا يَكُونَ مُخَالِفًا لِنَصٍّ مَقْطُوعٍ بِصِحَّتِهِ وَلَا مُخَالِفًا لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَالصَّحَابَةِ فَإِنْ كان بِخِلَافِ ذلك فَهُوَ إمَّا غَلَطٌ من الرَّاوِي أو مَنْسُوخٌ حُكْمُهُ وَأَنْ لَا يُخَالِفُهُ دَلِيلٌ قَاطِعٌ لِقِيَامِ الْإِجْمَاعِ على تَقْدِيمِ الْمَقْطُوعِ على الْمَظْنُونِ فَإِنْ خَالَفَهُ قَاطِعٌ عَقْلِيٌّ ولم يَقْبَلْ التَّأْوِيلَ عُلِمَ أَنَّهُ مَكْذُوبٌ على الشَّارِعِ وَإِنْ قَبِلَهُ تَعَيَّنَ تَأْوِيلُهُ جَمْعًا بين الدَّلِيلَيْنِ وَإِنْ كان سَمْعِيًّا ولم يُمْكِنْ الْجَمْعُ فَكَذَلِكَ وَإِنْ عُلِمَ تَأَخُّرُ الْمَقْطُوعِ عنه حُمِلَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِهِ وَأَنْ لَا يَنْفَرِدَ رَاوِيهِ بِمَا جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ يَنْقُلَهُ أَهْلُ التَّوَاتُرِ أو يَجِبُ عليهم عِلْمُهُ فَإِنْ انْفَرَدَ لم يُقْبَلْ قَالَهُ في اللُّمَعِ وَكَذَا الْأُسْتَاذَانِ ابن فُورَكٍ وأبو مَنْصُورٍ قَالَا وَلِهَذَا رَدَدْنَا رِوَايَةَ الْإِمَامِيَّةِ في النَّصِّ على خِلَافَةِ عَلِيٍّ وَقُلْنَا لو كان حَقًّا لَظَهَرَ نَقْلُهُ لِأَنَّهُ من الْفُرُوضِ التي لَا يَسَعُ أَحَدًا جَهْلُهَا قال ابن فُورَكٍ فَإِنْ كان مِمَّا لَا يَجِبُ على الْجَمَاعَةِ عَلْمُهُ فَجَاءَ بِنَقْلِهِ الْخَاصَّةُ وَيَرْجِعُ فيه الْعَامَّةُ إلَيْهِمْ وَأَنْ يَكُونَ الْمَطْلُوبُ منه عَمَلًا فَإِنْ اقْتَضَى عِلْمًا وكان في الْأَدِلَّةِ الْقَاطِعَةِ ما يَدُلُّ عليه لم يُرَدَّ وَإِلَّا رُدَّ سَوَاءٌ اقْتَضَى مع الْعِلْمِ عَمَلًا أَمْ لَا لِأَنَّهُ لَمَّا كان التَّكْلِيفُ منه فَالْعِلْمُ مع عَدَمِ صَلَاحِيَّتِهِ له كان تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ لَكِنْ لَا يُقْطَعُ بِكَذِبِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ عليه السَّلَامُ قَصَدَ بِذَلِكَ إيجَابَ الْعِلْمِ على من شَافَهَهُ دُونَ غَيْرِهِ وهو غَيْرُ مُمْتَنِعٍ وَمِنْ هذا إثْبَاتُ الْقِرَاءَةِ عَبْرَ الْآحَادِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْحُكْمِ وهو الْعَمَلُ لَا الْقُرْآنُ وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عن الْقَاضِي أَنَّهُ قال إذَا لم يَجِدْ مُعْتَصِمًا مَقْطُوعًا بِهِ في الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ يُقْطَعُ بِرَدِّهِ وَمِثَالُهُ إذَا وَرَدَ فَقَبِلَهُ بَعْضُهُمْ وَأَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ ولم يَكُنْ ثَمَّ
- نَصٌّ لِلرَّدِّ وَلَا نَصٌّ قَاطِعٌ في الْقَبُولِ قُطِعَ بِرَدِّهِ لِأَنَّ مُعْتَمَدَنَا في الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْإِجْمَاعُ فَحَيْثُ لَا نَجِدُ قَاطِعًا لَا نَحْكُمُ بِالْعَمَلِ قال الْإِمَامُ وَاَلَّذِي أَرَاهُ يَلْتَحِقُ بِالْمُجْتَهِدَاتِ وَتَعَيَّنَ على كل مُجْتَهِدٍ فيه الْجَرَيَانُ على اجْتِهَادِهِ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ كان يَقَعُ في عَصْرِ الصَّحَابَةِ أَحَادِيثَ قَبِلَهَا بَعْضُهُمْ وَتَوَقَّفَ فيها آخَرُونَ ثُمَّ كان الْعَامِلُونَ لَا يُعَابُونَ وَتَبِعَهُ ابن الْقُشَيْرِيّ وَلَا يُشْتَرَطُ في الْعَمَلِ بِهِ عَدَمُ مُخَالَفَتِهِ لِلْقِيَاسِ بَلْ يَجُوزُ إنْ عَارَضَهُ الْقِيَاسُ إذَا تَبَايَنَا من كل وَجْهٍ فَإِنْ كانت مُقَدَّمَاتُ الْقِيَاسِ قَطْعِيَّةً قُدِّمَ الْقِيَاسُ قَطْعًا وَإِلَّا فَإِنْ كانت كُلُّهَا ظَنِّيَّةً قُدِّمَ الْخَبَرُ قَطْعًا لِقِلَّةِ مُقَدَّمَاتِهِ وَحَكَى الْآمِدِيُّ فيه الْخِلَافَ وَكَذَا إذَا كان الْبَعْضُ قَطْعِيًّا وَالْبَعْضُ ظَنِّيًّا قُدِّمَ الْخَبَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَنَقَلَهُ الْبَاجِيُّ عن أَكْثَرِ الْمَالِكِيَّةِ وقال إنَّهُ الْأَصَحُّ وَالْأَظْهَرُ من قَوْلِ مَالِكٍ فإنه سُئِلَ عن حديث الْمُصَرَّاةِ فقال ليس لِأَحَدٍ وَهَذَا رَأْيٌ وَسُئِلَ عن حَدِيثٍ هل يَأْخُذُ بِهِ فَقَرَأَ فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عن أَمْرِهِ الْآيَةَ وَذَهَبَ أبو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيّ وأبو الْفَرَجِ إلَى أَنَّ الْقِيَاسَ أَوْلَى وَقَالُوا إنَّهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَنُقِلَ عن الْقَاضِي أبي بَكْرٍ أَنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ وقال عِيسَى بن أَبَانَ إنْ كان الرَّاوِي ضَابِطًا عَالِمًا قُدِّمَ خَبَرُهُ وَإِلَّا كان في مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ وما نُقِلَ عن مَالِكٍ من رَدِّ الْخَبَرِ إذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ لَا أَرَى ثُبُوتَهُ عنه وقال أبو الْحُسَيْنِ يَعِمَنْ لَا خِلَافَ في الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصِ عليها وَإِنَّمَا الْخِلَافُ في الْمُسْتَنْبَطَةِ وَالْمُخْتَارُ قَوْلُ أبي الْحُسَيْنِ أَنَّهُ يُطْلَبُ التَّرْجِيحُ فَإِنْ كانت أَمَارَةُ الْقِيَاسِ أَقْوَى وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهَا وَإِلَّا فَالْعَكْسُ وَإِنْ اسْتَوَيَا في إفَادَةِ الظَّنِّ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وقال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ لم أَجِدْ من سَوَّى بين خَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ على الْإِطْلَاقِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مَظْنُونٌ من وَجْهٍ وَلَوْ صَارَ إلَيْهِ صَائِرٌ لم يَكُنْ بَعِيدًا قُلْت وقد صَارَ إلَيْهِ الْقَاضِي فِيمَا نَقَلَهُ الْبَاجِيُّ قال إلْكِيَا لَكِنَّ الْجُمْهُورَ قَدَّمُوا خَبَرَ الضَّابِطِ على الْقِيَاسِ لِأَنَّ الْقِيَاسَ عُرْضَةُ الزَّلَلِ وَالْوَجْهُ التَّعَلُّقُ بِالْإِجْمَاعِ وقد صَحَّ عن عُمَرَ تَرْكُ الرَّأْيِ لِلْخَبَرِ في التَّسْوِيَةِ بين دِيَةِ الْأَصَابِعِ لِلْحَدِيثِ أبو بَكْرٍ حُكْمًا حَكَمَهُ بِرَأْيِهِ لِحَدِيثٍ سَمِعَهُ من بِلَالٍ وَمِنْ هذا قَدَّمْنَا رِوَايَةَ أبي هُرَيْرَةَ في الْمُصَرَّاةِ وَالْعَرَايَا على الْقِيَاسِ قال الْعَجَبُ منهم في رَدِّهِ مع أَنَّ من جُمْلَةِ من رَوَاهُ ابْنَ مَسْعُودٍ
- وَعِنْدَهُمْ أَنَّ الرَّاوِي إذَا كان فَقِيهًا كَابْنِ مَسْعُودٍ قُبِلَ حَدِيثُهُ سَوَاءٌ وَافَقَ الْقِيَاسَ أَمْ لَا وَلَا يَضُرُّهُ عَمَلُ أَكْثَرِ الْأُمَّةِ بِخِلَافِهِ لِأَنَّ قَوْلَ الْبَعْضِ ليس حُجَّةً خِلَافًا لِقَوْمٍ لَكِنَّ قَوْلَ الْأَكْثَرِ من الْمُرَجِّحَاتِ فَتُقَدَّمُ عِنْدَ التَّعَارُضِ بِمَعْنَى أَنَّهُ إذَا عَارَضَ خَبَرُ الْوَاحِدِ خَبَرًا آخَرَ مثله مُعْتَضِدًا بِعَمَلِ الْأَكْثَرِ قُدِّمَ على الْآخَرِ الذي ليس معه عَمَلُ الْأَكْثَرِ وقال أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ ذَهَبَ أَهْلُ الْعِرَاقِ إلَى أَنَّهُ إنْ كان يَتَكَرَّرُ في الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ كَالصَّلَاةِ فَشَرْطُهُ أَنْ يَقْبَلَهُ الْأَكَابِرُ من الصَّحَابَةِ فإذا رَأَيْنَاهُمْ لَا يَقْبَلُونَهُ وَلَا يُخَالِفُونَهُ عَلِمْنَا أَنَّهُ مَنْسُوخٌ أو مَتْرُوكٌ قال وَهَذَا مَرْدُودٌ لِأَنَّ الْحُجَّةَ في قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ حتى يَقُومَ مُعَارِضٌ من نَسْخٍ أو تَأْوِيلٍ وقد وَجَدْنَا الْأَكَابِرَ منهم يَخْفَى عليهم أَشْيَاءُ مَسْأَلَةٌ قال ابن فُورَكٍ وَلَا يُرَدُّ بِأَنْ يَفْعَلَ الرَّسُولُ صلى اللَّهُ عليه وسلم بِخِلَافِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَافِيًا لِمَا يَقْتَضِي الْعَقْلُ إثْبَاتَهُ فَيُرَدُّ مَسْأَلَةٌ رَدُّ الحديث بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلَا يَضُرُّهُ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِخِلَافِهِ خِلَافًا لِمَالِكٍ وَلِهَذَا لم يَقُلْ بِخِيَارِ الْمَجْلِسِ مع أَنَّهُ الرَّاوِي له قال الْقُرْطُبِيُّ وإذا فُسِّرَ عَمَلُهُمْ بِالْمَنْقُولِ تَوَاتُرًا كَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالْمُدِّ وَالصَّاعِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَقَعَ فيه خِلَافٌ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ على أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِالْمَظْنُونِ إذَا عَارَضَهُ قَاطِعٌ وقال الْإِبْيَارِيُّ هذا له صُوَرٌ أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ بَلَغَهُمْ فَقَدْ وَافَقَ الْإِمَامُ على سُقُوطِ الْخَبَرِ فيه وَثَانِيهَا أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَنَا أَنَّهُ لم يَبْلُغْهُمْ فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ في مِثْلِ هذه الصُّورَةِ أَنْ يَتْرُكَ الْخَبَرَ وهو لو بَلَغَهُمْ لَمَا خَالَفُوهُ وَثَالِثُهَا أَنْ نَجِدَ عَمَلَهُمْ على خِلَافِ الْخَبَرِ ولم يَتَحَقَّقْ الْبُلُوغُ وَلَا انْتِفَاؤُهُ فَالظَّاهِرُ من قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْخَبَرَ مَتْرُوكٌ بِنَاءً منه على أَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْخَبَرَ لَا يَخْفَى عليهم لِقُرْبِ دِيَارِهِمْ في زَمَانِهِمْ وَكَثْرَةِ بَحْثِهِمْ وَشِدَّةِ اعْتِنَائِهِمْ بِحِفْظِ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ فَيَقَعُ في قِسْمِ ما إذَا ظَنَنَّا بُلُوغَ الْخَبَرِ ولم نَقْطَعْ بِهِ وقد اخْتَرْنَا في هذه الصُّورَةِ سُقُوطَ
- التَّمَسُّكِ بِالْخَبَرِ وَلُزُومَ التَّمَسُّكِ بِالْفِعْلِ على أَنَّ هذه الْمَسْأَلَةَ اخْتَلَفَ فيها قَوْلُ مَالِكٍ وَرَوَى حَدِيثَ الْبَيِّنَةُ على الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ على من أَنْكَرَ وقال الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ لَا يَتَوَجَّهُ الْيَمِينُ إلَّا بِمُعَامَلَةٍ أو مُخَالَطَةٍ وَهَذَا مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ في تَعْمِيمِ مُوجَبِ الْيَمِينِ على حَسْبِ ما اقْتَضَاهُ الظَّاهِرُ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في بَابِ التَّرَاجِيحِ إنْ تَحَقَّقَ بُلُوغُهُ لهم وَخَالَفُوهُ مع الْعِلْمِ بِهِ دَلَّ على نَسْخِهِ وَلَيْسَ ذلك تَقْدِيمًا لِأَقْضِيَتِهِمْ على الْخَبَرِ بَلْ هو تَمَسُّكٌ بِالْإِجْمَاعِ على وُجُوبِ حَمْلِهِ على وَجْهٍ مُمْكِنٍ من الصَّوَابِ فَكَانَ تَعَلُّقًا بِالْإِجْمَاعِ في مُعَارَضَةِ الحديث وَإِنْ لم يَبْلُغُهُمْ أو غَلَبَ على الظَّنِّ أَنَّهُ لم يَبْلُغْهُمْ فَالتَّعَلُّقُ حِينَئِذٍ وَاجِبٌ وَظَنِّيٌّ بِدِقَّةِ نَظَرِ الشَّافِعِيِّ في أُصُولِ الشَّرِيعَةِ أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْخَبَرُ في مِثْلِ هذه الصُّورَةِ وَإِنْ غَلَبَ على الظَّنِّ أَنَّهُ بَلَغَهُمْ وَتَحَقَّقْنَا مُخَالَفَةَ عَمَلِهِمْ له فَهَذَا مَقَامُ التَّوَقُّفِ فَإِنْ لم نَجِدْ في الْوَاقِعَةِ سِوَى الْخَبَرِ وَالْأَقْضِيَةِ تَعَلَّقْنَا بِالْخَبَرِ وَإِنْ وَجَدْنَا غَيْرَهُ تَعَيَّنَ التَّعَلُّقُ بِهِ قال وَمِنْ بَدِيعِ ما يَنْبَغِي أَنْ يُتَنَبَّهُ له أَنَّ مَذَاهِبَ أَئِمَّةِ الصَّحَابَةِ إذَا نُقِلَتْ من غَيْرِ إجْمَاعٍ لَا يَتَعَلَّقُ بها فإذا نُقِلَتْ في مُعَارَضَةِ خَبَرٍ نَصَّ على الْمُخَالَفَةِ تَعَلَّقْنَا بها وَلَيْسَ هو في الْحَقِيقَةِ تَعَلُّقٌ بِالْمَذَاهِبِ بَلْ بِمَا صَدَرَتْ عنه مَذَاهِبُهُمْ قال وما ذَكَرْنَاهُ في أَئِمَّةِ الصَّحَابَةِ يَطَّرِدُ في أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ وفي أَئِمَّةِ كل عَصْرٍ ما لم يُوقَفْ على خَبَرٍ
- مسألة رد الحديث بعمل الراوي بخلافه ولا يضر عمل الراوي بخلافه خلافا لجمهور الحنفية وبعض المالكية حيث قدموا رأيه على روايته ولذلك لم يوجبوا التسبيع بخبر أبي هريرة في ولوغ الكلب لمخالفته إياه وقد قال عبد الجبار وأبو الحسين إن لم يكن لمذهبه وتأويله وجه إلا أنه علم بالضرورة أنه عليه السلام أراد ذلك الذي ذهب إليه من ذلك الخبر وجب المصير إليه وإن لم يعلم ذلك بل جوزنا أن يكون قد صار إليه لنص أو قياس وجب النظر في ذلك فإن اقتضى ما ذهب إليه وجب المصير إليه وإن لم يقتض ذلك ولم نطلع على مأخذه وجب المصير إلى ظاهر الخبر لأن الحجة إنما هي في كلام الرسول لا في
- مذهب الراوي وظاهر الحديث يدل على معنى غير ما ذهب إليه الراوي فوجب المصير إليه وعدم الالتفات إلى مذهب الراوي وقال الغزالي في المنخول إن أمكن حمل مذهبه على تقدمه على الرواية أو على نسيانه فعل ذلك جمعا بين قبول الحديث وإحسان الظن وإن نقل مقيدا أنه خالف الحديث مع علمه به فالحديث متروك ولو نقل مذهبه مطلقا فلا يترك لاحتمال النسيان نعم يرجح عليه حديث يوافقه مذهب الراوي وقال إمام الحرمين إذا روى خبرا يقتضي رفع الحرج ثم رأيناه متحرجا فالاستمساك بروايته وعمله محمول على الورع والتعلق بالأفضل وقال الصيرفي كل من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم خبرا ثم خالفه لم يكن ذلك مقيدا لخبره لإمكان تأويله أو خبر يعارضه أو معنى بفارق عنده فمتى لم ينكشف لنا شيء من ذلك أمضينا الخبر حتى نعلم خلافه مَسْأَلَةٌ رَدُّ الحديث بِطَعْنِ السَّلَفِ فيه وَلَا يَضُرُّهُ طَعْنُ بَعْضِ السَّلَفِ فيه خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَلِهَذَا رَدُّوا خَبَرَ الْقَسَامَةِ بِطَعْنِ عَمْرِو بن شُعَيْبٍ فيه ثُمَّ نَاقَضُوا فَعَمِلُوا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ في نِكَاحِ الْمُحْرِمِ مع أَنَّ سَعِيدَ بن الْمُسَيِّبِ طَعَنَ فيه وَعَارَضَهُ بِمَا هو أَصَحُّ منه
- مَسْأَلَةٌ رَدُّ الحديث بِكَوْنِهِ مِمَّا تَعُمُّ الْبَلْوَى بِهِ وَلَا يَضُرُّهُ كَوْنُهُ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى خِلَافًا لِأَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ وَأَبِي عبد اللَّهِ الْبَصْرِيِّ حَكَاهُ صَاحِبُ الْوَاضِحِ وَلِابْنِ خُوَيْزٍ الْخَارِجِيِّ حَكَاهُ الْبَاجِيُّ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ عن ابْنِ سُرَيْجٍ وَبَنَى الْحَنَفِيَّةُ على هذا رَدَّ خَبَرِ الْوَاحِدِ في نَقْضِ الْوُضُوءِ بِمَسِّ الذَّكَرِ وَالْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ وَرَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الْهَوِيِّ إلَى الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ منه وَإِيجَابِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ
- خَلْفَ الْإِمَامِ وَالْإِفْرَادِ في الْإِقَامَةِ وَغَيْرِ ذلك فإنه مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى فَحَقُّهُ الِاشْتِهَارُ وقال الْكَرْخِيّ كُلُّ شَرْطٍ لَا تَتِمُّ صَلَاتُهُ إلَّا بِهِ يَجِبُ نَقْلُهُ كَالْقِبْلَةِ التي ظَهَرَ نَقْلُهَا نَقْلُ الصَّلَاةِ وما يَعْرِضُ لِلصَّلَاةِ أَحْيَانَا فَنَقْلُهُ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ شَائِعًا قال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ في تَعْلِيقِهِ وَمَعْنَى قَوْلِنَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهِ وقال صَاحِبُ الْوَاضِحِ مَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ مُشْتَرَكًا غير خَاصٍّ تَحْقِيقُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ لِلْمَسْأَلَةِ قال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَالْحَقُّ في هذه الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْأَخْبَارَ على قِسْمَيْنِ أَحَدُهُمَا يَلْزَمُ الْكَافَّةَ عِلْمُهُ فَذَلِكَ يَجِبُ ظُهُورُهُ لَا مَحَالَةَ وَالثَّانِي ما يَلْزَمُ أَفْرَادُ الناس من الْعُلَمَاءِ الْعِلْمُ بِهِ دُونَ الْعَامَّةِ وَالْعَامَّةُ كُلِّفُوا الْعَمَلَ بِهِ دُونَ الْعِلْمِ أو لم يُكَلَّفُوا بِأَسْرِهِمْ الْعَمَلَ بِهِ نَحْوُ ما يَرْجِعُ الْعَوَامُّ فيه إلَى الْعُلَمَاءِ من الْحَوَادِثِ في إقَامَةِ الْحَدِّ وَغَيْرِهِ فَيَجُوزُ أَنْ تَعُمَّ بِهِ الْبَلْوَى وَلَكِنَّ الْعَامَيَّ فيه مَأْمُورٌ بِالرُّجُوعِ إلَى الْعَالِمِ وإذا ظَهَرَ لِلْعَالِمِ لم يَجِبْ نَقْلُهُ إلَيْهِ وَأَمَّا إذَا كان الْخَبَرُ عن شَيْءٍ اُشْتُهِرَ عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم على الْكَرَّاتِ كَالْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ وكان النَّاقِلُ مُنْفَرِدًا فَفِيهِ خِلَافٌ وَالْأَكْثَرُونَ على رَدِّهِ وَلِأَجْلِهِ قالوا إنَّهُ عليه السَّلَامُ كان يَجْهَرُ مَرَّةً وَيُخَافِتُ أُخْرَى وَهَذَا مَرْدُودٌ لِأَنَّ هذا الْوَجْهَ لم يُنْقَلْ أَصْلًا وقد يُقَالُ لَعَلَّ ذلك لم يَكُنْ من عِظَامِ الْعَزَائِمِ وَأُمَّهَاتِ الْمُهِمَّاتِ من حَيْثُ الْجَوَازُ فَقَلَّ الِاعْتِنَاءُ بِهِ
- مَسْأَلَةٌ رَدُّ الحديث إذَا كان في الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ في الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَمِنْهُمْ أبو يُوسُفَ وأبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ من الْحَنَفِيَّةِ وَاخْتَارَهُ الْجَصَّاصُ قال عبد الْجَبَّارِ وهو آخِرُ قَوْلَيْ أبي عبد اللَّهِ الْبَصْرِيِّ وَخَالَفَ الْكَرْخِيّ من الْحَنَفِيَّةِ فلم يَقْبَلْهُ لِأَنَّهُ يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ رَاوِيَهُ كَذَبَ أو سَهَا أو أَخْطَأَ فَكَانَ ذلك شُبْهَةً في دَرْءِ الْحَدِّ وَهَذَا يُشْكِلُ بِإِثْبَاتِ الْحَدِّ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ وَقَوْلِ الْمُفْتِي مَسْأَلَةٌ رَدُّ الحديث بِدَعْوَى أَنَّهُ زِيَادَةٌ على النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ زِيَادَةً على النَّصِّ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ في أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إذَا وَرَدَ بِالزِّيَادَةِ في حُكْمِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الْقَطْعِيَّةِ كان نَسْخًا لَا يُقْبَلُ كَالْحُكْمِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَنَحْوِهِ وَسَبَقَ في النَّسْخِ مَسْأَلَةٌ رَدُّ الحديث بِدَعْوَى مُخَالَفَتِهِ الْأُصُولَ وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ مُخَالِفًا لِظَاهِرِ الْأُصُولِ من كِتَابٍ أو سُنَّةٍ مُجْمَعٍ عليها أو إجْمَاعٍ خِلَافًا لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ وَلِهَذَا رَدُّوا خَبَرَ الْيَمِينِ وَالشَّاهِدِ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْقُرْآنِ في زَعْمِهِمْ وَرَدُّوا خَبَرَ الْمُصَرَّاةِ وَالْقُرْعَةِ وَخَبَرَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ في نَفْيِ السُّكْنَى لِلْمُتَغَرِّبَةِ وَلِذَلِكَ زَعَمُوا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْمُتَوَاتِرِ بِالْآحَادِ كما لَا يَنْسَخُهُ
- السِّرُّ في رَدِّ الْحَنَفِيَّةِ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَهَذِهِ أُصُولٌ مَهَّدُوهَا من أَجْلِ أَخْبَارٍ احْتَجَّ بها أَصْحَابُنَا عليهم في مَوَاضِعَ عَجَزُوا عن دَفْعِهَا فَرَدُّوهَا من هذه الْوُجُوهِ التي ذَكَرْنَاهَا وَقَالُوا بِأَمْثَالِهَا في الضَّعْفِ كَخَبَرِ نَبِيذِ التَّمْرِ مع أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْقُرْآنِ إذْ الْقُرْآنُ دَلَّ على أَنَّهُ لَا وَاسِطَةَ بين الْمَاءِ وَالتُّرَابِ وَلِلْقِيَاسِ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يُوجِبُ أَنَّ ما امْتَنَعَ التَّوَضُّؤُ بِهِ في الْحَضَرِ امْتَنَعَ في السَّفَرِ وَقَبِلُوا خَبَرَ الْقَهْقَهَةِ في الصَّلَاةِ مع ضَعْفِهِ وَمُخَالَفَتِهِ لِلْقِيَاسِ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يُوجِبُ أَنَّ ما كان حَدَثًا في الصَّلَاةِ كان حَدَثًا في غَيْرِهَا وما لم يَنْقُضْ الطُّهْرَ في غَيْرِهَا لَا يَنْقُضُ فيها وَقَبِلُوا خَبَرًا ضَعِيفًا في إيجَابِ رُبُعِ قِيمَةِ الْبَقَرَةِ في عَيْنِهَا تَخْصِيصًا لها من بَيْنِ سَائِرِ أَطْرَافِهَا وَقَالُوا أَيْضًا بِإِلْزَامِ الْمُدَّعَى عليه الْقَتْلَ الدِّيَةَ مع الْيَمِينِ في الْقَسَامَةِ تَخْصِيصًا لها من بَيْنِ الْأَيْمَانِ فَكَيْفَ أَنْكَرُوا خَبَرَ الْمُصَرَّاةِ مع صِحَّتِهِ لِمُخَالَفَتِهِ الْقِيَاسَ أَتَرَاهُ أَعْظَمَ من تَرْكِهِمْ الْقِيَاسَ بِالِاسْتِحْسَانِ الذي قالوا بِهِ من غَيْرِ دَلَالَةٍ وَلَا أَصْلٍ يَشْهَدُ له وَقَالُوا لنا ما لَا بِهِ نَقْلٌ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ من رِجَالِكُمْ فَإِنْ لم يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ فَزِدْتُمْ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ فَقُلْنَا لهم وقد قال اللَّهُ تَعَالَى فلم تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَنَقَلَ من الْمَاءِ إلَى التُّرَابِ ولم يَجْعَلْ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةً فَزِدْتُمْ نَبِيذَ التَّمْرِ مع إجْمَاعِ أَهْلِ النَّقْلِ على ضَعْفِ حَدِيثِهِ وَقُوَّةِ حديث الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ فَنَحْنُ لم نَجْعَلْ وَاسِطَةً بين الشَّاهِدَيْنِ وَالشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ وَإِنَّمَا قُلْنَا إذَا عُدِمَ ذلك جَازَ الْحُكْمُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَالْقُرْآنُ لَا يَنْفِي ذلك وَإِنَّمَا يَجْعَلُ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ بَدَلًا من الشَّاهِدَيْنِ وَقَالُوا بِحَدِيثِ الْعِينَةِ وَتَرَكُوا ظَاهِرَ قَوْله تَعَالَى وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَخَصَّصُوا ظَاهِرَ الْقُرْآنِ وَقَسَّمَ الْهِنْدِيُّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إذَا خَصَّصَ عُمُومَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ أو قَيَّدَ مُطْلَقَهُمَا إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا إلَى ما لَا يُعْلَمُ مُقَارَنَتُهُ له وَلَا تَرَاخِيهِ عنه فقال الْقَاضِي عبد الْجَبَّارِ يُقْبَلُ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَفَعَتْ كَثِيرًا من أَحْكَامِ الْقُرْآنِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ ولم يَسْأَلُوا أنها هل كانت مُقَارِنَةٍ أَمْ لَا قال وهو الْأَوْلَى لِأَنَّ حَمْلَهُ على كَوْنِهِ مُخَصِّصًا مَقْبُولًا أَوْلَى من حَمْلِهِ على كَوْنِهِ نَاسِخًا مَرْدُودًا
- الثَّانِي أَنْ يُعْلَمَ مُقَارَنَتُهُ له فَيَجُوزُ عِنْدَ من يُجَوِّزُ تَخْصِيصَ الْمَقْطُوعِ بِالْمَظْنُونِ وَالثَّالِثُ أَنْ يُعْلَمَ تَرَاخِيهِ عنه فَمَنْ لم يُجَوِّزْ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عن وَقْتِ الْخِطَابِ لم يَقْبَلْهُ لِأَنَّهُ لو قَبِلَهُ لَقَبِلَ نَاسِخًا وهو غَيْرُ جَائِزٍ وَمَنْ جَوَّزَهُ قَبِلَهُ إنْ كان وَرَدَ قبل حُضُورِ وَقْتِ الْعَمَلِ بِهِ وَأَمَّا إذَا وَرَدَ بَعْدَهُ فَلَا يُقْبَلُ بِالِاتِّفَاقِ مَسْأَلَةٌ قال سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ لَا يُرَدُّ الْخَبَرُ بِكَوْنِ رَاوِيهِ رَوَى عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم ولم يَكُنْ مَعْرُوفًا بِمُجَالَسَتِهِ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كانت تَنْقُلُ الْأَخْبَارَ عن الْأَعْرَابِ وَعَمَّنْ لم يُعْرَفْ بِمُجَالَسَتِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم مَسْأَلَةٌ رَدُّ الحديث إذَا كان أَحَدُ رَاوِيهِ وَاحِدًا وَلَا يُرَدُّ الْخَبَرُ بِكَوْنِ أَحَدِ رُوَاتِهِ لم يَرْوِ عنه إلَّا وَاحِدٌ خِلَافًا لِابْنِ الْمُنْذِرِ وَحَكَاهُ عنه الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ في تَعْلِيقِهِ في بَابِ التَّفْلِيسِ فإنه طَعَنَ في حديث أَيُّمَا رَجُلٍ مَاتَ أو أَفْلَسَ فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أَحَقُّ فقال رَوَاهُ ابن أبي ذِئْبٍ وَحْدَهُ عن أبي الْمُعْتَمِرِ قال وَالْحَدِيثُ عِنْدَنَا إذَا كان رَاوِيهِ وَاحِدًا فَهُوَ مَجْهُولٌ قال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ وَهَذَا ليس بِاعْتِرَاضٍ فإن الرَّاوِيَ إذَا كان ثِقَةً مَعْرُوفًا يَلْزَمُ قَبُولُ خَبَرِهِ وَإِنْ كان بِصِفَةِ الْوَاحِدِ مَسْأَلَةٌ عَرْضُ الحديث على الْقُرْآنِ لَا يَجِبُ عَرْضُ الْخَبَرِ على الْكِتَابِ قال ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ وَذَهَبَ جَمَاهِيرُ الْحَنَفِيَّةِ إلَى وُجُوبِ عَرْضِهِ فَإِنْ لم يَكُنْ في الْكِتَابِ ما يَدُلُّ على خِلَافِهِ قُبِلَ وَإِلَّا رُدَّ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ وقال أبو زَيْدٍ في أُصُولِهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ يُعْتَقَدُ من وُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ الْعَرْضُ على كِتَابِ اللَّهِ وَرَوَاجُهُ بِمُوَافَقَتِهِ فَالْتَبَسَ بِمُخَالَفَتِهِ ثُمَّ على
- السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَهِيَ الثَّابِتَةُ بِطَرِيقِ الِاسْتِفَاضَةِ ثُمَّ الْعَرْضُ على الْحَادِثَةِ فَإِنْ كانت مَشْهُورَةً لِعُمُومِ الْبَلْوَى بها وَالْخَبَرُ شَاذٌّ كان ذلك وَمُحْرِبُ وَكَذَا إنْ كان حُكْمُ الْحَادِثَةِ مِمَّا اخْتَلَفَ فيه السَّلَفُ خِلَافًا ظَاهِرًا ولم يُنْقَلْ عَنْهُمْ الْمُحَاجَّةُ بِالْحَدِيثِ كان عَدَمُ ظُهُورِ الْحِجَاجِ وَمُحْرِبُ فيه قال وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّهُ قال ما أَتَاكُمْ عَنِّي فَاعْرِضُوهُ على كِتَابِ اللَّهِ فَلَوْ صَحَّتْ لَاحْتِيجَ إلَى عَرْضِهَا على الْكِتَابِ وقد عَرَضْنَاهَا عليه فلم نَجِدْ فيه ما يَدُلُّ على صِحَّتِهَا بَلْ ما يَدُلُّ على خِلَافِهَا وهو قَوْلُهُ وما آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَرَدَّ ابن السَّمْعَانِيِّ كَلَامَهُ وقال الْخَبَرُ حُجَّةٌ في نَفْسِهِ إذَا ثَبَتَ وَلَا يَجِبُ عَرْضُهُ وَلِهَذَا جَوَّزْنَا تَخْصِيصَ عُمُومِ الْكِتَابِ بِهِ ا هـ وَكَذَلِكَ قال الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ في كِتَابِهِ قد أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى اتِّبَاعَ نَبِيِّهِ وَالْخَبَرُ أَنَّهُ لَا يَنْطِقُ عن الْهَوَى عَامًّا له بِقَبُولِهِ وَاعْتِقَادِ صِحَّتِهِ وَاجِبٌ وَلَيْسَ يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِلْكِتَابِ فَهُوَ تَأْكِيدٌ له وَإِمَّا أَنْ لَا يُوجَدَ في الْكِتَابِ فَهُوَ ابْتِدَاءُ شَرْعٍ من اللَّهِ وَلِهَذَا قال اللَّهُ تَعَالَى وما آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وقد يَكُونُ ذلك في الْكِتَابِ وَإِنْ ذَهَبَ عَنَّا وَجْهُهُ قال فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ من قال إذَا رَوَيْت سُنَّةً عَرَضْتهَا على الْقُرْآنِ قال فَإِنْ خَالَفَتْهُ على مَعْنَى وُرُودِ الْكِتَابِ بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ أو إبَاحَتِهِ وفي السُّنَّةِ النَّهْيُ عنه أو حَظْرُهُ فَهَذَا لم يُوجَدْ صَحِيحًا إلَّا فِيمَا نَسَخَهُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم من سُنَّتِهِ قُلْت وقد قال الشَّافِعِيُّ في الرِّسَالَةِ وقد سُئِلَ عن أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قال ما جَاءَكُمْ عَنِّي فَاعْرِضُوهُ على كِتَابِ اللَّهِ فما وَافَقَهُ فَأَنَا قُلْته وما خَالَفَهُ فلم أَقُلْهُ ما رَوَى هذا أَحَدٌ يَثْبُتُ حَدِيثُهُ في شَيْءٍ صَغِيرٍ وَلَا كَبِيرٍ ثُمَّ قال وَهَذِهِ رِوَايَةٌ مُنْقَطِعَةٌ عن رَجُلٍ مَجْهُولٍ وَعَمَّنْ لَا يُقْبَلُ عنه مِثْلُ هذه الرِّوَايَةِ في شَيْءٍ انْتَهَى ثُمَّ ذَكَرَ قَوْله تَعَالَى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَقَوْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ على عَمَّتِهَا الحديث ثُمَّ قال فلم أَعْلَمْ مُخَالِفًا في اتِّبَاعِهِ وَكَانَتْ معه دَلَالَتَانِ دَلَالَةٌ على أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِكِتَابِ اللَّهِ بِحَالٍ وَلَكِنَّهَا سُنَّةٌ عَامًّا وَخَاصًّا وَدَلَالَةً على أَنَّهُمْ قَبِلُوا فيه خَبَرَ الْوَاحِدِ فَلَا نَعْلَمْ أَحَدًا رَوَاهُ من وَجْهٍ يَصِحُّ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم إلَّا أَبَا هُرَيْرَةَ رضي اللَّهُ عنه ا هـ وفي ظَنِّي أَنَّهُ في الْبُخَارِيِّ عن جَابِرٍ
- فَصْلٌ يَجْمَعُ بَعْضَ ما سَبَقَ جُمْلَةُ الشُّبُهَاتِ التي رُدَّتْ بها أَحَادِيثُ الْآحَادِ لَا يُرَدُّ الْخَبَرُ بِنِسْيَانِ الرَّاوِي وَلَا بِمُخَالَفَتِهِ لِلْخَبَرِ أو أَنْ يَقُولَ الرَّاوِي ضَعِيفٌ وَلَا يُبَيِّنُ سَبَبَ الضَّعْفِ أو كَوْنَهُ رُوِيَ مَوْقُوفًا أو أَنْ يَقُولَ بَعْضُ الْأَلْفَاظِ أَدْرَجَهُ الرَّاوِي في الحديث كما قَالَهُ الرَّازِيَّ لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْجَمِيعَ من قَوْلِ الرَّسُولِ لِأَنَّ الْكُلَّ مُرَتَّبٌ بَعْضُهُ على بَعْضٍ لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْمُحَدِّثِينَ يَأْبَاهُ وَلَا أَنْ يُقَالَ هذه الزِّيَادَةُ لم تُنْقَلْ نَقْلَ الْأَصْلِ لِاحْتِمَالِ ذِكْرِهَا في وَقْتٍ لم يَحْضُرْهُ الْجَمَاعَةُ وَلَا أَنَّ هذا اللَّفْظَ غَيْرُ قَطْعِيٍّ في الرَّفْعِ كَقَوْلِ سُهَيْلٍ مَضَتْ السُّنَّةُ أَنْ يُفَرَّقَ بين الْمُتَلَاعِنَيْنِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ إرَادَةُ سُنَّةِ الرَّسُولِ وَلَا بِاحْتِمَالِ اعْتِقَادِ ما ليس بِأَمْرٍ أَمْرًا كَقَوْلِهِ أَمَرَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بِكَذَا أو نهى عن كَذَا خِلَافًا لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ قال يُحْتَمَلُ أَنَّ الرَّاوِيَ سمع قَوْلًا فَظَنَّهُ أَمْرًا ولم يَكُنْ أَمْرًا لِأَنَّ الْقَوْمَ أَهْلُ اللِّسَانِ وقال الشَّافِعِيُّ إذَا اخْتَلَفَتْ الْأَحَادِيثُ فَلَنَا وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ فيها نَاسِخٌ وَمَنْسُوخٌ فَالْعَمَلُ بِالنَّاسِخِ وَالثَّانِي أَنْ لَا يَدُلَّ على النَّسْخِ فَيَذْهَبُ إلَى أَثْبَتِ الرِّوَايَتَيْنِ فَإِنْ تَكَافَأَتَا ذَهَبَ إلَى أَشْبَهِ الْحَدِيثَيْنِ من سُنَّتِهِ وَلَا نَقْلُهُ حَدِيثَانِ مُخْتَلِفَانِ عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنْ يُوجَدَ فِيهِمَا هذا أو غَيْرُهُ مِمَّا يَدُلُّ على الْأَثْبَتِ من الرِّوَايَةِ عنه مُسْتَغْنِيًا بِنَفْسِهِ وَإِنْ كان يُرْوَى من دُونِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم حَدِيثٌ يُخَالِفُهُ لم أَلْتَفِتْ إلَى ما خَالَفَهُ خَاتِمَةٌ أَخْذُ الْأَحْكَامِ من الْأَحَادِيثِ التي تَأْتِي لِضَرْبِ الْأَمْثَالِ قِيلَ الْأَحْكَامُ لَا تُؤْخَذُ من الْأَحَادِيثِ التي تَأْتِي لِضَرْبِ الْأَمْثَالِ فإنه مَوْضِعُ تَجَوُّزٍ حَكَاهُ ابن الْعَرَبِيِّ عن إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَأَنَّهُ رَدَّ بِذَلِكَ احْتِجَاجَ الْحَنَفِيَّةِ في وَقْتِ الْعَصْرِ بِحَدِيثِ عَمِلْنَا مع عَمَلِ أَهْلِ الْكِتَابِ مَعَنَا قال ابن الْعَرَبِيِّ وَهَذَا وَإِنْ كان مَوْضِعَ تَجَوُّزٍ وَتَوَسُّعٍ كما قال فإن رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا يقول إلَّا حَقًّا تَمَثَّلَ أو تَوَسَّعَ
- قُلْت وَالتَّعْلِيلُ بِالتَّوَسُّعِ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ وَلَوْ قال لِأَنَّ اللَّفْظَ لم يَظْهَرْ منه قَصْدُ التَّشْرِيعِ فَيَكُونُ قَرِينَةً صَارِفَةً عن الْحُكْمِ لم يَبْعُدْ وقد سَبَقَ مِثْلُهُ في الْعَامِّ إذَا لم يَظْهَرْ منه قَصْدُ التَّعْمِيمِ لَا يَكُونُ عَامًّا لِكَوْنِهِ غير مَقْصُودٍ وَقِيلَ لَا يُؤْخَذُ الْجَوَازُ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ عن أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَنَحْوِهَا كَاحْتِجَاجِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ على أَنَّ الْمَحْرَمَ لَا يُشْتَرَطُ في الْحَجِّ بِحَدِيثِ لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْحَلُ من الْحِيرَةِ حتى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ إلَّا اللَّهُ قال عَدِيٌّ فَرَأَيْت ذلك رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَقَدَحَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ هذا خَبَرٌ منه صلى اللَّهُ عليه وسلم بِأَنَّ ذلك يَقَعُ بَعْدُ ولم يَقُلْ إنَّ ذلك يَجُوزُ وفي الحديث لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حتى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فيقول يا لَيْتَنِي كُنْت مَكَانَهُ وَهَذَا وَإِنْ كان فيه تَمَّنِي الْمَوْتِ الْمَنْهِيِّ عنه لَكِنَّهُ خَبَرٌ منه صلى اللَّهُ عليه وسلم من غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِجَوَازِهِ كَالْإِخْبَارِ بِأَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَنَحْوِهَا وَالْجَوَابُ أَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم ذلك في مَعْرِضِ الْمَدْحِ وَالِامْتِنَانِ بِإِظْهَارِ الدِّينِ وَلِهَذَا أَخْبَرَ في هذا الحديث بِإِنْفَاقِ كُنُوزِ كِسْرَى في سَبِيلِ اللَّهِ وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ أَيْضًا ما في الصَّحِيحَيْنِ عن جَابِرٍ قال قال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم هل لَكُمْ من أَنْمَاطٍ قُلْت لَا قال أَمَا إنَّهَا سَتَكُونُ لَكُمْ الْأَنْمَاطُ قال فَأَنَا أَقُولُ لها يَعْنِي امْرَأَتَهُ أَخِّرِي عَنِّي أَنْمَاطَك فَتَقُولُ له أَلَمْ يَقُلْ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم سَتَكُونُ لَكُمْ الْأَنْمَاطُ فَأَدَعُهَا وَالْأَنْمَاطُ ضَرْبٌ من الْبُسُطِ له خَمْلٌ رَقِيقٌ فَفَهِمَ الصَّحَابِيُّ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ عن الْأَشْرَاطِ الْجَوَازَ أَيْضًا
- فَصْلٌ أَلْفَاظُ الرُّوَاةِ وَأَمَّا الثَّالِثُ وهو أَلْفَاظُ الرُّوَاةِ في الْخَبَرِ وَكَيْفِيَّةِ الْأَدَاءِ فَلِلرَّاوِي في نَقْلِ ما سَمِعَهُ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ رِوَايَةُ الحديث بِلَفْظِهِ أَحَدُهَا أَنْ يَرْوِيَهُ بِلَفْظِهِ قال الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَيَنْظُرُ في هذا بين أَنْ يَكُونَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قَالَهُ ابْتِدَاءً أو جَوَابًا فَإِنْ كان قَالَهُ ابْتِدَاءً وَحَكَاهُ فَقَدْ أَدَّى الْأَمَانَةَ كَقَوْلِهِ تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ وَإِنْ كان جَوَابًا فَإِنْ كان مُغْنِيًا عن ذِكْرِ السُّؤَالِ كَقَوْلِهِ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ فَالرَّاوِي مُخَيَّرٌ بين ذِكْرِ السُّؤَالِ وَتَرْكِهِ فَإِنْ كان مُفْتَقِرًا إلَى ذِكْرِ السُّؤَالِ كما سُئِلَ عن بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ فقال أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا جَفَّ قالوا نعم قال فَلَا إذَنْ فَلَا بُدَّ من ذِكْرِ السُّؤَالِ وَإِنْ كان الْجَوَابُ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ فإذا نَقَلَ السُّؤَالَ تَعَيَّنَ أَحَدُ الِاحْتِمَالَيْنِ كما سُئِلَ عن النَّاقَةِ تُذْبَحُ فَيُوجَدُ في بَطْنِهَا جَنِينٌ مَيِّتٌ فقال ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ وَلَوْ قَالَهُ ابْتِدَاءً لَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ذَكَاتُهُ مِثْلَ ذَكَاةِ أُمِّهِ وَاحْتَمَلَ أَنْ يُسْتَبَاحَ بِذَكَاةِ أُمِّهِ فإذا ذَكَرَ السُّؤَالَ صَارَ الْجَوَابُ مَحْمُولًا على أَنَّهُ يُسْتَبَاحُ بِذَكَاةِ أُمِّهِ فَالْإِخْلَالُ بِالسُّؤَالِ نَقْصٌ وَإِنْ لم يَلْزَمْ ذِكْرُهُ قال وَيَسْتَوِي في هذه الْحَالَةِ التَّابِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَبِالْجُمْلَةِ فَذِكْرُ السَّبَبِ حَسَنٌ وَلِهَذَا قال الْقَاضِي الْحُسَيْنُ أَكْثَرُ ما وَقَعَ الْخِلَافُ فيه بين الْمُجْتَهِدِينَ بِسَبَبِ السَّبَبِ نَقْلُ الحديث بِالْمَعْنَى الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَرْوِيَهُ بِغَيْرِ لَفْظِهِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ نَقْلِ الحديث بِالْمَعْنَى وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَنْقُولَ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا الْقُرْآنُ وَلَا شَكَّ في وُجُوبِ نَقْلِ لَفْظِهِ لِأَنَّ الْقَصْدَ منه الْإِعْجَازُ وَالثَّانِي الْأَخْبَارُ فَيَجُوزُ لِلرَّاوِي نَقْلُهَا بِالْمَعْنَى وإذا نَقَلَهَا بِالْمَعْنَى وَجَبَ قَبُولُهُ كَالنَّقْلِ بِاللَّفْظِ هذا هو الصَّحِيحُ من مَذَاهِبَ عَشَرَةٍ سَتَأْتِي وَنُقِلَ عن الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَالْجُمْهُورِ من الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ لَكِنْ بِشَرَائِطَ
- شُرُوطُ جَوَازِ نَقْلِ الحديث بِالْمَعْنَى أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي عَارِفًا بِدَلَالَاتِ الْأَلْفَاظِ وَاخْتِلَافِ مَوَاقِعِهَا فَإِنْ كان جَاهِلًا بِمَوَاقِعِ الْكَلَامِ امْتَنَعَ بِالْإِجْمَاعِ قَالَهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ قال وقد قال الشَّافِعِيُّ في الرِّسَالَةِ يَجِبُ أَنْ يَرْوِيَ الحديث عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بِحُرُوفِهِ كما سَمِعَهُ وَلَا يُحَدِّثَ بِهِ على الْمَعْنَى وهو غَيْرُ عَالِمٍ بِمَا يُحِيلُ مَعْنَاهُ لِأَنَّا لَا نَدْرِي لَعَلَّهُ يُحِيلُ الْحَلَالَ إلَى الْحَرَامِ أو الْحَرَامَ إلَى الْحَلَالِ وإذا أَدَّاهُ بِحُرُوفِهِ لم نَجِدْ فيه إحَالَةً قال الْقَاضِي وَظَاهِرُهُ تَحْرِيمُ ذلك على الْجَاهِلِ قُلْت قال الشَّافِعِيُّ في مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيّ الثَّابِتُ عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم في صَدَقَةِ الْغَنَمِ مع ما أَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ سَرَدَهُ قال الْأَصْحَابُ فَكَأَنَّ الشَّافِعِيَّ لم يَحْضُرْهُ حِينَئِذٍ لَفْظُ الحديث فَذَكَرَهُ بِالْمَعْنَى وَذَلِكَ دَلِيلٌ على جَوَازِ نَقْلِ الحديث بِالْمَعْنَى عنه وقال الْإِمَامُ في النِّهَايَةِ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ صَادَفَ أو قَاصَّ الْغَنَمَ مُجْمِعًا عليه فلم يَتَأَنَّقَ في نَقْلِ لَفْظِ الرَّسُولِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَيَخْرُجُ منه قَوْلٌ بين أَنْ يَقْوَى بِدَلِيلٍ آخَرَ فَيَجُوزُ وَإِلَّا فَيَمْتَنِعُ ثَانِيهَا أَنْ يُبَدِّلَ اللَّفْظَ بِمَا يُرَادِفُهُ كَالْجُلُوسِ بِالْقُعُودِ وَالِاسْتِطَاعَةِ بِالْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ بِالْمَعْرِفَةِ وَجَعَلَ الْإِبْيَارِيُّ هذا مَحَلَّ وِفَاقٍ في الْجَوَازِ وَلَيْسَ كَالْقُرْآنِ لِأَنَّ الْمَقْصِدَ منه الْإِعْجَازُ وَشَرْطُ هذا أَنْ لَا يَحْتَاجَ إلَى النَّظَرِ في التَّرَادُفِ إلَى نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ فَلَوْ اُحْتِيجَ لم يَجُزْ قَطْعًا ثَالِثُهَا أَنْ تَكُونَ التَّرْجَمَةُ مُسَاوِيَةً لِلْأَصْلِ في الْجَلَاءِ وَالْخَفَاءِ فَيُبْدِلُ اللَّفْظَ بمثله في الِاحْتِمَالِ وَعَدَمِهِ وَلَا يُبْدِلُ الْأَجْلَى بِالْجَلِيِّ وَعَكْسُهُ وَلَا الْعَامَّ بِالْخَاصِّ وَلَا الْمُطْلَقَ بِالْمُقَيَّدِ وَلَا الْأَمْرَ بِالْخَبَرِ وَلَا الْعَكْسُ لِأَنَّ الْخِطَابَ تَارَةً يَقَعُ بِالْمُحْكَمِ وَتَارَةً يَقَعُ بِالْمُتَشَابِهِ لِحِكَمٍ وَأَسْرَارٍ لَا يَعْلَمُهَا إلَّا اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَلَا يَجُوزُ تَغْيِيرُهَا عن مَوْضُوعِهَا رَابِعُهَا أَنْ لَا يَكُونَ مِمَّا تُعُبِّدَ بِلَفْظِهِ فَأَمَّا ما تُعُبِّدْنَا بِهِ فَلَا بُدَّ من نَقْلِهِ بِاللَّفْظِ قَطْعًا كَأَلْفَاظِ التَّشَهُّدِ وَلَا يَجُوزُ نَقْلُهُ بِالْمَعْنَى بِالِاتِّفَاقِ نَقَلَهُ إلْكِيَا وَالْغَزَالِيُّ وَأَشَارَ إلَيْهِ ابن بَرْهَانٍ وابن فُورَكٍ وَغَيْرُهُمَا وَعَبَّرَ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ عن هذا بِأَنْ يَكُونَ سَامِعَ لَفْظِهِ عليه السَّلَامُ عَالِمًا بِمَوْضُوعِ ذلك اللَّفْظِ في اللِّسَانِ وَبِأَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم يُرِيدُ
- بِهِ ما هو مَوْضُوعٌ له فَإِنْ عُلِمَ تَجَوُّزُهُ بِهِ وَاسْتَعَارَ تَرْكَهُ وَجَبَ نَقْلُهُ بِاللَّفْظِ لِيَنْظُرَ فيه خَامِسُهَا أَنْ لَا يَكُونَ من بَابِ الْمُتَشَابِهِ كَأَحَادِيثِ الصِّفَاتِ أَمَّا هِيَ فَلَا يَجُوزُ نَقْلُهَا بِالْمَعْنَى بِالْإِجْمَاعِ حَكَاهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَغَيْرُهُ لِأَنَّ الذي يَحْتَمِلُهُ ما أَطْلَقَهُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم من وُجُوهِ التَّأْوِيلِ لَا نَدْرِي أَنَّ غَيْرَهُ من الْأَلْفَاظِ هل يُسَاوِيهِ أَمْ لَا قال وَكَذَلِكَ الْمُشَكِّكُ وَالْمُشْتَرَكُ لَا يَنْقُلُهُ أَحَدٌ بِالْمَعْنَى لِتَعَذُّرِ نَقْلِهِ بِلَفْظٍ آخَرَ وَكَذَلِكَ الْمُجْمَلُ سَادِسُهَا أَنْ لَا يَكُونَ من جَوَامِعِ الْكَلِمِ فَإِنْ كان كَقَوْلِهِ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ وَالْبَيِّنَةُ على الْمُدَّعِي الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ وَنَحْوُهُ لم يَجُزْ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ دَرْكُ جَمِيعِ مَعَانِي جَوَامِعِ الْكَلِمِ حَكَاهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ قال وَمِنْ مَشَايِخِنَا من يَفْصِلُ بين الْجَوَامِعِ وَغَيْرِهَا إذَا كان ظَاهِرُ الْمَعْنَى كَغَيْرِهِ من الظَّوَاهِرِ وَجَعَلَ الْإِبْيَارِيُّ في شَرْحِ الْبُرْهَانِ لِلْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَ صُوَرٍ أَحَدُهَا أَنْ يُبْدِلَ اللَّفْظَ بِمُرَادِفِهِ كَالْجُلُوسِ بِالْقُعُودِ فَجَائِزٌ بِلَا خِلَافٍ وَثَانِيهَا أَنْ يَظُنَّ دَلَالَتَهُ على مِثْلِ ما دَلَّ عليه الْأَوَّلُ من غَيْرِ أَنْ يَقْطَعَ بِذَلِكَ فَلَا خِلَافَ في امْتِنَاعِ التَّبْدِيلِ ثَالِثُهَا أَنْ يَقْطَعَ بِفَهْمِ الْمَعْنَى وَيُعَبِّرَ عَمَّا فَهِمَ بِعِبَارَةٍ يَقْطَعُ بِأَنَّهَا تَدُلُّ على ذلك الْمَعْنَى الذي فَهِمَهُ من غَيْرِ أَنْ تَكُونَ الْأَلْفَاظُ مُتَرَادِفَةً فَهَذَا مَوْضِعُ الْخِلَافِ فَالْأَكْثَرُونَ على أَنَّهُ مَتَى حَصَلَ الْقَطْعُ بِفَهْمِ الْمَعْنَى مُسْتَنِدًا إلَى اللَّفْظِ إمَّا بِمُجَرَّدِهِ أو بِهِ مع الْقَرَائِنِ
- الْتَحَقَ بِالْمُرَادِفِ وَكَلَامُ أبي نَصْرِ بن الْقُشَيْرِيّ يَدُلُّ لِمَا ذَكَرَهُ في الْحَالَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ على الِاتِّفَاقِ على الْجَوَازِ في الْأُولَى وَعَلَى الْمَنْعِ في الثَّانِيَةِ وقال الْعَبْدَرِيّ في شَرْحِ الْمُسْتَصْفَى يَجُوزُ لِلْعَالِمِ فِيمَا عَلِمَهُ قَطْعًا لَا في عِلْمِهِ بِنَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ وفي حَقِّ من يُقَلِّدُهُ من الْعَوَامّ خَاصَّةً قال وَعَلَى هذا الْوَجْهِ يَجُوزُ تَفْسِيرُ مَقَالِ الشَّرْعِ بِلُغَةِ الْعَجَمِ على وَجْهِ التَّعْلِيمِ لهم وَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ فَلَا يَجُوزُ له الْعَمَلُ بِالْحَدِيثِ حتى يَنْقُلَ إلَيْهِ لَفْظَ الشَّارِعِ لِأَنَّهُ إنْ قَبِلَهُ بِالْمَعْنَى صَارَ مُقَلِّدًا وفي الصَّحَابِيِّ إذَا نَقَلَهُ بِالْمَعْنَى فَلَا فَرْقَ ا هـ وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي الْمَنْعُ مُطْلَقًا بَلْ يَجِبُ نَقْلُ اللَّفْظِ بِصُورَتِهِ سَوَاءٌ الْعَالِمُ وَغَيْرُهُ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عن كَثِيرٍ من السَّلَفِ وَأَهْلِ التَّحَرِّي في الحديث وقال إنَّهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن الْقُشَيْرِيّ عن مُعْظَمِ الْمُحَدِّثِينَ وَبَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ وَحَكَاهُ غَيْرُهُ عن أبي بَكْرٍ الرَّازِيَّ من الْحَنَفِيَّةِ وهو مَذْهَبُ أَهْلِ الظَّاهِرِ كما نَقَلَهُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْوَاضِحِ عن الظَّاهِرِيَّةِ كما نَقَلَهُ ابن السَّمْعَانِيِّ عن عبد اللَّهِ بن عُمَرَ رضي اللَّهُ عنهما وَجَمَاعَةٍ من التَّابِعِينَ منهم ابن سِيرِينَ وَبِهِ أَجَابَ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ وَوَهَمَ صَاحِبُ التَّحْصِيلِ فَعَزَاهُ لِلشَّافِعِيِّ وَحَكَاهُ ابن السَّمْعَانِيِّ عن ثَعْلَبٍ من النَّحْوِيِّينَ أَيْ لِأَجْلِ إنْكَارِ أَصْلِ التَّرَادُفِ في اللُّغَةِ وَنَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ عن مَالِكٍ لَا يُنْقَلُ حَدِيثُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بِالْمَعْنَى بِخِلَافِ حديث الناس لَكِنْ قال الْبَاجِيُّ لَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ من لَا عِلْمَ له بِمَعْنَى الحديث فَقَدْ نَجِدُ الحديث عنه تَخْتَلِفُ أَلْفَاظُهُ اخْتِلَافًا بَيِّنًا وَهَذَا يَدُلُّ على أَنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَهُ لِلْعَالِمِ النَّقْلُ على الْمَعْنَى وَالثَّالِثُ التَّفْصِيلُ بين ما يُوجِبُ الْعِلْمَ من أَلْفَاظِ الحديث فَالْمُعَوَّلُ فيه على الْمَعْنَى وَلَا يَجِبُ مُرَاعَاةُ اللَّفْظِ وَأَمَّا الذي يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ منها فَمِنْهُ ما لَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِلَفْظِهِ كَقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ خَمْسٌ
- يُقْتَلْنَ في الْحِلِّ وَالْحَرَمِ حَكَاهُ ابن السَّمْعَانِيِّ وَجْهًا لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا قال وَالْأَصَحُّ الْجَوَازُ بِكُلِّ حَالٍ الرَّابِعُ التَّفْصِيلُ بين الْأَلْفَاظِ التي لَا مَجَالَ لِلتَّأْوِيلِ فيها فَيَجُوزُ نَقْلُهُ بِالْمَعْنَى وَإِنْ كان لِلتَّأْوِيلِ فيها مَجَالٌ فلم يَجُزْ إلَّا أَدَاءُ اللَّفْظِ حَكَاهُ أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ عن بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَجَرَى عليه إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَالْخَامِسُ التَّفْصِيلُ بين أَنْ يَحْفَظَ اللَّفْظَ فَلَا يَجُوزُ له أَنْ يَرْوِيَهُ بِغَيْرِهِ لِأَنَّ في كَلَامِ الرَّسُولِ من الْفَصَاحَةِ ما لَا يُوجَدُ في كَلَامِ غَيْرِهِ وَإِنْ لم يَحْفَظْ اللَّفْظَ جَازَ أَنْ يُورِدَ مَعْنَاهُ بِغَيْرِ لَفْظِهِ لِأَنَّ الرَّاوِيَ تَحَمَّلَ أَمْرَيْنِ اللَّفْظَ وَالْمَعْنَى فإذا قَدَرَ عَلَيْهِمَا لَزِمَهُ أَدَاؤُهُمَا وَإِنْ عَجَزَ عن اللَّفْظِ وَقَدَرَ على الْمَعْنَى لَزِمَهُ أَدَاؤُهُ وَبِهَذَا الْقَوْلِ جَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ في الْحَاوِي وَتَبِعَهُ الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ وَجَعَلَ الْخِلَافَ مَخْصُوصًا بِغَيْرِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ قال أَمَّا الْأَوَامِرُ وَالنَّوَاهِي فَيَجُوزُ رِوَايَتُهُمَا بِالْمَعْنَى كَقَوْلِهِ لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ وَرُوِيَ أَنَّهُ نهى عن بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَقَوْلُهُ اُقْتُلُوا الْأَسْوَدَيْنِ في الصَّلَاةِ وَرُوِيَ أَنَّهُ أَمَرَ بِقَتْلِ الْأَسْوَدَيْنِ في الصَّلَاةِ قَالَا فَهَذَا جَائِزٌ يَعْنِي بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّ افْعَلْ أَمْرٌ ولا تَفْعَلْ نَهْيٌ فَيَتَخَيَّرُ الرَّاوِي بَيْنَهُمَا وَإِنْ كان اللَّفْظُ خَفِيَّ الْمَعْنَى مُحْتَمِلًا كَقَوْلِهِ لَا طَلَاقَ في إغْلَاقٍ وَجَبَ نَقْلُهُ بِلَفْظِهِ وَلَا يُعَبَّرُ عنه بِغَيْرِهِ فإنه لم يَذْكُرْهُ جَلِيًّا وَلَا خَفِيًّا إلَّا لِلْمَصْلَحَةِ وَلِيَكِلَ اسْتِنْبَاطَهُ إلَى الْعُلَمَاءِ وَإِنْ كان الْمَعْنَى جَلِيًّا غير مُحْتَمَلٍ فَلَا يَجُوزُ لِمَنْ لم يَسْمَعْ كَلَامَهُ من التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنْ يُغَيِّرَ لَفْظَهُ وَيَنْقُلَ مَعْنَاهُ وَهَلْ يَجُوزُ لِمَنْ شَاهَدَهُ من الصَّحَابَةِ أَنْ يُورِدَ الْمَعْنَى بِغَيْرِ لَفْظِهِ فيه وَجْهَانِ
- لِأَصْحَابِنَا أَحَدُهُمَا لَا يَجُوزُ كما لَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ من التَّابِعِينَ وَالثَّانِي يَجُوزُ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِفَحْوَاهُ من غَيْرِهِ ا هـ وَحَاصِلُهُ تَخْصِيصُ الْخِلَافِ بِالصَّحَابِيِّ وَبِالْجَلِيِّ من غَيْرِ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي وَالْجَزْمُ في الْجَلِيِّ بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا من التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وهو تَفْصِيلٌ غَرِيبٌ لَكِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ وقال الْقُرْطُبِيُّ قال بَعْضُ مُتَأَخِّرِي عُلَمَائِنَا الْخِلَافُ في هذه الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ بِالنَّظَرِ إلَى عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لِتَسَاوِيهِمْ في مَعْرِفَةِ اللُّغَةِ الْجِبِلِّيَّةِ الذَّوْقِيَّةِ وَأَمَّا من بَعْدَهُمْ فَلَا شَكَّ في أَنَّ ذلك لَا يَجُوزُ إذْ الطِّبَاعُ قد تَغَيَّرَتْ وَالْفُهُومُ قد تَبَايَنَتْ وَالْعَوَارِفُ قد اخْتَلَفَتْ قال وَهَذَا هو الْحَقُّ ا هـ وَيَخْرُجُ من ذلك مَذْهَبٌ آخَرُ هو السَّابِعُ بِالنِّسْبَةِ لِمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالثَّامِنُ إنْ كان مُحْكَمًا فَلَا يَجُوزُ نَقْلُهُ بِالْمَعْنَى إلَّا لِلْعَارِفِ بِاللُّغَةِ وَإِنْ كان ظَاهِرًا يَحْتَمِلُ الْغَيْرَ كَعَامٍّ يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ أو حَقِيقَةٍ تَحْتَمِلُ الْمَجَازَ جَازَ لِلْمُجْتَهِدِينَ فَقَطْ وَإِنْ كان وَجَبَّارُ أو مُشْتَرَكًا فَلَا يَجُوزُ فِيهِمَا النَّقْلُ بِالْمَعْنَى أَصْلًا إذْ الْمُرَادُ بِهِمَا لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالتَّأْوِيلِ وَأَمَّا الْمُجْمَلُ فَلَا يُتَصَوَّرُ فيه النَّقْلُ بِالْمَعْنَى لِأَنَّهُ لَا يُوقَفُ عليه إلَّا بِدَلِيلٍ آخَرَ وَالْمُتَشَابِهُ كَذَلِكَ لِأَنَّا اُبْتُلِينَا بِالْكَفِّ عن طَلَبِ الْمَعْنَى فيه فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ نَقْلُهُ بِالْمَعْنَى قَالَهُ أبو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ قال وَأَمَّا ما يَكُونُ من جَوَامِعِ الْكَلِمِ كَقَوْلِهِ الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ والعجماء جُبَارٌ وَنَحْوُهُ فَقَدْ جَوَّزَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا نَقْلَهُ بِالْمَعْنَى بِالشَّرْطِ السَّابِقِ في الظَّاهِرِ وَالْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِاخْتِصَاصِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بهذا النَّظْمِ وَكَأَنَّ هذا النَّوْعَ هو الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ثُمَّ أَدَّاهَا كما سَمِعَهَا وَذَكَرَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ في كِتَابِهِ قَرِيبًا من هذا التَّفْصِيلِ أَيْضًا وقال أبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ في كِتَابِهِ اللَّفْظُ الْمَسْمُوعُ من النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا لَا تَأْوِيلَ فيه كَقَوْلِهِ لَا تَقْرَبْ كَذَا وَافْعَلْ كَذَا فَهَذَا وَنَحْوُهُ لَا يَجْهَلُهُ أَحَدٌ يَنْكَرُهُمَا وَقَعَدَ وَقَامَ وَمَضَى وَذَهَبَ وَصَبَّ وَأَرَاقَ وَهَذَا يَجُوزُ تَأْدِيَتُهُ بِالْمَعْنَى وَالثَّانِي مُودَعٌ في جُمْلَةٍ لَا يَفْهَمُ الْعَامِّيُّ إلَّا بِأَدَاءِ تِلْكَ الْجُمْلَةِ وَيَكُونُ الِاحْتِمَالُ فِيمَا يَظُنُّهُ الْحَاكِي قَائِمًا فَهَذَا لَا يَجُوزُ أَدَاؤُهُ إلَّا بِاللَّفْظِ الْمُتَعَلَّقِ بِذَلِكَ الْمَعْنَى فَلَا يَجُوزُ إضَافَةُ الْمَعْنَى إلَى لَفْظٍ آخَرَ وقد قال الشَّافِعِيُّ رضي اللَّهُ عنه وَلَا يُقْبَلُ خَبَرٌ حتى يَكُونَ رَاوِيهِ عَدْلًا عَاقِلًا
- مُمَيِّزًا بين الْمَعَانِي فَمَنْ لم يَكُنْ مُمَيِّزًا بين الْمَعَانِي فَحُكْمُهُ في الْأَدَاءِ على الْأَلْفَاظِ وَكُلُّ من أَدَّى إلَيْنَا شيئا قَبِلْنَاهُ على أَنَّهُ لَفْظُ الْمَحْكِيِّ عنه حتى عَلِمْنَا أَنَّهُ حُكِيَ على خِلَافِ ذلك وَلَا يَجُوزُ نَقْلُ حَدِيثٍ يَكُونُ فيه من الْكَلَامِ مَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِهِ فَيُحْذَفُ فَيَذْهَبُ مَعْنَاهُ ا هـ وَالتَّاسِعُ التَّفْصِيلُ بين أَنْ يُورِدَهُ على قَصْدِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ وَالْفُتْيَا فَيَجُوزُ له رِوَايَتُهُ بِالْمَعْنَى إذَا كان عَارِفًا بِمَعْنَاهُ وَبَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ التَّبْلِيغَ فَلَا يَحِلُّ له وَيَتَعَيَّنُ اللَّفْظُ لِظَاهِرِ حديث الْبَرَاءِ وَآمَنْتُ بِرَسُولِك الذي أَرْسَلْتَ قَالَهُ ابن حَزْمٍ في كِتَابِ الْإِحْكَامِ وَالْعَاشِرُ التَّفْصِيلُ بين الْأَحَادِيثِ الطِّوَالِ فَيَجُوزُ فيها الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى بِشَرْطِهِ دُونَ الْقِصَارِ حَكَاهُ بَعْضُهُمْ عن الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ ثُمَّ من الْمُتَأَخِّرِينَ من خَصَّ هذا الْخِلَافَ في أَحَادِيثِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَجَوَّزَ الرِّوَايَةَ بِالْمَعْنَى في كَلَامِ الناس وَمِنْهُمْ من عَكَسَ وهو ما حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ في الْإِشْكَالِ عن مَالِكٍ تَجْوِيزَهُ في حديث الناس وَمَنْعَهُ في كَلَامِ النُّبُوَّةِ فَرْعٌ إذَا قُلْنَا بِالْمَنْعِ وَرُوِيَ بِالْمَعْنَى لَا تَسْقُطُ رِوَايَتُهُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ اخْتِلَافٍ وَاجْتِهَادٍ فَلَا تَسْقُطُ بِهِ الرِّوَايَةُ قَالَهُ سُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ أَنْ يُنْقِصَ من لَفْظِهِ وَيَحْذِفَهُ فَيُنْظَرُ إنْ تَعَلَّقَ بِهِ الْمَحْذُوفُ تَعَلُّقًا لَفْظِيًّا أو مَعْنَوِيًّا لم يَجُزْ بِالِاتِّفَاقِ كما قَالَهُ الْهِنْدِيُّ وَالْإِبْيَارِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَالتَّعَلُّقُ اللَّفْظِيُّ كَالتَّقْيِيدِ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَالشَّرْطِ وَالْغَايَةِ وَالصِّفَةِ وَالْمَعْنَوِيِّ كما إذَا كان الْمُتَعَلَّقُ مَذْكُورًا بِجُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ لَا يَتَعَلَّقُ الْمَعْنَى الْمَذْكُورُ في الرِّوَايَةِ بها كما في بَيَانِ التَّخْصِيصِ وَالنَّسْخِ وَبَيَانِ الْمُجْمَلِ بِجُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ وَكَلَامِ ابْنِ الْقُشَيْرِيّ فَيَنْقُصُ عن الْخِلَافِ الْآتِي وَإِنْ لم
- يَكُنْ كَذَلِكَ فَعَلَى الْخِلَافِ في الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى فَالْمَانِعُونَ ثَمَّ مَنَعَ أَكْثَرُهُمْ هَاهُنَا وَأَمَّا الْمُجَوَّزُونَ ثَمَّ فَاخْتَلَفُوا هَاهُنَا على أَقْوَالٍ الْمَذَاهِبُ في جَوَازِ حَذْفِ شَيْءٍ من الحديث أَحَدُهَا أَنَّهُ إنْ كان نَقَلَ ذلك هو أو غَيْرُهُ مَرَّةً بِتَمَامِهِ جَازَ أَنْ يَنْقُلَ الْبَعْضَ وَإِنْ لم يَنْقُلْ ذلك لَا هو وَلَا غَيْرُهُ لم يَجُزْ هَكَذَا حَكَاهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ وَالشَّيْخُ في اللُّمَعِ وَغَيْرُهُمَا وَقَيَّدَ الْغَزَالِيُّ الْجَوَازَ في الشِّقِّ الْأَوَّلِ بِأَنْ لَا يَتَطَرَّقَ إلَيْهِ سُوءُ الظَّنِّ بِالتُّهْمَةِ بِاضْطِرَابِ النَّقْلِ وَالثَّانِي الْجَوَازُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ تَعَلَّقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ أَمْ لَا كَذَا حَكَاهُ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في اللُّمَعِ وَكَذَا الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ وابن الْقُشَيْرِيّ وهو يُعَكِّرُ على ما حَكَيَاهُ من الِاتِّفَاقِ أَوَّلًا لَكِنَّهُ بَعِيدٌ فإن أَحَدًا لَا يُجَوِّزَ حَذْفَ الْغَايَةِ وَالِاسْتِثْنَاءِ وَالِاقْتِصَارَ على أَصْلِ الْكَلَامِ وَحَكَى سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ فِيمَا إذَا لم يَتَعَلَّقْ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ طَرِيقَتَيْنِ إحْدَاهُمَا إجْرَاءُ خِلَافِ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى وَالثَّانِيَةُ الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ قال وَهِيَ الْمَذْهَبُ قال أَمَّا إذَا رَوَى بَعْضَ الْخَبَرِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَنْقُلَهُ بِتَمَامِهِ فَإِنْ كان لَا يُفْهَمُ بِأَنَّهُ زَادَ في حَدِيثِهِ قُبِلَ ذلك وَإِنْ كان يُفْهَمُ كان عُذْرًا له في تَرْكِهِ الزِّيَادَةَ وَكِتْمَانِهَا وَكَذَا قال الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ مَتَى خَافَ رَاوِي الحديث على التَّمَامِ أَنَّهُ إذَا رَوَاهُ مَرَّةً نَاقِصًا أَنْ يُتَّهَمَ وَجَبَ عليه رِوَايَتُهُ على التَّمَامِ دَفْعًا عن نَفْسِهِ التُّهْمَةَ الْمُسْقِطَةَ لِلرِّوَايَةِ وَشَرَطَ أَيْضًا لِلْجَوَازِ أَنْ يَكُونَ السَّامِعُ مُتَذَكِّرًا لِتَمَامِهِ فَإِنْ خَافَ غَفْلَتَهُ أو نِسْيَانَهُ لم يَحِلَّ له إلَّا رِوَايَتُهُ تَامًّا قال فَإِنْ شَارَكَهُ في السَّمَاعِ غَيْرُهُ لم يَحِلَّ له الِاقْتِصَارُ على الْبَعْضِ لِئَلَّا يُفْسِدَ على السَّامِعِ الْآخَرِ الذي لم يَسْمَعْهُ إلَّا تَامًّا وَالثَّالِثُ الْمَنْعُ مُطْلَقًا وَالرَّابِعُ الْحَدِيثُ إنْ كان مَشْهُورًا بِتَمَامِهِ جَازَ نَقْلُ بَعْضِهِ وَإِلَّا فَلَا قَالَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ اللُّمَعِ وَالْخَامِسُ إنْ كان لَا يُعْلَمُ إلَّا من جِهَتِهِ فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمٌ لم يَجُزْ أَنْ يَتْرُكَ منه شيئا وَإِنْ لم يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمٌ نُظِرَ فَإِنْ كان النَّاقِلُ فَقِيهًا جَازَ له ذلك وَإِنْ كان
- غير فَقِيهٍ امْتَنَعَ قَالَهُ ابن فُورَكٍ وأبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ في كِتَابَيْهِمَا قَالَا وَإِنْ كان تَقَدَّمَ قبل ذلك جَازَ له الِاكْتِفَاءُ بِالْبَعْضِ كما رُوِيَ أَنَّهُ عليه السَّلَامُ رَدَّ عُمَرَ بن الْخَطَّابِ إلَى آيَةِ الْكَلَالَةِ فقال تَكْفِيَك آيَةُ الصَّيْفِ فَلَوْ لم يَكُنْ فيها كِفَايَةٌ لَمَا وَكَّلَهُ إلَيْهَا وَكَذَلِكَ تَرْكُ الْأَمْرِ بِالْقَضَاءِ في حديث الْوَاطِئِ في رَمَضَانَ اكْتِفَاءً بِمَا ذَكَرَهُ في الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ وَإِنْ كان قد جاء من طَرِيقٍ آخَرَ الْأَمْرُ بِالْقَضَاءِ وَلِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَتَيْت النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ فَرَمَى الرَّوْثَةَ وَتَرَكَ نَقْلَ الْحَجَرِ الْآخَرِ اكْتِفَاءً وقد رَوَى أَحْمَدُ بن حَنْبَلٍ مُسْنَدًا أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قال ائْتِنِي بِحَجَرٍ ثَالِثٍ وَكَذَا قال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ الْحَقُّ في هذه الْمَسْأَلَةِ التَّفْصِيلُ بين أَنْ يَكُونَ الْمَحْذُوفُ حُكْمًا مُتَمَيِّزًا عَمَّا قَبْلَهُ وَالنَّاقِلُ فَقِيهٌ عَالِمٌ بِوَجْهِ التَّمْيِيزِ فَيَجُوزُ كَحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَحَيْثُ لم يَنْقُلْ الْحَجَرَ الثَّالِثَ كان مَقْصُودُهُ مَنْعَ الِاسْتِنْجَاءِ بِالرَّوْثِ وَإِنْ كان مَقْصُودُهُ مُرَاعَاةَ الْعَدَدِ لَوَجَبَ عليه نَقْلُ جَمِيعِهِ وَإِنْ كان النَّاقِلُ ظَاهِرُ حَالِهِ الِاعْتِنَاءُ بِنَقْلِهِ وَاسْتِيفَاءُ رِوَايَتِهِ فَظَاهِرُ حَالِهِ أَنْ لَا يَنْقُلَ سِوَاهُ كَقَضِيَّةِ مَاعِزٍ فإن الرَّاوِيَ اسْتَوْفَاهَا ولم يذكر رَجْمَهُ قال وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَمَسْأَلَةُ نَقْلِ الْخَبَرِ بِالْمَعْنَى في الْمَأْخَذِ وَالْمَنْشَأِ سَوَاءٌ وقد يَنْتَهِي الْأَمْرُ فِيهِمَا إلَى التَّفْصِيلِ بين الرَّاوِي الْفَقِيهِ وَغَيْرِهِ وقد يُسَوَّى بَيْنَهُمَا كما يُسَوَّى بين الرَّاوِي الْفَقِيهِ وَغَيْرِهِ وقال الْقَاضِي يَجُوزُ أَنْ يَرْوِيَهُ نَاقِصًا لِمَنْ رَوَاهُ له قبل ذلك تَامًّا إذَا غَلَبَ على ظَنِّهِ أَنَّهُ حَافِظٌ لِتَمَامِهِ فَيَذْكُرُ له فَإِنْ بَانَتْ غَفْلَتُهُ وَنِسْيَانُهُ لم يَحِلَّ له إلَّا رِوَايَتُهُ على الْكَمَالِ وقال الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ إنَّمَا يَجُوزُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي مُسْتَقِلًّا بِمَفْهُومِ الْحُكْمِ
- كَقَوْلِهِ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ فَيَجُوزُ له رِوَايَةُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ إلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَا عليه لِلْإِبْلَاغِ عِنْدَ الْحَاجَةِ فَيَلْزَمُهُ الْجَمْعُ كَالشَّهَادَةِ فَإِنْ كان الْبَاقِي لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ فَلَا يَجُوزُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ لِتَتِمَّ فَائِدَةُ الْخَبَرِ وَإِنْ كان مَفْهُومًا وَلَكِنَّ ذِكْرَ الْمَتْرُوكِ يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْحُكْمِ في الْمَذْكُورِ كَقَوْلِهِ أَعِدْ أُضْحِيَّتَك فقال ليس عِنْدِي إلَّا جَذَعَةٌ من الْمَعْزِ فقال تُجْزِئُكَ ولم تُجْزِئْ لِأَحَدٍ بَعْدَك فَلَوْ رَوَى أَنَّهُ قال يُجْزِئُك لَفُهِمَ أَنَّهُ يُجْزِئُ عن جَمِيعِ الناس فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ ا هـ وَالْمُخْتَارُ جَوَازُ اخْتِصَارِهِ بِشَرْطِ الِاسْتِقْلَالِ وقد جاء الْحَدِيثُ الطَّوِيلُ في صِفَةِ الْحَجِّ سَاقَهُ جَابِرٌ سِيَاقًا وَاحِدًا عِنْدَ خُرُوجِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم من الْمَدِينَةِ إلَى أَنْ دَخَلَهَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ وأبو دَاوُد على هذا السِّيَاقِ وَجَزَّأَهُ مَالِكٌ وَالْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ على الْأَبْوَابِ وقال أبو الْوَلِيدِ بن رُشْدٍ هو عِنْدِي جَائِزٌ إذَا كان مُفِيدًا وَمُكْتَفِيًا بِنَفْسِهِ وَغَيْرَ مُحْتَاجٍ في فَهْمِهِ إلَى ما قَبْلَهُ أو كان ليس يُوجِبُ صِدْقَ ما حُذِفَ منه تَرَدَّدَ الْمَفْهُومُ عنه بين مَعْنَيَيْنِ أو أَكْثَرَ وَسَوَاءٌ جَوَّزْنَا الرِّوَايَةَ بِالْمَعْنَى أو لَا وَاسْتَحْسَنَهُ الْعَبْدَرِيّ أَمَّا إذَا كان تَرْكُ بَعْضِهِ يَتَضَمَّنُ تَرْكَ بَيَانِ ما أَوَّلَهُ وَيُوهِمُ منه شيئا يَزُولُ بِذِكْرِ الزِّيَادَةِ لم يَجُزْ حَذْفُهَا مِثْلُ ما ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فقال نَقَلَ بَعْضُ النَّقَلَةِ عن ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ أتى النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ يَسْتَنْجِي فَرَمَى الرَّوْثَةَ وقال إنَّهَا رِكْسٌ وَرُوِيَ عنه أَنَّهُ رَمَى الرَّوْثَةَ ثُمَّ قال ابْغِ لنا ثَالِثًا وَالسُّكُوتُ عن ذِكْرِ الثَّالِثِ ليس يُخِلُّ بِذِكْرِ رَمْيِ الرَّوْثَةِ وَبَيَانِ أنها رِكْسٌ لَكِنْ يُوهِمُ النَّقْلُ كَذَلِكَ جَوَازُ الِاسْتِنْجَاءِ بِحَجَرَيْنِ وقال الشَّافِعِيُّ فَلَا يَجُوزُ مع هذا الْإِيهَامِ الِاقْتِصَارُ على بَعْضِ الحديث وَتُحْمَلُ رِوَايَةُ الْمُقْتَصِرِ على أَنَّهُ لم تَبْلُغْهُ الزِّيَادَةُ وَاخْتَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في ذلك التَّفْصِيلَ بين أَنْ يَكُونَ مَقْصِدُ الرَّاوِي مَنْعَ اسْتِعْمَالِ الرَّوْثِ فَيَجُوزُ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ وَالْحَقُّ ما قَالَهُ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ الْإِيهَامَ
- حَاصِلٌ وَإِنْ قَصَدَ الرَّاوِي مَنْعَ اسْتِعْمَالِ الرَّوْثِ وقد نُقِلَ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ وفي رِوَايَةٍ لم يُنْقَلْ إلَّا الرَّجْمُ قال الشَّافِعِيُّ لَا أَتَلَقَّى سُقُوطَ الْجَلْدِ عن الثَّيِّبِ من اقْتِصَارِ الرَّاوِي إذْ يُحْتَمَلُ أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم كان قد ذَكَرَهُ في هذا الحديث فَاسْتَحْضَرَ الرَّاوِي الرَّجْمَ فَاقْتَصَرَ عليه وَلَكِنَّهُ مَأْخُوذٌ من قَضِيَّةِ مَاعِزٍ وَفِعْلِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَمَّا إذَا اقْتَصَرَ على الزَّوَائِدِ من الْحُرُوفِ التي لَا تُغَيِّرُ الْمَعْنَى وكان عَالِمًا بِمَصَادِرِ الْكَلَامِ وَمَوَارِدِهِ جَازَ إنْ قُلْنَا تَجُوزُ الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى وَإِلَّا فَلَا قَالَهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ فَرْعٌ الْخَبَرُ الذي فيه لَفْظٌ يُفِيدُ التَّأْكِيدَ لَا يَجُوزُ إسْقَاطُهُ أَطْلَقَ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ أَنَّهُ إذَا كان في الْخَبَرِ لَفْظٌ لَا يُفِيدُ إلَّا التَّأْكِيدَ لم يَجُزْ لِلرَّاوِي إسْقَاطُهُ لِأَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم ما ذَكَرَهُ إلَّا لِفَائِدَةٍ وَيَنْبَغِي أَنْ يَجِيءَ فيه الْخِلَافُ تَنْبِيهٌ الْجَزْمُ بِمَنْعِ حَذْفِ الصِّفَةِ مُشْكِلٌ ما جَزَمُوا بِهِ من مَنْعِ حَذْفِ الصِّفَةِ مُشْكِلٌ فَقَدْ وَقَعَ في الْقُرْآنِ نَظِيرُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى غَيْرِ أُولِي الضَّرَرِ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا وَلَيْسَ فيه ذِكْرُ الِاسْتِثْنَاءِ في الْكَلَامِ الْمَحْكِيِّ وَكَذَلِكَ إنَّ عِبَادِي ليس لَك عليهم سُلْطَانٌ في سُبْحَانَ وفي الْحِجْرِ إلَّا من اتَّبَعَك وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى آيَتُك أَلَا تُكَلِّمَ الناس ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا فَقَدْ يُقَالُ إنَّ ظَاهِرَهُ يَقْتَضِي جَوَازَ حَذْفِ الِاسْتِثْنَاءِ من الْخَبَرِ أَيْضًا وَالْمُرَادُ بِالِاسْتِثْنَاءِ الْمَحْذُوفِ في الْآيَةِ هو الْمَذْكُورُ في آلِ عِمْرَانَ إلَّا رَمْزًا وَجَوَابُهُ أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ الرَّمْزَ ليس بِكَلَامٍ فَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ إطْلَاقِ امْتِنَاعِ حَذْفِ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْمُتَّصِلِ فَائِدَةٌ هل يَجُوزُ إسْقَاطُ حَرْفِ الْعَطْفِ من الْآيَةِ عِنْدَ الِاسْتِدْلَالِ بها وَقَعَ الْبَحْثُ في أَنَّهُ إذَا اسْتَدَلَّ بِآيَةٍ هل يَجُوزُ تَغْيِيرُ لَفْظِهَا بِإِسْقَاطِ حَرْفِ الْعَطْفِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَسْتَقِيمُ الْمَعْنَى بِدُونِهِ ظَاهِرُ تَصَرُّفِ الْفُقَهَاءِ جَوَازُهُ فَفِي الْوَسِيطِ
- في أَوَّلِ الصَّلَاةِ قال اللَّهُ تَعَالَى أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وفي كِتَابِ الْبَيْعِ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا وفي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ لم يَنْزِلْ عَلَيَّ إلَّا هذه الْآيَةُ الْفَاذَّةُ من يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وفي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ إذَا خَطَبَ إلَيْكُمْ من تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ إلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ في الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ وفي حديث الِاسْتِفْتَاحِ وأنا من الْمُسْلِمِينَ الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ أَنْ يَزِيدَ في لَفْظِهِ فَإِنْ كانت الزِّيَادَةُ شَرْطًا لِبَيَانِ الْحَالِ كَنَهْيِهِ عن تَلَقِّي الرَّكْبَانِ وَبَيْعِ حَاضِرٍ لِبَادٍ فَيَزِيدُ ذِكْرُ السَّبَبِ الذي دَعَاهُ إلَى هذا الْقَوْلِ قال الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فَهَذَا يَجُوزُ من الصَّحَابِيِّ لِمُشَاهَدَةِ الْحَالِ وَلَا يَجُوزُ من التَّابِعِيِّ وَإِنْ كان تَفْسِيرًا لِمَعْنَى الْكَلَامِ كَنَهْيِهِ عن الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ فَيُفَسَّرُ مَعْنَاهَا في رِوَايَتِهِ قَالَا فَيَجُوزُ ذلك لِلصَّحَابِيِّ وَالتَّابِعِيِّ لَكِنَّ تَفْسِيرَ الصَّحَابِيِّ يَلْزَمُ فيه قَوْلُهُ بِخِلَافِ تَفْسِيرِ التَّابِعِيِّ قَالَا وَإِنْ خَرَجَتْ الزِّيَادَةُ عن شَرْحِ السَّبَبِ وَتَفْسِيرِ الْمَعْنَى فَلَا يَجُوزُ وَهِيَ كَذِبٌ صَرِيحٌ ا هـ مَسْأَلَةٌ في الرَّجُلِ يَرْوِي خَبَرًا فَيَجْتَهِدُ فيه كَقَوْلِهِ في الْمَسْحِ على الْخُفَّيْنِ فَلَوْ اسْتَزَدْنَاهُ لَزَادَنَا قال أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ فَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَذْهَبُ في الْقَدِيمِ إلَى الْمَسْحِ بِغَيْرِ تَوْقِيتٍ قال ابن الْقَطَّانِ في كِتَابِهِ إلَّا أَنَّ الْحَسَنَ بن مُحَمَّدٍ بن الصَّبَّاحِ الزَّعْفَرَانِيَّ قال رَجَعَ الشَّافِعِيُّ بِبَغْدَادَ قبل أَنْ يَخْرُجَ إلَى مِصْرَ عن الْمَسْحِ بِغَيْرِ تَوْقِيتٍ وقال إنَّهُ يُؤَقِّتُ حِينَئِذٍ فَيَجِبُ الْمَصِيرُ إلَى الْخَبَرِ الْمُؤَقَّتِ وَقَوْلُ خُزَيْمَةَ لو اسْتَزَدْنَاهُ لَزَادَنَا ظَنٌّ منه أَنْ يَزِيدَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَزِيدَ الْحَالَةُ الْخَامِسَةُ أَنْ يَسْمَعَهُ مَلْحُونًا أو مُحَرَّفًا فَفِي الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ مَذَاهِبَ أَحَدُهَا أَنْ يَرْوِيَهُ كما سَمِعَهُ وَبِهِ قال محمد بن سِيرِينَ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ مَنَعَ الرِّوَايَةَ
- بِالْمَعْنَى وَالثَّانِي أَنْ يُغَيِّرَهُ وَيُصْلِحَهُ لِلصَّوَابِ قال ابن الصَّلَاحِ إنَّهُ مَذْهَبُ الْمُحَصِّلِينَ وَالْعُلَمَاءِ من الْمُحَدِّثِينَ وَالثَّالِثُ إنْ كان له وَجْهٌ سَائِغٌ في لُغَةِ الْعَرَبِ وَإِنْ كان في غَيْرِ لُغَةِ قُرَيْشٍ لم يُغَيِّرْ وَإِلَّا غَيَّرَهُ حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ في الْإِلْمَاعِ عن النَّسَائِيّ وَجَزَمَ بِهِ ابن حَزْمٍ في الْإِحْكَامِ وَالرَّابِعُ أَنَّهُ لَا يَرْوِيهِ أَصْلًا لَا على الصَّوَابِ وَلَا على الْخَطَأِ لِأَنَّهُ لم يَسْمَعْهُ من الشَّيْخِ على الصَّوَابِ وَلِعِصْمَةِ الْمُصْطَفَى صلى اللَّهُ عليه وسلم من اللَّحْنِ وَهَذَا حَكَاهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بن دَقِيقِ الْعِيدِ عن شَيْخِهِ ابْنِ عبد السَّلَامِ أَحَدِ سَلَاطِينِ الْعُلَمَاءِ
- مسألة إذا عمل الصحابي بخلاف حديث رواه فله أحوال أحدها أن يكون الخبر عاما فيخصه بأحد أفراده وقد سبقت المسألة بفروعها في باب التخصيص ثانيها أن يكون مطلقا فيقيده وهو كتخصيص العام بلا فرق ثالثها أن يدعي نسخه وقد سبق في آخر باب النسخ رابعها أن يكون الخبر محتملا لأمرين متنافيين فيحمله الراوي على أحدهما فالذي ذكره جمهور أصحابنا منهم الأستاذ أبو إسحاق وابن فورك والأستاذ أبو منصور إلكيا الطبري وسليم الرازي في التقريب أنه ينظر فإن أجمعوا على أن المراد أحدهما رجع إليه فيه ولهذا رجع الشافعي إلى تفسير ابن عمر التفرق في خيار المجلس بالأبدان وكتفسيره حبل الحبلة ببيعه إلى نتاج النتاج وكفعل عمر في هاء وهاء فقال والله لا تفارقه وبينك وبينه شيء ثم احتج بقوله الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء على المجلس دون المقايضة على الفور وتوقف الشيخ أبو إسحاق في اللمع هذا إن كان صحابيا فإن كان تابعيا لم يلزم كما سبق وقيل لا فرق وإن لم يتنافيا فكالمشترك في حمله على معنييه وإن جوزوا أن يكون المراد غيرهما كتفسير ابن عمر قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم
- فأقدروا له عادة الشهور من تسع وعشرين أو ثلاثين فأوجب صيام الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال تلك الليلة وكانت السماء مغيمة وإنما لم يرجع الشافعي إلى تفسيره ذلك وأوجب استكمال الثلاثين سواء الليلة المغيمة أو المصحية لأن الإجماع لم يقم على أن المراد أحدهما بل جاءت الروايات كلها مصرحة بخلاف روايته كخبر أبي هريرة وابن عباس أن المراد استكمالهن ثلاثين لا العدة المعتادة وأطلق أبو بكر الصيرفي أن تأويل الراوي أولى لمشاهدة الحال إلا أن يقوم دليل على مخالفته فالحكم للدليل كما أوصى أبو سعيد أن يكفن في ثياب جدد لأنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول يحشر المؤمن في ثوبه يوجه تأويله إلى الثياب ثم إن الدليل قام على خلافه من قوله يحشر الناس عراة فأول من يلبس إبراهيم فثبت أن المراد بالثوب في الحديث العمل من صالح أو طالح قال وإنما جعل تأويل الراوي أولى لأنه قد شاهد من الأمارات ما لا يقدر على حكايته فيكون تأويله أولى فإذا انكشف خلافه صرنا إليه ومن هذا قال الشافعي ربما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم الحديث ثم يسمع سببه أو يسمع آخر كلامه ولم يسمع أوله وعلى كل إنسان أن يحكي ما سمع حتى يسمع خلافه ا هـ قال الآمدي إذا حمل الصحابي ما رواه على أحد محتمليه فإن قلنا إن اللفظ المشترك ظاهر في جميع محامله كالعام فتعود المسألة إلى التخصيص بقول الصحابي وإن قلنا بامتناع حمله على ذلك فلا نعرف خلافا في وجوب حمل الخبر على ما حمله عليه الراوي لأن الظاهر من حال النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا ينطق باللفظ المجمل بقصد التشريع وتعريف الأحكام ويخليه عن قرينة حالية أو مقالية تعين المقصود من الكلام والصحابي الراوي المشاهد للحال أعرف بذلك من غيره فوجب الحمل عليه
- ثم أورد على جهة الاحتمال أن تعيينه ليس أولى من تعيين غيره من المجتهدين حتى ينظر فيه فإن انقدح له وجه يوجب تعيين غير ذلك الاحتمال وجب اتباعه وإلا فتعيين الراوي صالح للترجيح فيجب اتباعه ا هـ وهذا الاحتمال ضعيف لأن الظاهر أن تعيين الصحابي المشاهد للحال إنما يكون عن قرينة حالية أو مقالية شاهدها فلا يعدل عن الظاهر إلا عند قيام ما ترجح عليه لا بمجرد كونه محتملا وقد نقل القاضي أبو بكر وإمام الحرمين نص الشافعي على أن الصحابي إذا نقل خبرا وأوله وذكر مجمله فتأويله مقبول قال أبو نصر بن القشيري وإنما أراد فيما أظن إذا أول الصحابي أو خصص من غير ذكر دليل وإلا فالتأويل المعتضد بالدليل مقبول من كل إنسان لأنه اتباع للدليل لا اتباع ذلك المؤول وقال عبد الوهاب في الإفادة ذهب جمهور أصحاب الشافعي إلى تعيين تأويل الراوي وحكوه عن الشافعي ومنهم من منع ذلك وبنى عليه منع التوقيت في المسح لقول خزيمة لو مضى السائل في مسألته لجعلها خمسا فقالوا هذا ظن والواجب المصير إلى الخبر فقال والصحيح إن كان ذلك مما لا يعلم إلا من قصده صلى الله عليه وسلم فالواجب المصير إليه لأنه ليس يعلم ما لأجله صار إلى ذلك سواه وإن كان مما طريقه الاستدلال لم يلزم لأنه تخصيص العموم إلا أن يكون مما طريقه اللغة دون الأحكام فيلزم المصير إليه لكون الصحابي حجة في اللغة ا هـ وهو تقييد حسن خامسها أن يكون الخبر ظاهرا في شيء فيحمله الصحابي على غير ظاهره إما بصرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه أو بأن يصرفه عن الوجوب إلى الندب أو عن التحريم إلى الكراهة فالذي عليه الجمهور العمل بظاهر الحديث ولا يخرج عنه بمجرد عمل الصحابي وقوله هكذا ذكره الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني وابن فورك إلكيا الطبري وغيرهم قال الآمدي وفيه قال الشافعي كيف أترك الخبر لأقوال أقوام لو عاصرتهم لحججتهم بالحديث
- وذهب أكثر الحنفية إلى اتباع قول الراوي في ذلك لما سيأتي وقال بعض المالكية إن كان ذلك مما لا يمكن أن يدرك إلا بشواهد الأحوال والقرائن المقتضية لذلك وليس للاجتهاد مساغ في ذلك اتبع قوله وإن كان صرفه عن ظاهره يمكن أن يكون لضرب من الاجتهاد تعين الرجوع إلى ظاهر الخبر لاحتمال أن لا يكون اجتهاده مطابقا لما في نفس الأمر فلا يترك الظاهر بالمحتمل حكاه عنهم القاضي عبد الوهاب في الملخص وقال القاضي عبد الجبار وأبو الحسين البصري من المعتزلة إن علم أنه لم يكن لمذهب الراوي وتأويله وجه سوى علمه بقصد النبي صلى الله عليه وسلم لذلك التأويل وجب المصير إليه وإن لم يعلم ذلك بل جوز أن يكون قد صار إليه لدليل ظهر له من نص أو قياس وجب النظر في ذلك الدليل فإن كان مقتضيا لما ذهب إليه وجب المصير إليه وإلا عمل بالخبر ولم يكن لمخالفة الصحابي أثر سادسها أن تكون المخالفة بترك الحديث بالكلية كرواية أبي هريرة الولوغ سبعا ورأيه بالثلاث وهذا ذكره الإمام فخر الدين مثالا لتخصيص الراوي عموم الخبر وليس منه لأن ألفاظ العدد نصوص لا تحتمل التخصيص فمذهب الشافعي أن الاعتبار بروايته خلافا للحنفية وحكى القاضي عن عيسى بن أبان أنه إن كان من الأئمة دل على نسخ الخبر والمختار عند إمام الحرمين وابن القشيري أنا إن تحققنا نسيانه للخبر الذي رواه أو فرضنا مخالفة لخبر لم يروه وجوزنا أنه لم يبلغه فالعمل بالخبر فإن روى خبرا مقتضاه رفع الحرج والحرج فيما سبق منه تحريم وحظر ثم رأيناه يتحرج فالاستمساك بالخبر أيضا وعمله محمول على الورع وإن ناقض عمله روايته ولم نجد محملا في الجمع امتنع التعلق بروايته فإنه لا يظن بمن هو من أهل الرواية أن يتعمد مخالفة ما رواه إلا عن ثبت يوجب المخالفة قال ابن القشيري وعلى هذا فلا يقطع بأن الحديث منسوخ كما صار إليه ابن أبان ولعله علم شيئا اقتضى ترك العمل بذلك الخبر ويتجه هاهنا أن يقال لو كان ثم سبب يوجب رد الخبر لوجب على هذا الراوي أن يبينه إذ لا يجوز ترك ذكر ما عليه مدار الأمر والمحل محل الالتباس
- ثم قال إمام الحرمين وهذا غير مختص بالصحابي بل لو روى بعض الأئمة خبرا عمل بخلافه فالأمر على ما ذكرناه من التفصيل ولكن قد اعترض الأئمة أمور أسقطت آثار أفعالهم المخالفة لروايتهم وهذا كرواية أبي حنيفة خيار المجلس مع مصيره إلى مخالفته فهذه المخالفة غير قادحة في الرواية لأنه ثبت من أصله تقديم الرأي على الخبر فمخالفته محمولة على قياسه على هذا الأصل الفاسد ولهذا قال أرأيت لو كانا في سفينة وكرواية مالك لهذا الحديث مع مصيره إلى نفي خيار المجلس وهذه المخالفة لا تقدح أيضا في الرواية لأن الذي حمله على هذا فيما أظن تقديمه عمل أهل المدينة على الأحاديث الصحيحة قال ابن القشيري لا ينبغي تخصيص المسألة بالراوي يروي ثم يخالف بل تجري فيمن يبلغه خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم يخالفه وإن لم يكن هو الراوي لذلك الخبر حتى إذا وجدنا محملا وقلنا إنما خالف لأنه اتهم الراوي فلا يقدح هذا في الخبر وإن لم يتجه وجه لمخالفته إلا ولها الحديث أو المصير إلى استخفافه بالخبر فحينئذ يتعين أن يقال هذا قدح في الخبر وعلم بضعفه قال الإمام وإذا روى الراوي خبرا وكان الأظهر أنه لم يحط بمعناه فمخالفته للخبر لا تقدح في الخبر وإن لم يدر أنه ناس للخبر أو ذاكر لما يحمل بخلافه فيتعلق بالخبر لأنه من أصول الشريعة ونحن على تردد فيما يدفع التعلق به فلا يدفع الأصل بهذا التردد بل إن غلب على الظن أنه خالف الحديث قصدا ولم يتحققه فهذا يعضد التأويل ويؤيده ويحط مرتبة الظاهر ويخف الأمر في الدليل الذي عضده التأويل قال ولو روى خبرا ثم فسق وفي زمان الفسق خالف ما رواه فلا يقدح هذا في الخبر لأنه محمول على مجونه لا على أنه يعرف ضعف الحديث قال ابن القشيري يتجه أن يقال إن الصحابي إذا روى وخالف ما روى قصدا دل على ضعف الحديث لأنهم شاهدوا الوحي وعرفوا من قرائن الأحوال ما لم نعرفه فأما الإمام الآن إذا خالف خبرا رواه وقد عمل به من قبله فهذا الخلاف لا يقدح فيه قال إمام الحرمين وإذا كنا نقول إذا ورد خبر ثم خالفه بعض الأئمة مع ذكره له ولم نجد محملا يقوي ضعف الحديث أو كونه منسوخا فلا عمل بذلك الخبر فلو خالف أقضية الصحابة أو أئمة أي عصر فرضنا الخبر ولم نجد محملا مما ذكرنا
- فلا شك في أن هذا يقدح في الخبر إذ لا محمل لترك العمل بالخبر إلا الاستهانة وترك المبالاة به والعلم بكونه منسوخا وليس بين التقديرين ثالث وقد أجمع المسلمون على وجوب اعتقاد تنزيههم عن الاستهانة بالخبر فتعين حمل الأمر على علمهم بورود النسخ وليس هذا تقديما لأقضيتهم على الخبر بل هو استمساك بالإجماع على وجوب حمل عملهم على وجه يمكن في الصواب فكان تعلقا بالإجماع في معارضة الحديث ومن بديع الأمر أن مذهب الصحابي إذا نقل مفردا لا يحتج به على الصحيح فإذا نقل في معارضة خبر نص على المخالفة التي لا تقبل التأويل تعين التعلق بقول الصحابي ولكن ليس هذا تعلقا بمذهب الصحابي بل هو تعلق بما عنه صدر مذهبه ولهذا طردنا هذا الكلام في أمر كل عصر كما قلنا في الإجماع إن أهل العصر لا يجمعون في مظنون عن مسلك إلا عن ثبت وحمل إمام الحرمين قول الشافعي إذ قال التعويل على الخبر لا على خلاف الراوي على ما لو غلب على الظن أن الراوي كان ناسيا للخبر أو لم يقطع بأنه قصد الخلاف عن تعمد فإن الخبر مقدم عندنا أيضا في هذه الصورة وأما إذا غلب على الظن أن الخبر بلغهم ولكن عملوا بخلافه فقد بينا أن التعلق بالخبر لأنه أصل من الأصول فلا يتركه لشيء تردد فيه وذكر الإمام في كتاب الترجيح هذا وقال إن لم نجد في الواقعة متعلقا سوى الخبر وقول الراوي وهو من الأئمة وهما على التناقض فيتمسك بالخبر وإن وجدنا مسلكا في الدليل سوى الخبر فالتمسك بذلك الدليل أولى قال ولو صح الخبر وعمل به قوم ولم يعمل به قوم والفريقان ذاكران للخبر والمسألة مفروضة حيث لا احتمال إلا النسخ فالذي أراه تقديم عمل المخالفين لأنهم لا يخالفون إلا عن ثبت ويحمل عمل العاملين على التمسك بظاهر الحديث ثم العرف يقضي بأن يتبع المخالفون ما عندهم من العلم بوفاء الحديث وكل هذا ينبني على مسألة وهي أن الإجماع لو انعقد على مخالفة خبر متواتر إن تصور ذلك فالتعلق بالإجماع لأنه حجة قطعية ويتطرق إلى الخبر النسخ فحمل الأمر على ذلك قطعا ويستحيل حصول الإجماع على حكم مع خبر نص على مناقضته مع الإجماع على أنه غير منسوخ فهذا لا يتصور وقوعه قال والذي أراه من ضرورة الإجماع على مناقضة الخبر المتواتر أن يلهج أهل الإجماع بكونه منسوخا قال ابن القشيري وقد بنى الإمام جملة كلامه على أن قول
- الصحابي فيما لا يقاس وفي المقدرات حجة لأنه لا يتكلم بما يخالفه القياس الجلي إلا عن ثبت والقاضي يأبى هذا أشد الإباء ويقول ربما ظن أنه محل الاجتهاد وربما زل إذ ليس بمعصوم
- فَصْلٌ في أَلْفَاظِ الرُّوَاةِ وَكَيْفِيَّةِ الْأَدَاءِ وَيَنْقَسِمُ النَّظَرُ فيه إلَى نَقْلِ الصَّحَابِيِّ وَغَيْرِهِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَلْفَاظِ الصَّحَابِيِّ مَرَاتِبُ الْأُولَى وَهِيَ أَقْوَاهَا سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم يقول كَذَا أو حدثني أو أخبرني أو شَافَهَنِي لِعَدَمِ احْتِمَالِ الْوَاسِطَةِ وهو حُجَّةٌ اتِّفَاقًا وَجَعَلَ ابن الْقَطَّانِ قَوْلَ الْمُحَدِّثِ سَمِعْت آكَدَ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى حدثنا حَدَّثَ قَوْمَنَا كَقَوْلِ الْحَسَنِ خَطَبَنَا ابن عَبَّاسٍ الثَّانِيَةُ قال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم كَذَا وَإِنَّمَا كان دُونَ الْأَوَّلِ لِاحْتِمَالِ الْوَاسِطَةِ في قَوْلِهِ قال لِأَنَّهُ أَعَمُّ من أَنْ يَكُونَ بِوَاسِطَةٍ أو لَا وَالدَّلِيلُ على احْتِمَالِ الْوَاسِطَةِ وُقُوعُهُ وَذَلِكَ كَسَمَاعِ أبي هُرَيْرَةَ من الْفَضْلِ بن الْعَبَّاسِ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم من أَصْبَحَ جُنُبًا فَلَا صَوْمَ له ثُمَّ رَوَاهُ أبو هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ قال وَكَسَمَاعِ ابْنِ عَبَّاسٍ أُسَامَةَ بن زَيْدٍ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم إنَّمَا الرِّبَا في النَّسِيئَةِ ثُمَّ رَوَاهُ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم كَذَلِكَ وَلَمَّا سُئِلَ أبو هُرَيْرَةَ وابن عَبَّاسٍ عن حَدِيثِهِمَا بَيَّنَا مِمَّنْ سَمِعَاهُ وهو حُجَّةٌ أَيْضًا وَنَقَلَ الْآمِدِيُّ وابن الْحَاجِبِ عن الْقَاضِي أبي بَكْرٍ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ على سَمَاعِهِ بَلْ هو مُحْتَمَلٌ وهو وَهْمٌ وَاَلَّذِي رَأَيْته في كِتَابِ التَّقْرِيبِ التَّصْرِيحَ وَالْجَزْمَ بِأَنَّهُ على السَّمَاعِ وَأَغْرَبُ من ذلك أَنَّ سُلَيْمًا الرَّازِيَّ في التَّقْرِيبِ حَكَاهُ عن الْأَشْعَرِيِّ وَأَنَّ الشَّيْخَ أَبَا إِسْحَاقَ حَكَاهُ في التَّبْصِرَةِ عن الْأَشْعَرِيِّ وَاخْتَارَهُ أبو الْخَطَّابِ من الْحَنَابِلَةِ وَنَسَبَهُ لِلْأَشْعَرِيَّةِ أَيْضًا وَنَحْوُهُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ من أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ مَرَاسِيلَ الصَّحَابَةِ وَالْجُمْهُورُ على خِلَافِ ذلك وَأَنَّ الصَّحَابِيَّ إذَا أَطْلَقَ ذلك فَإِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ السَّمَاعَ وَلَيْسَ الْمُسْتَنَدُ هذا اللَّفْظَ بَلْ اسْتِقْرَاءُ عَادَتِهِمْ في النَّقْلِ
- الثَّالِثَةُ أَمَرَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِكَذَا أو نهى عن كَذَا أو قَضَى بِكَذَا فَهَذَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ احْتِمَالُ الْوَاسِطَةِ مع احْتِمَالِ ظَنِّهِ ما ليس بِأَمْرٍ أَمْرًا لَكِنَّ الظَّاهِرَ من حَالِ الصَّحَابِيِّ خِلَافُهُ فَلِذَلِكَ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ وَخَالَفَ دَاوُد الظَّاهِرِيُّ فقال لَا يُحْتَجُّ بِهِ حتى يَنْقُلَ لَفْظَ الرَّسُولِ قال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ هَكَذَا سَمِعْت الْقَاضِيَ أَبَا الْحَسَنِ الْحَرِيرِيَّ يَقُولُهُ وَيَحْكِيهِ من مَذْهَبِ دَاوُد وَسَمِعْت ابْنَ بَيَانٍ الْقَصَّارَ وكان دَاوُد يُنْكِرُ ذلك وَيَقُولُ يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ وقال قَوْمٌ من الْمُتَكَلِّمِينَ لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ هَكَذَا قال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وَتَرْجَمَ الْمَسْأَلَةَ بِقَوْلِهِ أَمَرَنَا وَاحْتَجَّ في أَثْنَائِهَا بِأَنَّهُ إذَا قال نهى رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم حُمِلَ على التَّحْرِيمِ وَلِذَلِكَ يُحْمَلُ أَمَرَنَا على الْوُجُوبِ وَهَذَا يَدُلُّ على مُسَاعِدَتِهِمْ في النَّهْيِ وَمِمَّا يُسَاعِدُ ما نَقَلَهُ عن الْحَرِيرِيِّ ما رَأَيْته في كِتَابِ الْإِعْذَارِ الرَّادِّ على كِتَابِ الْإِنْذَارِ لِأَبِي الْعَبَّاسِ بن السِّرَاجِ عن الظَّاهِرِيَّةِ أو من ذَهَبَ منهم إلَى أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الحديث إلَّا إذَا قال رَاوِيهِ سَمِعْت وَأَخْبَرَنَا حتى يَنْتَهِيَ إلَى رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وقال ابن حَزْمٍ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ من السُّنَّةِ كَذَا أو أُمِرْنَا بِكَذَا ليس بِمُسْنَدٍ وَتَكَلَّمَ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ في التَّقْرِيبِ في هذه الْمَسْأَلَةِ في مَقَامَاتٍ أَحَدُهَا أَنَّ الصَّحَابِيَّ عَلِمَ كَوْنَ ذلك أَمْرًا بِذَلِكَ من وَجْهٍ غَيْرِ مُحْتَمَلٍ عِنْدَهُ وَأَنَّهُ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ وَحُكِيَ في هذه خِلَافُ بَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ قال وَاخْتُلِفَ في طَرِيقِ عِلْمِ الرَّاوِي بِكَوْنِ الْفِعْلِ أَمْرًا فَقِيلَ بِقَوْلِهِ افْعَلُوا وَأَمَرْتُكُمْ وَقِيلَ لَا بُدَّ أَنْ يَعْلَمَ كَوْنَهُ مُرِيدًا الِامْتِثَالَ الْمَأْمُورَ بِهِ قال وَالْمُخْتَارُ أَنْ يَعْلَمَ بِقَوْلِهِ أَمَرْتُكُمْ بِكَذَا وَنَهَيْتُكُمْ عن كَذَا وَبِقَوْلِهِ افْعَلُوا وَيَقْتَرِنُ بِهِ من الْأَحْوَالِ ما يُعْلَمُ بِهِ قَصْدُ الرَّسُولِ إلَى الْأَمْرِ وَهَذَا بَنَاهُ على أَنَّهُ لَا صِيغَةَ لِلْأَمْرِ وَحَكَى الْقَاضِي أبو بَكْرٍ في التَّقْرِيبِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ في التَّلْخِيصِ في هذا الْمَقَامِ قَوْلًا بِالتَّفْصِيلِ بين أَنْ يَكُونَ النَّاقِلُ له من أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِاللُّغَةِ فَيُجْعَلُ قَوْلُهُ أَمَرَ رسول اللَّهِ كَنَقْلِهِ لَفْظَةَ الْأَمْرِ وَإِنْ لم يَكُنْ عَارِفًا بِاللُّغَةِ فَلَا يُجْعَلُ كَذَلِكَ قال فقال الْقَاضِي وَالصَّحِيحُ عِنْدَنَا أَنَّهُ إنْ كان الْمَعْنَى الْمَنْقُولِ بِحَيْثُ تَعْتَوِرُ عليه الْعِبَارَاتُ الْمُخْتَلِفَةُ فَلَا يُجْعَلُ نَقْلُهُ في ذلك كَقَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَإِنْ كانت بِحَيْثُ لَا يَخْتَلِفُ
- عليه الْعِبَارَةُ وَلَا تَحُولُ فيه فَهُوَ كَقَوْلِهِ ثَانِيهَا أَنَّهُ هل يُحْمَلُ على التَّعْمِيمِ على كَافَّةِ أَهْلِ الْأَعْصَارِ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى ذلك وَاخْتَارَ الْقَاضِي الْوَقْفَ وَلَا يُحْمَلُ على خُصُوصٍ وَلَا عُمُومٍ إلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ من حَالِ الرَّاوِي ما يَدُلُّ على ذلك قال ابن الْقُشَيْرِيّ وَإِنَّمَا بَنَى الْقَاضِي على مُعْتَقَدِهِ في الْوَقْفِ ثَالِثُهَا أَنَّ ذلك مَحْمُولٌ على السَّمَاعِ إذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رُوِيَ له عنه خِلَافٌ وَالْأَظْهَرُ الْأَوَّلُ وَقِيلَ بِالْوَقْفِ وَمَالَ إلَيْهِ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ وَحَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في التَّلْخِيصِ عن دَاوُد الْمَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ أَنْ يَبْنِيَ الصِّيغَةَ لِلْمَفْعُولِ فيقول أُمِرْنَا بِكَذَا أو نُهِينَا عن كَذَا فَهَذَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ من الِاحْتِمَالَاتِ ما يَتَطَرَّقُ لِ قال وأمر وَيَزِيدُ أَنْ يَكُونَ الْآمِرُ وَالنَّاهِي بَعْضَ الْخُلَفَاءِ أو الْأُمَرَاءِ وَاَلَّذِي عليه الشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ حُجَّةٌ وَصُرِفَ الْفِعْلُ إلَى من له الْأَمْرُ وهو النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَبِهِ قال عبد الْجَبَّارِ وأبو عبد اللَّهِ الْبَصْرِيُّ وَخَالَفَ أبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ وَالْإِسْمَاعِيلِيّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ مِنَّا وَالْكَرْخِيُّ وَالرَّازِيَّ من الْحَنَفِيَّةِ وَأَكْثَرُ مَالِكِيَّةِ بَغْدَادَ وَمَنَعُوا إضَافَةَ ذلك إلَى النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لِعَدَمِ تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ غَيْرُهُ قَطْعًا فَلَا يُضَافُ إلَيْهِ بِالِاحْتِمَالِ وَحَكَى أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ في الْجَدِيدِ على أَنَّهُ ليس في حُكْمِ الْمَرْفُوعِ وفي الْقَدِيمِ على أَنَّهُ مَرْفُوعٌ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ وَحَكَى ابن السَّمْعَانِيِّ قَوْلًا ثَالِثًا بِالْوَقْفِ وَحَكَى ابن الْأَثِيرِ الْجَزَرِيُّ في مُقَدَّمَةِ جَامِعِ الْأُصُولِ قَوْلًا رَابِعًا بِالتَّفْصِيلِ بين أَنْ يَكُونَ الْقَائِلُ ذلك الصِّدِّيقَ فَمَرْفُوعٌ لِأَنَّهُ لم يَتَأَمَّرْ عليه غَيْرُهُ وَيَخْرُجُ من كَلَامِ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ خَامِسٌ فإنه قال في شَرْحِ الْإِلْمَامِ إنْ كان قَائِلُهُ من أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ كَالْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ فَيَغْلِبُ على الظَّنِّ غَلَبَةً قَوِيَّةً أَنَّ الْآمِرَ هو الرَّسُولُ وفي مَعْنَاهُمْ عُلَمَاءُ الصَّحَابَةِ كَابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بن ثَابِتٍ وَمُعَاذِ بن جَبَلٍ وفي مَعْنَاهُمْ من كَثُرَ إلْمَامُهُ بِالنَّبِيِّ وَمُلَازَمَتُهُ كَأَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَإِنْ كان مِمَّنْ هو بَعِيدٌ عن مِثْلِ ذلك من آحَادِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ تَأَخَّرَ الْتِحَاقُهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أو يَفِدُونَ إلَيْهِ ثُمَّ يَعُودُونَ إلَى بِلَادِهِمْ فإن الِاحْتِمَالَ فِيهِمْ قَوِيٌّ انْتَهَى وَحَاصِلُهُ تَفَاوُتُ الرُّتَبِ في ذلك وَلَا شَكَّ فِيمَا قال وَالْأَظْهَرُ قَبُولُهُ مُطْلَقًا وَإِضَافَتُهُ إلَى النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لِأَنَّ مُرَادَ الصَّحَابِيِّ إنَّمَا هو الِاحْتِجَاجُ بِقَوْلِهِ أُمِرْنَا فَيَجِبُ حَمْلُ الْأَمْرِ على صُدُورِهِ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ وهو النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم إذْ غَيْرُهُ لَا حُجَّةَ في أَمْرِهِ
- قال الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ وَلَا فَرْقَ بين أَنْ يَقُولَ الصَّحَابِيُّ ذلك في زَمَنِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَبَيْنَ قَوْلِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ وفي الزَّمَنِ الذي ثَبَتَتْ فيه حُجِّيَّةُ الْإِجْمَاعِ لِأَنَّا لَا نَعْرِفُ أَحَدًا فَصَّلَ ذلك في الصَّحَابِيِّ وَأَمَّا إذَا قَالَهُ من بَعْدَهُ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَمْرَ الْأَئِمَّةِ وَتَرَدَّدَ الْغَزَالِيُّ في أَنَّ قَوْلَ التَّابِعِيِّ ذلك مَوْقُوفٌ أو مَرْفُوعٌ مُرْسَلٌ وَجَزَمَ ابن عَقِيلٍ من الْحَنَابِلَةِ بِأَنَّهُ مُرْسَلٌ الْمَرْتَبَةُ الْخَامِسَةُ أَنْ يَقُولَ رَخَّصَ لنا الْمَرْتَبَةُ السَّادِسَةُ أَنْ يَقُولَ من السُّنَّةِ كَذَا فَاَلَّذِي عليه الْأَكْثَرُونَ أَنَّهُ يُفْهَمُ منه سُنَّةُ الرَّسُولِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَيَكُونُ حُجَّةً قَالَهُ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وهو ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ احْتَجَّ على قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ بِصَلَاةِ ابْنِ عَبَّاسٍ على عُبَادَةَ وَقَرَأَ بها وَجَهَرَ وقال إنَّمَا فَعَلْت لِتَعْلَمُوا أنها سُنَّةٌ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ إنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وقال ابن فُورَكٍ قال الشَّافِعِيُّ في الْقَدِيمِ إنَّهُ سُنَّةُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم في الظَّاهِرِ وَإِنْ جَازَ خِلَافُهُ وقال في الْجَدِيدِ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ ذلك على مَعْنَى سُنَّةِ الْبَلَدِ وَسُنَّةِ الْأَئِمَّةِ فَلَا نَجْعَلُهُ أَصْلًا حتى يُعْلَمَ وَلَمَّا عَدَلَ الصَّحَابِيُّ عن الْحِكَايَةِ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لَفْظًا إلَى كَلَامٍ آخَرَ عُلِمَ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَدُلَّنَا على أَنَّهُ فَهِمَ ذلك الْمَعْنَى من صَرِيحِ قَوْلِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم ا هـ وقال سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ في التَّقْرِيبِ إنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عليه في الْقَدِيمِ وَتَوَقَّفَ فيه في الْجَدِيدِ فقال هو مُحْتَمَلٌ وَبِهِ قال أبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَهَكَذَا حَكَاهُ الْمَازِرِيُّ عن الشَّافِعِيِّ في شَرْحِ الْبُرْهَانِ فقال اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فقال في الْقَدِيمِ هو مَرْفُوعٌ في الظَّاهِرِ وقال في الْجَدِيدِ هو مُحْتَمَلٌ ولم يَرَهُ مُسْنَدًا وَهَكَذَا قال أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ في قَوْلِ الرَّاوِي من السُّنَّةِ كَذَا فَكَانَ يقول في الْقَدِيمِ إنَّهُ يُرِيدُ سُنَّةَ النبي قال وَعَلَى مَعْنَى قَوْلِهِ أُمِرْنَا وَنُهِينَا لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ هذا لَا يَكُونُ إلَّا من النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَإِنْ كان يَجُوزُ خِلَافُهُ قال ذلك في دِيَةِ الْمَرْأَةِ إلَى ثُلُثِ دِيَةِ الرَّجُلِ وَاحْتَجَّ بِأَنْ قال وَرَجَعَ عن هذا في الْجَدِيدِ فقال قد يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ سُنَّةُ الْبَلَدِ وَسُنَّةُ الْأَمِيرِ وَأَمَرَنَا الْأَمِيرُ وَأَمَرَنَا الْأَئِمَّةُ فَلَا يُجْعَلُ أَصْلًا حتى يُعْلَمَ جُمْلَتُهُ وقال عُمَرُ لِلصَّبِيِّ بن مَعْبَدٍ هُدِيت لِسُنَّةِ نَبِيِّك وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ الْحَقَّ من سُنَّةِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم انْتَهَى وَهَكَذَا قال الصَّيْدَلَانِيُّ في شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيّ في بَابِ أَسْنَانِ إبِلِ الْخَطَأِ إنَّهُ حُجَّةٌ على الْقَوْلِ الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدُ
- أَنَّهُ ليس بِحُجَّةٍ فَعَلَى هذا الْمَسْأَلَةُ عِنْدَهُمْ مِمَّا يُفْتَى فيها على الْقَدِيمِ وهو نَوْعٌ غَرِيبٌ في الْمَسَائِلِ الْأُصُولِيَّةِ وَإِنْ كَثُرَ ذلك في الْفُرُوعِ قُلْت لَكِنْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ في الْأُمِّ وهو من الْكُتُبِ الْجَدِيدَةِ على أَنَّهُ حُجَّةٌ فقال في بَابِ عَدَدِ الْكَفَنِ بَعْدَ ذِكْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكِ ما نَصُّهُ قال الشَّافِعِيُّ وابن عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ بن قَيْسٍ رَجُلَانِ من أَصْحَابِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا يَقُولَانِ السُّنَّةُ إلَّا لِسُنَّةِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ا هـ وَحِينَئِذٍ فَيَصِيرُ في الْجَدِيدِ قَوْلَانِ وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ حُجَّةٌ لِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عليه في الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ مَعًا وقد سَبَقَ كَلَامُ الْقَاضِي أبي الطَّيِّبِ أَيْضًا وقد جَزَمَ بِهِ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ في كِتَابِ التَّيَمُّمِ في شَرْحِهِ وقال النَّوَوِيُّ في مُقَدَّمَةِ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ إنَّهُ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُودُ وَجَرَى عليه الْآمِدِيُّ وَالْإِمَامُ وَالْمُتَأَخِّرُونَ وَشَرَطَ الْحَاكِمُ وأبو نُعَيْمٍ في عُلُومِهِمَا كَوْنَ الصَّحَابِيِّ مَعْرُوفًا بِالصُّحْبَةِ وَفِيهِ إشْعَارٌ أَنَّ من قَصُرَتْ صُحْبَتُهُ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ وَذَهَبَ الْكَرْخِيّ وَالرَّازِيَّ وَالصَّيْرَفِيُّ إلَى أَنَّهُ ليس بِحُجَّةٍ لِأَنَّ الْمُتَلَقَّى من الْقِيَاسِ قد يُقَالُ إنَّهُ سُنَّةٌ لِإِسْنَادِهِ إلَى الشَّرْعِ وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الْبُرْهَانِ أَنَّ عليه الْمُحَقِّقِينَ وَجَرَى عليه ابن الْقُشَيْرِيّ وفي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ في حُكْمِ الْوُقُوفِ وَنَقَلَهُ ابن الصَّلَاحِ وَالنَّوَوِيُّ عن الْإِمَامِ أبي بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَمَّا لو قال التَّابِعِيُّ من السُّنَّةِ كَذَا فَظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ السَّابِقِ أَنَّهُ ليس في حُكْمِ الْمَرْفُوعِ وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ عنه في بَابِ الْإِعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ أَنَّهُ جَعَلَ قَوْلَ سَعِيدِ بن الْمُسَيِّبِ في الْعَاجِزِ عن النَّفَقَةِ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ فَحُمِلَ قَوْلُ سَعِيدٍ سُنَّةً على سُنَّةِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَكَذَلِكَ أَخَذَ في الْقَدِيمِ في الْمَرْأَةِ تُقَابِلُ الرَّجُلَ إلَى ثُلُثِ الدِّيَةِ بِقَوْلِ سَعِيدٍ من السُّنَّةِ فَقَدْ تَضَافَرَ قَوْلُهُ في الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ على ذلك لَكِنْ قال الصَّيْدَلَانِيُّ في الْجِنَايَاتِ إنَّ الشَّافِعِيَّ كان يَرَى أَنَّ ذلك مَرْفُوعٌ إذَا صَدَرَ من الصَّحَابِيِّ وَالتَّابِعِيِّ ثُمَّ رَجَعَ عنه لِأَنَّهُمْ قد يُطْلِقُونَهُ وَيُرِيدُونَ سُنَّةَ الْبَلَدِ انْتَهَى فَتَلَخَّصَ فيها ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ وَأَطْلَقَ ابن السَّمْعَانِيِّ أَنَّ قَوْلَ الرَّاوِي من السُّنَّةِ كَذَا حُجَّةٌ في مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ قال ثُمَّ إنْ كان الرَّاوِي صَحَابِيًّا وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ وَإِنْ كان تَابِعِيًّا كانت
- رِوَايَتُهُ مُرْسَلَةً فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْمَرَاسِيلِ وَكَذَا قال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ في شَرْحِ الْكِفَايَةِ قَوْلُ التَّابِعِيِّ من السُّنَّةِ كَذَا في حُكْمِ الْمَرَاسِيلِ إنْ كان قَائِلُهُ سَعِيدَ بن الْمُسَيِّبِ فَهُوَ حُجَّةٌ وَإِلَّا فَلَا وَعَنْهُ في بَابِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ من تَعْلِيقِهِ حِكَايَةَ وَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا وَأَشْهُرُهُمَا أَنَّهُ مَوْقُوفٌ على بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَثَانِيهِمَا أَنَّهُ مَرْفُوعٌ مُرْسَلٌ وقال بَعْضُ شُرَّاحِ اللُّمَعِ إنْ كان قَائِلُهُ صَحَابِيًّا فَهُوَ حُجَّةٌ وَإِنْ كان غَيْرُهُ من التَّابِعِينَ فَإِنْ كان غَيْرُ سَعِيدِ بن الْمُسَيِّبِ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ قَطْعًا وَإِنْ كان سَعِيدَ بن الْمُسَيِّبِ فَهُوَ حُجَّةٌ على الْمَذْهَبِ وَكَذَا حَكَى ابن الصَّبَّاغِ في الْعُدَّةِ الْوَجْهَيْنِ في قَوْلِ سَعِيدٍ خَاصَّةً الْخِلَافُ في قَبُولِ مُرْسَلِهِ وقال ابن عبد الْبَرِّ في التَّقَصِّي إذَا أَطْلَقَ الصَّحَابِيُّ السُّنَّةَ فَالْمُرَادُ بِهِ سُنَّةُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَكَذَلِكَ إذَا أَطْلَقَهَا غَيْرُهُ ما لم تُضَفْ إلَى صَاحِبِهَا كَقَوْلِهِمْ سُنَّةُ الْعُمْرَيْنِ وَنَحْوُ ذلك الْمَرْتَبَةُ السَّابِعَةُ أَنْ يَقُولَ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَقِيلَ بِظُهُورِهِ في أَنَّهُ سَمِعَهُ من النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَيَكُونُ حُجَّةً وَبِهِ قال عبد الْجَبَّارِ وَعَلَيْهِ الْبَيْضَاوِيُّ وَالْهِنْدِيُّ وَقِيلَ بَلْ ظَاهِرٌ في الْوَاسِطَةِ ولم يُرَجِّحْ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ شيئا الْمَرْتَبَةُ الثَّامِنَةُ أَنْ يَقُولَ كنا نَفْعَلُ في عَهْدِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أو كَانُوا يَفْعَلُونَ كَذَا فَأَطْلَقَ الْآمِدِيُّ وابن الْحَاجِبِ وَالْهِنْدِيُّ أَنَّ الْأَكْثَرِينَ على أَنَّهُ حُجَّةٌ وَإِنْ لم يُضِفْهُ لِعَهْدِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَالتَّحْرِيرُ أَنَّ لِهَذِهِ الْمَرْتَبَةِ أَلْفَاظًا أَحَدُهَا أَنْ يَقُولَ كان الناس يَفْعَلُونَ ذلك في عَهْدِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَلَا يُتَّجَهُ في كَوْنِهِ حُجَّةً خِلَافٌ لِتَصْرِيحِهِ بِنَقْلِ الْإِجْمَاعِ الْمُعْتَضَدِ بِتَقْرِيرِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَثَانِيهَا أَنْ يَقُولَ كنا نَفْعَلُ في عَهْدِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَهَذِهِ دُونَ ما قَبْلَهَا لِاحْتِمَالِ عَوْدِ الضَّمِيرِ في كنا إلَى طَائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ في هذه الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ قال فَقَبِلَهُ أبو الْفَرَجِ من أَصْحَابِنَا وَرَدَّهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وهو الْأَظْهَرُ من مَذْهَبِهِمْ قال الْقَاضِي أبو مُحَمَّدٍ يَعْنِي عَبْدَ الْوَهَّابِ وَالْوَجْهُ التَّفْصِيلُ بين ما يَكُونُ شَرْعًا مُسْتَقِرًّا كَقَوْلِ أبي سَعِيدٍ كنا نُخْرِجُ صَدَقَةَ الْفِطْرِ على عَهْدِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم صَاعًا من تَمْرٍ أو صَاعًا من شَعِيرٍ الحديث فَمِثْلُ هذا لَا يَسْتَحِيلُ خَفَاؤُهُ عليه صلى اللَّهُ عليه وسلم
- وَإِنْ كان مِمَّا يُمْكِنُ خَفَاؤُهُ فَلَا يُقْبَلُ كَقَوْلِ رَافِعِ بن خَدِيجٍ كنا نُخَابِرُ على عَهْدِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم حتى رَوَى لنا بَعْضُ عُمُومَتِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم نهى عن ذلك وَقِيلَ لَعَلَّ الْأَوْلَى في ذلك أَنَّ الصَّحَابِيَّ إنْ ذَكَرَ ذلك في مَعْرِضِ الْحُجَّةِ حُمِلَ على الرَّفْعِ وَإِلَّا فَلَا أَثَرَ وما حَكَاهُ عن الْقَاضِي أبي مُحَمَّدٍ قَطَعَ بِهِ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ وَغَيْرُهُ وَاَلَّذِي رَأَيْته في كَلَامِ الْقَاضِي أبي مُحَمَّدٍ يَعْنِي عَبْدَ الْوَهَّابِ إنَّمَا هو التَّفْصِيلُ بين ما لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالشَّرْعِ ولم يَكُنْ مُسْتَصْحَبًا يَخْفَى مِثْلُهُ فَيَجِبُ حَمْلُهُ على عَمَلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَأَمْرِهِ بِهِ كَقَوْلِ أبي سَعِيدٍ في صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَإِنْ كان مِمَّا يَسْتَنِدُ إلَى عَادَةٍ يَفْعَلُونَهَا فَمُحْتَمَلٌ حتى يَقُومَ دَلِيلٌ يَمْنَعُ الِاحْتِمَالَ كَأَنْ يُورِدَهُ على جِهَةِ الِاحْتِجَاجِ وقال الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ إنْ أَضَافَ فِعْلَهُمْ إلَى زَمَنِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَإِيقَاعُهُ على وَجْهٍ يُعْلَمُ عليه السَّلَامُ تَكَرُّرُ وُقُوعِهِ فَهُوَ حُجَّةٌ لِتَقْرِيرِهِ وَإِلَّا فَلَا ثَالِثُهَا أَنْ يَقُولَ كان الناس يَفْعَلُونَ ذلك وَلَا يُصَرِّحُ بِعَهْدِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَهَذِهِ دُونَ الثَّانِيَةِ لِعَدَمِ التَّصْرِيحِ بِالْعَهْدِ وَفَوْقَهَا الْإِضَافَةُ إلَى جَمِيعِ الناس وَحَكَى الْقَاضِي أبو بَكْرٍ في التَّقْرِيبِ في ثُبُوتِ الْإِجْمَاعِ بِذَلِكَ قَوْلَيْنِ رَابِعُهَا أَنْ يَقُولَ كَانُوا يَفْعَلُونَ أو كنا نَفْعَلُ وهو دُونَ الْكُلِّ لِعَدَمِ التَّصْرِيحِ بِالْعَهْدِ وَبِمَا يَعُودُ عليه الضَّمِيرُ قِيلَ وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ إجْمَاعٌ وقال الْغَزَالِيُّ إذَا قال التَّابِعِيُّ كَانُوا يَفْعَلُونَ كَذَا فَلَا يَدُلُّ على فِعْلِ جَمِيعِ الْأُمَّةِ فَلَا حُجَّةَ فيه إلَّا أَنْ يُصَرِّحَ بِنَقْلِ الْإِجْمَاعِ وفي ثُبُوتِ الْإِجْمَاعِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ إذَا قال الصَّحَابِيُّ كَانُوا يَفْعَلُونَ كَذَا فَهُوَ على ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ أَحَدُهَا أَنْ يُضِيفَهُ إلَى عَصْرِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وكان مِمَّا لَا يَخْفَى مِثْلُهُ يُحْمَلُ على إقْرَارِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَيَكُونُ شَرْعًا لنا وَإِنْ كان مِثْلُهُ يَخْفَى بِأَنْ يَكُونَ منهم ذِكْرُهُ حُمِلَ على إقْرَارِهِ لِأَنَّ الْأَغْلَبَ فِيمَا يَكْثُرُ أَنَّهُ لَا يَخْفَى كَقَوْلِ أبي سَعِيدٍ كنا نُخْرِجُ صَدَقَةَ الْفِطْرِ في زَمَنِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم صَاعًا من بُرٍّ أو صَاعًا من شَعِيرٍ أو صَاعًا من تَمْرٍ وَعَلَى هذا إذَا
- أَخْرَجَ الرَّاوِي الرِّوَايَةَ مَخْرَجَ التَّكْثِيرِ بِأَنْ قال كَانُوا يَفْعَلُونَ كَذَا حُمِلَتْ الرِّوَايَةُ على عَمَلِهِ وَإِقْرَارِهِ فَصَارَ الْمَقُولُ شَرْعًا وَإِنْ تَجَرَّدَ عن لَفْظِ التَّكْثِيرِ كَقَوْلِهِ فَعَلُوا كَذَا فَهُوَ مُحْتَمَلٌ وَلَا يَثْبُتُ شَرْعٌ بِاحْتِمَالٍ الثَّانِي أَنْ يُضِيفَهُ إلَى عَصْرِ الصَّحَابَةِ فَيُنْظَرُ فَإِنْ كان مع بَقَاءِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ وَإِنْ كان بَعْدَ انْقِرَاضِ عَصْرِهِمْ فَهُوَ حِكَايَةٌ عن إجْمَاعِهِمْ فَيَكُونُ حُجَّةً الثَّالِثُ أَنْ يُطْلِقَهُ وَلَا يُضِيفَهُ إلَى أَحَدِ الْعَصْرَيْنِ فَإِنْ كان عَصْرُ الصَّحَابَةِ بَاقِيًا فَهُوَ مُضَافٌ إلَى عَصْرِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَإِنْ كان عَصْرُ الصَّحَابَةِ مُنْقَرِضًا فَهُوَ مُضَافٌ إلَى عَصْرِ الصَّحَابَةِ لِأَنَّ الْحِكَايَةَ عن مَاضٍ فَإِنْ كان قبل عَصْرِ الصَّحَابَةِ فَالْمَاضِي قَبْلَهُ عَصْرُ الرَّسُولِ وَإِنْ كان بَعْدَ عَصْرِ الصَّحَابَةِ فَالْمَاضِي قَبْلَهُ عَصْرُ الصَّحَابَةِ تَنْبِيهٌ فَائِدَةُ رِعَايَةِ هذا التَّرْتِيبِ فَائِدَةُ رِعَايَةِ هذا التَّرْتِيبِ التَّرْجِيحُ عِنْدَ التَّعَارُضِ فما لَا يُحْتَمَلُ أَرْجَحُ مِمَّا يُحْتَمَلُ وما يَحْتَمِلُ احْتِمَالًا وَاحِدًا أَرْجَحُ مِمَّا يَحْتَمِلُ الِاثْنَيْنِ وَهَكَذَا في الْبَاقِي
- فَصْلٌ أَلْفَاظُ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ وَأَمَّا الثَّانِي وهو أَلْفَاظُ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ فَلِلرَّاوِي حَالَاتٌ بَعْضُهَا أَقْوَى من بَعْضٍ السَّمَاعُ من لَفْظِ الشَّيْخِ أَوَّلُهَا أَنْ يَسْمَعَ من لَفْظِ الشَّيْخِ وهو النِّهَايَةُ في التَّحَمُّلِ لِأَنَّهُ طَرِيقُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فإنه الذي كان يحدث أَصْحَابَهُ كما نَقَلُوهُ عنه وهو أَبْعَدُ من الْخَطَأِ وَالسَّهْوِ وَرُوِيَ عن أبي حَنِيفَةَ أَنَّ قِرَاءَتَك على الْمُحَدِّثِ أَقْوَى من قِرَاءَةِ الْمُحَدِّثِ عَلَيْك قال وَإِنَّمَا كان ذلك لِرَسُولِ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم خَاصَّةً لِأَنَّهُ مَأْمُونٌ من السَّهْوِ وَلِأَنَّهُ كان يَذْكُرُ ما يَذْكُرُهُ حِفْظًا وَلَا يَكْتُبُ وَإِنَّمَا كَلَامُنَا فِيمَنْ يُخْبِرُ عن كِتَابِهِ لَا عن حِفْظِهِ حتى إذَا كان يَرْوِي عن كِتَابٍ فَالْجَانِبَانِ سَوَاءٌ في نَفْسِ التَّحْدِيثِ بِمَا في الْكِتَابِ ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَعَلَّلَهُ غَيْرُهُ بِأَنَّ عِنَايَةَ الطَّلَبِ أَشَدُّ عَادَةً لِأَنَّهُ إذَا قَرَأَ التِّلْمِيذُ كانت الْمُحَافَظَةُ من الطَّرَفَيْنِ وإذا قَرَأَ الْأُسْتَاذُ لَا تَكُونُ الْمُحَافَظَةُ إلَّا منه قال ابن الْقُشَيْرِيّ وَلَا فَرْقَ بين أَنْ يَقْرَأَ من ظَهْرِ قَلْبِهِ أو من كِتَابٍ قال الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَيَصِحُّ تَحَمُّلُهُ عنه سَوَاءٌ كان عن قَصْدٍ أو اسْتِرْعَاءٍ أو اتِّفَاقٍ أو مُذَاكَرَةٍ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُحَدِّثُ أَعْمَى أو أَصَمَّ وَلَا يَصِحُّ السَّمَاعُ إنْ كان الْمُتَحَمِّلُ أَصَمَّ وَيَصِحُّ إنْ كان أَعْمَى قَالَا فَإِنْ حَدَّثَ عن حِفْظِهِ صَحَّ السَّمَاعُ إذَا وُثِقَ بِهِ وَإِنْ حَدَّثَ من كِتَابِهِ فَإِنْ كان أَعْمَى لم تَصِحَّ رِوَايَتُهُ لِأَنَّ الْكُتُبَ قد تَشْتَبِهُ عليه وَإِنْ كان بَصِيرًا صَحَّ أَنْ يُرْوَى عنه كِتَابُهُ بِشَرْطَيْنِ كَوْنُهُ وَاثِقًا بِهِ وَذَاكِرًا لِوَقْتِ سَمَاعِهِ وَمَنَعَ أبو حَنِيفَةَ أَنْ يَرْوِيَ إلَّا من حِفْظِهِ كَالشَّاهِدِ وَلَوْ صَحَّ ذلك لَبَطَلَتْ فَائِدَةُ الْكِتَابِ قال فَقَدْ صَارَتْ الرِّوَايَةُ في عَصْرِنَا من الْكِتَابِ أَثْبَتَ عِنْدَ أَصْحَابِ الحديث من الْحِفْظِ انْتَهَى وَلِلسَّامِعِ أَنْ يَقُولَ أَسْمَعَنِي وَأَخْبَرَنِي وَحَدَّثَنِي وَأَسْمَعَنَا وَأَخْبَرَنَا وَحَدَّثَنَا هذا إنْ قَصَدَ الشَّيْخُ إسْمَاعَهُ إمَّا خَاصَّةً أو مع جَمْعٍ فَإِنْ لم يَقْصِدْ ذلك
- فَلَيْسَ له أَنْ يَقُولَ إلَّا سَمِعْتُهُ يحدث فُلَانًا وَإِنَّمَا جَازَتْ هذه الْأَلْفَاظُ لِمُطَابَقَتِهَا لِمَا في مَعْنَى الْأَمْرِ وَلِلْمُحَدِّثِينَ فيه أَدَبٌ يَقُولُونَ لِمَا سَمِعَهُ مع غَيْرِهِ حدثنا وَأَخْبَرَنَا وما سَمِعَهُ وَحْدَهُ أخبرني وَحَدَّثَنِي قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ وَهَذَا أَدَبٌ لَا يَنْتَهِي إلَى الْوُجُوبِ ا هـ وَحَكَى الشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى في الذَّرِيعَةِ وَصَاحِبُ الْمَصَادِرِ عن بَعْضِهِمْ مَنْعَ لَفْظِ الْجَمْعِ إذَا كان وَحْدَهُ قَالَا وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِهِ على سَبِيلِ التَّفْخِيمِ الْعَرْضُ على الشَّيْخِ الثَّانِيَةُ أَنْ يَقْرَأَ على الشَّيْخِ وهو يَسْمَعُ وَأَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ يُسَمُّونَ الْقِرَاءَةَ على الشَّيْخِ عَرْضًا من حَيْثُ إنَّ الْقَارِئَ يَعْرِضُ على الشَّيْخِ ما يَقْرَأُهُ وَيَقُولُ له بَعْدَ الْفَرَاغِ من الْقِرَاءَةِ أو قَبْلَهَا هل سَمِعْت فيقول الشَّيْخُ نعم أو يقول بَعْدَ الْفَرَاغِ الْأَمْرُ كما قُرِئَ عَلَيَّ وَلَا خِلَافَ في أنها رِوَايَةٌ صَحِيحَةٌ إلَّا ما نُقِلَ عن بَعْضِ من لَا يُعْتَدُّ بِهِ وَاخْتَلَفُوا في أنها مِثْلُ السَّمَاعِ من لَفْظِ الشَّيْخِ أو دُونَهُ أو فَوْقَهُ على ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ الْأَوَّلُ هو قَوْلُ الشَّافِعِيِّ كما نَقَلَهُ الصَّيْرَفِيُّ عنه في كِتَابِ الدَّلَائِلِ وَالْأَعْلَامِ فقال وَبَابُ الحديث عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ في الْقِرَاءَةِ على الْمُحَدِّثِ وَالْقِرَاءَةِ عنه سَوَاءٌ إذَا اعْتَرَفَ بِهِ قال وَالدَّلِيلُ عليه قَوْله تَعَالَى أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالوا بَلَى وَقَوْلُهُ وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ إلَى قَوْلِهِ نعم وَقَوْلُ ضِمَامِ بن ثَعْلَبَةَ لِلنَّبِيِّ صلى اللَّهُ عليه وسلم إنِّي سَائِلُك آاللَّهُ أَرْسَلَك إلَيْنَا قال نعم فَقَوْلُهُ نعم بِمَنْزِلَةِ إنَّ اللَّهَ أَرْسَلَنِي وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَحُجَّ
- انْتَهَى وَبِهِ جَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَالصَّحِيحُ أنها دُونَهُ شَرْطُ صِحَّةِ الرِّوَايَةِ عن الشَّيْخِ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَشَرْطُ صِحَّةِ الرِّوَايَةِ عن الشَّيْخِ أَنْ يَكُونَ الشَّيْخُ عَالِمًا بِقِرَاءَةِ الْقَارِئِ عليه وَلَوْ فُرِضَ منه تَحْرِيفٌ أو تَصْحِيفٌ لَرَدَّهُ عليه وَيُلْتَحَقُ بِهِ ما لو كان بيده نُسْخَةٌ مُهَذَّبَةٌ فَلَوْ كانت بِيَدِ غَيْرِ الشَّيْخِ وَالْأَحَادِيثُ تُقْرَأُ وَذَلِكَ الْغَيْرُ عَدْلٌ مُؤْتَمَنٌ لَا يَأْلُو جَهْدًا في التَّأَمُّلِ فَتَرَدَّدَ فيه جَوَابُ الْقَاضِي وَبَعْدَ مُدَّةٍ ظَهَرَ لي أَنَّ ذلك لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الشَّيْخَ ليس على دِرَايَةٍ منه فَلَا يَنْتَهِضُ منها تَحَمُّلًا قال فَإِنْ كان الشَّيْخُ لَا يُحِيطُ بِالْأَخْبَارِ وَلَا يَنْظُرُ في نُسْخَةٍ مُتَمَيِّزَةٍ وَلَوْ فُرِضَ التَّدْلِيسُ عليه لَمَا شَعَرَ لم تَصِحَّ الرِّوَايَةُ عنه وَأَيُّ فَرْقٍ بين شَيْخٍ يَسْمَعُ أَصْوَاتًا وَأَجْرَاسًا لَا يَأْمَنُ تَدْلِيسًا وَإِلْبَاسًا وَبَيْنَ شَيْخٍ لَا يَسْمَعُ ما يُقْرَأُ عليه قال أبو نَصْرِ بن الْقُشَيْرِيّ وَهَذَا الذي ذَكَرَهُ الْإِمَامُ لم أَرَهُ في كَلَامِ الْقَاضِي فإنه صَرَّحَ بِأَنَّ الصَّبِيَّ الْمُمَيِّزَ يَصِحُّ منه التَّحَمُّلُ وَإِنْ لم يَعْرِفْ مَعْنَاهُ وَيَصِحُّ رِوَايَةُ الحديث عَمَّنْ لم يَعْلَمْ مَعْنَاهُ وَهَذَا فِيمَا أَظُنُّ إجْمَاعٌ من أَئِمَّةِ الحديث وَكَيْفَ لَا وفي الْخَبَرِ رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلَى من هو أَفْقَهُ منه وَلَوْ شَرَطْنَا عِلْمَ الرَّاوِي بِمَعْنَى الحديث لَشَرَطْنَا مَعْرِفَةَ جَمِيعِ وُجُوهِهِ وَيُسَدُّ بِذَلِكَ بَابُ التَّحْدِيثِ وَبِالْجُمْلَةِ فَمَدَارُ الْأَخْبَارِ على غَلَبَةِ الظَّنِّ فإذا قُرِئَ بين يَدَيْ الصَّبِيِّ وَالْأُمِّيِّ أَخْبَارٌ على شَيْخٍ فَتَحَمَّلَهَا هذا السَّامِعُ وَقُرِئَتْ عليه وَتُحُمِّلَتْ عنه اُكْتُفِيَ بِذَلِكَ وَاشْتِرَاطُ النَّظَرِ في النُّسْخَةِ وَدِرَايَةُ الصَّبِيِّ يُضَيِّقُ الْبِطَانَ في الرِّوَايَةِ وَمِنْ كَلَامِ الْإِمَامِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ في صِفَةِ تَحَمُّلِ الرِّوَايَةِ هو الْمُعْتَبَرُ في صِفَةِ تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَهَذَا مَحَلُّ النَّظَرِ وقد صَرَّحَ الْإِمَامُ بِجَوَازِ الْإِجَازَةِ وَالتَّعْوِيلِ عليها وقد يَكُونُ الْمُجِيزُ غير مُحِيطٍ بِجُمْلَةِ ما في الْكِتَابِ الْمُجَازِ وقد وَافَقَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ على أَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الرِّوَايَةِ الْعِلْمُ بِمَا يُقْرَأُ وَعَلَيْهِ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَالْمَازِرِيُّ في شَرْحِ الْبُرْهَانِ قال الْمَازِرِيُّ بِشَرْطِ كَوْنِ الشَّيْخِ عَالِمًا بِصِحَّةِ ما قُرِئَ عليه غير غَافِلٍ عن شَيْءٍ منه فَأَمَّا إذَا قَرَأَ من حِفْظِهِ وَأَمْلَى من حِفْظِهِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ على ثِقَةٍ وقد اجْتَازَ
- بَعْضُهُمْ لِلْحُفَّاظِ أَنْ يَكُونَ بين أَيْدِيهِمْ كُتُبُهُمْ اسْتِظْهَارًا لِلثِّقَةِ وَاحْتِيَاطًا فَإِنْ كان لَا يُعَوِّلُ على حِفْظِهِ وَإِنَّمَا يُعَوِّلُ على كِتَابِهِ نُظِرَ فَإِنْ تَحَقَّقَ سَمَاعُ جَمِيعِ ما في كِتَابِهِ فَظَاهِرٌ وَإِنْ عُلِمَ سَمَاعُهُ وَلَكِنْ نَسِيَ مِمَّنْ سَمِعَهُ فذكر الْقَاضِي أبو بَكْرٍ فيه خِلَافًا في جَوَازِ الرِّوَايَةِ لِمَا في هذا الْكِتَابِ وَذَهَبَ إلَى أَنَّهُ لَا يَرْوِي رِوَايَةً مَعْمُولًا بها لِأَنَّ هذا مِمَّنْ سمع منه الْكِتَابَ مع عَدَالَتِهِ وَإِنَّمَا عَوَّلَ على ظَنٍّ وَتَخْمِينٍ وَكَذِبٍ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الشَّافِعِيَّ أَوْصَى في رِسَالَتِهِ بِقَبُولِ مِثْلِ هذه الرِّوَايَةِ لِأَنَّهُ قال لَا يحدث الْمُحَدِّثُ من كِتَابِهِ حتى يَكُونَ حَافِظًا لِمَا فيه وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ إنَّمَا أَشَارَ إلَى من جَهِلَ شَيْخَهُ الذي سمع منه الْكِتَابَ لِأَنَّهُ لو عَلِمَ شَيْخَهُ الذي حدثه بِالْكِتَابِ لم يَشْتَرِطْ حِفْظَهُ إيَّاهُ لِأَنَّ من عَلِمَ شَيْخَهُ الذي حدثه بِهِ وَعَلِمَ بِأَنَّهُ حدثه لِلْجَمِيعِ فإنه لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ حَافِظًا لِمَا في كِتَابِهِ وَهَذَا الذي تَأَوَّلَهُ الْقَاضِي على الشَّافِعِيِّ تَأَوَّلَهُ غَيْرُهُ على غَيْرِ هذا الْوَجْهِ وَسَيَأْتِي وقال ابن فُورَكٍ إنْ رَوَى من كِتَابِهِ ما لم يَذْكُرْهُ وَيَعْلَمُ أَنَّهُ أَصْلُهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا يُقْبَلُ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ كَاذِبًا وَالثَّانِي يُقْبَلُ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ وقال الْقَاضِي عِيَاضٌ في الْإِلْمَاعِ اُخْتُلِفَ في الْعَمَلِ بِمَا وُجِدَ في الْخَطِّ الْمَضْبُوطِ الْمُحَقَّقِ لِإِمَامٍ إذَا عَمِلَ بِهِ مع اتِّفَاقِهِمْ على مَنْعِ النَّقْلِ وَالدِّرَايَةِ بِهِ فَمُعْظَمُ الْمُجْتَهِدِينَ وَالْفُقَهَاءِ لَا يَرَوْنَ الْعَمَلَ بِهِ وَحُكِيَ عن الشَّافِعِيِّ جَوَازُ الْعَمَلِ وقال بِهِ طَائِفَةٌ من نُظَّارِ أَصْحَابِهِ وهو الذي نَصَرَهُ الْجُوَيْنِيُّ وَغَيْرُهُ وهو مَبْنِيٌّ على مَسْأَلَةِ الْعَمَلِ بِالْمُرْسَلِ وَحَكَى أبو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ أَنَّهُ رُوِيَ عن الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُحَدِّثَ بِالْخَبَرِ من حِفْظِهِ وَإِنْ لم يَعْلَمْ أَنَّهُ سَمِعَهُ قال وَحُجَّتُهُ أَنَّ حِفْظَهُ لِمَا في كِتَابِهِ كَحِفْظِهِ لِمَا سَمِعَهُ فَجَازَ له أَنْ يَرْوِيَهُ قال الْقَاضِي وَلَا نُورٌ وَلَا بَهْجَةٌ لِهَذِهِ الْحُجَّةِ وَلَا ذَكَرَ هذا عن الشَّافِعِيِّ أَحَدٌ من أَصْحَابِهِ وَلَعَلَّهُ ما قَدَّمْنَاهُ عنه من الْعَمَلِ بِهِ لَا الرِّوَايَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أو يَكُونُ إنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ وَجَدَهُ بِخَطِّهِ وَإِنْ لم يُحَقِّقْ سَمَاعَهُ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ مَشْهُورَةٌ ا هـ وَاخْتَارَ الْمَازِرِيُّ أَنَّهُ إذَا تَحَقَّقَ سَمَاعَهُ وَجَهِلَ عَيْنَ الْمُسْمِعِ الْتَحَقَ بِالْمُرْسَلِ وَإِنْ كان الشَّيْخُ سمع الْجَمِيعَ وَلَكِنَّهُ لَا يَحْفَظُهُ وَلَا يَذْكُرُ سَمَاعَهُ لِعَيْنِ كل لَفْظٍ فإن له أَنْ يَرْوِيَهُ وَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ وَإِنْ لم يذكر السَّمَاعَ وَإِنَّمَا عَوَّلَ على خَطِّهِ كما جَرَتْ عَادَةُ
- الْمُحَدِّثِينَ في الطَّبَقَاتِ فَاخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فيه فَحَكَى عبد الْوَهَّابِ عن أبي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَرَى الْعَمَلَ بِهِ وَأَنَّ ذلك قَضِيَّةُ أُصُولِ مَالِكٍ وَأَشَارَ إلَى تَخْرِيجِهَا على مَنْعِ الشَّاهِدِ من شَهَادَةِ أَمْرٍ لم يَذْكُرْهُ وَإِنَّمَا عَوَّلَ على خَطِّهِ فَلَا يُعْمَلُ بها وَعَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ جَوَّزَهُ كَقَوْلِهِ في الرِّسَالَةِ إنَّهُ لَا يحدث الْمُحَدِّثُ بِمَا في كِتَابِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ حَافِظًا له وَبِهِ قال أبو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بن الْحَسَنِ وَإِنْ كان الْخَطُّ ليس بيده وَإِنَّمَا هو بِخَطِّ غَيْرِهِ كان ذلك أَوْلَى وَإِنْ قُلْنَا يُعَوِّلُ ثُمَّ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَرْوِيَ هذا الْكِتَابَ وَيُطْلِقَ الرِّوَايَةَ عن شَيْخِهِ بِأَنَّهُ حدثه لِأَنَّهُ كَذَبَ أَنَّهُ سمع وَعَلِمَ ثِقَةٌ الْكِتَابَ فَاخْتَلَفُوا في قَبُولِ هذه الرِّوَايَةِ وَالْمُحَدِّثُونَ يَقْبَلُونَهَا قال الْمَازِرِيُّ وَاَلَّذِي أَرَاهُ في ذلك أَنَّهُ إنْ قُلْنَا لَا يُعَوِّلُ على خَطِّ نَفْسِهِ فَفِي خَطِّ غَيْرِهِ أَوْلَى وَإِنْ قُلْنَا يُعَوِّلُ ثَمَّ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَرْوِيَ هذا الْكِتَابَ وَيُطْلِقَ الرِّوَايَةَ عن شَيْخِهِ بِأَنَّهُ حدثه لِأَنَّهُ كَذِبٌ وَتَلْبِيسٌ بَلْ يُبَيِّنُ حَقِيقَةَ الْحَالِ فيقول أَخَذْت هذا الْكِتَابَ عن فُلَانٍ لَا شِفَاهًا وَلَكِنْ تَعْوِيلًا على خَطِّ فُلَانٍ أَنِّي سَمِعْتُهُ معه عن فُلَانٍ وَخَطُّ فُلَانٍ أَتَحَقَّقُهُ وَأَتَحَقَّقُ عَدَالَتَهُ فَيُقْبَلُ حِينَئِذٍ وَلَا يَفْتَقِرُ هُنَا إلَى إذْنِ الْكَاتِبِ أَنْ يَنْقُلَ ذلك عنه كما يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِ الشَّاهِدِ في أَنْ يَنْقُلَ عنه شَهَادَتَهُ إذَا تَحَقَّقْنَا هُنَا أَنَّ هذا ما وَضَعَ خَطَّهُ عن لَبْسٍ وَأَمَّا إنْ لم تَكُنْ نُسْخَةُ الْكِتَابِ بيده لَكِنَّهَا كانت بِيَدِ قَارِئٍ مَوْثُوقٍ بِهِ فإن الْقَاضِيَ أَبَا بَكْرٍ تَرَدَّدَ في الْعَمَلِ بهذا الْخَبَرِ وَصِحَّةِ إسْنَادِهِ وَالْأَظْهَرُ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ لِأَنَّهُ لم يَحْصُلْ الشَّيْخُ على يَقِينٍ من صِحَّةِ ما حَمَلُوهُ التَّلَامِذَةُ وَخَالَفَهُ الْمَازِرِيُّ وقال إنَّ الشَّيْخَ يَصِيرُ مُعَوِّلًا فِيمَا يَرْوِيهِ وَيَحْمِلُهُ لِتَلَامِذَتِهِ على نَقْلِ غَيْرِهِ عنه أَنَّهُ رَوَى كَذَا ا هـ وَقَطَعَ ابن الْقُشَيْرِيّ فِيمَا إذَا تَحَقَّقَ سَمَاعَهُ وَجَهِلَ عَيْنَ الْمُسْمِعِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ له رِوَايَتُهُ حتى يَعْلَمَ قَطْعًا من بَلَّغَهُ وَنَقَلَهُ عن اخْتِيَارِ الْقَاضِي وَحَكَى عن بَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّهُ جَوَّزَ له رِوَايَتَهُ وَعُزِيَ إلَى الشَّافِعِيِّ
- وقال ابن السَّمْعَانِيِّ يَنْبَغِي لِمَنْ لم يَحْفَظْ الحديث رِوَايَتُهُ من الْكِتَابِ وَإِنْ كان يَحْفَظُهُ فَالْأَوْلَى ذلك اتِّفَاقًا وَإِنْ لم يَحْفَظْ وَعِنْدَهُ كِتَابٌ فيه سَمَاعُهُ بِخَطِّهِ وهو يَذْكُرُ سَمَاعَهُ لِلْخَبَرِ جَازَ أَنْ يَرْوِيَهُ وَإِنْ لم يَتَذَكَّرْ سَمَاعَهُ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَرْوِيَهُ فيه وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا يَجُوزُ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ في الرِّسَالَةِ وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ وهو الْأَصَحُّ لِأَنَّا لَا نَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ رَوَى على خَطِّهِ قال وَلَا بُدَّ من شَيْئَيْنِ في الرِّوَايَةِ من الْكِتَابِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ وَاثِقًا بِكِتَابِهِ سَوَاءٌ كان بِخَطِّهِ أو خَطِّ غَيْرِهِ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ ذَاكِرًا لِوَقْتِ سَمَاعِهِ فَإِنْ أَخَلَّ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا لم يَصِحَّ سَمَاعُهُ ا هـ وما صَحَّحَهُ من الْمَنْعِ عِنْدَ عَدَمِ الذِّكْرِ صَحَّحَهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ قال لِأَنَّ الْخَطَّ قد يَشْتَبِهُ بِالْخَطِّ وقال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ إذَا لم يَتَذَكَّرْ سَمَاعَهُ بَلْ وَجَدَهُ بِخَطِّهِ أو بِخَطِّ شَيْخِهِ أو خَطِّ مَوْثُوقٍ بِهِ فَهَلْ تَجُوزُ الرِّوَايَةُ بِهِ ثُمَّ نَقَلَ عن جَمَاعَةٍ من أَئِمَّةِ الحديث الْمَنْعَ وَاَلَّذِي اسْتَقَرَّ عليه عَمَلُ الْمُحَدِّثِينَ جَوَازُ ذلك إذَا لم يَظْهَرْ قَرِينَةُ التَّغْيِيرِ لَكِنَّ الضَّرُورَةَ دَعَتْ إلَى ذلك بِسَبَبِ انْتِشَارِ الْأَحَادِيثِ وَالرِّوَايَةِ انْتِشَارًا يَتَعَذَّرُ معه الْحِفْظُ لِكُلِّهِ عَادَةً وَاللَّازِمُ أَحَدُ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ يَعْتَمِدَ على الظَّنِّ كما ذَكَرْنَاهُ وَإِمَّا أَنْ يَبْطُلَ حَمْلُهُ من السُّنَّةِ أو أَكْثَرِهَا وَالثَّانِي بَاطِلٌ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ مَفْسَدَةً من الْبِنَاءِ على الظَّنِّ فَوَجَبَ دَفْعُهُ دَرْءًا لِأَعْظَمِ الْمَفْسَدَتَيْنِ ثُمَّ منهم من يَتَحَرَّى بِزِيَادَةِ شَرْطٍ آخَرَ وهو أَنْ لَا يَخْرُجَ الْكِتَابُ عن يَدِهِ بِعَارِيَّةٍ أو غَيْرِهَا وهو احْتِيَاطٌ حَسَنٌ وكان الْمُتَقَدِّمُونَ إذَا كَتَبُوا أَحَادِيثَ الْإِجَازَةِ إلَى غَائِبٍ عَنْهُمْ يَخْتِمُونَهُ بِالْخَاتَمِ إمَّا كلهم أو بَعْضُهُمْ ا هـ أَحْوَالُ الشَّيْخِ فِيمَا قُرِئَ عليه وَاعْلَمْ أَنَّ لِلشَّيْخِ فِيمَا قُرِئَ عليه ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ أَعْلَاهَا أَنْ يَأْذَنَ له في رِوَايَةِ ما قُرِئَ عليه نُطْقًا الثَّانِيَةُ أَنْ يَقْرَأَ عليه وَيَقُولُ له هل سَمِعْت فَيُشِيرُ الشَّيْخُ بِأُصْبُعِهِ أو
- بِرَأْسِهِ فَهِيَ كَالْعِبَارَةِ فِيمَا سَبَقَ وقال الْمَازِرِيُّ إنْ قال الْقَارِئُ عَقِبَ الْقِرَاءَةِ ائْذَنْ لي أَنْ أَرْوِيَ عَنْك ما قَرَأْته عَلَيْك فقال له نعم أو أَشَارَ بِرَأْسِهِ فَاخْتَلَفُوا فيه فَالْجُمْهُورُ على أَنَّهُ مَقْبُولٌ وَقِيلَ لَا يُعْمَلُ بِهِ وَلَا مَعْنَى لِلْخِلَافِ لِأَنَّ قَرَائِنَ الْأَحْوَالِ تُفِيدُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ الثَّالِثَةُ أَنْ يَسْكُتَ الشَّيْخُ وَيَغْلِبَ على ظَنِّ الْقَارِئِ بِقَرِينَةِ الْحَالِ إجَابَتُهُ له فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ قَطْعًا وَكَذَا جَوَازُ الرِّوَايَةِ على الْأَصَحِّ وَشَرَطَ قَوْمٌ من الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ إقْرَارَ الشَّيْخِ بِهِ نُطْقًا وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ نَوْعُ احْتِيَاطٍ وَسُكُوتُهُ مع سَلَامَةِ الْأَحْوَالِ من إكْرَاهٍ وَغَفْلَةٍ نَازِلٌ مَنْزِلَةَ تَصْرِيحِهِ وَكَذَا قال الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وَالْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وابن الْقُشَيْرِيّ وَغَيْرُهُمْ وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ وَنَقَلَهُ عن مُعْظَمِ الْمُحَدِّثِينَ وإذا نَصَبَ الشَّيْخُ نَفْسَهُ لِلْقِرَاءَةِ وَانْتَصَبَ لها مُخْتَارًا وهو مُسْتَيْقِظٌ فَهُوَ بِمَثَابَةِ إقْرَارِهِ وَيَمْتَنِعُ في صُورَةِ إشَارَةِ الشَّيْخِ بِالسَّمَاعِ أَنْ يَقُولَ الرَّاوِي عنه حدثني وَأَخْبَرَنِي وَسَمِعْته لِأَنَّهُ ما حدثه وَلَا أخبره وَلَا سمع منه شيئا فَلَوْ قال ذلك لَكَانَ كَذِبًا وَهَذَا منه عَجِيبٌ كما قَالَهُ الْهِنْدِيُّ يُنَاقِضُهُ ما عَلَّلَهُ بِهِ من جَوَازِ ذلك في صُورَةِ السُّكُوتِ وَمِمَّنْ شَرَطَ النُّطْقَ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وابن الصَّبَّاغِ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ وابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ في شَرْحِ الْعُنْوَانِ قَطَعَ بِهِ جَمَاعَاتٌ من أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وهو اللَّائِقُ بِمَذْهَبِهِ لِتَرَدُّدِ السُّكُوتِ بين الْإِخْبَارِ وَعَدَمِهِ وقد قال الشَّافِعِيُّ لَا يُنْسَبُ إلَى السَّاكِتِ قَوْلٌ قال وَهَذَا هو الصَّوَابُ وقد يَجُوزُ ذلك اعْتِمَادًا على الْقَرَائِنِ وَظَاهِرِ الْحَالِ قال وَهَذَا أَلْيَقُ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ وَنُقِلَ أَنَّهُ نَصَّ عليه أو على ما يَقْتَضِيهِ ا هـ وقال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ إذَا قُرِئَ على الشَّيْخِ بِحَضْرَتِهِ وهو يَسْمَعُ وَيُصْغِي حَلَّتْ الرِّوَايَةُ إذَا قال الشَّيْخُ هذا الْكِتَابُ سَمَاعِي وَلَا يُشْتَرَطُ لَفْظُ الْإِجَازَةِ وَلَا الْمُنَاوَلَةِ وَلَكِنْ اصْطَلَحَ الْمُحَدِّثُونَ مع ذلك على الْمُنَاوَلَةِ وَالْإِجَازَةِ فإن الْوَاحِدَ قد يقول هذا سَمَاعِي وَيَعْنِي بِهِ أَكْثَرَهُ أو رُبَّمَا كان أَحْكَمَ حُرُوفَهُ فإذا قال أَجَزْت لَك أَنْ تَرْوِيَهُ عَنِّي كان دَالًّا على الثَّبْتِ وَلِذَلِكَ يُشْتَرَطُ في شُهُودِ الْأَصْلِ تَحَمُّلُ الْفَرْعِ شَهَادَتَهُ قال
- وَهَذَا الذي ذَكَرُوهُ مُحْتَمَلٌ من قَبِيلِ الِاسْتِقْصَاءِ وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنَّ الشَّيْخَ إذَا قال هو سَمَاعِي صَارَ مُخْبِرًا عن آحَادِ ما في الْكِتَابِ إذَا ثَبَتَ هذا فَلِلْقَارِئِ أَنْ يَقُولَ قَرَأْت على فُلَانٍ وَلِلسَّامِعِ أَنْ يَقُولَ قَرَأَ عَلَيَّ فُلَانٌ وأنا أَسْمَعُ وَلَهُ أَنْ يَقُولَ حدثنا أو أخبرنا قِرَاءَةً عليه قال الْقَاضِي وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ أخبرني أو حدثني قِرَاءَةً عليه أو قَرَأْت عليه وهو سَاكِتٌ مُقَرِّرٌ فإنه لو أَطْلَقَ لَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ قَرَأَهُ تَصْرِيحًا وَأَنْ يَكُونَ مُكْتَفِيًا بِالسُّكُوتِ فَالِاحْتِيَاطُ التَّمْيِيزُ وَأَمَّا إطْلَاقُ حدثنا أو أَخْبَرْنَا فَفِيهِ مَذَاهِبُ أَحَدُهَا الْمَنْعُ مِنْهُمَا جميعا وَبِهِ قال ابن الْمُبَارَكِ وَيَحْيَى بن يحيى وَأَحْمَدُ بن حَنْبَلٍ وَالنَّسَائِيُّ لِأَنَّ ظَاهِرَهَا يَقْتَضِي أَنَّ الشَّيْخَ تَوَلَّى الْقِرَاءَةَ بِنَفْسِهِ وقال الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ إنَّهُ الصَّحِيحُ قال وَلِذَلِكَ لَا يقول سَمِعْت وَالثَّانِي التَّجْوِيزُ وَأَنَّهُ كَالسَّمَاعِ من لَفْظِ الشَّيْخِ وَبِهِ قال الزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ وَسُفْيَانُ بن عُيَيْنَةَ وَيَحْيَى بن سَعِيدٍ الْقَطَّانُ وَالْبُخَارِيُّ قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ وكان قَوْمٌ يَقُولُونَ أخبرنا فِيمَا سَمِعُوهُ وَهِيَ عِبَارَةُ عبد الرَّزَّاقِ وَهُشَيْمٍ وَنَقَلَهُ الصَّيْرَفِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ عن الشَّافِعِيِّ ثُمَّ قال الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ الْأَوْلَى في عُرْفِ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّ حدثنا فِيمَا سَمِعَهُ من لَفْظِ الشَّيْخِ وَأَخْبَرَنَا فِيمَا قَرَأَهُ عليه وَإِنْ سمع هو قال حدثني وَأَخْبَرَنِي أو مع جَمَاعَةٍ قال حدثنا وَأَخْبَرَنَا لِتَكُونَ هذه الْفُرُوقُ مُذَكِّرَةً بِأَحْوَالِ السَّمَاعِ قال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ فَلَا يقول سَمِعْت فُلَانًا وَمِنْهُمْ من أَجَازَهُ وقال الْهِنْدِيُّ كَلَامُ الْإِمَامِ يَعْنِي فَخْرَ الدِّينِ يَقْتَضِي وُجُودَ الْخِلَافِ في جَوَازِ سَمِعْت وَكَلَامُ غَيْرِهِ يَدُلُّ على أَنَّهُ لَا خِلَافَ فيها وَالثَّالِثُ الْمَنْعُ من إطْلَاقِ حدثنا وَتَجْوِيزُ أخبرنا وَنُقِلَ عن الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَمُسْلِمُ بن الْحَجَّاجِ وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وقال الرَّبِيعُ قال الشَّافِعِيُّ إذَا قَرَأْت على الْعَالِمِ فَقُلْ أخبرنا وإذا قَرَأَ عَلَيْك فَقُلْ حدثنا وَلِهَذَا قال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ إنَّهُ الْمَذْهَبُ فِيمَا إذَا قَرَأَ الشَّيْخُ نُطْقًا لِأَنَّ الْإِخْبَارَ يُسْتَعْمَلُ في كل ما يَتَضَمَّنُ الْإِعْلَامَ وَالتَّحْدِيثَ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِيمَا سمع من فيه قال ابن دَقِيقِ في شَرْحِ الْعُنْوَانِ وهو اصْطِلَاحُ الْمُحَدِّثِينَ في الْآخِرِ وَالِاحْتِجَاجُ له ليس بِأَمْرٍ لُغَوِيٍّ
- وَإِنَّمَا هو اصْطِلَاحٌ منهم أَرَادُوا بِهِ التَّمْيِيزَ بين النَّوْعَيْنِ وَمَنَعَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ في صُورَةِ إشَارَةِ الشَّيْخِ بِالسَّمَاعِ أَنْ يَقُولَ الرَّاوِي عنه حدثني أو أخبرني أو سَمِعْته لِأَنَّهُ ما حدثه وَلَا أخبره وَلَا سمع منه شيئا فَلَوْ قال ذلك لَكَانَ كَاذِبًا وَهَذَا منه عَجِيبٌ كما قَالَهُ الْهِنْدِيُّ يُنَاقِضُهُ ما عَلَّلَ بِهِ من جَوَازِ ذلك في صُورَةِ السُّكُوتِ من أَنَّ الْإِخْبَارَ لُغَةً لِإِفَادَةِ الْخَبَرِ وَالْعِلْمِ وَهَذَا السُّكُوتُ قد أَفَادَهُ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ حدثني وَأَخْبَرَنِي وإذا كان مُجَرَّدُ السُّكُوتِ يُعْطِي ذلك فَلَأَنْ يُعْطِيَهُ السُّكُوتُ مع الْإِشَارَةِ بِالرِّضَى من طَرِيقِ الْأَوْلَى وقال ابن فُورَكٍ بين قَوْلِهِ حدثني وَأَخْبَرَنِي فَرْقٌ لِأَنَّ أخبرني يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِالْكِتَابَةِ إلَيْهِ وَحَدَّثَنِي لَا يَحْتَمِلُ غير السَّمَاعِ كِتَابَةُ الشَّيْخِ إلَى غَيْرِهِ الثَّالِثَةُ أَنْ يَكْتُبَ الشَّيْخُ إلَى غَيْرِهِ سَمِعْت من فُلَانٍ كَذَا فَلِلْمَكْتُوبِ إلَيْهِ إذَا عَلِمَ خَطَّهُ أو ظَنَّهُ بِأَنْ أخبره عَدْلٌ بِأَنَّهُ خَطُّهُ أو شَاهَدَهُ يَكْتُبُ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ وَيَرْوِيَهُ عنه إذَا اقْتَرَنَتْ الْكِتَابَةُ بِلَفْظِ الْإِجَازَةِ بِأَنْ قال أَجَزْت لَك ما كَتَبْته إلَيْك فَإِنْ تَجَرَّدَتْ الْكِتَابَةُ فَأَجَازَ الرِّوَايَةَ بها كَثِيرٌ من الْمُتَقَدِّمِينَ وَبَالَغَ أبو الْمُظَفَّرِ بن السَّمْعَانِيِّ فقال إنَّهَا أَقْوَى من الْإِجَازَةِ وَظَاهِرُ كَلَامِ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ السَّمَاعِ قال لِأَنَّ الْكِتَابَ أَحَدُ اللِّسَانَيْنِ وكان صلى اللَّهُ عليه وسلم يُبَلِّغُ بِالْكِتَابِ الْغَائِبَ وَبِالْخِطَابِ الْحَاضِرَ قال وَلَوْ بَعَثَ إلَيْهِ رَسُولًا وَأَخْبَرَهُ بِالْحَدِيثِ حَلَّتْ له الرِّوَايَةُ لِأَنَّ الرَّسُولَ يَنْقُلُ كَلَامَ الْمُرْسِلِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْكِتَابِ بَلْ أَوْثَقُ منه لِأَنَّهُ لَا يَنْطِقُ بِمَا فيه وَالرَّسُولُ نَاطِقٌ وكان عليه السَّلَامُ يَكْتُبُ إلَى عُمَّالِهِ تَارَةً وَيُرْسِلُ أُخْرَى وقال الصَّيْرَفِيُّ كان مَالِكٌ يَكْتُبُ إلَى الرَّجُلِ بِالْبَلَدِ الْآخَرِ قد كَتَبْت كِتَابِي هذا وَخَتَمْته بِخَاتَمِي فَارْوِهِ عَنِّي وقال أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ منهم من قال إذَا وَرَدَ عليه كِتَابُهُ وَوَقَعَ في نَفْسِهِ صِحَّةُ ذلك عَمِلَ بِهِ وَقِيلَ لَا بُدَّ أَنْ يَثْبُتَ شَهَادَةَ شَاهِدَيْنِ على شَرْطِ كِتَابِ الْقَاضِي وَيَصِيرُ كَأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ هُمَا الْوَاسِطَةُ في ذلك وقال الْبَيْهَقِيُّ في الْمَدْخَلِ الْآثَارُ في هذه كَثِيرَةٌ عن التَّابِعِينَ وَالِاتِّبَاعُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ وَفِيهَا دَلَالَةٌ على أَنَّ جَمِيعَ ذلك وَاسِعٌ عِنْدَهُمْ وَكُتُبُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم إلَى عُمَّالِهِ بِالْأَحْكَامِ شَاهِدَةٌ لِقَوْلِهِمْ ا ه
- قال إلَّا أَنَّ ما سَمِعَهُ من الشَّيْخِ فَوَعَاهُ أو قُرِئَ عليه وَأَقَرَّ بِهِ فَحَفِظَهُ يَكُونُ أَوْلَى بِالْقَبُولِ مِمَّا كُتِبَ بِهِ إلَيْهِ لِمَا يُخَافُ على الْكِتَابِ من التَّغْيِيرِ وَالْإِحَالَةِ ا هـ وَكَيْفِيَّةُ الرِّوَايَةِ أَنْ يَقُولَ كَتَبَ إلَيَّ وَأَخْبَرَنِي كِتَابَةً لِأَنَّ الْكَاتِبَ قد ذَكَرَ الْإِخْبَارَ في كِتَابِهِ فَلَا بَأْسَ بِقَوْلِهِ أخبرنا وَجَوَّزَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيَّ قَوْلَهُ أخبرني مُجَرَّدًا عن قَوْلِهِ كِتَابَةً لِصِدْقِ ذلك لُغَةً وَجَرَى عليه ابن دَقِيقِ الْعِيدِ في شَرْحِ الْعُنْوَانِ قال وَأَمَّا تَقْيِيدُهُ بِكِتَابَةٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هذا أَدَبًا لِأَنَّ الْقَوْلَ إذَا كان مُطَابِقًا جَازَ إطْلَاقُهُ وَلَكِنَّ الْعَمَلَ مُسْتَمِرٌّ على ذلك عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ فَهِيَ بين كَوْنِهِ كِتَابَةً وَإِجَازَةً وَجَوَّزَ اللَّيْثُ بن سَعْدٍ إطْلَاقَ حدثنا وَأَخْبَرَنَا في الرِّوَايَةِ بِالْكِتَابَةِ وَالْمُخْتَارُ خِلَافُهُ وقال الْبَيْهَقِيُّ الْمُجَوِّزُونَ لِلْكِتَابَةِ تَوَسَّعَ فيه بَعْضُهُمْ فَجَوَّزَ أَنْ يَقُولَ أخبرني وَحَدَّثَنِي كما في الْقِرَاءَةِ وَالسَّمَاعِ وَشَرَطَ آخَرُونَ هُنَا التَّعْيِينَ اسْتِعْمَالًا لِلصِّدْقِ في الرِّوَايَةِ هذا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ على جَوَازِ الرِّوَايَةِ بِالْكِتَابَةِ وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ الذي عليه الْجُمْهُورُ من أَرْبَابِ النَّقْلِ وَغَيْرِهِمْ جَوَازُ الرِّوَايَةِ لِأَحَادِيثِ الْكِتَابَةِ وَوُجُوبُ الْعَمَلِ بها وَأَنَّهَا دَاخِلَةٌ في الْمُسْنَدِ وَذَلِكَ بَعْدَ ثُبُوتِ صِحَّتِهَا عِنْدَ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ بها وَوُثُوقُهُ بِأَنَّهَا عن كَاتِبِهَا وَمَنَعَ قَوْمٌ من الرِّوَايَةِ بها منهم الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ قَالَا وَأَمَّا كُتُبُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَكَانَتْ تَرِدُ على يَدِ مُرْسَلِهِ فَيُعَوَّلُ على خَبَرِهِمْ وَمِمَّنْ نُقِلَ عنه إنْكَارُ قَبُولِهَا أبو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ الْحَافِظُ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في النِّهَايَةِ كُلُّ كِتَابٍ لم يَذْكُرْهُ حَامِلُهُ فَهُوَ مُرْسَلٌ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَرَى التَّعَلُّقَ بِالْمُرْسَلِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْغَزَالِيُّ أَيْضًا فقال لِأَنَّ رِوَايَتَهُ شَهَادَةٌ عليه بِأَنَّهُ قَالَهُ وَالْخَطُّ لَا يَعْرِفُهُ نعم له أَنْ يَقُولَ رَأَيْته مَكْتُوبًا في كِتَابٍ بِخَطٍّ ظَنَنْت أَنَّهُ خَطُّ فُلَانٍ فإن الْخَطَّ يُشْبِهُ الْخَطَّ فَإِنْ عَرَفَ أَنَّهُ خَطُّهُ قَطْعًا بِأَنْ سمع منه يقول هذا خَطِّي أو بِطَرِيقٍ آخَرَ فإنه مع ذلك لَا يَجُوزُ له أَنْ يَرْوِيَ عنه ما لم يُسَلِّطْهُ على الرِّوَايَةِ بِصَرِيحِ قَوْلِهِ أو قَرَائِنَ تُفِيدُ ذلك كَالْجُلُوسِ لِرِوَايَةِ الحديث لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قد سَمِعَهُ ثُمَّ يَتَشَكَّكُ فيه وَلَا يَرَى رِوَايَتَهُ عنه فإنه ليس كُلُّ ما سَمِعَهُ الْإِنْسَانُ فإنه يَرَى نَقْلَهُ عنه وَمَعَهُ كَيْفَ تَجُوزُ الرِّوَايَةُ وَأَمَّا الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وَأَتْبَاعُهُ من الْأُصُولِيِّينَ فَإِنَّهُمْ جَوَّزُوا الْعَمَلَ بِهِ وَأَنْ يَقُولَ أخبرني في رِوَايَتِهِ عنه وَلَا يقول سَمِعْت وَلَا حدثني وقد جَمَعَ الْهِنْدِيُّ بين هذا وَكَلَامِ الْغَزَالِيِّ بِأَنَّ كَوْنَهُ كَتَبَ إلَيْهِ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ على
- التَّسْلِيطِ على الرِّوَايَةِ عنه عِنْدَ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيُّ يَمْنَعُ ذلك وَالْأَوَّلُ أَوْلَى إذْ لَا فَائِدَةَ في أَنْ يَكْتُبَ إلَيْهِ ذلك فإن مُجَرَّدَ الْإِخْبَارِ عن ذلك مِمَّا لَا فَائِدَةَ له وَبِالْمَنْعِ جَزَمَ الْآمِدِيُّ أَيْضًا هذا كُلُّهُ في غَيْرِ الْأَكْمَهِ فَأَمَّا الْأَكْمَهُ مِثْلُ قَتَادَةَ فَالْمَنْعُ فيه أَقْوَى الْمُنَاوَلَةُ الرَّابِعَةُ مُنَاوَلَةُ الصَّحِيفَةِ وَالْإِقْرَارُ بِمَا فيها دُونَ قِرَاءَتِهَا قال الْبُخَارِيُّ احْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الْحِجَازِ في الْمُنَاوَلَةِ بِحَدِيثِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم حَيْثُ كَتَبَ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ كِتَابًا وقال لَا تَقْرَؤُهُ حتى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا فلما بَلَغَ ذلك الْمَكَانَ قَرَأَهُ على الناس وَأَخْبَرَهُمْ بِأَمْرِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَأَشَارَ الْبَيْهَقِيُّ إلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ في ذلك وَلَهَا صُوَرٌ إحْدَاهَا أَنْ يَقْرُنَهَا بِالْإِجَازَةِ بِأَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ أَصْلَهُ أو فَرْعًا مُقَابِلًا بِهِ وَيَقُولَ هذا سَمَاعِي فَارْوِهِ عَنِّي وَمِنْ صُوَرِهَا أَنْ يَجِيءَ الطَّالِبُ إلَى الشَّيْخِ بِجُزْءٍ من حَدِيثِهِ فَيَعْرِضُهُ عليه فَيَتَأَمَّلَهُ الشَّيْخُ الْعَارِفُ الْمُتَيَقِّظُ ثُمَّ يُعِيدُهُ إلَيْهِ وَيَقُولُ وَقَفْت على ما فيه وهو حَدِيثِي عن فُلَانٍ أو ثَبَتَ عَلَيَّ ما نَاوَلْتَنِيهِ وهو مَسْمُوعِي عن فُلَانٍ فَارْوِهِ عَنِّي وَهَذَا يُسَمَّى عَرْضَ الْمُنَاوَلَةِ كما أَنَّ الْقِرَاءَةَ على الشَّيْخِ تُسَمَّى عَرْضَ الْقِرَاءَةِ وَلَهُ الرِّوَايَةُ بِذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ كما قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ في الْإِلْمَاعِ وقال الْمَازِرِيُّ لَا شَكَّ في وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ وَلَا مَعْنَى لِلْخِلَافِ فيه وقد ذَكَرَ ابن وَهْبٍ أَنَّ يحيى بن سَعِيدٍ سَأَلَ مَالِكًا عن شَيْءٍ من أَحَادِيثِهِ فَكَتَبَ له مَالِكٌ بيده أَحَادِيثَ وَأَعْطَاهَا له فَقِيلَ لِابْنِ وَهْبٍ أَقَرَأَهَا يحيى بن سَعِيدٍ على مَالِكٍ فقال ابن وَهْبٍ هو أَفْقَهُ من ذلك يُشِيرُ إلَى أَنَّ ما كَتَبَهُ مَالِكٌ بيده وَنَاوَلَهُ إيَّاهَا يُغْنِي عن قِرَاءَتِهِ إيَّاهَا على مَالِكٍ قُلْت لَكِنَّ الصَّيْرَفِيَّ حَكَى الْخِلَافَ فقال في كِتَابِهِ إذَا دَفَعَ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ كِتَابًا فقال قد عَرَفْتُ جَمِيعَ ما فيه وَحَدَّثَنِي بِجَمِيعِهِ فُلَانٌ فَاحْمِلْ عَنِّي جَمِيعَ ما فيه جَازَ له أَنْ يَحْمِلَهُ على ما قال وَلَا يقول حدثنا وَلَا أخبرنا في كل حَدِيثٍ
- وَمِنْ الناس من جَعَلَ هذا الرَّجُلَ كَرَجُلٍ اعْتَرَفَ بِمَا في صَكٍّ ولم يَقْرَأْ عليه لِيَشْهَدَ عليه بِمَا فيه فَأَجَازَ أَنْ يَقُولَ حدثنا وَأَخْبَرَنَا وَمِنْهُمْ من قال لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ حتى يَقْرَأَ عليه أو يَقْرَأَهُ وَهَكَذَا قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي لَا يَقْبَلُهُ حتى يَشْهَدَ أَنَّ الْقَاضِيَ قَرَأَهُ عَلَيْهِمَا وَلَا يَشْهَدَا عليه إذَا كان مَخْتُومًا حتى يُقْرَأَ عَلَيْهِمَا وَالْحَدِيثُ أَخَفُّ من الشَّهَادَةِ عِنْدَهُ إذَا اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ حَدِيثُهُ وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ في أَشْيَاعِهِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ في الصِّكَاكِ انْتَهَى وَكَلَامُ الْبَيْهَقِيّ يَقْتَضِي أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ الْمَنْعُ فإنه حَكَى عن السَّلَفِ الْخِلَافَ في ذلك بِالنِّسْبَةِ لِلرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ ثُمَّ قال وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فإنه نَصَّ في كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي أَنَّهُ لَا يَقْبَلُهُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ وَحَتَّى يَفْتَحَهُ وَيَقْرَأَهُ عَلَيْهِمَا لِأَنَّ الْخَاتَمَ قد يُصْنَعُ على الْخَاتَمِ وَحَكَى في تَبْدِيلِ الْكِتَابِ حِكَايَةً قال الْبَيْهَقِيُّ وفي ذلك جَوَابٌ عن احْتِجَاج من احْتَجَّ بِقِصَّةِ عبد اللَّهِ بن جَحْشٍ وَغَيْرِهِ فإن التَّبْدِيلَ فيها كان غَيْرُ مُتَوَهَّمٍ وهو بَعْدَهُ عِنْدَ تَغَيُّرِ الناس مُتَوَهَّمٌ انْتَهَى وَهَذِهِ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةٌ في الرِّوَايَةِ أَيْضًا فَلْتَمْتَنِعْ نعم اخْتَلَفُوا في شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا هل هِيَ حَالَّةٌ مَحَلَّ السَّمَاعِ وَالصَّحِيحُ أنها مُنْحَطَّةٌ عنه وَحَكَاهُ الْحَاكِمُ عن الشَّافِعِيِّ وَصَاحِبَيْهِ الْمُزَنِيّ وَالْبُوَيْطِيُّ وَعَنْ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَعَنْ مَالِكٍ أنها مُوَازِيَةٌ لِلسَّمَاعِ وَحَكَى الْخَطِيبُ عن ابْنِ خُزَيْمَةَ أَنَّهُ قال الْإِجَازَةُ وَالْمُنَاوَلَةُ عِنْدِي كَالسَّمَاعِ الصَّحِيحِ وَأَثَرُ الْخِلَافِ يَظْهَرُ في الِاقْتِصَارِ على حدثني وَأَخْبَرَنِي الثَّانِي أنها هل تُفِيدُ تَأْكِيدًا على الْإِجَازَةِ الْمُجَرَّدَةِ فَالْمُحَدِّثُونَ على إفَادَتِهَا وَخَالَفَ في ذلك الْأُصُولِيُّونَ وَرَأَوْا أنها لَا تُفِيدُ تَأْكِيدًا صَرَّحَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن الْقُشَيْرِيّ وَالْغَزَالِيُّ قالوا الْمُنَاوَلَةُ لَيْسَتْ شَرْطًا وَلَا فيها مَزِيدُ تَأْكِيدٍ وَإِنَّمَا هِيَ زِيَادَةُ تَكَلُّفٍ أَحْدَثَهُ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ وَلَهُ أَنْ يَقُولَ نَاوَلَنِي فُلَانٌ كَذَا وَأَخْبَرَنِي وَحَدَّثَنِي مُنَاوَلَةً بِالِاتِّفَاقِ كما قَالَهُ الْهِنْدِيُّ فَلَوْ اقْتَصَرَ على قَوْلِهِ حدثني أو أخبرني فَاخْتَلَفُوا فيه وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِنُطْقِ الشَّيْخِ بِذَلِكَ وهو كَذِبٌ وَمِنْهُمْ من جَوَّزَهُ كما فِيمَا إذَا قُرِئَ عليه هو سَاكِتٌ بَلْ أَوْلَى الثَّانِيَةُ أَنْ يَتَجَرَّدَ عن الْإِجَازَةِ بِأَنْ يَقُولَ خُذْ هذا الْكِتَابَ أو نَاوَلَهُ
- بِالْفِعْلِ وَلَا يقول ارْوِهِ عَنِّي فَلَا تَجُوزُ له الرِّوَايَةُ بِالِاتِّفَاقِ الثَّالِثَةُ أَنْ يُنَاوِلَهُ الْكِتَابَ وَيَقْتَصِرَ على قَوْلِهِ هذا سَمَاعِي من فُلَانٍ وَلَا يقول ارْوِهِ عَنِّي فقال ابن الصَّلَاحِ وَالنَّوَوِيُّ لَا تَجُوزُ الرِّوَايَةُ بها على الصَّحِيحِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ وَحَكَى الْخَطِيبُ عن قَوْمٍ أَنَّهُمْ صَحَّحُوهَا قُلْت وَجَوَّزَ ابن الصَّبَّاغِ الرِّوَايَةَ بها قال الْهِنْدِيُّ وَكَلَامُ الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ صَرِيحٌ فيه وَكَلَامُ غَيْرِهِ يَدُلُّ على أَنَّهُ لَا يُسَلِّطُهُ عليها وهو الْأَظْهَرُ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قد سمع ثُمَّ تَشَكَّكَ فيه وَمَعَهُ لَا تَجُوزُ له الرِّوَايَةُ فَلَا يُرْوَى عنه هذا كُلُّهُ إذَا صَرَّحَ بِسَمَاعِهِ الْكِتَابَ فَلَوْ قال حَدِّثْ عَنِّي أو ارْوِ عَنِّي ما في الْكِتَابِ ولم يَقُلْ إنَّنِي قد سَمِعْته فَلَيْسَ له أَنْ يَرْوِيَ عنه كما جَزَمَ بِهِ أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ وَغَيْرُهُ لِأَنَّ شَرْطَ الرِّوَايَةِ السَّمَاعُ أو ما يَجْرِي مَجْرَاهُ وهو غَيْرُ حَاصِلٍ فيه قال الْهِنْدِيُّ وَإِنَّمَا يَجُوزُ لِلشَّيْخِ التَّصْرِيحُ بِالسَّمَاعِ إذَا عَلِمَ أَنَّ النُّسْخَةَ الْمُشَارَ إلَيْهَا هِيَ النُّسْخَةُ التي سَمِعَهَا بِعَيْنِهَا أو عَلِمَ مُوَافَقَتَهَا لها بِالْمُقَابَلَةِ الْمُتْقَنَةِ فَأَمَّا إذَا لم يَعْلَمْ ذلك لم يَجُزْ له فَعَلَى هذا إذَا سمع الشَّيْخُ نُسْخَةً من كِتَابِ الْبُخَارِيِّ مَثَلًا فَلَيْسَ له أَنْ يَقُولَ ذلك بِالنِّسْبَةِ إلَى نُسْخَةٍ أُخْرَى منه إلَّا بِشَرْطِهِ السَّابِقِ لِأَنَّ النُّسَخَ تَتَفَاوَتُ فَعَلَى هذا لَا يَنْبَغِي له أَنْ يَرْوِيَ إلَّا ما يَقْطَعُ بِسَمَاعِهِ وَحِفْظِهِ وَضَبْطِهِ إلَى وَقْتِ الْأَدَاءِ بِحَيْثُ يَقْطَعُ أَنَّ ما أَدَّاهُ هو مَعْنَى ما سَمِعَهُ من غَيْرِ تَفَاوُتٍ فَإِنْ شَكَّ في شَيْءٍ من ذلك لم يَجُزْ له الرِّوَايَةُ وَإِنْ غَلَبَ على ظَنِّهِ فَفِيهِ خِلَافٌ فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ الْمُنَاوَلَةُ حَقِيقَةٌ فِيمَا يُعْطَى بِالْيَدِ وَهِيَ صِيغَةٌ اسْتَعْمَلَهَا الْمُحَدِّثُونَ في بَعْضِ أَنْوَاعِ الرِّوَايَةِ وَجَعَلُوا الْمُنَاوَلَةَ الْإِشَارَةَ وَالْإِخْبَارَ فإذا وُجِدَ فَقَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ الْمُسَوِّغُ لِلرِّوَايَةِ وَإِنْ حَصَلَتْ الْمُنَاوَلَةُ وَحْدَهَا فَلَا عِبْرَةَ بها نعم لو كان مُنَاوَلَةً من غَيْرِ الْإِعْطَاءِ فَفِي جَوَازِهِ نَظَرٌ الثَّانِيَةُ نَازَعَ الْعَبْدَرِيّ في إفْرَادِ الْمُنَاوَلَةِ وقال لَا مَعْنَى لها حتى يَقُولَ أَجَزْت لَك أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي وَحِينَئِذٍ فَهِيَ قِسْمٌ من أَقْسَامِ الْإِجَازَةِ وَهِيَ جَارِيَةٌ على طَرِيقِ الْأُصُولِيِّينَ من إنْكَارِ مَزِيدِ التَّأْكِيدِ فيها
- حُكْمُ الْعَمَلِ بِالْإِجَازَةِ الرَّابِعَةُ الْإِجَازَةُ بِأَنْ يَقُولَ أَجَزْت لَك أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي هذا الحديث بِعَيْنِهِ أو هذا الْكِتَابَ وقد اخْتَلَفُوا في جَوَازِ الْعَمَلِ بها وَالرِّوَايَةِ أَمَّا الْعَمَلُ فَالْجُمْهُورُ على الْعَمَلِ بِأَحَادِيثِ الْإِجَازَةِ وَقِيلَ كَالْمُرْسَلِ حَكَاهُ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ عن أَهْلِ الظَّاهِرِ وَحَكَى الْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ قَوْلًا غَرِيبًا أَنَّهُ يُعَوَّلُ عليها في أَحْكَامِ الْآخِرَةِ دُونَ ما سِوَاهَا وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ فيه على حُصُولِ الثِّقَةِ بِالْخَبَرِ وَهِيَ هَاهُنَا حَاصِلَةٌ وَلِأَنَّهُ إذَا تَحَقَّقَ سَمَاعُ الشَّيْخِ ثُمَّ ذَكَرَ الْمُتَلَقِّي منه سَمَاعُهُ وَسَوَّغَ له إسْنَادَ مَسْمُوعَاتِهِ إلَى أَخْبَارِهِ فَلَا فَرْقَ بين أَنْ يُعَلِّقَ الْأَخْبَارَ بها جُمْلَةً أو تَفْصِيلًا وَأَمَّا الرِّوَايَةُ فَحَكَى الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وَالْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُمَا من الْأُصُولِيِّينَ الِاتِّفَاقَ وَلَكِنْ فيه مَذَاهِبُ مَذَاهِبُ الْعُلَمَاءِ في الرِّوَايَةِ بِالْإِجَازَةِ أَحَدُهَا الْمَنْعُ وَبِهِ قال شُعْبَةُ وقال لو صَحَّتْ الْإِجَازَةُ لَبَطَلَتْ الرِّحْلَةُ وأبو زُرْعَةَ الرَّازِيَّ وقال لو صَحَّتْ لَذَهَبَ الْعِلْمُ وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ وأبو الشَّيْخِ الْأَصْفَهَانِيُّ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ مِنَّا وأبو طَاهِرٍ الدَّبَّاسِيُّ من الْحَنَفِيَّةِ وقال من قال لِغَيْرِهِ أَجَزْت لَك أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي فَكَأَنَّهُ قال أَجَزْت لَك أَنْ تَكْذِبَ عَلَيَّ وَكَذَا قال ابن حَزْمٍ في كِتَابِ الْإِحْكَامِ وقال إنَّهَا بِدْعَةٌ غَيْرُ جَائِزَةٍ وقال غَيْرُهُ تَقْدِيرُ أَجَزْت لَك أَبَحْتُ لَك ما لَا يَجُوزُ في الشَّرْعِ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَا يُبِيحُ رِوَايَةَ ما لم يَسْمَعْ وَحَكَى ابن وَهْبٍ عن مَالِكٍ قال لَا أَرَى هذا يَجُوزُ وَلَا يُعْجِبُنِي وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وابن السَّمْعَانِيِّ عن الشَّافِعِيِّ يَعْنِي لِأَنَّ الرَّبِيعُ قال هَمَّ الشَّافِعِيُّ بِالْخُرُوجِ من مِصْرَ وكان قد فَاتَنِي من الْبُيُوعِ من كِتَابِ الشَّافِعِيِّ ثَلَاثُ وَرَقَاتٍ فَقُلْت له أَجِزْهَا لي قال فَاقْرَأْهَا عَلَيَّ كما قُرِئَ عَلَيَّ وَرَدَّدَ عَلَيَّ ذلك حتى أَذِنَ اللَّهُ فَجَلَسَ وَقُرِئَ عليه وَسَمِعْنَاهُ بَعْدَ ذلك وَتُوُفِّيَ عِنْدَنَا وفي
- رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ عن شَيْخِهِ الْحَاكِمِ بِزِيَادَةٍ يَعْنِي أَنَّهُ كَرِهَ الْإِجَازَةَ قال الْبَيْهَقِيُّ كَذَا في الْحِكَايَةِ يَعْنِي أَنَّهُ كَرِهَ الْإِجَازَةَ قال الْحَاكِمُ فَرَضِيَ اللَّهُ عن الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ لقد كَرِهَ الْمَكْرُوهَ عِنْدَ أَكْثَرِ أَئِمَّةِ هذا الشَّأْنِ ثُمَّ عَابَ شَيْخُنَا رِوَايَةَ ما أُجِيزَ له بِأَخْبَرَنَا وَحَدَّثَنَا قال وَبِمِثْلِهِ يَذْهَبُ بَهَاءُ الْعِلْمِ وَالسَّمَاعِ وَالرِّحْلَةِ الثَّانِي وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ الصِّحَّةُ وَحَمَلُوا كَلَامَ الْمَانِعِينَ على الْكَرَامَةِ قال الْخَطِيبُ وقد ثَبَتَ عن مَالِكٍ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الرِّوَايَةِ بِأَحَادِيثِ الْإِجَازَةِ فَدَلَّ على أَنَّ مَنْعَهُ إنَّمَا هو وَجْهُ الْكَرَاهَةِ أَنْ يُجِيزَ الْعِلْمَ لِمَنْ ليس أَهْلَهُ وَلَا خَدَمَهُ وَلَا عَانَى التَّعَبَ وَلِهَذَا قال إنَّمَا يُرِيدُ أحدكم أَنْ يُقِيمَ الْمَقَامَ الْيَسِيرَ وَيَحْمِلَ الْعِلْمَ الْكَثِيرَ قال وَكَذَلِكَ الْمَنْقُولُ عن الشَّافِعِيِّ كَرَاهَةُ الِاتِّكَالِ على الْإِجَازَةِ بَدَلًا عن السَّمَاعِ وقد قال الْكَرَابِيسِيُّ لَمَّا كان قَدْمَةُ الشَّافِعِيُّ الثَّانِيَةِ إلَى بَغْدَادَ آتَيْته فَقُلْت له أَتَأْذَنُ لي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْك الْكُتُبَ قال خُذْ كُتُبَ الزَّعْفَرَانِيِّ فَانْسَخْهَا فَقَدْ أَجَزْتُهَا لَك فَأَخَذْتُهَا إجَازَةً قُلْت هذا من قَوْلِهِ في الْقَدِيمِ وَالْأَوَّلُ من قَوْلِهِ في الْجَدِيدِ فَكَيْفَ يُقْضَى لِلْقَدِيمِ على الْجَدِيدِ نعم الْمَنْقُولُ عن الْجَدِيدِ ليس صَرِيحًا في الْمَنْعِ فَلَا تَعَارُضَ وقد رَوَى الرَّبِيعُ عن الشَّافِعِيِّ الْإِجَازَةَ لِمَنْ بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ وَالثَّالِثُ يَجُوزُ بِشَرْطِ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ أُصُولَهُ أو فُرُوعًا كُتِبَتْ عنها وَيَنْظُرُ فيها وَيُصَحِّحُهَا حَكَاهُ الْخَطِيبُ عن أَحْمَدَ بن صَالِحٍ وَالرَّابِعُ إنْ كان الْمُجِيزُ وَالْمُسْتَجِيزُ كِلَاهُمَا يَعْلَمَانِ ما في الْكِتَابِ من الْأَحَادِيثِ جَازَ وَإِلَّا فَلَا وهو اخْتِيَارُ أبي بَكْرٍ الرَّازِيَّ من الْحَنَفِيَّةِ وَنَقَلُوهُ عن مَالِكٍ فإنه شَرَطَ في الْمُجِيزِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمَا يُجِيزُ وفي الْمُجَازِ له أَنْ يَكُونَ من أَهْلِ الْعِلْمِ فَعَلَى هذا لَا تَجُوزُ الْإِجَازَةُ بِكُلِّ ما ثَبَتَ أَنَّهُ من مَسْمُوعِ الشَّيْخِ ضَرُورَةً أَنَّهُمَا لَا يَعْلَمَانِ جَمِيعَ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ وَالْخَامِسُ لَا تَصِحُّ إلَّا بِالْمُخَاطَبَةِ فَإِنْ خَاطَبَهُ بها صَحَّ وَإِلَّا فَلَا حَكَاهُ أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ في كِتَابِهِ الْأُصُولِ التَّفْرِيعُ إنْ قُلْنَا بِالْجَوَازِ فَاخْتَلَفُوا في مَسَائِلَ إحْدَاهَا هل تَجُوزُ مُطْلَقًا أو بِشَرْطٍ فَأَطْلَقَ الْأَكْثَرُونَ وَسَبَقَ عن مَالِكٍ اشْتِرَاطُ عِلْمِ الْمُجِيزِ وَالْمُجَازِ له وَعَلَى هذا قال ابن عبد الْبَرِّ لَا تَجُوزُ الْإِجَازَةُ إلَّا لِمَاهِرٍ
- بِالصِّنَاعَةِ وفي شَيْءٍ مُعَيَّنٍ لَا يُشْكِلُ إسْنَادُهُ وَقَسَّمَ إلْكِيَا الطَّبَرِيُّ الْإِجَازَةَ إلَى قِسْمَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَعْلَمَ الْمُجَازُ له ما في الْكِتَابِ فَلَهُ الرِّوَايَةُ بها وَالثَّانِي لَا يَعْلَمُ وَلَكِنْ قال الشَّيْخُ أَجَزْت لَك أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي فَلَا تَحِلُّ الرِّوَايَةُ إذَا كان الْكِتَابُ يَحْتَمِلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ قال وَإِنْ لم يَحْتَمِلْهُمَا فَالْمُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لم يَسْمَعْ ولم يَعْلَمْ وإذا كان لَا تَحِلُّ الرِّوَايَةُ له إذَا سمع ولم يَعْلَمْ فَهَذَا أَوْلَى وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ يَرْوِي عنه ما صَحَّ عِنْدَهُ من مَسْمُوعَاتِهِ تَوْسِعَةً لِلْأَمْرِ وَدَفْعًا لِلْحَرَجِ على تَقْدِيرِ أَنَّهُ أخبره بِمَا في الْكِتَابِ إخْبَارًا إجْمَالِيًّا كما إذَا أَرْسَلَ إلَيْهِ كِتَابًا مُشْتَمِلًا على عِدَّةِ مُهِمَّاتٍ انْتَهَى وقال أبو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ لَا تَحِلُّ الرِّوَايَةُ بِالْإِجَازَةِ حتى يَعْلَمَ الْمُجَازُ له ما في الْكِتَابِ ثُمَّ يقول لِلرَّاوِي أَتَعْلَمُ ما فيه فيقول نعم ثُمَّ يُجِيزُ له أَنْ يَرْوِيَهُ قُلْت وَعَلَى هذا فَلَا تَصِحُّ الْإِجَازَةُ إلَّا لِمَنْ يَصِحُّ سَمَاعُهُ وَحَكَاهُ الْخَطِيبُ عن بَعْضِهِمْ وَأَنَّهُ مَنَعَ صِحَّةَ الْإِجَازَةِ لِلطِّفْلِ قال وَسَأَلْت الْقَاضِيَ أَبَا الطَّيِّبِ الطَّبَرِيّ هل يُعْتَبَرُ في صِحَّتِهَا سِنُّهُ أو تَمْيِيزُهُ كما يُعْتَبَرُ ذلك في صِحَّةِ سَمَاعِهِ فقال لَا يُعْتَبَرُ ذلك الثَّانِيَةُ أنها دُونَ السَّمَاعِ على الصَّحِيحِ وقال الْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ كَالسَّمَاعِ لِأَنَّ الثِّقَةَ هِيَ الْمَطْلُوبَةُ وهو غَرِيبٌ الثَّالِثَةُ أَنَّهُ يقول فيها حدثني وَأَخْبَرَنِي وَذَكَرَ الْمَازِرِيُّ عن ابْنِ خُوَيْزٍ مَنْدَادٍ إنَّا إذَا قُلْنَا بِالْجَوَازِ أُطْلِقَ ذلك وَإِنْ قُلْنَا بِالْكَرَاهَةِ لم يَقُلْ إلَّا أَجَازَنِي أو حدثني أو أخبرني إجَازَةً وقال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ في شَرْحِ الْعُنْوَانِ الْحَقُّ في ذلك أَنْ يُعْتَبَرَ لَفْظُ الرِّوَايَةِ بِالْإِجَازَةِ وَيُنْظَرَ مُطَابَقَتُهُ لِنَفْسِ الْأَمْرِ بِحَسَبِ مُقْتَضَى الْوَضْعِ فَإِنْ كان الْوَضْعُ لَا يَمْنَعُهُ جَازَ وَإِلَّا فَلَا فَقَوْلُهُ حدثنا بَعِيدٌ جِدًّا وَيَلِيهِ قَوْلُهُ أخبرنا وَأَجْوَدُ الْعِبَارَاتِ في الْإِجَازَةِ أَنْ يُقَالَ أَجَازَ لنا فُلَانٌ أو كَتَبَ إلَيْنَا إنْ كان كِتَابَةً لِأَنَّهُ إخْبَارٌ صَحِيحٌ ا هـ وقال أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ في الْإِجَازَةِ يَحْكِيهِ على ما قَالَهُ الشَّيْخُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ حدثنا أو أخبرنا قال وَذَهَبَ إلَى هذا أبو بَكْرٍ ا هـ وقال الْمَازِرِيُّ هل يقول حدثني وَأَخْبَرَنِي مُطْلَقًا منهم من أَجَازَهُ
- وَمِنْهُمْ من مَنَعَهُ حتى يُقَيِّدَهُ بِالْإِجَازَةِ وَاخْتَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ الْأَوْلَى التَّصْرِيحُ بِهِ وَإِنْ صَدَّقَهُ فَلَا لَبْسَ فيه وَحَكَاهُ عنه ابن الْقُشَيْرِيّ وَأَقَرَّهُ وقال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ يَتَعَيَّنُ عليه أَجَازَنِي وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجُوزَ أخبرني وَحَدَّثَنِي وَهِيَ أَنْوَاعٌ أَحَدُهَا أَنْ يُجِيزَ بِمُعَيَّنٍ لِمُعَيَّنٍ بِأَنْ يَقُولَ أَجَزْت لَك الْكِتَابَ الْفُلَانِيَّ وهو أَعْلَاهَا وَثَانِيهَا لِمُعَيَّنٍ في غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَقَوْلِهِ أَجَزْت لَك أو لَكُمْ جَمِيعَ مَسْمُوعَاتِي وَالْخِلَافُ في هذا أَقْوَى من الْأَوَّلِ وَالْجُمْهُورُ على تَجْوِيزِهِ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِيمَا إذَا قال أَجَزْت لَك أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي ما صَحَّ عِنْدِي من مَسْمُوعَاتِي فَهَذِهِ إجَازَةٌ مُرَتَّبَةٌ على عَمَايَةٍ وَيَبْعُدُ أَنْ يَحْصُلَ الْعِلْمُ لِهَذَا الْفَرْعِ بِصِحَّةِ سَمَاعِ الشَّيْخِ إلَّا بِالتَّعْوِيلِ على خُطُوطٍ مُشْتَمِلَةٍ على سَمَاعِ الشَّيْخِ قال وَإِنْ رَأَى في ذلك مُقْنِعًا فَإِنْ تَحَقَّقَ ظُهُورُ سَمَاعِ مَوْثُوقٍ بِهِ فَإِذْ ذَاكَ وَهَيْهَاتَ وَثَالِثُهَا أَنْ يُجِيزَ مُعَيَّنٌ لِمُعَيَّنٍ بِوَصْفِ الْعُمُومِ مِثْلُ أَجَزْت لِلْمُسْلِمِينَ أو لِمَنْ أَدْرَكَ حَيَاتِي فَمَنَعَهُ جَمَاعَةٌ وَجَوَّزَهُ الْخَطِيبُ وَغَيْرُهُ وَجَوَّزَ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ الْإِجَازَةَ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ لِمَنْ كان مَوْجُودًا فِيهِمْ عِنْدَ الْإِجَازَةِ وَرَابِعُهَا الْإِجَازَةُ لِلْمَجْهُولِ أو بِالْمَجْهُولِ مِثْلُ أَجَزْت لِمُحَمَّدِ بن خَالِدٍ الدِّمَشْقِيِّ وفي وَقْتِهِ ذلك جَمَاعَةٌ مُشْتَرِكُونَ في هذا الِاسْمِ وَالنَّسَبِ ثُمَّ لَا يُعَيِّنُ الْمُجَازَ له أو يقول أَجَزْت لِفُلَانٍ أَنْ يَرْوِيَ عَنِّي كِتَابَ السُّنَنِ وهو يَرْوِي جَمَاعَةٌ من كُتُبِ السُّنَنِ الْمَعْرُوفَةِ بِذَلِكَ وَلَا قَرِينَةَ تَصْرِفُ لِبَعْضِهَا فَهِيَ إجَازَةٌ فَاسِدَةٌ وَلَا فَائِدَةَ لها هَكَذَا قَالَهُ ابن الصَّلَاحِ وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ في الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ بِالْجَوَازِ وَيَسْتَبِيحُ رِوَايَتَهُ جَمِيعَهَا لِأَنَّ اللَّفْظَ ظَاهِرٌ في الْعُمُومِ وَلَا مَانِعَ فيه خَامِسُهَا الْإِجَازَةُ الْمُعَلَّقَةُ بِشَرْطٍ مِثْلُ أَجَزْت لِمَنْ شَاءَ فُلَانٌ أو نَحْوُهُ وهو كَالنَّوْعِ الرَّابِعِ وَفِيهِ جَهَالَةٌ وَتَعْلِيقٌ بِشَرْطٍ وقد أَفْتَى أبو الطَّيِّبِ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ إجَازَةٌ لِمَجْهُولٍ فَصَارَ كَقَوْلِهِ أَجَزْت لِبَعْضِ الناس وَجَوَّزَهُ أبو يَعْلَى بن الْفَرَّاءِ وأبو الْفَضْلِ بن عَمْرُوسٍ الْمَالِكِيُّ وَسَادِسُهَا الْإِجَازَةُ بِمَا لم يَسْمَعْهُ الْمُجِيزُ ولم يَتَحَمَّلْهُ فِيمَا مَضَى لِرِوَايَةِ الْمُجَازِ له إذَا تَحَمَّلَهُ الْمُجِيزُ بَعْدَ ذلك قال ابن الصَّلَاحِ يَنْبَغِي أَنْ يُبْنَى ذلك على أَنَّ الْإِجَازَةَ في حُكْمِ الْإِخْبَارِ بِالْمُجَازِ جُمْلَةً أو هِيَ إذْنٌ فَلَا يَصِحُّ إنْ جُعِلَتْ في حُكْمِ الْإِخْبَارِ إذْ
- كَيْفَ يُجِيزُ ما لَا خَبَرَ عِنْدَهُ منه وَإِنْ جُعِلَتْ إذْنًا بُنِيَ على الْخِلَافِ في تَصْحِيحِ الْوَكَالَةِ فِيمَا لم يَمْلِكْهُ الْمُوَكِّلُ وَالصَّحِيحُ بُطْلَانُ هذه الْإِجَازَةِ سَابِعُهَا إجَازَةُ الْمُجَازِ مِثْلُ أَجَزْت لَك مُجَازَاتِي أو رِوَايَةَ ما أُجِيزَ لي رِوَايَتُهُ وقد مَنَعَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ وقد كان الْفَقِيهُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ يَرْوِي بِالْإِجَازَةِ عن الْإِجَازَةِ ثَامِنُهَا الْإِذْنُ في الْإِجَازَةِ وَهَذَا مِثْلُ أَنْ يَقُولَ أَذِنْت لَك أَنْ تُجِيزَ عَنِّي من شِئْت وَهَذَا نَوْعٌ لم يَذْكُرُوهُ وَلَكِنَّهُ وَقَعَ في عَصْرِنَا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَصِحُّ كما لو قال وَكِّلْ عَنِّي تَاسِعُهَا الْإِجَازَةُ لِمَنْ ليس أَهْلًا لها حين الْإِجَازَةِ وهو يَشْمَلُ صُوَرًا منها الصَّبِيُّ وقد قال الْخَطِيبُ سَأَلْت الْقَاضِيَ أَبَا الطَّيِّبَ هل يُعْتَبَرُ في صِحَّةِ الْإِجَازَةِ لِلطِّفْلِ الصَّغِيرِ سِنُّهُ أو تَمْيِيزُهُ كما يُعْتَبَرُ ذلك في صِحَّةِ سَمَاعِهِ فقال لَا يُعْتَبَرُ ذلك فَقُلْت له إنَّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا قال لَا تَصِحُّ الْإِجَازَةُ لِمَنْ لَا يَصِحُّ سَمَاعُهُ فقال قد يَصِحُّ أَنْ يُجِيزَ لِلْغَائِبِ عنه وَلَا يَصِحُّ السَّمَاعُ له وَاحْتَجَّ الْخَطِيبُ بِأَنَّ الْإِجَازَةَ إنَّمَا هِيَ إبَاحَةُ الْمُجِيزِ لِلْمُجَازِ له أَنْ يَرْوِيَ عنه وَالْإِبَاحَةُ تَصِحُّ لِلْمُكَلَّفِ وَغَيْرِهِ وَمِنْهَا الْمَجْنُونُ وَهِيَ صَحِيحَةٌ له ذَكَرَهُ الْخَطِيبُ وَمِنْهَا الْكَافِرُ وقد صَحَّحُوا تَحَمُّلَهُ إذَا أَدَّاهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَقِيَاسُ إجَازَتِهِ كَذَلِكَ وقد وَقَعَتْ هذه الْمَسْأَلَةُ في زَمَنِ الْحَافِظِ أبي الْحَجَّاجِ الْمِزِّيِّ وكان طَبِيبٌ يُسَمَّى عَبْدَ السَّيِّدِ بن الزَّيَّاتِ وَسَمِعَ الحديث في حَالِ يَهُودِيَّتِهِ على أبي عبد اللَّهِ مُحَمَّدِ بن عبد الْمُؤْمِنِ الصُّورِيِّ وَكَتَبَ اسْمَهُ في طَبَقَةِ السَّمَاعِ مع السَّامِعِينَ وَأَجَازَ ابن عبد الْمُؤْمِنِ لِمَنْ سمع وهو من جُمْلَتِهِمْ وكان السَّمَاعُ وَالْإِجَازَةُ بِحُضُورِ الْمِزِّيِّ وَبَعْضُ السَّمَاعِ بِقِرَاءَتِهِ ثُمَّ هَدَى اللَّهُ ابْنَ عبد السَّيِّدِ الْمَذْكُورِ لِلْإِسْلَامِ وَحَدَّثَ وَتَحَمَّلَ الطَّالِبُونَ عنه وَمِنْهَا الْإِجَازَةُ لِلْفَاسِقِ وَالْمُبْتَدِعِ وَلَا شَكَّ في جَوَازِهَا وَأَوْلَى من الْكَافِرِ وَمِنْهَا الْإِجَازَةُ لِلْحَمْلِ ولم أَرَ فيه نَقْلًا غير أَنَّ الْخَطِيبَ قال لم نَرَهُمْ أَجَازُوا لِمَنْ لم يَكُنْ مَوْلُودًا في الْحَالِ ولم يَتَعَرَّضُوا لِكَوْنِهِ إذَا وَقَعَ هل تَصِحُّ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ من الْمَعْدُومِ وَيَقْوَى إذَا أُجِيزَ له تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ وَيُحْمَلُ بِنَاؤُهُ على أَنَّ الْحَمْلَ هل يُعْلَمُ أَمْ لَا فَإِنْ قُلْنَا لَا يُعْلَمُ كانت كَالْإِجَازَةِ لِلْمَجْهُولِ فَيَجْرِي فيه الْخِلَافُ وَإِنْ قُلْنَا يُعْلَمُ وهو الْأَصَحُّ صَحَّتْ وَمِنْهَا الْإِجَازَةُ لِلْمَعْدُومِ أَيْضًا كَقَوْلِهِ أَجَزْت لِمَنْ يُولَدُ لِفُلَانٍ جَوَّزَهُ ابن
- الْفَرَّاءِ وابن عَمْرُوسٍ وَالْخَطِيبُ قال ابن الصَّبَّاغِ وَمَأْخَذُهُمْ اعْتِقَادُ أَنَّ الْإِجَازَةَ إذْنٌ في الرِّوَايَةِ لَا مُحَادَثَةٌ وَالصَّحِيحُ الذي اتَّفَقَ عليه رَأْيُ الْقَاضِي أبي الطَّيِّبِ أنها لَا تَصِحُّ أَمَّا إجَازَتُهُ عَطْفًا على الْحَيِّ كَقَوْلِهِ أَجَزْت لَك وَلِوَلَدِك فَهِيَ إذْنٌ إلَى الْجَوَازِ أَوْلَى وَلِهَذَا أَجَازَهُ أَصْحَابُنَا في الْوَقْفِ مَسْأَلَةٌ شَرْطُ صِحَّةِ الْإِجَازَةِ وإذا جَوَّزْنَا الْإِجَازَةَ فَالشَّرْطُ تَحَقُّقُ رِوَايَةِ الشَّيْخِ لِمَا أَجَازَهُ فَلَوْ لم يَعْلَمْ وَلَكِنَّهُ ظَنَّ فَهَلْ يُعْمَلُ بِمُقْتَضَاهَا قال الشَّافِعِيُّ وأبو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ نعم وقال أبو حَنِيفَةَ لَا كَذَا نَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ قال فَلَوْ شَكَّ في الرِّوَايَةِ لم يَجُزْ قَطْعًا وَكَذَا لو الْتَبَسَ عليه الْمَرْوِيُّ بِغَيْرِهِ لم تَحِلَّ له رِوَايَةُ شَيْءٍ من الْمُخْتَلَطِ وَاَلَّذِي رَأَيْته في كُتُبِ الْحَنَفِيَّة أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدًا شَرَطَا في الْإِجَازَةِ وَالْمُنَاوَلَةِ عِلْمَ الْمُجِيزِ بِمَا أَجَازَ فَإِنْ لم يَعْلَمْ ما فيه لَا يَجُوزُ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ كما في كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَهَذَا لِخَطَرِ أَمْرِ السُّنَّةِ وَتَصْحِيحُ الْإِجَازَةِ من غَيْرِ عِلْمٍ قَبِيحٌ وقال شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ في كِتَابِهِ شَرْطُ الْإِجَازَةِ أَنْ يَكُونَ ما في الْكِتَابِ مَعْلُومًا لِلْمُجَازِ وَالْمُجِيزُ من أَهْلِ الضَّبْطِ وَالْإِتْقَانِ فَإِنْ كان الْمُسْتَجِيزُ غير عَالِمٍ بِمَا في الْكِتَابِ فَقَدْ قال بَعْضُ مَشَايِخِنَا إنَّ قَوْلَ أبي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ لَا يَصِحُّ وَعَلَى قَوْلِ أبي يُوسُفَ يَصِحُّ قال وَالْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّ هذه الْإِجَازَةَ لَا تَصِحُّ في قَوْلِهِمْ جميعا
- فَصْلٌ في الْمُرْسَلِ من الحديث شَرْطُ صِحَّةِ الْإِسْنَادِ الِاتِّصَالُ فَالْمُنْقَطِعُ ليس بِحُجَّةٍ قَطْعًا وَأَمَّا الْمُرْسَلُ وهو تَرْكُ التَّابِعِيِّ ذِكْرَ الْوَاسِطَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم كَقَوْلِ سَعِيدِ بن الْمُسَيِّبِ قال رسول اللَّهِ فَلَوْ سَقَطَ وَاحِدٌ قبل التَّابِعِيِّ كَقَوْلِ الرَّاوِي عن ابْنِ الْمُسَيِّبِ قال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَهُوَ مُنْقَطِعٌ وَإِنْ سَقَطَ أَكْثَرُ سُمِّيَ مُعْضَلًا هذه طَرِيقَةُ جُمْهُورِ الْمُحَدِّثِينَ وَعِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ الْمُرْسَلُ قَوْلُ من لم يَلْقَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قال رسول اللَّهِ سَوَاءٌ التَّابِعِيُّ أَمْ تَابِعُ التَّابِعِيِّ فَمَنْ بَعْدَهُ فَتَعْبِيرُ الْأُصُولِيِّينَ أَعَمُّ قال الْمَازِرِيُّ وهو رِوَايَةُ التِّلْمِيذِ عن شَيْخِ شَيْخِهِ كَقَوْلِ مَالِكٍ قال ابن عُمَرَ لِأَنَّهُ لم يَبْلُغْهُ وَإِنَّمَا أَخَذَ عن الْآخِذِينَ عنه وَهَذَا قد يَقَعُ من الرَّاوِي بِأَنْ يَحْذِفَ ذِكْرَ من رَوَى عنه تَصْرِيحًا وَتَلْوِيحًا وقد يَتَعَرَّضُ لِذِكْرِهِ ذِكْرًا لَا يُفِيدُ فَيُسَمَّى ذلك إرْسَالًا أَيْضًا كَقَوْلِك حدثني رَجُلٌ عن فُلَانٍ وَكَذَا لو أَضَافَ إلَيْهِ الْعَدَالَةَ كَقَوْلِك حدثني عَدْلٌ وَهَذَا يَلْتَحِقُ بِالْمُرْسَلَاتِ على ما ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عن الْأُسْتَاذِ أبي بَكْرِ بن فُورَكٍ أَنَّهُ سَمَّى حَذْفَ الرَّاوِي شَيْخَهُ مُنْقَطِعًا كَقَوْلِ التَّابِعِيِّ قال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَقَوْلِ تَابِعِ التَّابِعِيِّ قال الصَّحَابِيُّ وَسَمَّى ذِكْرَهُ على الْإِجْمَالِ مُرْسَلًا مِثْلُ قَوْلِ التَّابِعِيِّ سَمِعْت رَجُلًا يقول قال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال وفي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ إشَارَةٌ إلَى هذا وَلَيْسَ فيه فَرْقٌ مَعْنَوِيٌّ وَإِنَّمَا هو اصْطِلَاحٌ وَنَازَعَهُ الْمَازِرِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ عن ابْنِ فُورَكٍ بِأَنَّ الذي في كِتَابِهِ أَنَّ الْمُرْسَلَ قَوْلُ التَّابِعِيِّ أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قال كَذَا وَكَذَا انْتَهَى فذكر أَنَّ حَقِيقَتَهُ ما حُذِفَ فيه اسْمُ الرَّاوِي ولم يَذْكُرْهُ لَا مُعَيَّنًا وَلَا مُجْمَلًا لَكِنَّ الْإِمَامَ ثِقَةٌ فِيمَا يَنْقُلُ فَلَعَلَّ الْمَازِرِيَّ سَقَطَ من نُسْخَتِهِ ذلك وقد وَافَقَهُ ابن الْقُشَيْرِيّ على هذا النَّقْلِ ولم يُنْكِرْهُ وقال أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ الْمُرْسَلُ رِوَايَةُ التَّابِعِيِّ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أو يَرْوِي
- رَجُلٌ عَمَّنْ لم يَرَهُ ولم يَكُنْ في زَمَانِهِ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ في شَرْحِ التَّرْتِيبِ هو رِوَايَةُ التَّابِعِيِّ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أو تَابِعِ التَّابِعِيِّ عن الصَّحَابِيِّ فَأَمَّا إذَا قال تَابِعُ التَّابِعِيِّ أو وَاحِدٌ مِنَّا قال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَلَا يُفِيدُ شيئا وَلَا يَقَعُ بِهِ تَرْجِيحٌ فَضْلًا عن الِاحْتِجَاجِ وهو ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ بَرْهَانٍ ا هـ وَقِيلَ الْمُرْسَلُ ما رَفَعَهُ التَّابِعِيُّ الْكَبِيرُ وَمَرَاسِيلُ صِغَارِهِمْ تُسَمَّى مُنْقَطِعَةً حَكَاهُ ابن عبد الْبَرِّ عن قَوْمٍ وَقِيلَ ما سَقَطَ رَاوٍ من إسْنَادِهِ فَأَكْثَرَ من أَيِّ مَوْضِعٍ كان فَعَلَى هذا الْمُرْسَلُ وَالْمُنْقَطِعُ وَاحِدٌ وقال ابن الْقَطَّانِ رِوَايَتُهُ عَمَّنْ لم يَسْمَعْ منه فَعَلَى هذا من رَوَى عَمَّنْ سمع منه ما لم يَسْمَعْ منه بَلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَاسِطَةٌ ليس بِإِرْسَالٍ بَلْ تَدْلِيسٌ إذَا عَلِمْت هذا فَلَا خِلَافَ في جَوَازِ إرْسَالِ الحديث كَقَوْلِ مَالِكٍ بَلَغَنِي عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَقَوْلِ الْوَاحِدِ قال مَالِكٌ قال الشَّافِعِيُّ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ إذَا وَقَعَ هل يَلْزَمُ قَبُولُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ حُكْمُ الْعَمَلِ بِالْمُرْسَلِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى ضَعْفِهِ وَسُقُوطِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ وَنَقَلَهُ مُسْلِمٌ في صَدْرِ صَحِيحِهِ عن قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ لِاحْتِمَالِ سَمَاعِهِ من بَعْضِ التَّابِعِينَ أو مِمَّنْ لَا يُوثَقُ بِصُحْبَتِهِ وقال بِقَبُولِهِ مَالِكٌ وأبو حَنِيفَةَ وَكَذَا أَحْمَدُ في أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عنه وَجُمْهُورُ الْمُعْتَزِلَةِ منهم أبو هَاشِمٍ وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ ثُمَّ غَالَ بَعْضُ الْقَائِلِينَ بِكَوْنِهِ حُجَّةً فَزَعَمَ أَنَّهُ أَقْوَى من الْمُسْنَدِ لِثِقَةِ التَّابِعِيِّ بِصِحَّتِهِ في إرْسَالِهِ وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْوَاضِحِ عن أبي يُوسُفَ وَغَالَ بَعْضُ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ ليس بِحُجَّةٍ فَأَنْكَرَ مُرْسَلَ الصَّحَابَةِ إذَا احْتَمَلَ سَمَاعَهُ من تَابِعِيٍّ قال الْآمِدِيُّ وَفَصَّلَ عِيسَى بن أَبَانَ فَقَبِلَ مَرَاسِيلَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِي التَّابِعِينَ وَمَنْ هو من أَئِمَّةِ النَّقْلِ مُطْلَقًا دُونَ من سِوَاهُمْ وَكَذَا نَقَلَهُ عنه أبو الْحُسَيْنِ في الْمُعْتَمَدِ وَالسَّرَخْسِيُّ في عُيُونِ الْمَسَائِلِ وقال إنَّمَا يَعْنِي بِهِ إذَا حَمَلَ الناس عنه الْعِلْمَ وَجَبَ قَبُولُ مُرْسَلِهِ وقال بَعْضُهُمْ أَرَادَ ابن أَبَانَ بِحَمْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ قَبُولَهُمْ منه لَا على السَّمَاعِ قال وَمَنْ حَمَلَ الناس عنه الحديث الْمُسْنَدَ ولم يَحْمِلُوا عنه الْمُرْسَلَ فَمُرْسَلُهُ مَوْقُوفٌ ا ه
- وَهَذَا هو اخْتِيَارُ ابْنِ الْحَاجِبِ حَيْثُ قال إنْ كان من أَئِمَّةِ النَّقْلِ قُبِلَ وَإِلَّا فَلَا لنا أَنَّهُ لو قُبِلَ الْحَدِيثُ بِلَا إسْنَادٍ لَفَسَدَ الدِّينُ وَلِذَلِكَ قال ابن الْمُبَارَكِ لَوْلَا الْأَسَانِيدُ لَقَالَ من شَاءَ ما شَاءَ وَلِأَنَّ الرَّاوِيَ قد يُرْسِلُ عَمَّنْ هو مَقْبُولٌ عِنْدَهُ وَمَجْرُوحٌ عِنْدَ غَيْرِهِ فَلَا بُدَّ من الْقَسْمِ أَلَا تَرَى أَنَّ التَّعْدِيلَ لِلْحَاكِمِ لَا إلَى غَيْرِهِ فَكُلُّ الْعَدَالَةِ إنَّمَا هِيَ على ما عِنْدَ الْمَرْوِيِّ له لَا على ما عِنْدَ الرَّاوِي لِأَنَّ مَذَاهِبَ الناس مُخْتَلِفَةٌ في الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ هذا أبو حَنِيفَةَ يقول ما رَأَيْت أَحَدًا أَكْذَبَ من جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ ما الْتَبَسَتْ عليه مَسْأَلَةٌ إلَّا قال حدثني وما رَأَيْت أَحَدًا أَصْدَقَ من عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ وَالْحَارِثِ الْأَعْوَرِ وَكَانَا عِنْدَ غَيْرِهِ من الضُّعَفَاءِ وَبِهَذَا الطَّرِيقِ لم يَقْبَلْ شَهَادَةَ شُهُودِ الْفَرْعِ من الْمَجَاهِيلِ إلَّا أَنْ يُعَيِّنُوا أَسَامِيَهُمْ فَيَبْحَثَ عن أَحْوَالِهِمْ فَإِنْ قِيلَ الشَّهَادَةُ مَخْصُوصَةٌ بِالِاحْتِيَاطِ قُلْنَا فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْعَدَالَةِ سَوَاءٌ وَأَمَّا كَلَامُ الْمُحَدِّثِينَ فقال ابن عبد الْبَرِّ لَا خِلَافَ في أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِالْمُرْسَلِ إذَا كان مُرْسِلُهُ غير مُحْتَرِزٍ يُرْسِلُ عن غَيْرِ الثِّقَاتِ قال وَهَذَا الِاسْمُ وَاقِعٌ بِالْإِجْمَاعِ على حديث التَّابِعِيِّ الْكَبِيرِ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم مِثْلُ أَنْ يَقُولَ عُبَيْدُ اللَّهِ بن عَدِيِّ بن الْخِيَارِ وأبو أُمَامَةَ بن سَهْلِ بن حُنَيْفٍ أو عبد اللَّهِ بن عَامِرِ بن رَبِيعَةَ وَمَنْ كان مِثْلَهُمْ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَكَذَلِكَ من دُونَ هَؤُلَاءِ كَسَعِيدِ بن الْمُسَيِّبِ وَسَالِمِ بن عبد اللَّهِ وَأَبِي سَلَمَةَ بن عبد الرحمن وَالْقَاسِمِ بن مُحَمَّدٍ وَمَنْ كان مِثْلَهُمْ وَكَذَلِكَ عَلْقَمَةُ وَمَسْرُوقُ بن الْأَجْدَعِ وَالْحَسَنُ وابن سِيرِينَ وَالشَّعْبِيُّ وَسَعِيدُ بن جُبَيْرٍ وَمَنْ كان مِثْلَهُمْ الَّذِينَ صَحَّ لهم لِقَاءُ جَمَاعَةٍ من الصَّحَابَةِ وَمُجَالَسَتِهِمْ وَنَحْوُهُ مُرْسَلُ من هو دُونَهُمْ كَحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ وَأَبِي حَازِمٍ وَيَحْيَى بن سَعِيدٍ عن النَّبِيّ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَيُسَمَّى مُرْسَلًا كَمُرْسَلِ كِبَارِ التَّابِعِينَ وقال آخَرُونَ حَدِيثُ هَؤُلَاءِ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم يُسَمَّى مُنْقَطِعًا لِأَنَّهُمْ لم يَلْقَوْا من الصَّحَابَةِ إلَّا الْوَاحِدَ وَالِاثْنَيْنِ وَأَكْثَرُ رِوَايَتِهِمْ عن التَّابِعِينَ انْتَهَى وَهَذَا التَّمْثِيلُ في بَعْضِهِ مُنَاقَشَةٌ فإن ابْنَ شِهَابٍ الزُّهْرِيَّ ذُكِرَ أَنَّهُ من صِغَارِ التَّابِعِينَ وَمَعَ ذلك قد سمع من الصَّحَابَةِ أَنَسِ بن مَالِكٍ وَأَشْهَبِ بن سَعْدٍ وَالسَّائِبِ بن يَزِيدَ وَسُنَيْنٍ أَبَا جَمِيلَةَ وَعَبْدِ الرحمن بن أَزْهَرَ وَرَبِيعَةَ بن عِبَادٍ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَمَحْمُودِ بن الرَّبِيعِ وَعَبْدِ اللَّهِ بن ثَعْلَبَةَ بن صُعَيْرٍ بِضَمِّ الصَّادِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَأَبِي الطُّفَيْلِ وَعَبْدِ اللَّهِ بن عَامِرِ بن رَبِيعَةَ وَأَبِي أُمَامَةَ أَسْعَدِ بن سَهْلِ بن حُنَيْفٍ بِضَمِّ الْحَاءِ وَرَجُلًا من بَلِيٍّ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ
- اللَّامِ وَكُلُّهُمْ صَحَابَةٌ وَاخْتَلَفُوا في سَمَاعِهِ من ابْنِ عُمَرَ فَأَثْبَتَهُ عَلِيُّ بن الْمَدِينِيِّ وَنَفَاهُ الْجُمْهُورُ وَأَمَّا قَتَادَةُ فَسَمِعَ أَنَسًا وَعَبْدَ اللَّهِ بن سَرْجِسَ وَأَبَا الطُّفَيْلِ وَهُمْ صَحَابَةٌ وَأَمَّا يحيى بن سَعِيدٍ فَسَمِعَ أَنَسًا وَالسَّائِبَ بن يَزِيدَ وَعَبْدَ اللَّهِ بن عَامِرٍ وَرَبِيعَةَ وَأَبَا أُمَامَةَ أَسْعَدَ بن سَهْلِ بن حُنَيْفٍ فَلَا تَصِحُّ دَعْوَاهُ أَنَّهُمْ لم يَلْقَوْا من الصَّحَابَةِ إلَّا الْوَاحِدَ وَالِاثْنَيْنِ وَتَمْثِيلُ أبي عَمْرٍو أَوَّلًا بِأَبِي أُمَامَةَ بن سَهْلٍ وَبِعَبْدِ اللَّهِ بن عَامِرٍ وَأَنَّهُمْ من كِبَارِ التَّابِعِينَ لَا يُتَّجَهُ لِمَا صَرَّحُوا بِهِ من كَوْنِهِمَا من الصَّحَابَةِ كما نَقَلْنَاهُ إلَّا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بن عَامِرٍ مَاتَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَلَهُ أَرْبَعُ سِنِينَ أو خَمْسٌ وَلِهَذَا ما أَخْرَجَا حَدِيثَهُ في الصَّحِيحَيْنِ إنَّمَا رَوَيَا له عن أبيه عَامِرٍ وَعَنْ عُمَرَ بن الْخَطَّابِ وَعَبْدِ الرحمن بن عَوْفٍ وَعَائِشَةَ وَرَوَى له أبو دَاوُد عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وأبو أُمَامَةَ وُلِدَ في حَيَاةِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وهو سَمَّاهُ وَرَوَى له النَّسَائِيّ وابن مَاجَهْ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا عن الصَّحَابَةِ وهو صَحَابِيٌّ صَغِيرٌ وَكَذَا عبد اللَّهِ بن عَامِرٍ وَمَحْمُودُ بن الرَّبِيعِ وأبو الطُّفَيْلِ وَالسَّائِبُ بن يَزِيدَ فَجَعَلَ ابن عبد الْبَرِّ أَبَا أُمَامَةَ وَعَبْدَ اللَّهِ بن عَامِرٍ تَابِعِيِّينَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا من الصَّحَابَةِ قال أبو عُمَرَ وَأَصْلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَجَمَاعَةٍ من أَصْحَابِهِ أَنَّ مُرْسَلَ الثِّقَةِ تَجِبُ بِهِ الْحُجَّةُ وَيَلْزَمُ بِهِ الْعَمَلُ كما تَجِبُ بِالْمُسْنَدِ سَوَاءٌ قال ما لم يَعْتَرِضْهُ الْعَمَلُ الظَّاهِرُ بِالْمَدِينَةِ وَالثَّانِي قال وَبِهِ قال طَائِفَةٌ من أَصْحَابِنَا مَرَاسِيلُ الثِّقَاتِ أَوْلَى وَاعْتَلُّوا بِأَنَّ من أَسْنَدَ لَك فَقَدْ أَحَالَك على الْبَحْثِ عن أَحْوَالِ من سَمَّاهُ لَك وَمَنْ أَرْسَلَ من الْأَئِمَّةِ حَدِيثًا مع عِلْمِهِ وَدِينِهِ وَثِقَتِهِ فَقَدْ قَطَعَ لَك بِصِحَّتِهِ قال وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ في الْحُجَّةِ لِأَنَّ السَّلَفَ فَعَلُوا الْأَمْرَيْنِ قال وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلَيْهِ أبو الْفَرَجِ عُمَرُ بن مُحَمَّدٍ الْمَالِكِيُّ وأبو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ وهو قَوْلُ أبي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ وَزَعَمَ الطَّبَرِيِّ أَنَّ التَّابِعِينَ بِأَسْرِهِمْ أَجْمَعُوا على قَبُولِ الْمُرْسَلِ فإنه لم يَأْتِ عَنْهُمْ إنْكَارُهُ وَلَا عن أَحَدٍ من الْأَئِمَّةِ بَعْدَهُمْ إلَى رَأْسِ الْمِائَتَيْنِ كَأَنَّهُ يَعْنِي أَنَّ الشَّافِعِيَّ أَوَّلَ من أَبَى قَبُولَ الْمُرْسَلِ وَلَيْسَ كما زَعَمَ فَلَا إجْمَاعَ سَابِقٌ فَفِي مُقَدَّمَةِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ عن عبد اللَّهِ بن
- عَبَّاسٍ أَنَّهُ لم يَقْبَلْ مُرْسَلَ بَعْضِ التَّابِعِينَ وكان من الثِّقَاتِ الْمُحْتَجِّ بِهِمْ في الصَّحِيحَيْنِ وَفِيهِ أَيْضًا عن ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ قال كَانُوا لَا يَسْأَلُونَ عن الْإِسْنَادِ فلما وَقَعَتْ الْفِتْنَةُ قالوا سَمُّوا لنا رِجَالَكُمْ فَنَنْظُرُ إلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَنَأْخُذُ عَنْهُمْ وَإِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ فَلَا نَأْخُذُ عَنْهُمْ وَنَقَلَ الْحَافِظُ أبو عبد اللَّهِ الْحَاكِمُ أَنَّ الْمُرْسَلَ ليس بِحُجَّةٍ عن إمَامِ التَّابِعِينَ سَعِيدِ بن الْمُسَيِّبِ وَمَالِكِ بن أَنَسٍ وَجَمَاعَةٍ من أَهْلِ الحديث وَنَقَلَهُ غَيْرُهُ عن الزُّهْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَصَحَّ ذلك عن عبد اللَّهِ بن الْمُبَارَكِ وَغَيْرِهِ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ حُجَّةٌ يُعْمَلُ بِهِ وَلَكِنْ دُونَ الْمُسْنَدِ كَالشُّهُودِ يَتَفَاوَتُونَ في الْفَضْلِ وَالْمَعْرِفَةِ وَإِنْ اشْتَرَكَا في الْعَدَالَةِ قال وهو قَوْلُ أبي عبد اللَّهِ مُحَمَّدٍ بن أَحْمَدَ بن إِسْحَاقَ بن خُوَيْزِ مَنْدَادٍ الْمَالِكِيِّ الْبَصْرِيِّ وَالرَّابِعُ أَنَّهُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ بَلْ هو مَرْدُودٌ وَنَقَلَهُ عن سَائِرِ أَهْلِ الْفِقْهِ وَجَمَاعَةٍ من أَصْحَابِ الحديث في كل الْأَمْصَارِ لِلْإِجْمَاعِ على الْحَاجَةِ إلَى عَدَالَةِ الْمُخْبِرِ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ من عِلْمِ ذلك قال ابن عبد الْبَرِّ ثُمَّ إنِّي تَأَمَّلْت كُتُبَ الْمُنَاظِرِينَ من أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ فلم أَرَ أَحَدًا منهم من خَصَمَهُ إذَا احْتَجَّ عليه بِمُرْسَلٍ وَلَا يَقْبَلُ منه في ذلك خَبَرًا مَقْطُوعًا وَكُلُّهُمْ عِنْدَ تَحْصِيلِ الْمُنَاظَرَةِ يُطَالِبُ خَصْمَهُ بِالِاتِّصَالِ في الْأَخْبَارِ قال وَسَبَبُ ذلك أَنَّ التَّنَازُعَ إنَّمَا يَكُونُ بين من لَا يَقْبَلُ الْمُرْسَلَ وَبَيْنَ من يَقْبَلُهُ فَإِنْ احْتَجَّ بِهِ من يَقْبَلُهُ على من لَا يَقْبَلُهُ يقول له فَأْتِ بِحُجَّةٍ غَيْرِهِ وَإِنْ احْتَجَّ بِهِ من لَا يَقْبَلُهُ على من يَقْبَلُهُ قال له كَيْفَ تَحْتَجُّ عَلَيَّ بِمَا ليس حُجَّةً عِنْدَك وَنَحْوُ هذا ولم نُشَاهِدْ نَحْنُ مُنَاظَرَةً بين مَالِكِيٍّ يَقْبَلُهُ وَبَيْنَ حَنَفِيٍّ يَذْهَبُ في ذلك مَذْهَبَهُ وَيَلْزَمُ على أَصْلِ مَذْهَبِهِمَا في ذلك قَبُولُ كل وَاحِدٍ خَبَرَ صَاحِبِهِ الْمُرْسَلَ إذَا أَرْسَلَهُ ثِقَةٌ عَدْلٌ ما لم يَعْتَرِضْهُ من الْأُصُولِ ما يَدْفَعُهُ قال وَأَمَّا الْإِرْسَالُ مِمَّنْ عُرِفَ بِالْأَخْذِ من الضُّعَفَاءِ وَالْمُسَامَحَةِ في ذلك فَلَا يَحْتَجُّ بِهِ تَابِعِيًّا كان أو من دُونَهُ وَكُلُّ من عُرِفَ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ إلَّا عن ثِقَةٍ فَتَدْلِيسُهُ وَمُرْسَلُهُ مَقْبُولٌ ا هـ قُلْت وَعَلَى هذا لو لم نَعْلَمْ هل يَأْخُذُ عن ثِقَةٍ أو لَا تَوَقَّفْنَا فيه وَلَا نَقْبَلُهُ لِلْجَهْلِ بِحَالِ شَيْخِهِ فَمَرَاسِيلُ سَعِيدِ بن الْمُسَيِّبِ وَمُحَمَّدِ بن سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عِنْدَهُمْ صِحَاحٌ وَقَالُوا مَرَاسِيلُ عَطَاءٍ وَالْحَسَنِ لَا يُحْتَجُّ بها لِأَنَّهُمَا كَانَا يَأْخُذَانِ
- أقسام الكتاب 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24*جميع الحقوق متاحة لجميع المسلمين
نزل تشريع الطلاق في سورتين علي مرحلتين متتابعتين تاريخيا 1. سورة البقرة في العام 1 أو 2هجري وتوابعه في سورة النساء والاحزاب وبعض المواضع المتفرقة بين سورة البقرة وسورة الطلاق { في الخمسة اعوام الاولي بعد الهجرة} وبيانات قاعدته في هذه المواضع التلفظ بالطلاق ثم الاعتداد استبراءا ثم التسريح. * 2.ثم نزل التشريع الاخير المحكم في العام 6 او7 هجري بترتيب تشريعي معكوس وبعلم الله الباري في سورة الطلاق في العامين السادس6. او السابع7. الهجري فؤمر كل من يريد التطليق عكس موضعي الطلاق بالعدة والعدة بالطلاق
السبت، 10 أكتوبر 2026
ج13.وج14وج15وج16.{كتاب : البحر المحيط في أصول الفقه المؤلف : بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي} واختلافات الفقهاء دليل قاطع أن افرازات فكرهم ليست من عند الله ..........
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
الجديد في عكس النقيض وتفسيره علي انه قد أخطأ من تصور أن بين الحيض والطهر تضاد وتناقد وبيان أن الحيض ليس هو نقيض الطهر انما قصد آخر العدة تحديدا
مقدمة يستفتح بها في بيان غياب الوعي عند عامة الفقهاء في فتاواهم بالأحكام في الطلاق المنسوخة وعزوفهم عن الاحكام الناسخة لقواعد الطلاق بين أ...
-
ج7 ج8. ج7.كتاب : السنن الكبرى المؤلف : أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي 57- صِيَامُ يَوْمِ الأَحَدِ . 278...
-
سورة الاسراء فهرس معاني الكلمات للسور 17 - معاني الكلمات سورة الإسراء (17) سورة الإسراء - مكيّة (آياتها 111 ) الآية الكلمة التفسي...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق