السبت، 10 أكتوبر 2026

17و18و19و20. {ج20.كتاب : البحر المحيط في أصول الفقه المؤلف : بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي} والاختلافات الفقهية والمذهبية تدل علي ان كلامهم في الفقه أقوال بشرية ليست من عند الله


  1.  من ج17 --ج20.. .
  2. أقسام الكتاب 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24* جميع الحقوق متاحة لجميع المسلمين  
  3. =========== 
  4. 17و18و19و20. {ج20.كتاب : البحر المحيط في أصول الفقه المؤلف : بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي} والاختلافات الفقهية والمذهبية لديهم  تدل علي ان كلامهم في الفقه   أقوال بشرية ليست من عند الله 
  5. ===========
  6. ج17.الي ج20.كتاب : البحر المحيط في أصول الفقه
  7. المؤلف : بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي
  8. --------- 
  9. عن كل أَحَدٍ وَكَذَا مَرَاسِيلُ أبي قِلَابَةَ وَأَبِي الْعَالِيَةِ هذا حَاصِلُ كَلَامِ ابْنِ عبد اللَّهِ وقال أبو بَكْرٍ الْخَطِيبُ لَا خِلَافَ بين أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ إرْسَالَ الحديث الذي ليس بِتَدْلِيسٍ هو رِوَايَةُ الرَّاوِي عَمَّنْ لم يُعَاصِرْهُ أو لم يَلْقَهُ كَرِوَايَةِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةَ بن الزُّبَيْرِ وَمُحَمَّدِ بن الْمُنْكَدِرِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمْ من التَّابِعِينَ عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَبِمَثَابَتِهِ في غَيْرِ التَّابِعِينَ كَمَالِكٍ وَالْقَاسِمِ بن مُحَمَّدٍ وَكَذَا حُكْمُ من أَرْسَلَ حَدِيثًا عن شَيْخٍ لَقِيَهُ ولم يَسْمَعْ ذلك الحديث منه وَسَمِعَ ما عَدَاهُ ثُمَّ قِيلَ هو مَقْبُولٌ إذَا كان الْمُرْسِلُ ثِقَةً عَدْلًا وهو قَوْلُ مَالِكٍ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ وَغَيْرِهِمْ وقال الشَّافِعِيُّ لَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ من نُقَّادِ الْأَثَرِ مُرْسَلُ الصَّحَابِيِّ وَاخْتَلَفَ مُسْقِطُو الْعَمَلِ بِالْمُرْسَلِ في قَبُولِ رِوَايَةِ الصَّحَابِيِّ خَبَرًا عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لم يَسْمَعْهُ منه كَقَوْلِ أَنَسٍ ذُكِرَ لي أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قال لِمُعَاذٍ من لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شيئا دخل الْجَنَّةَ الحديث قال بَعْضُهُمْ لَا تُقْبَلُ مَرَاسِيلُ الصَّحَابِيِّ لَا لِلشَّكِّ في عَدَالَتِهِ وَلَكِنْ لِأَنَّهُ قد يَرْوِي الرَّاوِي عن تَابِعِيٍّ وَعَنْ أَعْرَابِيٍّ لَا يَعْرِفُ صُحْبَتَهُ وَلَوْ قال لَا أَرْوِي لَكُمْ إلَّا من سَمَاعِي أو من صَحَابِيٍّ وَجَبَ عَلَيْنَا قَبُولُ مُرْسَلِهِ وقال آخَرُونَ مَرَاسِيلُ الصَّحَابَةِ كُلِّهِمْ مَقْبُولَةٌ لِكَوْنِ جَمِيعِهِمْ عُدُولًا وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ فِيمَا أَرْسَلُوهُ أَنَّهُمْ سَمِعُوهُ من النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أو من صَحَابِيٍّ سمع من النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَأَمَّا ما رَوَوْهُ عن التَّابِعِينَ فَقَدْ بَيَّنُوهُ وهو أَيْضًا قَلِيلٌ نَادِرٌ لَا اعْتِبَارَ بِهِ قال وَهَذَا هو الْأَشْبَهُ بِالصَّوَابِ قال وَمَنْ قَبِلَ الْمُرْسَلَ اخْتَلَفُوا فيه فَمِنْهُمْ من قَدَّمَ ما أَرْسَلَهُ الْأَئِمَّةُ من الصَّحَابِيِّ وَإِنَّمَا يُرَدُّ من بَعْدَهُمْ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا في دَرَجَتِهِمْ وَمِنْهُمْ من يَعْمَلُ بِمَرَاسِيلِ كِبَارِ التَّابِعِينَ دُونَ من قَصُرَ عَنْهُمْ وَمِنْهُمْ من يَقْبَلُ مَرَاسِيلَ جَمِيعِ التَّابِعِينَ إذَا اسْتَوَوْا في الْعَدَالَةِ وَمِنْهُمْ من يَقْبَلُ مَرَاسِيلَ من عُرِفَ فيه النَّظَرُ في أَحْوَالِ شُيُوخِهِ وَالتَّحَرِّي في الرِّوَايَةِ عَنْهُمْ دُونَ من لم يُعْرَفْ عنه ذلك
  10. قال الْخَطِيبُ وَاَلَّذِي نَخْتَارُهُ سُقُوطُ فَرْضِ اللَّهِ بِالْمُرْسَلِ لِجَهَالَةِ رُوَاتِهِ وَلَا يَجُوزُ قَبُولُ الْخَبَرِ إلَّا مِمَّنْ عُرِفَتْ عَدَالَتُهُ وَلَوْ قال الْمُرْسِلُ حدثني الْعَدْلُ الثِّقَةُ عِنْدِي بِكَذَا لم يُقْبَلْ حتى يَذْكُرُوا اسْمَهُ ا هـ الْمَذَاهِبُ في قَبُولِ رِوَايَةِ الْمُرْسَلِ وَيَخْرُجُ من كَلَامِهِ وَكَلَامِ ابْنِ عبد الْبَرِّ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا وَقَفْت عليه في الْمُرْسَلِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مَذْهَبًا أَحَدُهَا عَدَمُ قَبُولِ رِوَايَةِ مُرْسَلِ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مُطْلَقًا وَقَبُولُ مُرْسَلِ الصَّحَابِيِّ قال أبو الْحُسَيْنِ في الْمُعْتَمَدِ وهو قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَحَكَى الْقَاضِي عبد الْجَبَّارِ عنه أَنَّهُ قال إذَا قال الصَّحَابِيُّ قال النبي كَذَا قُبِلَ إلَّا إنْ عُلِمَ أَنَّهُ أَرْسَلَهُ وَالثَّانِي قَبُولُهُ من الْعَدْلِ مُطْلَقًا وهو مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّالِثُ تُقْبَلُ مَرَاسِيلُ الصَّحَابِيِّ فَقَطْ حَكَاهُ عبد الْجَبَّارِ في شَرْحِ الْعُدَّةِ وقال إنَّهُ الصَّحِيحُ من مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ قال وَأَمَّا مَرَاسِيلُ التَّابِعِينَ فَلَا تُقْبَلُ إلَّا بِالشُّرُوطِ الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَهُ وَالرَّابِعُ لَا تُقْبَلُ مَرَاسِيلُ الصَّحَابَةِ أَيْضًا وَحُكِيَ عن الْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ وَحَكَاهُ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وابن الْقُشَيْرِيّ وَأَغْرَبَ ابن بَرْهَانٍ فقال في كِتَابِ الْأَوْسَطِ إنَّهُ الْأَصَحُّ وقال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ إنَّهُ الظَّاهِرُ من مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَنَقَلَهُ ابن بَطَّالٍ في شَرْحِ الْبُخَارِيِّ تَصْرِيحًا عن الشَّافِعِيِّ وَاخْتِيَارُ الْقَاضِي أبي بَكْرٍ وَالْخَامِسُ تُقْبَلُ مَرَاسِيلُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ وَمَنْ هو أَئِمَّةُ النَّقْلِ دُونَ غَيْرِهِمْ وَالسَّادِسُ لَا تُقْبَلُ إلَّا إنْ اُعْتُضِدَ بِأَمْرٍ خَارِجٍ بِأَنْ يُرْسِلَهُ صَحَابِيٌّ آخَرُ أو يُسْنِدَهُ عَمَّنْ يُرْسِلُهُ أو يُرْسِلَهُ رَاوٍ آخَرُ يَرْوِي عن غَيْرِ شُيُوخِ الْأَوَّلِ أو عَضَّدَهُ قَوْلُ صَحَابِيٍّ أو فِعْلُهُ أو قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ أو الْقِيَاسُ أو عُرِفَ من حَالِ الْمُرْسِلِ أَنَّهُ
  11. لَا يَرْوِي عن غَيْرِ عَدْلٍ فَهُوَ حُجَّةٌ وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ وَوَافَقَهُ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وَلَا فَرْقَ بين سَعِيدِ بن الْمُسَيِّبِ وَغَيْرِهِ السَّابِعُ تُقْبَلُ مَرَاسِيلُ كِبَارِ التَّابِعِينَ دُونَ من صَغُرَ عَنْهُمْ وَالثَّامِنُ أَنَّ الصَّحَابِيَّ وَالتَّابِعِيَّ إذَا عُرِفَ بِصَرِيحِ خَبَرِهِ أو عَادَتُهُ أَنَّهُ لَا يَرْوِي إلَّا عن صَحَابِيٍّ قُبِلَ مُرْسَلُهُ وَإِنْ لم يُعْرَفْ بِذَلِكَ فَلَا يُقْبَلُ وَاخْتَارَهُ بَعْضُهُمْ على قَبُولِ رَدِّ الْمُرْسَلِ وَالتَّاسِعُ تُقْبَلُ مَرَاسِيلُ من عُرِفَ منه النَّظَرُ في أَحْوَالِ شُيُوخِهِ وَالتَّحَرِّي في الرِّوَايَةِ عَنْهُمْ دُونَ من لم يُعْرَفْ بِذَلِكَ وَالْعَاشِرُ يُقْبَلُ مُرْسَلُ سَعِيدِ بن الْمُسَيِّبِ دُونَ غَيْرِهِ وَالْحَادِيَ عَشَرَ من الْقَائِلِينَ بِقَبُولِهِ يُقَدَّمُ ما أَرْسَلَهُ الْأَئِمَّةُ من الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ على من ليس في دَرَجَتِهِمْ حَكَاهُ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وَالثَّانِيَ عَشَرَ منهم من أَطْلَقَ الْقَوْلَ بِأَنَّ مَرَاسِيلَ الثِّقَاتِ أَوْلَى من الْمُسْنَدَاتِ ولم يُقَيِّدْهُ بِشَيْءٍ وَمِنْهُمْ من قال مُرْسَلُ الْإِمَامِ أَوْلَى من مُسْنَدِهِ وَالثَّالِثَ عَشَرَ منهم من يقول ليس الْمُرْسَلُ أَوْلَى من الْمُسْنَدِ بَلْ هُمَا سَوَاءٌ في وُجُوبِ الْحُجَّةِ وَالِاسْتِعْمَالِ وَالرَّابِعَ عَشَرَ منهم من يقول لِلْمُسْنَدِ مَزِيَّةُ فَضْلٍ لِوَضْعِ الِاتِّفَاقِ وَإِنْ كان الْمُرْسَلُ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ الْخَامِسَ عَشَرَ منهم من يُفَرِّقُ فَيَقْبَلُ مَرَاسِيلَ بَعْضِ التَّابِعِينَ دُونَ بَعْضٍ قال أَحْمَدُ بن حَنْبَلٍ أَصَحُّ الْمَرَاسِيلِ مَرَاسِيلُ سَعِيدٍ وقال الشَّافِعِيُّ إرْسَالُ سَعِيدٍ عِنْدَنَا حَسَنٌ السَّادِسَ عَشَرَ من الْمُنْكَرِينَ لِلْمُرْسَلِ من يَقْبَلُ مَرَاسِيلَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لِأَنَّهُمْ يَرْوُونَ عن الصَّحَابَةِ السَّابِعَ عَشَرَ كان أَحْمَدُ بن حَنْبَلٍ يَخْتَارُ الْأَحَادِيثَ الْمَوْقُوفَةَ على الصَّحَابَةِ على الْمُرْسَلَاتِ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم الثَّامِنَ عَشَرَ لَا يُقْبَلُ الْمُرْسَلُ إلَّا في حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ أَنْ يُعَضِّدَهُ إجْمَاعٌ فَيُسْتَغْنَى بِذَلِكَ عن الْمُسْنَدِ قَالَهُ ابن حَزْمٍ في كِتَابِ الْإِحْكَامِ هذا حَاصِلُ ما قِيلَ وفي بَعْضِهَا تَدَاخُلٌ وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمُرْسِلَ إذَا كان غير ثِقَةٍ لَا يُقْبَلُ إرْسَالُهُ فَإِنْ كان ثِقَةً وَعُرِفَ
  12. أَنَّهُ يَأْخُذُ عن الضُّعَفَاءِ فَلَا يُحْتَجُّ بِمَا أَرْسَلَهُ سَوَاءٌ التَّابِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَكَذَا من عُرِفَ بِالتَّدْلِيسِ الْمُجْمَعِ عليه حتى يُصَرِّحَ بِالتَّحْدِيثِ وَإِنْ كان لَا يَرْوِي إلَّا عن ثِقَةٍ فَمُرْسَلُهُ وَتَدْلِيسُهُ هل يُقْبَلُ فيه الْخِلَافُ وقد تَقَدَّمَ من كَلَامِ ابْنِ عبد الْبَرِّ وهو من الْمَالِكِيَّةِ تَخْصِيصُ مَحَلِّ الْخِلَافِ بِغَيْرِ ذلك وَكَذَلِكَ قال أبو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ منهم الْمُرْسَلُ عِنْدَنَا إنَّمَا يُحْتَجُّ بِهِ إذَا كان من عَادَتِهِ أَنَّهُ لَا يُرْسِلُ إلَّا عن ثِقَةٍ وَكَذَا قال أبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ من الْحَنَفِيَّةِ من عَلِمْنَا من حَالِهِ أَنَّهُ يُرْسِلُ الحديث عَمَّنْ لَا يَوْثُقُ بِرِوَايَتِهِ لَا يَجُوزُ حَمْلُ الحديث عنه فَهُوَ غَيْرُ مَقْبُولٍ عِنْدَنَا وَإِنَّمَا كَلَامُنَا فِيمَنْ لَا يُرْسِلُ إلَّا عن الثِّقَاتِ وقال الْقُرْطُبِيُّ لِيُعْلَمَ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ إنَّمَا هو فِيمَا إذَا كان الْمُرْسِلُ ثِقَةً مُتَحَرِّزًا بِحَيْثُ لَا يَأْخُذُ عن غَيْرِ الْعُدُولِ قال وَيَلْزَمُ الشَّافِعِيَّ وَالْقَاضِيَ أَبَا بَكْرٍ الْقَوْلُ بِالْمُرْسَلِ حِينَئِذٍ لِأَنَّهُمَا قَبِلَا التَّعْدِيلَ بِالْمُطْلَقِ وَالْمُرْسِلُ إذَا عُلِمَ من حَالِهِ أَنَّهُ لَا يَرْوِي إلَّا عن عَدْلٍ قُبِلَ منه كما لو صَرَّحَ بِاسْمِهِ ا هـ وَعَلَى هذا فَيَرْتَفِعُ النِّزَاعُ في الْمَسْأَلَةِ وَبِهِ صَرَّحَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ فقال إذَا تَبَيَّنَ من حَالِ الْمُرْسِلِ أَنَّهُ لَا يَرْوِي إلَّا عن صَحَابِيٍّ عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أو عن رَجُلٍ تَتَّفِقُ الْمَذَاهِبُ على تَعْدِيلِهِ صَارَ حُجَّةً وَادَّعَى أَنَّ ذلك مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ثُمَّ قال وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ فيها خِلَافٌ فإن أَحَدًا لَا يُوجِبُ التَّقْلِيدَ وَلَا يُنْكِرُ اخْتِلَافَ الْمَذَاهِبِ في التَّعْدِيلِ وَالشَّافِعِيُّ يقول أخبرني الثِّقَةُ فإنه لَا يَلْزَمُ غير أَهْلِ مَذْهَبِهِ قَبُولُهُ وَإِنَّمَا قال الْأَصْحَابُ مَذْهَبُهُ وَقَوْلُهُ حُجَّةٌ عليهم وَمَذْهَبُهُ في التَّعْدِيلِ مَذْهَبُهُمْ ا هـ وقال شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ من الْحَنَفِيَّةِ لَا خِلَافَ أَنَّ مَرَاسِيلَ الصَّحَابَةِ حُجَّةٌ فَأَمَّا مَرَاسِيلُ أَهْلِ الْقَرْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ فَحُجَّةٌ في قَوْلِ عُلَمَائِنَا وقال الشَّافِعِيُّ لَا تَكُونُ حُجَّةً إلَّا بِشُرُوطٍ ثُمَّ قال فَأَمَّا مَرَاسِيلُ من بَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ فَكَانَ الْكَرْخِيّ لَا يُفَرِّقُ بين مَرَاسِيلِ أَهْلِ الْأَعْصَارِ وكان عِيسَى بن أَبَانَ يقول من اُشْتُهِرَ في الناس بِحَمْلِ الْعِلْمِ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ مُرْسِلًا وَمُسْنِدًا وَإِنَّمَا يَعْنِي بِهِ مُحَمَّدَ بن الْحَسَنِ وَأَمْثَالَهُ من الْمَشْهُورِينَ بِالْعِلْمِ وَمَنْ لم يَشْتَهِرْ يَحْمِلُ الناس الْعِلْمَ عنه مُطْلَقًا وَإِنَّمَا اُشْتُهِرَ بِالرِّوَايَةِ عنه فإن مُسْنَدَهُ يَكُونُ حُجَّةً وَمُرْسَلُهُ يَكُونُ مَوْقُوفًا إلَى أَنْ يُعْرَضَ على من اُشْتُهِرَ بِحَمْلِ الْعِلْمِ عنه ثُمَّ قال وَأَصَحُّ الْأَقَاوِيلِ في هذا ما قَالَهُ أبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ أَنَّ مُرْسَلَ من كان من
  13. الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ ليس حُجَّةً إلَّا من اُشْتُهِرَ وقال عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ ظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ قَبُولُ الْمَرَاسِيلِ مُطْلَقًا إذَا كان الْمُرْسِلُ عَدْلًا يَقِظًا وَكَذَا حَكَاهُ عنه أبو الْفَرَجِ فَأَمَّا الْبَغْدَادِيُّونَ من أَصْحَابِنَا كَالْقَاضِي إسْمَاعِيلَ وَالشَّيْخِ أبي بَكْرٍ فَإِنَّهُمْ وَإِنْ لم يُصَرِّحُوا بِالْمَنْعِ فإن كُتُبَهُمْ تَقْتَضِي مَنْعَ الْقَوْلِ بِهِ لَكِنَّ مَذْهَبَ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ فَصْلٌ تَحْرِيرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ في الْعَمَلِ بِالْمُرْسَلِ وَأَمَّا تَحْرِيرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فإن النَّقْلَ قد اضْطَرَبَ عنه فَنَقَلَ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ عنه أَنَّهُ لَا يَرَى الْعَمَلَ بِالْمَرَاسِيلِ إلَّا عِنْدَ شَرِيطَةِ أَنْ يُسْنِدَهُ عَمَّنْ أَرْسَلَهُ أو يَعْمَلَ بِهِ صَاحِبُهُ أو الْعَامَّةُ أو أَنَّ الْمُرْسِلَ لَا يُرْسِلُ إلَّا عن ثِقَةٍ وَلِهَذَا اسْتَحْسَنَ مَرَاسِيلَ سَعِيدٍ وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عن الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ الْمُرْسَلَ مُطْلَقًا وَلَكِنْ يَتَطَلَّبُ فيه مَزِيدَ تَأْكِيدٍ لِيَحْصُلَ غَلَبَةُ الظَّنِّ في الثِّقَةِ وَاسْتُنْبِطَ هذا من مَذْهَبِهِ في قَبُولِ مَرَاسِيلِ سَعِيدِ بن الْمُسَيِّبِ وَاسْتِحْسَانِهِ مَرَاسِيلَ الْحَسَنِ وَهَذَا ما اخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَرَأَى أَنَّ الرَّاوِيَ الْمَوْثُوقَ بِهِ الْعَالِمَ بِالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ إذَا قال حدثني من أَثِقُ بِهِ وَأَرْضَاهُ يُوجِبُ الثِّقَةَ بِحَدِيثِهِ وَإِنْ قال حدثني رَجُلٌ تَوَقَّفَ عنه وَكَذَلِكَ إذَا قال الْإِمَامُ الرَّاوِي قال النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَهَذَا بَالِغٌ في ثِقَةِ من رَوَى له قال وقد عَثَرْت في كَلَامِ الشَّافِعِيِّ على أَنَّهُ إذَا لم يَجِدْ إلَّا الْمُرْسَلَ مع الْإِقْرَارِ بِالتَّعْدِيلِ على الْإِجْمَالِ فإنه يُعْمَلُ بِهِ فَكَانَ إضْرَابُهُ عن الْمُرْسَلِ في حُكْمِ تَقْدِيمِ الْمَسَانِيدِ عليها ا هـ وَهَذَا الذي حَكَاهُ الْإِمَامُ عن الشَّافِعِيِّ غَرِيبٌ وهو شَيْءٌ ضَعِيفٌ ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ أَيْضًا وقد تَنَاهَى ابن السَّمْعَانِيِّ في الرَّدِّ عليه وقال هذا عِنْدِي خِلَافُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وقد أَجْمَعَ كُلُّ من نَقَلَ عنه هذه الْمَسْأَلَةَ من الْعِرَاقِيِّينَ وَالْخُرَاسَانِيِّينَ أَنَّ على أَصْلِهِ لَا يَكُونُ الْمُرْسَلُ حُجَّةً معه بِحَالٍ قال وأنا لَا أَعْجَبُ من أبي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ إنْ
  14. كان يَنْصُرُ الْقَوْلَ بِالْمُرْسَلِ فإنه كان مَالِكِيَّ الْمَذْهَبِ وَمِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ قَبُولُ الْمَرَاسِيلِ ا هـ وَكَذَا قال ابن الصَّبَّاغِ في الْعُدَّةِ الْمُرْسَلُ لَا يَكُونُ حُجَّةً عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَمَّا احْتِجَاجُهُ بِخَبَرِ سَعِيدِ بن الْمُسَيِّبِ في بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ فَقِيلَ لِأَنَّهُ عُرِفَ أَنَّهُ لَا يُرْسِلُ إلَّا عن الصَّحَابَةِ وَقِيلَ إنَّ الْمُسْنَدَ وَغَيْرَهُ سَوَاءٌ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ لِقَوْلِهِ عَمَّا أَسْنَدَهُ غَيْرُهُ قال وَبِهَذَا قال أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ أبي حَاتِمٍ الرَّازِيَّ في قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ليس الْمُنْقَطِعُ بِشَيْءٍ ما عَدَا مُنْقَطِعَ سَعِيدِ بن الْمُسَيِّبِ قال أبو مُحَمَّدٍ يَعْنِي ما عَدَا مُنْقَطِعَ ابْنِ الْمُسَيِّبِ فإنه يَعْتَبِرُ بِهِ ا هـ فلم يَحْمِلْ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ على أَنَّهُ يَحْتَجُّ بِمُرْسَلِ سَعِيدٍ بَلْ على أَنَّهُ يَعْتَبِرُ بِهِ خَاصَّةً وَأَمَّا الْغَزَالِيُّ فَأَطْلَقَ في الْمُسْتَصْفَى أَنَّ الْمُرْسَلَ مَرْدُودٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَالْقَاضِي قال وهو الْمُخْتَارُ وقال في الْمَنْخُولِ الْمَرَاسِيلُ مَرْدُودَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ إلَّا مَرَاسِيلَ سَعِيدِ بن الْمُسَيِّبِ وَالْمُرْسَلَ الذي عَمِلَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ ثُمَّ قال وقال الْقَاضِي أبو بَكْرٍ ثَبَتَ أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ قَبُولُ الْمَرَاسِيلِ فإنه قال في الْمُخْتَصَرِ أخبرني الثِّقَةُ وهو الْمُرْسَلُ بِعَيْنِهِ وقد أَوْرَدَهُ بِنَقْلٍ عنه وَيَعْتَقِدُهُ فَيَعْتَمِدُ مَذْهَبَهُ وَعَنْ هذا قَبِلَ مَرَاسِيلَ سَعِيدٍ قال الْقَاضِي وَالْمُخْتَارُ عِنْدِي أَنَّ الْإِمَامَ الْعَدْلَ إذَا قال قال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أو أخبرني الثِّقَةُ قُبِلَ فَأَمَّا الْفُقَهَاءُ وَالْمُتَوَسَّعُونَ في كَلَامِهِمْ فَقَدْ يَقُولُونَهُ لَا عن ثَبْتٍ فَلَا يُقْبَلُ منهم وَمَنْ قَبِلَ هذا قال هذا مَقْبُولٌ من الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ فَلَا يُقْبَلُ في زَمَانِنَا هذا وقد كَثُرَتْ الرِّوَايَةُ وَطَالَ الْبَحْثُ وَاتَّسَعَتْ الطُّرُقُ فَلَا بُدَّ من ذِكْرِ اسْمِ الرَّجُلِ قال الْغَزَالِيُّ وَالْأَمْرُ على ما ذَكَرَهُ الْقَاضِي إلَّا في هذا الْأَخِيرِ فَإِنَّا لو صَادَفْنَا في زَمَانِنَا مُتْقِنًا في نَقْلِ الْأَحَادِيثِ مِثْلَ مَالِكٍ قَبِلْنَا قَوْلَهُ قال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا يَخْتَلِفُ ذلك بِالْأَعْصَارِ ا هـ وما حَكَاهُ عن الْقَاضِي غَرِيبٌ وَاَلَّذِي رَأَيْته في كِتَابِ التَّقْرِيبِ له التَّصْرِيحَ بِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الْمُرْسَلَ مُطْلَقًا حتى مَرَاسِيلَ الصَّحَابَةِ لَا لِأَجْلِ الشَّكِّ في عَدَالَتِهِمْ وَلَكِنْ لِأَجْلِ أَنَّهُمْ قد يَرْوُونَ عن تَابِعِيٍّ إلَّا أَنْ يُخْبِرَ عن نَفْسِهِ بِأَنَّهُ لَا يَرْوِي إلَّا عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أو عن صَحَابِيٍّ فَحِينَئِذٍ يَجِبُ الْعَمَلُ بِمُرْسَلِهِ وَنُقِلَ مِثْلُ ذلك عن الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ رَدَّ
  15. الْمَرَاسِيلَ وقال بها بِشُرُوطٍ أُخَرَ وقال في آخِرِ الشُّرُوطِ فَاسْتُحِبَّ قَبُولُهَا إذَا كانت كَذَلِكَ قال وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَزْعُمَ أَنَّ الْحُجَّةَ ثَبَتَتْ بها ثُبُوتَهَا بِالْمُتَّصِلِ فَنَصَّ بِذَلِكَ على أَنَّ قَبُولَهَا عِنْدَ تِلْكَ الشُّرُوطِ مُسْتَحَبٌّ غَيْرُ وَاجِبٍ هذا لَفْظُهُ وقال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ قَبِلَ الشَّافِعِيُّ مُرْسَلَ سَعِيدٍ دُونَ غَيْرِهِ ثُمَّ قال إذَا تَبَيَّنَ من حَالِ الْمُرْسِلِ أَنَّهُ لَا يَرْوِي إلَّا عن صَحَابِيٍّ عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أو عن رَجُلٍ تَتَّفِقُ الْمَذَاهِبُ على تَعْدِيلِهِ صَارَ حُجَّةً قال وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَقْبَلُ من الْمَرَاسِيلِ ما أَرْسَلَهُ كُلُّ مُعْتَبَرٍ من الْأَئِمَّةِ وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِمَا قُلْنَاهُ انْتَهَى وقال ابن بَرْهَانٍ في الْوَجِيزِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمَرَاسِيلَ لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بها إلَّا مَرَاسِيلَ سَعِيدِ بن الْمُسَيِّبِ وَمَرَاسِيلَ الصَّحَابَةِ وما انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ على الْعَمَلِ بِهِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُرْسَلَ بِنَفْسِهِ لَا يَكُونُ حُجَّةً وقد يَنْضَمُّ إلَيْهِ ما يَكُونُ حُجَّةً على ما سَنُبَيِّنُ ثُمَّ قال وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّافِعِيَّ إنَّمَا رَدَّ الْمُرْسَلَ لِدُخُولِ التُّهْمَةِ فيه فَإِنْ اقْتَرَنَ بِهِ ما يُزِيلُ التُّهْمَةَ فإنه يُقْبَلُ وَذَلِكَ بِأَنْ يُوَافِقَ مُرْسَلُهُ مُسْنَدَ غَيْرِهِ أو تَتَلَقَّاهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ أو انْتَشَرَ ولم يَظْهَرْ له نَكِيرٌ قال بَعْضُهُمْ وَكَذَلِكَ إذَا اُشْتُرِطَ في إرْسَالِهِ عَدْلَانِ فَأَكْثَرُ فَيَقْوَى بِهِ حَالُ الْمُرْسَلِ أو يَكُونُ مُوَافِقًا لِلْقِيَاسِ قال وَعِنْدِي أَنَّ الْمُرَجَّحَ إنَّمَا هو في مُسْنَدٍ آخَرَ أو تَلَقِّي الْأُمَّةِ له بِالْقَبُولِ أو اشْتِهَارِهِ من غَيْرِ نَكِيرٍ وما عَدَا ذلك فَلَا يَدُلُّ على قَبُولِ الْمُرْسَلِ انْتَهَى وقال صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ حُكِيَ عن الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ خَصَّ مَرَاسِيلَ الصَّحَابَةِ بِالْقَبُولِ وَحُكِيَ عنه أَيْضًا أَنَّهُ قال إذَا قال الصَّحَابِيُّ قال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم كَذَا قَبِلَتْ إلَّا إذَا عُلِمَ أَنَّهُ أَرْسَلَهُ ا هـ وَلْنَذْكُرْ كَلَامَ الشَّافِعِيِّ في الرِّسَالَةِ فإنه يُعْرَفُ منه مَذْهَبُهُ قال الْبَيْهَقِيُّ في الْمَدْخَلِ أخبرنا أبو عبد اللَّهِ الْحَافِظُ حدثنا أبو الْعَبَّاسِ محمد بن يَعْقُوبَ أَنْبَأَنَا الرَّبِيعُ بن سُلَيْمَانَ قال الشَّافِعِيُّ يَعْنِي في كِتَابِ الرِّسَالَةِ الْمُنْقَطِعُ يَخْتَلِفُ فَمَنْ شَاهَدَ أَصْحَابَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَرَوَى حَدِيثًا مُنْقَطِعًا عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم اُعْتُبِرَ عليه بِأُمُورٍ منها أَنْ يُنْظَرَ إلَى ما أَرْسَلَهُ من الحديث فَإِنْ شَرَكَهُ الْحُفَّاظُ الْمَأْمُونُونَ
  16. فَأَسْنَدُوهُ إلَى رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بِمِثْلِ مَعْنَى ما رَوَى كانت هذه دَلَالَةً وَاضِحَةً على صِحَّةِ من قَبِلَ عنه وَحَفِظَهُ وَإِنْ انْفَرَدَ بِهِ مُرْسَلًا لم يُشْرِكْهُ فيه من يُسْنِدُ قُبِلَ ما يَنْفَرِدُ بِهِ من ذلك وَيُعْتَبَرُ عليه بِأَنْ يُنْظَرَ هل يُوَافِقُهُ مُرْسَلٌ آخَرُ فَإِنْ وُجِدَ ذلك قَوِيَ وَهِيَ أَضْعَفُ من الْأُولَى وَإِنْ لم يُوجَدْ ذلك نَظَرَ إلَى بَعْضِ ما يُرْوَى عن بَعْضِ الصَّحَابَةِ قَوْلًا له فَإِنْ وَجَدْنَا ما يُوَافِقُ بِمَا رُوِيَ عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم كانت شَاهِدَةَ دَلَالَةٍ على أَنَّهُ لم يَأْخُذْ مُرْسَلَهُ إلَّا عن أَصْلٍ يَصِحُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَكَذَلِكَ إنْ وُجِدَ عَوَامُّ من أَهْلِ الْعِلْمِ يُفْتُونَ بِمِثْلِ مَعْنَى ما رُوِيَ لم يُعْتَبَرْ عليه بِأَنْ يَكُونَ إذَا سَمَّى من رَوَى عنه لم يُسَمِّ مَجْهُولًا وَلَا وَاهِيًا فَيُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ على صِحَّتِهِ وَيَكُونُ إذَا شَرَكَ أَحَدًا من الْحُفَّاظِ في حَدِيثِهِ لم يُخَالِفْهُ وَوُجِدَ حَدِيثُهُ أَنْقَصَ كانت في هذه دَلَائِلُ على صِحَّةِ مَخْرَجِ حَدِيثِهِ وَمَتَى خَالَفَ ما وَصَفْت أَضَرَّ بِحَدِيثِهِ حتى لَا يَسَعَ أَحَدًا قَبُولُ مُرْسَلِهِ قال وإذا وُجِدَتْ الدَّلَائِلُ بِصِحَّةِ حَدِيثِهِ بِمَا وُصِفَ أَحْبَبْنَا أَنْ نَقْبَلَ مُرْسَلَهُ وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَزْعُمَ أَنَّ الْحُجَّةَ تَثْبُتُ بِهِ ثُبُوتَهَا بِالْمُتَّصِلِ وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْمُنْقَطِعِ مَغِيبٌ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حُمِلَ عَمَّنْ يُرْغَبُ في الرِّوَايَةِ عنه إذَا سُمِّيَ وَأَنَّ بَعْضَ الْمُنْقَطِعَاتِ وَإِنْ وَافَقَهُ مُرْسَلٌ مِثْلُهُ فَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُخَرِّجُهُمَا وَاحِدًا من حَيْثُ لو سُمِّيَ لم يُقْبَلْ وَأَنَّ قَوْلَ بَعْضِ الصَّحَابَةِ إذَا قال بِرَأْيِهِ لو وَافَقَهُ لم يَدُلَّ على صِحَّةِ مَخْرَجِ الحديث دَلَالَةً قَوِيَّةً إذَا نَظَرَ فيها وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا غَلَطَ بِهِ حين سمع قَوْلَ بَعْضِ الصَّحَابَةِ بِمُوَافِقِهِ قال فَأَمَّا من بَعْدِ كِبَارِ التَّابِعِينَ فَلَا أَعْلَمُ وَاحِدًا يَقْبَلُ مُرْسَلَهُ لِأُمُورٍ أَحَدُهَا أَنَّهُمْ أَشَدُّ تَجَوُّزًا مِمَّنْ يَرْوُونَ عنه وَالْآخَرُ أَنَّهُمْ لم يُوجَدْ عليهم الدَّلَائِلُ فِيمَا أَرْسَلُوا لِضَعْفِ مُخَرِّجِهِ وَالْآخَرُ كَثْرَةُ الْإِحَالَةِ في الْأَخْبَارِ وإذا كَثُرَتْ الْإِحَالَةُ كان أَمْكَنَ لِلْوَهْمِ وَضَعْفِ من يُقْبَلُ عنه انْتَهَى كَلَامُ الشَّافِعِيِّ وقد تَضَمَّنَ كَلَامُهُ رضي اللَّهُ عنه أُمُورًا أَحَدُهَا أَنَّ الْمُرْسَلَ إذَا أُسْنِدَ من وَجْهٍ آخَرَ دَلَّ على صِحَّةِ ذلك الْمُرْسَلِ وَعُلِمَ من كَلَامِ الشَّافِعِيِّ اشْتِرَاطُ صِحَّةِ ذلك الْمُسْنَدِ الثَّانِي أَنَّهُ إذَا لم يُسْنَدْ من وَجْهٍ آخَرَ نُظِرَ هل يُوَافِقُهُ مُرْسَلٌ آخَرُ
  17. فَإِنْ وَافَقَهُ مُرْسَلٌ آخَرُ قَوِيٌّ لَكِنَّهُ يَكُونُ أَنْقَصَ دَرَجَةً من الْمُرْسَلِ الذي أُسْنِدَ من وَجْهٍ آخَرَ فَإِنْ قِيلَ على هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ إنْ كان الْوَجْهُ الْآخَرُ إسْنَادًا فَالْعَمَلُ حِينَئِذٍ على الْمُسْنَدِ وَإِنْ كان إرْسَالًا فَضَمُّ غَيْرِ مَقْبُولٍ إلَى غَيْرِ مَقْبُولٍ كَانْضِمَامِ الْمَاءِ النَّجِسِ إلَى مِثْلِهِ وَشَهَادَةِ الْفَاسِقِ مع مِثْلِهِ لَا يُفِيدُ الطَّهَارَةَ وَالْقَبُولَ وَهَذَا اعْتَرَضَهُ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ على الشَّافِعِيِّ وَتَبِعُوهُ وهو مَرْدُودٌ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعَمَلَ بِالْمُسْنَدِ فَقَطْ لِأَنَّ بِالْمُسْنَدِ يَتَبَيَّنُ صِحَّةُ إسْنَادِ الْإِرْسَالِ حتى تَحْكُمَ له مع إرْسَالِهِ بِأَنَّهُ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَأَيْضًا لو عَارَضَ الْمُسْنَدَ الذي دُونَ الْمُرْسَلِ مُسْنَدٌ آخَرُ يَتَرَجَّحُ صَاحِبُ الْمُرْسَلِ إذَا تَعَذَّرَ الْجَمْعُ وَأَيْضًا فَالِاحْتِجَاجُ بِالْمُسْنَدِ إنَّمَا يَنْتَهِضُ إذَا كان بِنَفْسِهِ حُجَّةً وَلَعَلَّ الشَّافِعِيَّ أَرَادَ هُنَا بِالْمُسْنَدِ ما لَا يَنْتَهِضُ بِنَفْسِهِ كما أَشَارَ إلَيْهِ الْإِمَامُ في الْمَحْصُولِ وإذا ضُمَّ إلَى الْمُرْسَلِ قام بِهِ الْمُرْسَلُ وَصَارَ حُجَّةً وَهَذَا ليس عَمَلًا بِالْمُسْنَدِ بَلْ بِالْمُرْسَلِ لِزَوَالِ التُّهْمَةِ عنه وَلَا نُسَلِّمُ عَدَمَ قَبُولِهِ إذَا كان الْقَوِيُّ مُرْسَلًا لِجَوَازِ تَأْكِيدِ أَحَدِ الظَّنَّيْنِ بِالْآخَرِ الثَّالِثُ أَنَّهُ إذَا لم يُوَافِقْهُ مُرْسَلٌ آخَرُ لم يُسْنَدْ من وَجْهٍ آخَرَ وَلَكِنَّهُ وُجِدَ عن بَعْضِ الصَّحَابَةِ قَوْلٌ له يُوَافِقُ هذا الْمُرْسَلَ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم دَلَّ على أَنَّ له أَصْلًا وَلَا يُطْرَحُ وَلَا يُرَدُّ اعْتِرَاضُ الْقَاضِي بِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ عِنْدَهُ ليس بِحُجَّةٍ لِأَنَّ مُرَادَهُ التَّقْوِيَةُ بِهِ لَا الِاسْتِقْلَالُ الرَّابِعُ أَنَّهُ إذَا وُجِدَ جَمْعٌ من أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ بِمَا يُوَافِقُ هذا الْمُرْسَلَ دَلَّ على أَنَّ له أَصْلًا وَاعْتَرَضَ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ بِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِالْأَكْثَرِ الْأُمَّةَ فَهُوَ إجْمَاعٌ وَالْحُجَّةُ حِينَئِذٍ فيه لَا في الْمُرْسَلِ وَإِنْ أَرَادَ بَعْضَ الْأُمَّةِ فَقَوْلُهَا ليس بِحُجَّةٍ وَالْجَوَابُ عنه أَنَّهُ أَرَادَ الثَّانِيَ وَلَا شَكَّ أَنَّ الظَّنَّ يَقْوَى عِنْدَهُ وَكَذَا قَوْلُ الصَّحَابِيِّ وإذا قَوِيَ الظَّنُّ وَجَبَ الْعَمَلُ بِالْمُرْسَلِ فَمُجَرَّدُهُ ضَعِيفٌ وَكَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَحَالَةُ الِاجْتِمَاعِ قد يَقُومُ منها ظَنٌّ غَالِبٌ وَهَذَا شَأْنُ كل ضَعِيفَيْنِ اجْتَمَعَا الْخَامِسُ أَنَّهُ يُنْظَرُ في حَالِ الْمُرْسَلِ فَإِنْ كان إذَا سَمَّى شَيْخَهُ سَمَّى ثِقَةً لم يُحْتَجَّ بِمُرْسَلِهِ وَإِنْ كان إذَا سَمَّى لم يُسَمِّ إلَّا ثِقَةً ولم يُسَمِّ مَجْهُولًا وَلَا وَاهِيًا كان دَلِيلًا على صِحَّةِ الْمُرْسَلِ وقد تَقَدَّمَ أَنَّ هذا مَحَلُّ وِفَاقٍ لَكِنَّهُ دُونَ ما قَبْلَهُ السَّادِسُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى هذا الْمُرْسَلِ له فَإِنْ كان إذَا أَشْرَكَ غَيْرَهُ من الْحُفَّاظِ في حَدِيثٍ وَافَقَهُ فيه ولم يُخَالِفْهُ دَلَّ على حِفْظِهِ وَإِنْ خَالَفَهُ وَوُجِدَ حَدِيثُهُ أَنْقَصَ إمَّا في الْإِسْنَادِ أو الْمَتْنِ كان هذا دَلِيلًا على صِحَّةِ مَخْرَجِ حَدِيثِهِ وَأَنَّ له أَصْلًا فإن
  18. هذا يَدُلُّ على حِفْظِهِ وَتَحَرِّيهِ بِخِلَافِ ما إذَا كانت مُخَالَفَتُهُ بِزِيَادَتِهِ فإن هذا يُوجِبُ التَّوَقُّفَ وَالِاعْتِبَارَ وَهَذَا دَلِيلٌ من الشَّافِعِيِّ رضي اللَّهُ عنه على أَنَّ زِيَادَةَ الثِّقَةِ عِنْدَهُ لَيْسَتْ مَقْبُولَةً مُطْلَقًا كما يَظُنُّ جَمَاعَةٌ فإنه اعْتَبَرَ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُ هذا الْمُخَالِفِ أَنْقَصَ من حديث من خَالَفَهُ ولم يَعْتَبِرْ الْمُخَالِفَ بِالزِّيَادَةِ وَجَعَلَ نُقْصَانَ هذا الرَّاوِي من الحديث دَلِيلًا على صِحَّةِ مَخْرَجِ حَدِيثِهِ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ مَتَى خَالَفَ ما وُصِفَ أَضَرَّ ذلك بِحَدِيثِهِ وَلَوْ كانت الزِّيَادَةُ عِنْدَهُ مَقْبُولَةً مُطْلَقًا لم تَكُنْ مُخَالَفَتُهُ بِالزِّيَادَةِ مُضِرًّا بِحَدِيثِهِ السَّابِعُ هذا الْحُكْمُ لَا يَخْتَصُّ عِنْدَهُ بِمُرْسَلِ سَعِيدِ بن الْمُسَيِّبِ وَزَعَمَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ اخْتِصَاصَهُ بِسَعِيدٍ مُعْتَمِدًا على قَوْلِهِ في الْأُمِّ في كِتَابِ الرَّهْنِ الصَّغِيرِ وقد قِيلَ له كَيْفَ قَبِلْتُمْ عن ابْنِ الْمُسَيِّبِ مُنْقَطِعًا ولم تَقْبَلُوهُ عن غَيْرِهِ قُلْنَا لَا نَحْفَظُ لِسَعِيدٍ مُنْقَطِعًا إلَّا وَجَدْنَا ما يَدُلُّ على تَسْدِيدِهِ وَلَا يَأْثُرُهُ عن أَحَدٍ فِيمَا عَرَفْنَاهُ عنه إلَّا عن ثِقَةٍ مَعْرُوفٍ انْتَهَى وَهَذَا الْقَائِلُ كَأَنَّهُ لم يَنْظُرْ قَوْلَهُ بَعْدَهُ فَمَنْ كان مِثْلَ حَالِهِ قَبِلْنَا مُنْقَطِعَهُ وقد قال الْبَيْهَقِيُّ إنَّ الشَّافِعِيَّ يَقْبَلُ مَرَاسِيلَ كِبَارِ التَّابِعِينَ إذَا انْضَمَّ إلَيْهَا ما يُؤَكِّدُهَا وَمِمَّنْ وَافَقَ الشَّافِعِيَّ على مُرْسَلِ سَعِيدٍ يحيى بن مَعِينٍ وَأَحْمَدُ بن حَنْبَلٍ فَقَالَا أَصَحُّ الْمَرَاسِيلِ مُرْسَلُ سَعِيدٍ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ إرْسَالُ سَعِيدٍ عِنْدَنَا حَسَنٌ فَقِيلَ إنَّ مَرَاسِيلَ التَّابِعِينَ كُلِّهِمْ حُجَّةٌ وَإِنْ كان الشَّافِعِيُّ نَصَّ على مُرْسِلٍ وَاحِدٍ منهم لِيُسْتَدَلَّ بِهِ على غَيْرِهِ وَقِيلَ لَا يَكُونُ حُجَّةً ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ في مَعْنَى قَوْلِهِ مُرْسَلُ سَعِيدٍ حَسَنٌ فَقِيلَ حَسَنٌ في التَّرْجِيحِ بِهِ لَا في الِاسْتِدْلَالِ وَفِيهِ ضَعْفٌ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِمَرَاسِيلِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَقِيلَ إنَّمَا قَبِلَهَا لِأَنَّهَا وُجِدَتْ مَسَانِيدَ فإن الشَّافِعِيَّ لَمَّا رَوَى حَدِيثَهُ الْمُرْسَلَ في النَّهْيِ عن بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ قال وَإِرْسَالُ سَعِيدٍ عِنْدَنَا حَسَنٌ وَجَعَلَ الْخَبَرَ أَصْلًا لِأَنَّ مَرَاسِيلَهُ مُتَّبَعَةٌ فَوُجِدَتْ كُلُّهَا عن الصَّحَابَةِ من جِهَةِ غَيْرِهِ وَرَدَّ الْخَطِيبُ هذا بِأَنَّ منها ما لم يُوجَدْ مُسْنَدًا بِحَالٍ من وَجْهٍ يَصِحُّ وَقِيلَ إنَّهُ في الْجَدِيدِ لَا يُفَرِّقُ بين مُرْسَلِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَغَيْرِهِ في الرَّدِّ وَإِنَّمَا فَرَّقَ في الْقَدِيمِ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَكَذَا نَقَلَ التَّسْوِيَةَ عن الْجَدِيدِ الْخَطِيبُ في الْكِفَايَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِقَوْلِ الرُّويَانِيِّ
  19. إنَّ الشَّافِعِيَّ في كِتَابِ الرَّهْنِ الصَّغِيرِ من الْأُمِّ زَعَمَ أَنَّ مُرْسَلَ سَعِيدٍ حُجَّةٌ فَقَطْ وَيَشْهَدُ له عِبَارَةُ الْمُخْتَصَرِ أَنَّهُ حَسَنٌ لَكِنْ أَشَارَ ابن الرِّفْعَةِ إلَى أَنَّ الرَّهْنَ الصَّغِيرَ من الْقَدِيمِ وَإِنْ كان من كُتُبِ الْأُمِّ قال وَلِذَلِكَ نَسَبَ الْمَاوَرْدِيُّ قَبُولَ رِوَايَةِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ إلَى الْقَدِيمِ فَإِنْ ثَبَتَ هذا فَلَا خِلَافَ بين كَلَامِ الْمَاوَرْدِيِّ وَالرُّويَانِيِّ وَلَكِنَّهُ لم يَثْبُتْ وقال ابن أبي هُرَيْرَةَ في كِتَابِ الرِّبَا في تَعْلِيقِهِ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ في مُرْسَلِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وكان في الْقَدِيمِ يقول بِهِ وفي الْجَدِيدِ يُحَسِّنُهُ وَيُقَوِّي بِهِ ما دَلَّ عليه الْأُصُولُ وَإِنَّمَا قال بِهِ في الْقَدِيمِ لِأَنَّ عَامَّةَ مَرَاسِيلِهِ إذَا تُتُبِّعَ وُجِدَ مُتَّصِلًا انْتَهَى وقال ابن فُورَكٍ في كِتَابِهِ لَا يُقْبَلُ الْمُرْسَلُ وقد قال الشَّافِعِيُّ في الْقَدِيمِ إنَّ إرْسَالَ ابْنِ الْمُسَيِّبِ حَسَنٌ لِأَنَّهُ كَشَفَ عن حَدِيثِهِ فَوَجَدَهُ مُتَّصِلًا فَاكْتَفَى عن طَلَبِ كل حَدِيثٍ بَعْدَ فَرَاغِهِ من الْجُمْلَةِ وَيَتَقَوَّى بِهِ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ لَا مَحَالَةَ ثُمَّ قال وَاعْتَمَدَ الشَّافِعِيُّ في ذلك على أَنَّ الْمَسْكُوتَ عنه يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا وَأَنْ لَا يَكُونَ إلَى آخِرِهِ فَاقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ عِنْدَهُ في الْجَدِيدِ في رَدِّهِ مُطْلَقًا وَأَنَّهُ في الْقَدِيمِ اسْتَثْنَى سَعِيدًا وَفِيهِ ما سَبَقَ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ وَأَمَّا مُرْسَلُ سَعِيدٍ فإن الشَّافِعِيَّ قال بِهِ في كُتُبِهِ الْقَدِيمَةِ ولم يُرِدْ بِهِ تَخْصِيصَ ابْنِ الْمُسَيِّبِ دُونَ غَيْرِهِ من مَذْهَبُهُ مَذْهَبُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ في ذلك لَكِنْ ظَهَرَ لِلشَّافِعِيِّ مَذْهَبُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ لم يُرْسِلْ حَدِيثًا ليس له أَصْلٌ في الْمُتَّصِلِ ولم يَظْهَرْ له مِثْلُ هذا في غَيْرِهِ فَإِنْ عُرِفَ هذا في مُرْسَلِ غَيْرِهِ كَمُرْسَلِ عَطَاءٍ وَالْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ وَمَكْحُولٍ كان الْكَلَامُ فِيهِمْ كَذَلِكَ وقال الْخَفَّافَ في كِتَابِ الْخِصَالِ لَا يَجُوزُ قَبُولُ الْمُرْسَلِ عِنْدَنَا إلَّا في صُورَتَيْنِ إحْدَاهُمَا أَنْ يَرْوِيَ الصَّحَابِيُّ عن صَحَابِيٍّ وَلَا يُسَمِّيهِ فَذَلِكَ وَالْمُسْنَدُ سَوَاءٌ وَالثَّانِي التَّابِعِيُّ إذَا أَرْسَلَ وَسَمَّى فَإِنْ كان مَعْرُوفًا أَنْ لَا يَرْوِيَ إلَّا عن صَحَابِيٍّ مِثْلِ سَعِيدِ بن الْمُسَيِّبِ فَإِرْسَالُهُ وَإِسْنَادُهُ في ذلك سَوَاءٌ انْتَهَى وَهَذَا مَعْنًى آخَرُ في قَبُولِ مُرْسَلِ سَعِيدٍ وَنَحْوِهِ وقال الشَّيْخُ أبو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ في شَرْحِ التَّلْخِيصِ من أَصْحَابِنَا من جَعَلَ الْمَسْأَلَةَ على قَوْلَيْنِ وَلَيْسَ يُغْنِي وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بين مُرْسَلِ سَعِيدٍ وَغَيْرِهِ في أَنَّهُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ أَبَدًا وفي الْمَوْضِعِ الذي جَعَلَهُ أَرَادَ بِهِ في تَرْجِيحِ أَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ على الْآخَرِ انْتَهَى
  20. وقال أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ في كِتَابِهِ الْمُرْسَلُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ وقد قال الشَّافِعِيُّ في الْقَدِيمِ وَإِرْسَالُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عِنْدَنَا حَسَنٌ وَأَخَذَ بِذَلِكَ في الْجَدِيدِ في مَسَائِلَ مَعْدُودَةٍ منها بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ عِنْدَنَا إرْسَالُهُ حَسَنٌ أَنَّهُ تَتَبَّعَ أَخْبَارَهُ كُلَّهَا فَوَجَدَهَا أو أَكْثَرَهَا مُتَّصِلَةً فَاكْتَفَى بِذَلِكَ عن تَطَلُّبِ كل حَدِيثٍ بَعْدَ مُرَادِهِ من الْجُمْلَةِ لَا أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ تَخْصِيصَهُ عن سَائِرِ الْمَرَاسِيلِ انْتَهَى وقال الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ في كِتَابِهِ قد كان الشَّافِعِيُّ في الْقَدِيمِ يَسْتَحْسِنُ إرْسَالَ سَعِيدٍ وَكَأَنَّهُ ذَهَبَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إلَى أَنَّ عَامَّةَ مَرَاسِيلِهِ إذَا انْعَقَدَتْ وُجِدَ لها في الرِّوَايَاتِ الْمَوْصُولَةِ أَصْلٌ وَإِنَّا لم نَعْلَمْ أَحَدًا من الضُّعَفَاءِ أَرْسَلَ عنه وَلَا رَوَى عنه بَلْ جُمْلَةُ رِوَايَاتِهِ عن الصَّحَابَةِ وَالثِّقَاتِ من أَهْلِ النَّقْلِ قال وقد ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ في الرِّسَالَةِ الْجَدِيدَةِ أَنَّ الحديث يُعْتَبَرُ بِأُمُورٍ منها أَنْ يُنْظَرَ إلَى ما أَرْسَلَ فَإِنْ شَرَكَهُ فيه الْحُفَّاظُ الْمَأْمُونُونَ فَأَسْنَدَ قَوْلَهُ إلَى رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بِمِثْلِ مَعْنَى ما رَوَى كان في ذلك ما يُسْنِدُ وَمِنْهَا ما يُؤْخَذُ عن بَعْضِ الصَّحَابَةِ من قَوْلِهِمْ وما يُوَافِقُ الْخَبَرَ الْمُرْسَلَ وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ إذَا سَمَّى من رَوَى عنه لم يُسَمِّ مَجْهُولًا وَلَا مَرْغُوبًا عنه في الرِّوَايَةِ وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ إذَا أَشْرَكَ أَحَدًا من الْحُفَّاظِ في حَدِيثِهِ لم يُخَالِفْهُ ثُمَّ قال بَعْدَ ذِكْرِ هذه الشَّرَائِطِ وإذا وُجِدَتْ الدَّلَائِلُ بِصِحَّةِ حَدِيثِهِ بِمَا وَصَفْت أَحْبَبْنَا أَنْ يُقْبَلَ مُرْسَلُهُ وَلَا نَزْعُمُ أَنَّ الْحُجَّةَ ثَبَتَتْ ثُبُوتَهَا بِالْمُتَّصِلِ وقال فَأَمَّا من بَعْدِ كِبَارِ التَّابِعِينَ الَّذِينَ كَثُرَتْ مُشَاهَدَتُهُمْ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ فَلَا أَعْلَمُ منهم وَاحِدًا يُقْبَلُ مُرْسَلُهُ وقد ذُكِرَ فيه من الشَّرَائِطِ ما ذُكِرَ قال وَأَشَارَ إلَى قُوَّةِ مَرَاسِيلِ كِبَارِ التَّابِعِينَ على مَرَاسِيلِ من دُونَهُمْ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْحُجَّةُ بِالْمُنْقَطِعِ ثُبُوتَهَا بِالْمُتَّصِلِ فَدَلَّ على أَنَّ أَصْلَ الْمَرَاسِيلِ عِنْدَهُ ضَعِيفٌ وَمَشْهُورٌ على لِسَانِ الْمُوَافِقِ وَالْمُخَالِفِ تَضْعِيفُهُ لِلْمَرَاسِيلِ وَالْوَجْهُ في تَضْعِيفِهِ ما أَوْمَأْنَا إلَيْهِ من جَهَالَةِ الْوَاسِطَةِ انْتَهَى كَلَامُ الْقَفَّالِ وقال الْمَاوَرْدِيُّ في بَابِ النَّفَقَةِ من الْحَاوِي إنَّ مُرْسَلَ أبي سَلَمَةَ بن عبد الرحمن
  21. عِنْدَ الشَّافِعِيِّ حَسَنٌ وَأَنَّ الْمُرْسَلَ الذي حَصَلَتْ فيه هذه الشَّوَاهِدُ أو بَعْضُهَا يُسَوَّغُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ وَلَا يَلْزَمُ لُزُومَ الْحُجَّةِ بِالْمُتَّصِلِ وَكَأَنَّهُ رضي اللَّهُ عنه يُسَوِّغُ الِاحْتِجَاجَ بِهِ ولم يُنْكِرْ على من خَالَفَهُ قال الْبَيْهَقِيُّ في الْمَعْرِفَةِ لم نَجِدْ حَدِيثًا ثَابِتًا مُتَّصِلًا خَالَفَهُ جَمِيعُ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا وقد وَجَدْنَا مَرَاسِيلَ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ على خِلَافِهَا وَذَكَرَ منها حَدِيثَ مُحَمَّدِ بن الْمُنْكَدِرِ الْآتِي قَرِيبًا وَظَنَّ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ في كِتَابِ التَّقْرِيبِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ أَرَادَ بِالِاسْتِحْبَابِ قَسِيمَ الْوُجُوبِ قال فَقَدْ نَصَّ على أَنَّ الْقَبُولَ عِنْدَ تِلْكَ الشُّرُوطِ مُسْتَحَبٌّ غَيْرُ وَاجِبٍ انْتَهَى وَلَيْسَ كما قال بَلْ مُرَادُ الشَّافِعِيِّ بِالِاسْتِحْبَابِ أَنَّ الْحُجَّةَ فيها ضَعِيفَةٌ وَلَيْسَتْ بِحُجَّةِ الْمُتَّصِلِ فإذا انْتَهَضَتْ الْحُجَّةُ وَجَبَ الْأَخْذُ لَا مَحَالَةَ فإذا عَارَضَهُ مُتَّصِلٌ كانت التَّقْدِمَةُ مُقَدَّمَةً عليه إذْ لَيْسَتْ الْأَدِلَّةُ ما يَكُونُ الْأَخْذُ بِهِ مُسْتَحَبًّا أَبَدًا وَلَكِنَّ فيها ما يَتَفَاوَتُ وَيَنْفَعُ ذلك عِنْدَ التَّعَارُضِ وقال الرَّبِيعِيُّ في الْمَدْخَلِ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْبَبْنَا أَنْ تُقْبَلَ مُرْسَلُهُ أَرَادَ بِهِ اخْتَرْنَا وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ الْقَفَّالِ في شَرْحِ التَّلْخِيصِ في بَابِ اللُّقَطَةِ إنَّ الشَّافِعِيَّ يقول أُحِبُّ وَأُرِيدُ بِهِ الْإِيجَابَ وَزَعَمَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ يَحْتَجُّ بِالْمُرْسَلِ إذَا لم يُوجَدْ دَلَالَةٌ سِوَاهُ وقال الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ في الْكِفَايَةِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بين مُرْسَلِ سَعِيدٍ وَغَيْرِهِ من التَّابِعِينَ وَإِنَّمَا رَجَّحَ الشَّافِعِيُّ بِهِ وَالتَّرْجِيحُ بِالْمُرْسَلِ صَحِيحٌ وَإِنْ لم يَكُنْ حُجَّةً بِمُفْرَدِهِ التَّاسِعُ أَنَّ الْمُرْسَلَ الْعَارِيَ من هذه الِاعْتِبَارَاتِ وَالشَّوَاهِدِ التي ذَكَرَهَا ليس بِحُجَّةٍ عِنْدَهُ وَلِهَذَا قال أخبرنا ابن عُيَيْنَةَ عن مُحَمَّدِ بن الْمُنْكَدِرِ أَنَّ رَجُلًا جاء إلَى النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فقال يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لي مَالًا وَعِيَالًا وَإِنَّ لِأَبِي مَالًا وَعِيَالًا فَيُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ مَالِي فَيُطْعِمَ عِيَالَهُ فقال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أنت وَمَالُك لِأَبِيك قال الشَّافِعِيُّ محمد بن الْمُنْكَدِرِ غَايَةٌ في الثِّقَةِ وَالْفَضْلِ وَالدِّينِ وَالْوَرَعِ وَلَكِنْ لَا نَدْرِي عَمَّنْ قَبِلَ هذا الحديث
  22. الْعَاشِرُ أَنَّ مَأْخَذَ رَدِّ الْمُرْسَلِ عِنْدَهُ إنَّمَا هو احْتِمَالُ ضَعْفِ الْوَاسِطَةِ وَأَنَّ الْمُرْسَلَ لو سَمَّاهُ لَبَانَ أَنَّهُ لَا يَحْتَجُّ بِهِ وَعَلَى هذا الْمَأْخَذِ فإذا كان الْمَعْلُومُ من عَادَةِ الْمُرْسِلِ أَنَّهُ لم يُسَمِّ إلَّا ثِقَةً ولم يُسَمِّ مَجْهُولًا كان مُرْسَلُهُ حُجَّةً وَإِنْ كان يَرْوِي عن الثِّقَةِ وَغَيْرِهِ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ وقد صَرَّحَ الشَّافِعِيُّ بهذا الْمَعْنَى في غَيْرِ مَوْضِعٍ فقال وَذَكَرَ حَدِيثَ الزُّهْرِيِّ في الضَّحِكِ في الصَّلَاةِ مُرْسَلًا قال يَقُولُونَ يُحَابِي وَلَوْ حَابَيْنَا حَابَيْنَا الزُّهْرِيَّ وَإِرْسَالُ الزُّهْرِيِّ ليس بِشَيْءٍ وَذَاكَ أَنَّا نَجِدُهُ يَرْوِي عن سُلَيْمَانَ بن أَرْقَمَ وَهَذَا أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ في الْمَسْأَلَةِ وهو مَبْنِيٌّ على أَصْلٍ وهو أَنَّ رِوَايَةَ الثِّقَةِ عن غَيْرِهِ هل هِيَ تَعْدِيلٌ أَمْ لَا وَفِيهِ خِلَافٌ وَالصَّحِيحُ التَّفْصِيلُ وهو أَنَّ الثِّقَةَ إنْ كان من عَادَتِهِ أَنَّهُ لَا يَرْوِي إلَّا عن ثِقَةٍ كانت تَعْدِيلًا وَإِلَّا فَلَا كما سَبَقَ وَمِنْ هُنَا ظَنَّ جَمَاعَةٌ أَنَّ الْعِلَّةَ في قَبُولِ الشَّافِعِيِّ لِمُرْسَلِ سَعِيدٍ كَوْنُهُ اعْتَبَرَهَا فَوَجَدَهَا مَسَانِيدَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِلَّا كان الِاحْتِجَاجُ حِينَئِذٍ بِالْمُسْنَدِ فيها وَيَجِيءُ اعْتِرَاضُ الْقَاضِي السَّابِقِ وَلَكِنْ لَمَّا كان حَالُ صَاحِبِهَا أَنَّهُ لَا يَرْوِي إلَّا عن ثِقَةٍ حُمِلَ هذا الْمُرْسَلُ على ما عُرِفَ من عَادَتِهِ صَحِيحٌ بِهِ وَلِهَذَا تُقْبَلُ مَرَاسِيلُ الصَّحَابَةِ وَإِنْ اُحْتُمِلَ كَوْنُهُ عن تَابِعِيٍّ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُمْ لَا يَرْوُونَ إلَّا عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أو عن صَحَابِيٍّ لَا سِيَّمَا حَالَةَ الْإِطْلَاقِ فَحُمِلَ على الْغَالِبِ الْحَادِيَ عَشَرَ أَنَّ مُرْسَلَ من بَعْدَ التَّابِعِينَ لَا يُقْبَلُ ولم يُحْكَ عن أَحَدٍ قَبُولُهُ لِتَعَدُّدِ الْوَسَائِطِ وَلِأَنَّهُ لو قُبِلَ لَقُبِلَ مُرْسَلُ الْمُحَدِّثِ الْيَوْمَ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم مَفَاوِزُ ولم يَقْبَلْهُ أَحَدٌ إلَّا ما سَبَقَ عن الْغَزَالِيِّ في الْمَنْخُولِ وقد رَدَدْنَاهُ الثَّانِيَ عَشَرَ أَنَّ ظَاهِرَهُ قَبُولُ مُرْسَلِ كِبَارِ التَّابِعِينَ دُونَ صِغَارِهِمْ وَلِهَذَا قال في الرِّسَالَةِ بَعْدَ النَّصِّ الْمُتَقَدِّمِ بِكَلَامٍ وَمَنْ نَظَرَ في الْعِلْمِ بِخِبْرَةٍ وَقِلَّةِ غَفْلَةٍ اسْتَوْحَشَ من مُرْسَلِ كل من دُونَ كِبَارِ التَّابِعِينَ بِدَلَائِلَ ظَاهِرَةٍ فيها قال له قَائِلٌ فَلِمَ فَرَّقْت بين كِبَارِ التَّابِعِينَ الْمُتَقَدِّمِينَ الَّذِينَ شَاهَدُوا أَصْحَابَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَمَنْ شَاهَدَ بَعْضَهُمْ دُونَ بَعْضٍ قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَقُلْت لِبُعْدِ إحَالَةِ من لم يَشْهَدْ أَكْثَرَهُمْ قال فَلِمَ يُقْبَلُ الْمُرْسَلُ منهم وَمِنْ كل ثِقَةٍ دُونَهُمْ فَقُلْت لِمَا وَصَفْت انْتَهَى فَلْيُعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَهُ ذلك إلَّا أَنْ يُوجَدَ له نَصٌّ بِخِلَافِهِ فَيَكُونُ له قَوْلَانِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ جَعَلَ لِمُرْسَلِ كِبَارِ التَّابِعِينَ مَزِيَّةً على من دُونَهُمْ كما جَعَلَ لِمُرْسَلِ سَعِيدٍ مَزِيَّةً على من
  23. سِوَاهُ منهم لَكِنْ هذا كُلُّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ من كَلَامِهِ ثُمَّ قال الشَّافِعِيُّ رضي اللَّهُ عنه في الرِّسَالَةِ فَكُلُّ حَدِيثٍ كَتَبْته مُنْقَطِعًا فَقَدْ سَمِعْته مُتَّصِلًا أو مَشْهُورًا عَمَّنْ رُوِيَ عنه بِنَقْلِ عَامَّةٍ من أَهْلِ الْعِلْمِ يَعْرِفُونَهُ عن عَامَّةٍ وَلَكِنْ كَرِهْت وَضْعَ حَدِيثٍ لَا أُتْقِنُهُ حِفْظًا خَوْفَ طُولِ الْكِتَابِ وَغَابَ عَنِّي بَعْضُ كُتُبِي انْتَهَى فَنَبَّهَ رضي اللَّهُ عنه على أَنَّ كُلَّ ما يُورِدُهُ من الْمُنْقَطِعَاتِ فَهُوَ مُتَّصِلٌ سَوَاءٌ ابن الْمُسَيِّبِ أو غَيْرُهُ وَاسْتَفَدْنَا من هذا أَنَّ ما وَجَدْنَاهُ في كُتُبِهِ من الْمَرَاسِيلِ لَا يَقْدَحُ في مَذْهَبِهِ من عَدَمِ الِاحْتِجَاجِ بها فَأَبَانَ بهذا أَنَّ ما نَجِدُهُ من الْمُرْسَلِ هو عِنْدَهُ مُتَّصِلٌ وَلَكِنْ تَرَكَ إسْنَادَهُ لِمَا ذَكَرَ الثَّالِثَ عَشَرَ أَنَّهُ لَا يقول بِالْمُرْسَلِ إذَا لم يَعْتَضِدْ بِمَا سَبَقَ وَزَعَمَ الْمَاوَرْدِيُّ في بَابِ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ أَنَّهُ يقول بِهِ إذَا لم يَجِدْ في الْبَابِ سِوَاهُ وهو غَرِيبٌ وَيَعْضُدُهُ عَمَلُ الشَّافِعِيِّ بِأَقَلِّ ما قِيلَ إذَا لم نَجِدْ دَلِيلًا لَكِنْ يَلْزَمُهُ طَرْدُ ذلك في كل حَدِيثٍ ضَعِيفٍ وهو بَعِيدٌ تَنْبِيهٌ أَحَادِيثُ مُرْسَلَةٌ تَرَكَهَا الْمَالِكِيَّةُ قد تَرَكَتْ الْمَالِكِيَّةُ مُرْسَلَ أبي الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيِّ في الْوُضُوءِ من الْقَهْقَهَةِ في الصَّلَاةِ وَلَا عِلَّةَ له سِوَى الْإِرْسَالِ وَتَرَكُوا مُرْسَلَ مَالِكٍ عن هِشَامِ بن عُرْوَةَ عن أبيه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم صلى في مَرَضِهِ الذي مَاتَ فيه بِالنَّاسِ جَالِسًا وَالنَّاسُ قِيَامٌ وَأَعْجَبُ من هَذَيْنِ مُرْسَلٌ أَرْسَلَهُ تَابِعُوا فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ الْأَرْبَعَةِ وَهُمْ سَعِيدُ بن الْمُسَيِّبِ وَالْقَاسِمُ بن مُحَمَّدٍ وَسَالِمُ بن عبد اللَّهِ بن عُمَرَ وأبو سَلَمَةَ بن عبد الرحمن وهو ما رَوَاهُ اللَّيْثُ بن سَعْدٍ عن عُقَيْلِ بن خَالِدٍ عن ابْنِ شِهَابٍ عن أَرْبَعَتِهِمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ على كل إنْسَانٍ مَكَانَ صَاعٍ من شَعِيرٍ وَذَكَرَ سَعِيدُ بن الْمُسَيِّبِ أَنَّ ذلك كان عَمَلَ الناس أَيَّامَ أبي بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي اللَّهُ عنهما
  24. أَحَادِيثُ مُرْسَلَةٌ تَرَكَهَا الْحَنَفِيَّةُ وَكَذَلِكَ أَعْرَضَ الْحَنَفِيَّةُ عن مُرْسَلِ سَعِيدٍ في النَّهْيِ عن بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ مع أَنَّهُ لَا يُرْسَلُ إلَّا عن ثِقَةٍ مَسْأَلَةٌ أُمُورٌ مُلْحَقَةٌ بِالْمُرْسَلِ أو مُخْتَلَفٌ فيها أَلْحَقَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِالْمُرْسَلِ قَوْلَهُ في الْإِسْنَادِ عن رَجُلٍ أو شَيْخٍ أو نَحْوِ ذلك وَرَأَيْته كَذَلِكَ في كِتَابِ الْقَفَّالِ الشَّاشِيِّ لَكِنْ قال الْحَاكِمُ وابن الْقَطَّانِ من الْمُحَدِّثِينَ إنَّهُ لَا يُسَمَّى مُرْسَلًا بَلْ مُنْقَطِعًا قال الْإِمَامُ وَقَوْلُ الرَّاوِي أخبرني رَجُلٌ أو عَدْلٌ مَوْثُوقٌ بِهِ من الْمُرْسَلِ أَيْضًا وَكَذَا قال في الْمَحْصُولِ إذَا سَمَّى الرَّاوِي الْأَصْلَ بِاسْمٍ لَا يُعْرَفُ فَهُوَ كَالْمُرْسَلِ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَكَذَلِكَ إضَافَةُ الْخَبَرِ إلَى كِتَابٍ كَتَبَهُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم من غَيْرِ أَنْ يَذْكُرَ من حَمَلَهُ وَنَقَلَهُ وَأَلْحَقَ بِهِ الْمَازِرِيُّ ما وَقَعَ في الصَّحِيحِ من قَوْلِهِ نَادَى مُنَادِي رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّ الْخَمْرَ قد حُرِّمَتْ وَقَوْلُهُ نَادَى مُنَادٍ بِإِكْفَاءِ الْقُدُورِ التي طُبِخَ فيها لُحُومُ الْحُمُرِ لِأَنَّ الْمُنَادِيَ إذَا لم يُسَمَّ صَارَ كَكِتَابٍ أُضِيفَ إلَى النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّهُ أَرْسَلَهُ ولم يُسَمِّ حَامِلَهُ وَنَاقِلَهُ وَلَكِنْ عَلِمَ الْمُحَدِّثُ عَيْنَ النِّدَاءِ فإن ذلك لَا يَخْفَى على النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم حتى يُعْلَمَ ضَرُورَةً أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَمَرَ بِهِ فَنُزِّلَ ذلك مَنْزِلَةَ سَمَاعِ الْأَمْرِ منه صلى اللَّهُ عليه وسلم وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في النِّهَايَةِ كُلُّ كِتَابٍ لم يُذْكَرْ حَامِلُهُ فَهُوَ مُرْسَلٌ وَالشَّافِعِيِّ لَا يَرَى التَّعَلُّقَ بِالْمُرْسَلِ وَكَذَلِكَ قال الْمَاوَرْدِيُّ وَمِثْلُهُ ما يَقَعُ في الْأَسَانِيدِ أَنَّ فُلَانًا كَتَبَ إلَيَّ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ لِجَهَالَةِ الْوَاسِطَةِ كَالْمُرْسَلِ لَكِنْ نَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ الذي عليه الْجُمْهُورُ من أَرْبَابِ النَّقْلِ وَغَيْرُهُمْ جَوَازُ الرِّوَايَةِ لِأَحَادِيثِ الْكِتَابَةِ وَوُجُوبُ الْعَمَلِ بها فَإِنَّهَا دَاخِلَةٌ في الْمُسْنَدِ وَذَلِكَ بَعْدَ ثُبُوتِ صِحَّتِهَا عِنْدَ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ لها وَوُثُوقِهِ بِأَنَّهَا عن كَاتِبِهَا
  25. فَصْلٌ في الْفَرْقِ بين الرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ قال الْقَرَافِيُّ أَقَمْت زَمَانًا أَتَطَلُّبُ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا بِالْحَقِيقَةِ حتى وَجَدْته مُحَقَّقًا في كَلَامِ الْمَازِرِيِّ في شَرْحِ الْبُرْهَانِ فإن كَثِيرًا من الناس يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا بِاخْتِلَافِهِمَا في بَعْضِ الْأَحْكَامِ وهو إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ تَحْقِيقِ فَصْلِ كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَحَاصِلُ الْفَرْقِ أَنَّ الرِّوَايَةَ وَالشَّهَادَةَ خَبَرَانِ غير أَنَّ الْخَبَرَ إنْ كان عن حُكْمٍ عَامٍّ تَعَلَّقَ بِالْأُمَّةِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِمُعَيَّنٍ مُسْتَنَدُهُ السَّمَاعُ فَهُوَ الرِّوَايَةُ وَإِنْ كان خَبَرًا جُزْئِيًّا يَتَعَلَّقُ بِمُعَيَّنٍ مُسْتَنَدُهُ الْمُشَاهَدَةُ أو الْعِلْمُ فَهُوَ الشَّهَادَةُ فَالرِّوَايَةُ تَعُمُّ حُكْمَ الرَّاوِي وَغَيْرِهِ على مَمَرِّ الْأَزْمَانِ وَالشَّهَادَةُ مَحْضُ الْمَشْهُودِ عليه وَلَهُ وَلَا يَتَعَدَّاهُمَا إلَّا بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ وَمِنْ ثَمَّ كان بَابُ الرِّوَايَةِ أَوْسَعَ من بَابِ الشَّهَادَةِ لِأَنَّ مَبْنَى حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ على التَّضْيِيقِ وَالرِّوَايَةُ تَقْتَضِي شَرْعًا عَامًّا فَلَا يَتَعَلَّقُ بِمُعَيَّنٍ فَتَبْعُدُ فيه التُّهْمَةُ فَلِذَلِكَ تُوُسِّعَ فيه فلم يُشْتَرَطْ فيه انْتِفَاءُ الْقَرَابَةِ وَالْعَرَافَةِ وَلَا وُجُودُ الْعَدَدِ وَالذُّكُورَةُ وَالْحُرِّيَّةُ وَاسْتَشْكَلَ الْأَصْفَهَانِيُّ في هذا الْفَرْقِ بِأَنَّ عُمُومَ الْحُكْمِ يَقْتَضِي الِاحْتِيَاطَ وَالِاسْتِظْهَارَ بِالْعَدَدِ وَجَوَابُهُ أَنَّ الرَّاوِيَ يُثْبِتُ حُكْمًا على نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ فلم يَتَطَرَّقْ إلَيْهِ التُّهْمَةُ بِخِلَافِ الشَّاهِدِ فإنه يُثْبِتُ حَقًّا على غَيْرِهِ فَاحْتِيطَ له وقد ذَكَرَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بن عبد السَّلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ وُجُوهًا لِمُنَاسَبَةِ الْعَدَدِ في الشَّهَادَةِ دُونَ الرِّوَايَةِ منها أَنَّ الْغَالِبَ على الْمُسْلِمِينَ مَهَابَةُ الْكَذِبِ على رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بِخِلَافِ شَهَادَةِ الزُّورِ فَاحْتِيجَ إلَى الِاسْتِظْهَارِ فيها وَمِنْهَا أَنَّهُ قد يَنْفَرِدُ بِالْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَلَوْ لم يُقْبَلْ لَفَاتَ على أَهْلِ الْإِسْلَامِ تِلْكَ الْمَصْلَحَةُ الْعَامَّةُ بِخِلَافِ فَوَاتِ حَقٍّ وَاحِدٍ على شَخْصٍ وَاحِدٍ في الْمُحَاكَمَاتِ وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّ الْعَمَلَ بِتَزْكِيَةِ الْوَاحِدِ في الرِّوَايَةِ أَحْوَطُ وَمِنْهَا أَنَّ بين كَثِيرٍ من الْمُسْلِمِينَ إحَنًا وَعَدَاوَاتٍ قد تَحْمِلُهُمْ على شَهَادَةِ الزُّورِ بِخِلَافِ الْأَخْبَارِ النَّبَوِيَّةِ وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رضي اللَّهُ عنه قد تَعَرَّضَ لِلْفَرْقِ بين الرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ في
  26. مُنَاظَرَةٍ له مع صَاحِبِ أبي حَنِيفَةَ حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ في بَابِ شَهَادَةِ النِّسَاءِ فقال قال الشَّافِعِيُّ وَالْخَبَرُ ما اسْتَوَى فيه الْمُخْبِرُ وَالْمُخْبَرُ وَالْعَامَّةُ من حَلَالٍ وَحَرَامٍ وَالشَّهَادَةُ ما كان الشَّاهِدُ فيه خَلِيًّا وَالْعَامَّةُ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْمَشْهُودَةَ عليه ثُمَّ قال الرُّويَانِيُّ فَإِنْ قِيلَ ما مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ الْخَبَرُ ما اسْتَوَى فيه الْمُخْبِرُ وَالْمُخْبَرُ وَمِنْ الْأَخْبَارِ ما لَا يَلْزَمُ الرَّاوِيَ بِهِ حُكْمٌ وَيَلْزَمُ غَيْرَهُ وَمِنْ الشَّهَادَاتِ ما يَلْزَمُ الشَّاهِدَ بها الْحُكْمُ كما يَلْزَمُ الْمَشْهُودَ عليه وهو الشَّهَادَةُ على الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ قُلْنَا قال الشَّافِعِيُّ هذا وَأَرَادَ ما فَسَّرَهُ بِهِ من تَحْلِيلٍ وَتَحْرِيمٍ اللَّذَيْنِ هُمَا مُؤَبَّدَانِ لَا يَنْقَطِعَانِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ما ذَكَرُوهُ في الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ وَغَيْرِ ذلك مِمَّا يُقْطَعُ وَحَكَى ابن الْقَاصِّ عن أبي الطَّيِّبِ بن سَلَمَةَ أَنَّهُ كان يقول قد يَسْتَوِي الشَّاهِدُ وَالْمَشْهُودُ عليه في الْحُكْمِ وهو ما إذَا شَهِدَ اثْنَانِ من الْوَرَثَةِ على الْمَيِّتِ بِدَيْنٍ لِإِنْسَانٍ فإنه يَلْزَمُهُمَا من الدَّيْنِ ما يَلْزَمُ الْجَاحِدَ من الْوَرَثَةِ وقد يَكُونُ في الْأَخْبَارِ من يَخْتَصُّ بِهِ غَيْرُهُ وَلَا يَجِبُ على الرَّاوِي بِهِ شَيْءٌ وَلَكِنْ أَرَادَ الشَّافِعِيُّ بِمَا قَالَهُ الْغَالِبَ من أَمْرِهِمَا فإن الْغَالِبَ من الشَّهَادَةِ أَنَّ الشَّاهِدَ لَا يَدْخُلُ فِيمَا يَجِبُ له وَالْغَالِبُ من الْخَبَرِ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم اسْتِوَاءُ الْمُخْبِرِ وَسَائِرِ الناس فيه انْتَهَى ما يَخْتَلِفُ فيه الرِّوَايَةُ وَالشَّهَادَةُ وَأَمَّا ما يَخْتَلِفَانِ فيه من الْأَحْكَامِ فَكَثِيرٌ أَحَدُهَا عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةَ في الرِّوَايَةِ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ وَثَانِيهَا أَنَّ التَّزْكِيَةَ في الشَّهَادَةِ لَا تَكُونُ إلَّا بِاثْنَيْنِ وَيُكْتَفَى في التَّعْدِيلِ في الرِّوَايَةِ بِوَاحِدٍ وَثَالِثُهَا عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْعَدَدِ في الرِّوَايَةِ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ وَرَابِعُهَا اشْتِرَاطُ الْبَصَرِ وَعَدَمِ الْقَرَابَةِ وَالْعَدَاوَةِ في الشَّهَادَةِ دُونَ الرِّوَايَةِ وقد قَبِلَتْ الصَّحَابَةُ خَبَرَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ في الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ وَخَامِسُهَا من كَذَبَ ثُمَّ تَابَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ وَمَنْ كَذَبَ في حديث رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ثُمَّ تَابَ لم يُقْبَلْ حَدِيثُهُ بَعْدَ ذلك عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ وَوَافَقَهُمْ أبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ وابن الْقَطَّانِ وَالْقَفَّالُ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ وهو الصَّحِيحُ خِلَافًا لِلنَّوَوِيِّ كما سَبَقَ وَسَادِسُهَا أَنَّ الرَّاوِيَ إذَا كَذَبَ في حَدِيثٍ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم رُدَّتْ جَمِيعُ أَحَادِيثِهِ
  27. السَّالِفَةِ وَوَجَبَ نَقْضُ ما عُمِلَ بِهِ منها وَإِنْ لم يُنْقَضْ الْحُكْمُ بِشَهَادَةِ من حَدَثَ فِسْقُهُ لِأَنَّ الحديث حُجَّةٌ لَازِمَةٌ لِجَمِيعِ الناس وفي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ فَكَانَ حُكْمُهُ أَغْلَظَ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ في الْحَاوِي سَابِعُهَا تَجُوزُ الرِّوَايَةُ بِمَا يَعُودُ نَفْعُهُ على الرَّاوِي وَلَا يَجُوزُ ذلك في الشَّهَادَةِ لِاشْتِرَاكِ الناس في السُّنَنِ وَالرِّوَايَاتِ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الْبُرْهَانِ وابن الْقُشَيْرِيّ في أُصُولِهِ وَنَقَلَا ذلك عن الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُمَا قَالَا قال الشَّافِعِيُّ لو رَوَى عَدْلٌ خَبَرًا في أَثْنَاءِ خُصُومَةٍ وكان فَحْوَاهُ حُجَّةً على الْخَصْمِ فَالرِّوَايَةُ مَقْبُولَةٌ وَلَا يَجْعَلُ لِلتُّهْمَةِ مَوْضِعًا وَكَذَا الرِّوَايَةُ الْجَارَّةُ لِلنَّفْعِ وَالدَّفْعِ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ هذا لَفْظُهُ وَمِثْلُهُ خَبَرُ الرَّاوِي لِنَفْسِهِ نَفْعًا رَاجِحًا لم يَسْتَحْضِرْ الْقَرَافِيُّ في فُرُوعِهِ فيها نَقْلًا وَحَكَى الرَّافِعِيُّ قبل بَابِ الصِّيَالِ أَنَّ الْعَبْدَ لو رَوَى خَبَرًا يَقْتَضِي إعْتَاقَهُ لم يُقْبَلْ أو إعْتَاقَ من اجْتَمَعَ فيه كَذَا وَكَذَا وَكَانَتْ فيه قِيلَ لِأَنَّهُ ضِمْنٌ لَا قَصْدًا وَهَذَا أَحْسَنُ ثَامِنُهَا إذَا حَدَّثَ الْعَدْلُ بِحَدِيثٍ رَجَعَ عنه لِغَلَطٍ وَجَدَهُ في أَصْلِ كِتَابِهِ أو حِفْظٍ عَادَ إلَيْهِ قُبِلَ منه رُجُوعُهُ وَكَذَا الزِّيَادَةُ بِاللَّفْظِ قَالَهُ الصَّيْرَفِيُّ قال وَهَذَا بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ يَحْكُمُ بها الْقَاضِي ثُمَّ يَرْجِعُ الشَّاهِدُ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ حُقُوقًا لِلْآدَمِيِّينَ لَا تَزُولُ بِالرُّجُوعِ وَمَضَى الْحُكْمُ بها وَالْمُخْبِرُ بها يَدْخُلُ في جُمْلَةِ الْمُخْبِرِينَ وَإِنَّمَا هو مُسْتَدْعًى يُؤَدِّي ما اسْتَدْعَى وَلَيْسَ يُطَعْنَ على الْمُحَدِّث إلَّا قَوْلُهُ تَعَمَّدْت الْكَذِبَ فَهُوَ كَاذِبٌ في الْأَوَّلِ وَلَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ بَعْدَ ذلك تَاسِعُهَا أَنَّ إنْكَارَ الْأَصْلِ رِوَايَةَ الْفَرْعِ لَا يَضُرُّ الحديث بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ كما سَبَقَ عَاشِرُهَا قال الشَّافِعِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ ابن الْقُشَيْرِيّ لَا يُعَوَّلُ على شَهَادَةِ الْفَرْعِ مع إمْكَانِ السَّمَاعِ من الْأَصْلِ وَيَجُوزُ اعْتِمَادُ رِوَايَةِ الْفَرْعِ من غَيْرِ مُرَاجَعَةِ شَيْخِهِ مع الْإِمْكَانِ وَهَذَا مُجْمَعٌ عليه وقال الْإِمَامُ في النِّهَايَةِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْفَرْعِ مع حُضُورِ الْأَصْلِ وَلَا خِلَافَ أَنَّ رِوَايَةَ الرَّاوِي مَقْبُولَةٌ وَشَيْخُهُ في الْبَلَدِ قال وَكُلُّ ما لم يَثْبُتْ فيه تَوْقِيفٌ شَرْعِيٌّ تَعَبُّدِيٌّ غَيَّرَ الشَّهَادَةَ فيه عن الرِّوَايَةِ فَلَا يُعَدُّ في وَجْهِ الرَّاوِي التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا انْتَهَى حَادِي عَشَرَهَا لو أَشْكَلَتْ الْحَادِثَةُ على الْقَاضِي فَرَوَى له خَبَرًا عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فيها وَقَتَلَ بِهِ الْقَاضِي رَجُلًا ثُمَّ رَجَعَ الرَّاوِي وقال تَعَمَّدْت الْكَذِبَ لَا
  28. يَجِبُ الْقِصَاصُ بِخِلَافِ الشَّاهِدِ إذَا رَجَعَ فإن الشَّهَادَةَ تَتَعَلَّقُ بِالْحَادِثَةِ وَالْخَبَرُ لَا يَخْتَصُّ بها قَالَهُ الْقَفَّالُ في فَتَاوِيهِ لَكِنْ في فَتَاوَى الْبَغَوِيّ وُجُوبُ الْقِصَاصِ كَالشَّاهِدِ وهو أَحْوَطُ ثَانِي عَشَرَهَا قال الشَّافِعِيُّ في الْأُمِّ وَالرِّسَالَةِ أَقْبَلُ في الحديث حدثني فُلَانٌ عن فُلَانٍ إذَا لم يَكُنْ مُدَلِّسًا وَلَا أَقْبَلُ في الشَّهَادَةِ إلَّا سمعت أو رأيت أو أَشْهَدَنِي ثَالِثَ عَشَرَهَا قال الشَّافِعِيُّ أَيْضًا إذَا اخْتَلَفَتْ الْأَحَادِيثُ أَخَذْت بِبَعْضِهَا اسْتِدْلَالًا بِكِتَابٍ أو سُنَّةٍ أو إجْمَاعٍ أو قِيَاسٍ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ فَلَا يُؤْخَذُ بِبَعْضِهَا بِحَالٍ رَابِعَ عَشَرَهَا قال أَيْضًا يَكُونُ بَشَرٌ كلهم تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ وَلَا أَقْبَلُ حَدِيثَهُمْ من قِبَلِ ما يَدْخُلُ في الحديث من كَثْرَةِ الْإِحَالَةِ وَإِزَالَةِ بَعْضِ أَلْفَاظِ الْمَعَانِيَ هذا لَفْظُهُ وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ من الْأُمِّ لَا يُقْبَلُ الْحَدِيثُ إلَّا من ثِقَةٍ عَالِمٍ حَافِظٍ بِمَا يُحِيلُ مَعْنَى الحديث بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ قال وَلِهَذَا احْتَطْت في الحديث أَكْثَرَ مِمَّا احْتَطْت بِهِ في الشَّهَادَاتِ وَإِنَّمَا أَقْبَلُ شَهَادَةَ من لَا أَقْبَلُ حَدِيثَهُ لِكِبَرِ أَمْرِ الحديث وَمَوْقِعِهِ من الْمُسْلِمِينَ وَلِأَنَّ اللَّفْظَ قد يُتْرَكُ من الحديث فَيَخْتَلُّ مَعْنَاهُ فإذا كان الْحَامِلُ لِلْحَدِيثِ يَجْهَلُ الْمَعْنَى لم يُقْبَلْ حَدِيثُهُ هذا لَفْظُهُ ثُمَّ قال وَكُلُّ ما لم يَكُنْ حُكْمٌ فَاخْتِلَافُ اللَّفْظِ فيه لَا يُحِيلُ مَعْنَاهُ وَاخْتَلَفُوا عَلَيَّ في اللَّفْظِ فَقُلْت لِبَعْضِهِمْ ذلك فقال لَا بَأْسَ بِهِ ما لم يُخِلَّ مَعْنًى ذَكَرَهُ في الْأُمِّ في بَابِ التَّشَهُّدِ في الصَّلَاةِ وقال إنَّمَا صِرْت لِاخْتِيَارِ تَشَهُّدِ ابْنِ عَبَّاسٍ دُونَ غَيْرِهِ لِمَا رَأَيْته وَاسِعًا وَسَمِعْته عن ابْنِ عَبَّاسٍ صَحِيحًا كان عِنْدِي أَجْمَعُ وَأَكْثَرُ لَفْظًا من غَيْرِهِ فَأَخَذْت بِهِ انْتَهَى خَامِسَ عَشَرَهَا تَجُوزُ الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى بِشَرْطِهِ السَّابِقِ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ وقد قال الْمَاوَرْدِيُّ إذَا أَقَرَّ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ عِنْدَ شَاهِدَيْنِ فَعَلَيْهِمَا أَنْ يُؤَدِّيَا ما سَمِعَاهُ مَشْرُوحًا فَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ رَهْنٌ بِأَلْفَيْنِ فَإِنْ لم يَكُونَا من أَهْلِ الِاجْتِهَادِ لم يَجُزْ وَكَذَا إنْ كَانَا من أَهْلِهِ على الْأَصَحِّ لِأَنَّ الشَّاهِدَ نَاقِلٌ وَالِاجْتِهَادُ إلَى الْحَاكِمِ وقال ابن أبي الدَّمِ
  29. لو قال الشَّاهِدُ أَشْهَدُ أَنَّ هذا يَسْتَحِقُّ في ذِمَّةِ هذا دِرْهَمًا هل تُسْمَعُ هذه الشَّهَادَةُ فيه ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ الْمَذْهَبُ أنها تُسْمَعُ وَيُعْمَلُ بها وَالثَّانِي لَا لِأَنَّ هذه من وَظِيفَةِ الْحَاكِمِ وَالثَّالِثُ إنْ كان الشَّاهِدُ مُتَمَذْهِبًا بِمَذْهَبِ الْقَاضِي سُمِعَتْ وَإِلَّا فَلَا وَلَوْ شَهِدَ وَاحِدٌ بِأَنَّهُ قال له زَنَيْت وَآخَرُ أَنَّهُ قال له يا زَانِي لم يَثْبُتْ الْقَذْفُ كما لو شَهِدَ كُلُّ وَاحِدٍ بِقَذْفٍ بَلَغَهُ حَكَاهُ في الْكِفَايَةِ في بَابِ الْإِقْرَارِ عن الْمَاوَرْدِيِّ قال وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ الْقَاضِي أبي الطَّيِّبِ أَنَّهُ لو شَهِدَ وَاحِدٌ أَنَّهُ قال قد وَكَّلْتُك في كَذَا وَآخَرُ أَنَّهُ قال له أَذِنْت لَك في التَّصَرُّفِ لم تَثْبُتْ الْوَكَالَةُ لِأَنَّهُمَا ضِدَّانِ وَلَوْ شَهِدَ وَاحِدٌ على الْمُدَّعِي بِاسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ وَآخَرُ بِالْإِبْرَاءِ منه فَالْمَذْهَبُ في الْإِقْرَارِ من الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ لَا تَلْفِيقَ وَلَوْ شَهِدَ الثَّانِي أَنَّهُ بَرِئَ إلَيْهِ منه قال الْعَبَّادِيُّ تَلَفُّقٌ لِأَنَّ إضَافَتَهَا إلَى الدُّيُونِ عِبَارَةٌ عن الْإِيفَاءِ وَقِيلَ بِخِلَافِهِ قُلْت لَكِنَّ ابْنَ فُورَكٍ في كِتَابِهِ سَوَّى بَيْنَهُمَا فقال لَا فَرْقَ لِأَنَّ الشَّهَادَاتِ يُكْتَفَى فيها بِالْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ سَادِسَ عَشَرَهَا يُشْتَرَطُ في تَوْبَةِ الشَّاهِدِ مُضِيُّ مُدَّةِ الِاسْتِبْرَاءِ بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ وَلَوْ حُدَّ بَعْضُ شُهُودِ الزِّنَا لِنَقْصِ النِّصَابِ لم تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ حتى يَتُوبُوا وفي قَبُولِ رِوَايَتِهِمْ قبل التَّوْبَةِ وَجْهَانِ في الْحَاوِي قال الْأَشْهَرُ الْقَبُولُ وَالْأَقْيَسُ الْمَنْعُ كَالشَّهَادَةِ سَابِعَ عَشَرَهَا له أَنْ يَرْوِيَ على الْخَطِّ الْمَحْفُوظِ عِنْدَهُ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ قال الشَّافِعِيُّ في الرِّسَالَةِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُحَدِّثُ حَافِظًا لِكِتَابِهِ إنْ حَدَّثَ بِهِ من كِتَابِهِ قال الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ وهو يَدُلُّ على أَنَّهُ يَسُوغُ له أَنْ يُحَدِّثَ من كِتَابِهِ بِمَا يَحْفَظُ وَإِنْ لم يَعْلَمْ سَمَاعَهُ لِلْحَدِيثِ مِمَّنْ سَمِعَهُ لِأَجْلِ إفْتَائِهِمْ من عِلْمِ سَمَاعِهِ لِلْحَدِيثِ مِمَّنْ سَمِعَهُ منه فإنه لَا يُعْتَبَرُ بِحِفْظِهِ بِمَا سَمِعَهُ وَأَنَّهُ يَجُوزُ له أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ وَإِنْ لم يَحْفَظْهُ إمَامُهُ لِحِفْظِهِ مَقَامَ عِلْمِهِ بِسَمَاعِ الحديث مِمَّنْ حَدَّثَ عنه قال وَخَالَفَهُ الْجُمْهُورُ من أَصْحَابِهِ وَأَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ فَقَالُوا لَا يَجُوزُ ذلك وَلَا يَجِبُ الْعَمَلُ مِمَّنْ هذا حَالُهُ قال وَهَذَا هو الْحَقُّ كَالشَّهَادَةِ سَوَاءٌ وَسَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ في الْقِرَاءَةِ على الشَّيْخِ ثَامِنَ عَشَرَهَا عَكْسُ ما قَبْلِهِ لو تَحَقَّقَ من عِلْمِ سَمَاعِ ذلك الْخَبَرِ لَكِنَّ اسْمَهُ غَيْرُ مَكْتُوبٍ عليه لم يُجَوِّزْ الْمُحَدِّثُونَ رِوَايَتَهُ وَيَجُوزُ عن طَرِيقِ الْفِقْهِ كَالشَّهَادَةِ قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ في فَتَاوِيهِ وقال في التي قَبْلَهَا لو رَأَى اسْمَهُ مَكْتُوبًا في خَبَرٍ بِخَطِّ ثِقَةٍ وَيَعْلَمُ أَنَّهُ أَدْرَكَ الْمَسْمُوعَ منه وَلَا يَذْكُرُ سَمَاعَهُ منه جَوَّزَ له الْمُحَدِّثُونَ رِوَايَتَهُ كَالْإِجَازَةِ
  30. وَلَا يَجُوزُ من طَرِيقِ الْفِقْهِ ما لم يَتَذَكَّرْ سَمَاعَهُ تَاسِعَ عَشَرَهَا أَنَّ الْأَخْبَارَ إذَا تَعَارَضَتْ وَأَمْكَنَ الْجَمْعُ صِرْنَا إلَيْهِ وَإِلَّا قُدِّمَ أَحَدُهُمَا لِمُرَجِّحٍ وَأَمَّا في الشَّهَادَاتِ الْمُتَعَارِضَةِ فَالْمَذْهَبُ التَّسَاقُطُ وَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ الْعِشْرُونَ عِنْدَ الرِّوَايَةِ في الرِّوَايَةِ تُرَجَّحُ بِكَثْرَةِ الْجَمْعِ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ على خِلَافٍ فيه يَأْتِي في التَّرَاجِيحِ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ يَمْتَنِعُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ على أَدَاءِ الشَّهَادَةِ لِأَنَّهَا فَرْضٌ عليه وفي أَخْذِ الْأُجْرَةِ على التَّحْدِيثِ خِلَافٌ وَأَفْتَى الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ فِيمَا حَكَاهُ ابن الصَّلَاحِ بِجَوَازِ أَخْذِهَا لِمَنْ يَنْقَطِعُ عن الْكَسْبِ ضَابِطٌ أَسْمَاءُ الْخَبَرِ في مُخْتَلِفِ أَحْوَالِهِ الْخَبَرُ إنْ كان حُكْمًا عَامًّا يَتَعَلَّقُ بِالْأُمَّةِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهُ السَّمَاعَ فَهُوَ الرِّوَايَةُ وَإِنْ كان مُسْتَنَدُهُ الْفَهْمَ من الْمَسْمُوعِ فَهُوَ الْفَتْوَى وَإِنْ كان خَبَرًا جُزْئِيًّا يَتَعَلَّقُ بِمُعَيَّنٍ مُسْتَنَدُهُ الْمُشَاهَدَةُ أو الْعِلْمُ فَهُوَ الشَّهَادَةُ وَإِنْ كان خَبَرًا عن حَقٍّ يَتَعَلَّقُ بِالْمُخْبَرِ عنه وَالْمُخْبَرِ بِهِ هو مُسْتَحِقُّهُ أو نَائِبُهُ فَهُوَ الدَّعْوَى وَإِنْ كان خَبَرًا عن تَصْدِيقِ هذا الْخَبَرِ فَهُوَ الْإِقْرَارُ وَإِنْ كان خَبَرًا عن كَذِبِهِ فَهُوَ الْإِنْكَارُ وَإِنْ كان خَبَرًا نَشَأَ عن دَلِيلٍ فَهُوَ النَّتِيجَةُ وَيُسَمَّى قبل أَنْ يُحْمَلَ عليه الدَّلِيلُ مَطْلُوبًا وَإِنْ كان خَبَرًا عن شَيْءٍ يُقْصَدُ منه نَتِيجَتُهُ فَهُوَ دَلِيلٌ وَجُزْؤُهُ مُقَدِّمَتُهُ

  31. كتاب الإجماع
  32. كِتَابُ الْإِجْمَاعِ وَفِيهِ فُصُولٌ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ وَفِيهِ عَشَرَةُ مَبَاحِثَ في النَّظَرِ في مُسَمَّاهُ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا ثُمَّ في إمْكَانِهِ في نَفْسِهِ ثُمَّ في جَوَازِ الْعِلْمِ بِهِ وَجَوَازِ نَقْلِهِ ثُمَّ في كَوْنِهِ حُجَّةً ثُمَّ بِمَاذَا ثَبَتَتْ حُجِّيَّتُهُ ثُمَّ في كَوْنِهِ قَطْعِيًّا ثُمَّ في اسْتِحَالَةِ الْخَطَأِ فيه ثُمَّ في وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ ثُمَّ في اسْتِصْحَابِهِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ ثُمَّ في كَوْنِهِ من خَصَائِصِ هذه الْأُمَّةِ فَهَذِهِ عَشَرَةُ مَقَاصِدَ الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ في مُسَمَّاهُ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا هو لُغَةً يُطْلَقُ بِمَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا الْعَزْمُ على الشَّيْءِ وَالْإِمْضَاءُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ أَيْ اعْزِمُوا وَقَوْلُهُ عليه السَّلَامُ لَا صِيَامَ لِمَنْ لم يُجْمِعْ الصِّيَامَ من اللَّيْلِ وَنَقَضَ ابن الْفَارِضِ الْمُعْتَزِلِيُّ هذا بِأَنَّ إجْمَاعَ الْأُمَّةِ يَتَعَدَّى بِعَلَى وَالْإِجْمَاعُ بِمَعْنَى الْعَزِيمَةِ وَقَطْعِ الرِّوَايَةِ لَا يَتَعَدَّى بِعَلَى قُلْت حَكَى ابن فَارِسٍ في الْمَقَايِيسِ أَجْمَعْت على الْأَمْرِ إجْمَاعًا وَأَجْمَعْته نعم تَعْدِيَتُهُ بِنَفْسِهِ أَفْصَحُ وَالثَّانِي الِاتِّفَاقُ وَمِنْهُ أَجْمَعَ الْقَوْمُ إذَا صَارُوا ذَوِي جَمْعٍ قال الْفَارِسِيُّ كما يُقَالُ أَلْبَنَ وَأَتْمَرَ إذَا صَارَ ذَا لَبَنٍ وَتَمْرٍ وَحَكَى عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ عن قَوْمٍ مَنْعَ كَوْنِهِ بِمَعْنَى الْإِجْمَاعِ كما ظَنَّهُ ظَانُّونَ لِتَغَايُرِهِمَا إذْ يَصِحُّ من الْوَاحِدِ أَنْ يَقُولَ أَجْمَعْت رَأْيِي على كَذَا أَيْ عَزَمْت عليه وَلَا يَصِحُّ الْإِجْمَاعُ إلَّا من اثْنَيْنِ وَالصَّحِيحُ هو الْأَوَّلُ ثُمَّ قال الْغَزَالِيُّ هو مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا وقال الْقَاضِي الْعَزْمُ يَرْجِعُ إلَى الِاتِّفَاقِ لِأَنَّ من اتَّفَقَ على شَيْءٍ فَقَدْ
  33. عَزَمَ عليه وقال ابن بَرْهَانٍ وابن السَّمْعَانِيِّ الْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِاللُّغَةِ وَالثَّانِي أَشْبَهُ بِالشَّرْعِ قَالَا وَتَظْهَرُ فَائِدَتُهُمَا في أَنَّ الْإِجْمَاعَ من الْوَاحِدِ هل يَصِحُّ فَعَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ لَا يَصِحُّ إلَّا من جَمَاعَةٍ وَعَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي يَصِحُّ الْإِجْمَاعُ من الْوَاحِدِ وَأَمَّا في الِاصْطِلَاحِ فَهُوَ اتِّفَاقُ مُجْتَهِدِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى اللَّهُ عليه وسلم بَعْدَ وَفَاتِهِ في حَادِثَةٍ على أَمْرٍ من الْأُمُورِ في عَصْرٍ من الْأَعْصَارِ فَخَرَجَ اتِّفَاقُ الْعَوَامّ فَلَا عِبْرَةَ بِوِفَاقِهِمْ وَلَا خِلَافِهِمْ وَيَخْرُجُ أَيْضًا اتِّفَاقُ بَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ وَبِالْإِضَافَةِ إلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ خَرَجَ اتِّفَاقُ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ وَإِنْ قِيلَ بِأَنَّهُ حُجَّةٌ على رَأْيٍ لَكِنَّ الْكَلَامَ في الْإِجْمَاعِ الذي هو حُجَّةٌ وَقَوْلُنَا بَعْدَ وَفَاتِهِ قَيْدٌ لَا بُدَّ منه على رَأْيِهِمْ فإن الْإِجْمَاعَ لَا يَنْعَقِدُ في زَمَانِهِ عليه السَّلَامُ كما سَنَذْكُرُهُ وَخَرَجَ بِالْحَادِثَةِ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ على الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالنَّصِّ وَالْعَمَلِ بِهِ وَقَوْلُنَا على أَمْرٍ من الْأُمُورِ يَتَنَاوَلُ الشَّرْعِيَّاتِ وَالْعَقْلِيَّاتِ وَالْعُرْفِيَّاتِ وَاللُّغَوِيَّاتِ وَقَوْلُنَا في عَصْرٍ من الْأَعْصَارِ لِيَرْفَعَ وَهْمَ من يَتَوَهَّمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُجْتَهِدِينَ من يُوجَدُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهَذَا التَّوَهُّمُ بَاطِلٌ فإنه يُؤَدِّي إلَى عَدَمِ تَصَوُّرِ الْإِجْمَاعِ وَالْمُرَادُ بِالْعَصْرِ مِنَّا من كان من أَهْلِ الِاجْتِهَادِ في الْوَقْتِ الذي حَدَثَتْ فيه الْمَسْأَلَةُ وَظَهَرَ الْكَلَامُ فيه فَهُوَ من أَهْلِ ذلك الْعَصْرِ وَمَنْ بَلَغَ هذا بَعْدَ حُدُوثِهَا فَلَيْسَ من أَهْلِ ذلك الْعَصْرِ هَكَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أبو مُحَمَّدٍ الْقَاسِمُ الزَّجَّاجُ في كِتَابِهِ الْبَيَانِ عن أُصُولِ الْفِقْهِ وهو من أَصْحَابِ أبي الطَّيِّبِ بن سَلَمَةَ من أَصْحَابِنَا وَاعْلَمْ أَنَّ أَصْلَ هذا التَّعْرِيفِ أَشَارَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ في الرِّسَالَةِ بِقَوْلِهِ وَحَدُّهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ بهذا الْمَعْنَى فقال هُمْ الَّذِينَ لَا يَجُوزُ عليهم أَنْ يَجْهَلُوا حُكْمَ اللَّهِ
  34. تَنْبِيهٌ الْعَبْدَرِيُّ يَرَى أَنَّ التَّعْرِيفَ السَّابِقَ غَيْرُ جَامِعٍ قال الْعَبْدَرِيّ هَكَذَا رَسَمَ الْأُصُولِيُّونَ الْإِجْمَاعَ وَفِيهِ نَظَرٌ فإنه لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ يُقَالُ على ما هو إجْمَاعٌ على الْعَمَلِ يَسْتَنِدُ الْحُكْمُ أَيْ بِدَلِيلِهِ من الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَيُقَالُ ما هو إجْمَاعٌ على اسْتِنْبَاطِ الْحُكْمِ من الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِالِاجْتِهَادِ وَالْقِيَاسِ وَاَلَّذِي هو إجْمَاعٌ على الْعَمَلِ بِمُسْتَنَدِ الْحُكْمِ يَنْقَسِمُ إلَى إجْمَاعٍ نُقِلَ مُسْتَنَدُهُ إلَى الْمُجْتَهِدِينَ وَإِلَى إجْمَاعٍ دَرَسَ مُسْتَنَدُهُ فلم يُنْقَلْ إلَيْهِمْ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ مَعَانٍ مُتَبَايِنَةٍ فَيَحْتَاجُ إلَى ثَلَاثَةِ رُسُومٍ الْمَبْحَثُ الثَّانِي في إمْكَانِهِ وقد أَنْكَرَ قَوْمٌ إمْكَانَ الْإِجْمَاعِ مُطْلَقًا وَشَبَّهُوهُ بِإِجْمَاعِ الناس في سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ على مَأْكُولٍ وَاحِدٍ وَهَذَا اسْتِبْعَادٌ بَاطِلٌ وَالدَّوَاعِي وَالْمَآكِلُ مُخْتَلِفَةٌ قَطْعًا بِخِلَافِ الْأَحْكَامِ فإن الْبَوَاعِثَ مُتَّفِقَةٌ على طَلَبِهَا وَمِنْهُمْ من قال ما أَجْمَعُوا عليه من جِهَةِ الْحِكَايَةِ عن النبي فَجَائِزٌ وَأَمَّا من جِهَةِ الرَّأْيِ فَبَاطِلٌ حَكَاهُ الصَّيْرَفِيُّ وقال وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِبُطْلَانِهِ في عِلَّتِهِ فَقِيلَ إمْكَانُ الْخَطَأِ عليه وَقِيلَ اسْتِحَالَةُ نَقْلِ ذلك عَنْهُمْ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَيْهِ إلَّا بِلُقْيَا الْكُلِّ وَتَوَاتُرِ الْخَبَرِ عَنْهُمْ وَظَاهِرُ كَلَامِ أبي الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هو في إجْمَاعِ الْخَاصَّةِ أَمَّا ما أَجْمَعَ عليه الْعَامَّةُ وَالْخَاصَّةُ فَلَيْسَ بِمَوْضِعِ الْخِلَافِ قُلْت وَلَوْ عَكَسَ هذا لم يَبْعُدْ الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ في إمْكَانِ الِاطِّلَاعِ عليه وإذا ثَبَتَ أَنَّهُ مُمْكِنٌ في نَفْسِهِ فَاخْتَلَفُوا في إمْكَانِ الِاطِّلَاعِ عليه فَمَنَعَهُ قَوْمٌ لِاتِّسَاعِ خُطَّةِ الْإِسْلَامِ وَانْتِشَارِهِمْ في أَقْطَارِ الْأَرْضِ وَتَهَاوُنِ الْفَطِنِ وَتَعَذُّرِ النَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ في تَفَاصِيلَ لَا تَتَوَافَرُ الدَّوَاعِي على نَقْلِهَا وَلِتَعَذُّرِ الْعِلْمِ بِبَقَاءِ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ إلَى أَنْ
  35. يَفْنَى الْآخَرُ وَالصَّحِيحُ إمْكَانُهُ عَادَةً فَقَدْ اجْتَمَعَ على الشَّبَهِ خَلْقٌ كَثِيرُونَ زَائِدُونَ على عَدَدِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَالْإِجْمَاعُ على الْحَقِّ مع ظُهُورِ أَدِلَّتِهِ أَوْلَى نعم الْعَادَةُ مَنَعَتْ اجْتِمَاعَ الْكَافَّةِ فَأَمَّا الْخَلْقُ الْكَثِيرُ فَلَا تَمْنَعُ الْعَادَةُ اتِّفَاقَهُمْ بِوَجْهٍ ما وَاشْتَدَّ نَكِيرُ الْقَاضِي على من أَنْكَرَ تَصَوُّرَ وُقُوعِهِ عَادَةً وَفَصَّلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بين كُلِّيَّاتِ الدِّينِ فَلَا يَمْنَعُ من تَصَوُّرِ الدَّوَاعِي الْمُسْتَحَثَّةِ وَكَمَا صَوَّرَهُ الْقَاضِي في اجْتِمَاعِ أَهْلِ الضَّلَالَةِ وَبَيْنَ الْمَسَائِلَ الْمَظْنُونَةِ مع تَفَرُّقِ الْعُلَمَاءِ وَانْتِفَاءِ الدَّوَاعِي فَلَا تُتَصَوَّرُ عَادَةً وَنُقِلَ عن الْإِمَامِ أَحْمَدَ ما يَقْتَضِي إنْكَارَهُ قال في رِوَايَةِ ابْنِهِ عبد اللَّهِ من ادَّعَى الْإِجْمَاعَ فَقَدْ كَذَبَ لَعَلَّ الناس قد اخْتَلَفُوا وَلَكِنْ يقول لَا يَعْلَمُ الناس اخْتَلَفُوا إذْ لم يَبْلُغْهُ قال أَصْحَابُهُ وَإِنَّمَا قال هذا على جِهَةِ الْوَرَعِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ خِلَافٌ لم يَبْلُغْهُ أو قال هذا في حَقِّ من ليس له مَعْرِفَةٌ بِخِلَافِ السَّلَفِ لِأَنَّ أَحْمَدَ قد أَطْلَقَ الْقَوْلَ بِصِحَّةِ الْإِجْمَاعِ في مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ وَأَجْرَاهُ ابن حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ على ظَاهِرِهِ وقال ابن تَيْمِيَّةَ أَرَادَ غير إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ لِأَنَّ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ عِنْدَهُ حُجَّةٌ مَعْلُومٌ تَصَوُّرُهُ أَمَّا من بَعْدَهُمْ فَقَدْ كَثُرَ الْمُجْتَهِدُونَ وَانْتَشَرُوا قال وَإِنَّمَا قال ذلك لِأَنَّهُ كان يَذْكُرُ الحديث فَيُعَارَضُ بِالْإِجْمَاعِ فيقول إجْمَاعُ من إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إجْمَاعُ أَهْلِ الْكُوفَةِ حتى قال ابن عُلَيَّةَ وَالْأَصَمُّ يَذْكُرُونَ الْإِجْمَاعَ وَجَعَلَ الْأَصْفَهَانِيُّ مَوْضِعَ الْخِلَافِ في غَيْرِ إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وقال الْحَقُّ تَعَذُّرُ الِاطِّلَاعِ على الْإِجْمَاعِ لَا إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ حَيْثُ كان الْمُجْمِعُونَ وَهُمْ الْعُلَمَاءُ في قِلَّةٍ أَمَّا الْآنَ وَبَعْدَ انْتِشَارِ الْإِسْلَامِ وَكَثْرَةِ الْعُلَمَاءِ فَلَا مَطْمَعَ لِلْعِلْمِ بِهِ قال وهو اخْتِيَارُ أَحْمَدَ مع قُرْبِ عَهْدِهِ بِهِ من الصَّحَابَةِ وَقُوَّةِ حِفْظِهِ وَشِدَّةِ اطِّلَاعِهِ على الْأُمُورِ النَّقْلِيَّةِ قال وَالْمُصَنِّفُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا خَبَرَ له من الْإِجْمَاعِ إلَّا ما يَجِدُهُ مَكْتُوبًا في الْكُتُبِ وَمِنْ الْبَيِّنِ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الِاطِّلَاعُ عليه إلَّا بِالسَّمَاعِ منهم أو بِنَقْلِ أَهْلِ التَّوَاتُرِ إلَيْنَا وَلَا سَبِيلَ إلَى ذلك إلَّا في عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَأَمَّا بَعْدَهُمْ فَلَا انْتَهَى وَعَقَدَ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ بَابًا في أَنَّ الْإِجْمَاعَ يَصِحُّ أَنْ يُعْلَمَ وُقُوعُهُ وقال من الناس من مَنَعَ أَنْ يَكُونَ لِلْعِلْمِ بِهِ طَرِيقَةٌ يُعْلَمُ بها حُصُولُهُ ثُمَّ زَيَّفَهُ قال وَالطَّرِيقُ
  36. شَيْئَانِ أَحَدُهُمَا الْمُشَاهَدَةُ وَالْآخَرُ النَّقْلُ فَإِنْ كان الْإِجْمَاعُ مُتَقَدِّمًا فَلَيْسَ إلَّا النَّقْلُ لِتَعَذُّرِ الْمُشَاهَدَةِ وَإِنْ كان في الْوَقْتِ فَالْأَمْرَانِ طَرِيقٌ إلَيْهِ وَوَجْهُ الْحَصْرِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْلَمَ بِالْعَقْلِ وَلَا بِخَبَرٍ من اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ عليه السَّلَامُ لِتَعَذُّرِهِ فَتَعَيَّنَ ما قُلْنَاهُ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ في شَرْحِ التَّرْتِيبِ نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ مَسَائِلَ الْإِجْمَاعِ أَكْثَرُ من عِشْرِينَ أَلْفِ مَسْأَلَةٍ وَبِهَذَا يُرَدُّ قَوْلُ الْمُلْحِدَةِ إنَّ هذا الدِّينَ كَثِيرُ الِاخْتِلَافِ إذْ لو كان حَقًّا لَمَا اخْتَلَفُوا فيه فَنَقُولُ أَخْطَأْت بَلْ مَسَائِلُ الْإِجْمَاعِ أَكْثَرُ من عِشْرِينَ أَلْفَ مَسْأَلَةٍ ثُمَّ لها من الْفُرُوعِ التي يَقَعُ الِاتِّفَاقُ منها وَعَلَيْهَا وَهِيَ صَادِرَةٌ عن مَسَائِلِ الْإِجْمَاعِ التي هِيَ أُصُولُ أَكْثَرِ من مِائَةِ أَلْفِ مَسْأَلَةٍ يَبْقَى قَدْرُ أَلْفِ مَسْأَلَةٍ هِيَ من مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ وَالْخِلَافُ في بَعْضِهَا يَحْكُمُ بِخَطَأِ الْمُخَالِفِ على الْقَطْعِ وَبِفِسْقِهِ وفي بَعْضِهَا يَنْقُضُ حُكْمَهُ وفي بَعْضِهَا يُتَسَامَحُ وَلَا يَبْلُغُ ما بَقِيَ من الْمَسَائِلِ التي تَبْقَى على الشُّبْهَةِ إلَى مِائَتَيْ مَسْأَلَةٍ انْتَهَى الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ في كَوْنِهِ حُجَّةً الرَّابِعُ وإذا ثَبَتَ إمْكَانُ الْعَمَلِ بِهِ فَهُوَ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ ولم يُخَالِفْ فيه غَيْرُ النَّظَّامِ وَالْإِمَامِيَّةِ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَوَّلُ من بَاحَ بِرَدِّهِ النَّظَّامُ ثُمَّ تَابَعَهُ بَعْضُ الرَّوَافِضِ أَمَّا الْإِمَامِيَّةُ فَالْمُعْتَبَرُ عِنْدَهُمْ قَوْلُ الْإِمَامِ دُونَ الْأُمَّةِ وَالنَّظَّامُ يُسَوِّي بين قَوْلِ جَمِيعِ الْأُمَّةِ وَبَيْنَ قَوْلِ آحَادِهَا في جَوَازِ الْخَطَأِ على الْجَمِيعِ وَلَا يَرَى في الْإِجْمَاعِ حُجَّةً وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ في مُسْتَنِدِهِ إنْ ظَهَرَ لنا وَإِنْ لم يَظْهَرْ لم يُقَدِّرْ له دَلِيلًا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ هَكَذَا حَكَاهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ وَالْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَإِلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وابن السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُمْ وَتَبِعَهُمْ الرَّازِيَّ وَنَقَلَ ابن بَرْهَانٍ عنه أَنَّهُ يُحِيلُ الْإِجْمَاعَ وَتَبِعَهُ ابن الْحَاجِبِ وقال بَعْضُهُمْ الصَّحِيحُ عن النَّظَّامِ أَنَّهُ يقول بِتَصَوُّرِ الْإِجْمَاعِ وَأَنَّهُ حُجَّةٌ وَلَكِنْ فَسَّرَهُ بِكُلِّ قَوْلٍ قَامَتْ حُجَّتُهُ وَإِنْ كان قَوْلَ وَاحِدٍ وَيُسَمَّى بِذَلِكَ قَوْلُ النبي عليه السَّلَامُ إجْمَاعًا وَمَنَعَ الْحُجِّيَّةَ عن الْإِجْمَاعِ الذي نُفَسِّرُهُ نَحْنُ بِمَا نُفَسِّرُهُ وَكَأَنَّهُ لَمَّا أَضْمَرَ في نَفْسِهِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ بِاصْطِلَاحِنَا غير حُجَّةٍ وَتَوَاتَرَ عِنْدَهُ لم يُخْبِرْ بِمُخَالَفَتِهِ فَحَسَّنَ الْكَلَامَ وَفَسَّرَهُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ هَكَذَا قال الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ هذا تَحْرِيرُ النَّقْلِ عِنْدَهُ وَلِأَجْلِهِ قال
  37. الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ النِّزَاعُ لَفْظِيٌّ وقال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ في شَرْحِ الْعُنْوَانِ نُقِلَ عن النَّظَّامِ إنْكَارُ حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ وَرَأَيْت أَبَا الْحُسَيْنِ الْخَيَّاطَ أَنْكَرَ ذلك في نَقْضِهِ لِكِتَابِ الرَّاوَنْدِيُّ وَنَسَبَهُ إلَى الْكَذِبِ إلَّا أَنَّ النَّقْلَ مَشْهُورٌ عن النَّظَّامِ بِذَلِكَ ا هـ وَحَكَى الْجَاحِظُ في كِتَابِ الْفُتْيَا عن النَّظَّامِ أَنَّهُ قال الْحُكْمُ يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ أو الْكِتَابِ أو إجْمَاعِ النَّقْلِ ا هـ لَكِنْ قِيلَ إنَّهُ عَنَى بِهِ التَّوَاتُرَ وَنَقَلَ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ عن أبي عبد الرحمن الشَّافِعِيِّ وَابْنِ عِيسَى الْوَرَّاقِ أَنَّهُ إذَا أَجْمَعَ أَهْلُ عَصْرٍ على حُكْمٍ جَازَ أَنْ يُخَالِفَهُمْ فيه من لم يَدْخُلْ مَعَهُمْ في الْإِجْمَاعِ وَلَا يَجُوزُ ذلك لِمَنْ وَافَقَهُمْ وَذَهَبَ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ إلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةُ اللَّهِ عز وجل في شَرِيعَتِهِ مع اخْتِلَافِهِمْ في شُرُوطِهِ الْمَبْحَثُ الْخَامِسُ ما ثَبَتَ بِهِ حُجِّيَّةُ الْإِجْمَاعِ الْخَامِسُ في أَنَّهُ ثَبَتَتْ حُجَّتُهُ وقد اُخْتُلِفَ فيه فَقِيلَ دَلَّ عليه الْعَقْلُ وَالْجُمْهُورُ على أَنَّهُ السَّمْعُ وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي وابن السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُمَا وقال صَاحِبُ الْمَصَادِرِ إنَّهُ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ وَمَنَعُوا ثُبُوتَهُ من جِهَةِ الْعَقْلِ لِأَنَّ الْعَدَدَ الْكَثِيرَ وَإِنْ بَعُدَ في الْعَقْلِ اجْتِمَاعُهُمْ على الْكَذِبِ فَلَا يَبْعُدُ اجْتِمَاعُهُمْ على الْخَطَأِ كَاجْتِمَاعِ الْكُفَّارِ على جَحْدِ النُّبُوَّةِ وَغَيْرِ ذلك وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال عليه بِالْإِجْمَاعِ فإن الشَّيْءَ لَا يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ وَلَا الِاسْتِدْلَال عليه بِالْقِيَاسِ فإنه مَظْنُونٌ وَلَا يُحْتَجُّ بِالْمَظْنُونِ على الْقَطْعِيِّ وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ في الرِّسَالَةِ الْبَغْدَادِيَّةِ يَقْتَضِي ثُبُوتَهُ بِالْإِجْمَاعِ فإنه قال عَقِبَ ما ذَكَرَهُ من أَدِلَّةِ السُّنَّةِ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا من أَهْلِ بَلَدِنَا يَرْضَاهُ وَحَمَلَ عنه إلَّا صَارَ إلَى قَوْلِهِمْ مِمَّا لَا سُنَّةَ فيه ا هـ وَيُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ وقال الْقَاضِي أبو بَكْرٍ لَا يَجُوزُ إثْبَاتُ الْإِجْمَاعِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ قِيَاسًا على السُّنَّةِ لِأَنَّا لم نَتَعَبَّدْ بِالْقِيَاسِ في أُصُولِ الشَّرِيعَةِ فلم يَبْقَ إلَّا دَلِيلُ النَّقْلِ من الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وقد أَكْثَرَ منه الْأَئِمَّةُ وزاد الْغَزَالِيُّ ثَالِثًا وهو طَرِيقُ الْمَعْنَى فإن الصَّحَابَةَ إذَا قَضَوْا بِقَضِيَّةٍ وَقَطَعُوا
  38. بها فَلَا يَكُونُ إلَّا عن مُسْتَنَدٍ قَاطِعٍ فإن الْعَادَةَ تُحِيلُ تَثْبِيتَهُمْ قَاعِدَةَ الدِّينِ بِغَيْرِ قَطْعِيٍّ وَإِلَّا لَزِمَ الْقَدْحُ فِيهِمْ وهو مُنْتَفٍ وَحَكَى سُلَيْمٌ وَابْنِ السَّمْعَانِيِّ وَجْهًا ثَالِثًا أَنَّ الْعَقْلَ وَالسَّمْعَ دَلَّا عليه وَفَرَّعَ عليه الْجُوَيْنِيُّ في الْمُحِيطِ وابن السَّمْعَانِيِّ إجْمَاعَ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ هل هو كَإِجْمَاعِ هذه الْأُمَّةِ وَالصَّحِيحُ الْمَنْعُ فإن إجْمَاعَ هذه الْأُمَّةِ مَعْصُومٌ من الْخَطَأِ وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ عن الْجُمْهُورِ أَنَّ دَلِيلَ الْإِجْمَاعِ سَمْعِيٌّ وَالْعَقْلِيُّ مُؤَكِّدٌ له وهو إحَالَةُ الْعَادَةِ خَطَأُ الْجَمِّ الْغَفِيرِ في حُكْمٍ لَا يُثْبِتُهُ أَحَدٌ لِمَوْقِعِ الْخَطَأِ فيه وَأَنَّ النُّصُوصَ شَهِدَتْ بِعِصْمَتِهِمْ فَلَا يَقُولُونَ إلَّا حَقًّا سَوَاءٌ اسْتَنَدُوا في قَوْلِهِمْ إلَى قَاطِعٍ أو مَظْنُونٍ وَطَرِيقَةُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ تَقْتَضِي أَنَّهُ ليس دَلِيلًا لِنَفْسِهِ وَلَكِنَّهُ دَلِيلُ الدَّلِيلِ لَكِنَّ دَلَالَتَهُ على الدَّلِيلِ دَلَالَةٌ قَطْعِيَّةٌ عَادِيَّةٌ عِنْدَهُمْ وهو قَرِيبٌ مِمَّا سَبَقَ عن الْغَزَالِيِّ تَنْبِيهٌ وَجْهُ وَضْعِ الْإِجْمَاعِ في أُصُولِ الْفِقْهِ قِيلَ إنَّ هذه الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ من صِنَاعَةِ الْأُصُولِيِّ كما لَا يَلْزَمُ تَثْبِيتُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَلِذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَلْزَمَهُ تَثْبِيتُ الْإِجْمَاعِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَمَّا كان أَمْرًا رَاجِعًا إلَى السُّنَّةِ مَوْجُودًا فيها بِالِاسْتِرْوَاحِ لَا بِالنَّصِّ وَبِالْقُوَّةِ لَا بِالْفِعْلِ احْتَاجَ إلَى تَثَبُّتِهِ وَإِخْرَاجِهِ من تِلْكَ الْقُوَّةِ إلَى الْفِعْلِ حتى يَصِيرَ أَصْلًا ثَالِثًا من الْأُصُولِ الْأُوَلِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ في التِّبْيَانِ وَالظُّهُورِ الْمَبْحَثُ السَّادِسُ في أَنَّهُ حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ قال الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ إذَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ على أَحَدِ أَدِلَّتِهِ فَهَلْ يُقْطَعُ على صِحَّتِهِ فيه وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا نعم لِيَصِحَّ قِيَامُ الْحُجَّةِ الثَّانِي الْمَنْعُ اعْتِبَارًا بِأَهْلِهِ في انْتِفَاءِ الْعِصْمَةِ عن آحَادِهِمْ فَكَذَا عن جَمِيعِهِمْ وَأَطْلَقَ جَمَاعَةٌ من الْأُصُولِيِّينَ بِأَنَّهُ حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ منهم الصَّيْرَفِيُّ وابن بَرْهَانٍ
  39. وَجَزَمَ بِهِ من الْحَنَفِيَّةِ الدَّبُوسِيُّ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَقَالَا كَرَامَةً لِهَذِهِ الْأُمَّةِ وقال الْأَصْفَهَانِيُّ إنَّهُ الْمَشْهُورُ وَإِنَّهُ يُقَدَّمُ على الْأَدِلَّةِ كُلِّهَا وَلَا يُعَارِضُهُ دَلِيلٌ أَصْلًا وَنَسَبَهُ إلَى الْأَكْثَرِينَ قال بِحَيْثُ يُكَفَّرُ أو يُضَلَّلُ وَيُبَدَّعُ مُخَالِفُهُ وَخَالَفَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ وَالْآمِدِيَّ فَقَالَا إنَّهُ لَا يُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ وَالْحَقُّ التَّفْصِيلُ بين ما اتَّفَقَ عليه الْمُعْتَبَرُونَ فَحُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ وَبَيْنَ ما اخْتَلَفُوا فيه كَالسُّكُوتِيِّ وما نَدْرِي مَخَالِفَهُ فَحُجَّةٌ ظَنِّيَّةٌ وقال الْبَزْدَوِيُّ وَجَمَاعَةٌ من الْحَنَفِيَّةِ الْإِجْمَاعُ مَرَاتِبُ فَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ مِثْلُ الْكِتَابِ وَالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ وَإِجْمَاعُ من بَعْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمَشْهُورِ من الْأَحَادِيثِ وَالْإِجْمَاعُ الذي سَبَقَ فيه الْخِلَافُ في الْعَصْرِ السَّالِفِ بِمَنْزِلَةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ في الْكُلِّ أَنَّهُ يُوجِبُ الْعَمَلَ لَا الْعِلْمَ فَصَارَتْ الْمَذَاهِبُ أَرْبَعَةً يُوجِبُ الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ لَا يُوجِبُهُمَا يُوجِبُ الْعِلْمَ حَيْثُ اتَّفَقُوا عليه قَطْعًا يُوجِبُ الْعِلْمَ في إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وقد أَوْرَدَ صَاحِبُ التَّقْوِيمِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ قد يَقَعُ عن أَمَارَةٍ فَكَيْفَ يُوجِبُ الْعِلْمَ إجْمَاعٌ تَفَرَّعَ عن الظَّنِّ وَأَجَابَ بِأَنَّ الْمُوجِبَ لِذَلِكَ اتِّصَالُهَا بِالْإِجْمَاعِ وقد ثَبَتَ عِصْمَتُهُمْ من الْخَطَأِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الِاتِّصَالِ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَتَقْرِيرِهِ على ذلك وَأَمَّا أَنَّ الْإِجْمَاعَ من الْأُصُولِ الْكُلِّيَّةِ التي يَحْكُمُ بها على الْقَوَاطِعِ التي هِيَ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَاطِعًا لِاسْتِحَالَةِ رَفْعِ الْقَاطِعِ بِمَا ليس بِقَاطِعٍ وَحَكَى الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ في تَعْلِيقِهِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ في الذَّخِيرَةِ قَوْلَيْنِ في أَنَّ لَفْظَ الْإِجْمَاعِ هل يُطْلَقُ على الْقَطْعِيِّ وَالظَّنِّيِّ أو لَا يُطْلَقُ إلَّا على الْقَطْعِيِّ وَصَرَّحَا بِأَنَّهُ خِلَافٌ في الْعِبَارَةِ مَسْأَلَةٌ ثُبُوتُ الْإِجْمَاعِ بِنَقْلِ الْآحَادِ وَبِالظَّنِّيَّاتِ وَالْعُمُومِيَّاتِ فَعَلَى هذا لَا يُقْبَلُ فيه أَخْبَارُ الْآحَادِ وَلَا الظَّوَاهِرُ وَنُقِلَ عن الْجُمْهُورِ وقال الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ إنَّهُ الصَّحِيحُ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ من الْفُقَهَاءِ إلَى ثُبُوتِهِ بِهِمَا في حَقِّ الْعَمَلِ خَاصَّةً وَلَا يُنْسَخُ بِهِ قَاطِعٌ كَالْحَالِ في أَخْبَارِ الْآحَادِ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ في الْعَمَلِيَّاتِ لَا الْعِلْمِيَّاتِ وَأَبَاهُ الْجُمْهُورُ مُفَرِّقِينَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْأَخْبَارَ قد تَدُلُّ على قَبُولِهَا الْأَدِلَّةَ ولم يَثْبُتْ لنا مِثْلُهَا في الْإِجْمَاعِ
  40. فَإِنْ أَلْحَقْنَاهُ بها كان إلْحَاقًا بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ وَلَا يَجْرِي ذلك في الْأُصُولِ إذَا لم يَنْعَقِدْ بِالْقِيَاسِ في قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ وَهَذَا الْقَوْلُ صَحَّحَهُ عبد الْجَبَّارِ وَالْغَزَالِيُّ قال وَلَسْنَا قَاطِعِينَ بِبُطْلَانِ مَذْهَبِ من تَمَسَّك بِهِ في حَقِّ الْعَمَلِ وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ لَكِنَّ الدَّلِيلَ الدَّالَّ على قَبُولِ أَخْبَارِ الْآحَادِ وَالظَّوَاهِرِ في الْعَمَلِيَّاتِ لم يُفَرِّقْ بين ما يَثْبُتُ بِوَاسِطَةٍ أو بِغَيْرِهَا وَلِأَنَّ ما قُصِدَ فيه الْعَمَلُ يُكْتَفَى فيه بِالظَّنِّ قال الْمَاوَرْدِيُّ وَلَيْسَ آكَدُ من سُنَنِ الرَّسُولِ وَهِيَ تَثْبُتُ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ قال وَسَوَاءٌ كان النَّاقِلُ له من أَهْلِ الِاجْتِهَادِ أَمْ لَا وهو الصَّحِيحُ عِنْدَ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْآمِدِيَّ وَشَنَّعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ على الْفُقَهَاءِ إثْبَاتَهُمْ الْإِجْمَاعَ بِالْعُمُومَاتِ وَالظَّنِّيَّاتِ وَاعْتِقَادَهُمْ أَنَّ مُخَالِفَهَا بِتَأْوِيلٍ لَا يُكَفَّرُ وَلَا يُفَسَّقُ مع قَوْلِهِمْ إنَّ مُخَالِفَ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ يُكَفَّرُ أو يَفْسُقُ وهو تَرْجِيحٌ لِلْفَرْعِ على الْأَصْلِ وَسَيَأْتِي جَوَابُهُ قال الْآمِدِيُّ تَبَعًا لِلْغَزَالِيِّ وَالْمَسْأَلَةُ دَائِرَةٌ على اشْتِرَاطِ كَوْنِ دَلِيلِ الْأَصْلِ مَقْطُوعًا بِهِ وَعَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ فَمَنْ شَرَطَ الْقَطْعَ مَنَعَ أَنْ يَكُونَ خَبَرَ الْوَاحِدِ مُفِيدًا في نَقْلِ الْإِجْمَاعِ وَمَنْ لم يَشْتَرِطْ لم يَمْنَعْ وَكَلَامُ الْإِمَامِ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْخِلَافَ ليس مَبْنِيًّا على هذا الْأَصْلِ بَلْ هو جَارٍ مع الْقَوْلِ بِأَنَّ أَصْلَ الْإِجْمَاعِ ظَنِّيٌّ وإذا قُلْنَا بِالِاكْتِفَاءِ بِالْآحَادِ في نَقْلِهِ كَالسُّنَّةِ فَهَلْ يُنَزَّلُ الظَّنُّ الْمُتَلَقَّى من أَمَارَاتٍ وَحَالَاتٍ مَنْزِلَةَ الظَّنِّ الْحَاصِلِ من نَقْلِ الْعُدُولِ قال الْإِبْيَارِيُّ فيه خِلَافٌ وَذَهَبَ الْإِمَامُ إلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدًا لِعَمَلٍ وَإِنْ غَلَبَ على الظَّنِّ منها ما يَغْلِبُ على الظَّنِّ من قَوْلِ الشَّارِعِ فِيمَا يَظْهَرُ من لَفْظِهِ مِمَّا يُشْعِرُ بِهِ ظَاهِرُهُ
  41. الْمَبْحَثُ السَّابِعُ في اسْتِحَالَةِ الْخَطَأِ على الْإِجْمَاعِ وَفِيهِ مَسَائِلُ الْأَوَّلُ أَجْمَعُوا على أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَجْتَمِعَ الْأُمَّةُ على الْخَطَأِ في مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا في طَرِيقِهِ فَنَقَلَ الْقَاضِي عن الْجُمْهُورِ أَنَّهُ السَّمْعُ دُونَ الْعَقْلِ وَأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ الْخَطَأُ عليهم عَقْلًا وَلَكِنَّهُ امْتَنَعَ بِالسَّمْعِ وَقِيلَ بَلْ امْتَنَعَ عَقْلًا وَسَمْعًا قال ابن فُورَكٍ قال أَصْحَابُنَا إنَّ اللَّهَ جَلَّ ذِكْرُهُ لَمَّا خَتَمَ أَمْرَ الرِّسَالَةِ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم عَصَمَ جُمْلَةَ أُمَّتِهِ من الْإِجْمَاعِ على الْخَطَأِ في كل عَصْرٍ حتى يَكُونُوا مَعْصُومِينَ في التَّبْلِيغِ وَالْأَدَاءِ وَيَكُونُوا كَنَبِيٍّ جَدَّدَ شَرِيعَةً قُلْت وَقُبِلَ قَوْلُهُمْ كَقَوْلِ الْمَعْصُومِ فَإِنْ قِيلَ سَيَأْتِي جَوَازُ رُجُوعِهِمْ عَمَّا أَجْمَعُوا عليه إذَا شَرَطْنَا انْقِرَاضَ الْعَصْرِ قُلْنَا قَائِلُهُ يُجَوِّزُ الْخَطَأُ عليهم لَكِنْ لَا يُقَرُّونَ عليه وَهُمْ مَعْصُومُونَ عن دَوَامِ الْخَطَأِ وَهَذَا يُحْتَمَلُ إنْ قَصُرَ الزَّمَانُ فَإِنْ تَطَاوَلَهُ بِحَيْثُ يَتَّبِعُهُمْ الناس على وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ فَمُسْتَحِيلٌ كما يَمْتَنِعُ في الرِّسَالَةِ الثَّانِيَةُ أَنْ يُخْطِئَ كُلُّ فَرِيقٍ في مَسْأَلَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ عن الْأُخْرَى فَيَجُوزُ الْقَطْعُ بِأَنَّ كُلَّ فَرِيقٍ يَجُوزُ أَنْ يُخْطِئَ الثَّالِثَةُ أَنْ يُجْمِعُوا على الْخَطَأِ في مَسْأَلَتَيْنِ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ قَائِلًا بِمَذْهَبِ الْخَوَارِجِ وَالْبَاقِي بِالِاعْتِزَالِ وَالرَّفْضِ وفي الْفُرُوعِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ النِّصْفُ بِأَنَّ الْعَبْدَ يَرِثُ وَالْبَاقِي بِأَنَّ الْقَاتِلَ عَمْدًا يَرِثُ لِرُجُوعِهِمَا إلَى مَأْخَذٍ وَاحِدٍ وهو مَانِعُ الْمِيرَاثِ فَوَقَعَ الْخَطَأُ فيه كُلِّهِ اخْتَلَفُوا فيه فَمَنْ نَظَرَ إلَى اتِّحَادِ الْأَصْلِ مَنَعَ وَمِنْ نَظَرَ إلَى تَعَدُّدِ الْفُرُوعِ اخْتَارَ وَالْأَكْثَرُونَ كما قال الْهِنْدِيُّ على امْتِنَاعِهِ لِأَنَّهُ إجْمَاعٌ على خَطَأٍ فلم يَقَعْ منهم كما لم يَقَعْ في الْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ وَقِيلَ يَصِحُّ وَلَيْسَ بِإِجْمَاعٍ على خَطَأٍ حَكَاهُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ لِأَنَّ الْخَطَأَ في كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا ليس بِقَوْلِ كل الْأُمَّةِ بَلْ الْفَرِيقُ الذَّاهِبُ إلَيْهَا فَقَطْ
  42. مَسْأَلَةٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُجْمِعُوا على جَهْلِ ما يَلْزَمُهُمْ عِلْمُهُ فإنه لو وَقَعَ لَكَانَ إجْمَاعًا منهم على الْخَطَأِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَضْدَادِ الْعِلْمِ وَالشَّكِّ وَالظَّنِّ أَمَّا ذَهَابُهُمْ عن الْعِلْمِ بِمَا لم يُكَلَّفُوهُ فَجَائِزٌ سَوَاءٌ نُصِبَ عليه دَلِيلٌ أَمْ لَا قَالَهُ عبد الْوَهَّابِ الْمَبْحَثُ الثَّامِنُ وُجُوبُ اتِّبَاعِهِ وَاحْتَجْنَا إلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ من كَوْنِ الشَّيْءِ حَقًّا وُجُوبُ اتِّبَاعِهِ بِدَلِيلِ أَنَّا إذَا قُلْنَا كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ لِلْحَقِّ يَجِبُ على مُجْتَهِدٍ آخَرَ اتِّبَاعُهُ وَوَجْهُ الْوُجُوبِ أَنَّ الشَّرْعَ إذَا قال ما أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عليه حَقٌّ وَجَبَ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ كما إذَا قال هذا بَاطِلٌ وَجَبَ اجْتِنَابُهُ الْمَبْحَثُ التَّاسِعُ اسْتِصْحَابُ الْإِجْمَاعِ وَاجِبٌ أَبَدًا لِأَنَّهُ لَا يُنْسَخُ كما يُنْسَخُ النَّصُّ وَلَا يَخْتَصُّ كما يَخْتَصُّ الْمَفْهُومُ نعم إنْ أَجْمَعُوا على شَيْءٍ ثُمَّ حَدَثَ مَعْنًى في ذلك الشَّيْءِ لم يُحْتَجَّ بِالْإِجْمَاعِ الْمُقَدَّمِ خِلَافًا لِلظَّاهِرِيَّةِ وَسَيَأْتِي في بَابِ الِاسْتِصْحَابِ وقد احْتَجَّ ابن دَاوُد على بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فقال اتَّفَقُوا على أنها إذَا كانت أَمَةً تُبَاعُ فَمَنْ ادَّعَى أَنَّ هذا الْحُكْمَ يَزُولُ بِوِلَادَتِهَا فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ فَقَلَبَهُ عليه ابن سُرَيْجٍ وقال اتَّفَقْنَا على أنها إذَا كانت حَامِلًا لَا تُبَاعُ فَمَنْ ادَّعَى أنها لَا تُبَاعُ إذَا وَلَدَتْ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ فَبُهِتَ
  43. الْمَبْحَثُ الْعَاشِرُ في أَنَّهُ من خَصَائِصِ هذه الْأُمَّةِ أو كان حُجَّةً في الْأُمَمِ السَّابِقَةِ أَيْضًا وَفِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا وَبِهِ قال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ أَنَّهُ كان حُجَّةً وَالْأَصَحُّ كما قَالَهُ الصَّيْرَفِيُّ وابن الْقَطَّانِ وَنَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في اللُّمَعِ عن أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ ليس بِحُجَّةٍ وَجَزَمَ الْقَفَّالُ في تَفْسِيرِهِ وَحُجَّةُ كَوْنِ الْإِجْمَاعِ من خَصَائِصِ هذه الْأُمَّةِ أَنَّ الدَّلِيلَ إنَّمَا قام على عِصْمَةِ هذه الْأُمَّةِ دُونَ غَيْرِهَا وَتَوَقَّفَ الْقَاضِي في الْمَسْأَلَةِ قال الْإِبْيَارِيُّ وهو الْمُخْتَارُ لَا بِالنَّظَرِ إلَى طَرِيقِهِ بَلْ لِأَنَّهُ لم يَثْبُتْ عِنْدَنَا اسْتِحَالَةُ الْغَلَطِ في مُسْتَنَدِ فَهْمِ الْحُكْمِ عِنْدَ أَهْلِ الشَّرَائِعِ الْمُتَقَدِّمَةِ وقال الدَّبُوسِيُّ يُحْتَمَلُ أَنَّ إجْمَاعَهُمْ كان حُجَّةً ما دَامُوا مُتَمَسِّكِينَ بِالْكِتَابِ وَإِنَّمَا لم يَجْعَلْهُ الْيَوْمَ حُجَّةً لِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِهِ وَإِنَّمَا يُنْسَبُونَ إلَى الْكِتَابِ بِدَعْوَاهُمْ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إنْ قَطَعَ أَهْلُ الْإِجْمَاعِ بِقَوْلِهِمْ في كل أُمَّةٍ فَهُوَ حُجَّةٌ لِاسْتِنَادِهِ إلَى حُجَّةٍ قَاطِعَةٍ فإن الْعَادَةَ لَا تَخْتَلِفُ في الْأُمَمِ وَإِنْ كان الْمُسْتَنَدُ مَظْنُونًا فَالْوَجْهُ الْوَقْفُ وقال ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ إنْ ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ أَنَّ إجْمَاعَهُمْ كان حُجَّةً قُلْنَا بِهِ وَإِنْ لم يَثْبُتْ ذلك لم يُصَرْ إلَيْهِ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ وقال في الْوَجِيزِ الْحَقُّ أَنَّ هذا مَعْلُومٌ من جِهَةِ الْعَقْلِ فَإِنْ ثَبَتَ ذلك بِطَرِيقٍ قَطْعِيٍّ صِرْنَا إلَيْهِ وَنَحْوُهُ قَوْلُ إلْكِيَا لَا مَعْنَى لِلْخِلَافِ في هذه الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّ الْعَقْلَ يُجَوِّزُ كِلَا الْوَجْهَيْنِ وإذا تَقَابَلَ الْجَائِزَانِ يُوقَفُ الْأَمْرُ على السَّمْعِ وَلَا قَاطِعَ من جِهَتِهِ فَتَوَقَّفْنَا ولم يَثْبُتْ عِنْدَنَا أَنَّ سَلَفَ كل أُمَّةٍ كَانُوا يُنْكِرُونَ على من يُخَالِفُ أَصْحَابَ الْمُرْسَلِينَ في أَحْكَامِ الْوَقَائِعِ بِنَاءً على أَدِلَّةِ تِلْكَ الشَّرَائِعِ وقال الْإِبْيَارِيُّ يَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ في هذه الْمَسْأَلَةِ هل لها فَائِدَةٌ في الْأَحْكَامِ وَإِلَّا فَهِيَ جَارِيَةٌ مَجْرَى التَّارِيخِ كَالْكَلَامِ فِيمَا كان عليه السَّلَامُ عليه قبل الْبَعْثَةِ وَالصَّحِيحُ عِنْدِي بِنَاؤُهَا على أَنَّ شَرْعَ من قَبْلَنَا شَرْعٌ لنا أَمْ لَا فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ شَرْعٌ لنا افْتَقَرَ إلَى النَّظَرِ في إجْمَاعِهِمْ هل كان حُجَّةً عِنْدَهُمْ أَمْ لَا وقد حَكَى الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ الْخِلَافَ قَرِيبًا من ذلك فقال وَاخْتَلَفُوا في أُمَّةِ كل نَبِيٍّ هل كان إجْمَاعُهُمْ حُجَّةً فقال بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ إجْمَاعُ غَيْرِ هذه الْأُمَّةِ لَا يَكُونُ حُجَّةً وَبِهِ قال ابن أبي هُرَيْرَةَ لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَجْمَعُوا على قَتْلِ عِيسَى
  44. وَأَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِكَذِبِهِمْ وقال آخَرُونَ يَكُونُ حُجَّةً على من بَعْدَهُمْ من أُمَّتِهِمْ لِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِشَرَائِعِ الْأَنْبِيَاءِ في عَصْرٍ بَعْدَ عَصْرٍ ما لم يَرِدْ نَسْخُهَا فَائِدَةٌ دَلِيلٌ يَدُلُّ على أَنَّ الْإِجْمَاعَ من خَصَائِصِ هذه الْأُمَّةِ احْتَجَّ بَعْضُهُمْ على أَنَّهُ من خَصَائِصِ هذه الْأُمَّةِ بِحَدِيثِ نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يوم الْقِيَامَةِ بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ من قَبْلِنَا ثُمَّ هذا يَوْمُهُمْ الذي فُرِضَ عليهم فَاخْتَلَفُوا فيه فَهَدَانَا اللَّهُ له وَالنَّاسُ لنا تَبَعٌ فيه الْيَهُودُ غَدًا وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ وَوَجْهُ الِاسْتِنْبَاطِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ من الِاثْنَتَيْنِ أَجْمَعَتْ على تَفْضِيلِ يَوْمٍ وَأَخْطَأَتْ السِّرُّ في اخْتِصَاصِ هذه الْأُمَّةِ بِالصَّوَابِ في الْإِجْمَاعِ وَالسِّرُّ في اخْتِصَاصِ هذه الْأُمَّةِ بِالصَّوَابِ في الْإِجْمَاعِ أَنَّهُمْ الْجَمَاعَةُ بِالْحَقِيقَةِ لِأَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بُعِثَ إلَى الْكَافَّةِ وَالْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ إنَّمَا بُعِثَ النبي لِقَوْمِهِ وَهُمْ بَعْضٌ من كُلٍّ فَيَصْدُقُ على كل أُمَّةٍ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ مُنْحَصِرِينَ فِيهِمْ في عَصْرٍ وَاحِدٍ وَأَمَّا هذه الْأُمَّةُ فَالْمُؤْمِنُونَ مُنْحَصِرُونَ فِيهِمْ وَيَدُ اللَّهِ مع الْجَمَاعَةِ فَلِهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ خَصَّهَا بِالصَّوَابِ
  45. الْفَصْلُ الثَّانِي فِيمَا يَنْعَقِدُ عنه الْإِجْمَاعُ ولا بُدَّ له من مُسْتَنَدٍ لِأَنَّ أَهْلَ الْإِجْمَاعِ لَيْسَتْ لهم رُتْبَةُ الِاسْتِقْلَالِ بِإِثْبَاتِ الْأَحْكَامِ وَإِنَّمَا يُثْبِتُونَهَا نَظَرًا إلَى أَدِلَّتِهَا وَمَأْخَذِهَا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عن مُسْتَنَدٍ لِأَنَّهُ لو انْعَقَدَ من غَيْرِ مُسْتَنَدٍ لَاقْتَضَى إثْبَاتَ الشَّرْعِ بَعْدَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وهو بَاطِلٌ وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في بَابِ الْقِرَاضِ من النِّهَايَةِ عن الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قال الْإِجْمَاعُ إنْ كان حُجَّةً قَاطِعَةً سَمْعِيَّةً فَلَا يَحْكُمُ أَهْلُ الْإِجْمَاعِ بِإِجْمَاعِهِمْ وَإِنَّمَا يَصْدُرُ الْإِجْمَاعُ عن أَصْلٍ ا هـ وَحَكَى عبد الْجَبَّارِ عن قَوْمٍ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَحْصُلَ بِالْبَخْتِ وَالْمُصَادَفَةِ بِأَنْ يُوَفِّقَهُمْ اللَّهُ لِاخْتِيَارِ الصَّوَابِ من غَيْرِ مُسْتَنَدٍ وهو بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ من الْبَخْتِ وهو التَّوْفِيقُ وَغَلِطَ صَاحِبُ التَّحْصِيلِ فَظَنَّهُ بِمَعْنَى الشُّبْهَةِ وهو فَاسِدٌ فإن مَعْنَاهُ يَجُوزُ أَنْ يَحْصُلَ عن تَوْفِيقٍ من اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ دَلَّهُمْ على ذلك بِأَنْ يُوَفِّقَ اللَّهُ لِلصَّوَابِ بِالْإِلْهَامِ لِقَوْلِهِ ما رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ وهو ضَعِيفٌ لَا يَجُوزُ الْقَوْلُ في دِينِ اللَّهِ تَعَالَى بِغَيْرِ دَلِيلٍ وقد يُتَرْجِمُ الْمَسْأَلَةَ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ حُصُولُ الْإِجْمَاعِ إلَّا عن تَوْقِيفٍ وَمُسْتَنَدٍ وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ أَنَّ الْخِلَافَ في الْجَوَازِ لَا في الْوُقُوعِ وَلَيْسَ كما قال فإن الْخُصُومَ ذَكَرُوا صُوَرًا وَادَّعَوْا وُقُوعَ الْإِجْمَاعِ فيها من غَيْرِ مُسْتَنَدٍ ثُمَّ ذلك الْمُسْتَنَدُ إمَّا من جِهَةِ الْكِتَابِ كَإِجْمَاعِهِمْ على أَنَّ ابْنَ الِابْنِ كَالِابْنِ في الْمِيرَاثِ وَإِمَّا من جِهَةِ السُّنَّةِ كَإِجْمَاعِهِمْ على تَوْرِيثِ كل وَاحِدٍ من الْجَدَّيْنِ السُّدُسَ
  46. وَعَلَى تَوْرِيثِ الْمَرْأَةِ من دِيَةِ زَوْجِهَا بِالْخَبَرِ في امْرَأَةِ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ أو الِاسْتِفَاضَةِ كَالْإِجْمَاعِ على أَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ وَنُصُبِ الزَّكَوَاتِ أو عن الْمُنَاظَرَةِ وَالْجِدَالِ كَإِجْمَاعِهِمْ على قَتْلِ مَانِعِي الزَّكَاةِ أو عن تَوْقِيفٍ كَإِجْمَاعِهِمْ على أَنَّ الْجُمُعَةَ تَسْقُطُ بِفَرْضِ الظُّهْرِ أو عن اسْتِدْلَالٍ وَقِيَاسٍ كَإِجْمَاعِهِمْ على أَنَّ الْجَوَامِيسَ في الزَّكَاةِ كَالْبَقَرِ قال الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ وَكَإِجْمَاعِهِمْ على خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ رضي اللَّهُ عنه بِتَقْدِيمِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم إيَّاهُ في مَرَضِهِ لِلصَّلَاةِ بِالنَّاسِ قال الصَّيْرَفِيُّ وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَقَعَ منهم الْإِجْمَاعُ بِالتَّوَاطُؤِ وَلِهَذَا كانت الصَّحَابَةُ لَا يَرْضَى بَعْضُهُمْ من بَعْضِ بِذَلِكَ بَلْ يَتَبَاحَثُونَ حتى أَخْرَجَ بَعْضُهُمْ الْقَوْلَ في الْخِلَافِ إلَى الْمُبَاهَلَةِ وَلَا يُمْكِنُ اخْتِلَافُهُمْ فِيمَا وَقَفُوا عليه لِأَنَّهُ مَذْمُومٌ شَرْعًا فَثَبَتَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَقَعُ منهم إلَّا عن تَوْقِيفٍ أو دَلِيلٍ عَقَلَهُ جَمِيعُهُمْ لَا لِأَنَّ غَيْرَهُ قال بِهِ فقال معه وَجَعَلَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ أَصْلَ الْخِلَافِ أَنَّ الْإِلْهَامَ هل هو دَلِيلٌ أَمْ لَا وَحَيْثُ قُلْنَا لَا بُدَّ من مُسْتَنَدٍ فَلَا يَجِبُ الْبَحْثُ عن مُسْتَنَدِهِمْ إذْ قد ثَبَتَتْ لهم الْعِصْمَةُ وَلَا يَحْكُمُونَ إلَّا عن مُسْتَنَدٍ صَحِيحٍ لَكِنَّهُ لَا يُمْتَنَعُ الِاطِّلَاعُ عليه وَأَكْثَرُ الْإِجْمَاعَاتِ قد عُرِفَ مُسْتَنَدُهَا وَحَكَى الْإِمَامُ في بَابِ الْقِيَاسِ عن الشَّافِعِيِّ ما يَقْتَضِي الْبَحْثَ عن الْمُسْتَنَدِ حَيْثُ قال لم يُعْهَدْ الْقِرَاضُ في عَهْدِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَأَوَّلُ ما جَرَى في زَمَنِ عُمَرَ فقال الشَّافِعِيُّ لَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بِغَيْرِ مُسْتَنَدٍ وَلَوْ كان في الْقِرَاضِ خَيْرٌ لَاعْتُنِيَ بِنَقْلِهِ مَسْأَلَةٌ اتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِالْمُسْتَنَدِ عليه إذَا كان دَلَالَةً وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا كان أَمَارَةً على مَذَاهِبَ أَحَدُهَا الْجَوَازُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كان جَلِيَّةً أو خَفِيَّةً كَالدَّلَالَةِ وَنَصَّ عليه
  47. الشَّافِعِيُّ في الرِّسَالَةِ وَجَوَّزَ الْإِجْمَاعَ عن قِيَاسٍ وهو قَوْلُ الْجُمْهُورِ قال الرُّويَانِيُّ وَبِهِ قال عَامَّةُ أَصْحَابِنَا وهو الْمَذْهَبُ وقال ابن الْقَطَّانِ لَا خِلَافَ بين أَصْحَابِنَا في جَوَازِ وُقُوعِ الْإِجْمَاعِ عنه في قِيَاسِ الْمَعْنَى على الْمَعْنَى وَالشَّرْطِ وَأَمَّا قِيَاسُ الشَّبَهِ فَاخْتَلَفُوا فيه على وَجْهَيْنِ وإذا وَقَعَ عن الْأَمَارَةِ وَهِيَ الْمُفِيدَةُ لِلظَّنِّ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الظَّنُّ صَوَابًا لِلدَّلِيلِ الدَّالِّ على الْعِصْمَةِ وَمِنْ هُنَا قِيلَ ظَنُّ من هو مَعْصُومٌ عن الْخَطَأِ مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهِ وَمِنْ فُرُوعِ الْمَسْأَلَةِ اتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ على أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ بَعْدَ الْخِلَافِ وَالثَّانِي الْمَنْعُ مُطْلَقًا وَبِهِ قال الظَّاهِرِيَّةُ وَمُحَمَّدُ بن جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فَالظَّاهِرِيَّةُ مَنَعُوهُ لِأَجْلِ إنْكَارِهِمْ الْقِيَاسَ وَأَمَّا ابن جَرِيرٍ فقال الْقِيَاسُ حُجَّةٌ وَلَكِنَّ الْإِجْمَاعَ إذَا صَدَرَ عنه لم يَكُنْ مَقْطُوعًا بِصِحَّتِهِ هَكَذَا حَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ قال وَبِهِ قال بَعْضُ الْقَدَرِيَّةِ وهو جَعْفَرُ بن مُبَشِّرٍ ثُمَّ اخْتَلَفَتْ الظَّاهِرِيَّةُ فَمِنْهُمْ من أَحَالَهُ وَمِنْهُمْ من سَلَّمَ الْإِمْكَانَ وَمَنَعَ الْوُقُوعَ وَادَّعَوْا أَنَّ الْعَادَةَ تُحِيلُهُ في الْجَمْعِ الْعَظِيمِ وَحَكَى الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ عن ابْنِ جَرِيرٍ أَنَّهُ مَنَعَ منه عَقْلًا وقال لو وَقَعَ لَكَانَ حُجَّةً غير أَنَّهُ مَنَعَ وُقُوعَهُ لِاخْتِلَافِ الدَّوَاعِي وَالْأَغْرَاضِ وَتَفَاوُتِهِمْ في الذَّكَاءِ وَالْفَطِنَةِ وَاحْتَجَّ ابن الْقَطَّانِ على ابْنِ جَرِيرٍ بِأَنَّهُ وَافَقَ على وُقُوعِهِ في خَبَرِ الْوَاحِدِ وَهُمْ مُخْتَلِفُونَ فيه فَكَذَلِكَ الْقِيَاسُ وَلَا يُقَالُ خَبَرُ الْوَاحِدِ أَجْمَعَتْ عليه الصَّحَابَةُ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ لِأَنَّا نَقُولُ كِلَاهُمَا سَوَاءٌ في إجْمَاعِهِمْ على الْقَوْلِ بِهِ وَمِنْ السُّنَّةِ أَنَّ إمَامَةَ الصِّدِّيقِ رضي اللَّهُ عنه ثَبَتَتْ بِالْقِيَاسِ لِقَوْلِ عُمَرَ رضي اللَّهُ عنه رَضِينَاهُ لِدِينِنَا أَفَلَا نَرْضَاهُ لِدُنْيَانَا ثُمَّ اُعْتُرِضَ بِإِجْرَاءِ مِثْلِ ذلك في عبد الرحمن بن عَوْفٍ فإن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم صلى خَلْفَهُ وَأَجَابَ بِالْفَرْقِ وهو أَنَّ الصِّدِّيقَ أَمَرَهُ النبي عليه السَّلَامُ وَعَبْدُ الرحمن وَجَدَهُ يُصَلِّي فَصَلَّى خَلْفَهُ وَكَذَلِكَ صَدَقَةُ الْبَقَرِ ثَبَتَ الْحُكْمُ فيها بِالنَّصِّ ثُمَّ ثَبَتَ الْحُكْمُ في الْجَوَامِيسِ بِالْإِجْمَاعِ بِالْقِيَاسِ على الْبَقَرِ وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا على مِيقَاتِ ذَاتِ عِرْقٍ ولم يَقَعْ النَّصُّ
  48. قال وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ فيه أَخْبَارًا عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّهُ وَقَّتَهُ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ قال وقد أَدْخَلَ في هذا أَصْحَابُنَا ما ليس منه كَصَدَقَةِ الذَّهَبِ وَفِيهَا أَحَادِيثُ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ من أَعْتَقَ شِرْكًا له في عَبْدٍ وَالْأَمَةُ في مَعْنَاهُ مع قَوْلِهِمْ إنَّ الْعَبْدَ اسْمٌ لِكُلِّ رَقِيقٍ ذَكَرًا كان أو أُنْثَى قال وَمِنْ أَجْوَدِهِ أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ مِيرَاثَ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ ولم يذكر شيئا أَنَّهُ من بَعْدِ الْوَصِيَّةِ وَالدَّيْنِ وَالْحُكْمُ فيه من طَرِيقِ الْقِيَاسِ كَذَلِكَ ا هـ وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ التَّفْصِيلُ في الْأَمَارَةِ بين الْجَلِيَّةِ فَيَجُوزُ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ عنها دُونَ الْخَفِيَّةِ حَكَاهُ ابن الصَّبَّاغِ وَكَذَا صَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ عن بَعْضِ أَصْحَابِنَا قال وهو ظَاهِرُ مَذْهَبِ أبي بَكْرٍ الْفَارِسِيِّ من الشَّافِعِيَّةِ قال وَلِذَلِكَ اشْتَرَطَ في الْخَبَرِ الذي انْعَقَدَ عن الْإِجْمَاعِ كَوْنَهُ مَشْهُورًا وَالْمَذْهَبُ الرَّابِعُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ في الْقِيَاسِ إلَّا عن أَمَارَةٍ وَلَا يَجُوزُ عن دَلَالَةِ لِلِاسْتِغْنَاءِ بها عنه حَكَاهُ السَّمَرْقَنْدِيُّ في الْمِيزَانِ عن بَعْضِ مَشَايِخِهِمْ وهو غَرِيبٌ قَادِحٌ في إطْلَاقِ نَقْلِ جَمَاعَةٍ الْإِجْمَاعَ على جَوَازِهِ عن دَلَالَةٍ مَسْأَلَةٌ وإذا جَوَّزْنَا انْعِقَادَ الْإِجْمَاعِ عن الِاجْتِهَادِ فَهَلْ وَقَعَ فيه خِلَافٌ حَكَاهُ ابن فُورَكٍ وإذا قُلْنَا بِوُقُوعِهِ فَهَلْ يَكُونُ حُجَّةً تَحْرُمُ مُخَالَفَتُهُ أَمْ لَا الْمَشْهُورُ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ نعم وَحَكَى ابن فُورَكٍ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ وَسُلَيْمٌ عن قَوْمٍ أَنَّهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً وَلَعَلَّهُ قَوْلُ ابْنِ جَرِيرٍ السَّابِقِ وَحَكَاهُ عبد الْجَبَّارِ عن الْحَاكِمِ صَاحِبِ الْمُخْتَصَرِ قَالَهُ أبو الْحُسَيْنِ في الْمُعْتَمَدِ تَنْبِيهٌ قال ابن السَّمْعَانِيِّ وَهَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا كان الِاجْتِهَادُ عن أَصْلٍ فَأَمَّا الِاجْتِهَادُ عن غَيْرِ أَصْلٌ كَالِاجْتِهَادِ في جَزَاءِ الصَّيْدِ وَجِهَاتِ الْقِبْلَةِ وَأُرُوشِ الْجِنَايَاتِ وَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ فَمَنْ يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْإِجْمَاعِ بِالْقِيَاسِ كان من هذا أَمْنَعَ وَمَنْ جَوَّزَ ثَمَّ اخْتَلَفُوا فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى امْتِنَاعِ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عن مِثْلِ هذا الِاجْتِهَادِ وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ
  49. فُرُوعٌ لَا يَجِبُ مَعْرِفَةُ دَلِيلِ الْإِجْمَاعِ الْأَوَّلُ قال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ لَا يَجِبُ على الْمُجْتَهِدِ طَلَبُ الدَّلِيلِ الذي وَقَعَ الْإِجْمَاعُ بِهِ فَإِنْ ظَهَرَ له ذلك أو نُقِلَ إلَيْهِ كان أَحَدَ أَدِلَّةِ الْمَسْأَلَةِ وقال أبو الْحَسَنِ السُّهَيْلِيُّ إذَا أَجْمَعُوا على حُكْمٍ ولم يُعْلَمْ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عليه من دَلَالَةِ آيَةٍ أو قِيَاسٍ أو غَيْرِهِ فإنه يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ لِأَنَّهُمْ لَا يُجْمِعُونَ إلَّا عن دَلَالَةٍ وَلَا يَجِبُ مَعْرِفَتُهَا يَجُوزُ لِلْمُجْمِعِينَ تَرْكُ دَلِيلِ الْإِجْمَاعِ بَعْدَ اشْتِهَارِ الْإِجْمَاعِ الثَّانِي قال أَيْضًا يَجُوزُ لِلْمُجْمِعِينَ تَرْكُ الدَّلِيلِ بَعْدَ اشْتِهَارِ الْمَسْأَلَةِ وَانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ وَرُبَّمَا كان أَصْلُهُ ظَاهِرًا مُحْتَمِلًا أو قِيَاسَ شَبَهٍ عَرَفَ الْعَصْرُ الْأَوَّلُ حِكْمَةَ الْمُشَاهَدَةِ على نَفْيِ الشَّبَهِ فَتَرَكُوا الدَّلِيلَ لِمَا فيه من تَكَرُّهِ التَّأْوِيلِ وَيَقْتَصِرُونَ على إظْهَارِ الْحُكْمِ لِيَكُونَ أَمْنَعَ من الْخِلَافِ وَأَقْطَعَ لِلنِّزَاعِ إذَا احْتَمَلَ إجْمَاعُهُمْ أَنْ يَكُونَ عن قِيَاسٍ أو تَوْقِيفٍ فَعَلَى أَيِّهِمَا يُحْمَلُ الثَّالِثُ إذَا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ إجْمَاعُهُمْ عن قِيَاسٍ لِإِمْكَانِهِ في الْحَادِثَةِ أو عن دَلِيلٍ فَهَلْ الْأَوْلَى حَمْلُهُ على أَنْ يَكُونَ صَادِرًا عن الْقِيَاسِ أو عن التَّوْقِيفِ لَا أَعْلَمُ فيه كَلَامًا لَلْأُصُولِيِّينَ وَيَخْرُجُ من كَلَامِ أَصْحَابِنَا في الْفُرُوعِ فيه وَجْهَانِ فَإِنَّهُمْ قالوا فِيمَنْ قَتَلَ الْحَمَامَ بِمَكَّةَ إنَّ فيها شَاةً لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَاخْتَلَفُوا في بِنَاءِ ذلك على وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ إيجَابَهَا لِمَا بَيْنَهُمَا من الشَّبَهِ فإن كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَأْلَفُ الْبُيُوتَ وَيَأْنَسُ بِالنَّاسِ وَأَصَحُّهُمَا أَنَّ مُسْتَنَدَهُ تَوْقِيفٌ بَلَغَهُمْ فيه قُلْت لَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ إلَيْهِمْ أَنَّهُمْ أَخَذُوهُ تَوْقِيفًا مع قِيَامِ الِاحْتِمَالِ بِكَوْنِهِ اسْتِنْبَاطًا وَعَلَى هذا نَصَّ الشَّافِعِيُّ في الرِّسَالَةِ فقال أَمَّا ما أَجْمَعُوا عليه فَذَكَرُوا أَنَّهُ حِكَايَةً عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قالوا وَأَمَّا ما لم يَحْكُوهُ فَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونُوا قَالُوهُ
  50. حِكَايَةً عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَاحْتُمِلَ غَيْرُهُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حِكَايَةً لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْكَى إلَّا مَسْمُوعًا مَسْأَلَةٌ إذَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ بِأَحَدِ هذه الدَّلَائِلِ فَهَلْ يَكُونُ مُنْعَقِدًا على الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالدَّلِيلِ أو مُنْعَقِدًا على الدَّلَائِلِ الْمُوجِبَةِ لِلْحُكْمِ فيه خِلَافٌ حَكَاهُ صَاحِبُ الْقَوَاطِعِ قال فَذَهَبَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْأَشْعَرِيَّةِ إلَى أَنَّهُ يَنْعَقِدُ على الدَّلَائِلِ الْمُوجِبَةِ لِلْحُكْمِ وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ إلَى أَنَّهُ يَنْعَقِدُ على الْمُسْتَخْرَجِ من الدَّلَائِلِ الصَّحِيحَةِ لِأَنَّ الْحُكْمَ هو الْمَطْلُوبُ من الدَّلِيلِ وَلِأَجْلِهِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ الْإِجْمَاعُ الْوَاقِعُ على وَفْقِ خَبَرٍ هل يَدُلُّ على صِحَّةِ ذلك الْخَبَرِ قال وَيَنْبَنِي على هذا مَسْأَلَةٌ وَهِيَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ الْوَاقِعَ على وَفْقِ خَبَرٍ من الْأَخْبَارِ هل يَكُونُ دَلِيلًا على صِحَّتِهِ منهم من قال يَدُلُّ على ذلك إذَا عُلِمَ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا لِأَجْلِهِ وَمِنْهُمْ من قال إنَّ إجْمَاعَهُمْ يَدُلُّ على صِحَّةِ الْحُكْمِ وَلَا يَدُلُّ على صِحَّةِ الْخَبَرِ قال وهو أَوْلَى الْقَوْلَيْنِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اتَّفَقُوا على الْعَمَلِ بِهِ لِأَنَّ التَّعَبُّدَ ثَابِتٌ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَهَذَا التَّعَبُّدُ ثَبَتَ في حَقِّ الْكَافَّةِ فَلِأَجْلِ التَّعَبُّدِ الثَّابِتِ أَجْمَعُوا على مُوجَبِ الْخَبَرِ وَصَارَ الْحُكْمُ مَقْطُوعًا بِهِ لِأَجْلِ إجْمَاعِهِمْ فَإِنْ كان الْإِجْمَاعُ وَلَا دَلِيلَ غَيْرَهُ كان انْعِقَادُهُ دَلِيلًا على أَنَّهُ انْعَقَدَ عن دَلِيلٍ مُوجِبٍ له لِأَنَّهُمْ اسْتَغْنَوْا بِالْإِجْمَاعِ عن نَقْلِ الدَّلِيلِ وَاكْتَفَوْا بِهِ عنه وقال ابن بَرْهَانٍ في الْوَجِيزِ إذَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ وكان دَلِيلُهُ مَجْهُولًا عِنْدَ أَهْلِ الْعَصْرِ الثَّانِي وَوَجَدْنَا خَبَرَ وَاحِدٍ فَهَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ مُسْتَنَدَهُ أَمْ لَا نَقَلَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ قال لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ذلك الْخَبَرُ مُسْتَنَدًا لِلْإِجْمَاعِ وَخَالَفَ في ذلك الْأُصُولِيُّونَ ا هـ وَإِنَّمَا قَيَّدَ الْمَسْأَلَةَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لِأَنَّهُ إذَا كان الْخَبَرُ مُتَوَاتِرًا فَهُوَ مُسْتَنَدُهُمْ بِلَا خِلَافٍ كما قال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ كما يَجِبُ عليهم الْعَمَلُ بِمُوجَبِ النَّصِّ قال وَإِنَّمَا الْخِلَافُ في خَبَرِ الْآحَادِ وهو ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ أَنْ يُعْلَمَ ظُهُورُهُ بَيْنَهُمْ وَالْعَمَلُ بِمُوجَبِهِ لِأَجْلِهِ أو يُعْلَمَ ظُهُورُهُ بَيْنَهُمْ وَالْعَمَلُ بِمُوجَبِهِ وَلَا يُعْلَمُ أَنَّهُمْ عَمِلُوا لِأَجْلِهِ
  51. أو لَا يَكُونَ ظَاهِرًا بَلْ عَمِلُوا بِمَا تَضَمَّنَهُ فَفِي الْقِسْمِ الثَّانِي ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ ثَالِثُهَا إنْ كان على خِلَافِ الْقِيَاسِ فَهُوَ مُسْتَنَدَهُمْ وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلَا يَدُلُّ على أَنَّهُمْ عَمِلُوا من أَجْلِهِ وَهَلْ يَدُلُّ إجْمَاعُهُمْ على مُوجَبِهِ على صِحَّتِهِ فيه خِلَافٌ انْتَهَى وقال إلْكِيَا إذَا ظَهَرَ أَنَّ مُسْتَنَدَ الْإِجْمَاعِ نَصٌّ كان هو مُسْتَنَدَ الْحُكْمِ وَنَحْنُ إنَّمَا نَتَلَقَّى الْحُكْمَ من الْإِجْمَاعِ إذَا لم نَرَ مُسْتَنَدًا مَقْطُوعًا بِهِ فَأَمَّا إذَا أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ على مُوجَبِ الْخَبَرِ الْمَرْوِيِّ من خَبَرِ الْوَاحِدِ فَهَلْ يَدُلُّ الْقَطْعِيُّ على أَنَّ إجْمَاعَهُمْ كان لِأَجْلِهِ أَمْ لَا قال فيه تَفْصِيلٌ وهو إنْ عَمِلُوا بِمَا عَمِلُوا وَحَكَمُوا مُسْتَنِدِينَ إلَى الْخَبَرِ مُصَرِّحِينَ بِالْمُسْتَنَدِ فَلَا شَكَّ وَإِنْ لم يَظْهَرْ ذلك فَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يقول في مَوَاضِعَ من كُتُبِهِ إنَّ إجْمَاعَهُمْ يُصْرَفُ إلَى الْخَبَرِ وَبِهِ قال أبو هَاشِمٍ وزاد عليه فقال أَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ على الْقِرَاضِ وَلَا خَبَرَ فيه فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عليه بِخَبَرِ الْمُسَاقَاةِ وَلَكِنْ اُشْتُهِرَ الْإِجْمَاعُ في الْقِرَاضِ لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ دُونَ الْمُسَاقَاةِ وَذَهَبَ غَيْرُهُمَا إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إجْمَاعُهُمْ لِأَجْلِ الِاجْتِهَادِ أو لِأَجْلِ خَبَرٍ آخَرَ لم يُنْقَلْ وَيَبْعُدُ كُلُّ ذلك ليس خَرْقًا لِلْعَادَةِ وَهَذَا لَا دَافِعَ له إلَّا أَنْ يُقَالَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُجْمِعُوا لِأَجْلِ خَبَرٍ ثُمَّ لَا يُنْقَلُ ما أَجْمَعُوا عليه وَهَذَا لَا يَمْشِي إذْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إجْمَاعُهُمْ أَعْنِي نَقْلَ ما له أَجْمَعُوا ا هـ وما نَقَلَاهُ عن الشَّافِعِيِّ نَقَلَهُ في الْمَحْصُولِ عن أبي عبد اللَّهِ الْبَصْرِيِّ وَخَالَفَهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ ذلك على سَبِيلِ الظَّنِّ الْغَالِبِ لَا أَنَّهُ عنه حَقِيقَةً وقال ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ الْخِلَافُ لَفْظِيٌّ لَا فَائِدَةَ له لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ يَنْعَقِدُ عن الدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ وَالظَّنِّيِّ قُلْت وَلَهَا نَظَائِرُ منها أَنَّ عَمَلَ الْعَالِمِ أو فُتْيَاهُ على وَفْقِ حَدِيثٍ لَا يَكُونُ حُكْمًا منه بِصِحَّةِ ذلك الحديث لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ ذلك منه احْتِيَاطًا أو لِدَلِيلٍ آخَرَ وَافَقَ ذلك الْخَبَرَ وَكَذَلِكَ مُخَالَفَتُهُ لِلْحَدِيثِ لَيْسَتْ قَدْحًا منه في صِحَّتِهِ وقد سَبَقَ الْخِلَافُ فيها وَمِنْهَا الْإِجْمَاعُ على وَفْقِ خَبَرٍ لَا يَدُلُّ على صِدْقِهِ وقد سَبَقَتْ في بَابِ الْأَخْبَارِ
  52. وَمِنْهَا أَنَّ الْمُجْتَهِدَ إذَا عَلَّلَ حُكْمَ الْأَصْلِ بِعِلَّةٍ مُنَاسِبَةٍ وَأَلْحَقَ بِهِ الْفَرْعَ فَمَنَعَ الْخَصْمُ كَوْنَ الْعِلَّةِ في الْأَصْلِ هذه وقال الْعِلَّةُ غَيْرُهَا لم يُسْمَعْ منه لِأَنَّ الْأَحْكَامَ لَا بُدَّ لها من عِلَّةٍ وقد وُجِدَتْ عِلَّةٌ مُنَاسِبَةٌ فَلْيُضَفْ الْحُكْمُ إلَيْهَا إذْ الْأَصْلُ عَدَمُ ما سِوَاهَا وَهَذَا بِخِلَافِ الْمَسْأَلَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ وقد يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ التي قام فيها الْإِجْمَاعُ قد قَامَتْ الْحُجَّةُ على الْعَمَلِ بها وَالْإِضَافَةُ إلَى الحديث من بَابِ تَكْثِيرِ الدَّلَائِلِ لم يُوجِبْ أَنْ يَكُونَ الْإِجْمَاعُ عن ذلك الحديث إذْ لَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ وَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَهُ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْقِيَاسِ فإنه لَا يَنْتَهِضُ الْإِلْحَاقُ ما لم تَثْبُتْ الْعِلَّةُ فَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ الْأَصْلَ كَوْنُ الْحُكْمِ مُضَافًا إلَى هذه الْعِلَّةِ مَسْأَلَةٌ في وُجُودِ خَبَرٍ أو دَلِيلٍ لَا تَعَارُضَ فيه تَشْتَرِكُ الْأُمَّةُ في عَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ هل يُمْكِنُ وُجُودُ خَبَرٍ أو دَلِيلٍ بِلَا مُعَارِضٍ اشْتَرَكَتْ الْأُمَّةُ في عَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ فيه خِلَافٌ وَاخْتَارَ الْآمِدِيُّ وابن الْحَاجِبِ وَالْهِنْدِيُّ الْجَوَازَ إنْ كان عَمَلُ الْأُمَّةِ مُوَافِقًا لِمُقْتَضَاهُ وَعَدَمَهُ إنْ خَالَفَ وَأَمَّا الرَّازِيَّ فَتَرْجَمَهَا في الْمَحْصُولِ بِأَنَّهُ هل يَجُوزُ اشْتِرَاكُ الْأُمَّةِ في الْجَهْلِ بِمَا لم يُكَلَّفُوا بِهِ وَكَذَلِكَ تَرْجَمَهَا الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ وفي ظَنِّي أَنَّ الْأَصْفَهَانِيَّ ظَنَّهُمَا مَسْأَلَةً وَاحِدَةً وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُمَا مَسْأَلَتَانِ إحْدَاهُمَا هل يَجُوزُ أَنْ تَشْتَرِكَ الْأُمَّةُ في عَدَمِ الْعِلْمِ بِمَا لم يُكَلَّفُوا بِهِ قَوْلَانِ الثَّانِيَةُ هل يُمْكِنُ وُجُودُ خَبَرٍ أو دَلِيلٍ لَا تَعَارُضَ فيه وَتَشْتَرِكُ الْأُمَّةُ في عَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ وَالْخِلَافُ في هذه مُرَتَّبٌ على التي قَبْلَهَا فَمَنْ مَنَعَهُ هُنَاكَ لم يُجَوِّزْ هذا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَمَنْ جَوَّزَ هُنَاكَ اخْتَلَفُوا على ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ الْمَنْعُ مُطْلَقًا وَالْجَوَازُ مُطْلَقًا وَالتَّفْصِيلُ بين أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُمْ مُوَافِقًا لِمُقْتَضَاهُ فَيَجُوزُ وَإِلَّا فَلَا لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذُهُولُهُمْ عَمَّا كُلِّفُوا بِهِ وَإِلَّا لَزِمَ اجْتِمَاعُهُمْ على الْخَطَأِ وهو مُمْتَنِعٌ
  53. مَسْأَلَةٌ إذَا أَجْمَعُوا على خِلَافِ الْخَبَرِ إذَا ذَكَرَ وَاحِدٌ من الْمُجْمِعِينَ خَبَرًا عن الرَّسُولِ عليه السَّلَامُ يَشْهَدُ بِضِدِّ الْحُكْمِ الذي انْعَقَدَ عليه الْإِجْمَاعُ قال ابن بَرْهَانٍ في الْوَجِيزِ يَجِبُ عليه تَرْكُ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ وَالْإِصْرَارُ على الْإِجْمَاعِ وقال قَوْمٌ من الْأُصُولِيِّينَ بَلْ يَجِبُ عليه الرُّجُوعُ إلَى مُوجَبِ الحديث وقال قَوْمٌ إنَّ ذلك يَسْتَحِيلُ وهو الْأَصَحُّ من الْمَذَاهِبِ فإن اللَّهَ تَعَالَى عَصَمَ الْأُمَّةَ عن نِسْيَانِ حَدِيثٍ في الْحَادِثَةِ وَلَوْلَا ذلك خَرَجَ الْإِجْمَاعُ عن أَنْ يَكُونَ قَطْعِيًّا وَبَنَاهُ في الْأَوْسَطِ على الْخِلَافِ في انْقِرَاضِ الْعَصْرِ فَمَنْ قال ليس بِشَرْطٍ مَنَعَ الرُّجُوعَ وَمَنْ اشْتَرَطَ جَوَّزَهُ وَالْجُمْهُورُ على الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ يَتَطَرَّقُ إلَى الحديث احْتِمَالَاتٌ من النَّسْخِ وَالتَّخْصِيصِ ما لَا يَتَطَرَّقُ إلَى الْإِجْمَاعِ بَلْ لو قَطَعْنَا بِالْإِجْمَاعِ في صُورَةٍ ثُمَّ وَجَدْنَا على خِلَافِهِ نَصًّا قَاطِعًا من كِتَابٍ أو سُنَّةٍ مُتَوَاتِرَةٍ لَكَانَ الْإِجْمَاعُ أَوْلَى لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ النَّسْخَ بِخِلَافِ النَّصِّ فإنه يَقْبَلُهُ وفي مِثْلِ هذه الصُّورَةِ يُسْتَدَلُّ بِالْإِجْمَاعِ على نَاسِخٍ بَلَغَهُمْ أو مُوجَبٍ لِتَرْكِهِ وَلِهَذَا قَدَّمَ الشَّافِعِيُّ الْإِجْمَاعَ على النَّصِّ لَمَّا رَتَّبَ الْأَدِلَّةَ قُلْت وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ الْإِجْمَاعُ أَكْثَرُ من الْخَبَرِ الْمُنْفَرِدِ وَعَلَى هذا فَيَجِبُ على الرَّاوِي لِلْخَبَرِ أَنْ يَتْرُكَ الْعَمَلَ بِمُقْتَضَى خَبَرِهِ وَيَتَمَسَّكَ بِالْإِجْمَاعِ وَكَذَا قال الْإِمَامُ في بَابِ التَّرَاجِيحِ من الْبُرْهَانِ إذَا أَجْمَعُوا على خِلَافِ الْخَبَرِ تَطَرَّقَ الْوَهْنُ إلَى رِوَايَةِ الْخَبَرِ لِأَنَّهُ إنْ كان آحَادًا فَذَاكَ وَإِنْ كان مُتَوَاتِرًا فَالتَّعَلُّقُ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ وَأَمَّا الْخَبَرُ فَيَتَطَرَّقُ إلَيْهِ إمْكَانُ النَّسْخِ فَيُحْمَلُ الْإِجْمَاعُ على الْقَطْعِ لِأَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا على قَطْعٍ وَيُحْمَلُ الْخَبَرُ على مُقْتَضَى النَّسْخِ اسْتِنَادًا وَتِبْيَانًا لَا على طَرِيقِ الْبِنَاءِ ثُمَّ نَبَّهَ على أَنَّ الْكَلَامَ في الْجَوَازِ وَقَطَعَ بِأَنَّهُ غَيْرُ وَاقِعٍ ثُمَّ قال من ضَرُورَةِ الْإِجْمَاعِ على مُنَاقَضَةِ النَّصِّ الْمُتَوَاتِرِ أَنْ يَلْهَجَ أَهْلُ الْإِجْمَاعِ بِكَوْنِهِ مَنْسُوخًا قُلْت وَيُحْتَمَلُ تَقْيِيدُ الْمَسْأَلَةِ بِانْقِرَاضِ الْعَصْرِ وَإِلَّا فَيُمْكِنُ أَنْ يَتَطَرَّقَ عَدَمُ الْحُجِّيَّةِ إلَيْهِ بِرُجُوعِهِمْ عنه وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ رُجُوعِهِمْ
  54. مَسْأَلَةٌ إذَا أَجْمَعُوا على خِلَافِ الْخَبَرِ ثُمَّ رَجَعُوا إلَى الْخَبَرِ فَلَوْ رَجَعَ أَهْلُ الْإِجْمَاعِ لِلْخَبَرِ فَعَمِلُوا بِمُقْتَضَاهُ قال الْغَزَالِيُّ كان ما أَجْمَعُوا عليه حَقًّا في ذلك الزَّمَانِ إذْ لم يُكَلَّفُوا بِمَا لم يُبَلَّغُوا كما يَكُونُ الْحُكْمُ الْمَنْسُوخُ حَقًّا قبل بُلُوغِ النَّاسِخِ وَنُوزِعَ في ذلك بِلُزُومِ إجْمَاعَيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ يَنْسَخُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ وهو مُحَالٌ وَالظَّاهِرُ الْحُكْمُ بِإِحَالَةِ هذه الصُّورَةِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ تَخْطِئَةُ أَحَدِ الْإِجْمَاعَيْنِ وهو مُحَالٌ
  55. الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِيمَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْإِجْمَاعُ الْوِفَاقُ الْمُعْتَبَرُ في الْإِجْمَاعِ وَلَهُ شُرُوطٌ الشَّرْطُ الْأَوَّلُ أَنْ يُوجَدَ فيه قَوْلُ الْخَاصَّةِ من أَهْلِ الْعِلْمِ فَلَا اعْتِبَارَ بِقَوْلِ الْعَامَّةِ وِفَاقًا وَلَا خِلَافًا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَأُولُوا الْعِلْمِ وقال الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَاحْتَجَّ الرُّويَانِيُّ بِمَا يُرْوَى أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيَّ خَالَفَ الصَّحَابَةَ وقال الْبَرَدُ لَا يُفْطِرُ الصَّائِمَ لِأَنَّهُ ليس بِطَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ قال فَرَدُّوا قَوْلَهُ ولم يَعْتَدُّوا بِخِلَافِهِ قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ وهو الصَّوَابُ لِوُجُوبِ رَدِّ الْعَوَامّ إلَى قَوْلِ الْمُجْتَهِدِينَ وَتَحْرِيمِ الْفَتْوَى منهم في الدِّينِ وَقِيلَ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُمْ لِأَنَّ قَوْلَ الْأُمَّةِ إنَّمَا كان حُجَّةً لِعِصْمَتِهَا من الْخَطَأِ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ الْعِصْمَةُ من صِفَاتِ الْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ من الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ وَحِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُ من ثُبُوتِ الْعِصْمَةِ لِلْكُلِّ ثُبُوتُهَا لِلْبَعْضِ وَهَذَا الْقَوْلُ حَكَاهُ ابن الصَّبَّاغِ وابن بَرْهَانٍ عن بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وَنَقَلَهُ الْإِمَامُ وابن السَّمْعَانِيِّ وَالْهِنْدِيُّ عن الْقَاضِي أبي بَكْرٍ وَنُوزِعُوا في ذلك بِأَنَّ الْمَذْكُورَ في مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ خِلَافُهُمْ وَلَا وِفَاقُهُمْ وَكَادَ أَنْ يَدَّعِيَ الْإِجْمَاعَ فيه وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ في الْكَلَامِ على الْمُرْسَلِ لَا عِبْرَةَ بِقَوْلِ الْعَوَامّ لَا وِفَاقًا وَلَا خِلَافًا ا هـ وَأَقُولُ فَعَلَى هذا من تَصَرُّفِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَعِبَارَةُ التَّقْرِيبِ قد بَيَّنَّا فِيمَا سَلَفَ أَنَّ الذي دَلَّ عليه السَّمْعُ صِحَّةُ إجْمَاعِ جَمِيعِ الْأُمَّةِ وقد ثَبَتَ أَنَّ الْأُمَّةَ عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ فَيَجِبُ اعْتِبَارُ دُخُولِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ في الْإِجْمَاعِ وَلَيْسَ لِلْخَاصَّةِ إجْمَاعٌ على شَيْءٍ يَخْرُجُ منه الْعَامَّةُ قال وَالْعَامَّةُ مُجْمِعَةٌ على أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ ما أَجْمَعَتْ عليه الْخَاصَّةُ وَإِنْ لم يَعْرِفْهُ عِيَانًا
  56. فَإِنْ قِيلَ فإذا لم يَكُنْ الْعَامَّةُ من أَهْلِ الْعِلْمِ بِالدَّقَائِقِ وَالنَّظَرِ فَلَا يَكُونُ لهم مَدْخَلٌ في الْإِجْمَاعِ وَلَا بِهِمْ مُعْتَبَرٌ في الْخِلَافِ قُلْنَا كَذَلِكَ نَقُولُ وَيَقُولُ أَكْثَرُ الناس وَإِنَّمَا وَجَبَ سُقُوطُ الِاعْتِبَارِ بِخِلَافِهِمْ لِإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ من أَهْلِ كل عَصْرٍ على أَنَّهُ حَرَامٌ على عَامَّةِ أَهْلِ كل عَصْرٍ من أَعْصَارِ الْمُسْلِمِينَ مُخَالَفَةُ ما اتَّفَقَ عليه عُلَمَاؤُهُمْ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ بِخِلَافِ الْعَامَّةِ لِأَجْلِ هذا الْإِجْمَاعِ السَّابِقِ على مَنْعِهِمْ من ذلك وَجَوَابٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ تَرْكُ الِاعْتِبَارِ بِهِمْ لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ وَبَعْضُ الْأُمَّةِ بَلْ مُعْظَمُهَا فَوَجَبَ الِاعْتِبَارُ بِخِلَافِهِمْ وَثَبَتَ أَنَّ ما أَجْمَعَ عليه الْعُلَمَاءُ عَيْنًا وَتَفْصِيلًا إجْمَاعُ الْعَامَّةِ وَإِنْ لم نَعْرِفْهُ عَيْنًا فَإِنْ قِيلَ فما يَقُولُونَ لو صَارَ عَامَّةُ الْأُمَّةِ في بَعْضِ الْأَعْصَارِ إلَى مُخَالَفَةِ إجْمَاعِ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ وَخَطَئِهِمْ هل يَكُونُ إجْمَاعُ الْعُلَمَاءَ حُجَّةً قِيلَ لَا يَكُونُ قَوْلُهُمْ دُونَ قَوْلِ الْعَامَّةِ إجْمَاعًا بِجَمِيعِ الْأُمَّةِ لِأَنَّ الْعَامَّةَ بَعْضُهُمْ لَكِنَّ الْعَامَّةَ مُخْطِئُونَ في مُخَالَفَتِهِمْ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا من أَهْلِ الْعِلْمِ بِحُكْمِ اللَّهِ وَأَنَّهُ يَحْرُمُ عليهم الْقَوْلُ في دِينِ اللَّهِ بِلَا عِلْمٍ وَلَيْسَ خَطَؤُهُمْ من جِهَةِ مُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ إذْ هُمْ بَعْضُ الْأُمَّةِ وَجَوَابٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ بِخِلَافِ الْعَامَّةِ وَلَا بِدُخُولِهِمْ في الْإِجْمَاعِ لِأَجْلِ ما قَدَّمْنَاهُ من اتِّفَاقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ على تَخْطِئَةِ عَامَّةِ أَهْلِ كل عَصْرٍ في خِلَافِهِمْ على عُلَمَائِهِمْ فَوَجَبَ سُقُوطُ الِاعْتِبَارِ بِقَوْلِ الْعَامَّةِ هذا كَلَامُهُ وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إلَى إطْلَاقِ الِاسْمِ بِمَعْنَى أَنَّ الْمُجْتَهِدِينَ إذَا أَجْمَعُوا هل يَصْدُقُ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ وَيُحْكَمُ بِهِ قَوْلُ الْعَوَامّ فِيهِمْ تَبَعًا فَالْقَاضِي يقول لَا يَصْدُقُ اسْمُ الْإِجْمَاعِ وَإِنْ كان ذلك لَا يَقْدَحُ في حُجِّيَّتِهِ وهو خِلَافٌ لَفْظِيٌّ في الْحَقِيقَةِ وَلَيْسَ خِلَافًا في أَنَّ مُخَالَفَتَهُمْ تَقْدَحُ في قِيَامِ الْإِجْمَاعِ وَلِهَذَا قال في مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ بَعْدَمَا سَبَقَ فَإِنْ قال قَائِلٌ فإذا أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ على حُكْمٍ من الْأَحْكَامِ فَهَلْ يُطْلِقُونَ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عليه قُلْنَا من الْأَحْكَامِ ما يَحْصُلُ فيه اتِّفَاقُ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَغَيْرِهِمَا فما هذا سَبِيلُهُ يُطْلَقُ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عليه وَأَمَّا ما أَجْمَعَ عليه الْعُلَمَاءُ من أَحْكَامِ الْفُرُوعِ التي تَشْتَبِهُ على الْعَوَامّ فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في ذلك فقال بَعْضُهُمْ الْعَوَامُّ يَدْخُلُونَ في حُكْمِ الْإِجْمَاعِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ وَإِنْ لم يَعْرِفُوا تَفْصِيلَ الْأَحْكَامِ فَقَدْ عَرَفُوا على الْجُمْلَةِ أَنَّ ما أَجْمَعَ عليه عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ من تَفَاصِيلِ الْأَحْكَامِ فَهُوَ مَقْطُوعٌ بِهِ فَهَذَا مُسَاهَمَةٌ منهم في الْإِجْمَاعِ وَإِنْ لم يَعْلَمُوا مَوَاقِعَهُ
  57. على التَّفْصِيلِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا من زَعَمَ أَنَّهُمْ لَا يَكُونُونَ مُسَاهِمِينَ في الْإِجْمَاعِ فإنه إنَّمَا يَتَحَقَّقُ الْإِجْمَاعُ في التَّفَاصِيلِ بَعْدَ الْعِلْمِ بها فإذا لم يَكُونُوا عَالِمِينَ بها فَلَا يَتَحَقَّقُ كَوْنُهُمْ من أَهْلِ الْإِجْمَاعِ وَاعْلَمْ أَنَّ هذا خِلَافٌ مَهُولٌ أَمْرُهُ وَيَرْجِعُ إلَى الْعِبَارَةِ الْمَحْضَةِ وَالْحُكْمُ فيه أَنَّا إنْ أَدْرَجْنَا الْعَوَامَّ في حُكْمِ الْإِجْمَاعِ الْمُطْلَقِ أَطْلَقْنَا الْقَوْلَ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَإِنْ لم نُدْرِجْهُمْ في حُكْمِ الْإِجْمَاعِ أو بَدَرَ من بَعْضِ طَوَائِفِ الْعَوَامّ خِلَافٌ فَلَا يُطْلَقُ الْقَوْلُ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ فإن الْعَوَامَّ مُعْظَمُ الْأُمَّةِ ا هـ وما ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَتَابَعَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ من رُجُوعِ الْخِلَافِ إلَى كَوْنِهِ هل يُسَمَّى إجْمَاعًا أَمْ لَا مع الِاتِّفَاقِ على كَوْنِهِ حُجَّةً مَرْدُودٌ فَفِي الْمُعْتَمَدِ لِأَبِي الْحُسَيْنِ ما لَفْظُهُ اخْتَلَفُوا في اعْتِبَارِ قَوْلِ الْعَامَّةِ في الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ فقال قَوْمٌ الْعَامَّةُ وَإِنْ وَجَبَ عليها اتِّبَاعُ الْعُلَمَاءِ فإن إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ لَا يَكُونُ حُجَّةً على أَهْلِ الْعَصْرِ حتى لَا يَسُوغَ مُخَالَفَتُهُمْ إلَّا بِأَنْ يَتَّبِعَهُمْ الْعَامَّةُ من أَهْلِ عَصْرِهِمْ فَإِنْ لم يَتَّبِعُوهُمْ لم يَجِبْ على أَهْلِ الْعَصْرِ الثَّانِي من الْعُلَمَاءِ اتِّبَاعُهُمْ وقال آخَرُونَ بَلْ هو حُجَّةٌ اتَّبَعَهُمْ عُلَمَاءُ عَصْرِهِمْ أَمْ لَا انْتَهَى وفي الْمَسْأَلَةِ ثَالِثٌ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ إجْمَاعُهُمْ في الْعَامِّ دُونَ الْخَاصِّ حَكَاهُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ وابن السَّمْعَانِيِّ وَبِهَذَا التَّفْصِيلِ يَزُولُ الْإِشْكَالُ في الْمَسْأَلَةِ وَيَنْبَغِي تَنْزِيلُ إطْلَاقِ الْمُطْلِقِينَ عليه وَخَصَّ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ الْخِلَافَ بِالْخَاصِّ وقال لَا يُعْتَبَرُ خِلَافُهُمْ في الْعَامِّ اتِّفَاقًا وَجَرَى عليه الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ فقال إنْ اخْتَصَّ بِمَعْرِفَتِهِ الْعُلَمَاءُ كَنُصُبِ الزَّكَوَاتِ وَتَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا لم يُعْتَبَرْ وِفَاقُ الْعَامَّةِ مَعَهُمْ وَإِنْ اشْتَرَكَ في مَعْرِفَتِهِ الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ كَأَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ وَتَحْرِيمِ بِنْتِ الْبِنْتِ فَهَلْ يُعْتَبَرُ إجْمَاعُ الْعَوَامّ مَعَهُمْ فيه وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا يُعْتَبَرُ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ إنَّمَا يَصِحُّ عن نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ وَالثَّانِي نعم لِاشْتِرَاكِهِمْ في الْعِلْمِ بِهِ وقال سُلَيْمٌ إجْمَاعُ الْخَاصَّةِ هل يُحْتَاجُ مَعَهُمْ فيه إلَى إجْمَاعِ الْعَامَّةِ فيه وَجْهَانِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِمْ
  58. هل الْخِلَافُ في هذه الْمَسْأَلَةِ لَفْظِيٌّ أَمْ مَعْنَوِيٌّ إذَا عَلِمْت هذا فَقَدْ اخْتَلَفُوا في أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ أو مَعْنَوِيٌّ وَكَلَامُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ كما سَبَقَ أَنَّهُ لَفْظِيٌّ وَكَلَامُ الْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ بِخِلَافِهِ فإنه قال الْإِجْمَاعُ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا ما اجْتَمَعَ عليه الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ كَاتِّفَاقِهِمْ على عَدَدِ الصَّلَوَاتِ قال وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ وَقَعَ بِهِمْ الِاعْتِبَارُ فَقِيلَ الِاعْتِبَارُ في ثُبُوتِهِ بِأَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَقِيلَ الِاعْتِبَارُ بِالْكَافَّةِ فَيَدْخُلُ فيه الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ قال وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَتَبَيَّنُ في الضَّرْبِ الثَّانِي من الْإِجْمَاعِ وهو أَنْ يُجْمِعَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ وَالِاجْتِهَادِ على حُكْمِ الْحَادِثَةِ كَالنِّكَاحِ وَالْعِدَّةِ وَالْجَمْعِ بين الْأُخْتَيْنِ بِالزَّوْجِيَّةِ فَمَنْ قال إنَّ الِاعْتِبَارَ في الضَّرْبِ الْأَوَّلِ بِأَهْلِ الْعِلْمِ كَفَرَ الْمُخَالِفُ بِالنَّوْعَيْنِ وَمَنْ قال إنَّ الِاعْتِبَارَ فيه بِالْكَافَّةِ لم يُجْعَلْ الْمُخَالِفُ في الضَّرْبِ الثَّانِي كَالْمُرْتَدِّ وَإِنْ قَطَعَ بِتَخْطِئَتِهِ ا هـ تَنْبِيهٌ اعْتِبَارُ قَوْلِ الْمُقَلِّدِ في الْإِجْمَاعِ حُكْمُ الْمُقَلِّدِ حُكْمُ الْعَامِّيِّ في ذلك إذْ لَا وَاسِطَةَ بين الْمُقَلِّدِ وَالْمُجْتَهِدِ قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ مَسْأَلَةٌ إجْمَاعُ الْعَوَامّ عِنْدَ خُلُوِّ الزَّمَانِ من الْمُجْتَهِدِينَ إجْمَاعُ الْعَوَامّ عِنْدَ خُلُوِّ الزَّمَانِ من الْمُجْتَهِدِ لَا عِبْرَةَ بِهِ لِأَنَّا إنْ لم نَعْتَبِرْهُمْ في انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ مَنَعْنَا إمْكَانَ وُقُوعِ الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ خُلُوُّ الزَّمَانِ عَمَّنْ يَقُومُ بِالْحَقِّ وَإِنْ اعْتَبَرْنَا قَوْلَهُمْ مَنَعْنَا أَنَّ إجْمَاعَهُمْ ليس إجْمَاعًا شَرْعِيًّا مَسْأَلَةٌ الَّذِينَ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُمْ في الْإِجْمَاعِ يُشْتَرَطُ في الْإِجْمَاعِ في كل فَنٍّ من الْفُنُونِ أَنْ يَكُونَ فيه قَوْلُ كل الْعَارِفِينَ بِذَلِكَ في ذلك الْعَصْرِ فإن قَوْلَ غَيْرِهِمْ فيه يَكُونُ بِلَا دَلِيلٍ بِجَهْلِهِمْ بِهِ فَيُشْتَرَطُ في الْإِجْمَاعِ في الْمَسْأَلَةِ الْفِقْهِيَّةِ قَوْلُ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ وفي الْأُصُولِ قَوْلُ جَمِيعِ الْأُصُولِيِّينَ وفي النَّحْوِ قَوْلُ
  59. جَمِيعِ النَّحْوِيِّينَ وَخَالَفَ ابن جِنِّي فَزَعَمَ في كِتَابِ الْخَصَائِصِ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ في إجْمَاعِ النُّحَاةِ ثُمَّ من اعْتَبَرَ قَوْلَ الْعَوَامّ في الْإِجْمَاعِ اعْتَبَرَ قَوْلَ الْفَقِيهِ الْخَالِيَ عن الْأُصُولِ لِلتَّفَاوُتِ في الْأَهْلِيَّةِ وَقَوْلَ الْأُصُولِيِّ الْخَالِيَ عن الْفِقْهِ وَالْكَلَامِ وَقَوْلَ الْمُتَكَلِّمِ الْخَالِيَ عن الْفِقْهِ وَالْأُصُولِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِمَا بين الْعَامِّيِّ وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ من التَّفَاوُتِ في الْأَهْلِيَّةِ وَصِحَّةِ النَّظَرِ هذا في الْأَحْكَامِ وَهَذَا في الْأُصُولِ وَمَنْ لم يَعْتَبِرْ قَوْلَ الْعَامِّيِّ في الْإِجْمَاعِ اخْتَلَفُوا في الْفَقِيهِ وَالْأُصُولِيِّ على ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ منهم من اعْتَبَرَ قَوْلَ الْجَمِيعِ لِقِيَامِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَامِّيِّ وَمِنْهُمْ من أَلْحَقَهُ بِالْعَامِّيِّ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ الْمَوْجُودَةِ في أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ وَمِنْهُمْ من فَصَّلَ فَاعْتَبَرَ قَوْلَ الْفَقِيهِ وَأَلْغَى قَوْلَ الْأُصُولِيِّ وَمِنْهُمْ من عَكَسَ لِكَوْنِهِ أَعْلَمَ بِمَدَارِكِ الْأَحْكَامِ وَكَيْفِيَّةِ اقْتِنَاصِهَا من مَدَارِكِهَا من الْفَقِيهِ الذي ليس بِأُصُولِيٍّ وَلَا خِلَافَ في اعْتِبَارِ قَوْلِ الْمُتَكَلِّمِ في الْكَلَامِ وَالْأُصُولِيِّ في الْأُصُولِ وَكُلُّ وَاحِدٍ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ إذَا كان من أَهْلِ الِاجْتِهَادِ في ذلك الْفَنِّ هل لِخِلَافِ الْأُصُولِيِّ في الْفِقْهِ اعْتِبَارٌ وَأَمَّا الْأُصُولِيُّ الْمَاهِرُ الْمُتَصَرِّفُ في الْفِقْهِ فَفِي اعْتِبَارِ خِلَافِهِ في الْفِقْهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَذَهَبَ الْقَاضِي إلَى أَنَّ خِلَافَهُ مُعْتَبَرٌ قال الْإِمَامُ وهو الْحَقُّ وَذَهَبَ مُعْظَمُ الْأُصُولِيِّينَ منهم أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ إلَى أَنَّ خِلَافَهُ لَا يُعْتَبَرُ لِأَنَّهُ ليس من الْمُفْتِينَ وَلَوْ وَقَعَتْ له وَاقِعَةٌ لَلَزِمَهُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ الْمُفْتِيَ فيها قال إلْكِيَا وَالْحَقُّ قَوْلُ الْجُمْهُورِ لِأَنَّ من أَحْكَمَ الْأُصُولَ فَهُوَ مُجْتَهِدٌ فيها وَيُقَلِّدُ فِيمَا سَنَحَ له من الْوَقَائِعِ وَالْمُقَلِّدُ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ وَاسْتَبْعَدَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ مَذْهَبَ الْقَاضِي وقال إذَا أَجْمَعَ الْمُفْتُونَ وَسَكَتَ الْأُصُولِيُّونَ الْمُتَصَرِّفُونَ فَيَبْعُدُ أَنْ يَتَوَقَّفَ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ على مُرَاجَعَتِهِ فإن الَّذِينَ لَا يَسْتَقِلُّونَ بِأَنْفُسِهِمْ في جَوَابِ مَسْأَلَةٍ وَيَتَعَيَّنُ عليهم تَقْلِيدُ غَيْرِهِمْ من الْمُحَالِ وُجُوبُ مُرَاجَعَتِهِمْ وَإِنْ فُرِضَ أَنَّهُمْ أَبْدَوْا وَجْهًا في التَّصَرُّفِ فَإِنْ كان سَالِفًا فَهُوَ مَحْمُولٌ على إرْشَادِهِمْ وَتَهْدِيَتِهِمْ إلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ وَإِنْ أَبْدَوْا قَوْلَهُمْ إبْدَاءَ من يُزَاحِمُ الْأَحْكَامَ فَالْإِنْكَارُ يَشْتَدُّ عليهم قال وَالْقَوْلُ الْمُغْنِي في ذلك أَنَّهُ لَا قَوْلَ لِمَنْ لم يَبْلُغْ مَبْلَغَ الِاجْتِهَادِ وَلَيْسَ بين
  60. من يُقَلِّدُ وَيُقَلَّدُ مَرْتَبَةٌ ثَالِثَةٌ ثُمَّ قال وَالنَّظَرُ السَّدِيدُ يَتَخَطَّى كَلَامَ الْقَاضِي وَعَصْرَهُ وَيَتَرَقَّى إلَى الْعَصْرِ الْمُتَقَدِّمِ وَيُفْضِي إلَى مُدْرِكِ الْحَقِّ قبل ظُهُورِ الْخِلَافِ وَالتَّحْقِيقُ خَالَفَ الْقَاضِي أو وَافَقَ أَنَّ الْمُجْتَهِدِينَ إذَا أَطْبَقُوا لم يَعْتَدَّ بِخِلَافِ الْمُتَصَرِّفِينَ مَذْهَبًا مُخْتَلِفًا بِهِ فإن الْمَذَاهِبَ لِأَهْلِ الْفَتْوَى فَإِنْ بَانَ أَنَّ الْمُتَصَرِّفَ الذي ذَكَرُوهُ من أَهْلِ الْفَتْوَى فَسَيَأْتِي في بَابِهِ وَالْكَلَامُ الْكَافِي في ذلك أَنَّهُ إنْ كان مُفْتِيًا اُعْتُبِرَ خِلَافُهُ وقال الصَّيْرَفِيُّ في كِتَابِ الدَّلَائِلِ إجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ لَا مَدْخَلَ لِغَيْرِهِمْ فيه سَوَاءٌ الْمُتَكَلِّمُ وَغَيْرُهُ وَهُمْ الَّذِينَ تَلْقَوْا الْعِلْمَ من الصَّحَابَةِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ آرَاؤُهُمْ وَهُمْ الْقَائِمُونَ بِعِلْمِ الْفِقْهِ فَأَمَّا من انْفَرَدَ بِالْكَلَامِ في الْخَبَرِ وَالظِّفْرَةِ وَالدَّاخِلَةِ لم يَدْخُلْ في جُمْلَةِ الْعُلَمَاءِ فَلَا يُعَدُّ خِلَافًا على من ليس هو مِثْلُهُ وَإِنْ كَانُوا حُذَّاقًا بِدَقَائِقِ الْكَلَامِ كما لَا يُجْعَلُ الْحَاذِقُ من النُّقَّادِ حُجَّةً على الْبَزَّازِ في الْبَزِّ انْتَهَى مَسْأَلَةٌ دُخُولُ الْمُجْتَهِدِ الْمُبْتَدِعِ في الْإِجْمَاعِ الْمُجْتَهِدُ الْمُبْتَدِعُ إذَا كَفَّرْنَاهُ بِبِدْعَتِهِ غَيْرُ دَاخِلٌ في الْإِجْمَاعِ بِلَا خِلَافٍ لِعَدَمِ دُخُولِهِ في مُسَمَّى الْأُمَّةِ الْمَشْهُودِ لهم بِالْعِصْمَةِ وَإِنْ لم يَعْلَمْ هو كُفْرَ نَفْسِهِ قال الْهِنْدِيُّ لَكِنْ لَا يُمْكِنُ الِاسْتِدْلَال بِإِجْمَاعِنَا على كُفْرِهِ بِسَبَبِ ذلك الِاعْتِقَادِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَنْعَقِدُ إجْمَاعُنَا وَحْدَهُ على كُفْرِهِ لو ثَبَتَ كُفْرُهُ فَإِثْبَاتُ كُفْرِهِ بِإِجْمَاعِنَا وَحْدَهُ دَوْرٌ وَأَمَّا إذَا وَافَقَنَا هو على أَنَّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ كُفْرٌ فَحِينَئِذٍ يَثْبُتُ كُفْرُهُ لَا لِأَنَّ قَوْلَهُ مُعْتَبَرٌ في الْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ كَافِرٌ وَلَا لِإِجْمَاعِنَا وَحْدَهُ لِمَا سَبَقَ بَلْ لِأَنَّهُ لو لم يَكُنْ ما ذَهَبَ إلَيْهِ كُفْرًا إذْ ذَاكَ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مَجْمُوعُ الْأُمَّةِ على الْخَطَأِ وَأَدِلَّةُ الْإِجْمَاعِ تَنْفِيهِ
  61. الْمَذَاهِبُ في خِلَافِ الْمُبْتَدِعِ غَيْرِ الْكَافِرِ وَأَمَّا إذَا اعْتَقَدَ ما لَا يَقْتَضِي التَّكْفِيرَ بَلْ التَّبْدِيعَ وَالتَّضْلِيلَ فَاخْتَلَفُوا على مَذَاهِبَ أَحَدُهَا اعْتِبَارُ قَوْلِهِ لِكَوْنِهِ من أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ وَإِخْبَارُهُ عن نَفْسِهِ مَقْبُولٌ إذَا كان يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَ الْكَذِبِ وقال الْهِنْدِيُّ إنَّهُ الصَّحِيحُ وَكَلَامُ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ كما سَنَذْكُرُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِنَصِّهِ على قَبُولِ شَهَادَةِ أَهْلِ الْهَوَى وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ قال أَهْلُ السُّنَّةِ لَا يُعْتَبَرُ في الْإِجْمَاعِ وِفَاقُ الْقَدَرِيَّةِ وَالْخَوَارِجِ وَالرَّافِضَةِ وَلَا اعْتِبَارَ بِخِلَافِ هَؤُلَاءِ الْمُبْتَدِعَةِ في الْفِقْهِ وَإِنْ اُعْتُبِرَ في الْكَلَامِ هَكَذَا رَوَى أَشْهَبُ عن مَالِكٍ وَرَوَاهُ الْعَبَّاسُ بن الْوَلِيدِ عن الْأَوْزَاعِيِّ وأبو سُلَيْمَانَ الْجُوزَجَانِيَّ عن مُحَمَّدِ بن الْحَسَنِ وَذَكَرَ أبو ثَوْرٍ في مَنْثُورَاتِهِ أَنَّ ذلك قَوْلُ أَئِمَّةِ أَهْلِ الحديث ا هـ وقال أبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ هل يَقْدَحُ خِلَافُ الْخَوَارِجِ في الْإِجْمَاعِ فيه قَوْلَانِ قال وَلَا يَخْرُجُ عن الْإِجْمَاعِ من كان من أَهْلِ الْعِلْمِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ بِهِمْ الْأَهْوَاءُ كَمَنْ قال بِالْقَدَرِ من حَمَلَةِ الْآثَارِ وَمَنْ رَأَى الْإِرْجَاءَ وَغَيْرُ ذلك من اخْتِلَافِ آرَاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ إذَا كان من أَهْلِ الْفِقْهِ فإذا قِيلَ قالت الْخَطَّابِيَّةُ وَالرَّافِضَةُ كَذَا لم يُلْتَفَتْ إلَى هَؤُلَاءِ في الْفِقْهِ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا من أَهْلِهِ وقال ابن الْقَطَّانِ الْإِجْمَاعُ عِنْدَنَا إجْمَاعُ أَهْلِ الْعِلْمِ فَأَمَّا من كان من أَهْلِ الْأَهْوَاءِ فَلَا مَدْخَلَ له فيه قال قال أَصْحَابُنَا في الْخَوَارِجِ لَا مَدْخَلَ لهم في الْإِجْمَاعِ وَالِاخْتِلَافِ لِأَنَّهُمْ ليس لهم أَصْلٌ يَنْقُلُونَ عنه لِأَنَّهُمْ يُكَفِّرُونَ سَلَفَنَا الَّذِينَ أَخَذْنَا عَنْهُمْ أَصْلَ الدِّينِ انْتَهَى وَمِمَّنْ اخْتَارَ أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِهِ من الْحَنَفِيَّةِ أبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ وَمِنْ الْحَنَابِلَةِ الْقَاضِي أبو يَعْلَى وَاسْتَقْرَأَهُ من كَلَامِ أَحْمَدَ لِقَوْلِهِ لَا يَشْهَدُ رَجُلٌ عِنْدِي ليس هو عِنْدِي بِعَدْلٍ وَكَيْفَ أُجَوِّزُ حُكْمَهُ قال الْقَاضِي يَعْنِي الْجَهْمِيَّ وَالثَّالِثُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَنْعَقِدُ عليه وَيَنْعَقِدُ على غَيْرِهِ أَيْ أَنَّهُ يَجُوزُ له مُخَالَفَةُ من عَدَاهُ إلَى ما أَدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُقَلِّدَهُ حَكَاهُ الْآمِدِيُّ وَتَابَعَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ وَأَنْكَرَ عليه بَعْضُهُمْ وقال أَرَى حِكَايَتَهُ لِغَيْرِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ وَمَنَعَ من بَقَائِهِمَا على إطْلَاقِهِمَا لِوُقُوعِ مَسْأَلَتَيْنِ في بَابَيْ الِاجْتِهَادِ
  62. وَالتَّقْلِيدِ تَنْفِي ذلك إحْدَاهُمَا اتِّفَاقُهُمْ على أَنَّ الْمُجْتَهِدَ بَعْدَ اجْتِهَادِهِ مَمْنُوعٌ من التَّقْلِيدِ وَأَنَّهُ يَجِبُ عليه الْعَمَلُ بِمَا أَدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ فَالْقَوْلُ هُنَا بِأَنَّهُ يَجِبُ عليه الْعَمَلُ بِقَوْلِ من خَالَفَهُ مُعَارِضٌ لِذَلِكَ الِاتِّفَاقِ وَثَانِيهِمَا اتِّفَاقُهُمْ على أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُقَلِّدِ أَنْ يُقَلِّدَ من عُرِفَ بِالْعِلْمِ وَالْعَدَالَةِ وَأَنَّهُ يَحْرُمُ عليه تَقْلِيدُ من عُرِفَ بِضِدِّ ذلك وإذا ثَبَتَ هذا اسْتَحَالَ بَقَاءُ الْقَوْلَيْنِ في هذه الْمَسْأَلَةِ على إطْلَاقِهِمَا وَتَبَيَّنَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ من يقول لَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بِدُونِهِ يَعْنِي في حَقِّ نَفْسِهِ وَمَعْنَى قَوْلِ من يقول فَيَنْعَقِدُ يَعْنِي على غَيْرِهِ وَيَصِيرُ النِّزَاعُ لَفْظًا وَعَلَى هذا يَجِبُ تَأْوِيلُ هذا الْقَوْلِ وَإِلَّا فَهُوَ مُشْكِلٌ وَالرَّابِعُ التَّفْصِيلُ بين الدَّاعِيَةِ فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فَيُعْتَدُّ بِهِ حَكَاهُ ابن حَزْمٍ في كِتَابِ الْإِحْكَامِ وَنَقَلَهُ عن جَمَاهِيرِ سَلَفِهِمْ من الْمُحَدِّثِينَ وقال وهو قَوْلٌ فَاسِدٌ لِأَنَّ الْمُرَاعَى الْعَقِيدَةُ وَاعْلَمْ أَنَّهُ كَثُرَ في عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِينَ خُصُوصًا في عِلْمِ الْكَلَامِ أَنْ يَقُولُوا عن الرَّافِضَةِ وَنَحْوِهِمْ خِلَافًا لِمَنْ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ وَهَذَا لَا يَنْبَغِي ذِكْرُهُ لِأَنَّهُ كَالتَّنَاقُضِ من حَيْثُ ذِكْرُهُ وقال لَا يُعْتَدُّ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُمْ التَّشْنِيعُ عليهم بِخِلَافِ الْإِجْمَاعِ فَرْعَانِ أَحَدُهُمَا إذَا لم يُعْتَدَّ بِخِلَافِ من كَفَّرْنَاهُ فَلَوْ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا حَالَ تَكْفِيرِهِ ثُمَّ تَابَ وَأَصَرَّ على ذلك الْخِلَافِ فَهَلْ يُعْتَبَرُ خِلَافُهُ الْآنَ فَلْيُبْنَ على انْقِرَاضِ الْعَصْرِ وَسَنَذْكُرُهُ الثَّانِي أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ لو خَالَفَ الْإِجْمَاعَ الذي خَالَفَ فيه الْمُبْتَدِعَ فَإِنْ لم يَعْلَمْ بِبِدْعَتِهِ أو عَلِمَهَا لَكِنَّهُ لم يَعْلَمْ أنها تُوجِبُ الْكُفْرَ وَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بِدُونِهِ هل يَكُونُ مَعْذُورًا أَمْ لَا وقال الْهِنْدِيُّ إنْ لم يَعْلَمْ بِدْعَتَهُ فَمَعْذُورٌ إنْ كان مُخْطِئًا فيه حَيْثُ تَكُونُ مُوجِبَةً لِلتَّكْفِيرِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُقَصِّرٍ وَإِنْ عَلِمَهَا لَكِنَّهُ لم يَعْلَمْ اقْتِضَاءَهَا التَّكْفِيرَ فَغَيْرُ مَعْذُورٍ بَلْ كان يَلْزَمُهُ مُرَاجَعَةُ عُلَمَاءِ الْأُصُولِ وَإِنَّ مِثْلَ هذا الِاعْتِقَادِ هل يُكَفِّرُ أَمْ لَا
  63. مَسْأَلَةٌ الْعُلَمَاءُ الْمُجْتَهِدُونَ الْفَسَقَةُ هل يُعْتَبَرُ قَوْلُهُمْ في الْإِجْمَاعِ في اعْتِبَارِ الْوَرَعِ في أَهْلِ الْإِجْمَاعِ خِلَافٌ فَالْفَسَقَةُ بِالْفِعْلِ دُونَ الِاعْتِقَادِ إذَا بَلَغُوا في الْعِلْمِ مَبْلَغَ الْمُجْتَهِدِينَ هل يُعْتَبَرُ وِفَاقُهُمْ أو خِلَافُهُمْ فيه وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَذَهَبَ مُعْظَمُ الْأُصُولِيِّينَ كما قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن السَّمْعَانِيِّ أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ وَيَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بِدُونِهِمْ وقال الرَّازِيَّ من الْحَنَفِيَّةِ إنَّهُ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا قال ابن بَرْهَانٍ وهو قَوْلُ كَافَّةِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ قال وَنُقِلَ عن شِرْذِمَةٍ من الْمُتَكَلِّمِينَ منهم إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إلَى أَنَّ خِلَافَهُ مُعْتَدٌّ بِهِ قُلْت وَجَزَمَ بِهِ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ لَا تُزِيلُ اسْمَ الْإِيمَانِ فَيَكُونُ قَوْلُ من عَدَاهُمْ قَوْلَ بَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ لَا كُلِّهِمْ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً وَإِلَيْهِ مَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَاسْتُشْكِلَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ الْفَاسِقَ لَا يَجُوزُ له تَقْلِيدُ غَيْرِهِ فَانْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ في حَقِّهِ مُشْكِلٌ وَلَا يُمْكِنُ تَجْزِئَةُ الْإِجْمَاعِ حتى يَكُونَ حُجَّةً في حَقِّ غَيْرِهِ وَلَا يَكُونُ حُجَّةً في حَقِّهِ وَاسْتَحْسَنَهُ إلْكِيَا وقال الْمَسْأَلَةُ مُحْتَمَلَةٌ وَاخْتَلَفَ الْمَانِعُونَ في تَعْلِيلِهِ على وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ إخْبَارَهُ عن نَفْسِهِ لَا يَوْثُقُ بِهِ لِفِسْقِهِ فَرُبَّمَا أَخْبَرَ بِالْوِفَاقِ وهو مُخَالِفٌ أو بِالْخِلَافِ وهو مُوَافِقٌ فلما تَعَذَّرَ الْوُصُولُ إلَى مَعْرِفَةِ قَوْلِهِ سَقَطَ أَثَرُهُ وَشَبَّهَ بَعْضُهُمْ ذلك بِسُقُوطِ أَثَرِ قَوْلِ الْخَضِرِ عليه السَّلَامُ على الْقَوْلِ بِأَنَّهُ حَيٌّ لِتَعَذُّرِ الْوُصُولِ إلَيْهِ وَالثَّانِي أَنَّ الْعَدَالَةَ رُكْنٌ في الِاجْتِهَادِ فإذا فَاتَتْ الْعَدَالَةُ فَاتَتْ أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ وَعَلَى الثَّانِي اقْتَصَرَ ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ وَفَرَّعُوا عليها ما إذَا أَدَّى الْفَاسِقَ اجْتِهَادُهُ إلَى حُكْمٍ في مَسْأَلَةٍ هل يَأْخُذُ بِقَوْلِهِ من عَلِمَ صِدْقَهُ في فَتْوَاهُ بِقَرَائِنَ وَحَكَى ابن السَّمْعَانِيِّ عن بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْمُجْتَهِدَ الْفَاسِقَ يَدْخُلُ في الْإِجْمَاعِ من وَجْهٍ وَيَخْرُجُ من وَجْهٍ لِأَنَّهُ إذَا ظَهَرَ خِلَافُهُ سُئِلَ عن دَلِيلِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَحْمِلَهُ فِسْقُهُ على اعْتِقَادِ شَرْعٍ بِغَيْرِ دَلِيلٍ قال ابن السَّمْعَانِيِّ وَهَذَا التَّقْسِيمُ لَا بَأْسَ بِهِ وهو يَقْرُبُ من مَأْخَذِ أَهْلِ الْعِلْمِ فَلْيُعَوَّلْ عليه وَرَأَيْت في كِتَابِ
  64. الشَّيْخِ أبي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ أَنَّ كُلَّ من كان من أَهْلِ الِاجْتِهَادِ سَوَاءٌ كان مُدَرِّسًا مَشْهُورًا أو خَامِلًا مَسْتُورًا وَسَوَاءٌ كان عَدْلًا أَمِينًا أو فَاسِقًا مُتَهَتِّكًا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ لِأَنَّ الْمُعَوَّلَ في ذلك على الِاجْتِهَادِ وَالْمَسْتُورُ كَالْمَشْهُورِ قال وَالْأَحْسَنُ هو الْأَوَّلُ ثُمَّ قال ابن السَّمْعَانِيِّ وَأَمَّا الْفِسْقُ بِتَأْوِيلٍ فَلَا يَمْنَعُ من اعْتِبَارِ من يَعْتَقِدُ في الْإِجْمَاعِ وَالِاخْتِلَافِ وقد نَصَّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ على قَبُولِ شَهَادَةِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ في اعْتِقَادِ بِدْعَةٍ لَا تُؤَدِّي إلَى التَّكْفِيرِ فَإِنْ أَدَّتْهُ فَلَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ وَلَا وِفَاقِهِ وَهَذِهِ هِيَ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةُ في الْمُبْتَدِعِ مَسْأَلَةٌ هل يُعْتَبَرُ بِخِلَافِ الظَّاهِرِيَّةِ في الْإِجْمَاعِ ذَهَبَ قَوْمٌ منهم الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وَالْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ وَنَسَبَهُ إلَى الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِ من أَنْكَرَ الْقِيَاسَ في الْحَوَادِثِ الشَّرْعِيَّةِ وَتَابَعَهُمْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ قالوا لِأَنَّ من أَنْكَرَهُ لَا يَعْرِفُ طُرُقَ الِاجْتِهَادِ وَإِنَّمَا هو مُتَمَسِّكٌ بِالظَّوَاهِرِ فَهُوَ كَالْعَامِّيِّ الذي لَا مَعْرِفَةَ له وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ عن أبي عَلِيِّ بن أبي هُرَيْرَةَ وَطَائِفَةٍ من أَقْرَانِهِ وقال الْأَصْفَهَانِيُّ شَارِحُ الْمَحْصُولِ يَلْزَمُ الْقَائِلَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَعْتَبِرُ خِلَافَ مُنْكِرِ الْعُمُومِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ وَلَا ذَاهِبَ إلَيْهِ قُلْت نَقَلَ الْأُسْتَاذُ عن ابْنِ أبي هُرَيْرَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ طَرَدَ قَوْلَهُ في مُنْكِرِ أَخْبَارِ الْآحَادِ وَمَنْ تَوَقَّفَ في الظَّوَاهِرِ وَالْعُمُومِ قال لِأَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ تُسْتَنْبَطُ من هذه الْأُصُولِ فَمَنْ أَنْكَرَهَا وَتَوَقَّفَ فيها لم يَكُنْ من أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فَلَا يُعْتَبَرُ بِخِلَافِهِ قال النَّوَوِيُّ في بَابِ السِّوَاكِ في شَرْحِ مُسْلِمٍ إنَّ مُخَالَفَةَ دَاوُد لَا تَقْدَحُ في انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ على الْمُخْتَارِ الذي عليه الْأَكْثَرُونَ وَالْمُحَقِّقُونَ وَكَذَا قال صَاحِبُ الْمُفْهِمِ جُلُّ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ على أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ بَلْ هُمْ من جُمْلَةِ الْعَوَامّ وَإِنَّ من اعْتَدَّ بِهِمْ فَإِنَّمَا ذلك لِأَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّهُ يَعْتَبِرُ خِلَافَ الْعَوَامّ في انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ وَالْحَقُّ خِلَافُهُ
  65. وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّهُمْ في الشَّرْعِيَّاتِ كَالسُّوفِسْطَائِيَّةِ في الْعَقْلِيَّاتِ وَكَذَا قال أبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ من الْحَنَفِيَّةِ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ وَلَا يُؤْنَسُ بِوِفَاقِهِمْ وقال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ يُعْتَبَرُ كما يُعْتَبَرُ خِلَافُ من يَنْفِي الْمَرَاسِيلَ وَيَمْنَعُ الْعُمُومَ وَمَنْ حَمَلَ الْأَمْرَ على الْوُجُوبِ لِأَنَّ مَدَارَ الْفِقْهِ على هذه الطُّرُقِ وَنَقَلَ ابن الصَّلَاحِ عن الْأُسْتَاذِ أبي مَنْصُورٍ أَنَّهُ حَكَى عن ابْنِ أبي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ أَنَّهُمْ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ في الْفُرُوعِ وَيُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ في الْأُصُولِ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْمُحَقِّقُونَ لَا يُقِيمُونَ لِخِلَافِ الظَّاهِرِيَّةِ وَزْنًا لِأَنَّ مُعْظَمَ الشَّرِيعَةِ صَادِرَةٌ عن الِاجْتِهَادِ وَلَا تَفِي النُّصُوصُ بِعُشْرِ مِعْشَارِهَا وقال في كِتَابِ اللِّعَانِ إنَّ قَوْلَ دَاوُد بِإِجْزَاءِ الرَّقَبَةِ الْمَعِيبَةِ في الْكَفَّارَةِ نَقَلَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الْإِجْمَاعَ على خِلَافِهِ قال وَعِنْدِي أَنَّ الشَّافِعِيَّ لو عَاصَرَ دَاوُد لَمَا عَدَّهُ من الْعُلَمَاءِ وقال الْإِبْيَارِيُّ هذا غَيْرُ صَحِيحٍ عِنْدَنَا على الْإِطْلَاقِ بَلْ إنْ كانت الْمَسْأَلَةُ مِمَّا تَتَعَلَّقُ بِالْآثَارِ وَالتَّوْقِيفِ وَاللَّفْظِ اللُّغَوِيِّ وَلَا مُخَالِفَ لِلْقِيَاسِ فيها لم يَصِحَّ أَنْ يَنْعَقِدَ الْإِجْمَاعُ بِدُونِهِمْ إلَّا على رَأْيِ من يَرَى أَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يَتَجَزَّأُ فَإِنْ قُلْنَا بِالتَّجَزُّؤِ لم يَمْنَعْ أَنْ يَقَعَ النَّظَرُ في فَرْعٍ هُمْ فيه مُحِقُّونَ كما نَعْتَبِرُ خِلَافَ الْمُتَكَلِّمِ في الْمَسْأَلَةِ الْكَلَامِيَّةِ لِأَنَّ له فيه مَدْخَلًا كَذَلِكَ أَهْلُ الظَّاهِرِ في غَيْرِ الْمَسَائِلِ الْقِيَاسِيَّةِ يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ وقال ابن الصَّلَاحِ الذي اسْتَقَرَّ عليه الْأَمْرُ ما اخْتَارَهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَحَكَاهُ عن الْجُمْهُورِ وَأَنَّ الصَّحِيحَ من الْمَذْهَبِ الِاعْتِدَادُ بِخِلَافِهِمْ وَلِهَذَا يَذْكُرُ الْأَئِمَّةُ من أَصْحَابِنَا خِلَافَهُمْ في الْكُتُبِ الْفَرْعِيَّةِ ثُمَّ قال وَاَلَّذِي أُجِيبُ بِهِ بَعْدَ الِاسْتِخَارَةِ أَنَّ دَاوُد يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ وَيُعْتَدُّ بِهِ في الْإِجْمَاعِ إلَّا ما خَالَفَ الْقِيَاسَ وما أَجْمَعَ عليه الْقِيَاسِيُّونَ من أَنْوَاعِهِ أو بَنَاهُ على أُصُولِهِ التي قام الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ على بُطْلَانِهَا فَاتِّفَاقُ من سِوَاهُ على خِلَافِهِ إجْمَاعٌ يَنْعَقِدُ فَقَوْلُ الْمُخَالِفِ حِينَئِذٍ خَارِجٌ عن الْإِجْمَاعِ كَقَوْلِهِ في التَّغَوُّطِ في الْمَاءِ الرَّاكِدِ وَتِلْكَ الْمَسَائِلِ
  66. الشَّنِيعَةِ وفي لَا رِبَا إلَّا في النَّسِيئَةِ الْمَنْصُوصِ عليها فَخِلَافُهُ في هذا وَشَبَهُهُ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ ا هـ فَتَحَصَّلْنَا على خَمْسَةِ آرَاءً في الْمَسْأَلَةِ وقد اعْتَرَضَ ابن الرِّفْعَةِ على إطْلَاقِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ بِأَنَّ الْقَاضِيَ الْحُسَيْنَ نَقَلَ عن الشَّافِعِيِّ رضي اللَّهُ عنه أَنَّهُ قال في الْكِتَابَةِ لَا أَمْتَنِعُ من كِتَابَةِ الْعَبْدِ عِنْدَ جَمْعِ الْقُوَّةِ وَالْأَمَانَةِ وَإِنَّمَا أَسْتَحِبُّ الْخُرُوجَ من الْخِلَافِ فإن دَاوُد أَوْجَبَ كِتَابَةَ من جَمَعَ بين الْقُوَّةِ وَالْأَمَانَةِ وَدَاوُد من أَهْلِ الظَّاهِرِ وقد أَقَامَ الشَّافِعِيُّ لِخِلَافِهِ وَزْنًا وَاسْتَحَبَّ كِتَابَةَ من ذَكَرَهُ لِأَجْلِ خِلَافِهِ ا هـ وَهَذَا وَهْمٌ عَجِيبٌ من ابْنِ الرِّفْعَةِ لِأَنَّ دَاوُد إنَّمَا وُلِدَ قبل وَفَاةِ الشَّافِعِيِّ بِسَنَتَيْنِ لِأَنَّهُ وُلِدَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَمِئَتَيْنِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ اعْتَبَرَ الشَّافِعِيُّ خِلَافَهُ فَغَلِطَ ابن الرِّفْعَةِ لِأَجْلِ فَهْمِهِ أَنَّ هذه الْجُمْلَةَ من كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا اسْتَحَبَّ هو بِفَتْحِ الْحَاءِ وهو من كَلَامِ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ وَالْمُسْتَحِبُّ هو الْقَاضِي الْحُسَيْنُ لَكِنَّهُ عَلَّلَهُ بِتَعْلِيلٍ غَيْرِ صَحِيحٍ لِمَا ذَكَرْنَاهُ نعم أَوْجَبَهَا قَبْلُ غَيْرُ دَاوُد فَالْمُرَادُ الْخِلَافُ الذي عليه دَاوُد لَا خُصُوصُ دَاوُد على أَنَّهُ قد قِيلَ إنَّ كَلَامَ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ مُسْتَقِيمٌ وَالْجُمْلَةُ من قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَلَيْسَ الْمُرَادُ صَاحِبَ الظَّاهِرِ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ دَاوُد بن عبد الرحمن الْعَطَّارُ شَيْخُ الشَّافِعِيِّ بِمَكَّةَ الذي قال فيه الشَّافِعِيُّ ما رَأَيْت أَوْرَعَ منه وَلَعَلَّهُ الذي نَقَلَ عنه الشَّافِعِيُّ وُجُوبَ الْعَقِيقَةِ فإن الشَّافِعِيَّ قال كما حَكَاهُ عنه الْإِمَامُ في النِّهَايَةِ في بَابِ الْعَقِيقَةِ أَفْرَطَ في الْعَقِيقَةِ رَجُلَانِ رَجُلٌ قال بِوُجُوبِهَا وهو دَاوُد وَرَجُلٌ قال بِبِدْعَتِهَا وهو أبو حَنِيفَةَ
  67. وَكَلَامُ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ في التَّعْلِيقِ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ هو دَاوُد الظَّاهِرِيُّ لِأَنَّهُ نَقَلَ عن الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قال أَسْتَحِبُّ كِتَابَةَ من جَمَعَ بين الْقُوَّةِ وَالْأَمَانَةِ لِلْخُرُوجِ من الْخِلَافِ فإن دَاوُد يُوجِبُ كِتَابَةَ من جَمَعَ بين الْقُوَّةِ وَالْأَمَانَةِ ولم يَقُلْ دَاوُد الظَّاهِرِيُّ كما نَقَلَهُ ابن الرِّفْعَةِ مَسْأَلَةٌ عَدَمُ اشْتِرَاطِ الشُّهْرَةِ في من يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ في الْإِجْمَاعِ من الْمُجْتَهِدِينَ لَا يُشْتَرَطُ في الْمُجْتَهِدِ الذي يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ أَنْ يَكُونَ مَشْهُورًا في الْفُتْيَا بَلْ يُعْتَبَرُ قَوْلُ الْمُجْتَهِدِ الْخَامِلِ خِلَافًا لِبَعْضِ الشَّاذِّينَ حَيْثُ فَصَلَ بين الْمَشْهُورِ بِالْفَتْوَى فَيُعْتَبَرُ قَوْلُهُ دُونَ غَيْرِهِ حَكَاهُ صَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ وَغَيْرُهُ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَا فيه من الصِّفَاتِ لَا بِشُهْرَتِهِ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ مَذْهَبٍ بَلْ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ مَهْمَا عُلِمَ أَنَّهُ مُجْتَهِدٌ مَقْبُولُ الْفُتْيَا بِدَلِيلِ أَنَّ الذي دَلَّ على صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ مُتَنَاوِلٌ له وَلَا مَخْرَجَ عنه فَيُعْتَبَرُ قَوْلُهُ مَسْأَلَةٌ هل يُعْتَدُّ بِقَوْلِ من أَشْرَفَ على رُتْبَةِ الِاجْتِهَادِ من أَحْكَمَ أَكْثَرَ أَدَوَاتِ الِاجْتِهَادِ حتى لم يَبْقَ عليه إلَّا أَدَاةٌ وَاحِدَةٌ كَمَنْ أَحْكَمَ عُلُومَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ ولم يَبْقَ عليه إلَّا اللُّغَةُ أو عِلْمُ التَّفْسِيرِ فَهَلْ يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ قال ابن بَرْهَانٍ ذَهَبَ كَافَّةُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ وَيَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ دُونَهُ وَنُقِلَ عن الْقَاضِي أبي بَكْرٍ أَنَّهُ قال لَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاع مع خِلَافِهِ قال ابن بَرْهَانٍ ولم يَذْهَبْ إلَيْهِ أَحَدٌ سِوَى الْقَاضِي وَتَرْجَمَ إلْكِيَا هذه الْمَسْأَلَةَ بِقَوْلِهِ من أَشْرَفَ على رُتْبَةِ الْمُجْتَهِدِينَ قال أَكْثَرُ الْأُصُولِيِّينَ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ وَصَارَ قَاضِينَا أبو بَكْرٍ إلَى أَنَّهُ يُعْتَدُّ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ يُدْخِلَ نَفْسَهُ في رُتْبَةِ الْمُجْتَهِدِينَ مَسْأَلَةٌ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ وَالْكَافِرِ إذَا أَحْكَمَا أَدَوَاتِ الِاجْتِهَادِ الصَّبِيُّ إذَا أَحْكَمَ أَدَوَاتِ الِاجْتِهَادِ وَأَنَّى يُتَصَوَّرُ ذلك وَلَكِنْ يُقَدَّرُ على الْبُعْدِ قال ابن بَرْهَانٍ اتَّفَقُوا على أَنَّ خِلَافَهُ لَا يُعْتَدُّ بِهِ لِأَنَّ قَوْلَ الصَّبِيِّ لَا أَثَرَ له في الشَّرْعِ
  68. وَلِهَذَا أَلْغَى أَقْوَالَهُ قال وَكَذَلِكَ الْكَافِرُ وَلِهَذَا لم تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ وَلَا رِوَايَتُهُ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ في الْفَاسِقِ وقد سَبَقَ مَسْأَلَةٌ الِاعْتِدَادُ في الْإِجْمَاعِ بِمَنْ بَلَغَ مَبْلَغَ الِاجْتِهَادِ من النِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَأَمَّا من بَلَغَ من النِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ مَبْلَغَ الِاجْتِهَادِ فإنه يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ وَلَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ مع خِلَافِهِ وَالرِّقُّ وَالْأُنُوثَةُ لَا يُؤَثِّرَانِ في اعْتِبَارِ الْخِلَافِ كما لَا يُؤَثِّرَانِ في قَبُولِ الرِّوَايَةِ وَالْفَتْوَى وقد رَجَعَ أَعْلَامُ الصَّحَابَةِ إلَى فَتَاوَى عَائِشَةَ وَسَائِرِ أَزْوَاجِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَإِلَى فَتَاوَى نَافِعٍ مولى ابْنِ عُمَرَ وَعِكْرِمَةَ مولى ابْنِ عَبَّاسٍ قبل عِتْقِهِمَا الشَّرْطُ الثَّانِي اتِّفَاقُ جَمِيعِ الْمُجْتَهِدِينَ في الْبِقَاعِ وَيَتَفَرَّعُ عليه مَسَائِلُ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى إذَا اتَّفَقَ الْأَكْثَرُونَ وَخَالَفَ وَاحِدٌ فَلَا يَكُونُ قَوْلُ غَيْرِهِ إجْمَاعًا وَلَا حُجَّةً هذا هو الْمَشْهُورُ وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَحَكَاهُ أبو بَكْرٍ الرَّازِيّ عن الْكَرْخِيِّ من أَصْحَابِهِمْ وَاحْتَجَّ الْقَفَّالُ بِمُخَالَفَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ في الْعَوْلِ وَدَعْوَتِهِ إلَى الْمُبَاهَلَةِ وَاعْتَدُّوا بِهِ خِلَافًا وَكَذَا جَزَمَ بِهِ ابن الْقَطَّانِ وَالصَّيْرَفِيُّ قال وَلَا يُقَالُ لِهَذَا شَاذٌّ لِأَنَّ الشَّاذَّ ما كان في الْجُمْلَةِ ثُمَّ شَذَّ عليهم وَكَيْفَ يَكُونُ مَحْجُوجًا بِهِمْ وَلَا يَقَعُ اسْمُ الْإِجْمَاعِ إلَّا بِهِ قال إلَّا أَنْ يُجْمِعُوا على شَيْءٍ من جِهَةِ الْحِكَايَةِ فَلَزِمَهُ قَبُولُ خَبَرِهِمْ أَمَّا من جِهَةِ الِاجْتِهَادِ فَلَا لِأَنَّ الْحَقَّ قد يَكُونُ معه وَدَلِيلُ النَّظَرِ بَاقٍ وَاحْتَجَّ جَمْعٌ من أَصْحَابِنَا بِقِصَّةِ الصِّدِّيقِ في قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ قال في الْبَيَانِ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ أَنْكَرُوا على أبي بَكْرٍ رضي اللَّهُ عنه ولم يَكُنْ قَوْلُهُمْ حُجَّةً ا ه
  69. وَهَذَا ليس مَحَلَّ الْخِلَافِ فإن الْمُجْتَهِدَ ما دَامَ في مُهْلَةِ النَّظَرِ لَا يَكُونُ قَوْلُ غَيْرِهِ حُجَّةً عليه فَإِنْ رَجَعَ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ إلَى وَاحِدٍ قال الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ لم يَكُنْ قَوْلُهُ حُجَّةً لِأَنَّ اسْمَ الْإِجْمَاعِ يَسْتَدْعِي عَدَدًا فَلَا أَقَلَّ من اثْنَيْنِ أو ثَلَاثَةٍ وَالْمَذْهَبُ انْعِقَادُ إجْمَاعِ الْأَكْثَرِ مع مُخَالَفَةِ الْأَقَلِّ وَنَقَلَهُ الْآمِدِيُّ عن مُحَمَّدِ بن جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَبِي الْحُسَيْنِ بن الْخَيَّاطِ من مُعْتَزِلَةِ بَغْدَادَ أُسْتَاذِ الْكَعْبِيِّ وزاد الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ وابن الْأَخْشَادِ من أَصْحَابِ الْجُبَّائِيُّ وهو رِوَايَةُ أَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ ثُمَّ رَدَّهُ بِمُخَالَفَةِ الصِّدِّيقِ جَمِيعَ الصَّحَابَةِ في قِتَالِ الرِّدَّةِ ثُمَّ رَجَعُوا إلَيْهِ وَإِلَى هذا الْمَذْهَبِ يَمِيلُ كَلَامُ الشَّيْخِ أبي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ فإنه قال في كِتَابِهِ الْمُحِيطِ وَالشَّرْطُ أَنْ يُجْمِعَ جُمْهُورُ تِلْكَ الصَّنْعَةِ وَوُجُوهُهُمْ وَمُعْظَمُهُمْ وَلَسْنَا نَشْتَرِطُ قَوْلَ جَمِيعِهِمْ وَكَيْفَ نَشْتَرِطُ ذلك وَرُبَّمَا يَكُونُ في أَقْطَارِ الْأَرْضِ من الْمُجْتَهِدِينَ من لم يَسْمَعْ بِهِ فإن السَّلَفَ الصَّالِحَ كَانُوا يَعْلَمُونَ وَيَسْتَسِرُّونَ بِالْعِلْمِ فَرُبَّمَا كان الرَّجُلُ قد أَخَذَ الْفِقْهَ الْكَثِيرَ وَلَا يَعْلَمُ ذلك جَارُهُ قال وَالدَّلِيلُ على هذا أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا اسْتَخْلَفُوا أَبَا بَكْرٍ انْعَقَدَتْ خِلَافَتُهُ بِإِجْمَاعِ الْحَاضِرِينَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ من الصَّحَابَةِ من غَابَ قبل وَفَاةِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم إلَى بَعْضِ الْبُلْدَانِ وَمِنْ حَاضِرِي الْمَدِينَةِ من لم يَحْضُرْ السَّقِيفَةَ ولم يُعْتَبَرْ ذلك مع اتِّفَاقِ الْأَكْثَرِينَ قال الْهِنْدِيُّ وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ إجْمَاعٌ مُرَادُهُمْ أَنَّهُ ظَنِّيٌّ لَا قَطْعِيٌّ وَبِهِ يُشْعِرُ إيرَادُ بَعْضِهِمْ وَاحْتَجَّ ابن جَرِيرٍ على عَدَمِ اعْتِبَارِ قَوْلِ الْأَقَلِّ بِارْتِكَابِهِ الشُّذُوذَ الْمَنْهِيَّ عنه وَأُجِيبَ بِأَنَّ الشُّذُوذَ الْمَنْهِيَّ عنه هو الشَّاقُّ لِعَصَا الْمُسْلِمِينَ لَا في أَحْكَامِ الِاجْتِهَادِ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ ثُمَّ إنَّ ابْنَ جَرِيرٍ قد شَذَّ عن الْجَمَاعَةِ في هذه الْمَسْأَلَةِ فَيَنْبَغِي أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ خِلَافُهُ وَيَكُونُ مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ بِعَيْنِ ما ذَكَرَ وَالثَّالِثُ حُجَّةٌ وَلَيْسَ بِإِجْمَاعٍ وَرَجَّحَهُ ابن الْحَاجِبِ فإنه قال لو عُدَّ الْمُخَالِفُ مع كَثْرَةِ الْمُجْمِعِينَ لم يَكُنْ إجْمَاعًا قَطْعِيًّا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ حُجَّةٌ لِبُعْدِ أَنْ يَكُونَ الرَّاجِحُ مُتَمَسَّكَ الْمُخَالِفِ وَالرَّابِعُ أَنَّ عَدَدَ الْأَقَلِّ إنْ بَلَغَ عَدَدَ التَّوَاتُرِ لم يُعْتَبَرْ بِالْإِجْمَاعِ دُونَهُ وَإِلَّا اُعْتُدَّ بِهِ حَكَاهُ الْآمِدِيُّ وقال الْقَاضِي أبو بَكْرٍ إنَّهُ الذي يَصِحُّ عن ابْنِ جَرِيرٍ قِيلَ وهو مَبْنِيٌّ على أَنَّ مُسْتَنَدَ الْإِجْمَاعِ الْعَقْلُ لَا السَّمْعُ وَأَنَّ الْإِجْمَاعَ يُشْتَرَطُ له عَدَدُ التَّوَاتُرِ إذْ التَّوَاتُرُ يُفِيدُ الْعِلْمَ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ مع الْأَقَلِّ الْمُخَالِفِ فَلَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ دُونَهُ لِأَنَّهُ ليس بِقَاطِعٍ إذَنْ
  70. وَالْخَامِسُ اتِّبَاعُ الْأَكْثَرِ أَوْلَى وَيَجُوزُ خِلَافُهُ حَكَاهُ الْهِنْدِيُّ وَالسَّادِسُ يَضُرُّ الِاثْنَانِ لَا الْوَاحِدُ وَالسَّابِعُ يَضُرُّ الثَّلَاثَةُ لَا الْوَاحِدُ وَلَا الِاثْنَانِ وَخَصَّ ابن كَجٍّ في كِتَابِهِ خِلَافَ ابْنِ جَرِيرٍ بِالْوَاحِدِ وَحَكَى الِاتِّفَاقَ على أَنَّ خِلَافَ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ يَجْعَلُ الْمَسْأَلَةَ خِلَافًا وَيَخْرُجُ منه طَرِيقَةٌ قَاطِعَةٌ بِضَرَرِ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَالثَّامِنُ إنْ سَوَّغَتْ الْجَمَاعَةُ الِاجْتِهَادَ في مَذْهَبِ الْمُخَالِفِ كان خِلَافَهُ مُعْتَدًّا بِهِ كَخِلَافِ ابْنِ عَبَّاسٍ في الْعَوْلِ وَإِنْ أَنْكَرُوهُ لم يُعْتَدَّ بِهِ كَخِلَافِهِ في رِبَا الْفَضْلِ قَالَهُ أبو بَكْرٍ الرَّازِيّ وأبو عبد اللَّهِ الْجُرْجَانِيُّ من الْحَنَفِيَّةِ وقال شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ إنَّهُ الصَّحِيحُ قِيلَ وهو رَاجِعٌ إلَى انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ بِالْأَكْثَرِ أَعْنِي تَسْوِيغَهُمْ الْمُخَالَفَةَ وَعَدَمَهُ فَلَوْ لم يَكُنْ اتِّفَاقُهُمْ لم يَكُنْ تَسْوِيغُهُمْ الْمَذْكُورُ حُجَّةً وَإِيجَابُ اعْتِبَارِ الْأَكْثَرِ أَوْلَى وَيَجُوزُ خِلَافُهُ وَالتَّاسِعُ إنْ كان يَدْفَعُ خِلَافَ الْوَاحِدِ نَصٌّ لم يُعْتَدَّ بِخِلَافِهِ كَخِلَافِ ابْنِ مَسْعُودٍ لِلصَّحَابَةِ في الْفَاتِحَةِ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ ولم يَجْعَلْهَا من الْقُرْآنِ فلم يَعْتَدُّوا بِخِلَافِهِ لِوُجُودِ النَّصِّ وَإِنْ كان لَا يَدْفَعُ قَوْلَ مَخَالِفِهِ نَصٌّ كان خِلَافُهُ مَانِعًا من انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ سَوَاءٌ كان من أَكَابِرِ الْعَصْرِ أو من أَصَاغِرِهِمْ سِنًّا كَخِلَافِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِجَمِيعِ الصَّحَابَةِ في الْعَوْلِ فَصَارَ خِلَافُهُ خِلَافًا وَجَزَمَ بهذا التَّفْصِيلِ الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ في كِتَابِ الْقَضَاءِ وهو قَرِيبٌ مِمَّا قَبْلَهُ الْعَاشِرُ لَا يُعْتَبَرُ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ في أُصُولِ الدِّينِ وَالتَّأْثِيمِ وَالتَّضْلِيلِ بِخِلَافِ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ حَكَاهُ الْقَرَافِيُّ عن ابْنِ الْأَخْشَادِ وَيَجِيءُ مَذْهَبٌ آخَرُ من الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ التَّفْصِيلُ بين أَنْ يَكُونَ الْمُخَالِفُ تَابِعِيًّا وَالْمُجْمِعُونَ صَحَابَةً وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ وَآخَرُ مُفَصِّلٌ بين أَنْ يَنْشَأَ مَعَهُمْ وَيُخَالِفَهُمْ أو يَنْشَأَ بَعْدَهُمْ مَسْأَلَةٌ لَا اعْتِبَارَ لِلْخِلَافِ الثَّانِي الْخِلَافُ الثَّانِي لَا اعْتِبَارَ له كما أَنَّ الِاحْتِمَالَ الْبَعِيدَ لَا يُخْرِجُ النَّصَّ عن كَوْنِهِ نَصًّا وَلِهَذَا عَدَّ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ جُمْلَةً من التَّأْوِيلَاتِ الْبَاطِلَةِ وَهَكَذَا يقول الْحَنَفِيَّةُ في الْخِلَافِ في الشَّاذِّ إنَّهُ لَا خِلَافَ وَلَا اخْتِلَافَ يَعْنُونَ بِذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ الْخِلَافُ الْمَشْهُورُ الْقَرِيبُ الْمَأْخَذِ بِخِلَافِ الشَّاذِّ الْبَعِيدِ فَهُوَ خِلَافٌ لِأَهْلِ الْحَقِّ
  71. مَسْأَلَةٌ الْأَوْجُهُ الْمَحْكِيَّةُ هل تَقْدَحُ في الْإِجْمَاعِ الْأَوْجُهُ الْمَحْكِيَّةُ في الْمَذْهَبِ هل تَقْدَحُ في الْإِجْمَاعِ لم أَرَ فيه نَصًّا لِلْأُصُولِيِّينَ وَيُشْبِهُ تَخْرِيجُهُ على أَنَّهُ لَازِمُ الْمَذْهَبِ أَمْ من جِهَةِ أَنَّ الْأَوْجُهَ مَأْخُوذَةٌ من قَوَاعِدَ عَامَّةٍ لِصَاحِبِ الْمَذْهَبِ وَإِلَّا فَلَا لَكِنْ رَأَيْت ابْنَ الرِّفْعَةِ في الْمَطْلَبِ في أَوَّلِ الْقَضَاءِ صَرَّحَ بِحِكَايَةِ خِلَافٍ في أنها هل تَقْدَحُ في الْإِجْمَاعِ أَمْ لَا وقال الصَّحِيحُ أنها تَقْدَحُ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ التَّابِعِيُّ الْمُجْتَهِدُ هل يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ في إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ إذَا أَدْرَكَ عَصْرَهُمْ إذَا أَدْرَكَ التَّابِعِيُّ عَصْرَ الصَّحَابَةِ وهو من أَهْلِ الِاجْتِهَادِ دخل مَعَهُمْ فيه وَلَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ إلَّا بِهِ على أَصَحِّ الْوُجُوهِ عِنْدَ الْقَاضِي أبي الطَّيِّبِ وَالشَّيْخِ أبي إِسْحَاقَ وَابْنِ الصَّبَّاغِ وَابْنِ السَّمْعَانِيِّ وَأَبِي الْحُسَيْنِ السُّهَيْلِيِّ في كِتَابِ أَدَبِ الْجَدَلِ له قال لِأَنَّهُمَا لم يَخْتَلِفَا إلَّا في رُؤْيَةِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ كَوْنَ الْحَقِّ معه وقال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ إنَّهُ الصَّحِيحُ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ اللُّبَابِ وَالسَّرَخْسِيُّ من الْحَنَفِيَّةِ عن أَكْثَرِ أَصْحَابِهِمْ قال وَلِهَذَا قال أبو حَنِيفَةَ لَا يَثْبُتُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ في الْإِشْعَارِ لِأَنَّ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ كان يَكْرَهُهُ وهو مِمَّنْ أَدْرَكَ عَصْرَ الصَّحَابَةِ فَلَا يَثْبُتُ إجْمَاعُهُمْ بِدُونِ قَوْلِهِ وَلَنَا أَنَّ الصَّحَابَةَ إذْ ذَاكَ بَعْضُ الْأُمَّةِ وَالْعِصْمَةُ إنَّمَا ثَبَتَتْ لِجَمِيعِهِمْ وَسُئِلَ ابن عُمَرَ عن فَرِيضَةٍ فقال سَلُوا ابْنَ جُبَيْرٍ فإنه أَعْلَمُ بها وكان أَنَسٌ يُسْأَلُ فيقول سَلُوا مَوْلَانَا الْحَسَنَ فإنه سمع وَسَمِعْنَا وَحَفِظَ وَنَسِينَا وَسُئِلَ ابن عَبَّاسٍ عن ذَبْحِ الْوَلَدِ فَأَشَارَ إلَى مَسْرُوقٍ فلما بَلَغَهُ جَوَابُهُ تَابَعَهُ عليه وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ وَاخْتَارَهُ ابن بَرْهَانٍ في الْوَجِيزِ وَنَقَلَهُ في الْأَوْسَطِ عن إسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ وَنُفَاةِ الْقِيَاسِ وَحَكَاهُ الْبَاجِيُّ عن ابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ التَّفْصِيلُ بين أَنْ يَكُونَ من أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَقْتَ حُدُوثِ تِلْكَ النَّازِلَةِ فَيُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ وَإِلَّا فَلَا وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ وَالرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ وَالْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ وَالصَّيْرَفِيُّ في الدَّلَائِلِ وَسُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ قال وَمِنْ
  72. أَصْحَابِنَا من رَتَّبَ الْمَسْأَلَةَ فقال إنْ بَلَغَ التَّابِعِيُّ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ في عَصْرِ الصَّحَابَةِ ثُمَّ وَقَعَتْ حَادِثَةٌ فَأَجْمَعُوا وَخَالَفَهُمْ اُعْتُدَّ بِخِلَافِهِ وَإِنْ أَجْمَعُوا على قَوْلٍ ثُمَّ أَدْرَكَهُمْ وَخَالَفَهُمْ فَمَنْ لم يَعْتَبِرْ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ لم يَعْتَدَّ بِخِلَافِهِ وَمَنْ اعْتَبَرَ انْقِرَاضَهُ فَفِي الِاعْتِدَادِ بِهِ وَجْهَانِ ا هـ وَصَوَّرَ الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ الْمَسْأَلَةَ بِالْمَعَاصِرِ الْمُجْتَهِدِ فقال يُعْتَبَرُ وِفَاقُهُ في حُجَّةِ الْإِجْمَاعِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا من لم يَعْتَبِرْهُ وهو غَلَطٌ لِأَنَّهُ من أَهْلِ الِاجْتِهَادِ عِنْدَ الْحَادِثَةِ فَاعْتُبِرَ وِفَاقُهُ كَالْوَاحِدِ من الصَّحَابَةِ قال فَأَمَّا من عَاصَرَهُمْ وهو صَبِيٌّ لم يَبْلُغْ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ ثُمَّ بَلَغَهَا وَخَالَفَهُمْ فَهَلْ يُعَدُّ خِلَافُهُ خِلَافًا وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُعَدُّ لِأَنَّهُ لم يَكُنْ من أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فَهُوَ كَالْمَعْدُومِ وقال الْقَفَّالُ فيه وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا هذا وَالثَّانِي يُعَدُّ خِلَافًا لِقِصَّةِ ابْنِ عَبَّاسٍ في الْعَوْلِ ا هـ وَاَلَّذِي رَأَيْتُهُ في كِتَابِ الْقَفَّالِ الشَّاشِيِّ ما نَصُّهُ وَمَتَى أَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ على شَيْءٍ ثُمَّ حَدَثَ في عَصْرِهِمْ من بَلَغَ مَبْلَغَ الِاسْتِدْلَالِ لم يَكُنْ له مُخَالَفَةُ إجْمَاعِهِمْ فَإِنْ حَدَثَتْ حَادِثَةٌ في الْوَقْتِ الذي قد جاء فيه التَّابِعِيُّ مُسْتَدِلًّا فَأَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ اسْتِنْبَاطًا وَرَأَى خِلَافَهُ فَقَدْ قِيلَ إنَّهُ خِلَافٌ وَفِيهِ نَظَرٌ هذا كَلَامُهُ وَحَكَى في الْقَوَاطِعِ الْوَجْهَيْنِ ثُمَّ قال هذا إذَا بَلَغَ التَّابِعِيُّ فَأَمَّا إذَا تَقَدَّمَ الْإِجْمَاعُ على قَوْلِ التَّابِعِيِّ فإنه يَكُونُ التَّابِعِيُّ مَحْجُوجًا بِذَلِكَ قَطْعًا وقد اُعْتُبِرَ ذلك من شَرْطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ وقد قُلْنَا إنَّ هذا الِاعْتِبَارَ يُؤَدِّي إلَى أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ إجْمَاعٌ ا هـ وَكَلَامُ الْآمِدِيَّ يَقْتَضِي طَرْدَ الْخِلَافِ مُطْلَقًا فإنه قال الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ إجْمَاعُهُمْ دُونَهُ اخْتَلَفُوا فَمَنْ لم يَشْتَرِطْ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ قال إنْ كان من أَهْلِ الِاجْتِهَادِ قبل إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ لم يَنْعَقِدْ إجْمَاعُهُمْ مع مُخَالَفَتِهِ وَإِنْ بَلَغَ الِاجْتِهَادَ بَعْدَ انْعِقَادِ إجْمَاعِهِمْ لم يُعْتَدَّ بِخِلَافِهِ قَالَهُ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَأَصْحَابِ أبي حَنِيفَةَ وَهِيَ رِوَايَةٌ عن أَحْمَدَ وَمَنْ شَرَطَ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ قال لَا يَنْعَقِدُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ مع مُخَالَفَتِهِ سَوَاءٌ كان مُجْتَهِدًا حَالَ إجْمَاعِهِمْ أو صَارَ مُجْتَهِدًا بَعْدَ ذلك في عَصْرِهِمْ وَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِمُخَالَفَتِهِ أَصْلًا وهو مَذْهَبُ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَأَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ في الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى
  73. قال وَالْمُخْتَارُ إنْ كان من أَهْلِ الِاجْتِهَادِ حَالَ إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ لم يَنْعَقِدْ إجْمَاعُهُمْ مع مُخَالَفَتِهِ انْتَهَى وَتَحَصَّلَ أَنَّ اللَّاحِقَ إمَّا أَنْ يَتَأَهَّلَ قبل الِانْقِرَاضِ أو بَعْدَهُ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَإِمَّا أَنْ يُوَافِقَ أو يُخَالِفَ أو يَسْكُتَ وَالْقَائِلُ بِعَدَمِ اعْتِبَارِهِ لَا يَجْعَلُ لِذَلِكَ أَثَرًا وَالْقَائِلُ بِهِ اثْنَانِ قَائِلٌ إنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ وِفَاقُهُ بَلْ يُعْتَبَرُ عَدَمُ خِلَافِهِ وَقَائِلٌ يَعْتَبِرُهُمَا تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ الْكَلَامُ في هذه الْمَسْأَلَةِ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا مع الْقَائِلِينَ بِأَنَّ خِلَافَ الْأَقَلِّ يَنْدَفِعُ بِهِ إجْمَاعُ الْأَكْثَرِ فَلِهَذَا ذُكِرَتْ الثَّانِي لَا يَخْتَصُّ هذا بِالتَّابِعِيِّ مع الصَّحَابَةِ بَلْ إذَا اجْتَمَعَ أَهْلُ الْعَصْرِ على حُكْمٍ فَنَشَأَ قَوْمٌ مُجْتَهِدُونَ قبل انْقِرَاضِهِمْ فَخَالَفُوهُمْ وَقُلْنَا انْقِرَاضُ الْعَصْرِ شَرْطٌ فَهَلْ يَرْتَفِعُ الْإِجْمَاعُ على مَذْهَبَيْنِ وَإِنْ قُلْنَا لَا يُعْتَبَرُ الِانْقِرَاضُ فَلَا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ حُجَّةٌ بِلَا خِلَافٍ بين الْقَائِلِينَ بِحُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ وَهُمْ أَحَقُّ الناس بِذَلِكَ وَنَقَلَ عبد الْوَهَّابِ عن قَوْمٍ من الْمُبْتَدِعَةِ أَنَّ إجْمَاعَهُمْ ليس بِحُجَّةٍ وَهَكَذَا إجْمَاعُ غَيْرِهِمْ من الْعُلَمَاءِ في سَائِرِ الْأَعْصَارِ خِلَافًا لِدَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ حَيْثُ قال إجْمَاعُ اللَّازِمِ يَخْتَصُّ بِعَصْرِ الصَّحَابَةِ فَأَمَّا إجْمَاعُ من بَعْدَهُمْ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ وهو ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ حِبَّانَ الْبُسْتِيِّ مِنَّا في صَحِيحِهِ وَقِيلَ إنَّ أَحْمَدَ عَلَّقَ الْقَوْلَ بِهِ في رِوَايَةِ أبي دَاوُد فقال الْإِجْمَاعُ أَنْ يُتَّبَعَ ما جاء عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَعَنْ الصَّحَابَةِ وهو بَعْدُ في التَّابِعِينَ مُخَيَّرٌ لَكِنَّهُ في الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى سَوَّى بين الْكُلِّ فَمِنْ أَصْحَابِهِ من أَجْرَى له قَوْلَيْنِ وَمِنْهُمْ من قَطَعَ بِالثَّانِي وَحَمَلَ الْأَوَّلَ على آحَادِ التَّابِعِينَ لَا إجْمَاعِهِمْ وَأَمَّا قَوْلُ أبي حَنِيفَةَ إذَا أَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ على شَيْءٍ سَلَّمْنَاهُ وإذا أَجْمَعَ التَّابِعُونَ زَاحَمْنَاهُمْ فَلَيْسَ ذلك مُوَافِقًا لِدَاوُدَ لِأَنَّهُ رَأَى نَفْسَهُ من التَّابِعِينَ فَقَدْ رَأَى
  74. أَنَسًا رضي اللَّهُ عنه وَقِيلَ أَدْرَكَ أَرْبَعَةً منهم وَلَنَا أَنَّ الْإِجْمَاعَ إنَّمَا يَكُونُ عن أَصْلٍ وهو شَامِلٌ لِلْكُلِّ وَبِالشَّهَادَةِ بِالْعِصْمَةِ وهو عَامٌّ فَتَخْصِيصُهُ تَحَكُّمٌ وهو كَالْقَائِلِ لَا حُجَّةَ إلَّا في قِيَاسِ الصَّحَابَةِ بِدَلِيلِ وَيَتَّبِعْ غير سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَخَصَّ أبو الْحَسَنِ السُّهَيْلِيُّ في أَدَبِ الْجَدَلِ النَّقْلَ عن دَاوُد بِمَا إذَا أَجْمَعُوا عن نَصِّ كِتَابٍ أو سُنَّةٍ قال فَأَمَّا إذَا أَجْمَعُوا على حُكْمٍ من جِهَةِ الْقِيَاسِ فَاخْتَلَفُوا فيه وقد سَبَقَ وقال ابن الْقَطَّانِ ذَهَبَ دَاوُد وَأَصْحَابُنَا إلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ إنَّمَا هو إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ فَقَطْ وهو قَوْلٌ لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ إنَّمَا يَكُونُ عن تَوْقِيفٍ وَالصَّحَابَةُ هُمْ الَّذِينَ شَهِدُوا التَّوْقِيفَ فَإِنْ قِيلَ فما يَقُولُونَ في إجْمَاعِ من بَعْدَهُمْ أَيَجُوزُ أَنْ يُجْمِعُوا على خَطَأٍ قُلْنَا هذا لَا يَجُوزُ لِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَجَابَ عن ذلك بِقَوْلِهِ لَا يَزَالُ طَائِفَةٌ من أُمَّتِي ظَاهِرِينَ على الْحَقِّ وَالثَّانِي أَنَّ سَعَةَ أَقْطَارِ الْمُسْلِمِينَ وَكَثْرَةَ الْعَدَدِ لَا يُمَكِّنُ أَحَدًا ضَبْطَ أَقْوَالِهِمْ وَمَنْ ادَّعَى هذا لَا يَخْفَى على أَحَدٍ كَذِبُهُ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ على الِانْفِرَادِ لَا يَكُونُ حُجَّةً وقال مَالِكٌ إذَا أَجْمَعُوا لم يُعْتَدَّ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ قال الشَّافِعِيُّ في كِتَابِ اخْتِلَافِ الحديث قال بَعْضُ أَصْحَابِنَا إنَّهُ حُجَّةٌ وما سَمِعْت أَحَدًا ذَكَرَ قَوْلَهُ إلَّا عَابَهُ وَإِنَّ ذلك عِنْدِي مَعِيبٌ انْتَهَى وقال الْحَارِثُ الْمُحَاسِبِيُّ في كِتَابِ فَهْمِ السُّنَنِ قال مَالِكٌ إذَا كان الْأَمْرُ بِالْمَدِينَةِ ظَاهِرًا مَعْمُولًا بِهِ لم أَرَ لِأَحَدٍ خِلَافَهُ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مُخَالَفَتُهُ ا هـ وَنَقَلَ عنه الصَّيْرَفِيُّ في الْأَعْلَامِ وَالرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ وَالْغَزَالِيُّ في الْمُسْتَصْفَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ إنَّمَا هو إجْمَاعُهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ وهو بَعِيدٌ وَنَقَلَ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ في كِتَابِ الرَّدِّ على الْجُرْجَانِيِّ أَنَّهُ أَرَادَ الْفُقَهَاءَ السَّبْعَةَ وَحْدَهُمْ وقال إنَّهُمْ إذَا أَجْمَعُوا على مَسْأَلَةٍ انْعَقَدَ بِهِمْ الْإِجْمَاعُ ولم يَجُزْ لِغَيْرِهِمْ مُخَالَفَتُهُمْ وَالْمَشْهُورُ عنه الْأَوَّلُ لَكِنْ يُشْكِلُ على ذلك أَنَّهُ في الْمُوَطَّأِ في بَابِ الْعَيْبِ
  75. في الرَّقِيقِ نَقَلَ إجْمَاعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ على أَنَّ الْبَيْعَ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ لَا يَجُوزُ وَلَا يَبْرَأُ من الْعَيْبِ أَصْلًا عَلِمَهُ أو جَهِلَهُ ثُمَّ خَالَفَهُمْ فَلَوْ كان يَرَى أَنَّ إجْمَاعَهُمْ حُجَّةٌ لم تَسَعْ مُخَالَفَتُهُ وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فقال الْبَاجِيُّ إنَّمَا أَرَادَ فِيمَا طَرِيقُهُ النَّقْلُ الْمُسْتَفِيضُ كَالصَّاعِ وَالْمُدِّ وَالْأَذَانِ وَالْإِمَامَةِ وَعَدَمِ الزَّكَوَاتِ في الْخَضْرَاوَاتِ مِمَّا تَقْضِي الْعَادَةُ بِأَنْ يَكُونَ في زَمَنِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فإنه لو تَغَيَّرَ عَمَّا كان عليه لَعُلِمَ فَأَمَّا مَسَائِلُ الِاجْتِهَادِ فَهُمْ وَغَيْرُهُمْ سَوَاءٌ وَحَكَاهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ عن شَيْخِهِ الْأَبْهَرِيُّ وَقِيلَ يُرَجَّحُ نَقْلُهُمْ على نَقْلِ غَيْرِهِمْ وقد أَشَارَ الشَّافِعِيُّ رضي اللَّهُ عنه إلَى هذا في الْقَدِيمِ وَرَجَّحَ رِوَايَةَ أَهْلِ الدِّينِ على غَيْرِهِمْ وَقِيلَ أَرَادَ بِذَلِكَ الصَّحَابَةَ وَقِيلَ أَرَادَ بِهِ في زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِي التَّابِعِينَ حَكَاهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ وابن السَّمْعَانِيِّ وَعَلَيْهِ ابن الْحَاجِبِ وَادَّعَى ابن تَيْمِيَّةَ أَنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بِنَاءً على قَوْلِهِمَا إنَّ اجْتِهَادَهُمْ في ذلك الزَّمَنِ مُرَجَّحٌ على اجْتِهَادِ غَيْرِهِمْ فَيُرَجَّحُ أَحَدُ الدَّلِيلَيْنِ لِمُوَافَقَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وقال مَرَّةً إنَّهُ مَحْمُولٌ على إجْمَاعِ الْمُتَقَدِّمِينَ من أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَحُكِيَ عن يُونُسَ بن عبد الْأَعْلَى قال قال لي الشَّافِعِيُّ رضي اللَّهُ عنه إذَا وَجَدْت مُتَقَدِّمِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ على شَيْءٍ فَلَا يَدْخُلْ قَلْبَك شَكٌّ أَنَّهُ الْحَقُّ وَكُلَّمَا جَاءَك شَيْءٌ غَيْرُ ذلك فَلَا تَلْتَفِتْ إلَيْهِ وَلَا تَعْبَأْ بِهِ فَقَدْ وَقَعْتَ في الْبِحَارِ وَوَقَعْتَ في اللُّجَجِ وفي لَفْظٍ له إذَا رَأَيْت أَوَائِلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ على شَيْءٍ فَلَا تَشُكَّنَّ أَنَّهُ الْحَقُّ وَاَللَّهِ إنِّي لَك نَاصِحٌ وَالْقُرْآنِ لَك نَاصِحٌ وإذا رَأَيْت قَوْلَ سَعِيدِ بن الْمُسَيِّبِ في حُكْمٍ أو سُنَّةٍ فَلَا تَعْدِلْ عنه إلَى غَيْرِهِ وقال مَالِكٌ قَدِمَ عَلَيْنَا ابن شِهَابٍ قَدْمَةً فَقُلْت له طَلَبْتَ الْعِلْمَ حتى إذَا كنت وِعَاءً من أَوْعِيَتِهِ تَرَكْت الْمَدِينَةَ فقال كُنْت أَسْكُنُ الْمَدِينَةَ وَالنَّاسُ نَاسٌ فلما تَغَيَّرَتْ الناس تَرَكْتُهُمْ رَوَاهُ عنه عبد الرَّزَّاقِ ا هـ وَقِيلَ مَحْمُولٌ على الْمَنْقُولَاتِ الْمُسْتَمِرَّةِ كما سَبَقَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقَرَافِيُّ في شَرْحِ الْمُنْتَخَبِ وَصُحِّحَ في مَكَان آخَرَ التَّعْمِيمُ في مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ وَفِيمَا طَرِيقُهُ النَّقْلُ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَلَا فَرْقَ في مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ من الْعُلَمَاءِ إذَا لم يَقُمْ دَلِيلٌ على عِصْمَةِ بَعْضِ الْأُمَّةِ نعم ما طَرِيقُهُ النَّقْلُ إذَا عُلِمَ اتِّصَالُهُ وَعَدَمُ تَغَيُّرِهِ وَاقْتَضَتْهُ الْعَادَةُ من صَاحِبِ الشَّرْعِ وَلَوْ بِالتَّقْرِيرِ عليه فَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ قَوِيٌّ يَرْجِعُ إلَى أَمْرٍ
  76. عَادِيٍّ قَالَهُ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ رَحِمَهُ اللَّهُ وقال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ على ضَرْبَيْنِ نَقْلِيٌّ وَاسْتِدْلَالِيٌّ فَالْأَوَّلُ على ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ منه نَقْلُ شَرْعٍ مُبْتَدَأٍ من جِهَةِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم إمَّا من قَوْلٍ أو فِعْلٍ أو إقْرَارٍ فَالْأَوَّلُ كَنَقْلِهِمْ الصَّاعَ وَالْمُدَّ وَالْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ وَالْأَوْقَاتِ وَالْأَحْبَاسِ وَنَحْوِهِ وَالثَّانِي نَقْلُهُمْ الْمُتَّصِلَ كَعُهْدَةِ الرَّقِيقِ وَغَيْرِ ذلك وَالثَّالِثُ كَتَرْكِهِمْ أَخْذَ الزَّكَاةِ من الْخَضْرَاوَاتِ مع أنها كانت تُزْرَعُ بِالْمَدِينَةِ وكان النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ لَا يَأْخُذُونَهَا منها قال وَهَذَا النَّوْعُ من إجْمَاعِهِمْ حُجَّةٌ يَلْزَمُ عِنْدَنَا الْمَصِيرُ إلَيْهِ وَتَرْكُ الْأَخْبَارِ وَالْمَقَايِيسِ له لَا اخْتِلَافَ بين أَصْحَابِنَا فيه قال وَالثَّانِي وهو إجْمَاعُهُمْ من طَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فيه على ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ ليس بِإِجْمَاعٍ وَلَا مُرَجَّحٍ وهو قَوْلُ أبي بَكْرٍ وَأَبِي يَعْقُوبَ الرَّازِيَّ وَالْقَاضِي أبي بَكْرٍ وَابْنِ السَّمْعَانِيِّ وَالطَّيَالِسِيِّ وَأَبِي الْفَرَجِ وَالْأَبْهَرِيُّ وَأَنْكَرُوا كَوْنَهُ مَذْهَبًا لِمَالِكٍ ثَانِيهَا أَنَّهُ مُرَجَّحٌ وَبِهِ قال بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ثَالِثُهَا أَنَّهُ حُجَّةٌ وَإِنْ لم يَحْرُمْ خِلَافُهُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ قَاضِي الْقُضَاةِ أبو الْحُسَيْن بن عُمَرَ انْتَهَى وقال أبو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ أَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُخْتَلَفَ فيه لِأَنَّهُ من بَابِ النَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ وَلَا فَرْقَ بين الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالْإِقْرَارِ إذْ كُلُّ ذلك نَقْلٌ مُحَصِّلٌ لِلْعَمَلِ الْقَطْعِيِّ وَأَنَّهُمْ عَدَدٌ كَثِيرٌ وَجَمٌّ غَفِيرٌ تُحِيلُ الْعَادَةُ عليهم التَّوَاطُؤَ على خِلَافِ الصِّدْقِ وَلَا شَكَّ أَنَّ ما كان هذا سَبِيلُهُ أَوْلَى من أَخْبَارِ الْآحَادِ وَالْأَقْيِسَةِ وَالظَّوَاهِرِ وَأَمَّا الثَّانِي فَالْأَوَّلُ منه أَنَّهُ حُجَّةٌ إذَا انْفَرَدَ وَمُرَجِّحٌ لِأَحَدِ الْمُتَعَارِضَيْنِ وَدَلِيلُنَا على ذلك أَنَّ الْمَدِينَةَ مُفْرَزُ الْإِيمَانِ وَمَنْزِلُ الْأَحْكَامِ وَالصَّحَابَةُ هُمْ الْمُشَافِهُونَ لِأَسْبَابِهَا الْفَاهِمُونَ لِمَقَاصِدِهَا ثُمَّ التَّابِعُونَ نَقَلُوهَا وَضَبَطُوهَا وَعَلَى هذا فَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ليس بِحُجَّةٍ من حَيْثُ إجْمَاعُهُمْ بَلْ إمَّا هو من جِهَةِ نَقْلِهِمْ الْمُتَوَاتِرِ وَإِمَّا من
  77. جِهَةِ شَهَادَتِهِمْ لِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ الدَّالَّةِ على مَقَاصِدِ الشَّرْعِ قال وَهَذَا النَّوْعُ الِاسْتِدْلَالِيُّ إنْ عَارَضَهُ خَبَرٌ فَالْخَبَرُ أَوْلَى عِنْدَ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا لِأَنَّهُ مَظْنُونٌ من جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وهو الطَّرِيقُ وَعَمَلُهُمْ الِاجْتِهَادِيُّ مَظْنُونٌ من جِهَةِ مُسْتَنَدِ اجْتِهَادِهِمْ وَمِنْ جِهَةِ الْخَبَرِ وكان الْخَبَرُ أَوْلَى وقد صَارَ كَثِيرٌ من أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّهُ أَوْلَى من الْخَبَرِ بِنَاءً منهم على أَنَّهُ إجْمَاعٌ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ الْمَشْهُودَ له بِالْعِصْمَةِ كُلُّ الْأُمَّةِ لَا بَعْضُهَا ا هـ وقد تَحَرَّرَ بهذا مَوْضِعُ النِّزَاعِ وَالصَّحِيحُ من مَذْهَبِهِ وَهَؤُلَاءِ أَعْرَفُ بِذَلِكَ اتِّفَاقُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَاتِبُ عِدَّةٌ وقال بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ التَّحْقِيقُ في هذه الْمَسْأَلَةِ أَنَّ منها ما هو كَالْمُتَّفَقِ عليه وَمِنْهَا ما يقول بِهِ جُمْهُورُهُمْ وَمِنْهَا ما يقول بِهِ بَعْضُهُمْ فَالْمَرَاتِبُ أَرْبَعَةٌ إحْدَاهَا ما يَجْرِي مَجْرَى النَّقْلِ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم كَنَقْلِهِمْ لِمِقْدَارِ الصَّاعِ وَالْمُدِّ فَهَذَا حُجَّةٌ بِالِاتِّفَاقِ وَلِهَذَا رَجَعَ أبو يُوسُفَ إلَى مَالِكٍ فيه وقال لو رَأَى صَاحِبِي كما رَأَيْت لَرَجَعَ كما رَجَعْت وَرَجَعَ إلَيْهِ في الْخَضْرَاوَاتِ فقال هذه بِقَائِلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لم يُؤْخَذْ منها صَدَقَةٌ على عَهْدِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَلَا أبي بَكْرٍ وَلَا عُمَرَ وَسَأَلَ عن الْأَحْبَاسِ فقال هذا حَبِيسُ فُلَانٍ وَهَذَا حَبِيسُ فُلَانٍ فذكر أَعْيَانَ الصَّحَابَةِ فقال له أبو يُوسُفَ وَكُلُّ هذا قد رَجَعْت إلَيْك الثَّانِيَةُ الْعَمَلُ الْقَدِيمُ بِالْمَدِينَةِ قبل مَقْتَلِ عُثْمَانَ فَهَذَا كُلُّهُ هو حُجَّةٌ عِنْدَ مَالِكٍ حُجَّةٌ عِنْدَنَا أَيْضًا وَنَصَّ عليه الشَّافِعِيُّ فقال في رِوَايَةِ يُوسُفَ بن عبد الْأَعْلَى إذَا رَأَيْت قُدَمَاءَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ على شَيْءٍ فَلَا يَبْقَ في قَلْبِك رَيْبٌ أَنَّهُ الْحَقُّ وَكَذَا هو ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ فإن عِنْدَهُ أَنَّ ما سَنَّهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ حُجَّةٌ يَجِبُ اتِّبَاعُهَا وقال أَحْمَدُ كُلُّ بَيْعَةٍ كانت بِالْمَدِينَةِ فَهِيَ خِلَافَةُ نُبُوَّةٍ وَمَعْلُومٌ أَنَّ بَيْعَةَ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ كانت بِالْمَدِينَةِ وَبَعْدَ ذلك لم يُعْقَدْ بها بَيْعَةٌ وَيُحْكَى عن أبي حَنِيفَةَ أَنَّ قَوْلَ الْخُلَفَاءِ عِنْدَهُ حُجَّةٌ الثَّالِثَةُ إذَا تَعَارَضَ في الْمَسْأَلَةِ دَلِيلَانِ كَحَدِيثَيْنِ وَقِيَاسَيْنِ فَهَلْ يُرَجَّحُ أَحَدُهُمَا بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَهَذَا مَوْضِعُ الْخِلَافِ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهُ مُرَجَّحٌ وَذَهَبَ أبو حَنِيفَةَ إلَى الْمَنْعِ وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا الْمَنْعُ وَبِهِ
  78. قال الْقَاضِي أبو يَعْلَى وابن عَقِيلٍ وَالثَّانِي مُرَجَّحٌ وَبِهِ قال أبو الْخَطَّابِ وَنُقِلَ عن نَصِّ أَحْمَدَ وَمِنْ كَلَامِهِ إذَا رَوَى أَهْلُ الْمَدِينَةِ حَدِيثًا وَعَمِلُوا بِهِ فَهُوَ الْغَايَةُ الرَّابِعَةُ النَّقْلُ الْمُتَأَخِّرُ بِالْمَدِينَةِ وَالْجُمْهُورُ على أَنَّهُ ليس بِحُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ وَبِهِ قال الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ وهو قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ من أَصْحَابِ مَالِكٍ كما ذَكَرَهُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ فقال إنَّ هذا ليس إجْمَاعًا وَلَا حُجَّةً عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ وَإِنَّمَا يَجْعَلُهُ حُجَّةً بَعْضُ أَهْلِ الْمَغْرِبِ من أَصْحَابِهِ وَلَيْسَ هَؤُلَاءِ من أَئِمَّةِ النَّظَرِ وَالدَّلِيلِ وَإِنَّمَا هُمْ أَهْلُ تَقْلِيدٍ وَجَعَلَ أبو الْحَسَنِ الْإِبْيَارِيُّ الْمَرَاتِبَ خَمْسَةً أَحَدُهَا الْأَعْمَالُ الْمَنْقُولَةُ عن أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِالِاسْتِفَاضَةِ فَلَا خِلَافَ في اعْتِمَادِهَا ثَانِيهَا أَنْ يَرْوُوا أَخْبَارًا وَيُخَالِفُوهَا وقد تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عليه قال وَاخْتَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ الرَّاوِيَ الْوَاحِدَ إذَا فَعَلَ ذلك سَقَطَ التَّمَسُّكُ بِرِوَايَتِهِ وَيَرْجِعُ إلَى عَمَلِهِ فما الظَّنُّ بِعُلَمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ جُمْلَةً ثَالِثُهَا أَنْ لَا يَنْقُلُوا الْخَبَرَ وَلَكِنْ يُصَادَفُ خَبَرٌ على نَقِيضِ حُكْمِهِمْ فَهَذِهِ أَضْعَفُ من الْأُولَى وَلَكِنْ غَلَبَةُ الظَّنِّ حَاصِلَةٌ بِأَنَّ الْخَبَرَ لَا يَخْفَى عن جَمِيعِهِمْ لِهُبُوطِ الْوَحْيِ في بَلَدِهِمْ وَمَعْرِفَتِهِمْ بِالسُّنَّةِ وَلِهَذَا كَانُوا يَرْجِعُونَ إلَيْهِمْ وَيَبْعَثُونَ يَسْأَلُونَ منهم فَيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ ما لو رَأَوْا وَخَالَفُوا رَابِعُهَا أَنْ لَا يُنْقَلَ خَبَرٌ على خِلَافِ قَضَائِهِمْ وَلَكِنَّ الْقِيَاسَ على غَيْرِ ذلك فَهَذَا فيه نَظَرٌ فَقَدْ يُقَالُ إنَّهُمْ لم يُخَالِفُوا الْقِيَاسَ مع كَوْنِهِ حُجَّةً شَرْعِيَّةً إلَّا بِتَوْقِيفٍ وقد يُقَالُ لَا يُوَافَقُونَ وَلِهَذَا اخْتَلَفَ مَالِكٌ في هذه الصُّورَةِ كَالْقِصَاصِ بين الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَالْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ في الْأَطْرَافِ خَامِسُهَا أَنْ يُصَادِفَ قَضَاؤُهُمْ على خِلَافِ خَبَرٍ مَنْقُولٍ عَنْهُمْ أو عن غَيْرِهِمْ لَا عن خِلَافِ قِيَاسِ حتى يُسْتَدَلَّ بِهِ على خَبَرٍ لِأَجْلِ مُخَالِفِ الْقِيَاسِ فَالصَّوَابُ عِنْدِي في هذه الصُّورَةِ عَدَمُ الِالْتِفَاتِ إلَى الْمَنْقُولِ وَيُتَّبَعُ الدَّلِيلُ ا هـ الرَّدُّ على الْقَوْلِ بِأَنَّ إجْمَاعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حُجَّةٌ لَا يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ إجْمَاعِ الْأُمَّةِ وما قَدَّمْنَاهُ من كَلَامِ الْقُرْطُبِيِّ هو الْمُعْتَمَدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لَكِنْ نَبَّهَ الْإِبْيَارِيُّ على مَسْأَلَةٍ حَسَنَةٍ وَهِيَ أَنَّا إذَا قُلْنَا إنَّ إجْمَاعَهُمْ حُجَّةٌ فَلَا يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ إجْمَاعِ جَمِيعِ
  79. الْأُمَّةِ حتى يُفَسَّقَ الْمُخَالِفُ وَيُنْقَضَ قَضَاؤُهُ وَلَكِنْ يقول هو حُجَّةٌ على مَعْنَى أَنَّ الْمُسْتَنِدَ إلَيْهِ مُسْتَنِدٌ إلَى مَأْخَذٍ من مَآخِذِ الشَّرِيعَةِ كَالْمُسْتَنِدِ إلَى الْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ رُدُودُ الْعُلَمَاءِ على دَعْوَى إجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ولم تَزَلْ هذه الْمَسْأَلَةُ مَوْصُوفَةً بِالْإِشْكَالِ وقد دَارَتْ بين أبي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ وَأَبِي عُمَرَ بن عبد الْبَرِّ من الْمَالِكِيَّةِ وَصَنَّفَ الصَّيْرَفِيُّ فيها وَطَوَّلَ في كِتَابِهِ الْأَعْلَامِ الْحِجَاجَ فيها مع الْخَصْمِ وقال قد تَصَفَّحْنَا قَوْلَ من قال الْعَمَلُ على كَذَا فَوَجَدْنَا أَهْلَ بَلَدِهِ في عَصْرِهِ يُخَالِفُونَهُ كَذَلِكَ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ من قَبْلِهِ فإنه مُخَالِفُهُمْ وَلَوْ كان الْعَمَلُ على ما وَصَفَهُ لَمَا جَازَ له خِلَافُهُمْ لِأَنَّ حُكْمَهُ بِالْعَمَلِ كَعِلْمِهِمْ لو كان مُسْتَفِيضًا قال وَهَذَا عِنْدِي من قَوْلِ مَالِكٍ على أَنَّهُ عَمَلُ الْأَكْثَرِ عِنْدَهُ وقد قال رَبِيعَةُ في قَوْلٍ ادَّعَى مَالِكٌ الْعَمَلَ عليه فقال رَبِيعَةُ وقال قَوْمٌ وَهُمْ الْأَقَلُّ ما ادَّعَى مَالِكٌ أَنَّهُ عَمَلُ أَهْلِ الْبَلَدِ وقال مَالِكٌ التَّسْبِيحُ في الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَا أَعْرِفُهُ حَكَاهُ عنه ابن وَهْبٍ ثُمَّ إنَّا رَأَيْنَا ما ادَّعَاهُ من الْعَمَلِ إنَّمَا عَلِمْنَا عنه بِخَبَرِ وَاحِدٍ كَرِوَايَةِ الْقَعْنَبِيِّ وَابْنِ بُكَيْر وَالسُّبْكِيِّ وَابْنِ مُصْعَبٍ وَابْنِ أبي إدْرِيسَ وَابْنِ وَهْبٍ وَهَؤُلَاءِ كلهم يَجُوزُ عليهم الْعِلْمُ وَوَجَدْنَا في كِتَابِ الْمُوَطَّإِ هذه الْحِكَايَةَ ولم نُشَاهِدْ الْعَمَلَ الذي حَكَاهُ وَوَجَدْنَا الناس من أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهِمْ على خِلَافِهِ وقال أبو حَيَّانَ التَّوْحِيدِيُّ في الْبَصَائِرِ سَمِعْت الْقَاضِيَ أَبَا حَامِدٍ الْمَرْوَرُوذِيَّ يقول ليس الِاعْتِمَادُ في الْإِجْمَاعِ على أَهْلِ الْمَدِينَةِ على ما رَآهُ مَالِكٌ لِأَنَّ مَكَّةَ لم تَكُنْ دُونَ الْمَدِينَةِ وقد أَقَامَ النبي عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بها كما أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ وَمَنْ عَدَلَ عن مَكَّةَ وَأَهْلِهَا مع قِيَامِ النبي عليه السَّلَامُ بين أَظْهُرِهِمْ وَسُكَّانُهَا الْغَايَةُ في حَمْلِ الشَّرِيعَةِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ جَازَ أَنْ يَعْدِلَ خَصْمُهُ عن الْمَدِينَةِ وَأَهْلِهَا بِحُجَّةٍ وَذَلِكَ أَنَّ الشَّرِيعَةَ كَمُلَتْ بين جَمِيعِ أَهْلِ الْعَصْرِ الَّذِينَ تَحَقَّقُوا النبي عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَحَفِظُوا عنه وَابْتُلُوا بِالْحَوَادِثِ فَاسْتَفْتَوْهُ وَاخْتَلَفُوا في الْأَحْكَامِ فَاسْتَقْضَوْهُ وَتَخَوَّفُوا الْعَوَاقِبَ فَاسْتَظْهَرُوا بِهِ ثُمَّ إنَّهُمْ بَعْدَ أَنْ صَارَ إلَى اللَّهِ كَانُوا بين مُقِيمٍ بِالْمَدِينَةِ وَمُقِيمٍ بِمَكَّةَ وَنَازِلٍ بَيْنَهُمَا وَظَاهِرٍ عنهما إلَى الْأَمْصَارِ الْبَعِيدَةِ وَاسْتَقَرَّتْ الشَّرِيعَةُ على الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الشَّائِعَةِ وَالْقِيَاسِ الْمُنْتَزِعِ وَالرَّأْيِ الْحَسَنِ وَالْإِجْمَاعِ الْمُنْعَقِدِ فلم يَكُنْ بَلَدٌ أَوْلَى من بَلَدٍ وَلَا مَكَانٌ أَوْلَى من مَكَان وَلَا نَاسٌ أَوْلَى وَأَحْفَظَ لِدِينِ اللَّهِ من نَاسٍ وَهُمْ في الْإِصَابَةِ شُرَكَاءُ وفي الْحُكْمِ بِمَا أَلْقَى إلَيْهِمْ مُتَّفِقُونَ قال وكان يُطِيلُ
  80. الْكَلَامَ في تَهْجِيرِ الْمُدْلِينَ بهذا الْقَوْلِ ا هـ وقال ابن حَزْمٍ في الْأَحْكَامِ هذا الْقَوْلُ لَصِقَ بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ مُحْتَجِّينَ بِمَا رُوِيَ في فَضْلِ الْمَدِينَةِ وَلَيْسَ ذلك لِفَضْلِ أَهْلِهَا وقد صَحَّ أَنَّ مَكَّةَ أَفْضَلُ منها وقد كان الصَّحَابَةُ في غَيْرِهَا وقد تَرَكُوا من عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ سُجُودَهُمْ مع عُمَرَ في إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَسُجُودَهُمْ معه إذَا قَرَأَ السَّجْدَةَ وَنَزَلَ عن الْمِنْبَرِ فَسَجَدَ وَفَعَلَ عُمَرُ إذْ أَعْلَمَ عُثْمَانَ وهو يَخْطُبُ يوم الْجُمُعَةِ بِحَضْرَةِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فَقَالُوا ليس على ذلك الْعَمَلُ وَأَيْضًا فإن مَالِكًا لم يَدَّعِ إجْمَاعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إلَّا في ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً في مُوَطَّئِهِ فَقَطْ وقد تَتَبَّعْنَا ذلك فَوَجَدْنَا منها ما هو إجْمَاعٌ وَمِنْهَا ما الْخِلَافُ فيه مَوْجُودٌ في الْمَدِينَةِ كَوُجُودِهِ في غَيْرِهَا وكان ابن عُمَرَ وهو عَمِيدُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَرَى إفْرَادَ الْأَذَانِ وَالْقَوْلُ فيه حَيَّ على خَيْرِ الْعُمُرِ وَبِلَالُ يُكَرِّرُ قد قَامَتْ الصَّلَاةُ وَمَالِكٌ لَا يَرَى ذلك وَالزُّهْرِيُّ يَرَى الزَّكَاةَ في الْخَضْرَاوَاتِ وَمَالِكٌ لَا يَرَاهَا ثُمَّ ذَكَرَ لهم مُنَاقَضَاتٍ كَثِيرَةً إجْمَاعُ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ وَالْمِصْرَيْنِ الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ إجْمَاعُ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْمِصْرَيْنِ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ ليس بِحُجَّةٍ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ ذلك من الْأُصُولِيِّينَ قال الْقَاضِي وَإِنَّمَا صَارُوا إلَى ذلك لِاعْتِقَادِهِمْ تَخْصِيصَ الْإِجْمَاعِ بِالصَّحَابَةِ وَكَانَتْ هذه الْبِلَادُ مَوْطِنَ الصَّحَابَةِ ما خَرَجَ منها إلَّا الشُّذُوذُ ا هـ وَهَذَا صَرِيحٌ بِأَنَّ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ لم يُعَمِّمُوا في كل عَصْرٍ بَلْ في عَصْرِ الصَّحَابَةِ فَقَطْ وقال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ قِيلَ إنَّ الْمُخَالِفَ أَرَادَ في زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَإِنْ كان هذا مُرَادُهُ فَمُسَلَّمٌ لو اجْتَمَعَ الْعُلَمَاءُ في هذه الْبِقَاعِ وَغَيْرُ مُسَلَّمٍ أَنَّهُمْ اجْتَمَعُوا فيها الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ إجْمَاعُ أَهْلِ الْبَيْتِ إجْمَاعُ أَهْلِ الْبَيْتِ ليس بِحُجَّةٍ الْمُرَادُ بِهِمْ عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ رِضْوَانُ اللَّهِ عليهم خِلَافًا لِلشِّيعَةِ وَبَالَغُوا فَقَالُوا قَوْلُ عَلِيٍّ حُجَّةٌ وَحْدَهُ حَكَاهُ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في اللُّمَعِ وَعَنْ الْمُعْتَمَدِ لِلْقَاضِي أبي يَعْلَى أَنَّ الْعِتْرَةَ لَا
  81. تَجْتَمِعُ على خَطَأٍ كما في حديث التِّرْمِذِيِّ الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ إجْمَاعُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ قال الْقَاضِي أبو خَازِمٍ بِالْخَاءِ وَالزَّايِ الْمُعْجَمَتَيْنِ من الْحَنَفِيَّةِ إجْمَاعُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ حُجَّةٌ وَحَكَمَ بِذَلِكَ في زَمَنِ الْمُعْتَضِدِ بِتَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ ولم يَعْتَدَّ بِخِلَافِ زَيْدٍ وَقَبِلَ منه الْمُعْتَضِدُ ذلك وَرَدَّهَا إلَيْهِمْ وَكَتَبَ بِذَلِكَ إلَى الْآفَاقِ وقال أبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ وَبَلَغَنِي أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْبَرَاذِعِيَّ كان أَنْكَرَ ذلك عليه قال وَهَذَا فيه خِلَافٌ بين الصَّحَابَةِ فقال أبو حَازِمٍ لَا أَعُدُّ هذا خِلَافًا على الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وقد حَكَمْت بِرَدِّ هذا الْمَالِ إلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَّبِعَهُ بِالنَّسْخِ ا هـ وَهِيَ رِوَايَةٌ عن أَحْمَدَ قال الْمُوَفَّقُ في الرَّوْضَةِ نُقِلَ عن أَحْمَدَ ما يَدُلُّ على أَنَّهُ لَا يُخْرَجُ عن قَوْلِهِمْ إلَى قَوْلِ غَيْرِهِمْ وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذلك ليس بِإِجْمَاعٍ وَكَلَامُ أَحْمَدَ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ يَدُلُّ على أَنَّ قَوْلَهُمْ حُجَّةٌ وَلَا يَلْزَمُ من ذلك أَنْ يَكُونَ إجْمَاعًا قُلْت وَيَجْرِي ذلك في كَلَامِ الْقَاضِي أبي حَازِمٍ أَيْضًا وَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ يُقَدَّمُ على قَوْلِ غَيْرِهِمْ وَعَلَى هذا فَلَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِ أَصْحَابِنَا حِكَايَتَهُ عن أبي حَازِمٍ فإنه قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ قال ابن كَجٍّ في كِتَابِهِ هُنَا إذَا اخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ على قَوْلَيْنِ وَكَانَتْ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ مع أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ فقال الشَّافِعِيُّ في مَوْضِعٍ يُصَارُ إلَى قَوْلِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وقال في مَوْضِعٍ إنَّهُمَا سَوَاءٌ وَيُطْلَبُ دَلَالَةُ سِوَاهُمَا انْتَهَى وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أبو حَازِمٍ بَنَاهُ على أَنَّ خِلَافَ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ لَا يَقْدَحُ في الْإِجْمَاعِ وهو ظَاهِرُ سِيَاقِ أبي بَكْرٍ الرَّازِيَّ عنه وَقِيلَ إجْمَاعُ الشَّيْخَيْنِ وَحْدَهُمَا حُجَّةٌ لنا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ خَالَفَ جَمِيعَ الصَّحَابَةِ في خَمْسِ مَسَائِلَ في الْفَرَائِضِ انْفَرَدَ بها وابن مَسْعُودٍ بِأَرْبَعِ مَسَائِلَ ولم يَحْتَجَّ عليهم أَحَدٌ بِإِجْمَاعِ الْأَرْبَعَةِ وَاحْتَجَّ أبو حَازِمٍ بِحَدِيثِ عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَعُورِضَ بِحَدِيثِ أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ
  82. قال الْقُرْطُبِيُّ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا فإن الْأَوَّلَ يَقْتَضِي أَنْ يُقْتَدَى بِالْخُلَفَاءِ فِيمَا اتَّفَقُوا عليه وَالثَّانِي الْأَمْرُ لِلْمُقَلِّدِ بِالتَّخْيِيرِ وَاعْتِبَارِ الْمُجْتَهِدِينَ وَالصَّحَابَةِ فَلَا يُعَارِضُهُ سَلَّمْنَا الْمُعَارَضَةَ لَكِنَّ الْأَوَّلَ صَحِيحٌ وَالثَّانِيَ ضَعِيفٌ وَذَكَرَ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ أَنَّ الْقَائِلِينَ بهذا الْمَذْهَبِ أَرَادُوا التَّرْجِيحَ لِقَوْلِهِمْ على قَوْلِ غَيْرِهِمْ لِفَضْلِ سَبْقِهِمْ وَتَعَدُّدِهِمْ وَطُولِ صُحْبَتِهِمْ وَعِنْدَنَا أَنَّ التَّرْجِيحَ إنَّمَا يُطْلَبُ بِهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ لَا الْعِلْمِ فَائِدَةٌ عُقُودُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَحِمَاهُمْ إذَا عَقَدَ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ عَقْدًا أو حَمَوْا حِمًى لَزِمَ وَلَا يُنْتَقَضُ على أَصَحِّ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ حَكَاهُ أبو حَامِدٍ في الرَّوْنَقِ وَمِمَّنْ حَكَى الْقَوْلَ فيه صَاحِبُ التَّلْخِيصِ في بَابِ الْإِحْيَاءِ وَاسْتَقَرَّ بِهِ السِّنْجِيُّ في شَرْحِهِ وقال يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ قَالَهُ على قِيَاسِ التَّقْدِيمِ في تَقْلِيدِ الصَّحَابِيِّ وَأَمَّا أَصْحَابُنَا على قَوْلِهِ الْجَدِيدِ فَسَوَّوْا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ من بَعْدَهُمْ ا هـ وَالْأَحْسَنُ ما قَالَهُ صَاحِبُ الرَّوْنَقِ الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ الْعِبْرَةُ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ كل عَصْرٍ وِفَاقَ من سَيُوجَدُ لَا يُعْتَبَرُ اتِّفَاقًا حَكَاهُ ابن الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ إذْ لو اُعْتُبِرَ لَمَا اسْتَمَرَّ إجْمَاعٌ وَلَا يُعْتَدَّ بِخِلَافِ ابْنِ عِيسَى الْوَرَّاقِ وَأَبِي عبد الرحمن الشَّافِعِيِّ فِيمَا حَكَاهُ عنهما الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَلَا يُطْلَبُ في هذه وِفَاقُ الظَّاهِرِيَّةِ في قَوْلِهِمْ لَا يُعْتَبَرُ إلَّا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُمْ مُنْكِرُونَ اعْتِبَارَ أَهْلِ الْعَصْرِ الْحَاضِرِينَ فَضْلًا عَمَّنْ سَيُوجَدُ وَإِنَّمَا الْوِفَاقُ الْمَذْكُورُ هو من الْقَائِلِينَ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ كل عَصْرٍ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ الْمُتَرْجِمَةُ أَنَّهُ هل يُعْتَبَرُ اتِّفَاقُ كل الْمُسْلِمِينَ في سَائِرِ الْأَعْصَارِ وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ كل عَصْرٍ أَمَّا وِفَاقُ من سَيُوجَدُ فَلَا يُعْتَبَرُ أَيْضًا فإذا حَدَثَتْ حَادِثَةٌ لم يَتَقَدَّمْ فيها قَوْلٌ لِمَنْ سَلَفَ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ بِقَوْلِ أَهْلِ ذلك الْعَصْرِ لِأَنَّ ذلك لو اُعْتُبِرَ لَمَا انْعَقَدَ أَبَدًا إجْمَاعٌ حَكَاهُ عبد الْوَهَّابِ ولم يذكر فيه خِلَافًا
  83. وَأَمَّا قَوْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي على خَطَأٍ فَلَا يُخَالِفُ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ من جِهَةِ أَنَّ لَفْظَ الحديث يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ من صَدَّقَ بِهِ وَقْتَ مَبْعَثِهِ وَإِلَى الْأَبَدِ لِأَنَّا عَلِمْنَا بِقَصْدِهِ من هذا أَنَّهُ على وَجْهِ التَّكْلِيفِ وَالِالْتِزَامِ يَمْنَعُ من هذا الْقَوْلِ الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ في زَمَنِ الرَّسُولِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ في زَمَانِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم كما ذَكَرَهُ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وَالْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وَغَيْرُهُمَا لِأَنَّ قَوْلُهُمْ دُونَهُ لَا يَصِحُّ وَإِنْ كان مَعَهُمْ فَالْحُجَّةُ في قَوْلِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ ذَكَرْنَاهُ في بَابِ النَّسْخِ إذْ جَوَّزْنَا لهم الِاجْتِهَادَ في زَمَانِهِ كما هو الصَّحِيحُ فَلَعَلَّهُمْ اجْتَهَدُوا في مَسْأَلَةٍ وَأَجْمَعُوا عليها من غَيْرِ عِلْمِهِ بِهِمْ وقد نَقَلَ الْقَرَافِيُّ عن أبي إِسْحَاقَ وَابْنِ بَرْهَانٍ جَوَازَ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ في زَمَانِهِ قال وَشُهُودُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِالْعِصْمَةِ مُتَنَاوِلٌ لِمَا في زَمَانِهِ وما بَعْدَهُ لَكِنَّ الْمَشْهُورَ الْأَوَّلُ وَاَلَّذِي وَجَدْته في الْأَوْسَطِ لِابْنِ بَرْهَانٍ في الْكَلَامِ على
  84. حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً بَعْدَ مَوْتِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ الْإِجْمَاعُ في الْعُصُورِ الْمُتَأَخِّرَةِ هل يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ في زَمَانِنَا لَا نَصَّ فيه وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ فيه خِلَافٌ مَبْنِيٌّ على أَنَّ عَصْرَنَا هل يَخْلُو عن الْمُجْتَهِدِ أَمْ لَا فَإِنْ قُلْنَا لَا يَخْلُو فَلَا شَكَّ في انْعِقَادِهِ وَإِنْ قُلْنَا خِلَافٌ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ لَا يَنْعَقِدُ وَإِنْ كان هُنَاكَ مُجْتَهِدُونَ في الْمَذَاهِبِ وَنَاظِرُونَ في الشَّرِيعَةِ ولم يَتَرَقَّوْا إلَى رُتْبَةِ الِاجْتِهَادِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ وَلَيْسَتْ هذه مَسْأَلَةَ اعْتِبَارِ الْعَوَامّ في الْإِجْمَاعِ وَالدَّلِيلُ على ذلك أَنَّ حُجَّةَ الْإِجْمَاعِ إمَّا من السَّمْعِ وهو عَدَمُ اجْتِمَاعِ الْأُمَّةِ على خِلَافِهِ أو من الْعَقْلِ وهو أَنَّ الْجَمَّ الْغَفِيرَ لَا يَقْدِرُونَ على قَاطِعٍ وَهَؤُلَاءِ جَمْعٌ كَثِيرٌ وَهَذَا الْمَوْجُودُ فِيهِمْ ظُهُورُ الْإِجْمَاعِ وَانْتِشَارُهُ في الْعَصْرِ الذي وَقَعَ فيه الشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ يَظْهَرَ في الْعَصْرِ حتى يَعْلَمَ أَهْلُ الْعَصْرِ الثَّانِي وقد يُقْتَرَنُ ظُهُورُهُ بِالْعَمَلِ وقد يَكُونُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ جميعا فَأَمَّا ظُهُورُهُ بِالْقَوْلِ إذَا وُجِدَ صَحَّ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ بِهِ وَحَكَى الرُّويَانِيُّ وابن السَّمْعَانِيِّ عن بَعْضِهِمْ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ بِالْقَوْلِ حتى يَقْتَرِنَ بِهِ الْفِعْلُ لِيَكْمُلَ في نَفْسِهِ قال وَهَذَا ليس بِصَحِيحٍ لِأَنَّ حُجَجَ الْأَقْوَالِ آكَدُ من حُجَجِ الْأَفْعَالِ حُجِّيَّةُ الْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ ثُمَّ قد يَكُونُ الْقَوْلُ من الْجَمِيعِ وَلَا شَكَّ وقد يَكُونُ من بَعْضِهِمْ وَسُكُوتُ الْبَاقِينَ بَعْدَ انْتِشَارِهِ من غَيْرِ أَنْ يَظْهَرَ مَعَهُمْ اعْتِرَافٌ أو رِضًا بِهِ وَهَذَا هو الْإِجْمَاعُ السُّكُوتِيُّ وَفِيهِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ مَذْهَبًا أَحَدُهَا أَنَّهُ ليس بِإِجْمَاعٍ وَلَا حُجَّةٍ وَحُكِيَ عن دَاوُد وَابْنِهِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ وَعَزَاهُ جَمَاعَةٌ إلَى الشَّافِعِيِّ منهم الْقَاضِي وَاخْتَارَهُ وقال إنَّهُ آخِرُ أَقْوَالِهِ وَلِهَذَا قال الْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ وَالْإِمَامُ الرَّازِيَّ وَالْآمِدِيَّ إنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عليه في الْجَدِيدِ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إنَّهُ ظَاهِرُ مَذْهَبِهِ وَلِهَذَا قال وَلَا يُنْسَبُ إلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ قال وَهِيَ من عِبَارَاتِهِ الرَّشِيقَةِ قُلْت وَمَعْنَاهُ لَا يُنْسَبُ إلَى سَاكِتٍ تَعْيِينُ قَوْلٍ لِأَنَّ السُّكُوتَ يَحْتَمِلُ
  85. التَّصْوِيبَ أو لِتَسْوِيغِ الِاجْتِهَادِ أو الشَّكِّ فَلَا يُنْسَبُ إلَيْهِ تَعْيِينٌ وَإِلَّا فَهُوَ قَائِلٌ بِأَحَدِ هذه الْجِهَاتِ قَطْعًا ثُمَّ هذا بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ أَعْنِي أَنْ لَا يُنْسَبَ إلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ إلَّا بِدَلِيلِ على أَنَّ سُكُوتَهُ كَالْقَوْلِ أو حَقِيقَةٍ لِأَنَّ السُّكُوتَ عَدَمٌ مَحْضٌ وَالْأَحْكَامُ لَا تُسْتَفَادُ من الْعَدَمِ وَلِهَذَا لو أَتْلَفَ إنْسَانٌ مَالَ غَيْرِهِ وهو سَاكِتٌ يَضْمَنُ الْمُتْلَفُ أَمَّا إذَا قام الدَّلِيلُ على نِسْبَةِ الْقَوْلِ إلَى السَّاكِتِ عُمِلَ بِهِ لِقَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم في الْبِكْرِ إذْنُهَا صُمَاتُهَا وَقَوْلُنَا إنَّ إقْرَارَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم على قَوْلٍ أو فِعْلٍ مع عِلْمِهِ بِهِ وَقُدْرَتِهِ على إنْكَارِهِ حُجَّةٌ وَسُكُوتُ أَحَدِ الْمُتَنَاظِرَيْنِ عن الْجَوَابِ لَا يُعَدُّ انْقِطَاعًا في التَّحْقِيقِ إلَّا بِإِقْرَارِهِ أو قَرِينَةٍ حَالِيَّةٍ ظَاهِرَةٍ وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ السُّكُوتِ لَا يَدُلُّ على الِانْقِطَاعِ لِتَرَدُّدِهِ بين اسْتِحْضَارِ الدَّلِيلِ وَتَرَفُّعِهِ عن الْخَصْمِ لِظُهُورِ بَلَادَتِهِ أو تَعْظِيمِهِ أو إجْلَالِهِ عن انْقِطَاعِهِ معه وَالثَّانِي أَنَّهُ إجْمَاعٌ وَحُجَّةٌ قال الْبَاجِيُّ وهو قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا الْمَالِكِيِّينَ وَالْقَاضِي أبي الطَّيِّبِ وَشَيْخِنَا أبي إِسْحَاقَ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ انْتَهَى وقال ابن بَرْهَانٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ كَافَّةُ الْعُلَمَاءِ منهم الْكَرْخِيّ وَنَصَّ ابن السَّمْعَانِيِّ وَالدَّبُوسِيُّ في التَّقْوِيمِ وقال عبد الْوَهَّابِ هو الذي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ عن الشَّافِعِيِّ فإنه لَمَّا حَكَى الْقَوْلَيْنِ الْمُتَعَاكِسَيْنِ في التَّفْصِيلِ بين الْفَتْوَى وَالْحُكْمِ قال وَعِلَّةُ كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُوجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إجْمَاعًا وَهَذَا مُفَسَّرٌ بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ إنَّ قَوْلَ الْوَاحِدِ إذَا انْتَشَرَ فَإِجْمَاعٌ وَلَا يَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ هذا كَلَامُهُ وقال النَّوَوِيُّ في شَرْحِ الْوَسِيطِ لَا تَغْتَرَّنَّ بِإِطْلَاقِ الْمُتَسَاهِلِ الْقَائِلِ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ السُّكُوتِيَّ ليس بِحُجَّةٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ بَلْ الصَّوَابُ من مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ حُجَّةٌ وَإِجْمَاعٌ وهو مَوْجُودٌ في كُتُبِ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ في الْأُصُولِ وَمُقَدِّمَاتِ كُتُبِهِمْ
  86. الْمَبْسُوطَةِ في الْفُرُوعِ كَتَعْلِيقَةِ الشَّيْخِ أبي حَامِدٍ وَالْحَاوِي وَمَجْمُوعِ الْمَحَامِلِيِّ وَالشَّامِلِ وَغَيْرِهِمْ انْتَهَى وَيَشْهَدُ له أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى احْتَجَّ في كِتَابِ الرِّسَالَةِ لِإِثْبَاتِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَبِالْقِيَاسِ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ عَمِلَ بِهِ ولم يَظْهَرْ من الْبَاقِينَ إنْكَارٌ لِذَلِكَ فَكَانَ ذلك إجْمَاعًا إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَلَ ذلك نَصًّا عن جَمِيعِهِمْ بِحَيْثُ لَا يَشِذُّ منهم أَحَدٌ وَإِنَّمَا نُقِلَ عن جَمْعٍ مع الِاشْتِهَارِ بِسُكُوتِ الْبَاقِينَ لَكِنَّهُ صَرَّحَ في مَوْضِعٍ آخَرَ من الْأُمِّ بِخِلَافِهِ فقال وقد ذُكِرَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَسَّمَ فَسَوَّى بين الْحُرِّ وَالْعَبْدِ ولم يُفَضِّلْ بين أَحَدٍ بِسَابِقَةٍ وَلَا نَسَبٍ ثُمَّ قَسَّمَ عُمَرُ فَأَلْغَى الْعَبْدَ وَفَضَّلَ بِالنَّسَبِ وَالسَّابِقَةِ ثُمَّ قَسَّمَ عَلِيٌّ فَأَلْغَى الْعَبِيدَ وَسَوَّى بين الناس ولم يَمْنَعْ أَحَدٌ من أَخْذِ ما أَعْطَوْهُ قال وَفِيهِ دَلَالَةٌ على أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ لِحَاكِمِهِمْ وَإِنْ كان رَأْيُهُمْ على خِلَافِ رَأْيِهِ قال فَلَا يُقَالُ لِشَيْءٍ من هذا إجْمَاعٌ وَلَكِنْ يُنْسَبُ إلَى أبي بَكْرٍ فِعْلُهُ وَإِلَى عُمَرَ فِعْلُهُ وَإِلَى عَلِيٍّ فِعْلُهُ وَلَا يُقَالُ لِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ أَخَذَ منهم مُوَافَقَةٌ وَلَا اخْتِلَافٌ وَلَا يُنْسَبُ إلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ وَلَا عَمَلٌ وَإِنَّمَا يُنْسَبُ إلَى كُلٍّ قَوْلُهُ وَعَمَلُهُ وفي هذا ما يَدُلُّ على
  87. أَنَّ ادِّعَاءَ الْإِجْمَاعِ في كَثِيرٍ من خَاصِّ الْأَحْكَامِ ليس كما يقول من يَدَّعِيهِ ا هـ وَحِينَئِذٍ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ له في الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ كما حَكَاهُ ابن الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَنْزِلَ الْقَوْلَانِ على حَالَيْنِ فَقَوْلُ النَّفْيِ على ما إذَا صَدَرَ من حَاكِمٍ وَقَوْلُ الْإِثْبَاتِ على ما إذَا صَدَرَ من غَيْرِهِ وَالنَّصُّ الذي سُقْنَاهُ من الرِّسَالَةِ شَاهِدٌ لِذَلِكَ وهو يُؤَيِّدُ تَفْصِيلَ أبي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ الْآتِيَ وَذَكَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ في تَنْزِيلِ الْقَوْلَيْنِ طَرِيقِينَ أَحَدَهُمَا حَيْثُ أَثْبَتَ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ إجْمَاعٌ أَرَادَ بِذَلِكَ عَصْرَ الصَّحَابَةِ كما اسْتَدَلَّ بِهِ لِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ وَحَيْثُ قال لَا يُنْسَبُ لِسَاكِتٍ قَوْلٌ أَرَادَ بِذَلِكَ من بَعْدَهُمْ وَهَذَا أَوْلَى من أَنْ يُجْعَلَ له في الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ مُتَنَاقِضَانِ كما ظَنَّ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ في الْمَعَالِمِ وَيَشْهَدُ لِهَذَا ما سَيَأْتِي من كَلَامِ جَمَاعَةٍ تَخْصِيصُ الْمَسْأَلَةِ بِعَصْرِ الصَّحَابَةِ وَالثَّانِيَ أَنْ يُحْمَلَ نَفْيُهُ على ما لم يَكُنْ من الْقَضَايَا التي تَعُمُّ بها الْبَلْوَى وَيُحْمَلُ الْقَوْلُ الْآخَرُ على ما إذَا كانت كَذَلِكَ كما اخْتَارَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَبِالْقِيَاسِ مِمَّا يَتَكَرَّرُ وَتَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَكُلٌّ من هَذَيْنِ الطَّرِيقِينَ مُحْتَمَلٌ وقد ذَكَرَ ابن التِّلِمْسَانِيِّ الثَّانِيَ مِنْهُمَا قُلْت النَّصُّ الذي سُقْنَاهُ من الْأُمِّ يَدْفَعُ كُلًّا من الطَّرِيقَيْنِ فإنه نَفَاهُ في عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَفِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَيَحْتَمِلُ ثَالِثَةً وَهِيَ التَّعْمِيمُ وقال ابن الْقَطَّانِ هو في مَعْنَى الْإِجْمَاعِ وَإِنْ كنا نُسَمِّيهِ إجْمَاعًا فَهُوَ من طَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ وَلَا يُعَارِضُ هذا قَوْلَ الشَّافِعِيِّ من نَسَبَ إلَى سَاكِتٍ قَوْلًا فَقَدْ أَخْطَأَ فَإِنَّا لم نَقُلْ إنَّهُمْ قالوا وَإِنَّمَا نَسْتَدِلُّ بِهِ على رِضَاهُمْ لِأَنَّ اللَّهَ وَصَفَ أُمَّتَنَا بِأَنَّهُمْ آمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ نَاهُونَ عن الْمُنْكَرِ وَلَوْ كان هذا الْقَوْلُ خَطَأً ولم يُنْكِرْهُ لَزِمَ وُقُوعُ خِلَافِ الْخَبَرِ وقال الرَّافِعِيُّ في الشَّرْحِ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ السُّكُوتِيَّ حُجَّةٌ
  88. وَهَلْ هو إجْمَاعٌ فيه وَجْهَانِ ولم يُرَجِّحْ شيئا وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ إجْمَاعٌ فَقَدْ قال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في شَرْحِ اللُّمَعِ إنَّهُ الْمَذْهَبُ وقال الرُّويَانِيُّ في أَوَائِلِ الْبَحْرِ إنَّهُ حُجَّةٌ مَقْطُوعٌ بها وَهَلْ يَكُونُ إجْمَاعًا فيه قَوْلَانِ وَقِيلَ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا وَبِهِ قال الْأَكْثَرُونَ إنَّهُ يَكُونُ إجْمَاعًا لِأَنَّهُمْ لَا يَسْكُتُونَ على الْمُنْكَرِ وَالثَّانِي الْمَنْعُ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ قال لَا يُنْسَبُ إلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ قال وَهَذَا الْخِلَافُ رَاجِعٌ إلَى الِاسْمِ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ حُجَّةٌ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ وَيَحْرُمُ مُخَالَفَتُهُ قَطْعًا وقال الْخُوَارِزْمِيُّ في الْكَافِي إذَا لم يُنْقَلْ عَنْهُمْ رِضًا وَلَا إنْكَارٌ وَانْقَرَضَ الْعَصْرُ فَذَهَبَ بَعْضٌ إلَى أَنَّ قَوْلَهُ ليس بِإِجْمَاعٍ وَلَا حُجَّةٍ وقال عَامَّةُ أَصْحَابِنَا حُجَّةٌ لِأَنَّ سُكُوتَهُمْ حتى انْقَرَضُوا مع إضْمَارِهِمْ الْإِنْكَارَ بَعِيدٌ وَهَلْ يَكُونُ إجْمَاعًا فيه وَجْهَانِ وَنَحْوُهُ قَوْلُ الْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في تَسْمِيَتِهِ إجْمَاعًا مع اتِّفَاقِهِمْ على وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ وَالْقَطْعُ بِهِ على اللَّهِ تَعَالَى وقال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ في أَوَّلِ تَعْلِيقِهِ في الْفِقْهِ هو حُجَّةٌ مَقْطُوعٌ بها وفي تَسْمِيَتِهِ إجْمَاعًا وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا الْمَنْعُ وَإِنَّمَا هو حُجَّةٌ كَالْخَبَرِ وَالثَّانِي يُسَمَّى إجْمَاعًا وهو قَوْلٌ لنا ا هـ قال ابن الرِّفْعَةِ في الْمَطْلَبِ الذي صَرَّحَ بِهِ الْفَرْعِيُّونَ من أَصْحَابِنَا في أَوَائِلِ كُتُبِهِمْ أَنَّهُ حُجَّةٌ وقال الرَّافِعِيُّ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ حُجَّةٌ وَهَلْ هو إجْمَاعٌ أَمْ لَا فيه وَجْهَانِ الثَّالِثُ أَنَّهُ حُجَّةٌ وَلَيْسَ بِإِجْمَاعٍ وَحَكَاهُ أبو الْحُسَيْنِ في الْمُعْتَمَدِ عن أبي هَاشِمٍ وهو أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَنَا كما سَبَقَ من كَلَامِ الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ في اللُّمَعِ وابن بَرْهَانٍ عن الصَّيْرَفِيِّ وَكَذَا رَأَيْته في كِتَابِهِ فقال هو حُجَّةٌ لَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ عنه وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ إجْمَاعٌ مُطْلَقًا لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ ما عَلِمْنَا فيه مُوَافَقَةَ الْجَمَاعَةِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ وَإِنَّمَا قِيلَ بهذا الْقَوْلِ لِأَنَّ الْخِلَافَ مَعْدُومٌ وَالْقَوْلُ في أَهْلِ الْحُجَّةِ شَائِعٌ انْتَهَى وَكَذَا قال في شَرْحِ الرِّسَالَةِ عَمَلُ الصَّحَابِيِّ مُنْتَشِرٌ في الصَّحَابَةِ لَا يُنْكِرُهُ مُنْكِرٌ حتى انْقَرَضَ الْعَصْرُ فَهُوَ حُجَّةٌ لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ لَا من جِهَةِ الِاتِّفَاقِ وَلَكِنْ لِعَدَمِ الْخِلَافِ من أَهْلِ الْحُجَّةِ وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وَوَافَقَهُ ابن الْحَاجِبِ في الْكَبِيرِ وَرَدَّدَ في الصَّغِيرِ اخْتِيَارَهُ بين أَنْ يَكُونَ إجْمَاعًا أو حُجَّةً وَقَيَّدَ الْآمِدِيُّ هذا في مَوْضِعٍ آخَرَ بِمَا قبل انْقِرَاضِ أَهْلِ الْعَصْرِ فَأَمَّا بَعْدَهُ فإنه يَكُونُ إجْمَاعًا وَذَكَرَ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَالْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ أَنَّ مُعْتَمَدَ الْقَائِلِينَ بهذا من أَصْحَابِنَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لَا يُنْسَبُ إلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ وَلْيُعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخِلَافِ هُنَا
  89. وَأَنَّهُ ليس بِإِجْمَاعٍ أَيْ قَطْعِيٍّ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ ابن بَرْهَانٍ عن الصَّيْرَفِيِّ وَكَذَا ابن الْحَاجِبِ وَإِلَّا فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ فَكَيْفَ يَنْقَسِمُ الشَّيْءُ إلَى نَفْسِهِ وقد سَبَقَ في أَوَّلِ الْبَابِ حِكَايَةُ خِلَافٍ في أَنَّ لَفْظَ الْإِجْمَاعِ هل يُطْلَقُ على الْقَطْعِيِّ وَالظَّنِّيِّ أو يَخْتَصُّ بِالْقَطْعِيِّ وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّ السُّكُوتِيَّ حُجَّةٌ مُثِيرَةٌ لِلظَّنِّ اخْتَلَفُوا في أَنَّهُ قَطْعِيٌّ أَمْ ظَنِّيٌّ فقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ وأبو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ وَالْبَنْدَنِيجِيّ إنَّهُ مَقْطُوعٌ بِهِ أَيْ أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى ما ظَنَنَّاهُ لَا الْقَطْعَ بِحُصُولِ الْإِجْمَاعِ وقال آخَرُونَ بَلْ ظَنِّيٌّ تَنْبِيهٌ لم يَقُلْ أَحَدٌ إنَّهُ إجْمَاعٌ لَا حُجَّةٌ قال الْهِنْدِيُّ لم يَصِرْ أَحَدٌ إلَى عَكْسِ هذا أَعْنِي إلَى أَنَّهُ إجْمَاعٌ لَا حُجَّةٌ وَيُمْكِنُ الْقَوْلُ بِهِ كَالْإِجْمَاعِ الْمَرْوِيِّ بِالْآحَادِ عِنْدَ من لم يَقُلْ بِحُجِّيَّتِهِ الشَّرْطُ الرَّابِعُ أَنَّهُ إجْمَاعٌ بِشَرْطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ لِأَنَّهُ لَا يَبْعُدُ مع ذلك أَنْ يَكُونَ السُّكُوتُ لَا عن رِضًا وَبِهِ قال أبو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ وَأَحْمَدُ في رِوَايَةٍ وَنَقَلَهُ ابن فُورَكٍ في كِتَابِهِ عن أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا مِثْلِ أبي بَكْرٍ وَأَبِي إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِمْ وقال إنَّهُ الصَّحِيحُ وَنَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أبو طَاهِرٍ الْبَغْدَادِيُّ عن الْحُذَّاقِ من أَصْحَابِنَا وَاخْتَارَهُ ابن الْقَطَّانِ قال لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ له فيه رَأْيٌ فَيَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْعَصْرَ إذَا انْقَرَضَ ولم يُخَالِفُوا أَنَّ ذلك حَقٌّ وَاخْتَارَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ أَيْضًا وَكَذَا الرُّويَانِيُّ في أَوَّلِ الْبَحْرِ بِشَرْطٍ في هذا الذي ذَكَرْنَاهُ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ عليه حتى يُحْكَمَ بِكَوْنِهِ حُجَّةً قَطْعًا وَإِجْمَاعًا فَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمْ صَحَّ رُجُوعُهُ وَعُدَّ خِلَافُهُ خِلَافًا وقال الرَّافِعِيُّ إنَّهُ أَصَحُّ الْأَوْجُهِ عِنْدَ الْأَصْحَابِ وقال الشَّيْخُ في اللُّمَعِ إنَّهُ الْمَذْهَبُ قال فَأَمَّا ما قبل الِانْقِرَاضِ فَفِيهِ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ ليس بِحُجَّةٍ قَطْعًا وَالثَّانِيَةُ على وَجْهَيْنِ وَكَلَامُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ صَرِيحٌ في أَنَّ الْقَائِلِينَ بهذا هُمْ الْمُشْتَرِطُونَ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ في الْإِجْمَاعِ الشَّرْطُ الْخَامِسُ أَنَّهُ إجْمَاعٌ إنْ كان فُتْيَا لَا حُكْمًا وَبِهِ قال ابن أبي هُرَيْرَةَ كَذَا حَكَاهُ عنه الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وابن السَّمْعَانِيُّ وَالْآمِدِيَّ وابن الْحَاجِبِ
  90. وَاَلَّذِي في الْبَحْرِ لِلرُّويَانِيِّ وَالْأَوْسَطِ لِابْنِ بَرْهَانٍ وَالْمَحْصُولِ لِلْإِمَامِ الرَّازِيَّ عنه لَا إنْ كان من حَاكِمٍ وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ إذْ لَا يَلْزَمُ من صُدُورِهِ عن الْحَاكِمِ أَنْ يَكُونَ قَالَهُ على وَجْهِ الْحُكْمِ وَالْأَوَّلُ ظَاهِرُ نَقْلِ أبي الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ عنه فإنه صَوَّرَ الْمَسْأَلَةَ بِمَا إذْ أَجْرَى سُكُوتَهُمْ على حُكْمٍ حَكَمَتْ بِهِ الْأَئِمَّةُ وَعِبَارَةُ الرُّويَانِيُّ عنه لَا إنْ كان من إمَامٍ أو حَاكِمٍ قال وَالْأَكْثَرُونَ من أَصْحَابِنَا قالوا لَا فَرْقَ بين الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ وقد خَالَفَ الصَّحَابَةُ في الْجَدِّ وَعُمَرُ في الْمُشْتَرِكَةِ وَغَيْرِ ذلك على أَنَّا إنْ اعْتَبَرْنَا في هذا انْقِرَاضَ الْعَصْرِ وَمُحَابَاةَ الْإِمَامِ أو الْحَاكِمِ اخْتَصَّ مَجْلِسُ حُكْمِهِ دُونَ غَيْرِهِ قال وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدِي فَعَلَى هذا الْقَوْلِ يَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ وَحْدَهُ هل يُتْرَكُ بِهِ الْقِيَاسُ قَوْلَانِ وقال الْخُوَارِزْمِيُّ في الْكَافِي لو ظَهَرَ هذا من الْإِمَامِ أو الْحَاكِمِ إمَّا بِطَرِيقِ الْفَتْوَى أو الْقَضَاءِ فقال أبو عَلِيٍّ بن أبي هُرَيْرَةَ لَا يَكُونُ حُجَّةً لِأَنَّ الْإِمَامَ لَا يَعْتَرِضُ عليه فَلَا يَكُونُ سُكُوتُهُمْ دَلِيلَ الرِّضَا قال وَغَيْرُهُ مِمَّنْ ذَهَبَ إلَى هذا الْقَوْلِ لَا يُفَرِّقُ بين الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ وَمُحَابَاةُ الْحَاكِمِ وَالْإِمَامِ مُخْتَصٌّ بِمَجْلِسِ الْحُكْمِ ا هـ وَنَقَلَ ابن السَّمْعَانِيِّ عن ابْنِ أبي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ احْتَجَّ بهذا بِأَنَّا نَحْضُرُ مَجْلِسَ بَعْضِ الْحُكَّامِ وَنَرَاهُمْ يَقْضُونَ بِخِلَافِ مَذْهَبِنَا وَلَا نُنْكِرُ ذلك عليهم فَلَا يَكُونُ سُكُوتُنَا رِضًا مِنَّا بِذَلِكَ قال ابن السَّمْعَانِيِّ وهو تَقْرِيرٌ حَسَنٌ لَا بَأْسَ بِهِ وهو نَافِعٌ جِدًّا في صُورَتَيْ الْإِيرَادِ في مَسْأَلَةِ مِيرَاثِ الْمَبْتُوتَةِ وَمَسْأَلَةِ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ مع وُجُودِ الصِّغَارِ من الْوَرَثَةِ فإنه قد انْتَشَرَ قَضَاءُ عُثْمَانَ في مِيرَاثِ الْمَبْتُوتَةِ وَكَذَلِكَ قَتَلَ الْحُسَيْنُ بن عَلِيٍّ ابْنَ مُلْجِمٍ قِصَاصًا مع وُجُودِ الْوَرَثَةِ الصِّغَارِ وَانْتَشَرَ كِلَا الْأَمْرَيْنِ بين الصَّحَابَةِ ولم يَكُنْ مُخَالِفٌ وَمَعَ ذلك لم يُقَدِّمُوا ذلك على الْقِيَاسِ على أَنَّهُ قد نُقِلَ عن الزُّبَيْرِ وَابْنِ عَوْفٍ مُخَالَفَةُ عُثْمَانَ وَأَمَّا قَتْلُ الْحُسَيْنِ لِابْنِ مُلْجِمٍ فَفِيهِ كَلَامٌ كَثِيرٌ وَأَيْضًا فإن الصَّحَابَةَ في ذلك الْوَقْتِ كَانُوا مُتَفَرِّقِينَ لِكَثْرَةِ الْفِتَنِ إذْ ذَاكَ قال وَمِمَّا يُضَمُّ إلَى هذا أَنَّ الْحُكْمَ الصَّادِرَ من الْأَئِمَّةِ لَا يُمَاثِلُ الْفَتْوَى الصَّادِرَةَ من الْمُفْتِي وَحِفْظُ الْأَدَبِ في تَرْكِ الِاعْتِرَاضِ على الْأَئِمَّةِ الشَّرْطُ السَّادِسُ عَكْسُهُ قَالَهُ أبو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ مُعْتَلًّا بِأَنَّ الْأَغْلَبَ أَنَّ الصَّادِرَ
  91. من الْحَاكِمِ يَكُونُ على مُشَاوَرَةٍ وَهَذَا الْقَوْلُ حَكَاهُ ابن الْقَطَّانِ عن أبي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَالصَّيْرَفِيِّ إلَّا أَنَّهُ خَصَّهُ بِشَيْءٍ وَعِبَارَتُهُ إذَا سَكَتُوا عن حُكْمِ الْأَئِمَّةِ حتى انْقَرَضَ الْعَصْرُ فإن أَصْحَابَنَا اخْتَلَفُوا فيه إذَا جَرَى على حُكْمِهِ فَمِنْهُمْ من يقول إنَّهُ إجْمَاعٌ انْتَهَى ثُمَّ اخْتَارَ آخِرًا قَوْلَ ابْنِ أبي هُرَيْرَةَ وفي هذا النَّقْلِ فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا اشْتِرَاطُ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ على هذا الْقَوْلِ وَالثَّانِيَةُ أَنَّ الْقَائِلَ بِالْأَوَّلِ هو أبو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ لَا الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ لِأَنَّ ابْنَ الْقَطَّانِ أَقْدَمُ منه وَإِنَّمَا قُلْنَا ذلك لِأَنَّ الْهِنْدِيَّ في نِهَايَتِهِ نَقَلَهُ عن الْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ وفي الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَةٌ أُخْرَى وَهِيَ التي أَوْرَدَهَا ابن كَجٍّ في كِتَابِهِ إنْ كان على جِهَةِ الْفُتْيَا فَهُوَ إجْمَاعٌ لِأَنَّهُمْ لَا يَسْكُتُونَ عن شَيْءٍ فيه تَرْكُ الدِّينِ وَهَلْ يُقْطَعُ على اللَّهِ عز وجل أَمْ لَا فيه وَجْهَانِ وَإِنْ كان حُكْمًا وَانْقَرَضَ ذلك الْعَصْرُ ولم يَظْهَرْ له مُخَالِفٌ فَهُوَ على وَجْهَيْنِ أَحَدِهِمَا أَنَّهُ إجْمَاعٌ كَالْفُتْيَا وَالثَّانِي لَا الشَّرْطُ السَّابِعُ إنْ وَقَعَ في شَيْءٍ يَفُوتُ اسْتِدْرَاكُهُ من إرَاقَةِ دَمٍ أو اسْتِبَاحَةِ فَرْجٍ كان إجْمَاعًا وَإِلَّا فَهُوَ حُجَّةٌ وفي كَوْنِهِ إجْمَاعًا وَجْهَانِ الشَّرْطُ الثَّامِنُ إنْ كان السَّاكِتُونَ أَقَلَّ كان إجْمَاعًا وَإِلَّا فَلَا وَاخْتَارَهُ الرَّازِيَّ وَحَكَاهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ عن الشَّافِعِيِّ وهو غَرِيبٌ لَا يَعْرِفُهُ أَصْحَابُهُ الشَّرْطُ التَّاسِعُ إنْ كان في عَصْرِ الصَّحَابَةِ كان إجْمَاعًا وَإِلَّا فَلَا وقال الْمَاوَرْدِيُّ في الْحَاوِي وَالرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ إنْ كان في غَيْرِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ فَلَا يَكُونُ انْتِشَارُ قَوْلِ الْوَاحِدِ منهم مع إمْسَاكِ غَيْرِهِ إجْمَاعًا وَلَا حُجَّةً وَإِنْ كان في عَصْرِ الصَّحَابَةِ فإذا قال الْوَاحِدُ منهم قَوْلًا أو حَكَمَ بِهِ فَأَمْسَكَ الْبَاقُونَ فَهَذَا ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَفُوتُ اسْتِدْرَاكُهُ كَإِرَاقَةِ دَمٍ أو اسْتِبَاحَةِ فَرْجٍ فَيَكُونُ إجْمَاعًا لِأَنَّهُمْ لو اعْتَقَدُوا خِلَافَهُ لَأَنْكَرُوهُ إذْ لَا يَصِحُّ منهم أَنْ يَتَّفِقُوا على تَرْكِ إنْكَارِ مُنْكَرٍ وَإِنْ كان مِمَّا لَا يَفُوتُ اسْتِدْرَاكُهُ كان حُجَّةً لِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَخْرُجُ عن غَيْرِهِمْ وفي كَوْنِهِ إجْمَاعًا يَمْنَعُ الِاجْتِهَادَ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا أَحَدُهُمَا يَكُونُ إجْمَاعًا لَا يَسُوغُ معه الِاجْتِهَادُ وَالثَّانِي لَا يَكُونُ إجْمَاعًا وَسَوَاءٌ كان الْقَوْلُ فُتْيَا أو حُكْمًا على الصَّحِيحِ انْتَهَى
  92. على أَنَّ الْمَاوَرْدِيَّ أَلْحَقَ التَّابِعِينَ بِالصَّحَابَةِ في ذلك ذَكَرَهُ في بَابِ جَزَاءِ الصَّيْدِ من الْحَاوِي وَأَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُمَاثَلَةِ من الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ يَمْنَعُ من الِاجْتِهَادِ لِمَنْ بَعْدَهُمْ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْوَافِي هُنَاكَ إلْحَاقَ تَابِعِي التَّابِعِينَ لِأَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَثْنَى عليهم بِقَوْلِهِ خَيْرُ الناس قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ وَصَرَّحَ الرَّافِعِيُّ تَبَعًا لِلْقَاضِي الْحُسَيْنِ وَالْمُتَوَلِّي بِأَنَّ غَيْرَهُمْ من أَهْلِ الْأَعْصَارِ كَذَلِكَ الشَّرْطُ الْعَاشِرُ أَنَّهُ وَإِنْ كان ذلك مِمَّا يَدُومُ وَيَتَكَرَّرُ وُقُوعُهُ وَالْخَوْضُ فيه فإنه يَكُونُ السُّكُوتُ إجْمَاعًا وَهَذَا ما اخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في آخِرِ الْمَسْأَلَةِ وَأَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ إذَا فُرِضَ السُّكُوتُ في الزَّمَنِ الْيَسِيرِ وَنَحْوُهُ قَوْلُ الْغَزَالِيِّ في الْمَنْخُولِ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً إلَّا في صُورَتَيْنِ إحْدَاهُمَا سُكُوتُهُمْ وقد قَطَعَ بين أَيْدِيهِمْ قَاطِعٌ لَا في مَظِنَّةِ الْقَطْعِ وَالدَّوَاعِي تَتَوَفَّرُ على الرَّدِّ عليه الثَّانِيَةُ ما يَسْكُتُونَ عليه على اسْتِمْرَارِ الْعَصْرِ وَيَكُونُ الْوَاقِعُ بِحَيْثُ لَا يُبْدِي أَحَدٌ خِلَافًا فَأَمَّا إذَا حَضَرُوا مَجْلِسًا فَأَفْتَى وَاحِدٌ وَسَكَتَ آخَرُونَ فَذَلِكَ اعْتِرَاضٌ لِكَوْنِ الْمَسْأَلَةِ مَظْنُونَةً وَالْأَدَبُ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَعْتَرِضَ على الْقُضَاةِ وَالْمُفْتِينَ الشَّرْطُ الْحَادِيَ عَشَرَ أَنَّهُ إجْمَاعٌ قَطْعِيٌّ أو حُجَّةٌ ظَنِّيَّةٌ فَيُحْتَجُّ بِهِ على كُلٍّ من التَّقْدِيرَيْنِ وَنَحْنُ مُتَرَدِّدُونَ في أَيِّهِمَا أَرْجَحُ وَاخْتَارَهُ ابن الْحَاجِبِ في الصَّغِيرِ وَيَخْرُجُ من كَلَامِ الْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ حِكَايَةُ طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ فإنه حَكَى قَوْلًا أَنَّهُ إنْ كان حُكْمًا فَهُوَ إجْمَاعٌ أو فَتْوَى فَقَوْلَانِ وَحَكَى عَكْسَهُ أَيْضًا الشَّرْطُ الثَّانِيَ عَشَرَ أَنَّهُ إجْمَاعٌ بِشَرْطِ إفَادَةِ الْقَرَائِنِ الْعِلْمَ بِالرِّضَا أَيْ يُوجَدُ من قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ ما يَدُلُّ على رِضَى السَّاكِتِينَ بِذَلِكَ الْقَوْلِ وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ في الْمُسْتَصْفَى وقال بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ إنَّهُ أَحَقُّ الْأَقْوَالِ لِأَنَّ إفَادَةَ الْقَرَائِنِ الْعِلْمُ بِالرِّضَا كَإِفَادَةِ النُّطْقِ له فَيَصِيرُ كَالْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ من الْجَمِيعِ وَسَيَأْتِي أَنَّ هذا ليس من مَوْطِنِ الْخِلَافِ قال في الْقَوَاطِعِ وَالْمَسْأَلَةُ في غَايَةِ الْإِشْكَالِ من الْجَانِبَيْنِ قال وقد ذَكَرَ أبو الطَّيِّبِ في إثْبَاتِ الْإِجْمَاعِ في هذه الْمَسْأَلَةِ تَرْتِيبًا في الِاسْتِدْلَالِ اسْتَحْسَنَهُ فَأَوْرَدْتُهُ
  93. وَيَدْخُلُ فيه الْجَوَابُ عن كَلَامِهِمْ قال وَالدَّلِيلُ على ثُبُوتِ الْإِجْمَاعِ مَبْنِيٌّ على أَصْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ أَهْلَ الْعَصْرِ لَا يَجُوزُ إجْمَاعُهُمْ على الْخَطَأِ وَالثَّانِي أَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ وما عَدَاهُ بَاطِلٌ فإذا ثَبَتَ هَذَانِ الْأَصْلَانِ فَلَا يَخْلُو الْقَوْلُ الذي ظَهَرَ من أَنْ يَكُونَ حَقًّا أو بَاطِلًا فَإِنْ كان حَقًّا وَجَبَ اتِّبَاعُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ وَإِنْ كان بَاطِلًا فَلَا يَخْلُو عِنْدَ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ من أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ إمَّا أَنْ لَا يَكُونُوا اجْتَهَدُوا أو اجْتَهَدُوا ولم يُؤَدِّ اجْتِهَادُهُمْ إلَى شَيْءٍ يَجِبُ اعْتِقَادُهُ أو أَدَّى إلَى صِحَّةِ الذي ظَهَرَ خِلَافُهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ اجْتَهَدُوا لِأَنَّ الْعَادَةَ مُخَالِفَةٌ لِهَذَا وَلِأَنَّ النَّازِلَةَ إذَا نَزَلَتْ فَالْعَادَةُ أَنَّ كُلَّ أَهْلِ النَّظَرِ يَرْجِعُونَ إلَى النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ وَلِأَنَّ هذا يُؤَدِّي إلَى خُرُوجِ أَهْلِ الْعَصْرِ بَعْضُهُمْ بِتَرْكِ الِاجْتِهَادِ وَبَعْضُهُمْ بِالْعُدُولِ عن طَرِيقِ الصَّوَابِ وَهَذَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُمْ لَا يُجْمِعُونَ على الْخَطَأِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُمْ اجْتَهَدُوا فلم يُؤَدِّ اجْتِهَادُهُمْ إلَى شَيْءٍ يَجِبُ اعْتِقَادُهُ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى خَفَاءِ الْحَقِّ على جَمِيعِ الْأُمَّةِ وهو مُحَالٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُمْ اجْتَهَدُوا فَأَدَّى اجْتِهَادُهُمْ إلَى خِلَافِهِ إلَّا أَنَّهُمْ كَتَمُوا لِأَنَّ إظْهَارَ الْحَقِّ وَاجِبٌ لَا سِيَّمَا مع ظُهُورِ قَوْلٍ هو بَاطِلٌ وإذا بَطَلَتْ هذه الْوُجُوهُ دَلَّ على أَنَّهُمْ إنَّمَا سَكَتُوا لِرِضَاهُمْ بِمَا ظَهَرَ من الْقَوْلِ فَصَارَ كَالنُّطْقِ
  94. تنبيهان الأول قيود لا بد منها في الإجماع السكوتي لهذه المسألة قيود الأول أن يكون في مسائل التكليف فقول القائل عمار أفضل من حذيفة لا يدل السكوت فيه على شيء إذ لا تكليف على الناس فيه قاله ابن الصباغ في العدة وابن السمعاني في القواطع وأبو الحسين في المعتمد وغيرهم القيد الثاني أن يعلم أنه بلغ جميع أهل العصر ولم ينكروا وإلا فلا يكون إجماعا سكوتيا قاله الصيرفي وغيره ووراءه حالتان إحداهما أن يغلب على الظن بلوغهم فقال الأستاذ أبو إسحاق هو إجماع على مذهب الشافعي واختاره وجعله درجة دون الأول والثاني أن يحتمل بلوغه وعدمه فالأكثرون على أنه ليس بحجة قال
  95. الطبري ولهذا لم يستقم للحنفية الاحتجاج في وطء الثيب هل يمنع الرد بالعيب وقيل حجة مطلقا وهو ظاهر كلام القاضي عبد الوهاب وحكاه عن مالك وفصل الرازي والبيضاوي والهندي بين أن يكون هذا القول مما تعم به البلوى كنقض الوضوء من مس الذكر كان كالسكوتي وإلا لم يكن حجة وإذا قلنا هو حجة فليس بالإجماع في قول الجمهور وقيل إجماع لئلا يخلو العصر عن قائم بالحق وقال القاضي الحسين في تعليقه إذا قال الصحابي قولا ولم ينتشر فيما بينهم فإن كان معه قياس خفي قدم على القياس الجلي قولا واحدا وكذلك إذا كان معه خبر مرسل فإن كان متجردا عن القياس فهل يقدم القياس الجلي عليه فيه قولان الجديد يقدم القياس وقال الروياني في البحر هذا إذا بلغ كل الصحابة فإن لم ينتشر في كلهم ولم ير فيه خلافا لمن بعدهم فليس بإجماع وهل يكون حجة يعتبر بما يوافقه من قياس أو يخالف ففيه أربعة أحوال أحدها أن يكون القياس موافقا ثم يكون قوله حجة بالقياس وثانيها أن يكون مخالفا القياس الجلي فالقياس أولى وثالثها أن يكون معه قياس جلي ويخالفه قياس خفي فقوله مع القياس أولى ورابعها أن يكون مع قوله قياس خفي ويخالفه قياس جلي قال في القديم قوله مع القياس الخفي أولى وألزم من القياس الجلي وقال في الجديد القياس الجلي أولى بالعمل من قوله مع القياس الخفي وقال الرافعي هذا إذا نقل السكوت فإن لم ينقل قول ولا سكوت فيجوز أن لا يلحق بهذا ويجوز أن يستدل به على السكوت لأنه لو قال شيئا لنقل كما نقل اختلافهم في مسائل الاختلاف وقال في باب الفرائض إنه يترك للقول المنتشر والحالة هذه القياس الجلي ويعتضد به الخفي وقال النووي المختار أن عدم النقل كنقل السكوت لأنه الأصل والظاهر القيد الثالث كون المسألة مجردة عن الرضى والكراهة فإن ظهر عليهم الرضا بما ذهبوا إليه فهو إجماع بلا خلاف قاله القاضيان الروياني في البحر وعبد الوهاب من المالكية والخوارزمي في الكافي وجرى عليه الرافعي وقضيته أنه إن ظهرت أمارات السخط لم يكن إجماعا قطعا وكلامهم صريح في جريان الخلاف فيه أما إذا استصحب فعل يوافق الفتوى فالأمة حينئذ منقسمة إلى قائل وعامل وذلك إجماع
  96. فلا نزاع ذكره القاضي عبد الوهاب في الملخص القيد الرابع مضى زمن يسع قدر مهلة النظر عادة في تلك المسألة فلو احتمل أن الساكتين كانوا في مهلة النظر لم يكن إجماعا سكوتيا ذكره الدبوسي وغيره القيد الخامس أن لا يتكرر ذلك مع طول الزمان فإن تكررت الفتيا وطالت المدة مع عدم المخالفة فإن ظن مخالفتهم يترجح بل يقطع بها ذكره إمام الحرمين وإلكيا قال وقول الشافعي لا ينسب إلى ساكت قول أراد به ما إذا كان السكوت في المجلس ولا يتصور السكوت إلا كذلك وفي غيره لا سكوت على الحقيقة وصرح بذلك أيضا التلمساني في شرح المعالم وأنه ليس من محل الخلاف بل هو إجماع وحجة عند الشافعي رحمه الله قال ولهذا استدل على إثبات القياس وخبر الآحاد بذلك لكونه في وقائع وتوهم الإمام في المعالم أن ذلك تناقض من الشافعي وليس كذلك ولذلك جعل إمام الحرمين صورة المسألة ما إذا لم يطل الزمان مع تكرر الوقائع فإن تكررت مع الطول فقضية كلام القاضي جريان الخلاف فيه القيد السادس أن يكون قبل استقرار المذاهب فأما بعد استقرارها فلا أثر للسكوت قطعا كإفتاء مقلد سكت عنه المخالفون للعلم بمذهبهم ومذهبه كشافعي يفتي بنقض الوضوء بمس الذكر فلا يدل سكوت الحنفي عنه على موافقته للعلم باستقرار المذاهب ذكره إلكيا الطبري وغيره
  97. التنبيه الثاني أن لهم في تصوير المسألة طريقين إحداهما جعل ذلك عاما في حق كل عصر من المجتهدين وهو الذي صرح به الحنفية في كتبهم وإمام الحرمين في البرهان والشيخ في شرح اللمع والرازي في كتبه وسائر أصحابه والآمدي وابن الحاجب والقرافي من المالكية وغيرهم وقال النووي في شرح الوسيط إذا انتشر قول التابعي ولم يخالف فالصحيح أنه كالصحابي وقيل ليس بحجة قطعا قال صاحب الشامل الصحيح أنه إجماع هذا هو الذي صححه وهو الأظهر لأن المعنى المعتبر في الصحابة موجود فيهم فإن لم ينتشر قول التابعي فليس بحجة بلا خلاف انتهى الثانية قول من خص هذه المسألة ببعض الصحابة دون من بعدهم وهي طريقة القدماء من أصحابنا وغيرهم منهم الشيخ أبو حامد الإسفراييني في تعليقه والماوردي في الحاوي والصيرفي وابن القطان في كتابيهما في أصول الفقه والشيخ أبو
  98. إسحاق الشيرازي وابن الصباغ في العدة وإلكيا والغزالي في المستصفى والمنخول وابن برهان والخوارزمي في الكافي وأبو الحسين في المعتمد والقاضي عبد الوهاب من المالكية واختاره القرطبي من متأخريهم والموفق الحنبلي في الروضة وابن السمعاني ثم قال في أثناء المسألة وخصصها بعض أصحابنا بعصر الصحابة وأما التابعون ومن بعدهم فلا قال ولا يعرف فرق بين الموضعين والأولى التسوية بين الجميع وأما صاحب المحصول فأطلق المسألة ثم لما انتهى إلى فروع انتشار القول واحتمال بلوغه للباقين خصه بالصحابة وتوهم البيضاوي والهندي أن هذا القيد لا يحتاج إليه وأن الفرع غير مختص بالصحابة ويدل عليه نقل ابن السمعاني والمعنى فيه أن السكوت دليل الرضا فانتهض في الإجماع والثانية وهي هذا الفرع يختص بهم لأن قول البعض ليس بحجة على قول البعض فلا وجه لهذا القول إلا إذا كان القائل صحابيا فيقع الخلاف ناشئا عن أقوال الصحابة هل هي حجة ولذلك أشار القاضي والشيخ أبو إسحاق وغيرهما إلى أن هذا الفرع هو نفس الكلام في أن قول الصحابي هل هو حجة أم لا وأجروا الكلام فيه إلى موضعه والحاصل أنه إن عرف بلوغه الجميع فمسألة السكوتي وإن ظن ففيها خلاف مفرع على مسألة السكوتي كما قاله الأستاذ وإن كان محتملا فهي هذه المسألة ولا وجه للقول بالحجية فيها إلا إن كان من صحابي بناء على أن قوله حجة ومن عمم القول فيها لم يصب وإن لم يكن محتملا أصلا فلا وجه وقيل بل تخصيص المسألة بعصر الصحابة كما فعله الأقدمون أظهر من الطريقة الأولى وذلك لأن من قال يكون حجة لا إجماعا إنما يتوجه فرضه في حق الصحابة لأن منصبهم لا يقتضي السكوت عن مثل ذلك مع مخالفتهم فيه وهذا لا يجيء في حق غيرهم كيف والتعلق هنا إنما هو بقول المفتي والحاكم فقط لأنه مبني على أن الساكت لا ينسب إليه قول كما نقله الإمام عن الشافعي ولا حجة في قول أحد من المجتهدين بعد الصحابة بالاتفاق فإذا لم يكن إجماعا فكيف يكون حجة بخلاف ما إذا كان ذلك قول صحابي فإن ذلك إذا لم يكن سكوتهم عن مثله إجماعا فيصلح للاحتجاج

  99. مسألة ظهور الإجماع بالفعل وسكوت الآخرين عليه وأما ظهوره بالفعل وحده بأن يتفق أهل الحل والعقد على عمل ولم يصدر منهم قول فاختلفوا على مذاهب أحدها أنه كفعل الرسول صلى الله عليه وسلم لأن العصمة تابعة لإجماعهم كثبوتها للشارع فكانت أفعالهم كأفعاله وقطع به الشيخ أبو إسحاق وغيره وقال في المنخول إنه المختار وقال أبو الحسين في المعتمد يجوز اتفاقهم على القول والفعل والرضى ويخبرون عن الرضى في أنفسهم فيدل على حسن ما رضوا به وقد يجمعون على ترك الفعل وترك الفعل يدل على أنه واجب ويجوز أن ما تركوه مندوب إليه لأن تركه غير محظور وتابعه في المحصول والمذهب الثاني المنع ونقله إمام الحرمين عن القاضي قال بل ربما أنكر تصوره إذ لا يتصور تواطؤ قوم لا يحصون عددا على فعل واحد من غير أرب فالتواطؤ عليه غير ممكن نعم آحادهم يرتكبون ذلك في أوقات متغايرة وذلك لا يعد توافقا أصلا فإن تكلف متكلف تصوره في مجلس واحد فلا احتفال به لإمكان أن يختص به وليس في نفس الفعل دلالة على انتسابه إلى الشرع والقول مصرح بانتسابه إلى الشرع فإذن ليس في الفعل دلالة على كونه صوابا ا هـ واعلم أن الذي رأيته في التقريب للقاضي التصريح بالجواز فقال كل ما أجمعت الأمة عليه يقع بوجهين إما قول وإما فعل وكلاهما حجة انتهى والمذهب الثالث قول إمام الحرمين بأنه يحمل على الإباحة ما لم تقم قرينة دالة على الندب أو الوجوب فإنا نعلم أن الواحد من التابعين لو باشر فعلا فروجع فيه فقال كيف لا أفعله وقد فعله المهاجرون والأنصار قبل المشورة عليه والعادة أيضا تدل على مثل ذلك فإن الأمة إذا اتفقت على فعل وتكرر الفعل فيما بينهم فإن كان معصية اشتهر كونه معصية ولا يخفى قال إلكيا والحق ما قاله فليلتحق بمسائل الإجماع وقال القرافي إنه تفصيل حسن والمذهب الرابع قول ابن السمعاني إن كل فعل خرج مخرج الحكم والبيان
  100. لا ينعقد به الإجماع كما أن ما لم يخرج من أفعال الرسول مخرج الشرع لا يثبت فيه الشرع وأما الذي خرج من الأفعال مخرج الحكم والبيان يصح أن ينعقد به الإجماع لأن الشرع يؤخذ من فعل الرسول عليه السلام كما يؤخذ من قوله ولا بد من مجيء التفصيل بين أن ينقرض العصر أو لا ومن اشترطه في القولي فهاهنا أولى مسألة وقد يتركب من القول والفعل بأن يقول بعضهم هذا مباح ويقدم الباقي على إباحته بالفعل فيعلم أنه إجماع منهم وإن كان بعضهم قائلا وبعضهم فاعلا قاله القاضي عبد الوهاب تنبيه إذا فعل أهل الإجماع فعلا ولم يعلم أنهم فعلوه على وجه الوجوب أو الندب فعلام يحمل توقف بعضهم فيها من جهة النقل والذي يقتضيه قياس المذهب أن حكمه حكم الفعل من الرسول صلى الله عليه وسلم لأنا قد أمرنا باتباعهم كما أمرنا باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم الشَّرْطُ الرَّابِعُ عَدَمُ النَّصِّ في حُكْمِ الْحَادِثَةِ لِأَنَّهُ مع وُجُودِ النَّصِّ لَا اعْتِبَارَ بِالْإِجْمَاعِ هَكَذَا قَالَهُ أبو الْفَضْلِ بن عَبْدَانَ في كِتَابِ شَرَائِطِ الْأَحْكَامِ فَإِنْ أَرَادَ حَمَلَهُ إذَا كان النَّصُّ على خِلَافِهِ فَقَدْ يُقَالُ إنَّ الْعَمَلَ بِالْإِجْمَاعِ وَبِهِ تَبَيَّنَّا نَسْخَ النَّصِّ وَإِنْ أَرَادَ ما إذَا كان على وَفْقِهِ فَالنَّصُّ بَيَّنَ لنا مُسْتَنَدَ قَبُولِ الْإِجْمَاعِ الشَّرْطُ الْخَامِسُ أَنْ لَا يَسْبِقَهُ خِلَافٌ فَلَوْ اخْتَلَفَ أَهْلُ عَصْرٍ على قَوْلَيْنِ فَلَيْسَ لِمَنْ بَعْدَهُمْ الْإِجْمَاعُ على أَحَدِهِمَا على الْمَذْهَبِ وَسَيَأْتِي** مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة ** فَصْلٌ في أُمُورٍ اُشْتُرِطَتْ في انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ
  101.  
  102.   وَالصَّحِيحُ خِلَافُهَا لَا يُشْتَرَطُ انْقِرَاضُ عَصْرِ الْمُجْمِعِينَ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ لَا يُشْتَرَطُ في انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ انْقِرَاضُ عَصْرِ الْمُجْمِعِينَ وَمَوْتُ الْجَمِيعِ على الصَّحِيحِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ بَلْ يَكُونُ اتِّفَاقُهُمْ حُجَّةً في الْحَالِ وَإِنْ لم يَنْقَرِضُوا فَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمْ لَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ بَلْ يَكُونُ قَوْلُهُ الْأَوَّلُ مع قَوْلِ الْآخَرِينَ حُجَّةً عليه كما هو حُجَّةٌ على غَيْرِهِ وَكَذَا لو نَشَأَ في الْعَصْرِ مُخَالِفٌ قبل انْقِرَاضِ أَهْلِهِ كما قَالَهُ الْإِمَامُ في النِّهَايَةِ في مَسْأَلَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي اللَّهُ عنهما وَحَجْبُهُ الْأُمَّ بِثَلَاثَةِ إخْوَةٍ لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ قد وُجِدَ وهو صُورَةُ الْإِجْمَاعِ وَلَا مَانِعَ فَيَلْزَمُ الْحُكْمُ قال الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ وهو قَوْلُ الْجُمْهُورِ وقال الْبَاجِيُّ هو قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وقال عبد الْوَهَّابِ إنَّهُ الصَّحِيحُ وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وهو قَوْلُ الْقَلَانِسِيِّ من أَصْحَابِنَا مع الْمُعْتَزِلَةِ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وقال ابن بَرْهَانٍ هو الْقَوْلُ الْمَنْصُورُ عِنْدَنَا وقال ابن السَّمْعَانِيِّ إنَّهُ أَصَحُّ الْمَذَاهِبِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وقال الرَّافِعِيُّ في الْأَقْضِيَةِ إنَّهُ أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ وقال الْإِمَامُ في النِّهَايَةِ في بَابِ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ إنَّهُ الْمُخْتَارُ وَجَرَى عليه الدَّبُوسِيُّ في التَّقْوِيمِ وقال أبو سُفْيَانَ إنَّهُ قَوْلُ أَصْحَابِ أبي حَنِيفَةَ وقال أبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ إنَّهُ الصَّحِيحُ وَحَكَاهُ عن الْكَرْخِيِّ وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي يُشْتَرَطُ وهو مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَنَصَرَهُ مُحَقِّقُو أَصْحَابِهِ وَاخْتَارَهُ ابن فُورَكٍ وَسُلَيْمٌ وَنَقَلَهُ ابن بَرْهَانٍ من أَصْحَابِنَا عن الْمُعْتَزِلَةِ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ عن الْجُبَّائِيُّ وَنَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ عن الشَّيْخِ أبي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَاخْتَلَفُوا في عِلَّتِهِ على وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ فَائِدَةَ اشْتِرَاطِهِ إمْكَانُ رُجُوعِ الْمُجْمِعِينَ أو بَعْضِهِمْ وَالثَّانِي جَوَازُ وُجُودِ مُجْتَهِدٍ آخَرَ وَيَنْبَنِي على الْعِلَّتَيْنِ ما لو وُجِدَ مُجْتَهِدٌ قبل انْقِرَاضِهِمْ يُعْتَبَرُ وَفَاقُهُ قال الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ وَالْمُشْتَرِطُونَ افْتَرَقُوا فِرْقَتَيْنِ فَمِنْهُمْ من اشْتَرَطَ انْقِرَاضَ
  103. جَمِيعِ أَهْلِهِ وَمِنْهُمْ من اشْتَرَطَ انْقِرَاضَ أَكْثَرِهِمْ فَإِنْ بَقِيَ وَاحِدٌ أو اثْنَانِ وَنَحْوُهُ مِمَّا لَا يَقَعُ الْعِلْمُ بِصِدْقِ خَبَرِهِ لم يُعْتَدَّ بِبَقَائِهِ وَمِنْهُمْ من اعْتَبَرَ مَوْتَ الْعُلَمَاءِ فَقَطْ حَكَاهُ عبد الْوَهَّابِ وَكَأَنَّهُ بَنَاهُ على دُخُولِ الْعَامَّةِ في الْإِجْمَاعِ وقال الْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ اخْتَلَفَ الْمُشْتَرِطُونَ فَقِيلَ يُكْتَفَى بِمَوْتِهِمْ تَحْتَ هَدْمٍ دُفْعَةً إذْ الْغَرَضُ انْتِهَاءُ عُمُرِهِمْ عليه وقال الْمُحَقِّقُونَ لَا بُدَّ من انْقِضَاءِ مُدَّةٍ تُفِيدُ فَائِدَةً فَإِنَّهُمْ قد يُجْمِعُونَ على رَأْيٍ وهو مُعَرَّضٌ لِلتَّغْيِيرِ وقد رُوِيَ عن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي اللَّهُ عنهما أَنَّهُ أَبْدَى الْخِلَافَ في مَسَائِلَ بَعْدَ اتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ وقال صَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ الْقَائِلُونَ بِالِاشْتِرَاطِ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ هو شَرْطٌ في انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ وَقِيلَ شَرْطٌ في كَوْنِهِ حُجَّةً وإذا قُلْنَا إنَّ الِانْقِرَاضَ شَرْطٌ فَعَلَامَ يُعْتَبَرُ فيه وَجْهَانِ ذَكَرَهُ أبو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ أَحَدُهَا أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيمَا بُنِيَ أَمْرُهُ على الْمُسَامَحَةِ فَيَتَسَاهَلُ الْأَمْرُ فيه فَأَمَّا ما يَتَعَلَّقُ بِالْإِتْلَافِ من قَتْلٍ أو قَطْعٍ أو ما أَشْبَهَهُ لم يُعْتَبَرْ فيه انْقِرَاضُ الْعَصْرِ وَالثَّانِي أَنَّهُ يُعْتَبَرُ في جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ حَكَاهُ بَعْضُ شُرَّاحِ اللُّمَعِ ثُمَّ قال إلْكِيَا مُقْتَضَى اشْتِرَاطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ أَنْ لَا يَسْتَقِرَّ الْإِجْمَاعُ ما بَقِيَ من الصَّحَابَةِ وَاحِدٌ وَلَوْ لَحِقَهُمْ زُمْرَةٌ من الْمُجْتَهِدِينَ قبل أَنْ يَنْقَرِضُوا فَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ صَارُوا مُعْتَبَرِينَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَصَارَ خِلَافُهُمْ مُعْتَبَرًا وَمَعَ هذا أَجْمَعُوا على أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ انْقِرَاضُ عَصْرِ اللَّاحِقِينَ فَإِنَّا لو اعْتَبَرْنَا ذلك لم يَسْتَقِرَّ الْإِجْمَاعُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّاحِقَ صَارَ كَالسَّابِقِ في اعْتِبَارِ قَوْلِهِ وإذا كان اعْتِبَارُ قَوْلِهِ يَمْنَعُ من اسْتِقْرَارِ الْإِجْمَاعِ فَيَنْبَغِي عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ لِأَنَّ الْمُخَالِفَ لو خَالَفَ قبل انْقِرَاضِ عَصْرِ الْأَوَّلِينَ اُعْتُبِرَ خِلَافُهُمْ فإذا مَاتَ الْأَوَّلُونَ بَعْدَ تَحَقُّقِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَصِيرَ الْمَسْأَلَةُ إجْمَاعِيَّةً وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ إنْ كان سُكُوتِيًّا اُشْتُرِطَ لِضَعْفِهِ بِخِلَافِ الْقَوْلِيِّ وهو رَأْيُ الْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ وَأَبِي مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيِّ فقال أبو مَنْصُورٍ في كِتَابِ التَّحْصِيلِ إنَّهُ قَوْلُ الْحُذَّاقِ من أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وقال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ إنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ وَاخْتَارَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ أَيْضًا وقال الْقَاضِي الْحُسَيْنُ في بَابِ الْكَفَّارَةِ من تَعْلِيقِهِ إنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَجَعَلَ سُلَيْمٌ مَحَلَّ الْخِلَافِ في الْقَوْلِيِّ قال وَأَمَّا السُّكُوتِيُّ فَانْقِرَاضُ الْعَصْرِ مُعْتَبَرٌ فيه بِلَا خِلَافٍ وَحَاصِلُهُ اخْتِيَارُ هذا الْمَذْهَبِ
  104. وَمِمَّنْ اخْتَارَهُ من الْمُتَأَخِّرِينَ الْآمِدِيُّ وَاعْلَمْ أَنَّ ما نَقَلْته عن الْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ تَابَعْت فيه إمَامَ الْحَرَمَيْنِ لَكِنَّ الذي في تَعْلِيقَةِ الْأُسْتَاذِ عَدَمُ الِاشْتِرَاطِ فِيهِمَا جميعا وَالْمَذْهَبُ الرَّابِعُ التَّفْصِيلُ بين أَنْ يَسْتَنِدَ إلَى قَاطِعٍ فَلَا يُشْتَرَطُ فيه تَمَادِي زَمَانٍ وَيَنْتَهِضُ حُجَّةً على الْفَوْرِ وَبَيْنَ أَنْ يَسْتَنِدَ إلَى ظَنِّيٍّ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ حتى يَطُولَ الزَّمَانُ وَتَتَكَرَّرَ الْوَاقِعَةُ وَلَوْ طَالَ الزَّمَانُ ولم يَتَكَرَّرْ فَلَا أَثَرَ له وَهَذَا قَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ في الْبُرْهَانِ وَمُسْتَنَدُهُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَمَّا اسْتَنَدَتْ إلَى ظَنِّيٍّ وَطَالَتْ الْمُدَّةُ وَتَكَرَّرَتْ الْوَاقِعَةُ ولم يَعْرِضْ لِأَحَدٍ خِلَافٌ اُلْتُحِقَ بِالْمَقْطُوعِ وَصَرَّجَ بِأَنَّهُمْ لو هَلَكُوا عَقِبَ الْإِجْمَاعِ فَلَيْسَ بِإِجْمَاعٍ وَظَهَرَ بهذا أَنَّ الِانْقِرَاضَ عِنْدَهُ غَيْرُ شَرْطٍ وَلَا مُعْتَبَرٌ في حَالَةٍ من الْأَحْوَالِ وَبِذَلِكَ يُعْرَفُ وَهْمُ ابْنِ الْحَاجِبِ في نَقْلِهِ عنه التَّفْصِيلَ بين الصَّادِرِ عن قِيَاسٍ فَيُشْتَرَطُ فيه الِانْقِرَاضُ وَإِلَّا فَلَا وَلَيْسَ كما قال بَلْ كَلَامُهُ مُصَرِّحٌ بِعَدَمِ اعْتِبَارِ الِانْقِرَاضِ أَلْبَتَّةَ وَمَعَ ذلك فما قَالَهُ في الظَّنِّيِّ حَكَمَ عليه بِتَقْدِيرِ وُقُوعِهِ وَيَرَى أَنَّهُ غَيْرُ مُتَصَوَّرِ الْوُقُوعِ واشتراطه طُولُ الزَّمَانِ في الظَّنِّيِّ إنَّمَا هو لِيَصِلَ إلَى الْقَطْعِ لَا أَنَّهُ مُتَصَوَّرٌ في نَفْسِهِ ثُمَّ أَشَارَ إلَى ضَابِطِ قَدْرِ الزَّمَانِ بِمَا لَا يُفْرَضُ في مِثْلِهِ اسْتِقْرَارُ الْجَمِّ الْغَفِيرِ على رَأْيٍ إلَّا عن حَامِلٍ قَاطِعٍ أو نَازِلٍ مَنْزِلَةَ الْقَاطِعِ على الْإِصْرَارِ وَاخْتَارَهُ في الْمَنْخُولِ وقال الرُّجُوعُ في مِقْدَارِهِ إلَى الْعُرْفِ وَرَدَّهُ في الْقَوَاطِعِ بِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ إلَى أَيِّ شَيْءٍ اسْتِنَادُ الْمُجْمِعِينَ وَلَوْ عُرِفَ اسْتِنَادُهُمْ إلَى الْمَقْطُوعِ كان هو الْحُجَّةَ دُونَ الْإِجْمَاعِ وقال إلْكِيَا قال الْإِمَامُ إنَّ قَطْعَ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ في مَظِنَّةِ الظَّنِّ فَلَا يَعْتَبِرُوا انْقِرَاضَهُ فإن ذلك لَا يَصْدُرُ إلَّا عن تَوْقِيفٍ وَتَقْدِيرٍ يَقْتَضِيهِ خَرْقُ الْعَادَةِ وَالْعَادَةُ لَا تُخْرَقُ لَا في لَحْظَةٍ وَلَا في أَمَدٍ طَوِيلٍ قال وَهَذَا الذي ذَكَرَ الْإِمَامُ لَا يَخْتَصُّ بِالْإِجْمَاعِ فإن الْمُجْتَهِدَ لو قَطَعَ في مَظِنَّةِ الظَّنِّ كان كَذَلِكَ وَلَا فَائِدَةَ له كَبِيرَةٌ هُنَا قال وَإِنْ كان الْإِجْمَاعُ في الْحُكْمِ مع الِاعْتِرَافِ بِاسْتِنَادِهِ إلَى اجْتِهَادِهِ فما دَامُوا في مُهْلَةِ الْبَحْثِ فَلَا مَذْهَبَ لهم فَضْلًا عن أَنْ يَكُونَ إجْمَاعًا وَإِنْ جَزَمُوا الْحُكْمَ بِنَاءً على أَحَدِ النَّظَرَيْنِ فَهَذَا مِمَّا يُبْعِدُ الْإِمَامُ وَيَرَى
  105. أَنَّ الرَّأْيَ الذي أَجْمَعَ عليه أَهْلُ التَّوَاتُرِ مُسْتَنِدٌ لِلْقَاطِعِ وقد بَيَّنَّا من قَبْلُ تَصَوُّرَهُ وَحِينَئِذٍ فَالْمُعْتَبَرُ ظُهُورُ إصْرَارِهِمْ وَالْإِصْرَارُ قد يَتَبَيَّنُ بِالْقَرَائِنِ إمَّا في الْمَجْلِسِ أو بَعْدَهُ وَالْمَذْهَبُ الْخَامِسُ يَنْعَقِدُ قبل الِانْفِرَاضِ فِيمَا لَا مُهْلَةَ فيه وَلَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ من قَتْلِ نَفْسٍ أو اسْتِبَاحَةِ فَرْجٍ حَكَاهُ ابن السَّمْعَانِيِّ عن بَعْضِ أَصْحَابِنَا وهو نَظِيرُ ما سَبَقَ في السُّكُوتِيِّ وَالْمَذْهَبُ السَّادِسُ أَنَّهُ إذَا لم يَبْقَ من الْمُجْمِعِينَ إلَّا عَدَدٌ يَنْقُصُونَ عن أَقَلِّ عَدَدِ التَّوَاتُرِ فَلَا عِبْرَةَ بِبَقَائِهِمْ وَعُلِمَ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ حَكَاهُ الْقَاضِي في مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ وَأَشَارَ إلَيْهِ ابن بَرْهَانٍ في الْوَجِيزِ وَالْمَذْهَبُ السَّابِعُ إنْ شَرَطُوا في إجْمَاعِهِمْ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ وَجَوَّزُوا الْخِلَافَ اُعْتُبِرَ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ وَإِنْ لم يَشْتَرِطُوا ذلك لم يُعْتَبَرْ حَكَاهُ الْقَاضِي في مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ ثُمَّ قَيَّدَهُ بِالْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ دُونَ مَسَائِلِ الْأُصُولِ التي يُقْطَعُ فيها بِخَطَأِ الْمُخَالِفِ وَالْمَذْهَبُ الثَّامِنُ إنْ كان الْمُجْمَعُ عليه من الْأَحْكَامِ التي لَا يَتَعَلَّقُ بها إتْلَافٌ وَاسْتِهْلَاكٌ اُشْتُرِطَ قَطْعًا وَإِنْ تَعَلَّقَ بها ذلك مِمَّا لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ كَإِرَاقَةِ الدِّمَاءِ وَاسْتِبَاحَةِ الْفُرُوجِ فَوَجْهَانِ وهو طَرِيقَةُ الْمَاوَرْدِيِّ في الْحَاوِي قال سُلَيْمٌ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ في هذه الْمَسْأَلَةِ أَنَّ من اعْتَبَرَ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ جَوَّزَ أَنْ يُجْمِعُوا على حُكْمٍ ثُمَّ يَرْجِعُوا عنه أو بَعْضُهُمْ وَمَنْ لم يَعْتَبِرْ لم يُجَوِّزْ ذلك تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ الْمُرَادُ بِانْقِرَاضِ الْعَصْرِ قال ابن بَرْهَانٍ ليس الْمُرَادُ بِالِانْقِرَاضِ مُدَّةً مَعْلُومَةً بَلْ مَوْتُ الْمُجْمِعِينَ الْمُجْتَهِدِينَ فَالْعَصْرُ في لِسَانِهِمْ الْمُرَادُ بِهِ عُلَمَاءُ الْعَصْرِ وَالِانْقِرَاضُ عِبَارَةٌ عن مَوْتِهِمْ وَهَلَاكِهِمْ حتى لو قُدِّرَ مَوْتُهُمْ في لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ في سَفِينَةٍ فإنه يُقَالُ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ الثَّانِي صَوَّرَ الطَّبَرِيُّ الْمَسْأَلَةَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ إجْمَاعَ التَّابِعِينَ لَا خِلَافَ في عَدَمِ اشْتِرَاطِ انْقِرَاضِهِمْ وَبِهِ صَرَّحَ بَعْدُ وَكَلَامُ غَيْرِهِ ظَاهِرٌ في التَّعْمِيمِ وَمِنْ الْمُشْتَرِطِينَ من أَحَالَ عَدَمَ بُلُوغِ الْأُمَّةِ في عَصْرٍ حَدَّ التَّوَاتُرِ حَكَاهُ الْقَاضِي
  106. عبد الْوَهَّابِ وَحِينَئِذٍ فَيَخْرُجُ في الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبٌ ثَامِنٌ الثَّالِثُ أَنَّ الْمُشْتَرِطِينَ قالوا يُحْتَجُّ بِهِ وَإِنْ كان انْقِرَاضُ الْعَصْرِ شَرْطًا كما يَجِبُ عَلَيْنَا طَاعَةُ الرَّسُولِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ وَإِنْ جَازَ تَبْدِيلُهُ بِنَسْخٍ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ رُجُوعِهِمْ ثُمَّ إذَا رَجَعُوا فَغَايَتُهُ أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا على خَطَأٍ لم يُقَرُّوا عليه لَا يُشْتَرَطُ في الْمُجْمِعِينَ بُلُوغُهُمْ حَدَّ التَّوَاتُرِ الْأَمْرُ الثَّانِي لَا يُشْتَرَطُ في الْمُجْمِعِينَ بُلُوغُهُمْ حَدَّ التَّوَاتُرِ خِلَافًا لِلْقَاضِي بَلْ يَجُوزُ انْحِطَاطُهُمْ عنه عَقْلًا وَنَقَلَ ابن بَرْهَانٍ عن مُعْظَمِ الْعُلَمَاءِ وَعَنْ طَوَائِفَ من الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَقْلًا وإذا جَوَّزْنَا فَهَلْ يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بِهِ فَذَهَبَ مُعْظَمُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهُ يَكُونُ حُجَّةً كما قَالَهُ ابن بَرْهَانٍ وهو قَوْلُ الْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ يَجُوزُ وَلَكِنْ لَا يَكُونُ إجْمَاعُهُمْ حُجَّةً فإن مَأْخَذَ الْخِلَافِ مُسْتَنِدٌ إلَى طَرْدِ الْعَادَةِ وَمَنْ لم يُحْسِنْ اسْتِنَادَ الْإِجْمَاعِ إلَيْهِ لم يَسْتَقِرَّ له قَدَمٌ فيه وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ رَاجِعٌ إلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ من دَلَالَةِ الْعَادَةِ أو السَّمْعِ فَمَنْ أَخَذَهُ من دَلَالَةِ الْعَقْلِ وَاسْتِحَالَةِ الْخَطَأِ بِحُكْمِ الْعَادَةِ شَرَطَ التَّوَاتُرَ وَمَنْ أَخَذَهُ من الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ من شَرَطَهُ وَمِنْهُمْ من نَفَاهُ وهو الصَّحِيحُ لِأَنَّ صُورَةَ الْإِجْمَاعِ الْمَشْهُودِ بِعِصْمَتِهِ عن الْخَطَأِ قد وَجَبَتْ فَيَتَرَتَّبُ عليها حُكْمُهَا وقال الْهِنْدِيُّ الْمُشْتَرِطُونَ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ إنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَنْقُصَ عَدَدُ الْمُسْلِمِينَ عن عَدَدِ التَّوَاتُرِ ما دَامَ التَّكْلِيفُ بِالشَّرِيعَةِ بَاقِيًا وَمِنْهُمْ من زَعَمَ أَنَّ ذلك وَإِنْ كان يُتَصَوَّرُ لَكِنْ يُقْطَعُ بِأَنَّ من ذَهَبَ إلَيْهِ دُونَ عَدَدِ التَّوَاتُرِ سَبِيلُ الْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّ إخْبَارَهُمْ عن إيمَانِهِمْ لَا يُفِيدُ الْقَطْعَ فَلَا يَحْرُمُ مُخَالَفَتُهُ وَمِنْهُمْ من زَعَمَ أَنَّهُ وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُعْلَمَ إيمَانُهُمْ بِالْقَرَائِنِ لَا يُشْتَرَطُ فيه ذلك بَلْ يَكْفِي فيه الظُّهُورُ لَكِنَّ الْإِجْمَاعَ إنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً لِكَوْنِهِ كَاشِفًا عن دَلِيلٍ قَاطِعٍ وهو يُوجِبُ كَوْنَهُ مُتَوَاتِرًا وَإِلَّا لم يَكُنْ قَاطِعًا فما يَقُومُ مَقَامَهُ نَقَلَهُ مُتَوَاتِرًا وهو الْحُكْمُ بِمُقْتَضَاهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ صَادِرًا عن عَدَدِ التَّوَاتُرِ وَإِلَّا لم يُقْطَعْ بِوُجُودِهِ
  107. فَرْعٌ إذَا لم يَبْقَ إلَّا مُجْتَهِدٌ وَاحِدٌ فَهَلْ قَوْلُهُ حُجَّةٌ كَالْإِجْمَاعِ وَطَرَدَ الْأُسْتَاذُ قِيَاسَهُ فقال يَجُوزُ أَلَّا يَبْقَى في الدَّهْرِ إلَّا مُجْتَهِدٌ وَاحِدٌ وَلَوْ اتَّفَقَ ذلك فَقَوْلُهُ حُجَّةٌ كَالْإِجْمَاعِ وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِلْوَاحِدِ أُمَّةٌ كما قال تَعَالَى إنَّ إبْرَاهِيمَ كان أُمَّةً وَنَقَلَهُ الْهِنْدِيُّ عن الْأَكْثَرِينَ قُلْت وَبِهِ جَزَمَ ابن سُرَيْجٍ في كِتَابِ الْوَدَائِعِ فقال وَحَقِيقَةُ الْإِجْمَاعِ هو الْقَوْلُ بِالْحَقِّ فإذا حَصَلَ الْقَوْلُ بِالْحَقِّ من وَاحِدٍ فَهُوَ إجْمَاعٌ وَكَذَا إنْ حَصَلَ من اثْنَيْنِ أو ثَلَاثَةٍ وَالْحُجَّةُ على أَنَّ الْوَاحِدَ إجْمَاعٌ ما اتَّفَقَ عليه الناس في أبي بَكْرٍ لَمَّا مَنَعَتْ بَنُو حَنِيفَةَ الزَّكَاةَ فَكَانَتْ بِمُطَالَبَةِ أبي بَكْرٍ لها بِالزَّكَاةِ حَقًّا عِنْدَ الْكُلِّ وما انْفَرَدَ بِمُطَالَبَتِهَا غَيْرُهُ هذا كَلَامُهُ وَخِلَافُ كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ فيه وهو الظَّاهِرُ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَكُونُ إلَّا من اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا وَنَقَلَ ابن الْقَطَّانِ عن أبي عَلِيِّ بن أبي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ حُجَّةٌ وقال إلْكِيَا الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ على تَصَوُّرِ اشْتِمَالِ الْعَصْرِ على الْمُجْتَهِدِ الْوَاحِدِ وَالصَّحِيحُ تَصَوُّرُهُ وإذا قُلْنَا بِهِ فَفِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ بِمُجَرَّدِ قَوْلٍ خِلَافٌ وَبِهِ قال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ قال وَاَلَّذِي حَمَلَهُ على ذلك أَنَّهُ لم يَرَ في اخْتِصَاصِ الْإِجْمَاعِ بِمَحَلٍّ مَعْنًى يَدُلُّ عليه فَسَوَّى بين الْعَدَدِ وَالْفَرْدِ وَأَمَّا الْمُحَقِّقُونَ سِوَاهُ فَإِنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ الْعَدَدَ ثُمَّ يَقُولُونَ الْمُعْتَبَرُ عَدَدُ التَّوَاتُرِ فَإِذَنْ مُسْتَنِدُ الْإِجْمَاعِ مُسْتَنِدٌ إلَى طَرْدِ الْعَادَةِ بِتَوْبِيخِ من يُخَالِفُ الْعَصْرَ الْأَوَّلَ وهو يَسْتَدْعِي وُفُورَ عَدَدٍ من الْأَوَّلِينَ وَهَذَا لَا يَتَحَقَّقُ فِيمَا إذَا لم يَكُنْ في الْعَصْرِ إلَّا مُجْتَهِدٌ وَاحِدٌ فإنه لَا يَظْهَرُ فيه اسْتِيعَابُ مَدَارِكِ الِاجْتِهَادِ قال وَيَنْشَأُ من هذا خِلَافٌ في مَسْأَلَتَيْنِ إحْدَاهُمَا أَنَّ الصَّحَابَةَ إذَا أَجْمَعُوا على قَوْلٍ وَانْفَرَدَ وَاحِدٌ منهم بِخِلَافٍ وَالْمُجْمِعُونَ عَدَدُ التَّوَاتُرِ فَهَلْ يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ دُونَهُ فَقِيلَ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِ الْوَاحِدِ وهو مَذْهَبُ ابْنِ جَرِيرٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ إنْ كان اسْتِنَادُ الْإِجْمَاعِ إلَى قِيَاسٍ إذْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ الْجَمَاعَةُ إذَا ابْتَدَرُوا أَجْلَى الْقِيَاسِ وَظَهَرَ الْوَاحِدُ منهم بِقِيَاسٍ غَامِضٍ يُخَالِفُ فيه نعم إنْ قَطَعُوا في مَظِنَّةِ الظَّنِّ فَأَهْلُ التَّوَاتُرِ لَا يَقْطَعُونَ في مَظِنَّةِ الظَّنِّ إلَّا
  108. بِقَاطِعٍ ثُمَّ ذلك الْقَاطِعُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَظْهَرَ لِلْمُخَالِفِ الثَّانِيَةُ أَنَّ إجْمَاعَ أَهْلِ سَائِرِ الْأَعْصَارِ هل يَكُونُ حُجَّةً وَفِيهِ خِلَافٌ وَالْأَكْثَرُونَ على التَّسْوِيَةِ بين إجْمَاعِ الصِّحَابِ وَمَنْ عَدَاهُمْ خِلَافًا لِدَاوُدَ لَا يُشْتَرَطُ التَّوَاتُرُ في نَقْلِ الْإِجْمَاعِ الْأَمْرُ الثَّالِثُ لَا يُشْتَرَطُ التَّوَاتُرُ في نَقْلِهِ بَلْ يُحْتَجُّ بِالْإِجْمَاعِ الْمَرْوِيِّ بِطَرِيقِ الْآحَادِ على الْمُخْتَارِ وَبِهِ قال الْمَاوَرْدِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْآمِدِيَّ وَنُقِلَ عن الْجُمْهُورِ اشْتِرَاطُهُ وقد سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ في أَوَائِلِ الْبَابِ عِنْدَ كَوْنِهِ قَطْعِيًّا أو ظَنِّيًّا مَسْأَلَةٌ قَوْلُ الْقَائِلِ لَا أَعْلَمُ فيه خِلَافًا هل هو إجْمَاعٌ قَوْلُ الْقَائِلِ لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بين أَهْلِ الْعِلْمِ في كَذَا قال الصَّيْرَفِيُّ لَا يَكُونُ إجْمَاعًا لِجَوَازِ الِاخْتِلَافِ وَكَذَا قال ابن حَزْمٍ في الْإِحْكَامِ وقال في كِتَابِ الْإِعْرَابِ إنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عليه في الرِّسَالَةِ وَكَذَلِكَ أَحْمَدُ بن حَنْبَلٍ قال الصَّيْرَفِيُّ وَإِنَّمَا يَسُوغُ هذا الْقَوْلُ لِمَنْ بَحَثَ الْبَحْثَ الشَّدِيدَ وَعَلِمَ أُصُولَ الْعِلْمِ وَحَمَلَهُ فإذا عَلِمَ على هذا الْوَجْهِ لم يَجُزْ الْخُرُوجُ منه لِأَنَّ الْخِلَافَ لم يَظْهَرْ وَلِهَذَا لَا نَقُولُ لِلْإِنْسَانِ عَدْلٌ قبل الْخِبْرَةِ فإذا عَلِمْنَاهُ بِمَا يُعْلَمُ بِهِ مُسْلِمٌ حَكَمْنَا بِعَدَالَتِهِ وَإِنْ جَازَ خِلَافُ ما عَلِمْنَاهُ وقال ابن الْقَطَّانِ قَوْلُ الْقَائِلِ لَا أَعْلَمُ خِلَافًا يَظْهَرُ إنْ كان من أَهْلِ الْعِلْمِ فَهُوَ حُجَّةٌ وَإِنْ لم يَكُنْ من الَّذِينَ كَشَفُوا الْإِجْمَاعَ وَالِاخْتِلَافَ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ وقال الْمَاوَرْدِيُّ إذَا قال لَا أَعْرِفُ بَيْنَهُمْ خِلَافًا فَإِنْ لم يَكُنْ من أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَمِمَّنْ أَحَاطَ عِلْمًا بِالْإِجْمَاعِ وَالِاخْتِلَافِ لم يَثْبُتْ الْإِجْمَاعُ بِقَوْلِهِ وَإِنْ كان من أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فَأَثْبَتَ الْإِجْمَاعَ بِهِ قَوْمٌ وَنَفَاهُ آخَرُونَ قال ابن حَزْمٍ وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ الْعَالِمَ إذَا قال لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فَهُوَ إجْمَاعٌ وهو قَوْلٌ فَاسِدٌ وَلَوْ قال ذلك محمد بن نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ إنَّا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَجْمَعَ منه لِأَقَاوِيلِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَكِنْ فَوْقَ كل ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ
  109. وقد قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في زَكَاةِ الْبَقَرِ لَا أَعْلَمُ خِلَافًا في أَنَّهُ ليس في أَقَلَّ من ثَلَاثِينَ منها تَبِيعٌ وَالْخِلَافُ في ذلك مَشْهُورٌ فإن قَوْمًا يَرَوْنَ الزَّكَاةَ على الْخَمْسِ كَزَكَاةِ الْإِبِلِ وقال مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ في مُوَطَّئِهِ وقد ذَكَرَ الْحُكْمَ بِرَدِّ الْيَمِينِ وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فيه بين أَحَدٍ من الناس وَلَا بَلَدٍ من الْبُلْدَانِ وَالْخِلَافُ فيه شَهِيرٌ وكان عُثْمَانُ رضي اللَّهُ عنه لَا يَرَى رَدَّ الْيَمِينِ وَيَقْضِي بِالنُّكُولِ وَكَذَلِكَ ابن عَبَّاسٍ وَمِنْ التَّابِعِينَ الْحَكَمُ وَغَيْرُهُ وابن أبي لَيْلَى وأبو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَهُمْ كَانُوا الْقُضَاةَ في ذلك الْوَقْتِ فإذا كان مِثْلَ من ذَكَرْنَا يَخْفَى عليه الْخِلَافُ فما ظَنُّك بِغَيْرِهِ مَسْأَلَةٌ تَعْرِيفُ الشُّذُوذِ اُخْتُلِفَ في الشُّذُوذِ وما هو فَقِيلَ هو قَوْلُ الْوَاحِدِ وَتَرْكُ قَوْلِ الْأَكْثَرِ وقال أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ هو أَنْ يَرْجِعَ الْوَاحِدُ عن قَوْلِهِ فَمَتَى رَجَعَ عنه سُمِّيَ شَاذًّا كما يُقَالُ شَذَّ الْبَعِيرُ عن الْإِبِلِ بَعْدَ أَنْ كان فيها يُسَمِّي شَاذًّا فَأَمَّا قَوْلُ الْأَقَلِّ فَلَا مَعْنَى لِتَسْمِيَتِهِ شَاذًّا لِأَنَّهُ لو كان شَاذًّا لَكَانَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ شَاذًّا
  110. الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِيمَا يَسْتَقِرُّ بِهِ الْإِجْمَاعُ قال الرُّويَانِيُّ وَيَسْتَقِرُّ بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ أَحَدُهَا الْعِلْمُ بِاتِّفَاقِهِمْ عليه سَوَاءٌ اقْتَرَنَ بِقَوْلِهِمْ عَمَلٌ أَمْ لَا وَقِيلَ لَا بُدَّ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ عَمَلٌ لِأَنَّ الْعَمَلَ مُحَقِّقٌ لِلْقَوْلِ قال وَهَذَا لَا وَجْهَ له لِأَنَّ حُجَجَ الْأَقْوَالِ آكَدُ من الْأَفْعَالِ نعم إنْ أَجْمَعُوا على الْقَوْلِ وَاخْتَلَفُوا في الْعَمَلِ يُبْطِلُ الْإِجْمَاعَ ثَانِيهَا أَنْ يَسْتَدِيمُوا ما كَانُوا عليه من الْإِجْمَاعِ وَلَا يَحْدُثُ من أَحَدِهِمْ خِلَافٌ فَإِنْ خَالَفَهُمْ الْوَاحِدُ بَعْدَ إجْمَاعِهِمْ بَطَلَ الْإِجْمَاعُ وَسَاغَ الْخِلَافُ لِأَنَّهُ كما جَازَ حُدُوثُ إجْمَاعٍ بَعْدَ خِلَافٍ جَازَ حُدُوثُ خِلَافٍ بَعْدَ إجْمَاعٍ كما وَقَعَ لِعَلِيٍّ رضي اللَّهُ عنه في بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ قُلْت هذا رَأْيٌ مَرْجُوحٌ وَالْأَصَحُّ أَنَّ رُجُوعَ الْوَاحِدِ بَعْدَ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ لَا يَقْدَحُ في الْإِجْمَاعِ بَلْ يَكُونُ إجْمَاعُهُمْ حُجَّةً عليه بِنَاءً على أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ انْقِرَاضُ الْعَصْرِ وقد وَافَقَ هو في أَوَّلِ كِتَابِ الْبَحْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ثَالِثُهَا أَنْ يَنْقَرِضَ عَصْرُهُمْ حتى يُؤْمَنَ الْخِلَافُ منهم فَإِنْ بَقِيَ الْعَصْرُ رُبَّمَا أَحْدَثَ بَعْضُهُمْ خِلَافًا كَابْنِ عَبَّاسٍ في الْعَوْلِ بَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ فَقِيلَ له هَلَّا قُلْته في أَيَّامِهِ قال كان رَجُلًا مَهِيبًا فَهِبْتُهُ الْمُعْتَبَرُ في انْقِرَاضِ الْعَصْرِ قال وَلَا يُعْتَبَرُ في انْقِرَاضِ الْعَصْرِ مَوْتُ جَمِيعِ أَهْلِهِ لِأَنَّهُ لَا يَنْحَصِرُ وقد تَتَدَاخَلُ الْأَعْصَارُ وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ في انْقِرَاضِهِ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَسْتَوْلِيَ على الْعَصْرِ الثَّانِي غَيْرُ أَهْلِ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي أَنْ يَنْقَضِيَ فِيهِمْ من بَقِيَ من أَهْلِ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ
  111. لِأَنَّ أَنَسَ بن مَالِكٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بن أبي أَوْفَى عَاشَا إلَى عَصْرِ التَّابِعِينَ وَتَطَاوَلَا إلَى أَنْ جَمَعَا بين عَصْرَيْنِ فلم يَدُلَّ ذلك على بَقَاءِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ منهم قال ثُمَّ إذَا كان انْقِرَاضُ الْعَصْرِ شَرْطًا في اسْتِقْرَارِ الْإِجْمَاعِ فَهُوَ مُعْتَبَرٌ في الْأَحْكَامِ التي لَا يَتَعَلَّقُ بها إتْلَافٌ وَاسْتِهْلَاكٌ لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ قال وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في انْقِرَاضِ الْعَصْرِ هل هو شَرْطٌ في الْإِجْمَاعِ انْعِقَادًا على وَجْهَيْنِ قُلْت وَحَاصِلُهُ أَنَّ الِانْقِرَاضَ شَرْطٌ في اسْتِقْرَارِ الْإِجْمَاعِ قَطْعًا وَهَلْ هو شَرْطٌ في انْعِقَادِهِ فيه الْخِلَافُ السَّابِقُ رَابِعُهَا أَنْ لَا يَلْحَقَ بِالْعَصْرِ الْأَوَّلِ من يُنَازِعُهُمْ من أَهْلِ الْعَصْرِ الثَّانِي فَإِنْ لَحِقَ بِعَصْرِ الصَّحَابَةِ بَعْضُ التَّابِعِينَ فَخَالَفَ في إجْمَاعِهِمْ فَفِيهِ وَجْهَانِ وَفَصَّلَ في مَوَاضِعَ أُخَرَ بين أَنْ يَكُونَ من أَهْلِ الِاجْتِهَادِ حَالَةَ حُدُوثِ الْوَاقِعَةِ فَيُعْتَبَرُ وَإِلَّا فَلَا وقال إنَّهُ الْمَذْهَبُ
  112. الْفَصْلُ الْخَامِسُ في الْمُجْمَعِ عليه وهو ما يَكُونُ الْإِجْمَاعُ فيه دَلِيلًا وَحُجَّةً وهو كُلُّ أَمْرٍ دِينِيٍّ لَا يَتَوَقَّفُ ثُبُوتُ حُجَّةِ الْإِجْمَاعِ على ثُبُوتِهِ لَا كَإِثْبَاتِ الْعَالَمِ لِلصَّانِعِ وَكَوْنِهِ قَادِرًا عَالِمًا مُرِيدًا كَالنُّبُوَّاتِ فإنه لَا يَصْلُحُ إثْبَاتُ شَيْءٍ منها بِالْإِجْمَاعِ لِلُّزُومِ الدَّوْرِ لِتَوَقُّفِ ثُبُوتِ الْمَدْلُولِ على ثُبُوتِ الدَّلِيلِ جَرَيَانُ الْإِجْمَاعِ في الْعَقْلِيَّاتِ وقال الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وَالشَّيْخُ في اللُّمَعِ وَصَاحِبُ الْقَوَاطِعِ وَغَيْرُهُمْ الْإِجْمَاعُ حُجَّةٌ في جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَأَمَّا الْأَحْكَامُ الْعَقْلِيَّةُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ أَحَدُهُمَا ما يَجِبُ تَقْدِيمُ الْعَمَلِ بِهِ على الْعِلْمِ بِصِحَّةِ السَّمْعِ كَحُدُوثِ الْعَالَمِ وَإِثْبَاتِ الصَّانِعِ وَإِثْبَاتِ صِفَاتِهِ فَلَا يَكُونُ الْإِجْمَاعُ حُجَّةً فيها كما لَا يَثْبُتُ الْكِتَابُ بِالسُّنَّةِ وَالْكِتَابُ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ قبل السُّنَّةِ وَالثَّانِي ما لَا يَجِبُ تَقْدِيمُ الْعَمَلِ بِهِ على السَّمْعِ كَجَوَازِ الرِّوَايَةِ وَغُفْرَانِ الذُّنُوبِ وَالتَّعَبُّدِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ فَالْإِجْمَاعُ فيه حُجَّةٌ وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَتَلَخَّصُ في هذه الْمَسْأَلَةِ أَعْنِي جَرَيَانَ الْإِجْمَاعِ في الْعَقْلِيَّاتِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ أَحَدُهَا الْجَوَازُ مُطْلَقًا وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ عن الْقَاضِي فقال وقال شَيْخُنَا أبو بَكْرٍ محمد بن الطَّيِّبِ الْأَشْعَرِيُّ يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِالْإِجْمَاعِ في جَمِيعِ الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ وَلِذَلِكَ اسْتَدَلَّ على نَفْيِ قَدِيمٍ عَاجِزٍ أو مَيِّتٍ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعُقُولِ على نَفْيِهِ وَالثَّانِي الْمَنْعُ مُطْلَقًا وَبِهِ جَزَمَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَنَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ عن أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا اسْتِغْنَاءً بِدَلِيلِ الْعَقْلِ عن الْإِجْمَاعِ قال الْأَصْفَهَانِيُّ وهو الْحَقُّ نعم يُسْتَعْمَلُ الْإِجْمَاعُ في عِلْمِ الْكَلَامِ لَا لِإِفَادَةِ الْعِلْمِ بَلْ لِإِلْزَامِ الْخَصْمِ وَإِفْحَامِهِ وَبِهِ جَزَمَ سُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ بِنَاءً على أَنَّ الْإِجْمَاعَ يَثْبُتُ حُجَّةً بِالسَّمْعِ لَا بِالْعَقْلِ وقال إلْكِيَا يَنْشَأُ من أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ من جِهَةِ السَّمْعِ أَنَّهُ إنَّمَا يُحْتَجُّ بِهِ فِيمَا طَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ السَّمْعُ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُعْرَفَ بِالْإِجْمَاعِ ما يَجِبُ أَنْ تَتَقَدَّمَ مَعْرِفَتُهُ قبل مَعْرِفَةِ الْإِجْمَاعِ كَإِثْبَاتِ الصَّانِعِ
  113. وَالنُّبُوَّاتِ وَالثَّالِثُ التَّفْصِيلُ بين كُلِّيَّاتِ أُصُولِ الدِّينِ كَحُدُوثِ الْعَالَمِ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ وَبَيْنَ جُزْئِيَّاتِهِ كَجَوَازِ الرُّؤْيَةِ فَيَثْبُتُ بِهِ ثُمَّ فيه مَسَائِلُ الْأُولَى يَجُوزُ أَنْ يُعْلَمَ بِالْإِجْمَاعِ كُلُّ ما يَصِحَّ أَنْ يُعْلَمَ بِالنُّصُوصِ وَغَيْرِهَا من أَدِلَّةِ الشَّرْعِ وَيَصِحُّ أَنْ تُعْلَمَ السَّمْعِيَّاتُ كُلُّهَا من نَاحِيَتِهِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ الثَّانِيَةُ قد اسْتَدَلَّ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا على كَوْنِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُتَكَلِّمًا صَادِقًا في كَلَامِهِ بِالْإِجْمَاعِ وَأَلْزَمَ الدَّوْرُ قال الْقُرْطُبِيُّ وَالْحَقُّ التَّفْصِيلُ فَإِنْ قُلْنَا إنَّ الْمُعْجِزَةُ تَدُلُّ على صِدْقِ الْمُتَحَدِّي من حَيْثُ إنَّهَا تَنَزَّلَتْ مَنْزِلَةَ التَّصْدِيقِ بِالْقَوْلِ فَالدَّوْرُ لَازِمٌ وَإِنْ قُلْنَا إنَّهَا تَدُلُّ دَلَالَةَ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ لم يَلْزَمْ الثَّالِثَةُ قِيلَ يُمْكِنُ إثْبَاتُ حُدُوثِ الْعَالَمِ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُنَا إثْبَاتُ الصَّانِعِ بِحُدُوثِ الْأَعْرَاضِ ثُمَّ تُعْرَفُ صِحَّةُ النُّبُوَّةِ بِالْمُعْجِزَةِ ثُمَّ تُعْرَفُ من جِهَةِ النُّبُوَّةِ حُجِّيَّةُ الْإِجْمَاعِ ثُمَّ تُعْرَفُ بِهِ حُدُوثُ الْعَالَمِ قال وَيُمْكِنُنَا التَّمَسُّكُ بِهِ في التَّوَصُّلِ إلَيْهِ وَفِيهِ نَظَرٌ الرَّابِعَةُ اُخْتُلِفَ في الْإِجْمَاعِ في الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ كَالْآرَاءِ وَالْحُرُوبِ وَالْعَادَةِ وَالزِّرَاعَةِ هل هِيَ حُجَّةٌ فَأَطْلَقَ الشَّيْخُ في اللُّمَعِ وَالْغَزَالِيُّ وَإِلْكِيَا وَغَيْرُهُمْ أَنَّهُ ليس بِحُجَّةٍ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ إنَّهُ الْأَصَحُّ قال إلْكِيَا لَا يَبْعُدُ خَطَأُ الْأُمَّةِ في ذلك وَعُمْدَتُهُمْ أَنَّ الْمَصَالِحَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمَانِ فَلَوْ قِيلَ بِحُجِّيَّتِهِ فَرُبَّمَا اخْتَلَفَتْ تِلْكَ الْمَصْلَحَةُ في زَمَنٍ وَصَارَتْ في غَيْرِهِ فَيَلْزَمُ تَرْكُ الْمَصْلَحَةِ وَإِثْبَاتُ ما لَا مَصْلَحَةَ فيه وهو مَحْذُورٌ وَمِنْهُمْ من ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ قال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ إنَّهُ الْأَشْبَهُ بِمَذْهَبِ أَصْحَابِهِمْ لِأَنَّ ذلك الْأَمْرَ الذي أَجْمَعَتْ عليه وَإِنْ كان من جَلْبِ الْمَنَافِعِ وَاجْتِنَابِ الْمَضَارِّ فَقَدْ صَارَ أَمْرًا دِينِيًّا وَجَبَتْ مُرَاعَاتُهُ فَيَتَنَاوَلُ ذلك الْإِجْمَاعُ أَدِلَّةَ الْإِجْمَاعِ وَمِنْهُمْ من فَصَّلَ بين ما يَكُونُ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الرَّأْيِ وَبَيْنَ ما يَكُونُ قَبْلَهُ فقال بِحُجِّيَّةِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي وَلَعَلَّ هذا تَنْقِيحُ ضَابِطٍ لِلْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ ==
  114. =========ج18.=========ج18.==================
  115. مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة

  116. ج18. كتاب : البحر المحيط في أصول الفقه
  117. المؤلف : بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي
  118. فَلَا يُعَدُّ قَوْلًا ثَالِثًا وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا فَرْقَ في ثُبُوتِ الْحُكْمِ الدِّينِيِّ وَالدُّنْيَوِيِّ في الِاسْتِنَادِ إلَى ما لَا يَقَعُ فيه الْخَطَأُ وهو الْإِجْمَاعُ لِقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي على الْخَطَأِ ولم يُعَيِّنْ الدِّينِيَّ وَلَك أَنْ تَقُولَ إنَّ الْإِجْمَاعَ في أُمُورِ الدُّنْيَا مُتَعَذِّرٌ لِمُخَالَفَةِ الزُّهَّادِ لِأَهْلِهَا فما يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ مع مُخَالَفَتِهِمْ وَلِهَذَا اخْتَلَفَ قَوْلُ عبد الْجَبَّارِ في الدِّينِيَّةِ الْخَامِسَةُ إذَا أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ على أَمْرٍ لُغَوِيٍّ فَإِنْ كان له تَعَلُّقٌ بِالدِّينِ كان إجْمَاعًا مُعْتَدًّا بِهِ وَإِلَّا فَلَا خِلَافًا لِمَنْ أَطْلَقَ الْأَمْرَ الْمُجْمَعَ عليه السَّادِسَةُ هل يَصِحُّ أَنْ يُجْمِعُوا على أَنَّهُ لَا دَلِيلَ على كَذَا إلَّا ما اسْتَدَلُّوا بِهِ قال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ يُنْظَرُ فَإِنْ كان الدَّلِيلُ الثَّانِي مِمَّا يَتَغَيَّرُ دَلَالَتُهُ صَحَّ إجْمَاعُهُمْ على مَنْعِ كَوْنِهِ دَلِيلًا مِثْلُ أَنْ يَتَعَرَّفَ لِلْخُصُوصِ أو يَنْقُلَهُ إلَى الْمَجَازِ أو النَّسْخِ وَنَحْوِهِ فَإِنْ لم يَتَغَيَّرْ فَلَا يَصِحُّ إجْمَاعُهُمْ على ثَانِي دَلِيلٍ سِوَى ما اسْتَدَلُّوا بِهِ كما لَا يَصِحُّ منهم الْإِجْمَاعُ على أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا
  119. الْفَصْلُ السَّادِسُ في أَحْكَامِ الْإِجْمَاعِ حُكْمُ مُنْكِرِ الْإِجْمَاعِ وَفِيهِ بَحْثَانِ الْأَوَّلُ في تَحْرِيمِ مُخَالَفَتِهِ وَفِيهِ مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ أَنَّ من أَنْكَرَ الْإِجْمَاعَ هل يُكَفَّرُ وهو قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا إنْكَارُ كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً فَيُنْظَرُ إنْ أَنْكَرَ حُجِّيَّةَ الْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ أو الْإِجْمَاعِ الذي لم يَنْقَرِضْ أَهْلُ عَصْرِهِ وَنَحْوَ ذلك من الْإِجْمَاعَاتِ التي اعْتَبَرَ الْعُلَمَاءُ الْمُعْتَبَرُونَ في انْتِهَاضِهَا حُجَّةً فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ وَلَا يُبَدَّعُ وَإِنْ أَنْكَرَ أَصْلَ الْإِجْمَاعِ وَأَنَّهُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ فَالْقَوْلُ في تَكْفِيرِهِ كَالْقَوْلِ في تَكْفِيرِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ وَالثَّانِي أَنْ يُنْكِرَ حُكْمَ الْإِجْمَاعِ فيقول مَثَلًا لَيْسَتْ الصَّلَاةُ وَاجِبَةً وَلَيْسَ لِبِنْتِ الِابْنِ مع الْأُمِّ السُّدُسُ فَلَهُ أَحْوَالٌ أَحَدُهَا بِأَنْ يَكُونَ قد بَلَغَهُ الْإِجْمَاعُ في ذلك وَأَنْكَرَهُ وَلَجَّ فيه فَإِنْ كانت مَعْرِفَتُهُ ظَاهِرَةً كَالصَّلَاةِ كَفَرَ أو خَفِيَّةً كَمَسْأَلَةِ الْبِنْتِ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ ثَانِيهَا أَنْ يُنْكِرَ وُقُوعَ الْإِجْمَاعِ بَعْدَ أَنْ يَبْلُغَهُ فيقول لم يَقَعْ وَلَوْ وَقَعَ لَقُلْتُ بِهِ فَإِنْ كان الْمُخْبِرُ عن وُقُوعِهِ الْخَاصَّةَ دُونَ الْعَامَّةِ كَمَسْأَلَةِ الْبِنْتِ فَلَا يَكْفُرُ على الْأَظْهَرِ وَإِنْ كان الْمُخْبِرُ الْخَاصَّةَ وَالْعَامَّةَ كَالصَّلَاةِ كَفَرَ وَثَالِثُهَا أَنْ لَا يَبْلُغَهُ فَيُعْذَرُ في الْخَفِيِّ دُونَ الْجَلِيِّ إنْ لم يَكُنْ قَرِيبَ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ من أَصْحَابِنَا منهم الْبَغَوِيّ في أَوَائِلِ التَّهْذِيبِ وَإِلْكِيَا وابن بَرْهَانٍ وابن السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُمْ تَقْسِيمَ الْإِجْمَاعِ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ الْأَوَّلُ ما يَشْتَرِكُ الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ فيه كَأَعْدَادِ الصَّلَوَاتِ وَرَكَعَاتِهَا وَالْحَجِّ وَالصِّيَامِ وَزَمَانِهِمَا وَتَحْرِيمِ الزِّنَى وَالْخَمْرِ وَالسَّرِقَةِ فَمَنْ اعْتَقَدَ في شَيْءٍ من ذلك خِلَافَ ما انْعَقَدَ عليه الْإِجْمَاعُ فَهُوَ كَافِرٌ لِأَنَّهُ صَارَ بِخِلَافِهِ جَاحِدًا لِمَا قَطَعَ من دِينِ الرَّسُولِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَصَارَ كَالْجَاحِدِ لِصِدْقِهِ قال إلْكِيَا وَيَكْفُرُ مَخَالِفُهُ من حَيْثُ إنَّهُ مَنْقُولٌ عن الشَّرْعِ قَطْعًا فَإِنْكَارُهُ كَإِنْكَارِ أُصُولِ الدِّينِ وَالثَّانِي إجْمَاعُ الْخَاصَّةِ فَقَطْ وهو ما يَنْفَرِدُ بِمَعْرِفَتِهِ الْعُلَمَاءُ كَتَحْرِيمِ الْمَرْأَةِ على عَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا وَإِفْسَادِ الْحَجِّ بِالْوَطْءِ قبل الْوُقُوفِ وَتَوْرِيثِ الْجَدَّةِ السُّدُسَ وَمَنْعِ
  120. تَوْرِيثِ الْقَاتِلِ وَمَنْعِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ فإذا اعْتَقَدَ في شَيْءٍ من ذلك خِلَافَ ما عليه الْإِجْمَاعُ يُحْكَمُ بِضَلَالِهِ وَخَطَئِهِ وَمَعْصِيَتِهِ بِإِنْكَارِ ما خَالَفَ قال الْبَغَوِيّ وَمِنْهُ أَنَّهُ يُجْمِعُ عُلَمَاءُ كل عَصْرٍ على حُكْمِ حَادِثَةٍ إمَّا قَوْلًا أو فِعْلًا فَهُوَ حُجَّةٌ لَكِنْ لَا يُكَفَّرُ جَاحِدُهُ بَلْ يُخَطَّأُ وَيُدْعَى إلَى الْحَقِّ وَلَا مَسَاغَ له فيه لِاجْتِهَادٍ ا هـ وهو ظَاهِرٌ لِأَنَّ هذا إجْمَاعٌ ظَنِّيٌّ لَا قَطْعِيٌّ لَكِنْ حَكَى الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ خِلَافًا فِيمَنْ جَحَدَ مُجْمَعًا عليه غير مَعْلُومٍ بِالضَّرُورَةِ هل يَكْفُرُ فقال فيه وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ على أَنَّ ما أَجْمَعَ عليه الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ هل الْعَامَّةُ مَقْصُودَةٌ وَجْهَانِ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَكْفُرُ لِأَنَّهُ لم يُخَالِفْ جَمِيعَ الْمَعْصُومِينَ في الْإِجْمَاعِ وَعَلَى الثَّانِي يَكْفُرُ وهو اخْتِيَارُ الْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ وَأَطْلَقَ الرَّافِعِيُّ الْقَوْلَ بِالْكُفْرِ بِجُحُودِ الْحُكْمِ الْمُجْمَعِ عليه وَاسْتَدْرَكَ عليه النَّوَوِيُّ وَفَصَّلَ بين أَنْ يَكُونَ فيه نَصٌّ وهو من الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ التي يَشْتَرِكُ في مَعْرِفَتِهَا الْخَوَاصُّ وَالْعَوَامُّ فَكَافِرٌ وَإِنْ اخْتَصَّ بِمَعْرِفَتِهِ الْخَاصَّةُ فَلَا وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا لَا نَصَّ فيه فَفِي الْحُكْمِ بِتَكْفِيرِهِ خِلَافٌ وَصَحَّحَ في بَابِ الرِّدَّةِ فيه الْقَوْلَ بِالتَّكْفِيرِ وما جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ من التَّكْفِيرِ في الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فيه خِلَافٌ أَشَارَ إلَيْهِ الرَّافِعِيُّ في بَابِ حَدِّ الشُّرْبِ فقال من اسْتَحَلَّ شُرْبَ الْخَمْرِ كَفَرَ لِلْإِجْمَاعِ على تَحْرِيمِهِ ولم يَسْتَحْسِنْ الْإِمَامُ إطْلَاقَ الْقَوْلِ بِتَكْفِيرِ الْمُسْتَحِلِّ فقال كَيْفَ يَكْفُرُ من خَالَفَ الْإِجْمَاعَ وَنَحْنُ لَا نُكَفِّرُ من رَدَّ أَصْلَ الْإِجْمَاعِ وَإِنَّمَا نُبَدِّعُهُ وَنُضَلِّلُهُ وَأَوَّلُ ما ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ على ما إذَا صَدَّقَ الْمُجْمِعِينَ على أَنَّ التَّحْرِيمَ ثَابِتٌ في الشَّرْعِ ثُمَّ حَلَّلَهُ فإنه يَكُونُ رَادًّا لِلشَّرْعِ قال الرَّافِعِيُّ وَهَذَا أَوْضَحُ فَلْيُحَرَّرْ مِثْلُهُ في سَائِرِ ما حَصَلَ بِالْإِجْمَاعِ على افْتِرَاضِهِ فَنَفَاهُ أو تَحْرِيمِهِ فَأَثْبَتَهُ ا هـ وَاَلَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ في الْبُرْهَانِ أَنَّ من اعْتَرَفَ بِالْإِجْمَاعِ وَأَقَرَّ بِصِدْقِ الْمُجْمِعِينَ في النَّقْلِ ثُمَّ أَنْكَرَ ما أَجْمَعُوا عليه كان هذا التَّكْذِيبُ آيِلًا إلَى تَكْذِيبِ الشَّارِعِ وَمَنْ كَذَّبَ الشَّارِعَ كَفَرَ وَالْقَوْلُ الضَّابِطُ فيه أَنَّ من أَنْكَرَ طَرِيقًا في ثُبُوتِ الشَّرْعِ لم يَكْفُرْ وَمَنْ اعْتَرَفَ بِكَوْنِ الشَّيْءِ من الشَّرْعِ ثُمَّ جَحَدَهُ كان مُنْكِرًا لِلشَّرْعِ وَإِنْكَارُ بَعْضِهِ كَإِنْكَارِ كُلِّهِ وقال الشَّيْخُ أبو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ في دِيبَاجَةِ كِتَابِهِ الْمُحِيطِ في إنْكَارِ إجْمَاعِ الْخَاصَّةِ
  121. إنْ كان من الْعُلَمَاءِ فَهُوَ مُرْتَدٌّ لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى عليه وَإِنْ كان من الْعَوَامّ فَفِي الْحُكْمِ بِرِدَّتِهِ وَجْهَانِ وَعَلَيْهِمَا نَقْتُلُهُ لَكِنْ على الثَّانِي نَقْتُلُهُ حَدًّا وَعَلَى الْأَوَّلِ لِلرِّدَّةِ وقال الْإِمَامُ أبو الْفَضْلِ الْفَزَارِيّ فَقِيهُ الْحَرَمِ من جَحَدَ أَصْلًا مُجْمَعًا عليه كَفَرَ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لَا يُكَفَّرُ إلَّا بِمَا اشْتَرَطْنَا في الْإِسْلَامِ إذَا أَنْكَرَهُ وقال أبو الْحُسَيْنِ السُّهَيْلِيُّ في أَدَبِ الْجَدَلِ الْأَقْرَبُ أَنْ يُنْظَرَ في الْمُخَالِفِ لِلْإِجْمَاعِ فَإِنْ كان لَا يَعْتَقِدُ كَوْنَهُ حُجَّةً فإنه يُخَطَّأُ وَيُفَسَّقُ وَلَا يُكَفَّرُ وَإِنْ كان يَعْتَقِدُ أَنَّهُ حُجَّةٌ فَإِنْ ثَبَتَ الْإِجْمَاعُ بِالتَّوَاتُرِ فَهُوَ كَافِرٌ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ على نَفْسِهِ بِالْمُعَانَدَةِ وَإِنْ ثَبَتَ بِالْآحَادِ فإنه مُخْطِئٌ أو فَاسِقٌ وَاعْلَمْ أَنَّ كَلَامَ الْآمِدِيَّ وَابْنِ الْحَاجِبِ في هذه الْمَسْأَلَةِ في غَايَةِ الْقَلِقِ فَإِنَّهُمَا حَكَيَا مَذَاهِبَ في مُنْكِرِ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ ثَالِثُهَا الْمُخْتَارُ أَنَّ نحو الْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ يَكْفُرُ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ له قَوْلًا بِالتَّكْفِيرِ في الْأَمْرِ الْخَفِيِّ وَقَوْلًا بِعَدَمِهِ في نَحْوِ الْعِبَادَاتِ الْخَمْسِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَعِبَارَةُ الْهِنْدِيِّ في النِّهَايَةِ هُنَا في غَايَةِ الْحُسْنِ فإنه قال جَاحِدُ الْحُكْمِ الْمُجْمَعِ عليه من حَيْثُ إنَّهُ مُجْمَعٌ بِإِجْمَاعٍ قَطْعِيٍّ لَا يَكْفُرُ عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ خِلَافًا لِبَعْضِ الْفُقَهَاءِ وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا من حَيْثُ إنَّهُ مُجْمَعٌ عليه لِأَنَّ من أَنْكَرَ وُجُوبَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَنَحْوَهَا يَكْفُرُ وهو مُجْمَعٌ عليه لَكِنْ لَا لِأَنَّهُ مُجْمَعٌ عليه بَلْ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ من دِينِ مُحَمَّدٍ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِالْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ لِأَنَّ جَاحِدَ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ الظَّنِّيِّ لَا يُكَفَّرُ وِفَاقًا انْتَهَى وقال أبو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ الْحَقُّ في هذه الْمَسْأَلَةِ التَّفْصِيلُ فَإِنْ قُلْنَا إنَّ أَدِلَّةَ الْإِجْمَاعِ ظَنِّيَّةٌ فَلَا شَكَّ في نَفْيِ التَّكْفِيرِ لِأَنَّ الْمَسَائِلَ الظَّنِّيَّةَ اجْتِهَادِيَّةٌ وَلَا نُكَفِّرُ فيها بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ قُلْنَا قَطْعِيَّةٌ فَهَؤُلَاءِ هُمْ الْمُخْتَلِفُونَ في تَكْفِيرِهِ وَالصَّوَابُ أَنْ لَا يَكْفُرَ وَإِنْ قُلْنَا إنَّ تِلْكَ الْأَدِلَّةَ قَطْعِيَّةٌ مُتَوَاتِرَةٌ لِأَنَّ هذا لَا تَعُمُّ مَعْرِفَتُهُ كُلَّ أَحَدٍ بِخِلَافِ من جَحَدَ سَائِرَ الْمُتَوَاتِرَاتِ وَالتَّوَقُّفُ عن التَّكْفِيرِ أَوْلَى من الْهُجُومِ عليه فَقَدْ قال عليه السَّلَامُ من قال لِأَخِيهِ يا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ أَحَدُهُمَا فَإِنْ كان كما قال وَإِلَّا جَاءَتْ عليه ا هـ وقد قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ أَمَّا من قال إنَّ دَلِيلَ الْإِجْمَاعِ ظَنِّيٌّ فَلَا سَبِيلَ
  122. إلَى تَكْفِيرِ مُخَالِفِهِ كَسَائِرِ الظَّنِّيَّاتِ وَأَمَّا من قال إنَّ دَلِيلَهُ قَطْعِيٌّ فَالْحُكْمُ الْمُخَالِفُ فيه إمَّا أَنْ يَكُونَ طَرِيقُ إثْبَاتِهِ قَطْعِيًّا أو ظَنِّيًّا فَإِنْ كان ظَنِّيًّا فَلَا سَبِيلَ إلَى التَّكْفِيرِ وَإِنْ كان قَطْعِيًّا فَقَدْ اخْتَلَفُوا فيه وَلَا يُتَوَجَّهُ الْخِلَافُ فِيمَا تَوَاتَرَ من ذلك عن صَاحِبِ الشَّرْعِ بِالنَّقْلِ فإنه يَكُونُ تَكْذِيبًا مُوجِبًا لِلْكُفْرِ بِالضَّرُورَةِ وَإِنَّمَا يُتَوَجَّهُ الْخِلَافُ فِيمَا حَصَلَ فيه الْإِجْمَاعُ بِطَرِيقٍ قَطْعِيٍّ أَعْنِي أَنَّهُ ثَبَتَ وُجُودُ الْإِجْمَاعِ بِهِ إذَا لم يَنْقُلْ أَهْلُ الْإِجْمَاعِ الْحُكْمَ بِالتَّوَاتُرِ عن صَاحِبِ الشَّرْعِ فَتَلَخَّصَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ تَارَةً يَصْحَبُهُ التَّوَاتُرُ بِالنَّقْلِ عن صَاحِبِ الشَّرْعِ وَتَارَةً لَا فَالْأَوَّلُ لَا يُخْتَلَفُ في تَكْفِيرِهِ وَالثَّانِي قد يُخْتَلَفُ فيه فَلَا يُشْتَرَطُ في النَّقْلِ عن صَاحِبِ الشَّرْعِ لَفْظٌ مُعَيَّنٌ بَلْ قد يَكُونُ ذلك مَعْلُومًا بِالْقَطْعِ بِأُمُورٍ خَارِجَةٍ عن الْحَصْرِ كَوُجُوبِ الْأَرْكَانِ الْخَمْسَةِ فَتَنَبَّهْ لِهَذَا فَقَدْ غَلَطَ فيه من يَعْتَقِدُ في نَفْسِهِ وَيَعْتَقِدُ من الْمَائِلِينَ إلَى الْفَلْسَفَةِ حَيْثُ حَكَمَ بِكُفْرِ الْفَلَاسِفَةِ لِإِنْكَارِهِمْ عِلْمَ الْبَارِئِ عز وجل بِالْجُزْئِيَّاتِ وَحُدُوثِ الْعَالَمِ وَحَشْرِ الْأَجْسَادِ فَتَوَهَّمَ هذا الْإِنْسَانُ أَنْ يَخْرُجَ على الْخِلَافِ في مُخَالِفِ الْإِجْمَاعِ وهو خَطَأٌ فَاحِشٌ لِأَنَّ هذا من الْقِسْمِ الذي صَحِبَ التَّوَاتُرُ فيه الْإِجْمَاعَ تَوَاتُرًا قَطْعِيًّا مَعْلُومًا بِأُمُورٍ غَيْرِ مُنْحَصِرَةٍ ا هـ وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ ابْنَ رُشْدٍ فإن له كِتَابَ فَصْلِ الْمَقَالِ فِيمَا بين الشَّرِيعَةِ وَالْحِكْمَةِ من اتِّصَالِ وَرَدَّ على الْغَزَالِيِّ في تَكْفِيرِ الْفَلَاسِفَةِ في ذلك
  123. الْمَبْحَثُ الثَّانِي فِيمَا يُعَدُّ خَرْقًا لِلْإِجْمَاعِ وما لَا يُعَدُّ وَفِيهِ مَسَائِلُ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى هل يَجُوزُ أَنْ يُجْمَعَ على شَيْءٍ سَبَقَ خِلَافُهُ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ إحْدَاهَا في انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ بَعْدَ الْإِجْمَاعِ على شَيْءٍ سَبَقَ خِلَافُهُ وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنْ يَكُونَ من الْمُجْمِعِينَ كما لو أَجْمَعَ أَهْلُ عَصْرٍ على حُكْمٍ ثُمَّ ظَهَرَ لهم ما يُوجِبُ الرُّجُوعَ وَأَجْمَعُوا عليه فَفِي جَوَازِ الرُّجُوعِ خِلَافٌ مَبْنِيٌّ على اشْتِرَاطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ في الْإِجْمَاعِ فَمَنْ اعْتَبَرَهُ جَوَّزَ ذلك وَمَنْ لم يَعْتَبِرْهُ وهو الرَّاجِحُ لم يُجَوِّزْهُ وكان إجْمَاعُهُمْ الْأَوَّلُ حُجَّةً عليهم وَعَلَى غَيْرِهِمْ الثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ من غَيْرِهِمْ فَمَنَعَهُ الْأَكْثَرُونَ أَيْضًا وَإِلَّا لَتَصَادَمَ الْإِجْمَاعَانِ وَجَوَّزَهُ أبو عبد اللَّهِ الْبَصْرِيُّ قال الْإِمَامُ الرَّازِيَّ وهو الْأَوْلَى لِأَنَّهُ لَا امْتِنَاعَ في إجْمَاعِ الْأُمَّةِ على قَوْلٍ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَطْرَأَ عليه إجْمَاعٌ آخَرُ وَلَكِنْ لَمَّا اتَّفَقَ أَهْلُ الْإِجْمَاعِ على أَنَّ كُلَّ ما أَجْمَعُوا عليه فإنه يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ في كل الْأَعْصَارِ أَمْنًا من وُقُوعِ هذا الْجَائِزِ فَعَدَمُ الْجَوَازِ عِنْدَهُ مُسْتَفَادٌ من الْإِجْمَاعِ الثَّانِي لَا من الْإِجْمَاعِ الْأَوَّلِ وَعِنْدَ الْجَمَاهِيرِ هو مُسْتَفَادٌ من الْإِجْمَاعِ الْأَوَّلِ من غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى الْإِجْمَاعِ الثَّانِي وَالْحَاصِلُ أَنَّ نَفْسَ كَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةٌ يَقْتَضِي امْتِنَاعَ حُصُولِ إجْمَاعٍ آخَرَ مُخَالِفٍ بَعْدَهُ عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ وَعِنْدَ الْبَصْرِيِّ لَا يَقْتَضِي ذلك لِإِمْكَانِ تَصَوُّرِ كَوْنِهِ حُجَّةً إلَى غَايَةِ إمْكَانِ حُصُولِ إجْمَاعٍ آخَرَ قال الْهِنْدِيُّ وَعِنْدَ هذا ظَهَرَ أَنَّ مَأْخَذَ أبي عبد اللَّهِ الْبَصْرِيِّ قَوِيٌّ قِيلَ اتَّفَقُوا على أَنَّهُ لم يَقَعْ وما ذُكِرَ من قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَجْمَعُوا على رَدِّ شَهَادَةِ الْعَبْدِ وما رُوِيَ عن أَنَسٍ أَجْمَعُوا على قَبُولِهَا فَاَلَّذِي نُقِلَ عن أَنَسٍ لم يَصِحَّ عنه وَكَذَا قَوْلُنَا أَجْمَعُوا على الْقَوْلِ بِالْقِيَاسِ وَقَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ أَجْمَعُوا على بُطْلَانِ الْقِيَاسِ مَرْدُودٌ
  124. وَحَكَى أبو الْحُسَيْنِ السُّهَيْلِيُّ في كِتَابِ أَدَبِ الْجَدَلِ له في هذه الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا غَرِيبًا فقال إذَا أَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ على قَوْلٍ ثُمَّ أَجْمَعَ التَّابِعُونَ على قَوْلٍ آخَرَ فَعَنْ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ جَوَابَانِ أَحَدُهُمَا وهو الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وُقُوعُ مِثْلِهِ لِأَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَخْبَرَ أَنَّ أُمَّتَهُ لَا تَجْتَمِعُ على الضَّلَالَةِ وَالثَّانِي لو صَحَّ وُقُوعُهُ فإنه يَجِبُ على التَّابِعِينَ الرُّجُوعُ إلَى قَوْلِ الصَّحَابَةِ لِأَنَّا لَمَّا وَجَدْنَاهُمْ مُجْمِعِينَ على قَوْلٍ وَاحِدٍ عَلِمْنَا كَوْنَهُمْ مُجْمِعِينَ فيه فلم يَجُزْ تَرْكُهُ بِمَا يَتَحَقَّقُ كَوْنُهُ حَقًّا وَقِيلَ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقٌّ وَصَوَابٌ على قَوْلِ من يقول إنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ في حُدُوثِ الْإِجْمَاعِ بَعْدَ سَبْقِ الْخِلَافِ بِأَنْ يَخْتَلِفَ أَهْلُ الْعَصْرِ على قَوْلَيْنِ في مَسْأَلَةٍ لم يَقَعْ الْإِجْمَاعُ منهم على أَحَدِهِمَا وَالتَّفْرِيعُ على جَوَازِ صُدُورِهِ عن الِاجْتِهَادِ كما قَالَهُ إلْكِيَا فَلِلْخِلَافِ حَالَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنْ لَا يَسْتَقِرَّ بِأَنْ يَكُونَ الْمُجْتَهِدُونَ في مُهْلَةِ النَّظَرِ ولم يَسْتَقِرَّ لهم قَوْلٌ كَخِلَافِ الصَّحَابَةِ لِأَبِي بَكْرٍ رضي اللَّهُ عنه في قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَإِجْمَاعِهِمْ بَعْدَ ذلك قال الشَّيْخُ في اللُّمَعِ صَارَتْ الْمَسْأَلَةُ إجْمَاعِيَّةً بِلَا خِلَافٍ وَحَكَى الْهِنْدِيُّ تَبَعًا لِلْإِمَامِ أَنَّ الصَّيْرَفِيَّ خَالَفَ في ذلك ولم أَرَهُ في كِتَابِهِ بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِهِ يُشْعِرُ بِالْوِفَاقِ في هذه الْمَسْأَلَةِ وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُ يَسْتَقِرُّ وَيَمْضِي أَصْحَابُ الْخِلَافِ عليه مُدَّةً وَفِيهِ مَسَائِلُ إحْدَاهَا إذَا اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَصْرِ على قَوْلَيْنِ فَهَلْ يَجُوزُ لِأَهْلِ ذلك الْعَصْرِ بِعَيْنِهِمْ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْخِلَافِ الِاتِّفَاقُ على أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَالْمَنْعُ من الْمَصِيرِ إلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ فيه خِلَافٌ وَبِتَقْدِيرِ وُقُوعِهِ هل يَصِيرُ إجْمَاعًا مُتَّبَعًا أَمْ لَا اخْتَلَفُوا فيه بِنَاءً على مَسْأَلَةِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ في الْإِجْمَاعِ فَإِنْ اشْتَرَطْنَاهُ جَازَ وُقُوعُهُ قَطْعًا وكان حُجَّةً إذْ ليس فيه ما يُوهِمُ تَعَارُضَ الْإِجْمَاعَيْنِ على هذا الرَّأْيِ وَلِأَنَّ اخْتِلَافَهُمْ على قَوْلَيْنِ ليس بِأَكْثَرَ من إجْمَاعِهِمْ على قَوْلٍ وَاحِدٍ فإذا جَازَ الرُّجُوعُ في الْوَاحِدِ الْمُتَّفَقِ عليه فَفِي الْمُخْتَلَفِ فيه أَوْلَى وَالشَّرْطُ كما قَالَهُ ابن كَجٍّ أَنْ يَرْجِعَ الْجَمِيعُ من قَبْلِ أَنْ يَنْقَرِضَ منهم وَاحِدٌ وَإِنْ لم يُشْتَرَطْ فَفِيهِ مَذَاهِبُ أَحَدُهَا الْمَنْعُ مُطْلَقًا كما لو اتَّفَقُوا على قَوْلٍ ثُمَّ رَجَعُوا بِأَسْرِهِمْ وَلِتَنَاقُضِ الْإِجْمَاعَيْنِ وَبِهِ قال الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِ وَنَقَلَهُ ابن بَرْهَانٍ في الْوَجِيزِ عن
  125. الشَّافِعِيِّ وَبِهِ جَزَمَ الشَّيْخُ في اللُّمَعِ وَالثَّانِي عَكْسُهُ وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عن أَكْثَرِ الْأُصُولِيِّينَ وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وَالرَّازِيَّ وَالثَّالِثُ الْجَوَازُ فِيمَا دَلِيلُ خِلَافِهِ الْإِمَارَةُ وَالِاجْتِهَادُ دُونَ ما دَلِيلُ خِلَافِهِ الْقَاطِعُ عَقْلِيًّا كان أو نَقْلِيًّا وقال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ إنْ كان الْخِلَافُ فِيمَا طَرِيقُهُ التَّأْثِيمُ وَالتَّضْلِيلُ جَازَ الْإِجْمَاعُ بَعْدَ ذلك وَإِنْ كان في مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ في الْفُرُوعِ جَازَ أَيْضًا لَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْزِمُوا معه بِتَحْرِيمِ الذَّهَابِ إلَى الْآخَرِ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى كَوْنِ أَحَدِ الْإِجْمَاعَيْنِ خَطَأً وَمِنْهُمْ من أَحَالَهُ قَطْعًا وَالرَّابِعُ يَخْرُجُ من كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ في مَسْأَلَةِ الِانْقِرَاضِ إنْ قَرُبَ عَهْدُ الْمُخْتَلِفِينَ ثُمَّ اتَّفَقُوا على قَوْلٍ فَهُوَ إجْمَاعٌ وَإِنْ تَمَادَى الْخِلَافُ في زَمَنٍ طَوِيلٍ ثُمَّ اتَّفَقُوا فَلَيْسَ بِإِجْمَاعٍ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَجُوزُ وُقُوعُهُ وَأَنَّهُ حُجَّةٌ وَنَقَلَ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ إجْمَاعَ أَصْحَابِنَا على أَنَّهُ حُجَّةٌ مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهِ وَيَخْرُجُ من كَلَامِ الْمَاوَرْدِيِّ وَالرُّويَانِيِّ طَرِيقَةٌ قَاطِعَةٌ بِهِ فَإِنَّهُمَا جَزَمَا بِالْجَوَازِ وَقَالَا يَرْتَفِعُ بِهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ ثُمَّ قَالَا وَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ آكَدُ من إجْمَاعٍ لم يَتَقَدَّمْهُ خِلَافٌ لِأَنَّهُ يَدُلُّ على ظُهُورِ الْحَقِّ بَعْدَ الْتِبَاسِهِ وَالثَّانِي أَنَّهُمَا سَوَاءٌ لِأَنَّ الْحَقَّ مُقْتَرِنٌ بِكُلٍّ مِنْهُمَا وَمِنْهُمْ من نَقَلَ هَاهُنَا عن الصَّيْرَفِيِّ أَنَّا إذَا لم نَشْتَرِطْ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ لَا يَكُونُ إجْمَاعًا لِتَقَدُّمِ الْإِجْمَاعِ منهم على تَسْوِيغِ الْخِلَافِ وَبِهِ جَزَمَ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ فِيمَا نُقِلَ عنه أَيْضًا وقد اسْتَشْكَلَهَا الْغَزَالِيُّ من حَيْثُ إنَّ الْإِجْمَاعَ الْأَوَّلَ قد تَمَّ على تَسْوِيغِ الْخِلَافِ ثُمَّ الِاتِّفَاقُ الثَّانِي قد مَنَعَ الْخِلَافَ فَقَدْ تَنَاقَصَ الْإِجْمَاعَانِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ ما إذَا كان الِاتِّفَاقُ من أَهْلِ الْعَصْرِ الثَّانِي فإن الْمُخَالِفِينَ في هذه الْمَسْأَلَةِ الْمُتَّفِقُونَ عليها بِخِلَافِ تِلْكَ وقد رَأَى أَنَّ الْمُخَلِّصَ في ذلك الْحُكْمُ بِإِحَالَةِ وُقُوعِ هذه الْمَسْأَلَةِ لِلتَّنَاقُضِ الْمَذْكُورِ وقد أَوْرَدَ عليه أَنَّ ذلك ليس بِمُحَالٍ فَقَدْ وَقَعَ في قَضِيَّةِ خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ رضي اللَّهُ عنه فَإِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فقال الْأَنْصَارُ مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ ثُمَّ أَجْمَعُوا عليها فَكَانَ إجْمَاعًا صَحِيحًا وَيُجَابُ بِأَنَّ ذلك لم يَكُنْ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْخِلَافِ بَلْ لم يَتِمَّ النَّظَرُ ثُمَّ لَمَّا تَمَّ وَتَبَيَّنَ أَجْمَعُوا وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا هِيَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْخِلَافِ وَعَلَى هذا فَالظَّاهِرُ بَحْثًا ما قَالَهُ الْغَزَالِيُّ إذَا عُرِفَ هذا فَلَوْ اخْتَلَفُوا ثُمَّ مَاتَتْ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أو ارْتَدَّتْ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ وَبَقِيَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى على قَوْلِهَا فَهَلْ يُعْتَبَرُ قَوْلُ الْبَاقِينَ إجْمَاعًا وَحُجَّةً
  126. فَقَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ وَاخْتَارَ الرَّازِيَّ وَالْهِنْدِيُّ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مُجْمَعًا عليه لَا بِالْمَوْتِ وَالْكُفْرِ بَلْ عِنْدَهُمَا لِكَوْنِهِ قَوْلَ كل الْأُمَّةِ وَذَكَرَ ابن الْحَاجِبِ في الْكَلَامِ على اتِّفَاقِ الْعَصْرِ الثَّانِي على أَحَدِ قَوْلَيْ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ وَحَكَى عن الْآخَرِينَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ إجْمَاعًا وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ نَحْوَهُ قُلْت وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ قال لِأَنَّ الْمَيِّتَ في حُكْمِ الْبَاقِي الْمَوْجُودِ وَالْبَاقُونَ من مُخَالِفِيهِ هُمْ بَعْضُ الْأُمَّةِ لَا كُلُّهَا وقال في الْمُسْتَصْفَى إنَّهُ الرَّاجِحُ وَجَزَمَ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ في كِتَابِ عِيَارِ الْجَدَلِ وَكَذَا الْخُوَارِزْمِيُّ في الْكَافِي قال لِأَنَّهُ بِالْمَوْتِ لَا يَخْرُجُ عن كَوْنِهِ من الْأُمَّةِ وَنَقَلَ أبو الْحُسَيْنِ السُّهَيْلِيُّ في أَدَبِ الْجَدَلِ الْخِلَافَ في هذه الْمَسْأَلَةِ ثُمَّ قال وقال بَعْضُهُمْ وهو أَقْوَى الطُّرُقِ إنَّ هذه الْمَسْأَلَةَ مَبْنِيَّةٌ على أَنَّ الصَّحَابَةَ إذَا اخْتَلَفُوا على قَوْلَيْنِ ثُمَّ أَجْمَعَ التَّابِعُونَ على أَحَدِهِمَا فَقِيلَ يَصِيرُ إجْمَاعًا وَفِيهِ قَوْلَانِ فَإِنْ قُلْنَا يَصِيرُ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَنْعِ ثَمَّ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا لِأَنَّ خِلَافَ من مَاتَ لَا يَنْقَطِعُ وفي الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبٌ ثَالِثٌ حَكَاهُ أبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ إنْ لم يُسَوِّغُوا فيه الِاخْتِلَافَ صَارَ حُجَّةً لِأَنَّ الطَّائِفَةَ الْمُتَمَسِّكَةَ بِالْحَقِّ لَا يَخْلُو منها زَمَانٌ وقد شَهِدَتْ بِبُطْلَانِ قَوْلِ الْمُنْقَرِضَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهَا حَقًّا وَإِنْ سَوَّغُوا فيه الِاجْتِهَادَ لم يَصِرْ إجْمَاعًا لِإِجْمَاعِ الطَّائِفَتَيْنِ على تَسْوِيغِ الْخِلَافِ قال وَهَذَا منه بِنَاءً على أَنَّ الْإِجْمَاعَ بَعْدَ الْخِلَافِ لَا يَرْفَعُ الْخِلَافَ الْمُتَقَدِّمَ إذَا كان طَرِيقُهُ اجْتِهَادَ الرَّأْيِ الثَّانِيَةُ أَنْ يَمُوتَ بَعْضُهُمْ وَيَرْجِعَ من بَقِيَ إلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ قال ابن كَجٍّ فيه وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ إجْمَاعٌ وَبِهِ قال أَهْلُ الْعِرَاقِ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ الْعَصْرِ وَالثَّانِي الْمَنْعُ لِأَنَّ الصِّدِّيقَ رضي اللَّهُ عنه جَلَدَ في حَدِّ الْخَمْرِ أَرْبَعِينَ ثُمَّ أَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عليهم على ثَمَانِينَ في زَمَنِ عُمَرَ رضي اللَّهُ عنه فلم يَجْعَلُوا الْمَسْأَلَةَ إجْمَاعًا لِأَنَّ الْخِلَافَ كان قد تَقَدَّمَ وقد مَاتَ من قال بِذَلِكَ وَإِنْ كان فِيهِمْ من رَجَعَ إلَى قَوْلِ عُمَرَ رضي اللَّهُ عنه الثَّالِثَةُ أَنْ يَنْقَرِضُوا على خِلَافِهِمْ فَقَدْ حَصَلَ الْإِجْمَاعُ منهم على أَنَّ الْحَقَّ لم يَخْرُجْ عن الْقَوْلَيْنِ وَعَلَى تَسْوِيغِ الِاجْتِهَادِ في طَلَبِ الْحَقِّ بين الْقَوْلَيْنِ بَلْ جَوَازُ تَقْلِيدِ كل وَاحِدٍ من الْفَرِيقَيْنِ ثُمَّ قال بَعْضُ أَصْحَابِنَا هو إجْمَاعٌ مُبِينٌ وقال بَعْضُهُمْ
  127. بِشَرْطِ أَنْ لَا يَظْهَرَ على أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ دَلِيلٌ مَقْطُوعٌ بِهِ فَهَلْ لِمَنْ بَعْدَهُمْ الْإِجْمَاعُ على أَحَدِ ذَيْنِك الْقَوْلَيْنِ فيه قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ كما قَالَهُ أبو الْحُسَيْنِ السُّهَيْلِيُّ في أَدَبِ الْجَدَلِ وَأَصَحُّهُمَا امْتِنَاعُهُ وَكَأَنَّهُ حَاضِرٌ وَلَيْسَ مَوْتُهُ مَسْقَطًا لِقَوْلِهِ فَيَبْقَى الِاجْتِهَادُ وَلَا يَخْرُجُ الْخِلَافُ وهو أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَنَصَرَهُ الصَّيْرَفِيُّ في الدَّلَائِلِ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وابن الصَّبَّاغِ عنه عن ابْنِ أبي هُرَيْرَةَ وَأَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ وَأَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَزِيِّ وَنَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ عن الصَّيْرَفِيِّ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَذَكَرَ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ أَنَّهُ قَوْلُ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا وَقَوْلُ الشَّيْخِ أبي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ عن جُمْهُورِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفُقَهَاءِ قال وَبِهِ نَقُولُ وقال سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ إنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَأَكْثَرِ الْأَشْعَرِيَّةِ وَكَذَا قال ابن السَّمْعَانِيِّ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إلَيْهِ مَيْلُ الشَّافِعِيِّ قال وَمِنْ عِبَارَاتِهِ الرَّشِيقَةِ الْمَذَاهِبُ لَا تَمُوتُ بِمَوْتِ أَرْبَابِهَا أَيْ فَكَانَ الْخِلَافُ بَاقِيًا وَإِنْ ذَهَبَ أَهْلُهُ وقال إلْكِيَا وابن بَرْهَانٍ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّ حُكْمَ الْخِلَافِ لَا يَرْتَفِعُ قُلْت وهو يُبَايِنُ ما سَبَقَ عن الشَّافِعِيِّ من امْتِنَاعِهِ في الْعَصْرِ الْوَاحِدِ فَهَاهُنَا وقال الشَّيْخُ أبو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ في شَرْحِ التَّلْخِيصِ إنَّهُ أَصَحُّ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وهو الذي نَصَرَهُ ابن الْقَطَّانِ وَنَقَلَ أَنَّهُمْ قالوا إنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رضي اللَّهُ عنه أَنَّهُ قال حَدُّ الْخَمْرِ أَرْبَعُونَ لِأَنَّهُ مَذْهَبُ الصِّدِّيقِ رضي اللَّهُ عنه وقد أَجْمَعُوا بَعْدَ هذا على أَنَّ حَدَّهُ ثَمَانُونَ لِأَنَّهُمْ قالوا نَرَى أَنَّهُ إذَا سَكِرَ هَذَى وإذا هَذَى افْتَرَى وقد أَجْمَعُوا على هذا ولم نَعُدَّهُ إجْمَاعًا لِسِبْقِ خِلَافِ الصِّدِّيقِ رضي اللَّهُ عنه قُلْت وَلَا يُشْكِلُ على ذلك أَنَّهُ نَقَضَ في الْجَدِيدِ قَضَاءَ من حَكَمَ بِبَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ لِأَجْلِ اتِّفَاقِ التَّابِعِينَ بَعْدَ خِلَافِ الصَّحَابَةِ فَعُدَّ إجْمَاعًا فإنه إنَّمَا اعْتَبَرَ في ذلك إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَجْمَعُوا على الْمَنْعِ وكان عَلِيٌّ رضي اللَّهُ عنه فِيهِمْ وَانْقِرَاضُ الْعَصْرِ ليس بِشَرْطٍ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَالثَّانِي أَنَّهُ جَائِزٌ وَبِهِ قال أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ منهم محمد بن الْحَسَنِ وأبو يُوسُفَ وَالْكَرْخِيُّ قال محمد بن الْحَسَنِ في قَاضٍ حَكَمَ بِبَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ بَعْدَ مَوْتِ مَوْلَاهَا إنِّي أُبْطِلُ قَضَاءَهُ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رضي اللَّهُ عَنْهُمْ كانت اخْتَلَفَتْ فيها ثُمَّ أَجْمَعَ بَعْدَ ذلك
  128. قُضَاةُ الْمُسْلِمِينَ وَفُقَهَاؤُهُمْ على أنها لَا تُبَاعُ قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وهو قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَأَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْحَارِثِ بن أَسَدٍ الْمُحَاسِبِيِّ وَأَبِي عَلِيٍّ بن خَيْرَانَ وَكَذَا حَكَاهُ عنهما الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ في كِتَابِهِ وقال إنَّهُ الْأَصْوَبُ وَاخْتَارَهُ الْإِصْطَخْرِيُّ وَالْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وابن الصَّبَّاغِ وَالرَّازِيَّ وَأَتْبَاعُهُ وَنَقَلَهُ إلْكِيَا عن الْجُبَّائِيُّ وَابْنِهِ وَأَبِي عبد اللَّهِ الْبَصْرِيِّ وفي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ حَكَاهُ أبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ إنْ كان خِلَافًا يُؤَثِّمُ فيه بَعْضُهُمْ بَعْضًا كان إجْمَاعًا وَإِلَّا فَلَا التَّفْرِيعُ إنْ قُلْنَا بِالِامْتِنَاعِ فقال الصَّيْرَفِيُّ يَكُونُ مَنْزِلَةُ الْمُجْمِعِينَ من التَّابِعِينَ مَنْزِلَةَ من وَافَقَ الصَّدْرَ الْأَوَّلَ وَلِلنَّاسِ أَنْ يَنْظُرُوا أَيَّ الْفَرِيقَيْنِ أَصْوَبَ وَلَا يَسْقُطُ النَّظَرُ أَبَدًا مع وُجُودِ الْمُخَالِفِ وَإِنْ قُلْنَا بِالْجَوَازِ فقال أَكْثَرُهُمْ هو حُجَّةٌ يَرْتَفِعُ بِهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ وَتَصِيرُ الْمَسْأَلَةُ إجْمَاعِيَّةً وَلَيْسَ لِمَنْ بَعْدَهُمْ أَنْ يُخَالِفُوهُمْ وَقِيلَ لَا يَكُونُ حُجَّةً وَنَقَلَ ابن الْقَطَّانِ عن قَوْمٍ أَنَّهُ ليس بِإِجْمَاعٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِهَؤُلَاءِ مَزِيَّةٌ على أُولَئِكَ ثُمَّ قَرَّرَهُ بِأَنَّ هذا الْقَائِلَ هل يَرَى أَنَّ هذا الْقَوْلَ أَصَحُّ لِانْفِرَادِهِ في الْعَصْرِ وإذا كان مُنْفَرِدًا في الْعَصْرِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الِاعْتِبَارُ له قال أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ وَلَيْسَ هذا بِشَيْءٍ إلَّا على طَرِيقَةٍ له في الْقَدِيمِ وَهِيَ أَنَّهُ إذَا اخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ على قَوْلَيْنِ أُخِذَ بِقَوْلِ الْأَكْثَرِ فَأَمَّا الْمَشْهُورُ من مَذْهَبِهِ فإنه لَا فَرْقَ بين الْعَدَدِ الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ وَنَحْوُهُ ما حَكَاهُ الصَّيْرَفِيُّ عن قَوْمٍ أَنَّ إجْمَاعَ التَّابِعِينَ دَلَّ على الصَّوَابِ من أَقَاوِيلِ الْمُخْتَلِفِينَ وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَبْلُغُ مَبْلَغَ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ وَلَكِنَّهُ إجْمَاعٌ مَظْنُونٌ فإن مَرَاتِبَ الْإِجْمَاعِ مُتَفَاوِتَةٌ وَإِلَيْهِ يُشِيرُ كَلَامُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وقد صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ مُرَادٌ في مَرَاتِبِ الْإِجْمَاعِ حَكَاهُ أبو زَيْدٍ في التَّقْوِيمِ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ الْغَزَالِيِّ ما إذَا لم يُصَرِّحْ الْمَانِعُونَ بِتَحْرِيمِ الْقَوْلِ الْآخَرِ فَإِنْ صَرَّحُوا بِتَحْرِيمِهِ فَقَدْ تَرَدَّدَ أَعْنِي الْغَزَالِيَّ هل يَمْنَعُ ذلك أو لَا وَلَا يَجِبُ اتِّبَاعُهُمْ فيه هذا في الْجَوَازِ وَأَمَّا الْوُقُوعُ فَظَاهِرُ ما سَبَقَ عن الشَّافِعِيِّ في حَدِّ الْخَمْرِ وُقُوعُهُ وقال ابن الْحَاجِبِ الْحَقُّ في مِثْلِ هذا الْإِجْمَاعِ أَنَّهُ بَعِيدٌ وُقُوعُهُ لِأَنَّهُ غَالِبًا لَا يَكُونُ إلَّا عن جَلِيٍّ وَتَبِعَهُ غَفْلَةُ الْمُخَاطَبِ عنه لَكِنْ وَقَعَ قَلِيلًا وَالْوُقُوعُ قَلِيلًا لَا يُنَافِي الْبُعْدَ كما
  129. لَا خِلَافَ في بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ فإنه وَقَعَ بين الصَّحَابَةِ ثُمَّ زَالَ وَنَقَلَ عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ عن الصَّيْرَفِيِّ أَنَّهُ أَحَالَ ذلك وقال لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَّفِقَ لِلتَّابِعَيْنِ الْإِجْمَاعُ على أَحَدِ قَوْلَيْ الصَّحَابَةِ فَلَا يُؤَدِّي إلَى تَعَارُضِ الْإِجْمَاعَيْنِ وَكَوْنُ أَحَدِهِمَا خَطَأً لِأَنَّ اخْتِلَافَهُمْ على قَوْلَيْنِ إجْمَاعٌ على تَسْوِيغِ الذَّهَابِ وَرَأْيِ كُلٍّ مِنْهُمَا قُلْت وَكَذَا رَأَيْته في كِتَابِهِ فقال بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ أَنَّهُ ليس بِإِجْمَاعٍ على أَنِّي لَا أَعْلَمُ خِلَافًا وَقَعَ في الصَّحَابَةِ مُنْتَشِرًا فِيهِمْ ثُمَّ وَقَعَ من التَّابِعِينَ الْإِجْمَاعُ على أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَاقِلُهُ من جِهَةِ الْآحَادِ فَهَذَا لَا يُتْرَكُ له ما قَامَتْ عليه الدَّلَالَةُ من قَوْلِ من سَلَفَ ا هـ وقال إلْكِيَا ذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّ هذا النَّوْعَ لَا يُتَصَوَّرُ وَإِلَيْهِ مَيْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَاَلَّذِينَ أَحَالُوا تَصَوُّرَهُ اخْتَلَفُوا فيه على ثَلَاثَةِ أَنْحَاءٍ فَقِيلَ لِأَنَّ إجْمَاعَ التَّابِعِينَ لَا يُحْتَجُّ بِهِ وقد تَقَدَّمَ أَنَّ الصَّحِيحَ خِلَافُهُ وَإِنْ لم يَكُنْ إجْمَاعُ التَّابِعِينَ حُجَّةً لم يَكُنْ لِهَذَا الْخِلَافِ مَعْنًى وَقِيلَ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَصْدُرُ إلَّا عن اجْتِهَادٍ وَالِاخْتِلَافُ على قَوْلَيْنِ يَقْتَضِي صُدُورَ الْأَقْوَالِ عن اجْتِهَادٍ وقد تَقَدَّمَ ما فيه وقال الْإِمَامُ وَاسْتِحَالَةُ تَصَوُّرِهِ من حَيْثُ إنَّهُ إذَا تَمَادَى الْخِلَافُ في زَمَانٍ مُتَطَاوِلٍ بِحَيْثُ يَقْتَضِي الْعُرْفُ بِأَنَّهُ لو كان يَنْقَدِحُ وَجْهٌ في سُقُوطِ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ مع طُولِ الْمُبَاحَثَةِ لَظَهَرَ ذلك لِلْبَاحِثَيْنِ فإذا انْتَهَى الْأَمْرُ إلَى هذا انْتَهَى وَرَسَخَ الْخِلَافُ وَتَنَاهَى الْبَاحِثُونَ ثُمَّ لم يَتَجَدَّدْ بُلُوغُ خَبَرٍ أو أَثَرٍ يَجِبُ الْحُكْمُ بِهِ فَلَا يَقَعُ في الْعُرْفِ دُرُوسُ مَذْهَبٍ طَالَ الذَّبُّ عنه فَإِنْ فَرَضَ فَارِضٌ ذلك فَالْإِجْمَاعُ مَحْمُولٌ على بُلُوغِ خَبَرٍ يَجِبُ بمثله سِوَى ما كَانُوا خَائِضِينَ فيه من مَجَالِ الظُّنُونِ قال إلْكِيَا وما ذَكَرَهُ الْإِمَامُ مُخَيَّلٌ لَكِنَّ جَوَابَهُ سَهْلٌ فَإِنَّا نَرَى أَهْلَ كل عَصْرٍ يُظْهِرُونَ مَذْهَبًا غير الذي عَهِدَهُ من تَقَدَّمَهُمْ في الْعُصُورِ الْخَالِيَةِ مع أَنَّ النَّظْمَ يَحْتَمِلُهُ وَغَيْرَهُ وإذا ثَبَتَ أَنَّهُ مُتَصَوَّرٌ انْبَنَى عليه أَنَّ الْإِجْمَاعَ هل يُزِيلُ الْحُكْمَ السَّابِقَ أَمْ لَا قال إلْكِيَا وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ يُلَاحَظُ في مَجَارِيهَا أَصْلُ تَصْوِيبِ الْمُجْتَهِدِينَ قُلْت وَطَرِيقَةٌ رَابِعَةٌ لهم في الْإِحَالَةِ وَهِيَ عليهم فَقَوْلُهُ هُنَا إذَا وُجِدَ إجْمَاعٌ
  130. بَعْدَ اخْتِلَافٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ خِلَافٌ وَإِنْ لم يَبْلُغْنَا وَإِلَّا لَأَدَّى إلَى تَعَارُضِ الْإِجْمَاعَيْنِ ذَكَرَهُ عبد الْوَهَّابِ الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ في حُدُوثِ الْخِلَافِ بَعْدَ تَقَدُّمِ الْإِجْمَاعِ قال الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ فَإِنْ كان في عَصْرٍ وَاحِدٍ مِثْلَ أَنْ يَتَقَدَّمَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ثُمَّ يَحْدُثُ من أَحَدِهِمْ خِلَافٌ فَهَذَا الْخِلَافُ الْحَادِثُ يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْإِجْمَاعِ يَعْنِي إنْ شَرَطْنَا انْعِقَادَ الْعَصْرِ وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ كان في عَصْرَيْنِ كَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَخِلَافِ التَّابِعِينَ لهم فَهُوَ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُخَالِفُوهُمْ مع اتِّفَاقِ الْأُصُولِ في الْمُجْمَعِ عليها فَهَذَا الْخِلَافُ الْحَادِثُ مَطْرُوحٌ وَالْإِجْمَاعُ الْأَوَّلُ مُنْعَقِدٌ ثَانِيهِمَا أَنْ يَحْدُثَ في الْمُجْمَعِ عليه صِفَةٌ زَائِدَةٌ أو نَاقِصَةٌ فَيَحْدُثُ الْخِلَافُ فيها لِحُدُوثِ تِلْكَ الصِّفَةِ فَيَكُونُ الْإِجْمَاعُ في الصِّفَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ مُنْعَقِدًا وَحُدُوثُ الِاخْتِلَافِ في الصِّفَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ سَائِغٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وقال دَاوُد وَبَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ يُسْتَصْحَبُ حُكْمُ الْإِجْمَاعِ وَاخْتِلَافُ الصِّفَةِ الْحَادِثَةِ لَا يُنْتِجُ الْحُكْمُ فيها إلَّا بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ وَجَعَلُوا اسْتِصْحَابَ الْحَالِ حُجَّةً في الْأَحْكَامِ مِثَالُهُ أَنْ يَنْعَقِدَ الْإِجْمَاعُ على إبْطَالِ التَّيَمُّمِ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ قبل الصَّلَاةِ فإذا رَأَى الْمَاءَ في الصَّلَاةِ أَبْطَلُوا تَيَمُّمَهُ اسْتِصْحَابًا لِبُطْلَانِهِ قبل الصَّلَاةِ من غَيْرِ أَنْ يَجْمَعُوا بَيْنَهُمَا بِقِيَاسٍ وَهَذَا فَاسِدٌ وَلِكُلِّ حَادِثٍ حُكْمٌ يَتَجَدَّدُ وَإِنَّمَا يَكُونُ الْإِجْمَاعُ حُجَّةً في الْحَالِ التي وَرَدَ فيها لَا في غَيْرِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقِيَاسُ مُوجَبًا لِاسْتِصْحَابِ حُكْمِهِ فإن الْإِجْمَاعَ أَصْلُ تَجْوِيزِ الْقِيَاسِ عليه فَيَكُونُ الْقِيَاسُ هو الذي أَوْجَبَ اسْتِصْحَابَ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ لَا الْإِجْمَاعُ ا هـ وَذَكَرَ الْقَفَّالُ في كِتَابِهِ قَرِيبًا من هذا التَّفْصِيلِ وقال في الْقَوَاطِعِ إذَا حَدَثَ الْخِلَافُ بَعْدَ تَقَدُّمِ الْإِجْمَاعِ في عَصْرٍ وَاحِدٍ فَهُوَ على ضَرْبَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْمُخَالِفُ لم يُوَافِقْ قَبْلُ على خِلَافِهِ فَيَصِحُّ خِلَافُهُ وَلَا يَنْعَقِدُ مع خِلَافِهِ الْإِجْمَاعُ كما خَالَفَ ابن عَبَّاسٍ في الْعَوْلِ مع إجْمَاعِ غَيْرِهِ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ وَافَقَهُمْ ثُمَّ خَالَفَهُمْ كَخِلَافِ عَلِيٍّ في بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِ مع عُمَرَ وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ في تَحْرِيمِ بَيْعِهِنَّ فَمَنْ جَعَلَ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ شَرْطًا في انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ أَبْطَلَ الْإِجْمَاعَ بِخِلَافِهِ لِحُدُوثِهِ قبل اسْتِقْرَارِهِ وَمَنْ لم يَجْعَلْهُ شَرْطًا أَبْطَلَ خِلَافَهُ بَعْدَ إجْمَاعِهِمْ ثُمَّ قال الِاخْتِلَافُ بَعْدَ الْإِجْمَاعِ إنْ كان في عَصْرٍ انْبَنَى على أَنَّ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ هل هو شَرْطٌ في انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ أو لَا فَإِنْ قُلْنَا شَرْطٌ جَازَ الِاخْتِلَافُ
  131. لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لم يَنْعَقِدْ وَإِنْ قُلْنَا ليس بِشَرْطٍ فَلَا يَجُوزُ فَأَمَّا في الْعَصْرَيْنِ وَذَلِكَ بِأَنْ يُجْمِعَ الصَّحَابَةُ على شَيْءٍ ثُمَّ يَخْتَلِفُ التَّابِعُونَ فَلَا يَجُوزُ ذلك وَيَكُونُ خِلَافُهُ مُعَانَدَةً وَمُكَابَرَةً الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ إذَا أَجْمَعُوا على شَيْءٍ وَخَالَفَهُمْ من كَفَّرْنَاهُمْ بِالتَّأْوِيلِ فلم يُعْتَدَّ بِخِلَافِهِمْ لِذَلِكَ ثُمَّ إنَّهُمْ رَجَعُوا إلَى الْحَقِّ وَأَقَامُوا على الْخِلَافِ الذي كان بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ أَيَّامَ كُفْرِهِمْ قال الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ يَنْبَنِي على مَسْأَلَةِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ فَإِنْ اعْتَبَرْنَاهُ لم يَكُنْ إجْمَاعًا لِأَنَّ عَصْرَ الْمُؤْمِنِينَ لم يَنْقَرِضْ على الْقَوْلِ حتى يَرْجِعَ الْكَافِرُونَ إلَى الْحَقِّ كما لِلْمُؤْمِنِينَ إنْ رَجَعُوا وَإِنْ قُلْنَا لَا يُعْتَبَرُ وهو الْأَصَحُّ قال الْقَاضِي فَالْوَاجِبُ كَوْنُهُ إجْمَاعًا لِأَنَّهُ قَوْلُ جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ قبل إيمَانِ هَؤُلَاءِ الْمُتَأَوِّلِينَ وَعَلَى هذا فَلَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِ من أَسْلَمَ من سَائِرِ الْكُفَّارِ وَبَلَغَ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ إذَا خَالَفَ من قَبْلَهُ لِأَنَّهُ إجْمَاعٌ على إجْمَاعٍ سَبَقَ خِلَافُهُ وَكَذَلِكَ قال الصَّيْرَفِيُّ في الدَّلَائِلِ إذَا أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ ثُمَّ أَسْلَمَ كَافِرٌ وَبَلَغَ صَبِيٌّ لم يَكُنْ له مُنَازَعَةٌ مَعَهُمْ وَإِنَّمَا عليه الِاتِّبَاعُ وهو وَاضِحٌ إنْ لم يَشْتَرِطْ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ وَالْحَقُّ أَنْ تُبْنَى الْمَسْأَلَةُ على انْقِرَاضِ الْعَصْرِ فَإِنْ قُلْنَا بِاشْتِرَاطِهِ اُعْتُدَّ بِقَوْلِهِ وَإِلَّا فَلَا
  132. المسألة الثالثة قد مر أن الإجماع إذا انعقد على شيء لم يجز مخالفته وأما إذا استدلوا بدليل على حكم أو تأويل لفظ ولم يمنعوا من غيره جاز لمن بعدهم إحداث دليل آخر من غير إلغاء الأول ولا إبطاله ولا يكون ذلك خرقا لإجماعهم لأنه قد يكون على الشيء أدلة فيجوز أن يستدلوا بدليل ثم آخر يدل على الحكم أيضا قاله الصيرفي وسليم وابن السمعاني وغيرهم وحكاه ابن القطان عن أكثر أصحابنا وإنما الإجماع والاختلاف في الفتوى فأما في الدلالة فلا يقال له إجماع لأن الأدلة لا يضر اختلافها قال وذهب بعض أصحابنا إلى أنه ليس لنا أن نخرج عن دلالتهم ويكون إجماعا على الدليل لا على الحكم والأصح هو الأول لأن المطلوب من الأدلة
  133. أحكامها لا أعيانها ومنعه يسد على المجتهد باب استخراج الأدلة ويستلزم منع كل قول لم يتعرض له الأولون نعم إن أجمعوا على إنكار الدليل الثاني لم يجز إحداثه لمخالفته الإجماع وحكى صاحب الكبريت الأحمر مذهبا ثالثا بالوقف وذهب ابن حزم وغيره إلى التفصيل بين النص فيجوز الاستدلال به وبين غيره فلا يجوز وذهب ابن برهان إلى خامس وهو التفصيل بين الدليل الظاهر فلا يجوز إحداثه وبين الخفي فيجوز لجواز اشتباهه على الأولين ومثل الظاهر بقول ابن أبي طاهر الزيادي من أصحابنا في مسألة المطاوعة سبق فطرها جماعها فلا يجب عليها الكفارة قياسا على ما إذا شرب أو أكل قال لأن أول الحشفة دخل إلى جوفها قبل دخول تمام الحشفة والجماع لا يتحقق إلا إذا تغيب الحشفة قلنا ومثل هذا لا يجوز أن يكون مستندا قبل وصول تمام الحشفة لأن الناس اختلفوا في هذه المسألة فإحداث مثل هذا الدليل لا يجوز لأن مثله لا يجوز أن يشتبه على الأولين هذا كله إذا لم يتعرضوا لذلك الدليل فإن نصوا على صحته فلا شك فيه أو على فساده لم تجز مخالفتهم وإنما الخلاف حيث لم ينصوا على ذلك والصحيح الجواز قال أبو الحسين البصري إلا أن يكون في صحتها إبطال حكم ما أجمعوا وقال سليم إلا أن يقولوا ليس فيها دليل إلا الذي ذكرناه فيمتنع قلت وهذا منهم بناء على صحة ذلك منهم وقد سبق في الفصل السادس فيه تفصيل عن القاضي عبد الوهاب أما إذا اعتلوا بعلة وقلنا يجوز تعليل الحكم بعلتين فهل يجري مجرى الدليل في الجواز والمنع قال الأستاذ أبو منصور وسليم في التقريب نعم هي كالدليل في جواز إحداثها إلا إذا قالوا لا علة لهذه أو لكون العلة الثانية تخالف العلة الأولى في بعض الفروع فتكون الثانية حينئذ فاسدة وقال القاضي عبد الوهاب ينظر فإن كان بحكم عقلي علمنا أن ما عداه ليس بعلة لذلك الحكم لأن الحكم العقلي لا يجب بعلتين فمن جوزه جعلها كالدليل لا يمنع التعدد إلا أن ذلك مشروط بأن لا تنافي العلة الثانية علتهم وأن لا يؤدي إلى خلافهم فرع من فروع علتهم لأنهما إذا تباينا امتنع لذلك لا لتعليل بهما ومن منع التعليل بعلتين فيجب على أصله منع
  134. التعليل بعلة غير علتهم لأن علتهم مقطوع بصحتها وفي ذلك دليل على فساد غيرها قال وأما تأويلهم الآتي وتخريجهم الأخبار فهو كالمذهب لا كالدليل لأن الآية إذا احتملت معاني واختلفوا في تأويلها أو أجمعوا على تأويل واحد صارت كالحادثة فلا يعدل عما أفتوا به وقال الشريف المرتضى أجمع الأصوليون على التحاق ذلك بالمذاهب لا بالأدلة وعندي أنه بالأدلة أشبه حتى يجوز قطعا ثم مثله بمثال يصح على طريق المعتزلة الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ إذَا اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَصْرِ في مَسْأَلَةٍ على قَوْلَيْنِ فَهَلْ يَجُوزُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ إحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ فيه مَذَاهِبُ الْأَوَّلُ الْمَنْعُ مُطْلَقًا وهو كَاتِّفَاقِهِمْ على أَنْ لَا قَوْلَ سِوَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وهو قَوْلُ الْجُمْهُورِ وقال إلْكِيَا إنَّهُ الصَّحِيحُ وَبِهِ الْفَتْوَى وقال ابن بَرْهَانٍ إنَّهُ مَذْهَبُنَا وَجَزَمَ بِهِ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ في كِتَابِهِ وَالْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وَكَذَا الرُّويَانِيُّ وَالصَّيْرَفِيُّ ولم يَحْكِيَا مُقَابِلَهُ إلَّا عن بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ قال الصَّيْرَفِيُّ وقد رَأَيْته مَوْجُودًا في فُتْيَا بَعْضِ الْفُقَهَاءِ من الْمُتَأَخِّرِينَ فَلَا أَدْرِي أَكَانَ قال هذا مُنَاقَضَةً أو غَلَطًا أو كان يَذْهَبُ إلَى هذا الْمَذْهَبِ وَكَذَلِكَ ابن الْقَطَّانِ لم يَحْكِ مُقَابِلَهُ إلَّا عن دَاوُد فقال إذَا اخْتَلَفَ الناس في حَدِّ السُّكْرِ فَقِيلَ ثَمَانُونَ وَقِيلَ أَرْبَعُونَ فَهُوَ إجْمَاعٌ على نَفْيِ ما عَدَاهُمَا وقال دَاوُد لَا يَكُونُ هذا إجْمَاعًا لِأَنَّهَا قد وَقَعَتْ مُخَالَفَةٌ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ اللَّهِ فيها الِاخْتِلَافَ قال وَهَذَا ليس بِشَيْءٍ لِأَنَّ الْمَوْضِعَ الذي اخْتَلَفُوا فيه غَيْرُ الذي اتَّفَقُوا عليه وقال صَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ هو مَذْهَبُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ وَنَصَّ عليه الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في رِسَالَتِهِ وَكَذَا ذَكَرَهُ محمد بن الْحَسَنِ في نَوَادِرِ هِشَامٍ لِأَنَّهُ عَدَّ الْأُصُولَ وَعَدَّ في جُمْلَتِهَا اخْتِلَافَ الصَّحَابَةِ وَالثَّانِي الْجَوَازُ مُطْلَقًا قال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ رَأَيْت بَعْضَ أَصْحَابِ أبي حَنِيفَةَ يَخْتَارُهُ وَيَنْصُرُهُ وَنَقَلَهُ ابن بَرْهَانٍ وابن السَّمْعَانِيِّ عن بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ وَنَسَبَهُ جَمَاعَةٌ منهم الْقَاضِي عِيَاضٌ إلَى دَاوُد قال ثُمَّ نَاقَضَ فَشَرَطَ الْوَلِيَّ في صِحَّةِ
  135. عَقْدِ الْبِكْرِ دُونَ الثَّيِّبِ مع أَنَّ الْخِلَافَ هل يَلْزَمُ فِيهِمَا أو لَا يَلْزَمُ فِيهِمَا وَأَنْكَرَ ابن حَزْمٍ على من نَسَبَهُ لِدَاوُدَ وَإِنَّمَا قال كَلَامًا مَعْنَاهُ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ إذَا رُوِيَا ولم يَصِحَّ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَيْهِمَا ولم يَرِدْ عن جَمَاعَةٍ منهم أو وَاحِدٍ إنْكَارٌ وَلَا تَصْوِيبٌ أَنَّ لِمَنْ جاء بَعْدَهُمْ أَنْ يَأْتِيَ بِقَوْلٍ ثَالِثٍ يَدُلُّ عليه النَّصُّ أو الْإِجْمَاعُ فَهَذَا ما قَالَهُ أبو سُلَيْمَانَ فَكَيْفَ يَسُوغُ أَنْ يُنْسَبَ هذا إلَيْهِ وهو يقول إنَّ الْأُمَّةَ إذَا تَفَرَّقَتْ على قَوْلَيْنِ وَكَانَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ منهم قد قَرَنَتْ بِقَوْلِهَا في تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ مَسْأَلَةً أُخْرَى فإنه يَنْبَغِي أَنْ يُحْكَمَ لِتِلْكَ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِحُكْمٍ وَاحِدٍ فَإِنْ صَحَّتْ إحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ فَالْأُخْرَى صَحِيحَةٌ وَلِذَلِكَ حُكِمَ بِالتَّحْلِيفِ بِمَكَّةَ عِنْدَ الْمُقَامِ لِإِجْمَاعِ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ على التَّحْلِيفِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ فَيَصِحُّ وُجُوبُهُ عِنْدَ الزِّحَامِ بِمَكَّةَ قال ابن حَزْمٍ وَهَذَا الْقَوْلُ وَإِنْ كنا لَا نَقُولُ بِهِ فَقَدْ قَالَهُ أبو سُلَيْمَانَ وَأَرَدْنَا تَحْرِيرَ النَّقْلِ عنه وَإِنَّمَا قال إنَّ الْخِلَافَ إذَا صَحَّ فَالْإِجْمَاعُ على بَعْضِ تِلْكَ الْأَقْوَالِ الْمُخْتَلَفِ فيها لَا يَصِحُّ أَبَدًا وَصَدَقَ في ذلك وَهَذَا كَالْخِلَافِ في حَدِّ شَارِبِ الْخَمْرِ قِيلَ لَا حَدَّ عليه وَقِيلَ أَرْبَعُونَ وَقِيلَ ثَمَانُونَ فَهَذَا لَا يَنْعَقِدُ عليه إجْمَاعٌ أَبَدًا وَالثَّالِثُ وهو الْحَقُّ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الثَّالِثَ إنْ لَزِمَ منه رَفْعُ ما أَجْمَعُوا عليه لم يَجُزْ إحْدَاثُهُ وَإِلَّا جَازَ وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ في الرِّسَالَةِ يَقْتَضِيهِ حَيْثُ قال في أَوَاخِرِهَا الْقِيَاسُ تَقَدُّمُ الْأَخِ على الْجَدِّ لَكِنْ صَدَّنَا عن الْقَوْلِ بِهِ أَنِّي وَجَدْت الْمُخْتَلِفِينَ مُجْتَمَعِينَ على أَنَّ الْجَدَّ مع الْأَخِ مِثْلُهُ أو أَكْثَرُ حَظًّا منه فلم يَكُنْ لي عِنْدِي خِلَافُهُمْ وَلَا الذَّهَابُ إلَى الْقِيَاسِ وَالْقِيَاسُ مُخْرِجٌ من جَمِيعِ أَقَاوِيلِهِمْ ا هـ وَإِنَّمَا مَنَعَهُ لِأَنَّ في إحْدَاثِ قَوْلٍ ثَالِثٍ رَفْعًا لِلْإِجْمَاعِ وَأَمَّا حَيْثُ لَا رَفْعَ فَتَصَرُّفُهُ يَقْتَضِي جَوَازَهُ وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْهَرَوِيِّ في الْإِشْرَافِ أَنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فإنه قال وَمَنْ لَفَّقَ من الْقَوْلَيْنِ قَوْلًا على هذا الْوَجْهِ لَا يُعَدُّ خَارِقًا لِلْإِجْمَاعِ كما ذَكَرْنَا في وَطْءِ الثَّيِّبِ هل يَمْنَعُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ تَحَزَّبَتْ الصَّحَابَةُ حِزْبَيْنِ ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى أَنَّهُ يَرُدُّهَا وَيُرَدُّ مَعَهَا عُقْرَهَا وَذَهَبَ حِزْبٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَرُدُّ فَأَخَذَ الشَّافِعِيُّ في إسْقَاطِ الْعُقْرِ بِقَوْلِ حِزْبٍ وفي تَجْوِيزِ الرَّدِّ بِقَوْلِ حِزْبٍ ولم يُعَدَّ ذلك خَرْقًا لِلْإِجْمَاعِ ا هـ وَلَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ على أَنَّهُ لَا يَجُوزُ حُدُوثُ إجْمَاعٍ بَعْدَ إجْمَاعٍ سَابِقٍ على خِلَافِهِ فَإِنْ
  136. قُلْنَا بِالْجَوَازِ كما ذَهَبَ إلَيْهِ الْبَصْرِيُّ فَالظَّاهِرُ الْجَوَازُ لَكِنَّهُ لَا يَقَعُ وقد اعْتَرَضَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ على اخْتِيَارِ الثَّالِثِ وقال لَا مَعْنَى له لِأَنَّهُ لَا نِزَاعَ في أَنَّ الْقَوْلَ الثَّالِثَ إنْ اسْتَلْزَمَ إبْطَالَ ما أَجْمَعُوا عليه كان مَرْدُودًا وَالْخَصْمُ يَسْتَلْزِمُ هذا لَكِنْ يَدَّعِي أَنَّ الْقَوْلَ الثَّالِثَ يَسْتَلْزِمُ إبْطَالَ ما أَجْمَعُوا عليه في جَمِيعِ الصُّوَرِ إمَّا في صُورَةٍ وَاحِدَةٍ كما في مَسْأَلَةِ الْعِدَّةِ وَحِرْمَانِ الْجَدِّ وَإِمَّا في مَجْمُوعِ الْمَسْأَلَتَيْنِ في مَسْأَلَةِ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ مع الْأَبَوَيْنِ أَحَدُ الشَّمُولَيْنِ ثَابِتٌ وهو ثُلُثُ الْكُلِّ في كِلَيْهِمَا أو ثُلُثُ الْبَاقِي في كِلَيْهِمَا فَثُلُثٌ في أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ قال فَالشَّأْنُ في تَمْيِيزِ صُورَةٍ يَلْزَمُ منها بُطْلَانُ الْإِجْمَاعِ عن صُورَةٍ لَا يَلْزَمُ ذلك فَلَا بُدَّ من ضَابِطٍ وهو أَنَّ الْقَوْلَيْنِ إنْ اشْتَرَكَا في أَمْرٍ هو في الْحَقِيقَةِ وَاحِدٌ وهو من الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الثَّالِثُ مُسْتَلْزِمًا لِإِبْطَالِ الْإِجْمَاعِ وَإِلَّا فَلَا وَعِنْدَ ذلك فَالْمُخْتَلَفُ فيه إمَّا حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِمَحَلٍّ وَاحِدٍ كَمَسْأَلَةِ الْجَدِّ مع الْإِخْوَةِ وَالْعِدَّةِ أو مُتَعَدِّدٍ فَإِنْ كان الثَّابِتُ عن الْبَعْضِ الْوُجُودَ في صُورَةٍ مع الْعَدَمِ في الْأُخْرَى وَعِنْدَ الْبَعْضِ عَكْسَ ذلك كَمَسْأَلَةِ الْخُرُوجِ وَالْمَسِّ فإن الْقَوْلَ بِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا نَاقِضٌ أو ليس بِنَاقِضٍ لَا يَكُونُ خِلَافَ الْإِجْمَاعِ تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ ذِكْرُ الْقَوْلَيْنِ مِثَالٌ فَالثَّلَاثَةُ وَأَكْثَرُ كَذَلِكَ كما قَالَهُ الصَّيْرَفِيُّ وَمَثَّلَهُ بِأَقْوَالِهِمْ في الْجَدِّ قال فَلَا يَجُوزُ إحْدَاثُ قَوْلٍ سِوَى ما تَقَدَّمَ لِأَنَّهُ كَاتِّفَاقِهِمْ على أَنَّهُ لَا قَوْلَ سِوَى هذه الْأَقْوَالِ الثَّانِي أَنَّ الصَّيْرَفِيَّ أَيْضًا فَرَضَ الْمَسْأَلَةَ في اخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ فَقَدْ تَوَهَّمَ التَّفْصِيلَ بين ما أُجْمِعَ على أَنَّهُ حُجَّةٌ فَيَمْتَنِعُ فيه الْإِحْدَاثُ دُونَ غَيْرِهِ وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ الثَّالِثُ أَنَّهُ نَبَّهَ أَيْضًا على تَصَوُّرِهَا بِالِاخْتِلَافِ الْمُسْتَفِيضِ فِيهِمْ قال فَأَمَّا ما حَكَى من فَتْوَى وَاحِدٍ ولم يَسْتَفِضْ قَوْلُهُ فَيَجُوزُ الْخُرُوجُ عنه إلَى ما أَيَّدَهُ دَلِيلٌ وَيَخْرُجُ منه مَذْهَبٌ آخَرُ مُفَصَّلٌ بين الْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ وَغَيْرِهِ الرَّابِعُ قال الْعَبْدَرِيّ إنَّمَا يَصِحُّ فَرْضُ هذه الْمَسْأَلَةِ على مَذْهَبِ من يُجَوِّزُ الْإِجْمَاعَ عن اجْتِهَادٍ وَقِيَاسٍ وَعَلَى أَنْ تَكُونَ اجْتِهَادِيَّةً يَتَجَاذَبُهَا أَصْلَانِ فَيُجْمِعُ الصَّحَابَةُ على أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَلْحَقَ بهذا الْأَصْلِ فَيَكُونُ حَلَالًا وَيَجُوزُ أَنْ يَلْحَقَ بهذا الْأَصْلِ فَيَكُونُ حَرَامًا فإذا لم يَنْقَرِضْ إلَّا على هذا الْوَجْهِ فَإِحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ وَرَابِعٍ وَأَكْثَرَ جَائِزٌ لِأَنَّهَا اجْتِهَادِيَّةٌ وَلَا حَصْرَ في الْمُجْتَهَدَاتِ
  137. وَأَمَّا إذَا كان مَعْنَى قَوْلِهِمْ إذَا أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ على قَوْلَيْنِ أَجْمَعَ هَؤُلَاءِ على قَوْلٍ وَخَطَّئُوا من خَالَفَهُ وَأَجْمَعَ هَؤُلَاءِ على قَوْلٍ آخَرَ وَخَطَّئُوا من خَالَفَهُ فَلَيْسَ بِإِجْمَاعٍ وَلَكِنَّهُ خِلَافٌ صَحِيحٌ وإذا لم يَكُنْ إجْمَاعًا فَإِحْدَاثُ قَوْلٍ ثَالِثٍ أو رَابِعٍ وَأَكْثَرَ فَجَائِزٌ أَيْضًا وَبِالْجُمْلَةِ فلم يَأْخُذُوا في هذه الْمَسْأَلَةِ الْإِجْمَاعَ الشَّرْعِيَّ بَلْ اللُّغَوِيَّ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ الْخَامِسُ لم يَتَعَرَّضُوا لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى عَصْرٍ وَاحِدٍ بِأَنْ يَخْتَلِفَ الصَّحَابَةُ على قَوْلَيْنِ ثُمَّ يُحْدِثُ بَعْضُهُمْ قَوْلًا ثَالِثًا وَالْقِيَاسُ التَّفْصِيلُ بين أَنْ لَا يَسْتَقِرَّ الْخِلَافُ فَيَجُوزُ وَبَيْنَ أَنْ لَا يَسْتَقِرَّ فَيَنْبَنِي على الْخِلَافِ في انْقِرَاضِ الْعَصْرِ فَإِنْ قُلْنَا شَرْطٌ جَازَ وَإِلَّا فَلَا وَلَوْ أَدْرَكَ بَعْضُ التَّابِعِينَ عَصْرَ الصَّحَابَةِ فَأَحْدَثَ ثَالِثًا فَالْقِيَاسُ بِنَاؤُهُ على الْوَجْهَيْنِ في الِانْقِرَاضِ أو على الْوَجْهَيْنِ في قَوْلِ التَّابِعِيِّ مع الصَّحَابَةِ وَهَلْ يُعْتَدُّ بِهِ وَمِثَالُهُ ما لو وَجَدَ مَاءً لَا يَكْفِيهِ لِلْوُضُوءِ فَهَلْ يَقْتَصِرُ على التَّيَمُّمِ أو يَسْتَعْمِلُهُ وَيَتَيَمَّمُ قَوْلَانِ لِلصَّحَابَةِ فَأَحْدَثَ الْحَسَنُ قَوْلًا ثَالِثًا فقال يَسْتَعْمِلُ ما معه ثُمَّ يَجْمَعُ ما يَتَسَاقَطُ من الْمَاءِ فَيَعْمَلُ بِهِ الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ إذَا تَعَدَّدَ مَحَلُّ الْحُكْمِ بِأَنْ لم يَفْصِلْ أَهْلُ الْعَصْرِ بين مَسْأَلَتَيْنِ بَلْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى حِكَايَةِ وَجْهَيْنِ في هذه الْمَسْأَلَةِ وقال الْأَصَحُّ امْتِنَاعُهُ وَحَكَاهُ أبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ عن أَصْحَابِهِمْ قال في الْمَحْصُولِ وَهَذَا الْإِجْمَاعُ مُتَأَخِّرٌ عن سَائِرِ الْإِجْمَاعَاتِ في الْقُوَّةِ لِعَدَمِ التَّصْرِيحِ ا هـ وَمِنْهُمْ من فَصَّلَ فقال إنْ كان طَرِيقُ الْحُكْمِ وَاحِدًا لم يَجُزْ الْفَصْلُ وَإِلَّا جَازَ قال الْهِنْدِيُّ وهو الْمُخْتَارُ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُمْ إنْ نَصُّوا على عَدَمِ الْفَرْقِ بِأَنْ قالوا لَا فَصْلَ بَيْنَهُمَا في كل الْأَحْكَامِ أو في الْحُكْمِ الْفُلَانِيِّ امْتَنَعَ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا على الصَّحِيحِ وَحَكَى الْهِنْدِيُّ فيه الِاتِّفَاقَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَفِيهِ خِلَافٌ حَكَاهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ وَحَكَاهُ في اللُّمَعِ احْتِمَالًا عن الْقَاضِي أبي الطَّيِّبِ وَإِنْ لم يَنُصُّوا كَمَنْ وَرَّثَ الْعَمَّةَ وَرَّثَ الْخَالَةَ وَمَنْ مَنَعَ إحْدَاهُمَا مَنَعَ الْأُخْرَى لِأَنَّ الْمَأْخَذَ وَاحِدٌ وهو الْمَحْرَمِيَّةُ وَإِنْ لم يَكُنْ
  138. كَذَلِكَ فَقِيلَ لَا يَجُوزُ الْفَرْقُ وَالْحَقُّ جَوَازُهُ لِأَنَّهُ إذَا لم يَتَّحِدْ الْمَأْخَذُ لم يَمْتَنِعْ الْخِلَافُ وقال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ إنْ عَيَّنُوا الْحُكْمَ وَقَالُوا لَا تَفْصِيلَ حُرِّمَ الْفَصْلُ وَإِنْ لم يُعَيِّنُوا وَلَكِنْ أَجْمَعُوا عليه مُجَمَّلًا فَلَا يُعْلَمُ تَفْصِيلُهُ إلَّا بِدَلِيلٍ غَيْرِ الْإِجْمَاعِ فَإِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ على أَنَّهُمْ أَرَادُوا مُعَيَّنًا تَعَيَّنَ أو أَرَادُوا الْعُمُومَ تَعَيَّنَ الْعُمُومُ وَمَتَى كان مَدْرُك أَحَدِ الصِّنْفَيْنِ مُجْمَلًا أو كَادَ أَنْ يَكُونَ مُجْمَلًا جَازَ التَّفْصِيلُ بين الْمَسْأَلَتَيْنِ وَكَلَامُ التَّبْرِيزِيِّ في التَّنْقِيحِ يَدُلُّ على أَنَّهُ إذَا وَقَعَ الِاشْتِرَاكُ في الْمَأْخَذِ فَهُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ وَأَمَّا إذَا لم يَشْتَرِكَا فيه فَلَا خِلَافَ في أَنَّهُ ليس بِحُجَّةٍ وهو خِلَافُ كَلَامِ الرَّازِيَّ وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ هل إحْدَاثُ الْفَصْلِ بين الْمَسْأَلَتَيْنِ كَإِحْدَاثِ قَوْلٍ فِيهِمَا فَيَكُونُ خَرْقًا لِلْإِجْمَاعِ أو ليس كَإِحْدَاثِهِ لِأَنَّ الْمُفَصِّلَ قال في كل مَسْأَلَةٍ بِقَوْلٍ بَيْنَهُمَا ولم يَلْزَمْ من هذه الْمَسْأَلَةِ نِسْبَةُ الْأُمَّةِ إلَى جَمِيعِ الْحَقِّ كما يَلْزَمُ من تِلْكَ فَلَا يَكُونُ خَرْقًا لِلْإِجْمَاعِ وهو الصَّحِيحُ وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ إنْ نَصُّوا على التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا في حُكْمٍ وَاحِدٍ حُرِّمَ على من بَعْدَهُمْ التَّفْرِيقُ قَطْعًا وَإِنْ سَوَّوْا بَيْنَهُمَا في حُكْمَيْنِ على الْبَدَلِ فَاخْتَلَفُوا على قَوْلَيْنِ وَبِالْجَوَازِ قال محمد بن سِيرِينَ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ اخْتَلَفُوا في زَوْجٍ أو زَوْجَةٍ وَأَبَوَيْنِ وَكَذَلِكَ الْجِمَاعُ وَالْأَكْلُ نَاسِيًا وقال سُلَيْمٌ إنْ أَجْمَعُوا على التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا في حُكْمٍ كَقَوْلِهِمْ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ من الْجَدَّتَيْنِ أُمِّ الْأُمِّ وَأُمِّ الْأَبِ إذَا انْفَرَدَتْ السُّدُسُ لم يَجُزْ لِمَنْ بَعْدَهُمْ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا فَيَجْعَلُ لِأُمِّ الْأُمِّ الثُّلُثَ لِأَنَّهُ يُخَالِفُهُمْ في التي تَزِيدُ على فَرْضِهَا وَهَكَذَا إذَا أَجْمَعُوا على التَّفْرِقَةِ بين الْمَسْأَلَتَيْنِ في الْحُكْمِ كَقَوْلِهِمْ لِلْأُمِّ مع الْأَبِ الثُّلُثُ وَلِلْجَدَّةِ معه السُّدُسُ لم يَجُزْ لِمَنْ بَعْدَهُمْ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُمَا وَهَذَانِ لَا خِلَافَ فِيهِمَا وقال ابن الْقَطَّانِ إذَا أَجْمَعُوا على أَنَّ الْكَرْمَ وَالنَّخْلَ في الْمُسَاقَاةِ سَوَاءٌ من يُجِيزُهُمَا وَمَنْ يَأْبَاهُمَا يَرُدُّهَا فقال دَاوُد هذا إجْمَاعٌ وَلَا يَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا وَيَقُولُ قد أَجْمَعُوا على التَّسْوِيَةِ قال وَهَذَا فَاسِدٌ وَعِنْدَنَا أَنَّ ذلك لَا يَكُونُ إجْمَاعًا لِأَنَّ الْقَوْلَ بِالْعِلَّةِ غَيْرُ الِاعْتِبَارِ بهذا لِأَنَّا نَجِدُ من يقول هذه الْعَيْنُ حَلَالٌ وَهَذِهِ حَرَامٌ وَإِنْ كان من قَائِلِينَ فَهَاتَانِ مَسْأَلَتَانِ وَالْعَجَبُ من دَاوُد في هذا فَيُقَالُ له خَبَرُنَا عن الْمُسَاقَاةِ
  139. على الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ من أَيِّ طَرِيقٍ أَخَذْتهَا فقال من طَرِيقِ الْإِجْمَاعِ وهو أَنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فَرَّقُوا في الرَّدِّ وَالْإِجَازَةِ قُلْنَا لهم إنَّمَا أَخَذُوا ذلك عن طَرِيقِ الْقِيَاسِ من الْإِجَازَةِ ثُمَّ هو لَا يُجِيزُ الْمُسَاقَاةَ وَالْمُجْمِعُونَ سَوَّوْا بَيْنَهُمَا فَقَالُوا الْكَرْمُ لَا يَجُوزُ كما لَا يَجُوزُ النَّخْلُ وَمَنْ أَجَازَ سَوَّى بَيْنَهُمَا فَلِمَ فَرَّقْت مَسْأَلَةٌ إذَا اخْتَلَفُوا في مَسْأَلَتَيْنِ على قَوْلَيْنِ فقالت طَائِفَةٌ في كُلٍّ من الْمَسْأَلَتَيْنِ قَوْلًا وَقَالَتْ الْأُخْرَى في كُلٍّ مِنْهُمَا أَيْضًا قَوْلًا ثُمَّ قام دَلِيلٌ عن نَصٍّ على صِحَّةِ قَوْلِ أَحَدَيْهِمَا في إحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ فَهَلْ يَدُلُّ على صِحَّةِ قَوْلِهَا في الْمَسْأَلَةِ الْأُخْرَى أَمْ لَا اخْتَلَفَ في هذه الْمَسْأَلَةِ دَاوُد وَابْنُهُ فَصَارَ دَاوُد إلَى أَنَّهُ دَلِيلٌ على ذلك وَمَنَعَهُ ابْنُهُ هَكَذَا قال ابن حَزْمٍ في الْإِحْكَامِ ثُمَّ قال وَيَقُولُ ابْنُهُ لِأَنَّهُ لو صَحَّ ما قَالَهُ دَاوُد لَكَانَتْ الطَّائِفَةُ التي قام النَّصُّ على صِحَّةِ قَوْلِهَا في مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ مُصِيبَةً في جَمِيعِ مَذَاهِبِهَا وَلَا يقول بِهِ أَحَدٌ نعم إنْ صَحَّ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ يَقِينًا على أَنَّ حُكْمَ الْمَسْأَلَتَيْنِ سَوَاءٌ ثُمَّ قام نَصٌّ على صِحَّةِ حُكْمِ ما في إحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ فَقَدْ صَحَّ بِلَا شَكٍّ أَنَّ حُكْمَ الْأُخْرَى كَذَلِكَ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ لم يُحْفَظْ عَنْهُمْ فِيهِمَا تَسْوِيَةٌ بين الْمَسْأَلَتَيْنِ بِخِلَافِ الثَّانِي ثُمَّ مَثَّلَ الْمَسْأَلَةَ بِالْمُسَاقَاةِ فَمِنْهُمْ من مَنَعَهَا جُمْلَةً وَمِنْهُمْ من أَبَاحَهَا جُمْلَةً وَمِنْ مُبِيحٍ لها في النَّخْلِ وَالْعِنَبِ خَاصَّةً وَمَانِعٍ لها في سِوَاهُمَا فلما صَحَّ الْقَوْلُ بِإِبَاحَتِهَا وَبَطَلَ إبْطَالُهَا نَظَرْنَا في الْمُسَاقَاةِ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ فَوَجَدْنَا الْأُمَّةَ مُجْمِعَةً على أَنَّ حُكْمَ الْمُسَاقَاةِ على النِّصْفِ كَحُكْمِهَا على جُزْءٍ مُسَمًّى أَيِّ جُزْءٍ كان وَكَذَلِكَ الْمُزَارَعَةُ الناس فيها على قَوْلَيْنِ الْإِبَاحَةِ وَالْحَظْرِ فلما قام الدَّلِيلُ على صِحَّتِهَا نَظَرْنَا في الْمُزَارَعَةِ على النِّصْفِ سَوَاءٌ وَكُلُّ من تَكَلَّمَ في هَذَيْنِ الْحُكْمَيْنِ فَقَدْ أَجْمَلَ فلما جاء النَّصُّ بِإِبَاحَةِ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ على النِّصْفِ وَصَحَّ الْإِجْمَاعُ على أَنَّ حُكْمَ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ على جُزْءٍ مُسَمًّى كَحُكْمِهَا على النِّصْفِ صَحَّتْ الْمُزَارَعَةُ على كل جُزْءٍ مُسَمًّى فَائِدَةٌ مَعْنَى قَوْلِهِمْ هذا لَا يَصِحُّ بِالْإِجْمَاعِ إذَا قُلْنَا هذا لَا يَصِحُّ بِالْإِجْمَاعِ احْتَمَلَ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا الْإِجْمَاعُ على نَفْيِ الصِّحَّةِ وَالثَّانِي نَفْيُ الْإِجْمَاعِ على الصِّحَّةِ وَالثَّانِي أَعَمُّ من الْأَوَّلِ فَلَا يَلْزَمُ من نَفْيِ الْإِجْمَاعِ على الصِّحَّةِ نَفْيُ الصِّحَّةِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مُخْتَلَفًا فيه فَهُوَ صَحِيحٌ على
  140. رَأْيٍ فَالْإِجْمَاعُ على الصِّحَّةِ مُنْتَفٍ لَكِنْ هِيَ غَيْرُ مُنْتَفِيَةٍ مُطْلَقًا بَلْ ثَابِتَةٌ على ذلك الرَّأْيِ بِخِلَافِ الْإِجْمَاعِ على نَفْيِ الصِّحَّةِ فإنه يَقْتَضِي نَفْيَهَا مُطْلَقًا فإذا قُلْنَا الْوُضُوءُ بِدُونِ مَسْحِ الرَّأْسِ لَا يَصِحُّ بِالْإِجْمَاعِ كان هذا إجْمَاعًا على نَفْيِ الصِّحَّةِ وإذا قُلْنَا الْوُضُوءُ بِدُونِ اسْتِيعَابِ الرَّأْسِ بِالْمَسْحِ لَا يَصِحُّ بِالْإِجْمَاعِ كان هذا نَفْيًا لِلْإِجْمَاعِ على الصِّحَّةِ لَا لِحَقِيقَةِ الصِّحَّةِ مُطْلَقًا لِأَنَّ ذلك يَصِحُّ عِنْدَ أبي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَالْمُثِيرُ لِهَذِهِ الْمُبَاحَثَةِ أَنَّ بَعْضَ الْفُضَلَاءِ رَأَى شَافِعِيًّا قد تَوَضَّأَ وَمَسَحَ بَعْضَ رَأْسِهِ فَمَازَحَهُ وقال له وُضُوءُك هذا لَا يَصِحُّ بِالْإِجْمَاعِ فَغَضِبَ من ذلك وقال تَزْعُمُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ ليس بِمُعْتَبَرِ الْقَوْلِ قال لَا وقال كَلَامُك يَقْتَضِي ذلك فَبَيَّنَ له هذه النُّكْتَةَ فَزَالَ غَضَبُهُ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمَنْفِيَّ هَاهُنَا هو الصِّحَّةُ الْمُطْلَقَةُ أو الْمُقَيَّدَةُ بِكَوْنِهَا مُجْمَعًا عليها فَإِنْ أُرِيدَ الْأَوَّلُ فَهُوَ إجْمَاعٌ على النَّفْيِ وَإِنْ أُرِيدَ الثَّانِي فَهُوَ نَفْيُ الْإِجْمَاعِ وَحَاصِلُهُ من جِهَةِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ مَوْضِعَ الْإِجْمَاعِ نُصِبَ لَكِنْ هو على التَّمْيِيزِ أو الْحَالِ إنْ قُلْنَا على التَّمْيِيزِ فَهُوَ إجْمَاعٌ على نَفْيِ الصِّحَّةِ إذْ تَقْدِيرُهُ لَا يَصِحُّ إجْمَاعًا إذْ التَّمْيِيزُ رَفْعُ الْإِبْهَامِ عن الذَّاتِ وَنَفْيُ الصِّحَّةِ هُنَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ إجْمَاعِيٌّ أو خِلَافِيٌّ فَبِقَوْلِنَا إجْمَاعٌ رَفَعْنَا ذلك الْإِبْهَامَ وَقُلْنَا إنَّ نَفْيَ الصِّحَّةِ إجْمَاعِيَّةٌ وَإِنْ قُلْنَا على الْحَالِ فَهُوَ نَفْيُ الْإِجْمَاعِ على الصِّحَّةِ لَا لِنَفْيِ الصِّحَّةِ لِأَنَّ الْحَالَ نَعْتٌ لِلْفَاعِلِ فَتَقْدِيرُهُ هذا لَا يَصِحُّ مُجْمَعًا عليه وَنَفْيُ الصِّفَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْمَوْصُوفِ خَاتِمَةٌ قد يَكُونُ الْخِلَافُ حُجَّةً قد يَكُونُ الْخِلَافُ حُجَّةً كَالْإِجْمَاعِ في مَوَاضِعَ منها مَنْعُ الْخُرُوجِ منه إذَا انْحَصَرَ على قَوْلَيْنِ أو ثَلَاثَةٍ وَمِنْهَا تَسْوِيغُ الذَّهَابِ إلَى كل وَاحِدٍ من الْأَقْوَالِ الْمُخْتَلَفِ فيها وَمِنْهَا كَوْنُ الْجَمِيعِ صَوَابًا إنْ قُلْنَا كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَغَيْرُ ذلك ذَكَرَهُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في مَسْأَلَةِ تَقْلِيدِ الصَّحَابِيِّ الِاخْتِلَافُ مَذْمُومٌ وَالِاجْتِمَاعُ مَحْمُودٌ وقال الْمُزَنِيّ في كِتَابِ ذَمِّ التَّقْلِيدِ قد ذَمَّ اللَّهُ الِاخْتِلَافَ في غَيْرِ ما آيَةٍ وَلَوْ كان من دِينِهِ ما ذَمَّهُ وَلَوْ كان التَّنَازُعُ من حُكْمِهِ ما رَدَّهُ إلَى كِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ وَلَا أَمَرَ بِإِمْضَاءِ الِاخْتِلَافِ وَالتَّنَازُعِ على ما هُمَا بِهِ وما حَذَّرَ رسول اللَّهِ أُمَّتَهُ من الْفُرْقَةِ وَأَمَرَهَا بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ قال وَلَوْ كان الِاخْتِلَافُ رَحْمَةً لَكَانَ الِاجْتِمَاعُ عَذَابًا لِأَنَّ الْعَذَابَ خِلَافُ الرَّحْمَةِ ثُمَّ قال قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الِاخْتِلَافُ وَجْهَانِ فما كان مَنْصُوصًا لم يَحِلَّ فيه الِاخْتِلَافُ وما كان يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ أو يُدْرَكُ قِيَاسًا فَذَهَبَ الْمُتَأَوِّلُ أو الْمُقَايِسُ إلَى مَعْنًى يَحْتَمِلُ ذلك وَإِنْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ لم أَقُلْ إنَّهُ يُضَيِّقُ عليه ضِيقَ الِاخْتِلَافِ في الْمَنْصُوصِ قال الْمُزَنِيّ فَظَاهِرُ قَوْلِهِ أَنَّهُ ضَيَّقَ الْخِلَافَ كَتَضْيِيقِهِ في الْمَنْصُوصِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
  141. كِتَابُ الْقِيَاسِ وَالنَّظَرُ فيه أَوْسَعُ من غَيْرِهِ من أَبْوَابِ الْأُصُولِ فَلِهَذَا خَصُّوهُ بِمَزِيدِ اعْتِنَاءٍ وقد قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ مُبَيِّنًا لِشَرَفِهِ الْقِيَاسُ مَنَاطُ الِاجْتِهَادِ وَأَصْلُ الرَّأْيِ وَمِنْهُ يَتَشَعَّبُ الْفِقْهُ وَأَسَالِيبُ الشَّرِيعَةِ وهو الْمُفْضِي إلَى الِاسْتِقْلَالِ بِتَفَاصِيل أَحْكَامِ الْوَقَائِعِ مع انْتِفَاءِ الْغَايَةِ وَالنِّهَايَةِ فإن نُصُوصَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَحْصُورَةٌ مَقْصُورَةٌ وَمَوَاضِعُ الْإِجْمَاعِ مَعْدُودَةٌ مَأْثُورَةٌ فما يُنْقَلُ منها تَوَاتُرًا فَهُوَ الْمُسْتَنِدُ إلَى الْقَطْعِ وهو مُعْوِزٌ قَلِيلٌ وما يَنْقُلُهُ الْآحَادُ من عُلَمَاءِ الْأَعْصَارِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ أَخْبَارِ الْآحَادِ وَهِيَ على الْجُمْلَةِ مُتَنَاهِيَةٌ وَنَحْنُ نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ الْوَقَائِعَ التي يَتَوَقَّعُ وُقُوعَهَا لَا نِهَايَةٌ لها وَالرَّأْيُ الْمَبْتُوتُ الْمَقْطُوعُ بِهِ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا تَخْلُو وَاقِعَةٌ عن حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى مُتَلَقًّى من قَاعِدَةِ الشَّرْعِ وَالْأَصْلُ الذي يَسْتَرْسِلُ على جَمِيعِ الْوَقَائِعِ الْقِيَاسُ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ من وُجُوهِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ فَهُوَ إذًا أَحَقُّ الْأُصُولِ بِاعْتِنَاءِ الطَّالِبِ وَفِيهِ أَبْوَابٌ
  142. الْبَابُ الْأَوَّلُ في حَقِيقَتِهِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا أَمَّا لُغَةً فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ تَقْدِيرُ شَيْءٍ على مِثَالِ شَيْءٍ آخَرَ وَتَسْوِيَتُهُ بِهِ وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْمِكْيَالُ مِقْيَاسًا وما يُقَدَّرُ بِهِ النِّعَالُ مِقْيَاسًا وَفُلَانٌ لَا يُقَاسُ بِفُلَانٍ أَيْ لَا يُسَاوِيهِ وَقِيلَ هو مَصْدَرُ قِسْت الشَّيْءَ إذَا اعْتَبَرْته أَقِيسُهُ قَيْسًا وَقِيَاسًا وَمِنْهُ قِيسَ الرَّأْيُ وَامْرُؤُ الْقَيْسِ لِاعْتِبَارِ الْأُمُورِ بِرَأْيِهِ وَقُسْته بِضَمِّ الْقَافِ أُقَوِّسُهُ قَوْسًا ذَكَرَ هذه اللُّغَةَ ابن أبي الْبَقَاءِ في نِهَايَتِهِ وَصَاحِبُ الصِّحَاحِ فَهُوَ من ذَوَاتِ الْوَاوِ وَالْيَاءِ وقال ابن مُقْلَةَ في كِتَابِ الْبُرْهَانِ الْقِيَاسُ في اللُّغَةِ التَّمْثِيلُ وَالتَّشْبِيهُ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ التَّشْبِيهُ في الْوَصْفِ أو الْحَدِّ لَا الِاسْمِ وقال الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ في كِتَابِ الْقَضَاءِ الْقِيَاسُ في اللُّغَةِ مَأْخُوذٌ من الْمُمَاثَلَةِ يُقَالُ هذا قِيَاسُ هذا أَيْ مِثْلُهُ لِأَنَّ الْقِيَاسَ الْجَمْعُ بين الْمُتَمَاثِلَيْنِ في الْحُكْمِ وَقِيلَ إنَّهُ مَأْخُوذٌ من الْإِصَابَةِ يُقَالُ قِسْت الشَّيْءَ إذَا أَصَبْته لِأَنَّ الْقِيَاسَ يُصِيبُ بِهِ الْحُكْمَ وَحَكَاهَا ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ وقال الصَّيْرَفِيُّ الْقِيَاسُ فِعْلُ الْقَائِسِ وهو مَصْدَرُ قِسْت الشَّيْءَ قِيَاسًا وهو الْجَمْعُ بين الشَّيْئَيْنِ إمَّا بِالْمُشَاهَدَةِ فِيهِمَا جميعا أو أَحَدِهِمَا وَالْآخَرِ بِالْفِكْرِ أو جَمِيعِهِمَا بِالْفِكْرِ يُعْلَمُ تَسَاوِيهِمَا في الشَّيْءِ الذي جُمِعَا من أَجْلِهِ بِخِلَافِهِمَا هذه فَائِدَةُ الْقِيَاسِ وَنَتِيجَتُهُ فإذا أَثْمَرَتْ الْمُقَابَلَةُ مُسَاوَاةَ الشَّيْئَيْنِ من حَيْثُ كان جَرَى الْحُكْمُ عَلَيْهِمَا في الشَّيْءِ الذي اجْتَمَعَا فيه وَخُولِفَ بَيْنَهُمَا في شَيْءٍ اخْتَلَفَا فيه وَهَذَا ثَابِتٌ في قَضِيَّةِ الْعُقُولِ أَنَّ كُلَّ شَيْئَيْنِ اشْتَبَهَا في شَيْءٍ ما فَحُكْمُهُمَا من حَيْثُ اشْتَبَهَا وَاحِدٌ وَلَوْلَا ذلك لَمَا كان بين الْمُخْتَلِفِ وَالْمُتَّفِقِ فَرْقٌ وَأَمَّا في الِاصْطِلَاحِ فَاخْتَلَفُوا أَوَّلًا في إمْكَانِ حَدِّهِ فقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ يَتَعَذَّرُ الْحَدُّ الْحَقِيقِيُّ في الْقِيَاسِ لِاشْتِمَالِهِ على حَقَائِقَ مُخْتَلِفَةٍ كَالْحُكْمِ فإنه قَدِيمٌ وَالْفَرْعُ وَالْأَصْلُ فَإِنَّهُمَا حَادِثَانِ وَالْجَامِعُ فإنه عِلَّةٌ وَوَافَقَهُ ابن الْمُنِيرِ شَارِحُهُ على تَعَذُّرِ الْحَدِّ لَكِنَّ الْعِلَّةَ عِنْدَهُ في ذلك كَوْنُهُ نِسْبَةً وَإِضَافَةً
  143. وَهِيَ عَدَمِيَّةٌ وَالْعَدَمُ لَا يَتَرَكَّبُ من الْجِنْسِ وَالْفَصْلِ الْحَقِيقِيَّيْنِ الْوُجُودِيَّيْنِ قال الْإِبْيَارِيُّ الْحَقِيقِيُّ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ عَمَّا تَرَكَّبَ من الْجِنْسِ وَالْفَصْلِ وَلَا يُتَصَوَّرُ ذلك في الْقِيَاسِ وَكَلَامُ الْجُمْهُورِ يَقْتَضِي إمْكَانَهُ وَاخْتَلَفُوا فَالْمُحَقِّقُونَ أَنَّهُ مُسَاوَاةُ فَرْعٍ لِأَصْلٍ في عِلَّةِ الْحُكْمِ أو زِيَادَتُهُ عليه في الْمَعْنَى الْمُعْتَبَرِ في الْحُكْمِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ من أَدِلَّةِ الْأَحْكَامِ فَلَا بُدَّ من حُكْمٍ مَطْلُوبٍ بِهِ وَلَا بُدَّ له من مَحَلٍّ يَقُومُ بِهِ وهو الْفَرْعُ وَذَلِكَ لِثُبُوتِهِ في مَحَلٍّ آخَرَ وهو الْأَصْلُ وَلَا يُمْكِنُ ذلك بين كل شَيْئَيْنِ بَلْ إذَا كان بَيْنَهُمَا أَمْرٌ يُوجِبُ الِاشْتِرَاكَ في الْحُكْمِ وهو الْمُرَادُ بِالْمُسَاوَاةِ في نَفْسِ الْأَمْرِ فَيَخْتَصُّ الْحَدُّ بِالْقِيَاسِ الصَّحِيحِ هذا عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ أَمَّا الْقَائِلُونَ بِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فَلَا بُدَّ أَنْ يُزَادَ في نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ سَوَاءٌ ثَبَتَ في نَفْسِ الْأَمْرِ أَمْ لَا كَذَا قَالَهُ ابن الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ وَالْحَقُّ أَنَّ التَّعْرِيفَ الْمَذْكُورَ شَامِلٌ لِلْقِيَاسِ الصَّحِيحِ على الْمَذْهَبَيْنِ لِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ الْمَذْكُورَةَ أَعَمُّ من أَنْ تَكُونَ في نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ أَمْ لَا وَقِيلَ إدْرَاجُ خُصُوصٍ في عُمُومٍ وَاسْتَحْسَنَهُ بَعْضُ الْجَدَلِيِّينَ وَقِيلَ إنَّهُ إلْحَاقُ الْمَسْكُوتِ بِالْمَنْطُوقِ وَقِيلَ إلْحَاقُ الْمُخْتَلَفِ فيه بِالْمُتَّفَقِ عليه وَقِيلَ اسْتِنْبَاطُ الْخَفِيِّ من الْجَلِيِّ وَقِيلَ حَمْلُ الْفَرْعِ على الْأَصْلِ بِبَعْضِ أَوْصَافِ الْأَصْلِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ ولم يَرْتَضِهِ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وقال ابن كَجٍّ رَدُّ فَرْعٍ مَسْكُوتٍ عنه وَعَنْ حُكْمِهِ إلَى أَصْلٍ مَنْطُوقٍ بِحُكْمِهِ وَقِيلَ الْجَمْعُ بين النَّظَرَيْنِ وَإِجْرَاءُ حُكْمِ أَحَدِهِمَا على الْآخَرِ وَقِيلَ إنَّهُ بَذْلُ الْجُهْدَ في طَلَبِ الْحَقِّ وهو بَاطِلٌ بِاسْتِخْرَاجِ الْحَقِّ بِالنُّصُوصِ وَالظَّوَاهِرِ وقال أبو هَاشِمٍ حَمْلُ الشَّيْءِ على حُكْمِهِ وَإِجْرَاءُ حُكْمِهِ عليه وهو بَاطِلٌ لِأَنَّهُ لم يذكر الْجَامِعَ وقال عبد الْجَبَّارِ حَمْلُ الشَّيْءِ على الشَّيْءِ في بَعْضِ أَحْكَامِهِ بِضَرْبٍ من الشَّبَهِ وقال الشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى إثْبَاتُ حُكْمِ الْمَقِيسِ عليه لِلْمَقِيسِ وهو رَكِيكٌ فإن الْمَقِيسَ وَالْمَقِيسَ عليه مُشْتَقَّانِ من الْقِيَاسِ فَتَعْرِيفُ الْقِيَاسِ بِهِمَا دَوْرٌ وقال صَاحِبُ الْإِحْكَامِ اسْتِوَاءٌ بين الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ في الْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ من حُكْمِ
  144. الْأَصْلِ وَيَخْرُجُ عنه الْقِيَاسُ إذَا كانت الْعِلَّةُ مَنْصُوصَةً فَإِنْ مُنِعَ كَوْنُهُ قِيَاسًا فَبَاطِلٌ لِأَنَّهُ أَقْوَى أَنْوَاعِ الْأَقْيِسَةِ وقال الْقَاضِي وَاخْتَارَهُ الْمُحَقِّقُونَ مِنَّا كما قَالَهُ في الْمَحْصُولِ هو حَمْلُ مَعْلُومٍ على مَعْلُومٍ في إثْبَاتِ حُكْمٍ لَهُمَا أو نَفْيِهِ عنهما بِجَامِعِ حُكْمٍ أو صِفَةٍ أو نَفْيِهِمَا فَالْحَمْلُ اعْتِبَارُ الْفَرْعِ بِالْأَصْلِ وَرَدُّهُ إلَيْهِ وَالْمَعْلُومُ يَتَنَاوَلُ الْمَوْجُودَ وَالْمَعْدُومَ بِخِلَافِ الشَّيْءِ وَالْفَرْعِ يُوهِمُ الْمَوْجُودَ ثُمَّ بَيَّنَ فَبِمَاذَا يَكُونُ الْحَمْلُ بِقَوْلِهِ في إثْبَاتِ حُكْمٍ فَأَفَادَ أَنَّ الْقِيَاسَ يَتَوَصَّلُ بِهِ إلَى ثُبُوتِ الْأَحْكَامِ وَنَفْيِهَا وَالْمَعْلُومُ الثَّانِي لَا بُدَّ منه إذْ الْقِيَاسُ يَسْتَدْعِي مُنْتَسِبِينَ لِأَنَّ إثْبَاتَ الْحُكْمِ بِدُونِ الْأَصْلِ ليس بِحُكْمٍ ثُمَّ قَسَّمَ الْجَامِعَ إلَى حُكْمٍ وَصِفَةٍ قال إلْكِيَا وهو أَسَدُّ ما قِيلَ على صِنَاعَةِ الْمُتَكَلِّمِينَ وقد اعْتَرَضَ عليه بِأُمُورٍ منها إنْ أَرَدْت بِالْحَمْلِ إثْبَاتَ الْحُكْمِ فَقَوْلُك في إثْبَاتِ حُكْمٍ ضَائِعٌ لِلتَّكْرَارِ وَإِنْ أَرَدْت غَيْرَهُ فَبَيِّنْهُ وَذَلِكَ الْغَيْرُ يَكُونُ خَارِجًا عن الْقِيَاسِ لِأَنَّهُ يَتِمُّ بِإِثْبَاتِ مِثْلٍ مَعْلُومٍ لِآخَرَ بِجَامِعٍ وَمِنْهَا أَنَّ قَوْلَهُ في إثْبَاتِ حُكْمٍ لها يُشْعِرُ بِإِثْبَاتِ حُكْمِ الْأَصْلِ بِالْقِيَاسِ وهو بَاطِلٌ فإن الْقِيَاسَ فَرْعُ ثُبُوتِ الْحُكْمِ في الْأَصْلِ فَلَوْ كان ثُبُوتُ الْحُكْمِ فَرْعًا عن الْقِيَاسِ لَزِمَ الدَّوْرُ وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْقَاضِيَ لَعَلَّهُ يَرَى أَنَّ الْحُكْمَ ثَبَتَ في الْأَصْلِ بِالْعِلَّةِ لَا بِالنَّصِّ وَكَذَلِكَ في الْفَرْعِ وَالْقِيَاسُ كَاشِفٌ عَمَّا ثَبَتَ فِيهِمَا وقال ابن الْمُنِيرِ هذا السُّؤَالُ لَا يَرِدُ من أَصْلِهِ لِأَنَّ قَوْلَهُ بِهِمَا يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفِ صِلَةٍ لِلْحُكْمِ الْمُنَكَّرِ كَأَنَّهُ قال في إثْبَاتِ حُكْمٍ وَذَلِكَ الْحُكْمُ في نَفْسِ الْأَمْرِ ثَابِتٌ لِلْأَصْلِ وَالْفَرْعِ وَالْمُثْبِتُ له في الْأَصْلِ النَّصُّ وفي الْفَرْعِ الْقِيَاسُ فَلَا تَنَاقُضَ وَلَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِإِثْبَاتٍ وَمِنْهَا أَنَّ الصِّفَةَ ثَبَتَتْ أَيْضًا بِالْقِيَاسِ كَقَوْلِهِ إنَّهُ عَالِمٌ فَلَهُ عِلْمٌ كما في الشَّاهِدِ فَإِنْ انْدَرَجَتْ الصِّفَةُ في الْحُكْمِ يَكُونُ قَوْلُهُ بِجَامِعِ حُكْمٍ أو صِفَةٍ لِأَنَّ الصِّفَةَ لَمَّا كانت أَحَدَ أَقْسَامِ الْحُكْمِ كان ذِكْرُ الصِّفَةِ بَعْدَ ذِكْرِ الْحُكْمِ تَكْرَارًا وَإِنْ لم تَنْدَرِجْ كان التَّعْرِيفُ نَاقِصًا فَهُوَ إمَّا زَائِدٌ وَإِمَّا نَاقِصٌ وَمِنْهَا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ في الْقِيَاسِ الْجَامِعُ دُونَ أَقْسَامِهِ وَلَوْ وَجَبَ ذِكْرُ أَقْسَامِهِ
  145. لَوَجَبَ ذِكْرُ أَقْسَامِ الْحُكْمِ وَمِنْهَا الْقِيَاسُ الْفَاسِدُ خَارِجٌ عنه لِأَنَّ الْجَامِعَ مَتَى حَصَلَ صَحَّ الْقِيَاسُ وقال إلْكِيَا هو شَامِلٌ لِلصَّحِيحِ وَالْفَاسِدِ وَالتَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا يَرْجِعُ إلَى شُرُوطٍ لَا مَدْخَلَ لها في التَّحْدِيدِ وَكَذَلِكَ صَرَّحَ الْقَاضِي وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ بِشُمُولِهِ لها وما ذَكَرْنَاهُ من اخْتِصَاصِهِ بِالصَّحِيحِ تَبَعًا لِلْآمِدِيِّ فَهُوَ مَرْدُودٌ بِمَا ذَكَرْنَا وَمِنْهَا قال الْآمِدِيُّ الْحُكْمُ في الْفَرْعِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا يَتَفَرَّعُ على الْقِيَاسِ إجْمَاعًا وَلَيْسَ بِرُكْنٍ في الْقِيَاسِ فإن نَتِيجَةَ الدَّلِيلِ لَا تَكُونُ رُكْنًا في الدَّلِيلِ لِمَا فيه من الدَّوْرِ فَيَلْزَمُ من أَخْذِ الْحُكْمِ في الْفَرْعِ رُكْنًا في الْقِيَاسِ الدَّوْرُ الْمُمْتَنِعُ وَأَجَابَ الْقَرَافِيُّ بِأَنَّ تَعْرِيفَ الدَّلِيلِ بِنَتِيجَتِهِ تَعْرِيفًا رَسْمِيًّا تَعْرِيفٌ جَائِزٌ لِأَنَّهُ تَعْرِيفٌ بِلَازِمِ الشَّيْءِ بِخِلَافِ تَعْرِيفِهِ الْحَدِّيِّ وَرَدَّهُ الْأَصْفَهَانِيُّ بِأَنَّ التَّعْرِيفَ بِاللَّازِمِ شَرْطُهُ اللُّزُومُ الْبَيِّنُ من حَيْثُ هو لَازِمٌ وَإِلَّا يَلْزَمُ الدَّوْرُ وَأَجَابَ ابن الْحَاجِبِ بِأَنَّ الْمَحْدُودَ الْقِيَاسُ الذِّهْنِيُّ وَثُبُوتُ حُكْمِ الْفَرْعِ الذِّهْنِيِّ أو الْخَارِجِيِّ ليس فَرْعًا له وَرَدَّهُ الْأَصْفَهَانِيُّ بِأَنَّ مَعْرِفَةَ حُكْمِ الْفَرْعِ الذِّهْنِيِّ فَرْعُ الْقِيَاسِ الذِّهْنِيِّ لِأَنَّ نَتِيجَتَهُ ذِهْنًا وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ لِلْقِيَاسِ الْخَارِجِيِّ الذي هو دَلِيلٌ على حُكْمِ اللَّهِ وَأَجَابَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ بِأَنَّ الْقَاضِيَ لم يَأْخُذْ في تَعْرِيفِ الْقِيَاسِ إلَّا الْإِثْبَاتَ لَا الثُّبُوتَ وَالْمُتَفَرِّعُ عن الْقِيَاسِ الثُّبُوتُ لَا الْإِثْبَاتُ وَالْحَقُّ أَنَّ الثُّبُوتَ ثَابِتٌ قبل الْقِيَاسِ وَإِنَّمَا النَّاشِئُ بِالْقِيَاسِ اعْتِقَادُ الْمُسَاوَاةِ أو الثُّبُوتِ مُسْتَنِدًا إلَى الْعِلَّةِ لَا مُجَرَّدِ الثُّبُوتِ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْإِنْصَافُ أَنَّ ما ذَكَرَهُ الْقَاضِي ليس بِحَدٍّ وَلَا مَطْمَعٍ في الْحَدِّ بِمَا يَتَرَكَّبُ من نَفْيٍ وَإِثْبَاتٍ كما ذَكَرَهُ في الْحُكْمِ وَالْجَامِعِ مَسْأَلَةٌ الْقِيَاسُ في نَظَرِ الْأُصُولِيِّينَ حَاصِلُ الْقِيَاسِ في نَظَرِ الْأُصُولِيِّينَ يَرْجِعُ إلَى الِاسْتِدْلَالِ بِحُكْمِ شَيْءٍ على آخَرَ من غَيْرِ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَعَمَّ من الْآخَرِ وَيُسَمِّيهِ قَوْمٌ التَّمْثِيلَ وَأَمَّا في اصْطِلَاحِ الْمَنْطِقِيِّينَ
  146. فَهُوَ الِاسْتِدْلَال بِحُكْمِ الْعَامِّ على حُكْمِ الْخَاصِّ وَيَرْجِعُ إلَى الْمُقَدِّمَاتِ وَالنَّتَائِجِ قال الْإِبْيَارِيُّ وهو أَبْعَدُ عن الْمَدْلُولِ اللُّغَوِيِّ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ كُلُّ نَبِيذٍ مُسْكِرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ يُنْتَجُ كُلُّ نَبِيذٍ حَرَامٌ ليس فيه اعْتِبَارٌ بِحَالٍ وَإِنَّمَا النَّبِيذُ أَحَدُ الصُّوَرِ الْمُنْدَرِجَةِ تَحْتَ الْعُمُومِ قُلْت بَلْ هو قَرِيبٌ من الْمَدْلُولِ اللُّغَوِيِّ بِمَعْنَى التَّسْوِيَةِ لِأَنَّهُ تَسْوِيَةُ حُكْمِ الْخَاصِّ بِحُكْمِ الْعَامِّ وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ لَفْظَ الْقِيَاسِ قد يُتَجَوَّزُ بِإِطْلَاقِهِ في النَّظَرِ الْمَحْضِ من غَيْرِ تَقْدِيرِ فَرْعٍ وَأَصْلٍ فيقول الْمُفَكِّرُ قِسْت الشَّيْءَ إذَا تَفَكَّرَ فيه وَنَازَعَهُ الْإِبْيَارِيُّ وَلَا مَعْنَى لِنِزَاعِهِ لِوُجُودِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ فيه وهو الِاعْتِبَارُ وقال الْغَزَالِيُّ في أَسَاسِ الْقِيَاسِ وَأَمَّا نَحْوُ كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ أُنْتِجَ كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ هذا لَا تُسَمِّيهِ الْفُقَهَاءُ وَالْأُصُولِيُّونَ قِيَاسًا وَإِنَّمَا يُسَمِّيهِ ذلك الْمَنْطِقِيُّونَ وهو ظُلْمٌ منهم على الِاسْمِ وَخَطَأٌ على الْوَضْعِ فإن الْقِيَاسَ في وَضْعِ اللِّسَانِ يَسْتَدْعِي مَقِيسًا وَمَقِيسًا عليه لِأَنَّهُ حَمْلُ فَرْعٍ على أَصْلٍ بِعِلَّةٍ جَامِعَةٍ وَإِطْلَاقُهُ على غَيْرِ هذا خَطَأٌ مَسْأَلَةٌ لَفْظُ الْقِيَاسِ مُشْتَرَكٌ وقال الْغَزَالِيُّ أَيْضًا لَفْظُ الْقِيَاسِ مُشْتَرَكٌ يُطْلَقُ تَارَةً على الرَّأْيِ الْمَحْضِ الْمُقَابِلِ لِلتَّوْقِيفِ حتى يُقَالَ الشَّرْعُ إمَّا تَوْقِيفٌ أو قِيَاسٌ وَهَذَا الذي نُنْكِرُهُ وهو الذي يَتَعَرَّضُ لِتَشْنِيعِ الظَّاهِرِيَّةِ التَّعْلِيمِيَّةِ وَيُطْلَقُ تَارَةً بِمُقَابِلِ التَّعَبُّدِ حتى يُقَالَ الشَّرْعُ يَنْقَسِمُ إلَى ما يُعْقَلُ مَعْنَاهُ وَإِلَى تَعَبُّدٍ كَرَمْيِ الْجِمَارِ وَكِلَاهُمَا تَوْقِيفٌ لَكِنْ يُسَمَّى ما عُقِلَ مَعْنَاهُ قِيَاسًا لِمَا انْقَدَحَ فيه من الْمَعْقُولِ وَهَذَا هو الذي نَقُولُ بِهِ وهو بهذا الْمَعْنَى أَحَدُ نَوْعَيْ التَّوْقِيفِ وَلَيْسَ مُقَابِلًا له

  147. مسألة يسمى القياس استدلالا في المعتمد لأبي الحسين البصري كان الشافعي رضي الله عنه يسمي القياس استدلالا لأنه فحص ونظر ويسمي الاستدلال قياسا لوجود التعليل فيه وحكى صاحب الكبريت الأحمر عن بعضهم أن القياس والاجتهاد واحد لحديث معاذ أجتهد رأيي والمراد القياس بالإجماع وقال إلكيا يمتاز القياس عن الاجتهاد بأنه في الأصل بذل المجهود في طلب الحق سواء طلب من النص أو القياس وقد قال الشافعي في الرسالة إن القياس الاجتهاد وظاهر ذلك لا يستقيم فإن الاجتهاد أعم من القياس والقياس أخص إلا أنه لما كان الاجتهاد في عرف الفقهاء مستعملا في تعريف ما لا نص فيه من الحكم وعنده أن طريق تعرف ذلك لا يكون إلا بأن يحمل الفرع على الأصل فقط وذلك قياس عنده والاجتهاد عند المتكلمين ما اقتضى غلبة الظن في الأحكام التي لا يتعين فيها خطأ المجتهد ويقال فيها كل مجتهد مصيب والقياس ما ذكرناه والأمر فيه قريب وقال ابن السمعاني هل القياس والاجتهاد متحدان أو مختلفان اختلفوا فيه فقال أبو علي بن أبي هريرة إنهما متحدان ونسب للشافعي وقد أشار إليه في كتاب الرسالة والذي عليه جمهور الفقهاء أن الاجتهاد غير القياس وهو أعم منه لأن القياس يفتقر إلى الاجتهاد وهو من مقدماته وليس الاجتهاد يفتقر إلى القياس ولأن الاجتهاد يكون بالنظر في العمومات وسائر طرق الأدلة وليس ذلك بقياس مَسْأَلَةٌ ما وُضِعَ له الْقِيَاسُ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا كما قَالَهُ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ فِيمَا وُضِعَ له اسْمُ الْقِيَاسِ على
  148. قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ اسْتِدْلَالُ الْمُجْتَهِدِ وَفِكْرُهُ الْمُسْتَنْبَطُ وَالثَّانِي أَنَّهُ الْمَعْنَى الذي يَدُلُّ على الْحُكْمِ في أَصْلِ الشَّيْءِ وَفَرْعِهِ قال وَهَذَا هو الصَّحِيحُ وَمَنْ فَرَّ منه فَإِنَّمَا فَرَّ لِشُبْهَةٍ تَعُودُ إلَيْهِ في الْحَقِيقَةِ لِأَنَّهُ قبل الْقِيَاسِ لَا بُدَّ من أَنْ يَكُونَ له أَصْلٌ وَفَرْعٌ فَإِنْ كان أَصْلًا فَقَدْ وَجَبَ وُجُودُهُ في كل ما يُسَمَّى بِهِ وَاسْتَغْنَى عن الْإِلْحَاقِ وَإِنْ كان فَرْعًا لم يَجُزْ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا على غَيْرِهِ وَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ له أَصْلٌ يُسْتَنْبَطُ بِهِ ثُمَّ الْكَلَامُ في أَصْلِهِ كَالْكَلَامِ فيه لِنَفْسِهِ وَهَذَا بِعَيْنِهِ يَسْتَشْكِلُ على الْقَائِلِ الْأَوَّلِ بِأَنْ يُقَالَ الْمُجْتَهِدُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِالنَّظَرِ وَالْإِلْحَاقِ فَإِنْ لم يَكُنْ لم يَتَوَجَّهْ عليه الطَّلَبُ عِنْدَ نُزُولِ الْحَادِثَةِ وَإِنْ كان مَأْمُورًا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَصْلًا أو فَرْعًا ثُمَّ يَعُودُ ما سَبَقَ وَمَهْمَا كان جَوَابُهُ فَهُوَ جَوَابُنَا مَسْأَلَةٌ الذي يُثْبِتُهُ الْقِيَاسُ وَاخْتَلَفُوا كما قَالَهُ الْمُقْتَرِحُ في الذي أَثْبَتَهُ الْقِيَاسُ هل هو حُكْمٌ وَاحِدٌ يَشْمَلُ الْأَصْلَ وَالْفَرْعَ أو حُكْمَيْنِ مُتَمَاثِلَيْنِ فَذَهَبَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ إلَى أَنَّهُمَا حُكْمَانِ مُتَمَاثِلَانِ وَقَرَّرَهُ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا جَوَازُ نَسْخِ الْأَصْلِ مع إبْقَاءِ الْفَرْعِ فَدَلَّ على أَنَّهُمَا حُكْمَانِ وَالثَّانِي أَنَّ الْحُكْمَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مُتَعَلَّقِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ مُتَعَلَّقَ الْأَصْلِ غَيْرُ الْفَرْعِ فَكَانَا مُخْتَلِفَيْنِ وَذَهَبَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ إلَى أَنَّهُ حُكْمٌ وَاحِدٌ شَامِلٌ لَهُمَا لِأَنَّا لَا نَنْظُرُ إلَى الْقَضِيَّةِ الْخَاصَّةِ وَإِنَّمَا النَّظَرُ إلَى الْأَمْرِ الْعَامِّ فَإِنْ أَوْرَدَ جَوَازَ النَّسْخِ قُلْنَا لَا يُتَصَوَّرُ نَسْخُ الْأَصْلِ مع بَقَاءِ الْفَرْعِ مَسْأَلَةٌ اشْتِمَالُ النُّصُوصِ على الْفُرُوعِ الْمُلْحَقَةِ بِالْقِيَاسِ رَوَى الرَّبِيعُ في اخْتِلَافِ الحديث عن الشَّافِعِيِّ ما يَقْتَضِي اشْتِمَالَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ على جَمِيعِ الْفُرُوعِ الْمُلْحَقَةِ بِالْقِيَاسِ أَيْ ابْتِدَاءً أو بِالْوَاسِطَةِ فقال الشَّافِعِيُّ وَلَمَّا قَبَضَ اللَّهُ رَسُولَهُ تَنَاهَتْ فَرَائِضُهُ فَلَا يُزَادُ فيه وَلَا يَنْقُصُ وَنَصَّ في الرِّسَالَةِ على أَنَّ الْقِيَاسَ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ وَرَوَى أَحْمَدُ بن حَنْبَلٍ عن الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قال الْقِيَاسُ ضَرُورَاتٌ
  149. حَكَاهُ الْعَبَّادِيُّ في طَبَقَاتِهِ وَهَذَا يَقْتَضِي عَدَمَ اشْتِمَالِهِ عليه فَلْيُؤَوَّلْ وقال ابن كَجٍّ جَمِيعُ الْأَحْكَامِ على مَرَاتِبِهَا مَعْلُومَةٌ بِالنَّصِّ لَكِنَّ بَعْضَهَا يُعْلَمُ بِظَاهِرٍ وَبَعْضُهَا يُعْلَمُ بِاسْتِنْبَاطٍ وهو الْقِيَاسُ وَلَوْ لَزِمَ أَنْ لَا يَثْبُتَ حُكْمٌ إلَّا بِنَصٍّ لَبَطَلَ أَكْثَرُ الْأَحْكَامِ الْمُسْتَدَلِّ عليها بِفَحْوَى الْخِطَابِ وَدَلِيلِهِ وَزَعَمَ ابن حَزْمٍ أَنَّ النُّصُوصَ مُحِيطَةٌ بِجَمِيعِ الْحَوَادِثِ وَرُبَّمَا تَمَسَّكَ بِقَوْلِ أَحْمَدَ ما تَصْنَعُ بِالرَّأْيِ وفي الحديث ما يُغْنِيك عنه وَمُقَابِلُهُ قَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ إنَّ أَكْثَرَ الْحَوَادِثِ لَا نَصَّ فيها بِحَالٍ وَلِذَا قال غَيْرُهُ من الْأَئِمَّةِ إنَّهُ لو لم يُسْتَعْمَلْ الْقِيَاسُ أَفْضَى إلَى خُلُوِّ كَثِيرٍ من الْحَوَادِثِ عن الْأَحْكَامِ لِقِلَّةِ النُّصُوصِ وَكَوْنِ الصُّوَرِ لَا نِهَايَةَ لها وقال بَعْضُهُمْ من اتَّسَعَ عِلْمُهُ بِالنُّصُوصِ قَلَّتْ حَاجَتُهُ إلَى الْقِيَاسِ كَالْوَاجِدِ مَاءً لَا يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ في الْقَلِيلِ وَتَوَسَّطَ بَعْضُهُمْ وقال بِالتَّفْصِيلِ بين أَعْمَالِ الْخَلْقِ الْوَاقِعَةِ وَبَيْنَ الْمَسَائِلِ الْمُوَلَّدَةِ لِأَعْمَالِهِمْ الْمُقَدَّرَةِ فَالْأُولَى عَامَّتُهَا نُصُوصٌ وَأَمَّا الْمُوَلَّدَاتُ فَيَكْثُرُ فيها ما لَا نَصَّ فيه
  150. مسألة القياس مظهر لا مثبت الحق أنه مظهر لحكم الله تعالى لا مثبت له ابتداء لأن مثبت الحكم هو الله ومنع الشافعي في الرسالة أن يقال إنه حكم الله على الإطلاق وقال الصيرفي لأن هذا اللفظ إنما ينصرف في الظاهر للمنصوص عليه فيمتنع إطلاقه على القياس وإن كان فيه حكم الله من الاجتهاد إشفاقا أن يقطع على الله بذلك فإن أطلق عليه حكم الله بمعنى أنه أوجبه كان على التقييد وقال الروياني في البحر القياس عندنا دين الله وحجته وشرعه وقال ابن السمعاني إنه دين الله ودين رسوله بمعنى أنه عليه ولا يجوز أن يقال إنه قول الله تعالى وقول رسوله صلى الله عليه وسلم قال أبو الحسين في المعتمد هو مأمور
  151. به بمعنى أن الله بعثنا على فعله بالأدلة وأما كونه بمعنى صيغة أفعل فصحيح أيضا عند من يحتج بقوله تعالى فاعتبروا وأما كونه من دين الله فلا ريب فيه إذا عنى أنه ليس ببدعة وإن أريد غير ذلك فعند الشيخ أبي الهذيل لا يطلق عليه لأن اسم الدين يقع على ما هو ثابت مستمر وأبو علي الجبائي يصف ما كان واجبا منه بذلك وبأنه إيمان دون ما كان منه ندبا والقاضي عبد الجبار يصف بذلك واجبه ومندوبه وقال الآمدي إن أريد بالدين ما تعبدنا به وهو أصلي فليس القياس من الدين وإن أريد به ما تعبدنا به مطلقا فهو من الدين ويتحصل في كون القياس من الدين أقوال ثالثها حيث يتعين
  152. الْبَابُ الثَّانِي في مَوْضُوعِهِ قال الرُّويَانِيُّ وَمَوْضُوعُهُ طَلَبُ أَحْكَامِ الْفُرُوعِ الْمَسْكُوتِ عنها من الْأُصُولِ الْمَنْصُوصَةِ بِالْعِلَلِ الْمُسْتَنْبَطَةِ من مَعَانِيهَا لِيَلْحَقَ كُلُّ فَرْعٍ بِأَصْلِهِ

  153. الباب الثالث في وجوب العمل به وهو حجة في الأمور الدنيوية بالاتفاق قال الإمام الرازي كما في الأدوية والأغذية والأسعار وكذلك القياس الصادر منه صلى الله عليه وسلم بالاتفاق قال صاحب التلخيص لأن مقدماته قطعية لوجوب علم وقوعه قال وإنما النزاع منا ويجب العمل به إذا عدم النص والإجماع وقال صاحب القواطع ذهب كافة الأئمة من الصحابة والتابعين وجمهور الفقهاء والمتكلمين إلى أن القياس الشرعي أصل من أصول الشرع يستدل به على الأحكام التي لم يرد بها السمع قال الإمام أحمد لا يستغني أحد عن القياس وقال الأستاذ أبو منصور والمثبتون للقياس اختلفوا فيه على أربعة مذاهب أحدها ثبوته في العقليات والشرعيات وهو قول أصحابنا من الفقهاء والمتكلمين وأكثر المعتزلة والثاني ثبوته في العقليات دون الشرعيات وبه قال النظام وجماعة من أهل الظاهر والثالث نفيه في العلوم العقلية وثبوته في الأحكام الشرعية التي ليس فيها نص ولا إجماع وبه قال طائفة من القائلين بأن المعارف ضرورية والرابع نفيه في العقليات والشرعيات وبه قال أبو بكر بن داود الأصفهاني قال والمثبتون له في العقليات والشرعيات أوجبوه في الحوادث التي ليس فيها نص ولا إجماع وأجازوه فيما فيه أحد هذه الأصول إذا لم يرد إلى خلافها انتهى ثم المثبتون له اختلفوا في مواضع أحدها في طريق إثباته فقال الأكثرون هو دليل بالشرع ونص عليه في الرسالة فقال وأما القياس فإنما أخذناه استدلالا بالكتاب والسنة والآثار وقال القفال وأبو الحسين البصري هو دليل بالعقل والأدلة السمعية وردت مؤكدة له ولو قدرنا عدم وجودها لتوصلنا بمجرد العقل إلى انتصاب الأقيسة عللا في الأحكام وقال الدقاق يجب العمل به بالعقل والشرع حكاه في اللمع وجزم به ابن قدامة في الروضة وجعله مذهب أحمد لقوله لا يستغني أحد عن القياس قال وذهب أهل
  154. الظاهر والنظام إلى امتناعه عقلا وشرعا وإليه مال أحمد في قوله يجتنب المتكلم في الفقه المجمل والقياس وقد تأوله القاضي أبو يعلى على ما إذا كان القياس مع وجود النص مخالفا له لأنه حينئذ يكون فاسد الاعتبار وثانيها هل دلالة السمع عليه قطعية أو ظنية وبالأول قال الأكثرون وبالثاني قال أبو الحسين والآمدي وثالثها قيل إنما يعمل به إذا كانت العلة منصوصة أو بطريق الأولى والجمهور على وجوب العمل به مطلقا وأما المنكرون للقياس فأول من باح بإنكاره النظام وتابعه قوم من المعتزلة كجعفر بن حرب وجعفر بن مبشر ومحمد بن عبد الله الإسكافي وتابعهم من أهل السنة على نفيه في الأحكام داود الظاهري قال أبو القاسم عبد الله بن عمر بن أحمد الشافعي البغدادي في كتاب في القياس مما حكاه عنه ابن عبد البر في كتاب جامع العلم ما علمت أحدا سبق النظام إلى القول بنفي القياس والاجتهاد ولم يلتفت إليه الجمهور وخالف أبو الهذيل فيه ورده عليه انتهى وقرر الناقلون بحث الظاهرية فقال ابن عبد البر في كتاب العلم لا خلاف بين فقهاء الأمصار وسائر أهل السنة في نفي القياس في التوحيد وإثباته في الأحكام إلا داود فإنه نفاه فيهما جميعا قال ومنهم من أثبته في التوحيد ونفاه في الأحكام وأطلق القاضي أبو الطيب عن داود والنهرواني والمغربي والقاشاني أن القياس محرم بالشرع وقال الأستاذ أبو منصور فأما داود فإنه زعم أن لا حادثة إلا وفيها حكم منصوص عليه في القرآن أو السنة أو مدلول عليه بفحوى النص ودليله وذلك مغن عن القياس فمنها ما ذكره الله مفصلا ومنها ما أجمل ذكره في القرآن وأمر نبيه عليه الصلاة والسلام بالتفصيل والبيان ومنها ما اتفقت عليه الأمة وما ليس فيه نص ولا إجماع فحكمه الإباحة بعفو الله سبحانه عن ذكره وتركه النص على تحريمه أو بإخبار عن فاعل فعله من غير ذم له على فعله أو تورد الرواية عما فعل بحضرته عليه السلام فلم ينكره وقال ابن القطان ذهب داود وأتباعه إلى أن القياس في دين الله تعالى باطل
  155. ولا يجوز القول به وقال القاضي عبد الوهاب ذهب داود الأصفهاني وغيره إلى أن التعبد بالقياس جائز ولكنه لم يرد وأن القول به والمصير إليه غير جائز لعدم الدليل القاطع أن الله تعالى تعبدنا به وكذا نقل الشيخ في اللمع أنه يجوز العمل به عقلا إلا أن الشرع منع وقال ابن حزم في الإحكام ذهب أهل الظاهر إلى إبطال القول بالقياس جملة وهو قولنا الذي ندين الله تعالى به والقول بالعلل باطل قال وذهب بعض منكري القياس إلى أن الشارع إذا جعل شيئا ما علة لحكم فحيثما وجد ذلك وجب ذلك الحكم كنهيه عن الذبح بالسن قال وإنما السن عظم فهو يدل على أن كل عظم لا يذبح به قال وهذا لا يقول به داود ولا أحد من أصحابنا وإنما هو قول قوم لا يعتد بهم من جملتنا كالقاشاني وضربائه وقالوا أما ما لا نص فيه فلا يجوز أن يقال إن هذا لسبب كذا وقال داود وجميع أصحابه لا يفعل الله شيئا من الأحكام وغيرها لعلة أصلا وإذا نص الشارع على أنه لكذا أو بسبب كذا أو لأنه فهو دال على أنه جعله سببا لتلك الأحكام في تلك المواضع التي جاء النص فيها ولا توجب تلك الأشياء شيئا من تلك الأحكام وغير تلك المواضع المبينة ثم قال ولسنا ننكر وجود بعض أسباب الأحكام الشرعية بل نثبتها ونقول بها لكن نقول إنها لا تكون أسبابا إلا حيث جعلها الله أسبابا ولا يتعدى بها الموضع المنصوص على أنها أسباب له انتهى كلامه وقد عرف به مذهب الظاهرية على الحقيقة وأن داود وأصحابه لا يقولون بالقياس ولو كانت العلة منصوصة وإنما القائل به القاشاني وضرباؤه ونقل القاضي والغزالي عن القاشاني والنهرواني القول به فيما إذا كانت العلة منصوصة أومئ إليها في الأحكام المتعلقة بالأسباب كرجم ماعز لزناه والمعلق باسم مشتق كالسارق وكأنهما يعنيان بهذا القسم تنقيح المناط وقال القاضي واختلف هل هما بهذا من القائلين بالقياس أم لا ونقل الآمدي عنهما القول به في العلة المنصوصة دون ما إذا كان الحكم في الفرع أولى به من الأصل ونقل الأستاذ أبو منصور عن القاشاني أنه قال كل حكم وقع في شخص
  156. لسبب من الأسباب استدل به على حكم كل ما وجد فيه مثل ذلك السبب إن لم يمنع منه دليل شرعي ونقل عن النهرواني أنه قال استدل على الفأرة تقع في السمن على السنور إذا وقع قال وهذا منهما اعتراف بالقياس وقال أبو بكر الصيرفي في أصوله المنكرون للقياس كأنهم أنكروا التسمية وإلا فهم يعترفون به وهو المغربي وأبو سعيد النهرواني والقاشاني أما القاشاني فإنه يزعم أنه يستدل بأن الكلام إذا شرع على سبب في شخص فالحكم للسبب فيما عدا ذلك الشخص وأنه يساويه فإن جرى علم صحته وإن لم يجر علم بطلانه ويدعي أنه يبطل القياس فهل قال أصحاب القياس شيئا غير هذا وأما النهرواني فإنه يزعم أنه يستدل بالفأرة تقع في السمن على السنور وزعم أن المراد النجاسة ثم سلكا في النفقات والأشياء الظاهرة الجلية أنها معقولة عن الخطاب ومعلومة بالعادة فهؤلاء ما اهتدوا قط لنفي القياس ولم ينف القياس قط في الأحكام غير إبراهيم يعني النظام من المتكلمين وأتباعه ومن الفقهاء داود ومن بعده وكل هؤلاء يزعم أنه لو قيل لنا حرمت الخمر لأنها حلوة لم يحرم غيرها من كل حلو وسواء عليه قال لأنه حلو أو لم يقل انتهى وقال في موضع آخر وقد نقل عن النظام إنكار القياس على أنه قد قال إن الشيء إذا تقدمت إباحته في الجملة واحتاج إلى العبرة اعتبر بعضه ببعض ونص على إيجاب النفقات للأزواج وأنه اعتبر بنظائرها وهذا هو الذي قاله القياسيون إن القياس لا يوجب ابتداء الحكم ووضعها فإذا وضعت الأصول واحتيج إلى تمييزها والتنفيذ للحكم استدل ببعضها على بعض كما ذكر هذا الرجل في النفقات انتهى وقال ابن كج النافي للقياس قائل به في كثير من المسائل فمنه رجم الزاني قياسا على ماعز وإراقة الزبد المتنجس قياسا على السمن وجواز الخرص والمساقاة قياسا على الكرم ومنع التضحية بالعمياء قياسا على العوراء وأن حكم الحاكم وهو يدافع الأخبثين مكروه قياسا على الغضب وقال ابن عبد البر في كتاب جامع العلم وداود وإن أنكر القياس فقد قال بفحوى الخطاب وقد جعله قوم من أنواع القياس وقال أبو الحسن السهيلي في أدب الجدل له كل من منع كون القياس حجة فإنه يستدل به ثم يسميه باسم الاستدلال والاستنباط أو الاجتهاد أو دليل الشرع أو غيره واعلم أن النظام إنما أنكر القياس في شريعتنا خاصة ولم ينكر القياس العقلي
  157. ولا الشرعي السالف ثم المنكرون للقياس اختلفوا في طريق نفيه فقيل ينفى بالعقل وحده ثم اختلفوا فقيل إن الخوض فيه قبيح لعينه وقيل يجب أن يصطلح لعباده فينص على الأحكام كلها حكاهما إمام الحرمين وقيل لأن الأحكام الشرعية طريقها المصالح ولا يعرف المصالح إلا صاحب الشرع فلا يجوز إثباتها إلا من جهة التوقيف وقيل لأنها جعلت على وجوه لا يمكن العلم بها قياسا كتحمل العاقلة الدية وإيجابه القسامة باللوث والحكم بالشفعة والفرق بين المخابرة والمساقاة وجمعت الشريعة بين أشياء مختلفة وفرقت بين أشياء متفقة فلذلك امتنع القياس ولا وجه إلا امتناع النص وقيل لأن المعارف ضرورية وهو لا يوجب العلم الضروري حكاهما الأستاذ أبو منصور وقيل لأن التعبد بالشرعيات حصل على وجه لا يصح معه القياس فلو وقع على خلافه صح ومنهم من قال لا يجوز ذلك لأن الحكم لا يقتصر على أدنى طرق البيان مع القدرة على أعلاها ولا يعلق عبادته بالظن الذي يخطئ دون العلم لأنه يؤدي إلى التضاد في الأحكام وحكاهما ابن فورك وقيل لضعف البيان الحاصل به حكاه ابن السمعاني وقيل بل ينفى بالشرع والعقل يقتضي جوازه لكن الشرع منع ونقله القاضي وغيره عن داود وقال الأستاذ أبو منصور إنه مذهب أكثر الظاهرية كداود والقاشاني والمغربي وأبي سعيد النهرواني ثم إن القاشاني والنهرواني ناقضا فقال القاشاني كل حكم وقع ونقل إلى آخر ما تقدم عنه وعن صاحبه المذكور ثم قال وأما داود الأصفهاني والنظام فأسرفا فقال داود لو قيل لنا حرم السكر لأنه حلو لم يدل على تحريم كل حلو وقال الغزالي والفرق المبطلة ثلاثة المحيلة له عقلا والموجبة له عقلا والحاظرة له شرعا قلت والمانعون له سمعا افترقوا فرقتين
  158. فرقة قالت نصوص الكتاب والسنة قد وفت وأثبتت فلا حاجة إلى القياس وهو رأي ابن حزم وفرقة قالت بل حرم القول بالقياس ولو صح ما قاله الظاهري من أن النصوص وافية بحكم الحوادث لما افتقر في كثير من الحوادث إلى استصحاب الحال وأدلة العقل وقال الدبوسي نفاة القياس أربعة منهم من لا يرى دليل العقل حجة والقياس منه ومنهم من لا يراه حجة إلا في موجبات العقول والقياس ليس منها ومنهم من لا يراه حجة لأحكام الشرع ومنهم من لا يراه حجة فيها إلا عند الضرورة ولا ضرورة لأنا نحكم فيما لا نص فيه باستصحاب البراءة الأصلية والصحيح أنه حجة أصلية لا حجة ضرورية وذهب ابن حزم إلى قول غريب لم يذهب إليه غيره فيما أظن وهو أن التعبد بالقياس كان جائزا قبل نزول قوله تعالى وما جعل عليكم في الدين من حرج وقوله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وأما بعدهما فلا يجوز ألبتة لأن وعد الله حق فحاصله أنه منسوخ وهو بدع من القول وهذه المذاهب كلها مهجورة وهو خلاف حادث بعد أن تقدم الإجماع بإثبات القياس من الصحابة والتابعين قولا وعملا قال الغزالي ومن ذهب إلى رد القياس فهو مقطوع بخطئه من جهة النظر محكوم بكونه مأثوما قال القاضي ولست أعد من ذهب إلى هذا المذهب من علماء الشرع ولا أبالي بخلافه قال الغزالي وهو كما قال وقال ابن المنير في شرحه ذكر القاضي بكر بن العلاء من أصحابنا أن القاضي إسماعيل أمر بداود منكر القياس فصفع في مجلسه بالنعال وحمله إلى الموفق بالبصرة ليضرب عنقه لأنه رأى أنه جحد أمرا ضروريا من الشريعة في رعاية مصالح الخلق والجلاد في هؤلاء أنفع من الجدال انتهى وَأَمَّا الْأَدِلَّةُ فَلَنَا مَسَالِكُ الْأَوَّلُ دَلَالَةُ الْقُرْآنِ وَمِنْ أَشْهَرِهَا قَوْله تَعَالَى فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصَارِ وقد سُئِلَ أبو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بن يحيى ثَعْلَبٌ وهو من أَئِمَّةِ اللِّسَانِ عن الِاعْتِبَارِ فقال أَنْ يَعْقِلَ الْإِنْسَانُ الشَّيْءَ فَيَعْقِلُ مثله فَقِيلَ أَخْبِرْنَا عَمَّنْ رَدَّ حُكْمَ حَادِثَةٍ إلَى نَظِيرِهَا أَيَكُونُ مُعْتَبَرًا قال نعم هو مَشْهُورٌ في كَلَامِ الْعَرَبِ حَكَاهُ الْبَلْعَمِيُّ في كِتَابِ الْغَرَرِ في الْأُصُولِ وقال بَعْضُهُمْ رَأَيْت الْقَاشَانِيُّ وَابْنَ سُرَيْجٍ
  159. قد صَنَّفَا في الْقِيَاسِ نحو أَلْفِ وَرَقَةٍ هذا في نَفْيِهِ وَهَذَا في إثْبَاتِهِ اعْتَمَدَ الْقَاشَانِيُّ فيه على قَوْلِهِ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْك الْكِتَابَ يُتْلَى عليهم وَاعْتَمَدَ ابن سُرَيْجٍ في إثْبَاتِهِ على قَوْلِهِ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصَارِ وَنَقَلَ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ في التَّقْرِيبِ اتِّفَاقَ أَهْلِ اللُّغَةِ على أَنَّ الِاعْتِبَارَ اسْمٌ يَتَنَاوَلُ تَمْثِيلَ الشَّيْءِ بِغَيْرِهِ وَاعْتِبَارَهُ بِهِ وَإِجْرَاءَ حُكْمِهِ عليه وَالتَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا في ذلك وَإِنَّمَا سُمِّيَ الِاتِّعَاظُ وَالْفِكْرُ اعْتِبَارًا لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ بِهِ التَّسْوِيَةُ بين الْأَمْرِ وَمِثْلِهِ وَالْحُكْمُ فيه بِحُكْمِ نَظِيرِهِ وَلَوْلَا ذلك لم يَحْصُلْ الِاتِّعَاظُ وَالِازْدِجَارُ عن الذَّنْبِ بِنُزُولِ الْعَذَابِ وَالِانْتِقَامِ بِأَهْلِ الْخِلَافِ وَالشِّقَاقِ ثُمَّ حُكِيَ ما سَبَقَ عن ثَعْلَبٍ وَزَعَمَ ابن حَزْمٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاعْتِبَارِ التَّعَجُّبُ بِدَلِيلِ سِيَاقِ الْآيَةِ وَافَقَهُ ابن عبد السَّلَامِ فقال في الْقَوَاعِدِ من الْعَجِيبِ اسْتِدْلَالُهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ على جَوَازِ الْقِيَاسِ مع أَنَّ الِاعْتِبَارَ في الْآيَةِ يُرَادُ بِهِ الِاتِّعَاظُ وَالِازْدِجَارُ وَالْمُطْلَقُ إذَا عُمِلَ بِهِ في صُورَةٍ خَرَجَ عن أَنْ يَكُونَ حُجَّةً في غَيْرِهَا بِالِاتِّفَاقِ قال وَهَذَا تَحْرِيفٌ لِكَلَامِ اللَّهِ عز وجل عن مُرَادِهِ إلَى غَيْرِ مُرَادِهِ ثُمَّ كَيْفَ يَنْتَظِمُ الْكَلَامُ مع كَوْنِهِ وَاعِظًا بِمَا أَصَابَ بَنِي النَّضِيرِ من الْجَلَاءِ أَنْ يَقْرِنَ ذلك الْأَمْرَ بِقِيَاسِ الدُّخْنِ على الْبُرِّ وَالْحِمَّصِ على الشَّعِيرِ فإنه لو صَرَّحَ بهذا لَكَانَ من رَكِيكِ الْكَلَامِ وَإِدْرَاجًا له في غَيْرِ مَوْضِعِهِ وَقِرَانًا بين الْمُنَافَرَاتِ انْتَهَى وَالْعَجَبُ من الشَّيْخِ فإن الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ فَإِنْ مُنِعَ قُلْنَا هذا يَرْجِعُ إلَى قِيَاسِ الْعِلَّةِ لِأَنَّ إخْرَاجَهُمْ من دِيَارِهِمْ وَتَعْذِيبَهُمْ قد رُتِّبَ على الْمَعْصِيَةِ فَالْمَعْصِيَةُ عِلَّةٌ لِوُقُوعِ الْعَذَابِ فَكَأَنَّهُ قال تَقَعُوا في الْمَعْصِيَةِ فَيَقَعُ بِكُمْ الْعَذَابُ قِيَاسًا على أُولَئِكَ فَهُوَ قِيَاسُ نَهْيٍ على نَهْيٍ بِعِلَّةِ الْعَذَابِ الْمُتَرَتِّبَةِ على الْمُخَالَفَةِ قال الْمَاوَرْدِيُّ وفي الِاعْتِبَارِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مَأْخُوذٌ من الْعُبُورِ وهو يُجَاوِزُ الْمَذْكُورَ إلَى غَيْرِ الْمَذْكُورِ وَهَذَا هو الْقِيَاسُ وَالثَّانِي من الْعِبْرَةِ وهو اعْتِبَارُ الشَّيْءِ بمثله وَمِنْهُ عَبْرُ الْخَرَاجِ أَيْ قِيَاسُ خَرَاجِ عَامٍ بِخَرَاجِ غَيْرِهِ في الْمُمَاثَلَةِ وفي كِلَا الْوَجْهَيْنِ دَلِيلُ الْقِيَاسِ لِأَنَّهُ أُمِرَ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِالشَّيْءِ على نَظِيرِهِ وَبِالشَّاهِدِ على الْغَائِبِ وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في الرِّسَالَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَجَزَاءٌ مِثْلُ ما
  160. قَتَلَ من النَّعَمِ وقال فَهَذَا تَمْثِيلُ الشَّيْءِ بِعَدْلِهِ وقال يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَوْجَبَ الْمِثْلَ ولم يَقُلْ أَيَّ مِثْلٍ فَوَكَلَ ذلك إلَى اجْتِهَادِنَا وَأَمَرَنَا بِالتَّوَجُّهِ إلَى الْقِبْلَةِ بِالِاسْتِدْلَالِ فقال وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَاحْتَجَّ ابن سُرَيْجٍ في الْوَدَائِعِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ منهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ منهم فَأُولُو الْأَمْرِ هُمْ الْعُلَمَاءُ وَالِاسْتِنْبَاطُ هو الْقِيَاسُ فَصَارَتْ هذه الْآيَةُ كَالنَّصِّ في إثْبَاتِهِ وقَوْله تَعَالَى إنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فما فَوْقَهَا الْآيَةَ لِأَنَّ الْقِيَاسَ تَشْبِيهُ الشَّيْءِ فإذا جَازَ من فِعْلِ من لَا تَخْفَى عليه خَافِيَةٌ لِيُرِيَكُمْ وَجْهَ ما تَعْلَمُونَ فَهُوَ مِمَّنْ لَا يَخْلُو من الْجَهَالَةِ وَالنَّقْصِ أَجْوَزُ وَاحْتَجَّ غَيْرُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى قال من يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ فَهَذَا صَرِيحٌ في إثْبَاتِ الْإِعَادَةِ قِيَاسًا وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ منهم قال وَالِاسْتِنْبَاطُ مُخْتَصٌّ بِإِخْرَاجِ الْمَعَانِي من أَلْفَاظِ النُّصُوصِ مَأْخُوذٌ من اسْتِنْبَاطِ الْمَاءِ إذَا اُسْتُخْرِجَ من مَعْدِنِهِ فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِلْأَحْكَامِ أَعْلَامًا من الْأَسْمَاءِ وَالْمَعَانِي بِالْأَلْفَاظِ ظَاهِرَةٌ وَالْمَعَانِي عِلَلٌ بَاطِنَةٌ فَيَكُونُ بِالِاسْمِ مَقْصُورًا عليه وَبِالْمَعْنَى مُتَعَدِّيًا فَصَارَ مَعْنَى الِاسْمِ أَخَصَّ بِالْحُكْمِ من الِاسْمِ فَعُمُومُ الْمَعْنَى بِالتَّعَدِّي وَخُصُوصُ الِاسْمِ بِالتَّوْقِيفِ وَإِنْ كانت تَابِعَةً لِلْأَسْمَاءِ لِأَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ فيها فَالْأَسْمَاءُ تَابِعَةٌ لِمَعَانِيهَا لِتَعَدِّيهَا إلَى غَيْرِهَا وَاحْتَجَّ ابن تَيْمِيَّةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْعَدْلَ هو التَّسْوِيَةُ بين مِثْلَيْنِ في الْحُكْمِ فَيَتَنَاوَلُهُ عُمُومُ الْآيَةِ الثَّانِي دَلَالَةُ السُّنَّةِ كَحَدِيثِ مُعَاذٍ أَجْتَهِدُ بِرَأْيِي وَلَا آلُو وقال النبي في خَبَرِ الْمَرْأَةِ أَرَأَيْت لو كان على أَبِيك دَيْنٌ وقال لِرَجُلٍ سَأَلَهُ أَيَقْضِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيُؤْجَرُ عليه قال
  161. أَرَأَيْت لو وَضَعَهَا في حَرَامٍ كان عليه وِزْرٌ قال نعم قال فَكَذَلِكَ إذَا وَضَعَهَا في حَلَالٍ كان له أَجْرٌ وقال لِرَجُلٍ من فَزَارَةَ أَنْكَرَ وَلَدَهُ لَمَّا جَاءَتْ بِهِ أَسْوَدَ هل لَك من إبِلٍ قال نعم قال ما أَلْوَانُهَا قال حُمْرٌ قال فيها من أَوْرَقَ قال نعم قال فَمِنْ أَيْنَ قال لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ قال وَهَذَا لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ قال الْمُزَنِيّ فَأَبَانَ له بِمَا يَعْرِفُ أَنَّ الْحُمْرَ من الْإِبِلِ تُنْتِجُ الْأَوْرَقَ فَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ الْبَيْضَاءُ تَلِدُ الْأَسْوَدَ فَقَاسَ أَحَدَ نَوْعَيْ الْحَيَوَانِ على الْآخَرِ وهو قِيَاسٌ في الطَّبِيعِيَّاتِ لِأَنَّ الْأَصْلَ ليس فيه نَسَبٌ حتى نَقُولَ قِيَاسٌ في إثْبَاتِ النَّسَبِ وقال لِعُمَرَ وقد قَبَّلَ امْرَأَتَهُ وهو صَائِمٌ فقال أَرَأَيْت لو تَمَضْمَضْت وَمَجَجْته فقال لَا بَأْسَ فقال فَفِيمَ قال الْمُزَنِيّ فَبَيَّنَ له بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عليه كما لَا شَيْءَ في الْمَضْمَضَةِ وَأَنَّهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال مُحَرِّمُ الْحَلَالَ كَمُحَلِّلِ الْحَرَامَ وهو كَثِيرٌ وَصَنَّفَ النَّاصِحُ الْحَنْبَلِيُّ جُزْءًا في أَقْيِسَةِ النبي وَثَبَتَ ذلك عن الصَّحَابَةِ كَقَوْلِ عُمَرَ لِأَبِي مُوسَى وَاعْرِفْ الْأَشْبَاهَ وَالْأَمْثَالَ وَقِسْ الْأُمُورَ عِنْدَك وقد تَكَلَّمَ الصَّحَابَةُ في زَمَنِ النبي في الْعِلَلِ فَفِي الْبُخَارِيِّ عن عبد اللَّهِ بن أبي أَوْفَى لَمَّا نهى عن تَحْرِيمِ الْحُمُرِ يوم خَيْبَرَ قال فَتَحَدَّثْنَا أَنَّهُ إنَّمَا نهى عنها لِأَنَّهَا لم تُخَمَّسْ وقال بَعْضُهُمْ نهى عنها أَلْبَتَّةَ لِأَنَّهَا كانت تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ الثَّالِثُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُمْ اتَّفَقُوا على الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ وَنُقِلَ ذلك عَنْهُمْ قَوْلًا وَفِعْلًا قال ابن عَقِيلٍ الْحَنْبَلِيُّ وقد بَلَغَ التَّوَاتُرُ الْمَعْنَوِيُّ عن الصَّحَابَةِ بِاسْتِعْمَالِهِ وهو قَطْعِيٌّ وقال الْهِنْدِيُّ دَلِيلُ الْإِجْمَاعِ هو الْمُعَوِّلُ عليه جَمَاهِيرُ الْمُحَقِّقِينَ من الْأُصُولِيِّينَ وقال ابن دَقِيقِ
  162. الْعِيدِ عِنْدِي أَنَّ الْمُعْتَمَدَ اشْتِهَارُ الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ في أَقْطَارِ الْأَرْضِ شَرْقًا وَغَرْبًا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ عِنْدَ جُمْهُورِ الْأُمَّةِ إلَّا عِنْدَ شُذُوذِ مُتَأَخِّرِينَ قال وَهَذَا من أَقْوَى الْأَدِلَّةِ وقال ابن بَرْهَانٍ أَوْجَزَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْعِبَادَةَ فقال انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ على أَنَّ التَّعَبُّدَ بِالدَّلِيلِ الْمَقْطُوعِ بِدَلِيلِهِ جَائِزٌ فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ التَّعَبُّدُ بِالْقِيَاسِ الْمَظْنُونِ دَلِيلُهُ الرَّابِعُ طَرِيقُ الْعَقْلِ وهو أَنَّ النُّصُوصَ لَا تَفِي بِالْأَحْكَامِ لِأَنَّهَا مُتَنَاهِيَةٌ وَالْحَوَادِثُ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ فَلَا بُدَّ من طَرِيقٍ آخَرَ شَرْعِيٍّ يُضَافُ إلَيْهِ لَكِنَّ لهم أَنْ يَمْنَعُوا تَنَاهِي النُّصُوصِ فإن الْمَعْنَى إذَا ظَهَرَ تَنَاوَلَ ذلك الْفَرْعَ على سَبِيلِ الْعُمُومِ في جَمِيعِ الْأَذْهَانِ فإن أَفْرَادَ الْعُمُومِ لَا تَتَنَاهَى فإذا تُصُوِّرَ عَدَمُ التَّنَاهِي في الْأَلْفَاظِ فَفِي الْمَعَانِي أَوْلَى قال الْقَفَّالُ وَلِأَنَّهُ لَا حَادِثَةَ إلَّا وَلِلَّهِ فيها حُكْمٌ اشْتَمَلَ الْقُرْآنُ على بَيَانِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ما فَرَّطْنَا في الْكِتَابِ من شَيْءٍ وَرَأَيْنَا الْمَنْصُوصَ لم يُحِطْ بِجَمِيعِ أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ فَدَلَّ على أَنَّا مَأْمُورُونَ بِالِاعْتِبَارِ وَالْقِيَاسِ وَنَحْوُهُ قَوْلُ الْمُزَنِيّ في كِتَابِ إثْبَاتِ الْقِيَاسِ لو لم يَكُنْ لِلنَّظِيرِ حُكْمُ نَظِيرِهِ في الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ لَبَطَلَ الْقِيَاسُ وَلَمَا جَازَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ إلَّا بِنَصِّ كِتَابٍ أو سُنَّةٍ وكان ما اُخْتُلِفَ فيه مُهْمَلًا لَا حُكْمَ له وَهَذَا غَيْرُ جَائِزٍ قال الْمُزَنِيّ في كِتَابِ إثْبَاتِ الْقِيَاسِ تَعَلَّقَ الْمَانِعُونَ بِآثَارٍ وَرَدَتْ في ذَمِّ الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ وَإِنَّمَا هِيَ عِنْدَمَا رَأَى أَهْلُ الْبِدَعِ الَّذِينَ ابْتَدَعُوا في الدِّينِ رَأْيًا وَسَمَّوْا فُرُوعَهُ قِيَاسًا وَأَغْفَلُوا كَشْفَ الْقَوْلِ في الرَّأْيِ الْمُوَافِقِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالتَّمْثِيلِ عَلَيْهِمَا غير أَنَّهُ كان لَطِيفًا دَقِيقًا يَحْتَاجُ إلَى حِدَّةِ الْعُقُولِ وَمَعْرِفَةِ مَعَانِي الْأُصُولِ كَتَقْرِيرِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم مُعَاذًا على الِاجْتِهَادِ على أَصْلِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَقَوْلِ الصِّدِّيقِ رضي اللَّهُ عنه في قَضِيَّةِ الطَّاعُونِ أَرَأَيْت لو كانت لَك إبِلٌ فَهَبَطَتْ وَادِيًا وَعَلَى الْمَذْمُومِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم اتَّخَذَ الناس رُءُوسًا جُهَّالًا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا وَالْجَمْعُ بين الْأَدِلَّةِ أَوْلَى من تَعْطِيلِ بَعْضِهَا قال ابن الْقَفَّالِ وقد قِيلَ إنَّ دَاوُد سَأَلَ الْمُزَنِيّ عن الْقِيَاسِ أَهُوَ أَصْلٌ أَمْ الْفَرْعُ فَأَجَابَهُ الْمُزَنِيّ إنْ قُلْت الْقِيَاسُ أَصْلٌ أو فَرْعٌ أو أَصْلٌ وَفَرْعٌ أو لَا أَصْلٌ وَلَا فَرْعٌ لم تَقْدِرْ على شَيْءٍ وَإِنَّمَا عَنَى بِهِ أَنَّهُ أَصْلٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِهِ
  163. قال ابن الْقَطَّانِ هو فَرْعٌ بِمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَبَّهَ عليه بِغَيْرِهِ وهو أَصْلٌ وَفَرْعٌ بِاعْتِبَارَيْنِ لَمَّا عَرَفْت أَنَّهُ فَرْعٌ لِغَيْرِهِ الذي عُرِفَ منه وهو الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَمَعْنَى قَوْلِهِ لَا أَصْلٌ وَلَا فَرْعٌ أَنَّهُ فِعْلُ الْقَائِسِ وقال أبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ سَأَلَ دَاوُد الْقَائِسِينَ سُؤَالًا دَلَّ على جَهْلِهِ بِمَعْنَى الْقِيَاسِ فقال خَبِّرُونِي عن الْقِيَاسِ أَصْلٌ هو أَمْ فَرْعٌ فَإِنْ كان أَصْلًا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ فيه خِلَافٌ وَإِنْ كان فَرْعًا فَفَرْعٌ على أَيِّ أَصْلٍ قال الرَّازِيَّ وَالْقِيَاسُ إنَّمَا هو فِعْلُ الْقَائِسِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِفِعْلِ الْقَائِسِ إنَّهُ أَصْلٌ أو فَرْعٌ وَإِنَّمَا وَجْهُ تَصْحِيحِ السُّؤَالِ أَنْ يَقُولَ خَبِّرُونِي عن وُجُوبِ الْقَوْلِ بِالْقِيَاسِ أو الْحُكْمِ بِجَوَازِ الْقِيَاسِ أَهُوَ أَصْلٌ أَمْ فَرْعٌ فَيَكُونُ الْجَوَابُ عنه أَنَّ الْقِيَاسَ أَصْلٌ بِمَا بُنِيَ عليه وَفَرْعٌ على ما بُنِيَ عليه فَأَصْلُهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَفَرْعُهُ سَائِرُ الْحَوَادِثِ الْقِيَاسِيَّةِ التي لَا تَوْقِيفَ فيها وَلَا إجْمَاعَ وقال ابن سُرَيْجٍ في كِتَابِ إثْبَاتِ الْقِيَاسِ قال بَعْضُهُمْ خَبِّرُونَا عن الْقِيَاسِ فَرْضٌ هو أو نَدْبٌ فَإِنْ قُلْتُمْ نَدْبٌ فَقَدْ أَوْجَبْتُمْ التَّشْرِيعَ في الدِّينِ وَإِنْ قُلْتُمْ فَرْضٌ فما وَجَدْنَا ذلك قُلْنَا بَلْ فَرْضٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالنَّفَقَةِ على الزَّوْجَةِ وَبِالْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ على قَاتِلِ الصَّيْدِ وَبِقَبُولِ الْجِزْيَةِ ولم يُبَيِّنْ ذلك فَوَجَبَ النَّظَرُ فيه قال وَحَقِيقَةُ الْقِيَاسِ فِعْلُ أَمْرِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ بِهِ في وَقْتٍ كما أَمَرَ بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ في وَقْتٍ فَلَا يُسَمَّى الْقِيَاسُ أَصْلًا وَلَا فَرْعًا لِذَلِكَ تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ حَرَّرَ الْهِنْدِيُّ مَوْضِعَ الْخِلَافِ فقال إذَا عَلِمْنَا أَنَّ الْحُكْمَ في مَحَلِّ الْوِفَاقِ مُعَلَّلٌ بِكَذَا أو عَلِمْنَا حُصُولَ الْوَصْفِ مع جَمِيعِ ما يُعْتَبَرُ في إفْضَائِهِ لِذَلِكَ الْحُكْمِ في صُورَةِ النِّزَاعِ عَلِمْنَا حُصُولَ مِثْلِ ذلك الْحُكْمِ في صُورَةِ النِّزَاعِ فَهَذَا النَّوْعُ من الْقِيَاسِ مِمَّا لَا نِزَاعَ فيه بين الْعُقَلَاءِ بَلْ الْكُلُّ أَطْبَقُوا على حُجِّيَّتِهِ فَأَمَّا إذَا كانت هَاتَانِ الْمُقَدِّمَتَانِ ظَنِّيَّتَيْنِ أو إحْدَاهُمَا ظَنِّيَّةً كان حُصُولُ ذلك الْحُكْمِ في صُورَةِ النِّزَاعِ ظَنًّا لَا مَحَالَةَ وَهَذَا لَا نِزَاعَ في أَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ وَالْخَبَرَ بِالنَّتِيجَةِ بَلْ إنْ كان في الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَقَدْ اتَّفَقُوا على وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ وَأَمَّا في الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ فَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ أَنَّ هذا مَحَلُّ الْخِلَافِ وَكَلَامُ الْغَزَالِيِّ يَقْتَضِي التَّفْصِيلَ بين ما إذَا كَانَتَا ظَنِّيَّتَيْنِ فَكَذَلِكَ أو إحْدَاهُمَا ظَنِّيَّةً وَالْأُخْرَى قَطْعِيَّةً فَلَيْسَ من مَحَلِّ الْخِلَافِ أَيْضًا على مَعْنَى ما إذَا كانت الْأُولَى قَطْعِيَّةً أَعْنِي كَوْنَ الْحُكْمِ مُعَلَّلًا بِكَذَا وَالثَّانِيَةُ أَعْنِي تَحْقِيقَهَا في صُورَةِ النِّزَاعِ ظَنِّيَّةٌ فَهَذَا مَحَلُّ وِفَاقٍ أَمَّا
  164. إذَا كانت هِيَ ظَنِّيَّةً سَوَاءٌ كانت الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ قَطْعِيَّةً أو ظَنِّيَّةً فإنه من مَحَلِّ الْخِلَافِ وَكَلَامُ الْإِمَامِ يَقْتَضِي أَنَّ الْكُلَّ من مَحَلِّ الْخِلَافِ الثَّانِي أَفْرَطَ في الْقِيَاسِ فِرْقَتَانِ الْمُنْكِرُ له وَالْمُسْتَرْسِلُ فيه كَغُلَاةِ أَهْلِ الرَّأْيِ قال ابن الْمُنِيرِ وما شَبَّهْتُ تَصَرُّفَ الْمُجْتَهِدِينَ بِالْعُقُولِ في الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ إلَّا بِتَصَرُّفِهِمْ في الْأَفْعَالِ الْوُجُودِيَّةِ أَمْرٌ بين أَمْرَيْنِ لَا جَبْرٌ وَلَا تَفْوِيضٌ فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْأَحْكَامَ كُلَّهَا تَعَبُّدِيَّةٌ لَا مَجَالَ لِلْقِيَاسِ فيها أَلْحَقَهُ بِجُحُودِ الْجَبْرِيَّةِ وَمَنْ زَعَمَ أنها قِيَاسِيَّةٌ مَحْضَةٌ وَأَطْلَقَ لِسَانَهُ في التَّصَرُّفِ أَلْحَقَهُ بِتَهَوُّرِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْحَقُّ في التَّوَسُّطِ وكان بين ذلك قَوَامًا قُلْت وَمِنْ الْبَلِيَّةِ اقْتِصَارُ كَثِيرٍ من الْفُقَهَاءِ على الِاسْتِدْلَالِ على الْقِيَاسِ وَعَدَمُ بَحْثِهِمْ عن النَّصِّ فيها وهو مَوْجُودٌ لو تَطْلُبُوهُ مَسْأَلَةٌ الْقِيَاسُ من أُصُولِ الْفِقْهِ أَيْ أَدِلَّتِهِ خِلَافًا لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ وَإِلْكِيَا وَاخْتَلَفَتْ مَآخِذُهُمْ فقال الْغَزَالِيُّ لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ هِيَ الْمُثْمِرَةُ وَالْأَحْكَامُ وَالْقِيَاسُ من طُرُقِ الِاسْتِثْمَارِ فإنه لَا دَلَالَةَ من حَيْثُ مَعْقُولُ اللَّفْظِ وَأَنَّ الْعُمُومَ وَالْخُصُوصَ دَلَالَةٌ من حَيْثُ صِيغَتُهُ وقال الْإِمَامُ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ إنَّمَا تُطْلَقُ على الْمَقْطُوعِ بِهِ وَالْقِيَاسُ لَا يُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ ثُمَّ اعْتَذَرَ عن إدْخَالِهِ في الْأُصُولِ بِقِيَامِ الْقَاطِعِ على الْعَمَلِ بِهِ وَهَذَا فَرْعٌ لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَكُونُ قَطْعِيًّا كما سَيَأْتِي لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ أُصُولَ الْفِقْهِ عِبَارَةٌ عن أَدِلَّةٍ فَقَطْ سَلَّمْنَا لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الدَّلِيلَ لَا يَقَعُ إلَّا على الْمَقْطُوعِ بِهِ
  165. مَسْأَلَةٌ وَالْقِيَاسُ ظَنِّيٌّ نَصَّ عليه في الرِّسَالَةِ فقال إنَّهُ حَقٌّ في الظَّاهِرِ عِنْدَ قَائِسِهِ لَا عِنْدَ الْعَامَّةِ من الْعُلَمَاءِ قال الصَّيْرَفِيُّ أَرَادَ أَنَّهُ ليس حَقًّا في الظَّاهِرِ حتى يَلْزَمَ بِظَاهِرِ الْأَدِلَّةِ وَيَجُوزُ الْخِلَافُ فيه وَلَوْ كان قَطْعِيًّا لم يَقَعْ فيه خِلَافٌ انْتَهَى وَهَذَا لَا يُنَافِي قَوْلَهُ في الْفَحْوَى إنَّهُ قِيَاسٌ جَلِيٌّ مع أَنَّهُ قَطْعِيٌّ على أَنَّهُ قد كَثُرَ الْقَوْلُ فيه كما قَالَهُ الْقَفَّالُ وَأَنَّ دَلَالَتَهُ لَفْظِيَّةٌ على قَوْلٍ فَعَلَى هذا لَا تَظْفَرُ بِقِيَاسٍ قَطْعِيٍّ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ مَنْصُوصًا عليها على أَنَّ بَعْضَهُمْ لم يَجْعَلْهُ قِيَاسًا قُلْت دَلَالَةُ اللَّفْظِ بِهِ وَلِهَذَا قال بِهِ مُنْكِرُو الْقِيَاسِ وَمِمَّنْ أَطْلَقَ ظَنِّيَّةَ الْقِيَاسِ الْإِمَامَانِ الْجُوَيْنِيُّ وَالرَّازِيَّ وَغَيْرُهُمَا وَحِينَئِذٍ فَيَنْتَهِضُ بِالْأَدِلَّةِ الظَّنِّيَّةِ قال في الْبُرْهَانِ لَا يُفِيدُ الْعِلْمُ وُجُوبَ الْعَمَلِ بِأَعْيَانِهَا وَإِنَّمَا يَقَعُ الْعِلْمُ عِنْدَهَا وَالْعِلْمُ بِوُجُوبِهِ مُسْتَنِدٌ إلَى أَدِلَّةٍ قَاطِعَةٍ وَأَمَّا قَوْلُ من قال الظَّاهِرُ الدَّالُّ على كَوْنِ الْقِيَاسِ حُجَّةً فَإِنْ كان بِمُجَرَّدِهِ لَا يُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ وَلَكِنْ اقْتَرَنَتْ بها أُمُورٌ مَجْمُوعُهَا يُفِيدُ الْقَطْعَ قُلْنَا هذا مُجَرَّدُ دَعْوَى الْقَطْعِ في مَوَاضِعِ الظُّنُونِ وَمُطَالَبَتُهُ بِالدَّلِيلِ على وُجُودِ تِلْكَ الْأُمُورِ الْمَقْرُونَةِ بِالظَّاهِرِ وَلَا نَجِدُ إلَى بَيَانِهَا سَبِيلًا أَصْلًا وَلَوْ أَفَادَ ما ذَكَرَهُ الْقَطْعَ لَمَا عَجَزَ أَحَدٌ عن دَعْوَى الْقَطْعِ في مَوَاضِعِ الظُّنُونِ وَحَكَى سُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ عن بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْقِيَاسَ قَطْعِيٌّ بِمَنْزِلَةِ الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ إذَا غَلَبَ على ظَنِّ الْحَاكِمِ صِدْقُهُمَا مَسْأَلَةٌ لَا يُحْكَمُ بِفِسْقِ الْمُخَالِفِ وَإِنْ قُلْنَا دَلِيلُهُ قَطْعِيٌّ لِأَنَّهُ مُتَأَوَّلٌ وقال بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ إنَّهُ يُحْكَمُ بِفِسْقِهِ حَكَاهُ الْحَلْوَانِيُّ
  166. مَسْأَلَةٌ الْقِيَاسُ يُعْمَلُ بِهِ قَطْعًا الْقِيَاسُ يُعْمَلُ بِهِ قَطْعًا عِنْدَنَا في نَصِّ الشَّارِعِ أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى نَصِّ الْمُجْتَهِدِ كما لو نَصَّ على حُكْمٍ فَهَلْ تُسْتَنْبَطُ الْعِلَّةُ وَيُعَدَّى الْحُكْمُ قال الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ في كِتَابِ الْقَضَاءِ حَكَى وَالِدِي عن الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بن يحيى الْمَنْعَ في ذلك وَإِنَّمَا جَازَ في نُصُوصِ الشَّارِعِ لِأَنَّا تُعُبِّدْنَا وَأُمِرْنَا بِالْقِيَاسِ وَالْأَشْبَهُ بِصَنِيعِ الْأَصْحَابِ خِلَافُهُ أَلَا تَرَاهُمْ يَنْقُلُونَ الْحُكْمَ ثُمَّ يَخْتَلِفُونَ في أَنَّ الْعِلَّةَ كَذَا وَكَذَا وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُطَّرِدُ الْحُكْمِ في فُرُوعِ عِلَّتِهِ وَهَذَا كما قال وهو الْمُعَبَّرُ عنه بِالتَّخْرِيجِ مَسْأَلَةٌ الْقِيَاسُ يُعْمَلُ بِهِ ابْتِدَاءً وَالْقِيَاسُ إنَّمَا يُعْمَلُ بِهِ ابْتِدَاءً فَأَمَّا النَّسْخُ بِهِ فَلَا يَجُوزُ وَإِنْ جَوَّزْنَاهُ فَلَا يَقَعُ وقد سَبَقَتْ في النَّسْخِ قُلْت وَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِالْقِيَاسِ في أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ أَثْبَتْنَاهَا بِالظَّنِّيِّ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ قَالَهُ ابن الْقُشَيْرِيّ في الْمُرْشِدِ مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ أَنْ يَتَعَبَّدَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَقِيلَ لَا يَجُوزُ مَسْأَلَةٌ هل يَجُوزُ أَنْ يَتَعَبَّدَ اللَّهَ بِالْقِيَاسِ من عَاصَرَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم مَذْهَبُ الْمُعْظَمِ جَوَازُهُ وَقِيلَ لَا يَجُوزُ وَقِيلَ يُفْصَلُ بين الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ هَكَذَا حَكَى الْخِلَافَ هُنَا ابن بَرْهَانٍ وَتَابَعَ فيه الْغَزَالِيُّ فإنه سَوَّى بين التَّعَبُّدِ بِالِاجْتِهَادِ في زَمَانِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَبِالْقِيَاسِ في جَرَيَانِ الْخِلَافِ وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ
  167. مَسْأَلَةٌ التَّعَبُّدُ بِالْقِيَاسِ في الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لَا يَجُوزُ التَّعَبُّدُ بِالْقِيَاسِ في جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَنُقِلَ عَمَّنْ لَا يُعْتَدُّ بِهِ خِلَافُهُ قال الْغَزَالِيُّ وابن بَرْهَانٍ وَغَيْرُهُمَا وقال ابن السَّمْعَانِيِّ يَجُوزُ التَّعَبُّدُ في جَمِيعِ الشَّرْعِيَّاتِ بِالنُّصُوصِ قال وَمِنْ الْمُمْكِنِ أَنْ يَنُصَّ اللَّهُ على صِفَاتِ الْمَسَائِلِ في الْجُمْلَةِ فَيَدْخُلُ تَفْصِيلُهَا فيها فَأَمَّا التَّعَبُّدُ في جَمِيعِهَا بِالْقِيَاسِ فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْقِيَاسَ حَمْلُ فَرْعٍ على أَصْلٍ فإذا لم يَكُنْ أَصْلٌ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ الْقِيَاسُ وإذا عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إثْبَاتُ جَمِيعِهَا بِالْقِيَاسِ فَتَقُولُ ليس بِالْقِيَاسِ تَخْصِيصٌ بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ من الْأَحْكَامِ بَعْدَ أَنْ لَا يَكُونَ جَمِيعُهَا ثَابِتًا بِالْقِيَاسِ قال فَعَلَى هذا قال الْأَصْحَابُ ثَبَتَتْ جَمِيعُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِالْقِيَاسِ على مَعْنَى أَنَّهُ لَا يَتَخَصَّصُ بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ بَلْ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ في كل حُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَيَتَفَرَّعُ على هذه الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ مع الْحَنَفِيَّةِ في اسْتِعْمَالِ الْقِيَاسِ في الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ
  168. مسألة نص الشارع على الحكم والعلة إذا نص صاحب الشرع على حكم ونص على علته كما لو قال حرمت الخمر لكونها مسكرا أو أعتقت غانما لسواده هل هو إذن منه في القياس أينما وجدت العلة أم لا بد من دليل على القياس فذهب جمهور الفقهاء والأصوليين والمتكلمين والمعتزلة والنظام وبعض الظاهرية من منكري القياس إلى أنه إذن في إلحاق غيره به وإلا لم يكن للعلة فائدة وسواء ورد ذلك قبل ثبوت التعبد بالقياس أو بعد ثبوته قال أبو سفيان من الحنفية وإليه كان يشير شيخنا يعني أبا بكر الرازي في احتجاجه بقوله صلى الله عليه وسلم إنما ذلك دم عرق فتوضئي لكل صلاة في إيجاب الوضوء من الرعاف ونحوه وصار بمثابة قوله الوضوء من كل
  169. دم عرق قال أبو الحسين وأوجب أبو هاشم القياس بها وإنما لم يرد التعبد بالقياس وصار بعض الظاهرية إلى أنه ليس بإذن بل لا بد معه من دليل ونقله الآمدي عن الأستاذ أبي إسحاق وأكثر الشافعية واختاره تبعا للإمام والغزالي وقال سليم الرازي إنه قول أكثر أصحابنا وعليه الفقهاء والمتكلمون لجواز أن يكون ذكر العلة لتعريف الباعث على الحكم ليكون أقرب إلى الاعتبار لا لأجل الإلحاق ويقوى القول بهذا إذا قلنا إن الدليل الدال على وجوب التعبد بالقياس يجب أن يكون قطعيا فإن غاية هذا الظن فإن قيل النص على العلة في نحو حرمت الخمر لشدتها لو لم يعتبر التعميم لم يكن له فائدة قلنا له فوائد منها معرفة الباعث كما سبق ومنها زوال الحكم عند زوال العلة كزوال التحريم عند زوال الشدة ومنها ما سيأتي في فائدة العلة القاصرة من انقياد المكلف إلى الامتثال لظهور المناسب ومرادهم بالدليل تقدم الإذن بالقياس ولهذا فصل جعفر بن حرب وابن مبشر شيخا المعتزلة بين أن يرد قبل ورود التعبد بالقياس ولا يجوز تعد به وإلا جاز واختاره أبو سفيان من الحنفية وفصل أبو عبد الله البصري بين إن كان الحكم المنصوص عليه من قبيل المحرمات فهو إذن وإن كان من قبيل المباح أو الواجب فلا قال الهندي والمختار أن ذلك لا يفيد ثبوت الحكم في غير الصورة التي نص عليها لا بطريق اللفظ ولا بطريق أنه يفيد الأمر بالقياس وهنا تنبيهان الأول أن القائلين بالاكتفاء مطلقا هم أكثر نفاة القياس ولا يستنكر ذلك منهم لأنهم يرون أن التنصيص على علة الحكم تنزل منزلة اللفظ العام في وجوب تعميم الحكم ولا فرق عندهم بين أن يقول حرمت الخمر لإسكارها أو حرمت على كل مسكر كما صرح به الصيرفي في كتابه هذا تحرير مذهب النظام وغيره ومنكري القياس فكأنه أنكر تسمية هذا قياسا وإن كان قائلا به في المعنى وكذا نقله القاضي عبد الوهاب في الملخص وسليم في التقريب وغيرهما وقد سبق في باب العموم المعنوي أن تعميم مثل هذا هل هو بالقياس أو الصيغة قولان للشافعي والصحيح أنه عمم بالقياس وقال الهندي
  170. نقل الأكثرون عن النظام أن التعميم فيه بالقياس ونقل الغزالي عنه أنه يجري تعميم الحكم في جميع موارده بطريق اللفظ والعموم ولا شك أنه مخالف لنقل الأكثر ومناف له فإن التعميم بطريق القياس لا يجامع التعميم بالقياس فحينئذ لا يكون ذلك أمرا بالقياس عنده وإن كان الحكم ثابتا عنده في غير الصورة التي نص عليها قلت وما حكاه الغزالي أظهر لما سبق عن النظام من إنكار القول بالقياس ولهذا قال الغزالي ظن النظام أنه منكر للقياس وقد زاد علينا إذ قاس حيث لا يقيس لكنه أنكر اسم القياس انتهى وهو لم يدع أنه بالقياس بل باللفظ فكان من حقه أن يبطل هذه الجهة من القياس وقد يجمع بين إنكاره القياس وما نقله عنه الأكثرون بأنه إذا وقع التنصيص على العلة فمدلول اللفظ الأمر بالقياس لغة ولم يتعرض لوقوعه من الشارع أو غيره وهناك أحال وروده من الشارع لكن يلزم على هذا أن يقول إن الشارع لا يقع منه التنصيص على العلة من حيث هو فمدلوله ما ذكرناه الثاني سبق عن الأستاذ أبي إسحاق نقل التعميم فإنه قال في كتابه إذا نص الشارع على العلة على وجه لا يقبل تأويلها فلا بد أن يعم الحكم إذ لو اختص الحكم لوجب أن تختص العلة ووضع التعليل يناقضه الاختصاص وهذا وإن كان فيه موافقة للنظام لكن مأخذه خلاف مأخذه وهو القول بامتناع تخصيص العلة وليس يرى أن النص على التعليل نص على التعميم ولكن هذا عنده من ضرورة فهم التعليل وهو يمنع النص على التعليل مع النص على التخصيص وينبغي تنزيل إطلاق غيره من أصحابنا الموافقين للنظام على ذلك
  171. مسألة إنما يستعمل القياس إذا عدم النص وقد قال الشافعي في آخر الرسالة القياس موضع ضرورة لأنه لا يحل القياس والخبر موجود كما يكون التيمم طهارة عند الإعواز من الماء ولا يكون طهارة إذا وجد الماء انتهى وأطلق الأستاذ أبو إسحاق أن المسألة إذا لم يكن فيها نص ولا إجماع
  172. وجب القياس فيها وإلا جاز وهل يعمل به قبل البحث عن المنصوص وجميع دلالتها للمسألة أحوال أحدها أن يريد العمل به قبل طلب الحكم من النصوص المعروفة فيمتنع قطعا الثانية قبل طلب نصوص لا يعرفها مع رجاء الوجود أو طلبها فطريقه يقتضي جوازه ومذهب الشافعي ومذهب أحمد وفقهاء الحديث لا يجوز ولهذا جعلوا القياس ضرورات بمنزلة التيمم لا يعدل إليه إلا إذا غلب على ظنه عدم الماء وهو معنى قول أحمد وما تصنع بالقياس وفي الحديث ما يغنيك عنه ولها شبه بجواز الاجتهاد بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فإن وجود النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة النص يحتمل الجواز إذا خاف الفوت على حكم الحادثة الثالثة أنه ييأس من النص ويغلب على ظنه عدمه فهاهنا يجوز قطعا وقد سبق قبل هذه المسألة في العمل بالعام قبل البحث عن المخصص والناسخ وأنه إذا اجتهد ولم يجد المعارض عمل به ويزيد هنا أنه هل له أن يقيس عليه قال القاضي عبد الجبار لا لأنه لا يقطع بثبوته وخالف أبو الحسين في المعتمد وهو الأظهر كما يجب أن يقضي بظاهره وهو فرع غريب مَسْأَلَةٌ الْمُرْسَلُ وَالضَّعِيفُ أَوْلَى من الْقِيَاسِ حَكَى ابن حَزْمٍ عن أبي حَنِيفَةَ أَنَّ الْخَبَرَ الْمُرْسَلَ وَالضَّعِيفَ أَوْلَى من الْقِيَاسِ وَلَا يَحِلُّ الْقِيَاسُ مع وُجُودِهِ قال وَالرِّوَايَةُ عن الصَّاحِبِ الذي لَا يُعْرَفُ له مُخَالِفٌ منهم أَوْلَى من الْقِيَاسِ وقال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ مع نَصِّ الْقُرْآنِ أو خَبَرٍ مُسْنَدٍ صَحِيحٍ وَأَمَّا عِنْدَ عَدَمِهِمَا فإن الْقِيَاسَ وَاجِبٌ في كل حُكْمٍ وقال أبو الْفَرَجِ الْقَاضِي وأبو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ الْمَالِكِيَّانِ الْقِيَاسُ أَوْلَى من خَبَرِ الْوَاحِدِ الْمُسْنَدِ وَالْمُرْسَلِ قال ابن حَزْمٍ وما نَعْلَمُ هذا الْقَوْلَ عن مُسْلِمٍ يَرَى قَبُولَ خَبَرِ الْوَاحِدِ قَبْلَهُمَا وَحَكَى الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أبو شَامَةَ في كِتَابِ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ عن الْقَاضِي ابْنِ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ سمع أَبَا الْوَفَاءِ بن عَقِيلٍ في رِحْلَتِهِ إلَى الْعِرَاقِ يقول مَذْهَبُ أَحْمَدَ أَنَّ ضَعِيفَ الْأَثَرِ
  173. خَيْرٌ من قَوِيِّ النَّظَرِ قال ابن الْعَرَبِيِّ وَهَذِهِ وَهْلَةٌ من أَحْمَدَ لَا تَلِيقُ بِمَنْصِبِهِ فإن ضَعِيفَ الْأَثَرِ لَا يُحْتَجُّ بِهِ مُطْلَقًا وقال بَعْضُ أَئِمَّةِ الْحَنَابِلَةِ الْمُتَأَخِّرِينَ هذا ما حَكَاهُ عن أَحْمَدَ ابْنُهُ عبد اللَّهِ ذَكَرَهُ في مَسَائِلِهِ وَمُرَادُهُ بِالضَّعِيفِ غَيْرُ ما اصْطَلَحَ عليه الْمُتَأَخِّرُونَ من قِسْمِ الصَّحِيحِ وَالْحَسَنِ بَلْ عِنْدَهُ الْحَدِيثُ قِسْمَانِ صَحِيحٌ وَضَعِيفٌ وَالضَّعِيفُ ما انْحَطَّ على دَرَجَةِ الصَّحِيحِ وَإِنْ كان حَسَنًا وَاعْلَمْ أَنَّ الْقِيَاسَ قد يُعْمَلُ بِهِ مع وُجُودِ النَّصِّ في صُوَرٍ منها أَنْ يَكُونَ النَّصُّ عَامًّا وَالْقِيَاسُ خَاصًّا وَقُلْنَا بِقَوْلِ الْجُمْهُورِ إنَّهُ يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ فَالْقِيَاسُ مُقَدَّمٌ وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ أَصْلُ الْقِيَاسِ ثَبَتَ بِنَصٍّ أَقْوَى من ذلك النَّصِّ الْمُعَارِضِ وَقَطَعَ بِوُجُودِ الْعِلَّةِ في الْفَرْعِ فإنه يُقَدَّمُ على النَّصِّ وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ النَّصُّ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ من كل وَجْهٍ على رَأْيِ الْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّهُمْ يُقَدِّمُونَ الْقِيَاسَ على خَبَرِ الْوَاحِدِ وَحَكَاهُ ابن بَرْهَانٍ عن مَالِكٍ أَيْضًا
  174. الْبَابُ الرَّابِعُ في أَنْوَاعِهِ قال ابن السَّمْعَانِيِّ وقد قَسَّمَهُ ابن سُرَيْجٍ إلَى ثَمَانِيَةِ أَقْسَامٍ وَمِنْ أَصْحَابِنَا من زَادَ على ذلك انْتَهَى النَّوْعُ الْأَوَّلُ قِيَاسُ الْعِلَّةِ وهو أَنْ يَحْمِلَ الْفَرْعَ على الْأَصْلِ بِالْعِلَّةِ التي عَلَّقَ الْحُكْمَ عليها في الشَّرْعِ وَيُسَمَّى قِيَاسُ الْمَعْنَى وَيَنْقَسِمُ إلَى جَلِيٍّ وَخَفِيٍّ فَأَمَّا الْجَلِيُّ فما عُلِمَ من غَيْرِ مُعَانَاةٍ وَفِكْرٍ وَالْخَفِيُّ ما لَا يَتَبَيَّنُ إلَّا بِإِعْمَالِ فِكْرٍ وَالْجَلِيُّ قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا ما تَنَاهَى في الْجَلَاءِ حتى لَا يَجُوزَ وُرُودُ الشَّرِيعَةِ في الْفَرْعِ على خِلَافِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَنَحْوِهِ وَثَانِيهِمَا دُونَهُ كَقَوْلِهِ لَا يَقْضِي الْقَاضِي وهو غَضْبَانُ هذا كَلَامُ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ وَقَسَّمَ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ قِيَاسَ الْعِلَّةِ إلَى جَلِيٍّ وَوَاضِحٍ وَخَفِيٍّ قال فَالْجَلِيُّ ما عُرِفَتْ عِلَّتُهُ قَطْعًا إمَّا نَصٌّ أو إجْمَاعٌ والواضح ما ثَبَتَتْ عِلَّتُهُ بِضَرْبٍ من الظَّاهِرِ والخفي ما عُرِفَتْ عِلَّتُهُ بِالِاسْتِنْبَاطِ وقال الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ الْجَلِيُّ ما يَكُونُ مَعْنَاهُ في الْفَرْعِ زَائِدًا على مَعْنَى الْأَصْلِ وَالْخَفِيُّ ما يَكُونُ في الْفَرْعِ مُسَاوِيًا لِمَعْنَى الْأَصْلِ أَقْسَامُ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ ثُمَّ قَسَمَا الْجَلِيَّ تَبَعًا لِلْقَفَّالِ الشَّاشِيِّ وَغَيْرِهِ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا ما عُرِفَ مَعْنَاهُ من ظَاهِرِ النَّصِّ بِغَيْرِ اسْتِدْلَالٍ قَالَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ
  175. يَرِدَ التَّعَبُّدُ فيه بِخِلَافِ أَصْلِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ فإنه يَدُلُّ على تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ بِالْبَدِيهَةِ وَعَلَى تَحْرِيمِ الضَّرْبِ وَالشَّتْمِ قِيَاسًا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحَرِّمَ التَّأْفِيفَ وَيُبِيحَ الضَّرْبَ وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجَازِيَ على قَلِيلِ الطَّاعَةِ وَلَا يُجَازِيَ على كَبِيرِهَا وَيُعَاقِبَ على قَلِيلِ الْمَعْصِيَةِ وَلَا يُعَاقِبَ على كَبِيرِهَا قال الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ حُكْمُ ذَرَّةٍ وَنِصْفٍ بِمَنْزِلَةِ ذَرَّةٍ وَإِنَّمَا قال هذا حتى لَا يَقُولَ مَبْهُوتٌ إنَّ الْكَثِيرَ ذَرَّاتٌ فَالِاسْمُ مُتَنَاوِلٌ لها يُشِيرُ إلَى ما حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في مُنَاظَرَةٍ جَرَتْ لِابْنِ سُرَيْجٍ مع مُحَمَّدِ بن دَاوُد إذْ قال له ابن سُرَيْجٍ أنت تَلْزَمُ الظَّاهِرَ وقد قال تَعَالَى فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ فما تَقُولُ فِيمَنْ يَعْمَلُ مِثْقَالَ ذَرَّتَيْنِ فقال مُجِيبًا الذَّرَّتَانِ ذَرَّةٌ وَذَرَّةٌ فقال ابن سُرَيْجٍ لو عَمِلَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَنِصْفٍ فَتَبَلَّدَ وَظَهَرَ انْقِطَاعُهُ وقال بَعْضُ مَشَايِخِنَا لَا يُسَمَّى هذا قِيَاسًا قُلْت لِأَنَّ الْعَرَبَ وَضَعَتْ هذه اللَّفْظَةَ لِلتَّنْبِيهِ على ما زَادَ عليه فَيَكُونُ النَّهْيُ عن الضَّرْبِ وَالشَّتْمِ بِاللَّفْظِ وَسَمَّاهُ بَعْضُهُمْ مَفْهُومُ الْخِطَابِ وَقِيلَ فَحْوَى الْخِطَابِ قالوا وَالْقِيَاسُ ما خَفِيَ حُكْمُ الْمَنْطُوقِ عنه حتى عُرِفَ بِالِاسْتِدْلَالِ من الْمَنْصُوصِ عليه وما خَرَجَ عن الْخَفَاءِ ولم يَحْتَجْ إلَى الِاسْتِدْلَالِ فَلَيْسَ بِقِيَاسٍ وقال نُفَاةُ الْقِيَاسِ ليس بِقِيَاسٍ بَلْ نَصٌّ وَقِيلَ تَنْبِيهٌ وَضَعْفٌ لِأَنَّ النَّصَّ ما عُرِفَ حُكْمُ مَرَاتِبِهِ وَالْقِيَاسُ ما عُرِفَ حُكْمُهُ من اسْمِ غَيْرِهِ وهو مَوْجُودٌ لِأَنَّ اسْمَ التَّأْفِيفِ لَا يَنْطَلِقُ على الضَّرْبِ كما لَا يَنْطَلِقُ اسْمُ الضَّرْبِ على التَّأْفِيفِ فَتَحْرِيمُ الضَّرْبِ مَأْخُوذٌ من مَعْنَى التَّأْفِيفِ لَا من اسْمِهِ فَإِنْ امْتَنَعُوا من تَسْمِيَتِهِ قِيَاسًا فَقَدْ خَالَفُوا في الِاسْمِ فَاخْتِلَافُ الْأَسْمَاءِ في الْوُضُوحِ وَالْغُمُوضِ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ كُلُّهَا نُصُوصًا فَكَذَلِكَ اخْتِلَافُ الْمَعَانِي في الْخَفَاءِ وَالْجَلَاءُ لَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ قِيَاسًا وَاعْلَمْ أَنَّ هذا الْوَجْهَ من الْقِيَاسِ أَقْرَبُ وُجُوهِهِ إلَى النُّصُوصِ لِدُخُولِ فَرْعِهَا في النَّصِّ الثَّانِي ما عُرِفَ مَعْنَاهُ من ظَاهِرِ النَّصِّ بِغَيْرِ اسْتِدْلَالٍ كَالنَّهْيِ عن التَّضْحِيَةِ بِالْعَوْرَاءِ وَالْعَمْيَاءِ وَالْعَرْجَاءِ فَالْعَمْيَاءُ أَوْلَى قِيَاسًا على الْعَوْرَاءِ وَالْقَطْعَاءُ على الْعَرْجَاءِ لِأَنَّ نَقْصَهَا أَكْثَرُ فَهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَرُدَّ التَّعَبُّدَ بِخِلَافِ أَصْلِهِ وَإِنْ جَازَ التَّعَبُّدُ بِإِبَاحَةِ الْعَمْيَاءِ وَالْقَطْعَاءِ مع تَحْرِيمِ الْعَرْجَاءِ وَالْعَوْرَاءِ وَهَذَا مِمَّا اخْتَلَفَ فيه نُفَاةُ الْقِيَاسِ فَاقْتَصَرَ بَعْضُهُمْ على تَحْرِيمِ النَّصِّ وَأَبَاحَ ما عَدَاهُ فَأَبَاحَ التَّضْحِيَةَ بِالْعَمْيَاءِ وَالْقَطْعَاءِ
  176. وَأَثْبَتَ بَعْضُهُمْ تَحْرِيمَ الْجَمْعِ بِالتَّنْبِيهِ دُونَ النَّصِّ وَالثَّالِثُ ما عُرِفَ مَعْنَاهُ من ظَاهِرِ النَّصِّ بِاسْتِدْلَالٍ ظَاهِرٍ كَقِيَاسِ الْأَمَةِ على الْعَبْدِ في السِّرَايَةِ وَقِيَاسِ الْعَبْدِ عليها في تَنْصِيفِ حَدِّ الْقَذْفِ وَقِيَاسِ النِّكَاحِ على الْبَيْعِ في تَحْرِيمِهِ عِنْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ النَّسْخُ بِهِ وفي جَوَازِ التَّخْصِيصِ بِهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْجَوَازُ وَهَذِهِ الضُّرُوبُ الثَّلَاثَةُ يَجُوزُ أَنْ يَنْعَقِدَ بها الْإِجْمَاعُ وَيُنْقَضُ بها حُكْمُ من خَالَفَهَا من الْحُكَّامِ انْتَهَى وقال الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهِ نحو ما سَبَقَ قد عَلَّقَ الشَّافِعِيُّ الْقَوْلَ في تَسْمِيَةِ هذه الْوُجُوهِ قِيَاسًا وَحَكَى في الرِّسَالَةِ الْجَدِيدَةِ أَنَّ من أَهْلِ الْعِلْمِ من يَمْنَعُ أَنْ يُسَمَّى هذا قِيَاسًا لِأَنَّ الْقِيَاسَ ما اُحْتُمِلَ فيه شَبَهٌ بين مَعْنَيَيْنِ فَنَقِيسُهُ على أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ وَيَقُولُ غَيْرُهُ من أَهْلِ الْعِلْمِ ما عَدَا النَّصَّ من الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وكان مَعْنَاهُ فَهُوَ قِيَاسٌ وَلَيْسَ في شَيْءٍ مِمَّا حَكَاهُ فيها أَنَّ ما فُهِمَ من الْمَعْنَى فَهُوَ نَصٌّ وَلَا أَنَّهُ مَفْهُومُ مَعْنَى الِاسْمِ انْتَهَى فَإِنْ قِيلَ فما فَائِدَةُ الْخِلَافِ في هذا الْقَسْمِ مع الِاتِّفَاقِ على الْحُكْمِ قُلْنَا سَبَقَ في بَحْثِ الْمَفْهُومِ له فَوَائِدُ منها أَنَّا لو قَدَّرْنَا في فَرْعٍ من الْفُرُوعِ وُجُودَ نَصٍّ يُشْعِرُ بِنَقِيضِ الْحُكْمِ فَهَلْ يَتَعَارَضَانِ أو يُرَجَّحُ أَحَدُهُمَا على الْآخَرِ فَمَنْ قال إنَّهُ مَأْخُوذٌ من اللَّفْظِ قال فَيَتَعَارَضَانِ أَقْسَامُ الْقِيَاسِ الْخَفِيِّ وَأَمَّا الْقِيَاسُ الْخَفِيِّ فَقَسَّمَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ أَيْضًا إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا ما خَفِيَ مَعْنَاهُ فلم يُعْرَفْ إلَّا بِالِاسْتِدْلَالِ وَيَكُونُ مَعْنَاهُ لَائِحًا وَتَارَةً يَكُونُ الِاسْتِدْلَال مُتَّفَقًا عليه كَقَوْلِهِ تَعَالَى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ الْآيَةَ فَكَانَتْ عَمَّاتُ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ في التَّحْرِيمِ قِيَاسًا على الْأُمَّهَاتِ لِاشْتِرَاكِهِنَّ في الرَّحِمِ وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى في نَفَقَةِ الْوَلَدِ في صِغَرِهِ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَكَانَتْ نَفَقَةُ الْوَالِدَيْنِ عِنْدَ عَجْزِهِمَا في كِبَرِهِمَا قِيَاسًا على نَفَقَةِ الْوَلَدِ لِصِغَرِهِ وَالْمَعْنَى في هذا الضَّرْبِ لَائِحٌ لِتَرَدُّدِهِ بين الْجَلِيِّ وَالْخَفِيِّ وهو من ضُرُوبِ الْخَفِيِّ بِمَنْزِلَةِ الْأَوَّلِ من ضُرُوبِ الْجَلِيِّ وَيَجُوزُ أَنْ يَنْعَقِدَ الْإِجْمَاعُ بمثله وَهَلْ يُنْقَضُ حُكْمُ الْحَاكِمِ إذَا خَالَفَ في جَوَازِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ وَجْهَانِ
  177. الثَّانِي أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ غَامِضًا لِلِاسْتِدْلَالِ الْمُخْتَلَفِ فيه كَتَعْلِيلِ الرِّبَا في الْبُرِّ الْمَنْصُوصِ عليه بِالْقُوتِ لِيُقَاسَ عليه كُلُّ مَأْكُولٍ فَهَذَا لَا يُنْتَقَضُ فيه الْحُكْمُ وَلَا يُخَصُّ بِهِ الْعُمُومُ الثَّالِثُ ما يَكُونُ شَبَهًا وهو ما احْتَاجَ في نَصِّهِ وَمَعْنَاهُ إلَى اسْتِدْلَالٍ كَاَلَّذِي قَضَى بِهِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ يُعْرَفُ بِالِاسْتِدْلَالِ أَنَّ الْخَرَاجَ هو النَّفَقَةُ وَأَنَّ الضَّمَانَ هو ضَمَانُ النَّفَقَةِ ثُمَّ عُرِفَ مَعْنَى النَّفَقَةِ بِالِاسْتِدْلَالِ فَتَقَابَلَتْ الْمَعَانِي بِالِاخْتِلَافِ فيها فَمَنْ مُعَلِّلٌ لها بِأَنَّهَا آثَارٌ فلم يَجْعَلْ الْمُشْتَرِيَ إذَا رَدَّ بِالْعَيْبِ مَالِكًا لِلْأَعْيَانِ من الثِّمَارِ وَالنِّتَاجِ وَمَنْ مُعَلِّلٌ بِأَنَّهَا ما خَالَفَتْ أَجْنَاسَ أُصُولِهَا فَجَعَلَ مَالِكًا لِلثِّمَارِ دُونَ النِّتَاجِ وَعَلَّلَهَا الشَّافِعِيُّ بِأَنَّهَا ما يَجْعَلُ مَالِكًا لِكُلِّ ثِمَارٍ من ثِمَارٍ وَنِتَاجٍ فَمِثْلُ هذا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ في حُكْمِ أَصْلِهِ وَلَا يَنْعَقِدُ في مَعْنَاهُ وَلَا يُقْضَى بِقِيَاسِ حُكْمِهِ وَلَا يُخَصُّ بِهِ عُمُومٌ وهو أَضْعَفُ مِمَّا قَبْلَهُ مَسْأَلَةٌ لَا يُشْتَرَطُ في الْمُشَابَهَةِ بِالِاسْتِدْلَالِ في الْقِيَاسِ تَمَامُ الْمُشَابَهَةِ وَلَا يُكْتَفَى بِأَدْنَاهَا بَلْ يُعْتَبَرُ ما يُشِيرُ إلَى الْمَأْخَذِ النَّوْعُ الثَّانِي قِيَاسُ الشَّبَهِ قَالَا وهو ما أُخِذَ حُكْمُ فَرْعِهِ من شَبَهِ أَصْلِهِ وَقَالَا في مَوْضِعٍ آخَرَ هو ما تَجَاذَبَهُ الْأُصُولُ فَأَخَذَ من كل أَصْلٍ شَبَهًا وَسَمَّاهُ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ قِيَاسَ الدَّلَالَةِ وَفَسَّرَهُ بِأَنْ يُحْمَلَ الْفَرْعُ على الْأَصْلِ بِضَرْبٍ من الشَّبَهِ على الْعِلَّةِ التي عُلِّقَ الْحُكْمُ عليها في الشَّرْعِ قال وَهَذَا الضَّرْبُ لَا تُعْرَفُ صِحَّتُهُ إلَّا بِاسْتِدْلَالِ الْأُصُولِ وهو على ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ أَحَدُهَا أَنْ يُسْتَدَلَّ بِثُبُوتِ حُكْمٍ من أَحْكَامِ الْفُرُوعِ على ثُبُوتِ الْفَرْعِ ثُمَّ رُدَّ إلَى أَصْلٍ كَاسْتِدْلَالِنَا على سُجُودِ التِّلَاوَةِ ليس بِوَاجِبٍ بِأَنَّ سُجُودَهَا يَجُوزُ فِعْلُهُ على الرَّاحِلَةِ من غَيْرِ عُذْرٍ على أَنَّهُ ليس بِوَاجِبٍ وَالثَّانِي أَنْ يُسْتَدَلَّ بِحُكْمٍ يُشَاكِلُ حُكْمَ الْفَرْعِ وَيَجْرِي مَجْرَاهُ على حُكْمِ الْفَرْعِ ثُمَّ
  178. يُقَاسُ على أَصْلٍ كَقَوْلِنَا في ظِهَارِ الذِّمِّيِّ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ يَصِحُّ طَلَاقُهُ فَيَصِحُّ ظِهَارُهُ فَصِحَّةُ قِيَاسِ الطَّلَاقِ على صِحَّةِ الظِّهَارِ لِأَنَّهُمَا يَجْرِيَانِ مَجْرًى وَاحِدًا أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا يَتَعَلَّقَانِ بِالْقَوْلِ وَيَخْتَصَّانِ بِالزَّوْجَةِ فإذا صَحَّ ذلك دَلَّ على صِحَّةِ الْآخَرِ وَالثَّالِثُ أَنْ يُحْمَلَ الْفَرْعُ على الْأَصْلِ بِضَرْبٍ من الشَّبَهِ كَقِيَاسِ من قال إنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ لِأَنَّهُ آدَمِيٌّ مُخَاطَبٌ مُثَابٌ مُعَاقَبٌ فَمُلِّكَ كَالْحُرِّ قال فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ يُسَمَّى قِيَاسُ الشَّبَهِ وفي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا يَصِحُّ لِأَنَّ عُمَرَ أَمَرَ أَبَا مُوسَى بِاعْتِبَارِهِ وَالثَّانِي الْمَنْعُ لِأَنَّهُ لو جَازَ رَدُّ الْفَرْعِ إلَى الْأَصْلِ بِالشَّبَهِ لَوَجَبَ أَنْ يَصِحَّ كُلُّ قِيَاسٍ لِأَنَّهُ ما من فَرْعٍ إلَّا وَيُمْكِنُ رَدُّهُ إلَى أَصْلٍ بِضَرْبٍ من الشَّبَهِ انْتَهَى وقال الشَّيْخُ في اللُّمَعِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في قِيَاسِ الشَّبَهِ وهو تَرَدُّدُ الْفَرْعِ بين أَصْلَيْنِ لِشَبَهِ أَحَدِهِمَا في ثَلَاثَةِ أَوْصَافٍ وَالْآخَرِ من وَصْفَيْنِ فَقِيلَ صَحِيحٌ وَلِلشَّافِعِيِّ ما يَدُلُّ عليه في أَوَائِلِ الرِّسَالَةِ وَأَوَاخِرِهَا وَقِيلَ لَا يَصِحُّ وَتَأَوَّلَ ما قَالَهُ الشَّافِعِيُّ على أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَنْ يُرَجَّحَ بِهِ قِيَاسٌ بِكَثْرَةِ الْأَشْبَاهِ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهِ في أَنَّهُ هل يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمًا وَأَنْ يَكُونَ صِفَةً على قَوْلَيْنِ قال وَالْأَشْبَهُ عِنْدِي أَنَّ قِيَاسَ الشَّبَهِ لَا يَصِحُّ وقال ابن الْقَطَّانِ قِيَاسُ الشَّبَهِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فيه على ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنَّ الشَّبَهَ يُعْتَبَرُ في الصُّورَةِ أَخْذًا من قَوْلِ الشَّافِعِيِّ في الْجِنَايَاتِ إنَّ الْعَبْدَ إذَا جُنِيَ عليه اُعْتُبِرَتْ قِيمَتُهُ بِالْحُرِّ لِوُقُوعِهِ بين أَصْلَيْنِ أَحَدُهُمَا الْبَهِيمَةُ لِأَنَّهُ سِلْعَةٌ فَيَتَصَرَّفُ فيها وَالثَّانِي الْحُرُّ لِأَنَّهُ آدَمِيٌّ مُتَعَبَّدٌ وَقِيلَ هذا خَطَأٌ لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَصِحُّ حتى تُسْتَخْرَجَ الْعِلَّةُ من الْمَنْصُوصِ عليه فَيُؤْخَذُ في الْفَرْعِ أَكْثَرُ الْأَوْصَافِ فَيُلْحَقُ حُكْمُهُ بِحُكْمِ ذَاكَ الْأَصْلِ وَهَذَا لَا يُنْقَضُ بِهِ حُكْمُ الْحَاكِمِ إذَا خَالَفَ وَإِنْ كان هُنَاكَ عِلَّةٌ أُخْرَى تُوجِبُ التَّحْلِيلَ بها خَمْسَةُ أَوْصَافٍ وَعِلَّةٌ تُوجِبُ التَّحْرِيمَ بها خَمْسَةُ أَوْصَافٍ فَيُوجَدُ فيها من أَوْصَافِ الْعِلَّةِ الْمُبِيحَةِ أَكْثَرُ من الْمُحَرِّمَةِ فَيُلْحَقُ ذلك بِحُكْمِ التَّعْلِيلِ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ شَبَهًا فإنه لو قِيلَ فما تَقُولُونَ لو تَسَاوَى الْجَرَيَانُ في الْأَصْلَيْنِ وَتَسَاوَتْ الْأَوْصَافُ قُلْنَا عنه جَوَابَانِ أَحَدُهُمَا يَتَوَقَّفُ فيه لِأَنَّهُمَا يَتَسَاوَيَانِ وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا مَزِيَّةٌ على الْآخَرِ وَهَذَا أَشْبَهُ من الْأَوَّلِ
  179. وَالثَّالِثُ أَنَّ قِيَاسَ الشَّبَهِ أَنْ تَكُونَ الْمَسْأَلَةُ مُحْتَمَلَةً فَتَتَّحِدُ بها فَتَقُومُ الدَّلَالَةُ على إلْحَاقِهَا بِأَحَدِ الْأُصُولِ هو الْأَشْبَاهُ انْتَهَى وقد وَقَعَ في كَلَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ذِكْرُ قِيَاسُ عِلَّةِ الْأَشْبَاهِ فَقِيلَ هو قَسِيمُ قِيَاسُ الْعِلَّةِ وَقِيلَ هو قِيَاسُ الْعِلَّةِ إلَّا أَنَّهُ جَعَلَ كَثْرَةَ الْأَشْبَاهِ تَرْجِيحًا لِلْعِلَّةِ وقال الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ يَدُلُّ على الْأَوَّلِ قال وَحَكَى أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ بن سُرَيْجٍ كان يقول إنَّ غَلَبَةَ الْأَشْبَاهِ هِيَ الْعِلَّةُ وَإِنَّ الْأَشْبَاهَ ثَلَاثَةٌ ما حُكِمَ فيه بِالتَّحْرِيمِ وَلَهُ وَصْفَانِ وما حُكِمَ فيه بِالتَّحْلِيلِ وَلَهُ وَصْفٌ وَاحِدٌ وَوَاسِطَةٌ بَيْنَهُمَا لم يُحْكَمْ فيه بِشَيْءٍ قال فإذا تَرَدَّدَ بَيْنَهُمَا كان رَدُّهُ إلَى أَشْبَهِهِمَا أَوْلَى من رَدِّهِ إلَى أَبْعَدِهِمَا منه في الشَّبَهِ قال الْقَاضِي وَهَذَا مُحْتَمِلٌ لَأَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَرَى الْحُكْمَ بِغَلَبَةِ الْأَشْبَاهِ من غَيْرِ اعْتِقَادِ كَوْنِهِ عِلَّةً وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ رَدَّهَا إلَى ما هو عِلَّةُ الْحُكْمِ أَوْلَى من رَدِّهِ إلَى ما بَعْدَ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً وقد قِيلَ إنَّ هذا الذي كان يَذْهَبُ إلَيْهِ أبو الْعَبَّاسِ وَأَنْكَرَ الْقِيَاسَ على شَبَهٍ لم يَعْتَبِرْ كَوْنَهُ عِلَّةً وقال الْخَفَّافُ في الْخِصَالِ عِلَّةُ غَلَبَةِ الْأَشْبَاهِ صَحِيحَةٌ وَالْحُكْمُ بها جَائِزٌ إذَا كانت عِلَّةَ ما وَصَفْنَا غير أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ فيها مع وُجُودِ الْعِلَّةِ الْمُسْتَخْرَجَةِ وَأَمَّا الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فَفَسَّرَا قِيَاسَ الشَّبَهِ بِمَا تَقَدَّمَ وَقَسَمَاهُ إلَى نَوْعَيْنِ قِيَاسُ تَحْقِيقٍ يَكُونُ الشَّبَهُ في أَحْكَامِهِ وَقِيَاسُ تَقْرِيبٍ يَكُونُ الشَّبَهُ في أَوْصَافِهِ وَقِيَاسُ التَّحْقِيقِ مُقَابِلٌ لِقِيَاسِ الْمَعْنَى الْخَفِيِّ وَإِنْ ضَعُفَ عنه الْأَوَّلُ قِيَاسُ التَّحْقِيقِ وهو ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا أَنْ يَتَرَدَّدَ حُكْمُ فَرْعٍ بين أَصْلَيْنِ فَيَنْتَقِضُ بِرَدِّهِ إلَى أَحَدِهِمَا وَلَا يَنْتَقِضُ بِرَدِّهِ إلَى الْآخَرِ فَيَرُدُّهُ إلَى الْأَصْلِ الذي لَا يَنْتَقِضُ بِرَدِّهِ إلَيْهِ وَإِنْ كان أَقَلَّ شَبَهًا دُونَ الْآخَرِ وَإِنْ كان أَكْثَرَ شَبَهًا كَالْعَبْدِ يُمَلَّكُ يَتَرَدَّدُ بين الْبَهِيمَةِ وَالْحُرِّ فلما انْتَقَضَ رَدُّهُ إلَى الْمِيرَاثِ حَيْثُ لم يُمَلَّكْ بِهِ وَجَبَ رَدُّهُ إلَى الْبَهِيمَةِ لِسَلَامَتِهِ من النَّقْضِ وَإِنْ كان شَبَهُهُ بِالْأَحْرَارِ أَكْثَرَ وَالثَّانِي أَنْ يَتَرَدَّدَ الْفَرْعُ بين أَصْلَيْنِ فَيَسْلَمُ من النَّقْضِ رَدَّهُ إلَى كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا وهو بِأَحَدِ الْأَصْلَيْنِ أَكْثَرُ شَبَهًا مِثْلُ أَنْ يُشْبِهَ أَحَدَهُمَا من وَجْهٍ وَالْآخَرَ من وَجْهَيْنِ أو أَحَدَهُمَا من وَجْهَيْنِ وَالْآخَرَ من ثَلَاثَةٍ فَيُرَدُّ إلَى الْأَكْثَرِ مِثَالُهُ في الْجِنَايَةِ على طَرَفِ الْعَبْدِ فَيُرَدِّدُهُ بين رَدِّهِ إلَى الْحُرِّ وَإِلَى الْبَهِيمَةِ وهو يُشْبِهُ الْبَهِيمَةَ في أَنَّهُ مَمْلُوكٌ
  180. وَيُوَرَّثُ عَيْنُهُ وَيُشْبِهُ الْحُرَّ في أَنَّهُ آدَمِيٌّ مُخَاطَبٌ مُكَلَّفٌ يَجِبُ في قَتْلِهِ الْقَوَدُ وَالْكَفَّارَةُ وَجَبَ رَدُّهُ إلَى الْحُرِّ في تَقْدِيرِ أَرْشِ طَرَفِهِ دُونَ الْبَهِيمَةِ لِكَثْرَةِ شَبَهِهِ بِالْحُرِّ الثَّالِثُ أَنْ يَتَرَدَّدَ حُكْمُ الْفَرْعِ بين أَصْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْ الصِّفَتَيْنِ وَيُوجَدُ في الْفَرْعِ بَعْضُ كل وَاحِدٍ من الصِّفَتَيْنِ وَالْأَقَلُّ من الْأُخْرَى فَيَجِبُ رَدُّهُ إلَى الْأَصْلِ الذي فيه أَكْثَرُ صِفَاتِهِ مِثَالُهُ ثُبُوتُ الرِّبَا في السَّقَمُونْيَا لِمَا تَرَدَّدَ بين الْخَشَبِ في الْإِبَاحَةِ لِأَنَّهُ ليس بِغِذَاءٍ وَبَيْنَ الطَّعَامِ في التَّحْرِيمِ لِأَنَّهُ مَأْكُولٌ فَكَانَ رَدُّهُ إلَى الْغِذَاءِ في التَّحْرِيمِ وَإِنْ لم يَكُنْ غِذَاءً أَوْلَى من رَدِّهِ إلَى الْخَشَبِ في الْإِبَاحَةِ وَإِنْ لم يَكُنْ غِذَاءً لِأَنَّ الْأَكْلَ أَغْلَبُ صِفَاتِهِ الثَّانِي قِيَاسُ التَّقْرِيبِ وهو ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ أَحَدُهَا تَرَدُّدُ الْفَرْعِ بين أَصْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ صِفَةً وقد جَمَعَ الْفَرْعُ مَعْنَى الْأَصْلِ فَيَرْجِعُ في الْفَرْعِ إلَى أَغْلِبْ الصِّفَتَيْنِ مِثَالُهُ في الْمَعْقُولِ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْأَصْلَيْنِ مَعْلُولًا بِالْبَيَاضِ وَالْآخَرُ مَعْلُولًا بِالسَّوَادِ وَيَكُونَ الْفَرْعُ جَامِعًا بين السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ فَيُعْتَبَرُ بِحَالِهِ فَإِنْ كان بَيَاضُهُ أَكْثَرَ من سَوَادِهِ رُدَّ إلَى الْأَصْلِ الْمَعْلُولِ بِالْبَيَاضِ ولم يَكُنْ لِلسَّوَادِ فيه تَأْثِيرٌ وَإِنْ كان سَوَادُهُ أَكْثَرَ من بَيَاضِهِ رُدَّ إلَى الْأَصْلِ الْمَعْلُولِ بِالسَّوَادِ ولم يَكُنْ لِلْبَيَاضِ فيه تَأْثِيرٌ وَمِثَالُهُ في الشَّرْعِ الشَّهَادَاتُ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى فيها بِقَبُولِ الْعَدْلِ وَرَدِّ الْفَاسِقِ وقد عُلِمَ أَنَّ أَحَدًا غير الْأَنْبِيَاءِ عليهم الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا يُمْحِضُ الطَّاعَةَ حتى لَا يَشُوبَهَا شَيْءٌ وَيَخْرِمَهَا فَوَجَبَ اعْتِبَارُ الْأَغْلَبِ في حَالَتَيْهِ فَإِنْ كانت الطَّاعَاتُ أَغْلَبَ حُكِمَ بِعَدَالَتِهِ أو الْمَعَاصِي أَغْلَبَ حُكِمَ بِفِسْقِهِ وقال أبو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ هذا الضَّرْبُ لَا يُسَمَّى قِيَاسًا لِأَنَّ الْقِيَاسَ ما اُسْتُخْرِجَ عِلَّةُ فَرْعِهِ من أَصْلِهِ وَهَذَا قد اُسْتُخْرِجَ عِلَّةُ أَصْلِهِ من فَرْعِهِ وَلِأَنَّ الْقِيَاسَ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا كان مَعْنَى الْأَصْلِ مَوْجُودًا بِكَمَالِهِ من الْفَرْعِ فإذا وَجَدَ بَعْضَ أَوْصَافِهِ لَا يَصِحُّ إلْحَاقُهُ بِهِ وَهَذَا غَلَطٌ لِأَنَّ صِفَةَ الْعِلَّةِ مُسْتَخْرَجَةٌ من الْفَرْعِ وَحُكْمُ الْعِلَّةِ مُسْتَخْرَجٌ من الْأَصْلِ فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مَوْضُوعٌ بِحُكْمِ الْعِلَّةِ دُونَ صِفَتِهَا وَهَذَا كما تَقُولُ في الْمَاءِ الْمُطْلَقِ إذَا خَالَطَهُ مَائِعٌ طَاهِرٌ كَمَاءِ الْوَرْدِ ولم يُغَيِّرْهُ نُظِرَ إنْ كان الْمَاءُ أَكْثَرَ حَكَمْنَا له بِالتَّطْهِيرِ وَإِنْ كان فيه ما ليس بِمُطَهِّرٍ وَإِنْ كان مَاءُ الْوَرْدِ أَكْثَرَ حَكَمْنَا أَنَّهُ غَيْرُ مُطَهَّرٍ وَإِنْ كان فيه مَاءٌ طَهُورٌ وَأَنَّ الْحَادِثَةَ أَشْبَهَتْ كُلَّ وَاحِدٍ من الْأَصْلَيْنِ في بَعْضِ الْأَوْصَافِ فَلَا بُدَّ من تَعْرِيفِ حُكْمِهَا وَلَا يَجُوزُ إلْحَاقُهَا بِغَيْرِ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلْحَاقُهَا بِمَا لَا يُشْبِهُهَا
  181. وَتَرْكُهُ ما يُشْبِهُهَا وَلَا إلْحَاقُهُ بِهِمَا لِتَضَادِّهِمَا فَكَانَ أَكْثَرُهَا شَبَهًا أَوْلَى وقال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ هذا النَّوْعُ في الْقِيَاسِ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ يُقَاسُ على ما يَلْحَقُ بِهِ من غَيْرِ عِلَّةٍ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَلَا يَخْلُو الْوَصْفُ الذي أَشْبَهَ الْأَصْلَ فيه من أَنْ يَكُونَ عِلَّةَ الْأَصْلِ أو ليس بِعِلَّةٍ فَإِنْ كان عِلَّةً فَهُوَ قِيَاسُ الْعِلَّةِ لَا قِيَاسُ الشَّبَهِ وَإِنْ لم يَكُنْ عِلَّةً فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ بِغَيْرِ عِلَّةٍ قال وَمَعْنَى هذا عِنْدَك إذَا تَرَدَّدَ فَرْعٌ بين أَصْلَيْنِ وَقَاسَهُ في كل وَاحِدٍ من الْأَصْلَيْنِ على أَصْلِهِ بِعِلَّةٍ ظَاهِرُهَا الصِّحَّةُ يَحْتَاجُ إلَى التَّرْجِيحِ لِتَغْلِيبِ أَحَدِ الْأَوْصَافِ لِكَثْرَةِ الشَّبَهِ فَيَكُونُ ذلك على سَبِيلِ التَّرْجِيحِ الثَّانِي أَنْ يَتَرَدَّدَ الْفَرْعُ بين أَصْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْ الصِّفَتَيْنِ وَالصِّفَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ في الْفَرْعِ وَصِفَةُ الْفَرْعِ تُقَارِبُ إحْدَى الصِّفَتَيْنِ وَإِنْ خَالَفَتْهَا مِثَالُهُ في الْمَعْقُولِ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ أَصْلَيْنِ مَعْلُولًا بِالْبَيَاضِ وَالْآخَرُ بِالسَّوَادِ وَالْفَرْعُ أَخْضَرُ لَا أَبْيَضُ وَلَا أَسْوَدُ فَرُدَّ إلَى أَقْرَبِ الْأَصْلَيْنِ شَبَهًا بِصِفَتَيْهِ وَالْخُضْرَةُ أَقْرَبُ إلَى السَّوَادِ وَمِثَالُهُ في الشَّرْعِ قَوْله تَعَالَى فَجَزَاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ من النَّعَمِ وَلَيْسَ الْمِثْلُ من النَّعَمِ شَبِيهًا بِالصَّيْدِ في جَمِيعِ أَوْصَافِهِ وَلَا مُنَافِيًا له في جَمِيعِهَا فَاعْتُبِرَ في الْجَزَاءِ أَقْرَبُ الشَّبَهِ بِالصَّيْدِ وقال أبو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ مِثْلُ هذا لَا يَكُونُ قِيَاسًا لِأَنَّ الْقِيَاسَ ما وُجِدَتْ أَوْصَافُ أَصْلِهِ في فُرُوعِهِ وَأَوْصَافُ الْأَصْلِ في هذا غَيْرُ مَقْصُودَةٍ في الْفَرْعِ فَصَارَ قِيَاسًا بِغَيْرِ عِلَّةٍ وَهَذَا غَلَطٌ لِأَنَّ الْحَادِثَةَ لَا بُدَّ لها من حُكْمٍ وَالْحُكْمُ لَا بُدَّ له من دَلِيلٍ فإذا لم يَكُنْ في الْكِتَابِ وَلَا في السُّنَّةِ وَلَا في الْإِجْمَاعِ دَلِيلٌ عليها لم يَبْقَ لها أَصْلٌ غَيْرُ الْقِيَاسِ كما في أَقْرَبِهِمَا شَبَهًا بِأَصْلٍ هو عِلَّةُ الْقِيَاسِ وقد جَعَلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا اجْتِهَادًا مَحْضًا ولم يَجْعَلْهُ قِيَاسًا وَالثَّالِثُ أَنْ يَتَرَدَّدَ الْفَرْعُ بين أَصْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَالْفَرْعُ جَامِعٌ لِصِفَتَيْ الْأَصْلَيْنِ وَأَحَدُ الْأَصْلَيْنِ من جِنْسِ الْفَرْعِ دُونَ الْآخَرِ وَمِثَالُهُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْعُ من الطَّهَارَةِ وَأَحَدُ الْأَصْلَيْنِ من الصَّلَاةِ وَالثَّانِي من الطَّهَارَةِ فَيَكُونُ رَدُّهُ إلَى أَصْلِ الطَّهَارَةِ لِمُجَانَسَتِهِ أَوْلَى من رَدِّهِ إلَى أَصْلِ الصَّلَاةِ ثُمَّ قَالَا وَهَاهُنَا قِسْمٌ رَابِعٌ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في وُرُودِهِ وهو أَنْ يَتَرَدَّدَ الْفَرْعُ بين أَصْلَيْنِ فيه شَبَهُ كل وَاحِدٍ من الْأَصْلَيْنِ وَلَا يَتَرَجَّحُ أَحَدُهُمَا على الْآخَرِ بِشَيْءٍ فَمَنَعَ كَثِيرٌ من أَصْحَابِنَا من وُجُودِهِ وَأَحَالَ تَكَافُؤَ الْأَدِلَّةِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَبَّدَ اللَّهُ الْعِبَادَ بِمَا لم يُوصِلْهُمْ إلَى عِلْمِهِ وَلَكِنْ رُبَّمَا خَفِيَ على الْمُسْتَدِلِّ لِقُصُورِهِ في الِاجْتِهَادِ فَإِنْ أَعْوَزَهُ التَّرْجِيحُ بين أَصْلَيْنِ عَدَلَ إلَى الْتِمَاسِ حُكْمِهِ من غَيْرِ الْقِيَاسِ وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إلَى جَوَازِ وُجُودِهِ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَكُونَ من الْأَدِلَّةِ غَامِضَةٌ
  182. لِمَا عُلِمَ فيها من الْمَصْلَحَةِ جَازَ أَنْ يَكُونَ فيها مُتَكَافِئَةٌ لِمَا رَآهُ من الْمَصْلَحَةِ أَنْ يَكُونَ لها حُكْمٌ مع التَّكَافُؤِ فَعَلَى هذا اخْتَلَفُوا في حُكْمِ ما تَكَافَأَتْ عليه الْأَدِلَّةُ وَتَرَدَّدَ بين أَصْلَيْنِ حَاظِرٍ وَمُبِيحٍ على وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا الْمُجْتَهِدُ بِالْخِيَارِ في رَدِّهِ إلَى أَيِّ الْأَصْلَيْنِ شَاءَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لو لم يُرِدْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَنَصَبَ على مُرَادِهِ مِنْهُمَا دَلِيلًا وَالثَّانِي يَرُدُّهُ إلَى أَغْلَظِ الْأَصْلَيْنِ حُكْمًا وهو الْحَظْرُ دُونَ الْإِبَاحَةِ احْتِيَاطًا لِأَنَّ أَصْلَ التَّكْلِيفِ مَوْضُوعٌ لِلتَّغْلِيظِ قَالَا فَصَارَ أَقْسَامُ الْقِيَاسِ على ما شَرَحْنَا اثْنَيْ عَشَرَ قِسْمًا سِتَّةٌ منها مُخْتَصَّةٌ بِقِيَاسِ الْمَعْنَى منها ثَلَاثَةٌ في الْخَفِيِّ وَسِتَّةٌ مُخْتَصَّةٌ بِقِيَاسِ الشَّبَهِ منها ثَلَاثَةٌ في قِيَاسِ التَّحْقِيقِ وَثَلَاثَةٌ في قِيَاسِ التَّقْرِيبِ وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ قِيَاسَ التَّقْرِيبِ بِمَا حَاصِلُهُ يَرْجِعُ إلَى أَنَّهُ اسْتِدْلَالٌ من غَيْرِ بِنَاءِ فَرْعٍ على أَصْلٍ وَمِنْ جُمْلَةِ كَلَامِهِ قال قد ثَبَتَ أُصُولٌ مُعَلَّلَةٌ اتَّفَقَ الْقَائِسُونَ على عِلَلِهَا فقال الشَّافِعِيُّ الْحَدُّ في تِلْكَ الْأُصُولِ مَعْنَوِيٌّ وَجَعَلَ الِاسْتِدْلَالَ قَرِيبَةً منها وَإِنْ لم يَكُنْ بِأَعْيَانِهَا حتى كَأَنَّهَا أُصُولٌ مُعْتَمَدَةٌ مَثَلًا وَالِاسْتِدْلَالُ مُعْتَبَرٌ بها وَاعْتِبَارُ الْمَعْنَى بِالْمَعْنَى تَقْرِيبًا أَوْلَى من اعْتِبَارِ صُورَةٍ بِصُورَةٍ لِمَعْنًى جَامِعٍ ثُمَّ مَثَّلَ الْإِمَامُ ذلك بِتَحْرِيمِ وَطْءِ الرَّجْعِيَّةِ بِأَنَّهُ مُعَلَّلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِأَنَّهَا مُتَرَبِّصَةٌ في تَبْرِئَةِ الرَّحِمِ وَتَسْلِيطُ الزَّوْجِ على رَحِمِهَا في الزَّمَانِ الذي تُؤْمَرُ فيه بِالتَّرَبُّصِ لِلتَّبْرِئَةِ تَنَاقُضُ وَهَذَا مَعْنًى مَعْقُولٌ وَأَنَّ الْمَرْأَةَ لو تَرَبَّصَتْ قبل الطَّلَاقِ وَاعْتَزَلَهَا الزَّوْجُ لم يُعْتَدَّ بِذَلِكَ عِنْدَهُ وَلَوْ طَلَبَ الشَّافِعِيُّ لِهَذَا أَصْلًا لم يَجِدْهُ وَلَكِنَّهُ قَرِيبٌ من الْقَوَاعِدِ وَمَنْ قَاسَ الرَّجْعِيَّةَ على الْبَائِنِ لم يَتِمَّ له ذلك لِأَنَّ الْمُخَالِفَ يقول الْبَيْنُونَةُ هِيَ الْمُسْتَقِلَّةُ بِتَحْرِيمِ الْوَطْءِ وَالرَّجْعِيَّةُ لَيْسَتْ مِثْلَهَا النَّوْعُ الثَّالِثُ قِيَاسُ الْعَكْسِ وهو إثْبَاتُ نَقِيضِ الْحُكْمِ في غَيْرِهِ لِافْتِرَاقِهِمَا في عِلَّةِ الْحُكْمِ كَذَا عَرَّفَهُ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ وَالْأَحْكَامِ وَغَيْرِهِمَا وقال الْأَصْفَهَانِيُّ إنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ لِأَنَّهُ من جُمْلَةِ أَنْوَاعِ
  183. الْعَكْسِ الْمُلَازِمَةِ الثَّابِتَةِ بين الشَّيْئَيْنِ الْمَلْزُومُ نَقِيضُ الْمَطْلُوبِ وَاللَّازِمُ مُنْتَفٍ وَالدَّلِيلُ على الْمُلَازَمَةِ الْقِيَاسُ كَقَوْلِنَا لو لم تَجِبْ أَوَّلًا على الصَّبِيِّ لَمَا وَجَبَتْ على الْبَالِغِ قِيَاسًا على الْوُجُوبِ على الصَّبِيِّ وَاللَّازِمُ مُنْتَفٍ إجْمَاعًا فَيَنْتَفِي الْمَلْزُومُ انْتَهَى وقد وَقَعَ في الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ اسْتِعْمَالُ هذا النَّوْعِ قال اللَّهُ تَعَالَى لو كان فِيهِمَا آلِهَةٌ إلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا وقال صلى اللَّهُ عليه وسلم وفي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ قالوا يا رَسُولَ اللَّهِ يَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيُؤْجَرُ قال أَرَأَيْتُمْ لو وَضَعَهَا في حَرَامٍ يَعْنِي أَكَانَ يُعَاقَبُ قالوا نعم قال فَمَهْ يَعْنِي أَنَّهُ إذَا وَضَعَهَا في حَرَامٍ يَأْثَمُ كَذَلِكَ إذَا وَضَعَهَا في حَلَالٍ فَقَدْ جَعَلَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم نَقِيضَ حُكْمِ الْوَطْءِ الْمُبَاحِ وهو الْإِثْمُ في غَيْرِهِ وهو الْوَطْءُ الْحَرَامُ لِافْتِرَاقِهِمَا في عِلَّةِ الْحُكْمِ وهو كَوْنُ هذا مُبَاحًا وَهَذَا حَرَامًا وقد اُخْتُلِفَ في تَسْمِيَتِهِ قِيَاسًا فَقِيلَ إنَّهُ قِيَاسٌ حَقِيقَةً وقال صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ هو قِيَاسٌ مَجَازًا وَقِيلَ لَا يُسَمَّى قِيَاسًا وَبِهِ صَرَّحَ ابن الصَّبَّاغِ في الْعُدَّةِ لِأَنَّ غَايَتَهُ تُمْسِكُ بِنَظْمِ التَّلَازُمِ وَإِثْبَاتٌ لِإِحْدَى مُقَدِّمَتِهِ بِالْقِيَاسِ وَذَكَرَ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في الْمُلَخَّصِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى احْتَجَّ بِهِ على أبي حَنِيفَةَ في إبْطَالِ عِلَّتِهِ في الرِّبَا في الْأَثْمَانِ فقال لو كان الْفِضَّةُ وَالْحَدِيدُ يَجْمَعُهُمَا عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ في الرِّبَا لم يَجُزْ اسْتِلَامُ أَحَدِهِمَا في الْآخَرِ وَكَذَلِكَ الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ لو جَمَعَهُمَا عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ لم يَجُزْ اسْتِلَامُ أَحَدِهِمَا في الْآخَرِ فلما جَازَ بِالْإِجْمَاعِ اسْتِلَامُ الْفِضَّةِ في الْحَدِيدِ دَلَّ على أَنَّهُ لم يَجْمَعْهُمَا عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ قال وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في الِاسْتِدْلَالِ بِهِ على وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَأَصَحُّهُمَا وهو الْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَصِحُّ وقد اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ في عِدَّةِ مَوَاضِعَ وَالدَّلِيلُ عليه أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِالْعَكْسِ اسْتِدْلَالٌ بِقِيَاسِ مَدْلُولٍ على صِحَّتِهِ بِالْعَكْسِ وإذا صَحَّ الْقِيَاسُ في الطَّرْدِ وهو غَيْرُ مَدْلُولٍ على صِحَّتِهِ فَلَأَنْ يَصِحَّ الِاسْتِدْلَال بِالْعَكْسِ وهو قِيَاسُ مَدْلُولٍ على صِحَّتِهِ أَوْلَى وَيَدُلُّ عليه أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى دَلَّ على التَّوْحِيدِ بِالْعَكْسِ فقال تَعَالَى لو كان فِيهِمَا آلِهَةٌ إلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا وَدَلَّ على أَنَّ الْقُرْآنَ من عِنْدِهِ بِالْعَكْسِ قال تَعَالَى وَلَوْ كان من عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فيه اخْتِلَافًا كَثِيرًا قُلْت وقد احْتَجَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ في الْمُخْتَصَرِ فقال في زَكَاةِ الْخُلْطَةِ وَلَمَّا لم أَعْلَمْ
  184. مُخَالِفًا إذَا كان ثَلَاثَةٌ خُلَطَاءَ لو كان لهم مِائَةٌ وَعِشْرُونَ أُخِذَتْ منهم وَاحِدَةٌ فَصَدَّقُوا صَدَقَةَ الْوَاحِدِ فَنَقَصُوا الْمَسَاكِينَ شَاتَيْنِ من مَالِ الْخُلَطَاءِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ لو تَفَرَّقَ ما لهم كان فِيهِمْ ثَلَاثُ شِيَاهٍ لم يَجُزْ إلَّا أَنْ يَقُولُوا لو كانت أَرْبَعُونَ بين ثَلَاثَةٍ كانت عليهم شَاةٌ لِأَنَّهُمْ صَدَّقُوا الْخُلَطَاءَ صَدَقَةَ الْوَاحِدِ انْتَهَى فَقَاسَ وُجُوبَ وَاحِدَةٍ من أَرْبَعِينَ لِثَلَاثَةٍ خُلَطَاءَ على سُقُوطِ اثْنَتَيْنِ في مِائَةٍ وَعِشْرِينَ لِثَلَاثَةٍ خُلَطَاءَ وَحَكَى الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ في تَعْلِيقِهِ مُنَاظَرَةً جَرَتْ بين الشَّافِعِيِّ وَمُحَمَّدِ بن الْحَسَنِ فقال الشَّافِعِيُّ لِمُحَمَّدِ بن الْحَسَنِ لَا قَوَدَ على من شَارَكَ الصَّبِيَّ فقال لِأَنَّهُ شَارَكَ من لَا يَجْرِي عليه الْقَلَمُ فقال له الشَّافِعِيُّ فَأَوْجِبْ الْقَوَدَ على من شَارَكَ الْأَبَ لِأَنَّهُ شَارَكَ من جَرَى عليه الْقَلَمُ وإذا لم تُوجِبْ على شَرِيكِ الْأَبِ فَهُوَ تَرْكٌ لِأَصْلِك قال أَصْحَابُ أبي حَنِيفَةَ هذا السُّؤَالُ لَا يَلْزَمُ مُحَمَّدًا لِأَنَّ مُحَمَّدًا عَلَّلَ بِأَنَّهُ شَارَكَ من لَا يَجْرِي عليه الْقَلَمُ فَنَقِيضُهُ أَنَّهُ يُوجَدُ من شَارَكَ من لَا يَجْرِي عليه الْقَلَمُ وَمَعَ هذا يَجِبُ عليه الْقَوَدُ فَأَمَّا من شَارَكَ الْأَبَ فَهُوَ عَكْسُ عِلَّتِهِ لِأَنَّهُ شَارَكَ من يَجْرِي عليه الْقَلَمُ أَجَابَ أَصْحَابُنَا عن هذا فقال الشَّيْخُ أبو عَلِيِّ بن أبي هُرَيْرَةَ هذا يَلْزَمُ مُحَمَّدَ بن الْحَسَنِ وَذَلِكَ أَنَّ الْعِلَّةَ على ضَرْبَيْنِ عِلَّةٌ لِلْأَعْيَانِ وَعِلَّةٌ لِلْجِنْسِ فإذا كانت الْعِلَّةُ لِلْأَعْيَانِ انْقَضَتْ من وَجْهٍ وَاحِدٍ وهو أَنْ تُوجَدَ الْعِلَّةُ وَلَا حُكْمَ كَقَوْلِك لِأَنَّهُ مُرْتَدٌّ فَوَجَبَ أَنْ يُقْتَلَ فَالنَّقْضُ أَنْ يُوجَدَ مُرْتَدٌّ مع أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ وَالثَّانِيَةُ عِلَّةُ الْجِنْسِ فَهَذِهِ تُنْقَضُ من وَجْهَيْنِ أَنْ تُوجَدَ الْعِلَّةُ وَلَا حُكْمَ وَأَنْ يُوجَدَ الْحُكْمُ وَلَا عِلَّةَ كَقَوْلِك عِلَّةُ الْقَتْلِ الْقَتْلُ فَكَأَنَّهُ قال لَا قَتْلَ إلَّا بِقَتْلٍ فَهَذِهِ تُنْقَضُ بِمَا قُلْنَاهُ إنْ قَتَلَ بِغَيْرِ قَتْلٍ انْتَقَضَتْ الْعِلَّةُ وَإِنْ لم يَقْتُلْ مع وُجُودِ الْقَتْلِ انْتَقَضَتْ الْعِلَّةُ وإذا ثَبَتَ هذا فَعِلَّةُ مُحَمَّدِ بن الْحَسَنِ لِلْجِنْسِ لِأَنَّهُ عَلَّلَ سُقُوطَ الْقَوَدِ عن الشَّرِيكِ دُونَ شَرِيكِ من لَا يَجْرِي عليه الْقَلَمُ فَهَذِهِ لِلْجِنْسِ فَيَنْتَقِضُ من وَجْهَيْنِ أَنْ يُوجَدَ الْعِلَّةُ وَلَا حُكْمَ وَأَنْ يُوجَدَ الْحُكْمُ وَلَا عِلَّةَ فَقَدْ أَوْجَدَ الْحُكْمَ وَلَا عِلَّةَ فَبَطَلَ قَوْلُهُ قال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ وَكُنْت أَجَبْت بِجَوَابٍ آخَرَ وهو أَنَّ الشَّافِعِيَّ أَلْزَمَهُمْ الْعَكْسَ بِنَاءً على أَصْلِهِمْ لِأَنَّ عِلَّةَ الْعَكْسِ عِنْدَهُمْ دَلِيلُ تَنَاقُضِهِمْ في الْعَكْسِ وَجَوَابٌ آخَرُ جَدِيدٌ وهو أَنَّ مُحَمَّدَ بن الْحَسَنِ فَرَّقَ بين مَسْأَلَتَيْنِ فَطَالَبَهُ الشَّافِعِيُّ بِالْفَرْقِ بين شَرِيكِ الصَّبِيِّ حَيْثُ قُلْت لَا قَوَدَ عليه وقد قُلْت إذَا عَفَا الْوَلِيُّ عن أَحَدِ الْقَاتِلِينَ كان على شَرِيكِهِ الْقَوَدُ فقال مُحَمَّدٌ لِأَنَّ شَرِيكَ الصَّبِيِّ قد شَارَكَ من رُفِعَ عنه
  185. الْقَلَمُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ما إذَا عَفَا الْوَلِيُّ عن أَحَدِهِمَا لِأَنَّهُ شَارَكَ من الْقَلَمُ جَارٍ عليه فقال الشَّافِعِيُّ هذا بَاطِلٌ بِمَا إذَا شَارَكَ الْأَبَ في قَتْلِ وَلَدِهِ لِأَنَّهُ شَارَكَ من الْقَلَمُ جَارٍ عليه وَمَعَ هذا لَا قَوَدَ عليه عِنْدَك فَأَمَّا الْمُزَنِيّ فإنه تَكَلَّمَ على مَسَائِلِ الشَّافِعِيِّ فإنه قال قد شَرِكَ الشَّافِعِيُّ مُحَمَّدَ بن الْحَسَنِ فِيمَا أَنْكَرَ عليه فإنه أَسْقَطَ الْقَوَدَ عن شَرِيكِ الْخَاطِئِ وَأَوْجَبَهُ على شَرِيكِ الصَّبِيِّ وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ قُلْنَا له هذا على الْقَوْلَيْنِ إنْ قُلْنَا في حُكْمِ الْخَطَأِ فَلَا قَوَدَ على شَرِيكِهِ كَمَنْ شَارَكَ الْخَاطِئَ لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ فَإِنْ قُلْنَا عَمْدُهُ عَمْدٌ فَعَلَى شَرِيكِهِ الْقَوَدُ لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا مُخْتَلِفٌ ثُمَّ يُقَالُ لِلْمُزَنِيِّ قد كَسَرَ الشَّافِعِيُّ فَرْقَ مُحَمَّدِ بن الْحَسَنِ فَأَنْتَ أَوْرَدْت كَلَامًا يَنْقُضُ الْكَسْرَ وَإِنَّمَا تُنَاقَضُ الْعِلَلُ فَأَمَّا الْكَسْرُ فَلَا يُنَاقَضُ فَسَقَطَ هذا وقال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ في تَعْلِيقِهِ في بَابِ مَسْحِ الْخُفِّ في تَعْلِيلِ جَوَازِ الِاخْتِصَارِ على الْأَسْفَلِ لَمَّا كان أَسْفَلُ الْخُفِّ كَظَاهِرِهِ في أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عليه إذَا كان مُتَمَزِّقًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَسْفَلُهُ كَأَعْلَاهُ في الِاقْتِصَارِ عليه بِالْمَسْحِ إذَا كان صَحِيحًا ثُمَّ إنَّ الشَّيْخَ أَبَا حَامِدٍ رَدَّ هذا التَّعْلِيلَ بِأَنَّهُ قِيَاسُ عَكْسٍ فَكَأَنَّهُ رَدَّ قِيَاسَ الْعَكْسِ النَّوْعُ الرَّابِعُ قِيَاسُ الدَّلَالَةِ وهو أَنْ يَكُونَ الْجَامِعُ وَصْفًا لَازِمًا من لَوَازِمِ الْعِلَّةَ أو أَثَرًا من آثَارِهَا أو حُكْمًا من أَحْكَامِهَا سُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَوْنِ الْمَذْكُورِ في الْجَمِيعِ دَلِيلَ الْعِلَّةِ لَا نَفْسَ الْعِلَّةِ فَالْأَوَّلُ كَقِيَاسِ النَّبِيذِ على الْخَمْرِ بِجَامِعِ الرَّائِحَةِ الْمُلَازِمَةِ وَالثَّانِي كَقَوْلِنَا في الْقَتْلِ بِالْمُثَقَّلِ قَتْلٌ أَثِمَ بِهِ صَاحِبُهُ من حَيْثُ كَوْنُهُ قَتْلًا فَوَجَبَ فيه الْقِصَاصُ كَالْجَارِحِ فَكَوْنُهُ إثْمًا ليس هو بِعِلَّةٍ بَلْ أَثَرٌ من آثَارِهَا وَالثَّالِثُ كَقَوْلِنَا في مَسْأَلَةِ قَطْعِ الْأَيْدِي بِالْيَدِ الْوَاحِدَةِ إنَّهُ قَطْعٌ مُوجِبٌ لِوُجُوبِ الدِّيَةِ عليهم فَيَكُونُ مُوجِبًا لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ عليهم كما لو قَتَلَ جَمَاعَةٌ وَاحِدًا فَوُجُوبُ الدِّيَةِ على الْجَمَاعَةِ ليس نَفْسَ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقِصَاصِ بَلْ حُكْمٌ من أَحْكَامِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقِصَاصِ بِدَلِيلِ اطِّرَادِهَا وَانْعِكَاسِهَا كما في الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانُ وَالْخَطَأُ وَشِبْهِ الْعَمْدُ وَاخْتُلِفَ فيه هل هو قِسْمٌ بِرَأْسِهِ أو هو دَائِرٌ بين الْمَعْنَى وَالشَّبَهِ وقال الْإِمَامُ قِيَاسُ الدَّلَالَةِ هو ما اشْتَمَلَ على ما لَا يُنَاسِبُ بِنَفْسِهِ وَلَكِنَّهُ يَدُلُّ على مَعْنًى جَامِعٍ ثُمَّ قال وَلَا مَعْنَى لِعَدِّهِ قِسْمًا على حِيَالِهِ فإنه يَقَعُ تَارَةً مُنْبِئًا عن مَعْنًى وَتَارَةً عن
  186. شَبَهٍ وهو في طَوْرَيْهِ لَا يَخْرُجُ عن قِيَاسِ الْمَعْنَى أو الشَّبَهِ وقال الْغَزَالِيُّ في مِعْيَارِهِ الْحَدُّ الْأَوْسَطُ إذَا كان عِلَّةً لِلْأَكْبَرِ سَمَّاهُ الْفُقَهَاءُ قِيَاسُ الْعِلَّةِ وَسَمَّاهُ الْمَنْطِقِيُّونَ بُرْهَانُ اللِّمَ أَيْ ذِكْرُ ما يُجَابُ بِهِ عن لِمَ وَإِنْ لم يَكُنْ عِلَّةً سَمَّاهُ الْفُقَهَاءُ قِيَاسُ الدَّلَالَةِ وَسَمَّاهُ الْمَنْطِقِيُّونَ قِيَاسُ الْبُرْهَانِ أَيْ هو دَلِيلٌ على أَنَّ الْحَدَّ الْأَكْبَرَ مَوْجُودٌ في الْأَصْغَرِ من غَيْرِ بَيَانِ عِلَّةٍ فَالْأَوَّلُ كَقَوْلِك هذا الْإِنْسَانُ شَبْعَانُ لِأَنَّهُ أَكَلَ الْآنَ وَقِيَاسُ الدَّلَالَةِ عَكْسُهُ وهو أَنْ يَسْتَدِلَّ بِالنَّتِيجَةِ على الْمُنْتِجِ فيقول شَبْعَانُ فَإِذًا هو قَرِيبُ الْعَهْدِ بِالْأَكْلِ وَقِيَاسُ الْعِلَّةِ هذه عَيْنٌ نَجِسَةٌ فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ مَعَهَا وفي قِيَاسِ الدَّلَالَةِ هذه عَيْنٌ لَيْسَتْ تَصِحُّ الصَّلَاةُ مَعَهَا فَإِذًا هِيَ نَجِسَةٌ النَّوْعُ الْخَامِسُ في الْفَارِقِ وقد اُخْتُلِفَ في تَسْمِيَتِهِ قِيَاسًا أو اسْتِدْلَالًا وَالْأَوَّلُ قَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالثَّانِي قَوْلُ الْغَزَالِيِّ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يُقْصَدُ بِهِ التَّسْوِيَةُ وَإِنَّمَا قَصَدَ نَفْيَ الْفَارِقِ بين الْمَحَلَّيْنِ وقد جاء في ضِمْنِ ذلك الِاسْتِوَاءُ في الْعِلَّةِ وَالْقِيَاسُ هو الذي يُبْنَى على الْعِلَّةِ ابْتِدَاءً وَهَذَا لم يُبْنَ على الْعِلَّةِ وَإِنَّمَا جَاءَتْ فيه ضِمْنًا وَزَعَمَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ وَنَازَعَهُ ابن الْمُنِيرِ فإن الْقَائِلَ بِأَنَّهُ قِيَاسٌ يقول اللَّفْظُ مُنْقَطِعُ الدَّلَالَةِ لُغَةً عن الْفَرْعِ سَاكِتٌ عنه وَالْحُكْمُ فيه إنَّمَا يُتَلَقَّى من الْقِيَاسِ الْمَأْذُونِ فيه بِالْإِجْمَاعِ وَالْقَائِلُ بِأَنَّهُ اسْتِدْلَالٌ يقول لَفْظُ الْأَصْلِ يَتَنَاوَلُ الْفَرْعَ من جِهَةٍ ما لَكِنَّهُمَا اتَّفَقَا على أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ الْفَرْعَ بِالْمُطَابَقَةِ على حَدِّ تَنَاوُلِ الْأَصْلِ وَفَصَّلَ الْإِمَامُ في مَوْضِعٍ آخَرَ فقال الْوَجْهُ عِنْدَنَا إنْ كان في اللَّفْظِ إشْعَارٌ بِهِ فَلَا نُسَمِّيهِ قِيَاسًا كَقَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم من أَعْتَقَ شِرْكًا له في عَبْدٍ قُوِّمَ عليه فَهَذَا وَإِنْ كان في ذَكَرٍ فَالْعُبُودِيَّةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في الْأَمَةِ وقد قِيلَ لِلْأَمَةِ عَبْدَةٌ وَأَمَّا إذَا كان لم يَكُنْ لَفْظُ الشَّارِعِ مُشْعِرًا بِهِ فَهُوَ قِيَاسٌ قَطْعِيٌّ كَإِلْحَاقِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَرَقَ الْكَلْبِ بِلُعَابِهِ في الْعَدَدِ وَالتَّعْفِيرِ وفي دَعْوَى الْقَطْعِ في الثَّانِي نَظَرٌ
  187. النَّوْعُ السَّادِسُ ما هو أَوْلَى من الْمَنْصُوصِ كَالضَّرْبِ على التَّأْفِيفِ وَسَبَقَ أَوَّلَ الْبَابِ تَنْبِيهٌ أَعْلَى هذه الْأَقْسَامِ ما كان في مَعْنَى الْمَنْصُوصِ حتى اُخْتُلِفَ أَنَّهُ لَفْظِيٌّ أو قِيَاسٌ وهو الْقَطْعِيُّ ثُمَّ يَلِيهِ قِيَاسُ الْمَعْنَى ثُمَّ قِيَاسُ الدَّلَالَةِ ثُمَّ قِيَاسُ الشَّبَهِ وَهِيَ الْمَظْنُونَاتُ وَالْإِلْحَاقُ بِنَفْيِ الْفَارِقِ تَارَةً يَكُونُ قَطْعِيًّا وَتَارَةً يَكُونُ ظَنِّيًّا لِأَنَّ الْإِلْحَاقَ يَجِيءُ هَكَذَا تَارَةً وَتَارَةً وَيَأْتِي في التَّرْجِيحَاتِ
  188. الْبَابُ الْخَامِسُ فِيمَا يَجْرِي فيه الْقِيَاسُ وَفِيهِ مَسَائِلُ مَسْأَلَةٌ قال ابن عَبْدَانِ في شَرَائِطِ الْأَحْكَامِ شَرْطُ الْقِيَاسِ الصَّحِيحِ حُدُوثُ حَادِثَةٍ تُؤَدِّي الضَّرُورَةُ إلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِهِمَا لِأَنَّ النَّصَّ أَقْوَى من الْقِيَاسِ قال ابن الصَّلَاحِ وَالْأَوَّلُ يَأْبَاهُ وَضْعُ الْأَئِمَّةِ الْكُتُبَ الطَّافِحَةَ بِالْمَسَائِلِ الْقِيَاسِيَّةِ من غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالْحَادِثَةِ وَالثَّانِي غَرِيبٌ وَإِنَّمَا يُعْرَفُ ذلك بين الْمُنَاظِرِينَ في مَقَامِ الْجَدَلِ قُلْت وَكَأَنَّهُ جَرَى على ظَاهِرِ حديث مُعَاذٍ فإنه يُفْهِمُ عَدَمَ مَشْرُوعِيَّةِ الْقِيَاسِ عِنْدَ وِجْدَانِ النَّصِّ وهو ظَاهِرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ الْأَصْلُ قُرْآنٌ وَسُنَّةٌ فَإِنْ لم يَكُنْ فَقِيَاسٌ عَلَيْهِمَا لَكِنَّ هذا في الْعَمَلِ بِهِ لَا في صِحَّتِهِ في نَفْسِهِ وقد قال أبو زَيْدٍ في التَّقْوِيمِ قال الشَّافِعِيُّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْعُ حَادِثَةً فيها نَصٌّ فَيَزْدَادُ بِالْقِيَاسِ ما كان النَّصُّ سَاكِتًا عنه وَلَا يَجُوزُ إذَا كان مُخَالِفًا لِلنَّصِّ لِأَنَّ الْكَلَامَ وَإِنْ ظَهَرَ مَعْنَاهُ يَحْتَمِلُ الْبَيَانَ الزَّائِدَ وَلَا يَحْتَمِلُ الْخِلَافَ فَيَبْطُلُ الْقِيَاسُ إذَا جاء مُخَالِفًا وقال إلْكِيَا لَا يَمْتَنِعُ الْقِيَاسُ مع وُجُودِ النَّصِّ وَفَائِدَتُهُ تَشْحِيذُ الْخَاطِرِ وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ في شُرُوطِ الْفَرْعِ مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ إثْبَاتُ الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالْمُقَدَّرَاتِ التي لَا نَصَّ فيها وَلَا إجْمَاعَ بِالْقِيَاسِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ قَالَهُ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وَسُلَيْمٌ وابن السَّمْعَانِيِّ وَالْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ قال فَأَمَّا الِاسْتِدْلَال على الْمَنْصُوصِ عليها بِالْقِيَاسِ فَجَائِزٌ وِفَاقًا وَحَكَى الْبَاجِيُّ عن أَصْحَابِهِمْ كَقَوْلِنَا وَحَكَاهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ عن الْجُمْهُورِ من أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا وقال إنَّهُ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ وقد قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في الْأُمِّ وَلَا يَقْطَعُ من قُطَّاعِ الطَّرِيقِ إلَّا من أَخَذَ منهم رُبُعَ دِينَارٍ فَصَاعِدًا قِيَاسًا على السُّنَّةِ في
  189. السَّارِقِ وَيَتَّجِهُ أَنْ يُخَرَّجَ له في هذه قَوْلَانِ من اخْتِلَافِ قَوْلِهِ في تَحَمُّلِ الْعَاقِلَةِ الْأَطْرَافَ وَأُرُوشَ الْجِرَاحَاتِ وَالْحُكُومَاتِ فإنه قال في الْقَدِيمِ لَا يُضْرَبُ على الْعَاقِلَةِ لِأَنَّ الضَّرْبَ على خِلَافِ الْقِيَاسِ لَكِنْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ في النَّفْسِ فَيَقْتَصِرُ عليها وَلِهَذَا لَا قَسَامَةَ وَلَا كَفَّارَةَ في الْأَطْرَافِ وَالْمَشْهُورُ أنها تُضْرَبُ عليهم كَدِيَةِ النَّفْسِ قِيَاسًا بَلْ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَقَلُّ وقال الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ الذي يَثْبُتُ بِهِ الْقِيَاسُ في الشَّرْعِ هو الْأَحْكَامُ الْمُسْتَنْبَطَةُ من النُّصُوصِ فَأَمَّا الْأَسْمَاءُ وَالْحُدُودُ في الْمَقَادِيرِ فَفِي جَوَازِ اسْتِخْرَاجِهَا بِالْقِيَاسِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا يَجُوزُ إذَا تَعَلَّقَ بِأَسْمَاءِ الْأَحْكَامِ كَتَسْمِيَةِ النَّبِيذِ خَمْرًا لِوُجُودِ مَعْنَى الْخَمْرِ فيه وَيَجُوزُ أَنْ يُثْبِتَ الْمَقَادِيرَ قِيَاسًا كما قَدَّرْنَا أَقَلَّ الْحَيْضِ وَأَكْثَرَهُ وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ أبي هُرَيْرَةَ لِأَنَّ جَمِيعَهَا أَحْكَامٌ وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْأَسْمَاءَ مَأْخُوذَةٌ من اللُّغَةِ دُونَ الشَّرْعِ وَمَعَانِي الْحُدُودِ غَيْرُ مَعْقُولَةٍ وَالْمَقَادِيرُ مَشْرُوعَةٌ انْتَهَى وفي بَعْضِ النُّسَخِ أَنَّ الْأَوَّلَ هو الصَّحِيحُ لَكِنْ نُقِلَ في كِتَابِ الصِّيَامِ عن عَلِيِّ بن أبي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ أَوْجَبَ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ كَفَّارَةً فَوْقَ كَفَّارَةِ الْمُرْضِعِ وَالْحَامِلِ وَدُونَ كَفَّارَةِ الْمُجَامِعِ قال وَهَذَا مَذْهَبٌ لَا يَسْتَنِدُ إلَى خَبَرٍ وَلَا إلَى أَثَرٍ وَلَا قِيَاسٍ حَكَاهُ عنه الرَّافِعِيُّ قال صَاحِبُ الذَّخَائِرِ وقد حَكَى أَنَّهُ لَا وَقَصَ في النَّقْدَيْنِ فَيَجِبُ فِيمَا زَادَ على النِّصَابِ بِحِسَابِهِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَنَّهُ اعْتَبَرَهُ بِالْمَاشِيَةِ قال وهو فَاسِدٌ لِأَنَّهُ قِيَاسٌ في غَيْرِ مَحَلِّهِ سِيَّمَا على رَأْيِهِمْ فإن الْقِيَاسَ في الْمُقَدَّرَاتِ مَمْنُوعٌ انْتَهَى وقال الْأَصْحَابُ فِيمَا إذَا قُلْنَا يَمْسَحُ على الْجَبِيرَةِ بِالْمَاءِ هل يَتَقَدَّرُ مُدَّةُ الْمَسْحِ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِلْمُقِيمِ وَثَلَاثَةٍ لِلْمُسَافِرِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا لِأَنَّ التَّقْدِيرَ إنَّمَا يُعْرَفُ بِنَقْلٍ وَتَوْقِيفٍ ولم يَرِدْ وَنَقَلَ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ وَالشَّيْخُ في اللُّمَعِ عن الْجُبَّائِيُّ مِثْلَ قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَا وَقِيلَ يَجُوزُ إثْبَاتُ ذلك بِالِاسْتِدْلَالِ دُونَ الْقِيَاسِ وقال آخَرُونَ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ مَنَعَ بَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ جَرَيَانَ الْقِيَاسِ في الزَّكَاةِ وَالْحُدُودِ وَالْمَقَادِيرِ وَرُبَّمَا أَلْحَقَ بها الْكَفَّارَاتِ قال وما من بَابٍ إلَّا وَلَهُمْ فيه ضَرْبٌ من الْقِيَاسِ وَلَا تَعَلُّقَ لهم بِغَيْرِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ اسْتَعْمَلُوهُ في الْوَصْفِ إذَا ثَبَتَ بِغَيْرِ الْأَصْلِ وَمَنَعُوهُ في الْإِيجَابِ وَجَوَّزُوهُ في التَّرْكِ انْتَهَى وَذَكَرَ أبو عبد اللَّهِ الصَّيْمَرِيُّ من الْحَنَفِيَّةِ في كِتَابِهِ في الْأُصُولِ أَنَّهُ رُوِيَ عن أبي يُوسُفَ إثْبَاتُ الْحُدُودِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ قال فَيَجُوزُ على قَوْلِهِ إثْبَاتُهُ بِالْقِيَاسِ وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ خَبَرُ الْوَاحِدِ مُقَدَّمٌ على الْقِيَاسِ وَاحْتَجَّ الشَّيْخُ في اللُّمَعِ بِأَنَّ هذه الْأَحْكَامَ يَجُوزُ إثْبَاتُهَا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَجَازَ إثْبَاتُهَا
  190. بِالْقِيَاسِ كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ وَهَذِهِ الْعِلَّةُ تَبْطُلُ بِالنَّسْخِ وقد صَارَ الْمُزَنِيّ إلَى أَنَّ أَقَلَّ النِّفَاسِ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ لِأَنَّ أَكْثَرَ النِّفَاسِ مِثْلُ أَكْثَرِ الْحَيْضِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَلْيَكُنْ أَقَلُّهُ مع أَقَلِّهِ كَذَلِكَ وَخَالَفَهُ الْأَصْحَابُ وَقَالُوا أَقَلُّهُ سَاعَةٌ فَقَدْ خَالَفُوا الْأَصْلَ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ مَنَعَ أَصْحَابُ أبي حَنِيفَةَ جَرَيَانَ الْقِيَاسِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ وقال أبو الْحَسَنِ الْكَرْخِيّ لَا يَجُوزُ تَعْلِيلُ الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالْعِبَادَاتِ وَلِهَذَا مَنَعَ من قَطْعِ النَّبَّاشِ بِالْقِيَاسِ وَمَنَعَ من إيجَابِ الْحَدِّ على اللِّوَاطِ بِالْقِيَاسِ وَمَنَعَ من الصَّلَاةِ بِإِيمَاءِ الْحَاجِبِ بِالْقِيَاسِ وَمَنَعَ من إيجَابِ الْكَفَّارَةِ في قَتْلِ الْعَمْدِ بِالْقِيَاسِ قال وَلَا فَرْقَ في الْكَفَّارَاتِ الْجَارِيَةِ مَجْرَى الْعُقُوبَاتِ وَبَيْنَ ما لَا يَجْرِي مَجْرَى الْعُقُوبَاتِ وَمَنَعَ أَيْضًا من إثْبَاتِ النُّصُبِ بِالْقِيَاسِ قال وَلِهَذَا الْأَصْلِ لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ في الْفُصْلَانِ وَصِغَارِ الْغَنَمِ وَالْأَصَحُّ على مَذْهَبِنَا جَوَازُ الْقِيَاسِ في الْمَقَادِيرِ وَمَنَعَ الْكَرْخِيّ أَيْضًا أَنْ يُعَلَّلَ ما رُخِّصَ فيه لِنَوْعِ مُسَاهَلَةٍ كَأُجْرَةِ الْحَمَّامِ وَقَطْعِ السَّارِقِ وَالِاسْتِصْنَاعِ على أُصُولِهِمْ فِيمَا جَرَتْ الْعَادَةُ فيه مِثْلُ الْخِفَافِ وَالْأَوَانِي وَغَيْرِ ذلك وقد تَتَبَّعَ الشَّافِعِيُّ مَذْهَبَهُمْ وَأَبَانَ أَنَّهُمْ لم يَفُوا بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرُوهُ فقال الشَّافِعِيُّ أَمَّا الْحُدُودُ فَقَدْ كَثُرَتْ أَقْيِسَتُكُمْ فيها تَعَدَّيْتُمُوهَا إلَى الِاسْتِحْسَانِ وهو في مَسْأَلَةِ شُهُودِ الزِّنَى فَإِنَّهُمْ أَوْجَبُوا الْحَدَّ في تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ وَنَصُّوا أَنَّهُ اسْتِحْسَانٌ وَأَمَّا الْكَفَّارَاتُ فَقَدْ قَاسُوا الْإِفْطَارَ بِالْأَكْلِ على الْإِفْطَارِ بِالْوِقَاعِ وَقَاسُوا قَتْلَ الصَّيْدِ نَاسِيًا على قَتْلِهِ عَامِدًا مع تَقْيِيدِ النَّصِّ بِالْعَمْدِ في قَوْله تَعَالَى وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا وَأَمَّا الْمُقَدَّرَاتُ فَقَاسُوا فيها وَمِمَّا أَفْحَشُوا في ذلك تَقْدِيرُ عَدَدِ الدِّلَاءِ عِنْدَ وُقُوعِ الْفَأْرَةِ ثُمَّ أَدْخَلُوا تَقْدِيرًا على تَقْدِيرٍ فَقَدَّرُوا لِلْحَمَامِ غير تَقْدِيرِ الْعُصْفُورِ وَالْفَأْرَةِ وَقَدَّرُوا الدَّجَاجَةَ على تَقْدِيرِ الْحَمَامَةِ وَقَدَّرُوا الْخِرْصَ بِالْقُلَّتَيْنِ في الْعُشْرِ وَأَمَّا الرُّخَصُ فَقَدْ قَاسُوا فيها وَتَنَاهَوْا في الْقَصْدِ فإن الِاقْتِصَارَ على الْأَحْجَارِ في الِاسْتِجْمَارِ من أَظْهَرِ الرُّخَصِ ثُمَّ اعْتَقَدُوا أَنَّ كُلَّ نَجَاسَةٍ نَادِرَةٍ أو مُعْتَادَةٍ مَقِيسَةٌ على الْأَثَرِ اللَّاصِقِ بِمَحَلِّ النَّجْوِ وَانْتَهَوْا في ذلك إلَى نَحْوِ نَفْيِ إيجَابِ اسْتِكْمَالِ الْأَحْجَارِ مع قَطْعِ كل مُنْصِفٍ بِأَنَّ الَّذِينَ عَاصَرُوا النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَهِمُوا هذا التَّخْفِيفَ منه في هذا الْمَوْضِعِ لِشِدَّةِ الْبَلْوَى ثُمَّ قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَمِنْ شَنِيعِ ما قالوا في الرُّخَصِ إثْبَاتُهُمْ لها على خِلَافِ وَضْعِ الشَّرْعِ فيها فَإِنَّهَا شُرِعَتْ تَخْفِيفًا وَإِعَانَةً على ما يُعَانِيهِ الْمَرْءُ في سَفَرِهِ من كَثْرَةِ أَشْغَالٍ قَاسُوهَا في سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ فَهَذَا الذي ذَكَرُوهُ يَزِيدُ على الْقِيَاسِ إذْ الْقِيَاسُ تَقْدِيرُ الْمَنْصُوصِ عليه قَرَارُهُ وَإِلْحَاقُ غَيْرِهِ بِهِ وَهَذَا قَلْبُ الْمَوْضُوعِ الْمَنْصُوصِ في
  191. الرُّخَصِ الْكُلِّيَّةِ قال ابن السَّمْعَانِيِّ وَلَيْسَ كُلٌّ من هذه الْمَذْكُورَاتِ يَجُوزُ الْقِيَاسُ فيها بَلْ الضَّابِطُ أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ جَازَ أَنْ يُسْتَنْبَطَ منه مَعْنًى مُخَيَّلٌ من كِتَابٍ أو سُنَّةٍ فإنه مُعَلَّلٌ وما لَا يَصِحُّ منه مِثْلُ هذا لَا يُعَلَّلُ سَوَاءٌ كان من الْحُدُودِ أو الْكَفَّارَاتِ ثُمَّ قد تَنْقَسِمُ الْعِلَلُ أَقْسَامًا فَقِسْمٌ يُعَلَّلُ جُمْلَتُهُ لَا تَفْصِيلُهُ وهو كُلُّ ما يُمْكِنُ إبْدَاءُ مَعْنًى من أَصْلِهِ وَفَرْعِهِ وَقِسْمٌ يُعَلَّلُ جُمْلَتُهُ وَتَفْصِيلُهُ لِعَدَمِ اطِّرَادِ التَّعْلِيلِ في التَّفَاصِيلِ وَقِسْمٌ آخَرُ لَا تُعَلَّلُ جُمْلَتُهُ لَكِنْ بَعْدَ ثُبُوتِ جُمْلَتِهِ تُعَلَّلُ تَفَاصِيلُهُ كَالْكِتَابَةِ وَالْإِجَازَةِ وَفُرُوعِ تَحَمُّلِ الْعَاقِلَةِ وقد يُوجَدُ قِسْمٌ لَا يَجْرِي التَّعْلِيلُ في جُمْلَتِهِ وَتَفَاصِيلِهِ كَالصَّلَاةِ وما تَشْتَمِلُ عليه من الْقِيَامِ وَالسُّجُودِ وَغَيْرِهِ وَرُبَّمَا يَدْخُلُ فيه الزَّكَاةُ وَمَقَادِيرُ الْأَنْصِبَةِ وَالْأَوْقَاصُ انْتَهَى وقال إلْكِيَا نُقِلَ عن زُعَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ امْتِنَاعُ الْقِيَاسِ في التَّقْدِيرَاتِ وَالْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالرُّخَصِ وَلِذَلِكَ مَنَعُوا إثْبَاتَ حَدِّ السَّارِقِ في الْمُخْتَلِسِ وَحُكِيَ عن أبي حَنِيفَةَ ما يَدُلُّ على ذلك فإنه لم يُثْبِتْ لِهَذَا الْمُحْصَرِ بَدَلًا عن الصَّوْمِ وقال إنَّهُ يَقْتَضِي إثْبَاتَ عِبَادَةٍ مُبْتَدَأَةٍ وكان يقول إنَّ النُّصُبَ لَا يَصِحُّ أَنْ تُبْتَدَأَ بِقِيَاسٍ وَلَا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَلِذَلِكَ اعْتَدَّ في إسْقَاطِ الزَّكَاةِ في الْفَصِيلِ وكان يُجَوِّزُ أَنْ يَعْمَلَ الْقِيَاسُ في نُصُبِ ما قد يَثْبُتُ الزَّكَاةُ فيها كما يُجَوِّزُ أَنْ يَعْمَلَ الْقِيَاسُ في صِفَةِ الْعِبَادَةِ من وُجُوبٍ وَغَيْرِهِ وَلِذَلِكَ قَبِلُوا خَبَرَ الْوَاحِدِ في إثْبَاتِ النِّصَابِ فِيمَنْ زَادَ على الْمِائَتَيْنِ وفي وُجُوبِ الْوَتْرِ فَقِيلَ لهم تَكَلَّمَ الناس في الْحُدُودِ وَالْأَيْمَانِ بِالْقِيَاسِ فَأَجَابُوا أَنَّهُ ليس لِأَجْلِ إثْبَاتِ حَدٍّ بِهِ وَإِنَّمَا تَكَلَّمُوا لِبَيَانِ الشُّبَهِ الْمُسْقِطَةِ له مع تَحَقُّقِ إثْبَاتِهَا وَسُقُوطُ الْحَدِّ ليس بِحَدٍّ فَيَصِحُّ الْقِيَاسُ وَأَوْجَبُوا الْكَفَّارَةَ على الْقَتْلِ قِيَاسًا على الْمُجَامِعِ وَعَلَى الْمَرْأَةِ كَالرَّجُلِ وَعَلَى الْمُجَامِعِ نَاسِيًا في الْإِحْرَامِ كما لو قَتَلَ الصَّيْدَ خَطَأً وَلَيْسَ في ذلك شَيْءٌ من نَصٍّ وَلَا عُمُومٍ وَلَا إجْمَاعٍ فَأَجَابُوا بِأَنَّ هذا لم نَعْلَمْهُ قِيَاسًا بَلْ اسْتِدْلَالًا بِالْأُصُولِ على الْأَحْكَامِ مُغَايِرٌ لِلْقِيَاسِ لِنَحْوِ السِّرِّ وَهَذَا كُلُّهُ مَرْدُودٌ لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ فيها غَيْرُ الْقِيَاسِ ثُمَّ بَيَّنَ ذلك وَأَطَالَ وقال الذي يَسْتَقِيمُ مَذْهَبًا لِلْمُحَصِّلِ على ما يَرَاهُ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ إنَّمَا قال ذلك في إجْرَاءِ الْقِيَاسِ في أُصُولِ الْكَفَّارَاتِ وَأُصُولِ الْحُدُودِ كَإِلْحَاقِ الرِّدَّةِ وَالْقَذْفِ بِالْقَتْلِ في الْكَفَّارَةِ وَكَإِلْحَاقِ من يُكَاتِبُ وَيُطْلِعُهُمْ على عَوْرَاتِنَا بِالسَّارِقِ من حَيْثُ إنَّ ذلك يَقْتَضِي التَّصَرُّفَ في عَلَائِقِ غَيْبٍ لَا يُهْتَدَى إلَيْهِ فَانْعَدَمَ طَرِيقُ الْقِيَاسِ فَامْتَنَعَ الْقِيَاسُ من حَيْثُ إنَّ الذي يُكَاتِبُ الْكُفَّارَ وَإِنْ زَادَ ضَرَرُ فِعْلِهِ على ضَرَرِ السَّارِقِ الْوَاحِدِ فَهُوَ بِالْإِضَافَةِ إلَى سَارِقٍ وَاحِدٍ أَمَّا بِالْإِضَافَةِ إلَى الْجِنْسِ فَلَا من حَيْثُ إنَّ السَّرِقَةَ
  192. مِمَّا يَتَشَوَّفُ إلَيْهَا الرَّعَاعُ بِخِلَافِ مُكَاتَبَةِ الْمُسْلِمِ فَإِنَّهَا لَا تَكَادُ تُوجَدُ أو لَا يَظْهَرُ اسْتِوَاءُ السَّبَبِ فَكُلُّ ما كان من هذا الْجِنْسِ فَلَا يَجْرِي فيه الْقِيَاسُ لِفَقْدِ الشَّرْطِ تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ أَشَارَ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ إلَى أَنَّ الْجَارِيَ في الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ ليس قِيَاسًا بَلْ هو تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ وَكَذَلِكَ في الْأَسْبَابِ وَنَازَعَهُ الْعَبْدَرِيّ في الْأَسْبَابِ وقال هِيَ تَخْرِيجٌ لَا تَنْقِيحٌ الثَّانِي قال بَعْضُهُمْ الْمُرَادُ بِجَرَيَانِهِ في الْحُدُودِ زِيَادَةُ عُقُوبَةٍ في الْحَدِّ لِوُجُودِ عِلَّةٍ تَقْتَضِي الزِّيَادَةَ كَزِيَادَةِ التَّعْزِيرِ في حَقِّ الشُّرْبِ وَتَبْلِيغِهِ إلَى ثَمَانِينَ قِيَاسًا على حَدِّ الْقَذْفِ أَمَّا إنْشَاءُ حَدٍّ بِالْقِيَاسِ على حَدٍّ فَلَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ الثَّالِثُ ذَكَرَ في الْمَحْصُولِ تَبَعًا لِلشَّيْخِ في اللُّمَعِ أَنَّ الْعَادَاتِ لَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ فيها وَمَثَّلَهُ بِأَقَلِّ الْحَيْضِ وَأَكْثَرِهِ وَهَذَا مُخَالِفٌ لِتَمْثِيلِ الْمَاوَرْدِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ السَّابِقِ لِأَنَّهُ مَثَّلَ بِهِ لِلْمَقَادِيرِ وقد خَطَّأَ من قَاسَ في الْعِبَادَاتِ بِأَنَّ هذه أَمْرٌ وُجُودِيٌّ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْقِيَاسُ لِإِثْبَاتِ ذلك الْمَوْجُودِ في مَحَلٍّ آخَرَ فَفَاسِدٌ لِأَنَّ الْأُمُورَ الْوُجُودِيَّةَ لَا تَطَّرِدُ على نِظَامٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ ليس حُكْمًا شَرْعِيًّا حِينَئِذٍ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ فَإِنْ كانت الْعَادَةُ مَوْجُودَةً في هذا الْفَرْعِ أَثْبَتْنَا الْحُكْمَ فيها فَلَا حَاجَةَ إلَى الْأَصْلِ لِأَنَّهُ مُسَاوٍ لِلْفَرْعِ حِينَئِذٍ في سَبَبِ الْحُكْمِ وَإِنْ لم يُبَيَّنْ وُجُودُهُ فَالْحُكْمُ مُثْبِتٌ لِانْتِفَاءِ عِلَّتِهِ الرَّابِعُ أَنَّ سَبَبَ وَضْعِ هذه الْمَسْأَلَةِ فِيمَا ذَكَرَهُ ابن الْمُنِيرِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قد اُشْتُهِرَ عنه الْقَوْلُ بِالْقِيَاسِ وَالْإِقْبَالُ على الرَّأْي وَالتَّقْلِيلُ من التَّوْقِيفِ وَالْأَحَادِيثِ فَتَبَرَّأَ أَصْحَابُهُ من ذلك فَأَظْهَرُوا أَنَّهُمْ امْتَنَعُوا من الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ في كَثِيرٍ من الْقَوَاعِدِ التي قَاسَ فيها أَصْحَابُ الحديث قُلْت وَكَذَلِكَ مَنَعَهُمْ من التَّعْلِيلِ بِالْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ فَهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّا أَقْوَلُ بِالْقِيَاسِ منهم الْخَامِسُ سَبَقَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ مَنَعَ الْقِيَاسَ في الْكَفَّارَاتِ ثُمَّ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ على الْمُفْطِرِ بِغَيْرِ الْجِمَاعِ وَالشَّافِعِيُّ مع أَنَّهُ حُكِيَ عنه جَوَازُ الْقِيَاسِ فيها فإنه لَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ في غَيْرِ الْوِقَاعِ وَلِهَذَا قال بَعْضُ الْفُقَهَاءِ ما أَجْدَرَ كُلًّا من الْإِمَامَيْنِ أَنْ يَنْتَحِلَ في هذه الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبَ صَاحِبِهِ يَعْنِي أَنَّ قِيَاسَ الْقَوْلِ بِالْقِيَاسِ في الْكَفَّارَاتِ عَدَمُ
  193. تَخْصِيصِهَا بِالْوِقَاعِ دُونَ سَائِرِ الْمُفْطِرَاتِ وَقِيَاسُ عَدَمِ الْقِيَاسِ عَدَمُ إيجَابِ الْكَفَّارَةِ في غَيْرِ الْوِقَاعِ وَهَذَا الْقَوْلُ جَهْلٌ بِمَدَارِكِ الْأَئِمَّةِ فَإِنَّهُمْ وَإِنْ أَثْبَتُوا بِالْحَدِيثِ الْمَأْمُورَ بِهِ بِالْكَفَّارَةِ بِمُطْلَقِ الْإِفْطَارِ فَهَذَا الْمُطْلَقُ هو الْمُقَيَّدُ بِالْجِمَاعِ وقد يُمْكِنُ أَنْ يُبْنَى الْخِلَافُ في الْقِيَاسِ في الْكَفَّارَاتِ على أَنَّهُ هل يَجِبُ على الْمُجْتَهِدِ الْبَحْثُ عن كل مَسْأَلَةٍ هل يَجْرِي الْقِيَاسُ فيها أَمْ لَا وَهَلْ قام الدَّلِيلُ على أَنَّ أَدِلَّةَ الْقِيَاسِ عَامَّةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى آحَادِ الْمَسَائِلِ وَأَنَّ الْعِلَّةَ الْجَامِعَةَ بين الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ في صُورَةِ الْخِلَافِ الْخَاصَّةِ صَحِيحَةٌ مُعْتَبَرَةٌ في نَظَرِ الشَّرْعِ وَخَلِيَّةٌ عن الِاعْتِبَارِ وقد أَشَارَ ابن السَّمْعَانِيِّ إلَى هذا الْبِنَاءِ الْمَذْكُورِ مَسْأَلَةٌ قال في الْمَحْصُولِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ جَوَازُ الْقِيَاسِ في الرُّخَصِ وهو ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ فِيمَا سَبَقَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ في الْبُوَيْطِيِّ على امْتِنَاعِ الْقِيَاسِ فقال في أَوَائِلِهِ لَا يُتَعَدَّى بِالرُّخْصَةِ مَوَاضِعُهَا وقال في الْأُمِّ لَا يُقَاسُ عليه وَكَذَلِكَ إنْ حَرَّمَ جُمْلَةً وَأَحَلَّ بَعْضَهَا وَكَذَلِكَ إنْ فَرَضَ شيئا رَخَّصَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم التَّخْفِيفَ في بَعْضِهِ ثُمَّ قال وما كان له حُكْمٌ مَنْصُوصٌ ثُمَّ كانت لِرَسُولِهِ سُنَّةٌ بِتَخْفِيفٍ في بَعْضِ الْفَرْضِ دُونَ بَعْضٍ عُمِلَ بِالرُّخْصَةِ فِيمَا رَخَّصَ فيه دُونَ ما سِوَاهَا ولم نَقِسْ ما سِوَاهَا عليها وَهَكَذَا ما كان لِرَسُولِ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم من حُكْمٍ عَامٍّ لِشَيْءٍ ثُمَّ سَنَّ فيه سُنَّةً تُفَارِقُ حُكْمَ الْعَامِّ كَمَسْحِ الْخُفَّيْنِ وَالْعَرَايَا هذا لَفْظُهُ وَذَكَرَ في الرِّسَالَةِ مثله وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ من الْأُمِّ وَلَا يُقَاسُ إلَّا ما عَقَلْنَا مَعْنَاهُ وَلِهَذَا قُلْنَا في الْمَسْحِ على الْخُفَّيْنِ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِمَا عِمَامَةٌ وَلَا بُرْقُعٌ وَلَا قُفَّازَانِ وَكَذَلِكَ الْقَسَامَةُ وفي مَوْضِعٍ آخَرَ إنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَتَحَلَّلُ بِالْمَرَضِ وَالتَّحَلُّلُ رُخْصَةٌ فَلَا يُتَعَدَّى بها مَوَاضِعُهَا كما أَنَّ الْمَسْحَ على الْخُفِّ رُخْصَةٌ فلم يُقَسْ عليه مَسْحُ الْعِمَامَةِ انْتَهَى وَجَرَى على ذلك جَمَاعَةٌ من أَصْحَابِنَا منهم الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ فقال لَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ عِنْدَنَا على الرُّخَصِ وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّهَا تَكُونُ مَعْدُولًا بها عن الْأَصْلِ وما عَدَا مَحَلِّ الرُّخْصَةِ يَبْقَى على الْأَصْلِ وقال الْقَاضِي الْحُسَيْنُ في تَعْلِيقِهِ لَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ في الرُّخَصِ وَلِهَذَا لَمَّا كان الْأَصْلُ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ ثُمَّ رُخِّصَ في مَحَلِّ الْخُفِّ الْمَسْحُ لِلضَّرُورَةِ
  194. فَلَا يُقَاسُ عليه مَسْحُ الْقَلَنْسُوَةِ وَالْعِمَامَةِ وَالْأَصْلُ أَنَّ من تَلَبَّسَ بِالْإِحْرَامِ لَا يَنْقَضِي عنه إلَّا بِالْإِتْمَامِ وَرُخِّصَ لِلْمُحْصَرِ بِالْعَدْوِ في التَّحَلُّلِ ثُمَّ لَا يُقَاسُ عليه الْمَصْدُودُ بِالْمَرَضِ وَالْأَصْلُ أَنْ لَا يَضْمَنَ الْمَيِّتُ فَأَوْجَبَ الْغُرَّةَ في الْجَنِينِ لَا على الْقِيَاسِ ثُمَّ لَا يُقَاسُ عليه سَائِرُ الرُّخَصِ وَالْأَصْلُ أَنَّ الْجِنَايَةَ تُوجِبُ على الْجَانِي فَاسْتَثْنَى منه جِنَايَةَ الْخَطَأِ ثُمَّ لَا يُقَاسُ عليها غَيْرُهَا وقال إلْكِيَا إنَّمَا نَمْنَعُ الْقِيَاسَ على الرُّخَصِ إذَا كانت مَبْنِيَّةً على حَاجَاتٍ خَاصَّةٍ لَا تُوجَدُ في غَيْرِ مَحَلِّ الرُّخْصَةِ فَيَمْتَنِعُ الْقِيَاسُ لِعَدَمِ الْجَامِعِ كَغَيْرِ الْمُسَافِرِ يُعْتَبَرُ بِالْمُسَافِرِ في رُخَصِ السَّفَرِ إذْ يَتَضَمَّنُ إبْطَالَ تَخْصِيصِ الشَّرْعِ وقد يَمْتَنِعُ أَيْضًا مع شُمُولِ الْحَاجَةِ إذَا لم يَبِنْ عِنْدَنَا اسْتِوَاءُ السَّبَبَيْنِ في الْحَاجَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى شَرْعِ الْقَصْرِ مع أَنَّ الْمَرِيضَ خُفِّفَ عنه في بَعْضِ الْجِهَاتِ ذلك في الرُّخْصَةِ سَدًّا لِحَاجَتِهِ كَالْقُعُودِ في الصَّلَاةِ وَذَلِكَ تَخْفِيفٌ في الْأَرْكَانِ مُقَابِلٌ لِلتَّخْفِيفِ في عَدَدِ الرَّكَعَاتِ انْتَهَى وَأَلْحَقَ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ الْقِيَاسَ على الرُّخَصِ بِالْقِيَاسِ على الْمَخْصُوصِ وَسَيَأْتِي فيه التَّفْصِيلُ الْآتِي قال وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَنْعُ عنه لِأَنَّ عِلَّتَهُ قَاصِرَةٌ عليه لَا من حَيْثُ كَوْنُهُ رُخْصَةً وقال الْقُرْطُبِيُّ يَحْتَمِلُ التَّفْصِيلَ بين أَنْ لَا يَظْهَرَ لِلرُّخْصَةِ مَعْنًى فَلَا يُقَاسُ عليها وَبَيْنَ أَنْ يَظْهَرَ فَيُقَاسُ وَيَنْزِلُ الْخِلَافُ على هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ وَرَأَيْت في كَلَامِ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ التَّفْصِيلَ بين أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ الْمَقِيسُ عليه مَنْصُوصًا فَيَجُوزُ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ اجْتِهَادًا فَلَا فَحَصَلَ مَذَاهِبُ أَمْثِلَةٌ لِلْقِيَاسِ في الرُّخَصِ وقد اسْتَعْمَلَ أَصْحَابُنَا الْقِيَاسَ في الرُّخَصِ فِيمَا سَبَقَ فَلْنُشِرْ إلَى ذلك أَدْنَى إشَارَةٍ فإنه يَعِزُّ اسْتِحْضَارُهُ وَمِنْهَا أَنَّ السَّلَمَ رُخْصَةٌ وَرَدَ مُقَيَّدًا بِالْأَجَلِ وَجَوَّزَهُ أَصْحَابُنَا حَالًّا لِأَنَّهُ إذَا جَازَ مُؤَجَّلًا مع الْغَرَرِ فَلَأَنْ يَجُوزَ حَالًّا أَوْلَى لِقِلَّةِ الْغَرَرِ وقد يُنَازَعُ في كَوْنِهِ هذا قِيَاسًا وَإِنَّمَا هو من بَابِ دَلَالَةِ الْفَحْوَى أَيْ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ وفي كَوْنِهَا قِيَاسًا خِلَافٌ على أَنَّ الْغَزَالِيَّ في الْمُسْتَصْفَى أَبْدَى في كَوْنِ السَّلَمِ رُخْصَةً احْتِمَالَيْنِ له وَمِنْهَا ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ النَّهْيُ عن الْمُزَابَنَةِ وَهِيَ بَيْعُ الرُّطَبِ على النَّخْلِ بِالتَّمْرِ ثُمَّ وَرَدَ التَّرْخِيصُ في الْعَرَايَا وَهِيَ بَيْعُ الرُّطَبِ على النَّخْلِ بِتَمْرٍ في الْأَرْضِ كَذَلِكَ مُفَسَّرًا من طَرِيقِ زَيْدِ بن ثَابِتٍ وَغَيْرِهِ وَأَلْحَقَ أَصْحَابُنَا بِهِ الْعِنَبَ بِجَامِعِ أَنَّهُ زَكَوِيٌّ يُمْكِنُ
  195. خَرْصُهُ وَيُدَّخَرُ بِالسَّنَةِ فَكَانَ كَالرُّطَبِ وَإِنْ لم يَشْمَلْهُ الِاسْمُ قال ابن الرِّفْعَةِ وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ في الْأُمِّ يَدُلُّ على أَنَّ الْأَصْلَ الرُّطَبُ وَالْعِنَبُ مَقِيسٌ عليه وَلَكِنَّ الْمَاوَرْدِيَّ في الْحَاوِي حَكَى خِلَافًا فقال اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هل جَازَتْ الرُّخْصَةُ في الْكَرْمِ نَصًّا أو قِيَاسًا على وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا وهو قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ إنَّهَا نَصٌّ فَرَوَوْا عن زَيْدِ بن ثَابِتٍ أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَرْخَصَ في الْعَرَايَا وَالْعَرَايَا بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ وَالْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ وَالثَّانِي وهو قَوْلُ أبي عَلِيِّ بن أبي هُرَيْرَةَ وَطَائِفَةٍ من الْبَغْدَادِيِّينَ إنَّهَا جَازَتْ قِيَاسًا على النَّخْلِ لِبُرُوزِ ثَمَرَتِهَا وَإِمْكَانِ الْخَرْصِ فِيهِمَا وَتَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بِهِمَا قُلْت وَالظَّاهِرُ تَرْجِيحُ الثَّانِي وهو الذي يَدُلُّ عليه كَلَامُ الشَّافِعِيِّ وما ذَكَرَهُ الْأَوَّلُونَ عن زَيْدِ بن ثَابِتٍ غَيْرُ ثَابِتٍ بَلْ الْمَعْرُوفُ عنه خِلَافُهُ وقد رَوَى الْبُخَارِيُّ عنه في صَحِيحِهِ أَنَّهُ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ رَخَّصَ بَعْدَ ذلك في بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِالرُّطَبِ أو بِالتَّمْرِ ولم يُرَخَّصْ في غَيْرِهِ وَمِنْ تَوَابِعِ ذلك أَنَّهُ هل يَلْتَحِقُ بِهِمَا ما سِوَاهُمَا من الْأَشْجَارِ قَوْلَانِ مَدْرَكُهُمَا جَوَازُ الْقِيَاسِ في الرُّخَصِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَلْحَقُ وَمِنْهَا أَنَّ الصَّلَاةَ تَحْرُمُ عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ وَاسْتُثْنِيَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ لِحَدِيثِ أبي هُرَيْرَةَ فيه يُسْتَثْنَى بَاقِي الْأَوْقَاتِ في يَوْمِ الْجُمُعَةِ فيه وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا نعم كَوَقْتِ الِاسْتِوَاءِ تَخْصِيصًا لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ وَتَفْضِيلًا له وَأَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ قد وَرَدَتْ في وَقْتِ الِاسْتِوَاءِ خَاصَّةً فَلَا يَلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ لِقُوَّةِ عُمُومِ النَّهْيِ وَمِنْهَا الرُّخْصَةُ في مَسْحِ الْخُفِّ وَرَدَتْ وَهِيَ مَقْصُورَةٌ على الضَّرُورَةِ فَلَا يُلْحَقُ بها الْجُرْمُوقُ على الْجَدِيدِ لِأَنَّ الْحَاجَةَ لَا تَدْعُو إلَيْهِ فَلَا تَتَعَلَّقُ الرُّخْصَةُ بِهِ وَاسْتَشْكَلَ هذا بِتَجْوِيزِ الْمَسْحِ على الْخُفِّ الزُّجَاجِ وَالْخَشَبِ وَالْحَدِيدِ وَمِنْهَا لو مَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ كَفَى وهو الْأَكْمَلُ لِوُرُودِهِ في مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ من حديث جَابِرٍ وفي الِاقْتِصَارِ على الْأَسْفَلِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ فَيَقْتَصِرُ على الْوَارِدِ وَمِنْهَا التَّيَمُّمُ لِلْفَرْضِ رُخْصَةً لِلضَّرُورَةِ وفي جَوَازِهِ لِلنَّافِلَةِ
  196. خِلَافٌ وَمِنْهَا النِّيَابَةُ في حَجِّ الْفَرْضِ عن الْمَعْضُوبِ رُخْصَةٌ كما صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَغَيْرُهُ وَلَوْ اسْتَنَابَ في حَجِّ التَّطَوُّعِ جَازَ في الْأَصَحِّ وَمِنْهَا أَنَّ الرُّخْصَةَ وَرَدَتْ فِيمَنْ أَقَامَ بِبَلَدٍ لِحَاجَةٍ يَتَوَقَّعُهَا كُلَّ وَقْتٍ فَلَهُ أَنْ يَقْصُرَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَلَا يَجُوزُ له التَّرَخُّصُ بِغَيْرِ ذلك لَكِنْ هل يَتَعَدَّى هذا الْحُكْمُ لِبَاقِي الرُّخْصِ من الْجَمْعِ وَالْفِطْرِ وَالْمَسْحِ وَغَيْرِهَا لم يَتَعَرَّضْ له الْجُمْهُورُ وَيُحْتَمَلُ إلْحَاقُهُ بِنَاءً على جَوَازِ الْقِيَاسِ في الرُّخْصَةِ وقد نَصَّ عليه الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ وَيُحْتَمَلُ مَنْعُهُ من جِهَةِ أَنَّا مَنَعْنَا الزِّيَادَةَ على هذه الْمُدَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقَصْرِ مع وُرُودِ أَصْلِهِ فَلَأَنْ يَمْتَنِعَ رُخَصُ ما لم يَرِدْ أَصْلُهُ أَوْلَى وَمِنْهَا أَنَّ الرُّخْصَةَ وَرَدَتْ بِالْجَمْعِ بين الصَّلَاتَيْنِ بِالْمَطَرِ وَأَلْحَقُوا بِهِ الثَّلْجَ وَالْبَرَدَ إنْ كَانَا يَذُوبَانِ وَقِيلَ لَا يُرَخَّصَانِ اتِّبَاعًا لِلَفْظِ الْمَطَرِ وَمِنْهَا قال الرُّويَانِيُّ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بين الْجُمُعَةِ وَالْعَصْرِ بِعُذْرِ الْمَطَرِ تَأْخِيرًا وَكَذَا تَقْدِيمًا في أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ رُخْصَةٌ في وَقْتٍ مَخْصُوصٍ فَلَا يُقَاسُ عليه وَالْمَشْهُورُ الْجَوَازُ وَمِنْهَا أَنَّ صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ لَا تَخْتَصُّ بِالْقِتَالِ بَلْ لو رَكِبَ الْإِنْسَانُ سَيْلًا يَخَافُ الْغَرَقَ وَغَيْرَهُ من أَسْبَابِ الْهَلَاكِ فإنه يُصَلِّي وَلَا يُعِيدُ قِيَاسًا على الصَّلَاةِ في الْقِتَالِ وَأَجَابَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في النِّهَايَةِ إذْ قال من أَصْلِكُمْ أَنَّ الرُّخَصَ لَا تُتَعَدَّى مَوَاضِعُهَا وَلِذَلِكَ لم يُثْبِتُوا رُخَصًا في حَقِّ الْمَرِيضِ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ هذا بِالنَّصِّ وهو عُمُومٌ قَوْله تَعَالَى فَإِنْ خِفْتُمْ وَالثَّانِي أَنَّا نُجَوِّزُ الْقِيَاسَ في الرُّخَصِ إذَا لم يَمْنَعْ مَانِعٌ وَالْإِجْمَاعُ يَمْنَعُ من إجْرَاءِ رُخَصِ السَّفَرِ في الْمَرَضِ وَمِنْهَا أَنَّ صَوْمَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لَا يَجُوزُ في الْجَدِيدِ وَيَجُوزُ في الْقَدِيمِ لِلْمُتَمَتِّعِ إذَا
  197. عُدِمَ الْهَدْيُ وفي جَوَازِهِ لِغَيْرِهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ لِأَنَّ النَّهْيَ عَامٌّ وَالرُّخْصَةُ في حَقِّ الْمُتَمَتِّعِ وَمِنْهَا قال الرَّافِعِيُّ وَرَدَتْ السُّنَّةُ بِالْمُسَاقَاةِ على النَّخْلِ وَالْكَرْمِ في مَعْنَاهُ وفي الْكِفَايَةِ قِيلَ إنَّ الشَّافِعِيَّ قَاسَ على النَّخْلِ وَقِيلَ أَخَذَهُ من النَّصِّ وَمِنْهَا الْمَبِيتُ بِمِنًى لِلْحَاجِّ وَاجِبٌ وقد رُخِّصَ في تَرْكِهِ لِلرُّعَاةِ وَأَهْلِ سِقَايَةِ الْعَبَّاسِ فَهَلْ يَلْتَحِقُ بِهِمْ الْمَعْذُورُ كَأَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مَرِيضٌ مَنْزُولٌ بِهِ مُحْتَاجٌ لِتَعَهُّدِهِ أو كان بِهِ مَرَضٌ يَشُقُّ عليه الْمَبِيتُ أو له بِمَكَّةَ مَالٌ يَخَافُ ضَيَاعَهُ فيه وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا نعم قِيَاسًا على الْعُذْرِ وَالثَّانِي الْمَنْعُ وَالرُّخْصَةُ وَرَدَتْ لهم خَاصَّةً قال في الْبَحْرِ فَلَوْ عَمِلَ أَهْلُ الْعَبَّاسِ أو غَيْرُهُمْ في غَيْرِ سِقَايَتِهِ هل يَجُوزُ لهم تَرْكُ الْمَبِيتِ وَالرَّمْيُ فيه وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا وَالثَّانِي نعم قِيَاسًا عليهم وَهَكَذَا ذَكَرَهُ أبو حَامِدٍ وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ في الْأَوْسَطِ على أَنَّهُ لَا يُشْرِكُهُ بَاقِي السِّقَايَاتِ وَبِهَذَا يَعْتَرِضُ على تَصْحِيحِهِ في الرَّوْضَةِ الْجَوَازَ الْقِيَاسُ في الْمُقَدَّرَاتِ مِيقَاتُ الْمُحْرِمِ من الْعِرَاقِ ذَاتُ عِرْقٍ وَاخْتَلَفُوا هل هو بِالنَّصِّ عليه كَبَاقِي الْمَوَاقِيتِ أو بِاجْتِهَادِ عُمَرَ فيه وَجْهَانِ صَحَّحَ النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ الثَّانِيَ وهو نَصُّ الْإِمَامِ في الْأُمِّ وَصَحَّحَ الْجُمْهُورُ الْأَوَّلَ كما قَالَهُ في شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَلَوْ جاء الْغَرِيبُ من نَاحِيَةٍ لَا يُحَاذِي في طَرِيقِهِ مِيقَاتًا لَزِمَهُ أَنْ يُحْرِمَ إذَا لم يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ إلَّا مَرْحَلَتَانِ قِيَاسًا على قَضَاءِ عُمَرَ في تَأْقِيتِ ذَاتِ عِرْقٍ لِأَهْلِ الشَّرْقِ قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ تَفَقُّهًا وَتَابَعَهُ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ الْقِيَاسُ في الْكَفَّارَاتِ منها الْيَمِينُ الْغَمُوسُ وَكَفَّارَةُ الْقَتْلِ وَالْعُدْوَانِ وَنَحْوِهِمَا فَإِنَّهُمْ أَثْبَتُوهَا قِيَاسًا وَمِنْهَا لو رَأَى مُشْرِفًا على الْهَلَاكِ يَغْرَقُ أو غَيْرُهُ وكان في تَخْلِيصِهِ الْإِفْطَارُ لَزِمَهُ وَيَقْضِي وفي الْفِدْيَةِ وَجْهَانِ أَظْهَرُهُمَا الْوُجُوبُ قِيَاسًا على الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ
  198. وَمِنْهَا وهو مُخَالِفٌ لِمَا سَبَقَ من أَفْطَرَ عَمْدًا بِغَيْرِ الْجِمَاعِ في رَمَضَانَ لِأَنَّهُ لم يَرِدْ فيه تَوْقِيفٌ الْقِيَاسُ في الْجَوَابِرِ على الْمُتَمَتِّعِ دَمٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَيَجِبُ على الْقَارِنِ بِالْقِيَاسِ فإن أَفْعَالَ الْمُتَمَتِّعِ أَكْثَرُ من أَفْعَالِ الْقَارِنِ وإذا وَجَبَ عليه الدَّمُ فَلَأَنْ يَجِبَ على الْقَارِنِ أَوْلَى وهو دَمُ حُرْمَةٍ على الْأَصَحِّ لَا نُسُكٍ وَدَمُ فَوَاتِ الْحَجِّ كَدَمِ التَّمَتُّعِ في التَّرْتِيبِ وَالتَّقْدِيرِ على الْمَذْهَبِ لِأَنَّ دَمَ الْمُتَمَتِّعِ إنَّمَا وَجَبَ لِتَرْكِ الْإِحْرَامِ من الْمِيقَاتِ وَالنُّسُكُ الْمَتْرُوكُ في صُورَةِ الْفَوَاتِ أَعْظَمُ وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً على أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ في الْمَفْهُومِ الْأَوْلَى أَنَّهُ من بَابِ الْقِيَاسِ الْقِيَاسُ في الْأَحْدَاثِ قال في الْبُرْهَانِ لَا يَجْرِي في الطَّهَارَاتِ وَالْأَحْدَاثِ لِعَدَمِ اطِّلَاعِنَا على ضَبْطِ أَهْلِهَا قال الْقَاضِي وَكَمَا لَا تَثْبُتُ الْأَحْدَاثُ بِالْقِيَاسِ لَا مَجَالَ لِلْقِيَاسِ أَيْضًا في الْأَحْدَاثِ فإن الْقِيَاسَ كما لَا يَهْتَدِي لِتَأْقِيتِ الطَّهَارَةِ لَا يَهْتَدِي لِنَفْيِ إثْبَاتِهَا وقال في الْقَوَاطِعِ قِيلَ إنَّهُ لَا مَجَالَ لِلْقِيَاسِ في الْأَحْدَاثِ وَتَفَاصِيلِهَا وَالْوُضُوءِ وَتَفَاصِيلِهِ بَلْ يَتْبَعُ مَحْضَ النَّصِّ وَقِيلَ إنَّ الْوُضُوءَ مَعْقُولُ الْمَعْنَى فإنه مُشْعِرٌ بِالتَّنْظِيفِ وَالتَّنْقِيَةِ وَقِيلَ الصَّلَاةُ يُعْقَلُ فيها الْخُشُوعُ وَالِاسْتِكَانَةُ قُلْت وَمِنْ فُرُوعِهِ لو مَسَّ ذَكَرَهُ بِدُبُرِ غَيْرِهِ قال الْإِمَامُ في النِّهَايَةِ لَا يَنْتَقِضُ وفي الشَّامِلِ يَنْبَغِي أَنْ يَنْتَقِضَ لِأَنَّهُ مَسَّهُ بِالْآلَةِ التي تَمَسُّ بها هذا الْمَحَلَّ وَقَوْلُ الْإِمَامِ أَقْيَسُ لِأَنَّ الْأَحْدَاثَ لَا تُثْبِتُ قِيَاسًا ولم يَرِدْ إلَّا في الْيَدِ كما أَنَّا لم نُعَدِّهِ إلَّا في الْأَمْرَدِ وَإِنْ وُجِدَ الْمَعْنَى قال ابن السَّمْعَانِيِّ وَأَمَّا الشَّهَادَةُ فَقَالُوا أَصْلُهَا مَعْقُولُ الْمَعْنَى وهو الثِّقَةُ وَحُصُولُ الظَّنِّ وَالْغَفْلَةُ وَلِهَذَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ النِّسْوَةِ لِمَا غَلَبَ عَلَيْهِنَّ من الذُّهُولِ وَالْغَفْلَةِ وَأَمَّا أَصْلُ عُقُودِ الْمُعَامَلَاتِ فَمَعْقُولُ الْمَعْنَى إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ أَثْبَتَ فيها أَنْوَاعًا من التَّعَبُّدَاتِ فَلَزِمَ اتِّبَاعُهَا وَلَا يَجُوزُ تَجَاوُزُهَا وَتَعَدِّيهَا انْتَهَى مَسْأَلَةٌ جَرَيَانُ الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ في الْعَقْلِيَّاتِ الْأَكْثَرُونَ مِنَّا وَمِنْ الْمُعْتَزِلَةِ كما قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَغَيْرُهُ على جَرَيَانِ
  199. الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ في الْعَقْلِيَّاتِ أَيْ الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ كَقَوْلِنَا في مَسْأَلَةِ الرُّؤْيَةِ اللَّهُ مَوْجُودٌ وَكُلُّ مَوْجُودٍ مَرْئِيٌّ فَيَكُونُ مَرْئِيًّا وَحَكَى ابن سُرَيْجٍ في كِتَابِهِ الْإِجْمَاعَ على اسْتِعْمَالِهِ قال وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا في الشَّرْعِيِّ ثُمَّ قِيلَ قَطْعِيٌّ وَالْمُحَقِّقُونَ منهم الْإِمَامُ الرَّازِيَّ على أَنَّهُ ظَنِّيٌّ لَا يُفِيدُ الْيَقِينَ وقال ابن بَرْهَانٍ الْقِيَاسُ الْقَطْعِيُّ يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِهِ في إثْبَاتِ الْقَطْعِيَّاتِ بِخِلَافِ الظَّنِّيِّ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ فيها الْقَطْعُ وَالْيَقِينُ لَا يُسْتَفَادُ من الدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ وَذَهَبَ الصَّيْرَفِيُّ وَالْغَزَالِيُّ إلَى الْمَنْعِ وَحَكَاهُ في الْبُرْهَانِ عن أَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ وَأَصْحَابِهِ قال وَلَيْسُوا مُنْكِرِينَ أَيْضًا نَظَرَ الْعَقْلِ إلَى الْعِلْمِ وَلَكِنْ يَنْهَوْنَ عن مُلَابَسَتِهِ وَالِاشْتِغَالِ بِهِ قال الصَّيْرَفِيُّ الْعَقْلُ وُضِعَ لِإِدْرَاكِ الْأَشْيَاءِ على ما هِيَ بِهِ فَلَا يَجُوزُ انْتِقَالُهُ عن هذا أَبَدًا قال وَإِنَّمَا أَخْطَأَ الناس في نَفْيِ الْقِيَاسِ في الْأَحْكَامِ لِأَنَّهُمْ رَامُوا جَعْلَ الْعَقْلِيَّاتِ كَالْمُوجَبِ في الشَّرْعِ فلما لم يَجُزْ أَحَالُوهُ وَلَوْ سَلَكُوا بِكُلِّ وَاحِدٍ طَرِيقَهُ لَأَصَابُوا وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَطْلَقَ النَّقَلَةُ الْقِيَاسَ وأنا أَقُولُ إنْ عَنَوْا النَّظَرَ الْفِعْلِيَّ فَهُوَ في نَوْعِهِ مُفْضٍ إلَى الْعِلْمِ إذَا اسْتَجْمَعَ شَرَائِطَهُ مَأْمُورٌ بِهِ شَرْعًا وَإِنْ عَنَوْا بِهِ اعْتِبَارَ شَيْءٍ بِشَيْءٍ وَاسْتِثَارَةَ مَعْنًى في قِيَاسٍ غَائِبٍ على شَاهِدٍ فَذَاكَ بَاطِلٌ عِنْدِي قُلْت وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَعْنُوا بِهِ الْأَوَّلَ فإن الْقِيَاسَ لَا يُطْلَقُ حَقِيقَةً على النَّظَرِ الْمَحْضِ قال الْأَصْفَهَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَمَنْ قال بِجَرَيَانِ الْقِيَاسِ في الْعَقْلِيَّاتِ جَمَعَ بين الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِأَحَدِ أُمُورٍ أَرْبَعَةٍ أَحَدُهَا الْعِلَّةُ كَقَوْلِنَا الْعَالَمِيَّةُ في الشَّاهِدِ حَاصِلَةٌ اتِّفَاقًا فَكَذَا في الْغَائِبِ لِأَنَّ تَمَامَ التَّعْلِيمِ بِالشَّاهِدِ إنَّمَا كان لِلْعَالَمِيَّةِ الْمُسْتَقِلَّةِ بِهِ لِلْعِلْمِ وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ في الْغَائِبِ فَيَكُونُ له الْعِلْمُ وَهَذَا جَمْعٌ بِالْعِلَّةِ ثَانِيهَا الْجَمْعُ بِالدَّلِيلِ قالوا الْإِتْقَانُ في الشَّاهِدِ دَلِيلُ الْعِلْمِ وَأَفْعَالُ اللَّهِ مُتْقَنَةٌ فَيَكُونُ عَالِمًا لِوُجُودِ دَلِيلِ الْعِلْمِ ثَالِثُهَا الْجَمْعُ بِالشَّرْطِ كَقَوْلِنَا الْعِلْمُ من الشَّاهِدِ شَرْطُهُ الْحَيَاةُ وَاَللَّهُ عَالِمٌ فَيَكُونُ حَيًّا رَابِعُهَا الْجَمْعُ بِالْإِطْلَاقِ الْحَقِيقِيِّ كَقَوْلِنَا الْمُرِيدُ من قَامَتْ بِهِ الْإِرَادَةُ وَهَذِهِ
  200. طَرِيقَةُ الْمُتَقَدِّمِينَ من الْمُتَكَلِّمِينَ وَهِيَ ضَعِيفَةٌ تُفِيدُ الْعِلْمَ وَالْمَطْلُوبُ في هذه الْمَسَائِلِ إنَّمَا هو الْعِلْمُ
  201. مسألة جريان القياس في اللغات في جريان القياس في اللغات وجهان وقد سبقت في مباحث اللغات بتحريرها ونقولها والذي نذكره هاهنا أنه ليست هذه المسألة مسألة التعليل بالاسم بل تلك في أنه هل يناط حكم شرعي باسم وهذه في أنه هل يسمى شيء باسم شيء آخر لغة لجامع والقياس الشرعي إلحاق فرع بأصل في حكمه وقال أبو الحسين في المعتمد اختلفوا في العلة هل هي دليل على اسم الفرع ثم تعلق به حكم شرعي أو يدل ابتداء على حكم شرعي فحكى عن ابن سريج أنه قال إنما ثبت بالقياس الأسماء في الشرع ثم تعلق عليها الأحكام فكان يتوصل إلى أن الشفعة تركة ثم يجعلها موروثة وأن وطء البهيمة زنى ثم تعلق به الحد وبعض الشافعية كان يقيس النبيذ على الخمر في تسميته خمرا لاشتراكهما في الشدة ثم يحرمه بالآية وأكثر الفقهاء متفقون على أن العلل تثبت بها الأحكام فإن كان ابن سريج يمنع من تعليل الأحكام في الشرع بالعلل فهو باطل لأن أكثر المسائل إنما تعلل فيها أحكامها دون أسمائها وإن أراد أن العلل قد يتوصل بها إلى الأسماء في بعض المواضع فإن أراد بالعلل العلل الشرعية فباطل لأن اللغة أقدم من الشرع فلا يجوز إثباتها بأمور طارئة قال إلكيا كان ابن سريج يقول إنما ثبتت الأسامي بالقياس ثم تعلق الأحكام بها نحو ما كان يقول إن القياس يوصل إلى أن وطء البهيمة زنى ثم ثبت الحد فيه بظاهر الآية ووجه كونه زنى أنه إيلاج فرج في فرج تمحض تحريما فكان زنى والنبيذ خمر للشدة والخمر محرمة قال إلكيا وهذا النوع باطل من كل وجه لأن القياس في الأسامي يتلقى من فهم مقاصد اللغة ومعرفته موضع اشتقاق الاسم ثم يجري على ما فيه ذلك المعنى ذلك الاسم فيكون نهاية نصهم على فائدة التسمية ذلك وليس لهذا القول تعلق بالشرع لأنه قد يصح سواء كان هناك شرع أم لا وأما القياس الذي يختص الشرع به فإنما تثبت به الأحكام فقط بأن يعلل الأصول التي يثبت الحكم فيها لتعدية الحكم بالتعليل إلى ما شاركها في العلة
  202. وقد نص الشافعي رحمه الله تعالى في الخمر على خلاف ما ذكره والقول في بطلانه ظاهر في الشرع أولا وفي اللغة لأن فهم موضع الاشتقاق لا يمنع إمكان تخصيص الاسم مَسْأَلَةٌ الْقِيَاسُ في الْأَسْبَابِ إذَا أُضِيفَ حُكْمٌ إلَى سَبَبٍ وَعُلِمَتْ فيه عِلَّةُ السَّبَبِ فإذا وُجِدَتْ في وَصْفٍ آخَرَ هل يَجُوزُ أَنْ يُنْصَبَ سَبَبًا وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْقِيَاسِ في الْأَسْبَابِ فَنُقِلَ عن أبي زَيْدٍ الدَّبُوسِيِّ وَغَيْرِهِ الْمَنْعُ وَقَالُوا الْحُكْمُ يَتْبَعُ الْعِلَّةَ دُونَ حِكْمَةِ الْعِلَّةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ اللِّوَاطُ سَبَبًا لِلْحَدِّ بِالْقِيَاسِ على الزِّنَى وَلَا النَّبْشُ سَبَبًا لِلْقَطْعِ قِيَاسًا على السَّرِقَةِ وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وابن الْحَاجِبِ وَالْبَيْضَاوِيُّ وقال الْأَصْفَهَانِيُّ شَارِحُ الْمَحْصُولِ إنَّهُ الْأَظْهَرُ لَكِنَّ الْمَنْقُولَ عن أَصْحَابِنَا جَوَازُهُ وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ وَإِلْكِيَا وَعِبَارَتُهُ مُعْتَقَدُنَا جَوَازُ اعْتِبَارِ السَّبَبِ بِالسَّبَبِ بِشَرْطِ ظُهُورِ عَدَمِ تَفَاوُتِ السَّبَبَيْنِ في الْمَعْنَى الْمُعْتَبَرِ ثُمَّ في وَضْعِ الْأَسْبَابِ ثُمَّ صُورَةِ الْأَسْبَابِ لَا يُرَاعَى عِنْدَ ظُهُورِ التَّفَاوُتِ في مَضْمُونِ السَّبَبَيْنِ وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ مَنَعَ الْحَنَفِيَّةُ الْقِيَاسَ في الْأَسْبَابِ وَعِنْدَنَا يُسَوَّغُ كما إذَا ثَبَتَ لنا أَنَّ الْقِصَاصَ وَجَبَ لِزَجْرِ الْقَاتِلِ وَثَبَتَ أَنَّ الْقَتْلَ صَارَ سَبَبًا لِمَكَانِ الْحِكْمَةِ لَا لِصُورَتِهِ فَيَجُوزُ اعْتِبَارُ الْمُشْتَرِكِينَ في الْقَتْلِ بِالْقَتْلِ وَإِنْ ثَبَتَ لنا أَنَّهُ غَيْرُ قَاتِلٍ قال وقد اعْتَبَرَ الشَّافِعِيُّ الْمُسَاقَاةَ بِالْقِرَاضِ لِاسْتِوَائِهِمَا في مَقْصُودِ التُّجَّارِ وَمَصْلَحَةِ الْمُتَعَامِلِينَ وَهُمَا سَبَبَانِ مُخْتَلِفَانِ وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ عُمُومُ الْحَاجَةِ إلَى الْقِرَاضِ بِخِلَافِ الْمُسَاقَاةِ لَكِنَّ جَوَابَهُ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ كانت أَعَمَّ عِنْدَ الْعَرَبِ وَهُمْ قَوْمُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَمِنْهُ اعْتِبَارُ الشَّافِعِيِّ الشَّهَادَةَ بِالْإِكْرَاهِ من جِهَةِ أَنَّ الشَّهَادَةَ يَظْهَرُ إفْضَاؤُهَا إلَى الْقَتْلِ كَالْإِكْرَاهِ وَإِنْ كان لِلْإِكْرَاهِ مَزِيَّةٌ من وَجْهٍ فَلِلشَّهَادَةِ مَزِيَّةٌ من وَجْهٍ وَمِنْهُ ما قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ إنَّ الْمَرْأَةَ يَلْزَمُهَا الْحَجُّ إذَا وَجَدَتْ نِسْوَةً ثِقَاتٍ يَقَعُ الْأَمْنُ بِمِثْلِهِنَّ إلْحَاقًا لَهُنَّ بِالْمُحْرِمِ وَالزَّوْجِ فَقَاسَ أَحَدَ سَبَبَيْ الْأَمْنِ على الثَّانِي قال وَكَذَلِكَ يَجْرِي في مِثْلِهِنَّ في الشُّرُوطِ وقد نَفَى الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ اشْتِرَاطَ الْإِسْلَامِ في الْإِحْصَانِ إلْحَاقًا له بِالْجَلْدِ فقال الْجَلْدُ أَعْلَى أَنْوَاعِ الْعُقُوبَاتِ ثُمَّ اسْتَوَى فيه إنْكَارُ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ فَالرَّجْمُ كَذَلِكَ وهو حَسَنٌ
  203. ثُمَّ قال وَالضَّابِطُ أَنَّ ما لم يُوجَدْ له نَظِيرٌ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ فَلِهَذَا لم يَلْحَقْ الْمَرَضُ بِالسَّفَرِ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ نَظِيرًا له في الْحَاجَةِ وَهَذَا وَاضِحٌ وقد قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى التَّقَابُضُ شَرْطٌ في بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ قِيَاسًا على النَّقْدَيْنِ وَصَحَّ هذا الْقِيَاسُ لِلشَّافِعِيِّ بِلَا مُدَافِعٍ انْتَهَى وَأَمَّا صَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ فَنَقَلَ الْمَنْعَ في أَصْلِ تَرْجَمَةِ الْمَسْأَلَةِ عن أَصْحَابِهِمْ ثُمَّ قال وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ كُلَّ ما يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُ الْقِيَاسِ فيه بِشُرُوطِهِ وَجَبَ ما لم يَمْنَعْ مَانِعٌ وَعَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قال في اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ في الْوُضُوءِ قِيَاسًا على التَّيَمُّمِ طَهَارَتَانِ فَأَنَّى يَفْتَرِقَانِ انْتَهَى وَمِنْهُمْ من قال إنْ قُلْنَا إنَّ الْأَسْبَابَ وَالْمَوَانِعَ وَالشُّرُوطَ أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ جَرَى فيها الْقِيَاسُ وَإِنْ قُلْنَا لَيْسَتْ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَفِي جَرَيَانِ الْقِيَاسِ فيها نَظَرٌ قال الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَالْأَوْلَى جَرَيَانُهُ لِأَنَّا عَقَلْنَا أَنَّ الزِّنَى إنَّمَا نُسِبَ سَبَبًا لِلرَّجْمِ لِعِلَّةِ كَذَا وَوَجَدْنَاهَا في اللِّوَاطِ مَثَلًا فَيَلْزَمُ نَصْبُ سَبَبِهَا وَكَذَلِكَ هو في السَّرِقَةِ حتى يَلْحَقَ بها نَبْشُ الْقَبْرِ وَأَخْذُ الْأَكْفَانِ فَهَذَا إذَا تَمَّ على شُرُوطِهِ قِيَاسٌ صَحِيحٌ انْتَهَى وقد أَلْزَمُوا الْمَانِعَ مَنْعَ حَمْلِ النَّبِيذِ على الْخَمْرِ من حَيْثُ إنَّ خُصُوصَ وَصْفِ الْمَحَلِّ لو اعْتَبَرَ في مَحَلِّ الْحُكْمِ لَاقْتَضَى مَنْعَ تَوْسِيعِ الْحُكْمِ وفي مَنْعِ تَوْسِيعِهِ رَفْعُ الْقِيَاسِ أَصْلًا وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ سَبَبُ حُكْمٍ قِيَاسًا على سَبَبٍ آخَرَ فإذا حَكَمَ اللَّهُ بِرَجْمِ الزَّانِي جَازَ أَنْ يَطْلُبَ سَبَبَ ذلك حتى يَقِفَ على سَبَبِهِ وهو الزِّنَى فإذا ثَبَتَ أَنَّ الزِّنَى عِلَّةُ الرَّجْمِ صَحَّ أَنْ يُعَلِّلَهُ بِعِلَّةِ تَعَدِّيهَا إلَى غَيْرِ الزِّنَى كما يَجُوزُ أَنْ يُعَلِّلَ الْحُكْمَ الثَّابِتَ على زَيْدٍ وَيُعَدَّى إلَى عَمْرٍو عِنْدَ فَهْمِ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِلتَّعْدِيَةِ فإنه جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ فَكَذَا ما قَبْلَهُ وقد أَنْكَرَ أبو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ هذا النَّوْعَ من التَّعْلِيلِ وقال الْحُكْمُ يَتْبَعُ السَّبَبَ دُونَ حِكْمَةِ السَّبَبِ وَإِنَّمَا الْحُكْمُ ثَمَرَةٌ وَلَيْسَ بِعِلَّةٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ جُعِلَ الْقِيَاسُ سَبَبًا لِلْقِصَاصِ لِلزَّجْرِ وَالرَّدْعِ فَيَنْبَغِي أَنَّهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ على شُهُودِ الْقِصَاصِ إذَا رَجَعُوا لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إلَى الزَّجْرِ وَإِنْ لم يَتَحَقَّقْ الْقَتْلُ إلَى غَيْرِ ذلك من الْأَسْبَابِ قال الْإِبْيَارِيُّ في شَرْحِ الْبُرْهَانِ وَهَذَا الذي قَالُوهُ يُمْكِنُ أَنْ يُنَزَّلَ على ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إمَّا أَنْ يَقُولُوا ذلك بِنَاءً على تَوْقِيفٍ ثَابِتٍ يَمْنَعُ من الْقِيَاسِ في هذه الْحَالَةِ وَحِينَئِذٍ فَيَتْبَعُ وَإِمَّا أَنْ يَقُولُوا لم يَثْبُتْ عِنْدَنَا عُمُومُ شَرْعِيَّةِ الْقِيَاسِ عِنْدَ فَهْمِ الْمَعَانِي فَهَذَا يَجُرُّ أَنْوَاعًا من الْخَيَالِ وَيَقْتَضِي مَنْعَ الْقِيَاسِ إلَّا في مَوَاضِعِ الْإِجْمَاعِ وَقَلَّ أَنْ يُصَادَفَ ذلك بِحَالٍ وَإِمَّا أَنْ يَقُولُوا إنَّ تَعْلِيلَ الْأَسْبَابِ يَفُوتُ بِهِ حَقِيقَةُ الْقِيَاسِ لِأَنَّ من شَرْعِ
  204. الْقِيَاسِ على الْأُصُولِ تَقْرِيرَهَا أُصُولًا وفي تَقْرِيرِ الْأَسْبَابِ ما يُخْرِجُهَا عن كَوْنِهَا أَسْبَابًا قال وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مُعْتَمَدُ الْقَوْمِ وَتَقْرِيرُهُ أَنَّا إذَا قُلْنَا الزِّنَى عِلَّةُ الرَّجْمِ وَاسْتَنْبَطْنَا منه إيلَاجَ الْفَرْجِ في الْفَرْجِ الْمُحَرَّمِ قَطْعًا إلَى تَمَامِ الْقِيَاسِ وَاعْتَبَرْنَا اللَّفْظَ فَقَدْ أَبَانَ آخِرًا أَنَّ الزِّنَى لم يَكُنْ عِلَّةً وَإِنَّمَا الْعِلَّةُ أَمْرٌ أَعَمُّ من الزِّنَى فَقَدْ عَلَّلَ الزِّنَى في كَوْنِهِ سَبَبًا بِعِلَّةٍ أَخْرَجَتْ الزِّنَى عن كَوْنِهِ سَبَبًا وَيُمْنَعُ تَعْلِيلُ الْأُصُولِ بِمَا يُخْرِجُهَا عن كَوْنِهَا أُصُولًا هذا أَعْظَمُ ما تَمَسَّكُوا بِهِ في مَنْعِ تَعْلِيلِ الْأَسْبَابِ وقد تَحَيَّرَ الْأَصْحَابُ في الْجَوَابِ وَاعْتَذَرُوا بِأَنَّ ذلك يَرْجِعُ إلَى تَنْقِيحِ مَنَاطِ الْحُكْمِ دُونَ تَخْرِيجِهِ وقال بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْإِنْصَافُ يَقْتَضِي مُسَاعَدَتَهُمْ على ذلك وَزَعَمَ أَنَّ الْجَارِيَ في تَعْلِيلِ الْأَصْحَابِ تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ دُونَ تَخْرِيجِهِ وَهَذَا هو اخْتِيَارُ الْغَزَالِيِّ وقال لَا وَجْهَ غَيْرُهُ وَأَنَّهُ الْحَقُّ وَحَاصِلُ ما قَالَهُ الِاعْتِرَافُ بِامْتِنَاعِ إجْرَاءِ الْقِيَاسِ في الْأَسْبَابِ لَا لِخُصُوصٍ في التَّعَبُّدِ وَلَا لِتَعَذُّرِ فَهْمِ الْمَعْنَى وَلَكِنْ لِاسْتِحَالَةِ وِجْدَانِ الْأَصْلِ عِنْدَ التَّعْلِيلِ إذْ يَفُوتُ الْقِيَاسُ لِفَوَاتِ بَعْضِ أَرْكَانِهِ وَلَا يَبْقَى لِلْقِيَاسِ حَقِيقَةٌ وَنَحْنُ نَقُولُ الصَّحِيحُ إجْرَاءُ الْقِيَاسِ على حَقِيقَتِهِ في الْأَسْبَابِ وَلَا فَرْقَ في تَصَوُّرِ الْقِيَاسِ بين تَعْلِيلِ الْأَسْبَابِ وَتَعْلِيلِ الْأَحْكَامِ وَبَيَانُهُ هو أَنَّهُ إذَا حَرُمَتْ الْخَمْرَةُ فَهَلْ حَرُمَتْ بِاعْتِبَارِ خُصُوصِيَّةِ وَصْفِهَا وهو الْخَمْرِيَّةُ حتى لَا يَتَعَدَّى الْحُكْمُ إلَى النَّبِيذِ بِحَالٍ أو حَرُمَتْ الْخَمْرُ من جِهَةِ كَوْنِهَا مُزِيلَةً لِلْعَقْلِ وهو الْوَصْفُ الْأَعَمُّ فَإِنَّهَا إذَا كانت أَصْلًا بِاعْتِبَارِ حُكْمِ الشَّرْعِ فيها وقد بَانَ لنا أَنَّهُ إنَّمَا حُكِمَ فيها من جِهَةِ اشْتِدَادِهَا وَإِسْكَارِهَا فَكَذَلِكَ إذَا جَعَلْنَا الزِّنَى عِلَّةَ الرَّجْمِ فَيُقَالُ هل هو عِلَّةٌ من جِهَةِ كَوْنِهِ زِنًى أو من جِهَةِ عِلَّةٍ أُخْرَى أَعَمَّ من هذا أو لَا عِلَّةَ وهو بَاطِلٌ فَهَذَا هو الْمُنَاقِضُ أَمَّا إذَا جُعِلَ عِلَّةً من بَعْضِ الْجِهَاتِ لم يَخْرُجْ عن كَوْنِهِ عِلَّةً مُطْلَقًا هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ تَعْلِيلُ الْأَسْبَابِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَعْلِيلِ الْأَحْكَامِ في الْأُصُولِ السَّابِقَةِ قال وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ من أَعْظَمِ مَسَائِلِ الْأُصُولِ فَقَدْ زَلَّ فيها الْجَمَاهِيرُ وَأَثْبَتُوا الْقِيَاسَ في الْأَسْبَابِ على وَجْهٍ يُخِلُّ بِمَقْصُودِ الْقِيَاسِ وقال ابن الْمُنِيرِ صُورَةُ الْقِيَاسِ في الْأَسْبَابِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ قام على أَنَّ الزِّنَى سَبَبٌ في الرَّجْمِ وَالنَّصُّ أَوْمَأَ إلَى ذلك أَيْضًا فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ نَقِيسَ عليه اللِّوَاطَ في إثْبَاتِ حُكْمِ السَّبَبِيَّةِ له فَيَكُونُ سَبَبًا لِلرَّجْمِ أو لَا هذا مَحَلُّ الْخِلَافِ وَمِنْهُ قِيَاسُ النَّبْشِ على
  205. السَّرِقَةِ وَلِلْمَانِعِينَ مَسْلَكَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْجَمْعَ بين السَّبَبَيْنِ لَا يَتَأَتَّى إلَّا بِحِكْمَةِ السَّبَبِ بِخِلَافِ الْجَمْعِ بين الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فإنه يَقَعُ بِالْأَوْصَافِ قالوا وَالْحِكَمُ خَفِيَّةٌ لَا تَنْضَبِطُ وَالْأَوْصَافُ ظَاهِرَةٌ مُنْضَبِطَةٌ وَلَا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِمَا لَا يَنْضَبِطُ فَلَوْ فَرَضْنَا انْضِبَاطَ الْحِكَمِ فَفِي جَوَازِ التَّعْلِيلِ بها خِلَافٌ فَإِنْ أَجَزْنَاهُ فَلَا يُقَاسُ في الْأَسْبَابِ بَلْ نَقِيسُ الْفَرْعَ بِالْحِكْمَةِ الْمُنْضَبِطَةِ وَيُسْتَغْنَى عن تَوْسِيطِ السَّبَبِ وَإِنْ مَنَعْنَاهُ بَطَلَ الْقِيَاسُ في السَّبَبِ وَالثَّانِي أَنَّ الْقِيَاسَ في الْأَسْبَابِ يُؤَدِّي إثْبَاتُهُ إلَى أَصَالَتِهِ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ في الْأَحْكَامِ وَبَيَانُهُ أَنَّ الْقِيَاسَ في الْأَحْكَامِ يُقَرِّرُ الْأَصْلَ أَصْلًا وَيَلْحَقُ بِهِ فَرْعًا وَالْقِيَاسُ في الْأَسْبَابِ يُبْطِلُ كَوْنَ السَّبَبِ الْمَقِيسِ عليه سَبَبًا وَيُحَقِّقُ أَنَّ السَّبَبِيَّةَ أَمْرٌ أَعَمُّ منه وهو الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بين السَّبَبَيْنِ وَيُؤَوَّلُ الْأَمْرُ إلَى أَنَّهُ لَا أَصْلَ وَلَا فَرْعَ فَلَا قِيَاسَ فَقِيَاسُ النَّبِيذِ على الْخَمْرِ لم يُغَيِّرْ حُكْمَ الْأَصْلِ وَلَا إضَافَةَ التَّحْرِيمِ إلَيْهَا وَقِيَاسُ اللِّوَاطِ على الزِّنَى غَيَّرَ كَوْنَ الزِّنَى سَبَبًا وَصَيَّرَ السَّبَبَ الْإِيلَاجَ الْمُشْتَرَكَ بين الْمَحَلَّيْنِ فَيَصْدُقُ على الزِّنَى أَنَّهُ ليس بِسَبَبٍ إنْ فَرَضْنَاهُ سَبَبًا وَأَمَّا الْمُجَوِّزُونَ فَاحْتَجُّوا بِأَمْرٍ جَلِيٍّ وهو انْسِحَابُ الْإِجْمَاعِ عليه لِأَنَّ أَهْلَ الْإِجْمَاعِ اسْتَرْسَلُوا في الْأَقْيِسَةِ وَلَوْ ذَهَبْنَا نَشْتَرِطُ في كل صُورَةٍ إجْمَاعًا خَاصًّا بها لَاسْتَحَالَ فَالْقِيَاسُ في السَّبَبِ كَالْقِيَاسِ في الْإِجَارَةِ مَثَلًا فَلَا يَحْتَاجُ إلَى إجْمَاعٍ خَاصٍّ قال وَيَنْبَغِي أَنْ يَرْتَفِعَ الْخِلَافُ في هذه الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّ الْأَسْبَابَ لَا تَنْتَصِبُ بِالِاسْتِنْبَاطِ وَإِنَّمَا تَنْتَصِبُ بِإِيمَاءِ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ وإذا فَرَضْنَا الْقِيَاسَ في الْأَسْبَابِ فَلَا بُدَّ أَنْ نَفْرِضَ فيها جِهَةً عَامَّةً كَالْإِيلَاجِ وَجِهَةً خَاصَّةً لِكَوْنِهِ فَرْجًا لِآدَمِيَّةٍ وهو الذي يُسَمَّى زِنًى بِلَفْظِ السَّبَبِ وَيَتَنَاوَلُ أَمْرَيْنِ أَعَمَّ وَأَخَصَّ وَلَا يَنْتَظِمُ الْقِيَاسُ إلَّا بِحَذْفِ الْأَخَصِّ عن دَرَجَةِ الِاعْتِبَارِ لِيَتَغَيَّرَ الْأَعَمُّ إذْ لو كان الْأَخَصُّ بَاقِيًا على تَقْيِيدِهِ لَاسْتَحَالَ الْقِيَاسُ وإذا حُذِفَ الْأَخَصُّ عن كَوْنِهِ مُرَادَ اللَّفْظِ بَقِيَ الْأَعَمُّ وهو مُرَادُ النَّصِّ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْقِيَاسُ في الْأَسْبَابِ تَنْقِيحَ مَنَاطٍ وَتَنْقِيحُ الْمَنَاطِ حَاصِلُهُ تَأْوِيلٌ ظَاهِرٌ وهو يَتَوَقَّفُ على دَلِيلٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ الِاتِّفَاقُ على قَبُولِ الْمَسْلَكِ الذي سَمَّاهُ من سَمَّاهُ قِيَاسًا في الْأَسْبَابِ لِاتِّفَاقِنَا على قَبُولِ تَأْوِيلِ الظَّاهِرِ بِالدَّلِيلِ فَلَا حَجْرَ في التَّسْمِيَةِ وَلَا مَنْعَ من تَسْمِيَتِهِ قِيَاسًا لِأَنَّ فيه صُورَةَ النُّطْقِ في مَوْضِعٍ وَالسُّكُوتَ في مَوْضِعٍ وَوُجُودُ قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ بين الْمَوْضِعَيْنِ وهو سَبَبُ الِاشْتِرَاكِ في الْحُكْمِ غير أَنَّ امْتِيَازَ الْمَحَلَّيْنِ نُطْقًا وَسُكُوتًا إنَّمَا كان مَبْنِيًّا على الظَّاهِرِ الذي قام أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ فَلِهَذَا تَكَدَّرَتْ التَّسْمِيَةُ وَالْخَطْبُ
  206. يَسِيرٌ مَسْأَلَةٌ كُلُّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ أَمْكَنَ تَعْلِيلُهُ يَجْرِي الْقِيَاسُ فيه وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَجُوزُ إثْبَاتُ جَمِيعِ الشَّرْعِيَّاتِ بِالْقِيَاسِ خِلَافًا لِمَنْ شَذَّ وقد سَبَقَتْ مَسْأَلَةٌ ذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ إلَّا عن أَمَارَةٍ وَلَا يَجُوزُ عن دَلَالَةٍ لِلِاسْتِغْنَاءِ بها حَكَاهُ السَّمَرْقَنْدِيُّ في الْمِيزَانِ وهو غَرِيبٌ وقد نَقَلَ جَمَاعَةٌ الِاتِّفَاقَ على جَوَازِ الْإِجْمَاعِ عن دَلَالَةٍ مَسْأَلَةٌ ذَهَبَ أبو هَاشِمٍ إلَى أَنَّ الْقِيَاسَ الشَّرْعِيَّ إنَّمَا يَجُوزُ في تَعْيِينِ ما وَرَدَ النَّصُّ بِهِ على الْجُمْلَةِ فَيُعْرَفُ بِالْقِيَاسِ تَفْصِيلُهُ كَوُرُودِ النَّصِّ بِالتَّوَجُّهِ إلَى الْكَعْبَةِ وَبِجَزَاءِ الصَّيْدِ وَبِتَحْرِيمِ الرِّبَا فَيَجُوزُ أَنْ يُعْرَفَ بِالْقِيَاسِ من جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَصِفَةِ الْمِثْلِ في الْجَزَاءِ وَتَفْصِيلِ ما يَجْرِي فيه الرِّبَا وَلَا يَجُوزُ قِيَاسُ الْمَسْكُوتِ عنه على الْمَنْصُوصِ عليه إذَا لم يَدْخُلْ في الِاسْمِ الذي وَرَدَ بِهِ النَّصُّ وَأَمَّا إثْبَاتُ مَسْأَلَةٍ لم يَرِدْ فيها النَّصُّ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُبْتَدَأَ إلْحَاقُهَا بِالْقِيَاسِ وَلِهَذَا لَمَّا ثَبَتَ بِالنَّصِّ مِيرَاثُ الْأَخِ جَازَ إثْبَاتُ إرْثِهِ مع الْجَدِّ بِالْقِيَاسِ قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَاَلَّذِي عليه الْجُمْهُورُ جَوَازُ الْقِيَاسِ في الْمَوْضِعَيْنِ جميعا كَقِيَاسِ الصَّلَاةِ على الزَّكَاةِ وَالْعَكْسِ وَالْكَفَّارَةِ على الزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ على الصَّلَاةِ وَنَحْوِهِ في أَنْوَاعِ الْأَحْكَامِ وقال إلْكِيَا ما قَالَهُ أبو هَاشِمٍ هو عَيْنُ ما حَكَيْنَاهُ عن أبي زَيْدٍ وَأَبْطَلْنَاهُ وَمِمَّا يَدُلُّ على بُطْلَانِهِ أَنَّ الْأَوَّلِينَ أَثْبَتُوا قَوْلَ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ بِالْقِيَاسِ ولم يَكُنْ عليه نَصٌّ على وَجْهِ الْجُمْلَةِ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ أَمَارَةٌ في الْمَنْعِ من تَحْرِيمِ ذلك وَلَا يُفِيدُ حُكْمُهُ إذَا وَقَعَ التَّحْرِيمُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ عَلِمُوا أَصْلًا غَابَ عَنَّا فَيُقَالُ رَأَيْنَاهُمْ يَتَشَرَّفُونَ لِلْقِيَاسِ بِاتِّبَاعِ الْأَوْصَافِ الْمُخَيِّلَةِ الْمُؤَثِّرَةِ من غَيْرِ قَصْدٍ إلَى جُمَلٍ
  207. مَسْأَلَةٌ حَكَى سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ عن بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْعُمُومَ إذَا خُصَّ لم يَجُزْ أَنْ يُسْتَنْبَطَ منه مَعْنًى يُقَاسُ عليه غَيْرُهُ لِأَنَّهُ إذَا خُصَّ صَارَ الْحُكْمُ ثَابِتًا بِقَرِينَةٍ فإذا اُسْتُنْبِطَ الْمَعْنَى منه لم يَصِحَّ اجْتِمَاعُ الْمَعْنَى مع تِلْكَ الْقَرِينَةِ فإن الْمَعْنَى يَقْتَضِي الْعُمُومَ وَالْقَرِينَةَ تَقْتَضِي الْخُصُوصَ فَلَا يَصِحُّ اجْتِمَاعُهُمَا قال وَهَذَا قَوْلٌ فَاسِدٌ لِأَنَّ اللَّفْظَ إذَا خُصَّ خَرَجَ منه ما ليس بِمُرَادٍ فَبَقِيَ الْبَاقِي ثَابِتًا بِاللَّفْظِ فَيَصِيرُ كَأَنَّ الْحُكْمَ لِلْبَاقِي وَرَدَ ابْتِدَاءً فَجَازَ اسْتِنْبَاطُ الْمَعْنَى منه مَسْأَلَةٌ الْقِيَاسُ الْجُزْئِيُّ إذَا لم يَرِدْ نَصٌّ على وَفْقِهِ مع عُمُومِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ خَرَّجَ فيه بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ قَوْلَيْنِ كان الْخِلَافُ في ضَمَانِ الدَّرْكِ بِأَنَّ الْقِيَاسَ الْجُزْئِيَّ يَقْتَضِي مَنْعَهُ لِأَنَّهُ ضَمَانُ ما لم يَجِبْ وَلَكِنَّ عُمُومَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لِمُعَامَلَةِ الْغُرَمَاءِ وَغَيْرِهِمْ يَقْتَضِي جَوَازَهُ ولم يُنَبِّهْ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم عليه فَمَنَعَهُ ابن سُرَيْجٍ على مُقْتَضَى الْقِيَاسِ وَالصَّحِيحُ صِحَّتُهُ بَعْدَ قَبْضِ الثَّمَنِ لَا قَبْلَهُ لِأَنَّهُ وَقْتَ الْحَاجَةِ الْمُؤَكَّدَةِ وَاخْتَارَ الْإِمَامُ جَوَازَهُ مُطْلَقًا لِأَصْلِ الْحَاجَةِ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الْبُرْهَانِ عِنْدَ الْكَلَامِ على أَقْسَامِ الْمُنَاسَبَةِ إنَّ ما ابْتَنَى على الْحَاجَةِ كَالْإِجَارَةِ لَا خِلَافَ في جَرَيَانِ قِيَاسِ الْجُزْءِ منه على الْجُزْءِ فَأَمَّا اعْتِبَارُ غَيْرِ ذلك الْأَصْلِ مع جَامِعِ الْحَاجَةِ فَهَذَا امْتَنَعَ منه مُعْظَمُ الْقِيَاسِيِّينَ ثُمَّ أَشَارَ إلَى جَوَازِهِ وقال فَإِذَنْ الْقِيَاسُ على الْإِجَارَةِ إذَا اسْتَجْمَعَ الشَّرَائِطَ لَا يَضُرُّ وَالِاسْتِصْلَاحُ الْجُزْئِيُّ في مُقَابَلَةِ الْوُجُودِ بِالْمَوْجُودِ وَهَذَا كَقِيَاسِ النِّكَاحِ مَثَلًا في وَجْهِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ على الْإِجَارَةِ مَسْأَلَةٌ التَّمَسُّكُ بِقِيَاسٍ جُزْئِيٍّ في مُصَادَمَةِ قَاعِدَةٍ كُلِّيَّةٍ مَرْدُودٌ وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ قِيَاسُ الْأَقَارِيرِ السَّابِقَةِ في إثْبَاتِ الْحَقِّ الْآنَ على الشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ السَّابِقِ في أَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْآنَ فَهَذَا قِيَاسٌ جُزْئِيٌّ في مُقَابَلَةِ قَاعِدَةٍ كُلِّيَّةٍ وَهِيَ أَنَّهُ لو عَمِلَ بِذَلِكَ فما كان في الشَّهَادَةِ على الْأَقَارِيرِ فَائِدَةٌ وَالْحُجَّةُ تَسْقُطُ بِمُضِيِّ سَاعَةٍ قَالَهُ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ في كِتَابِ اقْتِنَاصِ السَّوَانِحِ
  208. مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ أَنْ يُثْبِتَ ما طَرِيقُهُ الْقَطْعُ في الْفُرُوعِ وَالْأُصُولِ بِالْقِيَاسِ الْمَقْطُوعِ بِصِحَّتِهِ عليه دُونَ ما لَا يُقْطَعُ بِصِحَّتِهِ مِثَالُهُ في الْفُرُوعِ قَوْلُنَا إنَّ الْبَسْمَلَةَ آيَةٌ في كل سُورَةٍ لِأَنَّهُ مَكْتُوبٌ بِلَا تَغْيِيرٍ مَتْلُوٌّ بِلَا نَكِيرٍ فَهُوَ كَسَائِرِ الْقُرْآنِ فَهَذَا قِيَاسٌ مَدْلُولٌ على صِحَّتِهِ بِالْإِجْمَاعِ على كِتَابَتِهِ في الْمُصْحَفِ وَتِلَاوَتِهِ وَذَلِكَ يُوجِبُ الْقَطْعَ بِصِحَّتِهِ وَمِثَالُهُ في أُصُولِ الْفِقْهِ قَوْلُ بَعْضِهِمْ إنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يُشْتَرَطُ فيه انْقِرَاضُ الْعَصْرِ لِأَنَّهُ وُجِدَ إجْمَاعٌ من أَهْلِ الْعَصْرِ على حُكْمِ الْحَادِثَةِ فَكَانَ حُجَّةً دَلِيلُهُ إذَا انْقَرَضَ الْعَصْرُ عليه
  209. الْبَابُ السَّادِسُ في أَرْكَانِهِ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ الْأَصْلُ وَالْفَرْعُ وَالْعِلَّةُ وَحُكْمُ الْأَصْلِ وَلَا بُدَّ من ذِكْرِ هذه الْأَرْبَعَةِ في الْقِيَاسِ كَقَوْلِنَا في اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ في الْوُضُوءِ طَهَارَةٌ عن حَدَثٍ فَوَجَبَ أَنْ تَحْتَاجَ إلَى نِيَّةٍ كَالتَّيَمُّمِ فَالْوُضُوءُ هو الْفَرْعُ وَالتَّيَمُّمُ هو الْأَصْلُ وَالطَّهَارَةُ عن حَدَثٍ هِيَ الْوَصْفُ وَقَوْلُنَا وَجَبَ هو الْحُكْمُ وَلَا بُدَّ من ذِكْرِ هذه الْأَرْبَعَةِ وَمِنْ الْفُقَهَاءِ من يَتْرُكُ التَّصْرِيحَ بِالْحُكْمِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ طَهَارَةٌ عن حَدَثٍ كَالتَّيَمُّمِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فيه كما قَالَهُ السُّهَيْلِيُّ في بَابِ أَدَبِ الْجَدَلِ فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ إلَّا بَعْدَ التَّصْرِيحِ بِالْحُكْمِ وَقِيلَ يَصِحُّ وَيَكُونُ الْحُكْمُ مُحَالًا إلَى السُّؤَالِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ مَسْأَلَةٌ اُخْتُلِفَ في اشْتِرَاطِ أَمْرٍ خَامِسٍ أَنَّهُ هل يُشْتَرَطُ في إطْلَاقِ اسْمِ الْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ الْجَامِعُ مُسْتَنْبَطًا بِالنَّظَرِ وَالْفِكْرِ على قَوْلَيْنِ وَلِهَذَا اخْتَلَفُوا في أَنَّ إلْحَاقَ الْعَبْدِ بِالْأَمَةِ وَالضَّرْبِ بِالتَّأْفِيفِ هل يُسَمَّى قِيَاسًا الْأَوَّلُ الْأَصْلُ وَحَكَى ابن السَّمْعَانِيِّ خِلَافًا في رُكْنِيَّتِهِ وَأَنَّ بَعْضَهُمْ ذَهَبَ إلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ بِغَيْرِ أَصْلٍ قال وهو قَوْلُ من خَلَطَ الِاجْتِهَادَ بِالْقِيَاسِ وَإِنَّهُ لَا بُدَّ له من أَصْلٍ لِأَنَّ الْفُرُوعَ لَا تَتَفَرَّعُ إلَّا عن أُصُولٍ وهو يُطْلَقُ شَرْعًا على أُمُورٍ سَبَقَتْ في أَوَّلِ أُصُولِ الْفِقْهِ وَذَكَرَ هُنَا إلْكِيَا منها أَرْبَعَةً أَحَدُهَا ما يَقْتَضِي الْعِلْمُ بِهِ عِلْمًا بِغَيْرِهِ أو يُوَصِّلُ بِهِ إلَى غَيْرِهِ كما يُقَالُ إنَّ الْخَبَرَ أَصْلٌ لِمَا وَرَدَ بِهِ وَالْكِتَابَ أَصْلُ السُّنَّةِ لَمَّا عُلِمَ صِحَّتُهَا بِهِ وَالثَّانِي لَا يَصِحُّ الْعِلْمُ بِالْمَعْنَى إلَّا بِهِ الثَّالِثُ في الْحُكْمِ الذي يَعْتَرِيهِ ما سِوَاهُ فَيُقَالُ هذا الْحُكْمُ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ لَا
  210. يُقَاسُ عليه الرَّابِعُ الذي يَقَعُ بِهِ الْقِيَاسُ وهو مُرَادُنَا وقد اُخْتُلِفَ فيه فقال الْمُتَكَلِّمُونَ هو النَّصُّ الدَّالُّ على ثُبُوتِ الْحُكْمِ في مَحَلِّ الْوِفَاقِ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ في تَحْرِيمِ الرِّبَا مَثَلًا وَحَكَاهُ في الْمُلَخَّصِ عن الْقَاضِي وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْوَاضِحِ عن الْمُعْتَزِلَةِ وقال الْفُقَهَاءُ هو مَحَلُّ الْحُكْمِ الْمُشَبَّهِ بِهِ سَوَاءٌ الْمُجْمَعُ عليه وَالْمَنْصُوصُ كَالْبُرِّ الْمَحْكُومِ بِهِ قال ابن السَّمْعَانِيِّ وَهَذَا هو الصَّحِيحُ قال وَتَمَامُهُ أَنَّ الْخَبَرَ أَصْلٌ لِلْبُرِّ وَالْبُرُّ أَصْلٌ لِكُلِّ ما يُقَاسُ عليه قال وَهَذَا ظَاهِرٌ حَسَنٌ فَلْيُعْتَمَدْ عليه وقال الْمُحَقِّقُونَ منهم إنَّهُ نَقِيضُ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْخَبَرِ قال إلْكِيَا وَهَذَا هو الْأَوْجَهُ عِنْدَنَا ولم نَرَ في كَلَامِ الْمُخَالِفِ ما يُضَعِّفُهُ وقال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ ما ثَبَتَ بِهِ حُكْمُ نَفْسِهِ وَقِيلَ ما ثَبَتَ بِهِ حُكْمُ غَيْرِهِ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ الْعِلَّةَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ قَاصِرَةً وَرَجَّحَ الْعَبْدَرِيّ الْأَوَّلَ بِأَنَّ الْأَصْلَ مَحْكُومٌ فيه حتى يُفْهَمَ الْحُكْمُ وَبِالْعَكْسِ فَإِنْ سَمَّى مُسَمَّى الْخَمْرِ وَحْدَهَا أَصْلًا بِمَعْنَى أنها هِيَ الْمَحَلُّ الذي نَصَّ الشَّارِعُ على الْحُكْمِ بِالتَّحْرِيمِ فيه دُونَ غَيْرِهِ من الْمَحَالِّ فَيَجُوزُ وقال الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الْأَصْلُ هو الْحُكْمُ الثَّابِتُ في مَحَلِّ الْوِفَاقِ بِاعْتِبَارِ تَفَرُّعِ الْعِلَّةِ عليه وهو فَرْعٌ في مَحَلِّ الْخِلَافِ بِاعْتِبَارِ تَفَرُّعِهِ عليه وَالْعِلَّةُ بِالْعَكْسِ فَرْعٌ في مَحَلِّ الْوِفَاقِ لِأَنَّا إنَّمَا نُعَلِّلُ الْحُكْمَ بَعْدَ مَعْرِفَةِ أَصْلٍ في مَحَلٍّ لِأَنَّا نَعْرِفُ الْعِلَّةَ فيه ثُمَّ نُفَرِّعُ الْحُكْمَ عليها قال التَّبْرِيزِيُّ وَقَوْلُهُ الْحُكْمُ أَصْلٌ في مَحَلِّ الْخِلَافِ ذَهَابٌ عَظِيمٌ عن مَقْصُودِ الْبَحْثِ إذْ ليس الْمَقْصُودُ تَعْرِيفَ ما سُمِّيَ أَصْلًا بِاعْتِبَارٍ وَإِنَّمَا الْقَصْدُ بَيَانُ الْأَصْلِ الذي يُقَابِلُ الْفَرْعَ في الْقِيَاسِ الْمُرَكَّبِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ بهذا الِاعْتِبَارِ مَحَلُّ الْحُكْمِ الْمُجْمَعِ عليه كما قَالَهُ الْفُقَهَاءُ قال الْأَصْفَهَانِيُّ وَهَذَا تَهْوِيلٌ لَا تَعْوِيلَ عليه ثُمَّ قال جَمَاعَةٌ منهم ابن بَرْهَانٍ إنَّ النِّزَاعَ لَفْظِيٌّ يَرْجِعُ إلَى الِاصْطِلَاحِ فَلَا مُشَاحَّةَ فيه أو إلَى اللُّغَةِ فَهُوَ يَجُوزُ إطْلَاقُهُ على ما ذُكِرَ وَلَا فَائِدَةَ لِهَذَا الْخِلَافِ إلَّا الصُّورَةُ وَقِيلَ بَلْ يَرْجِعُ إلَى تَحْقِيقِ الْمُرَادِ بِالْأَصْلِ وهو يُطْلَقُ تَارَةً على الْغَالِبِ وَتَارَةً على الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ لِقَوْلِهِمْ الْأَصْلُ عَدَمُ الِاشْتِرَاكِ وَعَلَى إرَادَةِ الْبَعِيدِ الذي لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ كَقَوْلِهِمْ خُرُوجُ النَّجَاسَةِ من مَحَلٍّ وَإِيجَابُ الطَّهَارَةِ في مَحَلٍّ آخَرَ على خِلَافِ الْأَصْلِ وقد يُطْلِقُونَهُ على إرَادَةِ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ فَلَا بُدَّ من تَوْجِيهِ الِاسْتِشْعَارِ على
  211. الْأَصْلِ حتى يَصِحَّ الْكَلَامُ وَالِاعْتِرَاضُ عليه قال الْآمِدِيُّ يُطْلَقُ الْأَصْلُ على ما يَتَفَرَّعُ عليه غَيْرُهُ وَعَلَى ما يُعْرَفُ بِنَفْسِهِ وَإِنْ لم يُبْنَ عليه غَيْرُهُ كَقَوْلِنَا تَحْرِيمُ الرِّبَا في النَّقْدَيْنِ أَصْلٌ وَهَذَا مَنْشَأُ الْخِلَافِ في أَنَّهُ هل الْأَصْلُ في تَحْرِيمِ النَّبِيذِ الْخَمْرُ أو النَّصُّ أو الْحُكْمُ قال وَاتَّفَقُوا على أَنَّ الْعِلَّةَ لَيْسَتْ أَصْلًا وقال الرَّازِيَّ تَسْمِيَةُ الْعِلَّةِ في مَحَلِّ النِّزَاعِ أَصْلًا أَوْلَى من تَسْمِيَتِهِ مَحَلَّ الْحُكْمِ في مَحَلِّ الْوِفَاقِ أَصْلًا لِأَنَّ التَّعَلُّقَ الْأَوَّلَ أَقْوَى من الثَّانِي قال وَتَسْمِيَةُ مَحَلِّ الْوِفَاقِ بِالْأَصْلِ أَوْلَى من تَسْمِيَتِهِ مَحَلَّ الْخِلَافِ بِالْفَرْعِ لِأَنَّهُ أَصْلُ الْأَصْلِ وَهَذَا أَصْلُ الْفَرْعِ قال لَكِنَّا نُسَاعِدُ الْفُقَهَاءَ على مُصْطَلَحِهِمْ في تَسْمِيَةِ مَحَلِّ الْوِفَاقِ بِالْأَصْلِ وَمَحَلِّ الْخِلَافِ بِالْفَرْعِ مَسْأَلَةٌ لَا يُشْتَرَطُ قِيَامُ الدَّلِيلِ على جَوَازِ الْقِيَاسِ على الْقِيَاسِ بِنَوْعِهِ أو شَخْصِهِ بَلْ كُلُّ مَعْنًى قَدَحَ فيه مَعْنًى مُخَيَّلٌ غَلَبَ على الظَّنِّ اتِّبَاعُهُ قِيسَ عليه خِلَافًا لِعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ وقال قَوْمٌ لَا بُدَّ من قِيَامِ الدَّلِيلِ على تَعْلِيلِهِ ولم يَكْتَفُوا بِقِيَامِ الدَّلِيلِ على أَصْلِ الْقِيَاسِ وَفَصَّلَ الْغَزَالِيُّ في ذلك فقال أَمَّا قِيَاسُ الشَّبَهِ فَشَرَطَ قَوْمٌ في جَوَازِ الِاعْتِمَادِ على الْجَامِعِ الشَّبَهِيِّ دُعَاءَهُ إلَى التَّعْلِيلِ فَلَوْ لم يَقُمْ دَلِيلُ وُجُوبِ التَّعْدِيَةِ في الْبُرِّ في مَسْأَلَةِ الرِّبَا لَمَا جَازَ الْقِيَاسُ قال وَهَذَا لَا يَتَعَدَّى عِنْدِي في أَكْثَرِ الْأَشْبَاهِ فإنه إذَا أَمْكَنَ تَعَرُّفُ الْحُكْمِ بِاسْمِ الْمَحَلِّ فَأَيُّ حَاجَةٍ إلَى طَلَبِ مَنَاطٍ لَا مُنَاسَبَةَ فيه وَفَرَّقَ الْإِمَامُ في الْأَشْبَاهِ فقال في بَعْضِهَا يَكْفِي في الْإِلْحَاقِ الِاطِّلَاعُ على الْوَصْفِ الشَّبَهِيِّ وفي بَعْضِهَا لَا بُدَّ من دُعَاءِ ضَرُورَةٍ إلَى التَّعْلِيلِ وَبَسَطَ ذلك مَسْأَلَةٌ لَا يُشْتَرَطُ في الْأَصْلِ أَنْ يَكُونَ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ على أَنَّ حُكْمَهُ مُعَلَّلٌ أو أَنْ تُثْبِتَ عِلَّتَهُ عَيْنًا بِالنَّصِّ بَلْ لو ثَبَتَ ذلك بِالطُّرُقِ الْعَقْلِيَّةِ أو الظَّنِّيَّةِ جَازَ الْقِيَاسُ عليه وَخَالَفَ فيه بِشْرٌ الْمَرِيسِيِّ وَالشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى فَزَعَمَا أَنَّهُ لَا يُقَاسُ على أَصْلٍ حتى يَدُلَّ نَصٌّ على عَيْنِ عِلَّةِ ذلك الْحُكْمِ أو انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ على كَوْنِ حُكْمِهِ مُعَلَّلًا وقال الْغَزَالِيُّ في شِفَاءِ الْعَلِيلِ نُقِلَ عن بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ وَجَمَاعَةٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ على أَصْلٍ بِمُجَرَّدِ قِيَامِ
  212. الدَّلِيلِ على أَصْلِ تَجْوِيزِ الْقِيَاسِ بَلْ لَا بُدَّ من دَلِيلٍ خَاصٍّ على أَنَّ الْأَصْلَ الذي يُقَاسُ عليه مَعْلُولٌ بِعِلَّةٍ لِأَنَّهُ على تَقْدِيرِ عَدَمِ الدَّلِيلِ الْخَاصِّ بِذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ من جُمْلَتِهَا أَصْلٌ لَا يُعَلَّلُ بَلْ يُخَصَّصُ مَوْرِدُهُ فَلَا بُدَّ من دَلِيلٍ على كَوْنِهِ الْأَصْلَ مُعَلَّلًا قال وَلَسْت أَعْرِفُ لِهَذَا الْمَذْهَبِ وَجْهًا إلَّا ما ذَكَرْته فإن الْوَصْفَ الْمُخَصِّصَ إذَا عَادَلَ الْوَصْفَ الْمُتَعَدِّيَ في الِانْفِكَاكِ عن الْمُنَاسَبَةِ تَعَادُلًا فَلَا بُدَّ من دَلِيلٍ على التَّعْدِيَةِ فَإِنْ خَصَّصَ صَاحِبُ هذا الْمَذْهَبِ مَذْهَبَهُ بهذا الْجِنْسِ من التَّعْلِيلِ الْخَالِي عن الْمُنَاسَبَةِ فَلَهُ وَجْهٌ كما ذَكَرْنَا وَإِنْ طَرَدَهُ فِيمَا ظَهَرَتْ فيه الْمَعَانِي الْمُنَاسِبَةُ وقال يَجُوزُ أَنْ يُلْحَقَ الشَّرْعُ الْمُنَاسِبَ في مَحَلٍّ مَخْصُوصٍ فَلَا بُدَّ من دَلِيلِ التَّعْدِيَةِ أو قال يَجُوزُ أَنْ يُقَدَّرَ وُقُوعُ هذا الْمُنَاسِبِ اتِّفَاقًا فَهُوَ في هذا الطَّرَفِ أَضْعَفُ وَاسْتِمْدَادُهُ من الْقَوْلِ بِإِنْكَارِ أَصْلِ الْقِيَاسِ انْتَهَى مَسْأَلَةٌ لَا يُشْتَرَطُ في الْأَصْلِ أَنْ يَكُونَ غير مَحْصُورٍ بِالْعَدَدِ بَلْ يَجُوزُ الْقِيَاسُ عليه سَوَاءٌ كان مَحْصُورًا أو لم يَكُنْ وقال قَوْمٌ الْمَحْصُورُ بِالْعَدَدِ لَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ عليه وَلِهَذَا قالوا لَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ على جَوَازِ قَتْلِ الْفَوَاسِقِ الْخَمْسِ لِأَنَّهُنَّ مَحْصُورَاتٌ بِاسْمِ الْعَدَدِ وهو مَمْنُوعٌ بَلْ هُنَّ مَحْصُورَاتٌ في الذِّكْرِ وَلَيْسَ النِّزَاعُ فيه وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِيمَا إذَا كان الْأَصْلُ مَحْصُورًا في اللَّفْظِ في عَدَدٍ مُعَيَّنٍ وَنَحْنُ وَإِنْ قُلْنَا بِأَنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ حُجَّةٌ لَكِنَّ الْقِيَاسَ أَوْلَى من الْمَفْهُومِ مَسْأَلَةٌ وَلَا يُشْتَرَطُ الِاتِّفَاقُ على وُجُودِ الْعِلَّةِ في الْأَصْلِ بَلْ يَكْفِي انْتِهَاضُ الدَّلِيلِ عليه خِلَافًا لِمَنْ شَذَّ حَيْثُ اشْتَرَطَهُ قال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ إنْ أَرَادَ بِالِاتِّفَاقِ الذي اشْتَرَطَهُ إجْمَاعَ الْأُمَّةِ كُلِّهَا أَدَّى إلَى إبْطَالِ الْقِيَاسِ لِأَنَّ نُفَاةَ الْقِيَاسِ من جُمْلَتِهِمْ وَأَكْثَرُهُمْ يَقُولُونَ إنَّ الْأُصُولَ غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ وَإِنْ أَرَادَ إجْمَاعَ الْقِيَاسِيِّينَ فَهُمْ بَعْضُ الْأُمَّةِ وَلَيْسَ قَوْلُهُمْ بِدَلِيلٍ
  213. مَسْأَلَةٌ تَأْثِيرُ الْأَصْلِ في كل مَوْضِعٍ وَلَا يُشْتَرَطُ تَأْثِيرٌ في كل مَوْضِعٍ قال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ في الِاسْتِدْلَالِ على إبْطَالِ بَيْعِ الْغَائِبِ بَاعَ عَيْنًا لم يَرَ منها شيئا فَوَجَبَ أَنْ لَا يَصِحَّ أَصْلُهُ إذَا بَاعَ النَّوَى في التَّمْرِ فَإِنْ قِيلَ قَوْلُكُمْ لم يَرَ منها شيئا لَا تَأْثِيرَ له في الْأَصْلِ لِأَنَّ بَعْضَ النَّوَى إذَا كان ظَاهِرًا يَرَاهُ وَبَعْضُهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ لَا يَصِحُّ أَيْضًا قُلْنَا ليس من شَرْطِ الْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا في كل مَوْضِعٍ وَإِنَّمَا يَكْفِي التَّأْثِيرُ في مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَتَأْثِيرُهُ في بَيْعِ الْبِطِّيخِ وَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ فإنه يَرَى بَعْضَهَا وهو ظَاهِرُهَا دُونَ بَاطِنِهَا وَيَكُونُ بَيْعُهَا صَحِيحًا مَسْأَلَةٌ قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ صَحِيحًا بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَاسِدًا وَشَهَادَتُهُ صَحِيحَةٌ وَهَذَا إنَّمَا يَصِحُّ في مَقَامِ الْإِلْزَامِ وَالْإِفْحَامِ كَإِلْزَامِنَا من اعْتَبَرَ الْأَصْلَ جَوَازَ اجْتِمَاعِ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ في مَحَلٍّ وَاحِدٍ وَهَذَا قِيَاسٌ صَحِيحٌ وَإِنْ كان الْأَصْلُ الذي قَاسَ عليه فَاسِدًا عِنْدَنَا
  214. الرُّكْنُ الثَّانِي حُكْمُ الْأَصْلِ الرُّكْنُ الثَّانِي حُكْمُ الْأَصْلِ وقد مَرَّ تَعْرِيفُ الْحُكْمِ في أَوَّلِ الْكِتَابِ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ تَبَعًا لِلشَّيْخِ في اللُّمَعِ الْحُكْمُ ما تَعَلَّقَ بِالْعِلَّةِ في التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ وَالْإِسْقَاطِ وهو إمَّا مُصَرَّحٌ بِهِ كَقَوْلِهِ فَجَازَ أَنْ يَجِبَ كَذَا أو فَوَجَبَ أَنْ يَجُوزَ كَذَا أو مُبْهَمٌ وهو على ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ أَحَدُهُمَا أَنْ يَقُولَ فَأَشْبَهَ كَذَا مِثْلُ أَنْ يَقُولَ شَرَابٌ فيه شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ فَأَشْبَهَ الْخَمْرَ وَاخْتَلَفُوا فيه فَقِيلَ بِالْمَنْعِ لِأَنَّهُ حُكْمٌ مُبْهَمٌ وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الْجَدَلِيِّينَ الصِّحَّةُ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ فَأَشْبَهَ كَذَا في الْحُكْمِ الذي وَقَعَ السُّؤَالُ عنه وَذَلِكَ شَيْءٌ مَعْلُومٌ بين السَّائِلِ وَالْمَسْئُولِ فَيَجِبُ أَنْ يُمْسِكَ عن بَيَانِهِ اكْتِفَاءً بِالْمَعْلُومِ الْمَوْجُودِ بَيْنَهُمَا الثَّانِي أَنْ تُذْكَرَ الْعِلَّةُ وَلَا يُصَرَّحُ بِالْحُكْمِ الذي سَأَلَ عنه بَلْ يُعَلَّقُ على الْعِلَّةِ التَّسْوِيَةُ بين حُكْمَيْنِ كَقَوْلِنَا في إيجَابِ النِّيَّةِ في الْوُضُوءِ طَهَارَةٌ فَيَسْتَوِي جَامِدُهَا وَمَائِعُهَا في النِّيَّةِ كَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ فَمِنْ أَصْحَابِنَا من قال لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ يُرِيدُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا في الْأَصْلِ في إسْقَاطِ النِّيَّةِ وفي الْفُرُوعِ في إيجَابِهَا وَهُمَا حُكْمَانِ مُتَضَادَّانِ وَالْقِيَاسُ أَنْ يُشْبِهَ حُكْمُ الشَّيْءِ من نَظِيرِهِ لَا من ضِدِّهِ وَمِنْهُمْ من قال إنَّهُ صَحِيحٌ وهو الْأَصَحُّ لِأَنَّ حُكْمَ الْعِلَّةِ هو التَّسْوِيَةُ بين الْمَائِعِ وَالْجَامِدِ في النِّيَّةِ وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا في النِّيَّةِ مَوْجُودٌ في الْأَصْلِ فَصَحَّ الْقِيَاسُ عليه وَإِنَّمَا يَظْهَرُ ذلك الِاخْتِلَافُ في التَّفْصِيلِ وَلَيْسَ ذلك بِحُكْمٍ عليه حتى يَصِيرَ فيه الِاخْتِلَافُ وَحَكَى شَارِحُ اللُّمَعِ عن بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَّا الْوَجْهَيْنِ هُنَا على الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وقال أبو الْحَسَنِ السُّهَيْلِيُّ في أَدَبِ الْجَدَلِ اخْتَلَفُوا في الْقِيَاسِ إذَا كان حُكْمُهُ التَّسْوِيَةَ بين حُكْمٍ وَحُكْمٍ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ في إزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِالْمَائِعِ إنَّهُ مَائِعٌ فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ فيه الطَّهَارَةُ عن الْحَدَثِ وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ قِيَاسًا على الْمَاءِ وَالزَّعْفَرَانِ وَالْبَوْلِ وَالْمَرَقَةِ وَغَيْرِ ذلك فَقِيلَ إنَّهُ فَاسِدٌ لِأَنَّ حُكْمَهُ مَجْهُولٌ لَا يُوقَفُ عليه وَقِيلَ إنْ
  215. كانت التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا في الْإِثْبَاتِ أو النَّفْيِ سَوَاءٌ الْأَصْلُ وَالْفَرْعُ فَهُوَ قِيَاسٌ صَحِيحٌ وَإِنْ كانت التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا في الْأَصْلِ أو الْفَرْعِ في الْإِثْبَاتِ أو في الْفَرْعِ في النَّفْيِ وفي الْأَصْلِ في الْإِثْبَاتِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّنَا في الْأُولَى نَقِيسُ الشَّيْءَ على نَظِيرِهِ وَمِثْلِهِ وفي الثَّانِيَةِ نَقِيسُهُ على ضِدِّهِ وَنَقِيضِهِ فَامْتَنَعَ وَقِيلَ إنْ ابْتَدَأَ الْمَسْئُولُ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ جَازَ وَإِنْ قَلَبَهَا على خَصْمِهِ بِمِثْلِهَا لم يَجُزْ وَقِيلَ يَجُوزُ مُطْلَقًا وهو الْأَصَحُّ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهِ في أَنَّهُ إذَا قَابَلَ قِيَاسًا لم يَكُنْ حُكْمُهُ التَّسْوِيَةَ بين حُكْمٍ وَحُكْمٍ فَقِيلَ الْقِيَاسُ الذي لم يَكُنْ حُكْمُهُ التَّسْوِيَةَ أَوْلَى لِأَنَّهُ مُصَرَّحٌ بِالْحُكْمِ وَيُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى إثْبَاتِ الْحُكْمِ من غَيْرِ دَرَجَةٍ أُخْرَى فَيُخَالِفُ قِيَاسَ التَّسْوِيَةِ وَقِيلَ قِيَاسُ التَّسْوِيَةِ أَوْلَى لِأَنَّ فيه التَّشْبِيهَ أَكْثَرَ قال وقد ذَكَرَ هذه الطَّرِيقَةَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ سَهْلٌ الصُّعْلُوكِيُّ في بَعْضِ الْمُنَاظَرَاتِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ انْتَهَى الثَّالِثُ من الْأَضْرُبِ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْعِلَّةِ إثْبَاتَ التَّأْثِيرِ بِمَعْنًى كَقَوْلِنَا في كَرَاهَةِ السِّوَاكِ لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ تَطْهِيرٌ يَتَعَلَّقُ بِالْفَمِ من غَيْرِ نَجَاسَةٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لِلصَّوْمِ فيه تَأْثِيرٌ كَالْمَضْمَضَةِ فإن هذا حُكْمٌ صَحِيحٌ وَالْقَصْدُ بِالْعِلَّةِ إثْبَاتُ حُكْمِ التَّأْثِيرِ على الْجُمْلَةِ الْكَلَامُ في شُرُوطِهِ شُرُوطِ حُكْمِ الْأَصْلِ أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الذي أُرِيدَ تَعْدِيَتُهُ إلَى الْفَرْعِ ثَابِتًا في الْأَصْلِ فإنه لو لم يَكُنْ ثَابِتًا فيه بِأَنْ لم يُشْرَعْ فيه ابْتِدَاءً أو شُرِعَ لَكِنْ نُسِخَ لم يُمْكِنْ بِنَاءُ حُكْمِ الْفَرْعِ عليه وَمِنْ فُرُوعِ هذا الشَّرْطِ أَنَّهُ لَا يُقَاسُ على حُكْمٍ مَنْسُوخٍ في ذلك الْحُكْمِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ من الْقِيَاسِ إثْبَاتُ مِثْلِ حُكْمِ الْقِيَاسِ في الْفَرْعِ فإذا كان الْحُكْمُ غير ثَابِتٍ بِالشَّرْعِ اسْتَحَالَ أَنْ يَثْبُتَ له مِثْلٌ بِالْقِيَاسِ لِأَنَّ نَسْخَ الْحُكْمِ يُبَيِّنُ عَدَمَ اعْتِبَارِ الشَّرْعِ لِلْوَصْفِ الْجَامِعِ حِينَئِذٍ وَتَعْدِيَةُ الْحُكْمِ فَرْعٌ على اعْتِبَارِهِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ قد مَرَّ في بَابِ النَّسْخِ عن الْحَنَفِيَّةِ إنَّهُ إذَا نُسِخَ حُكْمُ الْأَصْلِ يَبْقَى حُكْمُ الْفَرْعِ لَكِنْ حَيْثُ كان الْأَصْلُ مَعْمُولًا بِهِ ثُمَّ رَأَيْت هذا الْجَمْعَ لِشَارِحِ اللُّمَعِ فقال الْمَذْكُورُ في النَّسْخِ هو فِيمَا إذَا وَقَعَ نَسْخُ الْأَصْلِ بَعْدَ جَرَيَانِ الْقِيَاسِ عليه وَالْمَذْكُورُ في الْقِيَاسِ أَنْ نَقِيسَ على أَصْلٍ بَعْدَ النَّسْخِ في مَحَلِّ النَّسْخِ كما نَقِيسُ على وُجُوبِ صَوْمِ عَاشُورَاءَ بَعْدَ نَسْخِهِ وُجُوبَ صَوْمِ يَوْمٍ بِخِلَافِ قِيَاسِ صَوْمِ رَمَضَانَ على عَاشُورَاءَ في عَدَمِ افْتِقَارِهِ إلَى النِّيَّةِ فإن من سَلَّمَ وُجُوبَهُ ابْتِدَاءً وسلم عَدَمَ افْتِقَارِهِ إلَى التَّبْيِيتِ لم يَبْعُدْ أَنْ يَسْتَشْهِدَ بِهِ على رَمَضَانَ فإن الْمَنْسُوخَ
  216. الْوُجُوبُ وَلَيْسَ الْقِيَاسُ في الْوُجُوبِ وَلَكِنَّهُ في عَدَمِ دَلَالَةِ الْوُجُوبِ إلَى الِافْتِقَارِ إلَى النِّيَّةِ قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ نعم هُنَا إشْكَالٌ في شَيْءٍ وهو أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ ثَابِتًا وَيَلْزَمُهُ من اللَّوَازِمِ التي لَا يَلْزَمُ ارْتِفَاعُهَا بِارْتِفَاعِ خُصُوصِ ذلك الْحُكْمِ فَهَلْ يَجُوزُ الْقِيَاسُ على ذلك اللَّازِمِ أَمْ لَا مِثَالُهُ صِحَّةُ صَوْمِ عَاشُورَاءَ إذَا كان وَاجِبًا على تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ ذلك بِنِيَّةٍ نَهَارِيَّةٍ فإذا نُسِخَ عَاشُورَاءُ بِخُصُوصِهِ لم يَلْزَمْ منه نَسْخُ اللَّازِمِ وهو صِحَّةُ الصَّوْمِ الْوَاجِبِ بِنِيَّةٍ نَهَارِيَّةٍ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَاسَ عليه صَوْمُ رَمَضَانَ الْوَاجِبُ فَيَصِحُّ بِنِيَّةٍ نَهَارِيَّةٍ فيه نَظَرٌ انْتَهَى ثَانِيهَا أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ شَرْعِيًّا لِيَخْرُجَ الْحُكْمُ الْعَقْلِيُّ وَاللُّغَوِيُّ فَإِنَّا بِتَقْدِيرِ أَنْ يَجْرِيَ الْقِيَاسُ التَّمْثِيلِيُّ فِيهِمَا قِيَاسًا شَرْعِيًّا بَلْ عَقْلِيًّا وَلُغَوِيًّا وَكَلَامُنَا في الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ تَنْبِيهٌ وَيَنْشَأُ من هذه الْمَسْأَلَةِ الْخِلَافُ في النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ وهو الْبِنَاءُ على ما كان قبل الشَّرْعِ هل يَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ وَهَذَا إذَا قُلْنَا إنَّ نَفْيَ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ ليس حُكْمًا شَرْعِيًّا أَمَّا من ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ حُكْمٌ فَلَا إشْكَالَ عِنْدَهُ في صِحَّةِ إثْبَاتِهِ بِالْقِيَاسِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ نَفْيَ الْحُكْمِ ليس بِحُكْمٍ فَقِيلَ يَصِحُّ أَنْ يَتَلَقَّى من الْقِيَاسِ وَقِيلَ بِالْمَنْعِ وَفَرَّقَ آخَرُونَ بين النَّفْيِ الْمَسْبُوقِ بِالْإِثْبَاتِ فإنه يَصِحُّ ثُبُوتُهُ بِقِيَاسِ الْعِلَّةِ وَالنَّفْيُ الْأَصْلِيُّ لَا يَثْبُتُ بِقِيَاسِ الْعِلَّةِ وَيَجُوزُ بِقِيَاسِ الدَّلَالَةِ قال الْأَنْبَارِيُّ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ النَّفْيَ الْمَسْبُوقَ بِإِثْبَاتٍ يَرْجِعُ إلَى أَنَّ أَدِلَّةَ الْإِثْبَاتِ تَتَأَخَّرُ عن الدَّلَالَةِ في حَالَةِ من يُبْقِي تِلْكَ الْحَالَةَ على ما قبل وُرُودِ الشَّرْعِ وَمِثَالُهُ أَنَّ الْخَمْرَ كان تَحْرِيمُهَا مُنْتَفِيًا قبل وُرُودِ الشَّرْعِ فلما جاء الشَّرْعُ بِالتَّحْرِيمِ مَخْصُوصًا بِحَالَةِ الِاخْتِيَارِ فَبَقِيَ ثُبُوتُهَا في حَالَةِ الِاضْطِرَارِ على ما كان عليه قبل الشَّرْعِ وَهَذَا نَفْيٌ مَسْبُوقٌ بِإِثْبَاتٍ وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْمَنْعِ فَمِنْ الشُّرُوطِ أَنْ لَا يَكُونَ نَفْيًا أَصْلِيًّا ثَالِثُهَا أَنْ يَكُونَ الطَّرِيقُ إلَى مَعْرِفَتِهِ سَمْعِيًّا لِأَنَّ ما ليس طَرِيقُهُ بِسَمْعِيٍّ لَا يَكُونُ حُكْمًا شَرْعِيًّا وَالْمَقْصُودُ من هذا الْعِلْمِ بَيَانُ طُرُقِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَهَذَا الشَّرْطُ على رَأْيِنَا ظَاهِرٌ وَأَمَّا من يقول بِالتَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيِّ فَاحْتَرَزُوا بِهِ عن الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الذي طَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ الْعَقْلُ وفي الْمَحْصُولِ هذا الشَّرْطُ على رَأْيِنَا وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ الْمُجَوِّزُونَ ثُبُوتَ الْحُكْمِ بِالْعَقْلِ فَفِيهِ على مَذْهَبِهِمْ احْتِمَالٌ
  217. رَابِعُهَا أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ ثَابِتًا بِالنَّصِّ وهو الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَيُعْرَفُ حُكْمُهُ بِالنَّصِّ وَالظَّاهِرِ وَالْعُمُومِ فَأَمَّا ما عُرِفَ الْحُكْمُ منه بِالْمَفْهُومِ وَالْفَحْوَى فَهَلْ يَجُوزُ الْقِيَاسُ عليه لم يَتَعَرَّضُوا له وَيَتَّجِهُ أَنْ يُقَالَ إنْ قُلْنَا إنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ النُّطْقِ فَوَاضِحٌ وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ كَالْقِيَاسِ فَيَلْحَقُ بِهِ فِيمَا سَيَأْتِي وَأَمَّا ما ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ فَهَلْ يَجُوزُ الْقِيَاسُ عليه فيه وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا كما قَالَهُ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وابن السَّمْعَانِيِّ الْجَوَازُ وَحَكَاهُ ابن بَرْهَانٍ عن جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ عليه ما لم يُعْرَفْ النَّصُّ الذي أَجْمَعُوا لِأَجْلِهِ قال ابن السَّمْعَانِيِّ وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ أَصْلٌ في إثْبَاتِ الْأَحْكَامِ كَالنَّصِّ فإذا جَازَ الْقِيَاسُ على الثَّابِتِ بِالنَّصِّ جَازَ على الثَّابِتِ بِالْإِجْمَاعِ قال ابن بَرْهَانٍ وَشُبْهَةُ الْمَانِعِ احْتِمَالُ كَوْنِ عِلَّةِ الْحُكْمِ الْمُجْمَعِ عليه قَاصِرَةً لَا تَتَعَدَّى وَجَوَابُهَا إنَّمَا نُعَلِّلُ بِعِلَّةٍ مُتَعَدِّيَةٍ إلَى الْفَرْعِ وَإِثْبَاتُ الْحُكْمِ بِعِلَّةٍ قَاصِرَةٍ وَمُتَعَدِّيَةٍ جَائِزٌ وَهَذَا يَلْتَفِتُ إلَى أَصْلٍ وهو أَنَّ الْحُكْمَ إذَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عليه وَعَلَى عِلَّتِهِ هل يَجُوزُ تَعْلِيلُهُ أَمْ لَا فَعِنْدَنَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ على الْحُكْمِ لَا على الْعِلَّةِ لِأَنَّهَا من قَبِيلِ الْعَقْلِيَّاتِ وهو لَا يَثْبُتُ بِالْإِجْمَاعِ انْتَهَى وَأَمَّا ما يَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ على غَيْرِهِ فَأَطْلَقَ الْآمِدِيُّ وَالرَّازِيَّ وَأَتْبَاعُهُمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الدَّلِيلَ الدَّالَّ على حُكْمِ الْأَصْلِ قِيَاسًا عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ من أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ خِلَافًا لِبَعْضِ الْحَنَابِلَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَمِنْهُمْ من عَبَّرَ عنه بِأَنْ لَا يَكُونَ ذلك الْأَصْلُ فَرْعًا لِأَصْلٍ آخَرَ فَاحْتَجُّوا على الْمَنْعِ بِأَنَّ الْعِلَّةَ الْجَامِعَةَ بين الْقِيَاسَيْنِ إنْ اتَّحَدَتْ كان ذِكْرُ الْأَصْلِ الثَّانِي تَطْوِيلًا بِلَا فَائِدَةٍ لِأَنَّهُ يُسْتَغْنَى بِقِيَاسِ الْفَرْعِ الثَّانِي على الْأَصْلِ الْأَوَّلِ فَلَا مَعْنَى لِقِيَاسِ الذُّرَةِ على الْأُرْزِ بِقِيَاسِ الْأُرْزِ على الْبُرِّ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ لم يَنْعَقِدْ الْقِيَاسُ الثَّانِي لِعَدَمِ اشْتِرَاكِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فيه في عِلَّةِ الْحُكْمِ لَكِنْ نَقَلَ ابن بَرْهَانٍ عن الْحَنَفِيَّةِ مَنْعَ الْقِيَاسِ على الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْقِيَاسِ قال وَيُسَاعِدُهُمْ من أَصْحَابِنَا أبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِنَا على الْجَوَازِ قال وَحَرْفُ الْمَسْأَلَةِ جَوَازُ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ قُلْت وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ في الْأُمِّ الْمَنْعُ فإنه قال في كِتَابِ الْمُزَارَعَةِ من اخْتِلَافِ الْعِرَاقِيِّينَ إنَّ
  218. الْمُسَاقَاةَ على النَّخْلِ جَائِزَةٌ وَالْمُزَارَعَةَ على الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ مُمْتَنِعَةٌ وَإِنَّ من أَجَازَهَا قَاسَهَا على الْمُضَارَبَةِ فقال ما نَصُّهُ وَهَذَا غَلَطٌ في الْقِيَاسِ إنَّمَا أَجَزْنَا بِخَبَرِ الْمُضَارَبَةِ وقد جاء عن عُمَرَ بن الْخَطَّابِ رضي اللَّهُ عنه أنها كانت قِيَاسًا على الْمُعَامَلَةِ في النَّخْلِ فَكَانَتْ تَبَعًا قِيَاسًا لَا مَتْبُوعًا مَقِيسًا عليها انْتَهَى وَأَمَّا الشَّيْخُ في اللُّمَعِ فإنه قَسَمَ الْمَسْأَلَةَ إلَى قِسْمَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَسْتَنْبِطَ من الثَّابِتِ بِالْقِيَاسِ نَفْسَ الْمَعْنَى الذي يَثْبُتُ بِهِ وَيُقَاسُ عليه غَيْرُهُ قال وَهَذَا لَا خِلَافَ في جَوَازِهِ وَالثَّانِي أَنْ يَسْتَنْبِطَ منه مَعْنَى الذي يَقِيسُ بِهِ على غَيْرِهِ وَيُقَاسُ غَيْرُهُ قال وَهَذَا فيه وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا وَبِهِ قال أبو عبد اللَّهِ الْبَصْرِيُّ الْجَوَازُ وَنَصَرَهُ الشَّيْخُ في التَّبْصِرَةِ وَالثَّانِي وَبِهِ قال الْكَرْخِيّ الْمَنْعُ قال الشَّيْخُ وهو يَصِحُّ عِنْدِي الْآنَ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى إثْبَاتِ حُكْمٍ في الْفَرْعِ بِغَيْرِ عِلَّةِ الْأَصْلِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَكَذَا صَحَّحَهُ في الْقَوَاطِعِ ولم يذكر الْغَزَالِيُّ غَيْرَهُ وَمِثَالُهُ قِيَاسُ الْأُرْزِ على الْبُرِّ بِعِلَّةِ الطُّعْمِ من يُسْتَخْرَجُ من الْأُرْزِ مَعْنًى لَا يُوجَدُ في الْبُرِّ وَيُقَاسُ عليه غَيْرُهُ في الرِّبَا كما لو اسْتَنْبَطَ منه أَنَّهُ نَبْتٌ لَا يَنْقَطِعُ عنه الْمَاءُ ثُمَّ يُقَاسُ عليه النَّيْلُوفَرُ فَهَذَا مَوْضِعُ الْخِلَافِ وقد صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ بِالْقِسْمَيْنِ في بَابِ الرِّبَا وَاقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ في جَوَازِ الْأَوَّلِ وَحَكَى الْوَجْهَيْنِ في الثَّانِي من غَيْرِ تَرْجِيحٍ وقال وَأَصْلُهُمَا الْقَوْلُ بِالتَّعْلِيلِ بِعِلَّتَيْنِ فَمَنْ قال بِالْمَنْعِ مَنَعَ هُنَا وَمَنْ أَجَازَهُمَا أَجَازَ هَاهُنَا لَكِنَّ قَوْلَهُ وَقَوْلَ الشَّيْخِ لَا خِلَافَ في جَوَازِ إلْحَاقِهِ رَدَّهُ تَعْلِيلُهُمْ بِأَنَّهُ عِنْدَ اتِّحَادِ الْعِلَّةِ تَطْوِيلٌ بِلَا فَائِدَةٍ وَعَلَى أَنَّ الْغَزَالِيَّ قد صَرَّحَ في هذه الصُّورَةِ بِالْمَنْعِ لِأَنَّ تَطْوِيلَ الطَّرِيقِ في ذلك عَيْبٌ فلم يَجُزْ وَهَذَا هو الْمُتَّجِهُ ثُمَّ قال الشَّيْخُ في شَرْحِهِ وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ هُمَا الْوَجْهَانِ في قِيَاسِ الشَّبَهِ لِأَنَّهُ يُرَجَّحُ بِمُجَرَّدِ الشَّبَهِ من غَيْرِ عِلَّةٍ وَفِيمَا ذَكَرَهُ نَظَرٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلَّ هذا الشَّرْطِ ما إذَا لم يَظْهَرْ لِلْوَسَطِ فَائِدَةٌ فَإِنْ ظَهَرَ فَلَا يَمْتَنِعُ قِيَاسُ الْفَرْعِ على الْفَرْعِ وَكِتَابُ السِّلْسِلَةِ لِلشَّيْخِ أبي مُحَمَّدٍ مَبْنِيٌّ على ذلك وَهَذَا كُلُّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّاظِرِ أَمَّا الْمُنَاظِرُ فَبِحَسَبِ ما يَصْطَلِحُونَ عليه وَأَمَّا
  219. أَرْبَابُ الْمَذَاهِبِ فَأَقْوَالُ مُقَلِّدِيهِمْ وَإِنْ كانت فُرُوعًا تُنَزَّلُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُقَلِّدِينَ مَنْزِلَةَ أَقْوَالِ الشَّارِعِ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِينَ فإذا حَفِظَ من إمَامِهِ فُتْيَا وَفَهِمَ مَعْنَاهَا جَازَ له أَنْ يُلْحِقَ بها ما يُشَابِهُهَا على الصَّحِيحِ خِلَافًا لِمُحَمَّدِ بن يحيى وهو الْمُعَبَّرُ عنه بِالتَّخْرِيجِ وَجَعَلَ إلْكِيَا مَحَلَّ الْخِلَافِ في هذا فِيمَا لم يَكُنْ الْحُكْمُ في الْفَرْعِ بِنَصٍّ أو دَلِيلِ نَصٍّ يُسْتَدَلُّ بِهِ على مِثْلِهِ وَيَكُونُ الْفَرْعُ الثَّانِي مِثْلًا فَإِنْ كان كَذَلِكَ فَلَا يَمْتَنِعُ منه قَطْعًا كما أَنَّ الْحُكْمَ ثَبَتَ بِالنَّصِّ وَمَعَ ذلك يَمْتَنِعُ حَمْلُ الْفَرْعِ عليه بِعِلَّةٍ فَرَجَعَ حَاصِلُ الْخِلَافِ إلَى أَنَّ الذي ثَبَتَ بِالْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ أَصْلًا وما لَا يَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ من الْمُخْتَلَفِ فيه يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ أَصْلًا إذَا كان ثُبُوتُهُ بِعُمُومٍ أو نَصٍّ أو غَيْرِهِ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ بِذَلِكَ عن كَوْنِهِ فَرْعًا ثَابِتًا بِالْقِيَاسِ قال وَهَذَا قَوْلُ الْأُصُولِيِّينَ وهو يَسْتَدْعِي الْبِنَاءَ على أَصْلٍ وهو أَنَّ الْحُكْمَ الْوَاحِدَ هل يَجُوزُ إثْبَاتُهُ بِعِلَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ فَإِنْ قُلْنَا يَمْتَنِعُ نَشَأَ منه أَنَّ الْفَرْعَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ أَصْلًا لِفَرْعٍ آخَرَ تَنْبِيهٌ إذَا مَنَعْنَا أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ قِيَاسًا يُسْتَثْنَى منه صُورَتَانِ إحْدَاهُمَا الْقِيَاسُ الذي قَاسَهُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم إذَا جَوَّزْنَا له الِاجْتِهَادَ وَالثَّانِيَةُ التي أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ على إلْحَاقِهِ بِالْأَصْلِ ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ في مَسْأَلَةِ الِاجْتِهَادِ وَسَتَأْتِي خَامِسُهَا أَنْ لَا يَكُونَ دَلِيلُ حُكْمِهِ شَامِلًا لِحُكْمِ الْفَرْعِ لِأَنَّهُ لو عَمَّهُ لَخَرَجَ عن كَوْنِهِ فَرْعًا وَضَاعَ الْقِيَاسُ لِخُلُوِّهِ عن الْفَائِدَةِ بِالِاسْتِغْنَاءِ بِدَلِيلِ الْأَصْلِ عنه وَلِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ جَعْلُ أَحَدِهِمَا أَصْلًا وَالْآخَرِ فَرْعًا أَوْلَى من الْعَكْسِ وقد يُنَازَعُ فيه وَمِثَالُهُ السَّفَرْجَلُ مَطْعُومٌ فَيَجْرِي فيه الرِّبَا قِيَاسًا على الْبُرِّ ثُمَّ يُسْتَدَلُّ على عِلِّيَّةِ الطُّعْمِ بِقَوْلِهِ لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ وَجَوَّزَ آخَرُونَ ذلك نَظَرًا إلَى أَنَّ الْمُسْتَدِلَّ إذَا ذَكَرَ دَلِيلًا له مَدْلُولَانِ وَتَمَسَّكَ بِأَحَدِ مَدْلُولَيْهِ على مَرَامِهِ لَا يَقْتَضِي الْحُكْمُ تَكْلِيفَهُ التَّمَسُّكَ بِمَدْلُولِهِ الْآخَرِ كما لو كان مَدْلُولُهُ الْآخَرُ غير مَحَلِّ النِّزَاعِ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَالْفَرْقُ أَنَّ الدَّلَالَةَ على الْعِلَّةِ إنَّمَا تُرَادُ لِإِثْبَاتِ مَحَلِّ النِّزَاعِ فَالدَّلَالَةُ على ثُبُوتِهَا بِمَا يُغْنِي عن ثُبُوتِهَا لَا فَائِدَةَ فيه بِخِلَافِ ما إذَا كان الْمَدْلُولُ الْآخَرُ مَحَلَّ النِّزَاعِ وقد وَجَّهَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ من الْأَصْحَابِ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ في اشْتِرَاطِ الْحُلُولِ في زَكَاةِ الْمَعْدِنِ بِالْقِيَاسِ
  220. على النَّقْدَيْنِ من غَيْرِ الْمَعْدِنِ وَيُقَالُ عليه لَا فَرْقَ بين الْمَعْدِنِ وَغَيْرِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى قَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا زَكَاةَ في مَالٍ حتى يَحُولَ عليه الْحَوْلُ فإنه يَشْمَلُ كُلَّ مَالٍ فَلِمَ جَعَلْتُمْ مَالَ الْمَعْدِنِ فَرْعًا سَادِسُهَا أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مُتَّفَقًا عليه لِأَنَّهُ لو كان مَمْنُوعًا منه لَاحْتَاجَ الْقِيَاسُ إلَى ثُبُوتِهِ فَيَنْتَقِلُ من مَسْأَلَةٍ إلَى أُخْرَى وَهَذَا الشَّرْطُ لَا يُغْنِي عن قَوْلِهِمْ فِيمَا سَبَقَ أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمُهُ ثَابِتًا بِالْقِيَاسِ على أَصْلٍ آخَرَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ مع وُقُوعِ الْخِلَافِ فيه وَجَوَّزَ آخَرُونَ الْقِيَاسَ على الْأَصْلِ الْمَمْنُوعِ الْحُكْمِ مُطْلَقًا لِأَنَّ الْقِيَاسَ في نَفْسِهِ لَا يَشْتَرِطُ الِاتِّفَاقَ عليه في جَوَازِ التَّمَسُّكِ بِهِ فَسُقُوطُ ذلك في كل رُكْنٍ من أَرْكَانِهِ أَوْلَى وَقِيلَ يَجُوزُ إنْ كان الْمَنْعُ خَفِيًّا وَقِيلَ يَجُوزُ إنْ أَمْكَنَ الدَّلَالَةُ عليه بِنَصٍّ أو إجْمَاعٍ يُثْبِتَانِ حُكْمَ الْأَصْلِ وَلَا يَتَنَاوَلَانِ مَحَلَّ النِّزَاعِ فإذا ثَبَتَ الْأَصْلُ اسْتَنْبَطَ منه عِلَّةً عَدَّى بها الْحُكْمَ إلَى الْفَرْعِ فَلَا يَكُونُ حُكْمُ الْفَرْعِ ثَابِتًا بِمَا ثَبَتَ بِهِ حُكْمُ الْأَصْلِ الْمَمْنُوعِ فَيُقَالُ كان اسْتِعْمَالُ الْأَصْلِ حَشْوًا وَلَا يَكُونُ حُكْمُ الْأَصْلِ الْمَمْنُوعِ مُخْتَصًّا في ثُبُوتِهِ بِمَا يَنْقَطِعُ بِهِ إلْحَاقُ الْفَرْعِ بِهِ وَقِيلَ يُبْنَى الْأَمْرُ على اصْطِلَاحِ أَهْلِ الْعَصْرِ من غَيْرِ جُحُودٍ ذَكَرَهُ بَعْضُ الْجَدَلِيِّينَ وإذا قُلْنَا بِالْأَوَّلِ فَاخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ الِاتِّفَاقِ عليه فَشَرَطَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَتَّفِقَ عليه الْخَصْمَانِ فَقَطْ لِتَنْضَبِطَ فَائِدَةُ الْمُنَاظَرَةِ وَمِنْهُمْ من شَرَطَ أَنْ يَكُونَ مُتَّفَقًا عليه بين الْأُمَّةِ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَاخْتَارَ في الْمُنْتَهَى أَنَّ الْمُعْتَرِضَ إنْ كان مُقَلِّدًا لم يُشْتَرَطْ الْإِجْمَاعُ إذْ ليس مَنْعُ ما ثَبَتَ مَذْهَبًا له وَإِنْ كان مُجْتَهِدًا اُشْتُرِطَ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ ليس مُرْتَبِطًا بِإِمَامٍ فإذا لم يَكُنْ الْحُكْمُ مُجْمَعًا عليه وَلَا مَنْصُوصًا عليه جَازَ له أَنْ يَمْنَعَهُ في الْأَصْلِ فَبَطَلَ الْقِيَاسُ أو يُعَيِّنَ عِلَّةً لَا تَتَعَدَّى إلَى الْفَرْعِ وَهَذَا تَفْصِيلٌ حَسَنٌ لَكِنَّ وُقُوعَهُ بَعِيدٌ ثُمَّ إذَا اتَّفَقَا على إثْبَاتِ الْحُكْمِ في الْأَصْلِ نُظِرَ فَإِنْ كان بِعِلَّتَيْنِ فَالْعِلَّةُ عِنْدَ الْخَصْمِ غَيْرُ الْعِلَّةِ عِنْدَ الْمُسْتَدِلِّ فَهُوَ مُرَكَّبُ الْأَصْلِ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَيْ ما جُعِلَ
  221. جَامِعًا وَصْفَانِ يَصْلُحُ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنْ يَكُونَ عِلَّةً كما في قِيَاسِ حُلِيِّ الْبَالِغَةِ على حُلِيِّ الصَّبِيَّةِ فإن عَدَمَ الْوُجُوبِ في حُلِيِّ الصَّبِيَّةِ مُتَّفَقٌ عليه بين الْخَصْمَيْنِ لَكِنْ لِعِلَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ فإنه عِنْدَنَا لِعِلَّةِ كَوْنِهِ حُلِيًّا وَعِنْدَهُمْ لِعِلَّةِ كَوْنِهِ مَالًا لِلصَّبِيَّةِ وَالْمُعْتَرِضُ على أَحَدِ الْحُسْنَيَيْنِ لِأَنَّ عِلَّتَهُ إنْ كانت هِيَ الصَّحِيحَةُ في نَفْسِ الْأَمْرِ انْقَطَعَ قِيَاسُ خَصْمِهِ وَإِنْ كانت عِلَّةُ الْمُعْتَرِضِ هِيَ الْبَاطِلَةُ مُنِعَ حُكْمُ الْأَصْلِ فَانْقَطَعَ الْقِيَاسُ أَيْضًا وَاعْلَمْ أَنَّهُ لم يُسَمَّ مُرَكَّبًا لِاخْتِلَافِ الْحُكْمَيْنِ في عِلَّةِ حُكْمِ الْأَصْلِ فَقَطْ كما صَارَ إلَيْهِ بَعْضُهُمْ وَإِلَّا لَكَانَ كُلُّ قِيَاسٍ اخْتَلَفَ في عِلَّةِ أَصْلِهِ مُرَكَّبًا وهو بَاطِلٌ بَلْ لِاخْتِلَافِ الْخَصْمِ في تَرْكِيبِ الْحُكْمِ على الْعِلَّةِ في الْأَصْلِ فإن الْمُسْتَدِلَّ يَزْعُمُ أَنَّ الْعِلَّةَ مُسْتَنْبَطَةٌ من حُكْمِ الْأَصْلِ وَهِيَ فَرْعٌ له وَالْمُعْتَرِضُ يَزْعُمُ أَنَّ الْحُكْمَ في الْأَصْلِ فَرْعٌ على الْعِلَّةِ وَلَا طَرِيقَ إلَى إثْبَاتِهِ سِوَاهَا وَلِذَلِكَ يَمْتَنِعُ ثُبُوتُهُ عِنْدَ انْتِفَائِهَا وَبُطْلَانِهَا وَإِنَّمَا سُمِّيَ تَرْكِيبَ الْأَصْلِ لِأَنَّهُ نَظَرٌ في حُكْمِ الْأَصْلِ وَإِنْ كان لِعِلَّةٍ وَلَكِنْ مَنَعَ الْخَصْمُ وُجُودَهَا في الْفَرْعِ فَيُسَمَّى مُرَكَّبَ الْوَصْفِ لِأَجْلِ اخْتِلَافِهِمْ في نَفْسِ الْوَصْفِ الْجَامِعِ هل له وُجُودٌ في الْأَصْلِ أَمْ لَا وَسُمِّيَ تَرْكِيبًا في الْوَصْفِ لِأَنَّ الْحُكْمَ الذي وَقَعَ التَّرْكِيبُ في عِلَّتِهِ وَقَعَ جَامِعًا في الْقِيَاسِ فَأُطْلِقَ عليه وَصْفًا لِأَنَّ أَصْلَ الْجَمْعِ بِالْأَوْصَافِ وَمِثَالُهُ اخْتِلَافُ أبي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ رضي اللَّهُ عنهما في قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ مع اتِّفَاقِهِمَا على أَنَّ الْأَبَ لَا يُقْتَلُ بِالْوَلَدِ فإذا قَاسَ الشَّافِعِيُّ الْفَرْعَ بِالْأَصْلِ أَمْكَنَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا بِحُكْمٍ مُتَّفَقٍ عليه مُخْتَلَفٍ في عِلَّتِهِ وَذَلِكَ الْحُكْمُ كَوْنُ الْمُسْلِمِ لَا يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ إذَا قَتَلَهُ بِالْمُثَقَّلِ يَلْزَمُ من ذلك أَنْ لَا يُقْتَلَ بِهِ إذَا قَتَلَهُ بِالْمُحَدَّدِ لِأَنَّ الْأَبَ لَا يُقْتَلُ بِابْنِهِ بِاتِّفَاقِهِمَا مُحَدَّدًا أو مُثَقَّلًا فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ أُخِذَ من اجْتِمَاعِ الْحُكْمَيْنِ في الْأَبِ وَاسْتِوَائِهِمَا في حَقِّهِ اسْتِوَاؤُهُمَا في حَقِّ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ لَكِنَّ الْعِلَّةَ مُخْتَلِفَةٌ في قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ بِالْمُثَقَّلِ فَعِنْدَ أبي حَنِيفَةَ لِكَوْنِهِ مُثَقَّلًا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لِعَدَمِ التَّكَافُؤِ وَكَلَامُ الْهِنْدِيِّ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ الْقِيَاسِ الْمُرَكَّبِ بِالْأَوَّلِ فلم يُذْكَرْ هذا الثَّانِي وَالْأَصَحُّ تَنَاوُلُهُ لِلْقِسْمَيْنِ جميعا وَعَلَيْهِ جَرَى الْآمِدِيُّ وابن الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمَا وقد اخْتَلَفُوا فِيهِمَا فَقَبِلَهُمَا جَمَاعَةٌ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُمَا لَا يُقْبَلَانِ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَا يُنْقَلُ عن عَدَمِ الْعِلَّةِ في الْفَرْعِ أو مَنْعِ حُكْمِ الْأَصْلِ وَالثَّانِي لَا يُنْقَلُ عن عَدَمِ الْعِلَّةِ في الْأَصْلِ أو مَنْعِ حُكْمِ الْأَصْلِ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الْبُرْهَانِ أَمَّا مُرَكَّبُ الْأَصْلِ فَمِنْهُ الشَّيْءُ الْمُتَفَاحِشُ وَمِنْهُ ما لَا يَتَفَاحَشُ كَقَوْلِهِ أُنْثَى فَلَا تُزَوِّجُ نَفْسَهَا كَبِنْتِ خَمْسَ عَشْرَةَ فَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ طَوَائِفُ من الْجَدَلِيِّينَ أَنَّهُ
  222. صَحِيحٌ وَحَاصِلُ خِلَافِهِمْ يُؤَوَّلُ إلَى أَنَّ الْحُكْمَ مُتَّفَقٌ عليه وَالْمُعَلِّلُ يَلْتَزِمُ إثْبَاتَ الْأُنُوثَةِ عِلَّةً فَإِنْ أَثْبَتَهَا ثَبَتَ بِهِ أنها الْعِلَّةُ وَتَشَعُّبُ الْمَذَاهِبِ بَعْدَ ذلك لَا أَصْلَ له وَإِنْ لم يَتَمَكَّنْ الْمُعَلِّلُ من إثْبَاتِ ما ذَكَرَهُ في الْفَرْعِ عِلَّةً في الْأَصْلِ فَاَلَّذِي جاء بِهِ بَاطِلٌ وَإِنْ لم يَكُنْ مُرَكَّبًا فَإِذَنْ لَا تَأْثِيرَ لِلتَّرْكِيبِ كان أو لم يَكُنْ وَإِنَّمَا الْمُتَّبَعُ إثْبَاتُ عِلَلِ الْأُصُولِ قال وَهَذَا بَاطِلٌ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ فإن الْمُخَالِفَ يقول ظَنَنْت الْخَمْسَ عَشْرَةَ صَغِيرَةً وَلَوْ كانت كَذَلِكَ لَكَانَ الْقِيَاسُ على الصَّغِيرَةِ بَاطِلًا كما تَقَدَّمَ إلْحَاقًا بِالْقِيَاسِ على مَأْلُوفٍ قال وَأَمَّا التَّرْكِيبُ في الْوَصْفِ فَيَنْقَسِمُ كَذَلِكَ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ قَتْلُ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ لَا يَسْتَوْجِبُ الْقِصَاصَ كَقَتْلِ الْمُثَقَّلِ لَا يُوجِبُ قَتْلَ السَّيْفِ كَالْأَبِ في ابْنِهِ وَصَحَّحَهُ بَعْضُ الْجَدَلِيِّينَ وهو في غَايَةِ الْفَسَادِ عِنْدَنَا وقال إلْكِيَا في تَعْلِيقِهِ لَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ في الْمُرَكَّبِ لِأَنَّهُ لو صَحَّ لَتَرَكَّبَ عليه مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ وَلَوْ أَنَّ الْأَوَّلِينَ من الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ يَتَعَرَّضُونَ له ولم يُنْقَلْ عَنْهُمْ وَنُقِلَ عن الدَّارَكِيِّ أَنَّهُ قال التَّرْكِيبُ صَحِيحٌ لَكِنَّهُ يُمْكِنُ انْتِقَاضُهُ بِأَنْ يُعَارَضَ بِالتَّعْدِيَةِ قال أَصْحَابُنَا هذا غَفْلَةٌ منه وَلَعَلَّهُ قَالَهُ في ضِيقِ النَّظَرِ فَاعْتُرِضَ عليه بِأَنَّهُ سَلَّمَ لِخَصْمِهِ وُجُودَ عِلَّتِهِ وَهِيَ الْأُنُوثَةُ وهو لم يُسَلِّمْ وُجُودَ عِلَّتِهِ وَهِيَ الصِّغَرُ وَأَيْضًا فإنه عَلَّلَ وَعَدَّى إلَى فَرْعٍ لم يَسْأَلْ عنه وَالْمُسْتَدِلُّ عَلَّلَ وَعَدَّى فَتَكَاسَلَ عنه قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَهَذَا من الْأَصْحَابِ غَيْرُ صَحِيحٍ وَالرَّجُلُ ما قال ذلك إلَّا عن نَظَرٍ وَتَحْقِيقٍ أَمَّا قَوْلُهُمْ إنَّهُ لم يُسَلِّمْ له خَصْمُهُ وُجُودَ الصِّغَرِ في الْأَصْلِ وهو قد سَلَّمَ له وُجُودَ الْأُنُوثَةِ فَلِهَذَا يُبْنَى على أَصْلٍ وهو أَنَّ السَّائِلَ إذَا عَارَضَ الْمُسْتَدِلَّ مُعَارَضَتَهُ فَهَلْ له أَنْ يَدُلَّ اخْتَلَفُوا فيه وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُمَكَّنُ من إقَامَةِ الدَّلِيلِ لِأَنَّهُ لَمَّا عَارَضَ فَقَدْ نَصَبَ نَفْسَهُ مُسْتَدِلًّا فَلَهُ إقَامَةُ الدَّلِيلِ وَهَذَا مَبْنِيٌّ على أَنَّهُ إذَا مُونِعَ وُجُودُ الصِّغَرِ ذَكَرَ عِلَّتَهُ وَيَكْفِيهِ ذلك وقال ابن بَرْهَانٍ الْقِيَاسُ الْمُرَكَّبُ بَاطِلٌ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ من أَصْحَابِنَا وَمِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَذَهَبَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا الطَّرْدِيِّينَ وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ إلَى أَنَّهُ صَحِيحٌ وَصُورَتُهُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فيه نَتِيجَةَ الْعِلَّةِ وَتَكُونَ عِلَّةُ الْأَصْلِ مُخْتَلَفًا فيها بِحَيْثُ لو قَدَّرْنَا فَسَادَ تِلْكَ الْعِلَّةِ لَتَضَمَّنَ ذلك بُطْلَانَ الْحُكْمِ فَإِنْ قِيلَ ما من أَصْلٍ يُبْنَى عليه فَرْعٌ إلَّا وَيَكُونُ عِلَّةُ ذلك الْأَصْلِ مُخْتَلَفًا فيها فَبِمَ يَقَعُ الْفَرْقُ بين الْقِيَاسِ الْمُرَكَّبِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ من الْأَقْيِسَةِ =
  223. ============ج19 19 19.===================================
  224. مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة

  225. ج19.كتاب : البحر المحيط في أصول الفقه
  226. المؤلف : بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي
  227. قُلْنَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا من وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْحُكْمَ في الْقِيَاسِ الْمُرَكَّبِ نَتِيجَةُ الْعِلَّةِ وفي غَيْرِ الْمُرَكَّبِ تَكُونُ الْعِلَّةُ نَتِيجَةَ الْحُكْمِ وَبَيَانُهُ أَنَّ الْخِلَافَ في أَنَّ الْعِلَّةَ مَاذَا في الرِّبَا هل هِيَ الطُّعْمُ أو الْكَيْلُ وَحُكْمُ هذه الْمَسْأَلَةِ ليس نَتِيجَةَ الْعِلَّةِ فَإِنَّهُمْ قبل الْبَحْثِ عن هذه الْعِلَلِ اتَّفَقُوا على الْحُكْمِ بِتَحْرِيمِ بَيْعِ الْبُرِّ بِالْبُرِّ إلَّا أَنَّهُمْ نَازَعُوا بَعْدَهُ في عِلَّةِ هذا الْحُكْمِ وَلَوْ قَدَّرْنَا فَسَادَ هذه الْعِلَلِ بِأَسْرِهَا لم يَبْطُلْ الْحُكْمُ فإنه ليس نَتِيجَةَ الْعِلَّةِ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ الْمُرَكَّبِ فإن الْحُكْمَ فيه نَتِيجَةُ الْعِلَّةِ فَلَوْ بَطَلَتْ الْعِلَّةُ بَطَلَ الْحُكْمُ كَقَوْلِنَا في النِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ ابن فُلَانٍ يَلِي عَقْدَ النِّكَاحِ قِيَاسًا على بِنْتِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَالْحُكْمُ في هذا الْقِيَاسِ نَتِيجَةُ الْعِلَّةِ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ لم يَتَّفِقُوا على الْبَحْثِ عن هذه الْعِلَّةِ أَنَّ بِنْتَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً لَا تَلِي عَقْدَ النِّكَاحِ وَإِنَّمَا صَارُوا إلَيْهِ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ بَعْدَ الْبَحْثِ عنها وَلَوْ قَدَّرْنَا بُطْلَانَ هذه الْعِلَّةِ بَطَلَ هذا الْحُكْمُ الثَّانِي أَنَّ التَّنَازُعَ في الْقِيَاسِ الْمُرَكَّبِ يَقَعُ في وُجُودِ الْعِلَّةِ دُونَ الِاعْتِبَارِ وفي غَيْرِهِ من أَنْوَاعِ الْأَقْيِسَةِ يَقَعُ في الِاعْتِبَارِ دُونَ الْوُجُودِ وَأَلْحَقَ ابن السَّمْعَانِيِّ الْقِيَاسَ بِالطَّرْدِ في أَنَّهُ ليس بِحُجَّةٍ قال وَطَائِفَةٌ من الْجَدَلِيِّينَ يُصَحِّحُونَهُ وَيَقُولُونَ الْحُكْمُ مُتَّفَقٌ عليه في الْأَصْلِ وَالْمُعَلِّلُ عَلَّلَ بِالْأُنُوثَةِ وَهِيَ تَعْلِيلٌ صَحِيحٌ وَقِيَاسٌ على أَصْلٍ مُسَلَّمٍ فَاخْتِلَافُ الْمَذَاهِبِ لَا يَضُرُّ قبل هذا التَّعْلِيلِ وَالدَّلِيلُ لَا يَرْضَى بِهِ مُحَقِّقٌ قال ابن الْمُنِيرِ وَاَلَّذِي يُوقِعُ في التَّرْكِيبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إنَّمَا هو عِلْمُ الْمُرَكَّبِ أَنَّهُ عَاجِزٌ عن الْإِشْهَادِ على مَعْنَاهُ بِأَصْلِ الْعِلَّةِ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ الْمُرْسَلَ بَاطِلٌ فَيُحِيلُ على الِاسْتِدْلَالِ الْمُرْسَلِ بِصُورَةِ الْأَقْيِسَةِ فَيَتَخَلَّفُ أَيْضًا في كَوْنِهِ أَصْلًا فيه وهو بِالْحَقِيقَةِ نَفْسُ الْفَرْعِ وَهَذِهِ حِيَلٌ جَدَلِيَّةٌ لَا وَقْعَ لها عِنْدَ طَالِبِ التَّحْقِيقِ وَلَوْ سَلَّمَ الْخَصْمُ ما جَعَلَهُ الْمُسْتَدِلُّ عِلَّةً في الْأَصْلِ فِيهِمَا أو أَثْبَتَ الْمُسْتَدِلُّ وُجُودَهَا في الْأَصْلِ أو سَلَّمَ النَّاظِرُ انْتَهَضَ الْمُسْتَدِلُّ على الْخَصْمِ فَلَوْ لم يَتَّفِقَا على الْأَصْلِ وَلَكِنْ أَثْبَتَ الْمُسْتَدِلُّ بِأَصْلِ حُكْمِ الْأَصْلِ الْمُسْتَغْنَى عنه بِمُوَافَقَةِ الْحُكْمِ ثُمَّ أَثْبَتَ الْعِلَّةَ بِطَرِيقِهَا فإنه يَنْتَهِضُ دَلِيلُهُ على الْخَصْمِ الْمُجْتَهِدِ على الْأَصَحِّ وَيُقْبَلُ وَاعْلَمْ أَنَّ هذا الشَّرْطَ يَتَعَلَّقُ بِالْعِلَّةِ فذكر فيها السَّبَبَ وَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ على سِتَّةِ أَضْرُبٍ مُرَكَّبِ الْأَصْلِ وَمُرَكَّبِ الْفَرْعِ وَمُرَكَّبِ الْوَصْفِ وَمُرَكَّبِ الْأَصْلِ وَالْوَصْفِ وَمُرَكَّبِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ وَمُرَكَّبِ الْأَصْلِ وَالْوَصْفِ وَالْفَرْعِ وزاد هو قِسْمًا
  228. سَابِعًا وهو مُرَكَّبُ الْوَصْفِ وَالْفَرْعِ وَالْمُسْتَعْمَلُ من هذه ثَلَاثَةٌ مُرَكَّبُ الْأَصْلِ وَمُرَكَّبُ الْوَصْفِ وَمُرَكَّبُ الْأَصْلِ وَالْوَصْفِ مِثَالُ مُرَكَّبِ الْأَصْلِ تَعْلِيلُ أَصْحَابِنَا في قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ أَنَّهُ مُسْلِمٌ قَتَلَ كَافِرًا فلم يُقْتَلْ بِهِ كما لو قَتَلَهُ بِمُثَقَّلٍ وَوَجْهُ تَرْكِيبِ الْأَصْلِ أَنَّ الْقَتْلَ بِالْمُثَقَّلِ لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ عِنْدَ الْمُخَالِفِ لِكَوْنِهِ قَتْلًا بِمُثَقَّلٍ وَعِنْدَنَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ بين الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ لِعَدَمِ التَّكَافُؤِ فَالْأَصْلُ مُتَّفَقٌ على سُقُوطِ الْقِصَاصِ فيه لَكِنْ من جِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ وَمِثَالُ مُرَكَّبِ الْفَرْعِ أَنْ يُعَلِّلَ الشَّافِعِيُّ وُجُوبَ الزَّكَاةِ في مَالِ الصَّبِيِّ وَيَفْرِضَ الْكَلَامَ فِيمَنْ له خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَيَقُولُ من وَجَبَ الْعُشْرُ في زَرْعِهِ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ في مَالِهِ كَالْبَالِغِ وَوَجْهُ تَرْكِيبِ الْفَرْعِ أَنَّ الْمَفْرُوضَ فيه ابن خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً مُخْتَلَفٌ في بُلُوغِهِ فإذا أَرَادَ الْمُخَالِفُ أَنْ يُفَرِّقَ بين الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِأَنْ يَقُولَ الْمَعْنَى في الْأَصْلِ أَنَّهُ يَجِبُ عليه الْحَجُّ فَكَذَلِكَ وَجَبَتْ عليه الزَّكَاةُ في مَسْأَلَتِنَا بِخِلَافِهِ قال الْمُعَلِّلُ لَا أُسَلِّمُ هذا وَمِثَالُ مُرَكَّبِ الْوَصْفِ أَنْ يُعَلِّلَ شَافِعِيٌّ لِلْمَنْعِ من قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ بِأَنَّهُ لو قَتَلَهُ بِمُثَقَّلٍ لم يَجِبْ عليه الْقِصَاصُ فإذا قَتَلَهُ بِمُحَدَّدٍ لم يَجِبْ عليه الْقِصَاصُ من أَصْلِهِ إذَا كان حَرْبِيًّا وَمِثَالُ مُرَكَّبِ الْأَصْلِ وَالْوَصْفِ قَوْلُ أَصْحَابِنَا في ثُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ حَالَةٌ يَصِحُّ إلْحَاقُ الزِّيَادَةِ فيها بِالثَّمَنِ عِنْدَ الْمُخَالِفِ فَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ فيها الْخِيَارُ كما إذَا قال بِعْنِي فقال بِعْتُك فَوَجْهُ تَرْكِيبِ الْوَصْفِ أَنَّ إلْحَاقَ الزِّيَادَةِ في الثَّمَنِ يَجُوزُ قبل انْبِرَامِ الْعَقْدِ وَبَعْدَهُ وَعِنْدَنَا يَجُوزُ لِثُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَقَوْلُهُ حَالَةٌ يَجُوزُ الْإِلْحَاقُ لِلزِّيَادَةِ فيها بِالثَّمَنِ صَحِيحٌ على الْمَذْهَبَيْنِ وَوَجْهُ تَرْكِيبِ الْأَصْلِ أَنَّ الْخِيَارَ ثَبَتَ بِالْأَصْلِ لِأَنَّ الْبَيْعَ في هذه الصِّيغَةِ لَا يَتِمُّ عِنْدَ الْمُخَالِفِ حتى يَنْضَمَّ إلَيْهِ قَوْلُ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْت وَعِنْدَنَا قد تَمَّ لَكِنْ لم يَلْزَمْ لِأَجْلِ الْمَجْلِسِ فَثُبُوتُ الْخِيَارِ مُجْمَعٌ عليه وَإِنْ اخْتَلَفَا في عِلَّتِهِ وَمِثَالُ مُرَكَّبِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ أَنْ يُعَلِّلَ الشَّافِعِيُّ مَنْعَ غُسْلِ الْجَنَابَةِ بِالْخَلِّ وَيَقُولَ أَفْرِضُ الْكَلَامَ في غَسْلِ الثَّوْبِ بِالنَّبِيذِ وَأَقُولُ مَائِعٌ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ فَلَا يُطَهِّرُ النَّجِسَ كَالْمَاءِ الْمُزَالِ بِهِ النَّجَاسَةُ فَوَجْهُ تَرْكِيبِ الْفَرْعِ أَنَّ النَّبِيذَ عِنَبٌ لَكِنْ اتَّفَقْنَا على أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ له حُكْمُ التَّطْهِيرِ كَالْمَاءِ وَإِنَّمَا اسْتَبَاحَ بِهِ الصَّلَاةَ وَوَجْهُ تَرْكِيبِ الْأَصْلِ أَنَّ الْمَاءَ الْمُزَالَ بِهِ النَّجَاسَةُ نَجِسٌ عِنْدَ الْمُخَالِفِ لَا يَجُوزُ غَسْلُ النَّجَاسَةِ بِهِ وَعِنْدَنَا هو طَاهِرٌ إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ غَسْلُ النَّجَاسَةِ بِهِ وفي مَسْأَلَتِنَا بِخِلَافِهِ قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ
  229. لَا الْأَصْلُ وَلَا الْفَرْعُ مُسَلَّمٌ وَمِثَالُ مُرَكَّبِ الْأَصْلِ وَالْوَصْفِ وَالْفَرْعِ أَنْ يُعَلِّلَ الشَّافِعِيُّ مَنْعَ غَسْلِ النَّجَاسَةِ بِالْخَلِّ وَيَقُولَ أَفْرِضُ الْكَلَامَ في غَسْلِ النَّجَاسَةِ بِالنَّبِيذِ فَأَقُولُ مَائِعٌ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ فلم يُرْفَعْ بِهِ حُكْمُ التَّطْهِيرِ كَالْمَاءِ الْمُزَالِ بِهِ النَّجَاسَةُ فَوَجْهُ تَرْكِيبِ الْفَرْعِ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمُ التَّطْهِيرِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لِكَوْنِهِ نَجِسًا وَعِنْدَ الْمُخَالِفِ لَا يَثْبُتُ له حُكْمُ التَّطْهِيرِ لَكِنْ يُسْتَبَاحُ بِهِ الصَّلَاةُ وَوَجْهُ تَرْكِيبِ الْوَصْفِ أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لِنَجَاسَتِهِ وَعِنْدَ الْمُخَالِفِ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ كما يَرْفَعُهُ الْمَاءُ لَكِنْ يُسْتَبَاحُ بِهِ الصَّلَاةُ في السَّفَرِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ وَوَجْهُ تَرْكِيبِ الْأَصْلِ أَنَّهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ طَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ وَعِنْدَ الْمُخَالِفِ نَجِسٌ وَمِثَالُ مُرَكَّبِ الْفَرْعِ وَالْوَصْفِ أَنْ يُعَلِّلَ الشَّافِعِيُّ الْمَنْعَ من غَسْلِ النَّجَاسَةِ بِالْخَلِّ وَيَفْرِضَ الْكَلَامَ في غَسْلِ النَّجَاسَةِ بِالنَّبِيذِ فيقول مَائِعٌ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ فلم يَثْبُتْ له حُكْمُ التَّطْهِيرِ كَالْمَاءِ النَّجِسِ سَابِعُهَا أَنْ لَا نَكُونَ مُتَعَبَّدِينَ في ذلك الْحُكْمِ بِالْقَطْعِ فَإِنْ تُعُبِّدْنَا بِالْقَطْعِ لم يَجُزْ الْقِيَاسُ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ غير الظَّنِّ فَلَا يَحْصُلُ بِهِ الْعِلْمُ لِأَنَّ الْفَرْعَ لَا يَكُونُ أَقْوَى من الْأَصْلِ وَحِينَئِذٍ يَتَعَذَّرُ الْقِيَاسُ كَإِثْبَاتِ كَوْنِ خَبَرِ الْوَاحِدِ حُجَّةً بِالْقِيَاسِ على قَبُولِ الشَّهَادَةِ وَالْفَتْوَى على رَأْيِ من يَزْعُمُ أَنَّهُ من الْمَسَائِلِ الْعِلْمِيَّةِ وَذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ في جَدَلِهِ وَالْهِنْدِيُّ في النِّهَايَةِ وَالْبُرْهَانُ الْمُطَرِّزِيُّ في الْعُنْوَانِ وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ مَقْطُوعًا بِهِ تَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ بِجَامِعٍ شَبَهِيٍّ فَيَكُونُ حُصُولُهُ في الْفَرْعِ مَظْنُونًا وَلَيْسَ من ضَرُورَةِ الْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْفَرْعِ مُسَاوِيًا لِحُكْمِ الْأَصْلِ إذْ قد نَصُّوا على التَّفَاوُتِ بَيْنَهُمَا وَأَنَّ حُكْمَ الْفَرْعِ تَارَةً يَكُونُ مُسَاوِيًا وَتَارَةً أَقْوَى وَتَارَةً أَضْعَفُ هذا إذَا كان الْقِيَاسُ شَبِيهًا فَإِنْ كان قِيَاسَ الْعِلَّةِ فَنَحْنُ لَا نَقِيسُ إلَّا إذَا وُجِدَتْ عِلَّةُ الْأَصْلِ في الْفَرْعِ وإذا وُجِدَتْ فيه أَثَّرَتْ مِثْلَ حُكْمِ الْأَصْلِ فَيَكُونُ مَقْطُوعًا بِهِ أَيْضًا وَكَذَلِكَ قِيَاسُ الدَّلَالَةِ لِأَنَّ الدَّلِيلَ يُفِيدُ وُجُودَ الْمَدْلُولِ فَدَلَالَةُ عِلَّةِ الْأَصْلِ إذَا وُجِدَتْ في الْفَرْعِ دَلَّتْ على وُجُودِ الْعِلَّةِ في الْفَرْعِ قَطْعًا وكان الْقِيَاسُ قَطْعًا مُتَّفَقًا عليه وقد ضَعَّفَ الْإِبْيَارِيُّ الْقَوْلَ بِالْمَنْعِ وقال بَلْ ما يَتَعَدَّ فيه بِالْعِلْمِ جَازَ أَنْ يَثْبُتَ بِالْقِيَاسِ الذي يُفِيدُ الْعِلْمَ وقد قَسَمَهُ الْمُحَقِّقُونَ إلَى ما يُفِيدُ الْعِلْمَ وَقَالُوا إنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُنْسَخَ بِهِ النَّصُّ الْمُتَوَاتِرُ وَلِهَذَا قال
  230. الْفُقَهَاءُ يُنْقَضُ قَضَاءُ الْقَاضِي إذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ فَأَجْرَوْهُ مَجْرَى الْمَقْطُوعِ بِهِ وقال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ في شَرْحِ الْعُنْوَانِ لَعَلَّ هذا الشَّرْطَ مَبْنِيٌّ على أَنَّ دَلِيلَ الْقِيَاسِ ظَنِّيٌّ وَإِلَّا إذَا عَلِمْنَا أَنَّهُ قَطْعِيٌّ وَعَلِمْنَا الْعِلَّةَ قَطْعًا وَوُجُودَهَا في الْفَرْعِ قَطْعًا فَقَدْ عَلِمْنَا الْحُكْمَ قَطْعًا وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ الْخِلَافَ في هذه الْمَسْأَلَةِ على قَوْلَيْنِ وقال الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ عِنْدِي أَنَّ هذا الْخِلَافَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ في الْجَوَازِ الشَّرْعِيِّ فإنه لو أَمْكَنَ تَحْصِيلُ الْيَقِينِ بِعِلَّةِ الْحُكْمِ ثُمَّ تَحْصِيلُ الْيَقِينِ بِأَنَّ تِلْكَ الْعِلَّةَ حَاصِلَةٌ في هذه الصُّورَةِ لَحَصَلَ الْعِلْمُ الْيَقِينِيُّ بِأَنَّ حُكْمَ الْفَرْعِ مِثْلُ حُكْمِ الْأَصْلِ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ الْبَحْثُ في أَنَّهُ يُمْكِنُ تَحْصِيلُ هَذَيْنِ الْيَقِينَيْنِ في الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ أَمْ لَا وَأَمَّا الذي طَرِيقُهُ الظَّنُّ فَلَا خِلَافَ في جَوَازِ اسْتِعْمَالِ الْقِيَاسِ فيه قال الْهِنْدِيُّ لو حَصَلَ الْعِلْمُ بِالْمُقَدَّمَتَيْنِ على النُّدُورِ لم يَمْتَنِعْ إثْبَاتُهُ بِالْقِيَاسِ التَّمْثِيلِيِّ لِكَوْنِهِ لَا يَكُونُ قِيَاسًا شَرْعِيًّا مُخْتَلَفًا فيه قال وَهَذَا يَسْتَقِيمُ إنْ أُرِيدَ بِهِ تَعْرِيفُ الْحُكْمِ الذي هو رُكْنٌ في الْقِيَاسِ الظَّنِّيِّ الذي هو مُخْتَلَفٌ فيه فَأَمَّا إنْ أُرِيدَ بِهِ تَعْرِيفُ الْحُكْمِ الذي هو رُكْنٌ في الْقِيَاسِ كَيْفَ كان فَلَا يَسْتَقِيمُ ذلك بَلْ يَجِبُ حَذْفُ قَيْدِ الْعِلْمِ عنه ثَامِنُهَا أَنْ لَا يَكُونَ مَعْدُولًا بِهِ عن قَاعِدَةِ الْقِيَاسِ لِأَنَّ إثْبَاتَ الْقِيَاسِ معه إثْبَاتُ الْحُكْمِ مع مُنَافِيهِ وهو الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِ الْفُقَهَاءِ الْخَارِجُ عن الْقِيَاسِ لَا يُقَاسُ عليه وَهَذَا إطْلَاقٌ مُجْمَلٌ وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ وَمِمَّنْ ذَكَرَ هذا الشَّرْطَ من الْمُتَأَخِّرِينَ الْآمِدِيُّ وَالرَّازِيَّ وَأَتْبَاعُهُمَا لَكِنْ أَطْلَقَ ابن بَرْهَانٍ أَنَّ مَذْهَبَ أَصْحَابِنَا جَوَازُ الْقِيَاسِ على ما عُدِلَ فيه عن سُنَنِ الْقِيَاسِ وَمَثَّلَهُ بِمَا زَادَ على أَرْشِ الْمُوضِحَةِ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ وما دُونَهُ هل تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ أَمْ لَا فَعِنْدَنَا تَحْمِلُهُ قِيَاسًا على أَرْشِهَا وَعِنْدَ أبي حَنِيفَةَ لَا تَحْمِلُهُ وَهَكَذَا حَكَى إلْكِيَا عن أَصْحَابِ أبي حَنِيفَةَ أَنَّهُمْ أَطْلَقُوا أَقْوَالَهُمْ بِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَجْرِي في الْمَعْدُولِ بِهِ عن الْقِيَاسِ قال وَهَذَا فيه تَفْصِيلٌ عِنْدَنَا فَذَكَرَهُ وَسَيَأْتِي وَالْجَوَازُ هُنَا قَضِيَّةُ ما سَبَقَ من جَرَيَانِ الْقِيَاسِ في الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالرُّخَصِ وقال في الْقَوَاطِعِ يَجُوزُ الْقِيَاسُ على أَصْلٍ مُخَالِفٍ في نَفْسِهِ الْأُصُولَ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ ذلك وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ وَدَلَّ عليه الدَّلِيلُ وَالْمَحْكِيُّ عن أَصْحَابِ أبي حَنِيفَةَ أَنَّهُمْ مَنَعُوهُ وقد ذَكَرَهُ الْكَرْخِيّ وَمَنَعَ جَوَازَهُ إلَّا بِإِحْدَى خِلَالٍ أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ ما وَرَدَ بِخِلَافِ الْأُصُولِ قد نَصَّ على عِلَّتِهِ كَقَوْلِهِ عليه
  231. السَّلَامُ إنَّهَا من الطَّوَّافِينَ لِأَنَّ النَّصَّ على الْعِلَّةِ كَالتَّصْرِيحِ بِوُجُوبِ الْقِيَاسِ عليه ثَانِيهَا أَنْ تَكُونَ الْأُمَّةُ مُجْمِعَةً على تَعْلِيلِ ما وَرَدَ بِهِ الْخَبَرُ وَإِنْ اخْتَلَفُوا في عِلَّتِهِ ثَالِثُهَا أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الذي وَرَدَ بِهِ الْخَبَرُ مُوَافِقًا لِلْقِيَاسِ على بَعْضِ الْأُصُولِ وَإِنْ كان مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ على أَصْلٍ آخَرَ كَالْخَبَرِ الْوَارِدِ بِالتَّحَالُفِ في الْمُتَبَايِعَيْنِ إذَا تَبَايَعَا فإنه يُخَالِفُ قِيَاسَ الْأُصُولِ وَيُقَاسُ عليه الْإِجَارَةُ لِأَنَّهُ يُوَافِقُ بَعْضَ الْأُصُولِ وهو أَنَّ ما يُمْلَكُ على الْغَيْرِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ في أَنَّهُ أَيُّ شَيْءٍ مَلَكَ عليه وَقَالُوا إذَا كان في الشَّرْعِ أَصْلٌ يُنْتِجُ الْقِيَاسَ وَأَصْلٌ يَحْظُرُهُ وكان الْأَصْلُ جَوَازَ الْقِيَاسِ وَجَبَ الْقِيَاسُ وَقَالُوا أَيْضًا يَجُوزُ الْقِيَاسُ على الْأَصْلِ الْمَخْصُوصِ إذَا لم يُفْصَلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَخْصُوصِ فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ ما خُصَّ من جُمْلَةِ الْقِيَاسِ كَجِمَاعِ النَّاسِي وَأَكْلِهِ وقال ابن شُجَاعٍ الْبَلْخِيّ من أَصْحَابِهِمْ إذَا كان الْخَبَرُ الْوَارِدُ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ غير مَقْطُوعٍ بِهِ لم يَجُزْ الْقِيَاسُ فَاقْتَضَى قَوْلُهُ هذا إذَا كان الْخَبَرُ مَقْطُوعًا بِهِ جَازَ الْقِيَاسُ عليه لنا أَنَّ ما وَرَدَ بِهِ الْخَبَرُ أَصْلٌ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ فَجَازَ أَنْ يُسْتَنْبَطَ منه مَعْنًى وَيُقَاسَ عليه دَلِيلُهُ إذَا لم يَكُنْ مُخَالِفًا لِلْأُصُولِ لِأَنَّهُ لَمَّا وَرَدَ فيه الْخَبَرُ صَارَ أَصْلًا في نَفْسِهِ فَالْقِيَاسُ عليه كَالْقِيَاسِ على بَاقِي الْأُصُولِ قال ابن السَّمْعَانِيِّ وقد يُمْنَعُ التَّعْلِيلُ بِنَصِّ كَلَامِ الشَّارِعِ على الِاقْتِصَارِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى خَالِصَةً لك وَقَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لِأَبِي بُرْدَةَ وَلَنْ يُجْزِئَ عن أَحَدٍ بَعْدَك وَقَوْلِهِ أُحِلَّتْ لي سَاعَةً من نَهَارٍ فإذا امْتَنَعَ النَّصُّ على الْقِيَاسِ امْتَنَعَا وَكَذَلِكَ لو فُرِضَ إجْمَاعٌ على هذا النَّحْوِ كَالِاتِّفَاقِ على أَنَّ الْمَرِيضَ لَا يَقْصُرُ وَإِنْ سَاوَى الْمُسَافِرَ في الْفِطْرِ وقد قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في بَعْضِ كُتُبِهِ وَلَا يُقَاسُ على الْمَخْصُوصِ وَيَجُوزُ أَنْ يَتَأَوَّلَ فَيُقَالُ إنَّهُ أَرَادَ بِهِ في الْمَوْضِعِ الذي لَا يُمْكِنُ الْقِيَاسُ فيه وَالْأَصْلُ فِيمَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ عليه وما لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْظُرَ في الْمَخْصُوصِ وَيَمْتَحِنَ فَإِنْ كان يَتَعَدَّى قِيسَ عليه كَقِيَاسِ الْخِنْزِيرِ على الْكَلْبِ في الْوُلُوغِ وَقِيَاسِ
  232. خُفِّ الْحَدِيدِ على الْأَدَمِ بِالْمَسْحِ عليه وَإِنْ لم يُوجَدْ في الْمَخْصُوصِ وَصْفٌ يُمْكِنُ الْقِيَاسُ عليه امْتَنَعَ الْقِيَاسُ كَالْجَنِينِ لَا يُقَاسُ عليه الشَّخْصُ الْمَلْفُوفُ في الثَّوْبِ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى في الْجَنِينِ يُقَاسُ عليه الْمَلْفُوفُ أ هـ وَفَصَّلَ بَعْضُهُمْ فقال الْحُكْمُ الثَّابِتُ في الْأَصْلِ إمَّا أَنْ يَكُونَ قَطْعِيًّا أو ظَنِّيًّا فَالْقَطْعِيُّ يَجُوزُ إلْحَاقُ الْغَيْرِ بِهِ وَالظَّنِّيُّ يَكُونُ الْفَرْعُ منه مُتَرَدِّدًا بين أَصْلَيْنِ أَصْلٌ يُوجِبُ إثْبَاتَ الْحُكْمِ فيه وَآخَرُ يَنْفِيهِ لِمُشَابَهَتِهِ لِلْمُسَمَّى وَغَيْرِهِ فَيَجِبُ على الْمُجْتَهِدِ التَّرْجِيحُ بِدَلِيلٍ وَالْكَلَامُ في هذا يَسْتَدْعِي تَعْرِيفَ ما عُدِلَ عن سُنَنِ الْقِيَاسِ من غَيْرِهِ وقد بَيَّنَ إلْكِيَا ذلك بِأَقْسَامٍ أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ ذلك الشَّيْءُ قَاعِدَةً مُتَأَصِّلَةً في نَفْسِهَا مُخْتَصَّةً بِأَحْكَامِ غَيْرِهَا فَلَا يُقَالُ لِهَذَا الْمَعْنَى إنَّهُ مُخَالِفٌ لِأَنَّهُ ليس أَصْلٌ أَوْلَى بِهِ كَقَوْلِهِمْ النِّكَاحُ عَقْدٌ على الْمَنْفَعَةِ يَصِحُّ مع جَهَالَةِ الْمُدَّةِ فَصِحَّتُهُ مع جَهَالَةِ الْمُدَّةِ على خِلَافِ الْقِيَاسِ فإن ما في النِّكَاحِ من الْمَقْصُودِ لَا يَتَأَتَّى إلَّا بِإِبْهَامِ الْمُدَّةِ كَالتَّنَاسُلِ فَالْإِبْهَامُ فيه كَالْإِعْلَامِ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ السَّلَمُ خَارِجٌ عن الْقِيَاسِ لِأَنَّهُ مُعَامَلَةُ مَوْجُودٍ بِمَعْدُومٍ وَكَذَا الْإِجَارَةُ فَإِنَّا لم نُجَوِّزْ الْمُعَامَلَةَ بِمَوْجُودٍ لِمَعْدُومٍ لِغَرَرٍ مُتَوَقَّعٍ وَإِلَّا فَالْعَقْلُ لم يَمْنَعْ منه إذَا وُجِدَ الرِّضَا وَلَكِنَّ الِاغْتِرَارَ مِمَّا يَجُرُّ نَدَمًا وَضَرَرًا فإذا ظَهَرَ لنا في السَّلَمِ أَنَّ الْحَالَةَ الدَّاعِيَةَ إلَى تَجْوِيزِهِ هِيَ الْغَرَرُ الْمَقْرُونُ بِالْعَقْدِ لم يَكُنْ له من الْوَزْنِ ما يُخَالِفُ أَنَّهُ مُخَالِفُ الْقِيَاسِ فإن الْقِيَاسَ الْأَصْلِيَّ هو الرِّضَا وَيَعْتَدُّ بِهِ الشَّارِعُ لِلْمَصَالِحِ الْجُزْئِيَّةِ وَحَيْثُ لَا مَصْلَحَةَ في نَفْيِ الْغَرَرِ رُدَّ إلَى الْأَصْلِ وَالْأَصْلُ الرِّضَا فَغَلَّبْنَا مَصْلَحَةً على أُخْرَى الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الثَّابِتُ فيه مِمَّا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَلَقَّى من أَصْلٍ آخَرَ وَلَا يَظْهَرُ لنا أَنَّهُ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ من الْأَصْلِ الْمُنْتَقِلِ عنه وَبِهِ يَتَمَيَّزُ هذا الْقِسْمُ مِمَّا قَبْلَهُ وَنَظِيرُهُ أَنَّ الْوَالِدَ لَا يُقْتَلُ بِوَلَدِهِ مع الْجَرِيمَةِ الظَّاهِرَةِ وَلَكِنَّ الشَّرْعَ غَلَّبَ حُرْمَةَ الْأُبُوَّةِ فقال لَا يُقْتَلُ بِهِ فَهَذَا لَا يَظْهَرُ لنا وَجْهُ تَغْلِيبِهِ بِخِلَافِ السَّلَمِ فإنه يَظْهَرُ لنا من قِيَاسِ الْأُصُولِ تَغْلِيبُ حَاجَةِ الْمُسْلِمِ فَهَذَا وما أَشْبَهَهُ مَعْدُولٌ بِهِ عن الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ لِمَعْنًى خَفِيٍّ وَمِنْهُ الدِّيَةُ على الْعَاقِلَةِ فَإِنَّهَا أُثْبِتَتْ على خِلَافِ قِيَاسِ الْمَضْمُونَاتِ وَكُلُّ قِيَاسٍ يَتَضَمَّنُ إبْطَالَ هذا الِاخْتِصَاصِ مَرْدُودٌ وَكُلُّ قِيَاسٍ يَتَضَمَّنُ تَقْرِيبًا مَقْبُولٌ فَهُوَ على اعْتِبَارِ ما دُونَ الْمُوضِحَةِ بِمِقْدَارِ الْمُوضِحَةِ وَتَحَمُّلُ الْعَاقِلَةِ أُثْبِتَ بِاعْتِبَارِ الْجُزْئِيَّةِ حتى
  233. يَهْتَدِيَ الْبَدَلُ وَتَتَعَاوَنَ على أَدَائِهِ وَالْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ في هذا سَوَاءٌ وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ في بَدَلِ الْعَبْدِ وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ في إخْرَاجِ الصَّيْدِ من قِيمَتِهِ وَهَلْ هو كَخِرَاجِ الْحُرِّ من دِيَتِهِ وَلَكِنَّ ذلك على مُخَالَفَةِ الْقِيَاسِ من وَجْهِ اعْتِبَارِ قِيَاسِ الْغَرَامَاتِ وَيَجُوزُ إجْرَاءُ الْقِيَاسِ فيه على شَرْطِ الْتِزَامِ التَّقْرِيبِ بِحَيْثُ لَا يَلْتَزِمُ إبْطَالَ التَّخْصِيصِ أو تَصَرُّفًا في غَيْبٍ وَالتَّقْرِيبُ الْخَاصُّ أَوْلَى من الْمَعْنَى الْكُلِّيِّ الْمُخَيَّلِ فَهَذَا هو الْعُدُولُ بِهِ عن الْقِيَاسِ فإذا لم يَمْتَنِعْ ذلك فَهَاهُنَا أَوْلَى الثَّالِثُ إذَا كان أَصْلُهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَصْلَحَةٍ كُلِّيَّةٍ وَلَا جُزْئِيَّةٍ ظَاهِرَةٍ لنا كما قَالَهُ الشَّافِعِيُّ في الْعَرَايَا إنَّهُ مُخَالِفٌ لِقِيَاسِ الرِّبَا وفي الْعَرَايَا مَصْلَحَةٌ ظَاهِرَةٌ وَلَا يُتَخَيَّلُ ذلك في الرِّبَا وَلَكِنَّهُ على وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُقَالَ في الرِّبَا وَإِنْ لم نَطَّلِعْ على مَصْلَحَةٍ خَفِيَّةٍ كما اطَّلَعْنَا عليها في رِبَا النَّسَاءِ وَلَكِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الرَّبَّ تَعَالَى إنَّمَا حَرَّمَهُ لِأَنَّ التَّوَسُّعَ فيه يَجُرُّ إلَى رِبَا النَّسَاءِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعَرَايَا مُخَالِفَةٌ لِهَذَا وَالثَّانِي أَنَّ مَعْنَى قَوْلِنَا الْعَرَايَا مُخَالِفَةٌ لِقِيَاسِ الرِّبَا أنها على مُخَالَفَةِ الْمَعْهُودِ من قِيَاسِ الرِّبَا وَإِنْ لم يَكُنْ مَعْنَى الْمَصْلَحَةِ مَعْهُودًا لنا وإذا سَاغَ دُونَ فَهْمِ الْمَعْنَى إلْحَاقُ ما عَدَا الْمَنْصُوصَ بِهِ سَاغَ تَقْدِيرُ مُخَالَفَةِ الْقِيَاسِ حَيْثُ امْتَنَعَ الِاعْتِبَارُ وَالتَّقْرِيبُ منه وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ إنَّ الْأَجَلَ وَالْخِيَارَ على مُخَالَفَةِ الْأَصْلِ مع أَنَّ الْأَصْلَ اتِّبَاعُ التَّرَاضِي وهو الْقِيَاسُ الْأَصْلِيُّ فإنه لَا قِوَامَ لِلْعَالِمِ إلَّا بِهِ وَتَجْوِيزُ الْخِيَارِ من تَفَاصِيلِ أَصْلِ الرِّضَا فَصَحَّ أَنَّهُ على خِلَافِ الْقِيَاسِ لَكِنَّهُ خِلَافُ قِيَاسٍ هو أَوْلَى بِهِ وَهَذَا تَأْوِيلٌ حَسَنٌ وَأَقُولُ هو يَنْقَسِمُ بِاعْتِبَارَاتٍ أَحَدُهَا أَنْ يُرَدَّ ابْتِدَاءً غير مُقْتَطَعٍ من أَصْلٍ وَلَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ فَلَا يُقَاسُ عليه لِتَعَذُّرِ الْعِلَّةِ قال الْغَزَالِيُّ وَيُسَمَّى هذا خَارِجًا عن الْقِيَاسِ تَجَوُّزًا وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ ليس مُنْقَاسًا لِأَنَّهُ لم يَدْخُلْ في الْقِيَاسِ حتى يَخْرُجَ منه وَمِثَالُهُ الْمُقَدَّرَاتُ وَأَعْدَادُ الرَّكَعَاتِ وَنُصُبُ الزَّكَوَاتِ وَمَقَادِيرُ الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ أَمَّا أَصْلُ الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ فَيَجُوزُ الْقِيَاسُ عليها كما سَبَقَ الثَّانِي ما شُرِعَ مُبْتَدَأً غير مُقْتَطَعٍ من أَصْلٍ وهو مَعْقُولٌ لَكِنَّهُ عَدِيمُ النَّظِيرِ فَلَا يُقَاسُ عليه لِتَعَذُّرِ الْفَرْعِ الذي هو من أَرْكَانِ الْقِيَاسِ قال الْهِنْدِيُّ وَتَسْمِيَتُهُ هذا
  234. بِالْخَارِجِ عن الْقِيَاسِ بَعِيدَةٌ جِدًّا قُلْت فيه التَّأْوِيلُ في الذي قَبْلَهُ وَمِثَالُهُ تَغْلِيظُ الْأَيْمَانِ وَالْقَسَامَةُ فَلَا يُقَاسُ عليها وُجُودُ الْبَهِيمَةِ في الْمَحَلَّةِ مَقْتُولَةً وَكَذَا جَنِينُهَا لَا يُضْمَنُ بِخِلَافِ جَنِينِ الْآدَمِيِّ لِأَنَّ الثَّابِتَ في جَنِينِ الْآدَمِيِّ على خِلَافِ قِيَاسِ الْأُصُولِ وَمِنْهُ رُخَصُ السَّفَرِ وَالْمَسْحُ على الْخُفَّيْنِ وَالْمُضْطَرُّ في أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَمِنْ الْفُقَهَاءِ من جَوَّزَ الْجَمْعَ بِالْمَرَضِ قِيَاسًا على السَّفَرِ وَعِنْدَ الْغَزَالِيِّ من هذا ضَرْبُ الدِّيَةِ على الْعَاقِلَةِ وَخَالَفَ إمَامَهُ فإنه جَعَلَهُ مِمَّا عُقِلَ مَعْنَاهُ وَتَعَلُّقُ الْأَرْشِ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ وقال الشَّافِعِيُّ في كَوْنِهِ لم يَقِسْ الْأَرْشَ على الدِّيَةِ في الْعَقْلِ وَلَا أَقِيسُ على الدِّيَةِ غَيْرَهَا لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْجَانِيَ أَوْلَى أَنْ يَغْرَمَ جِنَايَتَهُ من غَيْرِهِ كما يَغْرَمُهَا عن الْخَطَأِ في الْجِرَاحِ وقد أَوْجَبَ اللَّهُ عز وجل على الْقَاتِلِ خَطَأَ دِيَةٍ وَرَقَبَةٍ فَزَعَمَتْ أَنَّ الرَّقَبَةَ في مَالِهِ لِأَنَّهَا من جِنَايَتِهِ وَأَخْرَجَتْ الدِّيَةَ عن هذا الْمَعْنَى اتِّبَاعًا انْتَهَى الثَّالِثُ ما اُسْتُثْنِيَ من قَاعِدَةٍ عَامَّةٍ وَثَبَتَ اخْتِصَاصُ الْمُسْتَثْنَى بِحُكْمِهِ فَلَا يُقَاسُ عليه لِأَنَّهُ قد فُهِمَ من الشَّرْعِ الِاخْتِصَاصُ بِالْمَحَلِّ الْمُسْتَثْنَى وفي الْقِيَاسِ إبْطَالُ الِاخْتِصَاصِ بِهِ سَوَاءٌ لم يُعْقَلْ مَعْنَاهُ كَاخْتِصَاصِ خُزَيْمَةَ بِقَبُولِ شَهَادَتِهِ وَحْدَهُ أو عُقِلَ كَاخْتِصَاصِ أبي بُرْدَةَ بِالتَّضْحِيَةِ بِعَنَاقٍ نَظَرًا لِفَقْرِهِ فَلَا يَلْتَحِقُ بِهِ غَيْرُهُ لِأَجْلِ صَرِيحِ الْمَنْعِ من الشَّارِعِ وَلَنْ تُجْزِئَ عن أَحَدٍ بَعْدَك ثُمَّ تَارَةً يُعْلَمُ الِاخْتِصَاصُ بِالتَّنْصِيصِ وَتَارَةً بِغَيْرِهِ كَقَبُولِ الْوَاحِدِ في هِلَالِ رَمَضَانَ فَلَا يَلْتَحِقُ بِهِ ذُو الْحِجَّةِ على الْأَصَحِّ وَكَاشْتِرَاطِ أَرْبَعَةٍ في الزِّنَى وَالثَّلَاثَةِ في الشَّهَادَةِ بِالْإِعْسَارِ على وَجْهٍ لِأَجْلِ الحديث وقال إلْكِيَا التَّخْصِيصُ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ تَخْصِيصُ عَيْنٍ أو مَكَان أو حَالٍ فَالْعَيْنُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى خَالِصَةً لك وَالْمَكَانُ كَقَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أُحِلَّتْ لي سَاعَةً من نَهَارٍ وَالْحَالُ كَالْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ الرَّابِعُ ما اُسْتُثْنِيَ من قَاعِدَةٍ عَامَّةٍ لَكِنَّ الْمُسْتَثْنَى مَعْقُولُ الْمَعْنَى كَبَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ في الْعَرَايَا فإنه على خِلَافِ قَاعِدَةِ الرِّبَا عِنْدَنَا وَاقْتَطَعَ عنها بِحَاجَةِ الْمَحَاوِيجِ وَقَاسَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا الْعِنَبَ على الرُّطَبِ لِأَنَّهُ في مَعْنَاهُ وَهَذَا الْقِسْمُ هو مَوْضِعُ الْخِلَافِ وَيُشْبِهُ أَنْ يُخَرَّجَ فيه قَوْلَانِ لِاخْتِلَافِ قَوْلِهِ فِيمَا لَا نَفْسَ له سَائِلَةٌ هل يُنَجِّسُ إنَّمَا الدَّلِيلُ وَالْقِيَاسُ التَّنْجِيسُ وَالْأَصَحُّ عَدَمُهُ قِيَاسًا على ما وَرَدَ بِهِ النَّقْلُ في الذُّبَابِ الْخَارِجِ عن الْقَاعِدَةِ الْمُمَهَّدَةِ وَمِنْهُ أَنَّ الْإِتْمَامَ أَصْلٌ وَالْقَصْرَ رُخْصَةٌ ثُمَّ إنَّهُ وَرَدَ أَنَّهُ أَقَامَ بِمَكَّةَ سَبْعَ عَشْرَةَ أو ثَمَانِيَ عَشْرَةَ فَهَلْ يَقْتَصِرُ على هذه الْمُدَّةِ أَمْ يَجُوزُ زَائِدًا فيه قَوْلَانِ
  235. مَدْرَكَهُمَا هذا وَمِنْهُ أَنْ تَحْرُمَ الزِّيَادَةُ على أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ ثُمَّ إنَّهُ تَزَوَّجَ تِسْعًا فَهَلْ يَنْحَصِرُ فِيهِنَّ أو كان يَجُوزُ له الزِّيَادَةُ عليها فيه خِلَافٌ لَكِنَّ الْأَرْجَحَ الْجَوَازُ هُنَا وفي تِلْكَ الْمَنْعُ وقد اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فيها على مَذَاهِبَ أَحَدُهَا وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنَّا وَمِنْ الْحَنَفِيَّةِ منهم أبو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ إلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ عليه مُطْلَقًا يَعْنِي إذَا عُرِفَتْ عِلَّتُهُ وَنَسَبَهُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في التَّلْخِيصِ لِكَثِيرٍ من أَصْحَابِنَا قال وَبِهِ قال الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ لَكِنَّ الْمُجَوِّزَ من الْحَنَفِيَّةِ لَا يُسَمِّيهِ وَالْحَالَةُ هذه مَعْدُولًا بِهِ عن الْقِيَاسِ وَالثَّانِي الْمَنْعُ مُطْلَقًا وَنُقِلَ عن بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ وَنَسَبَهُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ لِلْجُمْهُورِ وقال إنَّهُ مَذْهَبُ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِمْ وَالثَّالِثُ إنْ ثَبَتَ الْمُسْتَثْنَى بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ جَازَ الْقِيَاسُ عليه وَإِلَّا فَلَا وهو قَوْلُ مُحَمَّدِ بن شِجَاعٍ الْبَلْخِيّ منهم كما نَقَلَهُ الْقَاضِي في الْمُلَخَّصِ وابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ في الْكَشْفِ وَصَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ وقال إنَّهُ الْأَصْوَبُ وَالرَّابِعُ وهو قَوْلُ الْكَرْخِيِّ إنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ عليه إلَّا بِأَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ مَنْصُوصَةً وَأُجْمِعَ على تَعْلِيلِهِ أو وَافَقَ بَعْضَ الْأُصُولِ كَخَبَرِ التَّحَالُفِ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعِينَ في قَدْرِ الثَّمَنِ إذَا لم يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ فإنه وَإِنْ كان مُخَالِفًا لِقِيَاسِ الْأُصُولِ إذْ قِيَاسُ الْأُصُولِ يَقْتَضِي أَنَّ الْقَوْلَ لِلْمُنْكِرِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ اشْتِغَالِ ذِمَّتِهِ فِيمَا يَدَّعِيهِ الْبَائِعُ من الْقَدْرِ الزَّائِدِ لَكِنْ ثَمَّ قَوْلٌ آخَرُ يُوَافِقُهُ وهو أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَمْلِكُ الْبَيْعَ عليه فَالْقَوْلُ قَوْلُ من مَلَكَ عليه أَصْلَهُ كَالشَّفِيعِ مع الْمُشْتَرِي إذَا اخْتَلَفَا في قَدْرِ الثَّمَنِ فإن الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُشْتَرِي لِأَنَّ الشَّفِيعَ يَمْلِكُ عليه الشِّقْصَ فَكَذَلِكَ يَتَأَتَّى التَّحَالُفُ على الِاخْتِلَافِ في ثَمَنِ الْمَبِيعِ ما عَدَا الْمَبِيعَ من عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ كَالسَّلَمِ وَالْإِجَارَةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْقِرَاضِ وَالْجَعَالَةِ وَالصُّلْحِ على الدَّمِ وَالْخُلْعِ وَالصَّدَاقِ وَالْكِتَابَةِ وَالْخَامِسُ وهو رَأْيُ الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى إنْ كان دَلِيلُهُ مَقْطُوعًا بِهِ فَهُوَ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ لِأَنَّ مُرَادَنَا بِالْأَصْلِ في هذا الْمَوْضِعِ هو إمْكَانُ الْقِيَاسِ عِلَّةً كَالْقِيَاسِ على غَيْرِهِ فَوَجَبَ أَنْ يُرَجِّحَ الْمُجْتَهِدُونَ الْقِيَاسَ مُؤَكَّدُهُ أَنَّهُ إذَا لم يَمْنَعْ الْعُمُومُ من قِيَاسٍ يَخُصُّهُ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ الْقِيَاسُ على الْعُمُومِ مَانِعًا من قِيَاسٍ يُخَالِفُهُ لِأَنَّ الْعُمُومَ أَوْلَى من الْقِيَاسِ على الْعُمُومِ وقد سَبَقَهُ إلَى هذا الِاخْتِيَارِ ابن السَّمْعَانِيِّ قال وَإِنْ كان غير مَقْطُوعٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عِلَّةُ حُكْمِهِ مَنْصُوصَةً أو لَا فَإِنْ لم يَكُنْ وَلَا كان الْقِيَاسُ عليه
  236. أَقْوَى من الْقِيَاسِ على الْأُصُولِ فَلَا شُبْهَةَ في أَنَّ الْقِيَاسَ على الْأُصُولِ أَوْلَى من الْقِيَاسِ عليه لِأَنَّ الْقِيَاسَ على ما طَرِيقُ حُكْمِهِ مَعْلُومٌ أَوْلَى من الْقِيَاسِ على ما طَرِيقُ حُكْمِهِ غَيْرُ مَعْلُومٍ وَإِنْ كانت مَنْصُوصَةً فَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ يَسْتَوِي الْقِيَاسَانِ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَخْتَصُّ بِأَنَّ طَرِيقَ حُكْمِهِ مَعْلُومٌ وَإِنْ كان طَرِيقُ عِلَّتِهِ غير مَعْلُومٍ وَهَذَا الْقِيَاسُ طَرِيقُ حُكْمِهِ مَظْنُونٌ وَطَرِيقُ عِلَّتِهِ مَعْلُومٌ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قد اخْتَصَّ بِحَظٍّ من الْقُوَّةِ هذا كَلَامُهُ في الْمَحْصُولِ وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ من أَتْبَاعِهِ منهم الْبَيْضَاوِيُّ في الْمَنْهَجِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ يُطْلَبُ التَّرْجِيحُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ اعْتَرَضَهُ الْهِنْدِيُّ فقال فيه نَظَرٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ إنْ عُنِيَ بِقَوْلِهِ إنَّ مُرَادَنَا بِالْأَصْلِ في هذا الْمَوْضُوعِ هو اصْطِلَاحُ نَفْسِهِ فَلَا مُنَاقَشَةَ لِأَنَّ الْخَصْمَ يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ مِثْلُ هذا الْأَصْلِ يُقَاسُ عليه وَيَمْنَعُ أَنَّ الْقِيَاسَ عليه كَالْقِيَاسِ على غَيْرِهِ فإن كُلَّ هذا مُصَادَرَةٌ على الْمَطْلُوبِ وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّ قَوْلَهُ مُؤَكَّدَةٌ ليس على ظَاهِرِهِ لِأَنَّ ما سَبَقَهُ ليس دَلِيلًا حتى يَكُونَ تَأْكِيدًا له وَدَعْوَاهُ إنَّ الْعُمُومَ إذَا لم يَمْنَعْ من قِيَاسٍ يَخُصُّهُ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ الْقِيَاسُ على الْعُمُومِ مَانِعًا من قِيَاسٍ يُخَالِفُهُ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ أَقْوَى من الْقِيَاسِ على الْعُمُومِ مَمْنُوعٌ لِأَنَّ عُمُومَ الْقِيَاسِ أَقْوَى من الْعُمُومِ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَابِلٍ لِلتَّخْصِيصِ بِنَاءً على عَدَمِ جَوَازِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ بِخِلَافِ الْعُمُومِ فإنه قَابِلٌ لِلتَّخْصِيصِ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ عُنِيَ بِهِ اصْطِلَاحُ الْمُخْتَلِفِينَ في هذه الْمَسْأَلَةِ فَمَمْنُوعٌ لِأَنَّ الْقِيَاسَ ما يُقَاسُ فَمَنْ مَنَعَ الْقِيَاسَ على الْمَعْدُولِ عن سُنَنِ الْقِيَاسِ سَوَاءٌ أَثْبَتَ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ أو غَيْرِ مَقْطُوعٍ كَيْفَ يَكُونُ هذا أَصْلًا عِنْدَهُ وَأَمَّا ثَانِيًا فَدَعْوَاهُ التَّسَاوِي فِيمَا إذَا كانت عِلَّتُهُ مَنْصُوصَةً إنْ أَرَادَ بِهِ ثُبُوتَ النَّصِّ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ فَتَسْتَحِيلُ الْمَسْأَلَةُ لِأَنَّ كَوْنَ دَلِيلِ الْحُكْمِ ظَنِّيًّا مع أَنَّ النَّصَّ الدَّالَّ على عِلَّتِهِ قَطْعِيٌّ مُحَالٌ ضَرُورَةً أَنَّهُ مَهْمَا عُلِمَ النَّصُّ الدَّالُّ على عِلَّةِ الْحُكْمِ كان الْحُكْمُ مَعْلُومًا قَطْعًا فَدَلِيلُهُ قَطْعِيٌّ لَا مَحَالَةَ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ أَعَمُّ من ذلك أَيْ سَوَاءٌ ثَبَتَ بِطَرِيقٍ قَطْعِيٍّ أو ظَنِّيٍّ بَطَلَ قَوْلُهُ آخِرًا وَهَذَا الْقِيَاسُ طَرِيقُ حُكْمِهِ مَظْنُونٌ وَطَرِيقُ عِلَّتِهِ مَعْلُومٌ قال وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ في الضَّابِطِ ما ثَبَتَ على خِلَافِ الْأُصُولِ وَعُقِلَ مَعْنَاهُ وَوُجِدَ في غَيْرِهِ جَازَ الْقِيَاسُ عليه ما لم يَظْهَرْ من الشَّارِعِ قَصْدُ تَخْصِيصِ الْحُكْمِ بِذَلِكَ الْمَحَلِّ وما لم يَتَرَجَّحْ قِيَاسُ الْأُصُولِ عليه فَإِنْ رَجَحَ بِمَا يَتَرَجَّحُ بِهِ بَعْضُ الْأَقْيِسَةِ على بَعْضٍ لم يَجُزْ الْقِيَاسُ عليه لِحُصُولِ الْمُعَارِضِ الرَّاجِحِ لَا لِأَنَّهُ لم يَصْلُحْ أَنْ يُقَاسَ عليه وَحَكَى الْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ الْخِلَافَ على وَجْهٍ آخَرَ فقال إذَا وَرَدَتْ قَاعِدَةٌ خَارِجَةٌ
  237. عن قِيَاسِ الْقَوَاعِدِ كَالْإِجَارَةِ وَالْكِتَابَةِ قِيلَ لَا يُقَاسُ على أَصْلِهَا وَلَا فَرْعِهَا وَقِيلَ يُقَاسُ في فُرُوعِهَا وَلَا يُقَاسُ عليه أَصْلٌ آخَرُ قال وَالْمُخْتَارُ أَنَّ إطْلَاقَ الْأَمْرَيْنِ مُسْتَقِيمٌ فإن الْقَوَاعِدَ وَإِنْ تَبَايَنَتْ في خَوَاصِّهَا فَقَدْ تَلْتَقِي في أُمُورٍ جُمَلِيَّةٍ لِمُلَاحَظَةِ الشَّرْعِ الْبَيْعَ وَالْإِجَارَةَ في كَوْنِهِ مُعَاوَضَةً وقال ابن الْقَطَّانِ ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّ الْمَخْصُوصَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَاسَ عليه وَزَعَمُوا أَنَّ الشَّافِعِيَّ يَأْبَى ذلك في الْمَسْحِ على الْخُفَّيْنِ في الْحَضَرِ لِعُذْرٍ وَمِنْهُمْ من أَوَّلَهُ وقال الْمَخْصُوصُ على ضَرْبَيْنِ مَخْصُوصٌ بِالْمَعْنَى وَمَخْصُوصٌ بِالذِّكْرِ وَالْأَوَّلُ يَجُوزُ الْقِيَاسُ عليه بِخِلَافِ الثَّانِي وَالشَّافِعِيُّ إنَّمَا أَطْلَقَ ذلك لِأَنَّهُ أَرَادَ إذَا لم أَجِدْ عِلَّةَ الْحُكْمِ فلم أَقِسْ عليه غَيْرَهَا وقال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ لَا يَقِيسُ على الْمَخْصُوصِ وما يَرِدُ من الْأَخْبَارِ على غَيْرِ قِيَاسِ الْأُصُولِ وَشَبَّهُوهُ بِمَا قُلْنَا في مَسِّ الذَّكَرِ أَنَّا لَا نَقِيسُ عليه غَيْرَهُ وهو خَطَأٌ لِأَنَّهُمْ لَا يُجَوِّزُونَ وُرُودَ الْأَخْبَارِ بِشَيْءٍ تُخَالِفُهُ الْأُصُولُ لِأَنَّهَا أُصُولٌ في أَنْفُسِهَا فَقِيَاسٌ عليها حَيْثُ وُجِدَتْ الْعِلَّةُ لِأَنَّهَا مُوجِبَةٌ لِلْحُكْمِ وقال إلْكِيَا الْمَخْصُوصُ بِالذِّكْرِ قد يَقَعُ الْقِيَاسُ عليه وَأَكْثَرُ الْقِيَاسِ كَذَلِكَ وَالْمَخْصُوصُ بِالْمَعْنَى لَا يُقَاسُ عليه لِأَنَّهُ اخْتَصَّ بِمَعْنَاهُ فلم يُوجَدْ في غَيْرِهِ فَلَا يُقَاسُ عليه لِعَدَمِ الْجَامِعِ ثُمَّ قَسَّمَهُ إلَى ما سَبَقَ وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ قال أَصْحَابُنَا الْمَخْصُوصُ بِالْمَعْنَى لَا يُقَاسُ عليه لِأَنَّ الْمَعْنَى الذي لِأَجْلِهِ خُصَّ الْحُكْمُ مَفْقُودٌ في غَيْرِ ما وَرَدَ الْحُكْمُ فيه بِخِلَافِ الْمَخْصُوصِ بِالِاسْمِ فَقَطْ قال الْأُسْتَاذُ جُمْلَةُ ما يَمْتَنِعُ الْقِيَاسُ في الْأُصُولِ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ أَحَدُهَا تَخْصِيصُ غَيْرِهِ بِالذِّكْرِ وَإِفْرَادُهُ بِالْحُكْمِ خُصُوصًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى خَالِصَةً لك من دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَذَلِكَ في النِّكَاحِ بِلَفْظِ الْهِبَةِ أو بِلَا مَهْرٍ أَصْلًا وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ عليه السَّلَامُ لِأَبِي بُرْدَةَ وَلَنْ تُجْزِئَ عن أَحَدٍ بَعْدَك الثَّانِي تَخْصِيصُ مَكَان بِحُكْمٍ مَخْصُوصٍ كَقَوْلِهِ في مَكَّةَ أُحِلَّتْ لي سَاعَةً من نَهَارٍ وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا لِأَحَدٍ بَعْدِي وَالثَّالِثُ تَخْصِيصُ حَالٍ من أَحْوَالِ الْإِنْسَانِ كَتَخْصِيصِ حَالِ الضَّرُورَةِ بِإِبَاحَةِ الْمَيْتَةِ الرَّابِعُ وُقُوعُ التَّغْلِيظِ في جِنْسٍ من الْأَحْكَامِ في بَعْضِ الْمَوَاضِعِ تَخْصِيصًا بِهِ
  238. وَحْدَهُ كَتَغْلِيظِ الْأَيْمَانِ في الْقَسَامَةِ لَا يُقَاسُ عليها التُّهْمَةُ في قَتْلِ الْبَهِيمَةِ الْخَامِسُ الرُّخَصُ كَالْمَسْحِ على الْخُفَّيْنِ لَا يُقَاسُ عليه الْمَسْحُ على الْبُرْقُعِ وَالْقُفَّازَيْنِ وَكَالِاسْتِنْجَاءِ لَا يُقَاسُ عليه أَثَرُ النَّجَاسَةِ على الثَّوْبِ فَهَذِهِ الْخَمْسَةُ لَا يَجُوزُ عليها الْقِيَاسُ عِنْدَنَا قال وَأَمَّا في الْمَخْصُوصِ من الْعَامِّ فَإِنْ كان الْمَعْنَى يُوجَدُ في غَيْرِهِ جَازَ الْقِيَاسُ عليه كَالْأَمَةِ في تَنْصِيفِ حَدِّهَا قِيسَ عليها الْعَبْدُ بِعِلَّةِ الرِّقِّ وَإِنْ لم يَكُنْ ثَمَّ مَعْنًى لم يَجُزْ كَإِيجَابِ الْغُرَّةِ في الْجَنِينِ لَا يُقَاسُ عليه الْمَلْفُوفُ قال وَهَذَا تَفْصِيلُ أَصْحَابِنَا في الْقِيَاسِ الْمَخْصُوصِ وقال أَصْحَابُ الرَّأْيِ إنَّ الْمَخْصُوصَ بِالْأَثَرِ من جُمْلَةِ قِيَاسِ الْأُصُولِ لَا يُقَاسُ عليه إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَثَرُ مُعَلَّلًا فَيُقَاسُ عليه بِتِلْكَ الْعِلَّةِ أو يَتَّفِقَ الْقَائِلُونَ بِالْقِيَاسِ على جَوَازِ الْقِيَاسِ عليه فَيُقَاسُ عليه نَظَائِرُهُ وَإِنْ خَالَفَ قِيَاسَ الْأُصُولِ كَقَوْلِهِمْ في الْوُضُوءِ من الْقَهْقَهَةِ في الصَّلَاةِ إنَّ قِيَاسَ الْأُصُولِ أَنَّ ما كان حَدَثًا في الصَّلَاةِ كان حَدَثًا في غَيْرِهَا إلَّا أَنَّ الْقِيَاسَ في ذلك مَتْرُوكٌ بِالْخَبَرِ لم يَجُزْ أَنْ يُقَاسَ عليها الْقَهْقَهَةُ في صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وفي سُجُودِ التِّلَاوَةِ لِأَنَّ الْأَمْرَ الذي خَصَّهُمَا من جُمْلَةِ الْقِيَاسِ إنَّمَا وَرَدَ في صَلَاةٍ لها رُكُوعٌ وَسُجُودٌ وقال صَاحِبُ الْبَيَانِ في كِتَابِ الْحَجِّ الْمَنْصُوصُ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ أَحَدُهَا ما لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ فَلَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ عليه كَعَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَأَرْكَانِهَا وَكَذَلِكَ لم يُقَسْ عليها وُجُوبُ صَلَاةٍ سَادِسَةٍ وَالثَّانِي ما عُقِلَ مَعْنَاهُ ولم يُوجَدْ ذلك الْمَعْنَى في غَيْرِهِ كَالْمَسْحِ على الْخُفَّيْنِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْحَاجَةُ إلَى لُبْسِهِ وَالْمَشَقَّةُ في نَزْعِهِ وَهَذَا لَا يُوجَدُ في الْعِمَامَةِ وَالْقُفَّازَيْنِ وَكَذَلِكَ الْمُتَحَلِّلُ من الْإِحْرَامِ لِأَجْلِ الْإِحْصَارِ بِالْعَدُوِّ عُقِلَ مَعْنَاهُ وهو التَّخَلُّفُ من الْعَدُوِّ وَهَذَا لَا يُوجَدُ في الْمَرَضِ وَكَذَلِكَ تَحْرِيمُ الرِّبَا في النَّقْدَيْنِ عُقِلَ مَعْنَاهُ وهو قِيمَةُ الْأَشْيَاءِ ولم يُوجَدْ في غَيْرِهَا فلم يُقَسْ عليها الْحَدِيدُ وَالرُّصَاصُ وَالثَّالِثُ ما عُقِلَ وَوُجِدَ ذلك الْمَعْنَى في غَيْرِهِ فَيَجُوزُ الْقِيَاسُ عليه كَتَحْرِيمِ الرِّبَا في النَّسِيئَةِ تَنْبِيهٌ يَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ من الشُّرُوطِ أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمُ الْأَصْلِ فيه تَغْلِيظًا لَكِنَّ كَلَامَ أَصْحَابِنَا يُخَالِفُ هذا فَإِنَّهُمْ أَلْحَقُوا عَرَقَ الْكَلْبِ وَرَوَثَهُ وَجَمِيعَ أَجْزَائِهِ بِسُؤْرِهِ وَجَعَلُوهُ كَإِلْحَاقِ الْأَمَةِ بِالْعَبْدِ وَلَنَا وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يَلْحَقُ وَمَأْخَذُهُ ما ذَكَرْنَا
  239. مَسْأَلَةٌ مِمَّا يَمْتَنِعُ فيه الْقِيَاسُ قال إلْكِيَا مِمَّا يَمْتَنِعُ فيه الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ الِاعْتِبَارُ مُقْتَضِيًا تَصَرُّفًا في عَيْنٍ لَا يَتَصَوَّرُ إحَاطَةَ عِلْمِ الْعَبْدِ بِهِ فَالْقِيَاسُ مُمْتَنِعٌ لِعَدَمِ شَرْطِهِ وهو ظُهُورُ الظَّنِّ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ ارْتِبَاطُ الظَّنِّ بِهِ فَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ الطَّهَارَةَ شُرِعَتْ لِلنَّظَافَةِ وَالصَّلَاةَ لِلْخُشُوعِ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَضَعَ شيئا آخَرَ وَيَجْعَلَهُ مِثْلًا لِلصَّلَاةِ في إفَادَةِ مِثْلِ مَقْصُودِ الصَّلَاةِ وَالطَّهَارَةِ من الْخُشُوعِ وَالنَّظَافَةِ كان مَرْدُودًا لِأَنَّهُ لَا يَهْتَدِي إلَيْهِ قال وَعَلَى هذا أَكْثَرُ ضَوَابِطِ الشَّرْعِ كَنُصُبِ الزَّكَوَاتِ وَتَقْدِيرِ الْبُلُوغِ وَتَقْدِيرِ الزَّوَاجِرِ وَغَيْرِهَا فَائِدَةٌ قال يُونُسُ بن عبد الْأَعْلَى سَمِعْت الشَّافِعِيَّ يقول لَا يُقَاسُ على خَاصٍّ وَلَا يُقَاسُ أَصْلٌ على أَصْلٍ وَلَا يُقَالُ لِلْأَصْلِ كَمْ وَكَيْفَ فإذا صَحَّ قِيَاسُهُ على الْأَصْلِ ثَبَتَ قال الْعَبَّادِيُّ مَعْنَى قَوْلِهِ لَا يُقَاسُ أَصْلٌ على أَصْلٍ أَيْ لَا يُقَاسُ التَّيَمُّمُ على الْوُضُوءِ فَيُجْعَلُ أَرْبَعًا وَلَا يُقَاسُ الْوُضُوءُ على التَّيَمُّمِ فَيُجْعَلُ اثْنَيْنِ لِأَنَّ أَحَدَ الْقِيَاسَيْنِ يَرْفَعُ النَّصَّ وَالثَّانِيَ يَرْفَعُ الْإِجْمَاعَ وفي رِوَايَةِ غَيْرِهِ لَا يُقَاسُ على خَاصٍّ مُنْتَزَعٍ من عَامٍّ كَالْمُصَرَّاةِ وفي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَا يُقَاسُ على مَخْصُوصٍ وَلَا مَنْصُوصٍ على مَنْصُوصٍ فإن الْقِيَاسَ على الْمَخْصُوصِ إبْطَالٌ وفي قِيَاسِ الْمَنْصُوصِ على الْمَنْصُوصِ إبْطَالُ الْمَنْصُوصِ وقد قِيلَ ذلك لِأَبِي بَكْرٍ الشَّاشِيِّ فقال الْقِيَاسُ على الْمَخْصُوصِ يَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فإنه قَاسَ ما دُونَ أَرْشِ الْمُوضِحَةِ على الْمُوضِحَةِ في تَحَمُّلِ الْعَقْلِ وَإِنَّمَا يَبْطُلُ التَّخْصِيصُ بِإِلْحَاقِ الْأَمْوَالِ بها فَأَمَّا إذَا أَلْحَقَ بها ما في مَعْنَاهَا فَلَا إذَنْ انْتَهَى مَسْأَلَةٌ ثُبُوتُ الْحُكْمِ في مَحَلِّ الْأَصْلِ الْحُكْمُ في مَحَلِّ النَّصِّ هل ثَبَتَ بِالْعِلَّةِ أو بِالنَّصِّ فيه وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا حَكَاهُمَا الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ وَحَكَى في الْمُسْتَصْفَى وَجْهًا ثَالِثًا بِالتَّفْصِيلِ بين أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ مَنْصُوصَةً فَيَجُوزُ إضَافَةُ الْحُكْمِ إلَيْهَا في مَحَلِّ النَّصِّ كَالسَّرِقَةِ مَثَلًا وَإِلَّا فَلَا
  240. وهو غَرِيبٌ وَيَخْرُجُ من كَلَامِ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ رَابِعٌ وهو أَنَّ الْحُكْمَ ثَبَتَ في الْأَصْلِ بِالنَّصِّ وَالْعِلَّةِ جميعا فقال وَقَوْلُهُمْ إنَّهُ لَا يُضَافُ إلَى النَّصِّ قُلْنَا يُضَافُ فَيُقَالُ النَّصُّ يُفِيدُ هذا الْحُكْمَ وَالْعِلَّةُ أَيْضًا مُفِيدَةٌ له وَيَجُوزُ أَنْ يَتَوَالَى دَلِيلَانِ على حُكْمٍ وَاحِدٍ وَكَذَا قال ابن بَرْهَانٍ ثُبُوتُهُ بِالنَّصِّ لَا يَمْنَعُ من إضَافَتِهِ إلَى الْعِلَّةِ فَنَحْنُ نَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَنَقُولُ الْحُكْمُ ثَابِتٌ بَيْنَهُمَا جميعا وَيَجُوزُ إضَافَةُ الْحُكْمِ إلَى دَلِيلَيْنِ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ اخْتَلَفُوا في تَعْلِيلِهِ بِعِلَّتَيْنِ ثُمَّ قال الْأُسْتَاذُ وقال أَهْلُ التَّحْقِيقِ إنَّ حَقِيقَةَ الْقَوْلِ في مُوجِبِ الْحُكْمِ الْكَشْفُ عن الدَّلِيلِ الْمُبَيِّنِ له قالوا وَلَهُ في الْأَصْلِ دَلِيلَانِ أَحَدُهُمَا النَّصُّ وَلَهُ حُكْمَانِ أَحَدُهُمَا بَيَانُ الشَّرِيعَةِ وَالثَّانِي بَيَانُ الْمَعْنَى الذي تَعَلَّقَ بِهِ الْحُكْمُ وفي الْفَرْعِ دَلِيلٌ وَاحِدٌ إذَا كانت الْعِلَّةُ وَاحِدَةً قال وَهَذَا هو الصَّحِيحُ وقد يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ مَدْرَكَ حُكْمِهِ بِوُجُوهٍ من الْأَدِلَّةِ ثُمَّ يَعْرِفُ حُكْمَ غَيْرِهِ بِبَعْضِ أَدِلَّتِهِ وقال الصَّيْرَفِيُّ الْحُكْمُ في الْأَصْلِ ثَبَتَ بِالْعِلَّةِ التي دَلَّ عليها النَّصُّ وَحَظُّ النَّصِّ فيها التَّنْبِيهُ عليها وَهَذَا هو الرَّاجِحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا قال الْإِبْيَارِيُّ وهو الصَّحِيحُ من مَذْهَبِ مَالِكٍ وَعَنْ الْعِرَاقِيِّينَ من الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ وَعَلَى الْأَوَّلِ فإذا اسْتَنْبَطَ من مَحَلِّ عُمُومِ عِلَّةٍ خَاصَّةٍ تَخْصِيصَ حُكْمِ الْأَصْلِ وهو بِمَثَابَةِ اسْتِنْبَاطِ الْإِسْكَارِ من آيَةِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ فَيَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ إلَّا الْقَدْرُ الْمُسْكِرُ وهو قَوْلُ أبي حَنِيفَةَ في النَّبِيذِ بِنَاءً منه على أَنَّ حُكْمَ النَّبِيذِ هو الْمُسْتَنِدُ إلَى الْعِلَّةِ وَأَمَّا حُكْمُ الْخَمْرِ فَيَسْتَنِدُ إلَى اللَّفْظِ الْعَامِّ قال ابن النَّفِيسِ في الْإِيضَاحِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الشَّافِعِيَّةِ ثُبُوتَهُ بِالْعِلَّةِ فَظَنُّ أَنَّ ثُبُوتَهُ بِالنَّصِّ لِأَجْلِ الْعِلَّةِ لَا لِأَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ الْمُوجِبَةُ له بِدُونِ النَّصِّ وَلَا أنها جُزْءُ الْمُوجِبِ وَحِينَئِذٍ يَصِيرُ الْخِلَافُ لَفْظِيًّا وَكَذَا زَعَمَ الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ النِّزَاعَ لَفْظِيٌّ لَا يَرْجِعُ إلَى مَعْنًى لِأَنَّ النَّصَّ لَا شَكَّ أَنَّهُ الْمُعَرِّفُ لِلْحُكْمِ أَيْ ثَبَتَ عِنْدَنَا بِهِ الْحُكْمُ وَالْمَعْنَى عِنْدَ من يُفْسِدُهُ بِالْبَاعِثِ هو الذي اقْتَضَى الْحُكْمَ فَمَنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ أَنَّ الْحُكْمَ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ أَيْ عُرِفَ بِهِ فَقَوْلُهُ صَحِيحٌ وَلَا يُنَازَعُ فيه وَمَنْ رَأَى أَنَّ الْمُقْتَضَى وَالْبَاعِثَ هو الْمَعْنَى فَلَا يُنَازِعُهُ الْآخَرُ فيه
  241. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْخِلَافَ مَعْنَوِيٌّ وَلَهُ أَصْلٌ وَفَرْعٌ أَمَّا أَصْلُهُ فَيَرْجِعُ إلَى تَفْسِيرِ الْعِلَّةِ فَعَلَى قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ إنَّهَا مُؤَثِّرَةٌ فَحُكْمُ الْأَصْلِ ثَابِتٌ بها وَكَذَا على قَوْلِ الْغَزَالِيِّ إنَّهَا مُؤَثِّرَةٌ بِجَعْلِ اللَّهِ وَأَمَّا من يُفَسِّرُهَا بِالْبَاعِثِ فَمَعْنَى أَنَّهُ شُرِعَ لِأَجْلِ الْمَصْلَحَةِ التي اقْتَضَتْ مَشْرُوعِيَّتَهُ وَبَعَثَتْ عليه فَفِي الْقَاصِرَةِ فَائِدَةُ مَعْرِفَةِ الْبَاعِثِ وَأَمَّا من يُفَسِّرُهَا بِالْمُعَرِّفِ فَلَا رَيْبَ أنها تُعَرِّفُ حُكْمَ الْأَصْلِ بِمُجَرَّدِهَا وقد تَجْتَمِعُ هِيَ وَالنَّصُّ فَلَا يَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُ مُعَرِّفَيْنِ عِنْدَ من يَجْعَلُهُمَا في حَالَةِ الِاجْتِمَاعِ مُعَرِّفَيْنِ وَبِهِ يَظْهَرُ أَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ ثَابِتٌ بِالْعِلَّةِ وَأَنَّ نِسْبَةَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ إلَى الْعِلَّةِ سَوَاءٌ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَأَمَّا فَرْعُهُ فَالْخِلَافُ في جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِالْقَاصِرَةِ فَمَنْ جَوَّزَ التَّعْلِيلَ بها قال الْحُكْمُ ثَابِتٌ في الْمَحَلِّ بِالْعِلَّةِ ولم يَكُنْ لها فَائِدَةٌ وَلِهَذَا في التَّعْدِيَةِ لو لم يُقَدِّرْ ثُبُوتَ الْحُكْمِ بِالْعِلَّةِ لم يَتَحَقَّقْ مَعْنَى الْمُقَايَسَةِ لِأَنَّ الْحُكْمَ حِينَئِذٍ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ وَذَكَرَ الْإِبْيَارِيُّ في شَرْحِ الْبُرْهَانِ من فَوَائِدِ الْخِلَافِ تَحْرِيمَ قَلِيلِ النَّبِيذِ وَكَثِيرِهِ كَالْخَمْرِ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ لَا يَحْرُمُ إلَّا الْقَدْرُ الْمُسْكِرُ بِخِلَافِ الْخَمْرِ فإن حُرْمَةَ الْخَمْرِ ثَابِتَةٌ بِالنَّصِّ وهو عَامٌّ يَشْمَلُ قَلِيلَهُ بِعِلَّةِ الْإِسْكَارِ وَحُرْمَةِ النَّبِيذِ وَالْفَرْعُ ثَابِتٌ بِعِلَّةِ الْأَصْلِ وَهِيَ الْإِسْكَارُ فَلَا بُدَّ من وُجُودِهَا فَلَا يَحْرُمُ منه قَدْرٌ لَا يُسْكِرُ تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ هذا الْخِلَافُ في النَّصِّ ذِي الْعِلَّةِ أَمَّا التَّعَبُّدِيُّ فَلَا مَدْخَلَ له في الْقِيَاسِ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ هُنَاكَ ثَابِتٌ بِالْعِلَّةِ وَظَنَّ الْهِنْدِيُّ أَنَّ كَلَامَ أَصْحَابِنَا على إطْلَاقِهِ فَرَدَّدَ الْقَوْلَ عليهم وَلَيْسَ كَذَلِكَ الثَّانِي صَوَابُ الْعِبَارَةِ أَنْ يُقَالَ ثَابِتٌ عِنْدَ الْعِلَّةِ لَا بها وَكَأَنَّ الشَّارِعَ قال مَهْمَا وُجِدَ الْوَصْفُ فَاعْلَمُوا أَنَّ الْحُكْمَ الْفُلَانِيَّ حَاصِلٌ في ذلك التَّمْثِيلِ وقد قال ابن الْحَاجِبِ في مَسْأَلَةِ الْعِلَّةِ الْمُرَكَّبَةِ التَّحْقِيقُ أَنَّ مَعْنَى الْعِلَّةِ ما قَضَى الشَّارِعُ بِالْحُكْمِ عِنْدَ الْحِكْمَةِ لَا أنها صِفَةٌ زَائِدَةٌ الثَّالِثُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَنْحَلُّ إشْكَالٌ أَوْرَدَهُ نُفَاةُ الْقِيَاسِ وهو كَيْفَ ثَبَتَ حُكْمُ الْفَرْعِ بِغَيْرِ ثُبُوتِهِ في الْأَصْلِ وَذَلِكَ لِأَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ كَتَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَحُكْمَ الْفَرْعِ ثَابِتٌ بِالْإِلْحَاقِ كَتَحْرِيمِ النَّبِيذِ فَالْحُكْمُ وَاحِدٌ وَالطَّرِيقُ مُخْتَلِفٌ فَكَيْفَ يَصِحُّ هذا وَجَوَابُهُ أَنَّ من قال إنَّ الْحُكْمَ في مَحَلِّ النَّصِّ بِالْعِلَّةِ لم يَرِدْ عليه هذا السُّؤَالُ لِأَنَّهُ إنَّمَا ثَبَتَ الْحُكْمُ في الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ بِطَرِيقٍ وَاحِدٍ وهو مَعْنَى الْإِسْكَارِ في الْخَمْرِ وَالنَّبِيذِ وَمَنْ أَثْبَتَ في الْأَصْلِ بِالنَّصِّ قال الْمَقْصُودُ ثُبُوتُ الْحُكْمِ لَا تَعْيِينُ طَرِيقِهِ بِكَوْنِهِ نَصًّا أو قِيَاسًا أو نَصًّا في الْأَصْلِ قِيَاسًا في الْفَرْعِ لِأَنَّ الطَّرِيقَ وَسِيلَةٌ وَالْحُكْمَ مَقْصِدٌ
  242. وَمَعَ حُصُولِ الْمَقْصِدِ لو قُدِّرَ عَدَمُ الْوَسَائِلِ لم يَضُرَّ فَضْلًا عن اخْتِلَافِهَا وَهَذَا كَمَنْ قَصَدَ مَكَّةَ أو غَيْرَهَا من الْبِلَادِ لَا حَرَجَ عليه من أَيِّ جِهَةٍ دَخَلَهَا
  243. الرُّكْنُ الثَّالِثُ الْفَرْعُ وهو الذي يُرَادُ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فيه فَقِيلَ هو مَحَلُّ الْحُكْمِ الْمُخْتَلَفِ فيه وهو قِيَاسُ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ في الْأَصْلِ وَقِيلَ هو نَفْسُ الْحُكْمِ الذي في الْمَحَلِّ وهو قِيَاسُ الْقَوْلِ الثَّالِثِ ثَمَّ وَقِيَاسُ قَوْلِ الْمُتَكَلِّمِينَ في الْأَصْلِ أَنَّهُ النَّصُّ أَنْ يَكُونَ الْفَرْعُ هُنَا هو الْعِلَّةُ لَكِنْ لم يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ لِأَنَّهَا أَصْلٌ في الْفَرْعِ وَفَرْعٌ في الْأَصْلِ فلم يُمْكِنْ جَعْلُهَا فَرْعًا في الْفَرْعِ وقال الْأَصْفَهَانِيُّ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْفَرْعُ عِنْدَهُمْ ثُبُوتَ الْحُكْمِ في مَحَلِّ النَّصِّ أو عِلَّتِهِ أو الْحُكْمَ في مَحَلِّ الْخِلَافِ وقال السُّهَيْلِيُّ في أَدَبِ الْجَدَلِ الْفَرْعُ ما اخْتَلَفَ الْخَصْمَانِ فيه وَقِيلَ ما قَصَدَ الْقَائِسُ إثْبَاتَ الْحُكْمِ فيه وَقِيلَ ما نُصِبَتْ الدَّلَالَةُ فيه وَلَهُ شُرُوطٌ أَحَدُهَا وُجُودُ الْعِلَّةِ الْمَوْجُودَةِ أَيْ قِيَامُهَا بِهِ وَإِنْ كانت عَدَمِيَّةً وَلَا يُشْتَرَطُ الْقَطْعُ بِوُجُودِهَا فيه خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ بَلْ يَكْفِي الظَّنُّ وَسَيَأْتِي في بَابِ الْعِلَّةِ الثَّانِي أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ الْمَوْجُودَةُ فيه مِثْلَ عِلَّةِ الْأَصْلِ بِلَا تَفَاوُتٍ أَعْنِي بِالنِّسْبَةِ إلَى النُّقْصَانِ أَمَّا الزِّيَادَةُ فَلَا يُشْتَرَطُ انْتِفَاؤُهَا إذْ قد يَكُونُ الْحُكْمُ في الْفَرْعِ أَوْلَى كَقِيَاسِ الضَّرْبِ على التَّأْفِيفِ وقد يَكُونُ مُسَاوِيًا كَقِيَاسِ الْأَمَةِ على الْعَبْدِ في السِّرَايَةِ فَإِنْ كان وُجُودُهَا في الْفَرْعِ مَقْطُوعًا بِهِ صَحَّ الْإِلْحَاقُ قَطْعًا وَإِنْ كان مَظْنُونًا كَقِيَاسِ الْأَدْوَنِ كَالتُّفَّاحِ على الْبُرِّ بِجَامِعِ الطَّعْمِ فَاخْتَلَفُوا فيه على قَوْلَيْنِ وَأَصَحُّهُمَا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْقَطْعُ بِهِ بَلْ يَكْفِي في وُجُودِ الْعِلَّةِ في الْفَرْعِ الظَّنُّ لِأَنَّا إذَا ظَنَنَّا وُجُودَهَا في الْفَرْعِ ظَنَنَّا الْحُكْمَ وَالْعَمَلُ بِالظَّنِّ وَاجِبٌ الثَّالِثُ أَنْ يُسَاوِيَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْأَصْلِ فِيمَا يُقْصَدُ من عَيْنٍ أو جِنْسٍ لِيَتَأَدَّى بِهِ مِثْلُ ما يَتَأَدَّى بِالْحُكْمِ في الْأَصْلِ فَإِنْ كان حُكْمُ الْفَرْعِ مُخَالِفًا لِحُكْمِ الْأَصْلِ فَسَدَ الْقِيَاسُ الرَّابِعُ أَنْ يَكُونَ خَالِيًا عن مُعَارِضٍ رَاجِحٍ يَقْتَضِي نَقِيضَ ما اقْتَضَتْهُ عِلَّةُ الْقِيَاسِ هذا إنْ جَوَّزْنَا تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ فَإِنْ لم نُجَوِّزْهُ لم يَكُنْ هذا شَرْطًا في الْفَرْعِ الذي يُقَاسَ بَلْ الْفَرْعُ الذي يَثْبُتُ فيه الْحُكْمُ يَقْتَضِي الْقِيَاسَ الْخَامِسُ أَنْ لَا يَتَنَاوَلَ دَلِيلَ الْأَصْلِ لِأَنَّهُ يَكُونُ ثَابِتًا بِهِ وَمِنْهُمْ من قال
  244. أَنْ لَا يَكُونَ الْفَرْعُ مَنْصُوصًا أو مُجْمَعًا عليه وَهَذَا ظَاهِرٌ إذَا كان الْحُكْمُ الْمَنْصُوصُ عليه على خِلَافِ الْقِيَاسِ وَإِلَّا لَزِمَ تَقْدِيمُ الْقِيَاسِ على النَّصِّ وهو مُمْتَنِعٌ نعم يَجُوزُ لِتَجْرِبَةِ النَّظَرِ فَأَمَّا إذَا كان على مُوَافَقَتِهِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ النَّصُّ الدَّالُّ على ثُبُوتِ حُكْمِ الْفَرْعِ هو بِعَيْنِهِ الذي دَلَّ على حُكْمِ الْأَصْلِ أو غَيْرُهُ فَإِنْ كان الْأَوَّلَ فَالْقِيَاسُ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ ليس جَعَلَ تِلْكَ الصُّورَةَ أَصْلًا وَالْأُخْرَى فَرْعًا أَوْلَى من الْعَكْسِ وَإِنْ كان غَيْرَهُ فَالْقِيَاسُ فيه جَائِزٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ كما نَقَلَهُ في الْمَحْصُولِ لِأَنَّهُ ليس الْمَقْصُودُ إثْبَاتَ الْحُكْمِ بَلْ الِاسْتِظْهَارَ بِتَكْثِيرِ الْحُجَجِ وَتَرَادُفُ الْأَدِلَّةِ على الْمَدْلُولِ الْوَاحِدِ جَائِزٌ لِإِفَادَةِ زِيَادَةِ الظَّنِّ وَمَنَعَ بَعْضُهُمْ من قِيَاسِ الْمَنْصُوصِ عليه مُطْلَقًا وَأَطْلَقَ الْآمِدِيُّ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ على اشْتِرَاطِهِ وَنَقَلَ الدَّبُوسِيُّ في التَّقْوِيمِ الْجَوَازَ مُطْلَقًا عن الشَّافِعِيِّ فقال جَوَّزَ الشَّافِعِيُّ كَوْنَ الْفَرْعِ فيه نَصٌّ وَيَزْدَادُ بِالْقِيَاسِ بَيَانُ ما كان النَّصُّ سَاكِتًا عنه وَلَا يَجُوزُ إذَا كان مُخَالِفًا لِلنَّصِّ السَّادِسُ شَرَطَ الْغَزَالِيُّ وَالْآمِدِيَّ انْتِفَاءَ نَصٍّ أو إجْمَاعٍ يُوَافِقُهُ أَيْ لَا يَكُونُ مَنْصُوصًا على شَبَهِهِ بِخِلَافِ الشَّرْطِ قَبْلَهُ فإنه شَرْطٌ في نَصِّهِ هو وَالْحَقُّ أَنَّ هذا غَيْرُ شَرْطٍ وَفَائِدَةُ الْقِيَاسِ مَعْرِفَةُ الْعِلَّةِ أو الْحُكْمِ وَفَائِدَةُ النَّصِّ ثُبُوتُ الْحُكْمِ السَّابِعُ أَنْ لَا يَكُونَ الْحُكْمُ في الْفَرْعِ ثَابِتًا قبل الْأَصْلِ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُسْتَفَادَ مُتَأَخِّرٌ عن الْمُسْتَفَادِ منه بِالضَّرُورَةِ فَلَوْ تَقَدَّمَ مع ما ذَكَرْته من وُجُوبِ تَأَخُّرِهِ لَزِمَ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ أو الضِّدَّيْنِ وهو مُحَالٌ وَهَذَا كَقِيَاسِ الْوُضُوءِ على التَّيَمُّمِ في اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ لِأَنَّ التَّعَبُّدَ بِالتَّيَمُّمِ إنَّمَا وَرَدَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَالتَّعَبُّدَ بِالْوُضُوءِ كان قَبْلَهُ وَنَازَعَ الْعَبْدَرِيُّ في الْمِثَالِ بِأَنَّهُ من قِيَاسِ الشَّبَهِ لَا من قِيَاسِ الْعِلَّةِ وَمَعْنَاهُ طَهَارَتَانِ فَكَيْفَ تَفْتَرِقَانِ وَمَنَعَ ابن الصَّبَّاغِ في الْعُدَّةِ هذا الشَّرْطَ وَجَوَّزَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ عليه أَمَارَاتٍ مُتَقَدِّمَةً وَمُتَأَخِّرَةً فَلِلْمُسْتَدِلِّ أَنْ يَحْتَجَّ بِالْمُتَقَدِّمِ منها وَالْمُتَأَخِّرِ فإن الدَّلِيلَ يَجُوزُ تَأَخُّرُهُ عن ثُبُوتِهِ وَلِهَذَا مُعْجِزَاتُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم منها ما قَارَنَ نُبُوَّتَهُ وَمِنْهَا ما تَأَخَّرَ عنه وَيَجُوزُ الِاسْتِدْلَال على نُبُوَّتِهِ بِمَا نَزَلَ من الْقُرْآنِ بِالْمَدِينَةِ وَكَذَا في الْأَحْكَامِ الْمَظْنُونَةِ وَكَذَا نَقَلَ إلْكِيَا في تَعْلِيقِهِ عن الْأَصْحَابِ أَنَّهُمْ جَوَّزُوا ذلك فإن الْعَالَمَ مُتَرَاخٍ عن الْقَدِيمِ فَيُسْتَدَلُّ بِهِ على إثْبَاتِ الْقَدِيمِ ثُمَّ قال وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ فَإِنَّا لَا نَسْتَدِلُّ بِوُجُودِ الْعَالِمِ على إثْبَاتِ الصَّانِعِ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ قَطْعًا وَإِنَّمَا اسْتَدْلَلْنَا بِالْعَالِمِ على الْعِلْمِ
  245. بِالصَّانِعِ فَيَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ هُنَا النِّيَّةُ في الْوُضُوءِ كانت ثَابِتَةً بِدَلِيلِهَا وهو إخَالَةٌ وَمُنَاسَبَةٌ وقال الْقُرْطُبِيُّ هذا إنَّمَا نَشَأَ من حَيْثُ إنَّ الْوُضُوءَ كان مَعْمُولًا بِهِ قبل مَشْرُوعِيَّةِ التَّيَمُّمِ فَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُ لم يُعْمَلْ بِهِ إلَى أَنْ شُرِعَ التَّيَمُّمُ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَاسَ عليه وَيَكُونَ فَرْعًا له وَإِنْ كان مُتَقَدِّمًا لِأَنَّ الْعِلَلَ الشَّرْعِيَّةَ أَمَارَاتٌ على الْأَحْكَامِ وَمُعَرِّفَاتٌ لها وَتَقْدِيمُهَا كَالدَّلِيلِ وَالْمَدْلُولِ وقال ابن بَرْهَانٍ قَوْلُهُمْ لَا يُسْتَفَادُ حُكْمُ الْمُتَقَدِّمِ من الْمُتَأَخِّرِ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ وَإِنْ كان مُتَأَخِّرًا إلَّا أَنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَالْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ إذَا ثَبَتَ ثَبَتَ على الْإِطْلَاقِ قال قالوا هذا إذَنْ يَكُونُ نَسْخًا وَإِنَّمَا هو ضَمُّ حُكْمٍ إلَى حُكْمٍ وقال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ رَحِمَهُ اللَّهُ هذا الشَّرْطُ إنَّمَا يَتَعَيَّنُ إذَا تَوَقَّفَ اسْتِنَادُ الْحُكْمِ في الْفَرْعِ إلَى الْأَصْلِ على وَجْهٍ يَتَعَيَّنُ طَرِيقًا لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ لِأَنَّ الْمُحَالَ إنَّمَا يَلْزَمُ على هذا الْوَجْهِ فإنه مَنْشَأُ الِاسْتِحَالَةِ فإذا انْتَفَى ذلك لِعَدَمِ النَّصِّ انْتَفَى وَجْهُ الِاسْتِحَالَةِ وقال ابن الْحَاجِبِ نعم لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ إلْزَامًا لِلْخَصْمِ لِتَسَاوِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ في الْمَعْنَى وقال الرَّازِيَّ وَالْهِنْدِيُّ هذا إذَا لم يَكُنْ لِحُكْمِ الْفَرْعِ دَلِيلٌ سِوَى ذلك الْأَصْلِ الْمُتَأَخِّرِ فإنه كان عليه دَلِيلٌ آخَرُ وَذِكْرُ ذلك على سَبِيلِ الْإِلْزَامِ لِلْخَصْمِ لَا بِطَرِيقِ تَقْوِيَةِ الْمَأْخَذِ أو بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ لَا بِطَرِيقِ التَّعْلِيلِ وَيَجُوزُ أَنْ يَتَأَخَّرَ الدَّلِيلُ عن الْمَدْلُولِ كَالْعَالِمِ على الصَّانِعِ جَازَ تَأَخُّرُهُ لِزَوَالِ الْمَحْذُورِ وَتَوَارُدُ الْأَدِلَّةِ على مَدْلُولٍ وَاحِدٍ جَائِزٌ وَهَذَا فيه نَظَرٌ لِأَنَّ الْكَلَامَ في تَفَرُّعِهِ عن الْأَصْلِ الْمُتَأَخِّرِ وَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ سَوَاءٌ كان عليه دَلِيلٌ غَيْرُهُ أَمْ لَا الثَّامِنُ شَرَطَ أبو هَاشِمٍ دَلَالَةَ دَلِيلٍ غَيْرِ الْقِيَاسِ على ثُبُوتِ الْحُكْمِ في الْفَرْعِ بِطَرِيقِ الْإِجْمَالِ وَيَكُونُ حَظُّ الْقِيَاسِ إبَانَةَ فَيْصَلِهِ وَالْكَشْفَ عن مَوْضُوعِهِ وَحَكَاهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ عن أبي زَيْدٍ أَيْضًا وَرَدَّدَهُ بِأَنَّ الْأَوَّلِينَ تَشَوَّفُوا إلَى إجْرَاءِ الْقِيَاسِ اتِّبَاعًا لِلْأَوْصَافِ الْمُخَيَّلَةِ الْمُؤَثِّرَةِ من غَيْرِ تَقْيِيدٍ وقد أَثْبَتُوا قَوْلَهُ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ بِالْقِيَاسِ وَإِنْ لم يَكُنْ عليه نَصٌّ على جِهَةِ الْجُمْلَةِ على وَجْهٍ ما لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ إنَّمَا يُمْكِنُ عن الْمَنْعِ من تَحْرِيمِهِ وَلَا يُفِيدُ حُكْمُهُ إذَا وَقَعَ التَّحْرِيمُ قال وَيُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ لَعَلَّهُمْ عَلِمُوا له أَصْلًا غَابَ عَنَّا
  246. تَنْبِيهٌ جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنَّ الْفَرْعَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُخْتَلَفًا فيه فقال بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُجْمَعًا عليه وَالْحَقُّ جَوَازُهُ لِأَنَّ الْقِيَاسَ تَعَدَّى الْحُكْمَ من الْمَنْصُوصِ إلَى غَيْرِ الْمَنْصُوصِ وَيَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ كَثِيرٌ من مَسَائِلِ الْإِجْمَاعِ بِذَلِكَ كما بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا بَاعَ خَمْرًا وَأَكَلَ ثَمَنَهُ فقال قَاتَلَهُ اللَّهُ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قال قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عليهم الشُّحُومُ فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا فَهَذَا الْحُكْمُ مُجْمَعٌ عليه وَاسْتُعْمِلَ فيه الْقِيَاسُ
  247. الرُّكْنُ الرَّابِعُ الْعِلَّةُ وَهِيَ شَرْطٌ في صِحَّةِ الْقِيَاسِ لِيَجْمَعَ بها بين الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ قال ابن فُورَكٍ من الناس من اقْتَصَرَ على الشَّبَهِ وَمَنَعَ الْقَوْلَ بِالْعِلَّةِ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ ذَهَبَ بَعْضُ الْقَيَّاسِينَ من الْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ إلَى صِحَّةِ الْقِيَاسِ من غَيْرِ عِلَّةٍ إذَا لَاحَ بَعْضُ الشَّبَهِ وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْقَيَّاسِينَ من الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ إلَى أَنَّ الْعِلَّةَ لَا بُدَّ منها في الْقِيَاسِ وَهِيَ رُكْنُ الْقِيَاسِ لَا يَقُومُ الْقِيَاسُ إلَّا بها وَالْعِلَّةُ في اللُّغَةِ قِيلَ هِيَ اسْمٌ لِمَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُ الشَّيْءِ بِحُصُولِهِ مَأْخُوذٌ من الْعِلَّةِ التي هِيَ الْمَرَضُ لِأَنَّ تَأْثِيرَهَا في الْحُكْمِ كَأَثَرِ الْعِلَّةِ في ذَاتِ الْمَرِيضِ وَيُقَالُ اعْتَلَّ فُلَانٌ إذَا حَالَ عن الصِّحَّةِ إلَى السَّقَمِ وَهَذَا الْمَعْنَى اعْتَمَدَهُ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ في كِتَابِ الْإِخْبَارِ عن أَحْكَامِ الْعِلَلِ وهو مُجَلَّدٌ لَطِيفٌ وَجَرَى عليه إلْكِيَا وابن السَّمْعَانِيِّ وَقِيلَ لِأَنَّهَا نَاقِلَةٌ بِحُكْمِ الْأَصْلِ إلَى الْفَرْعِ كَالِانْتِقَالِ بِالْعِلَّةِ من الصِّحَّةِ إلَى الْمَرَضِ حَكَاهُ ابن السَّمْعَانِيِّ وقال الْأَوَّلُ أَحْسَنُ لِأَنَّا قَبِلْنَا صِحَّةَ التَّعْلِيلِ بِالْقَاصِرَةِ وَقِيلَ إنَّهَا مَأْخُوذَةٌ من الْعَلَلِ بَعْدَ النَّهَلِ وهو مُعَاوَدَةُ الْمَاءِ لِلشُّرْبِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ في اسْتِخْرَاجِهَا يُعَاوِدُ النَّظَرَ بَعْدَ النَّظَرِ وَلِأَنَّ الْحُكْمَ يَتَكَرَّرُ بِتَكْرَارِ وُجُودِهَا وَلِأَنَّ الْحَادِثَةَ مُسْتَمِرَّةٌ بَاقِيَةٌ غَيْرُ مُتَكَرِّرَةٍ عِنْدَ جُمْهُورِ الْقَدَرِيَّةِ قال إلْكِيَا وقد يُعَبَّرُ بها عَمَّا لِأَجْلِ ذلك يُقْدِمُ على الْفِعْلِ أو يُمْنَعُ منه يُقَالُ فَعَلَ الْفِعْلَ لِعِلَّةِ كَيْتَ أو لم يَفْعَلْ لِعِلَّةِ كَيْتَ وقد اُسْتُعْمِلَتْ في الْمَعْلُولَاتِ في الْمَعْنَى الذي يُوجِبُ لِغَيْرِهِ حَالًا كَالْعِلْمِ يُوجِبُ الْعَالَمِيَّةَ وَالْوَصْفِ من غَيْرِ حَالِ السَّوَادِ فقال إنَّهُ عِلَّةٌ في وَصْفِ الْمَحَلِّ بِأَنَّهُ أَسْوَدُ وَأَمَّا في الِاصْطِلَاحِ فَاخْتَلَفُوا فيها على خَمْسَةِ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا أنها الْمُعَرِّفُ لِلْحُكْمِ أَيْ جُعِلَتْ عَلَمًا على الْحُكْمِ إنْ وُجِدَ الْمَعْنَى وُجِدَ الْحُكْمُ قَالَهُ الصَّيْرَفِيُّ في كِتَابِ الْإِعْلَامِ وابن عَبْدَانَ في شَرَائِطِ الْأَحْكَامِ وأبو زَيْدٍ من الْحَنَفِيَّةِ وَحَكَاهُ سُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ عن بَعْضِ الْفُقَهَاءِ وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْمَحْصُولِ
  248. وَالْمِنْهَاجِ أَيْ ما يَكُونُ دَالًّا على وُجُودِ الْحُكْمِ وَلَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً لِأَنَّ الْمُؤَثِّرَ هو اللَّهُ وَلِأَنَّ الْحُكْمَ قَدِيمٌ فَلَا يُؤَثِّرُ فيه الْحَادِثُ وَنُقِضَ بِ الْعَلَامَةِ فإن الْحَدَّ صَادِقٌ عليها وَلَيْسَتْ الْأَحْكَامُ مُضَافَةً إلَيْهَا وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ كما قَالَهُ الصَّيْرَفِيُّ أَمَّا الْعَقْلِيَّةُ فَمُوجِبَةٌ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الشَّرْعَ دَخَلَهُ التَّعَبُّدُ الذي لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ بِخِلَافِ الْعَقْلِ فإن أَحْكَامَهُ مَعْقُولَةُ الْمَعَانِي فَمِنْ ثَمَّ كانت عِلَلُهُ مُؤَثِّرَةً وَعِلَلُ الشَّرْعِ مُعَرِّفَاتٍ وَالْمُؤَثِّرُ إنَّمَا هو خِطَابُ الشَّرْعِ وَعِبَارَةُ ابْنِ عَبْدَانَ في الْفَرْقِ أَنَّ الْعَقْلِيَّةَ من مُوجِبَاتِ الْعُقُولِ وَالشَّرْعِيَّةَ لَيْسَتْ من مُوجِبَاتِهِ بَلْ هِيَ أَمَارَاتٌ وَدَلَالَاتٌ في الظَّاهِرِ وقال في التَّقْوِيمِ عِلَلُ الشَّرْعِ أَعْلَامٌ في الْحَقِيقَةِ على الْأَحْكَامِ وَالْمُوجِبُ هو اللَّهُ تَعَالَى بِدَلِيلِ أنها كانت مَوْجُودَةً قبل الشَّرْعِ وَلَوْ كانت مُوجَبَةً لم تَنْفَكَّ عن مَعْلُولَاتِهَا قال وَيَجُوزُ أَنْ تُسَمَّى أَدِلَّةً لِأَنَّهَا دَلَّتْ على حُكْمِ اللَّهِ في الْفُرُوعِ قال وَبَعْضُهَا أَظْهَرُ من بَعْضٍ حتى قال عُلَمَاؤُنَا الظَّاهِرُ منها قِيَاسٌ وَالْبَاطِنُ اسْتِحْسَانٌ تَنْبِيهٌ قال الْهِنْدِيُّ ليس الْمُرَادُ بِكَوْنِهَا مُعَرِّفَةً أنها تُعَرِّفُ حُكْمَ الْأَصْلِ فإن ذلك لَا يُعْرَفُ بِالنَّصِّ بَلْ حُكْمِ الْفَرْعِ لَكِنْ يَخْدِشُهُ قَوْلُ أَصْحَابِنَا إنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ مُعَلَّلٌ بِالْعِلَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّرْعِ مع أَنَّهُ غَيْرُ مُعَرِّفٍ بها الثَّانِي أنها الْمُوجِبُ لِلْحُكْمِ على مَعْنَى أَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَهَا مُوجِبَةً لِذَاتِهَا وهو قَوْلُ الْغَزَالِيِّ وَسُلَيْمٍ قال الْهِنْدِيُّ وهو قَرِيبٌ لَا بَأْسَ بِهِ فَالْعِلَّةُ في تَحْرِيمِ النَّبِيذِ هِيَ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ كانت مَوْجُودَةً قبل تَعَلُّقِ التَّحْرِيمِ بها وَلَكِنَّهَا عِلَّةٌ بِجَعْلِ الشَّارِعِ الثَّالِثُ أنها الْمُوجِبَةُ لِلْحُكْمِ بِذَاتِهَا لَا بِجَعْلِ اللَّهِ وهو قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ بِنَاءً على قَاعِدَتِهِمْ في التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيِّ وَالْعِلَّةُ وَصْفٌ ذَاتِيٌّ لَا يُوقَفُ على جَعْلِ جَاعِلٍ وَيُعَبِّرُونَ عنه تَارَةً بِالْمُؤَثِّرِ الرَّابِعُ أنها الْمُوجِبَةُ بِالْعَادَةِ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيَّ في الرِّسَالَةِ الْبَهَائِيَّةِ في الْقِيَاسِ وهو غَيْرُ الثَّانِي الْخَامِسُ الْبَاعِثُ على التَّشْرِيعِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ مُشْتَمِلًا على مَصْلَحَةٍ صَالِحَةٍ أَنْ تَكُونَ مَقْصُودَةً لِلشَّارِعِ من شَرْعِ الْحُكْمِ وَمِنْهُمْ من عَبَّرَ عنها بِاَلَّتِي يَعْلَمُ اللَّهُ صَلَاحَ الْمُتَعَبِّدِينَ في التَّعَبُّدِ بِالْحُكْمِ لِأَجْلِهَا وهو اخْتِيَارُ الْآمِدِيَّ وَابْنِ الْحَاجِبِ وهو نَزْعَةُ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الرَّبَّ تَعَالَى يُعَلِّلُ أَفْعَالَهُ بِالْأَغْرَاضِ
  249. وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْأَشْعَرِيَّةِ خِلَافُهُ وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ الْقَطَّانِ الْعِلَّةُ عِنْدَنَا هِيَ الْمَعْنَى الذي كان الْحُكْمُ على ما كان عليه لِأَجْلِهَا وهو الْغَرَضُ وَالْمَعْنَى الْجَالِبُ لِلْحُكْمِ ثُمَّ قال وَالْعِلَّةُ ما جَلَبَ الْحُكْمُ قال وَإِلَى هذا كان يَذْهَبُ أبو عَلِيِّ بن أبي هُرَيْرَةَ انْتَهَى وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ في بَابِ الرِّبَا الْقَوْلَيْنِ فقال الْعِلَّةُ هِيَ التي لِأَجْلِهَا ثَبَتَ الْحُكْمُ وَقِيلَ الصِّفَةُ الْجَالِبَةُ لِلْحُكْمِ وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ اُخْتُلِفَ في الْعِلَّةِ فَقِيلَ إنَّهَا صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِالْمَعْلُولِ كَالشِّدَّةِ في الْخَمْرِ وهو خَطَأٌ لِأَنَّ بَعْضَ الْأَغْرَاضِ قد يَكُونُ عِلَّةً لِغَرَضٍ آخَرَ وَلَا يَقُومُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ وقال وَإِنَّمَا مَعْنَى الْعِلَّةِ السَّبَبُ الذي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ اجْتِهَادًا فإن النَّصَّ الْجَالِبَ لِلْحُكْمِ لَا يَكُونُ عِلَّةً له لِأَنَّهُ ليس من طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ وَالِاعْتِلَالُ اسْتِدْلَالُ الْمُعَلِّلِ بِالْعِلَّةِ وَإِظْهَارُهُ لها وَالْمُعْتَلُّ هو الْمُعَلِّلُ وَالْمُعْتَلُّ بِهِ نَفْسُ الْعِلَّةِ وقال إلْكِيَا الْعِلَّةُ في عُرْفِ الْفُقَهَاءِ الصِّفَةُ التي يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ بها وَالْعَقْلِيَّةُ مُوجِبَةٌ على رَأْيِ الْقَائِلِينَ بها وَالشَّرْعِيَّةُ مَوْضُوعَةٌ وَلَكِنَّهَا مُشَبَّهَةٌ بها في الشَّرْعِ أُثْبِتَ الْحُكْمُ لِأَجْلِهَا في طَرِيقِ الْفُقَهَاءِ فَكَانَ أَقْرَبُ عِبَارَةٍ على هذا التَّقْدِيرِ عِبَارَةَ الْعِلَّةِ لِيَكُونَ الْحُكْمُ تَبَعَ الْحَقِيقَةِ على مِثَالِهَا وقال ابن السَّمْعَانِيِّ قالوا إنَّهَا الصِّفَةُ الْجَالِبَةُ لِلْحُكْمِ وَقِيلَ إنَّهَا الْمَعْنَى الْمُنْشِئُ مَسْأَلَةٌ وَهِيَ تَنْقَسِمُ إلَى عَقْلِيَّةٍ وَهِيَ لَا تَصِيرُ عِلَّةً بِجَعْلِ جَاعِلٍ بَلْ بِنَفْسِهَا وَهِيَ مُوجِبَةٌ لَا تَتَغَيَّرُ بِالْأَزْمَانِ كَحَرَكَةِ الْمُتَحَرِّكِ وَشَرْعِيَّةٍ وَهِيَ التي صَارَتْ عِلَّةً بِجَعْلِ جَاعِلٍ كَالْإِسْكَارِ في الْخَمْرِ وَكَانَتْ قبل مَجِيءِ الشَّرْعِ وَتَتَخَصَّصُ بِزَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ وَلَا تَتَخَصَّصُ بِعَيْنٍ دُونَ عَيْنٍ مَسْأَلَةٌ الْعِلَّةُ حَقِيقَةٌ في الْعَقْلِيَّةِ كَالْحَرَكَةِ عِلَّةٌ في كَوْنِ الْمُتَحَرِّكِ مُتَحَرِّكًا كما قَالَهُ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَإِنَّمَا تُسَمَّى الْعِلَلُ الشَّرْعِيَّةُ عِلَّةً مَجَازًا أو اتِّسَاعًا وَإِلَّا فَفِي الْحَقِيقَةِ الْعِلَّةُ ما أَوْجَبَ الْحُكْمَ بِنَفْسِهِ وَهِيَ الْعِلَّةُ الْعَقْلِيَّةُ وَأَمَّا التي تُوجِبُهُ بِغَيْرِهَا فَلَيْسَتْ بِعِلَّةٍ في وَضْعِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَإِنَّمَا هِيَ أَمَارَةٌ على الْحُكْمِ
  250. مَسْأَلَةٌ وَتَنْقَسِمُ إلَى مُسْتَنْبَطَةٍ وَمَنْصُوصَةٍ وقال بَعْضُ أَهْلِ خُرَاسَانَ مَسْطُورَةٍ وَمَنْشُورَةٍ وقال في اللُّمَعِ وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ جَعْلَ الْمَنْصُوصَةِ عِلَّةً وهو قِيَاسُ نُفَاةِ الْقِيَاسِ وَقِيلَ هِيَ عِلَّةٌ في الْمَعْنَى في الْمَنْصُوصِ عليه وَلَا يَكُونُ عِلَّةً في غَيْرِهِ إلَّا بِأَمْرٍ ثَانٍ وَالصَّحِيحُ أنها عِلَّةٌ مُطْلَقًا قال وَأَمَّا الْمُسْتَنْبَطَةُ فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عِلَّةً وَقِيلَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عِلَّةً إلَّا ما ثَبَتَ بِنَصٍّ أو إجْمَاعٍ مَسْأَلَةٌ قال ابن فُورَكٍ طَرِيقُ اعْتِبَارِ الْعِلَّةِ منهم من قال سَمْعِيٌّ وَمِنْهُمْ من قال عَقْلِيٌّ فَمَنْ قال سَمْعِيٌّ يُرَاعِي في كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً دَلَالَةً سَمْعِيَّةً وَمَنْ قال عَقْلِيٌّ قال طَرِيقَةُ اعْتِبَارِ عِلَلِ السَّمْعِ كَطَرِيقِ اعْتِبَارِ عِلَلِ الْعَقْلِ وَيَكُونُ ذلك بِالتَّقْسِيمِ بِأَنْ يُقَالَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ حُرِّمَ لِكَذَا أو كَذَا كما يُقَالُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ تَحَرَّكَ لِكَذَا أو لِكَذَا فَيَقَعُ على الْمَعْنَى له تَحَرُّكٌ مَسْأَلَةٌ قال في الْمُقْتَرَحِ لِلْعِلَّةِ أَسْمَاءٌ في الِاصْطِلَاحِ وَهِيَ السَّبَبُ وَالْإِشَارَةُ وَالدَّاعِي وَالْمُسْتَدْعِي وَالْبَاعِثُ وَالْحَامِلُ وَالْمَنَاطُ وَالدَّلِيلُ وَالْمُقْتَضِي وَالْمُوجِبُ وَالْمُؤَثِّرُ انْتَهَى وزاد بَعْضُهُمْ الْمَعْنَى وَالْكُلُّ سَهْلٌ غَيْرُ السَّبَبِ وَالْمَعْنَى أَمَّا السَّبَبُ فَهُوَ مُتَمَيِّزٌ عن الْعِلَّةِ من جِهَةِ الِاصْطِلَاحِ الْكَلَامِيِّ وَالْأُصُولِيِّ وَالْفِقْهِيِّ وَاللُّغَوِيِّ أَمَّا اللُّغَوِيُّ فقال أَهْلُ اللُّغَةِ السَّبَبُ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى غَيْرِهِ وَلَوْ بِوَسَائِطَ وَمِنْهُ سُمِّيَ الْحَبْلُ سَبَبًا وَذَكَرُوا لِلْعِلَّةِ مَعَانِيَ يَدُورُ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ فيها على أنها تَكُونُ أَمْرًا مُسْتَمَدًّا من أَمْرٍ آخَرَ وَأَمْرًا مُؤَثِّرًا في آخَرَ وقال أَكْثَرُ النُّحَاةِ اللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ ولم يَقُولُوا لِلسَّبَبِيَّةِ وَقَالُوا الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ ولم يَقُولُوا لِلتَّعْلِيلِ وَصَرَّحَ ابن مَالِكٍ بِأَنَّ الْبَاءَ لِلسَّبَبِيَّةِ وَالتَّعْلِيلِ وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُمَا غَيْرَانِ وَأَمَّا الْكَلَامِيُّ فَاعْلَمْ أَنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ في تَوَقُّفِ الْمُسَبَّبِ عَلَيْهِمَا وَيَفْتَرِقَانِ من وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ السَّبَبَ ما يَحْصُلُ الشَّيْءُ عِنْدَهُ لَا بِهِ وَالْعِلَّةُ ما يَحْصُلُ بِهِ وَالثَّانِي أَنَّ الْمَعْلُولَ مُتَأَخِّرٌ عن الْعِلَّةِ بِلَا وَاسِطَةٍ وَلَا شَرْطٍ يَتَوَقَّفُ الْحُكْمُ على وُجُودِهِ وَالسَّبَبُ إنَّمَا
  251. يَقْتَضِي الْحُكْمَ بِوَاسِطَةٍ أو بِوَسَائِطَ وَلِذَلِكَ يَتَرَاخَى الْحُكْمُ عنها حتى تُوجَدَ الشَّرَائِطُ وَتَنْتَفِي الْمَوَانِعُ وَأَمَّا الْعِلَّةُ فَلَا يَتَرَاخَى الْحُكْمُ عنها إذَا اُشْتُرِطَ لها بَلْ هِيَ أَوْجَبَتْ مَعْلُولًا بِالِاتِّفَاقِ حَكَى الِاتِّفَاقَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْآمِدِيَّ وَغَيْرُهُمَا وَأَمَّا الْأُصُولِيُّ فقال الْآمِدِيُّ في جَدَلِهِ الْعِلَّةُ في لِسَانِ الْفُقَهَاءِ تُطْلَقُ على الْمَظِنَّةِ أَيْ الْوَصْفِ الْمُتَضَمِّنِ لِحِكْمَةِ الْحُكْمِ كما في الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ فإنه يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ قَتْلٌ لِعِلَّةِ الْقَتْلِ وَتَارَةً يُطْلِقُونَهَا على حِكْمَةِ الْحُكْمِ كَالزَّجْرِ الذي هو حِكْمَةُ الْقِصَاصِ فإنه يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ الْعِلَّةُ الزَّجْرُ وَأَمَّا السَّبَبُ فَلَا يُطْلَقُ إلَّا على مَظِنَّةِ الْمَشَقَّةِ دُونَ الْحِكْمَةِ إذْ بِالْمَظِنَّةِ يُتَوَصَّلُ إلَى الْحُكْمِ لِأَجْلِ الْحِكْمَةِ انْتَهَى وَأَمَّا الْفِقْهِيُّ فقال إلْكِيَا يُطْلَقُ السَّبَبُ في اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ على أَرْبَعَةِ أُمُورٍ أَحَدُهَا السَّبَبُ الذي يُقَالُ إنَّهُ مِثْلُ الْعِلَّةِ كَالرَّمْيِ فإنه سَبَبٌ حَقِيقَةً إلَّا أَنَّهُ في حُكْمِ الْعِلَّةِ لِأَنَّ عَيْنَ الرَّمْيِ لَا أَثَرَ له في الْحُكْمِ حَيْثُ لَا فِعْلَ منه وَمِنْهُ الزِّنَى الثَّانِي ما يَكُونُ الطَّارِئُ مُؤَثِّرًا وَلَكِنَّ تَأْثِيرَهُ مُسْتَنِدٌ إلَى ما قَبْلَهُ فَهُوَ سَبَبٌ من حَيْثُ اسْتِنَادُ الْحُكْمِ إلَى الْأَوَّلِ لَا اسْتِنَادُ الْوَصْفِ الْآخَرِ إلَى الْأَصْلِ الثَّالِثُ ما ليس سَبَبًا بِنَفْسِهِ وَلَكِنْ يَصِيرُ سَبَبًا بِغَيْرِهِ كَقَوْلِهِمْ الْقِصَاصُ وَجَبَ رَدْعًا وَزَجْرًا ثُمَّ قالوا وَجَبَ لِسَبَبِ الْقَتْلِ إذْ الْقَتْلُ عِلَّةُ الْقِصَاصِ فَقَطَعُوا الْحُكْمَ عن الْعِلَّةِ وَجَعَلُوهُ مُتَعَلِّقًا بِالْعِلَّةِ وَالْعِلَّةُ غَيْرُ الْحُكْمِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَوْلَا الْحِكْمَةُ لَكَانَ الْحُكْمُ صُورَةً غير صَالِحَةٍ لِلْحُكْمِ فَبِالْحِكْمَةِ خَرَجَ عن كَوْنِهِ صُورَةً وَالْعِلَّةُ صَارَتْ جَالِبَةً لِلْحُكْمِ بِمَعْنَاهَا لَا بِصُورَتِهَا وَدُونَ الْحِكْمَةِ لَا شَيْءَ إلَّا صُورَةُ الْفِعْلِ وَالصُّورَةُ لَا تَكُونُ عِلَّةً قَطُّ فَعَلَى هذا الْحِكْمَةُ رَاجِعَةٌ إلَى الْعِلَّةِ فَلَا عِلَّةَ بِدُونِهَا وَالْخِلَافُ يَرْجِعُ إلَى اللَّفْظِ الرَّابِعُ ما يُسَمَّى سَبَبًا مَجَازًا من حَيْثُ إنَّهُ سَبَبٌ لِمَا يَجِبُ كَقَوْلِهِمْ الْإِمْسَاكُ سَبَبُ الْقَتْلِ وَلَيْسَ سَبَبَ الْقَتْلِ حَقِيقَةً فإنه ليس يُفْضِي إلَى الْقَتْلِ بَلْ الْقَتْلُ بِاخْتِيَارِ الْقَاتِلِ وَلَكِنَّهُ سَبَبٌ لِلتَّمَكُّنِ من الْقَتْلِ بِإِلْحَاقٍ وَقِيلَ سَبَبُ الْقَتْلِ فَالْأَسْبَابُ لَا تَعْدُو هذه الْوُجُوهَ انْتَهَى وقال في تَعْلِيقِهِ الْمُتَكَلِّمُونَ لَا يُفَرِّقُونَ بين الْعِلَّةِ وَالسَّبَبِ وَالْفُقَهَاءُ يَقُولُونَ الْعِلَّةُ هِيَ التي يَعْقُبُهَا الْحُكْمُ وَالسَّبَبُ ما تَرَاخَى عنه الْحُكْمُ وَوَقَفَ على شَرْطٍ أو شَيْءٍ بَعْدَهُ وَفَرَّقَ غَيْرُهُ بين السَّبَبِ وَالْحِكْمَةِ بِأَنَّ السَّبَبَ يَتَقَدَّمُ على الْحُكْمِ وَالْحِكْمَةُ مُتَأَخِّرَةٌ عن الْحُكْمِ وَالْحُكْمُ مُفِيدٌ لها كَالْجُوعِ سَبَبُ الْأَكْلِ وَمَصْلَحَةُ رَفْعِ الْجُوعِ وَتَحْصِيلِ الشِّبَعِ حِكْمَةٌ له
  252. وقد ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ في الْفِقْهِيَّاتِ أَنَّ الْفِعْلَ الذي له مَدْخَلٌ في زَهُوقِ الرُّوحِ إنْ لم يُؤَثِّرْ في الزَّهُوقِ وَلَا فِيمَا يُؤَثِّرُ فيه فَهُوَ الشَّرْطُ كَحَفْرِ الْبِئْرِ التي يَتَرَدَّى فيها مُتَرَدٍّ وَإِنْ أَثَّرَ فيه وَحَصَّلَهُ فَهُوَ الْعِلَّةُ كَالْقَدِّ وَالْحَزِّ وَإِنْ لم يُؤَثِّرْ في الزَّهُوقِ وَلَكِنْ أَثَّرَ فِيمَا يُؤَثِّرُ في حُصُولِهِ فَهُوَ السَّبَبُ كَالْإِكْرَاهِ وَلَا يَتَعَلَّقُ الْقِصَاصُ بِالشَّرْطِ قَطْعًا وَيَتَعَلَّقُ بِالْعِلَّةِ قَطْعًا وفي السَّبَبِ خِلَافٌ وَتَفْصِيلٌ وإذا تَبَيَّنَ أَنَّ الْعِلَّةَ فَوْقَ السَّبَبِ صَحَّ الْحُكْمُ بِتَقَاصُرِ رُتْبَتِهِ عن الْمُبَاشَرَةِ كما قَرَّرُوهُ في كِتَابِ الْجِرَاحِ من أَنَّ الْمُبَاشَرَةَ عِلَّةٌ وَالْعِلَّةُ أَقْوَى من السَّبَبِ وَمِنْ نَظَائِرِ الْمَسْأَلَةِ لو أَنَّ رَجُلًا فَتَحَ زِقًّا بِحَضْرَةِ مَالِكِهِ فَخَرَجَ ما فيه وَالْمَالِكُ يُمْكِنُهُ التَّدَارُكُ فلم يَفْعَلْ فَفِي وُجُوبِ الضَّمَانِ على الْفَاتِحِ وَجْهَانِ وَلَوْ رَآهُ يَقْتُلُ عَبْدَهُ أو يَحْرُقُ ثَوْبَهُ فلم يَمْنَعْهُ مع قُدْرَتِهِ على الْمَنْعِ وَجَبَ الضَّمَانُ وَجْهًا وَاحِدًا وَالْفَرْقُ أَنَّ الْقَتْلَ وَالتَّحْرِيقَ مُبَاشَرَةٌ وَفَتْحَ الزِّقِّ سَبَبٌ وَالسَّبَبُ قد يَسْقُطُ حُكْمُهُ مع الْقُدْرَةِ على مَنْعِهِ بِخِلَافِ الْعِلَّةِ لِاسْتِقْلَالِهَا في نَفْسِهَا وَإِنَّمَا قُلْنَا قد يَسْقُطُ حُكْمُهُ ولم نَجْعَلْ السُّقُوطَ مُطَّرِدًا لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لو صَالَتْ عليه بَهِيمَةُ غَيْرِهِ وَأَمْكَنَهُ الْهَرَبُ فلم يَهْرُبْ فَفِي الضَّمَانِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا يَضْمَنُ وهو بِعَدَمِ هُرُوبِهِ مُفَرِّطٌ في حَقِّ نَفْسِهِ وَالثَّانِي لَا يَضْمَنُ لِوُقُوعِ الصِّيَالِ وَهَذَا الْوَجْهُ أَرْجَحُ منه في مَسْأَلَةِ الزِّقِّ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قد يَحْصُلُ له عِنْدَ الصِّيَالِ دَهْشَةٌ تَشْغَلُهُ عن الدَّفْعِ وقال الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ الطُّرُقُ في التَّمْيِيزِ بين الْعِلَّةِ وَالسَّبَبِ وَالشَّرْطِ أَنَّا نَنْظُرُ إلَى الشَّيْءِ إنْ جَرَى مُقَارِنًا لِلشَّيْءِ وَأَثَّرَ فيه فَهُوَ الْعِلَّةُ أو غير مُقَارَنٍ وَلَا تَأْثِيرَ لِلشَّيْءِ فيه دَلَّ على أَنَّهُ سَبَبٌ وَأَمَّا الشَّرْطُ فَهُوَ ما يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ بِوُجُودِهِ وهو مُقَارَنٌ غَيْرُ مُفَارِقٍ لِلْحُكْمِ كَالْعِلَّةِ سَوَاءٌ إلَّا أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ له فيه وَإِنَّمَا هو عَلَامَةٌ على الْحُكْمِ من غَيْرِ تَأْثِيرٍ أَصْلًا وقال ابن السَّمْعَانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ الشَّرْطُ ما يَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ بِوُجُودِهِ وَالسَّبَبُ لَا يُوجِبُ تَغَيُّرَ الْحُكْمِ بَلْ يُوجِبُ مُصَادَفَتَهُ وَمُوَافَقَتَهُ ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ الْقَفَّالِ وَيَتَفَرَّعُ على هذا الْأَصْلِ مَسْأَلَةٌ خِلَافِيَّةٌ مَقْصُودَةٌ في نَفْسِهَا قال عُلَمَاؤُنَا الشَّرْطُ إذَا اتَّصَلَ بِالسَّبَبِ ولم يَكُنْ مُبْطِلًا كان تَأْثِيرُهُ في حُكْمِ تَأَخُّرِ السَّبَبِ إلَى حِينِ وُجُودِهِ لَا في مَنْعِ وُجُودِهِ وَمِثَالُهُ إذَا قال إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَالسَّبَبُ قَوْلُهُ فَأَنْتِ طَالِقٌ لِأَنَّ أَنْتِ طَالِقٌ ثَابِتٌ مع الشَّرْطِ كما هو ثَابِتٌ بِدُونِهِ غير أَنَّ الشَّرْطَ أُوقِفَ حُكْمُهُ إلَى وَقْتِ وُجُودِهِ فَتَأْثِيرُ الشَّرْطِ إنَّمَا هو في مَنْعِ حُكْمِ الْعِلَّةِ لَا في نَفْسِ الْعِلَّةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لو لم يَقْتَرِنْ بِهِ الشَّرْطُ ثَبَتَ حُكْمُ الْعِلَّةِ
  253. وَرُبَّمَا عَبَّرُوا عن هذا بِأَنَّ الشَّرْطَ لَا يُبْطِلُ السَّبَبِيَّةَ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُ حُكْمَهَا وَالسَّبَبُ يَنْعَقِدُ وَلَكِنَّ الشَّرْطَ يَرْفَعُهُ وَيُؤَخِّرُ حُكْمَهُ فإذا ارْتَفَعَ الشَّرْطُ عَمِلَ السَّبَبُ عَمَلَهُ وَمِنْ ثَمَّ يَقُولُونَ الصِّفَةُ وُقُوعٌ لَا إيقَاعٌ وَالشَّرْطُ عِنْدَهُمْ قَاطِعُ طَرِيقٍ يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ إذْ لَا مَدْخَلَ له في التَّأْثِيرِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا وَإِنَّمَا هو تَوَقُّفٌ عن الْحُكْمِ وَمِنْ هذا يُعْلَمُ أنها إذَا دَخَلَتْ طَلُقَتْ لِكَوْنِهِ قال إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ لَا لِكَوْنِهَا دَخَلَتْ قال أَصْحَابُنَا من عَلَّقَ الطَّلَاقَ فَقَدْ نَجَزَ السَّبَبَ وَالْمُعَلَّقُ إنَّمَا هو عَمَلُ السَّبَبِ لَا نَفْسُهُ وقد وَافَقَنَا على ذلك الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وقال أبو حَنِيفَةَ الشَّرْطُ يَمْنَعُ انْعِقَادَ السَّبَبِ في الْحَالِ وَخَرَّجَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَجْهًا في مَذْهَبِنَا من قَوْلِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا في الْمَسْأَلَةِ السُّرَيْجِيَّةِ إنَّهُ يَقَعُ الْمُنَجَّزُ وَطَلْقَتَانِ معه أو بَعْدَهُ من الْمُعَلَّقِ وَرُبَّمَا قال أبو حَنِيفَةَ الشَّرْطُ دَاخِلٌ على نَفْسِ الْعِلَّةِ لَا على حُكْمِهَا قال وَالشَّرْطُ يَحُولُ بين الْعِلَّةِ وَمَحَلِّهَا فَلَا تَصِيرُ عِلَّةً معه وَالظَّاهِرُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الشَّرْطَ لَا مَدْخَلَ له في التَّأْثِيرِ فَكَيْفَ يَمْنَعُ الْعِلِّيَّةَ وَعَلَى هذا الْأَصْلِ مَسَائِلُ منها تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ أو الْعِتْقِ بِالْمِلْكِ عِنْدَنَا بَاطِلٌ لِأَنَّهُ لم يُصَادِفْ عِنْدَنَا وَقْتَ التَّعْلِيقِ مَحَلًّا قَابِلًا لِمَا يُعْرَفُ بِهِ منه وقد بَيَّنَّا أَنَّ التَّعْلِيقَ لَا يَمْنَعُ السَّبَبِيَّةَ وإذا لم يَمْنَعْهَا انْعَقَدَتْ وَانْعِقَادُ الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ في غَيْرِ زَوْجَةٍ وَرَقِيقٍ غَيْرُ مَعْقُولٍ وقال أبو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِنَاءً على أَصْلٍ لَمَّا مَنَعَ التَّعْلِيقُ السَّبَبِيَّةَ لم يَكُنْ مُنْعَقِدًا فلم يَكُنْ الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ في غَيْرِ مَمْلُوكٍ بَلْ هو إنَّمَا هِيَ في مَمْلُوكٍ لِأَنَّ الْعِلَّةَ تَأَخَّرَتْ إلَى زَمَنِ الْمِلْكِ فَالْمَوْجُودُ وَقْتَ التَّعْلِيقِ لَفْظُ الْعِلَّةِ لَا نَفْسُهَا وقد قَطَعَهَا التَّعْلِيقُ تَنْبِيهٌ قد عَرَفْت حُكْمَ كَلِمَةِ الشَّرْطِ الْمُسَلَّطَةِ على الْأَسْبَابِ وَأَنَّ الشَّافِعِيَّ يقول إنَّهَا لَا تَرْفَعُ السَّبَبِيَّةَ بَلْ تُوقِفُ حُكْمَهَا وأبو حَنِيفَةَ يقول بَلْ تَرْفَعُهَا وَلَكِنْ لَا مُطْلَقًا بَلْ إلَى وَقْتِ وُجُودِ الصِّفَةِ وَبَالَغَ الْقَاضِي ابن سُرَيْجٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فقال بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ في انْعِقَادِ السَّبَبِيَّةِ وزاد أَنَّ الشَّرْطَ يُلْغَى بِالْكُلِّيَّةِ لِكَوْنِهِ وَرَدَ قَطْعًا لِشَيْءٍ بَعْدَ مُضِيِّ حُكْمِهِ فقال إذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ تُنَجَّزُ في الْحَالِ فَهَذِهِ مُبَالَغَةٌ وَقَوْلٌ ضَعِيفٌ وَبَالَغَ ابن حَزْمٍ في مَذْهَبِ أبي حَنِيفَةَ فقال بِهِ وزاد أَنَّ الشَّرْطَ مَنْعُ انْعِقَادِ السَّبَبِ مُطْلَقًا وَأَنَّ الطَّلَاقَ الْمُعَلَّقَ لَا يَقَعُ رَأْسًا وُجِدَتْ الصِّفَةُ أو لم تُوجَدْ وَهَذَا خَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ فَتَلَخَّصَ من هذا أَنَّ
  254. الشَّرْطَ الدَّاخِلَ على السَّبَبِ قَاطِعٌ له عِنْدَ ابْنِ حَزْمٍ رَأْسًا وَيُقَابِلُهُ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ إنَّهُ فَاسِدٌ في نَفْسِهِ غَيْرُ مُعَرَّضٍ لِلسَّبَبِ في شَيْءٍ وَلَكِنَّ ابْنَ سُرَيْجٍ يَقْصُرُ ذلك على ما إذَا بَدَأَ بِالسَّبَبِ قبل الشَّرْطِ وَلَا يَقُولُهُ فِيمَا إذَا عَكَسَ فقال إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَالْجُمْهُورُ لَا يُلْغُونَ الشَّرْطَ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَأَشَدُّهُمْ إعْمَالًا الشَّافِعِيُّ حَيْثُ قال إنَّهُ يَنْتَصِبُ في الْحَالِ سَبَبًا في ثَانِي الْحَالِ وَنَقَلُوهُ عن أبي حَنِيفَةَ فإنه قال لَا يَنْعَقِدُ في الْحَالِ وَلَا يَكُونُ مُنْهِيًا وَإِنَّمَا يَنْعَقِدُ في ثَانِي الْحَالِ وَمِنْهَا أَعْنِي من الْمَسَائِلِ الْمُتَرَتِّبَةِ على أَنَّهُ هل انْعَقَدَ السَّبَبُ في حَالِ التَّعْلِيقِ كما يَقُولُهُ أبو حَنِيفَةَ أو لم يَنْعَقِدْ كما هو الصَّحِيحُ عِنْدَنَا في مَوْضِعِ الشُّهُودِ أَنَّ الْغُرْمَ على شُهُودِ التَّعْلِيقِ دُونَ شُهُودِ الصِّفَةِ في الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وفي وَجْهٍ أَرَاهُ أَنَّهُ مَذْهَبُ أبي حَنِيفَةَ أَنَّهُ عليهم جميعا وقد أَشْبَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هذا الْأَصْلَ تَقْرِيرًا في الْخِلَافِيَّاتِ ثُمَّ عَادَ عنه في الْفُرُوعِ فقال وقد حَكَى قَوْلَ الْأُسْتَاذِ فِيمَنْ قال وَقَفْتُ دَارِي بَعْدَ الْمَوْتِ وَسَاعَدَهُ أَئِمَّةُ الزَّمَانِ إنَّ هذا تَعْلِيقٌ على التَّحْقِيقِ بَلْ هو زَائِدٌ عليه فإنه إيقَاعُ تَصَرُّفٍ بَعْدَ الْمَوْتِ قال الرَّافِعِيُّ كَأَنَّهُ وَصِيَّةٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لو عَرَضَ الدَّارَ على الْبَيْعِ صَارَ رَاجِعًا وَأَمَّا الْمَعْنَى فقال الْمَاوَرْدِيُّ في الْحَاوِي عَبَّرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عن الْمَعْنَى بِالْعِلَّةِ وهو تَجَوُّزٌ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ من وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ مَوْجُودٌ في الْمَعْنَى وَالْعِلَّةِ وَثَانِيهِمَا أَنَّ الْعِلَّةَ وَالْمَعْنَى مَوْجُودَانِ في الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ وَيَفْتَرِقَانِ من وُجُوهٍ أَحَدُهَا أَنَّ الْعِلَّةَ مُسْتَنْبَطَةٌ من الْمَعْنَى وَلَيْسَ الْمَعْنَى مُسْتَنْبَطًا من الْعِلَّةِ لِتَقَدُّمِ الْمَعْنَى وَحُدُوثِ الْعِلَّةِ وَالثَّانِي أَنَّ الْعِلَّةَ تَشْتَمِلُ على مَعَانٍ وَالْمَعْنَى لَا يَشْتَمِلُ على عِلَلٍ لِأَنَّ الطُّعْمَ وَالْجِنْسَ مَعْنَيَانِ وَهُمَا عِلَّةُ الرِّبَا وَالثَّالِثُ أَنَّ الْمَعْنَى ما يُوجَبُ بِهِ الْحُكْمُ في الْأَصْلِ حتى يَتَعَدَّى إلَى الْفَرْعِ وَالْعِلَّةُ اجْتِذَابُ حُكْمِ الْأَصْلِ إلَى الْفَرْعِ فَصَارَ الْمَعْنَى ما ثَبَتَ بِهِ حُكْمُ الْأَصْلِ وَالْعِلَّةُ ما ثَبَتَ بِهِ حُكْمُ الْفَرْعِ ثُمَّ يَجْتَمِعُ الْعِلَّةُ وَالْمَعْنَى في اعْتِبَارِ أَرْبَعَةِ شُرُوطٍ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى مُؤَثِّرًا في الْحُكْمِ وَأَنْ يَسْلَمَ الْمَعْنَى وَلَا يَرُدُّهُمَا نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ وَأَنْ لَا يُعَارِضَهُمَا من الْمَعَانِي وَالْعِلَلِ أَقْوَى مِنْهُمَا وَأَنْ يَطَّرِدَ الْمَعْنَى وَالْعِلَّةُ فَيُوجَدُ الْحُكْمُ بِوُجُودِهِمَا وَيَسْلَمَانِ من نَقْضٍ
  255. أو كَسْرٍ فَإِنْ عَارَضَهُمَا نَقْضٌ أو كَسْرٌ لِعَدَمِ الْحُكْمِ مع وُجُودِهِمَا فَسَدَ وَبَطَلَتْ الْعِلَّةُ لِأَنَّ فَسَادَ الْعِلَّةِ يَرْفَعُهَا وَفَسَادُ الْمَعْنَى لَا يَرْفَعُهُ لِأَنَّ الْمَعْنَى لَازِمٌ وَالْعِلَّةَ طَارِئَةٌ لِأَنَّ الْكَيْلَ إذَا بَطَلَ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً في الرِّبَا في الْبُرِّ لم يَبْطُلْ أَنْ يَكُونَ الْكَيْلُ بَاقِيًا في الْبُرِّ فَيَصِيرُ التَّعْلِيلُ بَاطِلًا وَالْمَعْنَى بَاقِيًا وَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْمَعَانِي من الْعِلَلِ الْمُسْتَنْبَطَةِ وفي الْمَنْصُوصَةِ وَجْهَانِ وَالثَّانِي وُقُوفُ الْعِلَّةِ على حُكْمِ النَّصِّ وَعَدَمُ تَأْثِيرِهَا فِيمَا عَدَاهَا هل يَصِحُّ فيه وَجْهَانِ وَأَمَّا الْمَظِنَّةُ فَهِيَ مَعْدِنُ الشَّيْءِ قال صَاحِبُ الْمُقْتَرَحِ من غَلَطِ الطَّلَبَةِ تَسْمِيَةُ الْعِلَّةِ مَظِنَّةً قال شَارِحُهُ يُرِيدُ أَنَّهُمْ غَلِطُوا في إطْلَاقِ اسْمِ الْمَظِنَّةِ على كل عِلَّةٍ وَإِنَّمَا تُطْلَقُ في الِاصْطِلَاحِ على بَعْضِ الْعِلَلِ وَلَهَا دَلَالَتَانِ دَلَالَةٌ على الْمَعْنَى وَدَلَالَةٌ على الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ فَهِيَ إذَا أُضِيفَتْ إلَى الْمَعْنَى الْوُجُودِيِّ سُمِّيَتْ مَظِنَّةً وإذا أُضِيفَتْ إلَى الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ سُمِّيَتْ عِلَّةً له وَمَنْ عَكَسَ ذلك فَقَدْ غَلِطَ فَالسَّفَرُ مَثَلًا يَدُلُّ على الْمَشَقَّةِ وَيَدُلُّ على الرُّخْصَةِ فإذا أَضَفْتَهُ إلَى الْمَشَقَّةِ قُلْت هو مَظِنَّةٌ وإذا أَضَفْتَهُ إلَى الرُّخْصَةِ قُلْت هو عِلَّةٌ له فَالسَّفَرُ مَظِنَّةُ الْمَشَقَّةِ وَعِلَّةُ الرُّخْصَةِ وَهَذَا أَمْرٌ يَرْجِعُ إلَى اصْطِلَاحٍ جَدَلِيٍّ مَسْأَلَةٌ الْمَعْلُولُ اخْتَلَفُوا في الْمَعْلُولِ ما هو فَقِيلَ هو مَحَلُّ الْعِلَّةِ وهو الْمَحْكُومُ فيه كَالْخَمْرِ لِلْإِسْكَارِ وَالْبُرِّ لِلطُّعْمِ فإن الْمَعْلُولَ من وُجِدَ فيه الْعِلَّةُ كَالْمَضْرُوبِ وَالْمَقْتُولِ وَكَالْمَرِيضِ الْمَعْلُولِ ذَاتِهِ وَحَكَاهُ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَسُلَيْمٌ عن أبي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِ وَخَيَالُهُمْ في ذلك أَنَّ الْحُكْمَ مَجْلُوبُ الْعِلَّةِ وَلَا عِلَّةَ فيه إذَنْ وَإِنَّمَا جَلَبَتْهُ الْعِلَّةُ وَصَحَّ بها بَلْ الْعِلَّةُ في الْمَحْكُومِ فيه كَالْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ لِوُجُودِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فيه وَلِذَلِكَ يقول الْفُقَهَاءُ إنَّ الْعِلَّةَ جَارِيَةٌ في مَعْلُولَاتِهَا وَلَا يُرِيدُونَ بِهِ في أَحْكَامِهَا وَالْجُمْهُورُ على أَنَّ الْمَعْلُولَ هو الْحُكْمُ لَا نَفْسُ الْمَحْكُومِ فيه كَالْمَدْلُولِ حُكْمُ الدَّلِيلِ وَكَذَا الْمَعْلُولُ حُكْمُ الْعِلَّةِ وَحَكَاهُ الشَّيْخُ وَسُلَيْمٌ عن أبي بَكْرٍ الْقَفَّالُ وَصَحَّحَاهُ وَكَذَا إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَنَسَبَهُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في التَّلْخِيصِ لِلْجُمْهُورِ لِأَنَّ تَأْثِيرَ الْعِلَّةِ في الْحُكْمِ دُونَ ذَاتِ الْمَحْكُومِ فيه وقال ابن بَرْهَانٍ الْخِلَافُ لَفْظِيٌّ وَأَمَّا الْمُعَلَّلُ بِفَتْحِ اللَّامِ فقال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ هو الْحُكْمُ في الْبُرِّ
  256. وَالْخَمْرِ دُونَ ذَاتَيْهِمَا وَمَتَى قُلْنَا إنَّ الْبُرَّ مُعَلَّلٌ فَمَجَازٌ وَمُرَادُنَا أَنَّ حُكْمَهُ مُعَلَّلٌ وَأَمَّا الْمُعَلِّلُ بِكَسْرِهَا فقال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ هو النَّاصِبُ لِلْعِلَّةِ والمعتل هو الْمُسْتَدِلُّ بِالْعِلَّةِ قال الْقَاضِي وَأَمَّا الْمُعْتَلُّ بِهِ فَهُوَ الْعِلَّةُ كما أَنَّ الْمُسْتَدَلَّ بِهِ هو الدَّلِيلُ وَأَمَّا التَّعْلِيلُ فَقِيلَ هو إلْحَاقُ الْمُعَلَّلِ الْفَرْعَ بِالْأَصْلِ بِالْعِلَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِذَلِكَ وَقِيلَ هو الْإِخْبَارُ منه عن إلْحَاقِهِ وَالِاعْتِلَالُ وَالتَّعْلِيلُ وَاحِدٌ مَسْأَلَةٌ تَقَدُّمُ الْعِلَّةِ على الْمَعْلُولِ في الْعَقْلِيَّاتِ الْعِلَّةُ مُتَقَدِّمَةٌ على الْمَعْلُولِ في الْأُمُورِ الْعَقْلِيَّةِ فَإِنَّا نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ حَرَكَةَ الْخَاتَمِ مُتَفَرِّعَةٌ عن حَرَكَةِ الْإِصْبَعِ وَلَيْسَتْ حَرَكَةُ الْأُصْبُعِ مُتَفَرِّعَةً عن حَرَكَةِ الْخَاتَمِ وَأَمَّا الشَّرْعِيَّةُ فقال الْأَصْفَهَانِيُّ هو كَذَلِكَ لَكِنْ يَفْتَرِقَانِ من جِهَةِ أَنَّ الْعَقْلِيَّةَ تُفْعَلُ بِذَاتِهَا وَالشَّرْعِيَّةُ يَجْعَلُ الشَّارِعُ إيَّاهَا مُوجِبًا أو عِلَّةً على الْخِلَافِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ الْعِلَّةَ تَتَقَدَّمُ على الْمَعْلُولِ في الرُّتْبَةِ وَاخْتَلَفُوا هل تَسْبِقُهُ في الزَّمَانِ أو تُقَارِنُهُ على مَذَاهِبَ أَحَدُهَا وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ من الْمُعْتَزِلَةِ وَالْفُقَهَاءِ أنها تُقَارِنُهُ وَاسْتَدَلَّ عليه بِقَوْلِهِ تَعَالَى اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حين مَوْتِهَا وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ ذلك في الْعَقْلِيَّاتِ مُجْمَعٌ عليه وَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ في كِتَابِ الطَّلَاقِ يَقْتَضِي تَرْجِيحَهُ فإنه قال الذي ارْتَضَاهُ الْإِمَامُ وَنُسِبَ إلَى الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالصِّفَةِ يَقَعُ مع وُجُودِهَا فإن الشَّرْطَ عِلَّةٌ وَضْعِيَّةٌ وَالطَّلَاقُ مَعْلُولٌ لها مُقَارَنٌ في الْوُجُودِ كَالْعِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ مع مَعْلُولِهَا انْتَهَى وقال في الرَّوْضَةِ إنَّهُ الصَّحِيحُ وَأَجَابَ الرَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عن قَوْلِ الْقَائِلِ إنْ جِئْتَنِي أَكْرَمْتُكَ أَنَّ الْإِكْرَامَ فِعْلٌ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا مُتَأَخِّرًا عن الْمَجِيءِ فَلَزِمَ التَّرْتِيبُ ضَرُورَةً وقد يُقَالُ هذا لَا يَرِدُ لِأَنَّ الْكَلَامَ في مَعْلُولٍ يَتَرَتَّبُ على الْعِلَّةِ عِنْدَ وُجُودِ الْمُعَلَّقِ بِنَفْسِهِ وما ذَكَرُوهُ تَرْتِيبُ إنْشَاءِ فِعْلٍ على وُقُوعِ شَيْءٍ وهو يَتَأَخَّرُ عنه ضَرُورَةً أَمَّا وُقُوعُ الطَّلَاقِ فإنه حُكْمٌ شَرْعِيٌّ لَا يَفْتَقِرُ إلَى زَمَانٍ مَخْصُوصٍ فَسَبِيلُهُ سَبِيلُ الْعِلَّةِ مع الْمَعْلُولِ
  257. وَالثَّانِي أنها معه وَلِلرَّافِعِيِّ إلَيْهِ صَغْوٌ ظَاهِرٌ وَالثَّالِثُ أَنَّ الْعَقْلِيَّةَ تُقَارِنُ مَعْلُولَهَا لِكَوْنِهَا مُؤَثِّرَةً بِذَاتِهَا وَالْوَضْعِيَّةُ تَسْبِقُ الْمَعْلُولَ وَالشَّرْعِيَّةُ من الْوَضْعِيَّةِ حَكَاهُ ابن الرِّفْعَةِ في كِتَابِ الطَّلَاقِ من الْمَطْلَبِ مَسْأَلَةٌ لَا بُدَّ لِلْحُكْمِ من عِلَّةٍ وَنَقَلَ ابن الْحَاجِبِ في الْكَلَامِ على السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ إجْمَاعَ الْفُقَهَاءِ على أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْحُكْمِ من عِلَّةٍ وَاسْتَشْكَلَ ذلك بِالْأَصْلِ الْمَشْهُورِ أَنَّ أَفْعَالَ اللَّهِ لَا تُعَلَّلُ بِالْغَرَضِ قُلْت وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْأَحْكَامَ غَيْرُ الْأَفْعَالِ قال الْأَصْفَهَانِيُّ في شَرْحِ الْمَحْصُولِ نَدَّعِي شَرْعِيَّةَ الْأَحْكَامِ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ وَلَا نَدَّعِي أَنَّ جَمِيعَ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ وَذَلِكَ ليس في عِلْمِ الْكَلَامِ وَنَدَّعِي إجْمَاعَ الْأُمَّةِ وَلَوْ ادَّعَى مُدَّعٍ إجْمَاعَ الْأَنْبِيَاءِ على ذلك بِمَعْنَى أَنَّا نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عليهم بَلَّغُوا الْأَحْكَامَ على وَجْهٍ يَظْهَرُ بها غَايَةَ الظُّهُورِ مُطَابَقَتُهَا لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ في الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ ثُمَّ انْقَسَمَ الناس إلَى مُوَفَّقٍ وَغَيْرِهِ فَالْمُوَفَّقُ طَابَقَ فِعْلَهُ وَتَرَكَهُ لِلْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فَفَازَ بِالسَّعَادَتَيْنِ في الدَّارَيْنِ وَالْمَخْذُولُ بِالضِّدِّ من ذلك وَالْأَمْرُ فِيهِمَا ليس إلَّا لِخَالِقِ الْعِبَادِ انْتَهَى وَهَكَذَا ذَكَرَ الْهَرَوِيُّ أَنَّ رِعَايَةَ الْمَصَالِحِ لم تَخُصَّ شَرِيعَتَنَا بَلْ كان مَعْهُودًا في الشَّرَائِعِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَعَلَيْهَا انْبَنَتْ وَوَقَفَ عليه الْفَقِيهُ الْمُقْتَرِحُ وقال لَا عِلْمَ لنا بِذَلِكَ وَقَطَعَ بِهِ الْإِبْيَارِيُّ وقال ابن الْمُنَيِّرِ ليس كما قال فإن شَرِيعَةَ عِيسَى لم يَكُنْ الْقِصَاصُ فيها مَشْرُوعًا وقد أُرِيدَ بها صَلَاحُ الْخَلْقِ إذْ ذَاكَ وما قَالَهُ في الْقِصَاصِ من شَرِيعَةِ عِيسَى بَاطِلٌ بَلْ كان مَشْرُوعًا وَإِنَّمَا الذي لم يَشْرَعْ فيها الدِّيَةُ وَيَتَلَخَّصُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ثَالِثُهَا الْوَقْفُ فَإِنْ قُلْتَ إذَا كانت كُلُّ شَرِيعَةٍ انْبَنَتْ على مَصَالِحِ الْخَلْقِ إذْ ذَاكَ فَبِمَاذَا اخْتَصَّتْ شَرِيعَتُنَا حتى صَارَتْ أَفْضَلَ الشَّرَائِعِ وَأَتَمَّهَا قُلْت بِخَصَائِصَ عَدِيدَةٍ منها نِسْبَتُهَا إلَى رَسُولِهَا وهو أَفْضَلُ الرُّسُلِ وَمِنْهَا نِسْبَتُهَا إلَى كِتَابِهَا وهو أَفْضَلُ الْكُتُبِ وَمِنْهَا اسْتِجْمَاعُهَا لِمُهِمَّاتِ الْمَصَالِحِ وَتَتِمَّاتِهَا وَلَعَلَّ الشَّرَائِعَ قَبْلَهَا إنَّمَا انْبَنَتْ على الْمُهِمَّاتِ وَهَذِهِ
  258. جَمَعَتْ الْمُهِمَّاتِ وَالتَّتِمَّاتِ وَلِهَذَا قال عليه السَّلَامُ بُعِثْت لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا إلَى قَوْلِهِ فَكُنْتُ أنا تِلْكَ اللَّبِنَةُ يُرِيدُ عليه السَّلَامُ أَنَّ اللَّهَ عز وجل أَجْرَى على يَدِهِ وَصْفَ الْكَمَالِ وَنُكْتَةَ التَّمَامِ وَيَلْزَمُ من حُصُولِ نُكْتَةِ الْكَمَالِ حُصُولُ ما قَبْلَهَا من الْأَصْلِ دُونَ الْعَكْسِ وَاعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ أَحْكَامَهُ تَعَالَى غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ شيئا لِغَرَضٍ وَلَا يَبْعَثُهُ شَيْءٌ على فِعْلِ شَيْءٍ بَلْ هو اللَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ على إيجَادِ الْمَصْلَحَةِ بِدُونِ أَسْبَابِهَا وَإِعْدَامِ الْمَضَارِّ بِدُونِ دَوَافِعِهَا وقال الْفُقَهَاءُ الْأَحْكَامُ مُعَلَّلَةٌ ولم يُخَالِفُوا أَهْلَ السُّنَّةِ بَلْ عَنَوْا بِالتَّعْلِيلِ الْحِكْمَةَ وَتَحَجَّرَ الْمُعْتَزِلَةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ من الْفُقَهَاءِ وَاسِعًا فَزَعَمُوا أَنَّ تَصَرُّفَهُ تَعَالَى مُقَيَّدٌ بِالْحِكْمَةِ مُضَيَّقٌ بِوَجْهِ الْمَصْلَحَةِ وفي كَلَامِ الْحَنَفِيَّةِ ما يَجْنَحُ إلَيْهِ وَلِهَذَا يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ في إزَالَةِ النَّجَاسَةِ عِنْدَنَا خِلَافًا لهم وَكَذَا نَبِيذُ التَّمْرِ لَا يَتَوَضَّأُ بِهِ خِلَافًا لهم وَالْحَقُّ أَنَّ رِعَايَةَ الْحِكْمَةِ لِأَفْعَالِ اللَّهِ وَأَحْكَامِهِ جَائِزٌ وَاقِعٌ ولم يُنْكِرْهُ أَحَدٌ وَإِنَّمَا أَنْكَرَتْ الْأَشْعَرِيَّةُ الْعِلَّةَ وَالْغَرَضَ وَالتَّحْسِينَ الْعَقْلِيَّ وَرِعَايَةَ الْأَصْلَحِ وَالْفَرْقُ بين هذه وَرِعَايَةِ الْحِكْمَةِ وَاضِحٌ وَلِخَفَاءِ الْغَرَضِ وَقَعَ الْخَبْطُ وإذا أَرَدْت مَعْرِفَةَ الْحِكْمَةِ في أَمْرٍ كَوْنِيٍّ أو دِينِيٍّ أو شَرْعِيٍّ فَانْظُرْ إلَى ما يَتَرَتَّبُ عليه من الْغَايَاتِ في جُزْئِيَّاتِ الْكَوْنِيَّاتِ وَالدِّينِيَّاتِ مُتَعَرِّفًا بها من النَّقْلِ الصَّحِيحِ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى لِنُرِيَهُ من آيَاتِنَا في حِكْمَةِ الْإِسْرَاءِ وَبِمُلَاحَظَةِ هذا الْقَانُونِ يَتَّضِحُ كَثِيرٌ من الْإِشْكَالِ وَيَطَّلِعُ على لُطْفِ ذِي الْجَلَالِ وَقَرَّرَ ابن رَحَّالٍ في شَرْحِ الْمُقْتَرِحِ الْإِجْمَالَ بِطَرِيقٍ آخَرَ فقال قال أَصْحَابُنَا الدَّلِيلُ على أَنَّ الْأَحْكَامَ كُلَّهَا شَرْعِيَّةٌ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ على ذلك إمَّا على جِهَةِ اللُّطْفِ وَالْفَضْلِ على أَصْلِنَا أو على جِهَةِ الْوُجُوبِ على أَصْلِ الْمُعْتَزِلَةِ فَنَحْنُ نَقُولُ هِيَ وَإِنْ كانت مُعْتَبَرَةً في الشَّرْعِ لَكِنَّهُ ليس بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ وَلَا لِأَنَّ خُلُوَّ
  259. الْأَحْكَامِ من الْمَصَالِحِ يَمْتَنِعُ في الْعَقْلِ كما يقول الْمُعْتَزِلَةُ وَإِنَّمَا نَقُولُ رِعَايَةُ هذه الْمَصْلَحَةِ أَمْرٌ وَاقِعٌ في الشَّرْعِ وكان يَجُوزُ في الْعَقْلِ أَنْ لَا يَقَعَ كَسَائِرِ الْأُمُورِ الْعَادِيَّةِ ثُمَّ الْقَائِلُ بِالْوُجُوبِ ما يُرِيدُ ما هو الْمَفْهُومُ من الْوُجُوبِ الشَّرْعِيِّ وَلَكِنَّ مَعْنَاهُ عِنْدَهُ أَنَّ نَقِيضَهُ يَمْتَنِعُ على الْبَارِي كما يَجِبُ وَصْفُهُ بِالْعِلْمِ لِأَنَّ نَقِيضَهُ وهو الْجَهْلُ مُمْتَنِعٌ وَعَلَى هذه الطَّرِيقَةِ يَنْزِلُ كَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ وَيَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ وقال بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ اُشْتُهِرَ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّ أَحْكَامَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تُعَلَّلُ وَاشْتُهِرَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ التَّعْلِيلُ وَأَنَّ الْعِلَّةَ بِمَعْنَى الْبَاعِثِ وَيَتَوَهَّمُ كَثِيرٌ من الناس أنها الْبَاعِثُ لِلشَّرْعِ فَيَتَنَاقَضُ كَلَامُ الْفُقَهَاءِ وَكَلَامُ الْمُتَكَلِّمِينَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَلَا تَنَاقُضَ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ الْعِلَّةَ بَاعِثَةٌ على فِعْلِ الْمُكَلَّفِ مِثَالُهُ حِفْظُ النُّفُوسِ فإنه عِلَّةٌ بَاعِثَةٌ على الْقِصَاصِ الذي هو فِعْلُ الْمُكَلَّفِ الْمَحْكُومُ بِهِ من جِهَةِ الشَّرْعِ فَحُكْمُ الشَّرْعِ لَا عِلَّةَ له وَلَا بَاعِثَ عليه لِأَنَّهُ قَادِرٌ أَنْ يَحْفَظَ النُّفُوسَ بِغَيْرِ ذلك وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ أَمْرُهُ بِحِفْظِ النُّفُوسِ وهو مَقْصُودٌ في نَفْسِهِ وَبِالْقِصَاصِ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَيْهِ فَكِلَاهُمَا مَقْصُودٌ لِلشَّارِعِ حِفْظُ النُّفُوسِ قَصْدَ الْمَقَاصِدِ وَالْقِصَاصُ قَصْدَ الْوَسَائِلِ وَأَجْرَى اللَّهُ الْعَادَةَ أَنَّ الْقِصَاصَ سَبَبٌ لِلْحِفْظِ فإذا قَصَدَ بِأَدَاءِ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ من السُّلْطَانِ وَالْقَاضِي وَوَلِيِّ الدَّمِ الْقِصَاصَ وَانْقَادَ إلَيْهِ الْقَاتِلُ امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَوَسِيلَةً إلَى حِفْظِ النُّفُوسِ كان له أَجْرَانِ أَجْرٌ على الْقِصَاصِ وَأَجْرٌ على حِفْظِ النُّفُوسِ وَكِلَاهُمَا مَأْجُورٌ بِهِ من جِهَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَحَدُهُمَا بِقَوْلِهِ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ وَالثَّانِي إمَّا بِالِاسْتِنْبَاطِ أو بِالْإِيمَانِ بِقَوْلِهِ وَلَكُمْ في الْقِصَاصِ حَيَاةٌ وَهَكَذَا يُسْتَعْمَلُ ذلك في جَمِيعِ الشَّرِيعَةِ وَمِنْ هُنَا نُبَيِّنُ أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ مَعْقُولِ الْمَعْنَى فَلِلشَّارِعِ فيه مَقْصُودَانِ أَحَدُهُمَا ذلك الْمَعْنَى وَالثَّانِي الْفِعْلُ الذي هو طَرِيقٌ إلَيْهِ وَأَمْرُ الْمُكَلَّفِ أَنْ يَفْعَلَهُ قَاصِدًا بِهِ ذلك الْمَعْنَى فَالْمَعْنَى بَاعِثٌ له لَا لِلشَّارِعِ وَمِنْ هُنَا تَعْرِفُ أَنَّ الظَّاهِرِيَّةَ فَاتَهُمْ نِصْفُ التَّفَقُّهِ وَنِصْفُ الْأَجْرِ وَتَعْرِفُ أَنَّ الْحُكْمَ الْمَعْقُولَ الْمَعْنَى أَكْثَرُ أَجْرًا من التَّعَبُّدِيِّ نعم التَّعَبُّدِيُّ فيه مَعْنًى آخَرُ وهو أَنَّ النُّفُوسَ لَا حَظَّ لها فيه فَقَدْ يَكُونُ الْأَجْرُ الْوَاحِدُ يَعْدِلُ الْأَجْرَيْنِ اللَّذَيْنِ في الْحُكْمِ غَيْرِ التَّعَبُّدِيِّ وَتَعْرِفُ بِهِ أَيْضًا أَنَّ الْعِلَّةَ الْقَاصِرَةَ سَوَاءٌ فيها الْمُسْتَنْبَطَةُ وَالْمَنْصُوصُ عليه فَائِدَةٌ بِعَيْنِ كل مَسْأَلَةٍ ثَلَاثُ مَرَاتِبَ حُكْمُ اللَّهِ بِالْقِصَاصِ وَنَفْسُ الْقِصَاصِ وَحِفْظُ
  260. النُّفُوسِ وهو بَاعِثٌ على الثَّانِي لَا الْأَوَّلِ وَكَذَا حِفْظُ الْمَالِ بِقَطْعِ السَّرِقَةِ وَحِفْظُ الْعَقْلِ بِاجْتِنَابِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ وكان بَعْضُهُمْ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَيَقُولُ في تَفْسِيرِ الْمُتَكَلِّمِينَ إنَّ الْأَحْكَامَ وَقَعَتْ على وَفْقِ الْمَصَالِحِ لَا أنها عِلَّةٌ لها وَهَذَا وَحْدَهُ لَا يَنْشَرِحُ له الصَّدْرُ انْتَهَى نعم حِكَايَةُ الْإِجْمَاعِ مَرْدُودَةٌ فإن أَبَا الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ من قُدَمَاءِ أَصْحَابِنَا اخْتَارَ في كِتَابِهِ أَنَّ الْأَحْكَامَ جَمِيعَهَا إنَّمَا ثَبَتَتْ بِالْعِلَّةِ إلَّا أَنَّ منها ما يَقِفُ على مَعْنَاهُ وَمِنْهَا ما لَا يَقِفُ وَلَيْسَ إذَا خَفِيَتْ عَلَيْنَا الْعِلَّةُ أَنْ يَدُلَّ على عَدَمِهَا فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا السَّعْيَ وَالِاضْطِبَاعَ لِعِلَّةٍ سَبَقَتْ في غَيْرِنَا ثُمَّ قال وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إلَى أَنَّهُ ليس كُلُّ الْأَحْكَامِ تُعَلَّلُ بَلْ منها ما هو لِعِلَّةٍ وَمِنْهَا ما ليس له عِلَّةٌ قال وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ الْوَاضِعَ حَكِيمٌ وَحَكَى ابن الصَّلَاحِ في فَوَائِدِ رِحْلَتِهِ عن كِتَابِ الْعِلَلِ في الْأَحْكَامِ لِلْقَاسِمِ بن مُحَمَّدٍ الزَّجَّاجِ تِلْمِيذِ أبي الطَّيِّبِ بن سَلَمَةَ من أَصْحَابِنَا اخْتَلَفَ الْقَيَّاسُونَ في الْعِلَلِ فقال قَوْمٌ منهم بِنَفْيِ الْعِلَلِ وَزَعَمُوا أَنَّ تَشْبِيهَ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ على ما يَغْلِبُ في النَّفْسِ لَا أَنَّ ثَمَّ له عِلَّةً تُوجِبُ الْجَمْعَ بين الشَّيْئَيْنِ وَزَعَمُوا أَنَّهُ لم يَنْقُلْ لهم عن أَحَدٍ من الصَّحَابَةِ الْعِلَلَ وقد حُكِيَ عن جَمِيعِهِمْ الْقِيَاسُ فَقُلْنَا بِالتَّشْبِيهِ إذْ هو مَنْقُولٌ عَنْهُمْ ولم يُعَلَّلْ بِالْعِلَلِ قال وَاخْتَلَفُوا في أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ لَا بُدَّ له من عِلَّةٍ فقال قَوْمٌ ما أَعْلَمَنَا اللَّهُ عِلَّتَهُ قُلْنَا إنَّهُ لِعِلَّةٍ وما لم يُعْلِمْنَا عِلَّتَهُ لم نَقْطَعْ أَنَّهُ لِعِلَّةٍ بَلْ جَوَّزْنَا فيه أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ قال وَهَذَا عِنْدِي هو الْأَصَحُّ انْتَهَى وقال الْإِمَامُ الرَّازِيَّ في الْأَرْبَعِينَ اتَّفَقَتْ الْمُعْتَزِلَةُ على أَنَّ أَفْعَالَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَحْكَامَهُ مُعَلَّلَةٌ بِرِعَايَةِ مَصَالِحِ الْعِبَادِ وهو اخْتِيَارُ الْمُتَأَخِّرِينَ من الْفُقَهَاءِ وهو عِنْدَنَا بَاطِلٌ إلَى آخِرِهِ وقال إلْكِيَا فَصْلٌ في أَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ هل وُضِعَتْ لِعِلَلٍ حُكْمِيَّةٍ أَمْ لَا ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى امْتِنَاعِ أَنْ يَتَعَبَّدَ اللَّهُ عِبَادَهُ بِمَا لَا اسْتِصْلَاحَ فيه وَهَذَا قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عنه وَنَحْنُ وَإِنْ جَوَّزْنَا أَنْ يَتَعَبَّدَ اللَّهُ عِبَادَهُ بِمَا شَاءَ وَلَكِنَّ الذي عَرَفْنَاهُ من الشَّرَائِعِ أنها وُضِعَتْ على الِاسْتِصْلَاحِ دَلَّتْ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ على مُلَاءَمَةِ الشَّرْعِ لِلْعِبَادَاتِ الْجِبِلِّيَّةِ وَالسِّيَاسَاتِ الْفَاضِلَةِ وَأَنَّهَا لَا تَنْفَكُّ عن مَصْلَحَةٍ عَاجِلَةٍ وَآجِلَةٍ قال اللَّهُ تَعَالَى رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ على اللَّهِ حُجَّةٌ
  261. وقال وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ من يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ لقد أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ على أَنَّهُ تَعَالَى إنَّمَا تَعَبَّدَهُمْ بِالشَّرَائِعِ لِاسْتِصْلَاحِ الْعِبَادِ وَهَذَا لَا يُعْلَمُ إلَّا بِالشَّرْعِ وَأَنَّ الْعَقْلَ لَا يَدُلُّ على أَنَّ عِنْدَ وُقُوعِ أَحَدِ الْفِعْلَيْنِ يَقَعُ الْآخَرُ على سَبِيلِ الِاخْتِيَارِ إذَا لم يَكُنْ الْمُخْتَارُ مِمَّنْ ثَبَتَتْ حِكْمَتُهُ فإذا صَحَّ ذلك السَّمْعُ فَأَحَدُهَا الْقِيَاسُ على ما سَنُبَيِّنُهُ ثُمَّ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ تَنْقَسِمُ إلَى ما اطَّلَعْنَا عليه وَعَلَى وَجْهِ الْحِكْمَةِ فيه بِأَدِلَّةٍ مَوْضُوعَةٍ من النَّصِّ تَارَةً وَمِنْ مَفْهُومٍ وَتَنْبِيهٍ وَسَيْرٍ وَإِيجَازٍ وَمِنْهَا ما لَا يُطَّلَعُ فيه على وَجْهِ الْحِكْمَةِ الْخَفِيَّةِ وَهِيَ من أَلْطَافِ اللَّهِ التي لَا يُطَّلَعُ عليها فَمِنْ هَاهُنَا تَخْصِيصُ التَّكَالِيفِ بِوَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ وَتَخْصِيصُ بَعْضِ الْأَفْعَالِ بِالنَّدْبِ وَبَعْضِهَا بِالْوُجُوبِ وَهَذِهِ الْمَصَالِحُ بِحَسَبِ الْمَعْلُومِ من حَالِ الْمُتَعَبَّدِينَ بِهِ وَاحِدًا اخْتَلَفَ الْأَفْعَالُ من اللَّهِ تَعَالَى في النَّقْلِ من شَرِيعَةٍ إلَى أُخْرَى وقد بَنَى اللَّهُ أُمُورَ عِبَادِهِ على أَنْ عَرَّفَهُمْ مَعَانِيَ دَلَائِلِهَا وَجُمَلِهَا وَغَيَّبَ عَنْهُمْ مَعَانِيَ دَقَائِقِهَا وَتَفَاصِيلِهَا كما إذَا رَأَيْنَا رَجُلَيْنِ عَلِيلَيْنِ تَفَاوَتَتْ عِلَلُهُمَا عَرَفْنَا الْوَجْهَ في افْتِرَاقِهِمَا وَلَوْ سَأَلْنَا عن تَعْدَادِ الِاخْتِلَافِ جَهِلْنَا وَهَذَا فَنٌّ يَهُونُ بَسْطُهُ إذَا عَرَفْت هذا فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ اُحْكُمْ فَكُلُّ ما حَكَمْتَ هو الصَّوَابُ أو يَأْمُرُ عَامَّةَ الْخَلْقِ أَنْ يَحْكُمُوا بِمَا عَنَّ لهم أو بَعْضَ الْعَالِمِ من غَيْرِ اجْتِهَادٍ فيه خِلَافٌ سَيَأْتِي فَقِيلَ لِلَّهِ أَنْ يُتَعَبَّدَ بِذَلِكَ وَالصَّحِيحُ خِلَافُهُ فإن هذه الْأَحْكَامَ إذَا وُضِعَتْ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ يَجُوزُ أَنْ يَخْتَارَ الْفَسَادَ وَالصَّلَاحَ جميعا وَلَيْسَ اخْتِيَارُهُ عَلَمًا على الصَّوَابِ وَبِمِثْلِهِ لم يَجُزْ وُرُودُ التَّعَبُّدِ بِتَصْدِيقِ نَبِيٍّ من غَيْرِ أَمَارَةٍ فَكَمَا يَجُوزُ تَفْوِيضُ الْأَمْرِ إلَيْنَا في الْخَبَرِ على اتِّفَاقِ الصِّدْقِ فَكَذَلِكَ الْقَوْلُ في الْمَصْلَحَةِ قال وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاجْتِهَادِ أَنَّ الْأَمَارَةَ على التَّعَبُّدِ بِهِ مَقْطُوعٌ بها وَالظَّنُّ مَبْنِيٌّ على أَمَارَةٍ تُفْضِي إلَى الظَّنِّ قَطْعًا وَهُنَا بِخِلَافِهِ إذْ لَا أَمَارَةَ إذَا عَلِمْتَ ذلك فما ذَكَرْنَاهُ من اشْتِمَالِ كُلِّيَّاتِ الشَّرْعِ وَجُزْئِيَّاتِهِ على الْمَصَالِحِ وَانْقِسَامِهَا إلَى ما يَلُوحُ لِلْعِبَادِ وَإِلَى ما يَخْفَى عليهم لَا خِلَافَ فيه وَلَكِنْ اخْتَلَفُوا وَرَاءَ ذلك في الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ وَأَنَّهُ من مَدَارِك الْأَحْكَامِ أو من الْقَوْلِ بِالشَّبَهِ الْمَحْضِ وَاَلَّذِينَ رَدُّوا الْقِيَاسَ اخْتَلَفُوا فيه فَقِيلَ لَا يَجُوزُ وُرُودُ التَّعَبُّدِ بِهِ أَصْلًا وَقِيلَ يَجُوزُ وَلَكِنْ يَمْتَنِعُ وُرُودُ التَّعَبُّدِ قال وَيَمْتَنِعُ وُرُودُ التَّعَبُّدِ بِالْقِيَاسِ في جَمِيعِ الْحَوَادِثِ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ من أُصُولٍ تُعَلَّلُ وَتُحْمَلُ الْفُرُوعُ عليها وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّهُ مَظْنُونٌ من حَيْثُ إنَّ جِهَاتِ الْمَصَالِحِ مُغَيَّبَةٌ
  262. عَنَّا فَلَا وُصُولَ إلَى الْمَعْنَى الْوَاحِدِ من بَيْنِ الْمَعَانِي على وَجْهٍ يُعْلَمُ أَنَّهُ الْأَصْلَحُ دُونَ ما سِوَاهُ قَطْعًا وَلِأَجْلِهِ تَفَاوَتَتْ الْآرَاءُ وَإِنَّمَا اعْتَبَرْنَا الْأُصُولَ السَّمْعِيَّةَ لِصِحَّةِ الْقِيَاسِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ رَدُّ الْفَرْعِ إلَى الْأُصُولِ الْعَقْلِيَّةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَصَّلُ إلَى أَحْكَامِهَا بِالْأَمَارَاتِ التي يَتَوَصَّلُ بِمِثْلِهَا إلَى مَصَالِحِ الدُّنْيَا لِأَنَّ لها أَمَارَاتٍ مَعْلُومَةً بِالْعَادَةِ انْتَهَى مَسْأَلَةٌ وإذا ثَبَتَ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَثْبُتُ إلَّا لِمَصْلَحَةٍ إمَّا جَوَازًا أو وُجُوبًا على الْخِلَافِ انْبَنَى على ذلك أَنَّهُ لَا يَنْصِبُ أَمَارَةً على الْحُكْمِ إلَّا بِمُنَاسَبَةٍ أو مَظِنَّةِ مَعْنًى يُنَاسِبُ وَإِلَّا لَزِمَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ لَا لِمَصْلَحَةٍ وهو مُمْتَنِعٌ فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ يَكُونُ في غَيْرِ الْمُنَاسِبِ مَصْلَحَةٌ وَأَقَرَّ التَّعْرِيفَ وَالْعَلَامَةَ وَصَارَ له طَرِيقَانِ ظُهُورُ الْمُنَاسِبِ وَمَحْضُ الْعَلَامَةِ قُلْنَا لَا يَجُوزُ عن الْمُنَاسَبَةِ وَإِنْ خَفِيَ عَلَيْنَا على أَنَّهُ سَيَأْتِي في فَصْلِ الطَّرْدِ من كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ظُهُورُ الْمُنَاسَبَةِ مَسْأَلَةٌ قال بَعْضُهُمْ الْأَحْكَامُ الضِّمْنِيَّةُ لَا تُعَلَّلُ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا سَافَرَ إلَى بَلَدٍ لَزِمَ منه نَقْلُ الْأَقْدَامِ وَقَطْعُ الْمَسَافَاتِ ثُمَّ إنَّهُ لَا يُعَلَّلُ لِعَدَمِ خُطُورِهِ بِبَالِهِ وَهَذَا صَحِيحٌ في حَقِّ الْإِنْسَانِ فَأَمَّا في أَحْكَامِ الشَّرْعِ فَلَا لِأَنَّ الشَّارِعَ لِلْأَحْكَامِ لَا تَخْفَى عليه خَافِيَةٌ فَتَحَقُّقُ شَرَائِطِ الْإِضَافَةِ إلَى الْمَصَالِحِ مُضَافٌ وَمُعَلَّلٌ لِأَنَّ شَرْطَ الْإِضَافَةِ ليس إلَّا الْعِلْمُ وَالْخُطُورُ بِالْبَالِ مَسْأَلَةٌ هل الْأَصْلُ في الْأُصُولِ أَنْ تَكُونَ غير مُعَلَّلَةٍ ما لم يَقُمْ الدَّلِيلُ على كَوْنِهَا مُعَلَّلَةً أو الْأَصْلُ أنها مُعَلَّلَةٌ إلَّا لِدَلِيلٍ مَانِعٍ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الدَّبُوسِيُّ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ قَالَا وَالْأَشْبَهُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أنها مُعَلَّلَةٌ في الْأَصْلِ إلَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ لِجَوَازِ التَّعْلِيلِ في كل أَصْلٍ من دَلِيلٍ يُمَيِّزُ قَالَا وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ عُلَمَائِنَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مع هذا من قِيَامِ دَلِيلٍ يَدُلُّ على كَوْنِهِ مُعَلَّلًا في الْحَالِ مَسْأَلَةٌ قال الدَّبُوسِيُّ حُكْمُ الْعِلَّةِ عِنْدَنَا تَعْدِيَةُ حُكْمِ الْأَصْلِ الْمُعَلَّلِ إلَى فَرْعٍ لَا نَصَّ فيه
  263. وَلَا إجْمَاعَ وَلَا دَلِيلَ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ حُكْمُ الْعِلَّةِ تَوَقُّفُ حُكْمِ النَّصِّ بِالْوَصْفِ الذي تَرَتَّبَ عليه كَالْعِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ في مَسْأَلَتَيْنِ إحْدَاهُمَا أَنَّ الْعِلَّةَ الْقَاصِرَةَ لَا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ بها عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ يَجُوزُ وَالثَّانِيَةُ امْتِنَاعُ تَعَدِّيهَا إلَى فَرْعٍ مَنْصُوصٍ عليه عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ لَا قلت وَهَذِهِ هِيَ الْمَسْأَلَةُ السَّابِقَةُ أَنَّ الْحُكْمَ ثَبَتَ بِالْأَصْلِ أو الْعِلَّةِ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ في مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ حُكْمَ الْعِلَّةِ ثُبُوتُ حُكْمِ الْأَصْلِ في الْفَرْعِ بِعِلَّةِ الْأَصْلِ وفي الْحَقِيقَةِ ثُبُوتُ مِثْلِ حُكْمِ الْأَصْلِ بها ثُمَّ إنْ وُجِدَتْ تِلْكَ الْعِلَّةُ في مَوْضُوعٍ آخَرَ ثَبَتَ مِثْلُ ذلك الْحُكْمِ في ذلك الْمَوْضِعِ وَإِلَّا فَلَا يَثْبُتُ قال وَهَذَا هو الْخِلَافُ في أَنَّ الْعِلَّةَ الْقَاصِرَةَ هل تَصِحُّ أَمْ لَا فَعِنْدَنَا تَصِحُّ وَعِنْدَهُمْ لَا ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ كما جَرَى الِاخْتِلَافُ في الْحُكْمِ فَكَذَا في عِلَّةِ الْحُكْمِ كَاخْتِلَافِهِمْ في الْإِسْلَامِ هل هو عِلَّةُ الْعِصْمَةِ أَمْ لَا وَكَذَا الِاسْتِيلَاءُ على مَالِ الْغَيْرِ عِنْدَنَا عِلَّةٌ لِلضَّمَانِ وَعِنْدَهُمْ ليس بِعِلَّةٍ مَسْأَلَةٌ الْمُحَقِّقُونَ من أَصْحَابِنَا كما قَالَهُ ابن السَّمْعَانِيِّ على أَنَّ الْعِلَّةَ لَا بُدَّ من الدَّلِيلِ على صِحَّتِهَا لِأَنَّهَا شَرْعِيَّةٌ كَالْحُكْمِ فَكَمَا لَا بُدَّ من الدَّلِيلِ على الْحُكْمِ فَكَذَا الْعِلَّةُ قالوا وإذا ثَبَتَ مُتَّفَقٌ عليه وَادَّعَى أَنَّهُ مُعَلَّلٌ بِمَعْنًى أَبْدَاهُ فَهُوَ مُطَالَبٌ بِتَصْحِيحِ دَعْوَاهُ في الْأَصْلِ وقد ذَكَرَ بَعْضُ الْجَدَلِيِّينَ أَنَّهُ لَا تُسَوَّغُ هذه الْمُطَالَبَةُ لَكِنْ على الْمُعْتَرِضِ أَنْ يُبْطِلَ مَعْنَاهُ الذي ذَكَرَهُ إنْ كان عِنْدَهُ مُبْطِلٌ له وَهَذَا ليس بِشَيْءٍ وَالصَّحِيحُ هو الْأَوَّلُ لِمَا بَيَّنَّاهُ من فَسَادِ الطَّرْدِ وَسَتَأْتِي مَسَالِكُ الْعِلَّةِ الدَّالَّةُ على صِحَّتِهَا وقال ابن فُورَكٍ من أَصْحَابِنَا من قال نَعْلَمُ صِحَّةَ الْعِلَّةِ بِوُجُودِ الْحُكْمِ بِوُجُودِهَا وَارْتِفَاعِهِ بِارْتِفَاعِهَا وَلَا يَرْفَعُهَا أَصْلٌ منهم من قال يَحْتَاجُ إلَى دَلَالَتَيْنِ يُعْلَمُ بِأَحَدِهِمَا أَنَّهُ عِلَّةٌ وَبِالْآخَرِ أنها صَحِيحَةٌ وَمِنْهُمْ من قال إذَا دَلَّ الدَّلِيلُ على أَنَّهُ عِلَّةٌ لم يَحْتَجْ إلَى غَيْرِهَا لِأَنَّ الْفَائِدَةَ لَيْسَتْ بِعِلَّةٍ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في الْجَرَيَانِ هل هو دَلَالَةُ صِحَّةِ الْعِلَّةِ أَمْ لَا على وَجْهَيْنِ وَمَعْنَى الْجَرَيَانِ هو اسْتِمْرَارُهَا على الْأُصُولِ حتى لَا يَدْفَعَهَا أَصْلٌ ثَابِتٌ مَسْأَلَةٌ في أَنَّ الْعِلَّةَ هل هِيَ دَلِيلٌ على اسْمِ الْفَرْعِ ثُمَّ تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ هَكَذَا تَرْجَمَ أبو الْحُسَيْنِ في الْمُعْتَمَدِ هذه الْمَسْأَلَةَ وَحَكَى عن أبي الْعَبَّاسِ بن سُرَيْجٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ
  264. قال إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ الْأَسْمَاءُ في الْفُرُوعِ ثُمَّ تُعَلَّقُ عليها الْأَحْكَامُ وكان يَتَوَصَّلُ إلَى أَنَّ الشُّفْعَةَ تَرِكَةٌ ثُمَّ يَجْعَلُهَا مَوْرُوثَةً وَأَنَّ وَطْءَ الْبَهِيمَةِ زِنًى ثُمَّ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحَدُّ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ كان يَقِيسُ النَّبِيذَ على الْخَمْرِ في تَسْمِيَتِهِ خَمْرًا لِاشْتِرَاكِهِمَا في الشِّدَّةِ ثُمَّ يُحَرِّمُهُ بِالْآيَةِ وَأَكْثَرُ الْقَيَّاسِينَ على أَنَّ الْعِلَلَ ثَبَتَتْ بها الْأَحْكَامُ فَإِنْ كان ابن سُرَيْجٍ يَمْنَعُ من الْأَحْكَامِ في الْفُرُوعِ بِالْعِلَلِ فَذَلِكَ بَاطِلٌ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْمَسَائِلِ إنَّمَا تُعَلَّلُ فيها أَحْكَامُهَا دُونَ أَسْمَائِهَا وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الْعِلَلَ قد يَتَوَصَّلُ بها إلَى الْأَسْمَاءِ في بَعْضِ الْمَوَانِعِ ولم يَمْنَعْ من أَنْ يَتَوَصَّلَ بها إلَى الْأَحْكَامِ فَإِنْ أَرَادَ بِالْعِلَلِ الْعِلَلَ الشَّرْعِيَّةَ وَبِالْأَسْمَاءِ الْأَسْمَاءَ اللُّغَوِيَّةَ فَذَلِكَ بَاطِلٌ لِأَنَّ اللُّغَةَ أَسْبَقُ من الشَّرْعِ وَلِتَقَدُّمِ اللُّغَةِ خَاطَبَنَا اللَّهُ عز وجل بها فَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُ أَسْمَائِهَا بِأُمُورٍ طَارِئَةٍ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الْأَسْمَاءَ قد ثَبَتَتْ في اللَّهِ بِقِيَاسٍ غَيْرِ شَرْعِيٍّ نَحْوُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُمْ سَمَّوْا الْجِسْمَ الذي حَضَرَهُمْ بِأَنَّهُ أَبْيَضُ لِوُجُودِ الْبَيَاضِ قِسْنَا ما غَابَ عَنْهُمْ من الْأَجْسَامِ الْبِيضِ فَلَيْسَ بِبَعِيدٍ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ من الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ ما يَثْبُتُ بِالْعِلَلِ فَغَيْرُ بَعِيدٍ أَيْضًا انْتَهَى وقد سَبَقَتْ هذه الْمَسْأَلَةُ في الْقِيَاسِ في اللُّغَةِ مَسْأَلَةٌ إذَا حَرُمَ الشَّيْءُ لِعِلَّةٍ فَارْتَفَعَتْ هل وَجَبَ ارْتِفَاعُ الْحُكْمِ قال ابن فُورَكٍ الذي نَذْهَبُ إلَيْهِ أَنَّهُ يَرْتَفِعُ وَيَبْقَى بَعْدَ ذلك مَوْقُوفًا على الدَّلِيلِ كَتَحْرِيمِ الْخَمْرِ لِلشِّدَّةِ ثُمَّ تَحْرُمُ لِلنَّجَاسَةِ وَكَمِلْكِ الْغَيْرِ مع عَدَمِ الْإِذْنِ ثُمَّ هِيَ على ضَرْبَيْنِ عِلَلٌ مُطْلِقَةٌ لِلْحُكْمِ وَعِلَلٌ مُقَيِّدَةٌ فَالْمُطْلِقَةُ كَقَوْلِ الْقَائِلِ عِلَّةُ الْقَتْلِ الْقَتْلُ وَشَرْطُهَا أَنْ يَرْتَفِعَ الْحُكْمُ بِارْتِفَاعِهَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوجَدَ قَتْلٌ إلَّا بِقَتْلٍ وَمِنْهُ مُنَاقَضَةُ الشَّافِعِيِّ لِمُحَمَّدِ بن الْحَسَنِ في الْجَمْعِ بين الْأُخْتَيْنِ في الْمَبْتُوتَةِ لِأَنَّ اعْتِلَالَهُ وَقَعَ مُطْلِقًا بِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى اجْتِمَاعِ مَائِهِ في رَحِمِ أُخْتَيْنِ فقال إذَا خَلَا بها وَطَلَّقَهَا لم يُؤَدِّ إلَى ذلك فَأَجِزْهُ فقال بَعْضُ أَصْحَابِ أبي حَنِيفَةَ ذلك لِعِلَّةٍ أُخْرَى قُلْنَا إنَّ الِاعْتِلَالَ وَقَعَ مُطْلِقًا فَلِذَلِكَ كان كَلَامُ الشَّافِعِيِّ نَقْضًا لِمَا قال فَأَمَّا أَنْ يَقُولَ عِلَّةُ قَتْلِ الْقَاتِلِ كَذَا فَيَجُوزُ أَنْ يَقْتُلَ غير الْقَاتِلِ كما تَقُولُ أَدْرَكْته لِقُرْبِهِ وَارْتِفَاعِ الْمَانِعِ لم يُدْرِكْهُ قُلْنَا وَإِنْ لم يُوجَدْ ذلك الْمَعْنَى من طَرِيقٍ آخَرَ فَلَا يَكُونُ نَقْضًا وَإِنَّمَا ذلك لِسَبَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لِحُكْمٍ وَاحِدٍ
  265. فَصْلٌ في ذِكْرِ شُرُوطِ الْعِلَّةِ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ مُؤَثِّرًا في الْحُكْمِ فَإِنْ لم يُؤَثِّرْ فيه لم يَجُزْ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً فإن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لم يَرْجُمْ مَاعِزًا لِاسْمِهِ وَلَا لِهَيْئَةِ جِسْمِهِ وَلَكِنَّ الزِّنَى عِلَّةُ الرَّجْمِ وَكَذَا الطُّعْمُ عِلَّةُ الرِّبَا دُونَ الزَّرْعِ هَكَذَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَمُرَادُهُمَا بِالتَّأْثِيرِ الْمُنَاسَبَةُ وَأَحْسَنُ من عِبَارَتِهِمَا قَوْلُ الْأُسْتَاذِ أبي مَنْصُورٍ أَنْ يَكُونَ وَصْفُهَا مِمَّا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بها فَإِنْ لم يَجُزْ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بها فَإِنْ لم يَجُزْ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ على وَصْفٍ لم يَجُزْ أَنْ يَكُونَ ذلك الْوَصْفُ عِلَّةً لِذَلِكَ الْحُكْمِ وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ الْمَعْصِيَةَ لَا تَكُونُ عِلَّةً لِلتَّخْفِيفِ وَأَبْطَلْنَا بِذَلِكَ قَوْلَ من جَعَلَ الرِّدَّةَ عِلَّةً لِإِسْقَاطِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَإِبَاحَةَ الْفِطْرِ وَالْقَصْرِ وَأَكْلِ الْمَيْتَةِ في السَّفَرِ الذي يَكُونُ مَعْصِيَةً وَأَجَازَ بَعْضُهُمْ التَّعْلِيلَ بِمُجَرَّدِ الْأَمَارَةِ الطَّرْدِيَّةِ وَالْحَقُّ خِلَافُهُ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَشْتَمِلَ على حُكْمٍ يَبْعَثُ الْمُكَلَّفَ على الِامْتِثَالِ وَيَصِحُّ شَاهِدًا لِإِنَاطَةِ الْحُكْمِ بها على ما تَقَدَّمَ وقال الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ مَعْنَى كَوْنِ الْعِلَّةِ مُؤَثِّرَةً في الْحُكْمِ هو الْحُكْمُ بِأَنْ يَغْلِبَ على ظَنِّ الْمُجْتَهِدِ أَنَّ الْحُكْمَ حَاصِلٌ عِنْدَ ثُبُوتِهَا لِأَجْلِهَا دُونَ شَيْءٍ سِوَاهَا وَالْمُرَادُ من تَأْثِيرِهَا في الْحُكْمِ دُونَ ما عَدَاهَا أنها جُعِلَتْ عَلَامَةً على ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِيمَا هِيَ فيه وَلَيْسَ الْمُرَادُ أنها مُوجِبَةٌ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ لَا مَحَالَةَ كَالْعِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ التي يَسْتَحِيلُ ثُبُوتُهَا مع انْتِفَاءِ الْحُكْمِ أو ثُبُوتُ حُكْمِهَا مع انْتِقَائِهَا وَقِيلَ مَعْنَاهُ إنَّهَا جَالِبَةٌ لِلْحُكْمِ وَمُقْتَضِيَةٌ له وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى هذه الْأَلْفَاظِ أَجْمَعَ أنها عَلَامَةٌ على ثُبُوتِ الْحُكْمِ لَا يُوجِبُهُ في حَقِّ من غَلَبَ على ظَنِّهِ كَوْنُهَا مُؤَثِّرَةً فيه وفي أَيِّ مَوْضِعٍ يُعْتَبَرُ تَأْثِيرُ الْعِلَّةِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الشَّيْخُ في اللُّمَعِ أَحَدُهُمَا في الْأَصْلِ لِأَنَّ الْعِلَّةَ تُنْزَعُ من الْأَصْلِ أَوَّلًا وَالثَّانِي أَنَّهُ يَكْفِي أَنْ يُؤَثِّرَ في مَوْضِعٍ من الْأُصُولِ قال وهو اخْتِيَارُ شَيْخِنَا
  266. الْقَاضِي أبي الطَّيِّبِ رَحِمَهُ اللَّهُ وهو الصَّحِيحُ عِنْدِي وَحَكَى شَارِحُهُ فيها ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا تَأْثِيرُهُ في الْأَصْلِ قال وهو قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَاخْتَارَهُ ابن الصَّبَّاغِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَصْحَابُ أبي حَنِيفَةَ وَالثَّانِي اشْتَرَطَ تَأْثِيرَهَا في الْفَرْعِ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ وَالْأَصْلُ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ يَكْفِي في مَوْضِعٍ من الْأُصُولِ سَوَاءٌ الْمَقِيسُ عليه وَغَيْرُهُ وهو اخْتِيَارُ الْقَاضِي أبي الطَّيِّبِ وَالشَّيْخِ أبي إِسْحَاقَ وَالْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِمْ لِأَنَّ تَأْثِيرَهَا في مَوْضِعٍ يَدُلُّ على صِحَّتِهَا الثَّانِي أَنْ يَكُونَ وَصْفًا ضَابِطًا لِأَنَّ تَأْثِيرَهَا لِحِكْمَةٍ مَقْصُودَةٍ لِلشَّارِعِ لَا حِكْمَةٍ مُجَرَّدَةٍ لِخَفَائِهَا فَلَا يَظْهَرُ إلْحَاقُ غَيْرِهَا بها وَهَلْ يَجُوزُ كَوْنُهَا نَفْسَ الْحِكْمَةِ وَهِيَ الْحَاجَةُ إلَى جَلْبِ مَصْلَحَةٍ أو دَفْعِ مَفْسَدَةٍ قال الْإِمَامُ الرَّازِيَّ في الْمَحْصُولِ يَجُوزُ وقال غَيْرُهُ يَمْتَنِعُ وَاخْتَارَهُ في الْمَعَالِمِ وَفَصَّلَ آخَرُونَ فَقَالُوا إنْ كانت الْحِكْمَةُ ظَاهِرَةً مُنْضَبِطَةً بِنَفْسِهَا جَازَ التَّعْلِيلُ بها لِمُسَاوَاةِ ظُهُورِ الْوَصْفِ وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وَالْهِنْدِيُّ وَاتَّفَقُوا على جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِالْوَصْفِ الْمُشْتَمِلِ عليها أَيْ مَظِنَّتِهَا بَدَلًا عنها ما لم يُعَارِضْهُ قِيَاسٌ وَالْمَنْقُولُ عن أبي حَنِيفَةَ الْمَنْعُ وقال الْحِكْمَةُ من الْأُمُورِ الْغَامِضَةِ وَشَأْنُ الشَّرْعِ فِيمَا هو كَذَلِكَ قَطْعُ النَّظَرِ عِنْدَ تَقْدِيرِ الْحُكْمِ عن دَلِيلِهِ وَمَظِنَّتِهِ وَعَنْ الشَّافِعِيِّ الْجَوَازُ وَأَنَّ اعْتِبَارَهَا هو الْأَصْلُ وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَتْ الْمَظِنَّةُ لِلتَّسْهِيلِ وَعَلَى هذا الْأَصْلِ يَنْبَنِي خِلَافُهُمَا في الْمُصَابَةِ بِالزِّنَى هل تُعْطَى حُكْمَ الْأَبْكَارِ أو الثَّيِّبَاتِ في السُّكُوتِ فَإِنْ قَطَعَ بِانْتِفَاءِ الْحِكْمَةِ في بَعْضِ الصُّوَرِ كَاسْتِبْرَاءِ الصَّغِيرَةِ فإنه شُرِعَ لِتَبَيُّنِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ وهو مَفْقُودٌ في الصَّغِيرَةِ فقال الْغَزَالِيُّ وَتِلْمِيذُهُ محمد بن يحيى ثَبَتَ الْحُكْمُ بِالْمَظِنَّةِ فإن الْحُكْمَ قد صَارَ مُتَعَلِّقًا بها وَاَلَّذِي عليه الْجَدَلِيُّونَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لِانْتِفَاءِ الْحِكْمَةِ فَإِنَّهَا أَصْلُ الْعِلَّةِ وقال ابن رَحَّالٍ التَّعْلِيلُ بِالْحِكْمَةِ مُمْتَنِعٌ عِنْدَ من يَمْنَعُ الْقِيَاسَ في الْأَسْبَابِ وَجَائِزٌ عِنْدَ من جَوَّزَهُ فَرْعَانِ فِيهِمَا نَظَرٌ الْأَوَّلُ هل الْعِلَّةُ حَقِيقَةٌ في الْوَصْفِ الْمُتَرْجَمِ عن الْحِكْمَةِ مَجَازٌ في الْحِكْمَةِ أو
  267. الْعَكْسُ لِأَنَّ الْحِكْمَةَ هِيَ الْمَقْصُودَةُ اعْتِبَارًا وَالْمُلَاحَظُ بِالْحَقِيقَةِ إنَّمَا هو مَعْنَاهَا وَتَوَسُّطُ الْوَصْفِ مَقْصُودٌ لِأَجْلِهَا الثَّانِي إذَا وُجِدَ مَحَلٌّ قَابِلٌ لِلتَّعْلِيلِ بِالْوَصْفِ وَالْحِكْمَةِ وَالْحِكْمَةُ نَهَضَتْ بِشَرْطِهَا وَسَارَتْ الْعِلَّةُ في تَأْثِيرِ التَّعْدِيَةِ بِإِلْحَاقِ فُرُوعٍ تُنْشِئُ أَحْكَامًا من الْأَصْلِ فَالْأَوْلَى في النَّظَرِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى الْوَصْفِ أو الْحِكْمَةِ فيه احْتِمَالَانِ أَحَدُهُمَا الْوَصْفُ لِاتِّفَاقِهِمْ على التَّعْلِيلِ بِهِ وَاخْتِلَافِهِمْ في الثَّانِي وَالثَّانِي الْحِكْمَةُ لِأَنَّهَا الْمَقْصُودَةُ بِالذَّاتِ وَالْوَصْفُ وَسِيلَةٌ إلَى الْعِلْمِ بِوُجُودِهَا الثَّالِثُ أَنْ تَكُونَ ظَاهِرَةً جَلِيَّةً وَإِلَّا لم يُمْكِنْ إثْبَاتُ الْحُكْمِ بها في الْفَرْعِ على تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ أَخْفَى منه أو مُسَاوِيَةً له في الْخَفَاءِ ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ في جَدَلِهِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْعِلَّةَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ في الْأَصْلِ أَظْهَرَ منها في الْفَرْعِ وَقَوْلُ الْأُصُولِيِّينَ الْقِيَاسُ في مَعْنَى الْأَصْلِ يَقْتَضِي اسْتِوَاءَ حَالِهِمَا في الْمَحَلَّيْنِ وَالْحَقُّ أَنَّ كُلَّ وَصْفٍ يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عليه بِدَلِيلٍ يَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ نَصْبُهُ أَمَارَةً لِأَنَّ مَقْصُودَ التَّعْرِيفِ يَحْصُلُ منه كما يَحْصُلُ من غَيْرِهِ سَوَاءٌ كان خَفِيًّا أو لَا وقد قال تَعَالَى إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عن تَرَاضٍ مِنْكُمْ وفي الحديث إنَّمَا الْبَيْعُ عن تَرَاضٍ وَهَذَا يَدُلُّ على أَنَّ الرِّضَا هو الْمُعْتَبَرُ في الْعُقُودِ وَإِنْ كان خَفِيًّا عِنْدَهُمْ وَكَذَلِكَ الْعَمْدِيَّةُ عِلَّةٌ في الْقِصَاصِ وهو كَثِيرٌ في الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ فَسَّرُوا الْخَفَاءَ بِمَا لَا يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عليه وَمَثَّلُوهُ بِالرِّضَا في الْعُقُودِ وَالْعَمْدِيَّةِ في الْقِصَاصِ وَاسْتَشْكَلَ لِأَنَّهُمْ إنْ عَنَوْا بِكَوْنِهِ لَا يُطَّلَعُ عليه أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَّا الْوُقُوفُ عليه لَا بِاعْتِبَارِ نَفْسِهِ وَلَا بِاعْتِبَارِ غَيْرِهِ مِمَّا يَدُلُّ عليه فَهَذَا لَا يَصِحُّ نَصْبُهُ أَمَارَةً بِنَفْسِهِ وَلَا مَظِنَّةَ وَإِنْ عَنَوْا بِهِ أَنَّهُ لَا يُطَّلَعُ عليه بِاعْتِبَارِ نَفْسِهِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُوقَفَ عليه بِاعْتِبَارِ ما يَدُلُّ عليه فَيَلْزَمُهُمْ على هذا أَنْ يَكُونَ الْإِشْكَالُ خَفِيًّا لِأَنَّهُ لَا يُوقَفُ عليه بِاعْتِبَارِ نَفْسِهِ وَإِنَّمَا يُسْتَدَلُّ عليه بِآثَارِهِ قالوا وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ التَّعْلِيلُ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بين الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ إذْ يَعْسُرُ تَعْيِينُ قَدْرٍ في الْأَصْلِ هو ثَابِتٌ في الْفَرْعِ وَأَيْضًا إذَا فَعَلَ ذلك انْدَفَعَتْ النُّصُوصُ إذْ يُمْنَعُ أَنْ يَكُونَ ما في مَحَلِّهَا من الْحُكْمِ غير قَاصِرٍ عن ذلك الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ قال ابن النَّفِيسِ في الْإِيضَاحِ إنَّ الْأَمْرَ وَإِنْ كان كَذَلِكَ وَلَكِنْ يَرِدُ حِينَئِذٍ
  268. مَنْعٌ يَعْسُرُ دَفْعُهُ وهو أَنَّهُ لِمَ قُلْتُمْ إنَّ هذا الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ قَدْرٌ يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِهِ فإن التَّعْلِيلَ بِالْحِكْمَةِ إنَّمَا يَجُوزُ إذَا كان لِذَلِكَ الْحُكْمِ قَدْرٌ يُعْتَدُّ بِهِ وَلَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِكُلِّ حِكْمَةٍ الرَّابِعُ أَنْ تَكُونَ سَالِمَةً بِشَرْطِهَا أَيْ بِحَيْثُ لَا يَرُدُّهَا نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ لِأَنَّ الْقِيَاسَ فَرْعٌ لها لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا عِنْدَ عَدَمِهَا فلم يَجُزْ أَنْ يَكُونَ رَافِعًا لها فإذا رَدَّهُ أَحَدُهُمَا بَطَلَ الْخَامِسُ أَنْ لَا يُعَارِضَهَا من الْعِلَلِ ما هو أَقْوَى منها فإن الْأَقْوَى أَحَقُّ بِالْحُكْمِ كما أَنَّ النَّصَّ أَحَقُّ بِالْحُكْمِ من الْقِيَاسِ وما أَدَّى إلَى إبْطَالِ الْأَقْوَى فَهُوَ الْبَاطِلُ بِالْأَقْوَى ذَكَرَهُ وَاَلَّذِي يَلِيهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ السَّادِسُ أَنْ تَكُونَ مُطَّرِدَةً أَيْ كُلَّمَا وُجِدَتْ وُجِدَ الْحُكْمُ لِيَسْلَمَ من النَّقْضِ وَالْكَسْرِ فَإِنْ عَارَضَهَا نَقْضٌ أو كَسْرٌ فَعُدِمَ الْحُكْمُ مع وُجُودِهَا بَطَلَتْ وَاعْلَمْ أَنَّ الْعِلَّةَ إمَّا عَقْلِيَّةٌ أو سَمْعِيَّةٌ فَالْعَقْلِيَّةُ يَمْتَنِعُ تَخْصِيصُهَا بِإِجْمَاعِ أَهْلِ النَّظَرِ كما نَقَلَهُ ابن فُورَكٍ وَالْقَاضِي أبو بَكْرٍ وَالْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وابن عَبْدَانَ في شَرَائِطِ الْأَحْكَامِ وَغَيْرُهُمْ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا في الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ إمَّا أَنْ تَكُونَ مُسْتَنْبَطَةً أو مَنْصُوصَةً فَإِنْ كانت مُسْتَنْبَطَةً فَجَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ بِامْتِنَاعِ تَخْصِيصِهَا على مَعْنَى أَنَّ الْعِلَّةَ لَا تَبْقَى حُجَّةً فِيمَا وَرَاءَ الْحُكْمِ الْمَخْصُوصِ لِبُطْلَانِ الْوُثُوقِ بها وقال ابن فُورَكٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهَا وقال ابن كَجٍّ إنَّهُ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ أَجْمَعَ عليه أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَكَذَلِكَ قال صَاحِبُ الْبَيَانِ في بَابِ الرِّبَا إنَّهُ لَا خِلَافَ فيه عِنْدَنَا وَإِنَّمَا الْخِلَافُ في الْمَنْصُوصَةِ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ اتَّفَقَ عليه أَهْلُ الْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ وَالشَّامِ وَبِهِ قال أَكْثَرُ الْعِرَاقِيِّينَ وَزَعَمَ أَهْلُ الْكُوفَةِ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ وَأَطْلَقَ ابن الصَّبَّاغِ في الْعُدَّةِ مَنْعَ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ وَإِنْ كانت مَنْصُوصَةً فَمَنْ جَوَّزَ تَخْصِيصَ الْمُسْتَنْبَطَةِ جَوَّزَ هذه أَيْضًا وَمَنْ مَنَعَ هُنَاكَ اخْتَلَفُوا على قَوْلَيْنِ وَهُمَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا أَحَدُهُمَا الْمَنْعُ كَالْمُسْتَنْبَطَةِ قال الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّفْظِ الْعَامِّ حَيْثُ جَازَ تَخْصِيصُهُ أَنَّ الْعَامَّ لَا يَجُوزُ إطْلَاقُهُ على بَعْضِ ما يَتَنَاوَلُهُ فإذا وَرَدَ لم يُنَافِهِ وَأَمَّا الْعِلَّةُ الْمُسْتَنْبَطَةُ فَإِنَّمَا انْتَزَعَهَا الْقَائِسُ من الْأَصْلِ وَمُقْتَضَاهُ الِاطِّرَادُ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ هذا قَوْلُ الْجُمْهُورِ وهو الصَّحِيحُ وقال الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ إنَّهُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ من الْفُقَهَاءِ ثُمَّ اخْتَارَهُ الْقَاضِي آخِرًا وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي أبو عَلِيِّ بن أبي هُرَيْرَةَ وَنَصَرَهُ في كِتَابِ الْجَدَلِ له وَكَذَا الْخَفَّافُ في الْخِصَالِ وقال الْأُسْتَاذُ أبو
  269. مَنْصُورٍ إنَّهُ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا وقال إلْكِيَا إنَّهُ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وقال في الْقَوَاطِعِ إنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ إلَّا الْقَلِيلَ منهم وهو قَوْلُ كَثِيرٍ من الْمُتَكَلِّمِينَ وَقَالُوا تَخْصِيصُهَا نَقْضٌ لها وَنَقْضُهَا يَتَضَمَّنُ إبْطَالَهَا قال وَبِهِ قال عَامَّةُ الْخُرَاسَانِيِّينَ من الْحَنَفِيَّةِ قال أبو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ بَاطِلٌ وَمَنْ قال بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ فَقَدْ وَصَفَ اللَّهَ تَعَالَى بِالسَّفَهِ وَالْعَبَثِ لِأَنَّهُ أَيُّ فَائِدَةٍ في وُجُودِ الْعِلَّةِ وَلَا حُكْمَ إذْ الْعِلَّةُ شُرِعَتْ لِلْحُكْمِ وَالْكَلَامِ في الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ فإذا خَلَا الْفِعْلُ عن الْعَاقِبَةِ الْحَمِيدَةِ يَكُونُ عَبَثًا وَالدَّلِيلُ على فَسَادِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ أَنَّ دَلِيلَ الْخُصُوصِ يُشْبِهُ الْإِبْدَاءَ أو النَّاسِخَ وَكِلَاهُمَا لَا يُدْخِلُ الْعِلَلَ وقال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ سَوَاءٌ الْمَنْصُوصَةُ وَالْمُسْتَنْبَطَةُ في قَوْلِ أَصْحَابِنَا وَأَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ وقال الْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ الْمُخْتَارُ أَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يَتَطَرَّقُ إلَى جَوْهَرِ عِلَّةِ الشَّارِعِ فإنه من أَعَمِّ الصِّيَغِ وَلَا نَظُنُّ بِرَسُولِ اللَّهِ أَنْ يُنَصَّبَ عَلَمًا ثُمَّ يَنْتَفِيَ الْحُكْمُ مع وُجُودِهِ من غَيْرِ سَبَبٍ نعم يَتَطَرَّقُ إلَى مَحَلِّ كَلَامِهِ بِتَخْصِيصِ بَعْضِ الْمَحَالِّ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا فَيَذْكُرُ الْمَحَلَّ دُونَ الْعِلَّةِ وَالثَّانِي الْجَوَازُ وَنُقِلَ عن ابْنِ سُرَيْجٍ وقال أبو الْحُسَيْنِ إنَّهُ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وهو الذي أَوْرَدَهُ ابن كَجٍّ في كِتَابِهِ قال وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُسْتَنْبَطَةِ حَيْثُ امْتَنَعَ فيها أَنَّ الْمَنْصُوصَةَ في الْحَقِيقَةِ لَيْسَتْ بِعِلَّةٍ بَلْ هِيَ كَالِاسْمِ يَدُلُّ على الْحُكْمِ بِدَلَالَةِ الْعُمُومِ وَأَيْضًا فَإِنَّمَا جَازَ تَخْصِيصُهَا لِأَنَّ وَاضِعَهَا قد عُلِمَ أَنَّهُ لم يُرِدْ بها عِنْدَ إطْلَاقِهَا الْعُمُومَ فَصَارَ كَالِاسْتِثْنَاءِ وَالْمُعَلَّلُ يَقْصِدُ بِالْعِلَّةِ جَمِيعَ مَعْلُولَاتِهَا فإذا وُجِدَتْ وَلَا حُكْمَ كان نَقْضًا وَحَكَاهُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ عن أَهْلِ الْعِرَاقِ قال وَحَكَاهُ الْهَمْدَانِيُّ عن أَصْحَابِنَا وَالْأَمْرُ بِخِلَافِ ما قَالَهُ انْتَهَى قال إلْكِيَا وَإِلَيْهِ ذَهَبَ قُدَمَاءُ الْحَنَفِيَّةِ وَنَقَلَهُ ابن بَرْهَانٍ في الْوَجِيزِ عن الْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا سَبَقَ عنه وَنَقَلَهُ ابن السَّمْعَانِيِّ عن عَامَّةِ الْعِرَاقِيِّينَ من الْحَنَفِيَّةِ قال وَمِنْهُمْ أبو زَيْدٍ وَادَّعَى أَنَّهُ مَذْهَبُ أبي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ قال وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ في ذلك على قَوْلَيْنِ وقال ابن بَرْهَانٍ في
  270. الْأَوْسَطِ وَأَمَّا أَصْحَابُ أبي حَنِيفَةَ فَالْمُتَقَدِّمُونَ منهم وَافَقُوا الشَّافِعِيَّ على الْمَنْعِ وَالْمُتَأَخِّرُونَ كَأَبِي زَيْدٍ جَوَّزُوا وَرَجَعَ بَعْضُهُمْ عن ذلك وَهُمْ أَهْلُ ما وَرَاءَ النَّهْرِ انْتَهَى وقال الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ جَوَّزَ قَوْمٌ من أَسْلَافِ أَصْحَابِ أبي حَنِيفَةَ تَخْصِيصَهَا مُسْتَنْبَطَةً وَمَنْصُوصَةً وَزَعَمُوا أَنَّهُ قَوْلُ أبي حَنِيفَةَ وَحَكَى بَعْضُهُمْ ذلك عن مَالِكٍ وهو غَيْرُ ثَابِتٍ عنه وَمِنْ أَصْحَابِهِ من يُجِيزُهُ وَأَنْكَرَ كَثِيرٌ من أَصْحَابِ أبي حَنِيفَةَ الْقَوْلَ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ وَأَنْ يَكُونَ ذلك قَوْلًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَقَالُوا إنَّمَا يَتْرُكُ بَعْضُ أَسْلَافِنَا الْحُكْمَ لِأَجْلِ عِلَّةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَوْلَى منها فَأَمَّا على وَجْهِ تَخْصِيصِهَا فَلَا وَهَذَا اعْتِذَارٌ منهم وَتَحَامٍ لِلْقَوْلِ بِتَخْصِيصِهَا وَتَحَصَّلَ في الْمَسْأَلَةِ مَذَاهِبُ ثَالِثُهَا الْمَنْعُ في الْمُسْتَنْبَطَةِ وَالْجَوَازُ في الْمَنْصُوصَةِ وَفِيهَا مَذْهَبٌ رَابِعٌ وهو تَجْوِيزُ تَخْصِيصِهَا في أَصْلِ الْمَذْهَبِ وَأَمَّا في عِلَّةِ النَّظَرِ فَلَا يَجُوزُ حَكَاهُ السُّهَيْلِيُّ في أَدَبِ الْجَدَلِ عن بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ قال وهو فَاسِدٌ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ في النَّاظِرَةِ إنَّمَا يُثْبِتُ الْمَذْهَبَ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِجَوَازِ ما فيه وهو قَرِيبٌ من اخْتِيَارِ ابْنِ بَرْهَانٍ في الْوَجِيزِ شَرَطَ الِاطِّرَادَ في الْمُنَاظَرَةِ حتى أَنَّهُ ليس له الِاحْتِرَازُ عن النَّقْضِ الذي أَوْرَدَهُ الْخَصْمُ وَالْجَوَازُ في الْمُجْتَهِدِ نَفْسِهِ حتى أَنَّ له الرُّجُوعَ إلَى ذلك وَفِيهَا مَذْهَبٌ خَامِسٌ حَكَاهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ عن بَعْضِ الْقَدَرِيَّةِ وهو التَّفْصِيلُ بين عِلَّةِ الْإِقْدَامِ فَيَجُوزُ تَخْصِيصُهَا وَبَيْنَ عِلَّةِ تَرْكِ الْفِعْلِ فَلَا يَجُوزُ بَلْ يَكُونُ عِلَّةً لِتَرْكِهِ وَاجْتِنَابِهِ أَيْنَ وُجِدَتْ قال وَهَذَا الْقَوْلُ خُرُوجٌ عن إجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَرُبَّمَا عُزِيَ لِقُدَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ قال ابن فُورَكٍ وَلِأَبِي عَلِيِّ بن أبي هُرَيْرَةَ طَرِيقَةٌ في تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ وَالْعُمُومِ فيقول إنَّ تَخْصِيصَهَا سَوَاءٌ وهو أَنَّهُ إنَّمَا يَمْتَنِعُ تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ الْمُطْلَقَةِ كما يَمْتَنِعُ تَخْصِيصُ الْعَامِّ الْمُطْلَقِ وَأَمَّا إذَا اقْتَرَنَتْ بِهِمَا قَرِينَةٌ فَيُعْلَمُ أَنَّ ذلك كان فيها في الِابْتِدَاءِ وَلَيْسَ ذلك نَقْضًا وَالنَّقْضُ أَنْ يُقَالَ كانت مُطْلَقَةً فَقُيِّدَتْ الْآنَ فَعَلَى هذا يَسْقُطُ ما قَالَهُ الْخَصْمُ تَخْصِيصًا من عِلَلِ السَّمْعِ بَلْ تَبَيَّنَ بِالْقَرِينَةِ أنها وَقَعَتْ في الِابْتِدَاءِ مُقَيَّدَةً ثُمَّ الْكَلَامُ في تَحْرِيرِ أُمُورٍ أَحَدُهَا أَنَّ الْغَزَالِيَّ ذَكَرَ في شِفَاءِ الْعَلِيلِ أَنَّهُ لم يَصِحَّ عن الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ التَّصْرِيحُ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ أو مَنْعُهُ وَنَقَلَ الدَّبُوسِيُّ تَعْلِيلَاتٍ عنهما مَنْقُوضَةً قال
  271. وَهَذَا يَدُلُّ على قَبُولِهَا التَّخْصِيصَ انْتَهَى وَيُوَافِقُهُ ما ذَكَرَهُ الصَّيْرَفِيُّ في كِتَابِ الْأَعْلَامِ أَنَّ الْمُجَوِّزِينَ قَاسُوا بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ الْقِيَاسُ كَذَا لَوْلَا الْأَثَرُ والنظر كَذَا لَوْلَا الْخَبَرُ وَكَذَا أبو حَنِيفَةَ يقول الْقِيَاسُ كَذَا إلَّا أَنِّي أَسْتَحْسِنُ وَلَوْلَا الْأَثَرُ لَكَانَ الْقِيَاسُ كَذَا فَلَوْ كَانُوا يُبْطِلُونَ الْأَصْلَ الذي جَرَى الْقِيَاسُ فيه لَمَا وَجَدُوا الْأَثَرَ في الْعَيْنِ التي جاء الْأَثَرُ فيها انْتَهَى وقال الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ نَقَلَ جَمَاعَةٌ عن أبي حَنِيفَةَ جَوَازَ التَّخْصِيصِ مُطْلَقًا وَحَكَى عن مَالِكٍ أَيْضًا وهو غَيْرُ ثَابِتٍ عنه وَأَنْكَرَ كَثِيرٌ من الْحَنَفِيَّةِ الْقَوْلَ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ وَأَنْ يَكُونَ ذلك قَوْلًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وقال إنَّمَا يَتْرُكُ بَعْضُ أَسْلَافِنَا الْحُكْمَ بِعِلَّةٍ لِأَجْلِ عِلَّةٍ أُخْرَى هِيَ أَوْلَى منها فَأَمَّا على وَجْهِ تَخْصِيصِهَا فَلَا وَإِنَّمَا هذا اعْتِذَارٌ وَتَحَامٍ عن الْقَوْلِ بِتَخْصِيصِهَا وَنَقَلَ ابن فُورَكٍ وابن السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُمَا عن الشَّافِعِيِّ الْمَنْعَ وقال ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ إنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ على أَنَّ الْقَوْلَ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ بَاطِلٌ وَأَنَّ الْقَاضِيَ قال لو صَحَّ عِنْدِي أَنَّ الشَّافِعِيَّ قال بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ ما كُنْت أُعِدُّهُ من جُمْلَةِ الْأُصُولِيِّينَ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ أَنَّ في كَلَامِ الشَّافِعِيِّ جَوَازَهُ قال وَذَكَرَ أَقْضَى الْقُضَاةِ يَعْنِي عَبْدَ الْجَبَّارِ في الشَّرْحِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَا يُجِيزُ ذلك وَإِنَّمَا يَعْدِلُ عن حُكْمِ عِلَّةٍ إلَى عِلَّةٍ أُخْرَى وَالْمَعْلُومُ من مَذْهَبِهِ أَنَّهُ شَرَطَ في الْعِلَّةِ التَّأْثِيرَ حتى لَا تُنْتَقَضَ قُلْت وفي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ في الْأُمِّ ما يَقْتَضِي الْجَوَازَ فإنه قال وَيَسُنُّ سُنَّةً في نَصٍّ مُعَيَّنٍ فَيَحْفَظُهَا حَافِظٌ وَلَيْسَ يُخَالِفُهُ في مَعْنًى وَيُجَامِعُهُ سَنَةً غَيْرَهَا لِاخْتِلَافِ الْحَالَيْنِ فَيَحْفَظُ غَيْرَهُ تِلْكَ السَّنَةَ فإذا أَدَّى كُلَّ ما حَفِظَ رَأَى بَعْضُ السَّامِعِينَ اخْتِلَافًا وَلَيْسَ فيه شَيْءٌ مُخْتَلِفٌ انْتَهَى وَتَرْجَمَ عليه ابن اللَّبَّانِ في تَرْتِيبِ الْأُمِّ جَوَازَ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ وَأَنَّ الْمُنَاسَبَةَ لَا تَبْطُلُ بِالْمُعَارَضَةِ الثَّانِي مَثَّلَ ابن السَّمْعَانِيِّ الْمَسْأَلَةَ بِقَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ في عِلَّةِ الرِّبَا في الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ هو الْوَزْنُ وَجَعَلُوا لِذَلِكَ فُرُوعًا من الْمَوْزُونَاتِ ثُمَّ جَوَّزُوا إسْلَامَ الدَّرَاهِمِ في الزَّعْفَرَانِ وَالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ مع اجْتِمَاعِهَا في الْوَزْنِ فَحَكَمُوا بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ فَانْتَقَضَتْ عِلَّةُ الْوَزْنِ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ لم تَنْتَقِضْ قِيلَ قد نَاقَضَ الشَّافِعِيُّ أَصْلَهُ فإنه قال بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ في مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ الْوَاجِبُ في إتْلَافِ الْمِثْلِ الْمِثْلُ ثُمَّ خَصَّ هذا الْأَصْلَ في الْمُصَرَّاةِ فَأَوْجَبَ عليه في اللَّبَنِ الْمُسْتَهْلَكِ صَاعًا من تَمْرٍ وقال بِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ لِلشِّدَّةِ وَقَاسَ عليها النَّبِيذَ وَلِلْخَمْرِ ثَلَاثَةُ أَحْكَامٍ التَّحْرِيمُ وَالتَّفْسِيقُ وَالْحَدُّ فَطَرَدَ عِلَّتَهُ في
  272. الشَّرْعِ في الْحَدِّ ولم يَطْرُدْهَا في التَّفْسِيقِ فإنه لم تُرَدَّ شَهَادَةُ شَارِبِ النَّبِيذِ ولم يُحْكَمْ بِفِسْقِهِ وَأَيْضًا فإنه خَصَّ عِلَّةَ الرِّبَا في مَسْأَلَةِ الْعَرَايَا وَجَوَّزَ الْعَقْدَ من غَيْرِ وُجُودِ الْمُمَاثَلَةِ كَيْلًا وَكَذَلِكَ خَصَّ ضَمَانَ الْجَنِينِ بِالْغُرَّةِ مع مُخَالَفَةِ سَائِرِ أَجْنَاسِهِ وَكَذَلِكَ الدِّيَةُ على الْعَاقِلَةِ في سَائِرِ الْمَوَاضِعِ وَأَجَابَ بِأَنَّا لَا نُنْكِرُ وُجُودَ مَوَاضِعَ في الشَّرْعِ وَتَخْصِيصَهَا بِأَحْكَامٍ تُخَالِفُ سَائِرَ أَجْنَاسِهَا بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ يَقُومُ في ذلك الْمَوْضِعِ على الْخُصُوصِ كَالْأَمْثِلَةِ الْمَذْكُورَةِ إنَّمَا الْمَمْنُوعُ تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ الْمَعْنَوِيَّةِ وَأَجَابَ الْقَفَّالُ عن الْعَرَايَا بِأَنَّ الْعِلَّةَ في تَحْرِيمِ الْمُزَابَنَةِ الْجَهْلُ الْكَثِيرُ وما أُجِيزَتْ فيه قَلِيلٌ فَتَكُونُ هذه عِلَّةً مُقَيِّدَةً لِعِلَّةِ الرِّبَا مُقَيِّدَةً لِلْجِنْسِ الثَّالِثُ أَنَّ الْمُجَوِّزِينَ لِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ تَمَسَّكُوا بِآيَاتٍ منها قَوْله تَعَالَى قالوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إنَّ له أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ فإن هذه الْعِلَّةَ التي قَصَدُوا بها إطْلَاقَهُ من يَدِ الْعَزِيزِ هِيَ مَوْجُودَةٌ في كل وَاحِدٍ منهم وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لم يَكُنْ في ذِهْنِهِمْ أَنَّ الْعَزِيزَ يَعْرِفُ أُخُوَّتَهُمْ الذي أَخَذُوا الِاحْتِرَازَ من مَحَلِّ النَّقْضِ إنَّمَا هو لِدَفْعِ الْمُعْتَرِضِ بِحَيْثُ لَا يَعْتَرِضُ إلَّا بِحَسَبِ الِاحْتِرَازِ عنه لَفْظًا وَتَكْفِي إرَادَتُهُ فَالْعِلَّةُ أَنَّ له أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا وَأَنَّهُ صَغِيرٌ يَصْدُرُ عليه من الْحُزْنِ ما لَا يَصْدُرُ على أَحَدٍ فَحَذَفَ هذا الْقَيْدَ مع إضْمَارِهِ وَإِنَّ في حَذْفِهِ لَفَائِدَةً جَلِيلَةً إذْ لم يَكُنْ لهم قَصْدٌ في التَّعْرِيفِ بِأُخُوَّتِهِمْ له وَلَوْ صَرَّحُوا له بِذِكْرِ هذا الْقَيْدِ لَفَهِمَ أُخُوَّتَهُمْ له فَتَأَمَّلْ هذا ما أَحْسَنَهُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ما كان لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى من بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لهم أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ الْآيَةَ دَلَّ النَّصُّ على أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ من أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ثُمَّ اعْتَذَرَ عن اسْتِغْفَارِ إبْرَاهِيمَ بِالْوَعْدِ فَدَلَّ على جَوَازِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ على الِامْتِنَاعِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الْأُنْثَيَيْنِ فإنه طَالَبَ الْكُفَّارَ بِبَيَانِ الْعِلَّةِ فِيمَا ادَّعَوْا فيه الْحُرْمَةَ لِأَوْجُهٍ
  273. لَا تَدْفَعُ لهم لِأَنَّهُمْ إذَا أَثْبَتُوا أَحَدَ هذه الْمَعَانِي أَنَّ الْحُرْمَةَ لِأَجْلِهِ انْتَقَضَ بِإِقْرَارِهِمْ بِالْجَوَازِ في الْمَوْضِعِ الْآخَرِ مع وُجُودِ ذلك الْمَعْنَى فيه وَلَوْ كان التَّخْصِيصُ في عِلَلِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ جَائِزًا لَمَا كَانُوا مَحْجُوجِينَ فإنه لَا يَعِزُّ أَنْ يُقَالَ امْتَنَعَ ثُبُوتُهُ هُنَاكَ لِمَانِعٍ الرَّابِعُ مَثَّلَ جَمَاعَةٌ من الْأَئِمَّةِ لِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ بِمَسْأَلَةِ الْعَرَايَا وَإِنَّمَا يَصِحُّ ذلك إنْ قُلْنَا إنَّ تَحْرِيمَ الْمُزَابَنَةِ وَارِدٌ أَوَّلًا وَاسْتَقَرَّ ثُمَّ وَرَدَتْ رُخْصَةُ الْعَرَايَا فَإِنْ قُلْنَا إنَّ النَّهْيَ لم يَتَوَجَّهْ إلَى خُصُوصِ الْعَرَايَا وَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْمُزَابَنَةِ ما سِوَاهَا من بَابِ إطْلَاقِ الْعَامِّ وَإِرَادَةِ الْخَاصِّ فَلَا وَهَذَانِ الِاحْتِمَالَانِ نَصَّ عَلَيْهِمَا الشَّافِعِيُّ في الْأُمِّ وَنَقَلَهُمَا الْبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عن الرَّبِيعِ عنه وَنَقَلَ عن الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قال أَوْلَى الِاحْتِمَالَيْنِ عِنْدِي الثَّانِي وقد يُقَالُ تَرْجِيحُ الثَّانِي يَقْتَضِي مَنْعَ كَوْنِ الْعَرَايَا رُخْصَةً الْخَامِسُ أَنَّ إلْكِيَا الطَّبَرِيَّ قَسَمَ الْمَسْأَلَةَ إلَى قِسْمَيْنِ أَحَدُهُمَا بِحَسَبِ الْمُنَاظَرَةِ وَالْآخَرُ الْمُجْتَهِدُ فَأَمَّا الْمُنَاظَرَةُ إذَا تَوَجَّهَ إلَيْهَا النَّقْضُ فَهَلْ له أَنْ يَقُولَ ثُمَّ لم أَحْكُمْ بِمِثْلِ ما حَكَمْت بِهِ هَاهُنَا لِمَانِعٍ وَيَتَكَلَّفُ عُذْرًا أَمْ لَا يَقْبَلُ ذلك من حَيْثُ إنَّهُ يُنَاقِضُ كَلَامَهُ فَلَزِمَهُ أَنْ يَسْكُتَ فيه خِلَافٌ وَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ فَيَتْبَعُ الْعِلَّةَ الْمُطَّرِدَةَ في مَحَالِّهَا ثُمَّ حَكَى الْخِلَافَ السَّابِقَ السَّادِسُ أَنَّ الْمَانِعِينَ تَعَلَّقُوا بِأَنَّ التَّخْصِيصَ يُؤَدِّي إلَى تَكَافُؤِ الْأَدِلَّةِ على مَعْنَى أَنَّهُ يَجْعَلُ الْمَعْنَى الذي تَعَلَّقَ بِهِ الْمُعَلِّلُ عِلَّةً في ضِدِّ ذلك الْحُكْمِ وَيُجْرِيهِ في كل مَوْضِعٍ إلَّا ما قام دَلِيلُهُ لِأَنَّ نَفْسَ هذا الْمَعْنَى تَعَلَّقَ عليه حُكْمَانِ مُخْتَلِفَانِ جَعَلَ الْمُعَلِّلُ ما خَالَفَ حُكْمَهُ مَخْصُوصًا وما وَافَقَهُ تَعْمِيمًا فما الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ من جَعَلَ ما جَعَلَهُ أَصْلًا مَخْصُوصًا وما جَعَلَهُ مَخْصُوصًا أَصْلًا مِثَالُهُ أَنْ يَقُولَ الْمُعَلِّلُ طَهَارَةٌ تَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ قِيَاسًا على التَّيَمُّمِ فَيُقَالُ بَاطِلٌ بِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ فيقول إنَّهَا مَخْصُوصَةٌ فَتُقْلَبُ عليه فَتَقُولُ طَهَارَةٌ تَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ كَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ لِيُقَالَ بَاطِلٌ بِالتَّيَمُّمِ فيقول ذلك مَخْصُوصٌ فَلَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا أَوْلَى من الْآخَرِ قال الطَّبَرِيُّ وَهَذَا فيه نَظَرٌ فإن الْعِلَّةَ إذَا كانت دَالَّةً على الْحُكْمِ بِإِخَالَتِهَا وَتَأْثِيرِهَا في مَحَلِّ النَّصِّ فَفِيمَا عَدَاهُ لَا يَكُونُ دَلَالَتُهَا من نَاحِيَةِ الِاطِّرَادِ فَقَطْ لَكِنْ من نَاحِيَةِ التَّأْثِيرِ وَالْإِخَالَةِ وَلَا يُتَصَوَّرُ تَنَاقُضُ شَهَادَتِهِمَا حِينَئِذٍ أَمَّا إذَا كانت الدَّلَالَةُ تُتَلَقَّى من الِاطِّرَادِ الْمَحْضِ فَيَتَّجِهُ ادِّعَاءُ التَّكَافُؤِ في بَعْضِ الصُّوَرِ إنْ صَحَّ الْقَوْلُ بِالطَّرْدِ قال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ تَقُولُ لِمَنْ خَصَّ الْعِلَّةَ بِمَا اسْتَنْبَطَ عَامٌّ أو خَاصٌّ إنْ ادَّعَيْت عُمُومَهُ
  274. وَاسْتِغْرَاقَهُ بَطَلَتْ الدَّعْوَى بِالْمُنَاقَضَةِ لَا مَحَالَةَ وَإِنْ لم تَدَّعِ عُمُومَهُ وَقُلْت إنَّهَا عِلَّةٌ في مَحَلٍّ دُونَ مَحَلٍّ فَلَعَلَّهَا عِلَّةٌ في الْأَصْلِ الْمَقِيسِ عليه دُونَ الْفَرْعِ ثُمَّ قال إلْكِيَا من اشْتَرَطَ الِاطِّرَادَ وَمَنْعَ التَّخْصِيصِ فَإِنَّمَا يَشْتَرِطُ اطِّرَادَ كل عِلَّةٍ في فُرُوعِ مَعْلُولَاتِهَا لَا في فُرُوعِ مَعْلُومَاتِ غَيْرِهَا وَهَذَا لَا نِزَاعَ فيه وَإِنَّمَا النِّزَاعُ في عِلَّةٍ جُزْئِيَّةٍ لَا تَطَّرِدُ في فُرُوعِ مَعْلُولَاتِهَا فَلَا يَغْلِبُ على الظَّنِّ كَوْنُهَا عِلَّةً السَّابِعُ أَنَّهُ سَبَقَ في بَابِ الْعُمُومِ تَقْسِيمُ اللَّفْظِ إلَى ما قُصِدَ فيه الْعُمُومُ نَصًّا وَإِلَى ما لَا يُقْصَدُ فيه قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الْبُرْهَانِ في بَابِ التَّرْجِيحِ ما ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ من أَنَّ عِلَّةَ الشَّارِعِ عليه السَّلَامُ لَا تُنْقَضُ مَحْمُولٌ على ما قُصِدَ فيه الْعُمُومُ نَصًّا أَمَّا ما لم يُقْصَدْ فيه ذلك بَلْ قُصِدَ تَنْزِيلُ الْكَلَامِ على مَقْصُودٍ آخَرَ فَهَذَا هو الذي يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ التَّخْصِيصُ مَسْأَلَةٌ اقْتِصَارُ الشَّارِعِ على أَحَدِ الْوَصْفَيْنِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْتَصِرَ الشَّارِعُ على أَحَقِّ الْوَصْفَيْنِ وَيَقُولَ إنَّهُ الْمُسْتَقِلُّ وَيَكُونُ الْحُكْمُ مُتَعَلِّقًا بِوَصْفَيْنِ فإن ذلك خُلْفٌ قَالَهُ إلْكِيَا قال وَأَمَّا غَيْرُ ذلك فَإِنْ صَرَّحَ بِهِ وقال إنَّهُ تَعْلِيلٌ وَلَكِنْ لم أَطَّرِدْهُ في حُكْمٍ خَاصٍّ فقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ إنَّ ذلك مُمْتَنِعٌ فإنه يَكُونُ تَنَاقُضًا منه إلَّا أَنْ يَقُولَ هو دَلَالَةُ الْحُكْمِ دَلَالَةُ الْعُمُومِ وقال غَيْرُهُ يَجُوزُ فإنه لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مُتَضَمِّنًا مَصْلَحَةً في الْمَحَالِّ كُلِّهَا إلَّا في مَحَلٍّ وَاحِدٍ وَصَارَ عِلَّةً كَمِثْلِ ذلك إلَّا حَيْثُ يَعْلَمُ الشَّرْعُ أَنَّهُ لو جَعَلَهُ تَعْلِيلًا لم يَكُنْ مَصْلَحَةً في مَحَلٍّ وَاحِدٍ فَيَكُونُ الْمَحَلُّ كَالزَّمَانِ من جِهَةِ الْوَجْهِ الشَّرْطُ السَّابِعُ الْعَكْسُ وهو انْتِفَاءُ الْحُكْمِ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ وَالْمُرَادُ بِهِ انْتِفَاءُ الْعِلْمِ أو الظَّنِّ بِهِ إذْ لَا يَلْزَمُ من عَدَمِ الدَّلِيلِ عَدَمُ الْمَدْلُولِ وَإِلَى هذا الشَّرْطِ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ أَشَارَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِقَوْلِهِ لَا تَكُونُ الْعِلَّةُ عِلَّةً حتى يُقْبِلَ الْحُكْمُ بِإِقْبَالِهَا وَيُدْبِرَ بِإِدْبَارِهَا وقد اُخْتُلِفَ في كَوْنِهِ شَرْطًا أَمَّا الْعَقْلِيَّةُ فَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ الْإِجْمَاعَ على اشْتِرَاطِ الِاطِّرَادِ وَالِانْعِكَاسِ فيها لَكِنْ ذَهَبَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ عَكْسُهَا وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ
  275. الدِّينِ فقال وَأَمَّا أَصْحَابُنَا فَإِنَّهُمْ أَوْجَبُوا الْعَكْسَ في الْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ وما أَوْجَبُوهُ في الشَّرْعِيَّةِ وَالدَّلِيلُ على عَدَمِ وُجُوبِهِ في الْعَقْلِيَّةِ فَذَكَرَهُ وَنَقَلَ الْقَاضِي بَعْدَ ذلك الِاتِّفَاقَ على عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْعَكْسِ في الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مُنَاقِضٌ لِنَقْلِهِ أَوَّلًا تَوَهُّمًا منه أَنَّ الْأَدِلَّةَ هِيَ الْعِلَلُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فإنه لَا يُشْتَرَطُ في الدَّلِيلِ الِانْعِكَاسُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعِلَلَ الْعَقْلِيَّةَ كَالْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ وَأَخَذَ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ من النَّصِّ السَّابِقِ أَنَّهُ يَرَى أَنَّ الطَّرْدَ وَالْعَكْسَ دَلِيلٌ على صِحَّةِ الْعِلَّةِ فقال وَصَارَتْ الْأَشْعَرِيَّةُ فِيمَا حَكَاهُ ابن اللَّبَّانِ إلَى أَنَّهُ لَا يَدُلُّ على صِحَّتِهَا وَإِنْ كان من شُرُوطِهَا إذَا عَلِمْت ذلك فَاخْتَلَفُوا في الشَّرْعِيِّ على مَذَاهِبَ أَحَدُهَا وَنَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عن ابْنِ أبي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ بَلْ إذَا ثَبَتَ الْحُكْمُ بِوُجُودِهَا صَحَّتْ وَإِنْ لم يَرْتَفِعْ بِعَدَمِهَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بها إثْبَاتُ الْحُكْمِ دُونَ نَفْيِهِ كما يَصِحُّ الْمَعْنَى إذَا اطَّرَدَ ولم يَنْعَكِسْ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ وَأَتْبَاعُهُ وَنَقَلَهُ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ عن أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَالثَّانِي يُعْتَبَرُ كَالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَلِأَنَّ عَدَمَ التَّأْثِيرِ في ارْتِفَاعِهَا دَلِيلٌ على عَدَمِ التَّأْثِيرِ في وُجُودِهَا وقال الْمَاوَرْدِيُّ في بَابِ الرِّبَا إنَّهُ هو الصَّحِيحُ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ في الْمُسْتَنْبَطَةِ دُونَ الْمَنْصُوصَةِ وَالرَّابِعُ وهو الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْغَزَالِيِّ إنْ تَعَدَّدَتْ الْعِلَّةُ فَلَا يُطَالَبُ بِالْعَكْسِ فَإِنَّا نُجَوِّزُ ازْدِحَامَ الْعِلَلِ على حُكْمٍ وَاحِدٍ فَلَا مَطْمَعَ في الْعَكْسِ معه وَكَذَا إذَا اسْتَنَدَ الْحُكْمُ إلَى حَدِيثٍ عَامٍّ وَقِيَاسٍ فَقَدْ لَا يَطَّرِدُ الْقِيَاسُ وَيَطَّرِدُ الْحَدِيثُ فَلَا يُطْلَبُ الْعَكْسُ وَإِنْ اتَّحَدَتْ الْعِلَّةُ فَلَا بُدَّ من عَكْسِهَا لِأَنَّ انْتِفَاءَ الْعِلَّةِ يُوجِبُ انْتِفَاءَ الْحُكْمِ بَلْ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا بُدَّ له من عِلَّةٍ فإذا اتَّحَدَتْ الْعِلَّةُ وَانْتَفَتْ فَلَوْ بَقِيَ الْحُكْمُ لَكَانَ ثَابِتًا بِغَيْرِ سَبَبٍ أَمَّا حَيْثُ تَعَدَّدَتْ الْعِلَّةُ فَلَا يَلْزَمُ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ عِنْدَ انْتِفَاءِ بَعْضِ الْعِلَلِ بَلْ عِنْدَ انْتِفَاءِ جَمِيعِهَا وَأَطَالَ في الِاحْتِجَاجِ لِذَلِكَ قال في الْمَنْخُولِ فَكَأَنَّمَا نَقُولُ شَرْطُ الْعِلَّةِ الِانْعِكَاسُ إلَّا لِمَانِعٍ وقال الْهِنْدِيُّ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيمَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ خِلَافٌ وَنِزَاعٌ لِأَحَدٍ وَبِهِ يَظْهَرُ أَنَّ هذه الْمَسْأَلَةَ فَرْعُ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَلٍ مُخْتَلِفَةٍ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى اشْتِرَاطِ الِانْعِكَاسِ جُمْلَةً أَيْ سَوَاءٌ قُلْنَا بِاتِّحَادِ الْعِلَّةِ أو بِجَوَازِ اجْتِمَاعِهَا وَآخَرُونَ إلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ فقال أَمَّا الْتِزَامُ الْعَكْسِ مع
  276. اتِّحَادِ الْعِلَّةِ وَانْتِفَاءِ تَوْقِيفِ مَانِعٍ فَلَا بُدَّ منه عِنْدَنَا وَالْإِنْصَافُ في ذلك أَنْ يُقَالَ إنَّهُ لَازِمٌ في الِاجْتِهَادِ وَلَا يَحْسُنُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ في الْمُنَاظَرَةِ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في تَدْرِيسِهِ في أُصُولِ الْفِقْهِ ثُمَّ الَّذِينَ اشْتَرَطُوا الْعَكْسَ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ من قال لَا بُدَّ من عَكْسٍ على الْعُمُومِ كما شَرَطْنَا الِاطِّرَادَ عُمُومًا وَمِنْهُمْ من قال وهو الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ يَكْتَفِي بِالْعَكْسِ وَلَوْ في صُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَذَكَرَ ابن الْحَاجِبِ وَالْبَيْضَاوِيُّ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْعَكْسِ مَبْنِيٌّ على مَنْعِ التَّعْلِيلِ لِلْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ فَمَنْ مَنَعَهُ اشْتَرَطَ الْعَكْسَ في الْعِلَّةِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ لِلْحُكْمِ إلَّا دَلِيلٌ وَاحِدٌ فَيَلْزَمُ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ عِنْدَ انْتِقَاءِ دَلِيلِهِ وَهَذَا الْبِنَاءُ أَشَارَ إلَيْهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ وَحَوَّمَ عليه الْآمِدِيُّ وقد يُقَالُ إنَّ من يُجَوِّزُ التَّعْلِيلَ بِعِلَّتَيْنِ لِعِلَّةٍ يَشْتَرِطُ الْعَكْسَ وَيَقُولُ عِنْدَ انْتِفَاءِ وَاحِدَةٍ بِانْتِفَاءِ الْحُكْمِ الْمُضَافِ إلَيْهَا وَذَلِكَ مُتَلَقًّى من الْقَوْلِ بِتَعَدُّدِ الْأَحْكَامِ وَمَنْ لَا يُعَلِّلُ إلَّا بِوَاحِدَةٍ يُجَوِّزُ انْتِفَاءَ الْحُكْمِ وَبَقَاءَهُ لَا بِعِلَّةٍ أَصْلًا بَلْ عن دَلِيلٍ من الشَّرْعِ تَعَبُّدِيٍّ فلم يَكُنْ انْتِفَاءُ الْعِلَّةِ الْوَاحِدَةِ مُسْتَلْزِمًا لِانْتِفَاءِ الْحُكْمِ وقال ابن الْمُنِيرِ حَيْثُ قُلْنَا بِامْتِنَاعِ تَعَدُّدِ الْعِلَلِ وَإِنَّ الْعَكْسَ لَازِمٌ فَلَا نَعْنِي بِلُزُومِهِ ما أَرَادَهُ مُشْتَرِطُوهُ بَلْ نَقُولُ من الزُّهُوقِ حُكْمًا بِعِلَّةٍ فَقِيلَ له قد وَجَدَ الْحُكْمَ في صُورَةِ كَذَا بِدُونِ هذا الْوَصْفِ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ لَا ضَيْرَ لِأَنَّ الْعِلَّةَ عِنْدِي إمَّا الْوَصْفُ الذي ذَكَرْته أو أَمْرٌ صَادِقٌ على الْوَصْفِ صِدْقًا لِلْعَامِّ على الْخَاصِّ وَأَيًّا ما كان حَصَلَ الْغَرَضُ من صِدْقِ الْعِلَّةِ على الْوَصْفِ لِأَنَّهُ إنْ كان عِلَّةً بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ أَحَدَ وَصْفَيْنِ يَصْدُقُ على كُلٍّ مِنْهُمَا عِلَّةٌ فَقَدْ صَدَقَ الْعِلَّةُ على هذا الْوَصْفِ فَحَصَلَ الْغَرَضُ وَإِنْ كان الْحُكْمُ ثَابِتًا في صُورَةٍ أُخْرَى بِدُونِ هذا الْوَصْفِ وَهَذَا كَشَفَ الِاضْطِرَابَ في هذه الْمَسْأَلَةِ فإن الَّذِينَ اشْتَرَطُوا الْعَكْسَ فَهِمُوا أَنَّهُ من لَوَازِمِ وُجُودِ الْعِلَّةِ وَلَكِنْ وَهَمُوا في اعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الْوَصْفَ مَهْمَا صَدَقَ عليه الْعِلَّةُ لَزِمَ أَنْ يَنْتَفِيَ الْحُكْمُ عِنْدَ انْتِفَائِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً صَدَقَ الْعِلَّةُ عليه كما يَصْدُقُ الْعَامُّ على الْخَاصِّ فَلَا يَلْزَمُ من نَفْيِ الْخَاصِّ نَفْيُ الْعَامِّ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُوجَدَ الْعَامُّ بِوُجُودِ خَاصٍّ آخَرَ وَإِنْ لَزِمَ من وُجُودِ الْخَاصِّ وُجُودُ الْعَامِّ نعم يَلْزَمُ من نَفْيِ الْوَصْفِ نَفْيُ الْحُكْمِ إذَا كان صَدَقَ الْعِلَّةُ عليه بِمَعْنَى أَنَّهُ هو الْعِلَّةُ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ هذا الْوَصْفَ وَهَذَا إنَّمَا يَتَحَقَّقُ إذَا عُرِفَ الْوَصْفُ وَاَلَّذِينَ لم يَشْتَرِطُوا الْعَكْسَ فَهِمُوا أَنَّ بَعْضَ الْأَوْصَافِ الْمُتَّفَقِ على عِلِّيَّتِهَا يَنْتَفِي مع ثُبُوتِ الْحُكْمِ فَاعْتَقَدُوا الْعَكْسَ لَغْوًا بِالْكُلِّيَّةِ وَفَاتَهُمْ أَنَّ الْعَكْسَ ما ثَبَتَ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْعِلَّةِ وَإِنَّمَا ثَبَتَ عِنْدَ
  277. انْتِفَاءِ وَصْفٍ يَصْدُقُ عليه الْعِلَّةُ صِدْقَ الْعَامِّ على الْخَاصِّ فلم يَلْزَمْ من نَفْيِ الْخَاصِّ نَفْيُ الْعَامِّ وهو الْعِلَّةُ نعم لو انْتَفَى ذلك الْعَامُّ وهو الْعِلَّةُ بِانْتِفَاءِ جَمِيعِ الْخَاصِّ لَزِمَ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ قَطْعًا ثُمَّ قال وَالْعَكْسُ على الْمُخْتَارِ عِنْدِي عِبَارَةٌ عن نَفْيِ الْحُكْمِ عِنْدَ نَفْيِ الْعِلَّةِ وَعَلَى مُخْتَارِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ النَّفْيُ عِلَّةٌ لِلنَّفْيِ وَالسَّبَبُ في هذا الِاخْتِلَافِ أَنَّ بَعْضَ الْعِلَلِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيُهُ وُجُودَ عِلَّةٍ أُخْرَى مُشْعِرَةٍ بِالنَّقْضِ فَيَظُنُّ الظَّانُّ أَنَّ ذلك لِارْتِبَاطٍ بين النَّفْيِ وَالنَّفْيُ ليس كَذَلِكَ الشَّرْطُ الثَّامِنُ أَنْ تَكُونَ أَوْصَافُهُمَا مُسَلَّمَةً أو مَدْلُولًا عليها وإذا نُوزِعَ الْمُعَلِّلُ في وَصْفِ الْعِلَّةِ جَازَ له أَنْ يَدُلَّ على صِحَّتِهِ إنْ كان مُجِيبًا وَلَيْسَ لِلسَّائِلِ إنْ نُوزِعَ وَصْفُ الْعِلَّةِ أَنْ يَدُلَّ على صِحَّتِهِ الشَّرْطُ التَّاسِعُ أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ الْمَقِيسُ عليه مُعَلَّلًا بِالْعِلَّةِ التي تَعَلَّقَ عليها الْحُكْمُ في الْفَرْعِ بِنَصٍّ أو إجْمَاعٍ ذَكَرَهُ وما قَبْلَهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وقال وَاخْتَلَفُوا في أَنَّهُ هل يَجِبُ أَنْ تَكُونَ عِلَّةُ الْفَرْعِ عِلَّةَ الْأَصْلِ أَمْ لَا فقال أَصْحَابُنَا إنْ كان حُكْمُ الْأَصْلِ ثَبَتَ بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَاسَ عليه الْفَرْعُ إلَّا بِتِلْكَ الْعِلَّةِ وَإِنْ كان قد ثَبَتَ في الْأَصْلِ بِنَصٍّ أو إجْمَاعٍ قِيسَ عليه الْفَرْعُ بِعِلَّةٍ مُسْتَخْرَجَةٍ بِالِاجْتِهَادِ فَأَمَّا إلْحَاقُ الْفَرْعِ بِأَصْلِهِ بِعِلَّةٍ لم يَتَعَلَّقْ بها الْحُكْمُ في الْأَصْلِ الْمَعْلُولِ فَغَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَنَا خِلَافًا لِأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَلِهَذَا قالوا في رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ على عَبْدٍ في يَدِ الْآخَرِ أَنَّهُ وَهَبَهُ له وَأَقْبَضَهُ وَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً على أَنَّهُ بَاعَهُ منه ولم تُؤَرَّخْ الْبَيِّنَتَانِ أَنَّ بَيِّنَةَ الْمُشْتَرِي أَدَلُّ لِأَنَّ عَدَمَ التَّأْرِيخِ في الْعَقْدَيْنِ يُوجِبُ عِنْدَهُمْ وُقُوعَهُمَا مَعًا في الْحُكْمِ وَمَتَى وَقَعَا سَبَقَ وُقُوعُ الْمِلْكِ بِالشِّرَاءِ الْمِلْكَ بِالْهِبَةِ لِأَنَّ الشِّرَاءَ يُوجِبُ الْمِلْكَ بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَالْهِبَةُ لَا تُوجِبُهُ إلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ فَهَذِهِ الْعِلَّةُ عِنْدَهُمْ تُوجِبُ الْحُكْمَ بِالْبَيْعِ دُونَ الْهِبَةِ ثُمَّ قالوا لو أَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ على الرَّهْنِ وَالْآخَرُ على الْهِبَةِ وَشَهِدَتْ الشَّهَادَتَانِ على الْقَبْضِ كان الرَّهْنُ أَوْلَى من الْهِبَةِ لِأَنَّهُمَا قد تَسَاوَيَا في أَنَّ شَرْطَ كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْقَبْضَ وَالرَّهْنَ يُشْبِهُ الْبَيْعَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا من ضَمَانِ الدَّيْنِ وَالثَّمَنِ فَقَاسُوا الرَّهْنَ على الْبَيْعِ بِعِلَّةٍ غَيْرِ الْعِلَّةِ التي أَوْجَبَتْ كَوْنَ الْبَيْعِ أَوْلَى من الْهِبَةِ وقال ابن الْقَطَّانِ الْعِلَّةُ في الْفَرْعِ لَيْسَتْ هِيَ الْعِلَّةَ في الْأَصْلِ بَلْ مِثْلُهَا الشَّرْطُ الْعَاشِرُ أَنْ لَا تَكُونَ في الْفَرْعِ مُوجِبَةً حُكْمًا وفي الْأَصْلِ حُكْمًا
  278. آخَرَ غَيْرَهُ كَاعْتِلَالِ من قال لَا زَكَاةَ في مَالِ الصَّبِيِّ قِيَاسًا على سُقُوطِ الْجِزْيَةِ عن أَمْوَالِهِمْ بِعِلَّةِ الصِّغَرِ وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ الْمُرَادَ من الْعِلَّةِ الْجَمْعُ بين الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ في الْحُكْمِ الْوَاحِدِ وإذا كان حُكْمُهَا في الْفَرْعِ غير حُكْمِهَا في الْأَصْلِ خَرَجَتْ عن أَنْ تَكُونَ عِلَّةً الْحَادِيَ عَشَرَ أَنْ لَا تُوجِبَ ضِدَّيْنِ بِأَنْ تَنْقَلِبَ على الْمُعَلَّلِ في ضِدِّ حُكْمِهَا لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ شَاهِدَةٌ بِحُكْمَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ كَالشَّاهِدَيْنِ إذَا شَهِدَا لِلْمُدَّعِي بِدَعْوَاهُ وَشَهِدَا لِلْمُدَّعَى عليه بِبَرَاءَتِهِ من دَعْوَى الْمُدَّعِي تَبْطُلُ شَهَادَتُهُمَا جميعا فَلِذَلِكَ تَبْطُلُ شَهَادَةُ الْعِلَّةِ لِلْحُكْمَيْنِ الْمُتَضَادَّيْنِ هَكَذَا قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وقال ابن الْقَطَّانِ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ الْعِلَّةَ يَجُوزُ أَنْ تَدُلَّ على الضِّدَّيْنِ كما يَدُلُّ وُجُودُ الْحَرَكَةِ على حَرَكَةِ الْجِسْمِ وَعَلَى أنها إذَا عَدِمَتْ عَدِمَتْ الْحَرَكَةَ ثُمَّ خَالَفَهُ أبو الْحُسَيْنِ لِأَنَّ الْأَصْلَ إذَا كان مَثَلًا الْوَاطِئُ في رَمَضَانَ فَفِيهِ كَفَّارَةٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُوجَدَ منه دَلَالَةُ الْكَفَّارَةِ وَأَنْ لَا كَفَّارَةَ الثَّانِيَ عَشَرَ أَنْ لَا يَتَأَخَّرَ ثُبُوتُهَا عن ثُبُوتِ الْأَصْلِ خِلَافًا لِقَوْمٍ كما يُقَالُ فِيمَا أَصَابَهُ عَرَقُ الْكَلْبِ أَصَابَهُ عَرَقُ حَيَوَانٍ نَجِسٍ فَيَكُونُ نَجِسًا كَلُعَابِهِ فَيَمْنَعُ كَوْنَ عَرَقِ الْكَلْبِ نَجِسًا فَيُقَالُ لِأَنَّهُ مُسْتَقْذَرٌ فإن اسْتِقْذَارَهُ إنَّمَا يَحْصُلُ بَعْدَ الْحُكْمِ بِنَجَاسَتِهِ فَكَانَ كما يُعَلَّلُ سَلْبُ الْوِلَايَةِ عن الصَّغِيرَةِ بِالْجُنُونِ الْعَارِضِ لِلْوَلِيِّ لنا لو تَأَخَّرَتْ الْعِلَّةُ بِمَعْنَى الْبَاعِثِ عن الْحُكْمِ لَثَبَتَ الْحُكْمُ بِغَيْرِ بَاعِثٍ وهو مُحَالٌ وَإِنْ جَعَلْنَا الْعِلَّةَ بِمَعْنَى الْأَمَارَةِ لَزِمَ تَعْرِيفُ الْمُعَرَّفِ وَحَكَى الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ عن بَعْضِ أَصْحَابِنَا تَجْوِيزَ كَوْنِ وَصْفِ الْعِلَّةِ مُتَأَخِّرًا عن حُكْمِهَا فَاعْتَلَّ في إسْقَاطِ الزَّكَاةِ عن الْخَيْلِ بِالِاخْتِلَافِ في جَوَازِ أَكْلِهِ قِيَاسًا على الْحَمِيرِ قال وَهَذَا اعْتِلَالٌ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْخِلَافَ في إبَاحَةِ لُحُومِ الْخَيْلِ إنَّمَا حَدَثَ بَعْدَ وَفَاةِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَالزَّكَاةُ فِيمَا فيه الزَّكَاةُ إنَّمَا وَجَبَتْ في حَيَاتِهِ وَكَذَلِكَ سُقُوطُهَا عَمَّا سَقَطَتْ عنه الزَّكَاةُ كان في حَيَاتِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ عِلَّةُ سُقُوطِهَا عن شَيْءٍ مُتَأَخِّرَةً عن سُقُوطِهَا عنه وقال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ اخْتَلَفُوا في الْعِلَّةِ الْمُتَأَخِّرَةِ عن الْحُكْمِ هل يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فقال قَوْمٌ من أَهْلِ الْعِرَاقِ يَجُوزُ وَعَلَّلُوا طَهَارَةَ جِلْدِ الْكَلْبِ بِالدِّبَاغِ كَالْكَلْبِ قال وَمِنْهُمْ من مَنَعَ ذلك وهو قَوْلُنَا وَقَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ يَكُنْ له دَلِيلٌ
  279. لم يَجُزْ قال الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ بِعِلَّةٍ مُتَأَخِّرَةٍ عنه في الْوُجُودِ وَقِيلَ بِجَوَازِهِ وهو الْحَقُّ إنْ أُرِيدَ بِالْعِلَّةِ الْعُرْفُ لِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ تَأْخِيرُ الْمُعَرَّفِ فَإِنْ أُرِيدَ بها الْمُوجِبُ وَالْبَاعِثُ فَلَا لَكِنْ قد تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعْلِيلُ حُكْمُ الْأَصْلِ بِالْأَمَارَةِ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَجُوزَ تَعْلِيلُ حُكْمِ الْأَصْلِ بِالْعِلَّةِ الْمُتَأَخِّرَةِ عنه في الْوُجُودِ لَكَانَ لَا لِكَوْنِهَا مُتَأَخِّرَةً بَلْ لِكَوْنِهَا لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُعَرِّفَةً وَأَمَّا في غَيْرِهِ فَيَجُوزُ الثَّالِثَ عَشَرَ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ مُعَيَّنًا لِأَنَّ رَدَّ الْفَرْعِ إلَيْهَا لَا يَصِحُّ إلَّا بِهَذِهِ الْوَاسِطَةِ فَلَوْ اُدُّعِيَ عليه شَيْءٌ مُشْتَرَكٌ مُبْهَمٌ بين الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ لم يُقْبَلْ منه إلَّا عِنْدَ بَعْضِ الْجَدَلِيِّينَ الرَّابِعَ عَشَرَ أَنْ يَكُونَ طَرِيقُ إثْبَاتِهَا شَرْعِيًّا كَالْحُكْمِ ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ في جَدَلِهِ الْخَامِسَ عَشَرَ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ وَصْفًا مُقَدَّرًا خِلَافًا لِلرَّازِيِّ قال الْهِنْدِيُّ ذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِالصِّفَاتِ الْمُقَدَّرَةِ خِلَافًا لِلْأَقَلِّينَ من الْمُتَأَخِّرِينَ كَقَوْلِنَا جَوَازُ التَّصَرُّفَاتِ نحو الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ مُعَلَّلٌ بِالْمِلْكِ وَلَا وُجُودَ له في نَظَرِ الْعَقْلِ وَالْحِسِّ فَيُقَدَّرُ له وُجُودٌ في نَظَرِ الشَّرْعِ لِئَلَّا يَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مُعَلَّلًا بِمَا لَا وُجُودَ له حَقِيقَةً وَلَا تَقْدِيرًا فَيَكُونُ عَدَمًا مَحْضًا وَنَفْيًا صِرْفًا وهو مُمْتَنِعٌ فَنَقُولُ الْمِلْكُ مَعْنًى مُقَدَّرٌ شَرْعِيٌّ في الْمَحَلِّ أَثَرُهُ جَوَازُ التَّصَرُّفَاتِ وَغَيْرِهَا قُلْت وَكَتَعْلِيلِ الْعِتْقِ عن الْغَيْرِ بِتَقْدِيرِ الْمِلْكِ هذا إذَا قِيلَ بِالْمُقَدَّرَاتِ فإن الْإِمَامَ فَخْرَ الدِّينِ أَنْكَرَ وُجُودَهَا في الشَّرْعِ قال ليس الْوَلَاءُ لِلْمُعْتَقِ عنه بِتَقْدِيرِ الْمِلْكِ له وَأُنْكِرَ تَقْدِيرُ الْأَعْيَانِ في الذِّمَّةِ قال صَاحِبُ التَّنْقِيحِ وَهَذَا بَعِيدٌ فإنه لَا يَكَادُ يُوجَدُ بَابٌ من أَبْوَابِ الْفِقْهِ يَعْرَى عنها أَلَا تَرَى أَنَّهُ لو أَسْلَمَ على إرْدَبِّ قَمْحٍ صَحَّ الْعَقْدُ مع أَنَّهُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُقَدَّرًا في الذِّمَّةِ وَإِلَّا لَكَانَ عَقْدًا بِلَا مَعْقُودٍ عليه وَكَذَا إذَا بَاعَهُ بِلَا ثَمَنٍ وَكَذَلِكَ الْإِجَارَةُ لَا بُدَّ من تَقْدِيرِ مَنَافِعَ في الْأَعْيَانِ حتى يَصِحَّ أَنْ يَكُونَ مُورِدًا لِلْعَقْدِ وَكَذَلِكَ الْوَقْفُ وَالْعَارِيَّةُ لَا بُدَّ من تَخَيُّلِ ذلك فيها وَكَذَلِكَ الصُّلْحُ على الدَّيْنِ وَغَيْرِهِ وَلَا بُدَّ من تَخَيُّلِ ذلك عليه وإذا لم يُقَدَّرْ الْمِلْكُ لِلْمُعْتَقِ عنه كَيْفَ يَصِحُّ الْقَوْلُ بِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ من الْكَفَّارَةِ التي عَتَقَ عنها فَكَيْفَ يَكُونُ له الْوَلَاءُ في غَيْرِ عَبْدٍ يَمْلِكُهُ مُحَقَّقًا فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ مُقَدَّرًا
  280. وَالتَّصْوِيرُ في هذا الْبَابِ كَثِيرٌ السَّادِسَ عَشَرَ أَنْ لَا يَكُونَ عَدَمًا في الْحُكْمِ الثُّبُوتِيِّ عِنْدَ الْإِمَامِ الرَّازِيَّ وَغَيْرِهِ وَخَالَفَهُ الْآمِدِيُّ وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَجُوزُ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ الْعَدَمِيِّ بمثله وَالْعَدَمِيِّ بِالْوُجُودِيِّ بِلَا خِلَافٍ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا في تَعْلِيلِ الْوُجُودِيِّ بِالْعَدَمِيِّ على قَوْلَيْنِ فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْمُتَقَدِّمِينَ منهم الْقَاضِي أبو بَكْرٍ الطَّيِّبُ الطَّبَرِيُّ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وأبو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ إلَى الْجَوَازِ لِأَنَّ لَا مَعْنَى لِلْعِلَّةِ إلَّا الْمُعَرِّفُ وهو غَيْرُ مُنَافٍ لِلْعَدَمِ وَمِثَالُهُ عِلَّةُ تَحْرِيمِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَدَمُ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ وَذَهَبَ الْقَاضِي أبو حَامِدٍ الْمَرْوَرُوذِيُّ كما قَالَهُ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في التَّبْصِرَةِ إلَى الْمَنْعِ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِوُجُودِ مَعْنًى يَقْتَضِي ثُبُوتَهُ وَالنَّفْيُ عَدَمُ مَعْنًى فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوجِبَ الْحُكْمَ وَالْأَوَّلُونَ يَقُولُونَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مُنَاسِبًا وَلِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِالْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ وَمِنْ حُجَّةِ الْمَانِعِ أَنَّ الْعِلَّةَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَنْشَأً لِلْحِكْمَةِ كَالسَّرِقَةِ الْمَنْصُوبَةِ عِلَّةً لِلْقَطْعِ فَإِنَّهَا مَنْشَأُ الْحِكْمَةِ إذْ كَوْنُهَا جِنَايَةً وَمَفْسَدَةً إنَّمَا نَشَأَ من ذَاتِهَا لَا من خَارِجٍ عنها وَهَذَا مُنَازَعٌ فيه فإن الْعِلَّةَ لَا يُشْتَرَطُ فيها ذلك بَلْ يَكْفِي كَوْنُهَا أَمَارَةً على الْحِكْمَةِ وَحِينَئِذٍ فَالْعَدَمُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ أَمَارَةً عليها وقد سَاعَدَ الْخَصْمَ على جَوَازِ تَعْلِيلِ الْعَدَمِ بِالْعَدَمِ وهو اعْتِرَافٌ منه بِإِمْكَانِ جَعْلِ الْعَدَمِ أَمَارَةً وإذا أَمْكَنَ ذلك في طَرَفِ الْعَدَمِ أَمْكَنَ في الطَّرَفِ الْآخَرِ لِأَنَّ الظُّهُورَ لَا يَخْتَلِفُ وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ أَنْكَرَهُ قَوْمٌ في الْعَقْلِيَّاتِ وَالشَّرْعِيَّاتِ وَجَوَّزَهُ آخَرُونَ فِيهِمَا جميعا قال وَفَصَّلَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا فَجَوَّزَهُ في الشَّرْعِيَّاتِ دُونَ الْعَقْلِيَّاتِ وقد قال الشَّافِعِيُّ فِيمَا رَدَّ على الْعِرَاقِيِّينَ في خَرَاجِ الْبَيْعِ من غَلَّةٍ وَثَمَرَةٍ وَوَلَدٍ إنَّ ذلك كُلَّهُ مِمَّا لم يَقَعْ عليه صَفْقَةُ الْبَيْعِ وقال الْمُزَنِيّ في إبَاحَةِ الْقَصْرِ لِمَنْ لم يَكُنْ عَزَمَ على الْمُقَامِ وقال إلْكِيَا إنْ كان الْحُكْمُ من قَبِيلِ الْأَحْكَامِ الْجُزْئِيَّةِ الْمَبْنِيَّةِ على الْأُصُولِ تَطَرَّقَ الْقِيَاسُ إلَيْهِ من جِهَتَيْ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ كَقَوْلِنَا لَا كَفَّارَةَ على الْأَكْلِ وَلَا على من أَفْطَرَ ظَنًّا وَإِنْ أَمْكَنَ تَلَقِّيه من أَمَارَةٍ غَيْرِ الْقِيَاسِ لم يَمْتَنِعْ تَلَقِّيه من الْقِيَاسِ وقال الْهِنْدِيُّ الْحُكْمُ وَالْعِلَّةُ إمَّا أَنْ يَكُونَ ثُبُوتِيَّيْنِ كَثُبُوتِ الرِّبَا لِعِلَّةِ الطُّعْمِ أو عَدَمِيَّيْنِ كَعَدَمِ صِحَّةِ الْبَيْعِ لِعَدَمِ الرِّضَا وَهَذَانِ الْقِسْمَانِ لَا نِزَاعَ فِيهِمَا هَكَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ وَفِيهِ نَظَرٌ فإن من يَجْعَلُ الْعِلَّةَ ثُبُوتِيَّةً يَنْبَغِي أَنْ لَا يُجَوِّزَ قِيَاسَهَا بِالْعَدَمِ سَوَاءٌ كان عِلَّةُ الْحُكْمِ الثُّبُوتِيَّ أو الْعَدَمِيَّ وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ ثُبُوتِيَّةً وَالْحُكْمُ عَدَمِيًّا كَعَدَمِ
  281. وُجُوبِ الزَّكَاةِ لِثُبُوتِ الدَّيْنِ وَهَذَا الْقِسْمُ تُسَمِّيهِ الْفُقَهَاءُ تَعْلِيلًا بِالْمَانِعِ وهو مَبْنِيٌّ على جَوَازِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ وَاخْتَلَفُوا في أَنَّهُ هل من شَرْطِ وُجُودِ الْمُقْتَضَى أَمْ لَا وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ عَدَمِيَّةً وَالْحُكْمُ ثُبُوتِيًّا كَاسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ لِعَدَمِ الْفَسْخِ في زَمَانِ الْخِيَارِ وَهَذَا مَوْضِعُ الْخِلَافِ وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ الْجَوَازِ انْتَهَى وَمِمَّنْ اخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وابن الْحَاجِبِ وَصَاحِبُ التَّنْقِيحِ وَالْإِمَامُ في الْمَعَالِمِ وَاخْتَارَ في الْمَحْصُولِ الْجَوَازَ وقال في الرِّسَالَةِ الْبَهَائِيَّةِ إنْ كان الْوَصْفُ ضَابِطًا لِحِكْمَةِ مَصْلَحَةٍ يَلْزَمُ حُصُولُ الْمَفْسَدَةِ عِنْدَ ارْتِفَاعِهَا كان عَدَمُ ذلك الْوَصْفِ ضَابِطًا لِتِلْكَ الْمَفْسَدَةِ فَيَكُونُ ذلك الْعَدَمُ مُنَاسِبًا لِلْحُرْمَةِ وقال ابن الْمُنِيرِ الْمُخْتَارُ أَنَّ النَّفْيَ لَا يَكُونُ عِلَّةً لِلْحُكْمِ الثُّبُوتِيِّ وَلَا لِلنَّفْيِ لِأَنَّ النَّفْيَ الْمَفْرُوضَ عِلَّتُهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّفْيَ الْمُطْلَقَ بِاتِّفَاقٍ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ نَفْيًا مُضَافًا إلَى أَمْرٍ وَذَلِكَ الْأَمْرُ إنْ كان مَنْشَأَ مَصْلَحَةٍ اسْتَحَالَ أَنْ يُعَلَّلَ بِنَفْيِهِ حُكْمٌ ثُبُوتِيٌّ إذْ عَدَمُ الْمَصْلَحَةِ لَا يَكُونُ عِلَّةً في الْحُكْمِ وَإِنْ كان مَنْشَأَ مَفْسَدَةٍ فَهُوَ مَانِعٌ وَنَفْيُ الْمَانِعِ لَا يَكُونُ عِلَّةً وَإِنْ كانت الْعِلَّةُ بِمَعْنَى الْمُعَرِّفِ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْعَدَمُ عِلَّةً لِلْوُجُودِ وَإِنْ كان الْمُرَادُ جَمِيعَ ما يَتَوَقَّفُ عليه الشَّيْءُ جَازَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ أَجْزَاءِ الْعِلَّةِ أَمْرًا عَدَمِيًّا بِدَلِيلِ أَنَّ وُجُودَ الضِّدِّ في الْمَحَلِّ يَقْتَضِي عَدَمَ الضِّدِّ الْآخَرِ في الْمَحَلِّ فَقَدْ صَارَ الْعَدَمُ جُزْءًا من الْعِلَّةِ وَلَكِنْ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ أَجْزَائِهَا عَدَمِيًّا لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِ الْعَدَمِ الصِّرْفِ عِلَّةً لِلْأَمْرِ الْوُجُودِيِّ وَالْعِلْمِ بِهِ وَإِنْ كان الْمُرَادُ بِالْعِلَّةِ هو الْمَعْنَى الْمَوْجُودُ اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ من أَجْزَائِهِ عَدَمِيًّا لِأَنَّ الْعَدَمَ لَا يَكُونُ جُزْءًا من الْعِلَّةِ الْمُعَيَّنَةِ الْمَوْجُودَةِ وَالْعِلْمُ بِهِ ضَرُورِيٌّ تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ قال بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ التَّحْقِيقُ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ لَا يُتَصَوَّرُ لِأَنَّهُ إنْ كان في الْعَدَمِ الْمَحْضِ الذي ليس فيه إضَافَةٌ إلَى شَيْءٍ فَلَا يُعَلَّلُ بِهِ قَطْعًا وَإِنْ كان في الْأَعْدَامِ الْمُضَافَةِ فَيَصِحُّ أَنْ يُعَلَّلَ بها قَطْعًا كما تَكُونُ شُرُوطًا خُصُوصًا في الشَّرْعِيَّةِ فَهِيَ أَمَارَاتٌ فَلْيُتَأَمَّلْ وَجَعَلَ النَّصِيرُ الطُّوسِيُّ في شَرْحِ التَّحْصِيلِ الْخِلَافَ في الْعَدَمِ الْمُقَيَّدِ كما يُقَالُ عَدَمُ الْمَالِ عِلَّةُ الْفَقْرِ أَمَّا الْمُطْلَقُ فَلَا يُعَلَّلُ وَلَا يُعَلَّلُ بِهِ قَطْعًا الثَّانِي أَنَّ الْخِلَافَ يَجْرِي في الْجُزْءِ أَيْضًا فَالْمَانِعُونَ اشْتَرَطُوا أَنْ لَا يَكُونَ الْعَدَمُ جُزْءًا من الْعِلَّةِ كما يَكُونُ كُلًّا وَالْمُجَوِّزُونَ في الْكُلِّ جَوَّزُوهُ في الْجُزْءِ
  282. الثَّالِثُ لو وَرَدَ من الشَّرْعِ لَفْظٌ يَدُلُّ بِظَاهِرِهِ على ثُبُوتِ تَعْلِيلِ الثُّبُوتِ بِالْعَدَمِ نَحْوُ أُثْبِتَ حُكْمٌ بهذا الْعَدَمِ كَذَا فقال الْبَزْدَوِيُّ وهو من الْمَانِعِينَ يَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُ اللَّفْظِ وَحَمْلُهُ على غَيْرِ التَّعْلِيلِ من تَأْقِيتٍ أو غَيْرِهِ جَمْعًا بين الدَّلِيلَيْنِ وَرُدَّ عليه بِأَنَّ التَّعْلِيلَ عِنْدَهُ عِبَارَةٌ عن نَصْبِ الْأَمَارَةِ خَاصَّةً فإذا حُمِلَ الْكَلَامُ على التَّأْقِيتِ رَجَعَ إلَى الْأَمَارَةِ فَكَأَنَّهُ فَرَّ من التَّعْلِيلِ فَوَقَعَ في التَّعْلِيلِ فَرْعَانِ أَحَدُهُمَا الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْعَدَمَ لَا يُعَلَّلُ قالوا إنَّ الْمَعْدُومَ وَالْمَوْجُودَ رُتْبَةٌ ثَالِثَةٌ وَهِيَ النِّسَبُ وَالْإِضَافَاتُ وَجَوَّزُوا التَّعْلِيلَ بها وَقَالُوا ليس من شُرُوطِ الْعِلَّةِ أَنْ يَكُونَ أَمْرًا وُجُودِيًّا بَلْ من شُرُوطِهَا أَلَّا تَكُونَ عَدَمِيَّةً ثُمَّ تَارَةً تَكُونُ أَمْرًا وُجُودِيًّا وَتَارَةً تَكُونُ أَمْرًا مَعْلُومًا من قَبِيلِ النِّسَبِ وَالْإِضَافَاتِ وَبِهِ يَظْهَرُ الْمَعْنَى في قَوْلِهِمْ أَنْ لَا يَكُونَ عَدَمِيًّا ولم يَقُولُوا أَنْ يَكُونَ وُجُودِيًّا وَمِثَالُهُ قَوْلُنَا الْبُنُوَّةُ مُقَدَّمَةٌ على الْأُبُوَّةِ وَهَذَا عِلَّةُ الْمِيرَاثِ وَهُمَا إضَافِيَّانِ ذِهْنِيَّانِ لَا وُجُودَ لَهُمَا في الْأَعْيَانِ وقد اُخْتُلِفَ في التَّعْلِيلِ بِهِ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَالْحَقُّ ابْتِنَاءُ هذا الْخِلَافِ على أَنَّ الْإِضَافِيَّاتِ من الْأُمُورِ الْعَدَمِيَّةِ أو الْوُجُودِيَّةِ فَإِنْ قُلْنَا عَدَمِيَّةٌ فَالْكَلَامُ فيه كما سَبَقَ في الْعَدَمِيِّ وَإِنْ قُلْنَا وُجُودِيَّةٌ فَهِيَ كَالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لِأَنَّهُ ليس فيه مَعْنًى مُنَاسِبٌ فَهُوَ عِلَّةٌ بِمَعْنَى الْأَمَارَةِ الثَّانِي الْوَصْفُ التَّقْدِيرِيُّ هو كَالْعَدَمِيِّ لِأَنَّهُ مَعْدُومٌ في الْخَارِجِ وَإِنَّمَا قُدِّرَ له وُجُودٌ لِلضَّرُورَةِ فِيمَا يُخْرِجُهُ عن كَوْنِهِ عَدَمِيًّا تَعْلِيلُ ثُبُوتِ الْوَلَاءِ لِمُعْتَقٍ عنه بِتَقْدِيرِ ثُبُوتِ الْمِلْكِ له وَتَوْرِيثُ الدِّيَةِ بِتَقْدِيرِ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لِلْمَقْتُولِ قبل مَوْتِهِ في الزَّمَنِ الْفَرْدِ فإنه حَيٌّ لَا يَسْتَحِقُّهَا وما لَا يَمْلِكُ لَا يُورَثُ عنه وَالْمِلْكُ بَعْدَ الْمَوْتِ مُحَالٌ فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الْمِلْكِ قبل الزُّهُوقِ وَالْخِلَافُ فيه أَضْعَفُ من الْخِلَافِ في الْعَدَمِيِّ تَنْبِيهٌ امْتِنَاعُ الشَّيْءِ مَتَى دَارَ اسْتِنَادُهُ إلَى عَدَمِ الْمُقْتَضَى أو وُجُودِ الْمَانِعِ كان اسْتِنَادُهُ إلَى عَدَمِ الْمُقْتَضَى أَوْلَى لِأَنَّا لو أَسْنَدْنَاهُ إلَى وُجُودِ الْمَانِعِ لَكَانَ الْمُقْتَضَى قد وُجِدَ وَتَخَلَّفَ أَثَرُهُ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ وَهَذَا كَتَعْلِيلِهِمْ عَدَمَ صِحَّةِ بَيْعِ الصَّبِيِّ بِعَدَمِ التَّكْلِيفِ أَوْلَى من التَّعْلِيلِ بِالصِّبَا وَفِيهِ الْخِلَافُ في تَعْلِيلِهِمْ مَنْعَ إطْلَاقِهِمْ كَافِرٌ على من أَسْلَمَ بِاعْتِبَارِ ما كان عليه فقال الْجُمْهُورُ لِوُجُودِ الْمَانِعِ الشَّرْعِيِّ وقال ابن الْحَاجِبِ لِعَدَمِ الْمُقْتَضَى وهو
  283. عَدَمُ الْمُشْتَقِّ منه حَالَةَ الْإِطْلَاقِ السَّابِعَ عَشَرَ إنْ كانت مُسْتَنْبَطَةً فَالشَّرْطُ أَنْ لَا يَرْجِعَ على الْأَصْلِ بِإِبْطَالِهِ أو إبْطَالِ بَعْضِهِ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى تَرْكِ الرَّاجِحِ إلَى الْمَرْجُوحِ إذْ الظَّنُّ الْمُسْتَفَادُ من النَّصِّ أَقْوَى من الْمُسْتَفَادِ من الِاسْتِنْبَاطِ لِأَنَّهُ فَرْعٌ لِهَذَا الْحُكْمِ وَالْفَرْعُ لَا يَرْجِعُ على إبْطَالِ أَصْلِهِ وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَرْجِعَ إلَى نَفْسِهِ بِالْإِبْطَالِ وَمِنْ ثَمَّ ضَعُفَ مَدْرَكُ الْحَنَفِيَّةِ في تَأْوِيلِهِمْ قَوْلَهُ في أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ أَيْ قِيمَةُ شَاةٍ لِأَنَّ الْقَصْدَ دَفْعُ الْحَاجَةِ أو الْقِيمَةِ فإن هذا يَلْزَمُ منه أَنْ لَا تَجِبَ الشَّاةُ أَصْلًا لِأَنَّهُ إذَا وَجَبَتْ الْقِيمَةُ لم تَجُزْ الشَّاةُ فلم تَكُنْ مُجْزِئَةً وَهِيَ مُجْزِئَةٌ بِالِاتِّفَاقِ هَكَذَا مَثَّلُوا بِهِ وَنَازَعَ فيه الْغَزَالِيُّ من جِهَةِ أَنَّ من أَجَازَ الْقِيمَةَ فَهُوَ مُسْتَنْبِطُ مَعْنًى مُعَمِّمٍ لَا مُبْطِلٍ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ إجْزَاءَ الشِّيَاهِ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ أَحَدُهَا أَنَّ اسْتِنْبَاطَ الْقِيمَةِ أَلْغَى تَعَلُّقَ الزَّكَاةِ بِالْعَيْنِ ابْتِدَاءً الذي عليه الدَّلِيلُ وَهَذَا مَعْنَى الْإِبْطَالِ أَيْ إبْطَالِ التَّعَلُّقِ الثَّانِي أَنَّهُ أَلْغَى تَعْيِينَهَا من بِنْتِ الْمَخَاضِ أو بِنْتِ اللَّبُونِ أو حِقَّةٍ أو جَذَعَةٍ وَصَيَّرَ الْوَاجِبَ جَائِزًا لِأَنَّهُ إنْ كانت الْقِيمَةُ هِيَ الْوَاجِبَ لم تَكُنْ الشَّاةُ وَاجِبَةً وَلَا يَلْزَمُ وُجُوبُهَا وَلَا قَائِلَ بِهِ الثَّالِثُ يُقَالُ وَإِنْ أَجْزَأَتْ الشَّاةُ لَكِنْ من حَيْثُ لم يَخُصَّ الْأَجْزَاءَ بها فَبَطَلَ لَفْظُ في أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ وَلَيْسَتْ الْقِيمَةُ أَعَمَّ من الشَّاةِ وَمِنْ مِثْلِهِ أَيْضًا مَصِيرُ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ إلَى الِاكْتِفَاءِ في إتْبَاعِ رَمَضَانَ بِصَوْمِ سِتَّةِ أَيَّامٍ من غَيْرِ شَوَّالٍ نَظَرًا لِمَعْنَى تَكْمِيلِ السُّنَّةِ وَهَذَا يُبْطِلُ خُصُوصَ شَوَّالٍ الذي دَلَّ عليه النَّصُّ وَكَذَا قَوْلُهُ ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ فإن الْخُصُومَ يُقَدِّرُونَ فيه مِثْلُ ذَكَاةِ أُمِّهِ وَهَذَا التَّقْدِيرُ يُرْفَعُ لِكَوْنِهِ غير مُحْتَاجٍ إلَيْهِ لِإِمْكَانِ صِحَّةِ الْكَلَامِ بِدُونِهِ لِأَنَّ الْجَنِينَ إذَا اُحْتِيجَ إلَى ذَكَاتِهِ فَذَكَاتُهُ كَغَيْرِهِ من الْحَيَوَانَاتِ لَا خُصُوصِيَّةَ لِأُمِّهِ ثُمَّ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَعْرِفُ أَنَّ ذَكَاتَهُ كَذَكَاتِهَا فَلَا يَكُونُ اللَّفْظُ مُفِيدًا أَلْبَتَّةَ وَلَا يُقَالُ لِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ يَقْتَضِي الْجَوَازَ حَيْثُ جَوَّزَ الْإِمْعَانَ في غَسَلَاتِ الْكَلْبِ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْمَعْنَى في التُّرَابِ الْخُشُونَةُ الْمُزِيلَةُ وَهَذَا يُبْطِلُ خُصُوصَ التُّرَابِ لِأَنَّا نَقُولُ هو على هذا الْقَوْلِ عَادَ على أَصْلِهِ بِالتَّعْمِيمِ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْعِلَّةَ الِاسْتِظْهَارَ وَهِيَ أَعَمُّ من الْجَمْعِ بين الطَّهُورَيْنِ
  284. وقال الْهِنْدِيُّ هذا الشَّرْطُ صَحِيحٌ إنْ عَنَى بِذَلِكَ إبْطَالَهُ بِالْكُلِّيَّةِ فَأَمَّا إذَا لَزِمَ فيه تَخْصِيصُ الْحُكْمِ بِبَعْضِ الْأَفْرَادِ دُونَ الْبَعْضِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ لِأَنَّهُ كَتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ لِحُكْمِ نَصٍّ آخَرَ وهو جَائِزٌ فَكَذَا هذا وَإِنْ كان بَيْنَهُمَا فَرْقٌ لَطِيفٌ لَا يَنْتَهِي إلَى دَرَجَةِ أَنْ لَا يَجُوزَ بِذَلِكَ معه انْتَهَى وَهَذَا الذي تَوَقَّفَ فيه ولم يَظْفَرْ فيه بِنَقْلٍ قد وَجَدْت النَّقْلَ بِخِلَافِهِ في كِتَابِ الْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ وَتِلْمِيذِهِ أبي مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيِّ فَشَرَطَا في الْعِلَّةِ أَنْ لَا يَرْجِعَ على أَصْلِهَا بِالتَّخْصِيصِ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّهُمْ اعْتَلُّوا لِتَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ في الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ بِالْكَيْلِ لِأَنَّ النَّصَّ الْوَارِدَ بِتَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِيهِمَا شَامِلٌ لِلْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ مِنْهُمَا وَالْكَيْلُ يَخُصُّ الْكَثِيرَ دُونَ الْقَلِيلِ فَهَذِهِ الْعِلَّةُ تُوجِبُ في الْقَلِيلِ من أَصْلِهَا ضِدَّ ما أَوْجَبَهُ النَّصُّ في ذلك وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ الْمُنْتَزَعَةُ من أَصْلٍ مُخَصَّصَةً لِأَصْلِهَا وَإِنْ جَازَ تَخْصِيصُ اسْمٍ آخَرَ غَيْرِ أَصْلِهَا بها انْتَهَى وَاعْلَمْ أَنَّ في عَوْدِهَا على الْأَصْلِ بِالتَّخْصِيصِ قَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ وَسَبَقَتْ في بَابِ الْعُمُومِ الثَّامِنَ عَشَرَ إنْ كانت مُسْتَنْبَطَةً فَالشَّرْطُ أَنْ لَا تُعَارَضَ بِمُعَارِضٍ مُنَافٍ مَوْجُودٍ في الْأَصْلِ بِأَنْ تُبْدَى عِلَّةٌ أُخْرَى من غَيْرِ تَرْجِيحٍ وَإِلَّا جَازَ التَّعْلِيلُ بِمَجْمُوعِهِمَا أو بِالْأُخْرَى وَقِيلَ وَلَا بِمُعَارِضٍ في الْفَرْعِ بِأَنْ تَثْبُتَ فيه عِلَّةٌ أُخْرَى تُوجِبُ خِلَافَ الْحُكْمِ بِالْقِيَاسِ على أَصْلٍ آخَرَ فإن الْمُعَارِضَ يُبْطِلُ اعْتِبَارَهَا وَقِيلَ أَنْ لَا يَكُونَ بِمُعَارِضٍ في الْفَرْعِ مع تَرْجِيحِ الْمُعَارِضِ وَلَا بَأْسَ بِالتَّسَاوِي لِأَنَّهُ لَا يُبْطِلُ وَقِيلَ الْمُعَارِضُ الْمُسَاوِي يَمْنَعُ التَّعْلِيلَ أَيْضًا التَّاسِعَ عَشَرَ يُشْتَرَطُ في الْمُسْتَنْبَطَةِ أَنْ لَا تَتَضَمَّنَ زِيَادَةً على النَّصِّ أَيْ حُكْمًا في الْأَصْلِ غير ما أَثْبَتَهُ النَّصُّ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُعْلَمُ بِمَا أُثْبِتَ بِهِ مِثَالُهُ لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ فَعَلَّلَ الْحُرْمَةَ بِأَنَّهَا رِبًا فِيمَا يُوزَنُ كَالنَّقْدَيْنِ فَيَلْزَمُ التَّقَابُضُ مع أَنَّ النَّصَّ لم يَتَعَرَّضْ له وَقِيلَ إنْ كانت الزِّيَادَةُ مُنَافِيَةً لِحُكْمِ الْأَصْلِ لم يَجُزْ لِأَنَّهُ نَسْخٌ له فَهُوَ مِمَّا يُعَكِّرُ على أَصْلِهِ بِالْإِبْطَالِ وَإِلَّا لَجَازَ وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وَجَعَلَهُ الْهِنْدِيُّ تَنْقِيحَ مَنَاطٍ ولم يَنْسُبْهُ إلَيْهِ الْعِشْرُونَ أَنْ لَا تَكُونَ مُعَارِضَةً لِعِلَّةٍ أُخْرَى تَقْتَضِي نَقِيضَ حُكْمِهَا بِأَنْ نَقُولَ
  285. ما ذَكَرْتَ من الْوَصْفِ وَإِنْ اقْتَضَى ثُبُوتَ الْحُكْمِ في الْفَرْعِ فَعِنْدِي وَصْفٌ آخَرُ يَقْتَضِي نَقِيضَهُ فَيُوقَفُ ذلك فَسَيَأْتِي بَيَانُ ذلك في الِاعْتِرَاضَاتِ وقال الْهِنْدِيُّ إنْ عَنَى بِهِ أَنْ لَا يُعَارِضَهُ بِعِلَّةٍ أُخْرَى كَيْفَ كانت فَهَذَا مِمَّا لَا وَجْهَ له لِأَنَّ بِتَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ رَاجِحَةً على ما يُعَارِضُهَا من الْعِلَّةِ لَا مَانِعَ من اسْتِنْبَاطِهَا وَجَعْلِهَا عِلَّةً وَإِنْ عَنَى بِهِ أَنْ لَا تَكُونَ مُعَارِضَةً أُخْرَى رَاجِحَةً عليها فَهَذَا وَإِنْ كان من شَرَائِطِ صِحَّةِ الْعِلَّةِ الْمَعْمُولِ بها لَكِنْ ليس من شَرَائِطِ صِحَّةِ الْعِلَّةِ في ذَاتِهَا فإن الْعِلَّةَ الْمَوْجُودَةَ وَالدَّلِيلَ الْمَرْجُوحَ لَا يَخْرُجَانِ بِسَبَبِ الْمَرْجُوحِيَّةِ عن الْعِلَّةِ وَالدَّلَالَةِ وَإِلَّا لَمَا تُصُوِّرَ التَّعَارُضُ إلَّا بين الْمُتَسَاوِيَيْنِ الْحَادِيَ وَالْعِشْرُونَ إذَا كان الْأَصْلُ فيه شَرْطٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ تُوجِبُ إزَالَةَ شَرْطِ أَصْلِهَا كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ لَمَّا جَازَ نِكَاحُ الْأَمَةِ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ جَازَ وَلَكِنْ لِمَنْ لَا يَخْشَاهُ لِوَصْفٍ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَذَلِكَ أَنَّ خَشْيَةَ الْعَنَتِ شَرْطٌ مَنْصُوصٌ عليه في الْقُرْآنِ في إبَاحَةِ نِكَاحِ الْأَمَةِ وَهَذِهِ الْعِلَّةُ تُوجِبُ سُقُوطَ هذا الشَّرْطِ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ أَنْ لَا يَكُونَ الدَّلِيلُ الدَّالُّ عليها مُتَنَاوِلًا لِحُكْمِ الْفَرْعِ لَا بِعُمُومِهِ وَلَا بِخُصُوصِهِ على الْمُخْتَارِ لِلِاسْتِغْنَاءِ حِينَئِذٍ عن الْقِيَاسِ وفي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ في الْأُمِّ ما يَقْتَضِي جَوَازَهُ فإنه قال وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ أَحَلَّ لهم شيئا جُمْلَةً وَحَرَّمَ منه شيئا بِعَيْنِهِ فَيُحِلُّونَ الْحَلَالَ بِالْحُكْمِ وَيُحَرِّمُونَ الشَّيْءَ بِعَيْنِهِ وَلَا يَقِيسُونَ على الْأَقَلِّ الْحَرَامَ وَالْقِيَاسُ على الْأَكْثَرِ أَوْلَى أَنْ يُقَاسَ عليه من الْأَقَلِّ هذا لَفْظُهُ وَتَرْجَمَ عليه ابن اللَّبَّانِ في تَرْتِيبِ الْأُمِّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْعُ دَاخِلًا في عُمُومِ حُكْمِ الْأَصْلِ وقال إلْكِيَا ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ الْمَنْصُوصَاتِ لَا يُقَاسُ بَعْضُهَا على بَعْضٍ وَمَتَى وُجِدَ في الْفَرْعِ نَصٌّ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهِ من غَيْرِ اعْتِبَارِهِ بِأَصْلٍ آخَرَ كان الْقِيَاسُ فَاسِدَ الْوَضْعِ لِعَدَمِ شَرْطِهِ كَقِيَاسِ الْقَتْلِ عَمْدًا على الْقَتْلِ خَطَأً في إيجَابِ الْكَفَّارَةِ وَقِيَاسِ الْمُحْصَرِ على الْمُتَمَتِّعِ في إيجَابِ الصَّوْمِ بَدَلًا عن الْهَدْيِ عِنْدَ الْعَدَمِ لِأَنَّ كُلَّ حَادِثَةٍ مَنْصُوصٍ عليها قال وَهَذَا إنَّمَا يَتِمُّ إذَا دَلَّتْ الْأَمَارَاتُ على أَنَّهُ اسْتَقْصَى حُكْمَ الْوَاقِعَةِ ولم يُقَارِبْ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بها شَيْءٌ أَمَّا إذَا أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ ذَكَرَ في كل وَاقِعَةٍ مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ مِمَّا لَا يُشَارِكُهُ فيه غَيْرُهُ أو قَصَدَ بِهِ ما يَدُلُّ فَحَوَاهُ على اسْتِقْصَاءِ حُكْمِهِ وَبَقِيَ ما عَدَا الْمَذْكُورَ فَذَلِكَ مَحْضُ تَخْصِيصِ حُكْمٍ لَا يَدُلُّ على نَفْيِ ما عَدَاهُ وَذَلِكَ بَيِّنٌ في بَابِ
  286. الْمَفْهُومِ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ أَنْ لَا يَكُونَ مُؤَيِّدًا لِلْقِيَاسِ أَصْلٌ مَنْصُوصٌ عليه بِالْإِثْبَاتِ على أَصْلٍ مَنْصُوصٍ عليه بِالنَّفْيِ كَالْعِلَّةِ التي يَقِيسُ بها الْعِرَاقِيُّونَ الْمَسَافَاتِ على الْمُزَارَعَةِ وَالدَّعْوَى في الدَّمِ مع اللَّوْثِ على الدَّعْوَى في الْأَمْوَالِ في الْبُدَاءَةِ فِيهِمَا بِيَمِينِ الْمُدَّعَى عليه ذَكَرَهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وقال هذا مَعْنَى ما رَوَى يُونُسُ بن عبد الْأَعْلَى عن الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يُقَاسُ أَصْلٌ على أَصْلٍ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ إنْ كانت مُتَعَدِّيَةً أَيْ تُوجَدُ في غَيْرِ الْأَصْلِ فَيُشْتَرَطُ فيها أَنْ لَا يَكُونَ التَّعْلِيلَ في الْمَحَلِّ وَلَا جُزْءًا منه وَلَا يُتَصَوَّرُ تَعْدِيَتُهَا بِخِلَافِ الْقَاصِرَةِ فإنه يَجُوزُ فيها ذلك هذا هو الْمُخْتَارُ عِنْدَ الرَّازِيَّ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَقِيلَ يَجُوزُ أَنْ يُعَلَّلَ بِالْمَحَلِّ وَجُزْئِهِ فِيهِمَا وَقِيلَ يَمْتَنِعُ فِيهِمَا وَنُسِبَ لِلْأَكْثَرِينَ وقال الْآمِدِيُّ يَجُوزُ بِجُزْءِ الْمَحَلِّ دُونَ الْمَحَلِّ وَلَيْسَ هذا في الْحَقِيقَةِ مَذْهَبًا ثَالِثًا كما يُوهِمُ صَاحِبُ الْبَدِيعِ وَغَيْرُهُ لِأَنَّ مُرَادَهُ بِالْجُزْءِ الْعَامُّ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَ ذلك وَأَمَّا الْجُزْءُ فَلَا يَمْتَنِعُ التَّعْلِيلُ بِهِ لِاحْتِمَالِ عُمُومِهِ لِلْأَصْلِ وَالْفَرْعِ وَهَذَا بِخِلَافِهِ وقال الْهِنْدِيُّ الْحَقُّ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ على جَوَازِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِالْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ فَإِنْ جَوَّزَ ذلك جَازَ هذا سَوَاءٌ ثَبَتَ عِلِّيَّتُهُ بِنَصٍّ أو بِغَيْرِهِ إذْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَقُولَ الشَّارِعُ حَرُمَتْ الرِّبَا في الْبُرِّ لِكَوْنِهِ بُرًّا أو يُعَرِّفُهُ مُنَاسَبَةُ مَحَلِّ الْحُكْمِ له لِاشْتِمَالِهِ على حِكْمَةٍ دَاعِيَةٍ له وَلَا نَظَرَ إلَى أَنْ يُقَالَ لو جَازَ ذلك لَكَانَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ قَابِلًا وَفَاعِلًا لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ اسْتِحَالَةَ ذلك وَاسْتِحَالَتُهُ مَبْنِيَّةٌ على أَنَّ الْوَاحِدَ لَا يَصْدُرُ عنه إلَّا الْوَاحِدُ وهو بَاطِلٌ قَطْعًا وَإِنْ يُجَوَّزُ التَّعْلِيلُ بِالْقَاصِرَةِ لم يُجَوَّزْ هذا لِأَنَّ مَحَلَّ الْحُكْمِ وَجُزْأَهُ الْخَاصَّ يَسْتَحِيلُ أَنْ يُوجَدَ في غَيْرِهِ وَاعْلَمْ أَنَّ هذه الْمَسْأَلَةَ مَنْقُولَةٌ عن مَسْأَلَةٍ مَشْهُورَةٍ بين الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفَلَاسِفَةِ وَهِيَ أَنَّ الْوَاحِدَ من جَمِيعِ الْوُجُوهِ لَا يَصْدُرُ عنه أَكْثَرُ من وَاحِدٍ إلَّا إذَا تَعَدَّدَتْ الْقَوَابِلُ وَبَنَوْا عليه تَرْتِيبَ الْمَوْجُودَاتِ فَإِنَّهُمْ قالوا أَقَلُّ ما صَدَرَ من الْوَاجِبِ لِذَاتِهِ شَيْءٌ وَاحِدٌ وهو الْمُسَمَّى بِالْفَلَكِ الْأَوَّلِ عِنْدَهُمْ ثُمَّ صَدَرَ من الْفَلَكِ الْأَوَّلِ عَقْلٌ وَنَفْسٌ ثُمَّ بَنَوْا على هذا الْأَصْلِ الْفَاسِدِ فَاسِدًا آخَرَ وهو أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِوَاجِبِ الْوُجُودِ صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ وَإِلَّا لَكَانَ فَاعِلًا لها وَقَابِلًا لها وهو مُحَالٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْفِعْلَ وَالْقَبُولَ أَمْرَانِ مُخْتَلِفَانِ وَالْوَاحِدُ لَا يَصْدُرُ عنه إلَّا وَاحِدٌ وهو من بَابِ تَفْرِيعِ الْفَاسِدِ على الْفَاسِدِ
  287. فَصْلٌ في ذِكْرِ أُمُورٍ اُشْتُرِطَتْ في الْعِلَّةِ وَالصَّحِيحُ عَدَمُ اشْتِرَاطِهَا منها شَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ وأبو عبد اللَّهِ الْبَصْرِيُّ تَعَدِّي الْعِلَّةِ من الْأَصْلِ إلَى غَيْرِهِ فَلَوْ وَقَعَتْ على حُكْمِ النَّصِّ ولم تُؤَثِّرْ في غَيْرِهِ كَتَعْلِيلِ الرِّبَا في الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِأَنَّهُمَا أَثْمَانٌ فَلَا يُعَلَّلُ بِهِمَا وَاعْلَمْ أَنَّ الْعِلَّةَ الْقَاصِرَةَ إنْ كانت مَنْصُوصَةً أو مُجْمَعًا عليها صَحَّ التَّعْلِيلُ بها بِالِاتِّفَاقِ كما قَالَهُ الْقَاضِي وابن بَرْهَانٍ وَالْهِنْدِيُّ وَغَيْرُهُمْ لَكِنَّ الْقَاضِيَ عَبْدَ الْوَهَّابِ نَقَلَ عن قَوْمٍ أنها لَا تَصِحُّ على الْإِطْلَاقِ سَوَاءٌ كانت مَنْصُوصَةً أو مُسْتَنْبَطَةً قال وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ وَإِنْ كانت مُسْتَنْبَطَةً فَهِيَ مَحْضُ الْخِلَافِ وقد اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فيه على وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا وَنَقَلَهُ في الْحَاوِي عن أبي بَكْرٍ الْقَفَّالِ الْمَنْعُ وهو ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ في الِاصْطِلَامِ لِأَنَّ الْعِلَّةَ ما جَذَبَتْ حُكْمَ الْأَصْلِ إلَى فَرْعِهِ وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عن الْحَلِيمِيِّ ما يَقْتَضِيهِ فقال من يُنْشِئُ النَّظَرَ لَا يَدْرِي أَيَقَعُ على عِلَّةٍ قَاصِرَةٍ أو مُتَعَدِّيَةٍ فإن الْعِلْمَ بِصِفَةِ الْعِلَّةِ غَيْرُ مُمْكِنٍ حَالَةَ إنْشَاءِ النَّظَرِ فَيَجِبُ النَّظَرُ من هذه الْجِهَةِ قال الْإِمَامُ وَهَذَا قَلِيلُ النَّيْلِ فإن الْخَصْمَ لَا يُنْكَرُ وَهَذَا الْخِلَافُ فِيمَا تَحَقَّقَ قُصُورُهُ فما قَوْلُ هذا الشَّيْخِ إذَا انْكَشَفَ النَّظَرُ وَالْعِلَّةُ قَاصِرَةٌ انْتَهَى وَأَصَحُّهُمَا وَنَصَرَهُ في الْقَوَاطِعِ تَبَعًا لِلْقَاضِي أبي بَكْرٍ وَبِهِ قال جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا إنَّهَا عِلَّةٌ وَإِنْ لم يَتَعَدَّ حُكْمَ الْأَصْلِ وقال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ هو قَوْلُ جَمِيعِ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَحَكَاهُ الْآمِدِيُّ عن أَحْمَدَ لَكِنْ أبو الْخَطَّابِ حَكَى عن أَصْحَابِهِمْ مُقَابِلَهُ وقال ابن بَرْهَانٍ في الْوَجِيزِ كان الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ من الْغُلَاةِ في تَصْحِيحِ الْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ وَيَقُولُ هِيَ أَوْلَى من الْمُتَعَدِّيَةِ وَكَذَلِكَ الْقَاضِي وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ وُقُوفَهَا يَقْتَضِي نَفْيَ الْحُكْمِ عن غَيْرِ الْأَصْلِ كما أَوْجَبَ تَعَدِّيهَا ثُبُوتَ حُكْمِ الْأَصْلِ في غَيْرِهِ فَصَارَ وُقُوفُهَا مُؤَثِّرًا في النَّفْيِ كما كان تَعَدِّيهَا مُؤَثِّرًا في الْإِثْبَاتِ فَاسْتُفِيدَ بِوُقُوفِهَا وَتَعَدِّيهَا حُكْمُ غَيْرِ الْأَصْلِ فَعَلَى هذا ثُبُوتُ الرِّبَا في الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِالْمَعْنَى دُونَ الِاسْمِ وَيَخْرُجُ مِمَّا سَبَقَ حِكَايَةُ مَذْهَبٍ ثَالِثٍ وهو الْجَوَازُ في الْمَنْصُوصَةِ دُونَ الْمُسْتَنْبَطَةِ قال عبد الْوَهَّابِ وَحَكَاهُ الْهَمْدَانِيُّ عن أبي عبد اللَّهِ الْبَصْرِيِّ وَالصَّحِيحُ
  288. الْجَوَازُ مُطْلَقًا وَلِهَذَا فَوَائِدُ منها مَعْرِفَةُ الْبَاعِثِ الْمُنَاسِبِ وَمِنْهَا عَدَمُ إلْحَاقِ غَيْرِهَا وَقَوْلُهُمْ هذه الْفَائِدَةُ عُلِمَتْ من النَّصِّ مَمْنُوعٌ فإن النَّصَّ لم يُفِدْ إلَّا إثْبَاتَ الْحُكْمِ خَاصَّةً وَخَصَّهُ الْقَاضِي بِمَا إذَا لم يَكُنْ هُنَاكَ غَيْرُهَا وَجَوَّزْنَا اجْتِمَاعَ عِلَّتَيْنِ فَبِاطِّلَاعِنَا على عِلَّةِ الْحُكْمِ نَزْدَادُ عِلْمًا كنا غَافِلِينَ عنه وَالْعِلْمُ بِالشَّيْءِ أَعْظَمُ فَائِدَةً وَمِنْ أَعْظَمِ ما تُشَوَّقُ إلَيْهِ النُّفُوسُ الزَّكِيَّةُ ذَكَرَهُ ابن السَّمْعَانِيِّ وَمِنْهَا أَنَّ الْعِلَّةَ إذَا طَابَقَتْ النَّصَّ زَادَهُ قُوَّةً وَيَتَعَاضَدَانِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَمِنْهَا أَنَّ الْفَاعِلَ يَفْعَلُ الْفِعْلَ لِأَجْلِهَا فَيَحْصُلُ له أَجْرَانِ أَجْرُ قَصْدِ الْفِعْلِ وَالِامْتِثَالِ وَأَجْرُ قَصْدِ الْفِعْلِ لِأَجْلِهَا وَهَذَانِ الْقَصْدَانِ يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُمَا فَيَفْعَلُ الْمَأْمُورَ لِكَوْنِهِ أُمِرَ بِفِعْلِهِ ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَمِنْهَا إذَا حَدَثَ هُنَاكَ فَرْعٌ يُشَارِكُهُ في الْمَعْنَى عُلِقَ على الْعِلَّةِ وَأُلْحِقَ بِالْمَنْصُوصِ عليه ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ في الْحَاوِي في بَابِ الرِّبَا وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَضُعِّفَ بِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَفْرُوضَةٌ في الْقَاصِرَةِ وَمَتَى حَدَثَ فَرْعٌ يُشَارِكُهَا في الْمَعْنَى خَرَجَتْ عن أَنْ تَكُونَ قَاصِرَةً وقد نَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عن بَعْضِهِمْ أَنَّ فَائِدَتَهَا أَنَّا إذَا عَلَّلْنَا تَحْرِيمَ رِبَا الْفَضْلِ في النَّقْدَيْنِ بِالنَّقْدِيَّةِ أَنْ يَلْحَقَ بها التَّحْرِيمُ في الْفُلُوسِ إذَا جَرَتْ نُقُودًا قال الْإِمَامُ وَهَذَا خَرَفٌ من قَائِلِهِ وَخَبْطٌ على الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ فإن الْمَذْهَبَ عَدَمُ جَرَيَانِ الرِّبَا في الْفُلُوسِ وَإِنْ اُسْتُعْمِلَتْ نُقُودًا فإن النَّقْدِيَّةَ الشَّرْعِيَّةَ مُخْتَصَّةٌ بِالْمَطْبُوعَاتِ وَالْفُلُوسُ في حُكْمِ الْعُرُوضِ وَإِنْ غَلَبَ اسْتِعْمَالُهَا ثُمَّ لو صَحَّ هذا قِيلَ لِصَاحِبِهِ إنْ دَخَلَتْ الْفُلُوسُ تَحْتَ الدَّرَاهِمِ بِالنَّصِّ فَالْعِلَّةُ بِالنَّقْدِيَّةِ قَائِمَةٌ وَإِنْ لم يَتَنَاوَلْهَا النَّصُّ فَالْعِلَّةُ مُتَعَدِّيَةٌ وَالْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ في الْقَاصِرَةِ وَمِنْهَا أنها تُفِيدُ بِعَكْسِهَا فإذا ثَبَتَ النَّقْدِيَّةُ عِلَّةً في النَّقْدَيْنِ فَعَدَمُ النَّقْدِيَّةِ مُشْعِرٌ بِانْتِفَاءِ تَحْرِيمِ الرِّبَا وَالنَّصُّ على اللَّقَبِ لَا مَفْهُومَ له وَرَدَّهُ الْإِمَامُ بِأَنَّ الِانْعِكَاسَ لَا يَتَحَتَّمُ في الْعِلَلِ وَمِنْهَا أَنَّهُ مَتَى زَالَتْ الصِّفَةُ عنه زَالَ الْحُكْمُ ذَكَرَهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ قال وَيَجِبُ على هذا تَخْصِيصُ الْقَاصِرَةِ بِاَلَّتِي ثَبَتَتْ تَارَةً وَتَزُولُ أُخْرَى وَإِلَّا بَطَلَتْ
  289. هذه الْفَائِدَةُ قُلْت وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ من فَوَائِدِ الْخِلَافِ أَنَّهُ إذَا وُجِدَ في مَوْرِدِ النَّصِّ وَصْفَانِ قَاصِرٌ وَمُتَعَدٍّ وَغَلَبَ على ظَنِّ الْمُجْتَهِدِ أَنَّ الْقَاصِرَةَ عِلَّةٌ هل يَمْتَنِعُ التَّعْلِيلُ بِالْمُتَعَدِّيَةِ أَمْ لَا فَعِنْدَنَا يَمْتَنِعُ إنْ مَنَعْنَا اجْتِمَاعَ عِلَّتَيْنِ وَعِنْدَ أبي حَنِيفَةَ لَا يَمْتَنِعُ لِأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ لِغَلَبَةِ الظَّنِّ بِغَلَبَةِ الْوَصْفِ الْقَاصِرِ وَمِنْ فَوَائِدِهِ إذَا عُورِضَتْ عِلَّةُ الْأَصْلِ بِوَصْفٍ قَاصِرٍ لِيَقْطَعَ الْقِيَاسَ فَاحْتَاجَ إلَى دَفْعِ الْمُعَارَضَةِ فَهَلْ يَكْفِي في إفْسَادِ الْوَصْفِ قُصُورُهُ أو لَا يَكُونُ ذلك مُفْسِدًا وَهَذَا هو وَجْهُ جَعْلِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ في الْبُرْهَانِ الْقُصُورَ من الِاعْتِرَاضَاتِ الْفَاسِدَةِ على الْقِيَاسِ وَإِلَّا لم يَكُنْ عِنْدَهُ من الِاعْتِرَاضَاتِ إذْ الْقُصُورُ يُنَافِي الْقِيَاسَ ثُمَّ اخْتَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ التَّفْصِيلَ بين أَنْ يَكُونَ كَلَامُ الشَّرْعِ نَصًّا لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ فَلَا فَائِدَةَ في التَّعْلِيلِ بِالْقَاصِرَةِ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا يَتَأَتَّى تَأْوِيلُهُ وَيُمْكِنُ تَقْدِيرُ حَمْلِهِ على الْكَثِيرِ مَثَلًا دُونَ الْقَلِيلِ فإذا نَتَجَتْ عِلَّةٌ تُوَافِقُ ظَاهِرَهُ فَهِيَ تُعْصَمُ من التَّعْلِيلِ بِعِلَّةٍ أُخْرَى لَا تَرْقَى رُتْبَتُهَا على الْمُسْتَنْبَطَةِ الْقَاصِرَةِ فَالْعِلَّةُ في مَحَلِّ الظَّاهِرِ كَأَنَّهَا ثَابِتَةٌ في مُقْتَضَى النَّصِّ منه مُتَعَدِّيَةٌ إلَى ما اللَّفْظُ ظَاهِرٌ فيه من حَيْثُ عِصْمَتُهُ من التَّخْصِيصِ وَالتَّأْوِيلِ وكان ذلك إفَادَةً وَإِنْ لم يَكُنْ تَعَدِّيًا حَقِيقِيًّا تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ زَعَمَ ابن الْحَاجِّ في نُكَتِهِ على الْمُسْتَصْفَى أَنَّ الْخِلَافَ في هذه الْمَسْأَلَةِ لم يَتَوَارَدْ على مَحَلٍّ وَاحِدٍ قال وَالْحَقُّ أَنْ يُقَالَ إنَّهَا صَحِيحَةٌ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ بَاطِلَةٌ بِاعْتِبَارِ الْفَرْعِ وقال ابن رَحَّالٍ إذَا فُسِّرَ اللَّفْظُ زَالَ الْخِلَافُ وَتَفْسِيرُهُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ يقول ثُبُوتُ الْحُكْمِ لِأَجْلِ الْوَصْفِ الْقَاصِرِ صَحِيحٌ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عليه وأبو حَنِيفَةَ يقول نَصْبُ الْوَصْفِ الْقَاصِرِ أَمَارَةً بَاطِلٌ وَهَذَا أَيْضًا مُتَّفَقٌ عليه وَلَمَّا كان لَفْظُ التَّعْلِيلِ يُطْلَقُ تَارَةً على ثُبُوتِ الْحُكْمِ لِأَجْلِ الْوَصْفِ وَتَارَةً على نَصْبِهِ فَهَذَا الِاشْتِرَاكُ هو سَبَبُ الْخِلَافِ الثَّانِي أَنَّ كَلَامَ أَصْحَابِنَا صَرِيحٌ في أَنَّ التَّعْلِيلَ بِالْقَاصِرَةِ ليس مَشْرُوطًا بِانْتِفَاءِ التَّعْدِيَةِ بَلْ يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُمَا وَإِلَيْهِ أَشَارَ في الْقَوَاطِعِ وَلَوْ كان ذلك شَرْطًا لَمَا تُصُوِّرَ وُقُوعُ التَّعَارُضِ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ التَّعَارُضَ فَرْعُ اجْتِمَاعِهِمَا وقد اخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا تَعَارَضَا فَرَجَّحَ الْجُمْهُورُ الْمُتَعَدِّيَةَ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْقَاصِرَةُ وَتَوَقَّفَ قَوْمٌ الثَّالِثُ قال بَعْضُهُمْ الْخِلَافُ في بُطْلَانِهَا لَا على الْمَنْعِ من ظَنِّ كَوْنِهَا حِكْمَةً في
  290. مَوْرِدِ النَّصِّ بَلْ على خُرُوجِهَا عن مُتَعَلَّقِ الْأَمْرِ الشَّرْعِيِّ إذَا لم تَظْهَرْ له فَائِدَةٌ تَزِيدُ على مُقْتَضَى النَّصِّ وَالْمُحَقِّقُونَ على صِحَّتِهَا لِصِحَّةِ وُرُودِ الشَّرْعِ بها وَلِمُسَاوَاتِهَا لِلْعِلَّةِ الْمُتَعَدِّيَةِ في اسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِ الصِّحَّةِ وَالْقُصُورِ إذْ ما من مُتَعَدِّيَةٍ إلَّا وَهِيَ قَاصِرَةٌ من وَجْهٍ فلم يَبْقَ إلَّا مُطَابَقَةُ النَّصِّ لها وَذَلِكَ مِمَّا يُؤَيِّدُهَا لَا مِمَّا يُبْطِلُهَا كَمُطَابَقَةِ الْعِلَّةِ الْمُتَعَدِّيَةِ وَكَمُطَابَقَةِ سَائِرِ الْأَدِلَّةِ الْمُتَعَاضِدَةِ في الْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ أَنَّ مَوْضِعَ التَّعَبُّدِ بِالتَّعْلِيلِ هل هو لِإِفَادَةِ ما لم يُفِدْهُ النَّصُّ أو بِمُجَرَّدِ إنَاطَةِ الْحُكْمِ بِالْوَصْفِ وقال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ على اشْتِرَاطِ التَّأْثِيرِ في الْعِلَّةِ عِنْدَ أبي حَنِيفَةَ وَعَلَى الِاكْتِفَاءِ بِالْإِخَالَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَعْنَى التَّأْثِيرِ اعْتِبَارُ الشَّرْعِ جِنْسَ الْوَصْفِ أو نَوْعَهُ في جِنْسِ الْحُكْمِ إلَى آخِرِ ما سَيَأْتِي وقال إلْكِيَا الْخِلَافُ رَاجِعٌ إلَى أَنَّ عِلَّةَ الشَّرْعِ هل تَقْبَلُ التَّخْصِيصَ أَمْ لَا وقال الدَّبُوسِيُّ هو رَاجِعٌ إلَى أَنَّ حُكْمَ الْعِلَّةِ عِنْدَنَا تَعَدِّي حُكْمِ النَّصِّ إلَى الْفَرْعِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ تَعَلَّقَ الْحُكْمُ في النَّصِّ الْمَعْلُولِ بِتِلْكَ الْعِلَّةِ لَا التَّعَدِّي وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْخِلَافُ رَاجِعٌ إلَى كَوْنِهَا هل هِيَ مَأْمُورٌ بها وَمَعْنَى صِحَّتِهَا مُوَافَقَتُهَا لِلْأَمْرِ وَمَعْنَى فَسَادِهَا عَدَمُ تَعَلُّقِ الْأَمْرِ بها وقال ابن الْمُنِيرِ في شَرْحِ الْبُرْهَانِ لَا يَنْبَنِي على الْخِلَافِ فَائِدَةٌ فَرْعِيَّةٌ أَلْبَتَّةَ لِأَنَّا إنْ رَدَدْنَاهَا فَلَا إشْكَالَ في عَدَمِ إفَادَتِهَا وَإِنْ قَبِلْنَاهَا فَلَا إشْكَالَ في أنها لَا يَتَعَدَّى بها حُكْمُهَا وَالنَّصُّ في الْأَصْلِ مُغْنٍ عنها فَرَجَعَ ثَبَاتُهَا إلَى الْفَوَائِدِ الْعِلْمِيَّةِ لَا الْعَمَلِيَّةِ إلَّا إذَا بَنَيْنَا على الْتِزَامِ اتِّحَادِ الْعِلَلِ وَصَحَّحْنَا الْقَاصِرَةَ وَجَعَلْنَاهَا مُقَاوِمَةً لِلْمُتَعَدِّيَةِ فَيَنْبَنِي حِينَئِذٍ قَبُولُهَا فَائِدَةً عَمَلِيَّةً لِأَنَّهَا قد تُعَارِضُ مُتَعَدِّيَةً بِتَعَطُّلِ الْعَمَلِ بها وقال قبل ذلك لَا يَتَحَرَّرُ الْخِلَافُ في رَدِّهَا لِأَنَّ الْعِلَّةَ إمَّا الْبَاعِثُ أو الْعَلَامَةُ فَإِنْ فَسَّرْنَا بِالْبَاعِثِ وهو الْحَقُّ فَلَا مَانِعَ من أَنْ يَنُصَّ بِالشَّرْعِ على الْحُكْمِ في جَمِيعِ مَوَارِدِهِ حتى لَا يُبْقِيَ من مَحَالِّهِ مَسْكُوتًا عنه وَيَنُصُّ مع ذلك على الْبَاعِثِ وَلَا يَتَخَيَّلُ عَاقِلٌ خِلَافَ ذلك وَإِنْ فَسَّرْنَاهَا بِالْعَلَامَةِ وَعَلَيْهِ بَنَى الرَّازِيَّ كَلَامَهُ فَلَا مَانِعَ من أَنْ يَكُونَ النَّصُّ عَلَامَةً وَالْوَصْفُ عَلَامَةً فَيَجْتَمِعُ على الْحُكْمِ عَلَامَتَانِ كما يَجْتَمِعُ على الْحُكْمِ نَصَّانِ مَعًا وَظَاهِرَانِ مَعًا أو نَصٌّ وَظَاهِرٌ أو نَصٌّ وَقِيَاسٌ وَهَذَا الْقِسْمُ أَيْضًا لَا يُخْتَلَفُ فيه فَلَا مَحَلَّ لِلْخِلَافِ وَمِنْهَا مَنَعَ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ من التَّعْلِيلِ بِمُجَرَّدِ الِاسْمِ كما لو عَلَّلْنَا كَوْنَ النَّقْدَيْنِ رِبَوِيَّيْنِ بِكَوْنِ اسْمِهِمَا ذَهَبًا أو فِضَّةً وَحَكَى فيه الِاتِّفَاقَ وَاعْتَرَضَ النَّقْشَوَانِيُّ بِأَنَّ
  291. الْعِلَّةَ إذَا فُسِّرَتْ بِالْمُعَرِّفِ فما الْمَانِعُ من جَعْلِ الِاسْمِ عِلَّةً فإن فيه تَعْرِيفًا وَقَوَّاهُ الْقَرَافِيُّ بِمَا إذَا قُلْنَا إنَّ مُجَرَّدَ الطَّرْدِ كَافٍ في الْعِلَّةِ وَيَصْعُبُ مع اشْتِرَاطِ الْمُنَاسِبِ وما ادَّعَى الْإِمَامُ فيه من الِاتِّفَاقِ تَبِعَهُ فيه الْهِنْدِيُّ في النِّهَايَةِ وَلَيْسَ كما ادَّعَوْا فَفِي الْمَسْأَلَةِ مَذَاهِبُ وَهِيَ وُجُوهٌ لِأَصْحَابِنَا أَحَدُهَا الْجَوَازُ مُطْلَقًا وهو رَأْيُ الشَّيْخِ أبي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ وَنَقَلَهُ ابن الصَّبَّاغِ وابن بَرْهَانٍ عن أَصْحَابِنَا وَنَقَلَهُ سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ في التَّقْرِيبِ عن الْأَكْثَرِينَ من الْعُلَمَاءِ قالوا وَسَوَاءٌ في ذلك الْمُشْتَقُّ كَقَاتِلٍ وَسَارِقٍ وَالِاسْمِ الذي هو لَقَبٌ كَحِمَارٍ وَفَرَسٍ قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في بَوْلِ ما يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لِأَنَّهُ بَوْلٌ فَشَابَهُ بَوْلَ الْآدَمِيِّ انْتَهَى وقال أبو الْحَسَنِ السُّهَيْلِيُّ إنَّهُ الْأَقْرَبُ إلَى نَصِّ الشَّافِعِيِّ وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ إنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْقَائِسِينَ وَكَذَلِكَ قال أَصْحَابُنَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْكَلْبِ لِأَنَّهُ كَلْبٌ قِيَاسًا على الْكَلْبِ الذي ليس بِمُعَلَّمٍ وقال الشَّافِعِيُّ في الْمَنْعِ من ضَمِّ الْقُطْنِيَّةِ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ في الزَّكَوَاتِ إنَّهَا حُبُوبٌ مُنْفَرِدَةٌ بِأَسْمَاءٍ مَخْصُوصَةٍ وَقَاسَهَا على التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ فإذا جَعَلَ افْتِرَاقَهَا في الِاسْمِ عِلَّةً لِافْتِرَاقِهَا في الْحُكْمِ لم يَمْتَنِعْ أَنْ يَكُونَ اتِّفَاقُهَا في الِاسْمِ عِلَّةً لِاتِّفَاقِهَا في الْحُكْمِ وقال أَهْلُ الرَّأْيِ في الْمَنْعِ من التَّكْرَارِ في مَسْحِ الرَّأْسِ إنَّهُ مَسْحٌ كَالْمَسْحِ على الْخُفَّيْنِ وقال أَصْحَابُ مَالِكٍ في زَكَاةِ الْعَوَامِلِ إنَّهَا تَعُمُّ قِيَاسًا على السَّائِمَةِ انْتَهَى وَنَقَلَهُ الْبَاجِيُّ عن أَكْثَرِ الْمَالِكِيَّةِ والثاني الْمَنْعُ لَقَبًا وَمُشْتَقًّا والثالث التَّفْصِيلُ بين الْمُشْتَقِّ فَيَجُوزُ وَبَيْنَ اللَّقَبِ فَلَا حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في التَّبْصِرَةِ وابن الصَّبَّاغِ في الْعُدَّةِ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ في التَّقْرِيبِ وَهَذَا الثَّالِثُ هو ظَاهِرُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا في بَابِ الرِّبَا في أَنَّ الْعِلَّةَ في الرِّبَوِيِّ الطُّعْمُ الْحُكْمُ مَتَى عُلِّقَ بِاسْمٍ مُشْتَقٍّ من مَعْنًى يَصِيرُ مَوْضِعُ الِاشْتِقَاقِ عِلَّةً وَحَكَى ابن بَرْهَانٍ وَجْهًا أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ بِشَرْطِ الْإِخَالَةِ وَالْمُنَاسَبَةِ وَنَسَبَهُ لِلْحَنَفِيَّةِ وَهَذَا يَقْتَضِي مَذْهَبًا رَابِعًا وهو التَّفْصِيلُ في الْمُشْتَقِّ وَنَحْوُهُ قَوْلُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ إنْ كان الِاسْمُ يُفِيدُ مَعْنًى في الْمُسَمَّى جَازَ التَّعْلِيلُ بِهِ وَإِنْ كان لَقَبًا فَفِي جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِهِ قَوْلَانِ وقال السُّهَيْلِيُّ في أَدَبِ الْجَدَلِ إنْ كان الْوَصْفُ اسْمًا
  292. مُشْتَقًّا فَلَا شَكَّ في جَرَيَانِ الْقِيَاسِ بِهِ وَإِنْ كان اسْمَ جِنْسٍ كَبَغْلٍ وَحِمَارٍ وَدَابَّةٍ وَدَارٍ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا وهو الْأَقْرَبُ إلَى نَصِّ الشَّافِعِيِّ الْجَوَازَ والثاني الْمَنْعُ كَالْوَصْفِ من اسْمٍ وَلَقَبٍ كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو وفي الْأُمِّ في بَوْلِ الْحَيَوَانِ تَعْلِيقُ حُكْمٍ بِاسْمٍ قال وَالدَّلِيلُ على جَوَازِ التَّعْلِيلِ أَنَّهُ لو وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ لَكَانَ جَائِزًا فإذا اسْتَنْبَطَهُ الْمُعَلِّلُ فَكَذَلِكَ انْتَهَى وَهَذَا يَقْتَضِي تَخْصِيصَ الْخِلَافِ بِالْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ أَمَّا الْمَنْصُوصَةُ من الشَّارِعِ فَلَا خِلَافَ في جَوَازِهَا وَبِهِ صَرَّحَ ابن بَرْهَانٍ في الْوَجِيزِ وقال الْمَاوَرْدِيُّ في بُيُوعِ الْحَاوِي يَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِالِاسْمِ الْمُشْتَقِّ كَعَاقِلٍ وَقَاتِلٍ وَوَارِثٍ وَبِالِاسْمِ إذَا عَبَّرَ بِهِ عن الْجِنْسِ كما جَازَ التَّعْلِيلُ بِالصِّفَةِ فَيَجُوزُ أَنْ تَقُولَ في نَجَاسَةِ بَوْلِ ما يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لِأَنَّهُ بَوْلٌ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ نَجِسًا قِيَاسًا على بَوْلِ الْآدَمِيِّ وقال في الْقَوَاطِعِ وَأَمَّا جَعْلُ الِاسْمِ عِلَّةً لِلْحُكْمِ فَقَدْ قال الْأَصْحَابُ إنَّ الِاسْمَ ضَرْبَانِ اسْمُ اشْتِقَاقٍ وَاسْمُ لَقَبٍ فَأَمَّا الْمُشْتَقُّ فَضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا ما اُشْتُقَّ من فِعْلٍ كَالضَّارِبِ وَالْقَاتِلِ اُشْتُقَّ من الضَّرْبِ وَالْقَتْلِ فَيَجُوزُ جَعْلُهُ عِلَّةً في قِيَاسِ الْمَعْنَى لِأَنَّ الْأَفْعَالَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عِلَلًا لِلْأَحْكَامِ وثانيهما ما اُشْتُقَّ من صِفَةٍ كَالْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ مُشْتَقٌّ من السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ فَهَذَا من بَابِ الشَّبَهِ الصُّورِيِّ فَمَنْ جَعَلَهُ حُجَّةً جَوَّزَ التَّعْلِيلَ وقد قال عليه السَّلَامُ فَاقْتُلُوا منها كُلَّ أَسْوَدَ بَهِيمٍ فَجَعَلَ السَّوَادَ عِلَّةً لِإِبَاحَةِ الْقَتْلِ فَأَمَّا اللَّقَبُ فَضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا مُسْتَعَارٌ كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو فَلَا يَدْخُلُهُ حَقِيقَةٌ وَلَا مَجَازٌ لِأَنَّهُ قد يَنْقُلُ اسْمَ زَيْدٍ إلَى عَمْرٍو وَعَمْرٍو إلَى زَيْدٍ فَلَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بهذا الِاسْمِ لِعَدَمِ لُزُومِهِ وَجَوَازِ انْتِقَالِهِ وثانيهما لَازِمٌ كَالرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَالْبَعِيرِ وَالْفَرَسِ وقد حَكَى الْأَصْحَابُ في جَوَازِ التَّعْلِيلِ بها وَجْهَيْنِ وَالصَّحِيحُ عِنْدِي امْتِنَاعُ التَّعْلِيلِ
  293. بِالْأَسَامِي مُطْلَقًا لِأَنَّهَا تُشْبِهُ الطَّرْدَ وَأَمَّا الْأَسَامِي الْمُشْتَقَّةُ فَالتَّعْلِيلُ بِمَوْضِعِ الِاشْتِقَاقِ لَا بِنَفْسِ الِاسْمِ انْتَهَى وهو تَفْصِيلٌ لَا مَزِيدَ على حَسَنِهِ فَإِنْ قُلْت فَهَلْ لِلْإِمَامِ سَلَفٌ في دَعْوَاهُ الِاتِّفَاقَ قلت رأيت في كِتَابِ الْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ ما نَصُّهُ اتَّفَقُوا على فَسَادِ الْعِلَّةِ إذَا اقْتَصَرْت بها على الِاسْمِ وَإِنْ كان بَعْضُهُمْ إذَا ضَاقَ عليه الْأَمْرُ تَعَلَّقَ بِهِ كَالرَّجُلِ يَسْأَلُ عن بَيْعِ الْكَلْبِ فَيُقَالُ لِأَنَّهُ كَلْبٌ قِيَاسًا على ما لَا نَفْعَ فيه أو على الْقُصُورِ وَلَيْسَ ذلك خِلَافًا بَعْدُ هذا لَفْظُهُ مع أَنَّهُ قبل ذلك بِقَلِيلٍ حَكَى وَجْهَيْنِ في التَّعْلِيلِ بِالِاسْمِ فَإِنْ قُلْت فما تَحْمِلُ كَلَامَ الْإِمَامِ على الْمُشْتَقِّ أو اللَّقَبِ قُلْت أَحْمِلُهُ على اللَّقَبِ لِأَنَّهُ نَصٌّ في غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّهُ إذَا عُلِّقَ الْحُكْمُ بِالِاسْمِ الْمُشْتَقِّ كان مُعَلَّلًا بِمَا منه الِاشْتِقَاقُ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ هُنَا مُرَادُهُ الِاسْمُ الذي ليس بِمُشْتَقٍّ نعم الْخِلَافُ جَارٍ وَإِنْ لم يَكُنْ مُشْتَقًّا ومنها أَنْ لَا يَكُونَ وَصْفُهَا حُكْمًا شَرْعِيًّا عِنْدَ قَوْمٍ لِأَنَّهُ مَعْلُولٌ فَكَيْفَ يَكُونُ عِلَّةً وَالْمُخْتَارُ جَوَازُ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ كَقَوْلِنَا حَرُمَ الِانْتِفَاعُ بِالْخَمْرِ فَيَبْطُلُ بَيْعُهُ لِأَنَّ الْحُكْمَ قد يَدُورُ مع الْحُكْمِ الْآخَرِ وُجُودًا وَعَدَمًا وَالدَّوَرَانُ يُفِيدُ ظَنَّ الْعِلِّيَّةِ وَلِأَنَّ الْعِلَّةَ بِمَعْنَى الْمُعَرِّفِ وَلَا بُعْدَ في أَنْ يُجْعَلَ حُكْمٌ مُعَرِّفًا لِحُكْمٍ آخَرَ بِأَنْ يَقُولَ الشَّارِعُ رَأَيْتُمُونِي أُثْبِتُ الْحُكْمَ الْفُلَانِيَّ في الصُّورَةِ الْفُلَانِيَّةِ فَاعْلَمُوا أَنِّي أُثْبِتُ الْحُكْمَ الْفُلَانِيَّ فيها أَيْضًا وَنَقَلَهُ الْهِنْدِيُّ عن الْأَكْثَرِينَ وقال السُّهَيْلِيُّ إنَّهُ هو الصَّحِيحُ من مَذْهَبِ الْأُصُولِيِّينَ وَنَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ عن عَامَّةِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ قال وقد قَاسَ الشَّافِعِيُّ رَقَبَةَ الظِّهَارِ على الرَّقَبَةِ في الْقَتْلِ وفي أَنَّ الْإِيمَانَ شَرْطٌ فِيهِمَا بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ كَفَّارَةٌ بِالْعِتْقِ وقال في زَكَاةِ مَالِ الْيَتِيمِ لِأَنَّهُ مَالِكٌ تَامُّ الْمِلْكِ وقال في الذِّمِّيِّ يَصِحُّ ظِهَارُهُ لِأَنَّهُ يَصِحُّ طَلَاقُهُ كَالْمُسْلِمِ وَقَاسَ الْوُضُوءَ على التَّيَمُّمِ في النِّيَّةِ بِأَنَّهُمَا طُهْرَانِ عن حَدَثٍ وقال مَالِكٌ كُلُّ فِطْرٍ مَعْصِيَةٌ فيها الْكَفَّارَةُ كَالْفِطْرِ بِالْوَطْءِ وقال أَصْحَابُ الرَّأْيِ الْمَنِيُّ نَجِسٌ لِأَنَّهُ يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ بِخُرُوجِهِ من الْبَدَنِ كَالْبَوْلِ انْتَهَى وقال ابن الْقَطَّانِ حُكْمُ تِلْكَ الْعِلَّةِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً كَقَوْلِنَا حَرُمَ الرِّبَا لِأَنَّهُ رِبًا حَرُمَ الْأَكْلُ لِأَنَّهُ أَكْلٌ وَإِنَّمَا امْتَنَعَ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَدُلَّ الشَّيْءُ على نَفْسِهِ وَإِنَّمَا يَدُلُّ عليه بِغَيْرِهِ فإذا تَعَذَّرَ هذا فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ في تَحْرِيمِ هذا تَحْرِيمَ غَيْرِهِ كَأَنْ يَقُولَ الْعِلَّةُ في إيجَابِ الْكَفَّارَةِ على الْوَاطِئِ إيجَابُهَا على الْقَاتِلِ وَتَحْرِيمُ الْقَتْلِ وما أَشْبَهَهُ
  294. أَمْ لَا على وَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا منهم من جَوَّزَهُ وَمِنْهُمْ من أَبَاهُ وَاحْتَجَّ الْمُجَوِّزُونَ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ جَعَلَ الْعِلَّةَ فِيمَا يُخْرَجُ في زَكَاةِ الْفِطْرِ ما تَجِبُ فيه الزَّكَاةُ وإذا كان هَكَذَا دَلَّ على جَوَازِهِ لِأَنَّ هذا إنَّمَا حُكْمٌ لِأَنَّ الْقُرْآنَ وَرَدَ بِهِ في قَوْله تَعَالَى فَبِظُلْمٍ من الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عليهم طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لهم وَالظُّلْمُ هو اسْمُ حُكْمٍ وَاخْتَارَ ابن الْمُنِيرِ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَكُونُ عِلَّةً وَإِنَّمَا هو دَلِيلٌ على الْعِلَّةِ من حَيْثُ الْمُلَازَمَةُ وَذَلِكَ أَنْ تَكُونَ عِلَّتُهُ تَقْتَضِي حُكْمَيْنِ فإذا وُجِدَ أَحَدُهُمَا اسْتَدْلَلْنَا بِوُجُودِهِ على وُجُودِهَا ثُمَّ على وُجُودِ الْحُكْمِ الْمَعْلُومِ ضَرُورَةُ تَلَازُمِ الثَّلَاثَةِ وقال الْآمِدِيُّ في الْأَحْكَامِ الْمُخْتَارُ أَنَّ الشَّرْعِيَّ يَكُونُ عِلَّةً شَرْعِيَّةً بِمَعْنَى الْأَمَارَةِ لَا في أَصْلِ الْقِيَاسِ بَلْ في غَيْرِهِ فَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ الشَّارِعُ إذَا عَرَفْتُمْ أَنِّي حَكَمْت بِإِيجَابِ كَذَا فَاعْلَمُوا أَنِّي حَكَمْت بِكَذَا وَإِنَّمَا امْتَنَعَ في أَصْلِ الْقِيَاسِ لِأَنَّ الْعِلَّةَ لَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الْبَاعِثِ فَإِنْ كان بَاعِثًا على حُكْمِ الْأَصْلِ كَتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ يَقْتَضِيهَا حُكْمُ الْأَصْلِ جَازَ وَإِنْ كان لِدَفْعِ مَفْسَدَةٍ فَلَا وَتَابَعَهُ ابن الْحَاجِبِ وهو تَحَكُّمٌ لِأَنَّ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ إنَّمَا شُرِعَ لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ أو دَفْعِ مَفْسَدَةٍ فلما يُخَصَّصُ بِالْمَصْلَحَةِ دُونَ دَفْعِ الْمَفْسَدَةِ تَنْبِيهٌ الْقَائِلُونَ بِالْجَوَازِ اخْتَلَفُوا في تَعْلِيلِ الْحُكْمِ الْحَقِيقِيِّ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ كَقَوْلِنَا في إثْبَاتِ الْحَيَاةِ في الشَّعْرِ بِأَنَّهُ يَحْرُمُ بِالطَّلَاقِ وَيَحِلُّ بِالنِّكَاحِ فَيَكُونُ حَيًّا كَالْيَدِ فَمِنْهُمْ من جَوَّزَهُ قال الْهِنْدِيُّ وهو الْحَقُّ لِأَنَّ الْمُرَادَ من الْعِلَّةِ الْمُعَرِّفُ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ مُعَرِّفًا لِلْحُكْمِ الْحَقِيقِيِّ فَأَمَّا إذَا فَسَّرْنَاهَا بِالْمُوجِبِ وَالدَّاعِي امْتَنَعَ وَمِنْهُمْ من أَطْلَقَ الْمَنْعَ فَإِنْ كان ذلك بِنَاءً على تَفْسِيرِ الْعِلَّةِ بِالْمُوجِبِ فَصَحِيحٌ لَكِنْ لَا نَرْتَضِيهِ وَإِنْ كان ذلك مُطْلَقًا فَبَاطِلٌ وَكَلَامُ الْعَبْدَرِيِّ يَقْتَضِي التَّفْصِيلَ بين الْحُكْمِ الْمَنْصُوصِ وَالْمُسْتَنْبَطِ فإنه قال يُقَالُ لِلْمَانِعِ من التَّعْلِيلِ بِالْحُكْمِ إنْ أَرَدْت بِهِ الْحُكْمَ الذي يَسْتَنْبِطُهُ الْمُجْتَهِدُ فَقَوْلُك صَحِيحٌ وَلَسْنَا نَنْفِيهِ وَإِنْ أَرَدْت الْحُكْمَ الذي صَدَرَ عن الشَّارِعِ فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَحْكُمَ الشَّرْعُ بِحُكْمٍ ثُمَّ يَجْعَلُ ذلك الْحُكْمَ عِلَّةً لِحُكْمٍ آخَرَ وقد وَقَعَ في الشَّرْعِ كَثِيرًا بِنَاءً على تَفْسِيرِ الْعِلَّةِ بِالْمُوجِبِ
  295. مَسْأَلَةٌ قال في الْمَحْصُولِ يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِالْأَوْصَافِ الْعُرْفِيَّةِ وَهِيَ الشَّرَفُ وَالْخِسَّةُ وَالْكَمَالُ وَالنَّقْصُ وَلَكِنْ بِشَرْطَيْنِ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوصًا مُتَمَيِّزًا عن غَيْرِهِ وَأَنْ يَكُونَ مُطَّرِدًا لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ وَإِلَّا لَجَازَ أَلَّا يَكُونَ ذلك الْمُعَرِّفُ حَاصِلًا في زَمَانِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ ومنها شَرَطَ قَوْمٌ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ ذَاتَ وَصْفٍ كَالْإِسْكَارِ في تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَالْمُخْتَارُ جَوَازُ تَعَدُّدِ الْوَصْفِ وَوُقُوعِهِ كَالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ لِلْقِصَاصِ وَنَسَبَهُ الْهِنْدِيُّ لِلْمُعْظَمِ وَحَكَى الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ إجْمَاعَ الْقَيَّاسِينَ وَصَوَّرَ الْمَسْأَلَةَ بِالْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ فقال وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا في الْعَقْلِيَّةِ فقال الشَّيْخُ أبو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ لَا يَجُوزُ تَرْكِيبُهَا من وَصْفَيْنِ فَأَكْثَرَ قال وَأَجَازَهُ الْبَاقُونَ من أَصْحَابِنَا قال وَكَذَلِكَ الْحُدُودُ امْتَنَعَ من تَرْكِيبِهَا الْأَشْعَرِيُّ وَأَجَازَهُ الْبَاقُونَ وهو الصَّحِيحُ وَحَيْثُ قُلْنَا بِالتَّرْكِيبِ فَقِيلَ لَا يَتَعَدَّى خَمْسَةً وَحَكَاهُ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ عن أبي عبد اللَّهِ الْجُرْجَانِيِّ الْحَنَفِيِّ وَنَصَرَهُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ في كِتَابِ شَرْحِ التَّرْتِيبِ فقال لم أَسْمَعْ أَهْلَ الِاجْتِهَادِ زَادُوا في الْعِلَّةِ على خَمْسَةِ أَوْصَافٍ بَلْ إذَا بَلَغَتْ خَمْسَةً اسْتَثْقَلُوهَا ولم يُتَمِّمُوهَا وقال في كِتَابِهِ أَقْوَاهَا ما تَرَكَّبَ من وَصْفَيْنِ ثُمَّ يَلِيهِ الثَّلَاثَةُ ثُمَّ الْأَرْبَعَةُ ثُمَّ الْخَمْسَةُ ولم أَرَ لِأَحَدٍ من الْمُتَقَدِّمِينَ زِيَادَةً عليه وَيَخْرُجُ ذلك عن الْأَقْسَامِ وَالضَّبْطِ إذَا كَثُرَتْ الْأَوْصَافُ وَحَكَى في الْمَحْصُولِ عن الشَّيْخِ أبي إِسْحَاقَ أَنَّهُ حَكَى عن بَعْضِهِمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ زِيَادَتُهَا على سَبْعَةٍ لَكِنْ نَقَلَ في رِسَالَتِهِ الْبَهَائِيَّةِ عنه عن بَعْضِهِمْ أنها لَا تَزِيدُ على خَمْسَةٍ وَهَذَا هو الصَّوَابُ عن حِكَايَةِ الشَّيْخِ نعم قَوْلُ عَدَمِ الزِّيَادَةِ على السَّبْعَةِ مَحْكِيٌّ أَيْضًا حَكَاهُ ابن الْفَارِضِ في كِتَابِهِ عن جَمَاعَةٍ قال الْإِمَامُ الرَّازِيَّ وَهَذَا التَّقْدِيرُ لَا أَعْرِفُ له حُجَّةً وقال صَاحِبُ التَّنْقِيحِ غَايَةُ ما يَتَوَقَّفُ عليه الْحُكْمُ سَبْعَةٌ قال ابن عَقِيلٍ وقد قال أَصْحَابُنَا وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ من كان بِقُرْبِ مِصْرٍ يَجِبُ عليه الْحُضُورُ إذَا سمع
  296. النِّدَاءَ حُرٌّ مُسْلِمٌ صَحِيحٌ مُقِيمٌ في مَوْطِنٍ يَبْلُغُهُ النِّدَاءُ في مَوْضِعٍ تَصِحُّ فيه الْجُمُعَةُ فَهُوَ كَالْمُقِيمِ في مِصْرٍ قال وَهَذَا يَتَضَمَّنُ سَبْعَةَ أَوْصَافٍ وَلَمَّا ذَكَرَ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ تَرْتِيبَهَا على ما سَبَقَ قال وَإِنَّمَا قَدَّمَ ما قَلَّ وَصْفُهُ على ما كَثُرَ منه لِلْحَاجَةِ فِيمَا كَثُرَ وَصْفُهُ إلَى زِيَادَةِ الِاجْتِهَادِ وَجَوَازِ الْخَطَأِ وَسَلَامَةِ ما قَلَّ وَصْفُهُ في أَحَدِ مَوَاضِعِهِ عنه لِأَنَّهُ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ النَّصِّ وَالْعُمُومِ وَالظَّاهِرِ الصَّرِيحِ وَالْمُحْتَمَلِ إذَا وَقَعَ التَّعَارُضُ بَيْنَهُ وقال إلْكِيَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّعْلِيلُ أَوْصَافًا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا وَفِيهِ إخَالَةٌ ثُمَّ هذا الْمَعْنَى يَقْتَضِي إفْرَادَ كل وَصْفٍ بِالتَّعْلِيلِ لِأَنَّهُ إذَا كان مَخِيلًا كَفَى ذلك وقد يَمْتَنِعُ الْإِجْمَاعُ وَلَا يَهْتَدِي الْعَقْلُ أَنَّ الْوَصْفَ مَخِيلُ لَكِنْ يَجِبُ أَلَّا يَكْتَفِيَ بِأَنَّهُ ليس كَالْإِخَالَةِ الْمُعْتَبَرَةِ في الْعِلَّةِ التي ليس لها وَصْفٌ وَاحِدٌ وقد يَكُونُ أَحَدُهُمَا وَصْفًا وَالْآخَرُ مَخِيلًا وَإِنَّمَا يَعْلَمُ كَوْنَهُ مَخِيلًا بِأَنْ لَا يُؤَثِّرَ في الْحُكْمِ أَصْلًا وَلَكِنْ يُؤَثِّرُ في الْعِلَّةِ لِتَعْظِيمِ وَقْعِهَا أو لَا يَكُونُ مُؤَثِّرًا في الْحُكْمِ وَالْعِلَّةِ فَيَكُونُ عَلَمًا مَحْضًا وَهَذَا هو الذي يُلَقَّبُ بِالشَّرْطِ وَالشَّرْطُ الْعَلَامَةُ تَنْبِيهٌ قد يَسْتَشْكِلُ مَحَلُّ الْخِلَافِ فإنه إنْ كان عِنْدَ الْحَاجَةِ لِلزِّيَادَةِ فَلَا وَجْهَ لِلْمَنْعِ أو عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ فَلَا وَجْهَ لِلتَّجْوِيزِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ هذا مَوْضِعَ الْخِلَافِ وقد عَلَّلَ الشَّافِعِيُّ في الْجَدِيدِ الرِّبَا في الْأَرْبَعَةِ بِكَوْنِهَا مَطْعُومَةً من جِنْسٍ وَاحِدٍ وَأَضَافَ في الْقَدِيمِ إلَى ذلك الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَزَيَّفَهُ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ في تَعْلِيقِهِ بِأَنَّ الْعِلَّةَ إذَا اسْتَقَلَّتْ بِوَصْفَيْنِ لم يَجُزْ أَنْ يُضَافَ إلَيْهِمَا وَصْفٌ ثَالِثٌ لِأَنَّ الْوَصْفَ في الْعِلَّةِ إنَّمَا يُذْكَرُ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ فإذا اسْتَغْنَى عنه كان ذِكْرُهُ لَغْوًا وَكَذَلِكَ قال الشَّيْخُ أبو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ في شَرْحِ التَّلْخِيصِ إذَا تَقَابَلَتْ الْعِلَّتَانِ وَإِحْدَاهُمَا أَكْثَرُ أَوْصَافًا من الْأُخْرَى فَالْقَلِيلَةُ أَوْلَى بِإِجْمَاعِ النُّظَّارِ وَأَهْلِ الْأُصُولِ قال وَلَوْ جَازَ أَنْ يَزِيدَ الْوَاحِدُ وَصْفًا بَعْدَ اسْتِقَامَةِ الْعِلَّةِ وَالِاسْتِغْنَاءِ عنه لَجَازَ أَنْ يَزِيدَ خَمْسَةَ أَوْصَافٍ وَعَشَرَةً وَلَا فَائِدَةَ فيها لِأَنَّ الْعِلَّةَ كُلَّمَا زَادَتْ أَوْصَافُهَا ضَعُفَتْ وَكُلَّمَا قَلَّتْ قَوِيَتْ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى كَثْرَةِ الْأَوْصَافِ لِبُعْدِ الْفَرْعِ عنه وَقِلَّةُ الْأَوْصَافِ لِقُرْبِهِ منه وهو بِمَنْزِلَةِ من قَرُبَتْ قَرَابَتُهُ وَمَنْ بَعُدَ لَمَّا كان ابن الْعَمِّ لَا يُدْلِي إلَى الْمَيِّتِ إلَّا بِجَمَاعَةٍ تَوَسَّطُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَيِّتِ ولم يَكُنْ بِمَنْزِلَةِ الِابْنِ وَالْأَبِ اللَّذَيْنِ يُدْلِيَانِ إلَيْهِ بِأَنْفُسِهِمَا وَأَيْضًا لِأَنَّ الْأَوْصَافَ كُلَّمَا كَثُرَتْ في الْعِلَّةِ قَلَّتْ الْفُرُوعُ
  297. أَلَا تَرَى من ضَمَّ وَصْفَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ إلَى الطُّعْمِ أَسْقَطَ الرِّبَا عن الْمَطْعُومَاتِ التي لَا تُكَالُ وَلَا تُوزَنُ كَالْبِطِّيخِ وَالْقِثَّاءِ وَالتِّينِ وَالْجَوْزِ وَغَيْرِهَا فَكَانَ كَاجْتِمَاعِ الْمُتَعَدِّيَةِ مع الْقَاصِرَةِ ثُمَّ أَشَارَ الشَّيْخُ إلَى أَنَّ من الْأَصْحَابِ من جَعَلَ الْعِلَّةَ على الْجَدِيدِ مُرَكَّبَةً من الْجِنْسِ وَالطُّعْمِ قال وَالصَّحِيحُ أنها بَسِيطَةٌ وَهِيَ الطُّعْمُ وَأَمَّا الْجِنْسُ فَحَمْلُ الْحُكْمِ لَا أَثَرَ له في تَعَلُّقِ الْحُكْمِ كما أَنَّ الشِّدَّةَ مَحَلٌّ لِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَلَيْسَتْ الْخَمْرُ عِلَّةً لِوُجُودِ الشِّدَّةِ في غَيْرِ الْخَمْرِ وقال الْهِنْدِيُّ بَعْدَ حِكَايَةِ الْخِلَافِ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى إنْكَارِ جَوَازِ كَوْنِ الْمَاهِيَّةِ الْمُرَكَّبَةِ عِلَّةً فإن اسْتِقْرَارَ الشَّرْعِ يَدُلُّ على وُجُوبِ وُقُوعِهِ فإن كَوْنَ الْقِصَاصِ وَاجِبًا في الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ وَحْدَهُ وَكَذَلِكَ كَوْنُ الرِّبَا جَارِيًا في الْمَطْعُومِ بِجِنْسِهِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ أَحَدَ الْوَصْفَيْنِ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً لِذَلِكَ بَلْ مَجْمُوعُ الْوَصْفَيْنِ أو أَحَدِهِمَا بِشَرْطِ الْآخَرِ وفي الْجُمْلَةِ أَنَّ أَكْثَرَ أَحْكَامِ الشَّرْعِ غَيْرُ ثَابِتٍ على إطْلَاقِهَا بَلْ بِعُقُودٍ مُعْتَبَرَةٍ فيها وَاسْتِنْبَاطُ الْعِلَّةِ الْبَسِيطَةِ من مِثْلِ هذه الْأَحْكَامِ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَيَلْزَمُ الْمَصِيرُ إلَى كَوْنِ تِلْكَ الْأَحْكَامِ تَعَبُّدِيَّةً وهو على خِلَافِ الْأَصْلِ أو تَجْوِيزُ اسْتِخْرَاجِ الْعِلَّةِ الْمُرَكَّبَةِ وهو الْمَطْلُوبُ فَائِدَةٌ الْعِلَّةُ إذَا كَثُرَتْ أَوْصَافُهَا قَلَّتْ مَعْلُولَاتُهَا وإذا قَلَّتْ كَثُرَتْ ذَكَرَهُ بَعْضُ تَلَامِذَةِ إلْكِيَا وَنَظِيرُهُ أَنَّ الزِّيَادَةَ في الْحَدِّ نُقْصَانٌ في الْمَحْدُودِ وَالنُّقْصَانُ فيه زِيَادَةٌ في الْمَحْدُودِ ومنها أَنْ تَكُونَ مُسْتَنْبَطَةً من أَصْلٍ مَقْطُوعٍ بِحُكْمِهِ عِنْدَ قَوْمٍ وَالْمُخْتَارُ الِاكْتِفَاءُ بِالظَّنِّ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ في الْعَمَلِ ومنها الْقَطْعُ بِوُجُودِ الْعِلَّةِ في الْفَرْعِ عِنْدَ قَوْمٍ منهم الْمَرْوَزِيِّ في جَدَلِهِ وَنَقَلَهُ عن شَيْخِهِ محمد بن يحيى تِلْمِيذُ الْغَزَالِيِّ وَالْمُخْتَارُ الِاكْتِفَاءُ بِالظَّنِّ لِأَنَّهُ مَعْمُولٌ بِهِ في الشَّرْعِيَّاتِ وَلِأَنَّ سَائِرَ أَرْكَانِ الْقِيَاسِ يَكْفِي فيه الظَّنُّ فَكَذَا ما نَحْنُ فيه لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّقَ إبَاحَةَ وَطْءِ الْحَائِضِ على الطُّهْرِ بِقَوْلِهِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ وَمَعَ ذلك لو قالت الْمَرْأَةُ تَطَهَّرْت اكْتَفَى بِذَلِكَ وَجَازَ الْوَطْءُ اتِّفَاقًا وَكَذَلِكَ إبَاحَةُ الْعَقْدِ على الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا على أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَمَعَ ذلك إذَا قالت تَزَوَّجْت اكْتَفَى بِذَلِكَ وَإِنْ لم يُفِدْ قَوْلُهَا إلَّا الظَّنَّ وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الْقَطْعَ إنَّمَا قام على الْعَمَلِ بِالظَّنِّ في الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ دُونَ
  298. الْأَوْصَافِ الْحَقِيقِيَّةِ وهو ضَعِيفٌ فإن الْقَاطِعَ لَا يَخْتَصُّ دَلَالَتُهُ في شَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ بَلْ يَدُلُّ على الْعَمَلِ بِالْمَظْنُونِ حَيْثُ تَحَقَّقَتْ وَتَوَسَّطَ الْمُقْتَرَحُ فقال لَا يُشْتَرَطُ الْقَطْعُ بِوُجُودِهَا إلَّا إذَا كانت وَصْفًا حَقِيقِيًّا كَالْإِسْكَارِ أَمَّا الْوَصْفُ الشَّرْعِيُّ فَيَكْفِي غَلَبَةُ الظَّنِّ بِحُصُولِهِ وَمِنْهُمْ من جَعَلَ مَحَلَّ الْخِلَافِ في الْوَصْفِ الْحَقِيقِيِّ أو الْعُرْفِيِّ وَأَنَّهُ لَا خِلَافَ في الشَّرْعِيِّ بِالِاكْتِفَاءِ بِالظَّنِّ ومنها حُصُولُ الِاتِّفَاقِ على وُجُودِ الْوَصْفِ الذي هو عِلَّةٌ لِلْحُكْمِ في الْأَصْلِ هَكَذَا شَرَطَ بَعْضُهُمْ وهو ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ لَمَّا أَمْكَنَ إثْبَاتُهُ بِالدَّلِيلِ حَصَلَ الْغَرَضُ ومنها أَنْ لَا تَكُونَ مُخَالِفَةً لِمَذْهَبِ صَحَابِيٍّ وَالْحَقُّ جَوَازُهَا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبُهُ لِعِلَّةٍ مُسْتَنْبَطَةٍ من أَصْلٍ آخَرَ ومنها أَنْ تَكُونَ مُتَّحِدَةً في الْأَصْلِ أَيْ لَا يَكُونُ مَعَهَا عِلَّةٌ أُخْرَى ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ وهو بِنَاءً على اخْتِيَارِهِ في مَنْعِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ ومنها إذَا كانت الْعِلَّةُ وُجُودَ مَانِعٍ أو انْتِفَاءَ شَرْطٍ فَشَرَطَ الْجُمْهُورُ منهم الْآمِدِيُّ وَصَاحِبُ التَّنْقِيحِ وُجُودَ الْمُقْتَضَى وَالْمُخْتَارُ وِفَاقًا لِلرَّازِيِّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ كَقَوْلِنَا الزَّكَاةُ لَا تَجِبُ في الْحُلِيِّ الْمُبَاحِ بِدَلِيلِ عَدَمِهَا في اللَّآلِئِ وَالْجَوَاهِرِ ثُمَّ قال الْإِمَامُ وَتَبِعَهُ الْهِنْدِيُّ هذا الْخِلَافُ مُفَرَّعٌ على جَوَازِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ لِإِمْكَانِ اجْتِمَاعِ الْعِلَّةِ مع الْمَانِعِ في أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ فَإِنْ مَنَعْنَاهُ فَلَا يُتَصَوَّرُ هذا الْخِلَافُ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ بِالْمَانِعِ حِينَئِذٍ لَا يُتَصَوَّرُ فَضْلًا عن أَنْ يَكُونَ مَشْرُوطًا بِبَيَانِ الْمُقْتَضَى أَمْ لَا وَكَذَلِكَ الْخِلَافُ فِيمَا لو عَلَّلَ عَدَمَ الْحُكْمِ بِفَوَاتِ شَرْطٍ وَمَنَعَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ تَفْرِيعًا على الْقَوْلِ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ وقال بِمَجِيءِ الْخِلَافِ وَإِنْ لم يُجَوِّزْ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ وَكَأَنَّ وَجْهَهُ أَنَّ الْمَانِعَ من التَّخْصِيصِ يقول ما يُسَمُّونَهُ بِالْمَانِعِ مُقْتَضٍ عِنْدِي لِلْحُكْمِ بِالْعَدَمِ فَقَتْلُ الْمُكَافِئِ في غَيْرِ الْأَبِ هو الْعِلَّةُ في إيجَابِ الْقِصَاصِ وَقَتْلُ الْأَبِ بِخُصُوصِهِ هو الْمُقْتَضِي لِعَدَمِ الْإِيجَابِ وَيَعُودُ حِينَئِذٍ الْخِلَافُ لَفْظِيًّا ومنها إذَا أَثَّرَتْ الْعِلَّةُ في مَوْضِعٍ من الْأُصُولِ دَلَّ على صِحَّتِهَا وَإِنْ لم يَكُنْ ذلك أَصْلَ الْعِلَّةِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا من قال يُعْتَبَرُ تَأْثِيرُهَا في الْأَصْلِ قَالَهُ الشَّيْخُ في التَّبْصِرَةِ
  299. مَسْأَلَةٌ في جَوَازِ تَعْلِيلِ الشَّيْءِ بِجَمِيعِ أَوْصَافِهِ خِلَافٌ حَكَاهُ ابن فُورَكٍ وَالْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ مَبْنِيٌّ على أَنَّ شَرْطَ الْعِلَّةِ التَّعَدِّي فَمَنْ شَرَطَهُ مَنَعَهَا هُنَا وَمَنْ جَوَّزَهُ اخْتَلَفُوا على قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّ حَقَّ الْعِلَّةِ التَّأْثِيرُ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَثِّرُ بَعْضَ الْأَوْصَافِ دُونَ بَعْضٍ فَتَعْلِيلُهُ بِجَمِيعِهَا لَا يَصِحُّ فَلَوْ اتَّفَقَ أَنَّ جَمِيعَهَا مُؤَثِّرَةٌ جَازَ والثاني يَصِحُّ لِأَنَّ أَكْثَرَ ما فيه أَنْ لَا يَتَعَدَّى وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهَا مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا كما قَالَهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ في الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْحُكْمِ إذَا احْتَاجَتْ إلَى تَقْدِيمِ أَسْبَابٍ عليها ولم يَكُنْ لِتِلْكَ الْأَسْبَابِ تَأْثِيرٌ في الْحُكْمِ كَالزِّنَى الْمُوجِبِ لِلرَّجْمِ بِشَرْطِ وُجُودِ الْإِحْصَانِ وَتَكْمِيلِ جَلْدِ الزِّنَى مِائَةً بِشَرْطِ وُجُودِ الْحُرِّيَّةِ فقال أَكْثَرُهُمْ يَكُونُ مَجْمُوعُ تِلْكَ الْأَوْصَافِ عِلَّةً لِلْحُكْمِ لِسُقُوطِهِ عِنْدَ عَدَمِ بَعْضِهَا كما يَسْقُطُ عِنْدَ عَدَمِ جَمِيعِهَا وقال بَعْضُهُمْ الْعِلَّةُ هِيَ الْوَصْفُ الْجَالِبُ لِلْحُكْمِ دُونَ السَّبَبِ الْمُتَقَدِّمِ عليه وَعَلَى هذا فَعِلَّةُ الرَّجْمِ وَتَكْمِيلِ الْحَدِّ وُجُودُ الزِّنَى دُونَ الْحُرِّيَّةِ وَالْإِحْصَانِ وَبِهِ قال أَكْثَرُ أَهْلِ الرَّأْيِ وَكَذَلِكَ قالوا في أَرْبَعَةٍ شَهِدُوا على رَجُلٍ بِالزِّنَى وَشَهِدَ عليه اثْنَانِ بِالْحُرِّيَّةِ أو بِالْإِحْصَانِ وَوَقَعَ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِمْ ثُمَّ رَجَعَ الْكُلُّ عن شَهَادَتِهِمْ إنَّ الضَّمَانَ على شُهُودِ الزِّنَى دُونَ شُهُودِ الْإِحْصَانِ وَقَالُوا في شَاهِدَيْنِ شَهِدَا على رَجُلٍ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ أَمْسِ فَقَضَى الْقَاضِي عليه بِعِتْقِهِ وَشَهِدَ آخَرَانِ بِأَنَّ ذلك الْعَبْدَ كان قد جَنَى أَوَّلَ أَمْسِ وَأَنَّ الْوَلِيَّ عَلِمَ بِالْجِنَايَةِ فَأَلْزَمَهُ الْقَاضِي الدِّيَةَ وَجَعَلَهُ مُخْتَارًا لِلْفِدَاءِ ثُمَّ رَجَعَ الشُّهُودُ كلهم إنَّ ضَمَانَ الدِّيَةِ على شُهُودِ الْجِنَايَةِ وَضَمَانَ الْقِيمَةِ على شُهُودِ الْعِتْقِ لِأَنَّ الْقَاضِيَ أَلْزَمَهُ الدِّيَةَ بِشَهَادَتِهِمْ وَإِنْ لم تَكُنْ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلدِّيَةِ أَكْثَرَ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في ذلك فقال أبو حَفْصِ بن الْوَكِيلِ إذَا شَهِدَ عليه أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَى وَشَاهِدَانِ بِالْإِحْصَانِ فَرُجِمَ ثُمَّ رَجَعَ وَاحِدٌ منهم عن الشَّهَادَةِ عليه سُدُسُ الدِّيَةِ وَهَذَا يَدُلُّ على أَنَّهُ كان يَجْعَلُ مَجْمُوعَ الْإِحْصَانِ وَالزِّنَى عِلَّةً لِلرَّجْمِ وَلِذَلِكَ قال إنْ رَجَعَ شُهُودُ الْإِحْصَانِ فَعَلَيْهِمْ ثُلُثُ الدِّيَةِ أو شُهُودُ الزِّنَى فَثُلُثَاهَا وَهَذَا إذَا كان شُهُودُ الزِّنَى
  300. غير شَاهِدَيْ الْإِحْصَانِ فَإِنْ كَانَا من شُهُودِ الزِّنَى فَعَلَيْهِمَا بِرُجُوعِهِمَا عن شَهَادَةِ الْإِحْصَانِ ثُلُثُ الدِّيَةِ وَبِرُجُوعِهِمَا عن شَهَادَةِ الزِّنَى ثُلُثَا الدِّيَةِ وَإِنْ شَهِدَ الْأَرْبَعَةُ على الْإِحْصَانِ وَالزِّنَى فَالْحُكْمُ وَاضِحٌ وقال بَعْضُ أَصْحَابِنَا هذا إذَا كان شُهُودُ الْإِحْصَانِ غير شُهُودِ الزِّنَى فَإِنْ كان منهم فَالدِّيَةُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ وَقِيلَ إنْ رَجَعُوا كلهم فَعَلَى هَؤُلَاءِ نِصْفُ الدِّيَةِ وَعَلَى الْآخَرِينَ النِّصْفُ وَعَلَى هذا قَوْلُ من رَأَى أَنَّ الْأَوْصَافَ عِلَّةٌ لِلْحُكْمِ قُلْت وَالرَّاجِحُ في الْمَذْهَبِ أَنَّ شُهُودَ الْإِحْصَانِ لَا يَغْرَمُونَ قال وَأَمَّا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ في شُهُودِ الْعِتْقِ وَشُهُودِ الْجِنَايَةِ في الْعَبْدِ فإذا رَجَعُوا كلهم فَالصَّحِيحُ من مَذْهَبِهِ أَنَّ ضَمَانَ الْجِنَايَةِ على شُهُودِ الْجِنَايَةِ وَضَمَانَ الْقِيمَةِ على شُهُودِ الْعِتْقِ وَأَبْطَلَ أبو ثَوْرٍ الْعِتْقَ مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ عِلَّةُ الْحُكْمِ وَصْفًا لَازِمًا بِالْإِجْمَاعِ كَتَعْلِيلِنَا تَحْرِيمَ الرِّبَا في الْمَطْعُومَاتِ بِإِمْكَانِ الطُّعْمِ منها وَكَتَعْلِيلِ أَهْلِ الرَّأْيِ تَحْرِيمَ النِّسَاءِ بِالْجِنْسِ وَحْدَهُ نَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ قال وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ وَصْفًا غير لَازِمٍ لِلْمَعْلُومِ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ مُرَكَّبَةً من أَوْصَافٍ بَعْضُهَا لَازِمٌ وَبَعْضُهَا ثَابِتٌ بِالشَّرْعِ أو الْعَادَةِ كَتَعْلِيلِنَا في الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ بِالْجِنْسِ وَكَوْنُهُ نَقْدًا عَامًّا وَالْجِنْسُ وَصْفٌ لَازِمٌ وَكَوْنُهُ عَامًّا بِالْعُرْفِ وَالْعَادَةِ مَسْأَلَةٌ قال صَاحِبُ اللُّبَابِ من الْحَنَفِيَّةِ إذَا كانت الْعِلَّةُ ذَاتَ وَصْفَيْنِ وَوُجِدَا على التَّعَاقُبِ أو شَرَطَ ذُو وَصْفَيْنِ قال بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْحُكْمُ مَنْسُوبٌ إلَى آخِرِ الْوَصْفَيْنِ وَالْمُعْتَبَرُ في الشَّرْطِ آخِرُهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا في الْأَثَرِ وَيَرْجِعُ الْآخَرُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يَعْقُبُ الْحُكْمَ وَبَنَوْا على هذا مَسَائِلَ منها شِرَاءُ الْقَرِيبِ إعْتَاقٌ لِأَنَّ الْعِتْقَ حَصَلَ بِالْقَرَابَةِ وَالْمِلْكِ وَالْمِلْكُ آخِرُهُمَا وُجُودًا فَصَارَ الشِّرَاءُ مُعْتِقًا وَكَذَلِكَ إذَا وَضَعَ جَمَاعَةٌ في سَفِينَةٍ شيئا فَغَرِقَتْ وَجَبَ الضَّمَانُ على آخِرِهِمْ وَضْعًا وَكَذَلِكَ شُرْبُ الْمُثَلَّثِ حَرَامٌ إلَى حَالَةِ السُّكْرِ ثُمَّ إذَا أَسْكَرَ الْقَدَحُ الْعَاشِرُ كان هو الْحَرَامُ لَا غَيْرُهُ وَإِنْ حَصَلَ السُّكْرُ بِشُرْبِ الْجَمِيعِ لَكِنَّ هذا آخِرُهَا وُجُودًا
  301. وقال بَعْضُهُمْ لَا يُضَافُ إلَى آخِرِهَا بَلْ إلَيْهِمَا جميعا لِأَنَّهُمَا جميعا جُزْءَا عِلَّةٍ قُلْت وَالْخِلَافُ عِنْدَنَا أَيْضًا فِيمَا لو طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا في دَفَعَاتٍ هل يَتَعَلَّقُ التَّحْرِيمُ بِالطَّلْقَةِ الثَّانِيَةِ وَحْدَهَا بِمَجْمُوعِ الثَّلَاثِ وَجْهَانِ وَفَائِدَتُهُمَا فِيمَا لو شَهِدُوا بِالثَّالِثَةِ ثُمَّ رَجَعُوا هل يَكُونُ الْغُرْمُ بِجُمْلَتِهِ عليهم أو ثُلُثُهُ فَقَطْ مَسْأَلَةٌ تَنْقَسِمُ الْعِلَّةُ إلَى ما يُفِيدُ الْأَثَرَ في الْحَالِ كَإِفْضَاءِ الْكَسْرِ إلَى الِانْكِسَارِ وَالْحَرْقِ إلَى الْإِحْرَاقِ وَإِلَى ما يُفِيدُهُ في ثَانِي الْحَالِ كَاقْتِضَاءِ الزِّرَاعَةِ وَالْغِرَاسَةِ حُصُولَ الْغَلَّةِ وَالثَّمَرَةِ وَكَإِفْضَاءِ الطَّلَاقِ إلَى حُصُولِ الْبَيْنُونَةِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ثُمَّ الْعِلَّةُ تَارَةً تُفِيدُ الْمَعْلُولَ بِلَا شَرْطٍ وهو كَثِيرٌ وَتَارَةً لَا تُفِيدُهُ إلَّا مع الشَّرْطِ كَإِفْضَاءِ التَّعْلِيقِ إلَى وُقُوعِ الْمُعَلَّقِ عِنْدَ الشَّرْطِ وَلَكِنَّ السَّابِقَ على الشَّرْطِ لَا يَكُونُ عِلَّةً إلَّا لِلْأَمْرِ الْمُقَيَّدِ وهو الْأَثَرُ بَعْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ ثُمَّ منها ما يُفِيدُ الْمَعْلُولَ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ كما قُلْنَا في الْكَسْرِ مع الِانْكِسَارِ وَتَارَةً لَا يُفِيدُهُ إلَّا بِوَاسِطَةٍ كَاقْتِضَاءِ قَطْعِ الْيَدِ الزُّهُوقَ في بَعْضِ الصُّوَرِ فإنه يُؤَثِّرُ في السِّرَايَةِ ثُمَّ تُفِيدُ السِّرَايَةَ أَثَرًا آخَرَ أو آثَارًا يَنْشَأُ منها زُهُوقُ الرُّوحِ وَمَتَى بَطَلَتْ تِلْكَ الْوَاسِطَةُ بَطَلَ اقْتِضَاءُ الْعِلَّةِ الْمَعْلُولَ من حَيْثُ التَّحْقِيقُ وكان بَعْضُهُمْ يَسْتَدِلُّ بِالْعِلَّةِ الْأُولَى على الْمَعْلُولِ الثَّانِي وَيَدَّعِي أَنَّهُ لَا يَضُرُّهُ انْتِفَاءُ الْوَاسِطَةِ قال الشَّيْخُ نَجْمُ الدِّينِ الْمَقْدِسِيُّ في كِتَابِ الْفُصُولِ وهو خَطَأٌ يَأْبَاهُ الْعَقْلُ قال وكان شَيْخُنَا رُكْنُ الدِّينِ الطَّاوُسِيُّ يقول هو بِمَنْزِلَةِ من أخبرنا وَسَطَ النَّهَارِ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ في مَوْضِعٍ عَلَّقَ رَجُلٌ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ على غُرُوبِ الشَّمْسِ فقال آخَرُ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ هُنَا لِأَنَّ إخْبَارَ الرَّجُلِ اقْتَضَى غُرُوبَ الشَّمْسِ وَغُرُوبُ الشَّمْسِ مُسْتَلْزِمٌ وُقُوعَ الطَّلَاقِ فَيَقَعُ بِهِ وَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّ اقْتِضَاءَ الْإِخْبَارِ الْوُقُوعَ إنَّمَا كان بِوَاسِطَةِ ثُبُوتِ الْمُخْبَرِ عنه وهو غُرُوبُ الشَّمْسِ فلما بَطَلَتْ الْوَاسِطَةُ بَطَلَ الِاقْتِضَاءُ مَسْأَلَةٌ الْعِلَّةُ تَنْقَسِمُ بِاعْتِبَارِ عَمَلِهَا في الِابْتِدَاءِ وَالدَّوَامِ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا ما يَكُونُ عِلَّةً لِاقْتِضَاءِ الْحُكْمِ وَاسْتِدَامَتِهِ كَالرَّضَاعِ في تَحْرِيمِ النِّكَاحِ وَكَالْإِيمَانِ وَعَدَمِ الْمِلْكِ في الْمَنْكُوحَةِ الثَّانِي ما تَكُونُ عِلَّةً لِلِابْتِدَاءِ دُونَ الِاسْتِدَامَةِ كَالْعِدَّةِ وَالرِّدَّةِ هُمَا عِلَّتَانِ في مَنْعِ ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ دُونَ اسْتِدَامَتِهِ وَكَعَدِمِ الطَّوْلِ وَخَوْفِ الْعَنَتِ وَعَدَمِ الْإِحْرَامِ
  302. وما ذَكَرْنَاهُ من كَوْنِ هذا الْقِسْمِ من أَحْكَامِ الْعِلَلِ ذَكَرَهُ الْأُصُولِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ منهم ابن الْقَطَّانِ في كِتَابِهِ وَإِلْكِيَا وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَالْإِمَامُ في الْمَحْصُولِ وَغَيْرُهُمْ وَحَكَاهُ سُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ عن بَعْضِ أَصْحَابِنَا ثُمَّ قال وَهَذَا قَوْلٌ فَاسِدٌ لِأَنَّهُ يُوجِبُ الْقَوْلَ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ وَنَقْضِهَا وَالْعِدَّةُ وَالرِّدَّةُ إنَّمَا جُعِلَتَا عِلَّةً في مَنْعِ ابْتِدَاءِ عِلَّةِ عَقْدِ النِّكَاحِ وَهُمَا عِلَّةٌ في مَنْعِ ذلك بِكُلِّ حَالٍ ولم يُجْعَلَا عِلَّةً في مَنْعِ الِاسْتِدَامَةِ فَلَا يُقَالُ إنَّ اسْتِدَامَتَهُ تَجُوزُ مع وُجُودِ الْعِلَّةِ وَكَذَلِكَ كُلُّ ما أَشْبَهَهُ الثَّالِثُ عَكْسُهُ كَالطَّلَاقِ فإنه يَرْفَعُ حِلَّ الِاسْتِمْتَاعِ وَلَكِنْ لَا يَدْفَعُهُ إذْ الطَّلَاقُ لَا يَمْنَعُ وُقُوعَ نِكَاحٍ جَدِيدٍ قال ابن الْقَطَّانِ وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ في هذا أَنَّ الْعِلَلَ على حَسَبِ ما رَتَّبَهَا اللَّهُ وَنَصَبَهَا فَإِنْ نَصَبَهَا لِلِابْتِدَاءِ وَالدَّوَامِ أو لِأَحَدِهِمَا كانت له وقد أَطَالَ أَصْحَابُنَا الْكَلَامَ مع الْمُزَنِيّ فِيمَا إذَا تَزَوَّجَ بِالْأَمَةِ ثُمَّ أَيْسَرَ هل يَصِحُّ النِّكَاحُ فإنه ذَهَبَ إلَى انْفِسَاخِهِ كَالِابْتِدَاءِ وَنَاقَضَ في ذلك فَجَوَّزَهُ مع ارْتِفَاعِ الْعَنَتِ وهو لَا يَحِلُّ في الِابْتِدَاءِ فَالْوَاجِبُ اعْتِبَارُ ما نَصَبَهُ تَعَالَى دُونَ الِاشْتِغَالِ بِأَعْيَانٍ وقد اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ في أَكْلِ الْمَيْتَةِ مُضْطَرًّا في الِابْتِدَاءِ غير مُضْطَرٍّ في الِانْتِهَاءِ هل يَأْكُلُ بَعْدَ ارْتِفَاعِ الضَّرُورَةِ فَخَرَّجَهُ على قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَأْكُلُ والثاني لَا من حَيْثُ إنَّهُ قد ارْتَفَعَتْ الْعِلَّةُ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا الشَّيْءُ إذَا أُبِيحَ لِمَعْنَيَيْنِ فَارْتَفَعَ أَحَدُهُمَا هل يُبَاحُ أو يَرْجِعُ إلَى الضِّدِّ وَقِيلَ لَا حتى يَرْتَفِعَ الْمَعْنَيَانِ جميعا وَعِنْدَنَا أَنَّ الْأَمْرَ على ما نُصِبَ له قُلْت وَهَذَا الْخِلَافُ حَكَاهُ الْقَاضِي في الْحُكْمِ الْعَقْلِيِّ إذَا وَجَبَ بِعِلَّتَيْنِ كما سَنَذْكُرُهُ مَسْأَلَةٌ في تَعَدُّدِ الْعِلَلِ مع اتِّحَادِ الْحُكْمِ وَعَكْسِهِ يَجُوزُ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِالنَّوْعِ الْمُخْتَلِفِ بِالْجِنْسِ لِشَخْصٍ بِعِلَلٍ مُخْتَلِفَةٍ بِالِاتِّفَاقِ كَتَعْلِيلِ إبَاحَةِ قَتْلِ زَيْدٍ بِرِدَّتِهِ وَعَمْرٍو بِالْقِصَاصِ وَخَالِدٍ بِالزِّنَى وَمِمَّنْ نَقَلَ الِاتِّفَاقَ فيه الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ وَالْآمِدِيَّ وَالْهِنْدِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَكَلَامُ الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ ظَاهِرٌ في جَرَيَانِ الْخِلَافِ فيه وَلَا وَجْهَ له وقد صَرَّحَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِعِلَلٍ مُخْتَلِفَةٍ كُلٌّ منها مُسْتَقِلٌّ في إبَاحَةِ الدَّمِ كَقَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ كُفْرٍ بَعْدَ إسْلَامٍ أو زِنًى بَعْدَ إحْصَانٍ أو قَتْلِ
  303. مُؤْمِنٍ بِغَيْرِ حَقٍّ وَأَمَّا تَعْلِيلُ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ في شَخْصٍ بِعِلَلٍ مُخْتَلِفَةٍ فَلَا خِلَافَ في امْتِنَاعِهِ بِعِلَلٍ عَقْلِيَّةٍ كَذَا قِيلَ لَكِنْ لِأَهْلِ الْكَلَامِ فيه خِلَافٌ حَكَاهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ ثُمَّ قال اخْتَلَفُوا إذَا وَجَبَ الْحُكْمُ الْعَقْلِيُّ بِعِلَّتَيْنِ فَقِيلَ لَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِارْتِفَاعِهِمَا جميعا وَقِيلَ يَرْتَفِعُ بِارْتِفَاعِ إحْدَاهُمَا وَاخْتَلَفُوا في الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ إذَا ثَبَتَ كَوْنُهَا عِلَلًا بِذَلِكَ من خَارِجٍ هل يَصِحُّ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ بها كَمُحْصَنٍ زَنَى وَقَتَلَ فإن الزِّنَى يُوجِبُ الْقَتْلَ بِمُجَرَّدِهِ فَهَلْ تُعَلَّلُ إبَاحَةُ دَمِهِ بِهِمَا مَعًا أَمْ لَا وَكَالْعَصِيرِ إذَا تَخَمَّرَ وَوَقَعَتْ فيه نَجَاسَةٌ هل تُعَلَّلُ نَجَاسَتُهُ بِهِمَا مَعًا أَمْ لَا وَكَتَحْرِيمِ وَطْءِ الْمُعْتَدَّةِ الْمُحْرِمَةِ الْحَائِضِ على مَذَاهِبَ أَحَدُهَا الْمَنْعُ مُطْلَقًا مَنْصُوصَةً وَمُسْتَنْبَطَةً وَبِهِ جَزَمَ الصَّيْرَفِيُّ في الدَّلَائِلِ وَحَكَاهُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ عن مُتَقَدِّمِي أَصْحَابِهِمْ وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وَنَقَلَهُ عن الْقَاضِي وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَسَيَأْتِي تَحْرِيرُ مَذْهَبِهِمَا قال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَنَظِيرُهُ ما قَدَّمْنَاهُ في الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ تَقْدِيرُ الْعُمُومِ في نَفْيِ الْإِجْزَاءِ وَالْفَضِيلَةِ وَالْعُمُومِ الشَّرْعِيِّ وَالْحِسِّيِّ جميعا فإن انْتِفَاءَ الشَّرْعِيِّ يُوجِبُ ثُبُوتَ الْحِسِّيِّ لَا مَحَالَةَ فَلَا يُتَصَوَّرُ تَقْدِيرُ اجْتِمَاعِهِمَا وَالثَّانِي الْجَوَازُ مُطْلَقًا وهو الصَّحِيحُ وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ كما قَالَهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ ثُمَّ قال وَبِهَذَا نَقُولُ بِنَاءً على أَنَّ الْعِلَلَ عَلَامَاتٌ وَأَمَارَاتٌ على الْأَحْكَامِ لَا مُوجِبَةٌ لها فَلَا يَسْتَحِيلُ ذلك هذا لَفْظُهُ وقال ابن بَرْهَانٍ في الْوَجِيزِ إنَّهُ الذي اسْتَقَرَّ عليه رَأْيُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وقال ابن الرِّفْعَةِ في الْمَطْلَبِ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ في كِتَابِ الْإِجَارَةِ من الْأُمِّ عِنْدَ الْكَلَامِ على قَفِيزِ الطَّحَّانِ مُصَرِّحٌ بِجَوَازِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَّتَيْنِ قال وهو الذي يَقْتَضِيهِ قَوْلُ عُمَرَ نِعْمَ الْعَبْدُ صُهَيْبٌ لو
  304. لم يَخَفْ اللَّهَ لم يَعْصِهِ وَتَقْدِيرُهُ أَنَّهُ لو لم يَخَفْ اللَّهَ لم يَعْصِهِ لِإِجْلَالِهِ لِذَاتِهِ وَتَعْظِيمِهِ فَكَيْفَ وهو يَخَافُ وإذا كان كَذَلِكَ كان عَدَمُ عِصْيَانِهِ مُعَلَّلًا بِالْخَوْفِ وَالْإِجْلَالِ وَالْإِعْظَامِ وقد يَكُونُ الْحُكْمُ مُعَلَّلًا بِعِلَّتَيْنِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُسْتَقِلَّةٌ في التَّعْلِيلِ وَيُقْصَرُ على إحْدَاهُمَا لِنُكْتَةٍ وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً نَهَاهُمْ عن أَكْلِهِ في هذه الْحَالَةِ لِأَنَّ النُّفُوسَ لَا تَنْفِرُ منه وَإِنْ كان النَّهْيُ لَا يَخْتَصُّ بها بَلْ تَحْرِيمُ الضِّعْفِ كَتَحْرِيمِهِ مُضَاعَفًا وقال الشَّافِعِيُّ في الْأُمِّ قُبَيْلَ ما جاء في الصَّرْفِ إذَا شُرِطَ في بَيْعِ الثِّمَارِ السَّقْيُ على الْمُشْتَرِي فَالْمَبِيعُ فَاسِدٌ من قِبَلِ أَنَّ السَّقْيَ مَجْهُولٌ وَلَوْ كان مَعْلُومًا أَبْطَلْنَاهُ من قِبَلِ أَنَّهُ بَيْعٌ وَإِجَارَةٌ انْتَهَى فَالْبَيْعُ وَالْإِجَارَةُ مَوْجُودٌ مع الْجَهَالَةِ وَعَدَلَ عن التَّعْلِيلِ بها في الْحَالَتَيْنِ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ لِلْبُطْلَانِ بِالْجَهَالَةِ أَقْرَبُ إلَى الْأَفْهَامِ من تَعْلِيلِهِ بِالْجَمْعِ بين الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَلَوْلَا هذا التَّنْزِيلُ لَكَانَ في هذا النَّصِّ لَمْحٌ لِمَنْعِ التَّعْلِيلِ بِعِلَّتَيْنِ قُلْت وقد قال في الْأُمِّ وقد قال له بَعْضُ النَّاظِرِينَ أَفَتَحْكُمُ بِأَمْرٍ وَاحِدٍ من وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ قُلْت نعم إذَا اخْتَلَفَتْ أَسْبَابُهُ قال فَاذْكُرْ منه شيئا قُلْت قد يُقِرُّ الرَّجُلُ عِنْدِي على نَفْسِهِ بِالْحَقِّ أو لِبَعْضِ الْآدَمِيِّينَ فَآخُذُهُ بِإِقْرَارِهِ أو لَا يُقِرُّ فَآخُذُهُ بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ عليه أو لَا تَقُومُ عليه فَيُدَّعَى عليه فَآمُرُهُ أَنْ يَحْلِفَ فَيَمْتَنِعُ فَآمُرُ خَصْمَهُ أَنْ يَحْلِفَ فَآخُذُهُ بِمَا حَلَفَ عليه وَخَصْمُهُ إذَا أتى بِالْيَمِينِ التي تُبَرِّئُهُ انْتَهَى وقال بَعْضُ أَئِمَّةِ الْحَنَابِلَةِ الذي يَقْتَضِيهِ جَوَابُ أَحْمَدَ في خِنْزِيرٍ مَيِّتٍ وقد احْتَجُّوا بِأَنَّ الْقِيَاسَ من جُمْلَةِ الْأَدِلَّةِ كَالنَّصِّ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ في الْحَادِثَةِ نَصَّانِ فَأَكْثَرُ وَلِأَنَّهَا أَمَارَةٌ على الْحُكْمِ وَيَجُوزُ اجْتِمَاعُ الْأَمَارَاتِ وَالثَّالِثُ يَجُوزُ في الْمَنْصُوصَةِ دُونَ الْمُسْتَنْبَطَةِ وهو اخْتِيَارُ الْأُسْتَاذِ أبي بَكْرِ بن فُورَكٍ وَالْإِمَامِ الرَّازِيَّ وَأَتْبَاعِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْحَقَ بِالْمَنْصُوصَةِ الْمُجْمَعُ عليها قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَلِلْقَاضِي إلَيْهِ صَغْوٌ ظَاهِرٌ في كِتَابِ التَّقْرِيبِ وَهَذَا هو عُمْدَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ في نَقْلِهِ هذا الْمَذْهَبَ في مُخْتَصَرِهِ عن الْقَاضِي فَاخْتَلَفَ النَّقْلُ عنه على أَنَّ الْمَوْجُودَ في التَّقْرِيبِ له الْجَوَازُ مُطْلَقًا وَإِلَيْهِ يُرْشِدُ كَلَامُ الْغَزَالِيِّ في الْمُسْتَصْفَى وَإِنْ كان أَطْلَقَ صَرِيحَ الْجَوَازِ في صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ إطْلَاقًا وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ في الْوَسِيطِ في الْكَلَامِ على زَوَائِدِ الْبَيْعِ الْحُكْمُ الْوَاحِدُ قد يُعَلَّلُ بِعِلَّتَيْنِ لِاحْتِمَالِ إرَادَةِ تَنْزِيلِهِ على الْمَنْصُوصَةِ أو لِأَنَّهُ أَرَادَ ما يُرِيدُهُ
  305. الْفَقِيهُ من أَنَّ كُلًّا من الْوَصْفَيْنِ صَالِحٌ لِإِفَادَةِ الْحُكْمِ وَمُرَادُهُ في الْمُسْتَصْفَى امْتِنَاعُ حُصُولِ الْعُرْفَانِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا على حِدَتِهِ أو التَّأْثِيرُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا فإنه يَرَى أَنَّ الْعِلَّةَ مُؤَثِّرَةٌ بِجَعْلِ اللَّهِ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ تَكَلَّمَ في كل فَنٍّ بِحَسَبِهِ فَلَا تَظُنُّهُ تَنَاقُضًا وَالرَّابِعُ عَكْسُهُ حَكَاهُ ابن الْحَاجِبِ وابن الْمُنِيرِ في شَرْحِهِ لِلْبُرْهَانِ وقد اُسْتُغْرِبَتْ حِكَايَتُهُ وَسَيَأْتِي له نَظِيرٌ في النَّقْضِ وقال أبو الْحُسَيْنِ في الْمُعْتَمَدِ إنْ لم تَكُنْ إحْدَاهُمَا عِلَّةَ حُكْمِ الْأَصْلِ جَازَ كَاسْتِحْقَاقِ الْقَتْلِ لِلرِّدَّةِ وَالْقِصَاصِ وَفَسَادِ الصَّلَاةِ لِلْحَدَثِ وَالْكَلَامِ إذَا وُجِدَا مَعًا وَإِنْ كانت إحْدَاهُمَا دَلِيلًا على حُكْمِ الْأَصْلِ من غَيْرِ أَنْ يُقَاسَ بها على أَصْلٍ آخَرَ فَهِيَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ وقال الْإِبْيَارِيُّ في شَرْحِهِ إنْ كانت كُلُّ وَاحِدَةٍ لو انْفَرَدَتْ لَكَانَتْ صَحِيحَةً فَاجْتِمَاعُهُمَا غَيْرُ مُضِرٍّ وَلَا مَانِعَ من التَّعْلِيلِ وَلَكِنْ قد يَكُونُ الْإِيرَادُ يُبَيِّنُ جَانِبَ التَّعْلِيلِ وَعِنْدَ التَّعَدُّدِ يَقَعُ الشَّكُّ في النَّفْسِ فَيَمْتَنِعُ التَّعْلِيلُ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ لَا لِضِيقِ الْمَحَلِّ عن الْعِلَلِ فَأَمَّا الْعِلَلُ الْمُؤَثِّرَةُ فَلَا يَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُهَا وَأَمَّا الْمَعْنَى الْمُلَائِمُ فَيَنْبَنِي على قَبُولِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْمُرْسَلِ فَمَنْ رَدَّهُ كان تَعَدُّدُ الْمَعْنَى في الْأَصْلِ مُخِلًّا بِالشَّهَادَةِ وَمِنْ قَبْلِهِ لم يَضُرَّ لِأَنَّهُ يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عليه وَإِنْ لم يَرِدْ حُكْمٌ على وَفْقِهِ فَكَيْفَ إذَا وَرَدَ على الْوَفْقِ وقال ابن رَحَّالٍ السَّكَنْدَرِيُّ هذه الْمَسْأَلَةُ لَا يَتَحَقَّقُ فيها الْخِلَافُ فإن لَفْظَ التَّعْلِيلِ مُشْتَرَكٌ بين مَعْنَيَيْنِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ أَرَادَ مَعْنًى غير ما أَرَادَ الْآخَرُ فَلَا خِلَافَ قال وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالتَّعْلِيلِ نَصْبُ الْأَمَارَةِ فَهُوَ جَائِزٌ وَوَاقِعٌ وَإِنْ أُرِيدَ بِالتَّعْلِيلِ ثُبُوتُ الْحُكْمِ لِأَجْلِ الْوَصْفِ فَهُوَ جَائِزٌ في صُوَرٍ مُتَعَدِّدَةٍ بِحَيْثُ يَثْبُتُ الْحُكْمُ في كل صُورَةٍ لِعِلَّةٍ فَأَمَّا ثُبُوتُ الْحُكْمِ في صُورَةٍ وَاحِدَةٍ بِعِلَلٍ كُلٌّ منها مُسْتَقِلَّةٌ فيه فَهَذَا لَا يَجُوزُ انْتَهَى التَّفْرِيعُ إنْ قُلْنَا بِالْجَوَازِ فَالْجُمْهُورُ على الْوُقُوعِ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إنَّهُ جَائِزٌ غَيْرُ وَاقِعٍ وَأَرَادَ بِالْجَوَازِ الْعَقْلِيَّ فإنه قال في الْبُرْهَانِ ليس مُمْتَنِعًا عَقْلًا وَتَسْوِيغًا وَنَظَرًا إلَى الْمَصَالِحِ الْكُلِّيَّةِ وَلَكِنَّهُ يَمْتَنِعُ شَرْعًا وَجَرَى عليه إلْكِيَا وقال إنَّ الْمَانِعَ له اسْتِقْرَاءُ عُرْفِ الشَّرْعِ لَا الْعَقْلِ وقال ابن بَرْهَانٍ في الْوَجِيزِ إنَّ الذي اسْتَقَرَّ عليه رَأْيُ الْإِمَامِ أَخِيرًا هو الْمَنْعُ يَعْنِي كما نَقَلَهُ الْآمِدِيُّ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ له في الْمَسْأَلَةِ رَأْيَانِ وَحَكَى الْهِنْدِيُّ قَوْلًا عَكْسَ
  306. مَقَالَةِ الْإِمَامِ فقال قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ يَجُوزُ عَقْلًا ولم يَقَعْ سَمْعًا وَقِيلَ بِعَكْسِهِ وقال الْبَزْدَوِيُّ بِوُقُوعِهِ إنْ دَلَّ عليه نَصٌّ أو إجْمَاعٌ وَإِلَّا فَلَا لِتَعَارُضِ الِاحْتِمَالَيْنِ فَلَا يَحْكُمُ بِوَاحِدٍ منها إلَّا بِدَلِيلٍ وَأَمَّا إذَا قُلْنَا بِالْمَنْعِ فَلَوْ اجْتَمَعَتْ كَاللَّمْسِ وَالْمَسِّ فَاخْتَلَفُوا فقال قَوْمٌ كُلُّ وَاحِدٍ جُزْءُ عِلَّةٍ وقال آخَرُونَ الْعِلَّةُ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا لَا بِعَيْنِهِ حَذَرًا من تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ إذَا جَعَلْنَا كُلَّ وَاحِدٍ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً وَأَغْرَبَ ابن الْحَاجِبِ فَحَكَى هذا الْخِلَافَ على الْقَوْلِ بِالْجَوَازِ وَالْمَعْرُوفُ اتِّفَاقُ الْمُجَوِّزِينَ على أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ عِلَّةٌ وَإِنَّمَا الْقَوْلَانِ على الْقَوْلِ بِالْمَنْعِ نعم قال بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ اتَّفَقُوا عِنْدَ التَّرْتِيبِ على أَنَّ الْحُكْمَ مُسْتَنِدٌ إلَى الْأُولَى فَقَطْ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ إذَا وَقَعَتْ دَفْعَةً وقال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وهو من الْمَانِعِينَ إنْ قِيلَ لو وُجِدَتْ الْعِلَّتَانِ في حُكْمٍ فَمَاذَا يَعْمَلُ قِيلَ لَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ إحْدَاهُمَا عِلَّةً بَاطِلَةً أو إحْدَاهُمَا رَاجِحَةً لِمَا بَيْنَهُمَا من التَّنَافِي وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيرُ تَسَاوِيهِمَا بِحَيْثُ لَا يَظْهَرُ رُجْحَانٌ انْتَهَى ثُمَّ الَّذِينَ مَنَعُوا الِاجْتِمَاعَ في الْعِلَّةِ اخْتَلَفُوا في الْمَأْخَذِ فَمِنْهُمْ من قال لِأَنَّ الْمَحَلَّ لَا يَفِي بِمُقْتَضَيَاتِ الْعِلَلِ لِأَنَّ مُقْتَضَيَاتِهَا الْأَمْثَالُ وَالْأَمْثَالُ كَالْأَضْدَادِ لَا تَجْتَمِعُ فَعَلَى هذا يَمْتَنِعُ في الْمَنْصُوصَةِ وَالْمُسْتَنْبَطَةِ وَمِنْهُمْ من قال بَلْ يَفِي بِمُقْتَضَيَاتِهَا وَلَكِنْ يَتَعَذَّرُ شَهَادَةُ الْحُكْمِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَجْمُوعُ هو الْعِلَّةُ أو يَكُونَ الْعِلَّةُ بَعْضَ الْمَجْمُوعِ دُونَ بَعْضٍ فَيَتَعَارَضُ الِاحْتِمَالَانِ في الشَّهَادَةِ بِالِاسْتِقْلَالِ لِكُلِّ وَاحِدٍ فَعَلَى هذا يَجْتَمِعُ في الْمَنْصُوصَةِ وَيَمْتَنِعُ في الْمُسْتَنْبَطَةِ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمَانِعُونَ لِلِاجْتِمَاعِ من نَاحِيَةِ مُقْتَضَاهَا في الِاعْتِذَارِ عن مِثْلِ الْحَائِضِ الْمُحْرِمَةِ الصَّائِمَةِ فَمِنْهُمْ من قال مُقْتَضَيَاتُهَا أَحْكَامٌ عَدِيدَةٌ قِيلَ حُكْمٌ ذُو وَجْهَيْنِ وَالتَّعَدُّدُ بِالْجِهَةِ كَالتَّعَدُّدِ بِالتَّعْيِينِ وَقِيلَ الْحُكْمُ وَاحِدٌ وَإِنَّمَا الْمَجْمُوعُ عِلَّةٌ وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْعِلَلَ لَا يَتَعَذَّرُ اجْتِمَاعُهَا على الْحُكْمِ الْوَاحِدِ من جِهَةِ مُقْتَضَيَاتِهَا وَلَكِنْ من جِهَةِ الشَّهَادَةِ لها أَحْيَانًا فَإِنْ الْتَبَسَتْ الشَّهَادَةُ لِأَعْدَادِهَا كما على صِحَّةِ الِاجْتِمَاعِ أَنَّ الْمُصَحَّحَ عِنْدَ الِانْفِرَادِ وهو انْتِظَامُ الْمَصْلَحَةِ بِتَرْتِيبِ الْحُكْمِ على الْوَصْفِ حَاصِلٌ بِتَرْتِيبِ الْحُكْمِ على الْأَوْصَافِ بَلْ لِتَحْصُلَ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ مَصَالِحُ فَهُوَ بِالصِّحَّةِ أَوْلَى وقد أَوْرَدَ الْمَانِعُونَ إشْكَالًا وهو أَنَّهُ لو ثَبَتَ الْحُكْمُ بِعِلَلٍ فَإِمَّا 1 أَنْ يَثْبُتَ بِكُلِّ
  307. وَاحِدَةٍ منها 2 أو لَا شَيْءَ 3 أو بِشَيْءٍ منها دُونَ شَيْءٍ وَالْأَقْسَامُ كُلُّهَا بَاطِلَةٌ أَمَّا الْأَوَّلُ فإنه يَلْزَمُ منه إثْبَاتُ الثَّابِتِ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ منه سَلْبُ الْعِلَّةِ عن الْكُلِّ وهو مُنَاقِضٌ لِلْغَرَضِ وَأَمَّا الثَّالِثُ فَيَلْزَمُ منه الِاحْتِكَامُ بِتَرْجِيحِ أَحَدِ الْمُتَسَاوِيَاتِ من غَيْرِ مُرَجِّحٍ ثُمَّ يَلْزَمُ سَلْبُ الْعِلَّةِ فِيمَا فَرَضْنَاهُ عِلَّةً وهو مُحَالٌ وَأَجَابَ الْحُذَّاقُ بِاخْتِيَارِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ قَوْلُهُمْ يَلْزَمُ إثْبَاتُ الثَّابِتِ قُلْنَا لَا يَلْزَمُ فإن الْعِلَلَ الشَّرْعِيَّةَ مُعَرِّفَاتٌ وَوَقَفُوا هَاهُنَا وقال الْقَاضِي ابن الْمُنِيرِ وَلِلْمَانِعِ أَنْ يُدِيرَ التَّقْسِيمَ مع فَرْضِ كَوْنِهَا مُعَرِّفَاتٍ فيقول الْمَعْرُوفُ هو الْمُثْبِتُ لِلْمُعَرِّفَةِ فَعَلَى هذا إنَّمَا تَكُونُ كُلُّ وَاحِدَةٍ أَثْبَتَتْ الْمَعْرِفَةَ بِالْحُكْمِ أو لم يُثْبِتْ شَيْءٌ منها الْمَعْرِفَةَ أو أَثْبَتَهَا الْبَعْضُ فَيَعُودُ الْإِشْكَالُ وَإِنَّمَا الْجَوَابُ أَنَّ هذا الْقِيَاسَ حَصَلَ من إلْحَاقِ الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ بِالْعَقْلِيَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فإنه لَا مَعْنَى لِكَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً إلَّا أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ إذَا نُسِبَ الْحُكْمُ إلَى الْعِلَّةِ وُجِدَتْ مَصْلَحَةٌ أو انْدَفَعَتْ مَفْسَدَةٌ وَبِهَذَا التَّفْسِيرِ لَا يَتَخَيَّلُ عَاقِلٌ امْتِنَاعَ اجْتِمَاعِ الْعِلَلِ فإن حِينَئِذٍ يَكُونُ الْحُكْمُ بِتَرْتِيبِ الْحُكْمِ على الْأَوْصَافِ تَحْصُلُ مَفَاسِدُ عَدِيدَةٌ تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ قِيلَ الْخِلَافُ هل يَجْرِي في التَّعْلِيلِ بِعِلَّتَيْنِ سَوَاءٌ كَانَا مُتَعَاقِبَيْنِ أَمْ هو مُخْتَصٌّ بِالْمَعِيَّةِ كَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ صَرِيحٌ في الْأَوَّلِ وَكَلَامُ غَيْرِهِ يَقْتَضِي الثَّانِيَ وَيُسَاعِدُهُ تَمْثِيلُ الْغَزَالِيِّ بِمَنْ لَمَسَ وَبَالَ في وَقْتٍ وَاحِدٍ وَبِهِ صَرَّحَ الْآمِدِيُّ في جَوَابِ دَلِيلِ الْمَانِعِينَ قُلْت وَيَشْهَدُ له قَوْلُ الْأُسْتَاذِ أبي مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيِّ وَهَذَا النَّوْعُ من الْعِلَلِ ضَرْبَانِ مُتَقَارِنَةٌ وَمُتَعَاقِبَةٌ فَالْمُتَعَاقِبَةُ تَجْتَمِعُ في إيجَابِ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لو انْفَرَدَتْ لَأَوْجَبَتْ مِثْلَ ذلك الْحُكْمِ كَالْأَمْثِلَةِ الْمَذْكُورَةِ وَالْمُتَعَاقِبَةِ لَا تَجْتَمِعُ في الْوُجُودِ وَإِنَّمَا يَخْلُفُ بَعْضُهَا بَعْضًا في حُكْمٍ وَاحِدٍ وَذَلِكَ مِثْلُ دَمِ الْحَيْضِ يُوجِبُ تَحْرِيمَ الْوَطْءِ ثُمَّ يَرْتَفِعُ الدَّمُ وَيَبْقَى تَحْرِيمُ الْوَطْءِ لِأَجْلِ عَدَمِ الطَّهَارَةِ وقال الصَّفِيُّ الْأَصْفَهَانِيُّ في كِتَابِ النُّكَتِ وَمِنْ الْعُلَمَاءِ من يَمْنَعُ جَوَازَ التَّعْلِيلِ بِعِلَّتَيْنِ على الْجَمْعِ وَيَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِعِلَّتَيْنِ على الْبَدَلِ الثَّانِي زَعَمَ صَاحِبُ الْمُسَوَّدَةِ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَمْنَعُ قِيَامَ
  308. وَصْفَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا لو انْفَرَدَ لَاسْتَقَلَّ بِالْحُكْمِ لَكِنْ هل نَقُولُ الْحُكْمُ مُضَافٌ إلَيْهِمَا أَمْ إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا أو في الْمَحَلِّ حُكْمَانِ قال وَيَجْتَمِعُ لِلْأَصْحَابِ فيها أَرْبَعَةٌ أَحَدُهَا تَعْلِيلُ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَّتَيْنِ مُطْلَقًا والثاني التَّفْصِيلُ بين الْمَنْصُوصَةِ وَالْمُسْتَنْبَطَةِ والثالث أَنْ يَجْتَمِعَ في الْمَحَلِّ الْوَاحِدِ حُكْمَا الْعِلَّتَيْنِ وهو قَوْلُ أبي بَكْرٍ عبد الْعَزِيزِ في مَسْأَلَةِ الْأَحْدَاثِ إذَا نَوَى أَحَدُهَا لم يَرْتَفِعْ ما عَدَاهُ والرابع أَنَّهُمَا إذَا اجْتَمَعَا كَانَتَا كَوَصْفَيْنِ فَهُمَا هُنَاكَ عِلَّةٌ وفي ذلك الْمَحَلِّ عِلَّتَانِ وَالثَّالِثُ إذَا قُلْنَا بِالْجَوَازِ فقال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ من شَرْطِهِ أَنْ لَا يَتَنَافَيَا لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى تَضَادِّ الْأَحْكَامِ بِأَنْ تَقْتَضِيَ إحْدَاهُمَا إثْبَاتَ حُكْمٍ وَالْأُخْرَى نَفْيَهُ بَلْ وَيَتَضَادَّانِ بِالْإِجْمَاعِ كَتَعْلِيلِ الْبُرِّ أَنَّهُ مَكِيلٌ وَبِأَنَّهُ قُوتٌ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ إذَا قَرَّرَ أَنَّهُ لَا يُعَلَّلُ إلَّا بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ وَجَبَ التَّنَافِي فَإِنْ كانت إحْدَاهُمَا مُتَعَدِّيَةً وَالْأُخْرَى قَاصِرَةً فَاخْتَلَفُوا فيه فَقِيلَ يَتَنَافَيَانِ وَالصَّحِيحُ الْمَنْعُ وَهَذَا إنْ قُلْنَا إنَّ التَّعَدِّيَ ليس بِشَرْطٍ قال الْبَاجِيُّ هذا الْخِلَافُ جَارٍ سَوَاءٌ كانت الْعِلَّةُ مُتَّفِقَةً في التَّعَدِّي وَعَدَمِهِ أو بَعْضُهَا مُتَعَدٍّ وَبَعْضُهَا قَاصِرٌ انْتَهَى وَرَأَيْت في كَلَامِ بَعْضِهِمْ تَعْلِيلَ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَّتَيْنِ مُتَضَادَّتَيْنِ وَجُعِلَ منه قَوْلُ بَعْضِ الْحُكَمَاءِ إذَا أَقْبَلَتْ الدُّنْيَا عَلَيْك فَأَنْفِقْ فَإِنَّهَا لَا تَبْقَى وإذا أَدْبَرَتْ فَأَنْفِقْ فَإِنَّهَا لَا تَبْقَى فَعَلَّلَ الْإِنْفَاقَ وهو حُكْمٌ وَاحِدٌ بِالْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ وقال آخَرُ إنْ كان رِزْقُك قُسِمَ فَلَا تَتْعَبْ وَإِنْ لم يَكُنْ قُسِمَ فَلَا تَتْعَبْ فَعَلَّلَ تَرْكَ التَّعَبِ بِقَسْمِ الرِّزْقِ وَعَدَمِهِ فَهَذِهِ الْعِلَّةُ وَإِنْ تَقَابَلَتْ وَتَضَادَّتْ فَكُلُّ وَاحِدَةٍ منها مُنَاسِبَةٌ لِلْحُكْمِ من وَجْهٍ الرَّابِعُ أَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ مَثَّلَ الْمَسْأَلَةَ في كُتُبِهِ بِالْمَرْأَةِ يَجْتَمِعُ فيها الْإِحْرَامُ وَالْحَيْضُ وَالصَّوْمُ وَغَلَّطَهُ الْإِبْيَارِيُّ لِاسْتِحَالَةِ مُجَامَعَةِ الصَّوْمِ شَرْعًا لِلْحَيْضِ وَرَدَّهُ عليه ابن الْمُنِيرِ بِإِمْكَانِ اجْتِمَاعِهِمَا في حَقِّ من انْقَطَعَ دَمُهَا قبل الْفَجْرِ فَثَبَتَ الصَّوْمُ ولم تَغْتَسِلْ وَهَذَا صَوْمٌ صَحِيحٌ وَحُكْمُ الْحَيْضِ بِاعْتِبَارِ تَحْرِيمِ الْوَطْءِ بَاقٍ حتى تَغْتَسِلَ على الصَّحِيحِ في صِحَّةِ الصَّوْمِ وَتَحْرِيمِ الْوَطْءِ فَإِنْ قُلْت الْحَيْضُ غَيْرُ مَوْجُودٍ حَقِيقَةً قُلْت ليس الْعَمَلُ على صُورَتِهِ وَإِنَّمَا هو على اسْتِصْحَابِهِ حُكْمًا كما أَنَّ الْإِحْرَامَ عِلَّةٌ في إبْقَاءِ الْحَجِّ
  309. مَعْقُودًا لَا حُكْمُهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ الْإِمَامُ أَنَّ الْمَرْأَةَ قد يَجْتَمِعُ عليها وَصْفَانِ وَيَعْتَرِيهَا حَالَتَانِ مُقْتَضَيَانِ لِلتَّحْرِيمِ إمَّا إحْرَامٌ وَحَيْضٌ أو إحْرَامٌ وَصَوْمٌ وَيَدُلُّ لِهَذَا قَوْلُهُ في الْبُرْهَانِ مَثَّلَ تَحْرِيمَ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ بِعِلَّةِ الْحَيْضِ وَالْإِحْرَامِ وَالصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ فَمُرَادُهُ اجْتِمَاعُ وَصْفَيْنِ من ذلك كَالصِّيَامِ مع الصَّلَاةِ أو الْإِحْرَامِ مع الْحَيْضِ لَا أَنَّ الْأَرْبَعَةَ تَجْتَمِعُ الْخَامِسُ الْقَائِلُونَ بِامْتِنَاعِ اجْتِمَاعِ الْعِلَلِ فإذا اجْتَمَعَتْ كان كُلُّ وَاحِدَةٍ منها لَا بِعَيْنِهَا عِلَّةً حَذَرًا من تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ إذَا جَعَلْنَا كُلَّ وَاحِدَةٍ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً وَمِنْ اللَّطِيفِ عِنْدَ ذلك أَنَّ الْمُفَسِّرِينَ اخْتَلَفُوا في قَوْله تَعَالَى فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ فَقِيلَ فَائِدَةُ تَخْصِيصِ الْبَعْضِ تَعْظِيمُ قَدْرِ الذَّنْبِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ بَعْضَ ذُنُوبِهِمْ كَافٍ في إهْلَاكِهِمْ وَقِيلَ فَائِدَتُهُ التَّنْبِيهُ على ما يُصِيبُهُمْ في الدُّنْيَا من الْعُقُوبَاتِ فَكَانَ بَعْضُ ذُنُوبِهِمْ يُوجِبُ عُقُوبَاتِ الدُّنْيَا وَبَعْضُهَا يُوجِبُ عُقُوبَاتِ الْآخِرَةِ فَعَلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ يَكُونُ فيها تَمَسُّكٌ لِلْقَوْلِ بِأَنَّ الْأَسْبَابَ الْمُسْتَقِلَّةَ إذَا انْفَرَدَتْ تَكُونُ عِلَّةً منها إذَا اجْتَمَعَتْ وَاحِدَةٌ لَا بِعَيْنِهَا لِأَنَّ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارَ صَدَرَتْ منهم أَسْبَابُ كل سَبَبٍ منها لو انْفَرَدَ لَاسْتَقَلَّ بِالْهَلَاكِ فلما اجْتَمَعَتْ أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ اسْمُهُ أَنَّ السَّبَبَ منها في الْإِصَابَةِ بِالْعُقُوبَاتِ وَالْإِهْلَاكِ بَعْضُهَا لَا كُلُّهَا وَالْبَاقِي فَاتَ مَحَلُّ تَأْثِيرِهِ وَهَذَا هو عَيْنُ الْقَوْلِ بِأَنَّ السَّبَبَ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ وَاحِدٌ لَا بِعَيْنِهِ ذَكَرَهُ ابن الْمُنِيرِ السَّادِسُ قال ابن سُرَيْجٍ في كِتَابِ إثْبَاتِ الْقِيَاسِ فَإِنْ قِيلَ إذَا اسْتَنْبَطَ مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَسُبِرَا فَصَحَّا ما السَّبِيلُ في ذلك قِيلَ إنْ كان أَحَدُهُمَا يَدْخُلُ في الْآخَرِ كَدُخُولِ الْمَأْكُولِ الْمُدَّخَرِ في الْمَأْكُولِ غَيْرِ الْمُدَّخَرِ نُظِرَ في زِيَادَةِ الزَّائِدِ فَاعْتُبِرَ كما ذَكَرْنَا في تَعْلِيلِ الرِّبَوِيِّ وَإِنْ كان الْمَعْنَيَانِ مُتَضَادَّيْنِ اُحْتِيجَ إلَى قِيَاسِهِمَا على غَيْرِهِمَا لِيُعْلَمَ أَيُّهُمَا أَصَحُّ وَذَلِكَ مِثْلُ تَخْيِيرِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بَرِيرَةَ لَمَّا عَتَقَتْ قال بَعْضُهُمْ خَيَّرَهَا لِأَنَّ زَوْجَهَا كان عَبْدًا وقال بَعْضُهُمْ بَلْ كان حُرًّا وقال بَعْضُهُمْ لَا أُبَالِي أَكَانَ حُرًّا أو عَبْدًا وَإِنَّمَا خَيَّرَهَا لِحُدُوثِ الْعِتْقِ فَأَمَّا كَوْنُهُ حُرًّا أو عَبْدًا فَيُدْرَكُ بِالْخَبَرِ وَأَمَّا من قال خَيَّرَهَا لِحُدُوثِ الْعِتْقِ فَهُوَ الذي يَحْتَاجُ عِلَّتُهُ وَعِلَّةُ من خَالَفَهُ إلَى قِيَاسِهِمَا على نَظِيرِهِمَا لِيُعْلَمَ أَصَحُّهُمَا ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْعِلَّةَ فَضْلُ الْحُرِّيَّةِ لِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ الْحُرَّ على الْعَبْدِ فإذا حَدَثَ الْحُرِّيَّةُ حَدَثَ الْخِيَارُ لِلنَّقْصِ وَالْفَضْلِ فَيَعْمَلُ في هذا الْبَابِ بِالنَّظَرِ إلَى نَفْسِ الْعِلَّةِ الْمُعَارِضَةِ وَإِلَى ما يُخَالِفُهَا حتى يَعْلَمَ أَصَحَّهُمَا
  310. فَصْلٌ وَأَمَّا تَعْلِيلُ الْحُكْمَيْنِ بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنْ كانت بِمَعْنَى الْأَمَارَةِ فَلَا خِلَافَ كما قَالَهُ الْآمِدِيُّ في الْجَوَازِ كما لو قال الشَّارِعُ جَعَلْت طُلُوعَ الْهِلَالِ أَمَارَةً على وُجُوبِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَمِنْهُ الْبُلُوغُ وَالْحَيْضُ عَلَامَةٌ لِأَحْكَامٍ عَدِيدَةٍ وَإِنْ كانت بِمَعْنَى الْبَاعِثِ فَاخْتَلَفُوا فيه على أَقْوَالٍ أَحَدُهَا وهو الصَّحِيحُ الْجَوَازُ إذْ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ الْوَاحِدُ بَاعِثًا على حُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ أَيْ مُنَاسِبًا لَهُمَا بِأَمْرٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا كَمُنَاسَبَةِ الرِّبَا وَالشُّرْبِ لِلْحَدِّ وَالتَّحْرِيمِ والثاني الْمَنْعُ مُطْلَقًا والثالث الْمَنْعُ إنْ لم يَتَضَادَّا وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ فَيَجُوزُ تَعْلِيلُ الْمُتَمَاثِلَيْنِ بِالْعِلَّةِ الْوَاحِدَةِ لَكِنْ في مَحَالَّ مُتَعَدِّدَةٍ كَالْقَتْلِ الصَّادِرِ من زَيْدٍ وَعَمْرٍو فإنه مُوجِبٌ لِلْقِصَاصِ عَلَيْهِمَا وقد يُعَلَّلُ بِهِمَا مُخْتَلِفَانِ غَيْرُ مُتَضَادَّيْنِ كَالْحَيْضِ يُحَرِّمُ الْوَطْءَ وَمَسَّ الْمُصْحَفِ وَنَحْوَهُ وَكَالْإِحْرَامِ الْمَانِعِ من النِّكَاحِ وَالصَّيْدِ وَالطِّيبِ وَأَخْذِ الشَّعْرِ وَالْأَظْفَارِ ذَكَرَهُ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ وقد يُعَلَّلُ بها مُخْتَلِفَانِ مُتَضَادَّانِ بِشَرْطَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ كَالْجِسْمِ يَكُونُ عِلَّةً لِلسُّكُونِ بِشَرْطِ الْبَقَاءِ في الْحَيِّزِ وَعِلَّةُ الْحَرَكَةِ بِشَرْطِ الِانْتِقَالِ عنه وَمَثَّلَهُ إلْكِيَا بِمَا يَكُونُ مُبْطِلًا لِعَقْدٍ مُصَحِّحًا لِآخَرَ قُلْت كَالتَّأْبِيدِ في التِّجَارَةِ وَالْبَيْعِ قال إلْكِيَا وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ لِحُكْمَيْنِ في شَيْءٍ وَاحِدٍ في حَالَةٍ وَاحِدَةٍ لِاسْتِحَالَةِ حُصُولِ الْحُكْمِ على هذا الْوَجْهِ وَلَا يَمْتَنِعُ كَوْنُهُمَا عِلَّتَيْنِ لِحُكْمَيْنِ مِثْلَيْنِ في شَيْئَيْنِ فَأَمَّا كَوْنُهُمَا عِلَّةً لِحُكْمَيْنِ مِثْلَيْنِ في شَيْءٍ وَاحِدٍ فَمُحَالٌ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ لَا يَصِحُّ فيها الزَّائِدُ وَإِنَّمَا تَتَمَاثَلُ الْأَحْكَامُ وَتُعَلَّلُ بِعِلَلٍ مُخْتَلِفَةٍ في أَحْوَالٍ كَقَطْعِ الْيَدِ قِصَاصًا وَسَرِقَةً فَلَا يَمْنَعُ منه وَلَكِنَّهُمَا حُكْمَانِ مُخْتَلِفَانِ في الْآثَارِ وَإِنْ تَمَاثَلَا في الصُّورَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
  311. مَسَالِكُ الْعِلَّةِ أَيْ الطُّرُقُ الدَّالَّةُ على الْعِلَّةِ اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى في الْقِيَاسِ بِمُجَرَّدِ وُجُودِ الْجَامِعِ في الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بَلْ لَا بُدَّ من دَلِيلٍ يَشْهَدُ له في الِاعْتِبَارِ وَالْأَدِلَّةُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ إجْمَاعٌ وَنَصٌّ وَاسْتِنْبَاطٌ وَمِنْهُمْ من أَضَافَ إلَيْهِ دَلِيلَ الْعَقْلِ وَجَعَلَهُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ وَجْهًا وَالْمَشْهُورُ طَرِيقَةُ السَّمْعِ فَقَطْ الْمَسْلَكُ الْأَوَّلُ الْإِجْمَاعُ على كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً وهو مُقَدَّمٌ في الرُّتْبَةِ على الظَّوَاهِرِ من النُّصُوصِ لِأَنَّهُ لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ احْتِمَالُ النَّسْخِ وَمِنْهُمْ من قَدَّمَ الْكَلَامَ على النَّصِّ لِشَرَفِهِ وهو نَوْعَانِ إجْمَاعٌ على عِلَّةٍ مُعَيَّنَةٍ كَتَعْلِيلِ وِلَايَةِ الْمَالِ بِالصِّغَرِ وَإِجْمَاعٌ على أَصْلِ التَّعْلِيلِ وَإِنْ اخْتَلَفُوا في عَيْنِ الْعِلَّةِ كَإِجْمَاعِ السَّلَفِ على أَنَّ الرِّبَا في الْأَوْصَافِ الْأَرْبَعَةِ مُعَلِّلٌ وَاخْتَلَفُوا في أَنَّ الْعِلَّةَ مَاذَا وَمِثَالُ الْقِيَاسِ فيه أَنَّ الْأَخَ لِلْأَبَوَيْنِ مُقَدَّمٌ على الْأَخِ من الْأَبِ في الْمِيرَاثِ لِامْتِزَاجِ النَّسَبَيْنِ فَقِيَاسٌ عليه وِلَايَةُ النِّكَاحِ وَغَيْرُهَا فَإِنَّهَا أَثَّرَتْ في الْإِرْثِ إجْمَاعًا وَلَكِنْ في غَيْرِهِ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ فيه وَمِنْ ذلك إجْمَاعُهُمْ على أَنَّ الْغَصْبَ هو عِلَّةُ ضَمَانِ الْأَمْوَالِ فَيُقَاسُ عليه السَّارِقُ وَجَمِيعُ الْأَيْدِي الْغَاصِبَةِ وَإِجْمَاعُهُمْ على أَنَّ الْبِكْرَ الصَّغِيرَةَ مُوَلًّى عليها في النِّكَاحِ فَقَاسَ عليها أبو حَنِيفَةَ الثَّيِّبَ الصَّغِيرَةَ قال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ لَا يَقْضِي الْقَاضِي وهو غَضْبَانُ وقال وَأَجْمَعُوا على أَنَّهُ ليس لنا عِلَّةٌ تَعُودُ على أَصْلِهَا بِالتَّعْمِيمِ إلَّا هذا الْمِثَالُ وَذَلِكَ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ وقد سَبَقَ تَعَدِّي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْجَامِدِ الْقَالِعِ من
  312. النَّصِّ على الْأَحْجَارِ نَظَرًا لِمَعْنَى الْإِزَالَةِ وَمَثَّلَهُ غَيْرُهُ بِقَوْلِ عُمَرَ رضي اللَّهُ عنه في السَّوَادِ لو قَسَمْته بَيْنَكُمْ لَصَارَتْ دُوَلًا بين أَغْنِيَائِكُمْ ولم يُخَالِفْهُ أَحَدٌ وَقَوْلِ عَلِيٍّ رضي اللَّهُ عنه في شَارِبِ الْخَمْرِ إذَا شَرِبَ سَكِرَ وإذا سَكِرَ هَذَى وإذا هَذَى افْتَرَى فإنه يَجِبُ عليه حَدُّ الْمُفْتَرِي ولم يُخَالَفْ وَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ مَنَعَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْقِيَاسَ على أَصْلٍ مُجْمَعٍ على حُكْمِهِ لِمَا فيه من الِافْتِيَاتِ على الصَّحَابَةِ إذْ قد يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إجْمَاعُهُمْ لِنُطْقٍ خَاصٍّ أو لِمَعْنًى لَا يَتَعَدَّى وَلَكِنَّ الْجُمْهُورَ على الْجَوَازِ طَرْدًا أَوْجَبَ دَلِيلَ الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ إذَا ظَهَرَ التَّسَاوِي في الْمُنَاسَبَةِ وَإِنْ لم يَتَجَانَسْ الْحُكْمَانِ من كل وَجْهٍ وَلَعَلَّهُ شَطْرُ الْمَسَائِلِ الْقِيَاسِيَّةِ عِنْدَهُمْ وَاعْلَمْ أَنَّ كَوْنَ الْإِجْمَاعِ من طُرُقِ الْعِلَّةِ حَكَاهُ الْقَاضِي في مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ عن مُعْظَمِ الْأُصُولِيِّينَ ثُمَّ قال وَهَذَا لَا يَصِحُّ عِنْدَنَا فإن الْقَائِسِينَ لَيْسُوا كُلَّ الْأُمَّةِ وَلَا تَقُومُ الْحُجَّةُ بِقَوْلِهِمْ ثُمَّ رَدَّدَ الْقَاضِي جَوَابَهُ في أَثْنَاءِ الْكَلَامِ فقال لو جَعَلْنَا الْقَائِسِينَ أَمَارَةً لِخَبَرِ غَلَبَةِ الظَّنِّ في الْمَقَايِيسِ لَكَانَ مُحْتَمَلًا وَإِنْ لم نَقُلْ إنَّهُ يُفْضِي إلَى الْقَطْعِ وَاَلَّذِي اسْتَقَرَّ عليه جَوَابُهُ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِإِجْمَاعِ الْقَائِسِينَ إلَّا أَنْ يُقَدَّرَ رُجُوعُ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ عن الْإِنْكَارِ ثُمَّ يُجْمِعُ الْكَافَّةُ على عِلَّةٍ فَتَثْبُتُ حِينَئِذٍ قَطْعًا وَرَدَّ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الْبُرْهَانِ هذا بِأَنَّ الْمُحَقِّقِينَ على أَنَّ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ لَيْسُوا من عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ وَلَا حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ فإن مُعْظَمَ الشَّرِيعَةِ صَدَرَتْ عن الِاجْتِهَادِ وَالنُّصُوصُ لَا تَفِي بِعُشْرِ مِعْشَارِ الشَّرِيعَةِ وَحَكَى ابن السَّمْعَانِيِّ وَجْهًا ثَالِثًا عن بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ على الْحُكْمِ الْمُجْمَعِ عليه ما لم يُعْرَفْ النَّصُّ الذي أَجْمَعُوا لِأَجْلِهِ وَهَاهُنَا أُمُورٌ أَحَدُهَا أَنَّ هذا الْإِجْمَاعَ ليس من شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ قَطْعِيًّا بَلْ يَكْفِي فيه الظَّنُّ ثَانِيهَا أَنَّهُ إذَا كان قَطْعِيًّا امْتَنَعَ وُرُودُهُ في الطَّرْدِيِّ فَإِنْ كان ظَنِّيًّا وَرَدَ فيه لَكِنْ يَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُهُ ثَالِثُهَا أَنَّ الْمُسْتَدِلَّ إذَا قَاسَ على عِلَّةٍ إجْمَاعِيَّةٍ فَلَيْسَ لِلْمُعْتَرِضِ الْمُطَالَبَةُ بِتَأْثِيرِ تِلْكَ الْعِلَّةِ في الْأَصْلِ وَلَا في الْفَرْعِ فإن تَأْثِيرَهَا في الْفَرْعِ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ وَأَمَّا الْمُطَالَبَةُ بِتَأْثِيرِهَا في الْفَرْعِ فَلِاطِّرَادِ الْمُطَالَبَةِ في كل قِيَاسٍ إذْ الْقِيَاسُ هو تَعْدِيَةُ حُكْمِ الْأَصْلِ إلَى الْفَرْعِ بِالْجَامِعِ الْمُشْتَرَكِ وما من قِيَاسٍ إلَّا وَيَتَّجِهُ عليه سُؤَالُ الْمُطَالَبَةِ بِتَأْثِيرِ الْوَصْفِ في الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ على الْمُعْتَرِضِ فَيُقَالُ مَثَلًا إنَّا قد نُثْبِتُ الْعِلَّةَ مُؤَثِّرَةً في الْأَصْلِ بِالِاتِّفَاقِ
  313. وَيَثْبُتُ وُجُودُهَا في الْفَرْعِ فَتَمِّمْ لي الْقِيَاسَ فَإِنْ ثَبَتَ عَدَمُ تَأْثِيرِهَا امْتَنَعَ قِيَاسُك فَعَلَيْك بَيَانُهُ فَإِنْ بَيَّنَ الْمُعْتَرِضُ الْفَرْقَ بين الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ لَزِمَ الْمُسْتَدِلَّ جَوَابُهُ وَإِلَّا انْقَطَعَ أَمَّا فَتْحُ بَابِ الْمُطَالَبَةِ بِالتَّأْثِيرِ ابْتِدَاءً فَلَا يُمْكِنُ منه لِمَا ذَكَرْنَا الْمَسْلَكُ الثَّانِي النَّصُّ على الْعِلَّةِ قال الشَّافِعِيُّ رضي اللَّهُ عنه مَتَى وَجَدْنَا في كَلَامِ الشَّارِعِ ما يَدُلُّ على نَصْبِهِ أَدِلَّةً أو أَعْلَامًا ابْتَدَرْنَا إلَيْهِ وهو أَوْلَى ما يُسْلَكُ ثُمَّ الْمَشْهُورُ أَنَّ إلْحَاقَ الْمَسْكُوتِ عنه بِالْعِلَّةِ الْمَنْصُوصَةِ قِيَاسٌ وقال ابن فُورَكٍ ليس قِيَاسًا وَإِنَّمَا هو اسْتِمْسَاكٌ بِنَصِّ لَفْظِ الشَّارِعِ فإن لَفْظَ التَّعْلِيلِ إذَا لم يَقْبَلْ التَّأْوِيلَ عن كل ما تَجْرِي الْعِلَّةُ فيه كان الْمُتَعَلِّقُ بِهِ مُسْتَدِلًّا بِلَفْظٍ نَاصٍّ في الْعُمُومِ حَكَاهُ في الْبُرْهَانِ عِنْدَ الْكَلَامِ على مَرَاتِبِ الْأَقْيِسَةِ وَاعْلَمْ أَنَّ التَّعْلِيلَ مَعْنًى من الْمَعَانِي وَأَصْلُهُ أَنْ تَدُلَّ عليه الْحُرُوفُ كَبَقِيَّةِ الْمَعَانِي لَكِنْ تَدُلُّ الْأَسْمَاءُ وَالْأَفْعَالُ على الْحُرُوفِ في إفَادَةِ الْمَعَانِي فَمِنْ حُرُوفِ التَّعْلِيلِ كَيْ وَاللَّامُ وَإِذَنْ وَمِنْ وَالْبَاءِ وَالْفَاءِ وَمِنْ أَسْمَائِهِ أَجَلْ وَجَرَّاءُ وَعِلَّةٌ وَسَبَبٌ وَمُقْتَضًى وَنَحْوُ ذلك وَمِنْ أَفْعَالِهِ عَلَّلْت بِكَذَا وَنَظَرْت كَذَا بِكَذَا ثُمَّ قد يَدُلُّ السِّيَاقُ في الدَّلَالَةِ على الْعِلِّيَّةِ كما دَلَّ على غَيْرِ الْعِلِّيَّةِ وقد يَكُونُ مُحْتَمِلًا فَيُعَيِّنُ السِّيَاقُ أَحَدَ الْمُحْتَمَلَيْنِ وقد خَلَطَ الْمُصَنِّفُونَ الشُّرُوطَ بِالْعِلَلِ وَعَمَدُوا إلَى أَمْثِلَةٍ يُتَلَقَّى التَّعْلِيلُ فيها من شَيْءٍ فَظَنُّوهُ يَتَلَقَّى من شَيْءٍ آخَرَ وَرُبَّمَا الْتَبَسَ عليهم مَوْضُوعُ الْحُرُوفِ لِكَوْنِهَا مُشْتَرَكَةً فَظَنُّوهُ لِلتَّعْلِيلِ في مَحَلٍّ ليس هو فيه لِلتَّعْلِيلِ كَتَمْثِيلِهِمْ التَّعْلِيلَ بِالْفَاءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِيمَا سَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ وقد قَسَمُوا النَّصَّ على الْعِلَّةِ إلَى صَرِيحٍ وَظَاهِرٍ الْأَوَّلُ الصَّرِيحُ قال الْآمِدِيُّ فَالصَّرِيحُ هو الذي لَا يَحْتَاجُ فيه إلَى نَظَرٍ ==
  314. ==============ج20. 20. 20.====================================
  315. مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة

  316. ج20.كتاب : البحر المحيط في أصول الفقه
  317. المؤلف : بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي
  318. وَاسْتِدْلَالٍ بَلْ يَكُونُ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا في اللُّغَةِ له وقال صَاحِبُ التَّنْقِيحِ هو ما يَدُلُّ عليه اللَّفْظُ سَوَاءٌ كان مَوْضُوعًا له أو لِمَعْنًى يَتَضَمَّنُهُ فَدَخَلَ الْحُرُوفُ الْمُتَّصِلَةُ بِغَيْرِهَا وقال الْإِبْيَارِيُّ ليس الْمُرَادُ بِالصَّرِيحِ الْمَعْنَى الذي لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ بَلْ الْمَنْطُوقُ بِالتَّعْلِيلِ فيه على حَسَبِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ الظَّاهِرِ على الْمَعْنَى وقد قال الْقَاضِي إنَّهُ لِلتَّعْلِيلِ إلَّا أَنْ يَدُلَّ على غَيْرِ ذلك وهو بِمَثَابَةِ قَوْلِهِ أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ قال لَا يَصْلُحُ الدُّلُوكُ لِكَوْنِهِ عِلَّةً فَهُوَ مَعْنًى عِنْدَ الدُّلُوكِ وَإِنَّمَا قال ذلك لِأَنَّ عِنْدَهُ أَنَّ الْعِلَلَ الشَّرْعِيَّةَ لَا بُدَّ فيها من الْمُنَاسَبَةِ وَلَيْسَ مَيْلُ الشَّمْسِ من هذا الْقَبِيلِ ثُمَّ الدَّالُّ على الصَّرِيحِ أَقْسَامٌ أَحَدُهَا التَّصْرِيحُ بِلَفْظِ الْحُكْمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ وَهَذَا أَهْمَلَهُ الْأُصُولِيُّونَ وهو أَعْلَاهَا رُتْبَةً وَثَانِيهَا لِعِلَّةِ كَذَا أو لِسَبَبِ كَذَا وَثَالِثُهَا من أَجْلِ أو لِأَجْلِ وهو دُونَ ما قَبْلَهُ قَالَهُ ابن السَّمْعَانِيِّ يَعْنِي لِأَنَّ لَفْظَ الْعِلَّةِ تُعْلَمُ بِهِ الْعِلَّةُ من غَيْرِ وَاسِطَةٍ من قَوْلِهِ لِأَجْلِ يُفِيدُ مَعْرِفَتَهَا بِوَاسِطَةِ مَعْرِفَةِ أَنَّ الْعِلَّةَ ما لِأَجْلِهَا الْحُكْمُ وَالدَّالُّ بِلَا وَاسِطَةٍ أَقْوَى وَكَذَا قَالَهُ الصَّفِيُّ الْأَصْفَهَانِيُّ في النُّكَتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى من أَجْلِ ذلك كَتَبْنَا على بَنِي إسْرَائِيلَ الْآيَةَ على أَنَّ الْمَشْهُورَ في أَنَّ من أَجْلِ مُتَعَلِّقٌ بِ كَتَبْنَا أَيْ كَتَبْنَا على بَنِي آدَمَ الْقِصَاصَ من أَجْلِ قَتْلِ ابْنِ آدَمَ أَخَاهُ بِمَعْنَى السَّبَبُ في شَرْعِيَّةِ الْقِصَاصِ حِرَاسَةُ الدُّنْيَا وَظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ من النَّادِمِينَ أَيْ من أَجْلِ قَتْلِ أَخِيهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا هو عِلَّةٌ لِحُكْمِهِ سُبْحَانَهُ على بَاقِي الْأُمَمِ بِذَلِكَ الْحُكْمِ فَإِنْ قُلْت فَكَيْفَ يَكُونُ قَتْلُ وَاحِدٍ بِمَثَابَةِ قَتْلِ الناس كُلِّهِمْ قُلْت تَفْخِيمًا لِشَأْنِ الْقَتْلِ وَأَنَّهُ وَصَلَ في أَنْوَاعِ الظُّلْمِ وَالْفَسَادِ إلَى هذه الْحَالَةِ وَلَا يَلْزَمُ من الْمُتَشَابِهِينَ التَّسَاوِي من كل الْوُجُوهِ لِاخْتِلَافِهِمَا في مِقْدَارِ الْإِثْمِ وَاسْتِوَائِهِمَا في أَصْلِهِ لَا وَصْفِهِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ من أَجْلِ الْبَصَرِ وَقَوْلُهُ نَهَيْتُكُمْ عن ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ لِأَجْلِ الدَّافَّةِ
  319. رَابِعُهَا كَيْ كَذَا جَعَلَهَا الْإِمَامُ في الْبُرْهَانِ من الصَّرِيحِ وَخَالَفَهُ الرَّازِيَّ وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بين الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ فَعَلَّلَ سُبْحَانَهُ قِسْمَةَ الْفَيْءِ بين الْأَصْنَافِ بِتَدَاوُلِهِ بين الْأَغْنِيَاءِ دُونَ الْفُقَرَاءِ وَقَوْلِهِ لِكَيْ لَا تَأْسَوْا على ما فَاتَكُمْ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ قَدَّرَ ما يُصِيبُهُمْ من الْبَلَاءِ قبل أَنْ تَبْرَأَ الْأَنْفُسُ أو الْمُصِيبَةُ أو الْأَرْضُ أو الْمَجْمُوعُ وهو الْأَحْسَنُ ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ مَصْدَرَ ذلك قُدْرَتُهُ عليه وَحِكْمَتُهُ الْبَالِغَةُ التي فيها أَنْ لَا يُحْزِنَ عِبَادَهُ على ما فَاتَهُمْ وَلَا يُفْرِحَهُمْ بِمَا آتَاهُمْ إذَا عَلِمُوا أَنَّ الْمُصِيبَةَ مُقَدَّرَةٌ كَائِنَةٌ وَلَا بُدَّ كُتِبَتْ قبل خَلْقِهِمْ فَهَوَّنَ عليهم خَامِسُهَا إذَنْ كَقَوْلِهِ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا جَفَّ قالوا نعم قال فَلَا إذَنْ كَذَا جَعَلَهُ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَالْغَزَالِيُّ من الصَّرِيحِ وَجَعَلَهُ في الْبُرْهَانِ وَالْمَحْصُولِ من الظَّاهِرِ قال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ ولم يَسْأَلْ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم عن ذلك لِأَنَّهُ لم يَعْلَمْهُ لِأَنَّ ذلك مَعْلُومٌ لِكُلِّ أَحَدٍ بِالْحِسِّ وَإِنَّمَا سَأَلَ عنه لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ إنَّمَا مَنَعَ من بَيْعِهِ لِأَجْلِ أَنَّهُ يَنْقُصُ لِئَلَّا يَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّهُ لِغَيْرِ هذه الْعِلَّةِ وَزَعَمَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْمَقْصُودَ النَّهْيُ عن الْبَيْعِ عِنْدَ النُّقْصَانِ لِأَنَّ إذَا لَا تَتَنَاوَلُ إلَّا الْمُسْتَقْبَلَ وَرَدَّ عليه إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِأَنَّ الْمَسْئُولَ عنه إنَّمَا هو فِعْلُ الْحَالِ ولم يَجْرِ لِفِعْلٍ مُسْتَقْبَلٍ ذِكْرٌ وَإِنَّمَا يَجْرِي السُّؤَالُ بِصِيغَةِ الْمَصْدَرِ قال ابن الْمُنِيرِ وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْقَوَاعِدِ فإن إذَا أَبَدًا لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الْمُسْتَقْبَلَ وَالْفِعْلُ الْمَسْئُولُ عنه مُسْتَقْبَلٌ قَطْعًا لِأَنَّ الْمَاضِيَ وَالْحَالَ الْحَقِيقِيَّ أَيْ الذي حَدَثَ لَا يَسْأَلُ عنه وَإِنَّمَا يَسْأَلُ عن فِعْلٍ مُسْتَقْبَلٍ غير أَنَّا لَا نَقُولُ إنَّ الْمُسْتَقْبَلَ هو الْبَيْعُ في حَالَةِ النُّقْصَانِ مُتَفَاضِلًا بَلْ الْمُسْتَقْبَلُ الْمَسْئُولُ عنه حَقِيقَةً هذا رُطَبٌ وَهَذَا تَمْرٌ وَسَادِسُهَا ذِكْرُ الْمَفْعُولِ له فإنه عِلَّةٌ لِلْفِعْلِ الْمُعَلَّلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَنَزَّلْنَا
  320. عَلَيْك الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَنَصْبُ ذلك على الْمَفْعُولِ له أَحْسَنُ من غَيْرِهِ كما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ وفي قَوْلِهِ وَلِأُتِمّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ فَإِتْمَامُ النِّعْمَةِ هِيَ الرَّحْمَةُ وَقَوْلُهُ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ من مُدَّكِرٍ أَيْ لِأَجْلِ الذِّكْرِ كما قال فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِك لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَقَوْلُهُ فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا عُذْرًا أو نُذْرًا لِلْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَارِ الثَّانِي الظَّاهِرُ وَأَمَّا الظَّاهِرُ فَهُوَ كُلُّ ما يَنْقَدِحُ حَمْلُهُ على غَيْرِهِ التَّعْلِيلِ أو الِاعْتِبَارِ إلَّا على بُعْدٍ وهو أَقْسَامٌ أَحَدُهَا اللَّامُ وَهِيَ إمَّا مُقَدَّرَةٌ كما سَيَأْتِي في مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ وَإِمَّا ظَاهِرَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى لِدُلُوكِ الشَّمْسِ وما خَلَقْت الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ من السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَالْقُرْآنُ مَحْشُوٌّ من هذا فَإِنْ قُلْت اللَّامُ فيه لِلْعَاقِبَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لهم عَدُوًّا وَحَزَنًا وَقَوْلِهِ لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً قُلْت لَامُ الْعَاقِبَةِ إنَّمَا تَكُونُ في حَقِّ من يَجْهَلُهَا كَقَوْلِهِ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لهم أو يَعْجِزُ عن دَفْعِهَا كَقَوْلِ الشَّاعِرِ لِدُوا لِلْمَوْتِ وَابْنُوا لِلْخَرَابِ وَأَمَّا من هو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فَيَسْتَحِيلُ في حَقِّهِ مَعْنَى هذه اللَّامِ وَإِنَّمَا اللَّامُ الْوَارِدَةُ في أَحْكَامِهِ وَأَفْعَالِهِ لَامُ الْحُكْمِ وَالْغَايَةِ الْمَطْلُوبَةِ من الْحِكْمَةِ وَقَوْلِهِ لِيَكُونَ لهم عَدُوًّا وَحَزَنًا هو تَعْلِيلٌ لِقَضَاءِ اللَّهِ بِالْتِقَاطِهِ وَتَقْدِيرِهِ له فإن الْتِقَاطَهُمْ إنَّمَا كان لِقَضَائِهِ وَذَكَرَ فَضْلَهُمْ دُونَ قَضَائِهِ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ في كَوْنِهِ جَزَاءً لهم وَحَسْرَةً عليهم وَعَنْ الْبَصْرِيِّينَ إنْكَارُ لَامِ الْعَاقِبَةِ قال الزَّمَخْشَرِيّ وَالتَّحْقِيقُ لَامُ الْعِلَّةِ فإن التَّعْلِيلَ فيها وَارِدٌ على طَرِيقِ الْمَجَازِ دُونَ الْحَقِيقَةِ لِأَنَّ دَاعِيَهُمْ لِلِالْتِقَاطِ لم يَكُنْ لِكَوْنِهِ عَدُوًّا وَحَزَنًا بَلْ الْمَحَبَّةُ وَالتَّبَنِّي غير أَنَّ ذلك لَمَّا كان نَتِيجَةَ الْتِقَاطِهِمْ له وَثَمَرَةً شُبِّهَ بِالدَّاعِي الذي يَفْعَلُ الْفِعْلَ لِأَجْلِهِ فَاللَّامُ مُسْتَعَارَةٌ لِمَا يُشْبِهُ التَّعْلِيلَ كما اُسْتُعِيرَ الْأَسَدُ لِمَنْ يُشْبِهُ الْأَسَدَ وَنَقَلَ ابن خَالَوَيْهِ في كِتَابِهِ الْمُبْتَدَأِ عن الْبَصْرِيِّينَ أنها لَامُ الصَّيْرُورَةِ وَعَنْ
  321. الْكُوفِيِّينَ أنها لَامُ التَّعْلِيلِ وَنَقَلَ ابن فُورَكٍ عن الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ كُلَّ لَامٍ نَسَبَهَا اللَّهُ لِنَفْسِهِ فَهِيَ لِلْعَاقِبَةِ وَالصَّيْرُورَةِ دُونَ التَّعْلِيلِ لِاسْتِحَالَةِ الْغَرَضِ فَكَأَنَّ الْمُخْبِرَ في لَامِ الصَّيْرُورَةِ قال فَعَلْتُ هذا بَعْدَ هذا لَا أَنَّهُ غَرَضٌ لي وَاسْتَشْكَلَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بين الْأَغْنِيَاءِ وَبِقَوْلِهِ إنَّا فَتَحْنَا لَك فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَك فَقَدْ صَرَّحَ فيه بِالتَّعْلِيلِ وَلَا مَانِعَ من ذلك إذْ هو على وَجْهِ التَّفَضُّلِ وقال صَاحِبُ التَّنْقِيحِ اللَّامُ في اللُّغَةِ تَأْتِي لِلتَّعْلِيلِ وَتُسْتَعْمَلُ لِلْمِلْكِ وإذا أُضِيفَتْ إلَى الْوَصْفِ تَعَيَّنَتْ لِلتَّعْلِيلِ وَجَعَلَ الرَّازِيَّ في الْمَحْصُولِ اللَّامَ من الصَّرَائِحِ وقال في الرِّسَالَةِ الْبَهَائِيَّةِ عن الْغَزَالِيِّ أَنَّهُ قال في شِفَاءِ الْعَلِيلِ إنَّهَا صَرِيحَةٌ في التَّعْلِيلِ وَكَذَلِكَ الْبَاءُ وَالْفَاءُ ثُمَّ اسْتَشْكَلَ ذلك بِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالصَّرِيحِ ما لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا في التَّعْلِيلِ أو ما يَكُونُ اسْتِعْمَالُهُ في التَّعْلِيلِ أَظْهَرَ فَإِنْ كان الْأَوَّلَ فَلَيْسَتْ اللَّامُ صَرِيحَةً في التَّعْلِيلِ لِأَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ في غَيْرِهِ كَقَوْلِهِ لِدُوا لِلْمَوْتِ وَقَوْلِ الْمُصَلِّي أُصَلِّي لِلَّهِ فَإِنْ كان الثَّانِيَ فَلَا يَبْقَى بين الصَّرِيحِ وَالْإِيمَاءِ فَرْقٌ لِأَنَّ الْإِيمَاءَ إنَّمَا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِهِ إذَا كانت دَلَالَتُهُ على الْعِلِّيَّةِ رَاجِحَةً على دَلَالَتِهِ على غَيْرِ الْعِلِّيَّةِ وَحِينَئِذٍ فَلَا بُدَّ من الْفَرْقِ بين ما يَصِيرُ فيه اللَّفْظُ صَرِيحًا في الْعِلَّةِ وَعِنْدَ عَدَمِهِ يَصِيرُ إيمَاءً ولم يَثْبُتْ ذلك الثَّانِي أَنْ الْمَفْتُوحَةُ الْمُخَفَّفَةُ فَإِنَّهَا بِمَعْنَى لِأَجْلِ وَالْفِعْلُ الْمُسْتَقْبَلُ بَعْدَهَا تَعْلِيلٌ لِمَا قَبْلَهُ نَحْوُ أَنْ كان كَذَا وَمِنْهُ أَنْ تَقُولُوا إنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ على طَائِفَتَيْنِ من قَبْلِنَا فإنه مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ قَدَّرَهُ الْبَصْرِيُّونَ كَرَاهَةَ أَنْ تَقُولُوا وَالْكُوفِيُّونَ لِئَلَّا تَقُولُوا أو لِأَجْلِ أَنْ تَقُولُوا وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتَى وَقَوْلُهُ أَنْ تَضِلَّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى فَالْكُوفِيُّونَ في هذا كُلِّهِ يُقَدِّرُونَ اللَّامَ أَيْ لِئَلَّا تَضِلَّ ولئلا تَقُولَ وَالْبَصْرِيُّونَ يُقَدِّرُونَ الْمَفْعُولَ مَحْذُوفًا أَيْ كَرَاهَةَ أَنْ تَقُولُوا أو حَذَرًا أَنْ تَقُولُوا فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَسْتَقِيمُ الطَّرِيقَانِ في قَوْلِهِ أَنْ تَضِلَّ إحْدَاهُمَا فَإِنَّك إنْ قَدَّرْت لِئَلَّا تَضِلَّ إحْدَاهُمَا لم يَسْتَقِمْ عَطْفُ فَتُذَكِّرَ إحْدَاهُمَا عليه وَإِنْ قَدَّرْت حَذَرًا أَنْ تَضِلَّ إحْدَاهُمَا لم يَسْتَقِمْ الْعَطْفُ أَيْضًا وَكَذَلِكَ إنْ قَدَّرْت إرَادَةَ
  322. أَنْ تَضِلَّ قِيلَ الْمَقْصُودُ إذْ كان إحْدَاهُمَا تَنْسَى إذَا نَسِيَتْ أو ضَلَّتْ فلما كان الضَّلَالُ سَبَبًا لِلِادِّكَارِ جُعِلَ مَوْضِعَ الْعِلَّةِ كما تَقُولُ أَعْدَدْت هذه الْخَشَبَةَ أَنْ يَمِيلَ الْحَيْطُ فَأَدْعَمَهُ بها فَإِنَّمَا أَعْدَدْتهَا لِلدَّعْمِ لَا لِلْمَيْلِ هذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ وَالْبَصْرِيِّينَ وَقَدَّرَهُ الْكُوفِيُّونَ في تَذْكِيرِ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى إنْ ضَلَّتْ فلما تَقَدَّمَ الْجَزَاءُ اتَّصَلَ بِمَا قَبْلَهُ فَصَحَّتْ أَنْ الثَّالِثُ إنْ الْمَكْسُورَةُ سَاكِنَةُ النُّونِ الشَّرْطِيَّةُ بِنَاءً على أَنَّ الشُّرُوطَ اللُّغَوِيَّةَ أَسْبَابٌ فَلَا مَعْنَى لِإِنْكَارِ من أَنْكَرَ عَدَّهَا من ذلك نعم التَّعْلِيقُ من الْمَوَانِعِ فَيَتَرَتَّبُ على ما تَرَتَّبَ على الْأَسْبَابِ وَعَلَيْهِ الْخِلَافُ من الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ هل الْأَسْبَابُ الْمُعَلَّقَةُ بِشَرْطٍ انْعَقَدَتْ وَتَأَخَّرَ تَرَتُّبُ حُكْمِهَا إلَى غَايَةٍ أو لم تَنْعَقِدْ أَسْبَابًا لَكِنْ من جَعَلَ وُجُودَ الْمَانِعِ عِلَّةً لِانْتِفَاءِ الْحُكْمِ يَصِحُّ على قَوْلِهِ إنَّ الشَّرَائِطَ مَوَانِعُ وَهِيَ عِلَلٌ لِانْتِفَاءِ الْحُكْمِ الرَّابِعُ إنَّ كَقَوْلِهِ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إنَّهَا من الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ قال صَاحِبُ التَّنْقِيحِ كَذَا عَدُّوهَا من هذا الْقِسْمِ وَالْحَقُّ أنها لِتَحْقِيقِ الْفِعْلِ وَلَا حَظَّ لها من التَّعْلِيلِ وَالتَّعْلِيلُ في الحديث مَفْهُومٌ من سِيَاقِ الْكَلَامِ وَتَعَيُّنُهُ فَائِدَةٌ لِلذِّكْرِ وَكَذَلِكَ أَنْكَرَ كَوْنَهَا لِلتَّعْلِيلِ الْكَمَالُ بن الْأَنْبَارِيِّ من نُحَاةِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَنَقَلَ إجْمَاعَ النُّحَاةِ على أنها لَا تَرِدُ لِلتَّعْلِيلِ قال وَهِيَ في قَوْلِهِ إنَّهَا من الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ لِلتَّأْكِيدِ لَا لِأَنَّ عِلَّةَ الطَّهَارَةِ هِيَ الطَّوَافُ وَلَوْ قَدَّرْنَا مَجِيءَ قَوْلِهِ هِيَ من الطَّوَّافِينَ بِغَيْرِ إنَّ لَأَفَادَ التَّعْلِيلَ فَلَوْ كانت إنَّ لِلتَّعْلِيلِ لَعُدِمَتْ الْعِلَّةُ بِعَدَمِهَا وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لِأَنَّهَا وَإِلَّا لَوَجَبَ فَتْحُهَا وَلَا سَتُفِيدُ التَّعْلِيلَ من اللَّامِ وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ من الْحَنَابِلَةِ منهم الْفَخْرُ إسْمَاعِيلُ الْبَغْدَادِيُّ في كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِ جَنَّةِ الْمَنَاظِرِ وأبو مُحَمَّدٍ يُوسُفُ بن الْجَوْزِيِّ في كِتَابِهِ الْإِيضَاحِ في الْجَدَلِ وَلَكِنْ مِمَّنْ صَرَّحَ بِمَجِيئِهَا لِلتَّعْلِيلِ أبو الْفَتْحِ بن جِنِّي وَنَقَلَ الْقَاضِي نَجْمُ الدِّينِ الْمَقْدِسِيُّ في فُصُولِهِ قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ فيه وَأَنَّ الْأَكْثَرِينَ على إثْبَاتِهِ وَلَيْسَ مع النَّافِي إلَّا عَدَمُ الْعِلْمِ وَكَفَى بِابْنِ جِنِّي حُجَّةً في ذلك الْخَامِسُ الْبَاءُ قال ابن مَالِكٍ وَضَابِطُهُ أَنْ يَصْلُحَ غَالِبًا في مَوْضِعِهَا اللَّامُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ذلك بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَقَوْلِهِ فَبِظُلْمٍ من الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عليهم فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ وَقَوْلِهِ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَنْ يَدْخُلَ أحدكم الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ
  323. وَجَعَلَ منه الْآمِدِيُّ وَالْهِنْدِيُّ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَنَسَبَهُ بَعْضُهُمْ إلَى الْمُعْتَزِلَةِ وقال إنَّمَا هِيَ لِلْمُقَابَلَةِ كَقَوْلِهِمْ هذا بِذَلِكَ لِأَنَّ الْمُعْطِيَ هو من قد يُعْطِي مَجَّانًا وَأَمَّا الْمُسَبَّبُ فَلَا يُوجَدُ بِدُونِ السَّبَبِ وَتَقَدَّمَ في الْحُرُوفِ الْفَرْقُ بين بَاءِ السَّبَبِيَّةِ وَبَاءِ الْعِلَّةِ وإن تُشَارِكُ الْبَاءَ في التَّعْلِيلِ وَتَمْتَازُ عنها بِشَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ ما يَلِيهَا في حُكْمِ من رَجَعَ إلَيْهِ فِيمَا يَتَكَلَّمُ فيه فقال مُوَسِّعًا كَالْجَوَابِ لِأَنَّهُ كَذَا وَالثَّانِي أَنَّ خَبَرَهَا غَيْرُ مَعْلُومٍ لِلْمُخَاطَبِ أو مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ غَيْرِ الْمَعْلُومِ لِمَا لم يَعْمَلْ بِمُقْتَضَاهُ وَزَعَمَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ أَنَّ دَلَالَةَ الْبَاءِ على التَّعْلِيلِ مَجَازٌ من جِهَةِ أَنَّ ذَاتَ الْعِلَّةِ لِمَا اقْتَضَتْ وُجُودَ الْمَعْلُولِ دخل الْإِلْصَاقُ هُنَاكَ فَحَسُنَ اسْتِعْمَالُهَا فيه مَجَازًا قال الْهِنْدِيُّ وَهَذَا يُخَالِفُ ما ذَكَرَهُ غَيْرُهُ وَلِمَا أَشْعَرَ بِهِ كَلَامُهُ هُنَا من أَنَّ دَلَالَةَ اللَّامِ وَالْبَاءِ قَائِمَةٌ على التَّعْلِيلِ ظَاهِرَةٌ من غَيْرِ فَرْقٍ ثُمَّ ذَكَرَ أنها في اللَّامِ حَقِيقَةً وقال الْأَصْفَهَانِيُّ في نُكَتِهِ الْبَاءُ دُونَ اللَّامِ في الْعِلِّيَّةِ لِأَنَّ مَحَامِلَ اللَّامِ أَقَلُّ من مَحَامِلِ الْبَاءِ وَاللَّامُ وَإِنْ جَاءَتْ لِلِاخْتِصَاصِ فَالتَّعْلِيلُ لَا يَخْلُو عن الِاخْتِصَاصِ فَكَانَتْ دَلَالَةُ اللَّامِ أَخَصَّ بِالْعِلَّةِ السَّادِسُ الْفَاءُ إذَا عُلِّقَ بها الْحُكْمُ على الْوَصْفِ وَلَا بُدَّ فيها من تَأَخُّرِهَا وَهِيَ نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ تَدْخُلَ على السَّبَبِ وَالْعِلَّةِ وَيَكُونُ الْحُكْمُ مُتَقَدِّمًا كَقَوْلِهِ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ في الْمُحْرِمِ وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فإنه يُبْعَثُ يوم الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا وَالثَّانِي أَنْ تَدْخُلَ على الْحُكْمِ وَتَكُونَ الْعِلَّةُ مُتَقَدِّمَةً كَقَوْلِهِ تَعَالَى الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا فَالْفَاءُ لِلْجَزَاءِ وَالْجَزَاءُ مُسْتَحَقٌّ بِالْمَذْكُورِ السَّابِقِ وهو السَّرِقَةُ مَثَلًا لِأَنَّ التَّقْدِيرَ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوهُ وَمِنْ هذا الْقَبِيلِ قَوْله
  324. تَعَالَى أو لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هو فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ظَاهِرُ الْخِطَابِ يَدُلُّ على أَنَّ الْعِلَّةَ من قِيَامِ الْوَلِيِّ بِالْإِمْلَاءِ أَنَّ مُوَلِّيَهُ لَا يَسْتَطِيعُهُ فَصَارَ ذلك مُوجِبًا قِيَامَ الْوَلِيِّ بِكُلِّ ما عَجَزَ عنه مُوَلِّيهِ ضَرُورَةَ طَرْدِ الْعِلَّةِ قال الْإِمَامُ الرَّازِيَّ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هذا في الْإِشْعَارِ بِالْعِلَّةِ أَقْوَى من عَكْسِهِ يَعْنِي لِقُوَّةِ إشْعَارِ الْعِلَّةِ بِالْمَعْلُولِ لِوُجُوبِ الطَّرْدِ في الْعِلَلِ دُونَ الْعَكْسِ وَنَازَعَهُ النَّقْشَوَانِيُّ وهو ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَدْخُلَ على كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إمَّا في الْوَصْفِ كَالْحَدِيثِ السَّابِقِ أو في الْحُكْمِ كَالْآيَاتِ السَّابِقَةِ وَالثَّانِي أَنْ يَدْخُلَ في كَلَامِ الرَّاوِي كَقَوْلِهِ سَهَا فَسَجَدَ وَزَنَى مَاعِزٌ فَرُجِمَ وَسَوَاءٌ في ذلك الرَّاوِي الْفَقِيهُ وَغَيْرُهُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لو لم يَفْهَمْ لم يُعَاقَبْ قِيلَ وَالْفَاءُ إذَا امْتَنَعَ كَوْنُهَا لِلْعَطْفِ تَعَيَّنَ لِلسَّبَبِ وَالْمَانِعُ لِلْعَطْفِ أنها مَتَى قُدِّرَتْ له الْوَاوُ اخْتَلَّ الْكَلَامُ كَقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ من أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ له لِأَنَّهَا لو كانت عَاطِفَةً بِمَعْنَى الْوَاوِ لَتَضَمَّنَتْ الْجُمْلَةُ مَعْنَى الشَّرْطِ بِلَا جَوَابٍ وَهَذَا مَبْنِيٌّ على حَصْرِ الْفَاءِ لِلتَّعْلِيلِ وَالْعَطْفِ وهو مَمْنُوعٌ بَلْ هِيَ في هذه الْمَوَاضِعِ جَوَابٌ أَيْ رَابِطَةٌ بين الشَّرْطِ وَجَوَابِهِ وَلَا يَلْزَمُ من كَوْنِ الْأَوَّلِ شَرْطًا كَوْنُهُ عِلَّةً وقد جَعَلَ في الْمَحْصُولِ تَبَعًا لِلْغَزَالِيِّ الْبَاءَ وَالْفَاءَ من صَرَائِحِ التَّعْلِيلِ ثُمَّ خَالَفَ الرَّازِيَّ في رِسَالَتِهِ الْبَهَائِيَّةِ وَرَدَّ على الْغَزَالِيِّ وقال الْبَاءُ قد تُسْتَعْمَلُ لِغَيْرِ التَّعْلِيلِ وَمِنْهُ بِاسْمِ اللَّهِ وَالْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ لَا لِلتَّعْلِيلِ وقال ابن الْأَنْبَارِيِّ من النَّحْوِيِّينَ الْفَاءُ إنَّمَا يَكُونُ فيها إيمَاءٌ إلَى الْعِلَّةِ إذَا كان الْمُبْتَدَأُ اسْمًا مَوْصُولًا بِجُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ أو نَكِرَةٍ مَوْصُوفَةٍ فَالِاسْمُ الْمَوْصُولُ نَحْوُ الذي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ وقَوْله تَعَالَى الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ فما بَعْدَ الْفَاءِ من حُصُولِ الْأَجْرِ وَنَفْيِ الْخَوْفِ وَالْحُزْنِ مُسْتَحَقٌّ بِمَا قَبْلَهَا من الْإِنْفَاقِ على ذلك الْوَصْفِ وَيَجْرِي مَجْرَى الذي الْأَلِفُ وَاللَّامُ إذَا وُصِلَتْ بِاسْمِ الْفَاعِلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا والزانية وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا
  325. أَيْ لِسَرِقَتِهِمَا وَلِزِنَاهُمَا فَاسْتِحْقَاقُ الْقَطْعِ وَالْجَلْدِ إنَّمَا كان لِلسَّرِقَةِ وَالزِّنَى لَا لِغَيْرِهِمَا وَلَوْلَا الْفَاءُ جَازَ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا وَلِغَيْرِهِمَا وَالنَّكِرَةُ الْمَوْصُوفَةُ نَحْوُ كُلُّ إنْسَانٍ يَفْعَلُ كَذَا فَلَهُ دِرْهَمٌ فَيَدُلُّ على اسْتِحْقَاقِ الدِّرْهَمِ بِالْفِعْلِ الْمُتَقَدِّمِ فإذا لم تَدْخُلْ لم يَدُلَّ على ذلك وَجَازَ أَنْ يَكُونَ بِهِ وَبِغَيْرِهِ لِأَنَّ في الْكَلَامِ مَعْنَى الشَّرْطِ إذًا الْمَعْنَى إنْ يَأْتِنِي رَجُلٌ فَلَهُ دِرْهَمٌ وَالشَّرْطُ سَبَبٌ في الْجَزَاءِ وَعِلَّةٌ له وَلِهَذَا دَخَلَتْ الْفَاءُ لِأَنَّهَا لِلتَّعْقِيبِ وَالْمُسَبَّبُ في الرُّتْبَةِ عَقِبَ السَّبَبِ فَكَانَ في دُخُولِهَا إيمَاءٌ إلَى الْعِلَّةِ وإذا حُذِفَتْ لم يَقْتَضِ اللَّفْظُ أَنْ يَكُونَ الدِّرْهَمُ مُسْتَحَقًّا بِالْفِعْلِ الْمُتَقَدِّمِ بَلْ بِهِ وَبِغَيْرِهِ لِعَدَمِ الْفَاءِ الْمُفِيدَةِ لِلتَّنْبِيهِ على الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلِاسْتِحْقَاقِ وَهُنَا أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ دُخُولَ فَاءِ التَّعْقِيبِ على الْمَعْلُومِ وَاضِحٌ لِوُجُوبِ تَأَخُّرِهِ عن الْعِلَّةِ وَأَمَّا دُخُولُهَا على الْعِلَّةِ نَحْوُ فإنه يَبْعَثُ فَوَجْهُهُ أَنَّ الْعِلَّةَ الْغَائِبَةَ لها تَقَدُّمٌ في الذِّهْنِ وَتَأَخُّرٌ في الْوُجُودِ كما تَقُولُ أَكَلَ فَشَبِعَ فَالشِّبَعُ مُتَأَخِّرٌ في الْوُجُودِ مُتَقَدِّمٌ في الذِّهْنِ وَبِهَذَا يُجَابُ عن الِاعْتِرَاضِ على الْقَوْلِ بِاسْتِفَادَةِ التَّعْلِيلِ من الْفَاءِ بِتَرْتِيبِ الْوُضُوءِ على الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ وَلَوْ كانت لِلتَّعْلِيلِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْقِيَامُ إلَى الصَّلَاةِ عِلَّةَ الْوُضُوءِ وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ بَلْ عِلَّةُ وُجُوبِ الْوُضُوءِ وُجُودُ الْحَدَثِ وَلَقَدْ اعْتَاصَ الْجَوَابُ على الْغَزَالِيِّ حتى انْتَهَى فيه إلَى الْإِسْهَابِ وَجَوَابُهُ يُعْلَمُ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ الْعِلَّةَ تَنْقَسِمُ إلَى ما يَتَقَدَّمُ تَصَوُّرُهَا وَإِلَى ما يَنْعَدِمُ تَصَوُّرُهَا وَالصَّلَاةُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوُضُوءِ لَك أَنْ تَجْعَلَهَا من الْأَوَّلِ بِأَنَّهَا حِكْمَةُ الْوُضُوءِ وَلَهَا شَرْطٌ يَصِحُّ تَرْتِيبُهُ عليها بِالْفَاءِ كما رَتَّبَ بَعْثَ الشَّهِيدِ الْمُحْرِمِ على هَيْئَتِهِ وَأَنْ تَجْعَلَهَا من الثَّانِي فإنه قد أَمْكَنَ جَعْلُ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ مَظِنَّةً وَسَبَبًا وَيَكُونُ الْحَدَثُ شَرْطًا من شَرَائِطِ السَّبَبِ أو من شَرَائِطِ الْحُكْمِ وَإِلْحَاقُ شَرْطٍ بِالْوَصْفِ الْمُومَأِ إلَيْهِ لَا يُسْتَكْثَرُ وقال بَعْضُهُمْ الْأَوْلَى أَنْ تَدْخُلَ الْفَاءُ على الْأَحْكَامِ لِأَنَّهَا مُتَرَتِّبَةٌ على الْعِلَلِ وَلَا تَدْخُلُ على الْعِلَلِ لِاسْتِحَالَةِ تَأَخُّرِ الْعِلَّةِ عن الْمَعْلُولِ إلَّا أنها قد تَدْخُلُ على الْعِلَلِ على خِلَافِ الْأَصْلِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ لها دَوَامٌ لِأَنَّهَا إذَا كانت دَائِمَةً كانت في حَالَةِ الدَّوَامِ مُتَرَاخِيَةً عن ابْتِدَاءِ الْحُكْمِ فَصَحَّ دُخُولُ الْفَاءِ عليها بهذا الِاعْتِبَارِ كما
  326. يُقَالُ لِمَنْ هو في حَبْسٍ ظَالِمٍ إذَا ظَهَرَ آثَارُ الْفَرَجِ أَبْشِرْ فَقَدْ أَتَاك الْغَوْثُ وقد نَجَوْت الثَّانِي ما ذَكَرَ من أَنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْلِيلِ في آيَةِ السَّرِقَةِ من جِهَةِ أَنَّهُ رَتَّبَ الْقَطْعَ على السَّرِقَةِ بها فَدَلَّ على أَنَّ السَّرِقَةَ هِيَ السَّبَبُ لَا يَأْتِي على مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ لِأَنَّهُ يَرَى أَنَّ قَوْلَهُ فَاقْطَعُوا جَوَابٌ لِمَا في الْأَلِفِ وَاللَّامِ من مَعْنَى الشَّرْطِ إنَّمَا الْكَلَامُ عِنْدَهُ على مَعْنَى فِيمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ حُكْمُ السَّارِقِ وَالسَّارِقَةِ فَهَذِهِ تَرْجَمَةٌ سِيقَتْ لِلتَّشَوُّفِ إلَى ما بَعْدَهَا فلما كان في مَضْمُونِ التَّرْجَمَةِ مُنْتَظِرًا قِيلَ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا فَالْفَاءُ إذَنْ لِلِاسْتِئْنَافِ لَا لِلْجَوَابِ وَإِنَّمَا حَمَلَ سِيبَوَيْهِ على ذلك أَنَّ الْفَاءَ لو كانت جَوَابًا لِقَوْلِهِ وَالسَّارِقُ وكان الْكَلَامُ مُبْتَدَأً أو خَبَرًا لَكَانَتْ الْقَوَاعِدُ تَقْتَضِي النَّصْبَ في السَّارِقُ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْفِعْلِ أَوْلَى كَقَوْلِهِ زَيْدًا اضْرِبْهُ فلما رَأَى الْعَامَّةُ مُطَبِّقَةً على الرَّفْعِ تَفَطَّنَ لِأَنَّهَا لَا تُجْمِعُ على خِلَافِ الْأَوْلَى فَاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ على أَنَّهُ خَارِجٌ على مَعْنَى الِاسْتِئْنَافِ وَذَكَرَ مِثْلَ قَوْلِهِ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ كَالتَّرْجَمَةِ وَالْعُنْوَانِ السَّابِعُ لَعَلَّ على رَأْيِ الْكُوفِيِّينَ من النُّحَاةِ وَقَالُوا إنَّهَا في كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى لِلتَّعْلِيلِ الْمَحْضِ مُجَرَّدَةٌ عن مَعْنَى التَّرَجِّي لِاسْتِحَالَتِهِ عليه فإنه إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا تُجْهَلُ عَاقِبَتُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى اُعْبُدُوا رَبَّكُمْ الذي خَلَقَكُمْ وَاَلَّذِينَ من قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ قِيلَ هو تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ اُعْبُدُوا وَقِيلَ لِقَوْلِهِ خَلَقَكُمْ وَقِيلَ لَهُمَا وَقَوْلُهُ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كما كُتِبَ على الَّذِينَ من قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أو يَخْشَى فَ لَعَلَّ في هذا اخْتَصَّتْ لِلتَّعْلِيلِ وَالرَّجَاءِ الذي فِيهِمَا مُتَعَلَّقُ الْمُخَاطَبِينَ الثَّامِنُ إذْ ذَكَرَ ابن مَالِكٍ نَحْوُ وَإِذْ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وما يَعْبُدُونَ إلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إلَى الْكَهْفِ وَإِذْ لم يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إفْكٌ قَدِيمٌ وَلَنْ يَنْفَعَكُمْ الْيَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ وقد أَشَارَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ وَنَازَعَهُ أبو حَيَّانَ التَّاسِعُ حتى أَثْبَتَهُ ابن مَالِكٍ أَيْضًا قال وَعَلَامَتُهَا أَنْ يَحْسُنَ في مَوْضِعِهَا كَيْ نَحْوُ خُذْ حتى تُعْطِيَ الْجُودَ وَمِنْ مِثْلِهَا قَوْله تَعَالَى وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَقَوْلُهُ وَقَاتِلُوهُمْ حتى لَا تَكُونَ فِتْنَةً وَيَحْتَمِلُهَا حتى تَفِيءَ وَزَعَمَ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ أَنَّ منها لَا جَرَمَ بَعْدَ الْوَصْفِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى لَا جَرَمَ أَنَّ لهم النَّارَ وَجَمِيعُ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَمَنْ كان مَرِيضًا أو على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ من أَيَّامٍ أُخَرَ من أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ
  327. له وَكَذَا حَرْفُ إذَا فإن فيها مَعْنَى الشَّرْطِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وَجَعَلَ الْآمِدِيُّ منها من أَيْضًا تَنْبِيهٌ هذه الْأَلْفَاظُ كما تَخْتَلِفُ مَرَاتِبُهَا في أَنْفُسِهَا في الدَّلَالَةِ على التَّعْلِيلِ كَذَلِكَ تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ وُقُوعِهَا في كَلَامِ الْقَائِلِينَ فَهِيَ في كَلَامِ الشَّارِعِ أَقْوَى منها في كَلَامِ الرَّاوِي وفي كَلَامِ الرَّاوِي الْفَقِيهُ أَقْوَى منها في غَيْرِ الْفَقِيهِ مع صِحَّةِ الِاحْتِجَاجِ بها في الْكُلِّ خِلَافًا لِمَنْ تَوَهَّمَ أَنَّهُ لَا يَحْتَجُّ بها إلَّا في كَلَامِ الرَّاوِي الْفَقِيهِ وَهَذَا بَحْثٌ تَوَهَّمَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَلَيْسَ قَوْلًا وَزَعَمَ الْآمِدِيُّ أَنَّ الْوَارِدَ في كَلَامِ اللَّهِ أَقْوَى من الْوَارِدِ في كَلَامِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَالْحَقُّ تَسَاوِيهِمَا وَبِهِ صَرَّحَ الْهِنْدِيُّ لِعَدَمِ احْتِمَالِ تَطَرُّقِ الْخَطَأِ إلَيْهِمَا
  328. الْمَسْلَكُ الثَّالِثُ الْإِيمَاءُ وَالتَّنْبِيهُ وهو يَدُلُّ على الْعِلِّيَّةِ بِالِالْتِزَامِ لِأَنَّهُ يَفْهَمُهَا من جِهَةِ الْمَعْنَى لَا اللَّفْظِ وَإِلَّا لَكَانَ صَرِيحًا وَوَجْهُ دَلَالَتِهِ أَنَّ ذِكْرَهُ مع الْحُكْمِ يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ لَا لِفَائِدَةٍ لِأَنَّهُ عَبَثٌ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ لِفَائِدَةٍ وَهِيَ إمَّا كَوْنُهُ عِلَّةً أو جُزْءَ عِلَّةٍ أو شَرْطًا وَالْأَظْهَرُ كَوْنُهُ عِلَّةً لِأَنَّهُ الْأَكْثَرُ في تَصَرُّفِ الشَّارِحِ وهو أَنْوَاعٌ أَحَدُهَا ذِكْرُ الْحُكْمِ السُّكُوتِيِّ أو الشَّرْعِيِّ عَقِبَ الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ له وَتَارَةً يَقْتَرِنُ بِ أَنْ وَتَارَةً بِالْفَاءِ وَتَارَةً يُذْكَرُ مُجَرَّدًا فَالْأَوَّلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَزَكَرِيَّا إذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ إلَى قَوْلِهِ خَاشِعِينَ وَقَوْلِهِ إنَّ الْمُتَّقِينَ في جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ الْآيَةُ وَالثَّانِي كَقَوْلِهِ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا والزانية وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا وَالثَّالِثُ إنَّ الْمُتَّقِينَ في جَنَّاتٍ وَنَهْرٍ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لهم أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عليهم وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ وَاَلَّذِي بَعْدَ الْفَاءِ تَارَةً يَكُونُ حُكْمًا نَحْوُ قُلْ هو أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ وَتَارَةً يَكُونُ عِلَّةً نَحْوُ فإنه يُبْعَثُ يوم الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا فإنه عِلَّةُ تَجْنِيبِهِ الطَّيِّبَ ثُمَّ منه ما صَرَّحَ فيه بِالْحُكْمِ وَالْوَصْفِ مَعًا فَهُوَ إيمَاءٌ بِلَا خِلَافٍ كَقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ من أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ له من مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ عَتَقَ عليه فَقَدْ صَرَّحَ في الْأَوَّلِ بِالْإِحْيَاءِ وهو الْوَصْفُ وَالْحُكْمُ وهو الْمِلْكُ وفي الثَّانِي بِالْمِلْكِ وهو الْوَصْفُ وَبِالْعِتْقِ وهو الْحُكْمُ وَمِنْهُ ما لم يُصَرِّحْ بِهِمَا فَإِنْ صُرِّحَ بِالْحُكْمِ وَالْوَصْفُ مُسْتَنْبَطٌ كَتَحْرِيمِ الرَّبَّا في الْبُرِّ الْمُسْتَخْرَجِ منه عِلَّةُ الْكَيْلِ أو الطُّعْمِ أو الْوَزْنِ فَلَيْسَ بِإِيمَاءٍ قَطْعًا وَقِيلَ على الْخِلَافِ في عَكْسِهِ وهو ما
  329. حَكَاهُ ابن الْحَاجِبِ وَاسْتَبْعَدَهُ الْهِنْدِيُّ وَإِنْ صَرَّحَ بِالْوَصْفِ وَالْحُكْمُ مُسْتَنْبَطٌ كَالصِّحَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ من حِلِّ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ فَهَلْ النَّصُّ الدَّالُ على ثُبُوتِ الْحِلِّ إيمَاءٌ أو ثُبُوتُ الصِّحَّةِ اخْتَلَفُوا فيه فَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى إثْبَاتِهِ وَرَجَّحَهُ الْهِنْدِيُّ لِأَنَّ الصِّحَّةَ لَازِمَةٌ لِلْحِلِّ إذْ لَوْلَا الصِّحَّةُ لم يَكُنْ لِلْإِحْلَالِ فَائِدَةٌ وَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّهُ ليس بِإِيمَاءٍ إلَيْهَا لِأَنَّهَا غَيْرُ مُصَرَّحٍ بها فَهُوَ كما لو صَرَّحَ بِالْحُكْمِ وَاسْتَخْرَجْنَا الْعِلَّةَ قِيَاسًا لِأَحَدِهِمَا على عَكْسِهِ وَجَمَعَ ابن الْحَاجِبِ في الصُّورَتَيْنِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ وَالنِّزَاعُ لَفْظِيٌّ يَلْتَفِتُ إلَى تَفْسِيرِ الْإِيمَاءِ هل هو اقْتِرَانُ الْحُكْمِ وَالْوَصْفِ سَوَاءٌ كَانَا مَذْكُورَيْنِ أو أَحَدُهُمَا مَذْكُورًا وَالْآخَرُ مُقَدَّرًا أو بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَا مَذْكُورَيْنِ وَإِنَّ إثْبَاتَ مُسْتَلْزِمِ الشَّيْءِ نَقِيضُ إثْبَاتِهِ الثَّانِي أَنْ يَذْكُرَ الشَّارِعُ مع الْحِكْمَةِ وَصْفًا لو لم يَكُنْ عِلَّةٌ لَعَرِيَ عن الْفَائِدَةِ إمَّا مع سُؤَالٍ في مَحَلِّهِ أو سُؤَالٍ في نَظِيرِهِ فَالْأَوَّلُ كَقَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ وَاقَعْتُ أَهْلِي في رَمَضَانَ فقال أَعْتِقْ رَقَبَةً فإنه يَدُلُّ على أَنَّ الْوِقَاعَ عِلَّةٌ لِلْإِعْتَاقِ وَالسُّؤَالُ مُقَدَّرٌ في الْجَوَابِ كَأَنَّهُ قال إذَا وَاقَعْتَ فَكَفِّرْ وقد مَرَّ أَنَّ مِثْلَ هذا لِلتَّعْلِيلِ فَكَذَا هُنَا لِأَنَّ الْمُقَدَّرَ كَالْمُحَقَّقِ فَإِنْ حُذِفَتْ من ذلك بَعْضُ الْأَوْصَافِ وَعُلِّلَتْ بِالْبَاقِي سُمِّيَ تَنْقِيحُ مَنَاطٍ مِثَالُهُ أَنْ يَقُولَ كَوْنُهُ أَعْرَابِيًّا لَا مَدْخَلَ له في الْعِلَّةِ إذْ الْأَعْرَابِيُّ وَغَيْرُهُ حُكْمُهُمَا سَوَاءٌ وَكَذَا كَوْنُ الْمَحَلِّ أَهْلًا فإن الزِّنَى أَجْدَرُ بِهِ وَالثَّانِي كَقَوْلِهِ وقد سَأَلَتْهُ الْخَثْعَمِيَّةُ إنَّ أبي أَدْرَكَتْهُ الْوَفَاةُ وَعَلَيْهِ فَرِيضَةُ الْحَجِّ أَيَنْفَعُهُ إنْ حَجَجْتُ عنه قال أَرَأَيْت لو كان على أَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ أَكَانَ يَنْفَعُهُ قالت نعم فذكر نَظِيرَهُ وهو دَيْنُ الْآدَمِيِّ فَنَبَّهَ على كَوْنِهِ عِلَّةً في النَّفْعِ وَإِلَّا لَزِمَ الْعَبَثُ وَجَعَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ منه قَوْلَهُ عليه السَّلَامُ لِلسَّائِلِ عن الْقُبْلَةِ أَرَأَيْت
  330. لو تَمَضْمَضْتَ بِمَاءٍ فقال نَبَّهَهُ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ على قِيَاسِ الْقُبْلَةِ على الْمَضْمَضَةِ في صِحَّةِ الصَّوْمِ مَعَهَا وقال الْمُحَقِّقُونَ غير ذلك وهو أَنَّهُ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إنَّمَا نَبَّهَ على نَقِيضِ قِيَاسٍ يَخْتَلِجُ في صَدْرِ السَّائِلِ وَذَلِكَ أَنَّ الْإِشْكَالَ الذي عِنْدَ الْقَائِلِ إنَّمَا نَشَأَ من اعْتِقَادِهِ أَنَّ الْقُبْلَةَ مُقَدِّمَةُ الْجِمَاعِ وَالْجِمَاعُ مُفْسِدٌ وَمُقَدِّمَةُ الشَّيْءِ يَنْبَغِي أَنْ تُنَزَّلَ مَنْزِلَةَ الشَّيْءِ لِمَا بين الْمُقَدِّمَةِ وَالْغَايَةِ من التَّنَاسُبِ فَنَبَّهَ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّ تَعْلِيلَ تَنْزِيلِ الْقُبْلَةِ مَنْزِلَةَ الْجِمَاعِ في الْإِفْسَادِ بِكَوْنِهَا مُقَدِّمَةً مَنْقُوضٌ بِالْمَضْمَضَةِ في الْوُضُوءِ وَإِنْ كان صَائِمًا فإن الْمُقَدِّمَةَ وُجِدَتْ من الْمَضْمَضَةِ ولم يُوجَدْ الْإِفْسَادُ وَإِلَّا فَكَيْفَ تُقَاسُ الْقُبْلَةُ على الْمَضْمَضَةِ في عَدَمِ الْإِفْسَادِ بِجَامِعِ كَوْنِهِمَا مُقَدِّمَتَيْنِ لِلْمُفْسِدِ وَلَا مُنَاسَبَةَ بين كَوْنِ الشَّيْءِ مُقَدِّمَةٌ لِفَسَادِ الصَّوْمِ وَبَيْنَ كَوْنِ الصَّوْمِ صَحِيحًا معه بَلْ هذا قَرِيبٌ من فَسَادِ الْوَضْعِ أَمَّا إذَا عَلِمَ الشَّارِعُ فِعْلًا مُجَرَّدًا تَكَلَّمَ عَقِيبَهُ بِحُكْمٍ فَهَلْ يَكُونُ عِلْمُهُ كَإِعْلَامِهِ حتى يَكُونَ الْفِعْلُ الْمُجَرَّدُ الْمَعْلُومُ سَبَبًا فيه خِلَافٌ حَكَاهُ الْإِبْيَارِيُّ وقال الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اسْتِنَادُ التَّعْلِيلِ إلَيْهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ حُكْمٌ مُبْتَدَأٌ وَجَرَى ذِكْرُ الْوَاقِعَةِ اتِّفَاقًا وَيُحْتَمَلُ الرَّبْطُ لِقُرْبِهِ من الْقَرِينَةِ وقال صَاحِبُ جَنَّةِ النَّاظِرِ من أَنْوَاعِ الْإِيمَاءِ الْحُكْمُ عِنْدَ رَفْعِ الْحَادِثَةِ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَفِّرْ لِمَنْ قال وَاقَعْتُ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ من الْأُصُولِيِّينَ إلَى أَنَّ شَرْطَ فَهْمِ التَّعْلِيلِ من هذا النَّوْعِ أَنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ على أَنَّ الْحُكْمَ وَقَعَ جَوَابًا لِمَا رُفِعَ إلَيْهِ إذْ من الْمُمْكِنِ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ اسْتِئْنَافًا لَا جَوَابًا وَهَذَا كَمَنْ تَصَدَّى لِلتَّدْرِيسِ فَأَخْبَرَهُ تِلْمِيذٌ بِمَوْتِ السُّلْطَانِ مَثَلًا فَأَمَرَهُ عَقِبَ الْإِخْبَارِ بِقِرَاءَةِ دَرْسِهِ فإنه لَا يَدُلُّ على تَعْلِيلِ الْقِرَاءَةِ بِذَلِكَ الْخَبَرِ بَلْ الْأَمْرُ بِالِاشْتِغَالِ بِمَا هو بِصَدَدِهِ وَبِتَرْكِ ما لَا يَعْنِيه وإذا ثَبَتَ افْتِقَارُ فَهْمِ التَّعْلِيلِ إلَى الدَّلِيلِ فَلَيْسَ إلَّا انْتِفَاءُ الْقَرَائِنِ الصَّارِفَةِ إذْ السُّؤَالُ يَسْتَدْعِي الْجَوَابَ فَتَأْخِيرُهُ عنه يَكُونُ تَأْخِيرًا لِلْبَيَانِ عن وَقْتِ الْحَاجَةِ وَذَلِكَ على خِلَافِ الدَّلِيلِ وَاعْلَمْ أَنَّ اعْتِرَافَ هَؤُلَاءِ بِكَوْنِ السُّؤَالِ يَسْتَدْعِي الْجَوَابَ اعْتِرَافٌ بِكَوْنِ السُّؤَالِ قَرِينَةٌ على كَوْنِ الْوَاقِعِ جَوَابًا فَيَكُونُ مُنَاقِضًا لِقَوْلِهِمْ إنَّ فَهْمَ التَّعْلِيلِ يَفْتَقِرُ إلَى الدَّلِيلِ وَالْقَرَائِنُ الصَّارِفَةُ تُرْشِدُ
  331. الْمُعَارِضَ لِدَلَالَةِ الدَّلِيلِ على تَعْيِينِ الْوَاقِعِ جَوَابًا فَلَا يُؤْخَذُ انْتِفَاؤُهَا في حَدِّ الدَّلِيلِ نعم يَقِفُ الْعَمَلُ بِالدَّلِيلِ على انْتِفَائِهَا وَذَلِكَ لَا يَخُصُّ هذا النَّوْعَ من الْإِيمَاءِ بَلْ هو جَارٍ في جَمِيعِ الْأَنْوَاعِ لِأَنَّ انْتِقَاءَ الْمُعَارِضِ مُشْتَرَطٌ في الْعَمَلِ بِجَمِيعِ الدَّلَائِلِ وَالثَّالِثُ أَنْ يُفَرَّقَ بين حُكْمَيْنِ لِوَصْفٍ إمَّا مع ذِكْرِهِمَا مَعًا نَحْوُ لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ وَلِلْفَارِسِ سَهْمَانِ وَقَوْلُهُ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ فإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ فإنه تَنْبِيهٌ على أَنَّ ما جَعَلَهُ غَايَةً لِلْحُكْمِ يَكُونُ عِلَّةً قَوْلُهُ لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الْأَيْمَانَ فإنه يَدُلُّ على أَنَّ الْمُؤَثِّرَ في حُكْمِ الْمُؤَاخَذِ وَالتَّفْصِيلُ ما وَقَعَ بِهِ الْفَرْقُ وَإِمَّا مع ذِكْرِ أَحَدِهِمَا نَحْوُ الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ فإنه لم يَتَعَرَّضْ لِغَيْرِ الْقَاتِلِ وَإِرْثِهِ فَدَلَّ على أَنَّ الْعِلَّةَ في الْمَنْعِ من الْإِرْثِ الْقَتْلُ وَأَيْضًا إمَّا بِالْغَايَةِ مِثْلُ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ أو بِالِاسْتِثْنَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إلَّا أَنْ يَعْفُونَ وَالرَّابِعُ مَنْعُهُ ما قد يُفَوِّتُ الْمَطْلُوبَ بِأَنْ يَذْكُرَ عَقِيبَ الْكَلَامِ أو في سِيَاقِهِ شيئا لو لم يُعَلِّلْ بِهِ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ لم يَنْتَظِمْ الْكَلَامُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَذَرُوا الْبَيْعَ لِأَنَّ الْآيَةَ سِيقَتْ لِبَيَانِ وَقْتِ الْجُمُعَةِ وَأَحْكَامِهَا فَلَوْ لم يُعَلِّلْ النَّهْيَ عن الْبَيْعِ بِكَوْنِهِ مَانِعًا من الصَّلَاةِ أو شَاغِلًا عن الْمَشْيِ إلَيْهَا لَكَانَ ذِكْرُهُ عَبَثًا لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يُمْنَعُ منه مُطْلَقًا كَقَوْلِهِ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا يَقْضِي الْقَاضِي وهو غَضْبَانُ فَلَوْ لم يُعَلِّلْ النَّهْيَ عن الْقَضَاءِ عِنْدَ الْغَضَبِ بِكَوْنِهِ يَتَضَمَّنُ تَشْوِيشَ الْفِكْرِ لَكَانَ ذِكْرُهُ لَاغِيًا إذْ الْقَضَاءُ لَا يُمْنَعُ مُطْلَقًا كما مَرَّ وَالْخَامِسُ رَبْطُ الْحُكْمِ بِاسْمٍ مُشْتَقٍّ بِمَا منه الِاشْتِقَاقُ يَنْتَهِضُ عِلَّةً فيه وَإِلَى هذا صَارَ الشَّافِعِيُّ في مَسْأَلَةِ الرِّبَا وَأَوَّلَ الْقَاضِي مَذْهَبَهُ وقال لَعَلَّهُ تَمَسَّك بِالْحَدِيثِ في إثْبَاتِ حُكْمِ الرِّبَا لَا في إثْبَاتِ عِلَّتِهِ قال الْغَزَالِيُّ ليس كما ظَنَّهُ الْقَاضِي لِأَنَّهُ أَثْبَتَ عِلِّيَّةَ الطُّعْمِ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ تَعَلَّقَ أَئِمَّتُنَا في تَعْلِيلِ رِبَا الْفَضْلِ بِالطُّعْمِ بِقَوْلِهِ لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ وهو مَوْقُوفٌ على إثْبَاتِ كَوْنِ الطَّعَامِ مُشْعِرًا بِتَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ
  332. وَإِلَّا فَالطَّعَامُ وَالْبُرُّ سَوَاءٌ في تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِهِ وَالسَّادِسُ تَرَتُّبُ الْحُكْمِ على الْوَصْفِ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ له مَخْرَجًا أَيْ لِأَجْلِ تَقْوَاهُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ على اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ أَيْ لِأَجْلِ تَوَكُّلِهِ لِأَنَّ الْجَزَاءَ يَتَعَقَّبُ الشَّرْطَ وَالسَّبَبُ ما ثَبَتَ الْحُكْمُ عَقِبَهُ فإذا الشَّرْطُ في مِثْلِ هذا سَبَبُ الْجَزَاءِ فَيَكُونُ الشَّرْطُ اللُّغَوِيُّ سَبَبًا وَعِلَّةً وَمِنْهُ قَوْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم من اتَّبَعَ جِنَازَةً فَلَهُ من الْأَجْرِ قِيرَاطٌ ومن أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ له وَهَذَا الْقِسْمُ لَا يَكُونُ ما بَعْدَ الْفَاءِ إلَّا حُكْمًا وما قَبْلَهَا إلَّا سَبَبًا لِأَنَّ جَوَابَ الشَّرْطِ مُتَأَخِّرٌ بِالْوَضْعِ عن الشَّرْطِ تَحْقِيقًا نَحْوُ إنْ كُنْتَ مُؤْمِنًا فَاتَّقِ اللَّهَ أو تَقْدِيرًا نَحْوُ اتَّقِ اللَّهَ إنْ كُنْت مُؤْمِنًا لِأَنَّ جَوَابَ الشَّرْطِ لَازِمٌ وَالشَّرْطُ مَلْزُومٌ وَاللَّازِمُ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْمَلْزُومِ وَثُبُوتُهُ فَرْعٌ عن ثُبُوتِهِ بِخِلَافِ الْأَقْسَامِ السَّابِقَةِ فإذا ما بَعْدَ الْفَاءِ قد يَكُونُ حُكْمًا وقد يَكُونُ عِلَّةً وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ رُجُوعَهُ إلَى بَابِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ لِأَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ قد يَقْتَضِيَانِ الشَّرْطَ فَيُجْزَمُ جَوَابُهُمَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَهَبْ لي من لَدُنْك وَلِيًّا يَرِثُنِي أَيْ هَبْ لي فَإِنَّك إنْ تَهَبْ لي وَلِيًّا يَرِثُنِي وَقَوْلُك لَا تَقْرَبْ الشَّرَّ تَنْجُ أَيْ لَا تَقْرَبْهُ فَإِنَّك إنْ لَا تَقْرَبْهُ تَنْجُ وَتَدْخُلُ الْفَاءُ في جَوَابِهِمَا كَقَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا فإنه يُبْعَثُ أَيْ إنَّهُ مَاتَ مُحْرِمًا فإنه يُبْعَثُ مُلَبِّيًا فَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا فَالظَّاهِرُ اسْتِوَاءُ الصِّيَغِ كُلِّهَا في تَأَخُّرِ الْحُكْمِ على الْوَصْفِ وَالْحُكْمُ إمَّا مُسَبَّبٌ أو مَشْرُوطٌ وهو مُسَبَّبٌ أَيْضًا وَكِلَاهُمَا مُتَأَخِّرٌ نعم بَعْضُ ذلك مُتَأَخِّرٌ تَحْقِيقًا وَبَعْضُهُ مُتَأَخِّرٌ تَقْدِيرًا السَّابِعُ تَعْلِيلُ عَدَمِ الْحُكْمِ بِوُجُودِ الْمَانِعِ منه كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرْ بِالرَّحْمَنِ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ وما مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ أَيْ آيَاتِ الِاقْتِرَاحِ لَا الْآيَاتِ الدَّالَّةِ على صِدْقِ الرُّسُلِ وَقَوْلِهِ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ وَقَوْلِهِ لَوْلَا أُنْزِلَ عليه مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عن الْمَانِعِ
  333. الذي مَنَعَ من إنْزَالِ الْمَلَكِ عِيَانًا بِحَيْثُ يُشَاهِدُونَهُ وَأَنَّ لُطْفَهُ بِخَلْقِهِ مَنَعَهُ فإنه لو أَنْزَلَ عليه مَلَكًا وَعَايَنُوهُ ولم يُؤْمِنُوا فَعُجِّلُوا الْعُقُوبَةَ وَجَعَلَ الرَّسُولَ بَشَرًا لِيُمْكِنَهُمْ التَّلَقِّي عنه وَالرُّجُوعَ إلَيْهِ الثَّامِنُ إنْكَارُهُ سُبْحَانَهُ على من زَعَمَ أَنَّهُ لم يَخْلُقْ الْخَلْقَ لِغَايَةٍ وَلَا لِحِكْمَةٍ بِقَوْلِهِ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَقَوْلِهِ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يَتْرُكَ سُدًى وَقَوْلِهِ وما خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وما بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ما خَلَقْنَاهُمَا إلَّا بِالْحَقِّ التَّاسِعُ إنْكَارُهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يُسَوَّى بين الْمُخْتَلِفَيْنِ وَيُفَرَّقَ بين الْمُتَمَاثِلَيْنِ فَالْأَوَّلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ وَقَوْلِهِ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ في الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ وَقَوْلِهِ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ والثاني كَقَوْلِهِ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأُولَئِكَ مع الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عليهم وَقَوْلِهِ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَقَوْلِهِ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ من بَعْضٍ مَسْأَلَةٌ في اشْتِرَاطِ الْوَصْفِ الْمُومَأِ إلَيْهِ لِلْحُكْمِ في الْأَقْسَامِ السَّابِقَةِ مَذَاهِبُ أَحَدُهَا اشْتِرَاطُهُ وهو قَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ كَالزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَالصَّوْمِ فَإِنْ لم يَكُنْ مُنَاسِبًا فَهُوَ كَالتَّعْلِيلِ بِالْقَلْبِ والثاني وهو قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ بَلْ يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّعَلُّقِ مع تَرْتِيبِ الْحُكْمِ عليه وَحَكَاهُ في الْبُرْهَانِ عن إطْلَاقِ الْأُصُولِيِّينَ وَاخْتَارَهُ إلْكِيَا وَإِلَّا لم يَكُنْ لِذِكْرِهِ مَعْنًى وَتَعَطَّلَ الْكَلَامُ والثالث وَاخْتَارَهُ ابن الْحَاجِبِ إنْ كان التَّعْلِيلُ فُهِمَ من الْمُنَاسَبَةِ كما في قَوْلِهِ لَا يَقْضِي الْقَاضِي وهو غَضْبَانُ اُشْتُرِطَ وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا لِأَنَّ التَّعْلِيلَ يُفْهَمُ من غَيْرِهَا وَحَكَى الْهِنْدِيُّ قَوْلًا بِاشْتِرَاطِهِ في تَرَتُّبِ الْحُكْمِ على الِاسْمِ دُونَ غَيْرِهِ وَفَصَّلَ ابن الْمُنِيرِ بين أَنْ يَكُونَ الِاسْمُ الْمُشْتَقُّ يَتَنَاوَلُ مَعْهُودًا مُعَيَّنًا فَلَا يَتَعَيَّنُ لِلتَّعْلِيلِ وَلَوْ كان مُنَاسِبًا
  334. بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَعْرِيفًا وَأَمَّا إذَا عُلِّقَ بِعَامٍّ أو مُنَكَّرٍ فَهُوَ تَعْلِيلٌ وَلَوْ لم تَظْهَرْ الْمُنَاسَبَةُ كما لو قال لِعِلَّةِ كَذَا ولم تَظْهَرْ الْمُنَاسَبَةُ تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ الْإِيمَاءَاتُ بِأَنْوَاعِهَا تَدُلُّ على أَنَّ الْمُشَرِّعَ اعْتَبَرَ الشَّيْءَ الْفُلَانِيَّ ولم يُلْغِهِ وَأَمَّا أَنَّهُ عِلَّةٌ تَامَّةٌ أو جُزْءُ عِلَّةٍ أو شَرْطُ عِلَّةٍ فَكُلُّ ذلك لَا يَدُلُّ عليه الدَّالُّ على اعْتِبَارِهِ وقد يَدُلُّ بِقَرِينَةٍ وَإِنْ شِئْت فَقُلْ هل التَّنْصِيصُ أو التَّنْبِيهِ على الْعِلَّةِ نَصٌّ صَرِيحٌ في أَنَّ هذا الْمَنْصُوصَ أو الْمُنَبَّهَ على عِلَّتِهِ مَقْصُودٌ بِعَيْنِهِ أو جُزْئِيٌّ أُقِيمَ مَقَامَ كُلِّيٍّ وَالْعِلَّةُ الْمَنْصُوصُ عليها أو الْمُنَبَّهُ عليها هو الْمَعْنَى الْكُلِّيُّ الذي أُقِيمَ هذا الْجُزْئِيُّ مَقَامَهُ قُلْنَا الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَقْصُودٌ لَعَيْنِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جُزْئِيًّا أُقِيمَ مَقَامَ كُلِّيٍّ كَقَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا يَقْضِي الْقَاضِي وهو غَضْبَانُ وَهَذَا السُّؤَالُ وَقَعَ في الْمُسْتَصْفَى مجا وَصَوَابُهُ ما ذَكَرْنَا الثَّانِي دَلَالَةُ هذه الْأَقْسَامِ في الْإِيمَاءَاتِ على الْعِلِّيَّةِ إنَّمَا هِيَ ظَاهِرَةٌ إلَّا فِيمَا كان منها بِصِيغَةِ الشَّرْطِ الثَّالِثُ لو ظَفِرْنَا في الْوَصْفِ بِمُنَاسَبَةٍ تَعَيَّنَ لِحَاظُهَا وَجَازَ لِلنَّاظِرِ الزِّيَادَةُ عليها وَالنَّقْصُ فَالْأَوَّلُ كَقَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا يَقْضِي الْقَاضِي وهو غَضْبَانُ فإنه فَهِمَ أَنَّ الْمَنْعَ لِعِلَّةِ تَشْوِيشِ الْفِكْرِ فَأَلْحَقَ بِهِ الْجُوعَ وَالْعَطَشَ وَغَيْرَهُمَا من الْمَعَانِي الْمُوجِبَةِ لِاخْتِلَافِ الْفِكْرِ وَالثَّانِي كَالنَّهْيِ عن بَيْعِ ما لم يَقْبِضْ فإنه إضَافَةُ الْمَنْعِ إلَى عَدَمِ الْقَبْضِ لَيْسَتْ لِصُورَتِهِ وَاضْطَرَبَ أَصْحَابُنَا في مَعْنَاهُ فَقِيلَ لِتَوَالِي الضَّمَانَيْنِ فَيَخْرُجُ منه الْبَيْعُ من الْبَائِعِ وَقِيلَ لِضَعْفِ الْمِلْكِ فَلَا يَخْرُجُ لَكِنْ يَخْرُجُ منه الِاسْتِبْدَالُ عن بَدَلِ الثَّلَاثِمِائَةِ بِمِائَةٍ جَائِزٌ وَإِنْ كان قبل الْقَبْضِ وقال أبو حَنِيفَةَ هو لِتَضَمُّنِهِ غَرَرًا من حَيْثُ يُتَوَقَّعُ انْقِلَابُ الْمِلْكِ إلَى الْبَائِعِ الْأَوَّلِ بِالتَّلَفِ قبل الْقَبْضِ تَبَيَّنَ بِالْآخِرَةِ أَنَّ الْبَائِعَ الثَّانِيَ بَاعَ مِلْكَ الْغَيْرِ فَيَكُونُ غَرَرًا فَيَخْرُجُ منه بَيْعُ الْعَقَارِ فإن تَلَفَهُ غَيْرُ مُتَصَوَّرٌ على ما عُرِفَ من أُصُولِهِمْ وَأَيْضًا كَقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ فإنه يُنَبِّهُ على كَوْنِ
  335. الدِّبَاغِ يُطَهِّرُ الْجِلْدَ مُطْلَقًا وَخَرَجَ بِهِ عِنْدَنَا جِلْدُ الْكَلْبِ وكان الْمَعْنَى منه أَنَّا وَجَدْنَا الْمُنَاسَبَةَ خَاصَّةً بِجِلْدِ ما كان طَاهِرًا قبل الْمَمَاتِ لِأَنَّ تَأْثِيرَ الدِّبَاغِ في رَدِّ الْجِلْدِ إلَى ما كان عليه فَيَعُودُ طَاهِرًا وهو مَفْقُودٌ في حَقِّ الْكَلْبِ وَقَضَى أبو حَنِيفَةَ بِطَهَارَتِهِ بِالدِّبَاغِ لِأَنَّهُ يقول بِطَهَارَتِهِ حَالَ الْحَيَاةِ فَإِنْ قِيلَ إدَارَةُ الْحُكْمِ على الْمُنَاسَبَةِ في الْوَصْفِ الْمُومَأِ إلَيْهِ حتى سَارَ الْقَوْلُ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ يُنَاقِضُ أَصْلَكُمْ في مَنْعِ إرْثِ كل قَاتِلٍ بِنَاءً على ظَاهِرِ قَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ مع أَنَّ الْمُنَاسَبَةَ خَاصَّةٌ وَهِيَ الْمُعَارَضَةُ له بِنَقِيضِ قَصْدِهِ في اسْتِعْجَالِ الْمِيرَاثِ فَيَخْرُجُ الْقَتْلُ الْمُبَاحُ وَالْوَاجِبُ وَأَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ بِهِ قُلْنَا الْمُنَاسَبَةُ خَاصَّةٌ كما ذَكَرْتُمْ لَكِنَّهَا مُعَارَضَةٌ بِقَوْلِ من مَنَعَ الْقَاتِلَ مُطْلَقًا أَنَّ الْإِرْثَ اضْطِرَارِيٌّ وَلَوْ حَصَلَ بِالْقَتْلِ لَكَانَ كَسْبِيًّا وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ وَمِنْهُمْ من يقول الْقَتْلُ يَمْنَعُ الْمُوَالَاةَ فَيَمْنَعُ الْإِرْثَ كَالرِّقِّ وَالْكُفْرِ وإذا تَعَارَضَتْ الْمُنَاسَبَاتُ تَسَاقَطْنَ ولم يُعْمَلْ بِإِحْدَاهَا وَرَجَعَ إلَى عُمُومِ الحديث مع قَطْعِ النَّظَرِ عن الْمُنَاسَبَاتِ على أَنَّ أَصْلَ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ وَإِنْ ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ في الشِّفَاءِ فَقَدْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ وَيُشْكِلُ ما سَمَّاهُ زِيَادَةً في مَسْأَلَةِ الْقَاضِي من قِيَاسِ التَّمْثِيلِ وما سَمَّاهُ نُقْصَانًا عن عُمُومِ الْخَبَرِ فَهُوَ بِنَاءٌ على مُعَارِضٍ أَمَّا لِعَدَمِ الْمُنَاسَبَةِ فَلَا الْمَسْلَكُ الرَّابِعُ الِاسْتِدْلَال على عِلِّيَّةِ الْحُكْمِ بِفِعْلِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَهَذَا مِمَّا أَهْمَلَهُ أَكْثَرُ الْأُصُولِيِّينَ وقد ذَكَرَهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ وَصُورَتُهُ أَنْ يَفْعَلَ فِعْلًا بَعْدَ وُقُوعِ شَيْءٍ فَيُعْلَمُ أَنَّ ذلك الْفِعْلَ إنَّمَا كان لِأَجْلِ ذلك الشَّيْءِ الذي وَقَعَ وَوُقُوعُ ذلك إمَّا أَنْ يَكُونَ من النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم كَأَنْ يَرَى أَنَّهُ سَهَا في الصَّلَاةِ فَسَجَدَ فَيَعْلَمُ أَنَّ ذلك السُّجُودَ لِذَلِكَ السَّهْوِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ من غَيْرِهِ وَيَكُونُ منه شَيْءٌ آخَرُ كما رُوِيَ أَنَّ مَاعِزًا زَنَى فَرُجِمَ قال الْقَاضِي إنَّمَا يَجِبُ مِثْلُ ذلك الْحُكْمِ في غَيْرِ ذلك الْمَحْكُومِ عليه بَعْدَ نَقْلِهِ بِالْقِيَاسِ إذْ قَوْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم حُكْمِي على الْوَاحِدِ حُكْمِي على
  336. الْجَمَاعَةِ وَنَحْوُهُ مِمَّا يَحِلُّ الْفِعْلُ فيه مَحَلَّ الْقَوْلِ الْعَامِّ لِأَنَّا قد قُلْنَا إنَّ قَضَاءَهُ على الْمُعَيَّنِ لِعِلَّةٍ وَصْفِيَّةٍ لَا تَقْتَضِي وُجُوبَ عُمُومِ ذلك الْحُكْمِ وَلَا يَمْتَنِعُ اخْتِلَافُ الْأَحْكَامِ في ذلك وَإِنَّمَا يَتَعَدَّى لِغَيْرِهِ بِدَلِيلٍ يَقْتَرِنُ بِهِ قال وَكَذَلِكَ اجْتِنَابُهُ الطِّيبَ وما يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُونَ عِنْدَ إحْرَامِهِمْ إذْ عُقِلَ من ذلك شَاهِدُ الْحَالِ أَنَّهُ إنَّمَا اجْتَنَبَهُ لِأَجْلِ الْإِحْرَامِ وَمِنْ أَمْثَالِهِ الْمُنَبِّهَةِ على عِلَّةِ الْحُكْمِ تَخْيِيرُهُ بَرِيرَةَ لَمَّا عَتَقَتْ تَحْتَ زَوْجِهَا الْمَسْلَكُ الْخَامِسُ في إثْبَاتِ الْعِلِّيَّةِ الْمُنَاسَبَةُ وَهِيَ من الطُّرُقِ الْمَعْقُولَةِ وَيُعَبَّرُ عنها بِ الْإِخَالَةِ وَبِ الْمَصْلَحَةِ وَبِ الِاسْتِدْلَالِ وَبِ رِعَايَةِ الْمَقَاصِدِ وَيُسَمَّى اسْتِخْرَاجُهَا تَخْرِيجُ الْمَنَاطِ لِأَنَّهُ إبْدَاءُ مَنَاطِ الْحُكْمِ وَهِيَ عُمْدَةُ كِتَابِ الْقِيَاسِ وَغَمْرَتُهُ وَمَحَلُّ غُمُوضِهِ وَوُضُوحِهِ وهو تَعْيِينُ الْعِلَّةِ بِمُجَرَّدِ إبْدَاءِ الْمُنَاسَبَةِ أَيْ الْمُنَاسَبَةِ اللُّغَوِيَّةِ التي هِيَ الْمُلَاءَمَةُ فَلَا دُورَ من ذَاتِ الْأَصْلِ لَا بِنَصٍّ وَلَا غَيْرِهِ مع السَّلَامَةِ عن الْقَوَادِحِ كَالْإِسْكَارِ في تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَالْمُنَاسِبُ لُغَةً الْمُلَائِمُ وَأَمَّا في الِاصْطِلَاحِ فقال من لم يُعَلِّلْ أَفْعَالَ اللَّهِ بِالْغَرَضِ إنَّهُ الْمُلَائِمُ لِأَفْعَالِ الْعُقَلَاءِ في الْعَادَاتِ أَيْ ما يَكُونُ بِحَيْثُ يَقْصِدُ الْعُقَلَاءُ لِفِعْلِهِ على مَجَارِي الْعَادَةِ تَحْصِيلَ مَقْصُودٍ مَخْصُوصٍ وقال من يُعَلِّلُهَا هو ما يَجْلِبُ لِلْإِنْسَانِ نَفْعًا أو يَدْفَعُ عنه ضُرًّا وهو قَوْلُ الدَّبُوسِيِّ ما لو عُرِضَ على الْعُقُولِ تَلَقَّتْهُ بِالْقَبُولِ قِيلَ وَعَلَى هذا فَإِثْبَاتُهَا على الْخَصْمِ مُتَعَذِّرٌ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يقول عَقْلِيٌّ لَا يَتَلَقَّى هذا بِالْقَوْلِ وَمِنْ ثَمَّ قال أبو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ هو حُجَّةٌ لِلنَّاظِرِ لِأَنَّهُ لَا يُكَابِرُ نَفْسَهُ دُونَ الْمُنَاظِرِ قال الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَالْحَقُّ أَنَّهُ يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ على الْجَاحِدِ بِتَبْيِينِ مَعْنَى الْمُنَاسَبَةِ على وَجْهٍ مَضْبُوطٍ فإذا أَبْدَاهُ الْمُعَلِّلُ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى جَحْدِهِ وَقِيلَ إنَّ التَّفْسِيرَ الْأَوَّلَ بُنِيَ على جَوَازِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ وَأَنَّ الْمُنَاسِبَ لَا يَنْخَرِمُ بِالْمُعَارِضِ وَالتَّفْسِيرَ الثَّانِي
  337. بُنِيَ على مَنْعِ التَّخْصِيصِ وَيَأْخُذُ انْتِفَاءَ الْعَارِضِ في حَدِّ الْمُنَاسِبِ وقال الْخِلَافِيُّونَ الْمُنَاسَبَةُ مُبَاشَرَةُ الْفِعْلِ الصَّالِحِ لِحِكْمَةٍ وَمَصْلَحَةٍ أو صَلَاحِيَّةُ الْفِعْلِ لِحِكْمَةٍ وَمَصْلَحَةٍ وقال ابن الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ هو وَصْفٌ ظَاهِرٌ مُنْضَبِطٌ يَحْصُلُ عَقْلًا من تَرَتُّبِ الْحُكْمِ عليه ما يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا لِلْعُقَلَاءِ من حُصُولِ مَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ أو دُنْيَوِيَّةٍ أو دَفْعِ مَفْسَدَةٍ فَإِنْ كان الْوَصْفُ خَفِيًّا أو ظَاهِرًا غير مُنْضَبِطٍ فَالْمُعْتَبَرُ ما يُلَازِمُهُ وهو الْمَظِنَّةُ كَالْمَشَقَّةِ فَإِنَّهَا لِلْمَقْصُودِ وَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهَا بِنَفْسِهَا لِأَنَّهَا غَيْرُ مُنْضَبِطَةٍ فَتُعْتَبَرُ بِمَا يُلَازِمُهُ وهو السَّفَرُ قال الْهِنْدِيُّ وهو ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ اعْتَبَرَ في مَاهِيَّةِ الْمُنَاسَبَةِ ما هو خَارِجٌ عنه وهو اقْتِرَانُ الْحُكْمِ لِلْوَصْفِ وهو خَارِجٌ عن مَاهِيَّةِ الْمُنَاسَبَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُقَالُ الْمُنَاسَبَةُ مع الِاقْتِرَانِ دَلِيلُ الْعِلِّيَّةِ وَلَوْ كان الِاقْتِرَانُ دَاخِلًا في الْمَاهِيَّةِ لَمَا صَحَّ هذا وَأَيْضًا فَهُوَ غَيْرُ جَامِعٍ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ بِالظَّاهِرَةِ الْمُنْضَبِطَةِ جَائِزٌ على ما اخْتَارَهُ قَائِلُ هذا الْحَدِّ وَالْوَصْفِيَّةَ غَيْرُ مُتَحَقِّقَةٍ فيها مع تَحَقُّقِ الْمُنَاسَبَةِ وقد احْتَجَّ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ على إفَادَتِهَا الْعِلِّيَّةَ بِتَمَسُّكِ الصَّحَابَةِ بها فَإِنَّهُمْ يُلْحِقُونَ غير الْمَنْصُوصِ بِالْمَنْصُوصِ إذَا غَلَبَ على ظَنِّهِمْ أَنَّهُ يُضَاهِيه لِمَعْنًى أو يُشْبِهُهُ وَرَدَّهُ في الرِّسَالَةِ الْبَهَائِيَّةِ بِأَنَّهُ ما نُقِلَ إلَيْنَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَمَسَّكُونَ بِكُلِّ ظَنٍّ غَالِبٍ فَلَا يَبْعُدُ التَّعَبُّدُ من نَوْعِ الظَّنِّ الْغَالِبِ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ ذلك النَّوْعَ ثُمَّ قال الْأَوْلَى الِاعْتِمَادُ على الْعُمُومَاتِ الدَّالَّةِ على الْأَمْرِ بِالْقِيَاسِ وقد أَوْرَدَ على اعْتِبَارِ الْفُقَهَاءِ الْمُنَاسَبَةَ في الْأَحْكَامِ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي تَعْلِيلَ أَحْكَامِ اللَّهِ بِالْغَرَضِ كما يَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ وقد سَبَقَ تَحْرِيرُ هذا في الْكَلَامِ على الْعِلَلِ وَالْحَقُّ أَنَّ اسْتِقْرَاءَ أَحْكَامِ الشَّرْعِ دَلَّ على ضَبْطِ هذه الْأَحْكَامِ بِالْمَصَالِحِ وَهَذَا كَافٍ فِيمَا نَرُومُهُ وَذَلِكَ بِفَضْلِ اللَّهِ جَلَّ اسْمُهُ لَا وُجُوبًا خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ في وُجُوبِ رِعَايَةِ الْأَصْلَحِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّعَبُّدِ لِنُدْرَتِهِ في الْأَحْكَامِ بِالنِّسْبَةِ إلَى ما يُعْقَلُ مَعْنَاهُ وَالْأَغْلَبُ على الظَّنِّ إلْحَاقُ الْفَرْدِ بِالْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ وَإِنَّمَا يُحْكَمُ بِالتَّعَبُّدِ فِيمَا لَا تَظْهَرُ فيه مُنَاسَبَةٌ إلَّا عِنْدَ من يُعَلِّلُ بِالْوَصْفِ الشَّبَهِيِّ فإنه غَيْرُ مُنَاسِبٍ بِنَفْسِهِ وَلَا مَعْلُومٌ اشْتِمَالُهُ على الْمُنَاسِبِ وَلَا يُصَارُ إلَى التَّعَبُّدِ معه عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ
  338. ثُمَّ النَّظَرُ في الْمُنَاسِبِ في مَوَاضِعَ الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ أَقْسَامُ الْمُنَاسِبِ من حَيْثُ الْيَقِينِ وَالظَّنِّ إنَّهُ قد يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِهِ من شَرْعِ الْحُكْمِ يَقِينًا كَمَصْلَحَةِ الْبَيْعِ لِلْحِلِّ أو ظَنًّا كَالْقِصَاصِ لِحِفْظِ النَّفْسِ وقد يَحْتَمِلُهَا على السَّوَاءِ كَحَدِّ الْخَمْرِ لِحِفْظِ الْعَقْلِ لِأَنَّ الْمَيْلَ وَالْإِقْدَامَ مُسَاوٍ لِلْإِحْجَامِ وقد يَكُونُ نَفْيُ الْحُصُولِ أَوْضَحَ كَنِكَاحِ الْآيِسَةِ لِتَحْصِيلِ التَّنَاسُلِ وَيَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِجَمِيعِ هذه الْأَقْسَامِ وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ صِحَّةَ التَّعْلِيلِ بِالثَّالِثِ وَالرَّابِعِ بِنَاءً على أَنَّ حُصُولَ الْمَقْصُودِ منها غَيْرُ ظَاهِرٍ لِلْمُسَاوَاةِ في الثَّالِثِ والمرجوحية في الرَّابِعِ وَالْأَصَحُّ خِلَافُهُ لِأَنَّ انْتِفَاءَ ظُهُورِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ لَا يَقْدَحُ في صِحَّةِ التَّعْلِيلِ وقال الْهِنْدِيُّ يَجُوزُ إنْ كان في آحَادِ الصُّوَرِ الشَّاذَّةِ وكان ذلك في أَغْلَبِ الصُّوَرِ من الْجِنْسِ مُفْضِيًا إلَى الْمَقْصُودِ وَإِلَّا فَلَا أَمَّا إذَا حَصَلَ الْقَطْعُ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ من شَرْعِ الْحُكْمِ ثَابِتٌ فقالت الْحَنَفِيَّةُ يُعْتَبَرُ التَّعْلِيلُ بِهِ وَالْأَصَحُّ لَا يُعْتَبَرُ سَوَاءٌ ما لَا تَعَبُّدَ فيه كَلُحُوقِ نَسَبِ الْمَشْرِقِيِّ بِالْمَغْرِبِيَّةِ وما فيه تَعَبُّدٌ كَاسْتِبْرَاءِ جَارِيَةٍ اشْتَرَاهَا بَائِعُهَا في الْمَجْلِسِ الْمَوْضِعُ الثَّانِي أَقْسَامُ الْمُنَاسِبِ من حَيْثُ الْحَقِيقَةِ وَالْإِقْنَاعِ إنَّهُ يَنْقَسِمُ إلَى حَقِيقِيٍّ وَإِقْنَاعِيٍّ وَالْحَقِيقِيُّ يَنْقَسِمُ إلَى ما هو وَاقِعٌ في مَحَلِّ الضَّرُورَةِ وَمَحَلِّ الْحَاجَةِ وَمَحَلِّ التَّحْسِينِ الْأَوَّلُ الضَّرُورِيُّ وهو الْمُتَضَمِّنُ حِفْظَ مَقْصُودٍ من الْمَقَاصِدِ الْخَمْسِ التي لم تَخْتَلِفْ فيها الشَّرَائِعُ بَلْ هِيَ مُطْبِقَةٌ على حِفْظِهَا وَهِيَ خَمْسَةٌ أَحَدُهَا حِفْظُ النَّفْسِ بِشَرْعِيَّةِ الْقِصَاصِ فإنه لَوْلَا ذلك لِتَهَارَجَ الْخَلْقُ وَاخْتَلَّ نِظَامُ الْمَصَالِحِ ثَانِيهَا حِفْظُ الْمَالِ بِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا إيجَابُ الضَّمَانِ على الْمُعْتَدِي فيه فإن الْمَالَ قِوَامُ الْعَيْشِ وَثَانِيهِمَا بِالْقَطْعِ بِالسَّرِقَةِ ثَالِثُهَا حِفْظُ النَّسْلِ بِتَحْرِيمِ الزِّنَى وَإِيجَابِ الْعُقُوبَةِ عليه فإن الْأَسْبَابَ
  339. دَاعِيَةٌ إلَى التَّنَاصُرِ وَالتَّعَاضُدِ وَالتَّعَاوُنِ الذي لَا يَتَأَتَّى الْعَيْشُ إلَّا بِهِ عَادَةً رَابِعُهَا حِفْظُ الدِّينِ بِشَرْعِيَّةِ الْقَتْلِ وَالْقِتَالِ فَالْقَتْلُ لِلرِّدَّةِ وَغَيْرِهَا من مُوجِبَاتِ الْقَتْلِ لِأَجْلِ مَصْلَحَةِ الدِّينِ وَالْقِتَالُ في جِهَادِ أَهْلِ الْحَرْبِ خَامِسُهَا حِفْظُ الْعَقْلِ بِشَرْعِيَّةِ الْحَدِّ على شُرْبِ الْمُسْكِرِ فإن الْعَقْلَ هو قِوَامُ كل فِعْلٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ مَصْلَحَةٌ فَاخْتِلَالُهُ مُؤَدٍّ إلَى مَفْسَدَةٍ عُظْمَى هذا ما أَطْبَقَ عليه الْأُصُولِيُّونَ وهو لَا يَخْلُو من نِزَاعٍ فَدَعْوَاهُمْ إطْبَاقُ الشَّرَائِعِ على ذلك مَمْنُوعٌ أَمَّا من حَيْثُ الْجُمْلَةِ فَلِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ على أَنَّهُ ما خَلَا شَرْعٌ عن اسْتِصْلَاحٍ وَفِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ في الْكَلَامِ على أَنَّ الْحُكْمَ لَا بُدَّ له من عِلَّةٍ وَالْأَقْرَبُ فيه الْوَقْفُ وَأَمَّا من حَيْثُ التَّفْصِيلِ فَأَمَّا ما ذَكَرُوهُ من الْقِصَاصِ فَيَرُدُّهُ أَنَّ الْقِصَاصَ إنَّمَا عُلِمَ وُجُوبُهُ في شَرِيعَةِ مُوسَى عليه السَّلَامُ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى وَكَتَبْنَا عليهم فيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَذَلِكَ لَا يُوَافِقُ قَوْلَهُمْ يَلْزَمُ من عَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ الْقِصَاصِ بُطْلَانُ الْعَالَمِ فَأَمَّا ما ذَكَرُوهُ في الْخَمْرِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهَا كانت مُبَاحَةً في صَدْرِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ حُرِّمَتْ في السَّنَةِ الثَّالِثَةِ بَعْدَ غَزْوَةِ أُحُدٍ قِيلَ بَلْ كان الْمُبَاحُ شُرْبُ الْقَلِيلِ الذي لَا يُسْكِرُ لَا ما يَنْتَهِي إلَى السُّكْرِ الْمُزِيلِ لِلْعَقْلِ فإنه يَحْرُمُ في كل مِلَّةٍ قَالَهُ الْغَزَالِيُّ في شِفَاءِ الْعَلِيلِ وَحَكَاهُ ابن الْقُشَيْرِيّ في تَفْسِيرِهِ عن الْقَفَّالِ الشَّاشِيِّ ثُمَّ نَازَعَهُ وقال تَوَاتَرَ الْخَبَرُ حَيْثُ كانت مُبَاحَةً بِالْإِطْلَاقِ ولم يَثْبُتْ أَنَّ الْإِبَاحَةَ كانت إلَى حَدٍّ لَا يُزِيلُ الْعَقْلَ وَكَذَا قال النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ فَأَمَّا ما يَقُولُهُ بَعْضُ من لَا تَحْصِيلَ عِنْدَهُ أَنَّ الْمُسْكِرِ لم يَزَلْ مُحَرَّمًا فَبَاطِلٌ لَا أَصْلَ له انْتَهَى وقد نَاقَشَهُمْ الْأَصْفَهَانِيُّ صَاحِبُ النُّكَتِ من جِهَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الْمُحَافَظَةَ على مَقْصُودِ الشَّرْعِ إنَّمَا تَحْصُلُ بِإِيجَابِ الْقِصَاصِ وَالْحَدِّ لَا بِالْقَتْلِ وَالسَّرِقَةِ لِأَنَّ هذه الْأَشْيَاءَ تُخِلُّ بِمَقْصُودِ الشَّرْعِ فَيَكُونُ الْمُنَاسِبُ هو الْحُكْمُ الْمُتَضَمِّنُ لِلْمُحَافَظَةِ على الْمَقْصُودِ لَا الْوَصْفُ وهو السَّرِقَةُ وَالْقَتْلُ وَالرِّدَّةُ وَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّ الْمُنَاسَبَةَ صِفَةُ السَّرِقَةِ وَالرِّدَّةِ وَغَيْرِهَا لِأَنَّهُ يُقَالُ السَّرِقَةُ تُنَاسِبُ الْقَطْعَ وَالْقَتْلُ يُنَاسِبُ الْقِصَاصَ وَلَا يُقَالُ إيجَابُ الْقِصَاصِ مُنَاسِبٌ وقد زَادَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ سَادِسًا وهو حِفْظُ الْأَعْرَاضِ فإن عَادَةَ الْعُقَلَاءِ بَذْلُ نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ دُونَ أَعْرَاضِهِمْ وما فُدِيَ بِالضَّرُورِيِّ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ ضَرُورِيًّا وقد
  340. شُرِعَ في الْجِنَايَةِ عليه بِالْقَذْفِ الْحَدُّ وهو أَحَقُّ بِالْحِفْظِ من غَيْرِهِ فإن الْإِنْسَانَ قد يَتَجَاوَزُ من جَنَى على نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يَتَجَاوَزُ عن الْجِنَايَةِ على عِرْضِهِ وَلِهَذَا كان أَهْلُ الْجِنَايَةِ يَتَوَقَّعُونَ الْحَرْبَ الْعَوَانَ الْمُبِيدَةَ لَلْفَرَسَانِ لِأَجْلِ كَلِمَةٍ فَهَؤُلَاءِ عَبْسٌ وَذُبْيَانَ اسْتَمَرَّتْ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً لِأَجْلِ سَبْقِ فَرَسٍ فَرَسًا وَهُمَا دَاحِسٌ وَالْغَبْرَاءُ وَإِلَيْهِمَا تُضَافُ هذه الْحَرْبُ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَسْبُوقَ وهو حُذَيْفَةُ بن بَدْرٍ اعْتَقَدَ مَسْبُوقِيَّتَهُ عَارًا يُقَبِّحُ عِرْضَهُ وَيَلْتَحِقُ بهذا الْقِسْمِ مُشْكَلُ الضَّرُورِيِّ كَحَدِّ قَلِيلِ الْمُسْكِرِ وَوُجُوبِ الْحَدِّ فيه وَتَحْرِيمِ الْبِدْعَةِ وَالْمُبَالَغَةِ في عُقُوبَةِ الْمُبْتَدِعِ الدَّاعِي إلَيْهَا وفي حِفْظِ النَّسَبِ بِتَحْرِيمِ النَّظَرِ وَالْمَسِّ وَالتَّعْزِيرِ على ذلك الثَّانِي الْحَاجِيُّ وهو ما يَقَعُ في مَحَلِّ الْحَاجَةِ لَا الضَّرُورَةِ كَالْإِجَارَةِ فَإِنَّهَا مَبْنِيَّةٌ على مَسِيسِ الْحَاجَةِ إلَى الْمَسَاكِنِ مع الْقُصُورِ عن تَمَلُّكِهَا وَضَنِّ مَالِكِهَا بِبَذْلِهَا عَارِيَّةً وَكَذَلِكَ الْمُسَاقَاةُ لِاشْتِغَالِ بَعْضِ الْمُلَّاكِ عن تَعَهُّدِ أَشْجَارِهِ وَكَذَلِكَ الْقِرَاضُ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ في هذا الْقِسْمِ الْبَيْعَ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ تَصْحِيحُ الْبَيْعِ آيِلٌ إلَى الضَّرُورَةِ وَالْإِجَارَةُ دُونَهُ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ لَا يَسْتَغْنِي عن الْبَيْعِ فَالضَّرُورَةُ إلَيْهِ عَامَّةٌ وفي الْآحَادِ من يَسْتَغْنِي عن الْإِجَارَةِ فَالْحَاجَةُ إلَيْهَا لَيْسَتْ عَامَّةً وَنَازَعَهُ ابن الْمُنِيرِ وقال وُقُوعُ الْإِجَارَاتِ أَكْثَرُ من الْمُبَايَعَاتِ وَمِنْهُ نَصْبُ الْوَلِيِّ لِلصَّغِيرِ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ نَظَرًا من الْمَرْأَةِ لِكَمَالِ عَقْلِهِ فَلَوْ فَوَّضَ نِكَاحَهَا إلَيْهَا أَوْقَعَتْ نَفْسَهَا في مَعَرَّةٍ لِقُصُورِ نَظَرِهَا وَلِأَنَّ تَوَلِّيهَا النِّكَاحَ يُسْتَقْبَحُ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ لِإِشْعَارِهِ بِبَذَاءَتِهَا ثُمَّ قد يَكُونُ من هذا ما هو ضَرُورِيٌّ كَالْإِجَارَةِ لِتَرْبِيَةِ الطِّفْلِ وَتَكْمِيلًا كَخِيَارِ الْبَيْعِ وَرِعَايَةِ الْكَفَاءَةِ وَمَهْرِ الْمِثْلِ في تَزْوِيجِ الصَّغِيرِ فإنه أَفْضَى إلَى دَوَامِ النِّكَاحِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْمُنَاسَبَةَ قد تَكُونُ جَلِيَّةً حتى تَنْتَهِيَ إلَى الْقَطْعِ كَالضَّرُورِيَّاتِ وقد تَكُونُ خَفِيَّةً كَالْمَعَانِي التي اسْتَنْبَطَهَا الْفُقَهَاءُ وَلَيْسَ لهم إلَّا مُجَرَّدُ احْتِمَالِ اعْتِبَارِ الشَّرْعِ لها وقد يُشْتَبَهُ كَوْنُ الْمُنَاسَبَةِ وَاقِعَةً في مَرْتَبَةِ الضَّرُورَةِ أو الْحَاجَةِ لِتَقَارُبِهِمَا وقد قال بَعْضُ الْأَكَابِرِ إنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الْإِجَارَةِ على خِلَافِ الْقِيَاسِ فَنَازَعَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ
  341. وقال إنَّهَا في مَرْتَبَةِ الضَّرُورَةِ لِأَنَّهُ ليس كُلُّ الناس قَادِرًا على الْمَسَاكِنِ بِالْمِلْكِ وَلَا أَكْثَرُهُمْ وَالسَّكَنُ ما يُكِنُّ من الْحَرِّ وَالْبَرْدِ من مَرْتَبَةِ الضَّرُورَةِ وقد يَخْتَلِفُ التَّأْثِيرُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْجَلَاءِ وَالْخَفَاءِ الثَّالِثُ التَّحْسِينِيُّ وهو قِسْمَانِ منه ما هو غَيْرُ مُعَارِضٍ لِلْقَوَاعِدِ كَتَحْرِيمِ الْقَاذُورَاتِ فإن نُفْرَةَ الطِّبَاعِ عنها لِقَذَارَتِهَا مَعْنًى يُنَاسِبُ حُرْمَةَ تَنَاوُلِهَا حَثًّا على مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ كما قال تَعَالَى وَيُحَرِّمُ عليهم الْخَبَائِثَ وَحَمَلَهُ الشَّافِعِيُّ على الْمُسْتَحَبِّ عَادَةً على تَفْصِيلٍ وَعَنْ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بُعِثْت لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ ومنه إزَالَةُ النَّجَاسَةِ فَإِنَّهَا مُسْتَقْذَرَةٌ في الْجِبِلَّاتِ وَاجْتِنَابُهَا أَهَمُّ في الْمَكَارِمِ وَالْمُرُوآتِ وَلِذَا يَحْرُمُ التَّضَمُّخُ بها على الصَّحِيحِ من غَيْرِ حَاجَةٍ قال الْإِمَامُ في الْبُرْهَانِ وَالشَّافِعِيُّ نَصَّ على هذا في الْكَثِيرِ ثُمَّ إنَّهُ في النِّهَايَةِ في الْكَلَامِ على وَطْءِ الْأَمَةِ في دُبُرِهَا قال لَا يَحْرُمُ ومنه إيجَابُ الْوُضُوءِ لِمَا فيه من إفَادَةِ النَّظَافَةِ إذْ الْأَمْرُ بها في اسْتِغْرَاقِ الْأَوْقَاتِ مِمَّا يَعْسُرُ فَوَظَّفَ الْوُضُوءَ في الْأَوْقَاتِ وَبَنَى الْأَمْرَ على إفَادَتِهِ الْمَقْصُودَ وَعَلِمَ الشَّارِعُ أَنَّ أَرْبَابَ الْعُقُولِ لَا يَعْتَمِدُونَ فِعْلَ الْأَوْسَاخِ وَالْأَدْرَانِ إلَى أَعْضَائِهِمْ الْبَادِيَةِ منهم فَكَانَ ذلك النِّهَايَةُ في الِاسْتِصْلَاحِ قال الْإِمَامُ وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ أَظْهَرُ في هذا من النَّظَافَةِ الْكُلِّيَّةِ الْمُرَتَّبَةِ على الْوُضُوءِ من حَيْثُ إنَّ الْجُمْلَةَ تَسْتَقْذِرُهَا وَالْمُرُوءَةَ تَقْتَضِي اجْتِنَابُهَا فَهِيَ أَظْهَرُ من اجْتِنَابِ الشُّعْثِ وَالْغَمَرَاتِ قال وَلِهَذَا جَعَلَ الشَّافِعِيُّ الْوُضُوءَ بِالنِّيَّةِ من حَيْثُ الْتَحَقَ بِالْعَادَاتِ الْعَرِيَّةِ عن الْأَعْرَاضِ وَضَاهَى الْعِبَادَاتِ الدِّينِيَّةَ ومنه سَلْبُ الْعَبْدِ أَهْلِيَّةَ الشَّهَادَةِ لِأَنَّهَا مَنْصِبٌ شَرِيفٌ وَالْعَبْدُ نَازِلُ الْقَدْرِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا غَيْرُ مُلَائِمٍ وَهَذَا اسْتَشْكَلَهُ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْحَقِّ بَعْدَ ظُهُورِ الشَّاهِدِ وَاتِّصَالِهِ إلَى مُسْتَحِقِّهِ وَدَفْعِ الْيَدِ الظَّالِمَةِ عنه من مَرَاتِبِ الضَّرُورَةِ وَاعْتِبَارِ نُقْصَانِ الْعَبْدِ في الرُّتْبَةِ وَالْمَنْصِبِ من مَرَاتِبِ التَّحْسِينِ وَتَرْكِ مَرْتَبَةِ الضَّرُورَةِ رِعَايَةً لِمَرْتَبَةِ التَّحْسِينِ بَعِيدًا جِدًّا نعم لو وُجِدَ لَفْظٌ يَسْتَنِدُ إلَيْهِ في رَدِّ شَهَادَتِهِ وَيُعَلِّلُ
  342. هذا التَّعْلِيلَ لَكَانَ له وَجْهٌ فَأَمَّا مع الِاسْتِدْلَالِ بهذا التَّعْلِيلِ فَفِيهِ هذا الْإِشْكَالُ وقد تَنَبَّهْ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ لِإِشْكَالِ الْمَسْأَلَةِ فذكر أَنَّهُ لَا يُعْلَمُ لِمَنْ رَدَّ شَهَادَةَ الْعَبْدِ مُسْتَنَدًا أو وَجْهًا وَأَمَّا سَلْبُ وِلَايَتِهِ فَهُوَ في مَحَلِّ الْحَاجَةِ إذْ وِلَايَةُ الْأَطْفَالِ تَسْتَدْعِي اسْتِغْرَاقًا وَفَرَاغًا وَالْعَبْدُ مُسْتَغْرَقٌ بِخِدْمَةِ سَيِّدِهِ فَتَفْوِيضُ أَمْرِ الطِّفْلِ إلَيْهِ إضْرَارٌ بِالطِّفْلِ أَمَّا الشَّهَادَةُ فَتَتَّفِقُ أَحْيَانًا كَالرِّوَايَةِ وَالْفَتْوَى ومنه ما هو مُعَارِضٌ كَالْكِتَابَةِ فَإِنَّهَا من حَيْثُ كَوْنِهَا مَكْرُمَةً في الْعَوَائِدِ ما احْتَمَلَ الشَّرْعُ فيها خَرْمَ قَاعِدَةٍ مُمَهَّدَةٍ وَهِيَ امْتِنَاعُ مُعَامَلَةِ السَّيِّدِ عَبْدَهُ وَامْتِنَاعُ مُقَابَلَةِ الْمِلْكِ بِالْمِلْكِ على سَبِيلِ الْمُعَاوَضَةِ نعم هِيَ جَارِيَةٌ على قِيَاسِ الْمَالِكِيَّةِ في أَنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ وَزَعَمَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أنها خَرَجَتْ عن قِيَاسِ الْوَسَائِلِ عِنْدَهُمْ لِأَنَّهُمْ أَوْجَبُوهَا مع أنها وَسِيلَةٌ إلَى الْعِتْقِ الذي لَا يَجِبُ وهو غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ لِأَنَّهَا عِنْدَهُمْ غَيْرُ وَاجِبَةٍ لَكِنَّهُمْ مع ذلك يُقَدِّرُونَ خُرُوجَهَا عن الْقِيَاسِ وَاشْتِمَالَهَا على شَائِبَتَيْ مُعَاوَضَةٍ وَتَعْلِيقٍ على خِلَافِ قِيَاسِهِمَا وَهَذَا الْقِسْمُ كُلُّهُ يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيَا وقد يَتَعَلَّقُ بِالْآخِرَةِ كَتَزْكِيَةِ النَّفْسِ وَرِيَاضَتِهَا وَتَهْذِيبِ الْأَخْلَاقِ الْمُؤَدِّيَةِ إلَى امْتِثَالِ الْأَمْرِ وَاجْتِنَابِ النَّهْيِ وقد يَتَعَلَّقُ بِالدَّارَيْنِ كَإِيجَابِ الْكَفَّارَاتِ إذْ يَحْصُلُ بها الزَّجْرُ عن تَعَاطِي الْأَفْعَالِ الْمُوجِبَةِ لها وَتَحْصِيلِ تَلَافِي الذَّنْبِ الْكَبِيرِ وَفَائِدَةُ مُرَاعَاةِ هذا التَّرْتِيبِ أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ مَصْلَحَتَانِ وَجَبَ إعْمَالُ الضَّرُورَةِ الْمُهِمَّةِ وَإِلْغَاءُ التَّتِمَّةِ وَأَمَّا الْإِقْنَاعِيُّ فَهُوَ الذي يَظْهَرُ منه في بَادِئِ الْأَمْرِ أَنَّهُ مُنَاسِبٌ لَكِنْ إذَا بُحِثَ عنه حَقَّ الْبَحْثِ ظَهَرَ بِخِلَافِهِ كَقَوْلِهِمْ في مَنْعِ بَيْعِ الْكَلْبِ قِيَاسًا على الْخَمْرِ وَالْمَيِّتَةِ إذْ كَوْنُ الشَّيْءِ نَجَسًا يُنَاسِبُ إذْلَالَهُ وَمُقَابَلَتُهُ بِالْمَالِ في الْبَيْعِ إعْزَازٌ له وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا تَنَاقُضٌ فإذا كان هذا الْوَصْفُ يُنَاسِبُ عَدَمَ جَوَازِ الْبَيْعِ لِأَنَّ الْمُنَاسَبَةَ مع الِاقْتِرَانِ دَلِيلُ الْعِلِّيَّةِ فَهَذَا وَإِنْ كان مُخَيَّلًا فَهُوَ عِنْدَ النَّظَرِ غَيْرُ مُنَاسِبٍ إذْ لَا مَعْنَى لِكَوْنِ الشَّيْءِ نَجِسًا إلَّا عَدَمُ جَوَازِ الصَّلَاةِ معه وَلَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدَمِ جَوَازِ الْبَيْعِ كَذَا قال الرَّازِيَّ وَتَبِعَهُ الْهِنْدِيُّ وقد يُنَازَعُ في أَنَّ الْمُرَادَ بِكَوْنِهِ نَجَسًا مَنْعُ الصَّلَاةِ معه بَلْ ذلك من جُمْلَةِ أَحْكَامِ النَّجَسِ وَحِينَئِذٍ فَالتَّعْلِيلُ بِكَوْنِ النَّجَاسَةِ يُنَاسِبُ الْإِذْلَالَ ليس بِإِقْنَاعِيٍّ
  343. الْمَوْضِعُ الثَّالِثُ تَقْسِيمُ الْمُنَاسَبَةِ من حَيْثُ الِاعْتِبَارِ الشَّرْعِيِّ وَعَدَمِهِ الْمُنَاسَبَةُ تَنْقَسِمُ بِاعْتِبَارِ شَهَادَةِ الشَّرْعِ لها بِالْمُلَائِمَةِ وَالتَّأْثِيرِ وَعَدَمِهَا إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الشَّارِعَ اعْتَبَرَهُ أو يُعْلَمَ أَنَّهُ أَلْغَاهُ أو لَا يُعْلَمَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ ما عُلِمَ اعْتِبَارُ الشَّرْعِ له وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ الرُّجْحَانُ وَالْمُرَادُ بِالِاعْتِبَارِ إيرَادُ الْحُكْمِ على وَفْقِهِ لَا التَّنْصِيصَ عليه وَلَا الْإِيمَاءَ إلَيْهِ وَإِلَّا لم تَكُنْ الْعِلِّيَّةُ مُسْتَفَادَةً من الْمُنَاسَبَةِ وهو الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ شَهِدَ له أَصْلٌ مُعَيَّنٌ قال الْغَزَالِيُّ في شِفَاءِ الْعَلِيلِ الْمَعْنَى بِشَهَادَةِ أَصْلٍ مُعَيَّنٍ لِلْوَصْفِ أَنَّهُ مُسْتَنْبَطٌ منه من حَيْثُ إنَّ الْحُكْمَ أُثْبِتَ شَرْعًا على وَفْقِهِ وَلَهُ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُعْتَبَرَ نَوْعُهُ في نَوْعِهِ أو في جِنْسِهِ أو جِنْسُهُ في نَوْعِهِ أو جِنْسِهِ الْحَالَةُ الْأُولَى أَنْ يُعْتَبَرُ نَوْعُهُ في نَوْعِهِ من خُصُوصِ الْوَصْفِ في خُصُوصِ الْحُكْمِ وَعُمُومِهِ في عُمُومِهِ كَقِيَاسِ الْقَتْلِ بِالْجَارِحِ على الْمُثْقِلِ في وُجُوبِ الْقِصَاصِ بِجَامِعِ كَوْنِهِ قَتْلًا عَمْدًا عُدْوَانِيًّا فإنه قد عُرِفَ تَأْثِيرُ خُصُوصِ كَوْنِهِ قَتْلًا عَمْدًا عُدْوَانًا في خُصُوصِ الْحُكْمِ وهو وُجُوبُ الْقِصَاصِ في النَّفْسِ في الْمُحَدَّدِ وَهَذَا الْقِسْمُ يُسَمَّى بِالْمُنَاسِبِ الْمُلَائِمِ وهو مُتَّفَقٌ عليه بين الْقِيَاسِيِّينَ
  344. الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يُعْتَبَرَ نَوْعُهُ في جِنْسِهِ كَقِيَاسِ تَقْدِيمِ الْإِخْوَةِ الْأَشِقَّاءِ على الْإِخْوَةِ من الْأَبِ في النِّكَاحِ على تَقْدِيمِهِمْ عليهم في الْإِرْثِ وَالصَّلَاةِ فإن الْإِخْوَةَ من الْأَبِ وَالْأُمِّ نَوْعٌ وَاحِدٌ في الصُّورَتَيْنِ ولم يُعْرَفْ تَأْثِيرُهُ في التَّقْدِيمِ في وِلَايَةِ النِّكَاحِ لَكِنْ عُرِفَ تَأْثِيرُهُ في جِنْسِهِ وهو التَّقَدُّمُ عليهم فِيمَا يَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ منهم عن عَدَمِ الْأَمْرِ كما في الْإِرْثِ وَالصَّلَاةِ وَهَذَا الْقِسْمُ دُونَ ما قَبْلَهُ لِأَنَّ الْمُقَارَنَةَ بين الْمَسْأَلَتَيْنِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْمَحَلَّيْنِ أَقَلُّ من الْمُقَارَنَةِ بين نَوْعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ أَنْ يُعْتَبَرَ جِنْسُهُ في نَوْعِهِ كَقِيَاسِ إسْقَاطِ الْقَضَاءِ عن الْحَائِضِ على إسْقَاطِ قَضَاءِ الرَّكْعَتَيْنِ السَّاقِطَتَيْنِ عن الْمُسَافِرِ بِتَعْلِيلِ الْمَشَقَّةِ وَالْمَشَقَّةُ جِنْسٌ وَإِسْقَاطُ قَضَاءِ الصَّلَاةِ نَوْعٌ وَاحِدٌ يُسْتَعْمَلُ على صِنْفَيْنِ إسْقَاطُ قَضَاءِ الْكُلِّ وَإِسْقَاطُ قَضَاءِ الْبَعْضِ وقد ظَهَرَ تَأْثِيرُهَا في هذا النَّوْعِ ضَرُورَةَ تَأْثِيرِهَا في إسْقَاطِ قَضَاءِ الرَّكْعَتَيْنِ وَهَذَا وَاَلَّذِي قَبْلَهُ مُتَقَارِبَانِ لَكِنَّ هذا أَوْلَى لِأَنَّ الْإِيهَامَ في الْعِلَّةِ أَكْثَرُ مَحْذُورًا من الْإِيهَامِ في الْمَعْلُولِ الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ اعْتِبَارُ جِنْسِ الْوَصْفِ في جِنْسِ الْحُكْمِ وهو كَتَعْلِيلِ كَوْنِ حَدِّ الشُّرْبِ ثَمَانِينَ فإنه مَظِنَّةُ الْقَذْفِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ مَظِنَّةُ الِافْتِرَاءِ فَوَجَبَ أَنْ يُقَامَ مَقَامَهُ قِيَاسًا على الْخَلْوَةِ فَإِنَّهَا لَمَّا كانت مَظِنَّةَ الْوَطْءِ أُقِيمَتْ مَقَامَهُ في الْحُرْمَةِ وَهَذَا الْقِسْمُ كَالْأَوَّلِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ كان الْوَفَاءُ بِإِقَامَةِ الْمَظِنَّةِ مَقَامَ الْمَظْنُونِ وُجُوبَ الْحَدِّ بِالْخَلْوَةِ وَلَا قَائِلَ بِهِ الْقِسْمُ الثَّانِي ما عُلِمَ إلْغَاءُ الشَّرْعِ له كما نُقِلَ عن بَعْضِهِمْ إيجَابُ الصَّوْمِ ابْتِدَاءً في كَفَّارَةِ من وَاقَعَ في رَمَضَانَ لِأَنَّ الْقَصْدَ منها الِانْزِجَارُ وهو لَا يَنْزَجِرُ بِالْعِتْقِ فَهَذَا وَإِنْ كان قِيَاسًا لَكِنَّ الشَّرْعَ أَلْغَاهُ حَيْثُ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ مُرَتَّبَةً من غَيْرِ فَصْلٍ بين الْمُكَلَّفِينَ وَالْقَوْلُ بِهِ مُخَالِفٌ لِلنَّهْيِ فَيَكُونُ بَاطِلًا فَإِنْ قِيلَ قد خَصَّصُوا الْعُمُومَ بِالْمَعْنَى فِيمَا هو قَرِيبٌ من ذلك قُلْنَا حَيْثُ لم يُعَكِّرْ على النَّصِّ بِالْإِبْطَالِ وهو هُنَا يُعَكِّرْ فإن اعْتِبَارَهُ يُؤَدِّي إلَى الشَّرْعِ إلَيْهِ وهو الْعِتْقُ الْقِسْمُ الثَّالِثِ أَلَّا يُعْلَمَ اعْتِبَارُهُ وَلَا إلْغَاؤُهُ وهو الذي لَا يَشْهَدُ له أَصْلٌ مُعَيَّنٌ من أُصُولِ الشَّرِيعَةِ بِالِاعْتِبَارِ وهو الْمُسَمَّى ب الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فيه وَالْمَشْهُورُ اخْتِصَاصُ الْمَالِكِيَّةِ بها وَلَيْسَ كَذَلِكَ فإن الْعُلَمَاءَ في جَمِيعِ الْمَذَاهِبِ يَكْتَفُونَ بِمُطْلَقِ الْمُنَاسَبَةِ وَلَا مَعْنَى لِلْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ إلَّا ذلك قال الْغَزَالِيُّ في كِتَابِ أَسَاسِ الْقِيَاسِ قد جَعَلَ الشَّافِعِيُّ اسْتِيلَادَ الْأَبِ جَارِيَةَ الِابْنِ سَعْيًا لِنَقْلِ الْمِلْكِ من غَيْرِ وُرُودِ نَصٍّ فيه وَلَا وُجُودِ أَصْلٍ مُعَيَّنٍ يَشْهَدُ بِنَقْلِ الْمِلْكِ وَالْقَدْرِ الْمُصْلِحِ فيه اسْتِحْقَاقُ الْإِعْفَافِ على وَلَدِهِ وقد مَسَّتْ حَاجَتُهُ إلَيْهِ
  345. فَيَنْقُلُ مِلْكَهُ إلَيْهِ وَهَذَا كَأَنَّهُ اتِّبَاعُ مَصْلَحَةٍ مُرْسَلَةٍ وَكَذَا قال في الْغَاصِبِ تَكْثُرُ تَصَرُّفَاتُهُ في الْمَالِ الْمَغْصُوبِ أَنَّ لِمَالِكِهِ إجَازَةَ تَصَرُّفَاتِهِ إذْ يُعْتَبَرُ اتِّبَاعُ مَصْلَحَةٍ وَكَذَا قال في الْعَامِلَيْنِ مع أَنَّ الْمِلْكَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ وَالْإِجَازَةُ عِنْدَ بُطْلَانِهِ من الْفُضُولِيِّ وَلَكِنْ إذَا كَثُرَتْ التَّصَرُّفَاتُ وَظَهَرَ الْعُسْرُ اقْتَضَتْ الْمَصْلَحَةُ ذلك الْمَوْضِعُ الرَّابِعُ تَقْسِيمُ الْمُنَاسَبَةِ من حَيْثُ التَّأْثِيرُ وَالْمُلَاءَمَةُ الْمُنَاسِبُ إمَّا مُؤَثِّرٌ أو غَيْرُ مُؤَثِّرٍ وَغَيْرُ الْمُؤَثِّرِ إمَّا مُلَائِمٌ أو غَيْرُ مُلَائِمٍ وَغَيْرُ الْمُلَائِمِ إمَّا غَرِيبٌ أو مُرْسَلٌ أو مَلْغِيٌّ الْأَوَّلُ الْمُؤَثِّرُ وهو أَنْ يَدُلَّ النَّصُّ أو الْإِجْمَاعُ على كَوْنِهِ عِلَّةً بِشَرْطِ دَلَالَتِهَا على تَأْثِيرِ غَيْرِ الْوَصْفِ في عَيْنِ الْحُكْمِ أو نَوْعِهِ في نَوْعِهِ بِنَصٍّ أو إجْمَاعٍ قال في الْمُسْتَصْفَى هو تَقْسِيمٌ حَاصِرٌ وَسُمِّيَ مُؤَثِّرًا لِظُهُورِ تَأْثِيرِ الْوَصْفِ في الْحُكْمِ فَالنَّصُّ كَمَسِّ الْمُتَوَضِّئِ ذَكَرَهُ فإنه اعْتَبَرَ عَيْنَ مَسِّ الْمُتَوَضِّئِ ذَكَرَهُ في عَيْنِ الْحَدَثِ بِنَصِّهِ عليه وَالْإِجْمَاعُ كَالصِّغَرِ فإنه اعْتَبَرَ عَيْنَهُ في عَيْنِ الْحُكْمِ وهو الْوِلَايَةُ في الْمَالِ بِالْإِجْمَاعِ ثُمَّ قال الْأَصْفَهَانِيُّ وَغَيْرُهُ قد يَكُونُ الْوَصْفُ مُنَاسِبًا كَالصِّغَرِ الْمُنَاسِبِ لِلْوِلَايَةِ على الصَّغِيرِ وقد لَا يَكُونُ مُنَاسِبًا كَخُرُوجِ الْمَنِيِّ لِإِيجَابِ الْغُسْلِ وقال الْإِمَامُ الرَّازِيَّ إنَّمَا يَتِمُّ بِالْمُنَاسَبَةِ أو التَّغَيُّرِ وَهَذَا الْقِسْمُ أَقَلُّ الْأَقْسَامِ وَلِهَذَا قَبِلَهُ أبو زَيْدٍ دُونَ أَنْوَاعِ الْمُنَاسَبَاتِ كما قَالَهُ صَاحِبُ التَّنْقِيحَاتِ وقال صَاحِبُ جَنَّةِ النَّاظِرِ إطْلَاقُ لَفْظِ الْعَيْنِ هُنَا تَجَوُّزٌ لِأَنَّ الْأَعْيَانَ هِيَ الْمُشَخَّصَاتُ وَهِيَ لَا تَقْبَلُ التَّعْدَادَ لِيُمْكِنَ وُجُودُهَا في مَحَلَّيْنِ مُتَغَايِرَيْنِ وَإِنَّمَا يُرَادُ بِالْعَيْنِ هَاهُنَا ما هو أَخَصُّ من الْجِنْسِ كَالنَّوْعِ وَالصِّنْفِ الثَّانِي الْمُلَائِمُ وهو أَنْ يَعْتَبِرَ الشَّارِعُ عَيْنَهُ في عَيْنِ الْحُكْمِ بِتَرَتُّبِ الْحُكْمِ على وَفْقِ النَّصِّ لَا بِنَصٍّ وَلَا إجْمَاعٍ سُمِّيَ مُلَائِمًا لِكَوْنِهِ مُوَافِقًا لِمَا اعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ وَهَذِهِ الْمَرْتَبَةُ دُونَ ما قَبْلَهَا وَإِنَّمَا تَأَخَّرَتْ عنها لِبُعْدِ مَرْتَبَةِ النَّوْعِ بِدَرَجَةٍ فإنه كُلَّمَا تَأَخَّرَتْ الْمَرْتَبَةُ له أَمْكَنَ الْمُزَاحَمَةُ كَتَعْلِيلِ الْوَصْفِ بِعَيْنِهِ وإذا كَثُرَ الْمُزَاحِمُ ضَعْفُ الظَّنُّ الثَّالِثُ الْغَرِيبُ وهو أَنْ يَعْتَبِرَ عَيْنَهُ في عَيْنِ الْحُكْمِ فَتَرَتُّبُ الْحُكْمِ وَفْقَ الْوَصْفِ فَقَطْ وَلَا يُعْتَبَرُ عَيْنُ الْوَصْفِ في جِنْسِ الْحُكْمِ وَلَا عَيْنُهُ وَلَا جِنْسُهُ في جِنْسِهِ بِنَصٍّ أو إجْمَاعٍ كَالْإِسْكَارِ في تَحْرِيمِ الْخَمْرِ فإنه اُعْتُبِرَ عَيْنُ الْإِسْكَارِ في عَيْنِ الْحُكْمِ
  346. بِتَرْتِيبِ التَّحْرِيمِ على الْإِسْكَارِ فَقَطْ وَمَنَعَ السُّهْرَوَرْدِيّ في التَّنْقِيحَاتِ وُجُودَ الْمُنَاسِبِ الْغَرِيبِ وَرَدَّ أَمْثِلَتَهُ إلَى الْمُلَائِمِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْغَزَالِيُّ في شِفَاءِ الْعَلِيلِ وقال قَلَّمَا يُوجَدُ في الشَّرْعِ اعْتِبَارُ مَصْلَحَةٍ خَاصَّةٍ إلَّا وَلِلشَّرْعِ الْتِفَاتٌ إلَى جِنْسِهَا وَعَلَى الْأُصُولِيِّ التَّقْسِيمُ وَعَلَى الْفَقِيهِ الْأَمْثِلَةُ وَكَذَا قال غَيْرُهُ هذا لَا يَحْسُنُ جَعْلُهُ قِسْمًا بِرَأْسِهِ بَلْ إنْ شَهِدَ له أَصْلٌ بِعَيْنِهِ دخل فِيمَا سَبَقَ وَإِلَّا كان مُرْسَلًا وَمَثَّلَهُ ابن الْحَاجِبِ بِنَظَرِ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ رضي اللَّهُ عنهما في التَّفْضِيلِ في الْعَطَاءِ وقال الْإِبْيَارِيُّ في شَرْحِ الْبُرْهَانِ إذَا ظَهَرَتْ الْمَعَانِي فَيَبْعُدُ أَنْ لَا يُوجَدَ له نَظِيرٌ وَلَا مَدَارٌ بَلْ لَا يَكَادُ الْمَعْنَى الْمُنَاسِبُ يَنْفَكُّ عن نَظَرٍ بِحَالٍ وقد قُلْت أَمْثِلَةَ الْغَرِيبِ وَمِنْهَا تَوْرِيثُ الْمَبْتُوتَةِ في مَرَضِ الْمَوْتِ إلْحَاقًا بِالْقَاتِلِ الْمَمْنُوعُ من الْمِيرَاثِ تَعْلِيلًا بِالْمُعَارَضَةِ بِنَقِيضِ الْقَصْدِ فإن الْمُنَاسَبَةَ ظَاهِرَةٌ لَكِنَّ هذا النَّوْعَ من الْمَصْلَحَةِ لم يُعْهَدْ اعْتِبَارُهُ في غَيْرِ هذا الْخَاصِّ فَكَانَ غَرِيبًا لِذَلِكَ هَكَذَا قَالَهُ وَفِيهِ نَظَرٌ ثُمَّ اخْتَارَ تَفْصِيلًا وقال إنَّهُ الذي يَقْتَضِيه مَذْهَبُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْغَرِيبَ إذَا ظَهَرَ فيه الْمَعْنَى الْمُنَاسِبُ اُعْتُبِرَ كَالْمُتَعَلِّقَةِ بِالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَفَصْلِ الْخُصُومَاتِ وَالْقِصَاصِ وَالْحُدُودِ وَبَيْنَ أَنْ لَا يَظْهَرَ وَهِيَ الْعِبَادَاتُ قال فَلَا تَعْلِيلَ بها كَالْمَعَانِي الْغَرِيبَةِ وَإِنْ كانت ظَاهِرَةً لِأَنَّا لم نَعْتَمِدْ على نَفْسِ الْمَعْنَى بِخِلَافِ الْمُعَامَلَاتِ هذا كُلُّهُ فِيمَا اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ فَإِنْ لم يَعْتَبِرْهُ نُظِرَ فَإِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ على إلْغَائِهِ لم يُعَلَّلْ بِهِ بِالِاتِّفَاقِ وَإِلَّا فَهُوَ الْمُرْسَلُ وَمِنْهُمْ من قَسَّمَهُ إلَى غَرِيبٍ وَمُلَائِمٍ وَقَبِلَهُ مَالِكٌ مُطْلَقًا وَصَرَّحَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِقَبُولِهِ أَيْضًا مع تَشْدِيدِهِ الْإِنْكَارَ على مَالِكٍ في ذلك وَنُقِلَ عن الشَّافِعِيِّ أَيْضًا وَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْغَزَالِيُّ لَكِنَّهُ شَرَطَ في اعْتِبَارِ الْقَطْعِ فيه كَوْنَ الْمَصْلَحَةِ ضَرُورِيَّةً قَطْعِيَّةً كُلِّيَّةً ولم يَشْتَرِطْ ذلك لِأَصْلِ الْقَوْلِ بِهِ قال وَالظَّنُّ الْقَرِيبُ من الْقَطْعِ كَالْقَطْعِ وَتَابَعَهُ الْبَيْضَاوِيُّ في الْمِنْهَاجِ وَالْأَكْثَرُونَ على أَنَّهُ مَرْدُودٌ مُطْلَقًا وَنَقَلَ ابن الْحَاجِبِ الِاتِّفَاقَ على رَدِّ الْمُرْسَلِ غَيْرِ الْمُلَائِمِ الذي لم يَعْتَبِرْهُ الشَّرْعُ وَفَصَّلَ قَوْمٌ بين الْعِبَادَاتِ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في تَرْجِيحِ الْأَقْيِسَةِ وَلَا نَرَى التَّعَلُّقَ بِكُلِّ مَصْلَحَةٍ ولم يَرَ ذلك أَحَدٌ من الْعُلَمَاءِ قال وَمَنْ ظَنَّ ذلك بِمَالِكٍ فَقَدْ أَخْطَأَ وَيَتَحَصَّلُ في أَقْسَامِ الْمُنَاسِبَاتِ أَنْ يُقَالَ إنْ الْمُؤَثِّرَ وهو ما دَلَّ النَّصُّ أو الْإِجْمَاعُ على اعْتِبَارِهِ مَقْبُولٌ بِالِاتِّفَاقِ وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إلَى الْقِيَاسِ وما دَلَّ على الْغَايَةِ مَرْدُودٌ بِالِاتِّفَاقِ وما لم يَشْهَدْ الشَّرْعُ بِاعْتِبَارِهِ وَلَا إلْغَائِهِ فَهُوَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ وَفِيهِ
  347. ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ أَحَدُهَا الْمَنْعُ منه مُطْلَقًا وهو الذي عليه الْأَكْثَرُونَ منهم الْقَاضِي إذْ لَا تَدُلُّ عليها دَلَالَةُ الْعُقُولِ وَلَا يَشْهَدُ لها أَصْلٌ من الْأُصُولِ وَلِأَنَّ في اعْتِبَارِهَا رَدَّ الشَّرِيعَةِ إلَى السِّيَاسَةِ وَالثَّانِي يُقْبَلُ مُطْلَقًا وهو الْمَنْقُولُ عن مَالِكٍ وَالثَّالِثُ تُقْبَلُ ما لم يُصَادِفْهَا أَصْلٌ من الْأُصُولِ طَرْدًا لِدَلِيلِ الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ وَنُقِلَ عن الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ عَضَّدَهُ بِأَنْ قال الْأُصُولُ مُنْحَصِرَةٌ وَالْأَحْكَامُ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ وَلَمَّا كَانُوا مع ذلك يَسْتَرْسِلُونَ في الْأَحْكَامِ اسْتِرْسَالَ من لم يَطْلُبْ الْأُصُولَ احْتِفَاءً فلم يَكُنْ بُدٌّ من مَرَدٍّ وَلَا مَرَدَّ إلَّا إلَى صَحِيحِ اسْتِدْلَالٍ وَصَارَ هَؤُلَاءِ في ضَبْطِ ما يَصِحُّ بِهِ الِاسْتِدْلَال إلَى أَنَّهُ كُلُّ مَعْنَى مُنَاسِبٌ لِلْمَحَلِّ مُطَّرِدٌ في أَحْكَامِ الشَّرْعِ لَا يَرُدُّهُ أَصْلٌ مَقْطُوعٌ بِهِ بِعُمُومِ عِلَّتِهِ وَنَقَلَ ابن الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ عن الشَّافِعِيِّ مُوَافَقَةَ مَالِكٍ ولم يَصِحَّ عنه وَاَلَّذِي نَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ لَا يَسْتَجِيزُ التَّأَنِّي وَالْإِفْرَادَ في الْبُعْدِ وَإِنَّمَا يَسُوغُ تَعْلِيقُ الْأَحْكَامِ بِمَصَالِحَ يَرَاهَا شَبِيهَةً بِالْمَصَالِحِ الْمُعْتَبَرَةِ وِفَاقًا بِالْمَصَالِحِ الْمُسْتَنِدَةِ إلَى أَحْكَامٍ ثَابِتَةِ الْأُصُولِ فإنه في الشَّرِيعَةِ وَاجِبٌ وَاخْتَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ نَحْوَهُ وَالرَّابِعُ يُشْتَرَطُ اقْتِرَانُ الْحُكْمِ بها وَصَلَاحِيَّتُهَا لِلِاعْتِبَارِ وَأَرَادَ آخَرُونَ انْضِمَامَ السَّبَبِ إلَيْهَا في اشْتِرَاطِ تَعْيِينِهَا إذْ لَا يَمْتَنِعُ مُسَاوَقَتُهَا لَمُنَاسِبٍ آخَرَ وَهَذَا على رَأْيِ من مَنَعَ التَّعْلِيلَ بِعِلَّتَيْنِ وَالْخَامِسُ يَمْتَنِعُ في الْعِبَادَاتِ دُونَ ما عَدَاهُ تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ قال الصَّفِيُّ الْأَصْفَهَانِيُّ في نُكَتِهِ أَعْلَى الْأَقْسَامِ ما يَكُونُ الْأَصْلُ شَاهِدًا بِاعْتِبَارِ عَيْنِهِ في عَيْنِ الْحُكْمِ وَجِنْسِهِ في جِنْسِهِ لِأَنَّ اعْتِبَارَهُ بِأَحَدِ الشَّاهِدَيْنِ يَكْفِي في الِاسْتِدْلَالِ لِأَنَّهُ يُفِيدُ الظَّنَّ بِالْحُكْمِ فإذا تَقَوَّى بِوَجْهَيْ الِاعْتِبَارِ كان اعْتِبَارُهُ أَحْرَى وَذَلِكَ كَاعْتِبَارِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ في قَتْلِ الذِّمِّيِّ وَالْعَبْدِ فإن عَيْنَهُ مُعْتَبَرَةٌ في عَيْنِ الْحُكْمِ في حَقِّ الْمُسْلِمِ وَالْحُرِّ وهو مَشْهُودٌ له بِاعْتِبَارِ جِنْسِ الْجِنَايَةِ في جِنْسِ الْعُقُوبَةِ وَيَلِيه ما يُعْتَبَرُ عَيْنُهُ في عَيْنِ الْحُكْمِ كَتَعْلِيلِ تَحْرِيمِ السُّكْرِ بِالْإِسْكَارِ
  348. وَيَلِيه ما تُؤَثِّرُ عَيْنُهُ في جِنْسِ الْحُكْمِ كَتَأْثِيرِ الصِّغَرِ في وِلَايَةِ النِّكَاحِ لِظُهُورِ تَأْثِيرِ الصِّغَرِ في جِنْسِ وِلَايَةِ النِّكَاحِ وهو وِلَايَةُ الْمَالِ وَيَلِيه ما يُؤَثِّرُ جِنْسُهُ في جِنْسِ الْحُكْمِ كَتَعْلِيلِ نَفْيِ قَضَاءِ الصَّلَاةِ عن الْحَائِضِ بِعِلَّةِ الْحَرَجِ وَيَلِيه الْمُنَاسِبُ الْغَرِيبُ كَالْمُطَلَّقَةِ في مَرَضِ الْمَوْتِ وَلَيْسَ بَعْدَهُ إلَّا الْمُنَاسِبُ الْعَارِي عن الْأَصْلِ وهو الْمُرْسَلُ هو حُجَّةٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَنَا انْتَهَى وقال غَيْرُهُ الْمُنَاسَبَةُ مَرَاتِبُ مُتَفَاوِتَةٌ أَمَّا في جَانِبِ الْحُكْمِ فَأَعَمُّ مَرَاتِبِ الْحُكْمُ كَوْنُهُ حُكْمًا ثُمَّ يَنْقَسِمُ إلَى الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ من الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَغَيْرِهِمَا ثُمَّ الْوَاجِبُ منها إلَى عِبَادَةٍ وَغَيْرِهَا ثُمَّ الْعِبَادَةُ إلَى بَدَنِيَّةٍ وَغَيْرِهَا ثُمَّ الْبَدَنِيَّةُ إلَى الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا ثُمَّ الصَّلَاةُ إلَى فَرْضِ عَيْنٍ وَإِلَى فَرْضِ كِفَايَةٍ فما ظَهَرَ تَأْثِيرُهُ في فَرْضِ الْعَيْنِ أَخَصُّ مِمَّا ظَهَرَ تَأْثِيرُهُ في مُطْلَقِ الْفَرْضِ وما ظَهَرَ تَأْثِيرُهُ في مُطْلَقِ الْفَرْضِ أَخَصُّ مِمَّا ظَهَرَ تَأْثِيرُهُ في جِنْسِ الْفَرْضِ وهو الصَّلَاةُ وما ظَهَرَ تَأْثِيرُهُ في الصَّلَاةِ أَخَصُّ مِمَّا ظَهَرَ تَأْثِيرُهُ في جِنْسِهَا وهو الْعِبَادَةُ وما ظَهَرَ تَأْثِيرُهُ في جِنْسِهَا وهو الْوَاجِبُ أَخَصُّ مِمَّا ظَهَرَ في جِنْسِهِ وهو الْحُكْمُ التَّنْبِيهُ الثَّانِي حَيْثُ أَطْلَقُوا اعْتِبَارَ الْجِنْسِ في الْحُكْمِ وفي الْوَصْفِ فَلَا يُرِيدُونَ بِهِ جِنْسَ الْأَجْنَاسِ وهو كَوْنُ الْوَصْفِ مَصْلَحَةً وَكَوْنُ الْحُكْمِ خِطَابًا وَلَوْ أَرَادُوا ذلك لَكَانَ كُلُّ وَصْفٍ مَشْهُودًا له فَعَلَى هذا جِنْسُ الْأَجْنَاسِ لَا يُعْتَبَرُ وَنَوْعُ الْأَنْوَاعِ لَا يُشْتَرَطُ وَالْمُعْتَبَرُ ما بين هَذَيْنِ الطَّرَفَيْنِ نعم الشَّأْنُ في ضَبْطِ ذلك وقال الْغَزَالِيُّ من مَارَسَ الْفِقْهَ وَتَرَقَّى عن رُتْبَةِ الشَّادِّينَ فيه وَنَظَرَ في مَسَائِلِ الِاعْتِبَارِ تَبَيَّنَ له أَنَّ الْمَعْنَى الْمُخَيَّلُ لَا يَعُمُّ وُجُودُهُ الْمَسَائِلَ بَلْ لو قِيلَ لَا يَطَّرِدُ على الْإِخَالَةِ الْمُعْتَبَرَةِ عُشْرُ الْمَسَائِلِ لم يَكُنْ الْقَائِلُ مُجَازِفًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَسْأَلَةٌ الْمُنَاسَبَةُ هل تَنْخَرِمُ بِالْمُعَارَضَةِ هذا على قِسْمَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَأْتِيَ بِمُعَارِضٍ يَدُلُّ على انْتِفَاءِ الْمَصْلَحَةِ فَهُوَ قَادِحٌ بِلَا خِلَافٍ الثَّانِي أَنْ يَأْتِيَ بِمُعَارِضٍ يَدُلُّ على وُجُودِ مَفْسَدَةٍ أو فَوَاتِ مَصْلَحَةٍ تُسَاوِي الْمَصْلَحَةَ أو تُرَجَّحُ عليها كما لو قِيلَ في مُعَارَضَةِ كَوْنِ الْوَطْءِ إذْلَالًا بِأَنَّ فيه إمْتَاعًا وَمَدْفَعًا لِضَرَرِ الشَّبَقِ فَهَلْ تَبْطُلُ الْمُنَاسَبَةُ فيه مَذْهَبَانِ أَحَدُهُمَا نعم وَعُزِيَ لِلْأَكْثَرِينَ
  349. وَاخْتَارَهُ ابن الْحَاجِبِ وَالصَّيْدَلَانِيُّ لِأَنَّ دَفْعَ الْمَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ على جَلْبِ الْمَصَالِحِ وَلِأَنَّ الْمُنَاسَبَةَ أَمْرٌ عُرْفِيٌّ وَالْمَصْلَحَةَ إذَا عَارَضَهَا ما يُسَاوِيهَا لم تَعُدْ عِنْدَ أَهْلِ الْعُرْفِ مَصْلَحَةً وَالثَّانِي اخْتَارَهُ الرَّازِيَّ وَالْبَيْضَاوِيُّ أنها لَا تَبْطُلُ وَاخْتَارَهُ الشَّرِيفُ في جَدَلِهِ وَرُبَّمَا نَقَلَ عن ظَاهِرِ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَالْمَعْنَى من انْخِرَامِهَا وَبُطْلَانِهَا هو أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي الْعَقْلُ مُنَاسَبَتَهَا لِلْحُكْمِ إذْ ذَاكَ فَلَا يَكُونُ لها أَثَرٌ في اقْتِضَاءِ الْحُكْمِ لَا أَنَّهُ يَلْزَمُ خُلُوُّ الْوَصْفِ عن اسْتِلْزَامِ الْمَصْلَحَةِ وَذَهَابِهَا عنه فإن ذلك لَا يَكُونُ مُعَارِضًا وَاعْلَمْ أَنَّ النِّزَاعَ إنَّمَا هو في اخْتِلَالِ الْمُنَاسِبِ الْمَصْلَحِيِّ بِمُعَارِضَةِ مِثْلِهِ أو أَرْجَحَ منه في الْمَفْسَدَةِ أَمَّا الْعَمَلُ بِهِ فَمَمْنُوعٌ مِمَّنْ أَثْبَتَ اخْتِلَالَ الْمُنَاسَبَةِ وَأَمَّا من لم يُثْبِتْهُ تَصَرَّفَ في الْعَمَلِ بِهِ على ما سَبَقَ بِالتَّرْجِيحِ بَيْنَهُمَا وَالْوَاجِبُ هَاهُنَا امْتِنَاعُ الْعَمَلِ بِهِ لِلُزُومِ التَّرْجِيحِ بِلَا مُرَجِّحٍ أو الْتِزَامِ الْمَفْسَدَةِ الرَّاجِحَةِ فَيَسْتَوِي الْفَرِيقَانِ في تَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ لَكِنْ اخْتَلَفَا في الْمَأْخَذِ فَالْأَوَّلُ يَتْرُكُهُ لِاخْتِلَالِ مُنَاسَبَةِ الْوَصْفِ وَالْآخَرُ يَتْرُكُهُ لِمُعَارَضَةِ الْمُقَاوِمِ أو الرَّاجِحِ فَتَرْكُ الْعَمَلِ مُتَّفَقٌ عليه لَكِنَّ طَرِيقَهُ مُخْتَلِفٌ فيه كَذَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ وقد حَقَّقَ الْأَصْفَهَانِيُّ الْخِلَافَ فقال اعْلَمْ أَنَّ ذَاتَ الْوَصْفِ مُغَايِرَةٌ لِلْمُنَاسَبَةِ قَطْعًا فَإِنْ كان الْمُدَّعِي أَنَّ ذَاتَ الْوَصْفِ الْمَصْلَحِيِّ تَبْطُلُ إذَا عَارَضَتْهَا مَفْسَدَةٌ فَلَيْسَ كَذَلِكَ فإن ذَاتَ الْوَصْفِ أَمْرٌ حَقِيقِيٌّ لَا تَبْطُلُ بِالْمُعَارِضَةِ وَإِنْ كان الْمُدَّعِي أَنَّ مُنَاسَبَتَهُ تَبْطُلُ وَمَعْنَى الْمُنَاسَبَةِ اقْتِضَاؤُهَا لِلْحُكْمِ وَاسْتِدْعَاؤُهَا له فَالْحَقُّ أنها تَبْطُلُ وَإِنْ شِئْت قُلْت الْعَمَلُ بِمُقْتَضَى الْمُنَاسَبَةِ يَسْتَدْعِي سَلَامَتَهَا عن الْمُعَارِضِ وَالْمَعْنَى بِالْمُنَاسَبَةِ على هذا كَوْنُ الْوَصْفِ مَصْلَحِيًّا وَاعْلَمْ أَنَّ الْخِلَافَ في هذه الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا يَتَّجِهُ من الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ أَمَّا من قال بِتَخْصِيصِهَا فيقول بِبَقَاءِ الْمُنَاسَبَتَيْنِ أو اجْتِمَاعِ جِهَتَيْ الْمَصْلَحَةِ وَالْمَفْسَدَةِ التَّفْرِيعُ إنْ قُلْنَا إنَّهَا تَبْطُلُ الْتَحَقَ الْوَصْفُ بِالطَّرْدِيَّاتِ وَلَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِهِ إلَّا بِتَرْجِيحِ الْمَصْلَحَةِ على الْمَفْسَدَةِ كَأَنْ يُقَالَ الْحُكْمُ في الْأَصْلِ مُضَافٌ إلَى الْمَصْلَحَةِ الْفُلَانِيَّةِ وَهِيَ رَاجِحَةٌ على ما عَارَضَهَا من الْمَفْسَدَةِ وَإِلَّا لَزِمَ الْحُكْمُ مُضَافًا إلَى غَيْرِ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ الْمَرْجُوحَةِ أو إلَى مَصْلَحَةٍ أُخْرَى غَيْرِهَا أو لَا يَكُونُ مُضَافًا إلَى شَيْءٍ أَصْلًا وَالْكُلُّ بَاطِلٌ وَإِنْ قُلْنَا لَا تَبْطُلُ بَقِيَ الْوَصْفُ على مُنَاسَبَتِهِ وَيَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِهِ وَيَحْتَاجُ الْمُعَارِضُ إلَى أَصْلٍ يَشْهَدُ له بِالِاعْتِبَارِ
  350. الْمَسْلَكُ السَّادِسُ السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ وَيُسَمِّيه الْمَنْطِقِيُّونَ الْقِيَاسُ الشَّرْطِيُّ الْمُنْفَصِلُ فَإِنْ لم يَكُنْ تَقْسِيمًا سَمُّوهُ بِالْمُتَّصِلِ وهو لُغَةً الِاخْتِبَارُ وَمِنْهُ الْمِيلُ الذي يُخْتَبَرُ بِهِ الْجُرْحُ الذي يُقَالُ له الْمِسْبَارُ وَسُمِّيَ هذا بِهِ لِأَنَّ الْمُنَاظِرَ في الْعِلَّةِ يَقْسِمُ الصِّفَاتِ وَيَخْتَبِرُ كُلَّ وَاحِدٍ منها في أَنَّهُ هل يَصْلُحُ لِلْعِلِّيَّةِ أَمْ لَا وقد أُشِيرَ إلَيْهِ في قَوْله تَعَالَى ما اتَّخَذَ اللَّهُ من وَلَدٍ وما كان معه من إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِمَا خَلَقَ وقَوْله تَعَالَى أَمْ خُلِقُوا من غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ فإن هذا تَقْسِيمٌ حَاصِرٌ لِأَنَّهُ مُمْتَنِعٌ خَلْقُهُمْ من غَيْرِ خَالِقٍ خَلَقَهُمْ وَكَوْنُهُ يَخْلُقُونَ أَنْفُسَهُمْ أَشَدُّ امْتِنَاعًا فَعُلِمَ أَنَّ لهم خَالِقًا خَلَقَهُمْ وهو سُبْحَانَهُ ذَكَرَ الدَّلِيلَ بِصِيغَةِ اسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ هذه الصِّيغَةَ الْمُسْتَدَلُّ بها بِطَرِيقَةٍ بَدِيهِيَّةٍ لَا يُمْكِنُ إنْكَارُهَا وفي قَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لِعُمَرَ في ابْنِ صَيَّادٍ إنْ يَكُنْ هو فَلَنْ تُسَلَّطَ عليه وَإِنْ لم يَكُنْ هو فَلَا خَيْرَ لَك في قَتْلِهِ وهو قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَدُورَ بين النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وهو الْمُنْحَصِرُ وَالثَّانِي أَنْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ وهو الْمُنْتَشِرُ فَالْأَوَّلُ أَنْ يَحْصُرَ الْأَوْصَافَ التي يُمْكِنُ التَّعْلِيلُ بها لِلْمَقِيسِ عليه ثُمَّ اخْتِبَارُهَا وَإِبْطَالُ ما لَا يَصْلُحُ منها بِدَلِيلِهِ إمَّا بِكَوْنِهِ طَرْدًا أو مُلْغًى أو نَقْضِ الْوَصْفِ أو كَسْرِهِ أو خَفَائِهِ وَاضْطِرَابِهِ فَيَتَعَيَّنُ الْبَاقِي لِلْعِلِّيَّةِ وهو قَطْعِيٌّ لِإِفَادَةِ الْعِلَّةِ وَيَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِهِ في الْقَطْعِيَّاتِ وَالظَّنِّيَّاتِ فَالْأَوَّلُ كَقَوْلِنَا الْعَالَمُ إمَّا أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا أو حَادِثًا بَطَلَ أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا فَثَبَتَ أَنَّهُ حَادِثٌ وَالثَّانِي كَقَوْلِنَا وِلَايَةُ الْإِجْبَارِ إمَّا أَنْ لَا تُعَلَّلَ أو تُعَلَّلَ بِالْبَكَارَةِ أو الصِّغَرِ أو الْأُبُوَّةِ أو غَيْرِهَا وَالْكُلُّ بَاطِلٌ سِوَى الثَّانِي فَالْأَوَّلُ بِالْإِجْمَاعِ وَالثَّالِثُ وَالرَّابِعُ لِقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا فَيَتَعَيَّنُ الثَّانِي قال الْهِنْدِيُّ وَحُصُولُ هذا الْقَسْمِ في الشَّرْعِيَّاتِ عَسِرٌ جِدًّا أَيْ على وَجْهِ التَّنْقِيبِ
  351. وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ في الْأَصْلِ مُعَلَّلًا بِمُنَاسِبٍ خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ وَيَلْتَحِقُ بِهِ الطَّرْدِيُّ إذَا قام الْإِجْمَاعُ على أَصْلِ تَعْلِيلِهِ كما لو قام الْإِجْمَاعُ على تَعْلِيلِ حُكْمٍ بِأَحَدِ أَوْصَافٍ ثُمَّ قام الدَّلِيلُ على إبْطَالِهَا كُلِّهَا خَلَا وَاحِدًا فَيَتَعَيَّنُ لِلتَّعْلِيلِ وَإِنْ كان طَرْدِيًّا وَإِلَّا اخْتَلَفَ الْإِجْمَاعُ وهو مُلَخَّصُ ما اخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَأَنْ يَقَعَ الِاتِّفَاقُ على أَنَّ الْعِلَّةَ لَا تَرْكِيبَ فيها كما في مَسْأَلَةِ الرِّبَا وَأَمَّا في غَيْرِهَا فَلَا يَكْفِي فإنه وَإِنْ بَطَلَ كَوْنُهُ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً جَازَ أَنْ يَكُونَ جُزْءًا من أَجْزَائِهَا وإذا انْضَمَّ إلَى غَيْرِهِ صَارَ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً وَحِينَئِذٍ فَلَا يَكْفِي في إبْطَالِ سَائِرِ الْأَقْسَامِ الِاسْتِدْلَال على أَنَّهُ ليس وَاحِدٌ منها عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً بَلْ لَا بُدَّ من إبْطَالِ كَوْنِ الْمَجْمُوعِ عِلَّةً أو جُزْءًا من الْعِلَّةِ وَأَنْ يَكُونَ حَاصِرًا لِجَمِيعِ الْأَوْصَافِ وَطَرِيقُهُ أَنْ يُوَافِقَهُ الْخَصْمُ على انْحِصَارِهَا فِيمَا ذَكَرَ أو يَعْجِزَ عن إظْهَارِ زَائِدٍ وَإِلَّا فَيَكْفِي الْمُسْتَدِلُّ أَنْ يَقُولَ بَحَثْت عن الْأَوْصَافِ فلم أَجِدْ مَعْنًى سِوَى ما ذَكَرْته أو الْأَصْلُ عَدَمُ ما سِوَاهَا وَاكْتَفَوْا في حَصْرِ الْأَوْصَافِ بِعَدَمِ الْوِجْدَانِ وَهَذَا إذَا كان أَهْلًا لِلْبَحْثِ وَنَازَعَ في ذلك بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فإن ذلك يَحْتَاجُ إلَى الِاطِّلَاعِ على جَمِيعِ النُّصُوصِ ثُمَّ إلَى مَعْرِفَةِ جَمِيعِ وُجُوهِ الدَّلَالَاتِ وَهَذَا عَسِرٌ جِدًّا وقد يَكُونُ عِلْمُهُ قَلِيلًا وَفَهْمُهُ نَاقِصًا وَكَذَلِكَ قال الصَّفِيُّ الْأَصْفَهَانِيُّ في نُكَتِهِ من الْفَاسِدِ قَوْلُ الْمُعَلِّلِ في جَوَابِ طَالِبِ الْحَصْرِ بَحَثْت وَسَبَرْت فلم أَجِدْ غير هذه الْأَشْيَاءِ فَإِنْ ظَفِرْت بِعِلَّةٍ أُخْرَى فَأَبْرِزْهَا وَإِلَّا يَلْزَمُك ما يَلْزَمُنِي قال وَهَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّ سِبْرَهُ لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا لِأَنَّ الدَّلِيلَ ما يُعْلَمُ بِهِ الْمَدْلُولُ وَمُحَالٌ أَنْ يَعْلَمَ طَالِبُ الْحَصْرِ الِانْحِصَارَ بِبَحْثِهِ وَنَظَرِهِ وَجَهْلُهُ لَا يُوجِبُ على خَصْمِهِ أَمْرًا وَاخْتَارَ ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ التَّفْصِيلَ بين الْمُجْتَهِدِ وَغَيْرِهِ ثُمَّ إنْ كان مُجْتَهِدًا رَجَعَ إلَى ما يَغْلِبُ على ظَنِّهِ وَإِنْ كان مُنَاظِرًا ولم يُسَاعِدْهُ الْخَصْمُ فَهَلْ يَلْزَمُهُ إبْدَاءُ كَيْفِيَّةِ السَّبْرِ اخْتَلَفُوا فيه على قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا لَا لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِلُّ دَرْءُ قَوْلِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ وَرَاءَهُ تَقْسِيمٌ مُتَوَجِّهٌ لم يَذْكُرْهُ وأصحهما وَاخْتَارَهُ في الْمَنْخُولِ أَنَّهُ لَا بُدَّ من إبْدَاءِ كَيْفِيَّةِ السَّبْرِ لِيَكُونَ دَلِيلًا غير مُقْتَصَرٍ على مُجَرَّدِ الدَّعْوَى وَلَيْسَ لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ لم يُبْحَثْ أو يُسْبِرْ أو هو غَرِيبٌ وَلَا أَنْ يَقُولَ بَقِيَ وَصْفٌ آخَرُ وَلَا أُبْرِزُهُ تَنْبِيهٌ لم يَحْكُوا خِلَافًا في هذا الْقِسْمِ وَرَأَيْت في كِتَابِ ابْنِ فُورَكٍ إذَا كانت في الْمَسْأَلَةِ عِلَلٌ فَفَسَدَتْ إلَّا وَاحِدَةٌ هل ذلك دَلِيلٌ على صِحَّتِهَا وَجْهَانِ الصَّحِيحُ
  352. نعم إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ في وَاحِدٍ منها وَثَبَتَ أَنَّ ما عَدَاهَا فَاسِدٌ فَعُلِمَ أَنَّ الْحَقَّ فيها أو لَا يَجُوزُ خُرُوجُ الْحَقِّ عن جَمَاعَتِهَا انْتَهَى الْقِسْمُ الثَّانِي وهو الْمُنْتَشِرُ بِأَنْ لَا يَدُورَ بين النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ أو دَارَ وَلَكِنْ كان الدَّلِيلُ على نَفْيِ عِلِّيَّةِ ما عَدَا الْوَصْفِ الْمُعَيَّنِ فيه ظَنًّا فَاخْتَلَفُوا فيه على مَذَاهِبَ الْأَوَّلُ أَنَّهُ ليس بِحُجَّةٍ مُطْلَقًا لَا في الْقَطْعِيَّاتِ وَلَا في الظَّنِّيَّاتِ وَحَكَاهُ في الْبُرْهَانِ عن بَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ الثَّانِي أَنَّهُ حُجَّةٌ في الْعَمَلِيَّاتِ فَقَطْ لِأَنَّهُ يُثِيرُ غَلَبَةَ الظَّنِّ وَاخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن بَرْهَانٍ وقال الْهِنْدِيُّ إنَّهُ الصَّحِيحُ وَمَثَّلَ ابن بَرْهَانٍ اسْتِعْمَالَهُ في الْقَطْعِيِّ هُنَا بِقَوْلِ أَصْحَابِنَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ يَرَى لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ وَكُلُّ مَوْجُودٍ يَصِحُّ أَنْ يَرَى وفي الظَّنِّيِّ بِقَوْلِهِمْ الْإِيلَاءُ إمَّا أَنْ يَكُونَ طَلَاقًا أو يَمِينًا فإذا بَطَلَ أَنْ يَكُونَ طَلَاقًا ثَبَتَ أَنَّهُ يَمِينٌ فَإِنْ قِيلَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَا طَلَاقًا وَلَا يَمِينًا وَلَهُ حُكْمٌ آخَرُ قُلْنَا نَحْنُ لَا نَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ له في الشَّرْعِ حُكْمٌ آخَرُ فَلَا يَكُونُ طَلَاقًا وَلَا يَمِينًا وَلَكِنَّ الذي يَغْلِبُ على ظَنِّنَا هو هذا الْقَدْرُ وَالْمَقْصُودُ إظْهَارُ غَلَبَةِ الظَّنِّ وَهِيَ حَاصِلَةٌ انْتَهَى وَالثَّالِثُ أَنَّهُ حُجَّةٌ لِلنَّاظِرِ دُونَ الْمُنَاظِرِ وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الْأَسَالِيبِ بِقَيْدٍ تَضَمَّنَ إبْطَالَ مَذْهَبِ الْخَصْمِ دُونَ تَصْحِيحِ مَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ إذْ لَا يَمْنَعُ أَنْ يُقَالَ ما أَبْطَلْته بَاطِلٌ وما اخْتَرْته بَاطِلٌ وَالْحُكْمُ في الْأَصْلِ الذي وَقَعَ الْبَحْثُ فيه غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى فَلَا يَصْلُحُ السَّبْرُ لِإِثْبَاتِ مَعْنَى الْأَصْلِ وَإِنَّمَا يَصْلُحُ لِإِبْطَالِ مَذْهَبِ الْخَصْمِ وَحَكَى الْقَاضِي ابن الْعَرَبِيِّ في الْقَبَسِ قَوْلًا آخَرَ أَنَّهُ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ وَعَزَاهُ لِلشَّيْخِ أبي الْحَسَنِ وَالْقَاضِي وَسَائِرِ الْأَصْحَابِ قال وهو الصَّحِيحُ فَقَدْ نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ ضِمْنًا وَتَصْرِيحًا في مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ فَمِنْ الضِّمْنِ قَوْلُهُ وَقَالُوا ما في بُطُونِ هذه الْأَنْعَامِ إلَى قَوْلِهِ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وَمِنْ التَّصْرِيحِ قَوْلُهُ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ إلَى قَوْلِهِ الظَّالِمِينَ تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ ما ذَكَرْنَاهُ أَنَّ هذا النَّوْعَ من الْمَسَالِكِ هو الْمَشْهُورُ وَنَازَعَ فيه جَمَاعَةٌ من الْمُتَأَخِّرِينَ منهم أبو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ في جَدَلِهِ فقال إنَّهُ شَرْطٌ لَا دَلِيلٌ لِأَنَّ الْوَصْفَ
  353. الذي يَنْفِيه السَّبْرُ إمَّا أَنْ يَقْطَعَ بِمُنَاسَبَتِهِ فَهُوَ التَّخْرِيجُ أو يَعْرُوَ عنها فَهُوَ الطَّرْدِيُّ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُعَلِّلَ بِهِ أو لَا يَقْطَعَ بِوُجُودِهِ فيه وَلَا عَدَمِهَا فَهُوَ الشَّبَهُ فَلَا بُدَّ في الْعِلَّةِ من اعْتِبَارِ وُجُودِ الْمَصْلَحَةِ أو صَلَاحِيَّتِهَا لِذَلِكَ وَيَلْزَمُ منه ما ذَكَرْنَاهُ إلَّا أَنَّ التَّقْسِيمَ إذَا كان دَائِرًا بين النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فَأُبْطِلَ أَحَدُ الْقِسْمَيْنِ مَثَلًا تَعَيَّنَ الْمَطْلُوبُ في الثَّانِي قَطْعًا كَقَوْلِنَا الْعَالَمُ إمَّا قَدِيمٌ وَإِمَّا حَادِثٌ مُحَالٌ أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا لِكَذَا فَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا فإن هذا وَنَحْوَهُ بُرْهَانٌ قَطْعِيٌّ وهو الْمُسَمَّى عِنْدَ الْمَنْطِقِيِّ ب الشَّرْطِيِّ الْمُتَّصِلِ وقال في أُصُولِهِ أَكْثَرُ النُّظَّارِ عَدُّوا هذا الْمَسْلَكَ دَلِيلًا على التَّعْلِيلِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَذَلِكَ أَنَّ ما يَنْفِيه السَّبْرُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ ظَاهِرَ الْمُنَاسَبَةِ وهو قِيَاسُ الْعِلَّةِ أو صَالِحًا لها وهو الشَّبَهُ فَالتَّحْقِيقُ أَنْ يُقَالَ على التَّعْلِيلِ هُنَا هو الْمُنَاسَبَةُ غير أَنَّ السَّبْرَ عَيْنُ دَلِيلِ الْوَصْفِ فَالسَّبْرُ إذَنْ شَرْطٌ لَا دَلِيلٌ وَكَذَلِكَ في سَائِرِ الْمَسَالِكِ النَّظَرِيَّةِ فَلَيْسَ مَسْلَكًا بِنَفْسِهِ بَلْ هو شَرْطُ الْمَسَالِكِ النَّظَرِيَّةِ وقد حُكِيَ عن قَوْمٍ من الْأُصُولِيِّينَ في الدَّوَرَانِ أَنَّهُ شَرْطٌ لِلْعِلَّةِ لَا تَثْبُتُ مع دَلِيلٍ عليها وهو يَتَمَشَّى مع ما ذَكَرْنَاهُ في السَّبْرِ وهو الصَّحِيحُ انْتَهَى وقد جَزَمَ الْغَزَالِيُّ في الْمُسْتَصْفَى بِأَنَّهُ إذَا اسْتَقَامَ لم يَحْتَجْ إلَى مُنَاسَبَةٍ وَنَازَعَهُ شَارِحُهُ الْعَبْدَرِيّ أَيْضًا لِاعْتِقَادِهِ بِأَنَّ السَّبْرَ ليس من مَسَائِلِ الْعِلَّةِ وَإِنَّمَا هو خَادِمٌ لِلْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ أَيْ بِهِ يَتَقَيَّدُ الْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ الْمُخْتَلِطُ بِغَيْرِهِ وقال الْإِبْيَارِيُّ في شَرْحِ الْبُرْهَانِ السَّبْرُ يَرْجِعُ إلَى اخْتِبَارٍ في أَوْصَافِ الْمَحَلِّ وَضَبْطِهَا وَالتَّقْسِيمُ يَرْجِعُ إلَى إبْطَالِ ما يَظْهَرُ إبْطَالُهُ فيها فَإِذَنْ لَا يَكُونُ من الْأَدِلَّةِ بِحَالٍ وَإِنَّمَا تَسَامَحَ الْأُصُولِيُّونَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالدَّلِيلِ هو الذي دَلَّ على أَنَّ الْعِلَّةَ في جُمْلَةِ الْأَوْصَافِ وَالدَّلِيلُ الثَّانِي دَلَّ على التَّعْيِينِ وَإِلَّا فَالسَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ ليس هو دَلِيلًا قال وَلَا بُدَّ فيه من ثَلَاثَةِ أُمُورٍ إحْدَاهَا أَنْ يَتَبَيَّنَ الْمَطْلُوبُ في الْجُمْلَةِ وَثَانِيهَا سَبْرٌ خَاصٌّ وَثَالِثُهَا إبْطَالُ ما عَدَا الْمُخْتَارِ فَإِنْ كانت هذه مَعْلُومَةً حَصَلَ الْعِلْمُ بِالْمَطْلُوبِ وَإِلَّا فَلَا بَلْ تَحْصُلُ غَلَبَةُ الظَّنِّ ثُمَّ إنْ كان الْمَوْضِعُ مِمَّا يُكْتَفَى فيه بِغَلَبَةِ الظَّنِّ اُكْتُفِيَ بِهِ وَإِلَّا فَلَا قال وَهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ فيه خِلَافٌ وَلَيْسَ كما قال وقال ابن الْمُنِيرِ في شَرْحِهِ زَعَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ السَّبْرَ إذَا دَارَ بين النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فَهُوَ التَّقْسِيمُ وَعَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ في الْعَقْلِيَّاتِ وَإِلَّا فَهُوَ السَّبْرُ وَلَيْسَ كما زَعَمَ بَلْ السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ مُتَغَايِرَانِ مُتَلَازِمَانِ في الدَّلَالَةِ في الْعَقْلِيَّاتِ وفي الْفِقْهِيَّاتِ سَوَاءٌ دَارَتْ الْقِسْمَةُ بين النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ أَمْ لَا فَالسَّبْرُ إذَنْ في الْعَقْلِيَّاتِ اخْتِبَارُ الْمُقَدَّرَاتِ لِيَنْظُرَ
  354. أَيُّهَا الْحَقُّ وَالتَّقْسِيمُ أَنْ يَقْسِمَ الصِّحَّةَ وَالْبُطْلَانَ بَيْنَهُمَا فَيَعْتَبِرَ ما هو الْعِلَّةُ وَيُلْغِي ما ليس بِعِلَّةٍ وقد بَانَ لَك بهذا أَنَّ الدَّلِيلَ ليس نَفْسَ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ وَإِنَّمَا الدَّلِيلُ هو الذي أَوْجَبَ إضَافَةَ الْعِلِّيَّةِ إلَى الْعِلَّةِ وهو الْإِجْمَاعُ على أَنَّ أَحَدَ الْأَوْصَافِ عِلَّةٌ مع دَلِيلِ إلْغَاءِ سَائِرِ الْأَوْصَافِ إلَّا الْمُبْقَى فَيَتَعَيَّنُ وَتَقْرِيرُ الْإِجْمَاعِ على أَنَّ أَحَدَ الْأَوْصَافِ عِلَّةُ الِاسْتِقْرَاءِ من سِبْرِ الْأَوَّلِينَ فَإِنَّهُمْ عَلَّلُوا الْأَحْكَامَ بِجُمْلَتِهَا أو عَلَّلُوا أَكْثَرَهَا وَالْأَكْثَرِيَّةُ مُلْحَقَةٌ بِالْعُمُومِ وَحَكَمُوا بِأَنَّ الْعِلَّةَ لَا تَعْدُو أَوْصَافَ الْمَحَلِّ فَيَجِبُ إلْحَاقُ كل صُورَةٍ بِالْعَامِّ أو بِالْأَغْلَبِ وَتَقْرِيرُ إبْطَالِ ما عَدَا الْمُبْقَى يَكُونُ بِأَدِلَّةِ الْإِبْطَالِ كَبَيَانِ أَنَّ الْأَوْصَافَ طَرْدِيَّةٌ أو لَا مُنَاسَبَةَ فيها أو يقول بَحَثْت فلم تَظْهَرْ لي مُنَاسَبَةٌ قال وفي الِاكْتِفَاءِ بِالثَّانِي إشْكَالٌ فإن الْمُبْقَى لم تَظْهَرْ مُنَاسَبَتُهُ أَيْضًا وَإِلَّا بَطَلَتْ فَائِدَةُ السَّبْرِ وَخُصُوصِيَّتُهُ وَكَبَيَانِ الْإِلْغَاءِ في الْأَوْصَافِ لِوُجُودِ الْحُكْمِ في غَيْرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ بِالْمُبْقَى مُنْفَرِدًا عن غَيْرِهِ من الْأَوْصَافِ فَيَنْدَفِعُ احْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ الْمُبْقَى جُزْءَ عِلَّةٍ مع بَقِيَّةِ الْأَوْصَافِ قال وَمِنْ الْأَسْئِلَةِ الْعَاصِمَةِ لِمَسْلَكِ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ أَنَّ الْمُبْقَى لَا يَخْلُو في نَفْسِ الْأَمْرِ أَنْ يَكُونَ مُنَاسِبًا أو شَبَهًا أو طَرْدًا خَالِيًا لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَشْتَمِلَ على مَصْلَحَةٍ أو لَا فَإِنْ اشْتَمَلَ على مَصْلَحَةٍ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مُنْضَبِطَةً لِلْفَهْمِ أو كُلِّيَّةً لَا تَنْضَبِطُ فَالْأَوَّلُ الْمُنَاسِبُ وَالثَّانِي الشَّبَهُ وَإِنْ لم يَشْتَمِلْ على مَصْلَحَةٍ أَصْلًا فَهُوَ الطَّرْدُ الْمَرْدُودُ فَإِنْ كان ثَمَّ مُنَاسَبَةٌ أو شَبَهٌ لَغَا السَّبْرَ وَالتَّقْسِيمَ فَإِنْ كان عُرْيًا عن الْمُنَاسَبَةِ قَطْعًا لم يَنْفَعْ السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ أَيْضًا فَإِنْ قُلْت يَنْفَعُ في حَمْلِ النَّظَرِ في الْمُنَاسَبَةِ على الْمُجْتَهِدِ قُلْت لَا يُحْمَلُ ذلك عنه لِأَنَّ الْمُنَاسَبَةَ عِنْدَنَا أَمْرٌ وُجُودِيٌّ مَكْشُوفٌ حتى يُقَالَ إنَّهُ ذَوْقِيٌّ أو ضَرُورِيٌّ كَالْمَحْسُوسِ فَالْمُجْتَهِدُ إذًا يَعْلَمُهُ إذَا لم يَذُقْ فيه مَصْلَحَةً مُنْضَبِطَةً وَلَا غَيْرَهَا أَنَّهُ لَا مُنَاسِبَ وَلَا شَبَهَ فَتَعَيَّنَ أَنَّهُ طَرْدٌ التَّنْبِيهُ الثَّانِي نَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عن الْقَاضِي أَنَّ السَّبْرَ وَالتَّقْسِيمَ من أَقْوَى ما تَثْبُتُ بِهِ الْعِلَلُ وَاسْتَشْكَلَهُ وَوَجَّهَهُ الْإِبْيَارِيُّ بِأَنَّ مُثْبِتَ الْعِلَّةِ بِالْمُنَاسَبَةِ أو الشَّبَهِ يُكْتَفَى منه في النَّظَرِ بِذَلِكَ وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُبْدِيَ الْخَصْمُ مُعَارِضًا رَاجِحًا وَأَمَّا إذَا أَسْنَدَ إلَى السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ فَقَدْ وَفَّى الْوَظِيفَةَ من أَوَّلِ الْأَمْرِ ولم يَبْقَ مُتَوَقِّعًا ظُهُورَ ما يَقْدَحُ أو يَضُرُّ وَنَازَعَهُ ابن الْمُنِيرِ وقال نَحْنُ نَدْفَعُ أَصْلَ كَوْنِهِ مَسْلَكًا فَضْلًا عن كَوْنِهِ مُتَمَيِّزًا وَقَوْلُهُ سَلَفٌ إبْطَالُ
  355. الْمُعَارَضَاتِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ لِأَنَّهُ وَضَعَ النَّظَرَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ إذَا لم يَقْدِرْ على دَفْعِ الْمُعَارَضَاتِ وَجَعَلَ ذلك كَافِيًا في التَّصْحِيحِ فَأَيْنَ الدَّلِيلُ الذي ذَبَّ الْمُعَارِضَاتِ عنه وَأَمَّا التَّمَسُّكُ بِالْمُنَاسَبَاتِ فإنه وَجْهُ الدَّلِيلِ وَهِيَ الْمُعَارَضَاتُ بِالْأَصْلِ فَإِنَّا ما نُلْحِقُ بِهِ من اشْتَغَلَ بِدَفْعِ الْمُعَارَضَاتِ وَقَنَعَ بِذَلِكَ دَلِيلًا التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ إنْ أَبْدَى الْمُعْتَرِضَ وَصْفًا زَائِدًا لم يُكَلَّفْ بِبَيَانِ صَلَاحِيَّتِهِ لِلتَّعْلِيلِ وَلَا يَنْقَطِعُ الْمُسْتَدِلُّ بِمُجَرَّدِ ذلك حتى يَعْجَزَ عن إبْطَالِهِ بَلْ له عَدَمُ اعْتِبَارِهِ بِطُرُقٍ أَحَدُهَا بَيَانُ بَقَاءِ الْحُكْمِ مع عَدَمِ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ في بَعْضِ الصُّوَرِ كَقَوْلِنَا يَصِحُّ أَمَانُ الْعَبْدِ لِأَنَّهُ عَاقِلٌ مُسْلِمٌ غَيْرُ مُتَّهَمٍ كَالْحُرِّ فيقول الْحَنَفِيُّ الْعِلَّةُ ثَمَّ وَصْفٌ زَائِدٌ وهو الْحُرِّيَّةُ مَفْقُودٌ في الْعَبْدِ فيقول الْمُسْتَدِلُّ وَصْفُ الْحُرِّيَّةِ مُلْغًى في الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ له فإن أَمَانَهُ يَصِحُّ بِاتِّفَاقِ عَدَمِ الْحُرِّيَّةِ فَصَارَ وَصْفًا لَاغِيًا لَا تَأْثِيرَ له في الْحُكْمِ ثَانِيهَا أَنْ يُبَيِّنَ كَوْنَهُ وَصْفًا طَرْدِيًّا وَلَوْ في ذلك الْحُكْمِ كَقَوْلِنَا سَرَى الْعِتْقُ في الْأَمَةِ كَالْعَبْدِ بِجَامِعِ الرِّقِّ إذْ لَا عِلَّةَ غَيْرَهُ فَإِنْ قال في الْأَصْلِ وَصْفٌ زَائِدٌ وهو الذُّكُورَةُ الْمُحَصِّلَةُ لِلْكَسْبِ فَنَقُولُ هو وَصْفٌ لم يَعْتَبِرْهُ الشَّرْعُ في بَابِ الْعِتْقِ وقد يَتَّفِقَانِ على إبْطَالِ ما عَدَا وَصْفَيْنِ فَيَكْفِي الْمُسْتَدِلُّ التَّرْدِيدُ بَيْنَهُمَا ثَالِثُهُمَا أَنْ لَا تَظْهَرَ مُنَاسَبَةُ الْمَحْذُوفِ وقد سَبَقَ الِاكْتِفَاءُ بِقَوْلِ الْمُنَاظِرِ بَحَثْت فلم أَجِدْ مُنَاسَبَةً على أَحَدِ الرَّأْيَيْنِ فَإِنْ ادَّعَى الْمُعْتَرِضُ أَنَّ الْوَصْفَ الْمُسْتَبْقَى كَذَلِكَ فَلَيْسَ لِلْمُسْتَدِلِّ بَيَانُ مُنَاسَبَتِهِ لِأَنَّهُ انْتِقَالٌ وَلَكِنْ يُرَجَّحُ سَبْرُهُ لِمُوَافَقَتِهِ لِتَعَدِّيَةِ الْحُكْمِ على سِبْرِ الْمُعْتَرِضِ لِعَدَمِهَا فإن التَّعَدِّيَ أَوْلَى التَّنْبِيهُ الرَّابِعُ قَسَّمَ إلْكِيَا السَّبْرَ إلَى ما يُسْتَعْمَلُ في الْقَطْعِيَّاتِ وهو الْمُفْضِي إلَى الْيَقِينِ بِأَنْ يَكُونَ حَاصِرًا يَقِينًا بِالدَّوْرِ بين النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ قال وهو الْمُلَقَّبُ ب بُرْهَانِ الْخَلْفِ وكان الْعَقْلُ دَالًّا على أَنَّ الْحَقَّ أَحَدُهُمَا فإذا بَانَ بُطْلَانُ أَحَدِهِمَا تَعَيَّنَ الثَّانِي لِلصِّحَّةِ فَقَدْ قام دَلِيلُ الثَّانِي على الْخُصُوصِ بِبُطْلَانِ ضِدِّهِ وَإِلَى ما يُسْتَعْمَلُ في الظَّنِّيَّاتِ وَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ إثْبَاتُ حُكْمِهِ أو دَلِيلِهِ وَالْأَوَّلُ يَكْفِي فيه انْتِهَاءُ السَّبْرِ إلَى حَدِّ الظَّنِّ سَوَاءٌ كان في شَيْئَيْنِ أو أَشْيَاءَ لِأَنَّ الظَّنَّ لَا يَخْتَصُّ بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ بَلْ قد يَقَعُ بين شَيْئَيْنِ مُتَعَاقِبَيْنِ كَقَوْلِنَا الْإِيلَاءُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُوجِبَ التَّوَقُّفَ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ أو الْبَيْنُونَةَ فلما قام الدَّلِيلُ على أَنَّ مُضِيَّ الْمُدَّةِ لَا يُوجِبُ الْبَيْنُونَةَ دَلَّ على أَنَّهُ يُوجِبُ التَّوَقُّفَ إذْ لَا حُكْمَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ
  356. طَرِيقُ إبْطَالِ أَحَدِهِمَا بَيِّنٌ وَمَسْأَلَةُ اتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ على قَوْلَيْنِ تَقْتَضِي أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَخْرُجُ عنهما فإذا بَطَلَ أَحَدُهُمَا ثَبَتَ الْآخَرُ وَالثَّانِي ما عُلِمَ أَنَّ بُطْلَانَ دَلِيلِ الْحُكْمِ دَلِيلٌ على صِحَّةِ الْعِلَلِ إلَّا أَنْ يَتَّفِقَ على كَوْنِهِ مُعَلَّلًا ثُمَّ يَسْبُرُ ما عَدَا الْعِلَّةِ التي يَذْهَبُ إلَيْهَا وَيُبْطِلُهُ فَتَصِحُّ عِلَّتُهُ وَعِنْدَ ذلك لَا يُشْتَرَطُ الدَّلِيلُ عليه بَلْ يَكْفِي ذِكْرُ مُجَرَّدِ الْوَصْفِ وَقِيلَ إذَا لم يَكُنْ مَقْطُوعًا بِهِ فَلَا بُدَّ من النَّظَرِ إلَى تِلْكَ الْعِلَّةِ فَعَسَاهَا تُبْطِلُ هذا فَيَنْظُرُ في غَيْرِهَا وَهَذَا بَعِيدٌ فإن السَّبْرَ لَا يُفِيدُ على هذا التَّقْدِيرِ وَمَقْصُودُنَا أَنَّ الظَّنَّ يَحْصُلُ عِنْدَ ذلك بِمُجَرَّدِ السَّبْرِ وإذا بَطَلَ ذلك فَقَدْ ظَنَّ قَوْمٌ أَنَّ هذا يَعْسُرُ وُجُودُهُ وَلَا بُعْدَ عِنْدَنَا في تَقْدِيرِهِ فإن الْعُلَمَاءَ يَتَّفِقُونَ على تَعْلِيلِ الرِّبَا وإذا ثَبَتَ سُبُرًا غير الطُّعْمِ وَالْكَيْلِ ثَبَتَ ما بَقِيَ التَّنْبِيهُ الْخَامِسُ السَّبْرُ بِالْبَحْثِ وَعَدَمِ الْعُثُورِ يَدْخُلُ في جَمِيعِ الْمَسَالِكِ الِاجْتِهَادِيَّةِ وَلَا خُصُوصَ له بِمَا نَحْنُ فيه مَسْأَلَةٌ قال ابن الْقَطَّانِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا إذَا كان في الْمَسْأَلَةِ عِلَلٌ فَفَسَدَتْ جَمِيعُهَا إلَّا وَاحِدَةً هل يَكُونُ فَسَادُهَا دَلِيلًا على صِحَّةِ هذه فَقِيلَ لَا حتى يَقُومَ دَلِيلٌ على صِحَّتِهَا وَقِيلَ نعم لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ من أَنْ تَكُونَ إحْدَى الْعِلَلِ صَحِيحَةً فإذا بَطَلَ ما عَدَاهَا وقد عَلِمْنَا أَنَّ الْحَقَّ لَا يَخْرُجُ عنها ثَبَتَ أَنَّ تِلْكَ صَحِيحَةٌ وَنَصَرَهُ ابن الْقَطَّانِ مَسْأَلَةٌ يَلْتَحِقُ بِالسَّبْرِ قَوْلُهُمْ حُكْمٌ حَادِثٌ فَلَا بُدَّ له من سَبَبٍ حَادِثٍ وَلَا حَادِثَ إلَّا هذا فَيَتَعَيَّنُ إسْنَادُهُ وهو مَعْنَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا الْأَصْلُ في كل حَادِثٍ تَقْدِيرُهُ بِأَقْرَبِ زَمَنٍ إلَّا أَنَّ فِيمَا سَبَقَ سَبْرًا في جَمِيعِ أَوْصَافِ الْمَحَلِّ وَهَذَا في الْأَوْصَافِ الْحَادِثَةِ خَاصَّةً وقد قِيلَ على هذه الطَّرِيقَةِ لَا يَلْزَمُ من أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ حَادِثًا أَنْ يَكُونَ سَبَبُهُ حَادِثًا بَلْ قد يَكُونُ الْحُكْمُ حَادِثًا وَسَبَبُهُ مُتَقَدِّمًا كَإِبَاحَةِ الْوَطْءِ في الزَّوْجَةِ عِنْدَ عَدَمِ الْحَيْضِ وَانْقِطَاعِهِ فإنه يَسْتَنِدُ إلَى عَقْدِ النِّكَاحِ الْمُتَقَدِّمِ وَكَذَا تَحْرِيمُ الْمَيْتَةِ عِنْدَ زَوَالِ الضَّرُورَةِ مُسْتَنِدٌ إلَى السَّبَبِ الْأَوَّلِ وَأَمْثِلَتُهُ كَثِيرَةٌ فَالسِّرُّ فيه أَنَّ الْحُكْمَ تَارَةً يَنْتَفِي لِانْتِقَاءِ الْمُقْتَضَى
  357. بِكَمَالِهِ أو لِانْتِفَاءِ جُزْءٍ من أَجْزَائِهِ وَتَارَةً يَنْتَفِي لِفَوَاتِ شَرْطٍ أو وُجُودِ مَانِعٍ فإذا كان انْتِفَاءُ الْحُكْمِ لِانْتِفَاءِ الْمُقْتَضَى بِحَالِهِ فَحُدُوثُ الْحُكْمِ لَا يَكُونُ إلَّا لِانْتِفَاءِ سَبَبِهِ وإذا كان الِانْتِفَاءُ لِغَيْرِ ذلك فَحُدُوثُ الْحُكْمِ لَا يَكُونُ لِحُدُوثِ سَبَبِهِ بَلْ يَكُونُ لِحُدُوثِ جُزْءِ السَّبَبِ أو لِحُدُوثِ الشَّرْطِ أو لِانْتِفَاءِ الْمَانِعِ وَجَوَابُهُ أَنَّا لو قَدَّرْنَا حُدُوثَ الْحُكْمِ مع تَقَدُّمِ سَبَبِهِ كان ذلك على خِلَافِ الْأَصْلِ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْمُقَدَّرَ أَنَّ ثُبُوتَ السَّبَبِ يَلْزَمُ منه ثُبُوتُ الْحُكْمِ وَلِهَذَا صَحَّ الِاسْتِدْلَال بِثُبُوتِ السَّبَبِ على ثُبُوتِ الْحُكْمِ الْمَسْلَكُ السَّابِعُ الشَّبَهُ وَيُسَمِّيه بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الِاسْتِدْلَال بِالشَّيْءِ على مِثْلِهِ وهو عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ خَاصٌّ إذْ الشَّبَهُ يُطْلَقُ على جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْقِيَاسِ لِأَنَّ كُلَّ قِيَاسٍ لَا بُدَّ فيه من كَوْنِ الْفَرْعِ شَبِيهًا بِالْأَصْلِ بِجَامِعٍ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنَّ الْأُصُولِيِّينَ اصْطَلَحُوا على تَخْصِيصِ هذا الِاسْمِ بِنَوْعٍ من الْأَقْيِسَةِ وهو من أَهَمِّ ما يَجِبُ الِاعْتِنَاءُ بِهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّرْدِ وَلِهَذَا قال الْإِبْيَارِيُّ لَسْت أَرَى في مَسَائِلِ الْأُصُولِ مَسْأَلَةً أَغْمَضَ من هذه وَفِيهِ مَقَامَانِ الْمَقَامُ الْأَوَّلُ في تَعْرِيفِهِ وقد اخْتَلَفُوا فقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لَا يُمْكِنُ تَحْدِيدُهُ وَالصَّحِيحُ إمْكَانُهُ وَاخْتَلَفُوا فيه فَقِيلَ هو الْجَمْعُ بين الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِوَصْفٍ يُوهِمُ اشْتِمَالَهُ على الْحِكْمَةِ الْمُفْضِيَةِ لِلْحُكْمِ من غَيْرِ تَعْيِينٍ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ في النِّيَّةِ في الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ طَهَارَتَانِ فَأَنَّى تَفْتَرِقَانِ قال الْخُوَارِزْمِيُّ في الْكَافِي قال فَفِي الْقِيَاسِ الْمَعْنَوِيِّ تَعْيِينُ الْمَعْنَى الْمُؤَثِّرِ الْمُنَاسِبِ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ وفي قِيَاسِ الشَّبَهِ لَا تَعْيِينَ بَلْ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِوَصْفٍ يُوهِمُ الْمُنَاسِبَ وَأَمَّا الطَّرْدُ فَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِمُجَرَّدِ الطَّرْدِ وهو السَّلَامَةُ عن النَّقْضِ وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ في الْمُسْتَصْفَى الشَّبَهُ لَا بُدَّ أَنْ يَزِيدَ على الطَّرْدِ بِمُنَاسَبَةِ الْوَصْفِ الْجَامِعِ لِعِلَّةِ الْحُكْمِ وَإِنْ لم يُنَاسِبْ الْحُكْمَ بِأَنْ يُقَرِّرَ بِأَنَّ لِلَّهِ في كل حُكْمٍ سِرًّا وهو مَصْلَحَةٌ مُنَاسِبَةٌ لِلْحُكْمِ لم نَطَّلِعْ على عَيْنِ تِلْكَ الْعِلَّةِ وَلَكِنْ نَطَّلِعُ على وَصْفٍ يُوهِمُ الِاشْتِمَالَ على تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ قال وَإِنْ لم يُرِيدُوا بِقِيَاسِ الشَّبَهِ هذا فَلَا أَدْرِي ما أَرَادُوا بِهِ وَبِمَاذَا فَصَلُوهُ من الطَّرْدِ الْمَحْضِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّبَهَيَّ وَالطَّرْدِيَّ يَجْتَمِعَانِ في عَدَمِ الظُّهُورِ الْمُنَاسِبِ وَيَتَخَالَفَانِ
  358. في أَنَّ الطَّرْدِيَّ عُهِدَ من الشَّارِعِ عَدَمُ الِالْتِفَاتِ إلَيْهِ وَسُمِّيَ شَبَهًا لِأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ الْوُقُوفِ على الْمُنَاسَبَةِ يَجْزِمُ الْمُجْتَهِدُ بِعَدَمِ مُنَاسَبَتِهِ وَمِنْ حَيْثُ اعْتِبَارِ الشَّرْعِ له في بَعْضُ الصُّوَرِ يُشْبِهُ الْمُنَاسِبَ فَهُوَ بين الْمُنَاسِبِ وَالطَّرْدِيِّ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ يَتَعَذَّرُ حَدُّ الشَّبَهِ بِأَنْ يَقُولَ هو يُقَرِّبُ الْأَصْلَ من الْفَرْعِ وَيَمْتَازُ عن الطَّرْدِ أَنَّهُ يَغْلِبُ على الظَّنِّ الِاشْتِرَاكُ في الْحِكْمَةِ وَالطَّرْدُ لَا يَغْلِبُهُ على الظَّنِّ وَمِنْ خَوَاصِّ الطَّرْدِ أَنَّهُ يُعَلِّقُ نَقِيضَ الْحُكْمِ عليه بِقَوْلِهِ طَهَارَةٌ بِالْمَاءِ فَلَا تَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ كَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ فَيُقَالُ طَهَارَةٌ ما تَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ من مَقِيسٍ عليه وهو التَّيَمُّمُ وَقَوْلُهُ طَهَارَةٌ بِالْمَاءِ ليس بِجَامِعٍ بين الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ وَهَذَا الذي قَالَهُ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ أَصْلُهُ كَلَامُ الْقَاضِي أبي بَكْرٍ فإنه فَسَّرَ قِيَاسَ الدَّلَالَةِ الْمُورَدِ على بَعْضِ تَعْرِيفَاتِ الْقِيَاسِ وهو الْجَمْعُ بين الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ بِمَا لَا يُنَاسِبُ وَلَكِنْ يَسْتَلْزِمُ الْمُنَاسِبَ فَيُقَالُ إنَّهُ الْوَصْفُ الْمُقَارِنُ لِلْحُكْمِ الثَّابِتِ له بِالتَّبَعِ وَبِالِالْتِزَامِ دُونَ الذَّاتِ كَالطَّهَارَةِ لِاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فإن الطَّهَارَةَ من حَيْثُ هِيَ لَا تُنَاسِبُ اشْتِرَاطَ النِّيَّةِ لَكِنْ تُنَاسِبُهَا من حَيْثُ إنَّهَا عِبَادَةٌ وَالْعِبَادَةُ مُنَاسَبَةٌ لِاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ أَمَّا ما يُنَاسِبُ بِالذَّاتِ فَهُوَ الْمُنَاسِبُ أو لَا يُنَاسِبُ مُطْلَقًا فَهُوَ الطَّرْدِيُّ فَالشَّبَهُ حِينَئِذٍ مَنْزِلَةٌ بين الْمُنَاسَبَةِ وَالطَّرْدِيِّ فَلِهَذَا سُمِّيَ شَبَهًا هَكَذَا قال الْآمِدِيُّ وَالرَّازِيُّ وَحَكَى الْإِبْيَارِيُّ في شَرْحِ الْبُرْهَانِ عن الْقَاضِي أَنَّهُ ما يُوهِمُ الِاشْتِمَالَ على وَصْفٍ مُخَيِّلٍ ثُمَّ قال وَفِيهِ نَظَرٌ من جِهَةِ أَنَّ الْخَصْمَ قد يُنَازِعُ في إيهَامِ الِاشْتِمَالِ على مُخَيِّلٍ إمَّا حَقًّا أو عِنَادًا وَلَا يُمْكِنُ التَّقْرِيرُ عليه وقال بَعْدَ ذلك إنَّ ما اخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ هو خُلَاصَةُ كَلَامِ الْقَاضِي حَيْثُ قال هو الذي يُوهِمُ الِاشْتِرَاكَ في مَحَلٍّ قُلْت وهو ظَاهِرُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ في الشِّفَاءِ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ صَاحِبُ الْعُنْوَانِ فيه وَاَلَّذِي في مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ من كَلَامِ الْقَاضِي أَنَّ قِيَاسَ الشَّبَهِ هو إلْحَاقُ فَرْعٍ بِأَصْلٍ لِكَثْرَةِ إشْبَاهِهِ بِالْأَصْلِ في الْأَوْصَافِ من غَيْرِ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ الْأَوْصَافَ التي شَابَهَ الْفَرْعُ بها الْأَصْلَ عِلَّةُ حُكْمِ الْأَصْلِ وَقِيلَ الشَّبَهُ هو الذي لَا يَكُونُ مُنَاسِبًا لِلْحُكْمِ وَلَكِنْ عُرِفَ اعْتِبَارُ جِنْسِهِ الْقَرِيبِ في الْجِنْسِ الْقَرِيبِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَظُنُّ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ في ذلك الْحُكْمِ لِعَدَمِ مُنَاسَبَتِهِ له فَيَظُنُّ أَنَّهُ يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ في ذلك الْحُكْمِ لِتَأْثِيرِ جِنْسِهِ في جِنْسِ ذلك الْحُكْمِ وَاخْتَارَهُ الرَّازِيَّ في الرِّسَالَةِ الْبَهَائِيَّةِ كَإِيجَابِ الْمَهْرِ بِالْخَلْوَةِ فإنه لَا يُنَاسِبُ وُجُوبَهُ لِأَنَّهُ في مُقَابَلَةِ الْوَطْءِ إلَّا أَنَّ جِنْسَ هذا الْوَصْفِ وهو كَوْنُ الْخَلْوَةِ مَظِنَّةُ الْوَطْءِ يُعْتَبَرُ في جِنْسِ الْوُجُوبِ وهو الْحُكْمُ بِتَحْرِيمِ الْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ
  359. وَقِيلَ هو الذي لَا تَثْبُتُ مُنَاسَبَتُهُ إلَّا بِدَلِيلٍ حَكَاهُ ابن الْحَاجِبِ وَجَعَلَهُ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ مُفَرَّعًا على أَنَّ الشَّبَهَ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ بِالْعِلِّيَّةِ بَلْ يَحْتَاجُ إلَى مَسْلَكٍ آخَرَ وَأَحْسَنَ ابن السَّمْعَانِيِّ فقال قِيَاسُ الْمَعْنَى تَحْقِيقٌ وَالشَّبَهُ تَقْرِيبٌ وَالطَّرْدُ تَحَكُّمٌ ثُمَّ قال قِيَاسُ الْمَعْنَى ما يُنَاسِبُ الْحُكْمَ وَيَسْتَدْعِيه وَيُؤَثِّرُ فيه وَالطَّرْدُ عَكْسُهُ وَالشَّبَهُ أَنْ يَكُونَ فَرْعٌ يُحَاذِيهِ أَصْلَانِ فَيَلْحَقُ بِأَحَدِهِمَا بِنَوْعٍ شَبَهٌ مُقَرَّبٍ أَيْ يَقْرُبُ الْفَرْعُ من الْأَصْلِ في الْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ من غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِبَيَانِ الْمَعْنَى انْتَهَى وَقِيلَ هو الذي يُلَائِمُ الْأَوْصَافَ التي عُهِدَ من الشَّارِعِ إنَاطَةُ الْحُكْمِ بها وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إنَّ النَّاظِرَ إذَا فَقَدَ الْمَعْنَى نَظَرَ في الْأَشْبَاهِ وهو أَوْسَعُ الْأَبْوَابِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّبَهَ يَنْقَدِحُ عِنْدَ إمْكَانِ الْمَعْنَى وَعِنْدَ عَدَمِ فَهْمِهِ وَلَا يَتَحَتَّمُ الْأَشْبَاهُ في التَّعَبُّدَاتِ الْجَامِدَةِ وَفَرَّقَ بين الشَّبَهِ وَالطَّرْدِ بِأَنَّ الطَّرْدَ نِسْبَةُ ثُبُوتِ الْحُكْمِ إلَيْهِ وَنَفْيِهِ على السَّوَاءِ وَالشَّبَهُ نِسْبَةُ الثُّبُوتِ مُتَرَجِّحَةٌ على النَّفْيِ فَافْتَرَقَا وقال ابن الْمُنِيرِ اضْطَرَبَ رَأْيُ الْإِمَامِ في حَدِّهِ فقال مَرَّةً هو الْمُشِيرُ إلَى مَعْنًى كُلِّيٍّ لَا يَتَحَرَّرُ التَّعْبِيرُ عنه وقال مَرَّةً هو الذي يُنَاسِبُ تَشَابُهَ الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ في أَيِّ حُكْمٍ كان لَا في حُكْمٍ مُعَيَّنٍ حتى لو نَسَبْنَا وُجُودَ الْحُكْمِ الْمُعَيَّنِ إلَيْهِ لَكَانَ على حَدِّ نِسْبَةِ عَدَمِهِ إلَيْهِ وقال ابن رَحَّالٍ فَسَّرَهُ أَكْثَرُ الْأُصُولِيِّينَ بِمَا لَا تَثْبُتُ نِسْبَتُهُ إلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ عنه وَقِيلَ ما يُوهِمُ الْمُنَاسَبَةَ من غَيْرِ تَحْقِيقٍ وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ وقال الْقَاضِي ما يُوهِمُ الِاجْتِمَاعَ في مُخَيَّلٍ وَهَذَا التَّفْسِيرُ أَلْيَقُ بِالْمَظِنَّةِ لَا بِالشَّبَهِ لِأَنَّهُ مُنَاسِبٌ في نَفْسِهِ وقال الْقُرْطُبِيُّ في أُصُولِهِ قد تَسَامَحَ عُلَمَاؤُنَا في جَعْلِ الشَّبَهِ من مَسَالِكِ الْعِلَّةِ فإن الْبَحْثَ فيه نَظَرٌ في تَيَقُّنِ الْعِلَّةِ لَا في ذَاتِهَا وَكَذَلِكَ نَفْيُ الْفَارِقِ وقد اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُهُمْ فيه وَحَاصِلُهَا يَرْجِعُ إلَى عِبَارَتَيْنِ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ هو الذي يَكُونُ الْفَرْعُ فيه دَائِرًا بين أَصْلَيْنِ فَأَكْثَرَ لِتَعَارُضِ الْأَشْيَاءِ فيه فَيَلْحَقُ بِأَوْلَاهَا كَالْعَبْدِ الْمُتْلَفِ فإنه آدَمِيٌّ وَمَالٌ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مَضْمُونٌ بِالْقِيمَةِ لَكِنْ هل تُؤْخَذُ قِيمَتُهُ بَالِغَةً ما بَلَغَتْ وَلَوْ زَادَتْ على دِيَةِ الْحُرِّ وهو مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْمَالِيَّةِ أو لَا تُؤْخَذُ قِيمَةٌ زِيَادَةٌ على دِيَةِ الْحُرِّ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْآدَمِيَّةِ وهو مَذْهَبُ أبي حَنِيفَةَ وَسَمَّى الشَّافِعِيُّ هذا قِيَاسَ غَلَبَةِ الْأَشْبَاهِ قال وَهَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخَصَّ بِاسْمِ الشَّبَهِ لِأَنَّهُ قِيَاسُ عِلَّةِ مُنَاسِبٍ غَيْرِ أَنَّهُ تَعَارَضَ فيه الْعِلَلُ فَهُوَ من بَابِ الْمُعَارَضَةِ في
  360. الْفَرْعِ وَلَا خِلَافَ في هذا بَعْدُ وَلَا مُشَاحَّةَ في الِاسْمِ بَعْدَ فَهْمِ الْمَعْنَى الثَّانِيَةُ أَنَّهُ الْوَصْفُ الذي يَظُنُّ بِهِ صَلَاحِيَّتَهُ لِلْمُنَاسَبَةِ من جِهَةِ ذَاتِهِ فَخَرَجَ منه الْمُنَاسِبُ بِأَنَّهُ مَعْلُومُ الْمُنَاسَبَةِ وَالطَّرْدِيُّ لِأَنَّهُ مَعْلُومُ نَفْيِهَا وَاحْتَرَزْنَا بِقَوْلِنَا من جِهَةِ ذَاتِهِ عن الْمَظِنَّةِ فَإِنَّهَا لَا تُنَاسِبُ بِذَاتِهَا بَلْ ما اشْتَمَلَتْ عليه وَهَذَا مَعْنَى ما قَالَهُ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وَجَرَى عليه الْجُمْهُورُ وهو الْمَفْهُومُ من قَوْلِ الشَّافِعِيِّ في الْوُضُوءِ طَهَارَتَانِ فَكَيْفَ تَفْتَرِقَانِ يَعْنِي في نَفْيِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ لَكِنَّا إذَا تَأَمَّلْنَا وَجَدْنَا لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ طَهَارَةً حُكْمِيَّةً من دُونِ الْعِلَلِ ما لَا نَجِدُ من قَوْلِ الْحَنَفِيِّ طَهَارَةٌ بِالْمَاءِ وَذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ حُكْمِيَّةٌ يَصْلُحُ لِلْمُنَاسَبَةِ ولم يَنْكَشِفْ لنا ولم نَقْدِرْ على الْقَطْعِ بِكَوْنِهِ عَرِيًّا عنها وَلَيْسَ كَذَلِكَ طَهَارَةٌ ما فإنه لَا مُنَاسِبٌ وَلَا صَالِحٌ وَمِثْلُهُ أَيْضًا قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ طَهَارَةٌ مُوجِبُهَا في غَيْرِ مَحَلِّ مُوجِبِهَا فَشَرَطَ فيها النِّيَّةَ كَالتَّيَمُّمِ وَهَذَا أَصَحُّ ما قِيلَ في الشَّبَهِ انْتَهَى هذا ما يَتَعَلَّقُ بِتَعْرِيفِهِ الْمَقَامُ الثَّانِي في حُكْمِهِ وَلَا يُصَارُ إلَيْهِ مع إمْكَانِ قِيَاسِ الْعِلَّةِ بِالْإِجْمَاعِ كما ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فيه إذَا تَعَذَّرَتْ وقد اخْتَلَفُوا فيه على مَذَاهِبَ أَحَدُهَا أَنَّهُ حُجَّةً وَحَكَاهُ الْقُرْطُبِيُّ عن أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِهِمْ وقال شَارِحُ الْعُنْوَانِ إنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وقال في الْقَوَاطِعِ إنَّهُ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وقد أَشَارَ إلَى الِاحْتِجَاجِ بِهِ في مَوَاضِعَ من كُتُبِهِ منها قَوْلُهُ في إيجَابِ النِّيَّةِ في الْوُضُوءِ كَالتَّيَمُّمِ طَهَارَتَانِ فَكَيْفَ تَفْتَرِقَانِ وَتَابَعَهُ على ذلك أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وقال الشَّافِعِيُّ في أَوَاخِرِ الْأُمِّ في بَابِ اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ وَالْقِيَاسُ قِيَاسَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ في مَعْنَى الْأَصْلِ فَذَاكَ الذي لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ خِلَافًا وَالثَّانِي أَنْ يُشْبِهَ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ من أَصْلٍ وَيُشْبِهَ من أَصْلٍ غَيْرِهِ ثُمَّ قال وَمَوْضِعُ الصَّوَابِ عِنْدَنَا في ذلك أَنْ يَنْظُرَ فَأَيُّهُمَا كان أَوْلَى بِشَبَهِهِ صِيرَ إلَيْهِ فَإِنْ اشْتَبَهَ أَحَدُهُمَا في خَصْلَتَيْنِ وَالْآخَرُ في خَصْلَةٍ أَلْحَقَهُ بِاَلَّذِي أَشْبَهَ في خَصْلَتَيْنِ انْتَهَى حَكَى هذا النَّصَّ الْأَصْحَابُ في كُتُبِهِمْ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وابن السَّمْعَانِيِّ قال وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في ذلك فقال بَعْضُهُمْ إنَّ قَوْلَهُ هذا يَدُلُّ على أَنَّهُ حُكْمٌ بِكَثْرَةِ الْأَشْبَاهِ من غَيْرِ أَنْ يَجْعَلَهَا عِلَّةً لِحُكْمٍ وقال بَعْضُهُمْ إنَّمَا حُكِمَ بِتَرْجِيحِ إحْدَى الْعِلَّتَيْنِ في الْفَرْعِ
  361. بِكَثْرَةِ الشَّبَهِ وقال الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فَمَوْضِعُ الصَّوَابِ إلَى آخِرِهِ يُرِيدُ إذَا كانت كُلُّ خَصْلَةٍ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِهَا مُسْتَغْنِيَةً عن صَاحِبَتِهَا مِثْلَ الْأَخِ يَتَرَدَّدُ بين أَنْ يَكُونَ كَالْأَبِ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ كَابْنِ الْعَمِّ وهو يُشْبِهُ الْأَبَ من وَجْهٍ وهو مَحْرَمٌ له بِالْقَرَابَةِ وَيُشْبِهُ ابْنَ الْعَمِّ من وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ من قَبُولِ الشَّهَادَةِ وَسُقُوطِ النَّفَقَةِ وَجَرَيَانِ الْقِصَاصِ من الطَّرَفَيْنِ مَعَهُمَا وَجَرَيَانِ حَدِّ الْقَذْفِ فَإِلْحَاقُهُ بِابْنِ الْعَمِّ حتى لَا يُعْتَقَ عليه إذَا مَلَكَهُ أَوْلَى وَنَقَلَ الْغَزَالِيُّ في شِفَاءِ الْعَلِيلِ عن الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ الْقَوْلَ بِالشَّبَهِ بِطَرِيقِ تَمَسُّكِهِمْ بِهِ قال في الْمُسْتَصْفَى وَلَعَلَّ أَكْثَرَ أَقْيِسَةِ الْفُقَهَاءِ قِيَاسُ الشَّبَهِ قال وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ طَهَارَتَانِ فَأَنَّى تَفْتَرِقَانِ فإنه يُوهِمُ الِاجْتِمَاعَ في مُنَاسِبٍ وهو مَأْخَذُ الشَّبَهِ وَإِنْ لم يَطَّلِعْ على ذلك الْمُنَاسِبِ وَقَوْلُ أبي حَنِيفَةَ مَسْحُ الرَّأْسِ لَا يَتَكَرَّرُ وَلِأَنَّهُ مَسْحٌ لَا يَتَكَرَّرُ قِيَاسًا على الْخُفِّ وقال الْخُوَارِزْمِيُّ في الْكَافِي قِيَاسُ الشَّبَهِ عِنْدَنَا حُجَّةٌ فإن الْقِيَاسَ الْمَعْنَوِيَّ إنَّمَا صَارَ حُجَّةً لِأَنَّهُ يُفِيدُ غَلَبَةَ الظَّنِّ وَالشَّبَهُ يُفِيدُهَا أَيْضًا وَمَنْ أَنْكَرَهَا في الشَّبَهِ كان مُنْكَرُهَا في قِيَاسِ الْمَعْنَى انْتَهَى وقد أَنْكَرَ جَمَاعَةٌ نِسْبَةَ الْقَوْلِ بِالشَّبَهِ إلَى الشَّافِعِيِّ منهم أبو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَنُقِلَ عنه أَنَّهُ قال ليس بِحُجَّةٍ كما حَكَاهُ ابن السَّمْعَانِيِّ وقال الْقَاضِي أبو بَكْرٍ لَا يَكَادُ يَصِحُّ الْقَوْلُ بِالشَّبَهِ عن الشَّافِعِيِّ مع عُلُوِّ رُتْبَتِهِ في الْأُصُولِ وَكَذَلِكَ قال الشَّيْخُ في اللُّمَعِ أَنَّ كَلَامَ الشَّافِعِيِّ مُتَأَوَّلٌ مَحْمُولٌ على قِيَاسِ الْعِلَّةِ فإنه يُرَجِّحُ بِكَثْرَةِ الْأَشْبَاهِ وَيَجُوزُ تَرْجِيحُ الْعِلَلِ بِكَثْرَةِ الْأَشْبَاهِ قُلْت وَعِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ في الرِّسَالَةِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ حَرَّمَ الشَّيْءَ مَنْصُوصًا أو أَحَلَّ لِمَعْنًى فإذا وَجَدْنَا ذلك الْمَعْنَى فِيمَا لم يَنُصَّ فيه بِعَيْنِهِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ أَحْلَلْنَاهُ أو حَرَّمْنَاهُ لِأَنَّهُ في مَعْنَى الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ أو تَجِدُ الشَّيْءَ يُشْبِهُ منه الشَّيْءَ من غَيْرِهِ وَلَا نَجِدُ شيئا أَقْرَبَ منه شَبَهًا من أَحَدِهِمَا فَنُلْحِقُهُ بِأَوْلَى الْأَشْيَاءِ شَبَهًا بِهِ كما قُلْنَا في الصَّيْدِ انْتَهَى وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ الْقِيَاسُ على قِسْمَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ في مَعْنَى الْأَصْلِ وَلَا يَخْتَلِفُ الْقِيَاسُ فيه وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ له الْأُصُولُ أَشْبَاهًا بِذَلِكَ فَيُلْتَحَقُ بِأَوْلَاهَا بِهِ وَأَكْثَرِهَا شَبَهًا بِهِ وقد يَخْتَلِفُ الْقَائِسُونَ في هذا انْتَهَى الْمَذْهَبُ الثَّانِي أَنَّهُ ليس بِحُجَّةٍ قال ابن السَّمْعَانِيِّ وَبِهِ قال أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ من ادَّعَى التَّحْقِيقَ منهم وَصَارَ إلَيْهِ أبو زَيْدٍ وَمَنْ تَبِعَهُ وَذَهَبَ إلَيْهِ أَيْضًا أبو بَكْرٍ وَالْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ انْتَهَى وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أبو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَالشِّيرَازِيُّ وَالْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ كما نُقِلَ في الْبَحْرِ وأبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ وَالْقَاضِي ابن الْبَاقِلَّانِيِّ
  362. لَكِنْ هو عِنْدَ الْقَاضِي أبي الطَّيِّبِ وَالشَّيْخِ أبي إِسْحَاقَ صَالِحٌ لَأَنْ يُرَجَّحَ بِهِ وَبِهِ جَزَمَ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ في بَابِ تَرْجِيحِ الْعِلَلِ من كِتَابِ التَّقْرِيبِ وقال إلْكِيَا وَرُبَّمَا تَرَدَّدَ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ في تَصَانِيفِهِ في إبْطَالِ الشَّبَهِ فقال إنْ لم يُبَيِّنْ مُسْتَنَدَ ظَنِّهِ كان مُتَحَكِّمًا وَإِنْ بَيَّنَ كان مُخَيِّلًا وَرُبَّمَا قال الْإِشْبَاهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَسْتَنِدَ إلَى مَعْنًى كُلِّيٍّ قال وقد بَيَّنَّا تَصَوُّرَهَا لَا على هذا الْوَجْهِ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِحُجِّيَّتِهِ في أَنَّهُ بِمَاذَا يُعْتَبَرُ على مَذَاهِبَ أَحَدُهَا اعْتِبَارُهُ مُطْلَقًا وَالثَّانِي بِشَرْطِ ذَهَابِ الصُّورَةِ إلَى الْحُكْمِ في وَاقِعَةٍ لَا يُوجَدُ منها إلَّا الْوَصْفُ الشَّبَهِيُّ وَالثَّالِثُ بِشَرْطِ أَنْ يَجْتَذِبَ الْفَرْعَ أَصْلَانِ وَلَيْسَ أَصْلٌ سِوَاهُمَا فَيُلْحَقُ بِأَحَدِهِمَا بِغَلَبَةِ الْأَشْبَاهِ حَكَاهُ الْقَاضِي وهو ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ السَّابِقِ وَالرَّابِعُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَثْبُتَ لِلْحُكْمِ عِلَّةٌ بِعَيْنِهِ وَإِلَّا كان الرُّجُوعُ إلَيْهَا أَوْلَى من الرُّجُوعِ إلَى أَشْبَاهٍ وَصِفَاتٍ لم يَتَعَيَّنْ كَوْنُهَا عِلَّةً لِلْحُكْمِ حَكَاهُ الْقَاضِي وقال إنَّهُ رَاجِعٌ إلَى الذي قَبْلَهُ ثُمَّ اخْتَلَفُوا في الْأَشْبَاهِ التي يَغْلِبُ بها على مَذَاهِبَ أَحَدُهَا الْمُعْتَبَرُ الْمُشَابَهَةُ في الْحُكْمِ فَقَطْ دُونَ الصُّورَةِ وَحَكَاهُ الرَّازِيَّ وَالْبَيْضَاوِيُّ عن الشَّافِعِيِّ وَلِهَذَا أَلْحَقَ الْعَبْدَ الْمَقْتُولَ بِسَائِرِ الْمَمْلُوكَاتِ في لُزُومِ قِيمَتِهِ على الْقَاتِلِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُبَاعُ وَيُشْتَرَى وَحَكَاهُ ابن السَّمْعَانِيِّ عن أَصْحَابِنَا كَوَطْءِ الشُّبْهَةِ مَرْدُودٌ إلَى النِّكَاحِ في شَرْطِ الْحَدِّ وَوُجُوبِ الْمَهْرِ بِشُبْهَةٍ بِالْوَطْءِ في النِّكَاحِ في الْأَحْكَامِ وَالثَّانِي اعْتِبَارُ الْمُشَابَهَةِ في الصُّورَةِ كَقِيَاسِ الْخَيْلِ على الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَسُقُوطِ الزَّكَاةِ بِصُورَةِ شَبَهٍ أو كَقِيَاسِ الْخَيْلِ على الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ في حُرْمَةِ اللَّحْمِ لِقَوْلِ الْقَائِلِ ذُو حَافِرٍ أَهْلِيٍّ حَكَاهُ ابن السَّمْعَانِيِّ عن بَعْضِهِمْ مُعْتَلًّا بِوُجُودِ الشَّبَهِ قال وإذا جَازَ تَعْلِيلُ الْأَصْلِ بِصِفَةٍ من ذَاتِهِ جَازَ تَعْلِيلُهُ بِصِفَةٍ من صِفَاتِهِ وَلِأَنَّ الْعِلَلَ أَمَارَاتٌ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشَّبَهُ في الصُّورَةِ أَمَارَةً على الْحُكْمِ كما يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشَّبَهُ في الْمَعْنَى أو في الْحُكْمِ أَمَارَةً على الْحُكْمِ قال وَهَذَا ليس بِصَحِيحٍ إنَّمَا الصَّحِيحُ أَنَّ مُجَرَّدَ الشَّبَهِ في الصُّورَةِ لَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِهِ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ ما كان لها تَأْثِيرٌ في الْحُكْمِ وَلَيْسَ هو مِمَّا يُفِيدُ قُوَّةً في الظَّنِّ حتى يُوجِبَ حُكْمًا انْتَهَى
  363. وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ ذَهَبَ قَوْمٌ من أَهْلِ الْبِدَعِ إلَى اعْتِبَارِ الْمُشَابَهَةِ في الصُّورَةِ وهو قَوْلُ الْأَصَمِّ وَلِهَذَا زَعَمَ أَنَّ تَرْكَ الْجِلْسَةِ الْأَخِيرَةِ من الصَّلَاةِ لَا يَضُرُّ كَالْجِلْسَةِ الْأُولَى وَلَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ وَهَذَا ما نَقَلَهُ الْإِمَامُ في الْبُرْهَانِ عن أبي حَنِيفَةَ وَعَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا في إلْحَاقِهِ الْجُلُوسَ الْأَوَّلَ بِالثَّانِي في الْوُجُوبِ وَاخْتَارَ إلْكِيَا اعْتِبَارَ الشَّبَهِ في الصُّورَةِ إذَا دَلَّ دَلِيلٌ على اعْتِبَارِهِ كَالْمُعْتَبَرِ في جَزَاءِ الصَّيْدِ قال وَهَذَا أَضْعَفُ الْأَنْوَاعِ إذْ لَا يُعْرَفُ له نَظِيرٌ قال وَأَمَّا الشَّبَهُ في الْحُكْمِ وهو دَلَالَةُ الْحُكْمِ على الْحُكْمِ فَقَطْ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ الْعَبْدُ أَشْبَهُ بِالْحُرِّ في الْقِصَاصِ وَالْكَفَّارَةِ لِلْحُرْمَةِ وَتَحَمُّلِ الْعَقْلِ مِثْلُهُ فَإِنْ أَوْجَبَ لِاحْتِرَامِ الْمَحَلِّ وَالشَّبَهِ في الْمَقْصُودِ كَاعْتِبَارِ خِيَارِ الشَّرْطِ بِخِيَارِ الْعَيْبِ إذَا ثَبَتَ اسْتِوَاؤُهُمَا في الْمَقْصُودِ وهو دَفْعُ الْغَبَنِ فَمُعْتَبَرَانِ وَاعْلَمْ أَنْ الشَّافِعِيَّ اعْتَبَرَ الشَّبَهَ في مَوَاضِعَ منها إلْحَاقُ الْهِرَّةِ الْوَحْشِيَّةِ بِالْإِنْسِيَّةِ على الصَّحِيحِ دُونَ الْحُمُرِ الْوَحْشِيَّةِ لِاخْتِلَافِ أَلْوَانِ الْوَحْشِيَّةِ كَالْأَهْلِيَّةِ بِخِلَافِ الْحُمُرِ الْوَحْشِيَّةِ فَإِنَّهَا أَلْوَانُهَا مُتَّحِدَةٌ دُونَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فإن أَلْوَانَهَا مُخْتَلِفَةٌ ومنها حَيَوَانَاتُ الْبَحْرِ الصَّحِيحُ حِلُّ أَكْلِهَا مُطْلَقًا وَقِيلَ ما أُكِلَ شَبَهَهُ من الْبَرِّ أُكِلَ شَبَهَهُ من الْبَحْرِ فَصَاحِبُ هذا الْوَجْهِ اعْتَبَرَ الشَّبَهَ الصُّورِيَّ وَعَلَى هذا فقال الْبَغَوِيّ وابن الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُمَا حِمَارُ الْبَحْرِ لَا يُؤْكَلُ فَأَلْحَقُوهُ بِشَبَهِ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ دُونَ الْوَحْشِيِّ وَفِيهِ نَظَرٌ فإنه لَا نِزَاعَ في أَنَّ الْأَصْلَ في حَيَوَانِ الْبَحْرِ الْحِلُّ وَمِنْهَا جَزَاءُ الصَّيْدِ كَإِيجَابِ الْبَقَرَةِ الْإِنْسِيَّةِ في الْوَحْشِيَّةِ ومنها إقْرَاضُ الْحَيَوَانِ فَفِي رَدِّ بَدَلِهِ وَجْهَانِ أَشْبَهَهُمَا بِالْحَدِيثِ الْمِثْلُ وَالْقِيَاسُ الْقِيمَةُ ومنها السُّلْتُ وهو يُشَابِهُ الْحِنْطَةَ في صُورَتِهِ الشَّعِيرَ بِطَبْعِهِ فَهَلْ يُلْحَقُ بِالْحِنْطَةِ أو الشَّعِيرِ أو هو جِنْسٌ مُسْتَقِلٌّ أَوْجُهٌ ومنها إذَا كان الرِّبَوِيُّ لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ فَيُعْتَبَرُ بِأَقْرَبِ الْأَشْيَاءِ شَبَهًا بِهِ على أَحَدِ الْأَوْجُهِ وَقِسْ على هذا نَظَائِرُهُ وَالثَّالِثُ اعْتِبَارُهُ في الْحُكْمِ ثُمَّ الْأَشْبَاهِ الرَّاجِعَةِ إلَى الصُّورَةِ وَالرَّابِعُ اعْتِبَارُهُ فيها على حَدٍّ سَوَاءٌ حَكَاهُ الْقَاضِي وَالْخَامِسُ اعْتِبَارُ حُصُولِ الْمُشَابَهَةِ فِيمَا غَلَبَ على الظَّنِّ أَنَّهُ مَنَاطُ الْحُكْمِ بِأَنْ يَظُنَّ أَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِعِلَّةِ الْحُكْمِ أو عِلَّةٌ لِلْحُكْمِ فَمَتَى كان كَذَلِكَ صَحَّ الْقِيَاسُ سَوَاءٌ كانت
  364. الْمُشَابَهَةُ في الصُّورَةِ أو الْمَعْنَى وهو قَوْلُ الْإِمَامِ الرَّازِيَّ وَحَكَاهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ عن ابْنِ سُرَيْجٍ قال وكان يُنْكِرُ الْقِيَاسَ على شَبَهٍ لم يَتَعَيَّنْ كَوْنُهُ عِلَّةً لِلْحُكْمِ إمَّا تَعَيُّنًا لَا احْتِمَالَ فيه وَلَا يَسُوغُ لِأَحَدٍ خِلَافُهُ أو تَعَيُّنًا ظَاهِرًا وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ غَيْرَهُ قال وَكَذَلِكَ كان يقول أبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ وَأَبْطَلَ الْقِيَاسَ على غَيْرِ عِلَّةٍ وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الْقَفَّالَ قال بِالْحُكْمِ بِغَلَبَةِ الْأَشْبَاهِ وَزَعَمَ أَنَّ الْأَشْبَاهَ تُنَظِّمُ الْأَصْلَ وَالْفَرْعَ وَإِنْ لم تَكُنْ أَوْصَافَ عِلَّةِ حُكْمِ الْأَصْلِ فَإِنَّهَا عِلَّةُ حُكْمِ الْفَرْعِ لِأَنَّ ما زَادَ عليها في حُكْمِ الْمَعْدُومِ وَشَبَّهَ ذلك بِغَلَبَةِ الْمَاءِ على الْمَائِعِ الطَّاهِرِ أو النَّجَسِ فَجَعَلَ ما اخْتَلَطَ وَغَلَبَ عليه في حُكْمِ الْمَعْدُومِ وَهَذَا تَصْرِيحٌ منه بِأَنَّهُ يُحْكَمُ في الْفَرْعِ بِحُكْمِ الْأَصْلِ لِمُشَارَكَتِهِ فِيمَا ليس بِعِلَّةٍ لِلْحُكْمِ في الْأَصْلِ وهو عَجِيبٌ إذْ كَيْفَ يَجِبُ رَدُّ الْفَرْعِ على الْأَصْلِ فِيمَا ليس عِلَّةً فيه وَالسَّادِسُ أَنْ لَا يُوجَدَ شَيْءٌ أَشْبَهَ بِهِ منه وهو قَوْلُ الْقَاضِي أبي حَامِدٍ الْمَرْوَزِيِّ الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ في أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ إنْ تَمَسَّك بِهِ النَّاظِرُ أَيْ الْمُجْتَهِدُ كان حُجَّةً في حَقِّهِ إنْ حَصَلَ غَلَبَةُ الظَّنِّ وَإِلَّا فَلَا أَمَّا الْمَنَاظِرُ فَيُقْبَلُ منه مُطْلَقًا وَاخْتَارَهُ في الْمُسْتَصْفَى وقد نَصَّ في الْقَوَاطِعِ الْقَوْلُ بِقِيَاسِ الشَّبَهِ وَبَيَّنَ أَنَّهُ يُفِيدُ غَلَبَةَ الظَّنِّ وقال لَا يُنْكِرُهُ إلَّا مُعَانِدٌ ثُمَّ قال وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّأْثِيرَ لَا بُدَّ منه إلَّا أَنَّ التَّأْثِيرَ قد يَكُونُ بِمَعْنًى وقد يَكُونُ بِحُكْمٍ وقد يَكُونُ بِغَلَبَةِ شَبَهٍ فإنه رُبَّ شَبَهٍ أَقْوَى من شَبَهٍ آخَرَ وَأَوْلَى بِتَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِهِ لِقُوَّةِ أَمَارَتِهِ وَالشَّبَهُ يُعَارِضُهُ شَبَهٌ آخَرُ وَرُبَّمَا ظَهَرَ فَضْلُ قُوَّةِ أَحَدِهِمَا على الْآخَرِ وَرُبَّمَا يَخْفَى وَيَجُوزُ رُجُوعُ الشَّبَهَيْنِ إلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ وَيَجُوزُ إلَى أَصْلَيْنِ فَلَا بُدَّ من قُوَّةِ نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ في هذه الْمَوَاضِعِ وَكَذَا قال الْقَاضِي أبو حَامِدٍ الْمَرْوَزِيِّ في أُصُولِهِ إنَّا لَا نَعْنِي بِقِيَاسِ الشَّبَهِ أَنْ يُشَبَّهَ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ من وَجْهٍ أو أَكْثَرَ من وَجْهٍ لِأَنَّهُ ليس في الْعَالَمِ شَيْءٌ إلَّا وهو يُشْبِهُ شيئا آخَرَ من وَجْهٍ أو أَكْثَرَ من وَجْهٍ لَكِنْ يُعْتَبَرُ أَنْ لَا يُوجَدَ شَيْءٌ أَشْبَهَ بِهِ منه فَلَا يُوجَدُ شَيْءٌ من الْوُضُوءِ بِالتَّيَمُّمِ وَكَذَا الْقِصَاصُ في الطَّرَفِ بِالْقِصَاصِ في النَّفْسِ أو على الْعَكْسِ وَهَذَا لِأَنَّ إلْحَاقَ الشَّيْءِ بِنَظَائِرِهِ وَإِدْخَالَهُ في سِلْكِهِ أَصْلٌ عَظِيمٌ فإذا لم يَكُنْ شَيْءٌ أَشْبَهَ منه بِهِ لم يَكُنْ بُدٌّ من إلْحَاقِهِ بِهِ قال وَهَذَا الذي قَالَهُ الْقَاضِي أبو حَامِدٍ تَقْرِيبٌ حَسَنٌ وهو عَائِدٌ إلَى ما ذَكَرْنَاهُ قال وَيَنْبَغِي الِاعْتِنَاءُ أَوَّلًا بِالْمَعَانِي فَإِنْ تَعَذَّرَتْ وَأَعْوَزَتْ فَحِينَئِذٍ يَنْبَغِي الرُّجُوعُ إلَى قِيَاسِ الشَّبَهِ على الطَّرِيقَةِ السَّابِقَةِ فَلَا بَأْسَ
  365. بِذَلِكَ انْتَهَى وَهَذَا الذي قَالَهُ مَحَلُّ وِفَاقٍ بين الْقَائِلِينَ بِقِيَاسِ الشَّبَهِ في أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ قِيَاسِ الْعِلَّةِ وهو في الْحَقِيقَةِ قَوْلُ من قال إنَّهُ لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ وقال إلْكِيَا شَرَطُوا لِقِيَاسِ الشَّبَهِ شُرُوطًا منها أَنْ يَلُوحَ في الْأَصْلِ الْمَرْدُودِ إلَيْهِ مَعْنًى فإنه إذَا كان كَذَلِكَ يَقْطَعُ نِظَامَ الشَّبَهِ وَغَايَةُ من يَدَّعِي الشَّبَهَ إيهَامُ اجْتِمَاعِ الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ في مَقْصُودِ الشَّارِعِ فإذا لَاحَ في الْأَصْلِ مَعْنًى انْقَطَعَ نِظَامُ الْجَمْعِ قال هَكَذَا أَطْلَقُوهُ وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ إذَا لَاحَ في أَحَدِهِمَا مَعْنًى جُزْئِيٌّ وَفُقِدَ في الثَّانِي أَمَّا إذَا كان اسْتِنَادُ الْأَصْلِ إلَى مَعْنًى كُلِّيٍّ لَا يُتَصَوَّرُ اطِّرَادُهُ في آحَادِ الصُّوَرِ وَلَكِنَّ الْقِيَاسَ سَبَقَ لِإِبَانَةِ الْمَحَلِّ فَتَعْلِيلُ الْأَصْلِ لَا يَضُرُّ في مِثْلِهِ على ما قَدَّمْنَاهُ وقد ضَرَبَ الشَّافِعِيُّ له مِثَالًا فقال بَدَأَ عليه بِيَمِينِ الْمُدَّعِي في الْقَسَامَةِ في الْقِصَّةِ الْمَشْهُورَةِ فَكَانَ فيه خَيَالُ اللَّوْثِ فَاخْتَصَّهَا بِتِلْكَ الصُّورَةِ وَإِنْ كانت الْمُشَابَهَةُ بين الدَّعْوَيَيْنِ حَالَةَ اللَّوْثِ وَحَالَةَ عَدَمِهَا ظَاهِرَةً وَلَكِنْ أَمْكَنَ فَهْمُ تَخْصِيصِ الْحُكْمِ بِتِلْكَ الصُّورَةِ أَمَّا عِنْدَ اللَّوْثِ فَلَا يُعْتَبَرُ بِهِ غَيْرُ تِلْكَ الْحَالَةِ وَهَذَا بَيِّنٌ وَمِنْهَا أَنَّ الشَّبَهَ إذَا لَاحَ كان من ضَرُورَتِهِ أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ مُبْطِلًا مَعَانِي الْخَصْمِ فإنه لَا يَكُونُ خَاصًّا إلَّا على هذا الْوَجْهِ وَلَا يَكُونُ لِلْخَصْمِ في مُقَابَلَتِهِ إلَّا مَعْنًى عَامٌّ بِنَهْيٍ من الْأَصْلِ نَقْضًا له وَلَهُ نَظَائِرُ منها أَنَّ التَّيَمُّمَ إذَا صَارَ أَصْلًا فَالْمَعْنَى الذي يَتَعَلَّقُ بِهِ مَنْقُوضٌ بِالتَّيَمُّمِ وهو أَنَّ الْوُضُوءَ ليس مَقْصُودًا فلم يَكُنْ عِبَادَةً انْتَهَى وقد أَكْثَرَ أَصْحَابُنَا في الِاحْتِجَاجِ لِقِيَاسِ الشَّبَهِ وَأَصَحُّ ما ذَكَرُوهُ مَسَالِكُ أَحَدُهَا أَنَّهُ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَبَّهَ عليه في قَوْلِهِ لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَهُ وَوَجْهُهُ أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم شَبَّهَ حَالَ هذا السَّائِلَ في نَزْعِ الْعِرْقِ من أُصُولِهِ بِنَزْعِ الْعِرْقِ من أُصُولِ الْفَحْلِ
  366. وَثَانِيهَا أَنَّ قِيَاسَ الْمَعْنَى إنَّمَا صِيرَ إلَيْهِ لِإِفَادَتِهِ الظَّنَّ وَهَذَا يُفِيدُهُ فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ وَاعْتَرَضَ الْإِبْيَارِيُّ أَوَّلًا بِأَنَّهُ قِيَاسُ الْمَعْنَى في الْأُصُولِ فَلَا يُسْمَعُ وَثَانِيًا بِمَنْعِ إفَادَةِ الظَّنِّ وَثَالِثًا أَنَّهُ لم تَخْلُ وَاقِعَةٌ من حُكْمٍ قالوا وَمَنْ مَارَسَ مَسَائِلَ الْفِقْهِ وَتَرَقَّى عن رُتْبَةِ الْبَادِئِ فيها عَلِمَ أَنَّ الْمَعْنَى الْمُخَيَّلَ لَا يَعُمُّ الْمَسَائِلَ وَكَثِيرٌ من أُصُولِ الشَّرْعِ تَخْلُو من الْمَعَانِي خُصُوصًا في الْعِبَادَاتِ وَهَيْئَاتِهَا وَالسِّيَاسَاتِ وَمَقَادِيرِهَا وَشَرَائِطِ الْمُنَاكَحَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ إلَى قِيَاسِ الشَّبَهِ وَلَا يَلْزَمُنَا الطَّرْدُ لِأَنَّا في غَنِيَّةٍ عنه إذْ هو مُنْسَحِبٌ على جَمِيعِ الْحَوَادِثِ فلم يَكُنْ من دَاعٍ إلَيْهِ فَوَضَحَ أَنَّ الْقَوْلَ بِالشَّبَهِ عن مَحَلِّ الضَّرُورَةِ وَلَوْلَا الضَّرُورَاتِ لَمَا شُرِعَ أَصْلُ الْقِيَاسِ تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ بَنَى الْقَاضِي الْخِلَافَ في قِيَاسِ الشَّبَهِ على أَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ أو كُلَّ مُجْتَهِدٍ فَإِنْ قُلْت الْمُصِيبُ وَاحِدٌ فَالْأَوْلَى بِك إبْطَالُ قِيَاسِ الشَّبَهِ وَإِنْ قُلْت بِتَصْوِيبِهِمْ فَلَوْ غَلَبَ على ظَنِّ الْمُجْتَهِدِ حُكْمٌ من قَضِيَّةِ اعْتِبَارِ الشَّبَهِ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ قَطْعًا وَوَافَقَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ على الْبِنَاءِ على هذا الْأَصْلِ على تَقْرِيرِ ثُبُوتِ كَوْنِهَا ظَنِّيَّةً لَكِنْ خَالَفَ في أَنَّ الْمَسْأَلَةَ ظَنِّيَّةٌ وقال الْأَلْيَقُ بِمَا مَهَّدَهُ من الْأُصُولِ أَنْ يُقَالَ كُلُّ ما آلَ إلَى إثْبَاتِ دَلِيلٍ من الْأَدِلَّةِ فَيُطْلَبُ فيه الْقَطْعُ وَرُبَّمَا يقول إنَّ الْمُجْتَهِدَ الْمُتَمَسِّكَ بِضَرْبٍ من الْقِيَاسِ إذَا غَلَبَ على ظَنِّهِ شَيْءٌ وفي الْحَادِثَةِ نَصٌّ لم يَبْلُغْهُ فَهُوَ مَأْمُورٌ قَطْعًا بِمَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ وَإِنْ كان الْقِيَاسُ في مُخَالِفِهِ مَرْدُودًا الثَّانِي قال الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ اعْلَمْ أَنَّ كَثْرَةَ الْأَشْبَاهِ إنَّمَا تُقَوِّي أَحَدَ جَانِبَيْ الْقِيَاسِ إذَا أَمْكَنَ إثْبَاتُ الْحُكْمِ بِكُلِّ وَاحِدٍ من الْأَوْصَافِ فَأَمَّا إذَا لم يَقُمْ الْحُكْمُ إلَّا لِمَجْمُوعِ أَوْصَافٍ حتى يَرُدَّ بها إلَى أَصْلٍ فَيُرَدَّ إلَى أَصْلٍ آخَرَ بِوَصْفٍ وَاحِدٍ فَإِنْ كان ذلك الْوَصْفُ من جُمْلَةِ الْأَوْصَافِ فَتَعَلُّقُ الْحُكْمِ بِالْوَصْفِ الْوَاحِدِ أَوْلَى وَإِنْ كان وَصْفًا آخَرَ سِوَى الْأَوْصَافِ الْمَجْمُوعَةِ فِيمَا سِوَاهُ مِثْلُ عِلَّةِ الطُّعْمِ في الرِّبَا أَوْلَى من عِلَّةِ الْقُوتِ لِأَنَّهُ ما من قُوتٍ إلَّا وهو طَعَامٌ فَكَانَ من عَلَّلَ بِهِ عَلَّلَ الطَّعَامَ وَزِيَادَةً وَعِلَّةُ الطَّعَامِ وَالْكَيْلِ مُسْتَوِيَتَانِ فَتَقَدُّمُ إحْدَاهُمَا على الْآخَرِ بِالتَّرْجِيحِ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا دَاخِلًا في جُمْلَةِ الْآخَرِ إذَا كان الْأَصْلُ الْمَرْدُودُ إلَيْهِ وَاحِدًا غير أَنَّ أَحَدَ الْقِيَاسِيِّينَ يُرَدُّ الْفَرْعُ إلَيْهِ
  367. بِوَصْفٍ وَالْآخَرُ يَرُدُّهُ إلَيْهِ بِذَلِكَ الْوَصْفِ وَبِغَيْرِهِ من الْأَوْصَافِ فَضَمُّهَا إلَيْهِ بِالْوَصْفِ الْوَاحِدِ أَوْلَى الثَّالِثُ هل يُسْتَعْمَلُ الشَّبَهُ مُرْسَلًا كما اُسْتُعْمِلَ الْمُنَاسِبُ مُرْسَلًا قال الْإِبْيَارِيُّ في شَرْحِ الْبُرْهَانِ هذا شَيْءٌ غَامِضٌ ولم أَقِفْ فيه على نَصٍّ وَلَوْ قِيلَ بِهِ لم يَبْعُدْ انْتَهَى وقد صَرَّحَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِالْمَنْعِ منه بِخِلَافِ الْمُنَاسِبِ وَرَتَّبَ ذلك على أَحَدِ تَفْسِيرَيْهِ في الشَّبَهِ وهو أَنْ يُنَاسِبَ تَشَابُهَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ مُطْلَقًا في حُكْمٍ مُعَيَّنٍ فَعَلَى هذا لَا يَتَحَقَّقُ الشَّبَهُ إلَّا بِأَصْلٍ وَإِنْ قُلْنَا في تَفْسِيرِهِ ما يُوهِمُ مُنَاسَبَةً لِلْحُكْمِ الْخَاصِّ أو مُلَاءَمَةً لِأَوْصَافٍ نَصَّ الشَّارِعُ عليها ولم تَظْهَرْ مُنَاسَبَتُهَا أو غَيْرُ ذلك من التَّفَاسِيرِ السَّابِقَةِ جَازَ اسْتِعْمَالُهُ مُرْسَلًا الْمَسْلَكُ الثَّامِنُ الدَّوَرَانُ وَيُعَبِّرُ عنه الْأَقْدَمُونَ بِ الْجَرَيَانِ وَبِ الطَّرْدِ وَالْعَكْسِ وهو أَنْ يُوجَدَ الْحُكْمُ عِنْدَ وُجُودِ وَصْفٍ وَيَرْتَفِعُ عِنْدَ ارْتِفَاعِهِ في صُورَةٍ وَاحِدَةٍ كَالتَّحْرِيمِ مع السُّكْرِ في الْعَصِيرِ فإنه لَمَّا لم يَكُنْ مُسْكِرًا لم يَكُنْ حَرَامًا فلما حَدَثَ السُّكْرُ فيه وُجِدَتْ الْحُرْمَةُ ثُمَّ لَمَّا زَالَ السُّكْرُ بِصَيْرُورَتِهِ خَلًّا زَالَ التَّحْرِيمُ فَدَلَّ على أَنَّ الْعِلَّةَ السُّكْرُ وَأَمَّا في صُورَتَيْنِ كَوُجُوبِ الزَّكَاةِ مع مِلْكِ نِصَابٍ قام في صُورَةِ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ وَعَدَمِهِ مع عَدَمِ شَيْءٍ منها كما في ثِيَابِ الْبِذْلَةِ حَيْثُ لَا تَجِبُ فيها الزَّكَاةُ لِفَقْدِ شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ قَوْلُهُ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ في حديث ابْنِ اللُّتْبِيَّةِ حين اسْتَعْمَلَهُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وقال ما بَالُنَا نَسْتَعْمِلُ أَقْوَامًا فَيَجِيءُ أَحَدُهُمْ فيقول هذا لَكُمْ وَهَذَا لي أَلَا جَلَسَ في بَيْتِ أبيه وَأُمِّهِ حتى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ إنْ كان صَادِقًا وَهَذَا إثْبَاتُ الْعِلَّةِ بِالدَّوَرَانِ وهو ثُبُوتُ الْحُكْمِ عِنْدَ ثُبُوتِ الْوَصْفِ وَانْتِفَاؤُهُ عِنْدَ انْتِفَائِهِ وَاخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ في إفَادَةِ الدَّوَرَانِ الْعِلِّيَّةَ على مَذَاهِبَ أَحَدُهَا أَنَّهُ يُفِيدُ الْقَطْعَ بِالْعِلِّيَّةِ وَنُقِلَ عن بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ وَرُبَّمَا قِيلَ لَا دَلِيلَ
  368. فَوْقَهُ حَكَاهُ ابن السَّمْعَانِيِّ عن بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَالثَّانِي أَنَّهُ يُفِيدُ ظَنَّ الْعِلِّيَّةِ بِشَرْطِ عَدَمِ الْمُزَاحِمِ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ لَا تُوجِبُ الْحُكْمَ بِذَاتِهَا وَإِنَّمَا هِيَ عَلَامَةٌ مَنْصُوبَةٌ فإذا دَارَ الْوَصْفُ مع الْحُكْمِ غَلَبَ على الظَّنِّ كَوْنُهُ مُعَرِّفًا له وَيَنْزِلُ بِمَنْزِلَةِ الْوَصْفِ الْمُومَأِ إلَيْهِ بِأَنْ يَكُونَ عِلَّةً وَإِنْ خَلَا عن الْمُنَاسَبَةِ وهو قَوْلُ الْجُمْهُورِ منهم إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَنَقَلَهُ عن الْقَاضِي وَمِمَّنْ حَكَاهُ عن الْأَكْثَرِينَ إلْكِيَا وقال ابن السَّمْعَانِيِّ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ كَثِيرٌ من أَصْحَابِنَا قال وَلِأَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ شَغَفٌ بِهِ وقال الْهِنْدِيُّ إنَّهُ الْمُخْتَارُ وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ عن أبي عَلِيِّ بن أبي هُرَيْرَةَ وَحَكَاهُ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ عن أبي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ ذَهَبَ كُلُّ من يُعْزَى إلَى الْجَدَلِ إلَى أَنَّهُ أَقْوَى ما تَثْبُتُ بِهِ الْعِلَلُ وَذَكَرَ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ أَنَّ هذا الْمَسْلَكَ من أَقْوَى الْمَسَالِكِ وَكَادَ يَدَّعِي إفْضَاءَهُ إلَى الْقَطْعِ وَإِنَّمَا سَمَّيْت هذا الشَّيْخَ لِغَشَيَانِهِ مَجْلِسَ الْقَاضِي مُدَّةً وَإِعْلَاقِهِ طَرَفًا من كَلَامِهِ وَمَنْ عَدَاهُ حِيَالَهُ قُلْت وَاَلَّذِي رَأَيْته في شَرْحِ الْكِفَايَةِ لِلْقَاضِي أبي الطَّيِّبِ ما لَفْظُهُ وَأَمَّا الطَّرْدُ فإنه شَرْطٌ في صِحَّتِهَا وَلَيْسَ بِدَلِيلٍ على صِحَّتِهَا وَلَا يَجُوزُ إذَا اطَّرَدَ مَعْنًى أَنْ يُحْكَمَ بِصِحَّتِهِ حتى يَدُلَّ التَّأْثِيرُ أو شَهَادَةُ الْأُصُولِ عليه وَكَذَا قال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في التَّبْصِرَةِ الطَّرْدُ وَالْجَرَيَانُ شَرْطٌ في صِحَّةِ الْعِلَّةِ وَلَيْسَ بِدَلِيلِ صِحَّتِهَا وَقِيلَ دَلِيلٌ على الصِّحَّةِ وَبِهِ قال الصَّيْرَفِيُّ وقال إذَا لم يَرِدْ بها نَصٌّ وَلَا أَصْلٌ دَلَّ على صِحَّتِهَا وَكَذَا قال ابن الصَّبَّاغِ هو يَدُلُّ على صِحَّةِ الْعِلَّةِ وقال ابن بَرْهَانٍ الطَّرْدُ عِنْدَنَا شَرْطُ صِحَّةِ الْعِلَّةِ وَلَيْسَ دَلِيلًا على صِحَّتِهَا وَذَهَبَ بَعْضُ الْقُدَمَاءِ مِنَّا وَمِنْ الْحَنَفِيَّةِ إلَى أَنَّهُ دَلِيلٌ على صِحَّتِهَا وقال ابن السَّمْعَانِيِّ الِاطِّرَادُ ليس بِدَلِيلٍ لِصِحَّةِ الْعِلَّةِ وَلَكِنْ شَرْطٌ لِصِحَّتِهَا وَأَمَّا الِانْعِكَاسُ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الْعِلَّةِ في قَوْلِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ وهو قَوْلُ جُمْهُورِ الْأُصُولِيِّينَ من الْفُقَهَاءِ وَبِهِ قال بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ قال وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّ الِانْعِكَاسَ شَرْطٌ فإذا ثَبَتَ الْحُكْمُ بِوُجُودِ الْعِلَّةِ ولم يَرْتَفِعْ بِارْتِفَاعِهَا بَطَلَتْ الْعِلَّةُ وهو قَوْلُ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ تَعَلُّقًا بِالْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ فإنه يَجِبُ انْعِكَاسُهَا فَكَذَلِكَ السَّمْعِيَّةُ وَلَنَا أَنَّ الْعِلَّةَ مَنْصُوبَةٌ لِلْإِثْبَاتِ فَلَا تَدُلُّ على النَّفْيِ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ بِمُجَرَّدِهِ لَا قَطْعًا وَلَا ظَنًّا وهو اخْتِيَارُ الْأُسْتَاذِ أبي مَنْصُورٍ وَابْنِ السَّمْعَانِيِّ وَالْغَزَالِيِّ وَالشَّيْخِ أبي إِسْحَاقَ وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وابن الْحَاجِبِ
  369. وقال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في كِتَابِ الْحُدُودِ إنَّهُ قَوْلُ الْمُحَصِّلِينَ قال إلْكِيَا وهو الذي يَمِيلُ إلَيْهِ الْقَاضِي وَنَقَلَهُ ابن بَرْهَانٍ عنه أَيْضًا وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ قد وُجِدَ مع عَدَمِ الْعِلِّيَّةِ فَلَا يَكُونُ دَلِيلًا عليها أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَعْلُولَ دَائِرٌ مع الْعِلَّةِ وُجُودًا وَعَدَمًا مع أَنَّ الْمَعْلُولَ ليس بِعِلَّةٍ لِعِلَّتِهِ قَطْعًا وَالْجَوْهَرُ وَالْعَرَضُ مُتَلَازِمَانِ مع أَنَّ أَحَدَهُمَا ليس بِعِلَّةٍ في الْآخَرِ اتِّفَاقًا وَالْمُتَضَايِفَانِ كَالْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ مُتَلَازِمَانِ وُجُودًا وَعَدَمًا مع أَنَّ أَحَدَهُمَا ليس بِعِلَّةٍ في الْآخَرِ لِوُجُوبِ تَقَدُّمِ الْعِلَّةِ على الْمَعْلُولِ وَوُجُوبِ مُصَاحَبَةِ الْمُتَضَايِفَيْنِ وَإِلَّا لَمَا كَانَا مُتَضَايِفَيْنِ وقد ضُعِّفَ هذا الْقَوْلُ أَعْنِي تَجْوِيزَ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ أَمْرًا وَرَاءَ الْمَذْكُورِ فإن هذا لو صَحَّ لَجَرَى في غَيْرِهِ من الْمَسَائِلِ كَالْإِيمَاءِ وَنَحْوِهِ وَمِنْ الْعَجِيبِ أَنَّ جَمَاعَةً من الْقَائِلِينَ بهذا الْمَذْهَبِ اعْتَرَفُوا بِصِحَّةِ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ وَإِنْ لم تَقْتَرِنْ بِهِ مُنَاسَبَةٌ وهو رَاجِعٌ لِلطَّرْدِ فإن غَايَتَهُ أَنَّ الْأَوْصَافَ الْمُقَارِنَةَ لِلْحُكْمِ قام الدَّلِيلُ على خُرُوجِ بَعْضِهَا عن صَلَاحِيَةَ التَّعْلِيلِ فَعُلِمَ صِحَّةُ التَّعْلِيلِ بِالْبَاقِي وَلَا تَجِدُ النِّصْفَ الْبَاقِيَ سِوَى مُقَارَنَتِهِ الْحُكْمَ في الْوُجُودِ مع انْتِقَاءِ الظَّفَرِ بِدَلِيلِ انْتِفَاءِ صَلَاحِيَتِهِ لِلتَّعْلِيلِ وَذَلِكَ مُجَرَّدُ طَرْدٍ لَا عَكْسَ فيه وَاذَا كان السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ لَا يَدُلُّ إلَّا على اقْتِرَانِ الْحُكْمِ بِالْوَصْفِ وُجُودًا عُلِمَ أَنَّ من أَخَذَ بِهِ وَأَنْكَرَ الطَّرْدَ وَالْعَكْسَ كَمَنْ أَخَذَ بِالْمُقَدِّمَةِ الْوَاحِدَةِ وَأَنْكَرَ دَلَالَةَ الْمُقَدِّمَتَيْنِ وَكَمَنْ أَخَذَ بِالْكَثْرَةِ في الْأَلْفِ وَأَنْكَرَهَا في الْأَلْفَيْنِ التَّفْرِيعُ إنْ اعْتَبَرْنَاهُ فَشَرَطَ ابن الْقَطَّانِ في صِحَّتِهِ أَنْ يَصِحَّ اقْتِضَاؤُهُ من الْأَصْلِ كَالشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ في الْخَمْرِ قال وكان بَعْضُ أَصْحَابِنَا إذَا لم تَقُمْ الدَّلَالَةُ على أَنَّ التَّحْرِيمَ وَالتَّحْلِيلَ كان لِأَجْلِهِ لم يَكُنْ دَالًّا على صِحَّةِ الْعِلِّيَّةِ لِأَنَّ الْعِلِّيَّةَ هِيَ الْمُوجِبَةُ لِلْحُكْمِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْعُ دَالًّا على الْأَصْلِ قال وكان أبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ يقول اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في الْجَرَيَانِ هل هو دَالٌّ على صِحَّةِ الْعِلِّيَّةِ أَمْ لَا على مَذَاهِبَ أَحَدُهَا أَنَّهُ دَالٌّ عليها وَالثَّانِي أَنَّهُ بِانْفِرَادِهِ لَا يَكُونُ عِلَّةً حتى لَا تَدْفَعَهُ الْأُصُولُ فَإِنْ دَفَعَتْهُ لم يَكُنْ عِلَّةً وَالثَّالِثُ أَنَّهُ عِلَّةٌ حتى يَقُومَ دَلِيلٌ على صِحَّتِهِ قال وَلَا فَرْقَ بين الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وقال غَيْرُهُ إنَّهُ يُفِيدُ ظَنَّ عِلِّيَّةِ الْمَدَارِ لِلدَّائِرِ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ
  370. الْأَوَّلُ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَدَارُ مَقْطُوعًا بِعَدَمِ عِلِّيَّتِهِ كَالرَّائِحَةِ الْفَائِحَةِ لِلْخَمْرِ فَإِنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ عِلَّةً لِلْحُرْمَةِ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْمَدَارُ مُتَقَدِّمًا على الدَّائِرِ بِحَيْثُ أَنْ يُقَالَ وُجِدَ الدَّائِرُ فَحِينَئِذٍ لَا يَرِدُ دَوَرَانُ الْمُتَضَايِفَيْنِ وَلَا دَوَرَانُ الْوَصْفِ مع الْحُكْمِ لِأَنَّ أَحَدَ الْمُتَضَايِفَيْنِ ليس مُقَدَّمًا على الْآخَرِ وَلَا الْحُكْمَ على الْوَصْفِ الثَّالِثُ أَنْ لَا يُقْطَعَ بِوُجُودِ مُزَاحِمٍ يَلْزَمُ من كَوْنِ الْمَدَارِ عِلَّةً إلْغَاؤُهُ بِالْكُلِّيَّةِ فَحِينَئِذٍ لَا يَرُدُّ أَجْزَاءَ الْعِلَّةِ لِأَنَّهُ وَإِنْ كان الْمَعْلُولُ كما دَارَ مع الْعِلَّةِ دَارَ مع كل جُزْءٍ من أَجْزَائِهَا لَكِنَّ الْحُكْمَ بِأَيِّ جُزْءٍ كان يُوجِبُ إلْغَاءَ سَائِرِ الْأَجْزَاءِ أو إلْغَاءَ الْمَجْمُوعِ بِالْكُلِّيَّةِ فَيُوجَدُ لِكُلِّ جُزْءٍ مُزَاحِمٌ يَمْنَعُ من الْحُكْمِ بِعِلِّيَّتِهِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْمَجْمُوعِ فإن كَوْنَ الْمَجْمُوعِ عِلَّةً ليس بِمُوجِبٍ إلْغَاءَ الْجُزْءِ بِالْكُلِّيَّةِ عن اعْتِبَارِ الثَّانِي بَلْ لِكُلِّ جُزْءٍ مَدْخَلٌ في التَّأْثِيرِ وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ اعْتِبَارِهِ فَشَرَطُوا شَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ غير مُنَاسِبٍ فإنه مَتَى كان مُنَاسِبًا كانت الْعِلَّةُ صَحِيحَةً من جِهَةِ الْمُنَاسَبَةِ صَرَّحَ بِهِ الْغَزَالِيُّ في شِفَاءِ الْعَلِيلِ وَإِلْكِيَا وابن بَرْهَانٍ وَغَيْرُهُمْ قُلْت وَأَمَّا من يَدَّعِي الْقَطْعَ فيه فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَشْتَرِطُ ظُهُورَ الْمُنَاسَبَةِ وَلَا يَكْتَفِي بِالدَّوَرَانِ بِمُجَرَّدِهِ فإذا انْضَمَّ الْمُنَاسَبَةُ ارْتَقَى إلَى الْقَطْعِ ثُمَّ قال إلْكِيَا وَالْحَقُّ أَنَّ الْأَمَارَةَ لَا تَطَّرِدُ وَلَا تَنْعَكِسُ إلَّا إذَا كانت اجْتِمَاعَ الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ في مَقْصُودٍ خَاصٍّ في حُكْمٍ خَاصٍّ فإن الْأَحْكَامَ إذَا تَبَاعَدَ ما حَدُّهَا لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ تَكُونَ الْأَمَارَةُ الْوَاحِدَةُ جَارِيَةً فيها على نَسَقِ الْإِطْرَادِ وَالِانْعِكَاسِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ في الطَّهَارَةِ إنَّهَا وَظِيفَةٌ تُشَطَّرُ في وَقْتٍ فَافْتَقَرَتْ إلَى النِّيَّةِ كَالصَّلَاةِ فَهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ انْعِكَاسُهُ وقد تَطَّرِدُ وَتَنْعَكِسُ بَعْضُ الْأَمَارَاتِ فَإِنَّهَا مَجْرَى الْحُدُودِ الْعَقْلِيَّةِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الِاطِّرَادَ وَالِانْعِكَاسَ من بَابِ الْأَشْبَاهِ الظَّاهِرَةِ وَمِنْ قَبِيلِ تَنْبِيهِ الشَّرْعِ على نَصْبِهِ ضَابِطًا لِخَاصَّةٍ فَعُلِّقَتْ بِهِ وَمِمَّا يُتَنَبَّهُ له أَنَّ ما يُوجَدُ الْحُكْمُ بِوُجُودِهَا وَيَنْعَدِمُ بِعَدَمِهَا كَالْإِحْصَانِ فَلَيْسَ بِتَعْلِيلٍ اتِّفَاقًا من حَيْثُ إنَّ الطَّرْدَ وَالْعَكْسَ إنَّمَا كان تَعْلِيلًا لِلْإِشْعَارِ بِاجْتِمَاعِ الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ في مَعْنًى مُؤَثِّرٍ أو مَصْلَحَةٍ لَا يَعْلَمُهَا إلَّا اللَّهُ فَكَانَ الِاطِّرَادُ من الشَّارِعِ تَنْبِيهًا على وُجُودِ مَعْنًى جُمَلِيٍّ اقْتَضَى الِاجْتِمَاعَ وَلَا يَتَحَقَّقُ ذلك مع وُجُودِ الْمَعْنَى الظَّاهِرِ فإن الْإِيهَامَ لَا مِيزَانَ له مع وُجُودِ الْمَعْنَى الْمُصَرَّحِ بِهِ
  371. الثَّانِي أَنْ يَتَجَرَّدَ الْوَصْفُ فَأَمَّا إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ سَبْرٌ وَتَقْسِيمُ قال في الْمُسْتَصْفَى يَكُونُ حِينَئِذٍ حُجَّةً كما لو قال هذا الْحُكْمُ لَا بُدَّ له من عِلَّةٍ لِأَنَّهُ حَدَثَ بِحُدُوثِ حَادِثٍ وَلَا حَادِثَ يُمْكِنُ أَنْ يُعَلَّلَ بِهِ إلَّا كَذَا وَكَذَا وقد بَطَلَ الْكُلُّ إلَّا هذا فَهُوَ الْعِلَّةُ وَمِثْلُ هذا السَّبْرِ حُجَّةٌ في الطَّرْدِ الْمَحْضِ وَإِنْ لم يَنْضَمَّ إلَيْهِ الْعَكْسُ فَائِدَةٌ الدَّوْرُ يَسْتَلْزِمُ الْمَدَارَ وَالدَّائِرَ فَالْمَدَارُ هو الْمُدَّعَى عِلِّيَّتُهُ كَالْقَتْلِ الْمَوْصُوفِ وَالدَّائِرُ هو الْمُدَّعَى مَعْلُولِيَّتُهُ كَوُجُوبِ الْقِصَاصِ الْمَسْلَكُ التَّاسِعُ الطَّرْدُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ كَوْنَ الْعِلَّةِ لَا تَنْتَقِضُ فَذَاكَ مَقَالُ الْعَكْسِ بَلْ الْمُرَادُ أَنْ لَا تَكُونَ عِلَّتُهُ مُنَاسِبَةً وَلَا مُؤَثِّرَةً وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّوَرَانِ أَنَّ ذلك عِبَارَةٌ عن الْمُقَارَنَةِ وُجُوبًا وَعَدَمًا وَهَذَا مُقَارِنٌ في الْوُجُودِ دُونَ الْعَدَمِ وقال الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِيمَا حَكَاهُ الْبَغَوِيّ عنه في تَعْلِيقِهِ الطَّرْدُ شَيْءٌ أَحْدَثَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ وهو حَمْلُ الْفَرْعِ على الْأَصْلِ بِغَيْرِ أَوْصَافِ الْأَصْلِ من غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ الْوَصْفِ تَأْثِيرٌ في إثْبَاتِ الْحُكْمِ كَقَوْلِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا في نِيَّةِ الْوُضُوءِ عِبَادَةٌ يُبْطِلُهَا الْحَدَثُ وَتُشَطَّرُ بِعُذْرِ السَّفَرِ فَيُشْتَرَطُ فيها النِّيَّةُ كَالصَّلَاةِ وَلَا تَأْثِيرَ لِلشَّطْرِ بِعُذْرِ السَّفَرِ في إثْبَاتِ النِّيَّةِ وَكَقَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ في مَسِّ الذَّكَرِ مُعَلَّقٌ مَنْكُوسٌ فَلَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِمَسِّهِ دَلِيلُهُ الدَّبُّوسُ أو قالوا طَوِيلٌ مَشْقُوقٌ فَلَا يَنْتَقِضُ بِمَسِّهِ كَالْقَلَمِ وَالْبُوقِ قال وَهَذَا سُخْفٌ يَتَحَاشَى الطِّفْلُ عن ذِكْرِهِ فَضْلًا عن الْفَقِيهِ انْتَهَى وقال ابن السَّمْعَانِيِّ هو الذي لَا يُنَاسِبُ الْحُكْمَ وَلَا يُشْعِرُ بِهِ وقال الْإِمَامُ وَأَتْبَاعُهُ هو الْوَصْفُ الذي لَا يَكُونُ مُنَاسِبًا وَلَا مُسْتَلْزِمًا لِلْمُنَاسِبِ وَإِلَّا لم تَكُنْ حَاجَةٌ إلَى الطَّرْدِ وَيَكُونُ الْحُكْمُ حَاصِلًا معه في جَمِيعِ صُوَرِ حُصُولِهِ غير صُورَةِ النِّزَاعِ فَإِنْ حَصَلَ في صُورَةِ النِّزَاعِ كان دَوَرَانًا قال الْهِنْدِيُّ هذا قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ وَمِنْهُمْ من قال لَا يُشْتَرَطُ ذلك بَلْ يَكْفِي في عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ الطَّرْدِيِّ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مُقَارِنًا له وَلَوْ في صُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وقد اخْتَلَفُوا في كَوْنِهِ حُجَّةً وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّ الطَّرْدَ والعكس ليس بِحُجَّةٍ فَفِي كَوْنِ الطَّرْدِ ليس بِحُجَّةٍ من طَرِيقِ الْأَوْلَى فَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِحُجِّيَّةِ ذلك فَقَدْ اخْتَلَفُوا في
  372. حُجِّيَّةِ الطَّرْدِ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ ليس بِحُجَّةٍ مُطْلَقًا وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ مُطْلَقًا وَمِنْهُمْ من فَصَّلَ وقال بِحُجِّيَّتِهِ بِالتَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي وَالْمُعْتَبَرُونَ من النُّظَّارِ على أَنَّ التَّمَسُّكَ بِهِ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ من بَابِ الْهَذَيَانِ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَتَنَاهَى الْقَاضِي في تَغْلِيطِ من يَعْتَقِدُ رَبْطَ حُكْمِ اللَّهِ عز وجل بِهِ وَنَقَلَهُ إلْكِيَا عن الْأَكْثَرِينَ من الْأُصُولِيِّينَ لِأَنَّهُ يَجِبُ تَصْحِيحُ الْعِلَّةِ في نَفْسِهَا أَوَّلًا ثُمَّ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ عليها فإنه ثَمَرَةُ الْعِلَّةِ فَالِاسْتِثْمَارُ بَعْدَ التَّصْحِيحِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ ما حَقُّهُ في الرُّتْبَةِ الثَّانِيَةِ عَلَمًا على ثُبُوتِ الْأَصْلِ قال وقد رَأَيْنَا في الطَّرْدِ صُوَرًا لَا يَتَخَيَّلُ عَاقِلٌ صِحَّتَهَا كَتَشْبِيهِ الصَّلَاةِ بِالطَّوَافِ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ في شَرْحِ الْكِفَايَةِ عن الْمُحَصِّلِينَ من أَصْحَابِنَا وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وقال الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِيمَا نَقَلَهُ الْبَغَوِيّ في تَعْلِيقِهِ عنه لَا يَجُوزُ أَنْ يُدَانَ اللَّهُ بِهِ وقال ابن الصَّبَّاغِ في الْعُدَّةِ الطَّرْدُ جَرَيَانُ الْعِلَّةِ في مَعْلُولَاتِهَا وَسَلَامَتِهَا من أَصْلٍ يَرُدُّهَا وَيَنْفِيهَا وَالْأَكْثَرُونَ على أَنَّهُ لَا يَدُلُّ على صِحَّتِهَا وَذَهَبَ طَوَائِفُ من الْحَنَفِيَّةِ إلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ وَمَالَ إلَيْهِ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ وَجَزَمَ بِهِ الْبَيْضَاوِيُّ قال ابن السَّمْعَانِيُّ وَحَكَاهُ الشَّيْخُ في التَّبْصِرَةِ عن الصَّيْرَفِيِّ وَهَذَا فيه نَظَرٌ فإن ذَاكَ في الِاطِّرَادِ الذي هو الدَّوَرَانُ وقال الْكَرْخِيّ هو مَقْبُولٌ جَدَلًا وَلَا يَسُوغُ التَّعْوِيلُ عليه عَمَلًا وَلَا الْفَتْوَى بِهِ وقال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ ذَهَبَ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّهُ يَدُلُّ على صِحَّةِ الْعِلِّيَّةِ وَاقْتَدَى بِهِ قَوْمٌ من أَصْحَابِ أبي حَنِيفَةَ بِالْعِرَاقِ فَصَارُوا يَطْرُدُونَ الْأَوْصَافَ على مَذَاهِبِهِمْ وَيَقُولُونَ إنَّهَا قد صَحَّتْ كَقَوْلِهِمْ في مَسِّ الذَّكَرِ مَسُّ آلَةِ الْحَرْثِ فَلَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ كما إذَا مَسَّ الْفَدَّانَ وَإِنَّهُ طَوِيلٌ مَشْقُوقٌ فَأَشْبَهَ الْبُوقَ وفي السَّعْيِ بين الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إنَّهُ سَعْيٌ بين جَبَلَيْنِ فَلَا يَكُونُ رُكْنًا في الْحَجِّ كَالسَّعْيِ بين جَبَلَيْنِ بِنَيْسَابُورَ وَلَا يَشُكُّ عَاقِلٌ أَنَّ هذا سُخْفٌ قال ابن السَّمْعَانِيِّ وَسَمَّى أبو زَيْدٍ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ الطَّرْدَ حُجَّةً وَالِاطِّرَادَ دَلِيلًا على صِحَّةِ الْعِلِّيَّةِ حَشْوِيَّةَ أَهْلِ الْقِيَاسِ قال وَلَا يُعَدُّ هَؤُلَاءِ من جُمْلَةِ الْفُقَهَاءِ قال ابن السَّمْعَانِيِّ وَيَجُوزُ لِلشَّارِعِ نَصْبُ الطَّرْدِ عَلَمًا عليه لَكِنَّهُ لَا يَكُونُ عِلَّةً بَلْ تَقْرِيبٌ لِلْحُكْمِ وَتَحْدِيدٌ له قال وَذَكَرَ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ أَنَّ الِاطِّرَادَ زِيَادَةُ دَعْوَى على دَعْوَى وَالدَّعْوَى لَا تَثْبُتُ بِزِيَادَةِ دَعْوَى وَلِأَنَّ الْقِيَاسَ الْفَاسِدَ قد يَطَّرِدُ وَلَوْ كان الِاطِّرَادُ دَلِيلَ صِحَّةِ الْعِلِّيَّةِ لم يَقُمْ هذا الدَّلِيلُ على الْأَقْيِسَةِ الْفَاسِدَةِ الْمُطَّرِدَةِ مِثْلُ قَوْلِ من يقول في إزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِغَيْرِ الْمَاءِ مَائِعٌ لَا تُبْنَى عليه
  373. الْقَنَاطِرُ وَلَا يُصَادُ منه السَّمَكُ فَأَشْبَهَ الدُّهْنَ وَالْمَرَقَةَ وفي الْمَضْمَضَةِ اصْطِكَاكُ الْأَجْرَامِ الْعُلْوِيَّةِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَنْقُضَ الطَّهَارَةَ كَالرَّعْدِ وَلَا يَلْزَمُ الضُّرَاطُ لِأَنَّهُ اصْطِكَاكُ الْأَجْرَامِ السُّفْلِيَّةِ قال الْقَاضِي هذا مع سُخْفِهِ يَنْتَقِضُ بِمَا لو صَفَعَ امْرَأَتَهُ وَصَفَعَتْهُ وَالِاشْتِغَالُ بهذا هُزْأَةٌ وَلَعِبٌ في الدِّينِ انْتَهَى وقال الْكَرْخِيّ هو مَقْبُولٌ جَدَلًا وَلَا يَسُوغُ التَّعْوِيلُ عليه عَمَلًا وهو ظَاهِرُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ وقال إنَّهُ رَأْيُ الْمَشَايِخِ الْمُتَقَدِّمِينَ وقال هو مَصْلَحَةٌ لِلْمُنَاظِرِ في حَقِّ من أَثْبَتَ الشَّبَهَ وَرَآهُ مُعْتَمَدًا بَلْ لَا طَرِيقَ سِوَاهُ فَإِمَّا أَنْ يُصَارَ إلَى إبْطَالِ الشَّبَهِ رَأْسًا وَقَصْرِ الْجَامِعِ على الْمُخَيَّلِ وَإِمَّا أَنْ يَقْبَلَ من الْمُنَاظِرِ الْجَمِيعَ على الْإِطْلَاقِ وَهَاهُنَا أُمُورٌ ذَكَرَهَا إلْكِيَا أَحَدُهَا أَنَّ هذا كُلَّهُ في غَيْرِ الْمَحْسُوسَاتِ أَمَّا الْمَحْسُوسَاتُ فَقَدْ تَكُونُ صَحِيحَةً مِثْلُ ما نَعْلَمُهُ أَنَّ الْبَرْقَ يَسْتَعْقِبُ صَوْتَ الرَّعْدِ فَلِهَذَا اطَّرَدَ وَغَلَبَ على الظَّنِّ بِهِ الثَّانِي أَنَّ الْخِلَافَ في هذه الْمَسْأَلَةِ لَفْظِيٌّ فإن أَحَدًا لَا يُنْكِرُهُ إذَا غَلَبَ على الظَّنِّ وَأَحَدًا لَا يَتَّبِعُ كُلَّ وَصَفٍّ لَا يَغْلِبُ على الظَّنِّ وَإِنْ أَحَالُوا اطِّرَادًا لَا يَنْفَكُّ عن غَلَبَةِ الظَّنِّ الثَّالِثُ إذَا قُلْنَا بِأَنَّهُ ليس بِحُجَّةٍ فَهَلْ يَجُوزُ التَّعَلُّقُ بِهِ لِدَفْعِ النَّقْضِ أَمْ لَا قال إلْكِيَا فيه تَفْصِيلٌ فَإِنْ كان يَرْجِعُ ما قُيِّدَ الْكَلَامُ بِهِ إلَى تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ بِحُكْمِهَا فَالْكَلَامُ في تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ سَبَقَ وَإِنْ كان التَّقْيِيدُ كما قُيِّدَ بِهِ تَقْيِيدًا بِمَا يَظْهَرُ تَقَيَّدَ من الشَّرْعِ الْحُكْمُ بِهِ وَصُورَةُ النَّقْضِ آيِلَةٌ إلَى اسْتِثْنَاءِ الشَّرْعِ فَلَا يُمْنَعُ من هذا التَّخْصِيصِ كما إذَا عُلِّلَ إيجَابُ الْقِصَاصِ على الْقَاتِلِ فَنُقِضَ بِالْأَبِ فَلَا يُمْنَعَ من هذا التَّخْصِيصِ وَإِنْ كان يَدُلُّ على مَعْنًى في عُرْفِ الْفُقَهَاءِ إلَّا اللُّغَةَ وَذَلِكَ الْمَعْنَى صَالِحٌ لَأَنْ يُجْعَلَ وَصْفًا وَمَنَاطًا لِلْحُكْمِ فَيَجُوزُ دَفْعُ النَّقْضِ بِهِ كَقَوْلِنَا ما لَا يَتَجَزَّأُ في الطَّلَاقِ فَذِكْرُ بَعْضِهِ كَذِكْرِ كُلِّهِ فَلَا يَلْزَمُ عليها النِّكَاحُ فَإِنْ كان النِّكَاحُ يُنْبِئُ في الشَّرْعِ عن خَصَائِصَ وَمَزَايَا في الْقُوَّةِ لَا يُلْغَى في غَيْرِهِ فَيَنْدَفِعُ النَّقْضُ
  374. فَصْلٌ سَاقَ الْغَزَالِيُّ في شِفَاءِ الْعَلِيلِ من كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ هُنَا أَمْرًا حَسَنًا يَنْبَغِي لِلْفَقِيهِ الْإِحَاطَةُ بِهِ فقال قِيَاسُ الطَّرْدِ صَحِيحٌ وَالْمَعْنِيُّ بِهِ التَّعْلِيلُ بِالْوَصْفِ الذي لَا يُنَاسِبُ وقال بِهِ كَافَّةُ الْعُلَمَاءِ كَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَمَنْ شَنَّعَ على الْقَائِلِينَ بِهِ من عُلَمَاءِ الْعَصْرِ الْقَرِيبِ كَأَبِي زَيْدٍ وَأُسْتَاذِي إمَامِ الْحَرَمَيْنِ فَهُمْ من جُمْلَةِ الْقَائِلِينَ بِهِ إلَّا أَنَّ الْإِمَامَ يُعَبِّرُ عن الطَّرْدِ الذي لَا يُنَاسِبُ بِ الشَّبَهِ وَيَقُولُ الطَّرْدُ بَاطِلٌ وَالشَّبَهُ صَحِيحٌ وأبو زَيْدٍ يُعَبِّرُ عن الطَّرْدِ بِ الْمُخَيَّلِ وَعَنْ الشَّبَهِ بِ الْمُؤَثِّرِ وَيَقُولُ الْمُخَيَّلُ بَاطِلٌ وَالْمُؤَثِّرُ صَحِيحٌ وقد بَيَّنَّا بِأَصْلِهِ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْمُؤَثِّرِ ما أَرَدْنَاهُ بِالْمُخَيَّلِ وَسَنُبَيِّنُ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِالشَّبَهِ الْمُنْكِرِينَ لِلطَّرْدِ مُرَادُهُمْ بِالشَّبَهِ ما أَرَدْنَاهُ بِالطَّرْدِ وَأَنَّ الْوَصْفَ يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ مُنَاسِبٌ كما ذَكَرْنَا وهو حُجَّةٌ وِفَاقًا وَمِنْهُمْ من يُلَقِّبُهُ بِالْمُؤَثِّرِ وَيُنْكِرُ الْمُخَيَّلَ وَغَيْرُ الْمُنَاسِبِ أَيْضًا حُجَّةٌ إذَا دَلَّ عليه الدَّلِيلُ وَمِنْهُمْ من يُلَقِّبُهُ بِالشَّبَهِ حتى يُخَيَّلَ أَنَّهُ غَيْرُ الطَّرْدِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ قال وَلَقَدْ عز على بَسِيطِ الْأَرْضِ من يُحَقِّقُ الشَّبَهَ ثُمَّ قال فَنَقُولُ اخْتَلَفَ الناس في الطَّرْدِ وَالْعَكْسِ وَالشَّبَهِ فَمِنْهُمْ من قال بِهِمَا وَمِنْهُمْ من أَنْكَرَهُمَا وَمِنْهُمْ من قال بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ وَنَحْنُ نَقُولُ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ الْقَوْلُ بِهِمَا جميعا فَإِنَّهُمْ قالوا بِالشَّبَهِ وهو أَضْعَفُ من الْقَوْلِ بِالطَّرْدِ وَالْعَكْسِ قال وقد عَلَّلَ بِهِ الْفُقَهَاءُ كَافَّةً سُقُوطَ التَّكْرَارِ في مَسْحِ الْخُفِّ وَشَرْعِيَّتِهِ في غَسْلِ الْأَعْضَاءِ فقال أبو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ في مَسْحِ الرَّأْسِ إنَّهُ مَسْحٌ فَلَا يَكُونُ كَمَسْحِ الْخُفِّ وقال الشَّافِعِيُّ أَصْلٌ في الطَّهَارَةِ فَكُرِّرَ كَالْغَسْلِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا طَرْدٌ مَحْضٌ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ طَهَارَتَانِ فَأَنَّى تَفْتَرِقَانِ قال وَاَلَّذِي يَدُلُّ على أَنَّ الشَّافِعِيَّ لم يَذْهَبْ في التَّعْلِيلِ مَسْلَكَ الْإِخَالَةِ فَصْلٌ ذَكَرَهُ في كِتَابِ الرِّسَالَةِ وقد نَقَلْنَاهُ بِلَفْظِهِ قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قال اللَّهُ تَعَالَى وَالْوَالِدَاتُ يَرْضِعْنَ الْآيَةَ وَأَمَرَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم هِنْدًا أَنْ تَأْخُذَ من مَالِ أبي سُفْيَانَ ما يَكْفِيهَا وَوَلَدَهَا فَكَانَ الْوَلَدُ من الْوَالِدِ فَأُجْبِرَ على
  375. صَلَاحِهِ في الْحَالِ التي لَا يُغْنِي فيها عن نَفْسِهِ وكان الْأَبُ إذَا بَلَغَ أَنْ لَا يُغْنِيَ عن نَفْسِهِ بِكَسْبٍ وَلَا مَالٍ فَعَلَى وَلَدِهِ صَلَاحُهُ في نَفَقَتِهِ وَكِسْوَتِهِ قِيَاسًا على الْوَالِدِ ولم يَضَعْ شيئا هو منه كما لم يَكُنْ لِلْوَالِدِ ذلك وَالْوَالِدُ وَإِنْ بَعُدَ وَالْوَلَدُ وَإِنْ سَفَلَ في هذا الْمَعْنَى فَقُلْنَا يُنْفِقُ على كل مُحْتَاجٍ منهم غَيْرِ مُحْتَرِفٍ وَلَهُ النَّفَقَةُ على الْغَنِيِّ الْمُحْتَرِفِ وَذَكَرَ حُكْمَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بِأَنَّ الْغَلَّةَ بِالضَّمَانِ فقال وَكَأَنَّ الْغَلَّةَ لم تَقَعْ عليها صَفْقَةُ الْبَيْعِ فَيَكُونُ لها حِصَّةٌ في الثَّمَنِ فَكَانَتْ في مِلْكِ الْمُشْتَرِي في الْوَقْتِ الذي لو فَاتَ فيه الْعَقْدُ فَاتَ في مَالِهِ فَدَلَّ أَنَّهُ إنَّمَا جَعَلَهَا له لِأَنَّهُ حَادِثَةٌ في مِلْكِهِ وَضَمَانِهِ فَقُلْنَا كَذَلِكَ في ثَمَرِ النَّخِيلِ وَلَبَنِ الْمَاشِيَةِ وَصُوفِهَا وَأَوْلَادِهَا وَوَلَدِ الْجَارِيَةِ وَكُلِّ ما حَدَثَ في مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَضَمَانِهِ وَكَذَلِكَ وَطْءُ الْأَمَةِ الثَّيِّبِ وَخِدْمَتِهَا وَنَهَى النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم عن الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ بِالْوَرِقِ وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ فلما حَرَّمَ النبي عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هذه الْأَصْنَافَ الْمَأْكُولَةَ التي يَشِحُّ الناس عليها حين بَاعُوهَا كَيْلًا لِمَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُبَاعَ منها شَيْءٌ بمثله دَيْنًا وَالْآخَرُ زِيَادَةُ أَحَدِهِمَا على الْآخَرِ نَقْدًا كان كما كان في مَعْنَاهَا فَحَرَّمْنَا قِيَاسًا عَلَيْهِمَا فَكَذَلِكَ كُلُّ ما أُكِلَ مِمَّا اُبْتِيعَ مَوْزُونًا وَالْوَزْنُ وَالْكَيْلُ في ذلك سَوَاءٌ وَذَلِكَ كَالْعَسَلِ وَالزَّبِيبِ وَالسَّمْنِ وَالسُّكَّرِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُكَالُ وَيُوزَنُ وَيُبَاعُ مَوْزُونًا ولم يُقَسْ الْمَوْزُونُ على الْمَوْزُونِ من الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ لَأَنْ يَجُوزَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ نَقْدًا عَسَلًا وَسَمْنًا إلَى أَجَلٍ وَلَوْ قِيسَ عليه لم يَجُزْ إلَّا يَدًا بِيَدٍ كَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَيُقَاسُ بِهِ ما كان في مَعْنَاهُ من الْمَأْكُولِ وَالْمَوْزُونِ لِأَنَّهُ يُعْتَادُ الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ قال الْغَزَالِيُّ هذا كُلُّهُ نَقَلْنَاهُ من لَفْظِ الشَّافِعِيِّ فَلْيَتَأَمَّلْ الْمُنْصِفُ لِيَعْرِفَ كَيْفَ عَلَّلَ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ ما لَا يُنَاسِبُ ذَاهِبًا إلَى أَنَّ الْمُشَارِكَ له في هذه الْأَوْصَافِ في مَعْنَاهُ غير مُعَرِّجٍ على الْمُنَاسَبَةِ وَالْإِيمَاءِ وَنَقَلَ أبو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ من لَفْظِ ابْنِ سُرَيْجٍ في سِيَاقِ كَلَامٍ له في تَصْحِيحِ التَّعْلِيلِ بِالِاطِّرَادِ وَالسَّلَامَةِ عن النَّوَاقِضِ فَصْلًا وهو قَوْلُهُ قُلْت فَإِنْ قال قَائِلٌ إذَا ادَّعَيْتُمْ أَنَّ الْعِلَلَ تُسْتَخْرَجُ وَتَصِحُّ بِالسَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ وَالِاطِّرَادِ في مَعْلُولَاتِهَا فَإِنْ عَارَضَهَا أَصْلٌ يَدْفَعُهَا عُلِمَ فَسَادُهُ وَإِنْ لم يُعَارِضْهَا أَصْلٌ صَحَّتْ فَأَخْبِرُونِي إذَا انْتَزَعْتُمْ عِلَّةً من
  376. أَصْلٍ فَانْتَزَعَ مُخَالِفُوكُمْ عِلَّةً أُخْرَى فَخَبِّرُونَا ما جَعَلَ عِلَّتَكُمْ أَوْلَى فَإِنْ أَحَلْتُمْ ذلك أَرَيْنَاكُمْ زَعَمَ الْعِرَاقِيُّ عِلَّةَ الْبُرِّ أَنَّهُ مَكِيلٌ فإن ذلك لَا يُنْكَرُ وَزَعَمَ الشَّافِعِيُّ أنها الْأَكْلُ دُونَ الْكَيْلِ فَنَقُولُ إنَّا تَرَكْنَا جَعْلَ كل وَاحِدٍ من هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ عِلَّةً لِأَنَّهُ يُخْرِجُنَا من قَوْلِ الْعُلَمَاءِ الذي احْتَجْنَا إلَى تَرْجِيحِ قَوْلِ بَعْضِهِمْ على بَعْضٍ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ اقْتَصَرَ على الْأَكْلِ وَالْعِرَاقِيَّ على الْكَيْلِ فَرَجَّحْنَا هذه على تِلْكَ فَإِنَّا وَجَدْنَا الْكَيْلَ مَعْنَاهُ مَعْنَى الْوَزْنِ وَوَجَدْنَا ما حُرِّمَ من الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لَا يَدُلُّ على تَحْرِيمِ الْمَوْزُونَاتِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الذَّهَبَ لَا يَجُوزُ بِالْوَرِقِ نَسِيئَةً وَيَجُوزُ الذَّهَبُ بِالْمَوْزُونَاتِ نَسِيئَةً وَقَرَّرَ هذا الْكَلَامَ ثُمَّ قال دَلَّ هذا على أَنَّ الشَّيْءَ حَرَامٌ لِمَعْنًى فيه كَالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَأَنَّهَا أَصْلُ النَّقْدَيْنِ وَقِيَمُ الْمُسْتَهْلَكَاتِ وَمِنْهُمَا فَرْضُ الزَّكَوَاتِ فلم يَحْرُمَا لِأَنَّ هَاهُنَا أَمْرًا يُعْرَفُ بِهِ مِقْدَارُهُمَا وهو الْوَزْنُ بَلْ لِمَا فِيهِمَا من مَنَافِعِ الناس التي يُعَدُّ لَهُمَا فيها شَيْءٌ سِوَاهُمَا من التَّقَلُّبِ وَالنَّقْدِ الذي إلَيْهِ تَرْجِعُ الْمُعَامَلَةُ الدَّائِرَةُ بين الناس وَكَذَلِكَ الْبُرُّ وَالشَّعِيرُ إنَّمَا حُرِّمَا لِأَنَّهُمَا الْأَقْوَاتُ وَالْمَعَاشُ وَالْغِذَاءُ وَالطَّعَامُ ثُمَّ جُرِّدَ من ذلك كُلِّهِ الْأَكْلُ كان أَعَمَّ الْأُمُورِ وقد ضُمَّ إلَيْهَا في قَوْلٍ لِأَصْحَابِنَا أَجْزَاءُ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في كِتَابِ الْبُيُوعِ الْقَدِيمِ وَرُوِيَ عن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قال لَا رِبًا إلَّا في ذَهَبٍ أو وَرِقٍ وما يُكَالُ أو يُوزَنُ مِمَّا يُؤْكَلُ أو يُشْرَبُ وَقَوْلُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ في هذا أَصَحُّ الْأَقَاوِيلِ قال الْغَزَالِيُّ فَهَذَا جُمْلَةُ ما أَرَدْنَا نَقْلَهُ من لَفْظِ الشَّافِعِيِّ وَابْنِ سُرَيْجٍ لِنُبَيِّنَ أَنَّ أَرْبَابَ الْمَذَاهِبِ بِأَجْمَعِهِمْ ذَهَبُوا إلَى جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِالْوَصْفِ الذي لَا يُنَاسِبُ من غَيْرِ اسْتِنَادٍ إلَى إيمَاءٍ وَنَصٍّ وَمُنَاسَبَةٍ قال وَالْفَرْضُ الْآنَ أَنْ نُبَيِّنَ نَقْلًا عن عُلَمَاءِ الشَّرْعِ كَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ الْقَوْلَ بِالْوَصْفِ الذي لَا يُنَاسِبُ وَتَسْمِيَتَهُمْ ذلك عِلَّةً وَكَذَلِكَ تَعْلِيلُ النَّقْدَيْنِ بِالنَّقْدِيَّةِ الْقَاصِرَةِ تَدُلُّ على أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَا يَقْتَصِرُ على التَّشْبِيهِ إذْ التَّشْبِيهُ إنَّمَا يَقُومُ من فَرْعٍ وَأَصْلٍ وَلَا فَرْعَ لِهَذَا الْأَصْلِ
  377. الْمَسْلَكُ الْعَاشِرُ تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ وَالتَّنْقِيحُ هو التَّهْذِيبُ وَالتَّمْيِيزُ وَكَلَامٌ مُنَقَّحٌ أَيْ لَا حَشْوَ فيه وَالْمَنَاطُ هو الْعِلَّةُ قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ وَتَعْبِيرُهُمْ بِالْمَنَاطِ عن الْعِلَّةِ من بَابِ الْمَجَازِ اللُّغَوِيِّ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَمَّا عُلِّقَ بها كان كَالشَّيْءِ الْمَحْسُوسِ الذي تَعَلَّقَ بِغَيْرِهِ فَهُوَ مَجَازٌ من بَابِ تَشْبِيهِ الْمَعْقُولِ بِالْمَحْسُوسِ وَصَارَ ذلك في اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ بِحَيْثُ لَا يُفْهَمُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ غَيْرُهُ وَلَمَّا كانت هذه الْعِلَّةُ مَنْصُوصًا عليها وَلَكِنَّهَا تَخْتَلِطُ بِغَيْرِهَا مُحْتَاجَةً إلَى ما يُمَيِّزُهَا لَقَّبُوهُ بهذا اللَّقَبِ وهو أَنْ يَدُلَّ ظَاهِرٌ على التَّعْلِيلِ بِوَصْفٍ مَذْكُورٍ مع غَيْرِهِ مِمَّا لَا مَدْخَلَ له في التَّأْثِيرِ لِكَوْنِهِ طَرْدِيًّا أو مُلْغًى فَيُنَقَّحُ حتى يُمَيَّزَ الْمُعْتَبَرَ وَيَجْتَهِدُ في تَعْيِينِ السَّبَبِ الذي أَنَاطَ الشَّارِعُ الْحُكْمَ بِهِ وَأَضَافَهُ إلَيْهِ بِحَذْفِ غَيْرِهِ من الْأَوْصَافِ عن دَرَجَةِ الِاعْتِبَارِ وَحَاصِلُهُ إلْحَاقُ الْفَرْعِ بِالْأَصْلِ بِإِلْغَاءِ الْفَرْقِ بِأَنْ يُقَالَ لَا فَرْقَ بين الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ إلَّا كَذَا وَكَذَا وَذَلِكَ لَا مَدْخَلَ له في الْحُكْمِ أَلْبَتَّةَ فَيَلْزَمُ اشْتِرَاكُهُمَا في الْحُكْمِ لِاشْتِرَاكِهِمَا في الْمُوجِبِ له كَقِيَاسِ الْأَمَةِ على الْعَبْدِ في السِّرَايَةِ فإنه لَا فَارِقَ بَيْنَهُمَا إلَّا الذُّكُورَةُ وهو مُلْغًى بِالْإِجْمَاعِ إذْ لَا مَدْخَلَ له في الْعِلِّيَّةِ وَسَمَّاهُ الْحَنَفِيَّةُ الِاسْتِدْلَالَ وَأَجْرَوْهُ في الْكَفَّارَاتِ وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِيَاسِ بِأَنَّ الْقِيَاسَ ما أُلْحِقَ فيه بِذِكْرِ الْجَامِعِ الذي لَا يُفِيدُ إلَّا غَلَبَةَ الظَّنِّ والاستدلال ما يَكُونُ الْإِلْحَاقُ فيه بِإِلْغَاءِ الْفَارِقِ الذي يُفِيدُ الْقَطْعَ حتى أَجْرَوْهُ مَجْرَى الْقَطْعِيَّاتِ في النَّسْخِ وَجَوَّزُوا الزِّيَادَةَ على النَّصِّ ولم يُجَوِّزُوا نَسْخَهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ قال الْهِنْدِيُّ وَالْحَقُّ أَنَّ تَنْقِيحَ الْمَنَاطِ قِيَاسٌ خَاصٌّ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ مُطْلَقِ الْقِيَاسِ وهو عَامٌّ يَتَنَاوَلُهُ وَغَيْرَهُ وَكُلٌّ مِنْهُمَا قد يَكُونُ ظَنِّيًّا وهو الْأَكْثَرُ وَقَطْعِيًّا لَكِنَّ حُصُولَ الْقَطْعِ فِيمَا فيه الْإِلْحَاقُ بِإِلْغَاءِ الْفَارِقِ أَكْثَرُ من الذي الْإِلْحَاقُ فيه بِذِكْرِ الْجَامِعِ لَكِنْ ليس ذلك فَرْقًا في الْمَعْنَى بَلْ في الْوُقُوعِ وَحِينَئِذٍ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا في الْمَعْنَى وقال الْغَزَالِيُّ تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ يقول بِهِ أَكْثَرُ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ وَلَا نَعْرِفُ بين الْأُمَّةِ خِلَافًا في جَوَازِهِ وَنَازَعَهُ الْعَبْدَرِيّ بِأَنَّ الْخِلَافَ فيه ثَابِتٌ بين من يُثْبِتُ الْقِيَاسَ وَيُنْكِرُهُ لِرُجُوعِهِ إلَى الْقِيَاسِ وقال الْإِبْيَارِيُّ هو خَارِجٌ عن الْقِيَاسِ وَكَأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى تَأْوِيلِ الظَّوَاهِرِ وَلِهَذَا أَنْكَرَ أبو حَنِيفَةَ الْقِيَاسَ في الْكَفَّارَاتِ وقال إنَّ الْكَفَّارَةَ خَرَجَتْ
  378. على الْأَصْلِ وقال ابن رَحَّالٍ إنْ كان الْمَقْصُودُ بِالتَّنْقِيحِ تَعْلِيلَ الْحُكْمِ في حَقِّ شَخْصٍ كما في حديث الْمُجَامِعِ فَالْأَمْرُ كما قال الْحَنَفِيَّةُ وَلَا يَكُونُ إثْبَاتُ الْحُكْمِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا يُسْتَعْمَلُ في حَقِّ الْأَشْخَاصِ بَلْ تَكُونُ التَّعْدِيَةُ بِقَوْلِهِ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حُكْمِي على الْوَاحِدِ حُكْمِي على الْجَمَاعَةِ وَإِنْ كان الْمَقْصُودُ تَعْلِيلًا في وَاقِعَةٍ فَلَيْسَ كما قالوا بَلْ هو من قَبِيلِ الْقِيَاسِ كما في قَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا يَقْضِي الْقَاضِي وهو غَضْبَانُ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَتَعَدَّى من وَاقِعَةٍ إلَى وَاقِعَةٍ بِغَيْرِ الْقِيَاسِ وَيَتَعَدَّى من شَخْصٍ إلَى شَخْصٍ بِغَيْرِ الْقِيَاسِ تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ أَمَّا تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ فَهُوَ أَنْ يَتَّفِقَ على عِلِّيَّةِ وَصْفٍ بِنَصٍّ أو إجْمَاعٍ فَيَجْتَهِدُ في وُجُودِهَا في صُورَةِ النِّزَاعِ كَتَحْقِيقِ أَنَّ النَّبَّاشَ سَارِقٌ وَكَأَنْ يَعْلَمَ وُجُوبَ الصَّلَاةِ إلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَلَكِنْ لَا يُدْرِكُ جِهَتَهَا إلَّا بِنَوْعِ نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّ الْمَنَاطَ وهو الْوَصْفُ عُلِمَ أَنَّهُ مَنَاطٌ وَبَقِيَ النَّظَرُ في تَحْقِيقِ وُجُودِهِ في الصُّورَةِ الْمُعَيَّنَةِ قال الْغَزَالِيُّ وَهَذَا النَّوْعُ من الِاجْتِهَادِ لَا خِلَافَ فيه بين الْأَئِمَّةِ وَالْقِيَاسُ مُخْتَلَفٌ فيه فَكَيْفَ يَكُونُ قِيَاسًا وَنَازَعَهُ الْعَبْدَرِيُّ بِمَا تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ تَخْرِيجُ الْمَنَاطِ وَأَمَّا تَخْرِيجُ الْمَنَاطِ فَهُوَ الِاجْتِهَادُ في اسْتِخْرَاجِ عِلَّةِ الْحُكْمِ الذي دَلَّ النَّصُّ أو الْإِجْمَاعُ عليه من غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِبَيَانِ عِلَّتِهِ أَصْلًا وهو مُشْتَقٌّ من الْإِخْرَاجِ فَكَأَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى أَنَّ اللَّفْظَ لم يَتَعَرَّضْ لِلْمَنَاطِ بِحَالٍ فَكَأَنَّهُ مَسْتُورٌ أُخْرِجَ بِالْبَحْثِ وَالنَّظَرِ كَتَعْلِيلِ تَحْرِيمِ الرِّبَا بِالطُّعْمِ فَكَأَنَّ الْمُجْتَهِدَ أَخْرَجَ الْعِلَّةَ وَلِهَذَا سُمِّيَ تَخْرِيجًا بِخِلَافِ التَّنْقِيحِ فإنه لم يُسْتَخْرَجْ لِكَوْنِهِ مَذْكُورًا في النَّصِّ بَلْ نَقَّحَ الْمَنْصُوصَ وَأَخَذَ منه ما يَصْلُحُ لِلْعِلِّيَّةِ وَتَرَكَ ما لَا يَصْلُحُ قال الْغَزَالِيُّ وَهَذَا الِاجْتِهَادُ الْقِيَاسُ الذي وَقَعَ الْخِلَافُ فيه وقال الْبَزْدَوِيُّ هو الْأَغْلَبُ في مُنَاظَرَاتِهِمْ لِأَنَّهُ بِهِ يَظْهَرُ فِقْهُ الْمَسْأَلَةِ وَتُوَجَّهُ عليه سَائِرُ الْأَسْئِلَةِ
  379. وَالْحَاصِلُ أَنَّ بَيَانَ الْعِلَّةِ في الْأَصْلِ تَخْرِيجُ الْمَنَاطِ وَإِثْبَاتُهُ في الْفَرْعِ تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ أَيْ إذَا ظَنَنَّا أو عَلِمْنَا الْعِلَّةَ ثُمَّ نَظَرْنَا وُجُودَهَا في الْفَرْعِ وَظَنَنَّا تَحْقِيقَ الْمَنَاطِ فَهُوَ تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ أُمُورٌ تَتَّصِلُ بِتَنْقِيحِ الْمَنَاطِ وَهَاهُنَا أُمُورٌ أَحَدُهَا أَنَّ تَنْقِيحَ الْمَنَاطِ ليس دَالًّا على الْعِلِّيَّةِ بِعَيْنِهِ بَلْ هو دَالٌّ على اشْتِرَاكِ الصُّورَتَيْنِ في الْحُكْمِ بِخِلَافِ تَخْرِيجِ الْمَنَاطِ فإنه لَا بُدَّ فيه من تَعْيِينِ الْعِلَّةِ وَالدَّلَالَةِ على عِلِّيَّتِهَا فَلَا يَكُونُ الْأَوَّلُ من طُرُقِ إثْبَاتِ الْعِلَّةِ بِعَيْنِهَا أَصْلًا بَلْ هو من طُرُقِ إلْحَاقِ الْمَسْكُوتِ عنه بِالْمَنْطُوقِ قَالَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ في شَرْحِ الْمَحْصُولِ الثَّانِي ذَكَرَ بَعْضُ الْجَدَلِيِّينَ أَنَّ تَنْقِيحَ الْمَنَاطِ لَا يَكُونُ من قَبِيلِ الْمُؤَثِّرِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ لَا يَسْتَقِرُّ بِالدَّلَالَةِ على كَوْنِهِ عِلَّةً بَلْ يَنْضَمُّ إلَيْهِ دَلِيلُ الْحَذْفِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ من قَبِيلِ الْمُؤَثِّرِ وَاخْتَارَهُ الشَّرِيفُ في جَدَلِهِ لِأَنَّ دَلِيلَ الْحَذْفِ إنَّمَا أَفَادَنَا كَوْنَ الْحَذْفِ غير مُرَادٍ فَأَمَّا كَوْنُ الْبَاقِي مُرَادًا فَإِنَّمَا اسْتَفَدْنَاهُ من الظَّاهِرِ فَكَانَ مُؤَثِّرًا إلَّا أَنَّهُ دُونَ الْمُؤَثِّرِ في الرُّتْبَةِ الثَّالِثُ أَنَّ الْإِمَامَ فَخْرَ الدِّينِ زَعَمَ أَنَّ هذا الْمَسْلَكَ هو مَسْلَكُ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ فَلَا يَحْسُنُ عَدُّهُ نَوْعًا آخَرَ وَلَيْسَ كما قال بَلْ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحَصْرَ في دَلَالَةِ السَّبْرِ لِتَعْيِينِ الْعِلَّةِ إمَّا اسْتِقْلَالًا أو اعْتِبَارًا وفي نَفْيِ الْفَارِقِ لِتَعْيِينِ الْفَارِقِ وَإِبْطَالِهِ لَا لِتَعْيِينِ الْعِلَّةِ بَلْ هو نَقِيضُ قِيَاسِ الْعِلَّةِ لِأَنَّ الْقِيَاسَ هُنَاكَ عَيَّنَ جَامِعًا بين الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ وَعَيَّنَ هُنَا الْفَارِقَ بَيْنَهُمَا تَنْبِيهٌ عَدَّ صَاحِبُ الْمُقْتَرَحِ من الْمَسَالِكِ نَفْيَ الْفَارِقِ بِأَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْفَرْعَ لم يُفَارِقْ الْأَصْلَ إلَّا فِيمَا لَا يُؤَثِّرُ فَيَلْزَمُ اشْتِرَاكُهُمَا في الْمُؤَثِّرِ كَالسِّرَايَةِ في الْأَمَةِ قِيَاسًا على الْعَبْدِ وهو عَجِيبٌ فإنه لَا يَدُلُّ على أَنَّ الْوَصْفَ الْمُعَيَّنَ عِلَّةٌ وَإِنَّمَا يَدُلُّ على أَنَّ عِلَّةَ الْأَصْلِ من حَيْثُ الْجُمْلَةُ مُتَحَقِّقَةٌ في الْفَرْعِ من غَيْرِ تَعْيِينٍ وَلِهَذَا لم يُعِدَّهُ أَحَدٌ من الْجَدَلِيِّينَ من مَسَالِكِ التَّعْلِيلِ وهو قَرِيبٌ من السَّبْرِ إلَّا أَنَّهُ في السَّبْرِ يَبْطُلُ الْجَمْعُ إلَّا وَاحِدًا وفي نَفْيِ الْفَارِقِ يَبْطُلُ وَاحِدٌ فَتَتَعَيَّنُ الْعِلَّةُ بين الْبَاقِي وَالْبَاقِي مَوْجُودٌ في الْفَرْعِ فَيَلْزَمُ اشْتِمَالُهُ على الْعِلَّةِ ثُمَّ على أَصْلِهِ وَلَا بُدَّ فيه من تَفْصِيلٍ فَإِنْ كانت مُقَدِّمَاتُهُ قَطْعِيَّةً فَهُوَ صَحِيحٌ أو ظَنِّيَّةً لم يَصِحَّ لِأَنَّ الْقَطْعَ بِتَحْقِيقِ الْمَنَاطِ في الْفَرْعِ لم يَحْصُلْ وهو شَرْطٌ عِنْدَهُ
  380. وَعَدَّ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ من طُرُقِ الْعِلَّةِ أَنْ لَا يَجِدَ الدَّلِيلَ على عَدَمِ عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ فقال ليس على الْقَائِسِ إذَا لم يَجِدْ شيئا مِمَّا قَدَّمْنَاهُ إلَّا أَنْ يَعْرِضَ الْعِلَّةَ التي اسْتَنْبَطَهَا على مُبْطِلَاتِ التَّعْلِيلِ فَإِنْ لم يَجِدْ قَادِحًا وَعَرَضَهَا على أُصُولِ الشَّرِيعَةِ فلم يَجِدْ فيها ما يُنَافِي عِلَّتَهُ فَيَحْكُمُ بِسَلَامَةِ الْعِلَّةِ حِينَئِذٍ وَأَطْنَبَ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ في تَغْلِيطِهِ وقال هذا بَاطِلٌ لَا أَصْلَ له وَقُصَارَاهُ الِاكْتِفَاءُ بِدَعْوَى مُجَرَّدَةٍ وَالِاكْتِفَاءُ على صِحَّةِ الْعِلَّةِ بِعَدَمِ الدَّلِيلِ على فَسَادِهَا فَلِمَ يُنْكِرُ على الْقَائِلِ أنها تَفْسُدُ بِعَدَمِ الدَّلَالَةِ على صِحَّتِهَا فَإِنْ قال عَدَمُ دَلَالَةِ الْفَسَادِ دَلَالَةُ صِحَّتِهَا قِيلَ عَدَمُ الدَّلَالَةِ على صِحَّتِهَا دَلَالَةٌ على فَسَادِهَا فَتَقَابَلَ الْقَوْلَانِ وَتَجَدَّدَ دَعْوَى الْخَصْمِ وقد عَدَّ بَعْضُهُمْ من طُرُقِ الْعِلَّةِ أَنْ يُقَالَ هذا الْوَصْفُ على تَقْدِيرِ عَدَمِ عِلِّيَّتِهِ لَا يَأْتِي معه ذلك فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً لِيُمْكِنَ الْإِتْيَانُ معه بِالْمَأْمُورِ بِهِ وهو دَوْرٌ لِأَنَّ تَأَتِّي الْقِيَاسِ يَتَوَقَّفُ على ثُبُوتِ الْعِلَّةِ فَلَوْ أَثْبَتْنَا الْعِلَّةَ بِهِ لَتَوَقَّفَ ثُبُوتُ الْعِلَّةِ عليه وَلَزِمَ الدَّوْرُ
  381. الِاعْتِرَاضَاتُ اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ ما يُورِدُهُ الْمُعْتَرِضُ على كَلَامِ الْمُسْتَدِلِّ يُسَمَّى اعْتِرَاضًا لِأَنَّهُ اعْتَرَضَ لِكَلَامِهِ وَمَنَعَهُ من الْجَرَيَانِ قال صَاحِبُ خُلَاصَةِ الْمَآخِذِ الِاعْتِرَاضُ عِبَارَةٌ عن مَعْنًى لَازِمُهُ هَدْمُ قَاعِدَةِ الْمُسْتَدِلِّ وهو جَامِعٌ مَانِعٌ ثُمَّ حَصَرَهُ في عَشَرَةِ أَنْوَاعٍ وقال ما عَدَاهُ دَاخِلٌ فيه فَسَادُ الْوَضْعِ فَسَادُ الِاعْتِبَارِ عَدَمُ التَّأْثِيرِ الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ النَّقْضُ الْقَلْبُ الْمَنْعُ التَّقْسِيمُ الْمُطَالَبَةُ الْمُعَارَضَةُ قال وَالْكُلُّ مُخْتَلَفٌ فيه إلَّا الْمَنْعَ وَالْمُطَالَبَةَ مع أَنَّ فيه خِلَافًا شَاذًّا وَخَالَفَ في الْمَنْعِ غَيْرُ وَاحِدٍ من الْأَئِمَّةِ وهو الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ الْعَنْبَرِيُّ على حَسَبِ ما سَمِعْته من الْقَاضِي الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ أَحْمَدَ الْخَطَّابِيِّ انْتَهَى وَتَنْقَسِمُ في الْأَصْلِ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مُطَالَبَاتٌ وَقَوَادِحُ وَمُعَارَضَةٌ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَتَضَمَّنَ تَسْلِيمَ مُقَدَّمَاتِ الدَّلِيلِ أو لَا وَالْأَوَّلُ الْمُعَارَضَةُ وَالثَّانِي إمَّا أَنْ يَكُونَ جَوَابُهُ ذلك الدَّلِيلَ أو لَا وَالْأَوَّلُ الْمُطَالَبَةُ وَالثَّانِي الْقَادِحُ وقد أَطْنَبَ الْجَدَلِيُّونَ فيها لِاعْتِمَادِهِمْ إيَّاهَا وَمِنْهُمْ من أَنْهَاهَا إلَى الثَّلَاثِينَ وَغَالِبُهَا يَتَدَاخَلُ وَأَعْرَضَ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ عن ذِكْرِهَا في أُصُولِ الْفِقْهِ وَزَعَمَ أنها كَالْعِلَاوَةِ عليه وَأَنَّ مَوْضِعَ ذِكْرِهَا عِلْمُ الْجَدَلِ وَذَكَرَهَا جُمْهُورُ الْأُصُولِيِّينَ لِأَنَّهَا من مُكَمِّلَاتِ الْقِيَاسِ الذي هو من أُصُولِ الْفِقْهِ وَمُكَمِّلُ الشَّيْءِ من ذلك الشَّيْءِ وَلِهَذِهِ الشُّبْهَةِ أَكْثَرَ قَوْمٌ من ذِكْرِ الْمَنْطِقِ وَالْعَرَبِيَّةِ وَالْأَحْكَامِ الْكَلَامِيَّةِ لِأَنَّهَا من مَوَادِّهِ وَمُكَمِّلَاتِهِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ ليس الْمُرَادُ من وُرُودِهَا على الْقِيَاسِ أنها تَرِدُ على كل قِيَاسٍ لِأَنَّ من الْأَقْيِسَةِ ما لَا يَرِدُ عليه بَعْضُهَا كَالْقِيَاسِ مع عَدَمِ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ لَا يَتَّجِهُ عليه فَسَادُ الِاعْتِبَارِ إلَّا من ظَاهِرِيٍّ وَنَحْوِهِ مِمَّنْ يُنْكِرُ الْقِيَاسَ وَاللَّفْظُ الْبَيِّنُ لَا يَرِدُ عليه الِاسْتِفْسَارُ وَعَلَى هذا يُمْكِنُ تَخَلُّفُ كل وَاحِدٍ من الْأَسْئِلَةِ على الْبَدَلِ عن بَعْضِ الْأَقْيِسَةِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ الْوَارِدَةَ على الْقِيَاسِ لَا تَخْرُجُ عن هذه الطُّرُقِ وَنَظِيرُ هذا قَوْلُ أَهْلِ التَّصْرِيفِ إنَّ حُرُوفَ الزِّيَادَةِ هِيَ سَأَلْتُمُونِيهَا على مَعْنَى أَنَّ الْحُرُوفَ الزَّائِدَةَ على أُصُولِ مَوَادِّ الْكَلِمَةِ لَا تَزِيدُ على هذه لَا أَنَّ هذه الْحُرُوفَ حَيْثُ وَقَعَتْ كانت زَائِدَةً لِأَنَّ كَثِيرًا منها وَقَعَ أُصُولًا فَاعْرِفْهُ وما ذَكَرْنَاهُ من انْقِسَامِهَا إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ ذَكَرَهُ الْمُتَقَدِّمُونَ وقال الْمُتَأَخِّرُونَ تَرْجِعُ إلَى اثْنَيْنِ الْمَنْعِ وَالْمُعَارَضَةِ لِأَنَّهُ
  382. مَتَى حَصَلَ الْجَوَابُ عن الْمَنْعِ وَالْمُعَارَضَةِ تَمَّ الدَّلِيلُ ولم يَبْقَ لِلْمُعْتَرِضِ مَجَالٌ فَإِنْ قِيلَ الْقَوْلُ بِرُجُوعِهَا إلَى الْمَنْعِ وَالْمُعَارَضَةِ مَمْنُوعٌ لِأَنَّ الْمُعَارَضَةَ من جُمْلَةِ الِاعْتِرَاضَاتِ فَيُؤَدِّي إلَى انْقِسَامِ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ وَإِلَى غَيْرِهِ وَإِلَى أَنَّ الشَّيْءَ يَكُونُ دَاخِلًا تَحْتَ نَفْسِهِ ضَرُورَةَ لُزُومِ انْدِرَاجِ الْمُعَارَضَةِ تَحْتَ الْمُعَارَضَةِ قُلْنَا إذَا كان الْمُنْقَسِمُ إلَى هذه الْأَقْسَامِ هو مُطْلَقُ الْمُعَارَضَةِ وَمُطْلَقُ الْمَنْعِ لَا يَلْزَمُ ذلك لِأَنَّ الْأَعَمَّ لَا يَسْتَلْزِمُ الْأَخَصَّ
  383. الأول النقض وقدمناه وإن كان من آخر الأسئلة لكثرة جريانه في المناظرات وبالجواب عنه يبين الجمع بين الأحكام المتضادة ويندفع تعارضها وهو تخلف الحكم مع وجود العلة ولو في صورة فإن كان في المناظرة اشترط في صحته اعتراف المستدل بذلك وتسميته نقضا صحيح عند من رآه قادحا وأما من لم يره قدحا فلا يسميه نقضا بل يقول بتخصيص العلة وقد بالغ أبو زيد في الرد على من يسميه نقضا كقولنا فيمن لم يبيت النية صوم تعرى أوله عن النية فلا يصح فيقال فينتقض بصوم التطوع واعلم أولا أن العلة إما منصوصة قطعا أو ظنا أو مستنبطة وتخلف الحكم عنها إما لمانع أو فوات شرط أو دونهما فصارت الصور تسعا من ضرب ثلاثة في ثلاثة وقد اختلفوا فيه على بضعة عشر مذهبا طرفان والباقي أوساط أحدها أنه يقدح في الوصف المدعى عليته مطلقا سواء كانت العلة منصوصة أو مستنبطة وسواء كان الحكم لمانع أو لا لمانع وهو مذهب المتكلمين منهم الأستاذ أبو إسحاق كما حكاه إمام الحرمين وهو اختيار أبي الحسين البصري والإمام الرازي وعليه أكثر أصحابنا ونسبوه إلى الشافعي ورجحوا أنه مذهب الشافعي على غيره لأن علله سليمة عن الانتقاض جارية على مقتضاها وأن النقض يشبه تجريح البينة المعدلة واختاره القاضيان أبو بكر وعبد الوهاب من المالكية والثاني لا يقدح مطلقا في كونها علة فيما وراء محل النقض ويتعين تقدير مانع أو تخلف شرط وعليه أكثر أصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد وقال الباجي حكاه القاضي والشافعية عن أصحاب مالك ولم أر أحدا من أصحابنا أقر به ولا نصره ووجهه أن العلة بالنسبة إلى محالها ومواردها كالعموم اللفظي بالنسبة إلى موضوعاتها فكما جاز تخصيص العموم اللفظي وإخراج بعض ما تناوله فكذلك في العلة وفرق الأولون
  384. بينه وبين العام بأن العلة مستلزمة للمعلول إذ هو معناها فإذا انتفى الاستلزام فقد انتفى لازم العلة فتنتفي العلية وهذا مفارق العام لأن العام إما أن ينظر فيه إلى الدلالة الوضعية وتلك لا تنتفي بالتخصيص وإما أن ينظر فيه إلى الإرادة للباقي والثالث لا يقدح في المنصوصة ويقدح في المستنبطة واختاره القرطبي وحكاه إمام الحرمين عن المعظم فقال ذهب معظم الأصوليين إلى أن النقض يبطل العلة المستنبطة ثم قال مسألة علة الشارع هل يرد عليها ما يخالف طردها ذهب الأكثرون إلى أن ذلك غير ممتنع لأنه لا يعرض له في التخصيص بخلاف المستنبطة فإن مستنده ظني وإذا تباعد ما استنبطه عن الجريان ضعفت مسالك ظنه وليس له أن يحكم بتخصيص العلة وقال في المحصول زعم الأكثرون أن علية الوصف إذا ثبتت بالنص لم يقدح التخصيص في عليته والمراد بالمنصوصة عند هؤلاء أن تكون منصوصة بالصريح أو بالإيماء أو بالإجماع كما نقله صاحب التنقيح وحكى بعض المناظرين قولا أنه لا يقدح في المنصوصة بنص قطعي ويقدح فيما عدا ذلك والرابع يبطل المنصوصة دون المستنبطة عكس ما قبله حكاه ابن رحال في شرح المقترح وينبغي حمله على المنصوصة بغير قطعي والخامس لا يقدح في المستنبطة إذا كان لمانع أو شرط ويقدح في المنصوصة حكاه ابن الحاجب وقد أنكروه عليه وقالوا لعله فهم من كلام الآمدي وعند التأمل يندفع من كلامه وقد حكاه ابن رحال أيضا في شرح المقترح والسادس لا يقدح حيث وجد مانع مطلقا سواء كانت العلة منصوصة أو مستنبطة فإن لم يكن مانع قدح واختاره البيضاوي والهندي وفقد الشرط ملحق بالمانع والسابع يجوز في المستنبطة في صورتين ولا يقدح فيهما وهما ما إذا كان التخلف لمانع أو انتفاء شرط ولا يجوز في صورة واحدة ويقدح فيها وهي ما إذا كان التخلف دونهما وأما المنصوصة فإن كان النص ظنيا وقدر مانع أو فوات شرط جاز وإن كان قطعيا لم يجز أي لم يمكن وقوعه لأن الحكم لو تخلف لتخلف الدليل وهو لا يمكن أن يكون قطعيا لاستحالة تعارض القطعيين إلا أن يكون أحدهما ناسخا لا ظنيا لأن الظني لا يعارض القطعي وهذا اختيار ابن الحاجب وهو قريب من تفصيل الآمدي وحاصله أنه لا يقدح في المنصوصة إلا بظاهر عام ولا في المستنبطة إلا لمانع أو فقد شرط والمنع ظاهر في النص القطعي إذا لم يكن مانع ولا فوات شرط
  385. فإن كان فلا وجه للمنع إذا كان ذلك المانع أو الشرط عليه دليل لأنه حينئذ يكون مخصصا للنص القطعي إلا أن يقدروا أن دلالة النص على جميع أفراده قطعية لأنه حينئذ لا يمكن التخلف والثامن حكاه القاضي عن بعض المعتزلة أنه يجوز تخصيص علة الحل والوجوب ونحوها مما لا يكون حظرا قال وحملهم على ذلك قولهم لا تصح التوبة عن قبيح مع الإصرار على قبيح ويصح الإقدام على عبادة مع ترك أخرى والتاسع إن انتقضت على أصل من نصب عليته لم يلزمه بها الحكم وإن اطردت على أصل من أوردها ألزم حكاه الأستاذ أبو إسحاق عن بعض المتأخرين قال وهو حشو من الكلام لولا أنه أودع كتابا مستعملا لكان تركه أولى والعاشر أنه يمنع المستدل من الاستدلال بالمنقوض ولا يدل على فساده لأن الدليل قد يكون صحيحا وينقضه المستدل به على نفسه ولا يكون انتقاضه على أصله دليلا على فساد دليله في نفسه حكاه الأستاذ أبو منصور والحادي عشر إن كانت العلة مؤثرة لم يرد النقض عليها لأن تأثيرها لا يثبت إلا بدليل مجمع عليه ومثله لا ينقض وإنما تجيء المناقضة على الطرد حكاه ابن السمعاني عن أبي زيد ورده بأن النقض يثير فقد تأثير العلة والثاني عشر وهو اختيار إمام الحرمين إن كانت العلة مستنبطة فإن اتجه فرق بين محل التعليل وبين صورة النقض بطلت عليته لكون المذكور أولا جزءا من العلة وليست علة تامة وإن لم يتجه فرق بينهما فإن لم يكن الحكم مجمعا عليه أو ثابتا بمسلك قاطع سمعي بطلت عليته أيضا فإنه مناقض بها وتارك للوفاء بحكم العلة وإن طرد مسألة إجماعية لا فرق بينها وبين محل العلة فهو موضع التوقف فإن كان الحكم الثابت فيها على مناقضة علية العلل تعللا بعلة معنوية جارية فورودها ينقض العلة من جهة أنها منعت العلة من الجريان وعارضها تقصير وهي آكد في الإبطال من المعارضة فإن علة المعارضة لا تعرض لعلة المستدل وهذه متعرضة لها هذا رأيه في المستنبطة وحاصله أن النقض قادح فيما إذا لم يقدح فرق أو لم يكن الحكم في الصورة مجمعا عليه أو لم يكن ثابتا بقطعي أو كان ثابتا بإجماع وفي محل النقض يعني تعارض العلة التي ذكرها المستدل ومنعها من الجريان وإن لم يكن كذلك فالتوقف وقال ابن عطاء الله في مختصر البرهان الصواب في هذا أن ينظر فإن كانت العلة المعارضة لعلة المعلل في الصورة المناقضة أقوى في المناسبة لم تبطل علته
  386. لأن تخلف الحكم لعارض راجح وإن كانت أدنى بطلت وإن تساوتا فالوقف انتهى وأما المنصوصة فإن كانت بنص ظاهر فيظهر بما أورده المعترض أن الشارع لم يرد التعليل بأن ظهر ذلك من مقتضى لفظه فتخصيص الظاهر وإن كان بنص لا يقبل التأويل فإن عم بصيغة لا يتطرق إليها تخصيص فلا مطمع في تخصيصها لقيام القطع على العلية وجريانها على اطراد ونص الشارع لا يصادم وإن نص الشارع على شيء وعلى تخصيصه في كونه علة لمسائل معدودة فلا يمنع من ذلك وقال إلكيا ميل الإمام إلى أنه إن كان لا يتجه في صورة النقض معنى أمكن تقدير مشابهة محل النزاع إياها في ذلك المعنى فلا يعد نقضا فإن منشأ النقض عنده أن يبين كون محل النزاع نازعا إلى أصلين متنافيين وليس أحدهما بأولى من الآخر فإنه إذا كانت شهادة الأصل متأيدة بالمعنى فلا شهادة بصورة النقض من حيث لا مشابهة فاعتبار وجه الشهادة أولى قال إلكيا وهذا حسن بين فلو كان يتجه معه ولو على بعد فإن ذلك يعد نقضا وحاصله أن النقض لا يبطل أصل الدلالة ولكن يقدح في ثبوتها فلا يتبين به انعدامه قال إلكيا والذي عندنا أن ما لا يبين به معين ولا يتأتى فيه وجه تشبيه فهو لا ينفك عن ظهور استثناء في مقصود الشرع هذا في العلل المخيلة أما الأشباه فستأتي مراتبها ثم قال والحاصل أن شهادة العلة إن ترجحت قطعا على شهادة صورة النقض لمحل النزاع فلا نقض به فعلى هذا النقض ليس أصلا بنفسه ولكن هو من قبيل المعارضة وفيها مزيد قوة لما تقدم والثالث عشر وهو اختيار الغزالي فقال تخلف الحكم عن العلة له ثلاث صور إحداها أن يعرض في جريان العلة ما يقتضي عدم اطرادها وهو ينقسم إلى ما يظهر أنه ورد مستثنى عن القياس مع استيفاء قاعدة القياس فلا يفسد العلة بل يخصصها بما وراء المستثنى فيكون علة في غير محل الاستثناء ولا فرق بين أن يرد على علة مقطوعة كإيجاب صاع من التمر في المصراة وضرب الدية على العاقلة أو مظنونة كالعرايا فإنها لا تقتضي التعليل بالطعم إذ فهم أن ذلك استثناء لرخصة الحاجة ولم يرد ورود النسخ للربا ودليل كونه يستثنى أنه يرد على كل علة كالكيل وغيره وأما إذا لم يرد مورد الاستثناء فإن كانت منصوصة قدح لأنه تبين بعد النقض أن النص إنما فيه بعض العلة وجزؤها فإن قيده في العلة تمت كقولنا خارج
  387. فتنتقض الطهارة أخذا من قوله الوضوء مما خرج ثم بان أنه لم يتوضأ عن الحجامة فيعلم أن العلة بتمامها لم تذكر في الحديث وأن العلة إنما هي الخارج من السبيلين فكان مطلق الخروج بعض العلة وإن لم يكن كذلك وجب تأويل التعليل وأنه غير مراد لقوله تعالى يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ثم علل ذلك بقوله ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومعلوم أن كل من يشاقق الله ورسوله فإنه يعذب فتكون العلة منصوصة ولا يقال إنه علة في حقهم خاصة لأنه يعد تهافتا في الكلام فثبت أن الحكم المعلل بذلك ليس هو التخريب المذكور بل هو لازمه أو جزؤه الأعم وهو كونه عذابا ولا شك أن كل من يشاقق الله ورسوله فإنه يعذب بخراب البيت أو بغيره وإن كانت العلة مستنبطة فإن انقدح جواب عن محل النقض تبين أن ما ذكرناه ليس تمام العلة وإن لم ينقدح جواب مناسب وأمكن أن يكون النقض دليلا على فساد العلة وأن يكون معرفا لتخصيصها فهذا يجب الاحتراز عنه بينهم في الجدل للمناظر وأما المجتهد المناظر فيحتمل إلحاقه به فيجب عليه اعتقاد فسادها ويحتمل أن يعتقد استناده رخصة الثانية أن تنتفي العلة لا لخلل في نفسها لكن يندفع الحكم عنه بمعارضة علة أخرى فهذا لا يرد نقضا لأن الحكم حاصل فيه تقديرا كقولنا إن علة رق الولد ملك الأم ثم وجدنا المغرور بحرية أمه ينعقد ولده حرا فقد وجد رق الأم وانتفى رق الولد لكن عارضته علة أخرى وهي وجوب الغرم على المغرور ولولا أن الرق في حكم الحاصل المندفع لم تجب قيمة الولد الثالثة أن يميل النقض عن صوب جريان العلة ويتخلف الحكم لا لخلل في ركن العلة لكن لعدم مصادفتها محلها وشرطها وأهلها كقولنا السرقة علة القطع وقد وجدت في حق النباش فينتقض بسرقة الصبي ونحوه أو دون النصاب أو من غير حرز فهذا لا يلتفت إليه المجتهد لأن نظره في تحقيق العلة دون شرطها ومحلها فهو مائل عن صوب نظره أما المناظر فهل يلزمه الاحتراز عنه أم يقبل منه العذر بأن هذا منحرف عن مقصد النظر وليس البحث عن المحل والشرط واختلف فيه الجدليون والخطب فيه سهل وتكليف الاحتراز جمع لنشر
  388. الكلام وهو تفصيل حسن وَقَسَّمَ ابن الْقَطَّانِ النَّقْضَ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ مُنْتَقَضَةً على أَصْلِ السَّائِلِ وَالْمَسْئُولِ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ ليس لِلسَّائِلِ أَنْ يَسْأَلَ عنها لِأَنَّهُمَا قد اتَّفَقَا على إبْطَالِهَا ثَانِيهَا أَنْ تَكُونَ صَحِيحَةً على أَصْلِهِمَا جميعا فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْمَسْئُولَ الْمَصِيرُ إلَيْهَا إلَّا أَنْ يَدْفَعَهَا بِوَجْهٍ من وُجُوهِ الْإِبْطَالِ كَقَوْلِ الْعِرَاقِيِّ يَسْأَلُ الشَّافِعِيُّ عن الْمُتَكَلِّمِ في الصَّلَاةِ سَاهِيًا فقال لم تَبْطُلْ صَلَاتُهُ قِيَاسًا على من وَطِئَ في حَجِّهِ نَاسِيًا لِأَنَّا قد اتَّفَقْنَا على بُطْلَانِهِ لِأَنَّهُ لو تَعَمَّدَ بَطَلَ فَلِلشَّافِعِيِّ أَنْ يَقُولَ هذا لَا يَلْزَمُ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ على أَصْلِيَ لِأَنَّ من أَصْلِيَ أَنَّ من وَطِئَ في صَوْمِهِ وَأَكَلَ نَاسِيًا لم يَبْطُلْ وَلَوْ وَطِئَ عَامِدًا يَبْطُلْ وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ غير هذه الْعِلَّةِ فَإِنْ قال السَّائِلُ إنِّي أَلْزَمْتُك هذا لِتَقُولَ بِهِ في كل فُرُوعِك فَلِلْمَسْئُولِ أَنْ يَقُولَ لَا يَلْزَمُنِي لِأَنَّ من شَرْطِ السَّائِلِ أَنْ يُسَلِّمَ لِلْمَسْئُولِ أُصُولَهُ كُلَّهَا ما خَلَا الْمَسْأَلَةَ الْمُخْتَلَفِ فيها وَثَالِثُهَا أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ جَارِيَةً على أَصْلِ الْمَسْئُولِ مُنْتَقَضَةً على أَصْلِ السَّائِلِ كَالْعِرَاقِيِّ يَسْأَلُ الشَّافِعِيَّ عن الْحَائِضِ إذَا انْقَطَعَ دَمُهَا هل يَجُوزُ لِلزَّوْجِ أَنْ يَقْرَبَهَا فقال لَا فقال له السَّائِلُ لِمَ قُلْت بِالْجَوَازِ وَيَكُونُ دَلِيلُ ذلك أَنَّا قد اتَّفَقْنَا على أَنْ يَجُوزَ لِزَوْجِهَا أَنْ يَقْرَبَهَا وكان الْمَعْنَى في ذلك جَوَازَ الصَّوْمِ لها وَكُلُّ من جَازَ له الصَّوْمُ جَازَ له الْقُرْبَانُ فَلِلشَّافِعِيِّ أَنْ يَقُولَ لَا يَلْزَمُ لِأَنَّ هذه الْعِلَّةَ وَإِنْ كانت جَارِيَةً على أَصْلِي فَهِيَ بَاطِلَةٌ على أَصْلِك فَلَا يَجُوزُ لَك إلْزَامُهَا وَذَلِكَ أَنَّ دَمَهَا لو انْقَطَعَ دُونَ الْعَشْرِ عِنْدَك لَجَازَ لها أَنْ تَصُومَ ولم يَجُزْ لِزَوْجِهَا أَنْ يَقْرَبَهَا وقال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ لَا يَجُوزُ لِلْمَسْئُولِ أَنْ يَنْقُضَ عِلَّةَ السَّائِلِ بِأَصْلِ نَفْسِهِ وَأَجَازَهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وكان الْجُرْجَانِيُّ منهم يَسْتَعْمِلُهُ وَذَكَرَهُ في تَصْنِيفِهِ الْمُسَمَّى بِ التَّهْذِيبِ قال الْقَاضِي وَسَأَلْت الْقَاضِيَ أَبَا بَكْرٍ الْأَشْعَرِيَّ عن ذلك فقال له وَجْهٌ في الِاحْتِمَالِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ مَهْرُ الْمِثْلِ يَتَنَصَّفُ بِالطَّلَاقِ قبل الدُّخُولِ لِأَنَّهُ يَسْتَقِرُّ بِالدُّخُولِ فَوَجَبَ أَنْ يَتَنَصَّفَ بِالطَّلَاقِ قَبْلَهُ أَصْلُهُ الْمُسَمَّى في الْعَقْدِ فيقول الْمَسْئُولُ من أَصْحَابِ أبي حَنِيفَةَ هذا يَنْتَقِضُ على أَصْلِيَ بِالْمُسَمَّى بَعْدَ الْعَقْدِ فإنه يَسْتَقِرُّ بِالْوَطْءِ وَلَا يَتَنَصَّفُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَهُ وَإِنَّمَا يَسْقُطُ جَمِيعُهُ كما يَسْقُطُ جَمِيعُ مَهْرِ الْمِثْلِ أو يقول الْمُخَالِفُ لَا يَجِبُ لِلْمُتَوَفَّى عنها زَوْجُهَا السُّكْنَى لِأَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لها قِيَاسًا على الْمُعْتَدَّةِ من وَطْءِ الشُّبْهَةِ فيقول الشَّافِعِيُّ هذا يَنْتَقِضُ بِالْمُطَلَّقَةِ الْبَائِنِ الْحَائِلِ فإنه لَا نَفَقَةَ لها وَيَجِبُ السُّكْنَى
  389. تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ كما يَجْرِي الْخِلَافُ في الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ فَكَذَلِكَ يَجْرِي في الْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ وَأَنَّهُ يَتَخَلَّفُ عنها مَعْلُولُهَا فَأَجَازَهُ الْفَلَاسِفَةُ وَمَنَعَهُ الْمُتَكَلِّمُونَ حَكَاهُ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ رَحِمَهُ اللَّهُ لَكِنَّ الْأُسْتَاذَ حَكَى إجْمَاعَ الْجَدَلِيِّينَ على أَنَّ الدَّلِيلَ الْعَقْلِيَّ لَا يُخَصَّصُ وَعَلَى أَنَّ تَخْصِيصَهُ نَقْضٌ له وَعَلَى أَنَّ نَقْضَهُ يَمْنَعُ عن التَّعَلُّقِ بِهِ وَلِذَا قال ابن فُورَكٍ الْعِلَلُ الْعَقْلِيَّةُ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهَا بِلَا خِلَافٍ الثَّانِي أَنَّ هذه الْمَسْأَلَةَ من فُرُوعِ الْقَوْلِ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ فَإِنْ جَوَّزْنَا تَخْصِيصَهَا لم يَتَّجِهْ الْقَدْحُ بِالنَّقْضِ وَإِلَّا اتَّجَهَ الثَّالِثُ ادَّعَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الْبُرْهَانِ أَنَّ الْخِلَافَ في هذه الْمَسْأَلَةِ لَفْظِيٌّ لَا مَعْنَوِيٌّ وهو ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالْبَيْضَاوِيِّ أَيْضًا وَكَذَلِكَ الْغَزَالِيُّ وَأَنَّهُ يُلْتَفَتُ إلَى تَفْسِيرِ الْعِلَّةِ بِمَاذَا إنْ فُسِّرَتْ بِالْمُوجِبَةِ فَلَا تُتَصَوَّرُ عِلِّيَّتُهَا مع الِانْتِقَاضِ أو الْمُعَرِّفَةِ فَتُصُوِّرَتْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ الْخِلَافُ بِلَفْظِيٍّ وَلَهُ فَوَائِدُ إحْدَاهَا جَوَازُ التَّعْلِيلِ بِعِلَّتَيْنِ أَمْ لَا الثَّانِيَةُ أَنَّ من مَنَعَ التَّخْصِيصَ لَا يُجَوِّزُ أَصْلًا تَطَرُّقُهُ إلَى نَصِّ الشَّارِعِ على التَّعْلِيلِ بِهِ وَإِنْ أُومِئَ إلَيْهِ تَبَيَّنَ أَنَّ ذلك لم يَكُنْ إيمَاءً إلَى التَّعْلِيلِ لِوُرُودِ التَّخْصِيصِ وَالْمُجَوِّزُ لِلتَّخْصِيصِ يقول يَبْقَى ذلك عِلَّةً في مَحَلِّهِ ذَكَرَهَا الْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ الثَّالِثَةُ انْقِطَاعُ الْمُسْتَدِلِّ إنْ قُلْنَا يُقْدَحُ وَعَدَمُ انْقِطَاعِهِ إنْ مَنَعْنَاهُ الرَّابِعُ هل يُسْمَعُ من الْجَدَلِيِّ قَوْلُنَا أَرَدْت بِالْعُمُومِ الْخُصُوصَ أو لَا فَالْقَائِلُونَ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ يَسْمَعُونَهُ وَالْمَانِعُونَ لَا يَسْمَعُونَهُ وقد نَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في تَدْرِيسِهِ في أُصُولِ الْفِقْهِ عَلَّقَهُ عنه بَعْضُ تَلَامِذَتِهِ أَنَّ الْأُسْتَاذَ أَبَا إِسْحَاقَ قال إطْلَاقُ اللَّفْظِ الْعَامِّ وَالْمُرَادُ بِهِ الْبَعْضُ سَائِغٌ وَأَمَّا الْمُعَلِّلُ بِلَفْظٍ عَامٍّ فَلَا يُقْبَلُ منه إذَا نُقِضَ عليه كَلَامُهُ وقال إنَّمَا أَرَدْت كَذَا إذْ لو جَوَّزْنَا ذلك لَمَا تُصُوِّرَ إبْطَالُ عِلَّةٍ أَصْلًا وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنَّا إنَّمَا يُخَاطِبُ لِيُفْهِمَ صَاحِبَهُ وَيَفْهَمَ عنه وَصَاحِبُ الشَّرْعِ له أَنْ يُبَيِّنَ وَيُؤَخِّرَ الْبَيَانَ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ وَيُخَاطِبَ بِمُحْتَمَلٍ وَلَا يَجُوزُ لِوَاحِدٍ مِنَّا أَنْ يُعَلِّلَ الْعِلَّةَ مُجْمَلَةً وَيُفَسِّرَهَا قال وَمِنْ الْعُلَمَاءِ من جَوَّزَ ذلك قال وَمُجَوِّزُهُ لَا يُمَيِّزُ انْتَهَى وَهَذَا الذي نَقَلَهُ عن الْأُسْتَاذِ قد يَسْتَشْكِلُ بِمَا حَكَاهُ في الْبُرْهَانِ عن الْأُسْتَاذِ أَيْضًا أَنَّهُ قال في عِلَّةِ الشَّارِعِ يَجِبُ اطِّرَادُهَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ عليها ما يُخَالِفُ طَرْدَهَا
  390. وقد يُجَابُ بِأَنَّ وُرُودَهَا في كَلَامِ الشَّارِعِ يُبَيِّنُ أَنَّهُ لم يُرِدْ مَحَلَّ النَّقْضِ وَأَنَّهُ إنَّمَا جَعَلَهَا عِلَّةً فِيمَا وَرَاءَهُ وَذَلِكَ مَقْبُولٌ منه بِخِلَافِ غَيْرِهِ فإنه لَا يُسْمَعُ منه قَوْلُهُ بَعْدَ الْإِطْلَاقِ إنَّمَا أَرَدْت أنها عِلَّةٌ فِيمَا وَرَاءَ ذلك الْمُخْرَجِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يُسْمَعُ لِأَنَّهُ كَالدَّعْوَى بَعْدَ الْإِقْرَارِ وقال صَاحِبُ الْمَحْصُولِ قَوْلُهُمْ إنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ مَرْدُودٌ لِأَنَّهُ إذَا فَسَّرْنَا الْعِلَّةَ بِالدَّاعِي أو بِالْمُوجِبِ لم نَجْعَلْ الْعَدَمَ جُزْءًا من الْعِلَّةِ بَلْ كَاشِفًا عن حُدُوثِ الْعِلَّةِ وَمَنْ يُجَوِّزُ التَّخْصِيصَ لَا يقول بِذَلِكَ وَإِنْ فَسَّرْنَا بِالْأَمَارَةِ ظَهَرَ الْخِلَافُ في الْمَعْنَى لِأَنَّ من أَثْبَتَ الْعِلَّةَ بِالْمُنَاسَبَةِ بَحَثَ عن ذلك الْقَيْدِ الْعَدَمِيِّ فَإِنْ وَجَدَ فيه مُنَاسَبَةً صَحَّحَ الْعِلَّةَ وَإِلَّا أَبْطَلَهَا وَمَنْ يُجَوِّزُ التَّخْصِيصَ لَا يَطْلُبُ الْمُنَاسَبَةَ أَلْبَتَّةَ من هذا الْقَيْدِ وما ذَكَرُوا من تَكَرُّرِ وُجُودِ الْغَيْمِ وَلَا مَطَرَ مع أَنَّ كَوْنَهَا أَمَارَةً لم يَزُلْ قد رَدَّهُ ابن السَّمْعَانِيِّ فقال الْأَمَارَةُ وَإِنْ لم تَزُلْ إلَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ تَضْعُفَ وَلَا بُدَّ في الْأَمَارَةِ من تَوَفُّرِ الْقُوَّةِ من كل وَجْهٍ لِأَنَّ هذا ظَنٌّ يُثِيرُ حُكْمًا شَرْعِيًّا فَلَا بُدَّ من بُلُوغِهِ نِهَايَةَ الْقُوَّةِ وَأَنْ لَا يُتَوَهَّمَ قُوَّةٌ من الظَّنِّ وَرَاءَ قُوَّتِهِ حتى يُعَلَّقَ بِهِ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ وَذَلِكَ لِوُجُودِ الِاطِّرَادِ حتى لَا تَتَخَلَّفَ هذه الْأَمَارَةُ في مَوْضِعٍ ما فإذا تَخَلَّفَتْ لم تَتَوَفَّرْ الْقُوَّةُ من كل وَجْهٍ قال وَهَذَا جَوَابٌ حَسَنٌ اعْتَمَدْتُهُ وهو مَحَلُّ الِاعْتِمَادِ الْخَامِسُ إذَا ذَكَرَ عِلَّةً فَنُقِضَ عليه بِمَا خَصَّ بِهِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَهَلْ يَلْزَمُ ذلك فيه وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ أَحَدُهُمَا لَا لِأَنَّ الْمَخْصُوصَ في حُكْمِ الْمَنْسُوخِ فَلَا تُنْقَضُ الْعِلَّةُ بِهِ وَالثَّانِي نعم لِأَنَّ نَقْضَ الْعِلَّةِ بِحُكْمٍ في الشَّرْعِ فَأَشْبَهَ النَّقْضَ بِمَا لَا يُخَصُّ بِهِ
  391. فَصْلٌ إذَا فَرَّعْنَا على أَنَّ التَّخَلُّفَ لَا يَقْدَحُ في الْعِلِّيَّةِ فَوَاضِحٌ وَطَرِيقُهُ في الدَّفْعِ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ صُورَةَ النَّقْضِ مُسْتَثْنَاةٌ بِالنَّصِّ أو بِالْإِجْمَاعِ أو يُظْهِرُ الْمُعَلِّلُ مَانِعًا من ثُبُوتِ الْحُكْمِ في صُورَةِ النَّقْضِ كما لو قال يَجِبُ الْقِصَاصُ في الْمُثْقَلِ قِيَاسًا على الْمُحَدَّدِ فَإِنْ نُقِضَ بِقَتْلِ الْوَالِدِ فإن الْوَصْفَ فيه مع تَخَلُّفِ الْحُكْمِ قُلْنَا تَخَلَّفَ لِمَانِعٍ وهو أَنَّ الْوَالِدَ سَبَبٌ لِوُجُودِ الْوَلَدِ فَلَا يَكُونُ سَبَبًا لِانْعِدَامِهِ وَإِنْ فَرَّعْنَا على أَنَّهُ يَقْدَحُ فَلَا بُدَّ من مَنْعِهِ وَلَهُ طُرُقٌ أَحَدُهَا مَنْعُ وُجُودِ الْعِلَّةِ بِتَمَامِهَا في صُورَةِ النَّقْضِ لَا عِنَادًا بَلْ بِنَاءً على وُجُودِ قَيْدٍ مُنَاسِبٍ أو مُؤَثِّرٍ في الْعِلَّةِ وهو غَيْرُ حَاصِلٍ في صُورَةِ النَّقْضِ كَقَوْلِنَا طَهَارَةٌ عن حَدَثٍ فَشَرْطٌ فيها النِّيَّةُ كَالتَّيَمُّمِ فَإِنْ نُقِضَ بِالطَّهَارَةِ عن النَّجَاسَةِ قُلْنَا ليس الْحَدَثُ كَالنَّجَاسَةِ وَقَوْلُنَا فِيمَنْ لم يَنْوِ في رَمَضَانَ لَيْلًا تَعَرَّى أَوَّلَ صَوْمِهِ عن النِّيَّةِ فَلَا يَصِحُّ فَإِنْ نُقِضَ بِالتَّطَوُّعِ قُلْنَا الْعِلَّةُ عَدَا أَوَّلُ الصَّوْمِ الْوَاجِبِ لَا مُطْلَقُ الصَّوْمِ وقال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ سَأَلْت بَعْضَ شُيُوخِ الشَّافِعِيَّةِ عن التَّرْتِيبِ في الْوُضُوءِ فقال لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَرْجِعُ إلَى شَطْرِهَا لِعُذْرٍ فَكَانَ التَّرْتِيبُ من شَرْطِهَا أَصْلُهُ الصَّلَاةُ فَيَنْقُضُهُ بِغُسْلِ الْجَنَابَةِ فقال إنَّمَا عَلَّلْتُ لِإِلْحَاقِ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ بِالْآخَرِ وهو نَوْعُ طَهَارَةِ الْحَدَثِ بِنَوْعِ الصَّلَاةِ في أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ في طَهَارَةٍ فيها تَرْتِيبٌ وَاجِبٌ فَأَمَّا تَعْيِينُ الْمَوْضِعِ الذي يَجِبُ فيه فلم أَقْصِدْ وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا قال الْمُعْتَرِضُ ما ذَكَرْت من الْعِلَّةِ مَنْقُوضٌ بِكَذَا فَلِلْمُسْتَدِلِّ أَنْ يَقُولَ لَا نُسَلِّمُ وَيُطَالِبَهُ بِالدَّلِيلِ على وُجُودِهَا في مَحَلِّ النَّقْضِ وَهَذِهِ الْمُطَالَبَةُ مَمْنُوعَةٌ بِالِاتِّفَاقِ ثُمَّ بَعْدَ ذلك إمَّا أَنْ يَكُونَ وُجُودُهَا في صُورَةِ النَّقْضِ ظَاهِرًا أَمْ لَا فَإِنْ كان كَقَوْلِهِمْ طَهَارَةٌ تَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ فإن تَحَقُّقَ الطَّهَارَةِ في إزَالَةِ النَّجَاسَةِ مَعْلُومٌ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ يَدُلُّ على وُجُودِ الْعِلَّةِ في صُورَةِ التَّخَلُّفِ وَإِنْ لم يَكُنْ كَقَوْلِهِ الطُّعْمُ عِلَّةُ الرِّبَا فيقول هو مَنْقُوضٌ بِالطِّينِ أو الْمَاءِ فَيَمْنَعُ الْمُعَلِّلُ وُجُودَ الطُّعْمِ في الْمَاءِ فَهَلْ لِلْمُعْتَرِضِ الِاسْتِدْلَال على وُجُودِهَا قال الْأَكْثَرُونَ لَا يُمْكِنُ ذلك لِأَنَّهُ انْتِقَالٌ من مَسْأَلَةٍ قبل تَمَامِهَا إلَى أُخْرَى لِأَنَّهُ انْتَقَلَ من دَعْوَى وُجُودِ الْعِلَّةِ في صُورَةِ النَّقْضِ إلَى دَعْوَى وُجُودِ الدَّلِيلِ على ذلك وَلِأَنَّ فيه قَلْبَ الْقَاعِدَةِ إذْ يَصِيرُ الْمُعْتَرِضُ مُسْتَدِلًّا
  392. وَالْمُسْتَدِلُّ مُعْتَرِضًا وَقِيلَ يُمْكِنُ منه تَحْقِيقًا لِلنَّقْضِ وقال الْآمِدِيُّ إنْ تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِلْمُعْتَرِضِ في هَدْمِ كَلَامِ الْمُسْتَدِلِّ وَجَبَ قَبُولُهُ منه تَحْقِيقًا لِفَائِدَةِ الْمُنَاظَرَةِ وَإِنْ أَمْكَنَهُ الْقَدَحُ بِطَرِيقٍ آخَرَ فَلَا يُمَكَّنُ الْمُعْتَرِضُ ما لم تَكُنْ الْعِلَّةُ حُكْمًا شَرْعِيًّا كَذَا حَكَاهُ ابن الْحَاجِبِ وقال الْقُطْبُ الشِّيرَازِيُّ لم أَجِدْهُ في سِوَاهُ وَتَبِعَهُ الشَّارِحُونَ وهو عَجَبٌ فلم يذكر الْإِمَامُ أبو مَنْصُورٍ الْبَرَوِيِّ تِلْمِيذُ مُحَمَّدِ بن يحيى في كِتَابِهِ الْمُقْتَرَحِ غَيْرَهُ وَفَرَّقَ بين الشَّرْعِيِّ وَغَيْرِهِ بِنَشْرِ الْكَلَامِ فيه جِدًّا بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَبِأَنَّ الْأَمْرَ فيه قَرِيبٌ وَجَزَمَ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ بِالْمَنْعِ ثُمَّ قال لَكِنْ إذَا أَرَادَ كَشْفَهُ عن أَصْلِ الْعِلَلِ يُمَكَّنُ من ذلك ولم يَجُزْ لِلْمُعَلِّلِ مَنْعَهُ وأورد الْأَصْفَهَانِيُّ شَارِحُ الْمَحْصُولِ الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ ثُمَّ قال وَالصَّوَابُ أَنَّهُ ليس بِانْتِقَالٍ قال وَيَعُودُ مَنَاطُ الْخِلَافِ إلَى أَنَّ وُجُودَ الْعِلَّةِ في صُورَةِ النَّقْضِ هل يُشْتَرَطُ فيه اسْتِغْنَاؤُهُ عن الدَّلِيلِ أَمْ لَا وَيُلْزَمُ الْقَائِلُ بِأَنَّهُ لَا يَسْمَعُ إثْبَاتَ وُجُودِ الْعِلَّةِ في صُورَةِ النَّقْضِ بِالدَّلِيلِ أَنْ لَا يَسْمَعَ من الْمُعَلِّلِ إثْبَاتَ الْعِلَّةِ في الْفَرْعِ بِالدَّلِيلِ فَإِنْ قال أَقُولُهُ وَلَا أَسْمَعُ مثله فَهُوَ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ الْجَدَلِيِّينَ فَإِنَّهُمْ اتَّفَقُوا على أَنَّ ما لَا يُسْمَعُ اقْتِرَاحًا لَا يَقُولُهُ اسْتِدْلَالًا فَلَوْ قال الْمُعْتَرِضُ ما ذَكَرْت من الدَّلِيلِ على وُجُودِ الْعِلَّةِ في الْفَرْعِ دَالٌّ بِعَيْنِهِ على وُجُودِهَا في مَحَلِّ النَّقْضِ فَهُوَ انْتِقَالٌ من نَقْضٍ لِلْعِلَّةِ إلَى نَقْضِ دَلِيلِهَا فَلَا يُسْمَعُ وَبِهِ جَزَمَ الْآمِدِيُّ وَقِيلَ يُسْمَعُ لِأَنَّ نَقْضَ دَلِيلِ الْعِلَّةِ نَقْضُ الْعِلَّةِ نعم لو قال ذلك ابْتِدَاءً وقال يَلْزَمُك إمَّا نَقْضُ الْعِلَّةِ أو نَقْضُ الدَّلِيلِ الدَّالِّ على وُجُودِهَا في الْفَرْعِ كان مَسْمُوعًا يَحْتَاجُ الْمُسْتَدِلُّ إلَى الْجَوَابِ عنه مَسْأَلَةٌ قال الْأَصْفَهَانِيُّ لَا يُشْتَرَطُ في الْقَيْدِ الدَّافِعِ لِلنَّقْضِ أَنْ يَكُونَ مُنَاسِبًا بَلْ غَيْرُ الْمُنَاسِبِ مَقْبُولٌ مَسْمُوعٌ اتِّفَاقًا وَالْمَانِعُونَ من التَّعْلِيلِ بِالشَّبَهِ يُوَافِقُونَ على ذلك وقال في الْمَحْصُولِ هل يَجُوزُ دَفْعُ النَّقْضِ بِقَيْدٍ طَرْدِيٍّ أَمَّا الطَّارِدُونَ فَقَدْ جَوَّزُوهُ وَأَمَّا مُنْكِرُو الطَّرْدِ فَمِنْهُمْ من جَوَّزَهُ وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ أَحَدَ أَجْزَاءِ الْعِلَّةِ إذَا لم يَكُنْ مُؤَثِّرًا لم يَكُنْ مَجْمُوعُ الْعِلَّةِ مُؤَثِّرًا وَكَذَا حَكَى الْخِلَافَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الْبُرْهَانِ ثُمَّ اخْتَارَ التَّفْصِيلَ بين أَنْ يَكُونَ الْقَيْدُ الطَّرْدِيُّ يُشِيرُ إلَى مَسْأَلَةٍ تُفَارِقُ مَسْأَلَةَ النِّزَاعِ بِفِقْهٍ فَلَا يَجُوزُ نَقْضُ الْعِلَّةِ وَإِلَّا فَلَا يُفِيدُ الِاحْتِرَازُ عنه قال وَلَوْ فُرِضَ التَّقْيِيدُ بِاسْمٍ غَيْرِ مُشْعِرٍ بِفِقْهٍ وَلَكِنَّ مُبَايَنَةَ الْمُسَمَّى بِهِ لِمَا عَدَاهُ مَشْهُورٌ بين النُّظَّارِ فَهَلْ يَكُونُ التَّقْيِيدُ بمثله
  393. تَخْصِيصًا لِلْعِلَّةِ اخْتَلَفَ فيه الْجَدَلِيُّونَ وَالْأَقْرَبُ تَصْحِيحُهُ لِأَنَّهُ اصْطِلَاحٌ الطَّرِيقُ الثَّانِي مَنْعُ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ عن الْعِلَّةِ في صُورَةِ النَّقْضِ وَيَدَّعِي ثُبُوتَهُ فيها وهو إمَّا تَحْقِيقِيٌّ مِثْلُ السَّلَمِ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَلَا يُشْتَرَطُ فيه التَّأْجِيلُ كَالْبَيْعِ فَإِنْ نُقِضَ بِالْإِجَارَةِ قُلْنَا الْأَجَلُ ليس شَرْطًا لِصِحَّةِ عَقْدِ الْإِجَارَةِ وَإِنَّمَا جاء فيها لِتَقْرِيرِ الْمَعْقُودِ عليه وهو الِانْتِفَاعُ بِالْعَيْنِ أو تَقْدِيرِيٌّ وهو دَافِعٌ لِلنَّقْضِ على الْأَظْهَرِ تَنْزِيلًا لِلْمُقَدَّرِ مَنْزِلَةَ الْمُحَقَّقِ كَقَوْلِنَا رِقُّ الْأُمِّ عِلَّةٌ لِرِقِّ الْوَلَدِ فَيَكُونُ هذا الْوَلَدُ رَقِيقًا فَإِنْ نُقِضَ بِوَلَدِ الْمَغْرُورِ بِحُرِّيَّةِ أُمِّهِ حَيْثُ كان رِقُّ الْأُمِّ مَوْجُودًا مع انْعِقَادِ الْوَلَدِ حُرًّا قُلْنَا رِقُّ الْأُمِّ مَوْجُودٌ وَتَقْدِيرُ وُجُودِهِ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ رَقِيقًا ثُمَّ يَعْتِقُ على الْمَغْرُورِ إذْ لَا قِيمَةَ لِلْحُرِّ قال في الْمَحْصُولِ وَالتَّحْقِيقِيُّ دَافِعٌ لِلنَّقْضِ إذَا كان الْحُكْمُ مُتَّفَقًا عليه بين الْمُسْتَدِلِّ وَخَصْمِهِ أو كان مَذْهَبًا لِلْمُسْتَدِلِّ فَقَطْ لِأَنَّهُ إذَا لم يَفِ بِطَرْدِ عِلَّتِهِ فَلَأَنْ لَا يَجِبَ على غَيْرِهِ أَوْلَى فَإِنْ كان مَذْهَبًا لِخَصْمِهِ فَقَطْ لم يَتَوَجَّهْ لِأَنَّ خِلَافَهُ كَخِلَافِهِ في الصُّورَةِ الْمُتَنَازَعِ فيها وَلَوْ مُنِعَ الْمُسْتَدِلُّ تَخَلَّفَ الْحُكْمُ فَفِي تَمْكِينِ الْمُعْتَرِضِ من الِاسْتِدْلَالِ على عَدَمِ الْحُكْمِ الْخِلَافُ السَّابِقُ في مَنْعِ وُجُودِ الْعِلَّةِ في صُورَةِ النَّقْضِ وَهُنَا فَرْعٌ حَسَنٌ لو نَقَضَ الْمُعْتَرِضُ فقال الْمُسْتَدِلُّ الْمُنْتَصِرُ لِمَذْهَبِ إمَامٍ لَا أَعْرِفُ في هذه الْمَسْأَلَةِ نَصًّا وَلَا يَلْزَمُنِي النَّقْضُ فَهَلْ يُدْفَعُ بِذَلِكَ النَّقْضِ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في الْمُلَخَّصِ في الْجَدَلِ وَمَثَّلَهُ بِاسْتِدْلَالِ الْحَنَفِيِّ على الْقَارِنِ أَنَّهُ إذَا قَتَلَ صَيْدًا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ جَزَاءَانِ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ النَّقْضَ على إحْرَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَلَزِمَهُ جَزَاءَانِ كما لو أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَقَتَلَ صَيْدًا ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فَقَتَلَ صَيْدًا فقال له هذا يَنْتَقِضُ بِمَا إذَا أَحْرَمَ الْمُتَمَتِّعُ بِالْعُمْرَةِ فَجَرَحَ صَيْدًا ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَجَرَحَهُ ثُمَّ مَاتَ فإنه أَدْخَلَ النَّقْضَ على إحْرَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ثُمَّ لَا يَلْزَمُهُ جَزَاءَانِ فيقول الْمُخَالِفُ لَا أَعْرِفُ نَصًّا في هذه الْمَسْأَلَةِ ثُمَّ قال رَأَيْت الْقَاضِيَ أَبَا الطَّيِّبَ يقول في مِثْلِ هذا إذَا جَوَّزْتَ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبُكَ على ما أَلْزَمْتُهُ وَجَبَ أَنْ لَا يُحْتَجَّ بهذا الْقِيَاسِ قال وَعِنْدِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ النَّقْضُ لِأَنَّهُ وَإِنْ احْتَمَلَ ما قَالَهُ إلَّا أَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ كَفَّارَتَانِ فَيُعْمَلُ بِهِ ما لم يَمْنَعْ مَانِعٌ كَالْعُمُومِ قبل ظُهُورِ الْمُخَصِّصِ انْتَهَى وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُعَلِّلَ له أَنْ يُلْزَمَ بِصُورَةِ النَّقْضِ عِنْدَ الشَّيْخِ وَعِنْدَ الْقَاضِي ليس له ذلك مع احْتِمَالِ أَنْ لَا يَكُونَ مَذْهَبَ إمَامِهِ وهو أَمْرٌ رَاجِعٌ إلَيْهِ في نَفْسِهِ وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ لَا يَكْتَفِي منه بِأَنْ يَقُولَ لَا أَعْرِفُ نَصًّا في هذه الْمَسْأَلَةِ
  394. وَذَكَرَ الْقَاضِي أبو يَعْلَى من الْحَنَابِلَةِ جَوَابَيْنِ آخَرَيْنِ عن النَّقْضِ أَحَدُهُمَا أَنَّ نَفْسَ اللَّفْظِ مِمَّا يَحْتَمِلُهُ لِيَظْهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُ ما ظَنَّهُ الْمُعْتَرِضُ فَأَوْرَدَ نَقْضًا الثَّانِي أَنْ يُبَيِّنَ التَّسْوِيَةَ بين الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ في ذلك الْحُكْمِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ في الْمَسْحِ على الْعِمَامَةِ عُضْوٌ سَقَطَ في التَّيَمُّمِ فَجَازَ الْمَسْحُ على حَائِلٍ كَالْقَدَمِ فيقول الْخَصْمُ هذا يَنْتَقِضُ بِغُسْلِ الْجَنَابَةِ فإنه لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عليه فيها مع أَنَّهُ يَسْقُطُ في التَّيَمُّمِ فيقول الْمُسْتَدِلُّ إنَّمَا تَعَذَّرَ التَّسْوِيَةُ بين الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ وقد اتَّفَقَا في حُكْمِ الْجَنَابَةِ قُلْت وَيَنْبَغِي الْبُدَاءَةُ بِمَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا في تَرْتِيبِ الْأَجْوِبَةِ وَيُزَادُ جَوَابٌ خَامِسٌ وهو أَنْ نُسَلِّمَ وُرُودَ النَّقْضِ وَنَتَعَذَّرُ عنه بِإِبْدَاءِ أَمْرٍ في صُورَةِ النَّقْضِ يَصْلُحُ اسْتِنَادُ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ إلَيْهِ لِيَبْقَى دَلِيلُ ثُبُوتِ الْعِلَّةِ سَلِيمًا عن مُعَارِضٍ مَسْأَلَةٌ إذَا أُلْزِمَ النَّقْضَ فَزَادَ في الْعِلَّةِ وَصْفًا فَهَلْ يُقْبَلُ منه فيه أَقْوَالٌ أَحَدُهَا نعم وَحُكِيَ عن أبي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَالثَّانِي لَا يُقْبَلُ وَعَلَيْهِ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ وَالْبَاجِيُّ وقال ابن بَرْهَانٍ إنَّهُ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى إسْقَاطِ النَّقْضِ بِمَا شَاءَ وَالثَّالِثُ وَحَكَاهُ أبو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ في جَدَلِهِ عن بَعْضِ أَصْحَابِنَا إنْ كانت الزِّيَادَةُ مَعْهُودَةً بين الْمُنَاظِرِينَ كَالْجِنْسِ الْمَضْمُومِ إلَى الْوَصْفِ الْآخَرِ في عِلَّةِ الرِّبَا وَغَيْرِ ذلك من الْأَوْصَافِ الْمَعْرُوفَةِ قُبِلَ منه وَإِنْ لم تَكُنْ مَعْهُودَةً فَلَا وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَعْهُودَةَ كَالْمَذْكُورَةِ فَيُسْتَغْنَى عن ذِكْرِهَا بِالْعَهْدِ فيها وَحَكَاهُ ابن بَرْهَانٍ وَالْبَاجِيُّ أَيْضًا ثُمَّ ضَعَّفَاهُ بِأَنَّهُ لَا عَهْدَ وَاللَّفْظُ ظَاهِرٌ في التَّعْمِيمِ وقال في الْمَنْخُولِ إذَا أَرَادَ الْمُعَلِّلُ وَصْفًا يَسْتَقِلُّ الْحُكْمُ بِدُونِهِ وَلَكِنَّهُ رَامَ بِهِ دَرْءَ النَّقْضِ فَقَدْ يُطْرَحُ إذَا لم يُبَيِّنْ كَوْنَهُ عِلَّةً في الْأَصْلِ مَسْأَلَةٌ قِيلَ الْفَرْقُ بين النَّقْضِ لَا يُقْبَلُ قال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ هذا يَقُولُهُ الْمُتَفَقِّهَةُ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ هو مَقْبُولٌ وَإِنَّمَا شَرْطُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِفَرْقٍ من جِهَةِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى جميعا كَقَوْلِهِ في الْإِجَارَةِ لَا تَنْفَسِخُ بِالْمَوْتِ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ فَلَا يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ مع
  395. سَلَامَةِ الْمَعْقُودِ عليه فَهَذَا في الْحَقِيقَةِ فَرْقٌ بين مَسْأَلَةِ النَّقْضِ وَبَيْنَ مَوْضِعِ الْخِلَافِ وهو صَحِيحٌ فَأَمَّا إذَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا من جِهَةِ الْمَعْنَى لم يَصِحَّ لِأَنَّهُ بَانَ عَدَمُ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِالْعِلَّةِ بَلْ بِعِلَّةٍ أُخْرَى مَسْأَلَةٌ الْقَائِلُونَ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ اخْتَلَفُوا في أَنَّهُ هل يَجِبُ على الْمُسْتَدِلِّ ابْتِدَاءً التَّعَرُّضُ لِنَفْيِ الْمَانِعِ بِأَنْ يَذْكُرَ قَيْدًا يُخْرِجُ بِهِ مَحَلَّ النَّقْضِ فيه مَذَاهِبُ أَحَدُهَا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مُطْلَقًا لِئَلَّا تُنْقَضَ الْعِلَّةُ وَالثَّانِي لَا يَلْزَمُهُ مُطْلَقًا وَاخْتَارَهُ ابن الْحَاجِبِ وَنَقَلَهُ الْهِنْدِيُّ في النِّهَايَةِ عن الْأَكْثَرِينَ وقال إنَّهُ الْحَقُّ كما في سَائِرِ الْمَعَارِضِ وَالثَّالِثُ إنْ كان سَبَبًا وهو ما يَرِدُ على كل عِلَّةٍ كَالْعَرَايَا لم يَلْزَمْهُ وَإِلَّا كَالتَّطَوُّعِ في مَسْأَلَةِ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ لَزِمَهُ إذْ لَا يَبْقَى إلَّا الدَّعْوَى الْمُجَرَّدَةُ في خُرُوجِهِ عن الْقَاعِدَةِ وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ في شِفَاءِ الْعَلِيلِ ولم يَقِفْ ابن دَقِيقٍ على هذا الْمَذْهَبِ فقال لو قِيلَ بِهِ لم يَكُنْ له وَجْهٌ الرَّابِعُ إنْ كان مُنَاظِرًا وَجَبَ الِاحْتِرَازُ عنه مُطْلَقًا وَإِنْ كان نَاظِرًا مُجْتَهِدًا فَكَذَلِكَ إلَّا فِيمَا اشْتَهَرَ من الْمُسْتَثْنَيَاتِ فَصَارَ كَالْمَذْكُورَةِ وقال في شِفَاءِ الْعَلِيلِ أَنَّهُ إذَا لم يَسْتَثْنِ وَجَبَ على النَّاظِرِ وَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ فَهَلْ يَنْقَطِعُ ظَنُّهُ عن الْعِلَّةِ التي ظَنَّهَا وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَبْقَى الظَّنُّ مع وُرُودِ النَّقْضِ تَرَدَّدَ الْقَاضِي في هذا بِنَاءً على الْقَوْلِ بِبُطْلَانِ الْعِلَّةِ بِمِثْلِ هذا النَّقْضِ هل هو مَعْلُومٌ أو مَظْنُونٌ قال وَالْمُخْتَارُ عِنْدِي إنْ قَدَحَ الِاعْتِذَارُ عن مَسْأَلَةِ النَّقْضِ بِفَرْقٍ فِقْهِيٍّ فَلَا شَكَّ في انْقِطَاعِ الظَّنِّ وَإِنْ لم يَقْدَحْ عُذْرٌ فَفِي انْقِطَاعِ الظَّنِّ نَظَرٌ تَنْبِيهٌ الْمُرَادُ بِالِاحْتِرَازِ عنه ذِكْرُهُ إمَّا في أَوَّلِ الدَّلِيلِ أو بَعْدَ تَوَجُّهِ النَّقْضِ عليه وَلَا يُعَدُّ مُنْقَطِعًا هذا اصْطِلَاحُ مُتَأَخِّرِي الْجَدَلِيِّينَ وَأَمَّا الْمُتَقَدِّمُونَ منهم فَاعْتَبَرُوهُ أَوَّلَ الدَّلِيلِ وَقَالُوا إنْ أُخِذَ الْقَيْدُ لِلنَّقْضِ في الدَّلِيلِ أَوَّلًا قُبِلَ منه وَإِنْ لم يَأْخُذْهُ أَوَّلًا وَأَوْرَدَهُ عليه فَأَخَذَهُ قَيْدًا لم يُقْبَلْ وَيُعَدُّ مُنْقَطِعًا وَعَلَيْهِ جَرَى في الْمُسْتَصْفَى وَبِهِ تَصِيرُ الْمَذَاهِبُ خَمْسَةً وَصَاحِبُ الْمَحْصُولِ حَكَى الْخِلَافَ في الِاحْتِرَازِ عنه في الدَّلِيلِ قَوْلَيْنِ ولم يُرَجِّحْ شيئا ثُمَّ حَكَاهُ أَيْضًا في الْوَارِدِ اسْتِثْنَاءً فقال وَهَلْ يَجِبُ الِاحْتِرَازُ عنه في
  396. اللَّفْظِ اخْتَلَفُوا فيه وَالْأَوْلَى الِاحْتِرَازُ انْتَهَى وقال صَاحِبُ الْمُقْتَرَحِ يَضُرُّهُ الِاحْتِرَازُ لِأَنَّهُ يَكُونُ اعْتِرَافًا منه بِأَنَّ النَّقْضَ لَا يَدُلُّ على التَّعْلِيلِ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنْ تَعَرَّضَ لِمَا يَلْزَمُ وَنَبَّهَ الْمُعْتَرِضَ على أَنَّ النَّقْضَ لَا يَرِدُ عليه وَلَيْسَ فيه ما يَدُلُّ على اعْتِرَافِهِ فَرْعٌ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ بُطْلَانَ الْعِلَّةِ بِالنَّقْضِ من الْقَطْعِيَّاتِ قال الْقَاضِي وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ عِنْدِي بَلْ هِيَ من الْمُجْتَهَدَاتِ وَكُلُّ مَأْمُورٍ بِمَا غَلَبَ على ظَنِّهِ وَجَعَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بَعْضَهُ قَطْعِيًّا وَبَعْضَهُ ظَنِّيًّا بِنَاءً على تَفْصِيلِهِ السَّابِقِ مَسْأَلَةٌ قال أبو الْحُسَيْنِ في الْمُعْتَمَدِ وَتَبِعَهُ في الْمَحْصُولِ اعْلَمْ أَنَّ نَقْضَ الْعِلَّةِ أَنْ يُوجَدَ في مَوْضِعٍ دُونَ حُكْمِهَا وَحُكْمُهَا ضَرْبَانِ مُجْمَلٌ وَمُفَصَّلٌ وَالْمُجْمَلُ ضَرْبَانِ إثْبَاتٌ وَنَفْيٌ فَالْإِثْبَاتُ الْمُجْمَلُ لَا يَنْتَقِضُ بِنَفْيِ مُفَصَّلٍ وَالنَّفْيُ الْمُجْمَلُ يَنْتَقِضُ بِإِثْبَاتِ مُفَصَّلٍ مِثَالُ الْأَوَّلِ أَنَّ تَعْلِيلَ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ بِأَنَّهُمَا حُرَّانِ مُكَلَّفَانِ مَحْقُونَا الدَّمِ فَيَتَقَاصَّانِ كَالْمُسْلِمِينَ فَيُنْتَقَضُ بِمَا إذَا قَتَلَهُ خَطَأً وَذَلِكَ أَنَّ نَفْيَ الْقِصَاصِ بَيْنَهُمَا في قَتْلِ الْخَطَأِ لَا يَمْنَعُ من صِدْقِ الْقَوْلِ أَنَّ بَيْنَهُمَا قِصَاصًا وإذا صَدَقَ الْفَرْقُ بِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ ثُبُوتَ الْقِصَاصِ لم يَرْتَفِعْ فلم يَنْتَفِ حُكْمُ الْعِلَّةِ وَمِثَالُ الثَّانِي أَنْ يَقُولَ لِأَنَّهُمَا مُكَلَّفَانِ فلم يَثْبُتْ بَيْنَهُمَا قِصَاصٌ فإذا نُقِضَ بِالْمُسْلِمِينَ يَثْبُتُ بَيْنَهُمَا قِصَاصٌ في قَتْلِ الْعَمْدِ انْتَقَضَتْ الْعِلَّةُ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْقِصَاصِ بين شَخْصَيْنِ في مَوْضِعٍ لَا يُفِيدُ معه الْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا قِصَاصَ بَيْنَهُمَا على الْإِطْلَاقِ وَأَمَّا الْحُكْمُ الْمُفَصَّلُ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ إثْبَاتًا أو نَفْيًا فَالْإِثْبَاتُ يَنْتَقِضُ بِالنَّفْيِ الْمُجْمَلِ مِثَالُهُ أَنْ يَقُولَ مُوجِبَانِ يَثْبُتُ بَيْنَهُمَا جميعا قِصَاصٌ في قَتْلِ الْعَمْدِ وَذَلِكَ يَنْتَقِضُ بِالْحُرِّ لِأَنَّهُ إذَا قَتَلَ الْعَبْدَ لم يَثْبُتْ بَيْنَهُمَا قِصَاصٌ لِأَنَّ انْتِفَاءَ الْقِصَاصِ على الْإِطْلَاقِ يَزُولُ ثُبُوتُهُ في بَعْضِ الصُّوَرِ وَأَمَّا النَّفْيُ الْمُفَصَّلُ فَلَا يَنْتَقِضُ بِالْإِثْبَاتِ الْمُجْمَلِ كما نَقُولُ فلم يَثْبُتْ بَيْنَهُمَا قِصَاصٌ في قَتْلِ الْخَطَأِ لِأَنَّهُ يَنْتَقِضُ بِثُبُوتِ الْقِصَاصِ بين الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْقِصَاصِ في الْجُمْلَةِ لَا يَمْنَعُ من انْتِفَائِهِ عنهما في بَعْضِ الصُّوَرِ
  397. الثَّانِي الْكَسْرُ وهو عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ من الْأُصُولِيِّينَ وَالْجَدَلِيِّينَ عِبَارَةٌ عن إسْقَاطِ وَصْفٍ من أَوْصَافِ الْعِلَّةِ الْمُرَكَّبَةِ وَإِخْرَاجِهِ عن الِاعْتِبَارِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمَحْذُوفُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ أَخْذُهُ في حَدِّ الْعِلَّةِ وَمِنْهُمْ من فَسَّرَهُ بِأَنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِعِلَّةٍ على حُكْمٍ يُوجَدُ مَعْنَى تِلْكَ الْعِلَّةِ في مَوْضِعٍ آخَرَ وَلَا يُوجَدُ مَعَهَا ذلك الْحُكْمُ مِثَالُهُ أَنْ يَكُونَ له وَلَدٌ وَلَهُ وَلَدٌ فَيَهَبُ لِوَلَدِهِ شيئا وَيَقُولُ وَهَبْتُ له لِأَنَّهُ وَلَدِي فَيُقَالُ له فَيَنْكَسِرُ عَلَيْك بِوَلَدِ وَلَدِك لِأَنَّ مَعْنَى الْوَلَدِ مَوْجُودٌ فيه وَالدَّلِيلُ على أَنَّ الِاعْتِرَاضَ بِهِ صَحِيحٌ ما رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم دُعِيَ إلَى دَارٍ فَأَجَابَ وَدُعِيَ إلَى دَارٍ أُخْرَى فلم يُجِبْ فَقِيلَ له في ذلك فقال إنَّ في دَارِ فُلَانٍ كَلْبًا فَقِيلَ وفي هذه الدَّارِ سِنَّوْرٌ فقال السِّنَّوْرُ سَبُعٌ وَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ الْهِرَّةَ تَكْسِرُ الْمَعْنَى وهو الِاحْتِيَاجُ إلَيْهِ في الْبَيْتِ كَالْكَلْبِ فَأَقَرَّهُمْ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم على اعْتِرَاضِهِمْ وَأَجَابَ بِالْفَرْقِ وهو أَنَّ الْهِرَّةَ سُبُعٌ أَيْ لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ فَدَلَّ على أَنَّ الْكَلْبَ نَجِسٌ وهو ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُبَدِّلَ ذلك الْوَصْفَ الْخَاصَّ بِوَصْفٍ عَامٍّ ثُمَّ يَنْقُضَهُ عليه كَقَوْلِنَا في إثْبَاتِ صَلَاةِ الْخَوْفِ صَلَاةٌ يَجِبُ قَضَاؤُهَا فَيَجِبُ أَدَاؤُهَا كَصَلَاةِ الْأَمْنِ فَيَعْتَرِضُ أَنَّ كَوْنَهَا صَلَاةً لَا أَثَرَ لها لِأَنَّ الْحَجَّ كَذَلِكَ فلم يَبْقَ إلَّا الْوَصْفُ الْعَامُّ وهو كَوْنُهُ عِبَادَةً فَيَنْكَسِرُ بِصَوْمِ الْحَائِضِ وَالثَّانِي أَنْ لَا يَفْعَلَ ذلك بَلْ يُعْرِضُ عن ذلك الذي أَسْقَطَهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَيَذْكُرُ صُورَةَ النَّقْضِ كما لو أَسْقَطَ في الْمِثَالِ قَوْلَنَا فَيَجِبُ أَدَاؤُهَا إذْ ليس كُلُّ ما يَجِبُ أَدَاؤُهُ يَجِبُ قَضَاؤُهُ بِدَلِيلِ الْحَائِضِ قال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَهَذَا الْقِسْمُ أَكْثَرُ وُقُوعِهِ في الْوَصْفِ الذي لَا يُؤَثِّرُ وَحَاصِلُهُ أَنَّ هذا الِاعْتِرَاضَ رَاجِعٌ إلَى عَدَمِ التَّأْثِيرِ وَالنَّقْضِ كَقَوْلِنَا في بَيْعِ الْغَائِبِ مَثَلًا بَيْعٌ مَجْهُولُ الصِّفَةِ عِنْدَ الْعَقْدِ فَلَا يَصِحُّ كما لو
  398. قال بِعْتُكَ عَبْدًا فيقول على الصُّورَةِ الْأُولَى خُصُوصُ كَوْنِهِ بَيْعًا لَا أَثَرَ له لِأَنَّ الْمَرْهُونَ كَذَلِكَ فَبَقِيَ كَوْنُهُ عَقْدًا الذي هو وَصْفٌ يَعُمُّهُمَا وهو مَنْقُوضٌ بِالنِّكَاحِ وَعَلَى الثَّانِيَةِ لَا أَثَرَ لِكَوْنِهِ بَيْعًا بِدَلِيلِ الْمَرْهُونِ فَسَقَطَ هذا الْجُزْءُ ولم يَبْقَ إلَّا مَجْهُولَةُ الصِّفَةِ آخِرُهُ وهو مَنْقُوضٌ بِالنِّكَاحِ وَأَمَّا الْآمِدِيُّ وابن الْحَاجِبِ فَعَرَّفَا الْكَسْرَ بِوُجُودِ الْحِكْمَةِ الْمَقْصُودَةِ من شَرْعِ الْحُكْمِ مع تَخَلُّفِ الْحُكْمِ عنه فَالنَّقْضُ حِينَئِذٍ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ عن الْعِلَّةِ وَالْكَسْرُ تَخَلُّفُهُ عن حِكْمَتِهَا فَهُوَ نَقْضٌ على مَعْنَى الْعِلَّةِ دُونَ لَفْظِهَا أَيْ الْحِكْمَةِ دُونَ الْمَظِنَّةِ بِخِلَافِ النَّقْضِ كَقَوْلِ الْحَنَفِيِّ في الْعَاصِي بِسَفَرِهِ مُسَافِرٌ فَوَجَبَ أَنْ يَتَرَخَّصَ كَالطَّائِعِ في سَفَرِهِ وَيَتَبَيَّنُ وَجْهُ مُنَاسَبَةِ السَّفَرِ بِمَا فيه من الْمَشَقَّةِ فَيُقَالُ ما ذَكَرْتَهُ من الْحِكْمَةِ وَهِيَ الْمَشَقَّةُ مُنْتَقِضَةٌ بِمَشَقَّةِ الْحَمَّالِينَ وَأَرْبَابِ الصَّنَائِعِ الشَّاقَّةِ في الْحَضَرِ وَلَا رُخْصَةَ لهم ثُمَّ ذَكَرَا بَعْدَ ذلك النَّقْضَ الْمَكْسُورَ وهو النَّقْضُ على بَعْضِ أَوْصَافِ الْعِلَّةِ ثُمَّ قالوا وَاخْتَلَفُوا في إبْطَالِهِمَا لِلْعِلِّيَّةِ وَالْأَكْثَرُونَ على أَنَّهُ غَيْرُ مُبْطِلٍ وقال ابن الْحَاجِبِ إنَّهُ الْمُخْتَارُ وَأَمَّا صَاحِبُ الْمِنْهَاجِ فذكر الْكَسْرَ فَقَطْ وَعَرَّفَهُ بِعَدَمِ تَأْثِيرِ أَحَدَيْ الْمُرَكَّبِ الذي ادَّعَى الْمُسْتَدِلُّ عِلِّيَّتَهُ وَنَقَضَ الْآخَرُ وهو ظَاهِرُ كَلَامِهِ في الْمَحْصُولِ وَعَدُّوهُ من قَوَادِحِ الْعِلِّيَّةِ قال الْهِنْدِيُّ وهو مَرْدُودٌ عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ إلَّا إذَا بَيَّنَ الْخَصْمُ إلْغَاءَ الْقَيْدِ وَنَحْنُ لَا نَعْنِي بِالْكَسْرِ إلَّا إذَا بُيِّنَ أَمَّا إذَا لم يُبَيَّنْ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ مَرْدُودٌ وَأَمَّا إذَا بُيِّنَ مَوْضِعُ النِّزَاعِ فَالْأَكْثَرُونَ على أَنَّهُ قَادِحٌ وَقَوْلُ الْآمِدِيَّ وَالْأَكْثَرُونَ على أَنَّهُ غَيْرُ قَادِحٍ مَرْدُودٌ قال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في التَّلْخِيصِ اعْلَمْ أَنَّ الْكَسْرَ سُؤَالٌ مَلِيحٌ وَالِاشْتِغَالَ بِهِ يَنْتَهِي إلَى بَيَانِ الْفِقْهِ وَتَصْحِيحِ الْعِلَّةِ وقد اتَّفَقَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ على صِحَّتِهِ وَإِفْسَادِ الْعِلَّةِ بِهِ وَيُسَمُّونَهُ النَّقْضَ من طَرِيقِ الْمَعْنَى وَالْإِلْزَامَ من طَرِيقِ الْفِقْهِ وَأَنْكَرَهُ طَائِفَةٌ من الْخُرَاسَانِيِّينَ قُلْت وابن الصَّبَّاغِ وَقَالُوا لَا يُبْطِلُ الْعِلِّيَّةَ لِأَنَّهُ لَا يُمَكَّنُ إلَّا بِأَنْ يُغَيِّرَ الْعِلَّةَ أو يُبَدِّلَ لَفْظَهَا بِغَيْرِهِ أو يُسْقِطَ وَصْفًا من أَوْصَافِهَا وَهَذَا لَا يَلْزَمُ لِجَوَازِ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِمَا غَيَّرَهُ السَّائِلُ وَبَدَّلَهُ بِدَلِيلِ أَنَّ الْعِلَّةَ شَرْعِيَّةٌ وَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ مَعْنًى على صِفَةِ عِلَّةٍ في حُكْمٍ صَحِيحٍ لِأَنَّ الْكَسْرَ نَقْضٌ وَلَا يُجْعَلُ عِلَّةً على صِفَةٍ أُخْرَى فَلَا يَجُوزُ إلْزَامُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ على الْآخَرِ قال الشَّيْخُ وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ الْكَسْرَ نَقْضٌ من حَيْثُ الْمَعْنَى فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ النَّقْضِ من طَرِيقِ اللَّفْظِ وَأَيْضًا فإن ما أَوْجَدَهُ من الْمَعْنَى مِثْلُ الْمَعْنَى الذي عَلَّلَ بِهِ
  399. وإذا لم يَتَعَلَّقْ بِذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُوجِدُ دَلَّ على عَدَمِ تَعَلُّقِهِ بِالْمَعْنَى الذي ذَكَرَهُ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ في سُؤَالِ الْكَسْرِ من حَذْفِ وَصْفٍ من الْأَصْلِ أو إبْدَالِهِ بِغَيْرِهِ كما في مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْغَائِبِ فإنه حَذْفُ خُصُوصِ كَوْنِهِ بَيْعًا وَإِبْدَالُهُ في النِّكَاحِ وَالنَّظَرُ في خُصُوصِ الْأَوْصَافِ وَحَذْفُ ما حُذِفَ منها وَإِبْدَالُهُ مَوْضِعُهُ الْفِقْهُ وَعَلَى هذا فَلَا يَتَوَجَّهُ السُّؤَالُ إلَّا إذَا كان الْمَحْذُوفُ غير مُؤَثِّرٍ وَإِلَّا لم يَجُزْ حَذْفُهُ وإذا كان الْحَذْفُ غير مُؤَثِّرٍ فَالْمَجْمُوعُ من حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ وإذا حَذَفَ وَصْفًا اعْتَقَدَهُ غير مُؤَثِّرٍ لم يَرِدْ النَّقْضُ إلَّا على الْبَاقِي قال ابن بَرْهَانٍ الْكَسْرُ سُؤَالٌ صَحِيحٌ عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ وقال الْخُرَاسَانِيُّونَ بَاطِلٌ وقال في الْمَنْخُولِ قال الْجَدَلِيُّونَ الْكَسْرُ يُفَارِقُ النَّقْضَ فإنه يَرِدُ على إخَالَةٍ لَا على عِبَارَتِهِ وَالنَّقْضُ يَرِدُ على الْعِبَارَةِ قال وَعِنْدَنَا لَا مَعْنَى لِلْكَسْرِ فإن كُلَّ عِبَارَةٍ لَا إخَالَةَ فيها فَهِيَ طَرْدٌ مَحْذُوفٌ وَالْوَارِدُ على الْإِخَالَةِ نَقْضٌ وَلَوْ أَوْرَدَ على أَحَدِ الْوَصْفَيْنِ مع كَوْنِهِمَا مُخَيَّلَيْنِ فَهُوَ بَاطِلٌ لَا يُقْبَلُ نعم تَرَدَّدَ الْقَاضِي في أَنَّ الْمُعَلِّلَ هل يَجُوزُ له الِاحْتِرَازُ عن الْمَسْأَلَةِ الْمُسْتَثْنَاةِ عن الْقِيَاسِ بِطَرْدٍ أَمْ لَا قال وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ أَصْلًا فإنه ليس بِنَقْضٍ وَلَوْ فَعَلَهُ اسْتَبَانَ بِهِ فَكَانَ أَحْسَنَ وَمَذْهَبُنَا أَنَّ الْعِلَّةَ مُنْتَقِضَةٌ بِهِ فَلَا مَعْنَى لِلِاحْتِرَازِ بِالطَّرْدِ تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ ذَكَرَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ في الْمُهَذَّبِ فِيمَا لو مَاتَتْ الْأُمَّهَاتُ كُلُّهَا وَالْفُرُوعُ زَكَّى بِحَوْلِ الْأُمَّهَاتِ وقال الْأَنْمَاطِيُّ يُشْتَرَطُ بَقَاءُ نِصَابٍ من الْأُمَّهَاتِ فَلَوْ نَقَصَ عن النِّصَابِ انْقَطَعَتْ التَّبَعِيَّةُ قال وما قَالَهُ يَنْكَسِرُ عليه بِوَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ أَيْ فإنه يَثْبُتُ له حَقُّ الْحُرِّيَّةِ لِثُبُوتِهِ لِلْأُمِّ ثُمَّ يَسْقُطُ حَقُّ الْأُمِّ بِمَوْتِهَا وَلَا يَسْقُطُ حَقُّ الْوَلَدِ بَلْ يَعْتِقُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ كما كانت الْأُمُّ تَعْتِقُ بِمَوْتِهِ وقال الْأَصْحَابُ في بَابِ الْقِرَاضِ إذَا مَاتَ الْمَالِكُ انْفَسَخَ الْقِرَاضُ فَلَوْ أَرَادَ الْوَارِثُ تَقْرِيرَ الْعَقْدِ وَالْبَاقِي نَاضٌّ جَازَ قَطْعًا وَإِنْ كان عُرُوضًا قال أبو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ يَجُوزُ لِأَنَّهُ إنَّمَا امْتَنَعَ الْقِرَاضُ في الْعُرُوضِ ابْتِدَاءً وَهَذَا ليس بِابْتِدَاءٍ بَلْ بِنَاءً على أَصْلٍ عِنْدَ الْمَالِكِ وقال الْجُمْهُورُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْقِرَاضَ الْأَوَّلَ بَطَلَ بِالْمَوْتِ وما قَالَهُ أبو إِسْحَاقَ يَنْكَسِرُ بِمَا لو دَفَعَ مَالًا قِرَاضًا يَعْمَلُ فيه عَامِلٌ وَحَصَّلَ الْمَالَ عُرُوضًا ثُمَّ تَفَاسَخَا الْقِرَاضَ ثُمَّ أَرَادَا أَنْ يَعْقِدَا الْقِرَاضَ لَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ كان مَبْنِيًّا على ما
  400. سَبَقَ الثَّانِي قِيلَ الْخِلَافُ في سُؤَالِ الْكَسْرِ يَنْبَنِي على الْخِلَافِ في الْقِيَاسِ في الْأَسْبَابِ فَمَنْ جَوَّزَهُ قَبِلَ سُؤَالَ الْكَسْرِ وَمَنْ لم يُجَوِّزْهُ لم يَسْمَعْ الْكَسْرَ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ إذَا قال وَصْفُ السَّرِقَةِ كان مُنَاسِبًا لِمَعْنَى كَذَا وهو مَوْجُودٌ في النَّبْشِ فَيَكُونُ سَبَبًا فَإِنْ بَيَّنَ أَنَّهُمَا اشْتَرَكَا في خَاصَّةٍ بين النَّبْشِ وَالسَّرِقَةِ يُفَارِقُهَا غَيْرُهَا فيها صَحَّ الْجَمِيعُ وَإِنْ لم يذكر خَاصَّةً فقال يَبْطُلُ بِالزِّنَى وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَغَيْرِ ذلك فإن الْمَعْنَى الذي وُجِدَ في السَّرِقَةِ وُجِدَ في قَطْعِ الطَّرِيقِ وهو الْحَاجَةُ إلَى الزَّجْرِ ولم يَنْتَهِضْ سَبَبًا لِمِثْلِ حُكْمِ السَّرِقَةِ فَيَحْتَاجُ الْمُسْتَدِلُّ أَنْ يَذْكُرَ بين النَّبْشِ وَالسَّرِقَةِ خَاصَّةً تَجْمَعُهُمَا فَكَأَنَّ صِحَّةَ الْكَسْرِ مَوْضُوعَةٌ على صِحَّةِ الْقِيَاسِ في الْأَسْبَابِ فَكُلُّ من لم يُجَوِّزْ ذلك يَلْزَمُهُ أَنْ لَا يُصَحِّحَ الْكَسْرَ وَلَا طَرِيقَ لِتَصْحِيحِ الْكَسْرِ إلَّا بِمَا ذَكَرْنَا وَكُلُّ من لم يَبْنِ صِحَّةَ الْكَسْرِ على هذا الطَّرِيقِ لم يَعْرِفْ حَقِيقَتَهُ
  401. فَصْلٌ جَوَابُ الْكَسْرِ نحو ما سَبَقَ من الْأَجْوِبَةِ في النَّقْضِ لِأَنَّهُ نَقْضٌ في الْمَعْنَى قِيلَ إلَّا أَنَّ مَنْعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ هُنَا أَظْهَرُ منه في النَّقْضِ لِأَنَّ الْحِكْمَةَ قد تَتَفَاوَتُ فَقَدْ لَا يَحْصُلُ ما هو مَنَاطُ الْحُكْمِ منه في الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ وَمَنَعَ انْتِقَالَ الْحُكْمِ هَاهُنَا فَانْدَفَعَ بِوَجْهٍ آخَرَ وهو أَنَّهُ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ حُكْمٌ هو أَوْلَى بِالْحِكْمَةِ وقال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ رَحِمَهُ اللَّهُ الْجَوَابُ الْمُعْتَمَدُ في الْكَسْرِ الْفَرْقُ من طَرِيقِ الْمَعْنَى على وَجْهِ الدَّفْعِ وَلَا يَكْفِي رَدُّهُ بِأَنَّ في الْأَصْلِ ما يُوَافِقُ هذه الْمَسْأَلَةَ وَأَنْتَ لَا تَقُولُ بِهِ فَلَا يَلْزَمُنِي كما في النَّقْضِ وَلَا يَكْفِي الْفَرْقُ بَعْدَ لُزُومِ الْكَسْرِ بِمَا لَا يُدْفَعُ عن الْعِلَّةِ وهو الْفَرْقُ مع وُجُودِ الْمَعْنَى الذي عَلَّلَ بِهِ كما لو فَرَّقَ بَعْدَ النَّقْضِ من طَرِيقِ اللَّفْظِ الثَّالِثُ عَدَمُ الْعَكْسِ وهو وُجُودُ الْحُكْمِ بِدُونِ الْوَصْفِ في صُورَةٍ أُخْرَى بِعِلَّةٍ أُخْرَى كَاسْتِدْلَالِ الْحَنَفِيِّ على مَنْعِ تَقْدِيمِ أَذَانِ الصُّبْحِ بِقَوْلِهِ صَلَاةٌ لَا تُقْصَرُ فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ أَذَانِهَا على وَقْتِهَا كَالْمَغْرِبِ فَنَقُولُ هذا الْوَصْفُ لَا يَنْعَكِسُ لِأَنَّ الْحُكْمَ الذي هو مَنْعُ تَقْدِيمِ الْأَذَانِ على الْوَقْتِ مَوْجُودٌ فِيمَا قَصُرَ من الصَّلَوَاتِ بِعِلَّةٍ أُخْرَى وَعَدُّ هذا من الْقَوَادِحِ مَبْنِيٌّ على مَسْأَلَتَيْنِ إحْدَاهُمَا أَنَّ الْعَكْسَ هل هو شَرْطٌ في الْعِلَّةِ وَفِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ وَالثَّانِيَةُ امْتِنَاعُ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِالنَّوْعِ بِعِلَّتَيْنِ لِأَنَّ النَّوْعَ بَاقٍ فيه فَإِنْ جَوَّزْنَاهُ وهو الْمُخْتَارُ لم يَقْدَحْ فإن الْعِلَلَ الشَّرْعِيَّةَ يَخْلُفُ بَعْضُهَا بَعْضًا قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إذَا قُلْنَا إنَّ اجْتِمَاعَ الْعِلَلِ على مَعْلُولٍ وَاحِدٍ غَيْرُ وَاقِعٍ أَيْ كما هو اخْتِيَارُهُ فَالْعَكْسُ لَازِمٌ ما لم يَثْبُتْ الْحُكْمُ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْعِلَّةِ بِتَوْقِيفٍ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ الْمُسْتَدِلَّ بَيَانُهُ بِخِلَافِ ما أَلْزَمْنَاهُ مثله في النَّقْضِ لِأَنَّ ذَاكَ دَاعٍ إلَى الِانْتِشَارِ وَسَبَبُهُ أَنَّ إشْعَارَ النَّفْيِ بِالنَّفْيِ مُنْحَطٌّ عن إشْعَارِ الثُّبُوتِ بِالثُّبُوتِ وَلِهَذَا لو فَرَضْنَا عِلَلًا لَكَانَ إشْعَارُ كل وَاحِدَةٍ بِنَفْيِ الْحُكْمِ كَإِشْعَارِ جُزْءِ الْعِلَّةِ بِالْحُكْمِ لَا كَإِشْعَارِ الْعِلَّةِ الْمُسْتَقِلَّةِ بِهِ وَزَوَالُهَا لِزَوَالِ التَّرْجِيحِ وَاَلَّذِي أَبْطَلَ الْعِلَّةَ إذَا امْتَنَعَ الطَّرْدُ بِتَوْقِيفٍ لَا يُبْطِلُهَا إذَا امْتَنَعَ الْعَكْسُ
  402. بِتَوْقِيفٍ فَلْيَتَلَمَّحْ الطَّالِبُ تَفَاوُتَ الْمَرَاتِبِ وقال الْآمِدِيُّ لَا يَرِدُ سُؤَالُ الْعَكْسِ إلَّا أَنْ يَتَّفِقَ الْمُنَاظِرَانِ على اتِّحَادِ الْعِلَّةِ الرَّابِعُ عَدَمُ التَّأْثِيرِ قال ابن الصَّبَّاغِ وهو من أَصَحِّ ما يَعْتَرِضُ بِهِ على الْعِلَّةِ وهو عَدَمُ إفَادَةِ الْوَصْفِ أَثَرَهُ بِأَنْ يَكُونَ غير مُنَاسِبٍ فَيَبْقَى الْحُكْمُ بِدُونِهِ وَمِنْ ثَمَّ اخْتَصَّ بِقِيَاسِ الْمَعْنَى وَبِالْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ الْمُخْتَلَفِ فيها وَلَا بُدَّ من الْتِزَامِ عَدَمِ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِ الْعِلَّةِ وهو مَعْنَى قَوْلِ الْفُقَهَاءِ إنَّ الْحُكْمَ إذَا تَعَلَّقَ بِعِلَّةٍ زَالَ بِزَوَالِهَا وَلِهَذَا الْتَزَمُوا الطَّرْدَ وَالْعَكْسُ في بَابِ الرِّبَا بِأَنَّ حُكْمَ الرِّبَا لَا يَثْبُتُ اتِّفَاقًا دُونَ عِلَّةِ الرِّبَا وقد اسْتَعْمَلَهُ الشَّافِعِيُّ في مُبَاحَثَةٍ له مع مُحَمَّدِ بن الْحَسَنِ كما سَيَأْتِي قال إلْكِيَا وَعَلَى هذا فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِمْ إنَّ الْعِلَلَ الشَّرْعِيَّةَ أَمَارَاتٌ مَنْصُوبَةٌ على الْحُكْمِ وَمَنْ أَثْبَتَ عَلَامَةً على حُكْمٍ فَلَيْسَ له أَنْ يَنْصِبَ ضِدَّهَا فَإِنَّا بَيَّنَّا أَنَّ الْحُكْمَ إذَا تَعَلَّقَ بِعِلَّةٍ وَثَبَتَ بها فَذَلِكَ الْحُكْمُ الذي صَارَ نَتِيجَةَ الْعِلَّةِ لَا يَبْقَى دُونَ الْعِلَّةِ فإن النَّتِيجَةَ لَا تَبْقَى دُونَ النَّاتِجِ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ ذَكَرَ كَثِيرٌ من أَصْحَابِنَا سُؤَالَ عَدَمِ التَّأْثِيرِ وَلَسْت أَرَى له وَجْهًا بَعْدَ أَنْ يُبَيِّنَ الْمُعَلِّلُ التَّأْثِيرَ لِعِلَّتِهِ وقد ذَكَرْنَا أَنَّ الْعِلَّةَ الصَّحِيحَةَ ما أُقِيمَ الدَّلِيلُ على صِحَّتِهَا بِالتَّأْثِيرِ وقد ذَكَرَ مَشَايِخُ أَصْحَابِنَا في سُؤَالِ عَدَمِ التَّأْثِيرِ وَتَصْحِيحِهِ كَلَامًا طَوِيلًا وَعَدُّوهُ سُؤَالًا قَوِيًّا وَقَالُوا إذَا أَوْرَدَ السَّائِلُ هذا السُّؤَالَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ الْمُعَلِّلُ فَإِنْ وَجَدَ له تَأْثِيرًا في طَرْدِ الْعِلَّةِ وَالْمَأْخُوذِ على الطَّرْدِ وَالْعَكْسِ وَعَلَّلَ الشَّارِعُ شَرْطَهَا الِاطِّرَادَ دُونَ الِانْعِكَاسِ بَلْ إذَا كانت مُطَّرِدَةً مُنْعَكِسَةً تَرَجَّحَ صِحَّةُ الْعِلَّةِ وقد قَسَّمَ أَهْلُ النَّظَرِ عَدَمَ التَّأْثِيرِ إلَى أَقْسَامٍ أَحَدُهَا عَدَمُ التَّأْثِيرِ في الْوَصْفِ بِكَوْنِهِ طَرْدِيًّا وهو رَاجِعٌ إلَى عَدَمِ الْعَكْسِ السَّابِقِ كَقَوْلِنَا صَلَاةُ الصُّبْحِ لَا تُقْصَرُ فَلَا تُقَدَّمُ على وَقْتِهَا كَالْمَغْرِبِ فَقَوْلُهُ لَا تُقْصَرُ وَصْفٌ طَرْدِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى وَصْفِ التَّقْدِيمِ وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إلَى طَلَبِ الْمُنَاسَبَةِ وقد تَنَاظَرَ الشَّافِعِيُّ رضي اللَّهُ عنه مع مُحَمَّدِ بن الْحَسَنِ في مَسْأَلَةِ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ في عِدَّةِ نِكَاحِ أُخْتِهَا الْبَائِنَةِ فإن مُحَمَّدًا قال النِّكَاحُ كان مُحَرَّمًا وقد زَالَ النِّكَاحُ ولم يَبْقَ تَحْرِيمٌ فَسَلَّمَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الذي بَقِيَ من الْعِلَّةِ غَيْرُ النِّكَاحِ ولم يَرَ الْعِدَّةَ عُلْقَةً من عَلَائِقِ النِّكَاحِ لَكِنَّهُ قال يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ بِعِلَّةٍ أُخْرَى وَهِيَ تَوَقُّعُ جَمْعِ الْمَاءِ في رَحِمِ أُخْتَيْنِ فقال
  403. الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ إنْ صَحَّ ذلك فإذا خَلَّاهَا وَطَلَّقَهَا وَشَرَعَتْ في الْعِدَّةِ فَهَلَّا جَازَ نِكَاحُ أُخْتِهَا إذْ لَا جَمْعَ في الْمَاءِ وَلَيْسَ هذا من قَبِيلِ الْعَكْسِ الْمَرْدُودِ فَلَا يُتَّجَهُ أَنْ يُقَالَ في غَيْرِ الْمَمْسُوسَةِ مُعَلَّلَةٌ بِعِلَّةٍ أُخْرَى إذْ التَّحْرِيمُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالنِّكَاحِ أو الْجَمْعِ وَلَا ثَالِثَ فَلَا يَبْقَى بَعْدَهَا إلَّا صُورَةُ الْعِدَّةِ وَلَا نَظَرَ إلَيْهَا الثَّانِي عَدَمُ التَّأْثِيرِ في الْأَصْلِ بِكَوْنِهِ مُسْتَغْنًى عنه في الْأَصْلِ لِوُجُودِ مَعْنًى آخَرَ مُسْتَقِلٍّ بِالْغَرَضِ كَقَوْلِنَا في بَيْعِ الْغَائِبِ مَبِيعٌ غَيْرُ مَرْئِيٍّ فَلَا يَصِحُّ كَالطَّيْرِ في الْهَوَاءِ فَنَقُولُ لَا أَثَرَ لِكَوْنِهِ غير مَرْئِيٍّ فإن الْعَجْزَ عن التَّسْلِيمِ كَافٍ لِأَنَّ بَيْعَ الطَّيْرِ لَا يَصِحُّ إنْ كان مَرْئِيًّا وَحَاصِلُهُ مُعَارَضَةٌ في الْأَصْلِ لِأَنَّ الْمُعْتَرِضَ يُلْغِي من الْعِلَّةِ وَصْفًا ثُمَّ يُعَارِضُ الْمُسْتَدِلَّ بِمَا بَقِيَ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَاَلَّذِي صَارَ إلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ فَسَادُ الْعِلَّةِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَقِيلَ بَلْ يَصِحُّ لِأَنَّ ذلك الْقَيْدَ له أَثَرٌ في الْجُمْلَةِ وَإِنْ كان مُسْتَغْنًى عنه كَالشَّاهِدِ الثَّالِثِ بَعْدَ شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ وهو مَرْدُودٌ لِأَنَّ ذلك الْقَيْدَ ليس مَحَلَّهُ وَلَا وَصْفًا له فَذِكْرُهُ لَغْوٌ بِخِلَافِ الشَّاهِدِ الثَّالِثِ فإنه يَتَهَيَّأُ لَأَنْ يَصِيرَ عِنْدَ ذلك أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ رُكْنًا قال وَأَمَّا الْوَصْفُ الذي لَا أَثَرَ له إمَّا أَنْ يُذْكَرَ لِدَفْعِ نَقْضِ ما لَوْلَاهُ لَوَرَدَ أَوَّلًا فَإِنْ لم يَكُنْ لِدَفْعِ النَّقْضِ فَهُوَ هَدَرٌ وَإِلَّا فَالطَّارِدُونَ جَوَّزُوا ذِكْرَهُ لِدَفْعِ النَّقْضِ وَغَيْرُهُمْ اخْتَلَفُوا فيه وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ إذَا كان النَّقْضُ من مَسَائِلِ الِاسْتِثْنَاءِ فَذِكْرُ هذا الْوَصْفِ في الدَّلِيلِ لِلتَّنْبِيهِ على مَحَلِّ الِاسْتِثْنَاءِ لَا تَأْثِيرَ فيه وَإِلَّا فَلَا وَجَعَلَ الْبَيْضَاوِيُّ في مِنْهَاجِهِ كَوْنَ عَدَمِ التَّأْثِيرِ من الْقَوَادِحِ مَبْنِيًّا على مَنْعِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِالشَّخْصِ بِعِلَّتَيْنِ فَإِنْ جَوَّزْنَا وهو الْمُخْتَارُ لم يَقْدَحْ وَسَبَقَهُ إلَى الْبِنَاءِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وقال ابن الْحَاجِبِ كُلُّ ما فُرِضَ جَعْلُهُ وَصْفًا في الْعِلَّةِ من طَرْدِيٍّ إنْ كان الْمُسْتَدِلُّ مُعْتَرِفًا بِهِ فَقِيلَ مَرْدُودٌ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَكُونُ غير مَرْدُودٍ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ فيه غَرَضٌ صَحِيحٌ لِدَفْعِ النَّقْضِ الصَّحِيحِ إلَى النَّقْضِ الْمَكْسُورِ وَهَذَا صَعْبٌ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فإنه مُعْتَرِفٌ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ الثَّالِثُ عَدَمُ التَّأْثِيرِ في الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ جميعا بِأَنْ تَكُونَ له فَائِدَةٌ في الْحُكْمِ إمَّا ضَرُورِيَّةٌ كَقَوْلِ من اعْتَبَرَ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْأَحْجَارِ عِبَادَةً مُتَعَلِّقَةً بِالْأَحْجَارِ لم تَتَقَدَّمْهَا مَعْصِيَةٌ فَاشْتَرَطَ فيها الْعَدَدَ كَالْجِمَارِ وَإِمَّا غير ضَرُورِيَّةٍ فَإِنْ لم يَعْتَبِرْ الضَّرُورِيَّةَ لم يَعْتَبِرْهَا من طَرِيقٍ أَوْلَى وَإِلَّا فَتُرَدُّ مِثَالُهُ قَوْلُنَا الْجُمُعَةُ صَلَاةٌ مَفْرُوضَةٌ فلم تَفْتَقِرْ إلَى إذْنِ الْإِمَامِ كَالظُّهْرِ فإن قَوْلَنَا مَفْرُوضَةٌ حَشْوٌ إذْ لو حُذِفَ لم يُنْتَقَضْ بِشَيْءٍ لَكِنْ ذُكِرَ لِتَقْرِيبِ الْفَرْعِ من الْأَصْلِ بِتَقْوِيَةِ الشَّبَهِ بَيْنَهُمَا إذْ الْفَرْضُ بِالْفَرْضِ أَشْبَهُ
  404. وَاعْلَمْ أَنَّا إذَا قُلْنَا إنَّ عَدَمَ التَّأْثِيرِ في الْأَصْلِ فَقَطْ قَادِحٌ كان هذا قَادِحًا بِطَرِيقٍ أَوْلَى وقال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في الْمُلَخَّصِ هذا الْقِسْمُ أَصْعَبُ ما نَحْنُ فيه وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ عليه الرَّابِعُ عَدَمُ التَّأْثِيرِ في الْفَرْعِ كَقَوْلِهِمْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا فَلَا يَصِحُّ كما لو تَزَوَّجَتْ من غَيْرِ كُفْءٍ فَنَقُولُ غَيْرِ كُفْءٍ لَا أَثَرَ له فإن النِّزَاعَ في الْكُفْءِ وَنَحْوِهِ سَوَاءٌ وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إلَى الثَّانِي وَيَرْجِعُ أَيْضًا إلَى الْمُنَاقَشَةِ في الْفَرْضِ وهو تَخْصِيصُ بَعْضِ صُوَرِ النِّزَاعِ بِالْحِجَاجِ وقد اُخْتُلِفَ فيه على مَذَاهِبَ الْجَوَازُ وهو الْأَصَحُّ وَالْمَنْعُ قَالَهُ الْأُسْتَاذُ أبو بَكْرٍ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إنْ كان مُبَيِّنًا لِمَحَلِّ السُّؤَالِ لم يَجُزْ كما إذَا سُئِلَ الشَّافِعِيُّ عن ضَمَانِ الضَّيْفِ الْمَغْرُورِ فقال يَبْرَأُ وَفُرِضَ في الْمُكْرَهِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ إذْ بَرَاءَةُ الْمُكْرَهِ لِأَنَّهُ آلَةٌ وَبَرَاءَةُ الضَّيْفِ لِأَنَّهُ مَغْرُورٌ فَفِي كل مَسْأَلَةٍ عِلَّةٌ مُبَايِنَةٌ فَتَقَاطَعَتَا وَإِنْ لم يَكُنْ بِأَنْ وَقَعَ في طَرِيقٍ يَشْتَمِلُ عليه سُؤَالُ السَّائِلِ جَازَ كما لو سُئِلَ عن عِتْقِ الرَّاهِنِ فَأَبْطَلَهُ وَفُرِضَ في الْمُعْسِرِ وَالْخَامِسُ عَدَمُ التَّأْثِيرِ في الْحُكْمِ وهو أَنْ يَذْكُرَ في الدَّلِيلِ وَصْفًا لَا تَأْثِيرَ له في الْحُكْمِ الْمُعَلِّلِ بِهِ كَقَوْلِنَا في الْمُرْتَدِّينَ يُتْلِفُونَ الْأَمْوَالَ مُشْرِكُونَ أَتْلَفُوا في دَارِ الْحَرْبِ فَلَا ضَمَانَ كَالْحَرْبِيِّ فإن دَارَ الْحَرْبِ لَا مَدْخَلَ لها في الْحِكْمَةِ فَلَا فَائِدَةَ لِذِكْرِهَا إذْ من أَوْجَبَ الضَّمَانَ أَوْجَبَهُ وَإِنْ لم يَكُنْ في دَارِ الْحَرْبِ وَكَذَا من نَفَاهُ نَفَاهُ مُطْلَقًا وَيَرْجِعُ إلَى الضَّرْبِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ يُطَالَبُ بِأَمْرِ كَوْنِهِ في دَارِ الْحَرْبِ وَالْفَرْقُ بين هذا والثالث أَنَّ هذا أَعَمُّ وَذَاكَ أَخَصُّ فإنه يَلْزَمُ من أَنْ يَكُونَ له تَأْثِيرٌ في الْحُكْمِ أَنْ لَا يَكُونَ له تَأْثِيرٌ في الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ من غَيْرِ عَكْسٍ وَلِهَذَا لم يذكر الْآمِدِيُّ وابن الْحَاجِبِ الثَّالِثَ وقال الْآمِدِيُّ حَاصِلُ هذا الْقِسْمِ يَرْجِعُ إلَى عَدَمِ التَّأْثِيرِ في الْوَصْفِ فلم يَبْقَ غَيْرُ عَدَمِ التَّأْثِيرِ في الْوَصْفِ وفي الْأَصْلِ قُلْت وَلِهَذَا اقْتَصَرَ على إيرَادِهَا في الْمِنْهَاجِ وهو من مَحَاسِنِهِ تَنْبِيهٌ عَدَمُ الْعَكْسِ وَعَدَمُ التَّأْثِيرِ من بَابٍ وَاحِدٍ وقد بَانَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ عَدَمَ التَّأْثِيرِ أَعَمُّ من عَدَمِ الْعَكْسِ وهو الذي نَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عن الْجَدَلِيِّينَ أَنَّهُمْ قَسَّمُوا عَدَمَ التَّأْثِيرِ إلَى ما يَقَعُ في وَصْفِ الْعِلَّةِ وَإِلَى ما يَقَعُ في أَصْلِهَا وَجَعَلُوا الْوَاقِعَ في الْأَصْلِ مُعَلَّلًا بِعِلَلٍ فَالْعِلَّةُ الْوَاحِدَةُ لَا يَتَضَمَّنُ انْتِفَاؤُهَا انْتِفَاءَ الْحُكْمِ وَهَذَا مَنْشَؤُهُ من تَعَدُّدِ
  405. الْعِلَّةِ في الْأَصْلِ وَإِنْ اتَّحَدَتْ الْعِلَّةُ جَرّ ذلك إلَى الِانْعِكَاسِ وهو يُوَضِّحُ أَنَّ تَقْسِيمَهُ إلَى الْأَصْلِ وَالْوَصْفِ لَا حَاصِلَ له وقال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في كِتَابِ الْحُدُودِ إنَّ الْقَاضِيَ أَبَا الطَّيِّبَ يَذْهَبُ إلَى أَنَّ التَّأْثِيرَ وَالْعَكْسَ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْعَكْسَ عَدَمُ الْعِلَّةِ لِعَدَمِ الْحِكْمَةِ وَالتَّأْثِيرُ زَوَالُ الْحُكْمِ لِزَوَالِ الْعِلَّةِ في مَوْضِعٍ ما قال وَمِنْ أَصْحَابِنَا من قال يَجِبُ زَوَالُ الْحُكْمِ لِزَوَالِ الْعِلَّةِ في مَوْضِعٍ من أَصْلِ الْعِلَّةِ وَمِنْهُمْ من قال لَا فَرْقَ بين أَنْ يَزُولَ الْحُكْمُ لِزَوَالِ الْعِلَّةِ في مَوْضِعٍ من أَصْلِ الْعِلَّةِ أو من سَائِرِ الْأُصُولِ وَهَذَا هو الصَّحِيحُ وَإِلَيْهِ رَجَعَ الْقَاضِي فَعَلَى هذا الْفَرْقُ بين الْعَكْسِ وَالتَّأْثِيرِ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْعَكْسَ هو زَوَالٌ لِزَوَالِ الْعِلَّةِ في جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ أو في أَيِّ مَوْضِعٍ كانت وَالتَّأْثِيرُ زَوَالُهُ لِزَوَالِ الْعِلَّةِ في مَوْضِعٍ انْتَهَى فَرْعٌ ذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ ليس لِلْمُسْتَدِلِّ إلْزَامُ الْمُعْتَرِضِ نَفْيَ الْحُكْمِ عِنْدَ نَفْيِ عِلَّتِهِ بِمُجَرَّدِ إقَامَةِ الدَّلِيلِ على عِلَّتِهِ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَدْعُوهُ إلَى إلْزَامِ الْعَكْسِ فَعَلَيْهِ حِينَئِذٍ أَنْ يَضُمَّ إلَى تَصْحِيحِ عِلَّتِهِ إبْطَالَ عِلَّةِ خَصْمِهِ فإذا تَمَّ له ذلك دَعَاهُ إلَى الْعَكْسِ فَإِنْ بَيَّنَ الْخَصْمُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ حِينَئِذٍ مع نَفْيِ الْعِلَّةِ فَعَلَى الْمُسْتَدِلِّ حِينَئِذٍ أَنْ يُبَيِّنَ التَّوْقِيفَ الذي مَنَعَ الْعَكْسَ ثُمَّ طَرَدَ الْإِمَامُ هذا في الْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ إذَا عَارَضَهَا الْخَصْمُ بِمُتَعَدِّيَةٍ فَعَلَى الْمُعَلِّلِ بِالْقَاصِرَةِ إبْطَالُ الْمُتَعَدِّيَةِ فإذا تَمَّ له إبْطَالُهَا أَلْزَمَ خَصْمَهُ حِينَئِذٍ نَفْيَ الْحُكْمِ في مَحَلِّ التَّعَدِّي لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ عنه تَنْبِيهٌ قد يَبْقَى الْحُكْمُ بَعْدَ زَوَالِ عِلَّتِهِ في صُوَرٍ على أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ رضي اللَّهُ عنه كَلَمْسِ الْمَحَارِمِ وَتَحْرِيمِ الِادِّخَارِ في زَمَانِنَا لِأَجْلِ من دُفَّ وَمَنْعِ ثُبُوتِ الْخِيَارِ لِلْجَلْبِ إنْ لم يَغْبِنْ وَلِمَنْ لم يَعْلَمْ بِالْعَيْبِ إلَّا بَعْدَ زَوَالِهِ وَلِمَنْ عَتَقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ ولم تَعْلَمَ عِتْقَهَا حتى عَتَقَ وَإِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ لِمَنْ بَاعَ حِصَّتَهُ قبل الْعِلْمِ بها وَالْمُرَجَّحُ فيها زَوَالُ الْحُكْمِ عِنْدَ زَوَالِ الْعِلَّةِ وَشَذَّ عن هذا وَطْءُ الرَّاهِنِ الْمَرْهُونَةَ فإنه حَرَامٌ إنْ كانت مِمَّنْ لَا تَحْبَلُ وَمُدْرَكُهُ أَنَّ الْمَظِنَّةَ تُقَامُ مَقَامَ الْمَظْنُونِ
  406. الْخَامِسُ الْقَلْبُ وَيَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ في حَقِيقَتِهِ وقد اُخْتُلِفَ في تَعْرِيفِهِ فقال الْآمِدِيُّ هو أَنْ يُبَيِّنَ الْقَالِبُ أَنَّ ما ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ يَدُلُّ عليه لَا له أو يَدُلُّ عليه وَلَهُ قال وَالْأَوَّلُ قَلَّمَا يَتَّفِقُ في الْأَقْيِسَةِ وَمِثْلُهُ في الْمَنْصُوصِ بِاسْتِدْلَالِ الْحَنَفِيِّ في تَوْرِيثِ الْخَالِ بِقَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم الْخَالُ وَارِثُ من لَا وَارِثَ له فَأَثْبَتَ إرْثَهُ عِنْدَ عَدَمِ الْوَارِثِ فيقول الْمُعْتَرِضُ هذا يَدُلُّ عَلَيْك لَا لَك لِأَنَّ مَعْنَاهُ نَفْيُ تَوْرِيثِ الْخَالِ بِطَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ أَيْ الْخَالُ لَا يَرِثُ كما يُقَالُ الْجُوعُ زَادُ من لَا زَادَ له وَالصَّبْرُ حِيلَةُ من لَا حِيلَةَ له أَيْ ليس الْجُوعُ زَادًا وَلَا الصَّبْرُ حِيلَةً وَاَلَّذِي يَدُلُّ على الْمُسْتَدِلِّ وَلَهُ مَحَلُّ التَّقْسِيمِ وقال الْإِمَامُ الرَّازِيَّ هو إنْ تَعَلَّقَ على الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ في قِيَاسٍ يَقْتَضِي الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ فيه وَيُرَدُّ إلَى ذلك الْأَصْلِ بِعَيْنِهِ وَإِنَّمَا اشْتَرَطْنَا اتِّحَادَ الْأَصْلِ لِأَنَّهُ لو رُدَّ إلَى أَصْلٍ آخَرَ لَكَانَ حُكْمُ ذلك الْأَصْلِ الْآخَرِ إمَّا حَاصِلًا في الْأَصْلِ الْأَوَّلِ فَمَرَدُّهُ إلَيْهِ أو غير حَاصِلٍ بِأَصْلِ الْقِيَاسِ الْأَوَّلِ نُقِضَ على تِلْكَ الْعِلَّةِ قال الْهِنْدِيُّ وهو غَيْرُ جَامِعٍ لِخُرُوجِ ما يَكُونُ من الْقَلْبِ في غَيْرِ الْقِيَاسِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقَلْبَ لَا يَخْتَصُّ بِالْقِيَاسِ قال وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ دَعْوَى لِأَنَّ ما ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ عليه لَا له في تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ على ذلك الْوَجْهِ الثَّانِي في اعْتِبَارِهِ وقد أَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ من جِهَةِ أَنَّ الْحُكْمَيْنِ أَعْنِي ما يُثْبِتُهُ الْمُسْتَدِلُّ وما يُثْبِتُهُ الْقَالِبُ إنْ لم يَتَنَافَيَا فَلَا قَلْبَ إذْ لَا مَنْعَ من اقْتِضَاءِ الْعِلَّةِ الْوَاحِدَةِ لِحُكْمَيْنِ غَيْرِ مُتَنَافِيَيْنِ فَلَا يَفْسُدُ بِهِ وَإِنْ اسْتَحَالَ اجْتِمَاعُهُمَا في صُورَةٍ وَاحِدَةٍ فلم يُمْكِنْ الرَّدُّ إلَى
  407. ذلك الْأَصْلِ بِعَيْنِهِ فَلَا يَكُونُ قَلْبًا إذْ لَا بُدَّ فيه من الرَّدِّ إلَى ذلك الْأَصْلِ وَالْجُمْهُورُ على إمْكَانِهِ وَأَجَابُوا عن هذا بِأَنَّ الْحُكْمَيْنِ غَيْرُ مُتَنَافِيَيْنِ لِذَاتِهِمَا فَلَا جَرَمَ يَصِحُّ اجْتِمَاعُهُمَا في الْأَصْلِ لَكِنْ قام الدَّلِيلُ على امْتِنَاعِ اجْتِمَاعِهِمَا في الْفَرْعِ فإذا أَثْبَتَ الْقَالِبُ الْحُكْمَ الْآخَرَ في الْفَرْعِ بِالرَّدِّ إلَى الْأَصْلِ وَشَهَادَةِ اعْتِبَارِهِ امْتَنَعَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ فيه وَأَحَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إشْعَارَ الْوَصْفِ الْوَاحِدِ بِحُكْمَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ فَمَنَعَ الشَّارِحُ الْإِبْيَارِيُّ التَّنَاقُضَ بين حُكْمَيْ الْعِلَّةِ وَقَلْبِهَا في الثَّانِي وَاسْتَدَلَّ على عَدَمِ التَّنَاقُضِ بِاجْتِمَاعِ الْحُكْمَيْنِ في الْأَصْلِ قال ابن الْمُنِيرِ وَالصَّوَابُ مَنْعُ الْإِمَامِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَوَاضِعِ الْمُسْتَدِلِّ وَالْقَالِبِ لِأَنَّهُمَا تَوَاضَعَا على أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ في الْفَرْعِ وَلَا يَرْتَفِعَانِ عنه فَهِيَ مُنَاقَضَةٌ بِالْمُوَاضَعَةِ لَا بِالْحَقِيقَةِ لَكِنْ لَا أُصَوِّبُ قَوْلَهُ إنَّ الْوَصْفَ الْوَاحِدَ لَا يُشْعِرُ بِمُتَنَاقِضَيْنِ فإنه قد يُشْعِرُ بِهِمَا بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى يَسْأَلُونَكَ عن الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ غَايَةُ ما في الْبَابِ أَنَّ الْوَفَاءَ بِالْحُكْمَيْنِ لَا يُتَصَوَّرُ فَتَعَيَّنَ أَحَدُهُمَا بِالتَّرْجِيحِ كما قال تَعَالَى وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ من نَفْعِهِمَا فَنَبَّهَ على رُجْحَانِ الْمَفْسَدَةِ الثَّالِثُ في أَنَّهُ قَادِحٌ أَمْ لَا وقد اخْتَلَفُوا فيه فَقِيلَ هو إفْسَادُ الْعِلَّةِ مُطْلَقًا فَلَا يَصِحُّ التَّعْلِيقُ بها لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَنَقَلَ تَسْلِيمَ الصِّحَّةِ مُطْلَقًا لِأَنَّ الْجَامِعَ دَلِيلٌ وَالْخِلَافُ في أَنَّهُ دَلِيلٌ لِلْمُسْتَدِلِّ أو عليه وَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ من يُسَمِّيهِ مُعَارَضَةً فإن الْمُعَارَضَةَ لَا تُفْسِدُ الْعِلَّةَ فَلَا يَمْنَعُ من التَّعَلُّقِ بها حتى يَثْبُتَ رُجْحَانُهَا من خَارِجٍ وهو قَوْلُ الشَّيْخِ أبي إِسْحَاقَ وَقِيلَ إنَّهُ تَسْلِيمٌ لِلصِّحَّةِ على تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ وَظَاهِرُ كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ لَازِمٌ جَدَلًا لَا دَيْنًا وَلِهَذَا قال تَلْتَبِسُ فيه الْحُظُوظُ الْمَعْنَوِيَّةُ بِالْمَرَاسِمِ الْجَدَلِيَّةِ بِخِلَافِ الْمُعَارَضَةِ فَإِنَّهَا مُنَاقَضَةٌ دَيْنًا وَجَدَلًا وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ حُجَّةٌ قَادِحَةٌ في الْعِلَّةِ قال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَذَكَرَ الشَّيْخُ أبو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ من أَئِمَّةِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ من أَلْطَفِ ما يَسْتَعْمِلُهُ النَّاظِرُ وَسَمِعْت الْقَاضِيَ أَبَا الطَّيِّبِ الطَّبَرِيَّ يقول إنَّ هذا الْقَلْبَ إنَّمَا ذَكَرَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ من أَصْحَابِنَا حَيْثُ اسْتَدَلَّ أبو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ في مَسْأَلَةِ السَّاحَةِ قال في هَدْمِ الْبِنَاءِ ضَرَرٌ بِالْغَاصِبِ فقال له أَصْحَابُنَا وفي مَنْعِ صَاحِبِ
  408. السَّاحَةِ من سَاحَتِهِ إضْرَارٌ فقال يَجِبُ أَنْ يَذْكُرَ مِثْلَ هذا في الْقِيَاسِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا من قال لَا يَصِحُّ سُؤَالُ الْقَلْبِ قال وهو شَاهِدُ زُورٍ يَشْهَدُ لك وَيَشْهَدُ عَلَيْك لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إلَّا فَرْضُ مَسْأَلَةٍ على الْمُسْتَدِلِّ وَلَيْسَ لِلسَّائِلِ ذلك لِأَنَّهُ انْتِقَالٌ وَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّ الْقَالِبَ عَارَضَ الْمُسْتَدِلَّ بِمَا لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ دَلِيلِهِ فَصَارَ كما لو عَارَضَهُ بِدَلِيلٍ آخَرَ وَقِيلَ هو بَاطِلٌ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا في الْأَوْصَافِ الطَّرْدِيَّةِ وقال أبو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ الْقَلْبُ سُؤَالٌ صَحِيحٌ يُوقِفُ الِاسْتِدْلَالَ بِالْعِلَّةِ وَيُفْسِدُهَا وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وكان الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ وَشَيْخُنَا أبو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ يَقُولَانِ هو مُعَارَضَةٌ وَأَنَّهُ لَا يُفْسِدُ الْعِلَّةَ قال وَعِنْدِي فيه تَفْصِيلٌ وهو أَنَّ الْقَلْبَ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا قَلْبٌ بِجَمِيعِ أَوْصَافِ الْعِلَّةِ فَهَذَا يُفْسِدُ الْعِلَّةَ الْمَقُولَ بها لِأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لِلْعِلَّةِ تَعَلُّقٌ بِالْحُكْمِ الذي تَعَلَّقَ عليها وَاخْتِصَاصٌ بِحَيْثُ لَا يَصِحُّ تَعَلُّقُ الضِّدِّ بها فإذا بَيَّنَ السَّائِلُ صِحَّةَ أَنْ يُعَلِّقَ عليها ضِدَّهُ خَرَجَتْ عن أَنْ تَكُونَ عِلَّةً كَقَوْلِنَا في أَنَّ الْخِيَارَ في الْمَبِيعِ يُورَثُ فإن الْمَوْتَ مَعْنًى يُزِيلُ التَّكْلِيفَ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُبْطِلَ الْخِيَارَ كَالْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ فيقول الْحَنَفِيُّ أَقْلِبُ هذه الْعِلَّةَ فَأَقُولُ إنَّ الْمَوْتَ مَعْنًى يُبْطِلُ التَّكْلِيفَ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَنْقُلَ الْخِيَارَ إلَى الْوَارِثِ كَالْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ ثَانِيهِمَا الْقَلْبُ بِبَعْضِ الْأَوْصَافِ فَهَذَا هو مُعَارَضَةٌ على ما ذَكَرَهُ شَيْخُنَا لِأَنَّ لِلْمُسْتَدِلِّ أَنْ يَقُولَ إنَّمَا جَعَلْتُ الْعِلَّةَ جَمِيعَ الْأَوْصَافِ فإذا قَلَبَ بِبَعْضِهَا فلم تَفْسُدْ الْعِلَّةُ إنَّمَا جِئْتُ بِأُخْرَى كَقَوْلِ الْمَالِكِيِّ في ضَمِّ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ في الزَّكَاةِ مَالَانِ زَكَاتُهُمَا رُبُعُ الْعُشْرِ بِكُلِّ حَالٍ فَيُضَمُّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ في الزَّكَاةِ كَالصِّحَاحِ وَالْمُكَسَّرَةِ فيقول الشَّافِعِيُّ أَقْلِبُ الْعِلَّةَ وَأَقُولُ مَالَانِ زَكَاتُهُمَا رُبُعُ الْعُشْرُ بِكُلِّ حَالٍ فلم يُضَمَّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ بِالْقِيمَةِ كَالصِّحَاحِ وَالْمُكَسَّرَةِ وَنُقِلَ في الْمَنْخُولِ عن الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ مَرْدُودٌ وَلَيْسَ مُعَارَضَةً فإن شَرْطَهُمَا التَّعَارُضُ في نَفْسِ الْحُكْمِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ نَوْعُ مُعَارَضَةٍ إذْ مُحَالٌ أَنْ يَدُلَّ على الْمَذْهَبَيْنِ من جِهَةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ من جِهَتَيْنِ لِاشْتِرَاكِ الْأَصْلِ وَالْجَامِعِ فَكَانَ أَوْلَى بِالْقَبُولِ وَلِأَنَّ الْمُعَارَضَةَ هِيَ أَبَدًا مَعْنًى في الْأَصْلِ أو الْفَرْعِ أو دَلِيلٌ مُسْتَقِلٌّ يَقْتَضِي خِلَافَ ما ادَّعَاهُ الْمُسْتَدِلُّ وَهَذَا الْوَصْفُ كَذَلِكَ فَعَلَى هذا لِلْمُسْتَدِلِّ أَنْ يَمْنَعَ حُكْمَ الْقَالِبِ في الْأَصْلِ
  409. أقسام الكتاب 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24* جميع الحقوق متاحة لجميع المسلمين
  410.  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الجديد في عكس النقيض وتفسيره علي انه قد أخطأ من تصور أن بين الحيض والطهر تضاد وتناقد وبيان أن الحيض ليس هو نقيض الطهر انما قصد آخر العدة تحديدا

  مقدمة يستفتح بها في بيان غياب الوعي عند عامة الفقهاء في فتاواهم بالأحكام في الطلاق المنسوخة وعزوفهم عن الاحكام الناسخة لقواعد الطلاق بين أ...