- أقسام الكتاب 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24** جميع الحقوق متاحة لجميع المسلمين
ج9و10و11و12. { كتاب : البحر المحيط في أصول الفقه المؤلف : بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي} واختلافات الفقهاء الظاهرة في كل مسائل الفقه الاسلامي من منظورهم وحاشي للاسلام من اجتهاداتهم التي أفرزتها قصور استدلالاتهم وتباين أفكارهم ............
- ج9.و10 و11 و12.كتاب : البحر المحيط في أصول الفقه
- المؤلف : بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي
- -----------
- ومن يتتبع كلامه في الموطإ يجد من استدلاله بالعموم كثيرا قال وهو قول الفقهاء بأسرهم وقال ابن حزم وهو قول جميع أهل الظاهر وبه نأخذ
- تحقيق مذهب الشافعي وقال الصيرفي في كتاب الدلائل والأعلام زعمت طائفة من أصحابنا أن مذهب الشافعي أن الآية إذا وردت ظاهرة في العموم لا يقضى عليها بعموم ولا خصوص إلا بدليل من خارج قال وهذا الذي قال ضده وقول الشافعي سواء لأنه الذي قد اشتهر به في كتبه وعند خصومه أن الكلام على عمومه وظاهره حتى تأتي دلالة تقوم على أنه خاص دون عام وعلى أنه باطن دون ظاهر وقد قال رضي الله عنه في الرسالة الكلام على عمومه وظاهره حتى تأتي دلالة تدل على خصوصه وقال أيضا ما نصه فكل خطاب في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو في كلام الناس فهو على عمومه وظهوره إلا أن يأتي دلالة تدل على أنه خاص دون عام وباطن دون ظاهر ثم قال وإذا وجدت خبرا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مجملا فهو على عمومه وظاهره إلا أن يأتي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر يدل على أنه خاص دون عام وباطن دون ظاهر فيستدل بذلك ثم قسم القرآن والأخبار على ذلك قال فثبت من هذا أن مذهب الشافعي أن الكلام من كل مخاطب على ما اشتمل عليه الاسم ما لم يمنع من إجراء الاسم عليه دليل ومعنى قوله إلا أن يأتي دلالة يجوز على نفسه استتار الدليل من خبر أو غيره فإذا علم صار إليه وعلم أن الكلام كان عاما ثم ذكر الصيرفي نصوصا للشافعي كثيرة صريحة في ذلك بل قطعية فيه قال والدليل القطعي قائم عليه وإنما يثبت هنا أن ذلك مذهب الشافعي وأني لم أقلده فيه لقيام البرهان عليه ثم بين وجه شبهة الناقلين عن الشافعي الوقف ثم ردها ثم قال ولا يقال إن له في المسألة قولين لأن هذا غير معروف بل المعروف بينه وبين أصحابه ما وصفت لك منهم المزني وأبو ثور والبويطي والحسين الكرابيسي والأشعري وداود وسائر الشافعيين هذا كلام الصيرفي وعجيب نقله القول بالصيغة عن الأشعري
- وقال الشيخ أبو حامد الإسفراييني قال الشافعي في الرسالة كل كلام كان عاما ظاهرا فهو على عمومه وظهوره حتى يعلم حديث ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على أنه إنما أراد بالجملة العامة في الظاهر بعض الجملة دون بعض وقال في كتاب أحكام القرآن قال لي قائل تقول الحديث على عمومه وظهوره وإن احتمل معنى غير العام والظاهر حتى يأتي دلالة على أنه خاص دون عام وباطن دون ظاهر قلت فكذلك أقول وقال في كتاب اختلاف الحديث القرآن عربي كما وصفت والأحكام فيه على ظاهرها وعمومها وليس لأحد أن يحيل منها ظاهرا إلى باطن ولا عاما إلى خاص إلا بدلالة وقال الشيخ أبو حامد وهذا صحيح العموم عندنا له صيغة إذا أوردت مجردة عن القرائن دلت على استغراق الجنس هذا مذهبنا وبه قال مالك وأصحابه وأبو حنيفة وأصحابه وداود وأهل الظاهر وبه قال من المتكلمين الجبائي وطائفة وذهبت طائفة إلى أن هذه الألفاظ إذا وردت فإنها تحمل على أقل الخصوص حتى يدل دليل على أن المراد بها زيادة على ذلك ثم اختلفوا في قدر ما يحمل عليه فمنهم من قال يحمل على اثنين ومنهم من قال على ثلاثة ذهب إلى هذا جماعة من المعتزلة منهم أبو هاشم وغيره وذهبت الأشعرية إلى الوقف
- الذين لا يثبتون للعموم صيغة لفظية والثالث أن شيئا من الصيغ لا يقتضي العموم ولا مع القرائن بل إنما يكون العموم عند إرادة المتكلم وهو قول جمهور المرجئة ونسب إلى الأشعري قال في البرهان نقل مصنفون المقالات عن أبي الحسن الأشعري والواقفية أنهم لا يثبتون لمعنى العموم صيغة لفظية وهذا النقل على الإطلاق زلل فإن أحدا لا ينكر إمكان التعبير عن معنى الجمع بترديد ألفاظ مشعرة به كقول القائل رأيت القوم واحدا واحدا لم يفتني منهم أحد وإنما كرر هذه الألفاظ قطعا لتوهم يحسبه خصوصا إلى غير ذلك وإنما أنكر الواقفية لفظة واحدة مشعرة بمعنى الجمع انتهى وما ادعى فيه الوفاق فهو محل الخلاف صرح به في كتاب التلخيص من التقريب للقاضي وسيأتي وليس مراده بالجمع القدر المخصوص من ثلاثة أو اثنين إنما مراده الشمول بدليل المثال المذكور
- القائلون بالوقف والرابع الوقف ونقله القاضي في مختصر التقريب عن الشيخ أبي الحسن ومعظم المحققين وذهب إليه وحقيقة ذلك أنا سبرنا اللغة ووضعها فلم نجد في وضع اللغة صيغة دالة على العموم وسواء وردت مطلقة أو مقيدة بضروب من التأكيد وقال الإمام في البرهان ومما زل فيه الناقلون عن أبي الحسن ومتابعيه أن الصيغة وإن تقيدت بالقرائن فإنها لا تشعر بالجمع بل تبقى على التردد وهذا إن صح النقل فيه مخصوص عندي بالتوابع المؤكدة لمعنى الجمع كقول القائلين رأيت القوم أجمعين أكتعين أبصعين فأما ألفاظ صحيحة صريحة تفرض مقيدة فلا يظن بذي عقل أن يتوقف فيها انتهى وقد أنكر عليه المازري في إمكان النقل عن الواقفية وإن تقيدت بالقرائن قال وهذا منصوص عليه في كتب أئمتهم ولو سلم له ذلك فإنما يقتضي إنكار وجود لفظة تقتضي الاستيعاب على حسب ما ذكروه وأشار إلى أن تلك الصور إنما استفيد العموم منها بإضافة قرائن استشعرت من المتكلم بهذه الألفاظ التابعة للصيغة وقال أبو الحسين بن القطان شذت طائفة من أصحابنا فنسبت هذا القول للشافعي لأشياء يتعلق به كلامه لأنه قال في مواضع من الآي يحتمل الخصوص ويحتمل العموم ولم يرد الشافعي ما ذهبوا إليه وإنما احتمل عنده أن ترد دلالة تنقله عن ظاهره من العموم إلى الخصوص لا أن حقه الاحتمال وكذلك أبو بكر الصيرفي حكى قول الوقف عن الشافعي قال ولا يقال له في المسألة قولان واختاره أبو الحسين البصري في بعض كتبه ونقل الماوردي والروياني في كتاب الأقضية عن الظاهرية الذي نقله الصيرفي عن داود القول بالصيغة
- مذاهب الواقفية في محل الوقف واختلفت الواقفية في محل الوقف على ستة أقوال وفي صفته على قولين فأما محله فالمشهور من مذهب أئمتهم القول به على الإطلاق من غير تفصيل والثاني أن التوقف في أخبار الوعد والوعيد دون الأمر والنهي وحكاه أبو بكر الرازي عن الكرخي قال وربما ظن أن ذلك مذهب أبي حنيفة لأنه كان لا يقطع بوعيد أهل الكبائر من المسلمين ويجوز أن يغفر الله لهم في الآخرة وليس ذلك مدركه بل لأن الأدلة الموجبة للوعيد بالتخليد في النار إنما انتهضت في حق الكفار بدلائل من خارج والثالث عكسه وهم جمهور المرجئة فقالوا بصيغ العموم في الوعد والوعيد وتوقفوا فيما عدا ذلك والرابع الوقف في الوعيد بالنسبة إلى عصاة هذه الأمة دون غيرها والخامس الوقف في الوعيد دون الوعد قال القاضي وفرقوا بينهما بما يليق بالشطح والترهات دون الحقائق والسادس التفصيل بين أن لا يسمع قبل اتصالها به شيء من أدلة السمع وكانت وعدا أو وعيدا فيعلم أن المراد بها العموم وإن كان قد سمع قبل اتصالها به أدلة الشرع وعلم انقسامها إلى العموم والخصوص فلا يعلم حينئذ العموم في الأخبار التي اتصلت به حكاه القاضي في مختصر التقريب السابع الوقف في حق من لم يسمع خطاب الشارع منه صلى الله عليه وسلم فأما من سمع منه وعرف تصرفاته فيه ما بين عموم وخصوص فإنه لا يقف كذا حكاه المازري وهو عكس ما قبله الثامن التفصيل بين أن يتقيد بضرب من التأكيد فيكون للعموم دون ما إذا لم يتقيد فلفظ الناس مثلا إذا قلنا إنه لا يعم حالة الإطلاق سلم أنه عام في مثل قولك الناس أجمعون عن آخرهم صغيرهم وكبيرهم لا يشذ منهم أحد إلى غير ذلك حكاه القاضي قال والمحققون من الواقفية يقولون وإن قيدت بهذه القيود فليس موضوعة للاستغراق في اللغة ولكن قد يعرف عمومها بقرائن الأحوال المتقربة بالمقام
- وهي مما ينحصر بالعبارة كما يعرف بالقرائن وجل الوجل وإن كانت القرائن لا توجب معرفتها ولكن أجرى الله العادة بخلق العلم الضروري عندنا والتاسع أن لفظة المؤمن والكافر حيثما وقعت في الشرع أفادت العموم دون غيرهما حكاه المازري عن بعض المتأخرين قال ويمكن أن يكون هذا من أحكام الشرع في الأحكام اللغوية كأحكامه في الصلاة والحج والصوم
- مذهب الواقفية في صفة الوقف وأما صفة الوقف فقد اختلف النقل فيه عن الشيخ وأصحابه فنقل عنهم مذهبان أحدهما أن اللفظ مشترك بين الواحد اقتصارا عليه وبين أقل الجمع فما فوقه اشتراكا لفظيا كالقرء والعين ونحوهما أي أنه موضوع لهما وضعا متساويا حكاه المازري والأصفهاني وهذا فيما يحمل من الصيغ على الواحد كمن وما وأي ونحوها وأما ألفاظ الجموع فهي مشتركة بين أقل الجمع وبين ما فوقه اشتراكا لفظيا والثاني نفي العلم بكيفية الوضع من أصله ويقولون هي مستعملة للعموم والخصوص ولكن لا ندري هل ذلك على وجه الحقيقة أو المجاز وحكى ابن الحاجب هذين القولين على وجه آخر أحدهما أنا لا ندري هل وضعت هذه الصيغة للعموم أم لا والثاني أنا ندري أنها استعملت للعموم ولكن لا ندري أذلك على وجه الحقيقة أم لا ونقل قول الاشتراك في أصل المسألة مباينا لقول الوقف واعلم أن الواقفية وإن قالوا بأن اللفظ لم يوضع لخصوص ولا عموم فقالوا إنا نعلم أن أقل الجمع لا بد منه ليجوز إطلاقه وجعل إمام الحرمين الخلاف في غير الصيغ المؤكدة وأما هي فلا خلاف في اقتضائها العموم وحكى القاضي في التقريب وتبعه هو في التلخيص الخلاف مع التأكيد أيضا نعم قال بعضهم ما يدل على العموم من الصيغ بحكم القرائن المنفصلة إما عرفا أو عقلا أو غير ذلك لا خلاف فيه فإن المخالف في العموم لم ينكر أن في الكلام ما يدل على العموم فإن العموم وقصد إفادته ضروري وأما المنكرون فأنكروا أن يكون للعموم صيغة خاصة موضوعة للدلالة عليه
- وجعل غيره منشأ الخلاف أمرين أحدهما أن التأكيد بالجمع في لفظ الجمع هل إنما حسن لمكان احتمال إرادة الخصوص أو لكون اللفظ صالحا للاستيعاب والثاني هو أن الاستثناء هل هو استخراج ما تتناوله الصيغة أو ما يجب دخوله تحت الصيغة أم هو استخراج ما اللفظ صالح لتناوله ومأخذ قول الوقف من أصله أن الأشعري لما تكلم مع المعتزلة في عمومات الوعيد الواردة في الكتاب والسنة كقوله وإن الفجار لفي جحيم وقوله ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها ونحوه ومع المرجئة في عموم الوعد نفى أن يكون هذه الصيغ موضوعة للعموم وتوقف فيها وتبعه جمهور أصحابه وقال أبو نصر بن القشيري في كتابه في باب المفهوم لم يصح عندنا عن الشيخ إنكار الصيغ بل الذي صح عنه أنه لا ينكرها ولكن قال في معارضاته في أصحاب الوعيد بإنكار الصيغ قال سر مذهبه إلى إنكار التعلق بالظواهر فيما يطلب فيه القطع وهذا هو الحق المبين ولم يمنع من العمل بالظواهر في مظان الظنون وقد سبق أن الصيرفي حكى عن الشيخ القول بالصيغ كالشافعي تنبيه زعم الشريف المرتضى في الذريعة أن الخلاف في هذه المسألة بالنسبة إلى وضع اللغة أنه هل يقتضي الاستغراق ولا خلاف في أن الشرع يقتضيه مَسْأَلَةٌ مَدْلُولُ الصِّيغَةِ الْعَامَّةِ ليس أَمْرًا كُلِّيًّا وَإِلَّا لَمَا دَلَّ على جُزْئِيَّاتِهِ لِأَنَّ الدَّالَّ على الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ لَا يَدُلُّ على شَيْءٍ من جُزْئِيَّاتِهِ أَلْبَتَّةَ وَلَيْسَ كُلًّا مَجْمُوعًا وَإِلَّا لَحَصَلَ الِامْتِثَالُ بِتَرْكِ قَتْلِ مُسْلِمٍ وَاحِدٍ إذَا قِيلَ لَا تَقْتُلُوا الْمُسْلِمِينَ بَلْ مَدْلُولُهَا كُلِّيَّةً أَيْ مَحْكُومٌ فيه على كل فَرْدٍ فَرْدٌ مُطَابَقَةً سَلْبًا أو إيجَابًا عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ منهم الشَّيْخُ الْأَصْفَهَانِيُّ خِلَافًا لِلسُّهْرَوَرْدِيِ وَالْقَرَافِيِّ حَيْثُ أَخْرَجَاهُ من أَقْسَامِ الدَّلَالَةِ وَمِنْهُمْ من قال إنَّمَا هِيَ كُلِّيَّةٌ في غَيْرِ جَانِبِ النَّهْيِ وَالنَّفْيِ عِنْدَ تَأَخُّرِ كُلٍّ وَنَحْوِهَا عن أَدَوَاتِ النَّهْيِ أو النَّفْيِ نَحْوُ ما جاء كُلُّ الرِّجَالِ وَلَا يُعْرَفُ كُلُّ الرِّجَالِ
- فَإِنَّهَا لِنَفْيِ الْمَجْمُوعِ لَا الْأَفْرَادِ قال الْقَرَافِيُّ دَلَالَةُ الْعُمُومِ على الْفَرْدِ الْوَاحِدِ كَالْمُشْرِكِينَ على زَيْدٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِالْمُطَابَقَةِ لِأَنَّهُ ليس تَمَامُ مُسَمَّى الْمُشْرِكِينَ وَلَا بِالِالْتِزَامِ لِأَنَّهُ ليس خَارِجًا وَلَا بِالتَّضْمِينِ لِأَنَّهُ ليس جُزْءَ الْمُسَمَّى إذْ الْجُزْءُ مُقَابِلُ الْكُلِّ وَالْعُمُومُ كُلِّيٌّ لَا كُلٌّ كما عَرَفْت فَإِذَنْ لَا يَدُلُّ لَفْظُ الْمُشْرِكِينَ على زَيْدٍ لِانْتِفَاءِ الدَّلَالَاتِ الثَّلَاثِ وإذا لم يَدُلَّ بِذَلِكَ بَطَلَ أَنْ يَدُلَّ لَفْظُ الْعُمُومِ مُطْلَقًا لِانْحِصَارِ الدَّلَالَةِ في الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ وَأَجَابَ عنه الْأَصْفَهَانِيُّ بِرُجُوعِهِ إلَى الْمُطَابَقَةِ وقال نَحْنُ حَيْثُ قُلْنَا اللَّفْظُ إمَّا أَنْ يَدُلَّ مُطَابَقَةً أو تَضَمُّنًا أو الْتِزَامًا فَذَلِكَ في لَفْظٍ مُتَرَدِّدٍ دَالٍّ على مَعْنًى ليس ذلك الْمَعْنَى نِسْبَةً بين مُفْرَدَيْنِ وَذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى هُنَا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُطْلَبَ وإذا عُرِفَ هذا فَاعْلَمْ أَنَّ قَوْله تَعَالَى فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ في قُوَّةِ جُمَلٍ من الْقَضَايَا وَذَلِكَ لِأَنَّ مَدْلُولَهُ اُقْتُلْ هذا الْمُشْرِكَ وَهَذَا وَهَذَا إلَى آخِرِ الْأَفْرَادِ وَهَذِهِ الصِّيَغُ إذَا اُعْتُبِرَتْ بِجُمْلَتِهَا فَهِيَ لَا تَدُلُّ على زَيْدٍ الْمُشْرِكِ وَلَكِنَّهَا تَتَضَمَّنُ ما يَدُلُّ على مِثْلِهِ لَا بِخُصُوصِ كَوْنِهِ زَيْدًا بَلْ بِعُمُومِ كَوْنِهِ فَرْدًا ضَرُورَةُ تَضَمُّنِهِ اُقْتُلْ زَيْدًا الْمُشْرِكَ فإنه من جُمْلَةِ هذه الْقَضَايَا وَهِيَ جُزْءٌ من مَجْمُوعِ تِلْكَ الْقَضَايَا فَتَكُونُ دَلَالَةُ هذه الصِّيغَةِ على وَجْهَيْنِ قَتْلِ زَيْدٍ الْمُشْرِكِ لِتَضَمُّنِهَا ما يَدُلُّ على ذلك الْوُجُوبِ وَاَلَّذِي هو في ضِمْنِ ذلك الْمَجْمُوعِ هو دَالٌّ على ذلك مُطَابَقَةً قال فَافْهَمْ ذلك فإنه دَقِيقُ الْكَلَامِ ثُمَّ اسْتَشْكَلَ نَحْوُ قَوْلِهِ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ فإن فيه عُمُومَاتٍ أَحَدُهَا في الْمُشْرِكِينَ وَالثَّانِي في الْمَأْمُورِ بِقَتْلِهِمْ وَدَلَالَةُ الْعُمُومِ كُلِّيَّةٌ فَيَكُونُ أَمْرُ كل فَرْدٍ بِقَتْلِ كل فَرْدٍ فَرْدٌ من الْمُشْرِكِينَ فَيَكُونُ تَكْلِيفًا بِالْمُسْتَحِيلِ وهو غَيْرُ وَاقِعٍ وَأَجَابَ عنه بِأَنَّهُ وَإِنْ كان ظَاهِرُ اللَّفْظِ إلَّا أَنَّ الْعَقْلَ دَلَّ على خِلَافِهِ فَيُحْمَلُ على الْمُمْكِنِ دُونَ الْمُسْتَحِيلِ قال بَعْضُهُمْ هذا السُّؤَالُ لَا يَسْتَحِقُّ جَوَابًا لِأَنَّ الْفَرْدَ الْوَاحِدَ من الْمُسْلِمِينَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَقْتُلَ جَمِيعَ الْمُشْرِكِينَ
- مَسْأَلَةٌ دَلَالَةُ الْعُمُومِ على الْأَفْرَادِ هل هِيَ قَطْعِيَّةٌ إذَا ثَبَتَ دَلَالَةُ الْعُمُومِ على الْأَفْرَادِ فَاخْتَلَفُوا هل هِيَ قَطْعِيَّةٌ أو ظَنِّيَّةٌ وَالثَّانِي هو الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَالْأَوَّلُ قَوْلُ جُمْهُورِ الْحَنَفِيَّةِ قال صَاحِبُ اللُّبَابِ منهم وأبو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ في التَّقْوِيمِ دَلَالَةُ الْعَامِّ على أَفْرَادِهِ قَطْعِيَّةٌ تُوجِبُ الْحُكْمَ بِعُمُومِهِ قَطْعًا وَإِحَاطَتَهُ كَالْخَاصِّ إنْ كان النَّصُّ مَقْطُوعًا بِهِ وقال الشَّافِعِيُّ لَا تُوجِبُ الْعِلْمَ وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ الْخَاصَّ يَنْسَخُ الْعَامَّ وَالْعَامَّ الْخَاصَّ لِاسْتِوَائِهِمَا رُتْبَةً وَعِنْدَهُ يَجُوزُ نَسْخُ الْعَامِّ بِالْخَاصِّ وَيَمْتَنِعُ نَسْخُ الْخَاصِّ بِالْعَامِّ وَلِهَذَا قال أَصْحَابُنَا فِيمَنْ أَوْصَى لِزَيْدٍ بِخَاتَمٍ ثُمَّ لِعَمْرٍو بِفَصِّهِ في كَلَامٍ مَفْصُولٍ بِالْحَلَقَةِ لِلْأَوَّلِ على الْخُصُوصِ وَالْفَصُّ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْأَوَّلَ اسْتَحَقَّ الْفَصَّ بِوَصِيَّةٍ عَامَّةٍ لِلْفَصِّ وَالْخَاتَمِ وَالثَّانِي اسْتَحَقَّ الْفَصَّ بِوَصِيَّةٍ خَاصَّةٍ فَزَاحَمَهُ بِالْمُشَارَكَةِ معه انْتَهَى وَأَطْلَقَ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ النَّقْلَ عن الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ بِأَنَّ دَلَالَتَهُ على أَفْرَادِهِ قَطْعِيَّةٌ وَكَذَا نَقَلَهُ الْغَزَالِيُّ في الْمَنْحُولِ عن الشَّافِعِيِّ أَيْضًا قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن الْقُشَيْرِيّ الذي صَحَّ عِنْدَنَا من مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الصِّيغَةَ إنْ تَجَرَّدَتْ عن الْقَرَائِنِ فَهِيَ نَصٌّ في الِاسْتِغْرَاقِ وَإِنْ لم يَقْطَعْ بِانْتِفَاءِ الْقَرَائِنِ فَالتَّرَدُّدُ بَاقٍ وَجَرَى عليه الْإِبْيَارِيُّ في شَرْحِ الْبُرْهَانِ وزاد حِكَايَتَهُ عن الْمُعْتَزِلَةِ قال وَالْمَأْخَذُ مُخْتَلِفٌ فَالْمُعْتَزِلَةُ تَلَقَّوْهُ من اسْتِحَالَةِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عن الْخِطَابِ فَلَوْ كان الْمُرَادُ بِهِ غير ما هو ظَاهِرٌ لَكَانَ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ وهو مُحَالٌ وَالشَّافِعِيُّ كَأَنَّهُ يَرَى أَنَّ التَّخْصِيصَ إنَّمَا يَكُونُ وَارِدًا على كَلَامِ الْمُتَكَلِّمِ لِاقْتِرَانِ اللَّفْظَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ قال وَهَذَا بَحْثٌ لُغَوِيٌّ يَفْتَقِرُ إلَى النَّقْلِ وقد رَأَيْت من يُنْكِرُ على الْإِبْيَارِيِّ هذا النَّقْلَ عن الشَّافِعِيِّ ظَنًّا منه تَفَرُّدَهُ بهذا نعم قد أَنْكَرَهُ الْإِمَامُ أبو الْحَسَنِ الطَّبَرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِإِلْكِيَا فقال في كِتَابِهِ التَّلْوِيحِ نُقِلَ عن الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْأَلْفَاظَ إذَا تَعَرَّتْ عن الْقَرَائِنِ الْمُخَصِّصَةِ كانت نَصًّا في الِاسْتِغْرَاقِ لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهَا احْتِمَالٌ وَهَذَا لم يَصِحَّ عنه وَإِنْ صَحَّ عنه فَالْحَقُّ غَيْرُهُ فإن الْمُسَمَّيَاتِ النَّادِرَةَ يَجُوزُ أَنْ لَا تُرَادَ بِلَفْظِ الْعَامِّ
- وَيَجِبُ منه أَنَّ التَّخْصِيصَ إذَا وَرَدَ في مَوْضِعٍ آخَرَ كان نَسْخًا وَذَلِكَ خِلَافُ رَأْيِ الشَّافِعِيِّ انْتَهَى وَلَعَلَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ في نَقْلِهِ عن الشَّافِعِيِّ كَوْنَهَا قَطْعِيَّةً أَخَذَهُ من قَوْلِهِ إنَّهَا نَصٌّ وَفِيهِ نَظَرٌ فإن الشَّافِعِيَّ يُسَمِّي الظَّوَاهِرَ نُصُوصًا كما نَقَلَهُ الْإِمَامُ في الْبُرْهَانِ عنه في مَوْضِعٍ آخَرَ وَهَذَا هو الْحَقُّ وَإِلَيْهِ يُشِيرُ كَلَامُ ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ فإنه قال وَعَنْ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْعُمُومَ نَصٌّ فِيمَا تَنَاوَلَهُ من الْمُسَمَّيَاتِ وقد سَمَّى الشَّافِعِيُّ الظَّوَاهِرَ نُصُوصًا في مَجَارِي كَلَامِهِ وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُسَمِّيَ الْعُمُومَ نَصًّا لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ وَلِأَنَّ الْعُمُومَ فِيمَا يَدْخُلُ فيه من الْمُسَمَّيَاتِ ليس بِأَرْفَعِ وُجُوهِ الْبَيَانِ وَلَكِنَّ الْعُمُومَ ظَاهِرٌ في الِاسْتِيعَابِ لِأَنَّهُ يَبْتَدِرُ إلَى الْفَهْمِ ذلك مع أَنَّهُ يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ وهو الْخُصُوصُ انْتَهَى وقال ابن بَرْهَانٍ في الْكَلَامِ على أَنَّ السَّبَبَ لَا يُخَصَّصُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامُّ نَصًّا في بَعْضِ الْمُسَمَّيَاتِ دُونَ بَعْضٍ وَلِهَذَا الْمَعْنَى قال أَصْحَابُنَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ نَصًّا في بَعْضِ الْمُسَمَّيَاتِ وَهِيَ الظَّاهِرَةُ التي يَقْطَعُ بِكَوْنِهَا مَقْصُودَةَ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهَا وَاسْتَخْرَجَهَا عن مُقْتَضَى الْعَامِّ وَيَكُونُ ظَاهِرًا في الْبَعْضِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودَ الشَّرْعِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَقْصِدَهُ فَحِينَئِذٍ تَقُولُ شَمِلَهُ الْعَامُّ وَيَدْخُلُهُ التَّخْصِيصُ وَفَرَّقَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بين أَدَوَاتِ الشَّرْطِ وَغَيْرِهَا فَرَأَى أَنَّ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ تَدُلُّ دَلَالَةً قَطْعِيَّةً وَإِنَّمَا نَقَلَ التَّخْصِيصَ بِنَاءً على الْقَرَائِنِ وَرَأَى أَنَّ جَمْعَ الْكَثْرَةِ يَدُلُّ ظَاهِرًا لَا قَطْعِيًّا وَاخْتَارَ الْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ أَنَّهُ نَصٌّ في أَقَلِّ الْجَمْعِ ظَاهِرٌ فِيمَا وَرَاءَهُ وَخَصَّ الْمَازِرِيُّ الْخِلَافَ بِمَا زَادَ على أَقَلِّ الْجَمْعِ أَمَّا ما دُونَهُ فَدَلَالَتُهُ عليه قَطْعِيَّةٌ وَالْمُخْتَارُ الذي عليه أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا أَنَّ دَلَالَتَهُ عليه بِطَرِيقِ الظُّهُورِ وَإِلَّا لَمَا جَازَ تَأْكِيدُ الصِّيَغِ الْعَامَّةِ إذْ لَا فَائِدَةَ فيه وقد قال تَعَالَى فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كلهم أَجْمَعُونَ وَيُبْنَى على هذا الْأَصْلِ مَسَائِلُ منها وُجُوبُ اعْتِقَادِ عُمُومِهِ قبل الْبَحْثِ عن الْمُخَصِّصِ وَمِنْهَا تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ الظَّنِّيَّيْنِ ابْتِدَاءً وَالْعَامِّ بِالْخَاصِّ وَأَنَّ الْخَاصَّ لَا يَصِيرُ مَنْسُوخًا
- بِالْعَامِّ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَمِنْ ثَمَّ رَجَّحَ الشَّافِعِيُّ خَبَرَ الْعَرَايَا على خَبَرِ التَّمْرِ كَيْلًا بِكَيْلٍ تَنْبِيهٌ قَوْلُهُمْ الْعَامُّ ظَنِّيُّ الدَّلَالَةِ وَالْخَاصُّ مَقْطُوعُ الدَّلَالَةِ لَا يُرِيدُونَ بِهِ أَنَّ دَلَالَةَ اللَّفْظِ فيه قَطْعِيَّةٌ بَلْ إنَّ الْعَامَّ يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ وَالْخَاصَّ لَا يَحْتَمِلُهُ فَرْعٌ لو قال في الْإِقْرَارِ له عِنْدِي خَاتَمٌ ثُمَّ قال ما أَرَدْت الْفَصَّ فَفِي قَوْلِهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا لِأَنَّ الْفَصَّ مُتَنَاوَلٌ لِاسْمِ الْخَاتَمِ فَهُوَ رُجُوعٌ عن بَعْضِ ما أَقَرَّ بِهِ فَلَا يُقْبَلُ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ دَلَالَةَ الْعَامِّ على أَفْرَادِهِ قَطْعِيَّةٌ عِنْدَنَا وقد قال اللُّغَوِيُّونَ الْخَاتَمُ في اللُّغَةِ اسْمٌ لِلْحَلَقَةِ مع الْفَصِّ وَإِلَّا فَهُوَ حَلَقَةٌ وَقِيلَ فَتْخٌ مَسْأَلَةٌ في أَنَّ الْعَامَّ في الْأَشْخَاصِ هل هو عَامٌّ في الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمِنَةِ وَيَظُنُّ كَثِيرٌ من الناس أَنَّ الْبَحْثَ في هذه الْمَسْأَلَةِ مِمَّا أَثَارَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ وَقَعَ في كَلَامِ من قَبْلَهُمْ وَالْمَشْهُورُ نعم وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ أبو الْمُظَفَّرِ في الْقَوَاطِعِ في الْكَلَامِ على اسْتِصْحَابِ الْحَالِ فقال لِأَنَّ لَفْظَ الْعُمُومِ دَالٌّ على اسْتِغْرَاقِ جَمِيعِ ما يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ في أَصْلِ الْوَضْعِ في الْأَعْيَانِ وفي الْأَزْمَانِ وفي أَيِّ عَيْنٍ وُجِدَ ثَبَتَ الْحُكْمُ فيها بِعُمُومِ اللَّفْظِ هذا كَلَامُهُ وَكَذَلِكَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ في الْمَحْصُولِ في كِتَابِ الْقِيَاسِ حَيْثُ قال جَوَابًا عن سُؤَالٍ قُلْنَا لَمَّا كان أَمْرًا بِجَمِيعِ الْأَقْيِسَةِ كان مُتَنَاوِلًا لَا مَحَالَةَ لِجَمِيعِ الْأَوْقَاتِ وَإِلَّا قَدَحَ ذلك في كَوْنِهِ مُتَنَاوِلًا لِكُلِّ الْأَقْيِسَةِ انْتَهَى وهو ظَاهِرُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ في فَتَاوِيهِ فإنه قال فِيمَا إذَا قال لِأَمَتِهِ الْحَامِلِ كُلُّ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ فَهُوَ حُرٌّ أَنَّهُ كما يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى يَشْمَلُ اخْتِلَافَ الْوَقْتِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَعُمَّ وَيَتَكَرَّرَ هذا لَفْظُهُ وقد نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِيمَا إذَا قال أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قال أَرَدْت إنْ دَخَلْت الدَّارَ إنَّهُ لَا يَدِينُ وإذا نَوَى إلَى شَهْرَيْنِ يَدِينُ فَفَرَّقَ بين الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَظَاهِرُ كَلَامِ مُجَلِّي في الذَّخَائِرِ وَالرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ فَإِنَّهُمَا حَكَيَا وَجْهَيْنِ في التَّدْيِينِ في إنْ دَخَلْت الدَّارَ وقال الْإِمَامُ وَلِلْفَقِيهِ نَظَرٌ في هذا فإن قَوْلَ الْقَائِلِ إنْ كَلَّمْت زَيْدًا يَتَعَلَّقُ بِالْأَزْمَانِ ظَاهِرًا على الْعُمُومِ بِخِلَافِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ
- فإن اللَّفْظَ لَا يَدُلُّ على التَّقْيِيدِ وَتَبِعَهُ الْغَزَالِيُّ حَيْثُ قال اللَّفْظُ عَامٌّ في الْأَزْمَانِ فإذا قال أَرَدْت شَهْرًا فَكَأَنَّهُ خَصَّصَ الْعَامَّ قال الرَّافِعِيُّ وقد تُقَابَلُ هذه الْمَسْأَلَةُ فَيُقَالُ اللَّفْظُ عَامٌّ في الْأَحْوَالِ إلَّا أَنَّهُ خَصَّصَهُ بِحَالِ دُخُولِ الدَّارِ انْتَهَى لَكِنَّ الْإِمَامَ قَائِلٌ بِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يُنْبِئُ عن الْأَحْوَالِ وَإِنَّمَا يَدُلُّ على الْأَزْمَانِ على أَنَّ هذا اللَّفْظَ لَا عُمُومَ له أَلْبَتَّةَ وَإِنَّمَا هو مُطْلَقٌ وَزَعَمَ الْقَرَافِيُّ أَنَّ الْعَامَّ في الْأَشْخَاصِ مُطْلَقٌ في الْأَزْمَانِ وَالْبِقَاعِ وَالْأَحْوَالِ وَالتَّعَلُّقَاتِ فَلَا تَعُمُّ الصِّيغَةُ في شَيْءٍ من هذه الْأَرْبَعِ من جِهَةِ ثُبُوتِ الْعُمُومِ في غَيْرِهَا حتى يُوجَدَ لَفْظٌ يَقْتَضِي فيها الْعُمُومَ لِأَنَّ الْعَامَّ في الْأَشْخَاصِ لَا دَلَالَةَ له على خُصُوصِ يَوْمٍ مُعَيَّنٍ وَلَا مَكَان مُعَيَّنٍ وَلَا حَالَةٍ مَخْصُوصَةٍ فإذا قال اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ عَمَّ كُلَّ مُشْرِكٍ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى فَرْدٌ وَلَا يَعُمُّ الْأَحْوَالَ حتى لَا يُقْتَلَ في حَالِ الْهُدْنَةِ وَالذِّمَّةِ وَلَا خُصُوصِ الْمَكَانِ حتى يَدُلَّ على الْمُشْرِكِينَ في أَرْضِ الْهِنْدِ مَثَلًا وَلَا الْأَزْمَانِ حتى يَدُلَّ على يَوْمِ السَّبْتِ مَثَلًا وَيُسْتَعْمَلُ كَذَلِكَ في دَفْعِ كَثِيرٍ من الِاسْتِدْلَالَاتِ بِأَلْفَاظٍ من الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَيُؤَدِّي إلَى بَعْضِ الْأَحْوَالِ التي اتَّفَقَ عليها الْخَصْمَانِ فَيُقَالُ إنَّ اللَّفْظَ مُطْلَقٌ في الْأَحْوَالِ وقد عَمِلْت بِهِ في الصُّورَةِ الْفُلَانِيَّةِ وَالْمُطْلَقُ يَكْفِي في الْعَمَلِ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً فَلَا يَلْزَمُ الْعَمَلَ بِهِ في صُورَةِ النِّزَاعِ وقد ارْتَضَاهُ الْأَصْفَهَانِيُّ في شَرْحِ الْمَحْصُولِ وفي كَلَامِ الْآمِدِيَّ في مَسْأَلَةِ الِاحْتِجَاجِ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ ما يُشِيرُ إلَى الْقَوْلِ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ وقد رَدَّهَا جَمَاعَةٌ منهم الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ في شَرْحِ الْعُمْدَةِ فقال وَهَذَا عِنْدِي بَاطِلٌ بَلْ الْوَاجِبُ أَنَّ ما دَلَّ عليه الْعُمُومُ في الذَّوَاتِ مَثَلًا يَكُونُ دَالًّا على ثُبُوتِ الْحُكْمِ في كل ذَاتٍ تَنَاوَلَهَا اللَّفْظُ وَلَا يَخْرُجُ عنها ذَاتٌ إلَّا بِدَلِيلٍ يَخُصُّهُ فَمَنْ أَخْرَجَ شيئا من ذلك فَقَدْ خَالَفَ مُقْتَضَى الْعُمُومِ نعم يَكْفِي في الْعَمَلِ بِالْمُطْلَقِ مَرَّةً كما قالوا وَنَحْنُ لَا نَقُولُ بِالْعُمُومِ في هذه الْمَوَاضِعِ من حَيْثُ الْإِطْلَاقُ وَإِنَّمَا قُلْنَا بِهِ من حَيْثُ الْمُحَافَظَةُ على ما تَقْتَضِيهِ صِيغَةُ الْعُمُومِ في كل ذَاتٍ فَإِنْ كان الْمُطْلَقُ لَا يَقْتَضِي الْعَمَلَ بِهِ مَرَّةً مُخَالَفَةً لِمُقْتَضَى صِيغَةِ الْعُمُومِ قُلْنَا بِالْعُمُومِ مُحَافَظَةً على مُقْتَضَى صِيغَتِهِ لَا من حَيْثُ إنَّ الْمُطْلَقَ يَعُمُّ مِثَالُ ذلك إذَا قال من دخل دَارِي فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا فَمُقْتَضَى الصِّيغَةِ الْعُمُومُ في كل ذَاتٍ صَدَقَ عليها أنها دَاخِلَةٌ فإذا قال قَائِلٌ هو مُطْلَقٌ في الْأَزْمَانِ وقد عَمِلْت بِهِ مَرَّةً فَلَا يَلْزَمُ أَنْ أَعْمَلَ بِهِ أُخْرَى لِعَدَمِ عُمُومِ الْمُطْلَقِ قُلْنَا له لَمَّا دَلَّتْ الصِّيغَةُ على الْعُمُومِ في كل ذَاتٍ دَخَلَتْ الدَّارَ وَمِنْ جُمْلَتِهَا الذَّوَاتُ الدَّاخِلَةُ في آخِرِ
- النَّهَارِ فإذا أَخْرَجْت تِلْكَ الذَّوَاتِ فَقَدْ أَخْرَجْت ما دَلَّتْ الصِّيغَةُ على دُخُولِهِ وَهِيَ كُلُّ ذَاتٍ ثُمَّ اسْتَدَلَّ الشَّيْخُ على ذلك بِحَدِيثِ أبي أَيُّوبَ فإنه لَمَّا رَوَى قَوْلَهُ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِبَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ الحديث أَتْبَعهُ بِأَنْ قال فَقَدِمْنَا الشَّامَ فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قد بُنِيَتْ نحو الْكَعْبَةِ فَنُحَرِّفُ عنها وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ عز وجل قال فإن أَبَا أَيُّوبَ من أَهْلِ اللِّسَانِ وَالشَّرْعِ وقد اسْتَعْمَلَ قَوْلَهُ وَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا عَامًّا في الْأَمَاكِنِ وهو مُطْلَقٌ فيها وَعَلَى ما قَالَهُ هَؤُلَاءِ لَا يَلْزَمُ منه الْعُمُومُ وَعَلَى ما قُلْنَاهُ يَعُمُّ بِمَعْنَى فَيَكُونُ الْعَامُّ في الْأَشْخَاصِ عَامًّا في الْأَمْكِنَةِ وقد رَدَّ بَعْضُهُمْ هذا الِاسْتِدْلَالَ من جِهَةِ أَنَّ في اللَّفْظِ هُنَا ما يَدُلُّ على الْعُمُومِ وهو وُقُوعُ الِاسْتِقْبَالِ نَكِرَةً في سِيَاقِ النَّهْيِ فَيَعُمُّ جَمِيعَ الْأَمَاكِنِ في الشَّامِ وَغَيْرِهِ وَالنِّزَاعُ إنَّمَا هو فِيمَا إذَا لم يَكُنْ هُنَاكَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ على الْعُمُومِ فَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِلْقَرَافِيِّ فإنه لو كان عُمُومُ الْفِعْلِ في سِيَاقِ النَّهْيِ يَقْتَضِي الْعُمُومَ في الْمَكَانِ لَمَا كان لِتَعْرِيفِ الْمَكَانِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فَائِدَةٌ وَتَمَسَّك آخَرُونَ في رَدِّ هذه الْقَاعِدَةِ بِحَدِيثِ أبي سَعِيدِ بن الْمُعَلَّى حَيْثُ دَعَاهُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وهو في الصَّلَاةِ فلم يُجِبْهُ فقال عليه السَّلَامُ أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ الحديث فَقَدْ جَعَلَهُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم عَامًّا في الْأَحْوَالِ لِأَنَّهُ احْتَجَّ عليه بِالْآيَةِ وهو في الصَّلَاةِ وَرَدَّ بِأَنَّ ذلك جاء من صِيغَةِ إذَا الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّكْرَارِ في جَمِيعِ الْأَزْمَانِ وَالْأَحْوَالِ وقد خَالَفَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ في شَرْحِ الْعُمْدَةِ في مَوْضِعٍ آخَرَ هذه الْقَاعِدَةَ فقال في حديث بَيْعِ الْخِيَارِ إنَّ الْخِيَارَ عَامٌّ وَمُتَعَلِّقُهُ وهو ما يَكُونُ فيه الْخِيَارُ مُطْلَقٌ فَيُحْمَلُ على خِيَارِ الْفَسْخِ وَهَذَا اعْتِرَافٌ بِمَقَالَةِ الْقَرَافِيِّ وَرُبَّمَا أَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ قال فَلَوْ كان الْعَامُّ في الْمُشْرِكِينَ لَكَانَ وَجَدْتُمُوهُمْ تَكْرَارًا وحيث من صِيَغِ الْعُمُومِ في الْمَكَانِ قَالَهُ
- الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ وقد تَوَسَّطَ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ الْبَاجِيُّ بين هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ فقال ما مَعْنَاهُ إنَّ مَعْنَى كَوْنِ الْعَامِّ في الْأَشْخَاصِ مُطْلَقًا في الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمَانِ وَالْبِقَاعِ أَنَّهُ إذَا عَمِلَ بِهِ في الْأَشْخَاصِ في زَمَانٍ ما وَمَكَانٍ ما وَحَالَةٍ ما لَا يَعْمَلُ بِهِ في تِلْكَ الْأَشْخَاصِ مَرَّةً أُخْرَى في زَمَانٍ آخَرَ وَنَحْوِهِ أَمَّا في أَشْخَاصٍ أُخْرَى مِمَّا يَتَنَاوَلُهُ ذلك اللَّفْظُ الْعَامُّ فَيَعْمَلُ بِهِ لِأَنَّهُ لو لم يَعْمَلْ بِهِ لَزِمَ التَّخْصِيصُ في الْأَشْخَاصِ كما قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فَالتَّوْفِيَةُ بِعُمُومِ الْأَشْخَاصِ أَنْ لَا يَبْقَى شَخْصٌ ما في أَيِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ وَحَالٍ إلَّا حُكِمَ عليه وَالتَّوْفِيَةُ بِالْإِطْلَاقِ أَنْ لَا يَتَكَرَّرَ ذلك الْحُكْمُ فَكُلُّ زَانٍ مَثَلًا يُجْلَدُ بِعُمُومِ الْآيَةِ وإذا جُلِدَ مَرَّةً ولم يَتَكَرَّرْ زِنَاهُ بَعْدَ ذلك لَا يُجْلَدُ ثَانِيَةً في زَمَانٍ آخَرَ وَمَكَانٍ آخَرَ فإن الْمَحْكُومَ عليه وهو الزَّانِي وَالْمُشْرِكُ وما أَشْبَهَ ذلك فيه أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا الشَّخْصُ وَالثَّانِي الصِّفَةُ كَالزِّنَى وَالشِّرْكِ لَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِمَا أَدَاةُ الْعُمُومِ أَفَادَتْ عُمُومَ الشَّخْصِ لَا عُمُومَ الصِّفَةِ وَالصِّفَةُ بَاقِيَةٌ على إطْلَاقِهَا فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ الْعَامُّ في الْأَشْخَاصِ مُطْلَقٌ في الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمِنَةِ وَالْبِقَاعِ فَبِمُطْلَقِ زَنَى حُدَّ وَكُلُّ شَخْصٍ حَصَلَ منه مُطْلَقُ شِرْكٍ قُتِلَ بِشَرْطِهِ فَرَجَعَ الْعُمُومُ وَالْإِطْلَاقُ إلَى لَفْظَةٍ وَاحِدَةٍ بِاعْتِبَارِ مَدْلُولِهَا وَاعْتُرِضَ على هذا بِأَنَّ عَدَمَ التَّكْرَارِ جاء من أَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ فَلَا حَاجَةَ إلَى أَخْذِ ذلك من الْإِطْلَاقِ وَرُدَّ بِأَنَّ إطْلَاقَ الْأَمْرِ أَحَدُ الْمُقْتَضَيَاتِ لِلْإِطْلَاقِ في الْأَزْمَانِ وَغَيْرِهَا فَلَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا قُلْت وَهَذَا مُسْتَمَدٌّ مِمَّا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ حَيْثُ قال إنَّا نَقُولُ أَمَّا كَوْنُ اللَّفْظِ الْعَامِّ في الْأَشْخَاصِ مُطْلَقًا في الْأَحْوَالِ وَغَيْرِهَا مِمَّا ذُكِرَ فَصَحِيحٌ وَأَمَّا الطَّرِيقَةُ الْمَذْكُورَةُ في الِاسْتِدْلَالِ فَيَلْزَمُ منها عَوْدُ التَّخْصِيصِ إلَى صِيغَةِ الْعُمُومِ وَيَبْقَى الْعُمُومُ في تِلْكَ الْأَحْوَالِ لَا من حَيْثُ إنَّ الْمُطْلَقَ عَامٌّ بِاعْتِبَارِ الِاسْتِغْرَاقِ بَلْ من حَيْثُ إنَّ الْمُحَافَظَةَ على صِيغَةِ الْعُمُومِ في الْأَشْخَاصِ وَاجِبٌ فَالْعُمُومُ من حَيْثُ وُجُوبُ الْوَفَاءِ بِمُقْتَضَى الصِّيغَةِ الْعَامَّةِ لَا من حَيْثُ إنَّ الْمُطْلَقَ عُمُومُ اسْتِغْرَاقٍ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إنَّ الْمُطْلَقَ يَكْفِي في الْعَمَلِ بِهِ مَرَّةً فَنَقُولُ هل يَكْتَفِي فيه بِالْمَرَّةِ فِعْلًا أو حَمْلًا فَإِنْ كان الْأَوَّلُ فَمُسَلَّمٌ وَإِنْ كان الثَّانِي فَمَمْنُوعٌ وَبَيَانُهُ أَنَّ الْمُطْلَقَ إذَا فُعِلَ مُقْتَضَاهُ مَرَّةً وَوُجِدَتْ الصُّورَةُ الْجُزْئِيَّةُ الدَّاخِلَةُ تَحْتَ الْكُلِّ كَفَى ذلك في الْعَمَلِ بِهِ كما إذَا قال اعْتِقْ رَقَبَةً فَفَعَلَ ذلك مَرَّةً لَا يَلْزَمُ إعْتَاقُهُ رَقَبَةً أُخْرَى لِحُصُولِ الْوَفَاءِ بِمُقْتَضَى الْأَمْرِ من غَيْرِ اقْتِضَاءِ اللَّفْظِ الْعُمُومَ وَكَذَلِكَ إذَا قال إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَدَخَلَتْ مَرَّةً
- وَحَنِثَ لَا يَحْنَثُ بِدُخُولِهَا ثَانِيَةً لِوُجُودِ مُقْتَضَى اللَّفْظِ فِعْلًا من غَيْرِ اقْتِضَاءِ الْعُمُومِ أَمَّا إذَا عَمِلَ بِهِ مَرَّةً حَمْلًا أَيْ في أَيِّ صُورَةٍ من صُوَرِ الْمُطْلَقِ لَا يَلْزَمُ التَّقَيُّدُ بها وَلَا يَكُونُ وَفَاءً بِالْإِطْلَاقِ لِأَنَّ مُقْتَضَى تَقْيِيدِ الْإِطْلَاقِ بِالصُّورَةِ الْمُعَيَّنَةِ حَمْلًا أَنْ لَا يَحْصُلَ الِاكْتِفَاءُ بِغَيْرِهَا وَذَلِكَ يُنَاقِضُ الْإِطْلَاقَ وَمِثَالُهُ إذَا قال اعْتِقْ رَقَبَةً فإن مُقْتَضَى الْإِطْلَاقِ أَنْ يَحْصُلَ الْإِجْزَاءُ بِكُلِّ ما يُسَمَّى رَقَبَةً لِوُجُودِ الْمُطْلَقِ في كل من يُعْتَقُ من الرِّقَابِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْإِجْزَاءَ بِهِ فإذا خَصَّصْنَا الْحُكْمَ بِالرَّقَبَةِ الْمُؤْمِنَةِ مَنَعْنَا إجْزَاءَ الْكَافِرَةِ وَمُقْتَضَى الْإِطْلَاقِ إجْزَاؤُهَا إنْ وَقَعَ الْعِتْقُ بها فَاَلَّذِي فَعَلْنَاهُ خِلَافُ مُقْتَضَاهُ قال فَتَنَبَّهْ لِهَذِهِ الْمَوَاضِعِ التي تَرِدُ عَلَيْك من أَلْفَاظِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إذَا كان الْإِطْلَاقُ في الْأَحْوَالِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يَقْتَضِي الْحَمْلُ على الْبَعْضِ فيه عَوْدَ التَّخْصِيصِ إلَى مَحَلِّ الْعُمُومِ هِيَ الْأَشْخَاصُ أو مُخَالَفَةُ مُقْتَضَى الْإِطْلَاقِ عِنْدَ الْحَمْلِ فَالْحُكْمُ بِعَدَمِ التَّقْيِيدِ لِوُجُودِ الْوَفَاءِ بِمُقْتَضَى الْإِطْلَاقِ أو الْعُمُومِ إلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ أَمَّا إذَا كان الْإِطْلَاقُ في صُورَةٍ لَا تَقْتَضِي مُخَالَفَةَ صِيغَةِ الْعُمُومِ وَلَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْإِطْلَاقِ فَالْكَلَامُ صَحِيحٌ وَيَتَعَدَّى النَّظَرُ بَعْدَ الْقَوْلِ بِالْعُمُومِ بِالنِّسْبَةِ إلَى ما ذَكَرْنَا إلَى أَمْرٍ آخَرَ وهو أَنْ يَنْظُرَ إلَى الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ بِالْعُمُومِ فَإِنْ اقْتَضَى إخْرَاجَ بَعْضِ الصُّوَرِ وَعَدَمَ الْجَرْيِ على ظَاهِرِ الْعُمُومِ وَجَبَ أَنْ يَنْظُرَ في قَاعِدَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ اللَّفْظَ إذَا قُصِدَ بِهِ مُعَيَّنٌ فَهَلْ يُحْتَجُّ بِهِ فِيمَا لم يُقْصَدْ بِهِ أو لَا فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ فَلَا حَاجَة بِنَا إلَى هذا وَإِلَّا احْتَجْنَا إلَى النَّظَرِ فيها بَعْدَ الِانْتِهَاءِ بِمُقْتَضَى صِيغَةِ الْعُمُومِ وَأَنَّ الْوَفَاءَ بِمُقْتَضَاهَا وَاجِبٌ فَهَذَا ما عِنْدِي في هذا الْمَوْضِعِ وَاَلَّذِي يُزِيدُهُ وُضُوحًا أَنَّ اللَّفْظَ إذَا كان مُطْلَقًا في هذه الْأَحْوَالِ يَلْزَمُ منه أَنْ يَصِحَّ التَّمَسُّكُ بِشَيْءٍ من الْعُمُومَاتِ أو أَكْثَرِهَا إذْ ما من عَامٍّ إلَّا وَلَهُ أَحْوَالٌ مُتَعَدِّدَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الذَّوَاتِ التي يَتَعَلَّقُ بها الْعُمُومُ فإذا اكْتَفَيْنَا في الْعَمَلِ بِحَالَةٍ من الْحَالَاتِ تَعَذَّرَ الِاسْتِدْلَال بِغَيْرِهِ وَهَذَا خِلَافُ ما دَرَجَ عليه الناس
- مَسْأَلَةٌ هل يَجُوزُ أَنْ يَبْلُغَ الْمُكَلَّفُ اللَّفْظَ الْعَامَّ وَلَا يَبْلُغُهُ الْمُخَصِّصُ إذَا ثَبَتَ أَنَّ لِلْعُمُومِ صِيغَةً بِالْمَعْنَى السَّابِق قال الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ سِيَّمَا الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَسْمَعَ الْمُكَلَّفُ اللَّفْظَ الْعَامَّ وَلَا يَسْمَعَ الْمُخَصَّصَ إذَا كان له مُخَصِّصٌ في أَدِلَّةِ الشَّرْعِ وَعَلَيْهِ الْبَحْثُ في ذلك بِقَدْرِ ما يَعْلَمُ أَنَّهُ لو كان هُنَاكَ مُخَصِّصٌ لَبَلَغَهُ فَإِنْ وَجَدَهُ وَإِلَّا اعْتَقَدَ عُمُومَهُ وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِرَاقِ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْمِعَ اللَّهُ وَاحِدًا من الْمُكَلَّفِينَ الْعَامَّ الْمَخْصُوصَ وَلَا يُسْمِعَهُ خُصُوصَهُ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يُسْمِعَهُ إيَّاهُمَا أو يَصْرِفَهُ عن سَمَاعِ الْعُمُومِ إذَا لم يَسْمَعْ الْخُصُوصَ قُلْت وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ وَالْمَحْصُولِ عن الْجُبَّائِيُّ وَأَبِي الْهُذَيْلِ قال صَاحِبُ الْوَاضِحِ وهو قَوْلُ أبي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ قال وَكَذَا كان يقول في النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ قال الْقَاضِي وَاتَّفَقَ الْكُلُّ على أَنَّهُ إذَا كان الْعُمُومُ مَخْصُوصًا بِدَلِيلِ الْعَقْلِ جَازَ أَنْ يَسْمَعَهُ من لم يَتَقَدَّمْ نَظَرُهُ في الدَّلِيلِ على تَخْصِيصِهِ وَأَنَّ دَلِيلَ الْعَقْلِ الْمُخَصِّصَ له مُقَدَّمٌ عليه لِتَقَدُّمِ الْعَقْلِ على السَّمْعِ وهو من أَوْضَحِ ما يُسْتَدَلُّ بِهِ فإنه إذَا جَازَ ذلك في الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ جَازَ في السَّمْعِيَّةِ قال الْقَاضِي وَيَجُوزُ أَنْ يَبْلُغَهُ الْمَنْسُوخُ وَلَا يَبْلُغَهُ النَّاسِخُ وَحَكَى صَاحِبُ الْوَاضِحِ الْمُعْتَزِلِيُّ في الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ مَذَاهِبَ ثَالِثَهَا التَّفْصِيلَ بين الْمُخَصِّصِ الْعَقْلِيِّ فَيَجُوزُ وَالسَّمْعِيِّ فَلَا يَجُوزُ وَحَكَاهُ في الْمُعْتَمَدِ عن الْجُبَّائِيُّ وَأَبِي الْهُذَيْلِ وَمِمَّنْ تَبِعَ الْقَاضِي في ذِكْرِ هذه الْمَسْأَلَةِ الْإِمَامُ في التَّلْخِيصِ وَالْغَزَالِيُّ في الْمُسْتَصْفَى قال وَنَحْنُ نَقُولُ يَجِبُ على الشَّارِعِ أَنْ يَذْكُرَ دَلِيلَ الْخُصُوصِ إمَّا مُقْتَرِنًا أو مُتَرَاخِيًا على ما ذَكَرْنَا من تَأْخِيرِ الْبَيَانِ وَلَيْسَ من ضَرُورَةِ كل مُحْتَمِلٍ يَبْلُغُهُ الْعُمُومُ أَنْ يَبْلُغَهُ الْخُصُوصُ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَغْفُلَ عنه وَيَكُونُ حُكْمُ اللَّهِ في حَقِّهِ الْعَمَلَ بِالْعُمُومِ وهو الذي بَلَغَهُ دُونَ ما لم يَبْلُغْهُ وقال في الْبُرْهَانِ لَا يَمْتَنِعُ وُرُودُ اللَّفْظِ الْعَامِّ مع اسْتِئْخَارِ الْمُخَصِّصِ عنه إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ وَذَهَبَ جَمَاهِيرُ الْمُعْتَزِلَةِ إلَى مَنْعِ ذلك وَهِيَ من فُرُوعِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ
- مَسْأَلَةٌ هل يَجِبُ الْعَمَلُ بِالْعَامِّ قبل الْبَحْثِ عن مُخَصِّصٍ إذَا جَوَّزْنَا وُرُودَ الْعَامِّ مُجَرَّدًا عن مُخَصِّصِهِ فَهَلْ يَجِبُ اعْتِقَادُ عُمُومِهِ عِنْدَ سَمَاعِهِ وَالْمُبَادَرَةُ إلَى الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ أو يَتَوَقَّفُ إلَى أَنْ يَنْظُرَ دَلِيلَ الْمُخَصِّصِ قال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ في كِتَابِهِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فيه فقال الْقَاضِي أبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ يَجِبُ اعْتِقَادُ عُمُومِهِ في الْحَالِ عِنْدَ سَمَاعِهِ وَالْعَمَلِ بِمُوجَبِهِ وقال عَامَّةُ أَصْحَابِنَا أبو الْعَبَّاسِ بن سُرَيْجٍ وأبو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وأبو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ وأبو عَلِيِّ بن خَيْرَانَ وأبو بَكْرٍ الْقَفَّالُ يَجِبُ التَّوَقُّفُ فيه حتى يَنْظُرَ في الْأُصُولِ التي يَتَعَرَّفُ فيها الْأَدِلَّةَ فَإِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ على تَخْصِيصِهِ خَصَّ بِهِ وَإِنْ لم يَجِدْ دَلِيلًا يَدُلُّ على التَّخْصِيصِ اعْتَقَدَ عُمُومَهُ وَعَمِلَ بِمُوجَبِهِ قال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ وَحَكَى الْقَفَّالُ أَنَّ الصَّيْرَفِيَّ سُئِلَ عن قَوْله تَعَالَى فَامْشُوا في مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا من رِزْقِهِ هل تَقُولُ إنَّ من سمع هذا يَأْكُلُ جَمِيعَ ما يَجِدُهُ من رِزْقِهِ فقال أَقُولُ إنَّهُ يَبْلَعُ الدُّنْيَا بَلْعًا قال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ وَزَعَمَ الصَّيْرَفِيُّ أَنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِقَوْلِهِ في الرِّسَالَةِ وَالْكَلَامُ إذَا كان عَامًّا ظَاهِرًا كان على ظَاهِرِهِ وَعُمُومِهِ حتى تَأْتِيَ دَلَالَةٌ تَدُلُّ على خِلَافِ ذلك وَزَعَمَ آخَرُونَ أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ خِلَافُهُ لِأَنَّهُ قال وَعَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَنْ يَتَطَلَّبُوا دَلِيلًا يُفَرِّقُونَ بِهِ بين الْحَتْمِ وَغَيْرِهِ في الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَجِبُ طَلَبُ دَلِيلٍ يُسْتَدَلُّ بِهِ على مُوجِبِ اللَّفْظِ قُلْت وَمِنْ هذه الطَّرِيقَةِ يُؤْخَذُ حِكَايَةُ قَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ في هذه الْمَسْأَلَةِ وهو غَرِيبٌ وما حَكَاهُ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ من الْخِلَافِ في وُجُوبِ اعْتِقَادِ الْعُمُومِ جَرَى عليه الْعِرَاقِيُّونَ من أَصْحَابِنَا منهم الْقَاضِي ابن كَجٍّ في كِتَابِهِ في الْأُصُولِ وَالْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ في شَرْحِ الْكِفَايَةِ وَصَاحِبُهُ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في شَرْحِ اللُّمَعِ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ في التَّقْرِيبِ وابن الصَّبَّاغِ في الْعُدَّةِ وَنَصَرُوا قَوْلَ ابْنِ سُرَيْجٍ وَمِمَّنْ حَكَاهُ من الْمَرَاوِزَةِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وأبو النَّصْرِ بن الْقُشَيْرِيّ في كِتَابِهِ وَالْقَاضِي الْحُسَيْنُ في تَعْلِيقِهِ قُبَيْلَ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَالْإِمَامُ أبو عُمَرَ بن عبد الْبَرِّ وَنَقَلَ التَّمَسُّكَ بِالْعُمُومِ إلَى أَنْ يَظْهَرَ الْمُخَصِّصَ عن أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْمَنْعَ منه عن
- أَهْلِ الْكُوفَةِ وَكَذَلِكَ صَوَّرَ الْمَسْأَلَةَ وَالنَّقْلَ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ في التَّقْرِيبِ وَالْإِمَامُ في التَّلْخِيصِ قال وَذَهَبَ ابن سُرَيْجٍ وَمُعْظَمُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهُ لَا يُسَوَّغُ اعْتِقَادُ الْعُمُومِ إلَّا بَعْدَ النَّظَرِ في الْأَدِلَّةِ ثُمَّ إذَا نَظَرَ فيها جَرَى على قَضِيَّتِهَا قال وَارْتَضَاهُ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وهو الصَّحِيحُ وَكَذَلِكَ صَوَّرَهَا إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ في الْمَدَارِكِ وَنَقَلَ مُوَافَقَةَ ابْنِ سُرَيْجٍ عن الْقَفَّالِ وَابْنِ خَيْرَانَ وَالْإِصْطَخْرِيُّ وَكَذَلِكَ ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ إلَّا أَنَّهُ اخْتَارَ قَوْلَ الصَّيْرَفِيِّ وقال إنَّهُ الصَّحِيحُ وَكَذَا اخْتَارَهُ ابن عَقِيلٍ وَالْمَقْدِسِيُّ وَالْقَاضِي أبو يَعْلَى بن الْفَرَّاءِ وأبو بَكْرٍ الْخَلَّالُ من الْحَنَابِلَةِ وهو إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عن الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَاخْتَارَهُ أَيْضًا الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيَّ وَأَتْبَاعُهُ وأبو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ من الْمَالِكِيَّةِ لَكِنَّ الرَّاجِحَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قبل الْبَحْثِ عن الْمُخَصِّصِ وَنَقَلَ فيه الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ اتِّفَاقَ أَصْحَابِنَا وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ في الْبُرْهَانِ وَزَيَّفَ قَوْلَ الصَّيْرَفِيِّ وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عن ظَاهِرِ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وقال في كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ وَتَبِعَهُ الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ إنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ قُلْت هو ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ في أَحْكَامِ الْقُرْآنِ فإنه قال وَعَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدَ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ طَلَبُ الدَّلَائِلِ لِيُفَرِّقُوا بين الْحَتْمِ وَغَيْرِهِ في الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ هذا لَفْظُهُ فَنَصَّ على طَلَبِ الدَّلَائِلِ الْمُمَيِّزَةِ بين مَوَاقِعِ الْكَلَامِ ولم يَكِلْهُمْ إلَى نَفْسِ الْكَلَامِ وَظَاهِرِهِ قبل الْبَحْثِ عن الْقَرَائِنِ لَكِنَّهُ نَصَّ في مَوْضِعٍ آخَرَ على ما يُخَالِفُهُ فَيَصِيرُ له في الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ فذكر في الْأُمِّ حَدِيثَ أبي أَيُّوبَ بِعُمُومِ النَّهْيِ عن الِاسْتِقْبَالِ بِالْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وقال يَعْنِي أَبَا أَيُّوبَ بِالْحَدِيثِ جُمْلَةً كما سَمِعَهُ جُمْلَةً قال الشَّافِعِيُّ وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لِمَنْ سمع الحديث أَنْ يَقُولَ بِهِ على عُمُومِهِ وَجُمْلَتِهِ حتى يُجَدِّدَ دَلَالَةً يُفَرِّقُ منها فيه ثُمَّ مَثَّلَ الدَّلَالَةَ الْمُفَرِّقَةَ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ النَّهْيِ عن الْأَوْقَافِ الْمَكْرُوهَةِ ثُمَّ قال الشَّافِعِيُّ وَهَكَذَا غَيْرُ هذا من حديث رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم هو على الظَّاهِرِ من الْعُمُومِ حتى تَأْتِيَ الدَّلَالَةُ عنه من سُنَّةِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أو إجْمَاعِ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْمِعُوا على خِلَافِ سُنَّةٍ أَنَّهُ بَاطِنٌ دُونَ ظَاهِرٍ وَخَاصٌّ دُونَ عَامٍّ انْتَهَى هذا لَفْظُهُ وَذَكَرَ في الرِّسَالَةِ مثله وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ أبي أَيُّوبَ في قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَأَنَّهُ سَمِعَهُ جُمْلَةً
- فقال بِهِ جُمْلَةً وقد سَبَقَ في مَسْأَلَةِ صِيَغِ الْعُمُومِ نَقَلَ الصَّيْرَفِيُّ مِثْلَ ذلك عن نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ الْكَثِيرَةِ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ في كِتَابِهِ اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا على أَنَّ الْعُمُومَ إذَا وَرَدَ وَسَمِعَهُ الْمُكَلَّفُ وَفَهِمَ ما يَجِبُ وَجَبَ عليه عَرْضُهُ إذَا أَرَادَ تَنْفِيذَهُ على ما يَقْدِرُ من أَدِلَّةِ الْعُقُولِ وَأُصُولِ الشَّرْعِ فَإِنْ كان فيه ما أَوْجَبَ تَخْصِيصَهُ خَصَّهُ بِهِ وَإِلَّا أَجْرَاهُ على ظَاهِرِهِ فِيمَا اقْتَضَاهُ لَفْظُهُ وَهَذَا وَقْفٌ منه على مِقْدَارِ الِاجْتِهَادِ وَلَيْسَ هو من جِنْسِ ما تَقُولُهُ الْوَاقِفِيَّةُ انْتَهَى وقال الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ في أُصُولِهِ إذَا وَرَدَ الْخِطَابُ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ نَظَرَ إنْ وُجِدَ دَلِيلٌ يَخُصُّ اللَّفْظَ كان مَقْصُودًا عليه وَإِلَّا أُجْرِيَ على عُمُومِهِ لِأَنَّ الْعَامَّ مُحْتَمِلٌ لِلتَّخْصِيصِ فَلَا يَجُوزُ الْهُجُومُ على الْحُكْمِ دُونَ النَّظَرِ في الْمُرَادِ بِهِ فَإِنْ قِيلَ فما الذي يَعْتَقِدُهُ السَّامِعُ قبل النَّظَرِ قُلْنَا قد يَقْتَرِنُ بِالْخِطَابِ من دَلَالَةِ الْحَالِ ما يَقِفُ بِهِ السَّامِعُ على مُرَادِ الْخِطَابِ وقد يَتَقَدَّمُ الْخِطَابُ ما يَتَعَقَّلُ لِتَخْصِيصِ اللَّفْظِ وَقَرِينَتِهِ عليه كما وَرَدَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ولم يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ شَقَّ ذلك على الصَّحَابَةِ فقال النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ إذَا وَرَدَ الْخِطَابُ مُجَرَّدًا من دَلَالَةٍ تَقْتَرِنُ بِهِ فَالْوَاجِبُ على الْمُخَاطَبِ قبل النَّظَرِ أَنْ يَعْتَقِدَ ما حَصَلَ عِنْدَهُ من ظَاهِرِ اللَّفْظِ فإنه حَقٌّ وَلَا يَعْتَقِدُ انْصِرَافَهُ إلَى عُمُومٍ وَلَا إلَى خُصُوصٍ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ اعْتِقَادُ الشَّيْءِ على ما هو بِهِ وَلَيْسَ عِنْدَهُ قبل النَّظَرِ في هذا أَكْثَرُ من اللَّفْظِ الْعَامِّ فَالْعَامُّ يَرِدُ عليه الْحَادِثَةُ وَجْهَيْنِ فَلَا يَعْتَقِدُ في حُكْمِهَا شيئا بِعَيْنِهِ إلَى أَنْ يَنْظُرَ فَيَتَبَيَّنَ له الْحُكْمُ انْتَهَى وقد احْتَجَّ بَعْضُهُمْ على الْعَمَلِ قبل الْبَحْثِ عن الْمُخَصِّصِ بِمَا في الصَّحِيحَيْنِ عن حديث أبي عُبَيْدَةَ في الْعَنْبَرِ الذي أَلْقَاهُ الْبَحْرُ فإن أَبَا عُبَيْدَةَ حَكَمَ بِتَنْجِيسِ مَيْتَةِ الْبَحْرِ تَمَسُّكًا بِعُمُومِ الْقُرْآنِ ثُمَّ إنَّهُ اسْتَبَاحَهَا بِحُكْمِ الِاضْطِرَارِ مع أَنَّ عُمُومَ الْقُرْآنِ في الْمَيْتَةِ مُخَصَّصٌ بِقَوْلِهِ هو الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ ولم يَكُنْ عِنْدَهُ وَلَا عِنْدَ أَحَدٍ من أَصْحَابِهِ خَبَرٌ من هذا الْمُخَصِّصِ وَحَصَلَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ في هذه الْمَسْأَلَةِ عِنْدَنَا طَرِيقَتَيْنِ إحْدَاهُمَا حِكَايَةٌ لِقَوْلَيْنِ أو وَجْهَيْنِ وَالثَّانِيَةُ الْقَطْعَ بِوُجُوبِ الْبَحْثِ من غَيْرِ خِلَافٍ على طَرِيقَةِ الْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ وَالْقَوْلَانِ الْأَوَّلَانِ مَشْهُورَانِ من غَيْرِ مَذْهَبِنَا وَلَهُمْ فيها أَيْضًا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ
- غَرِيبَةٍ أَحَدُهَا إنْ سَمِعَهُ من النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم على طَرِيقِ تَعْلِيمِ الْحُكْمِ وَجَبَ اعْتِقَادُ عُمُومِهِ في الْحَالِ وَإِنْ سَمِعَهُ من غَيْرِهِ لَزِمَهُ التَّثَبُّتُ وَنُسِبَ لِأَبِي عبد اللَّهِ الْجُرْجَانِيِّ من الْحَنَفِيَّةِ وَالثَّانِي وَحَكَاهُ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ في التَّقْرِيبِ عن أَهْلِ الْعِرَاقِ أَنَّهُ إنْ وَرَدَ بَيَانًا بِأَنْ يَكُونَ جَوَابًا لِسُؤَالٍ أو أَمْرًا أو نَهْيًا وَجَبَ حَمْلُهُ على عُمُومِهِ وَإِنْ وَرَدَ ابْتِدَاءً وَجَبَ التَّوَقُّفُ فيه وَحَكَاهُ أبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ في أُصُولِهِ وَاخْتَارَهُ على غَيْرِ هذا الْوَجْهِ وهو التَّفْصِيلُ بين أَنْ يَرِدَ جَوَابًا عن سُؤَالٍ أو أَمْرًا أو نَهْيًا فَيَجِبُ حَمْلُهُ على عُمُومِهِ لِأَنَّهُ لو كان خَاصًّا لَمَا تَرَكَهُ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِلَا بَيَانٍ في الْحَالِ التي أُلْزِمَ بِتَنْفِيذِ الْحُكْمِ مع جَهْلِ السَّائِلِ وَإِنْ وَرَدَ ابْتِدَاءً من غَيْرِ تَعَلُّقٍ بِسُؤَالٍ أو سمع آيَةً من الْقُرْآنِ مُبْتَدَأَةً وَالسَّائِلُ من أَهْلِ النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ قال الرَّازِيَّ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَحْكُمُ بِظَاهِرِهِ حتى يَبْحَثَ عن الْمُخَصِّصِ فَإِنْ لم يَجِدْهُ أَمْضَاهُ على عُمُومِهِ وَالثَّانِي إنْ كان مُخَاطَبًا بِحُكْمِ اللَّفْظِ فَلَيْسَ يُخَلِّيهِ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ سَمَاعِ اللَّفْظِ من آيَةِ دَلَالَةِ التَّخْصِيصِ عليه حتى يَكُونَ كَالِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَعَقِّبِ لِلْجُمْلَةِ وَأَمَّا من لم يَكُنْ مُخَاطَبًا بِالْحُكْمِ فَلَيْسَ عليه أَنْ يَعْتَقِدَ فيه عُمُومًا وَلَا خُصُوصًا قال وَأَمَّا الْعَامِّيُّ فَلَيْسَ له أَنْ يَعْتَقِدَ شيئا من ذلك وَلَكِنَّهُ إذَا سَأَلَ عن حُكْمِ حَادِثَةٍ مِمَّنْ يَلْزَمُهُ قَبُولُ قَوْلِهِ فَأَجَابَهُ بِجَوَابٍ مُطْلَقٍ أَمْضَاهُ على ما سَمِعَهُ وَمِنْهُ من اقْتَصَرَ على الْعُمُومِ من غَيْرِ تَفْصِيلٍ وهو خَطَأٌ لِأَنَّ فيه إيجَابَ اعْتِقَادِ عُمُومِ ما لَا يَعْلَمُ صِحَّةَ عُمُومِهِ لَا سِيَّمَا إذَا كان مُخَصَّصًا في نَفْسِ الْأَمْرِ ا هـ الثَّالِثُ وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ في كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ التَّفْصِيلُ بين أَنْ يَدْخُلَهُ تَخْصِيصٌ أو لَا فَقِيلَ التَّخْصِيصُ يُسْتَعْمَلُ على عُمُومِهِ من غَيْرِ اجْتِهَادٍ وَلَا نَظَرٍ وَبَعْدَ التَّخْصِيصِ يُحْتَمَلُ قال وهو قَوْلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَكَلَامُ ابْنِ كَجٍّ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ الْخِلَافِ بِمَا إذَا لم يَكُنْ هُنَاكَ ما يُخَصِّصُهُ فَإِنْ وَجَدْنَا ما يُخَصِّصُهُ وَجَبَ الْعَمَلُ بِالْعَامِّ بِلَا خِلَافٍ من غَيْرِ تَوَقُّفٍ وَإِنْ كان يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مُخَصِّصٌ آخَرُ فإنه جَعَلَ هذا أَصْلًا قَاسَ عليه مَوْضِعَ الْخِلَافِ وَحَكَى ابن فُورَكٍ مَذْهَبَ الصَّيْرَفِيِّ وَمُقَابِلَهُ قَوْلًا بِالتَّفْصِيلِ بين الْأَوَامِرِ وَالْأَخْبَارِ قال وَمِنْهُمْ من جَمَعَ في الْوَقْفِ بَيْنَهُمَا وهو الْأَفْقَهُ وَمِنْهُمْ من حَمَلَهُ على
- ثَلَاثَةٍ وَتَوَقَّفَ في الزَّائِدِ عليه وَالْمَشْهُورُ حِكَايَةُ هذا في تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عن وَقْتِ الْحَاجَةِ وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ عن الْأُصُولِ لِلْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ في هذه الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا وَرَدَ الْخِطَابُ الْعَامُّ بَعْدَ وَفَاتِهِ عليه السَّلَامُ فَإِنْ وَرَدَ في عَهْدِهِ وَجَبَ الْمُبَادَرَةُ إلَى الْفِعْلِ عُمُومِهِ لِأَنَّ أُصُولَ الشَّرِيعَةِ لم تَكُنْ مُقَرَّرَةً مَذْهَبُ الصَّيْرَفِيِّ في الْعَمَلِ بِالْعَامِّ قبل الْبَحْثِ عن مُخَصِّصٍ وفي ذلك نَظَرٌ لِمَا سَبَقَ من كَلَامِ الصَّيْرَفِيِّ في كِتَابِ الدَّلَائِلِ الْخِلَافُ في ذلك فقال ذَهَبَ جَمَاعَةٌ إلَى أَنَّ ما سُمِعَ من النبي عليه السَّلَامُ من الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ من الْعَامِّ مُخَاطَبًا بِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتْرُكَهُ حتى يُبَيِّنَهُ لِلْمُخَاطَبِينَ لِيَصِلُوا إلَى عِلْمِ ما أُمِرُوا بِهِ وَأَمَّا السَّاعَةَ فَقَدْ تَكَامَلَ الدِّينُ وَثُبُوتُ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ فَلَيْسَ على من سمع آيَةً من الْعَامِّ الْعَمَلُ بها حتى يَسْأَلَ أَهْلَ الْعِلْمِ فَيَعْرِفَ حُكْمَهَا لِمَا في ذلك من النَّسْخِ وَالتَّخْصِيصِ وَإِنْ كان مِمَّنْ يَبْحَثُ وَلَهُ أَنْ يَبْحَثَ فَقَدْ أتى بِمَا يُمْكِنُهُ فَلَيْسَ عليه إلَّا اعْتِقَادُ ما سَمِعَهُ إذْ قد بَلَغَ ما يُمْكِنُهُ في الْجُمْلَةِ وَلَيْسَ لِلْعِلْمِ غَايَةٌ يَنْتَهِي إلَيْهَا حتى لَا يَفُوتَهُ منها شَيْءٌ وَاخْتَارَ قَوْمٌ جَوَازَ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ منه عليه السَّلَامُ إلَى وَقْتِ التَّقْيِيدِ وقال قَوْمٌ على من سمع شيئا وَحَصَلَ في يَدَيْهِ أَمْرٌ من اللَّهِ أو نَهْيُ اعْتِقَادِ ما سمع حتى يَعْلَمَ خِلَافَهُ قال أبو بَكْرٍ وَاَلَّذِي أَقُولُهُ إنَّ كُلَّ آيَةٍ أو سُنَّةٍ خَاطَبَ اللَّهُ بها أو رَسُولُهُ مُوَاجِهًا بها من يُخَاطِبُ آمِرًا أو نَاهِيًا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخَاطِبَهُ بِهِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَحُكْمُهُ في تِلْكَ مَرْفُوعٌ لِأَنَّهُ يَصِيرُ آمِرًا بِشَيْءٍ حُكْمُهُ أَنْ يُنْهَى عنه في تِلْكَ الْحَالِ وهو مُحَالٌ في صِفَتِهِ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَلَا يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يُوَاجِهَ رَجُلًا آمِرًا له بِشَيْءٍ أو نَاهِيًا عنه بِاسْمٍ عَامٍّ وَوَقْتُ بَيَانِهِ مُمْكِنٌ وَلَا يَتَقَدَّمُ ما يُوجِبُ له الْبَيَانَ فَيَصِيرُ ما يُرِيدُ منه أَنْ يَعْلَمَ من خِطَابِهِ أو فِعْلِهِ بِخِلَافِ ما أَظْهَرَ لِأَنَّهُ في الظَّوَاهِرِ آمِرٌ له بِخِلَافِ ما يُرِيدُ منه وَلَا سَبِيلَ له إلَى عِلْمٍ من لَفْظِهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَهُ أَنْ يُبَيِّنَ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ وَهَذَا خِطَابُ من كَتَمَ لَا من بَيَّنَ وَالرَّسُولُ عليه السَّلَامُ أَعْلَمُ بِاَللَّهِ من أَنْ يَفْعَلَ ذلك فإذا سمع الْمُخَاطَبُونَ ذلك منه عليه السَّلَامُ ثُمَّ فَارَقُوهُ وَاحْتَمَلَ وُرُودَ النَّسْخِ عليه فَعَلَيْهِمْ الْإِقَامَةُ عليه حتى يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَزَالَهُ أو رَسُولَهُ لِأَنَّهُ قد حَصَلَ في أَيْدِيهِمْ الْيَقِينُ فَلَا يَزُولُونَ عنه لِإِمْكَانِ ما يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَافِعًا وَلَا يَتَوَقَّفُونَ عنه لِأَنَّ في ذلك إسْقَاطَ ما عَلِمَ صِحَّتَهُ لِمَا لَا يَعْلَمُ كَوْنَهُ
- وقد عَلِمَ أَنَّ الناس لَا يُمْكِنُهُمْ مُرَاعَاةُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم في كل الْأَحْوَالِ لَا يُفَارِقُونَهُ بَلْ عليهم اسْتِعْمَالُ ما عَلِمُوهُ حتى يَعْلَمُوا خِلَافَهُ مع احْتِمَالِ زَوَالِ ما عَلِمُوا أو وَجَبَ عليهم تَبْلِيغُهُ قال تَعَالَى لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ وَعَلَى ذلك جَرَى أَمْرُ السَّلَفِ كَابْنِ مَسْعُودٍ في الْكَلَامِ في الصَّلَاةِ لم يَنْزِلْ عليه حتى قَدِمَ عليه السَّلَامُ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وكان مُعَاذٌ وَمَنْ بَلَّغَهُ مُعَاذٌ سَوَاءً في الِاعْتِقَادِ وفي الْفِعْلِ حتى يَعْلَمَ خِلَافَهُ وَإِلَّا فَلَا مَعْنَى لِتَوْجِيهِهِ لِيُعَلِّمَ الناس لِإِمْكَانِ نَسْخِ ما بُعِثَ بِهِ ثُمَّ قال بَابُ الْإِبَانَةِ عَمَّا سمع من النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم غَيْرُ مُوَاجِهٍ في الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا قال قَائِلُونَ ليس على من سمع ذلك اعْتِقَادُ ما سمع وَلَا فِعْلُهُ حتى يَسْأَلَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَيُبَيِّنَ له لِأَنَّهُ لم يُوَاجِهْهُ بِالْخِطَابِ وَإِنَّمَا سمع دَرْسًا وقد يُدَرَّسُ الْمَنْسُوخُ وَقِيلَ لَا يُكَلَّفُ إلَّا ما سمع حتى يَعْلَمَ خِلَافَهُ وقال أبو بَكْرٍ وَاَلَّذِي أَقُولُهُ إنَّ كُلَّ آيَةٍ سُمِعَتْ من النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِأَمْرٍ أو نَهْيٍ وكان الْكَلَامُ قد تَمَّ ولم يَتَعَقَّبْهُ وَيُقَارِنْهُ بِمَا يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ فَعَلَى السَّامِعِ اعْتِقَادُ ما سمع حتى يَعْلَمَ خِلَافَهُ ثُمَّ احْتَجَّ على ذلك بِأُمُورٍ منها قَوْله تَعَالَى وَإِذْ صَرَفْنَا إلَيْك نَفَرًا من الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فلما حَضَرُوهُ قالوا أَنْصِتُوا فلما قُضِيَ وَلَّوْا إلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قال فلما سَمِعُوا عِنْدَ انْقِضَائِهِ أَثْنَى عليهم عِنْدَ التَّقَضِّي بِالِانْصِرَافِ ولم يَتَوَقَّفُوا لِلسُّؤَالِ وَلَا غَيْرِهِ فلما آمَنُوا بِهِ لَزِمَهُمْ حُكْمُ ما سَمِعُوا حتى يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَزَالَ حُكْمَهُ وَأَبْقَى تِلَاوَتَهُ وَظَاهِرُ كَلَامِ الصَّيْرَفِيِّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ يقول ذلك فإن من جُمْلَةِ ما احْتَجَّ بِهِ على هذا أَنَّ الشَّافِعِيَّ احْتَجَّ على خُصُوصِهِ بِقَوْلِهِ رُبَّمَا حَضَرَ الرَّجُلُ من الصَّحَابَةِ قد سمع الْجَوَابَ ولم يَسْمَعْ السُّؤَالَ وَالْكَلَامُ يَخْرُجُ على السَّبَبِ فَيَحْكِي ما سمع وَعَلَى كل إنْسَانٍ أَنْ يَحْكِيَ ما سمع حتى يَعْلَمَ خِلَافَهُ فإذا كان هذا من النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِحَيْثُ يَكُونُ الْجَوَازُ مُمْكِنًا من النبي عليه السَّلَامُ وَالصَّحَابَةُ يَسْمَعُونَ ذلك وَيُمْكِنُهُمْ سُؤَالُهُ فَيُجِيبُهُمْ فَهُوَ في غَيْرِهِمْ أَوْلَى ثُمَّ قال بَابُ الْإِبَانَةِ عن الْعَامِّ يَسْمَعُ من غَيْرِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم في عَصْرِ النبي عليه السَّلَامُ وَهَلُمَّ جَرَّا إلَى وَقْتِنَا هذا فَنَقُولُ كُلُّ آيَةٍ أو سُنَّةٍ وَرَدَتْ عَلَيْنَا فَالْوَاجِبُ عَلَيْنَا اعْتِقَادُ ما سَمِعْنَا حتى نَعْلَمَ خِلَافَهُ من خُصُوصٍ أو نَسْخٍ وَعِلَّتُنَا فيه ما اعْتَلَلْنَا من أَمْرِ مُعَاذٍ وَغَيْرِهِ من عُمَّالِ النبي عليه السَّلَامُ وَمَنْ لم يَلْقَ النبي عليه السَّلَامُ بَلْ اعْتَقَدُوا ما سَمِعُوا منه وَعَمِلُوا بِهِ لِأَنَّهُ لو جَازَ التَّوَقُّفُ لِاحْتِمَالِ الْخُصُوصِ لَجَازَ التَّوَقُّفُ عَمَّا عَلِمْنَاهُ
- ثَانِيًا وَاحْتَمَلَ في مَنْعِهِ وَهَذَا يُؤَوَّلُ إلَى تَرْكِ الْفَرَائِضِ فَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِأَنَّ عَلَيْنَا طَلَبَ ذلك بِقَدْرِ الطَّاقَةِ كَطَلَبِ الْمَاءِ بِحَسَبِ ما يُمْكِنُ فَإِنْ وَجَدَهُ وَإِلَّا صَارَ إلَى التُّرَابِ وَإِذًا قد يُدْرِكُ الْجَلِيُّ منه ما لَا يُدْرِكُ الْخَفِيُّ فَلَيْسَ عليه إلَّا ما يَقْدِرُ عليه فَإِنْ وَجَدَهُ فيها وَإِلَّا عَادَ إلَى الْقَضَاءِ بِالْعُمُومِ قُلْنَا له تَطْلُبُ دَلِيلَ الْخُصُوصِ في بَعْضِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ أو في كل ذلك فَإِنْ قال أَطْلُبُهُ في الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ فَقَدْ عَمَدَ إلَى أَهْلِ الْخُصُوصِ وَإِنْ قال أَطْلُبُهُ في كل ذلك قُلْنَا وقد عَلِمْت أَنَّك لَا تَبْلُغُ عِلْمَ ذلك كُلِّهِ فَتَوَقُّفُك خَطَأٌ من وَجْهَيْنِ فَأَمَّا تَشْبِيهُهُمْ بِالْمَاءِ وَالتُّرَابِ فَخَطَأٌ لِأَنَّهُمْ أُمِرُوا أَنْ يَلْتَمِسُوا الْمَاءَ إلَى الطَّهُورِ كما يَلْتَمِسُوا أَهْلَ الزُّقَاقِ ولم يُكَلَّفُوا غير ذلك انْتَهَى كَلَامُهُ وَهَذَا الْبَابُ الْأَخِيرُ يُعْلَمُ منه ثُبُوتُ الْخِلَافِ في الصُّورَةِ التي نَقَلَ عن الْأُسْتَاذِ الْوِفَاقَ فيها وقد اسْتَفَدْنَا من جُمْلَةِ كَلَامِهِ أَنَّ لِلْمَسْأَلَةِ أَحْوَالًا أَحَدُهَا أَنْ يُخَاطِبَ النبي عليه السَّلَامُ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ فَعَلَى الْمُخَاطَبِ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ حتى يَعْلَمَ خِلَافَهُ ثَانِيهَا أَنْ يَقُولَ ذلك لَا على جِهَةِ الْخِطَابِ له فَعَلَى السَّامِعِ اعْتِقَادُ عُمُومِهِ ثَالِثُهَا أَنْ يَسْمَعَ الْعَامُّ من غَيْرِ النبي عليه السَّلَامُ في عَصْرِهِ أو بَعْدَهُ فَالْحُكْمُ فيه كَذَلِكَ وَالْخِلَافُ ثَابِتٌ في الْجَمِيعِ لَكِنَّ الْحَالَةَ الْأُولَى فَرَّعَهَا على مَذْهَبِهِ في مَنْعِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ ثُمَّ إنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ ذلك تَقْيِيدَ ما سَبَقَ بِمَا إذَا لم يَعْلَمْ أَنَّ فيه تَخْصِيصًا أو نَاسِخًا أَمَّا إذَا عَلِمَ فإنه يَتَوَقَّفُ فإنه قال بَعْدَ أَوْرَاقٍ بَابُ الْقَوْلِ في الْأَسْمَاءِ التي قد عُلِمَ أَنَّهُ قد خَصَّ أو نَسَخَ بَعْضَ حُكْمِهِ وَلَا نَعْلَمُ نَاسِخَهُ أو الْبَعْضَ الْمَنْسُوخَ منه قال أبو بَكْرٍ كُلُّ خِطَابٍ خُوطِبْت بِهِ وَعَلِمْت أَنَّ فيه خُصُوصًا أو نَسْخًا ولم تَعْلَمْهُ فَلَا تُقْدِمْ فيه على شَيْءٍ منه لِأَنَّك لَا تَتَوَجَّهُ إلَى وَجْهٍ من وُجُوهِ الِاسْتِعْمَالِ إلَّا تَعَادَلَ في نَفْسِك بِضِدِّهِ فَلَيْسَ الْبَعْضُ أَوْلَى من الْآخَرِ فَلَا تُقْدِمْ عليه حتى تَعْلَمَ الْمَرْفُوعَ من الثَّابِتِ ثُمَّ قال وَلَيْسَ هذا مِثْلَ الْقُرْآنِ كُلِّهِ إذَا عَلِمَ أَنَّ فيه مَنْسُوخًا لِأَنِّي لَا أَدْرِي هل ذلك في الْقُرْآنِ من النَّسْخِ وَاقِعٌ لِهَذَا أو لِغَيْرِهِ فَلَا أَتْرُكُ ما ثَبَتَ أَمْرُهُ حتى أَعْلَمَ خِلَافَهُ انْتَهَى
- اخْتِلَافُ الْأُصُولِيِّينَ في تَحْدِيدِ مَذْهَبِ الصَّيْرَفِيِّ وَإِنَّمَا حَكَيْت كَلَامَ الصَّيْرَفِيِّ بِنَصِّهِ لِعِزَّةِ وُجُودِ هذا الْكِتَابِ وَلِأَنَّهُ قد وَقَعَ أَغْلَاطٌ لِجَمَاعَةٍ من الْأَكَابِرِ في النَّقْلِ عنه فَأَرَدْت الِاسْتِظْهَارَ في ذلك وَبَيَانُهُ بِأُمُورٍ أَحَدِهَا قالوا إنَّ قَوْلَ الصَّيْرَفِيِّ يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِالْعَامِّ ابْتِدَاءً من غَيْرِ طَلَبِ الْمُخَصِّصِ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدَهُمَا أَنَّهُ يَجِبُ على الْمُجْتَهِدِ أَنْ يَظُنَّ عُمُومَهُ إذْ ذَاكَ إذْ ليس من شَرْطِهِ حُكْمًا وَالتَّمَسُّكُ بِالدَّلِيلِ أَنْ يَكُونَ قَاطِعًا بِمُقْتَضَى الدَّلِيلِ الذي تَمَسَّكَ بِهِ وَالثَّانِيَ أَنَّهُ يَجِبُ عليه أَنْ يَقْطَعَ بِعُمُومِهِ إذْ ذَاكَ لَكِنْ صَرَّحَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ بِالِاحْتِمَالِ الثَّانِي نَقْلًا عنه فَأَغْلَظَ الْقَوْلَ عليه قُلْت وَكَذَلِكَ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ نَصَبَ خِلَافَ الصَّيْرَفِيِّ في وُجُوبِ اعْتِقَادِ الْعُمُومِ وَكَذَلِكَ ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ في التَّقْرِيبِ وابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ ولم يَذْكُرُوا وُجُوبَ الْعَمَلِ وما سَكَتُوا عنه فَقَدْ صَرَّحَ بِهِ غَيْرُهُمْ وقال الْمَازِرِيُّ لم يُرِدْ الرَّجُلُ هذا وَإِنَّمَا أَرَادَ اعْتِقَادَ وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ قال الْمُقْتَرِحُ في تَعْلِيقِهِ على الْبُرْهَانِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الصَّيْرَفِيَّ إنَّمَا أَرَادَ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ ا هـ وقد عَلِمْت أَنَّ الصَّيْرَفِيَّ فَرَضَ لِلْمَسْأَلَةِ أَحْوَالًا ثَلَاثَةً وَجَعَلَ بَعْضَهَا من الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ وَبَعْضَهَا من الْأَخِيرِ فَفِي الْحَالَةِ الْأُولَى وَهِيَ أَنْ يُخَاطِبَهُ عليه السَّلَامُ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ يَجِبُ عليه الْعَمَلُ بِمُقْتَضَى الْعُمُومِ ولم يَخْتَرْ اعْتِقَادَ الْعُمُومِ بِخِلَافِهِ في الْحَالَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ فَتَأَمَّلْ كَلَامَهُ وقال الْأَصْفَهَانِيُّ اسْتَفَدْنَا منه أَنَّ الْعَمَلَ بِهِ مَقْطُوعٌ أَمَّا مُطْلَقُ اللَّفْظِ الْعَامِّ إنْ أَرَادَ بِهِ الْعُمُومَ فَلَا قَطْعَ فيه وَهَذَا الذي اشْتَبَهَ على من قال إنَّ الْأَحْكَامَ الثَّابِتَةَ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُفِيدُ الظَّنَّ أَحْكَامٌ مَعْلُومَةٌ ولم يَعْرِفْ أَنَّ الْمَقْطُوعَ بِهِ وُجُوبُ الْعَمَلِ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمَظْنُونَ مَعْلُومٌ الْأَمْرُ الثَّانِي أَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ صَوَّرَ مَحَلَّ الْخِلَافِ في صُورَةٍ خَاصَّةٍ فقال إذَا وَرَدَتْ الصِّيغَةُ الظَّاهِرَةُ في اقْتِضَاءِ الْعُمُومِ ولم يَدْخُلْ وَقْتُ الْعَمَلِ بِمُوجِبِهَا فَقَدْ قال أبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ يَجِبُ على الْمُتَعَبِّدِينَ اعْتِقَادُ عُمُومِهَا على جَزْمٍ ثُمَّ إنْ كان الْأَمْرُ على ما اعْتَقَدُوهُ فَذَاكَ وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْخُصُوصَ تَغَيُّرُ الْعَقْدِ انْتَهَى وَالصَّوَابُ في النَّقْلِ عنه إطْلَاقُ الْعُمُومِ سَوَاءٌ قبل حُضُورِ وَقْتِ الْعَمَلِ بِهِ أو
- بَعْدَهُ بَلْ هو مُصَرَّحٌ بِالْعَمَلِ بِهِ قبل الْبَحْثِ عن الْمُخَصِّصِ وَنَقَلَ ذلك أَيْضًا في كِتَابِهِ الْبَيَانِ في أُصُولِ الْفِقْهِ وَكَذَلِكَ نَقَلَهُ عنه الْجُمْهُورُ كما سَبَقَ التَّصْرِيحُ بِهِ في كَلَامِهِمْ ولم يُقَيِّدْ أَحَدٌ منهم النَّقْلَ عنه بِهَذِهِ الْحَالَةِ تَفْرِيعٌ الْأَمْرُ الثَّالِثُ أَنَّ مِمَّا يَتَفَرَّعُ على هذا الْخِلَافِ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عن وَقْتِ الْخِطَابِ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ فَمَنْ ذَهَبَ إلَى إجْرَائِهِ على الْعُمُومِ قبل الْبَحْثِ عن الْمُتَخَصِّصِ كَالصَّيْرَفِيِّ قال لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَأَخَّرَ عنه بَيَانُ الْخُصُوصِ إنْ كان ثَمَّ مُرَادٌ كما يَمْتَنِعُ تَأْخِيرُ الِاسْتِثْنَاءِ وَمَنْ مَنَعَ اقْتِضَاءَ عُمُومِهِ أَجَازَ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عن وَقْتِ الْوُرُودِ وَكَذَا ذَكَرَهُ ابن فُورَكٍ في كِتَابِهِ فقال من ذَهَبَ إلَى الِاقْتِضَاءِ بِنَفْسِ السَّمَاعِ قال لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَأَخَّرَ عنه بَيَانُ الْخُصُوصِ إنْ كان ثَمَّ مُرَادٌ وَمَنْ أَبَى الْمُبَادَرَةَ إلَى الْإِمْضَاءِ جَوَّزَهُ وَكَذَا قال إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ وَهَذَا مُوَافِقٌ لِأَصْلِ الصَّيْرَفِيِّ فإنه مِمَّنْ يَمْنَعُ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عن وَقْتِ الْحَاجَةِ كما سَبَقَ التَّصْرِيحُ بِهِ في صَدْرِ كَلَامِهِ وَهَكَذَا نَقَلَهُ عنه الْجُمْهُورُ وَلَكِنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ نَقَلَ عنه هُنَا أَنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عن وَقْتِ الْحَاجَةِ وَاسْتَدَلَّ عليه بِأَنَّهُ من الرَّادِّينَ عليهم في كُتُبِهِ فَأَلْزَمَهُ التَّنَاقُضَ فقال الْقَوْلُ بِالْإِجْرَاءِ على الْعُمُومِ إنَّمَا يَلِيقُ بِمَذْهَبِ من يَمْنَعُ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ أَمَّا من يُجَوِّزُهُ فَلَا فَالْقَوْلُ بِجَوَازِ وُرُودِ الْمُخَصِّصِ مع الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الْعُمُومِ تَنَاقُضٌ وقد عَلِمْتَ أَنَّ الصَّيْرَفِيَّ صَرَّحَ في صَدْرِ كَلَامِهِ في هذه الْمَسْأَلَةِ بِمَنْعِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عن وَقْتِ الْحَاجَةِ فَاَلَّذِي ذَكَرَهُ مُسْتَقِيمٌ وَكَذَا نَقَلَهُ عنه ابن الصَّبَّاغِ في الْعِدَّةِ وَغَيْرُهُ وَقَوْلُ الْإِمَامِ إنَّهُ من الرَّادِّينَ على مَانِعِي تَأْخِيرِ الْبَيَانِ في تَصَانِيفِهِ صَحِيحٌ وَلَكِنْ في غَيْرِ مَسْأَلَةِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ نعم سَيَأْتِي عن الْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ رُجُوعُ الصَّيْرَفِيِّ عن هذا الْمَذْهَبِ ولم يَقِفْ جَمَاعَةٌ على تَحْرِيرِ النَّقْلِ عن الصَّيْرَفِيِّ في مَسْأَلَةِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ وَظَنُّوا صِحَّةَ ما نَقَلَهُ عنه الْإِمَامُ فَأَخَذُوا في تَأْوِيلِ كَلَامِهِ قال الْمَازِرِيُّ قد أَغْلَظَ الْإِمَامُ الْقَوْلَ على الصَّيْرَفِيِّ وَنَسَبَهُ إلَى الْغَبَاوَةِ وهو غَيْرُ لَائِقٍ فإنه إمَامٌ جَلِيلٌ مع إمْكَانِ تَأْوِيلِ كَلَامِهِ قال الْمُقْتَرِحُ لَا تَنَاقُضَ لِعَدَمِ تَوَارُدِهِمَا على مَحَلٍّ وَاحِدٍ فإن مَحَلَّ الِاعْتِقَادِ إنَّمَا هو وُجُوبُ الْعَمَلِ بِالْعُمُومِ وَالتَّجْوِيزُ رَاجِعٌ إلَى تَبَيُّنِ مُرَادِ اللَّفْظِ انْتَهَى وَهَذَا بِنَاءٌ منه على أَنَّ الصَّيْرَفِيَّ كَلَامُهُ في وُجُوبِ الْعَمَلِ لَا الِاعْتِقَادِ وَالْإِمَامُ
- بَنَى اعْتِرَاضَهُ على أَنَّ كَلَامَ الصَّيْرَفِيِّ في الِاعْتِقَادِ وقد سَبَقَ تَحْرِيرُهُ وقال الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْجَزْمَ بِاعْتِقَادِ الْعُمُومِ إنَّمَا يَلِيقُ بِمَذْهَبِ الْمَانِعِ من تَأْخِيرِ الْبَيَانِ بَلْ التَّنَاقُضُ الْمَذْكُورُ لَازِمٌ لهم أَيْضًا إلَّا من لم يُجَوِّزْ سَمَاعَ الْمُكَلَّفِ الْعَامِّ دُونَ الْخَاصِّ فإن التَّنَاقُضَ الْمَذْكُورَ إنَّمَا يَنْدَفِعُ عَنْهُمْ لَا غَيْرُ وَهَذَا لِأَنَّهُمْ وَإِنْ أَوْجَبُوا اتِّصَالَ الْمُخَصَّصِ بِالْعَامِّ في الْوُرُودِ لَكِنَّهُمْ لم يُوجِبُوا وُصُولَهُ إلَى من يَصِلُ إلَيْهِ الْعَامُّ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَظْهَرَ الْمُخَصَّصُ لِلْمُكَلَّفِ بَعْدَ سَمَاعِ الْعَامِّ وَإِنْ كَانَا عِنْدَ الْوُرُودِ مُقْتَرِنَيْنِ وَمَعَ هذا الِاحْتِمَالِ وَالتَّجْوِيزِ كَيْفَ يَجِبُ عليه الْقَطْعُ بِالْعُمُومِ الْغَزَالِيُّ يَنْقُلُ الْإِجْمَاعَ على وُجُوبِ الْبَحْثِ قبل الْحُكْمِ بِالْعَامِّ الْأَمْرُ الرَّابِعُ قِيلَ إنَّ الْغَزَالِيَّ خَالَفَ طَرِيقَةَ الناس في هذه الْمَسْأَلَةِ فقال في الْمُسْتَصْفَى لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمُبَادَرَةُ إلَى الْحُكْمِ بِالْعُمُومِ قبل الْبَحْثِ عن الْأَدِلَّةِ الْمُخَصِّصَةِ لِأَنَّ الْعُمُومَ دَلِيلٌ بِشَرْطِ انْتِفَاءِ الْمُخَصِّصِ وَالشَّرْطُ بَعْدُ لم يَظْهَرْ وَكَذَلِكَ كُلُّ دَلِيلٍ يُمْكِنُ فيه الْمُعَارَضَةُ وَذَلِكَ كَإِلْحَاقِ الْفَرْعِ بِالْأَصْلِ في الْقِيَاسِ فَالْعِلَّةُ دَلِيلٌ بِشَرْطِ الْعِلْمِ بِنَفْيِ الْفَارِقِ وقد تَبِعَهُ على ذلك الْآمِدِيُّ وابن الْحَاجِبِ فَنَقَلَا الْإِجْمَاعَ على امْتِنَاعِ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ قبل الْبَحْثِ عن كل ما يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُخَصَّصًا وَغَلَّطَهُمَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ في شَرْحِ الْعِنْوَانِ مُتَمَسِّكًا بِكَلَامِ الشَّيْخِ أبي إِسْحَاقَ السَّابِقِ وَمَنْ نَقَلَ الْخِلَافَ مُقَدَّمٌ على من نَقَلَ الْإِجْمَاعَ لِمَزِيدِ الِاطِّلَاعِ انْتَهَى قُلْت وَهَذَا لَا يُنَافِي نَقْلَ الْخِلَافِ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ ذلك طَرِيقَةٌ في الْمَذْهَبِ قَاطِعَةٌ بِذَلِكَ وَطَرِيقَةٌ حَاكِيَةٌ لِلْخِلَافِ على أَنَّ من الناس من عَكَسَ هذه الطَّرِيقَةَ فقال الْمَعْرُوفُ ما ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ وَخِلَافُ الصَّيْرَفِيِّ إنَّمَا هو في اعْتِقَادِ عُمُومِهِ قبل دُخُولِ وَقْتِ الْعَمَلِ بِهِ وإذا ظَهَرَ مُخَصِّصٌ يَتَغَيَّرُ الِاعْتِقَادُ هَكَذَا نَقَلَهُ عنه إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْآمِدِيَّ وَغَيْرُهُمَا وَعَلَى هذا فَنَصْبُ الْخِلَافِ على التَّمَسُّكِ بِالْعَامِّ قبل الْبَحْثِ عن الْمُخَصِّصِ كما نَقَلَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وَأَتْبَاعُهُ غَلَطٌ بَلْ هُمَا مَسْأَلَتَانِ اعْتِقَادُ الْعُمُومِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ خِلَافِ الصَّيْرَفِيِّ وَامْتِنَاعُ التَّمَسُّكِ بِهِ قبل الْبَحْثِ عن الْمُخَصِّصِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ إجْمَاعٍ وَاسْتَشْكَلَ آخَرُونَ الِاتِّفَاقَ على امْتِنَاعِ الْعَمَلِ مع إيجَابِ الْبَعْضِ اعْتِقَادَ
- عُمُومِهِ إذْ لَا يَظْهَرُ لِوُجُوبِ اعْتِقَادِ عُمُومِهِ فَائِدَةٌ إلَّا الْعَمَلَ بِهِ فِعْلًا أو كَفًّا فَلَوْ قِيلَ قَاتِلُوا الْكُفَّارَ أو اُقْتُلُوهُمْ وَاعْتَقَدْنَا عُمُومَهُ وَجَبَ عَلَيْنَا الْعَمَلُ بِمُوجِبِهِ في قِتَالِهِمْ حتى يَأْتِيَ الْمُخَصِّصُ وَإِنْ لم يَكُنْ الْأَمْرُ هَكَذَا لم يَكُنْ لِوُجُوبِ اعْتِقَادِ عُمُومِهِ فَائِدَةٌ وَالصَّوَابُ أَنَّ الْخِلَافَ ثَابِتٌ في الْحَالَيْنِ وَمِمَّنْ نَصَبَ فِيهِمَا الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في شَرْحِ اللُّمَعِ فقال هل يَجِبُ اعْتِقَادُ عُمُومِهَا وَالْعَمَلُ بِمُوجِبِهَا قال الصَّيْرَفِيُّ يَجِبُ الْأَخِيرُ وقد سَبَقَ تَوَهُّمُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ تَخْصِيصَ النَّقْلِ عنه بِذَلِكَ وقال بَعْضُ شُرَّاحِ اللُّمَعِ يَجِبُ اعْتِقَادُ عُمُومِهَا في الْأَزْمَانِ وَالْأَعْيَانِ بِلَا خِلَافٍ وَهَلْ يَجِبُ اعْتِقَادُ عُمُومِهَا وَالْعَمَلُ بِمُوجِبِهَا قبل الْبَحْثِ عن الْمُخَصِّصِ فيه الْوَجْهَانِ وَأَيْضًا فَالْكُلُّ مُتَّفِقُونَ في النَّقْلِ عن الصَّيْرَفِيِّ أَنَّهُ يَجِبُ اعْتِقَادُ عُمُومِهِ وَمَعَ الْجَزْمِ بِالْعُمُومِ يَسْتَحِيلُ أَنْ لَا يَجُوزَ التَّمَسُّكُ بِهِ فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ نَقْلُ الْإِجْمَاعِ في مَنْعِ التَّمَسُّكِ بِهِ وَكَيْفَ تُجْعَلُ مَسْأَلَةُ اعْتِقَادِ الْعُمُومِ غير مَسْأَلَةِ جَوَازِ التَّمَسُّكِ بِهِ هو لَازِمُهُ وَهَذَا مِمَّا لَا يُعْقَلُ وَأَيْضًا الْقَوْلُ بِجَوَازِ التَّمَسُّكِ بِهِ أَوْلَى وَأَظْهَرُ من وُجُوبِ اعْتِقَادِ عُمُومِهِ ثُمَّ حين ظُهُورِ الْمُخَصِّصِ يَتَغَيَّرُ الِاعْتِقَادُ فإنه مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ أَغْلَظَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْقَوْلَ فيه بِسَبَبِهِ بِخِلَافِ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ ابْتِدَاءً فإن له وَجْهًا وَجِيهًا قال الْأَصْفَهَانِيُّ في شَرْحِ الْمَحْصُولِ هُمَا مَسْأَلَتَانِ إحْدَاهُمَا قبل مَجِيءِ وَقْتِ الْعَمَلِ وَالْحَقُّ فيها ما اخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ الْعُمُومَ ظَاهِرٌ وَالْعَمَلَ مَقْطُوعٌ بِهِ وَثَانِيَتُهُمَا عِنْدَ وَقْتِ الْعَمَلِ بِهِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْغَزَالِيِّ وَالْحَقُّ فيها ما اخْتَارَهُ وَاَلَّذِي يَتَحَصَّلُ من كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْهُجُومُ على الْعَمَلِ بِمُقْتَضَى الْعُمُومِ دُونَ الْبَحْثِ عن الْمُخَصِّصِ وَأَمَّا الْخِلَافُ الْمَحْكِيُّ عن الصَّيْرَفِيِّ وَابْنِ سُرَيْجٍ فَهُوَ حُكْمُ مُقْتَضَى الْعُمُومِ ابْتِدَاءً وَيَعْتَمِدُ على ظُهُورِ التَّخْصِيصِ ابْتِدَاءً وَالْخِلَافُ في الْعَامِّ في إجْرَائِهِ على عُمُومِهِ وفي الْخَاصِّ في إجْرَائِهِ على حَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ فَمَنْ أَوْجَبَ الِاسْتِقْصَاءَ عن الْمُخَصِّصِ أَوْجَبَ الْبَحْثَ عن الْمُقْتَضَى بِحَمْلِ اللَّفْظِ على الْمَجَازِ وَهَكَذَا جَعَلَ الْهِنْدِيُّ خِلَافَ الصَّيْرَفِيِّ قبل حُضُورِ وَقْتِ الْعَمَلِ بِهِ قال فَإِنْ حَضَرَ وَقْتُهُ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ إجْمَاعًا لَكِنْ مع الْجَزْمِ بِعَدَمِ الْمُخَصِّصِ عِنْدَ جَمْعٍ كَالْقَاضِي وَمَعَ ظَنِّهِ عِنْدَ آخَرِينَ كَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَابْنِ سُرَيْجٍ وَالْغَزَالِيِّ وهو الْأَوْلَى انْتَهَى وقد سَبَقَ أَنَّ الصَّيْرَفِيَّ وَالْجُمْهُورَ أَطْلَقُوا النَّقْلَ عنه من غَيْرِ فَرْقٍ بين حُضُورِ وَقْتِ الْعَمَلِ بِهِ أَمْ لَا وَنَقْلُهُ الْإِجْمَاعَ في الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ لَا يَسْتَقِيمُ لِمَا سَيَأْتِي من كَلَامِ ابْنِ الصَّبَّاغِ
- قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إذَا حَضَرَ وَقْتُ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ فَقَدْ يَقْطَعُ الْمُكَلَّفُ بِمُقْتَضَى الْعُمُومِ لِقَرَائِنَ تَتَوَفَّرُ عِنْدَهُ فَيَصِيرُ الْعَامُّ كَالنَّصِّ وقد لَا يَقْطَعُ بِذَلِكَ لِعَدَمِ الْقَرَائِنِ الْمُفِيدَةِ لِلْقَطْعِ بَلْ يَغْلِبُ على ظَنِّهِ الْعُمُومُ فَيَعْمَلُ بِنَاءً على غَلَبَةِ الظَّنِّ كما في خَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ الْمَذَاهِبُ في الْمُدَّةِ التي يَجِبُ فيها الْبَحْثُ عن مُخَصِّصٍ الْأَمْرُ الْخَامِسُ إذَا أَوْجَبْنَا الْبَحْثَ عن الْمُخَصِّصِ فَاخْتُلِفَ في الْمُدَّةِ التي يَجِبُ فيها الْبَحْثُ على أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ حَكَاهَا في الْمُسْتَصْفَى أَحَدِهَا يَكْفِيهِ أَدْنَى نَظَرٍ وَبَحْثٍ كَاَلَّذِي يَبْحَثُ عن مَتَاعٍ في بَيْتٍ وَلَا يَجِدُهُ فَيَغْلِبُ على ظَنِّهِ عَدَمُهُ وَالثَّانِي يَكْفِيهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ بِالِانْتِفَاءِ عِنْدَ الِاسْتِقْصَاءِ في الْبَحْثِ وَالثَّالِثِ لَا بُدَّ من اعْتِقَادٍ جَازِمٍ بِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ وَلَا يَكْفِي الظَّنُّ وَرَابِعِهَا لَا بُدَّ من الْقَطْعِ بِانْتِفَاءِ الْأَدِلَّةِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقَاضِي وَالْقَطْعُ بِهِ مُمْكِنٌ وَمَنَعَ غَيْرُهُ ذلك الْإِمْكَانَ لِأَنَّ غَايَةَ الْمُجْتَهِدِ بَعْدَ الِاسْتِقْصَاءِ الِاسْتِدْلَال بِعَدَمِ الْوِجْدَانِ على عَدَمِ الْوُجُودِ وَلَا يَلْزَمُ منه إلَّا الظَّنُّ بِعَدَمِ الْوُجُودِ لَا الْقَطْعُ بِعَدَمِهِ لِعَدَمِ انْضِبَاطِ الْأَدِلَّةِ وَاحْتِمَالِ الشُّذُوذِ وقال الْقَاضِي وَلَا يَكْفِي عَدَمُ وُجْدَانِ الْمُخَصِّصِ لِمُجْتَهِدٍ سَابِقٍ وَلَا قَوْلُهُ وَلَوْ كان الْحُكْمُ خَاصًّا لَنَصَبَ اللَّهُ عليه دَلِيلًا لِلْمُكَلَّفِينَ وَلْيَكْفِهِمْ ذلك وَاعْلَمْ أَنَّ هذا الْقَوْلَ قَرِيبٌ من الذي قَبْلَهُ فإن الْمُعْتَقِدَ أَيْضًا لَا يُجَوِّزُ النَّقِيضَ وَإِلَّا لَكَانَ ظَانًّا لَكِنْ يَفْتَرِقَانِ في أَنَّ الْمُعْتَقِدَ على الثَّالِثِ يَكُونُ مُصِيبًا في الْحُكْمِ وَإِنْ تَبَيَّنَ له الْغَلَطُ بَعْدَ ذلك وَالْقَاضِي يَرَى أَنَّ الِاعْتِقَادَ من غَيْرِ عِلْمٍ لَا يَكُونُ مَطْلُوبًا في الشَّرِيعَةِ قَالَهُ الْإِبْيَارِيُّ وَالْمُخْتَارُ وِفَاقًا لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَابْنِ سُرَيْجٍ وَالْغَزَالِيِّ وَالْمُحَقِّقِينَ الْأَوَّلُ فقال عليه تَحْصِيلُ عِلْمٍ أو ظَنٍّ بِاسْتِقْصَاءِ الْبَحْثِ أَمَّا الظَّنُّ فَبِانْتِفَاءِ الدَّلِيلِ في نَفْسِهِ وَأَمَّا الْقَطْعُ فَبِانْتِفَائِهِ في حَقِّهِ يَتَخَيَّرُ عن نَفْسِهِ عن الْوُصُولِ إلَيْهِ بَعْدَ بَذْلِ وُسْعِهِ وَهَذَا الظَّنُّ بِالصَّحَابَةِ في مَسْأَلَةِ الْمُخَابَرَةِ وَنَحْوِهَا وَكَذَلِكَ الْوَاجِبُ في الْقِيَاسِ وَالِاسْتِصْحَابِ وَكُلُّ ما هو مَشْرُوطٌ بِنَفْيِ دَلِيلٍ آخَرَ
- وَيَجْتَمِعُ من كَلَامِ الْأَصْحَابِ في الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ أُخَرُ فَقَدْ قال الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ كِلَاهُمَا في الْأَقْضِيَةِ ليس لِزَمَانِ الِاجْتِهَادِ وَالنَّظَرِ وَقْتٌ مُقَدَّرٌ وَإِنَّمَا هو مُعْتَبَرٌ بِمَا يُؤَدِّي الِاجْتِهَادُ إلَيْهِ من الرَّجَاءِ وَالْإِيَاسِ وقال الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ في كِتَابِهِ ليس لِمُدَّةِ الْبَحْثِ زَمَنٌ مُحَدَّدٌ وَلَكِنَّهَا مَعْقُولَةٌ وَهَذَا كما أَنَّ الْمُجْتَهِدَ إذَا لم يَجِدْ نَصًّا في الْحَادِثَةِ يَجْتَهِدْ حتى يَجِدَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ وَلَيْسَ له في ذلك زَمَنٌ مُحَدَّدٌ وَمَعْلُومٌ أَنَّ من سمع النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم يَتْلُو آيَةً بِلَفْظٍ عَامٍّ كان عليه أَنْ يَسْتَوْعِبَهَا سَمَاعًا فَلَعَلَّهُ اسْتَثْنَى عَقِبَ الْكَلَامِ فإذا اسْتَوْعَبَهَا ولم يَجِدْ فيها اسْتِثْنَاءً وَلَا خُصُوصًا اعْتَقَدَ عُمُومَهَا وَعَمِلَ بِمَا يُوجِبُهُ لَفْظُهَا وَلَيْسَ لِمُدَّةِ الِاسْتِمَاعِ وَقْتٌ مُحَدَّدٌ وَلَكِنْ بِانْتِهَاءِ الْكَلَامِ فَكَذَلِكَ من سمع آيَةً عَامَّةً نَظَرَ وَلَا مُدَّةَ لِنَظَرِهِ أَكْثَرَ من زَمَانٍ يَخْطُرُ بِبَالِهِ ما قد عَلِمَهُ من الْأُصُولِ فيه فَإِنْ لم يَجِدْ في ذلك ما يَدُلُّ على خُصُوصِهَا وَاحْتَاجَ إلَى التَّقْيِيدِ أَجْرَاهَا على الْعُمُومِ وَإِنْ لم يَحْتَجْ سَأَلَ من يَعْلَمُ أَنَّ عِنْدَهُ عِلْمًا أو ازْدَادَ في التَّأَمُّلِ بِمَا عِنْدَهُ من الْأُصُولِ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَتَنَبَّهَ بِهِ على خُصُوصٍ إنْ كان فيها كما سَأَلَ الصَّحَابَةُ عن قَوْله تَعَالَى ولم يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ وَقَالُوا أَيُّنَا لم يَظْلِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ وَسَأَلُوا النبي عليه السَّلَامُ عن قَوْلِهِ من أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَهُ كَرِهَ لِقَاءَهُ فَقَالُوا أَيُّنَا لَا يَكْرَهُ الْمَوْتَ فَكَشَفَ لهم عن الْمَعْنَى وَلَيْسَ كُلُّ ما قَدَرَ حَصْرُهُ بِمِقْدَارٍ تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ كما تَقُولُ في التَّوَاتُرِ أَنْ يَكُونَ عَدَدًا يَسْتَحِيلُ تَوَاطُؤُهُمْ على الْكَذِبِ قال وفي ذلك إبْطَالُ قَوْلِ من نَظَرَ إلَى إبْطَالِ النَّظَرِ في مَعْنَى الْعُمُومِ لِجَهْلِ الْمُدَّةِ التي يَقَعُ فيها النَّظَرُ وقال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ في شَرْحِ الْكِفَايَةِ وَلَا يُوجِبُ التَّوَقُّفَ أَبَدًا بَلْ هو كَالْحَاكِمِ يَتَوَقَّفُ حتى يَسْأَلَ عن عَدَالَةِ الشُّهُودِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّظَرُ الْأَوَّلُ هو الْوَاجِبُ دُونَ التَّكْرَارِ كَالْمُجْتَهِدِ تَنْزِلُ بِهِ الْحَادِثَةُ قال الشَّيْخُ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ الْمُوجِبُونَ لِلْبَحْثِ عن الْمُخَصِّصِ إنْ أَرَادُوا بِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْمُجْتَهِدِ من نَظَرِهِ فِيمَا تَأَخَّرَ من النُّصُوصِ أو ما يَتَيَسَّرُ له مُرَاجَعَتُهُ مِمَّا سَتَعْرِفُهُ بِاحْتِمَالِ التَّخْصِيصِ فَذَلِكَ صَحِيحٌ وَإِنْ أَرَادُوا بِهِ التَّوَقُّفَ حتى يَقَعَ على ما لَعَلَّهُ لم يَبْلُغْهُ من النُّصُوصِ وَلَا يَشْعُرُ بِهِ مع قُرْبِ الْمُرَاجَعَةِ فَلَا يَصِحُّ وَالدَّلِيلُ عليه أَنَّ عُلَمَاءَ الْأَمْصَارِ ما بَرِحُوا يُفْتُونَ بِمَا بَلَغَهُمْ من غَيْرِ تَوَقُّفٍ على الْبَحْثِ في الْأَمْصَارِ وَالْبِلَادِ عَمَّا لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ تَخْصِيصًا وَبِهَذَا يُجَابُ عن قَوْلِ الْقَائِلِ بِالْوُجُوبِ إنَّهُ لو كان كَذَلِكَ لَكَانَتْ رُتْبَةُ الِاجْتِهَادِ
- مُمْكِنَةً لِكُلِّ أَحَدٍ حَصَلَتْ له أَدْنَى أَهْلِيَّةٍ لِأَنَّا أَوَّلًا شَرَطْنَا أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِلِاجْتِهَادِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي اطِّلَاعَهُ على جُمْلَةٍ من النُّصُوصِ زَائِدَةٍ لَا يَصِلُ إلَيْهَا من له أَدْنَى أَهْلِيَّةٍ انْتَهَى مَنْشَأُ الْخِلَافِ في الْمَسْأَلَةِ الْأَمْرُ السَّادِسُ أَنَّ مَثَارَ الْخِلَافِ في وُجُوبِ الْبَحْثِ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا التَّعَارُضُ بين الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ وَالثَّانِي عَدَمُ الْمُخَصِّصِ هل هو شَرْطٌ في الْعُمُومِ أو التَّخْصِيصُ من بَابِ الْمُعَارِضِ فيه قَوْلَانِ يُؤْخَذَانِ مِمَّا سَبَقَ وَكَمَا في تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ وَالصَّيْرَفِيُّ يقول إنَّ التَّخْصِيصَ مَانِعٌ فَ يَتَمَسَّكُ بِالْعُمُومِ ما لم يَنْتَهِضْ الْمَانِعُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وابن سُرَيْجٍ يقول عَدَمُهُ شَرْطٌ فَلَا بُدَّ من تَحَقُّقِهِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ ابْنَ سُرَيْجٍ يقول صِيَغُ الْعُمُومِ لَا تَدُلُّ على الِاسْتِيعَابِ إلَّا عِنْدَ انْتِفَاءِ الْقَرَائِنِ وَانْتِفَاءُ الْقَرَائِنِ شَرْطٌ فَلَا بُدَّ من الْبَحْثِ هَكَذَا نَقَلَهُ ابن السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُ وقال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ إنَّمَا يَدُلُّ على الْعُمُومِ صِيغَةٌ مُجَرَّدَةٌ وَالتَّجَرُّدُ لم يَثْبُتْ قال وَهَذَا كما تَقُولُ إذْ شَهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ شَاهِدَانِ لَا يَعْرِفُ حَالَهُمَا فإنه يَجِبُ السُّؤَالُ عن عَدَالَتِهِمَا وَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بها قبل السُّؤَالِ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ الشَّاهِدَانِ مع الْعَدَالَةِ لَا الشَّاهِدُ فَقَطْ انْتَهَى هل يُؤَوَّلُ الْقَوْلُ بِوُجُوبِ الْبَحْثِ في الْمُخَصِّصِ إلَى الْقَوْلِ بِالْوُقُوفِ في صِيَغِ الْعُمُومِ الْأَمْرُ السَّابِعُ يَلْزَمُ على الْمُصَحِّحِ من قَوْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ وَالْجُمْهُورِ الْقَوْلُ بِالْوَقْفِ في صِيَغِ الْعُمُومِ فَإِنَّا لم نَعْتَقِدْ أَنَّ اللَّفْظَ ظَاهِرٌ في الْعُمُومِ وَلَا يَجْرِي عليه حتى يَبْحَثَ عن الْمُخَصِّصِ فَقَدْ تَرَكَ الْقَوْلَ بِالْعُمُومِ وَصَارَ إلَى مَذْهَبِ الْوَاقِفِيَّةِ وَعَلَى هذا جَرَى ابن فُورَكٍ في كِتَابِهِ وهو من الْوَاقِفِيَّةِ فقال غَلِطَ عَلَيْنَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَزَعَمَ أَنَّ الْمَذْهَبَيْنِ يَفْتَرِقَانِ فإن أَبَا الْعَبَّاسِ يُمْضِي الْعُمُومَ إذَا عَدِمَ دَلِيلُ الْخُصُوصِ وَنَحْنُ نَقُولُ بِدَلَالَةِ غَيْرِ نَفْسِ الْكَلَامِ قال وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ عِنْدَنَا بَلْ نَقُولُ اللَّفْظُ مُشْتَرَكٌ وَلَا نَهْجُمُ على أَحَدِهِمَا إلَّا بِتَبَيُّنٍ وَبَحْثٍ فَإِنْ وَجَدْنَا ما يَخُصُّهُ عَمِلْنَا بِعُمُومِهِ وَرَجَعْنَا إلَى نَفْسِ الْكَلَامِ بِالْقَرِينَةِ وَلِهَذَا قال ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ بِنَاءُ الْخِلَافِ في هذه الْمَسْأَلَةِ على حَرْفٍ وهو أَنَّ اعْتِقَادَ الْعُمُومِ عِنْدَنَا
- يُؤَدِّي إلَى الْقَوْلِ بِالِاسْتِغْرَاقِ وَالْقَوْلِ بِالْوَقْفِ وَعِنْدَ الْمُخَالِفِ لَا يُفْضِي إلَى ذلك وَلِهَذَا اخْتَارَ هو قَوْلَ الصَّيْرَفِيِّ وَالْجَوَابُ أَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ سُرَيْجٍ وَالْوَاقِفِيَّةِ قد اتَّفَقَ على تَرْكِ الْهُجُومِ على إمْضَاءِ الْكَلَامِ على الْعُمُومِ قبل الْبَحْثِ إلَّا أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ يُمْضِيهِ على عُمُومِهِ إذَا عَدِمَ الدَّلَائِلَ الْخَاصَّةَ من نَفْسِهِ من غَيْرِ قَرِينَةٍ وَالْوَاقِفِيَّةِ يَقُولُونَ لَا بُدَّ من قَرِينَةٍ على خُصُوصِ حُكْمِ الِاسْتِيعَابِ قال إلْكِيَا في الْمَدَارِكِ ظَنَّ الْوَاقِفِيَّةُ أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ يُوَافِقُهُمْ على مَذْهَبِهِمْ فإنه قال الْأَلْفَاظُ تُطْلَقُ وَالْقَصْدُ منها الْمَعَانِي التي تَحْتَهَا فَيَكُونُ الْكَلَامُ عَامًّا في اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى جميعا وقد يَكُونُ عَامَّ اللَّفْظِ وَالْمُرَادُ منه مَعْنًى دُونَ مَعْنًى فإذا وَرَدَ في الْكَلَامِ نَظَرْنَا فإذا كان هُنَاكَ دَلَائِلُ تَدُلُّ على أَنَّهُ لِمَعْنًى دُونَ مَعْنًى صُيِّرَ إلَى ذلك وَإِلَّا أُجْرِيَ على عُمُومِهِ قال وَذَكَر الشَّافِعِيُّ في كِتَابِ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ ما يُومِئُ إلَيْهِ فإنه قال وَعَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدَ تِلَاوَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ طَلَبُ الدَّلَائِلِ لِيُفَرِّقُوا بين الْحَتْمِ وَغَيْرِهِ في الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ على وُجُوبِ طَلَبِ الدَّلَائِلِ الْمُمَيِّزَةِ بين مَوَاقِعِ الْكَلَامِ ولم يَكِلْهُمْ إلَى نَفْسِ الْكَلَامِ قال وَهَذَا الظَّنُّ غَلَطٌ لِأَنَّ أَبَا الْحَسَن يَرَى أَنَّ اللَّفْظَ ظَاهِرٌ في الْعُمُومِ وَالظَّاهِرُ يُفِيدُ الظَّنَّ وَالظَّنُّ إنَّمَا يَنْتَفِي بِالْبَحْثِ عن الْمُخَصِّصَاتِ وَالْوَاقِفِيَّةُ لَا يَرَوْنَ عَامًّا لَا ظَاهِرًا وَلَا نَصًّا انْتَهَى وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ الْقَوْلُ بِالتَّوَقُّفِ على التَّخْصِيصِ ليس هو بِقَوْلِ الْوَقْفِ لِأَنَّ الْقَائِلِينَ بِالْعُمُومِ طَلَبُوا ما يُمْنَعُ إجْرَاؤُهُ على ظَاهِرِهِ فَإِنْ لم يَجِدُوا ما يُوجِبُهُ عَمِلُوا بِظَاهِرِ لَفْظِهِ وَأَصْحَابُ الْوَقْفِ طَلَبُوا دَلِيلَهُ الذي يُبَيِّنُ مُرَادَهُ فَإِنْ لم يَجِدُوا لم يَعْمَلُوا بِشَيْءٍ منه وقال أبو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ ليس هذا بِآيِلٍ إلَى قَوْلِ الْوَقْفِ في الصِّيَغِ كما ظَنَّ بَعْضُهُمْ لِأَنَّ ابْنَ سُرَيْجٍ يقول إذَا لم يَجِدْ في الْأُصُولِ ما يَخُصُّهُ حَمَلَهُ على الْعُمُومِ وَالْأَشْعَرِيُّ لَا يقول ذلك وَيَتَوَقَّفُ فيه على الدَّلِيلِ فَافْتَرَقَا وقال سُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ نَحْنُ نُفَارِقُ الْوَاقِفِيَّةَ في الصِّيَغِ من وِجْهَتَيْنِ أَحَدِهِمَا أَنَّا إذَا لم نَجِدْ في الْأُصُولِ قَرِينَةَ التَّخْصِيصِ أُجْرِيَ اللَّفْظُ على عُمُومِهِ وَالْأَشْعَرِيُّ لَا يقول ذلك لَكِنْ يَتَوَقَّفُ حتى يَدُلَّ الدَّلِيلُ على أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ
- وَالثَّانِي أَنَّا نَطْلُبُ الدَّلِيلَ لِإِخْرَاجِ ما ليس بِمُرَادٍ بِاللَّفْظِ وَالْأَشْعَرِيُّ يَطْلُبُ الدَّلِيلَ لِمَعْرِفَةِ ما هو مُرَادٌ بِاللَّفْظِ فَهُوَ لِبَيَانِ الْمُحَالِ دُونَ بَيَانِ الْعُمُومِ تَقْسِيمُ الصَّيْرَفِيِّ الْعَامَّ إلَى قِسْمَيْنِ الْأَمْرُ الثَّانِي أَنَّ الصَّيْرَفِيَّ في الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ في مَوْضِعٍ منه قَسَّمَ الْعَامَّ إلَى قِسْمَيْنِ أَحَدُهُمَا ما يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُهُ في جَمِيعِ أَفْرَادِهِ فَحُكْمُهُ الْعُمُومُ حتى يَعْلَمَ ما يَخُصُّهُ الدَّلِيلُ وَلَا يُتْرَكُ شَيْءٌ يَقَعُ عليه الِاسْمُ إلَّا لَزِمَ حُكْمُهُ الثَّانِي ما لَا يَقْدِرُ الْمُخَاطَبُ أَنْ يَأْتِيَ بِعُمُومِ ما اشْتَمَلَ عليه فَلَا يَلْزَمُ من ذلك إلَّا ما وَقَفَ عليه لِأَنَّهُ ليس بَعْضُهُ أَوْلَى من بَعْضٍ إذْ الْكُلُّ مَعْجُوزٌ عنه كَقَوْلِنَا لَا تَنَامُوا وَلَا تَأْكُلُوا وَلَا تَشْرَبُوا فَهَذَا مِمَّا لَا يَقْدِرُ على الِامْتِنَاعِ فيه دَائِمًا فَلَا بُدَّ من التَّوَقُّفِ لِلْعَجْزِ عن دَوَامِ ذلك وَفِيهَا قَوْلٌ آخَرُ وهو أَنْظَرُهَا أَنَّهُ مُمْتَنِعٌ من الذي نهى عنه أَبَدًا حتى يَغْلِبَ عليه هذا كَلَامُهُ الْبَحْثُ عن مُخَصِّصٍ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ الْأَمْرُ التَّاسِعُ أَطْلَقُوا الْخِلَافَ لِيَشْمَلَ ما إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ وقال أبو نَصْرِ بن الصَّبَّاغِ في كِتَابِ عُدَّةِ الْعَالِمِ له في أُصُولِ الْفِقْهِ إنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ إنْ اقْتَضَى عَمَلًا مُؤَقَّتًا وَضَاقَ الْوَقْتُ عن طَلَبِ الْخُصُوصِ فَهَلْ يَعْمَلُ بِهِ أو يَتَوَقَّفُ قال فيه خِلَافٌ لِأَصْحَابِنَا وَهَذَا فيه رَدٌّ على من حَكَى الْإِجْمَاعَ في مِثْلِ هذه الْحَالَةِ كما سَبَقَ وَنَظِيرُهُ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ هل يُقَلِّدُ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ جَوَّزَهُ ابن سُرَيْجٍ وقال لَا يَجُوزُ أَنْ يُفْتَى بِهِ وقال الرَّافِعِيُّ وَقِيَاسُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ له الْقَضَاءُ وَأَوْلَى وَمِنْهُمْ من طَرَدَ قَوْلَ ابْنِ سُرَيْجٍ في الْقَضَاءِ قال الرَّافِعِيُّ وَمَنْ قال بِهِ فَقِيَاسُهُ طَرْدُهُ في الْفَتْوَى الْأَمْرُ الْعَاشِرُ أَنَّ هذا الْخِلَافَ لَا يَخْتَصُّ بِالْعُمُومِ بَلْ يَجْرِي في لَفْظِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ إذَا وَرَدَا مُطْلَقَيْنِ كما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ في التَّقْرِيبِ وابن الصَّبَّاغِ في الْعُدَّةِ وَكَذَلِكَ الْحَقِيقَةُ إذَا وَرَدَتْ هل يُطْلَبُ لها مَجَازٌ أَمْ لَا وَعَمَّمَهُ الْغَزَالِيُّ وابن الْحَاجِبِ في كل دَلِيلٍ مع مُعَارِضِهِ قال الْغَزَالِيُّ وَكَذَلِكَ كُلُّ دَلِيلٍ يُمْكِنُ أَنْ يُعَارِضَهُ دَلِيلٌ فَهُوَ دَلِيلٌ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ عن الْمُعَارِضِ وَكَذَلِكَ الْجَمْعُ بين الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ لِعِلَّةٍ تُحِيلُهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَنْقَدِحَ فَرْقٌ فَعَلَيْهِ الْبَحْثُ عن
- الْفَوَارِقِ جَهْدَهُ وَنَفْيِهَا ثُمَّ يَحْكُمُ بِالْقِيَاسِ وَكَذَلِكَ الِاسْتِصْحَابُ وَكُلُّ ما هو مَشْرُوطٌ بِنَفْيِ دَلِيلٍ آخَرَ انْتَهَى لَكِنْ نَقَلَ بَعْضُهُمْ هُنَا الْإِجْمَاعَ على أَنَّهُ لَا يَجِبُ عِنْدَ سَمَاعِ الْحَقِيقَةِ طَلَبُ الْمَجَازِ وَإِنْ وَجَبَ عِنْدَ سَمَاعِ الْعَامِّ الْبَحْثُ عن الْخَاصِّ لِأَنَّ تَطَرُّقَ التَّخْصِيصِ إلَى الْعُمُومَاتِ أَكْثَرُ وهو ظَاهِرُ اسْتِدْلَالِ الْبَيْضَاوِيِّ في الْمَنَاهِجِ وَسَبَقَ في بَحْثِ الْحَقِيقَةِ الْحَادِيَ عَشَرَ أَنَّ كَلَامَ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ يَقْتَضِي أَنَّ الْخِلَافَ في هذا الْأَصْلِ إنَّمَا هو في التَّوَقُّفِ لِأَجْلِ طَلَبِ التَّخْصِيصِ خَاصَّةً وَأَمَّا الْإِمْضَاءُ فَلَا خِلَافَ فيه فإنه قال في تَعْلِيقِهِ قُبَيْلَ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي إنَّ الْقَاضِيَ يَتَوَقَّفُ في أَحْوَالِ الشُّهُودِ وَلَا يَتَوَقَّفُ لِطَلَبِ الْجُرْحِ أو طَلَبِ الْعَدَالَةِ وَجْهَانِ وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في الْعُمُومِ إذَا وَرَدَ قال بَعْضُهُمْ ظَاهِرُ الِاسْتِغْرَاقِ إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلُ التَّخْصِيصِ وَمِنْهُمْ من قال يَتَوَقَّفُ فيه طَلَبًا لِلتَّخْصِيصِ لَا طَلَبًا لِلْإِمْضَاءِ انْتَهَى وَبِهَذَا التَّصْوِيرِ يَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ في الْمَسْأَلَةِ وإذا انْضَمَّ إلَى ما سَبَقَ خَرَجَ في الْمَسْأَلَةِ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ مَسْأَلَةٌ الصُّورَةُ النَّادِرَةُ هل تَدْخُلُ تَحْتَ الْعُمُومِ اخْتَلَفُوا في الصُّوَرِ النَّادِرَةِ هل تَدْخُلُ تَحْتَ الْعُمُومِ لِصِدْقِ اللَّفْظِ عليها أو لَا لِأَنَّهَا لَا تَخْطِرُ بِالْبَالِ غَالِبًا وَبَنَى عليه أَصْحَابُنَا في الْمُسَابَقَةِ على الْفِيلِ فَمَنْ مَنَعَ ذلك ادَّعَى أَنَّهُ لم يَدْخُلْ تَحْتَ قَوْلِهِ لَا سَبْقَ إلَّا في خُفٍّ أو حَافِرٍ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الدُّخُولِ فإنه قال في الْبَسِيطِ في بَابِ الْوَصِيَّةِ لو أَوْصَى بِعَبْدٍ أو رَأْسٍ من رَقِيقِهِ جَازَ دَفْعُ الْخُنْثَى وفي وَجْهٍ لَا يُجْزِئُ لِأَنَّهُ نَادِرٌ لَا يَخْطِرُ بِالْبَالِ وهو بَعِيدٌ لِأَنَّ الْعُمُومَ يَتَنَاوَلُهُ هذا لَفْظُهُ وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ عَدَمُ دُخُولِهَا فإنه قال الشَّاذُّ يَجِيءُ بِالنَّصِّ عليه وَلَا يُرَادُ على الْخُصُوصِ بِالصِّيغَةِ الْعَامَّةِ انْتَهَى
- وَقَطَعَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في كِتَابِ الْعُمُومِ فقال إنَّ الْعُمُومَ إذَا وَرَدَ وَقُلْنَا بِاسْتِعْمَالِهِ فَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْغَالِبَ دُونَ الشَّاذِّ النَّادِرِ الذي لَا يَخْطِرُ بِبَالِ الْقَائِلِ كَذَا حَكَاهُ عنه ابن الْعَرَبِيِّ في كِتَابِ الزِّنَى من كِتَابِهِ الْقَبَسِ لَكِنْ حَكَى الرَّافِعِيُّ في بَابِ الْوَصِيَّةِ خِلَافًا فِيمَا إذَا أَوْصَى لِعَبْدٍ مُبَعَّضٍ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ مُهَايَأَةٌ يَنْبَنِي على أَنَّ الْأَكْسَابَ النَّادِرَةَ هل تَدْخُلُ في الْمُهَايَأَةِ ثُمَّ قال وَتَرَدَّدَ الْإِمَامُ فِيمَا إذَا صَرَّحَا بِإِدْرَاجِ الْأَكْسَابِ النَّادِرَةِ في الْمُهَايَأَةِ أنها تَدْخُلُ لَا مَحَالَةَ أو تَكُونُ على الْخِلَافِ وَفِيمَا إذَا عَمَّتْ الْهِبَاتُ وَالْوَصَايَا في قُطْرٍ أنها تَدْخُلُ لَا مَحَالَةَ كَالْأَكْسَابِ الْعَامَّةِ أو هِيَ على الْخِلَافِ لِأَنَّ الْغَالِبَ فيها النُّدُورُ انْتَهَى وَيَجِيءُ مِثْلُ هذا فِيمَا لو عَمَّ بَعْضُ النَّادِرِ في قُطْرٍ هل يَدْخُلُ في الْعُمُومِ وَقَلَّ من تَعَرَّضَ لِذِكْرِ الْخِلَافِ في هذه الْمَسْأَلَةِ وَقِيلَ إنَّ الشَّيْخَ أَبَا إِسْحَاقَ حَكَاهُ ولم أَرَهُ في كُتُبِهِ وَإِنَّمَا حَكَوْا في بَابِ التَّأْوِيلِ الْخِلَافَ في تَنْزِيلِ الْعَامِّ على الصُّورَةِ النَّادِرَةِ بِخُصُوصِهَا فَنَقَلَ ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ في الْكَلَامِ على أَنَّ السَّبَبَ لَا يُخَصَّصُ أَنَّ الصُّورَةَ النَّادِرَةَ بَعِيدَةٌ عن الْبَالِ عِنْدَ إطْلَاقِ الْمَقَالِ وَلَا تَتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ فإن اللَّفْظَ الْعَامَّ لَا يَجُوزُ تَنْزِيلُهُ عليها لِأَنَّا نَقْطَعُ بِكَوْنِهَا غير مَقْصُودَةٍ لِصَاحِبِ الشَّرْعِ لِعَدَمِ خُطُورِهَا بِالْبَالِ قال وَبَنَى على هذا أَصْحَابُنَا كَثِيرًا من الْمَسَائِلِ منها أَنَّهُمْ أَبْطَلُوا حَمْلَ أبي حَنِيفَةَ حَدِيثَ لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ على الْمُكَاتَبَةِ وَقَالُوا الْمُكَاتَبَةُ نَادِرَةٌ من نَادِرٍ لِأَنَّ الْأَصْلَ في النِّسَاءِ الْحَرَائِرُ وَالْإِمَاءُ نَادِرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِنَّ وَالْمُكَاتَبَاتُ نَادِرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِمَاءِ فَلَا يَجُوزُ تَنْزِيلُ الْعَامِّ عليها وَذَكَرَ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ في هذه الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلًا فقال تَخْصِيصُ الْعَامِّ بِالصُّورَةِ النَّادِرَةِ إنْ تَقَدَّمَ عَهْدٌ يَدُلُّ عليه لم يَبْعُدْ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ أَيُّمَا رَجُلٍ دخل الدَّارَ أَكْرِمْهُ ثُمَّ يقول عَنَيْت بِهِ من تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ من خَوَاصِّي وَإِنْ لم يَظْهَرْ سَبْقُ عَهْدٍ فَاخْتَلَفُوا فيه فَقِيلَ يَجُوزُ تَخْصِيصُ اللَّفْظِ بِهِ اتِّكَالًا على احْتِمَالِ اللَّفْظِ الْقَرَائِنَ وَقِيلَ لَا يَجُوزُ إزَالَةُ الظَّاهِرِ بِنَاءً على تَقْدِيرِ حِكَايَاتٍ وَقَرَائِنَ فإن ذلك لَا يَسْلَمُ عنه
- حَدِيثٌ وَبِالْجُمْلَةِ فَيُمْكِنُ أَخْذُ الْخِلَافِ من هذه الصُّورَةِ في مَسْأَلَتِنَا لِأَنَّ جَوَازَ التَّخْصِيصِ فَرْعُ شُمُولِ اللَّفْظِ وقد اسْتَشْكَلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ إطْلَاقَ الْخِلَافِ في هذه الْمَسْأَلَةِ وقال لَا يَتَبَيَّنُ لي في كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى فإنه لَا يَخْفَى عليه خَافِيَةٌ فَكَيْفَ يُقَالُ لَا يَخْطِرُ بِالْبَالِ وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ عَدَمُ الْخُطُورِ بِبَالِ الْعَرَبِ في مُخَاطَبَاتِهَا فإذا كانت عَوَائِدُهُمْ إطْلَاقَ الْعَامِّ الذي يَشْمَلُ وَضْعًا صُورَةً لَا تَخْطِرُ عِنْدَ إطْلَاقِهِمْ غَالِبًا بِبَالِهِمْ فَوَرَدَ ذلك الْعَامُّ في كَلَامِ الْبَارِي تَعَالَى قُلْنَا إنَّهُ تَعَالَى لم يُرِدْ تِلْكَ الصُّورَةَ لِأَنَّهُ أَنْزَلَ كِتَابَهُ على أُسْلُوبِ الْعَرَبِ في مُحَاوَرَاتِهَا وَعَادَاتِهَا في الْخِطَابِ تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ قال ابن الرِّفْعَةِ في الْمَطْلَبِ في بَابِ الْمُسَابَقَةِ كَلَامُ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ يَدُلُّ على أَنَّهُ إنَّمَا يَدْخُلُ في الْعَامِّ ما خَطَرَ لَا لِلَّافِظِ بِهِ حين النُّطْقِ بِهِ وَهَذَا إنَّمَا يُعْتَبَرُ في قَوْلِهِ عليه السَّلَامُ إذَا قُلْنَا إنَّ جَمِيعَ ما يَقُولُهُ عن وَحْيٍ وَاجْتِهَادٍ أَمَّا إذَا قُلْنَا إنَّ جَمِيعَ ما يَقُولُهُ عن وَحْيٍ فَلَا يَظْهَرُ اعْتِبَارُهُ لِأَنَّ مُوحِيَهُ عَالِمٌ بِجَمِيعِ الْجُزْئِيَّاتِ وَجَوَابُهُ ما تَقَدَّمَ الثَّانِي أَطْلَقُوا هذا الْخِلَافَ وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يَدُومَ فَإِنْ دَامَ دخل قَطْعًا لِأَنَّ النَّادِرَ الدَّائِمَ يَلْحَقُ بِالْغَالِبِ ثَانِيهِمَا أَنْ يَكُونَ فِيمَا ظَهَرَ انْدِرَاجُهُ في اللَّفْظِ ولم يُسَاعِدْهُ الْمَعْنَى أَمَّا إذَا سَاعَدَهُ فَيَحْتَمِلُ الْقَطْعَ فيه بِالدُّخُولِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجْرِيَ فيه خِلَافٌ من الْخِلَافِ في بَيْعِ الْأَبِ مَالَ وَلَدِهِ من نَفْسِهِ وَبِالْعَكْسِ هل يَثْبُتُ فيه خِيَارُ الْمَجْلِسِ على وَجْهَيْنِ أَحَدِهِمَا لَا فإن الْمُعَوَّلَ عليه الْخَبَرُ وهو إنَّمَا وَرَدَ في الْمُتَبَايِعَيْنِ وَالْوَلِيُّ قد تَوَلَّى الطَّرَفَيْنِ وَأَصَحُّهُمَا الثُّبُوتُ فإنه بَيْعٌ مُحَقَّقٌ وَغَرَضُ الشَّارِعِ إثْبَاتُ الْخِيَارِ في الْبَيْعِ وَإِنَّمَا خَصَّصَ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِالذِّكْرِ إجْرَاءً لِلْكَلَامِ على الْغَالِبِ الْمُعْتَادِ كَذَا وَجَّهَهُ الْإِمَامُ في النِّهَايَةِ مَسْأَلَةٌ وَهَلْ يَدْخُلُ في الْعُمُومِ ما يَمْنَعُ دَلِيلُ الْعَقْلِ من دُخُولِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى اللَّهُ خَالِقُ كل شَيْءٍ وَكَقَوْلِ الْقَائِلِ اضْرِبْ كُلَّ من في الدَّارِ فيه
- خِلَافٌ حَكَاهُ ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ من وَجْهَيْنِ أَحَدِهِمَا أَنَّ مَرْجِعَ اللَّفْظِ يَتَنَاوَلُهُ إلَّا أَنَّ الدَّلِيلَ يُوجِبُ إخْرَاجَهُ منه وَالثَّانِي أَنَّهُ خَارِجٌ منه لِسُقُوطِهِ في نَفْسِهِ وَاللَّفْظُ لم يَتَنَاوَلْهُ أَصْلًا وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ في التَّخْصِيصِ بِالْعَقْلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ مَسْأَلَةٌ وَهَلْ يَدْخُلُ في الْعُمُومِ الصُّوَرُ غَيْرُ الْمَقْصُودَةِ فيه قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ وقال ذَهَبَ مُتَقَدِّمُو أَصْحَابِنَا إلَى وُجُوبِ وَقْفِ الْعُمُومِ على ما قَصَدَ بِهِ وَأَنْ لَا يَتَعَدَّاهُ إلَى غَيْرِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَإِنْ كانت الصِّيغَةُ تَقْتَضِيهِ وَبِهِ قال أبو بَكْرٍ الْقَفَّالُ وَغَيْرُهُ من الشَّافِعِيَّةِ وَذَهَبَ أَكْثَرُ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا إلَى مَنْعِ الْوَقْفِ فيه وَوُجُوبِ إجْرَائِهِ على مُوجِبِهِ لُغَةً قال وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَائِكُمْ إلَى قَوْلِهِ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ على إبَاحَةِ كل نَوْعٍ مُخْتَلَفٍ في جَوَازِ أَكْلِهِ أو شُرْبِ بَعْضِ ما يَخْتَلِفُ في شُرْبِهِ وقد عَلِمَ أَنَّ الْمَقْصُودَ من الْأَكْلِ وَالْجِمَاعِ في لَيْلَةِ الصِّيَامِ لَا يَحْرُمُ بَعْدَ النَّوْمِ نَسْخًا لِمَا تَقَدَّمَ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا في سَبِيلِ اللَّهِ الْآيَةَ على وُجُوبِ الزَّكَاةِ في نَذْرٍ مُخْتَلَفٍ فيه أو نَوْعٍ مُخْتَلَفٍ في تَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بِهِ وَكَذَلِكَ التَّعَلُّقُ بِالْخِطَابِ الْخَارِجِ على الْمَدْحِ وَالذَّمِّ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إلَّا على أَزْوَاجِهِمْ أو ما مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ على جَوَازِ الْجَمْعِ بين الْأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَنَحْوِهِ قُلْت وَسَتَأْتِي تَرْجَمَةُ الْمَسْأَلَةِ بِ الْعَامِّ بِمَعْنَى الْمَدْحِ وَالذَّمُّ هل هو عَامٌّ أو لَا فَهِيَ فَرْدٌ من أَفْرَادِ هذه فَيُعَابُ على من ذَكَرَهُمَا في كِتَابِهِ من غَيْرِ تَنْبِيهٍ إلَى ما أَشَرْنَا إلَيْهِ وَظَهَرَ من هذا أَنَّ الشَّافِعِيَّ يَرَى وَقْفَهُ على ما قَصَدَ بِهِ وَأَنَّهُ غَيْرُ عَامٍّ وَلِهَذَا مَنَعَ الزَّكَاةَ في الْحُلِيِّ مَنَعَ التَّمَسُّكَ في الْوُجُوبِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ لِأَنَّ الْعُمُومَ لم يَقَعْ مَقْصُودًا وَإِنَّمَا وَقَعَ هُنَا قَرِينَةَ الذَّمِّ وَقَرِينَةُ الذَّمِّ أَخْرَجَتْهُ عن الْعُمُومِ وَالْحَنَفِيَّةُ يَمِيلُونَ إلَيْهِ وَيَبْنُونَ عليه أُصُولًا في بَابِ الْوَقْفِ وَاسْتَنْبَطَ ابن الرِّفْعَةِ من كَلَامِ الْغَزَالِيِّ في الْفَتَاوَى أَنَّ الْمَقَاصِدَ تُعْتَبَرُ أَعْنِي مَقَاصِدَ الْوَاقِفِينَ فَيَتَخَصَّصُ بها الْعُمُومُ وَيَعُمُّ بها الْخُصُوصُ
- تَنْبِيهٌ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ هذه الْمَسْأَلَةَ بِأَنَّهَا لَا تُتَصَوَّرُ في كَلَامِ اللَّهِ الْمُنَزَّهِ عن الْغَفْلَةِ وَالْقَائِلُ بِعَدَمِ الدُّخُولِ قال بِعَدَمِ خُطُورِهَا بِالْبَالِ وهو لَا يُتَصَوَّرُ في حَقِّ اللَّهِ وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا وَجَوَابُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ الْقُرْآنَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ وَيُتَصَوَّرُ أَنْ يَأْتِيَ الْعَرَبِيُّ بِلَفْظٍ عَامٍّ على قَصْدِ التَّعْمِيمِ مع ذُهُولِهِ عن بَعْضِ الْمُسَمَّيَاتِ فلما كان هذا مُعْتَادًا في لُغَةِ الْعَرَبِ كَذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ يَكُونَانِ على هذا الطَّرِيقِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ سِيبَوَيْهِ في كِتَابِهِ حَيْثُ وَقَعَ في الْقُرْآنِ الرَّجَا بِلَعَلَّ وَعَسَى وَنَحْوِ ذلك مِمَّا يَسْتَحِيلُ في حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى إذْ ذلك نَزَلَ مُرَاعَاةً لِلُغَتِهِمْ قَاعِدَةٌ ذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في بَابِ التَّأْوِيلِ وَإِلْكِيَا الطَّبَرِيِّ تَقْسِيمًا نَافِعًا وَزَادَهُ وُضُوحًا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بن دَقِيقِ الْعِيدِ وهو أَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ بِوَضْعِ اللُّغَةِ على ثَلَاثِ مَرَاتِبَ إحْدَاهَا ما ظَهَرَ منه قَصْدُ التَّعْمِيمِ بِقَرِينَةٍ زَائِدَةٍ على اللَّفْظِ مَقَالِيَّةٍ أو حَالِيَّةٍ بِأَنْ أَوْرَدَ مُبْتَدَأً لَا على سَبَبٍ لِقَصْدِ تَأْسِيسِ الْقَوَاعِدِ فَلَا إشْكَالَ في الْعَمَلِ بِمُقْتَضَى عُمُومِهِ قال إلْكِيَا وَالْقَرَائِنُ إمَّا أَنْ تَنْشَأَ عن غَيْرِ اللَّفْظِ كَالنَّكِرَةِ في سِيَاقِ النَّفْيِ وَالتَّعْلِيلِ فإنه أَمَارَةُ الْحُكْمِ على الْإِطْلَاقِ وَإِمَّا أَنْ يَنْشَأَ من اتِّسَاقِ الْكَلَامِ وَنَظْمِهِ على وَجْهٍ يَظْهَرُ منه قَصْدُ الْعُمُومِ كَقَوْلِهِ لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ بَعْدَ أَنْ قَسَّمَ الْبَابَيْنِ قِسْمَيْنِ الثَّانِيَةُ ما يَعْلَمُ أَنَّ مَقْصُودَ الشَّرْعِ فيه التَّعَرُّضُ لِحُكْمٍ آخَرَ وَأَنَّهُ بِمَعْزِلٍ عن قَصْدِ الْعُمُومِ فَهَلْ يَتَمَسَّكُ بِعُمُومِهِ إذْ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إرَادَةِ اللَّفْظِ بِغَيْرِهِ أو يُقَالُ لَا لِأَنَّ الْكَلَامَ فيه مُجْمَلٌ فَيَتَبَيَّنُ من الْجِهَةِ الْأُخْرَى فيه قَوْلَانِ قال إلْكِيَا وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِعُمُومِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ لِأَنَّ الْعَرَبَ ما وَضَعَتْ لِلْوَعِيدِ لَفْظًا أَحْسَنَ منه
- وَمَثَّلَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بِقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ فإن اللَّفْظَ عَامٌّ في الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ لَكِنْ ظَهَرَ أَنَّ الْمَقْصُودَ منه بَيَانُ قَدْرِ الْمُخْرَجِ لَا قَدْرِ الْمُخْرَجِ منه وَيُؤْخَذُ ذلك من قَوْلِهِ ليس فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوْسُقٍ فَهَذَا لَا عُمُومَ له في قَصْدِهِ وَالْحَنَفِيُّ يَحْتَجُّ بِهِ في وُجُوبِ الزَّكَاةِ في الْحَرْثِ سَوَاءٌ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ وَالسِّيَاقُ لَا يَقْتَضِيهِ قال الشَّيْخُ وَالتَّحْقِيقُ عِنْدِي أَنَّ دَلَالَتَهُ على ما لم يُقْصَدْ بِهِ أَضْعَفُ من دَلَالَتِهِ على ما قُصِدَ بِهِ وَمَرَاتِبُ الضَّعْفِ مُتَفَاوِتَةٌ وَالدَّلَالَةُ على تَخْصِيصِ اللَّفْظِ وَتَعَيُّنِ الْمَقْصُودِ مَأْخُوذَةٌ من قَرَائِنَ وَتَضْعُفُ تِلْكَ الْقَرِينَةُ عن دَلَالَةِ اللَّفْظِ على الْعُمُومِ وَمِنْ فَوَائِدِ هذا أَنَّ ما كان غير مَقْصُودٍ يَخْرُجُ عنه بِذَلِكَ قَرِينَةُ الْحَالِ لَا يَكُونُ في قَرِينَةِ الذي يَخْرُجُ بِهِ الْعُمُومُ عن الْمَقْصُودِ وَهَذِهِ هِيَ مَسْأَلَةُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ التي حَكَى فيها الْخِلَافَ في وَقْفِ الْعُمُومِ على الْمَقْصُودِ وَعَدَمِهِ الثَّالِثَةُ ما يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ ولم يَظْهَرْ فيه قَرِينَةٌ زَائِدَةٌ تَدُلُّ على التَّعْمِيمِ وَلَا على عَدَمِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ على الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا فَيَحْتَجُّ بِهِ على إبْطَالِ شِرَاءِ الْكَافِرِ لِلْعَبْدِ الْمُسْلِمِ فإن الْمِلْكَ نَفْيُ السَّبِيلِ قَطْعًا وَيَجُوزُ
- أَنْ لَا يُرَادَ ذلك بِاللَّفْظِ قال الطَّبَرِيُّ وهو مُحْتَمَلٌ وَالْمَنْعُ منه ظَاهِرٌ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْوَاجِبُ في هذا الْقِسْمِ أَنَّهُ إذَا أُوِّلَ وَعُضِّدَ بِقِيَاسِ اتِّبَاعِ الْأَرْجَحِ في الظَّنِّ فَإِنْ اسْتَوَيَا وَقَفَ الْقَاضِي وقال الْغَزَالِيُّ هِيَ لِلْإِجْمَالِ أَقْرَبُ من الْعُمُومِ وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَافْعَلُوا الْخَيْرَ في التَّمَسُّكِ بِهِ على إيجَابِ الْوِتْرِ وَبِالْآيَةِ السَّابِقَةِ على قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ وَكَذَلِكَ بِقَوْلِهِ لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ فإن إيجَابَ الْقِصَاصِ تَسْوِيَةٌ قال فَلَفْظُ الْخَيْرِ وَالسَّبِيلِ وَالِاسْتِوَاءِ إلَى الْإِجْمَالِ أَقْرَبُ قال وَلَيْسَ منه فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ خِلَافًا لِقَوْمٍ مَنَعُوا التَّمَسُّكَ بِعُمُومِهِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ ذِكْرُ الْفَصْلِ بين الْعُشْرِ وَنِصْفِهِ وهو فَاسِدٌ لِأَنَّ صِيغَتَهُ عَامَّةٌ لِأَنَّهَا من أَدَوَاتِ الشَّرْطِ بِخِلَافِ السَّبِيلِ وَالْخَيْرِ وَالِاسْتِوَاءِ نعم تَرَدَّدَ الشَّافِعِيُّ في قَوْله تَعَالَى وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ أَنَّهُ عَامٌّ أو مُجْمَلٌ وَسَنَذْكُرُهُ ذَيْلَ الْكَلَامِ في تَعْمِيمِ اسْمِ الْجِنْسِ الْمُفْرَدِ
- فَصْلٌ في تَقْسِيمِ صِيَغِ الْعُمُومِ الذي يُفِيدُ الْعُمُومَ إمَّا أَنْ يُفِيدَهُ من جِهَةِ اللُّغَةِ أو الْعُرْفِ أو الْعَقْلِ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ صِيَغُ الْعُمُومِ التي تُفِيدُ الْعُمُومَ لُغَةً وَالْأُولَى على ضَرْبَيْنِ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُفِيدَهُ بِنَفْسِهِ لِكَوْنِهِ مَوْضُوعًا له أو بِوَاسِطَةِ اقْتِرَانِ قَرِينَةٍ بِهِ وَالْأَوَّلُ أَعْنِي الذي يَدُلُّ بِنَفْسِهِ نَوْعَانِ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ شَامِلًا لِجَمْعِ الْمَفْهُومَاتِ كَلَفْظِ كل وَجَمِيعِ وَأَيِّ في حَالِ الِاسْتِفْهَامِ وَالشَّرْطِ وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ شَامِلًا لِلْكُلِّ فَإِمَّا أَنْ يُخَصَّصَ بِأُولِي الْعِلْمِ كَلَفْظِ من شَرْطًا أو اسْتِفْهَامًا فَإِنَّهَا تَخْتَصُّ بِالْعُقَلَاءِ وقد تُسْتَعْمَلُ في غَيْرِهِمْ لِلتَّغَلُّبِ أو غَيْرِهِ وَإِمَّا أَنْ يَخْتَصَّ بِغَيْرِ الْعَالَمِينَ فَإِمَّا أَنْ يَعُمَّهُمْ أو يَخْتَصَّ بِبَعْضِهِمْ وَالْأَوَّلُ ما الِاسْمِيَّةُ فَإِنَّهَا تُفِيدُ الْعُمُومَ إذَا كانت مَعْرِفَةً نَحْوُ هَاتِ ما رَأَيْت فَتُفِيدُ الْعُمُومَ فِيمَا عَدَا الْعَالَمِينَ من الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْجَمَادِ وَالْإِنْسَانِ وَقِيلَ إنَّهَا تَتَنَاوَلُ الْعَالَمِينَ أَيْضًا كما في قَوْله تَعَالَى وَالسَّمَاءِ وما بَنَاهَا وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ ما أَعْبُدُ وَنَحْوِهِ وَالثَّانِي أَنْ يَخْتَصَّ عُمُومُ بَعْضِهِمْ فَإِمَّا أَنْ يَخْتَصَّ بِالْأَمْكِنَةِ نَحْوُ أَيْنَ تَجْلِسْ أَجْلِسْ وَمِنْهُ حَيْثُ أو بِالْأَزْمِنَةِ نَحْو مَتَى تَقُمْ أَقُمْ الثَّانِي ما يُفِيدُ الْعُمُومَ لُغَةً لَا بِالْوَضْعِ بَلْ بِوَاسِطَةِ قَرِينَةٍ فَهُوَ إمَّا في جَانِبِ الثُّبُوتِ كَ لَامِ التَّعْرِيفِ التي لَيْسَتْ لِلْعَهْدِ وَلَامُ التَّعْرِيفِ إنَّمَا تُفِيدُ الْجِنْسَ إذَا دَخَلَتْ على الْجُمُوعِ أو على اسْمِ الْجِنْسِ الْمُفْرَدِ وَالْجَمْعِ الْمُضَافِ لِهَذَيْنِ نَحْوُ عَبِيدِي أَحْرَارٌ وَعَبْدِي حُرٌّ وَإِمَّا في جَانِبِ الْعَدَمِ وَهِيَ النَّكِرَةُ في سِيَاقِ النَّفْيِ الْقِسْمُ الثَّانِي الذي يُفِيدُ الْعُمُومَ عُرْفًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ فإنه يُفِيدُ في الْعُرْفِ تَحْرِيمَ وُجُوهِ الِاسْتِمْتَاعَاتِ التي تُفْعَلُ بِالزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ وَلَيْسَ ذلك مَأْخُوذًا من مُجَرَّدِ اللُّغَةِ الْقِسْمُ الثَّالِثُ الذي يُفِيدُهُ بِطَرِيقِ الْعَقْلِ وهو على ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ أَحَدِهَا أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مُفِيدًا لِلْحُكْمِ وَلِعِلَّتِهِ إمَّا بِصَرَاحَتِهِ وَإِمَّا بِوَجْهٍ من وُجُوهِ الْإِيمَاءَاتِ فَيَقْتَضِي ثُبُوتَ الْحُكْمِ أَيْنَمَا ثَبَتَ الْعِلَّةُ وَثَانِيهِمَا ما يُذْكَرُ جَوَابًا عن سُؤَالِ السَّائِلِ كما إذَا سُئِلَ عَمَّنْ أَفْطَرَ فَقِيلَ
- من أَفْطَرَ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فَيَعْلَمُ منه أَنَّ كُلَّ مُفْطِرٍ عليه مِثْلُهَا ثَالِثِهَا مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ كَقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ فإنه يَدُلُّ بِمَفْهُومٍ على أَنَّ مَطْلَ غَيْرِ الْغَنِيِّ ليس بِظُلْمٍ وَهَذَا التَّقْسِيمُ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيَّ وَأَتْبَاعُهُ وَلَا يَخْلُو بَعْضُهُ عن نِزَاعٍ وَلَيْسَ شَامِلًا لِجَمِيعِ الصِّيَغِ كما سَيَأْتِي سَرْدُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاعْتَرَضَ عليه الْقَرَافِيُّ بِأَنَّ من وما لَا يُفِيدَانِ أَيْضًا الْعُمُومَ إلَّا بِاسْتِضَافَةِ شَيْءٍ آخَرَ إلَيْهِمَا إمَّا الصِّلَةِ إنْ كَانَتَا مَوْصُولَيْنِ أو الْمُسْتَفْهَمِ عنهما إنْ كانت اسْتِفْهَامِيَّتَيْنِ أو الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ إنْ كَانَا لِلشَّرْطِ وَلَوْ نَطَقَ وَاحِدٌ بِمَنْ وما وَحْدَهَا لم يُفِدْ كَلَامُهُ شيئا وَكَذَلِكَ كُلُّ وَجَمِيعُ فَلَا بُدَّ من إضَافَةِ لَفْظٍ إلَيْهِمَا حتى يَحْصُلَ الْعُمُومُ وهو اعْتِرَاضٌ عَجِيبٌ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ إفَادَةُ الْعُمُومِ عَلَيْهِمَا إنَّمَا يَتَوَقَّفُ مُطْلَقُ الْإِفَادَةِ في الْجُمْلَةِ وَهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِصِيَغِ الْعُمُومِ بَلْ بِجَمِيعِ التَّرَاكِيبِ وَذَكَرَ النَّقْشَوَانِيُّ في مُلَخَّصِهِ أَنَّ الْمُفِيدَ لِلْعُمُومِ لَا يَخْرُجُ عن ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِصِيغَةٍ كَجَمِيعِ وَكُلِّ وَمَتَى وما وَإِمَّا بِزِيَادَةٍ مُتَّصِلَةٍ بِهِ كَالْمُعَرَّفِ بِ لَامِ الْجِنْسِ من الْجُمُوعِ وَأَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ أو بِزِيَادَةٍ مُنْفَصِلَةٍ يَعْنِي عن الْكَلِمَةِ أو بِ لَا النَّافِيَةِ وَغَيْرِهَا من أَدَوَاتِ النَّفْيِ وقال بَعْضُهُمْ هو قِسْمَانِ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُفِيدَ الْعُمُومَ بِصِيغَتِهِ وَمَعْنَاهُ بِأَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مَجْمُوعًا وَالْمَعْنَى مُسْتَوْعَبًا سَوَاءٌ كان له مُفْرَدٌ من لَفْظِهِ أو لَا كَالنِّسَاءِ وَإِمَّا عَامٌّ بِمَعْنَاهُ فَقَطْ بِأَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مُفْرَدًا مُسْتَوْعَبًا لِكُلِّ ما يَتَنَاوَلُهُ وَلَا يُتَصَوَّرُ عَامٌّ بِصِيغَةٍ فَقَطْ إذْ لَا بُدَّ من تَعَدُّدِ الْمَعْنَى وَهَذَا الْعَامُّ مَعْنَاهُ إمَّا أَنْ يَتَنَاوَلَ مَجْمُوعَ الْأَفْرَادِ كَالْقَوْلِ وَالرَّهْطِ وَإِمَّا أَنْ يَتَنَاوَلَ كُلَّ وَاحِدٍ نَحْوُ من وما الصِّيغَةُ الْأُولَى كُلُّ وَمَدْلُولُهَا الْإِحَاطَةُ بِكُلِّ فَرْدٍ من الْجُزْئِيَّاتِ إنْ أُضِيفَتْ إلَى النَّكِرَةِ أو الْأَجْزَاءِ إنْ أُضِيفَتْ إلَى مَعْرِفَةٍ وَمِنْهُ الْإِكْلِيلُ لِإِحَاطَتِهِ بِالرَّأْسِ وَالْكَلَالَةُ لِإِحَاطَتِهَا بِالْوَالِدِ وَالْوَلَدِ وَمَعْنَاهَا التَّأْكِيدُ لِمَعْنَى الْعُمُومِ وَلِهَذَا قال الْقَاضِي
- عبد الْوَهَّابِ ليس بَعْدَهَا في كَلَامِ الْعَرَبِ كَلِمَةٌ أَعَمُّ منها وَلَا فَرْقَ بين أَنْ تَقَعَ مُبْتَدَأً بها أو تَابِعَةً تَقُولُ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ وَجَاءَنِي الْقَوْمُ كلهم فَيُفِيدُ أَنَّ الْمُؤَكَّدَ بِهِ عَامٌّ وَهِيَ تَشْمَلُ الْعَاقِلَ وَغَيْرَهُ وَالْمُذَكَّرَ وَالْمُؤَنَّثَ وَالْمُفْرَدَ وَالْمُثَنَّى وَالْمَجْمُوعَ فَلِذَلِكَ كانت أَقْوَى صِيَغِ الْعُمُومِ وَتَكُونُ في الْجَمِيعِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ تَقُولُ كُلُّ الناس وَكُلُّ الْقَوْمِ وَكُلُّ رَجُلٍ وَكُلُّ امْرَأَةٍ قال سِيبَوَيْهِ مَعْنَى قَوْلِهِمْ كُلُّ رَجُلٍ كُلُّ رِجَالٍ فَأَقَامُوا رَجُلًا مَقَامَ رِجَالٍ لِأَنَّ رَجُلًا شَائِعٌ في الْجِنْسِ وَالرِّجَالُ الْجِنْسُ وَلَا يُؤَكَّدُ بها الْمُثَنَّى اسْتِغْنَاءً عنه بِكِلَا وَكِلْتَا وَلَا يُؤَكَّدُ بها إلَّا ذُو أَجْزَاءَ فَلَا يُقَالُ جاء زَيْدٌ كُلُّهُ قال ابن السَّرَّاجِ وَالضَّابِطُ أنها إمَّا أَنْ تُضَافَ لَفْظًا أو تُجَرَّدَ عن الْإِضَافَةِ وإذا أُضِيفَتْ فَإِمَّا إلَى مَعْرِفَةٍ أو إلَى نَكِرَةٍ فَهَذِهِ أَقْسَامٌ الْأَوَّلُ أَنْ تُضَافَ إلَى النَّكِرَةِ فَيَتَعَيَّنُ اعْتِبَارُ الْمَعْنَى فِيمَا أُضِيفَتْ إلَيْهِ فِيمَا لها من ضَمِيرٍ وَخَبَرٍ وَغَيْرِهِ وَإِنْ كان الْمُضَافُ إلَيْهَا مُفْرَدًا فَمُفْرَدًا وَمُثَنَّى فَمُثَنًّى وَكَذَلِكَ الْجَمْعُ وَالتَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ قال تَعَالَى كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُّبُرِ كُلَّ إنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ في عُنُقِهِ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عليها حَافِظٌ وَمَعْنَى الْعُمُومِ في هذا الْقِسْمِ كُلُّ فَرْدٍ لَا الْمَجْمُوعُ فإذا قِيلَ كُلُّ رَجُلٍ فَمَعْنَاهُ كُلُّ فَرْدٍ فَرْدٍ من الرِّجَالِ وقد يَكُونُ الِاسْتِغْرَاقُ لِلْجُزْئِيَّاتِ بِمَعْنَى أَنَّ الْحُكْمَ ثَابِتٌ لِكُلِّ فَرْدٍ من جُزْئِيَّاتِ النَّكِرَةِ قد يَكُونُ مع ذلك الْحُكْمِ على الْمَجْمُوعِ لَازِمًا كَقَوْلِهِ كُلُّ مُشْرِكٍ مَقْتُولٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وقد لَا يَلْزَمُ كَقَوْلِنَا كُلُّ رَجُلٍ يُشْبِعُهُ رَغِيفٌ وما ذَكَرْنَا من وُجُوبِ مُرَاعَاةِ ما أُضِيفَتْ إلَيْهِ مَشْرُوطٌ بِمَا إذَا كان في جُمْلَتِهَا فَإِنْ كان في جُمْلَةٍ أُخْرَى جَازَ عَوْدُ الضَّمِيرِ على لَفْظِهَا أو على مَعْنَاهَا كَقَوْلِهِ وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عليه ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لم يَسْمَعْهَا فَبِشَرِّهِ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ وإذا عَلِمَ من آيَاتِنَا شيئا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لهم عَذَابٌ مُهِينٌ فَرَاعَى الْمَعْنَى في الْجَمِيعِ لِكَوْنِهِ في جُمْلَةٍ أُخْرَى وَعَلَى هذا فَلَا يَرِدُ اعْتِرَاضُ الشَّيْخِ أبي حَيَّانَ على الْقَاعِدَةِ بِبَيْتِ عَنْتَرَةَ جَادَتْ عليه كُلُّ عَيْنٍ ثَرَّةٍ فَتَرَكْنَ كُلَّ حَدِيقَةٍ كَالدِّرْهَمِ
- حَيْثُ قال فَتَرَكْنَ وَقِيَاسُ ما قالوا تَرَكَتْ وَجَوَابُهُ ما سَبَقَ وَلِأَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ على الْعُيُونِ التي دَلَّ عليها كُلُّ عَيْنٍ وَلَا يَعُودُ على كل عَيْنٍ لِيُفِيدَ أَنَّ تَرْكَ كل حَدِيقَةٍ كَالدِّرْهَمِ نَاشِئٌ عن مَجْمُوعِ الْعُيُونِ لَا عن كل وَاحِدَةٍ الثَّانِي أَنْ يُضَافَ إلَى الْمَعْرِفَةِ وَالْأَكْثَرُ مَجِيءُ خَبَرِهَا مُفْرَدًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يوم الْقِيَامَةِ فَرْدًا وَقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ حِكَايَةً عن رَبِّهِ يا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلَّا من أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إلَّا من كَسَوْتُهُ وَقَوْلِهِ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ وَيَجُوزُ الْجَمْعُ حَمْلًا على الْمَعْنَى وَكَلَامُ الْأُصُولِيِّينَ يَقْتَضِي أَنَّ الْحُكْمَ في هذه الْحَالَةِ كما في التي قَبْلَهَا من دَلَالَتِهَا على كل فَرْدٍ وَأَنَّ دَلَالَتَهَا فيه كُلِّيَّةٌ وَاقْتَضَى كَلَامُ بَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ وَابْنِ مَالِكٍ أَنَّ مَدْلُولَهَا في هذه الْحَالَةِ الْمَجْمُوعُ فإنه جَوَّزَ فيها اعْتِبَارَ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى وَلِهَذَا جَعَلَ صَاحِبُ الْبَدِيعِ من الْحَنَفِيَّةِ كُلَّ الرِّجَالِ كُلًّا مَجْمُوعِيًّا وقال ابن فُورَكٍ الْقَائِلُ كُلَّ حَبَّةٍ من الْبُرِّ غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٍ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ كُلِّيٌّ عَدَدِيٌّ بِخِلَافِ ما إذَا قال كُلَّ الْحَبَّاتِ منه غير مُتَقَوِّمٍ فإنه غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْمَجْمُوعُ وقد اسْتَضْعَفَ هذا منه فإن كُلَّ إذَا أُضِيفَ إلَى مَعْرِفَةٍ جَمْعٍ كانت ظَاهِرَةً في كل فَرْدٍ كما دَلَّ عليه الْأَمْثِلَةُ السَّابِقَةُ وقد نَقَلَ ابن السَّرَّاجِ عن الْمُبَرِّدِ في قَوْلِ الْقَائِلِ أَخَذْت الْعَشَرَةَ كُلَّهَا أَنَّ إضَافَةَ كُلٍّ إلَى الْعَشَرَةِ كَإِضَافَةِ بَعْضِهَا إلَيْهَا وَأَنَّ الْكُلَّ ليس الْمَعْنَى الْجُزْئِيَّ وَإِنَّمَا الْكُلُّ اسْمٌ لِأَجْزَائِهِ جميعا الْمُضَافَةِ إلَيْهِ وَاسْتَحْسَنَ ابن السَّرَّاجِ هذا الْكَلَامَ من الْمُبَرِّدِ وَكَأَنَّ مُرَادَ ابْنِ السَّاعَاتِيِّ إذَا أُرِيدَ بها الْمَجْمُوعُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ أَوَّلًا قَوْلُنَا كُلُّ شَيْءٍ ليس مَعْنَاهُ كُلَّ الشَّيْءِ فإن الْأَوَّلَ كُلِّيٌّ عَدَدِيٌّ وَالثَّانِيَ كُلِّيٌّ مَجْمُوعِيٌّ فَالْخَلَلُ إنَّمَا جاء من تَمْثِيلِهِ بَعْدَ ذلك بِكُلِّ حَبَّةٍ من الْبُرِّ غَيْرِ مُتَقَوِّمَةٍ وَكُلُّ الْحَبَّاتِ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ وَهَذَا جَمْعٌ مُعَرَّفٌ بِخِلَافِ كل شَيْءٍ فإنه مُفْرَدٌ مُعَرَّفٌ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ وقال بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الظَّاهِرُ التَّفْصِيلُ بين أَنْ يَكُونَ الْمَعْرِفَةُ مُفْرَدًا أو جَمْعًا فَإِنْ كان مُفْرَدًا كانت لِاسْتِغْرَاقِ أَجْزَائِهِ وَيَلْزَمُ منه الْمَجْمُوعُ وَلِذَلِكَ يَصْدُقُ قَوْلُنَا كُلُّ
- رُمَّانٍ مَأْكُولٌ وَلَا يَصْدُقُ كُلُّ الرُّمَّانِ مَأْكُولٌ لِدُخُولِ قِشْرِهِ وَإِنْ كان جَمْعًا احْتَمَلَ أَنْ يُرَادَ الْمَجْمُوعُ كما في قَوْلِنَا كُلُّكُمْ يَكْفِيكُمْ دِرْهَمٌ وَأَنْ يُرَادَ كُلُّ فَرْدٍ كَقَوْلِهِ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَلِذَلِكَ فَصَّلَهُ بَعْدُ فقال السُّلْطَانُ رَاعٍ وَالرَّجُلُ رَاعٍ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي أَكْثَرُ فَيُحْمَلُ عليه عِنْدَ الْإِمْكَانِ وَلَا يَعْدِلُ إلَى الْأَوَّلِ إلَّا بِقَرِينَةٍ وإذا دَخَلَتْ كُلُّ على ما فيه الْأَلِفُ وَاللَّامُ وَأُرِيدَ كُلُّ فَرْدٍ لِأَنَّ ذلك جَمْعٌ أو اسْمُ جَمْعٍ كَالْقَوْمِ وَالرَّهْطِ فَهَلْ نَقُولُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ هُنَا تُفِيدُ الْعُمُومَ على بَابِهَا وكل تَأْكِيدٌ لها أو أنها لِبَيَانِ الْحَقِيقَةِ حتى تَكُونَ كُلُّ تَأْسِيسًا لِلْعُمُومِ فيه نَظَرٌ وَالثَّانِي أَقْرَبُ من جِهَةِ أَنَّ كُلَّ إنَّمَا تَكُونُ تَأْكِيدًا إذَا كانت تَابِعَةً دُونَهَا إذَا كانت مُضَافَةً وقد يُقَالُ بِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ تُفِيدُ الْعُمُومَ في مَرَاتِبَ ما دَخَلَتْ عليه وكل تُفِيدُ الْعُمُومَ في أَجْزَاءِ كُلٍّ من الْمَرَاتِبِ فإذا قُلْت كُلَّ الرِّجَالِ أَفَادَتْ الْأَلِفُ وَاللَّامُ اسْتِغْرَاقَ كل مَرْتَبَةٍ من مَرَاتِبِ جَمْعِ الرَّجُلِ وَأَفَادَتْ كُلُّ اسْتِغْرَاقَ الْآحَادِ فَيَصِيرُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مَعْنًى وهو أَوْلَى من التَّأْكِيدِ وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ أنها لَا تَدْخُلُ في الْمُفْرَدِ وَالْمُعَرَّفُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ إذَا أُرِيدَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا الْعُمُومُ وقد نَصَّ عليه ابن السَّرَّاجِ في الْأُصُولِ قُلْت وَلِهَذَا مَنَعَ دُخُولَ الْأَلِفِ وَاللَّامِ على كُلٍّ وَاعْتَرَضَ قَوْلُ النَّحْوِيِّينَ بَدَلَ الْكُلِّ من الْكُلِّ وَلَك أَنْ تَقُولَ لِمَا لَا يَجُوزُ الدُّخُولُ على أَنَّ كُلَّ مُؤَكِّدَةٌ كما هو أَحَدُ الِاحْتِمَالَيْنِ عِنْدَهُ في الْمَجْمُوعِ الْمُعَرَّفِ قِيلَ وَمِنْ دُخُولِهَا على الْمُفْرَدِ الْمَعْرِفَةِ قَوْله تَعَالَى كُلُّ الطَّعَامِ كان حِلًّا لِبَنِي إسْرَائِيلَ وَقَوْلُهُ عليه السَّلَامُ كُلُّ الطَّلَاقِ وَاقِعٌ إلَّا طَلَاقَ
- الْمَعْتُوهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هذا من قِسْمِ الْمُعَرَّفِ الْمَجْمُوعِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ الْجِنْسُ فَهُوَ جَمْعٌ في الْمَعْنَى وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ عليه السَّلَامُ كُلُّ الناس يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ نعم إنْ أُرِيدَ بِالنَّاسِ وَاحِدٌ صَحَّ تَمْثِيلُهُ الثَّالِثُ أَنْ تُقْطَعَ عن الْإِضَافَةِ لَفْظًا فَيَجُوزُ فيها الْوَجْهَانِ الْإِفْرَادُ وَالْجَمْعُ قال اللَّهُ تَعَالَى كُلٌّ له أَوَّابٌ كُلٌّ آمَنَ بِاَللَّهِ كُلٌّ له قَانِتُونَ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لم يَكُنْ في حَيِّزِ النَّفْيِ فَإِنْ كانت في حَيِّزِهِ كان الْكَلَامُ مَنْفِيًّا وَاخْتَلَفَ حُكْمُهَا بين أَنْ يَتَقَدَّمَ النَّفْيُ عليها وَبَيْنَ أَنْ تَتَقَدَّمَ هِيَ على النَّفْيِ فإذا تَقَدَّمَتْ على حَرْفِ النَّفْيِ نَحْوُ كُلُّ الْقَوْمِ لم يَقُمْ أَفَادَتْ التَّنْصِيصَ على انْتِفَاءِ كل فَرْدٍ فَرْدٍ كما تَقَدَّمَ وَإِنْ تَقَدَّمَ النَّفْيُ عليها مِثْلُ لم يَقُمْ كُلُّ الْقَوْمِ لم يَدُلَّ إلَّا على نَفْيِ الْمَجْمُوعِ وَذَلِكَ يَصْدُقُ بِانْتِفَاءِ الْقِيَامِ عن بَعْضِهِمْ وَيُسَمَّى الْأَوَّلُ عُمُومَ السَّلْبِ وَالثَّانِي سَلْبَ الْعُمُومِ من جِهَةِ أَنَّ الْأَوَّلَ يَحْكُمُ فيه بِالسَّلْبِ عن كل فَرْدٍ وَالثَّانِي لم يُفِدْ الْعُمُومَ في حَقِّ كل أَحَدٍ بَلْ إنَّمَا أَفَادَ نَفْيَ الْحُكْمِ عن بَعْضِهِمْ قال الْقَرَافِيُّ وَهَذَا شَيْءٌ اخْتَصَّتْ بِهِ كُلُّ من بَيْنِ سَائِرِ صِيَغِ الْعُمُومِ وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ مُتَّفَقٌ عليها عِنْدَ أَرْبَابِ الْبَيَانِ وَأَصْلُهَا قَوْلُهُ عليه السَّلَامُ كُلُّ ذلك لم يَكُنْ لَمَّا قال له ذُو الْيَدَيْنِ أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ وَقَوْلُ ذِي الْيَدَيْنِ له قد كان بَعْضُ ذلك وَوَجْهُهُ أَنَّ السُّؤَالَ بِ أَمْ عن أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ لِطَلَبِ التَّعْيِينِ عِنْدَ ثُبُوتِ أَحَدِهِمَا عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ على وَجْهِ الْإِبْهَامِ وإذا كان السُّؤَالُ عن أَحَدِهِمَا
- فَالْجَوَابُ إمَّا بِتَعْيِينِ أَحَدِهِمَا أو بِنَفْيِ كُلٍّ مِنْهُمَا فَكَانَ قَوْلُهُ كُلُّ ذلك لم يَكُنْ لِنَفْيِ كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إلَى ظَنِّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَلَوْ كان يُفِيدُ نَفْيَ الْمَجْمُوعِ لَا نَفْيَ كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَكَانَ قَوْلُهُ كُلُّ ذلك لم يَكُنْ غير مُطَابِقٍ لِلسُّؤَالِ ولم يَكُنْ في قَوْلِ ذِي الْيَدَيْنِ قد كان بَعْضُ ذلك جَوَابٌ له فإن السَّلْبَ الْكُلِّيَّ يُنَاقِضُهُ الْإِيجَابُ الْجُزْئِيُّ وقد ذَكَرُوا في سَبَبِ ذلك طُرُقًا منه أَنَّ النَّفْيَ مع تَأَخُّرِ كُلٍّ مُتَوَجِّهٌ إلَى الشُّمُولِ دُونَ أَصْلِ الْفِعْلِ بِخِلَافِ ما إذَا تَقَدَّمَتْ فإن النَّفْيَ حِينَئِذٍ يَتَوَجَّهُ إلَى أَصْلِ الْفِعْلِ قال الْجُرْجَانِيُّ من حُكْمِ النَّفْيِ إذَا دخل على كَلَامٍ وكان في ذلك الْكَلَامِ تَقْيِيدٌ على وَجْهٍ من الْوُجُوهِ أَنْ يَتَوَجَّهَ النَّفْيُ إلَى ذلك التَّقْيِيدِ دُونَ أَصْلِ الْفِعْلِ فإذا قِيلَ لم يَأْتِ الْقَوْمُ مُجْتَمَعِينَ كان النَّفْيُ مُتَوَجِّهًا إلَى الِاجْتِمَاعِ الذي هو قَيْدٌ في الْإِتْيَانِ دُونَ أَصْلِ الْإِتْيَانِ وَلَوْ قال قَائِلٌ لم يَأْتِ الْقَوْمُ مُجْتَمِعِينَ وكان لم يَأْتِهِ أَحَدٌ منهم لَقِيلَ له لم يَأْتُوكَ أَصْلًا فما مَعْنَى قَوْلِكَ مُجْتَمِعِينَ فَهَذَا مِمَّا لَا يَشُكُّ فيه عَاقِلٌ وَالتَّأْكِيدُ ضَرْبٌ من التَّقْيِيدِ وَهَاهُنَا تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ أَوْرَدَ على قَوْلِهِمْ إنْ تَقَدَّمَ النَّفْيُ على كُلٍّ لِسَلْبِ الْعُمُومِ وَلَا يُفِيدُ الِاسْتِغْرَاقَ قَوْله تَعَالَى إنْ كُلُّ من في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلَّا آتِي الرحمن عَبْدًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيِّدَ ذلك بِمَا إذَا لم يُنْتَقَضْ النَّفْيُ فَإِنْ انْتَقَضَ فَالِاسْتِغْرَاقُ بَاقٍ كَالْآيَةِ وَيَكُونُ لِعُمُومِ السَّلْبِ وَمِنْهُ ما كُلُّ رَجُلٍ إلَّا قَائِمٌ وَسَبَبُهُ أَنَّ النَّفْيَ لِلْمَجْهُولِ وما بَعْدَ إلَّا لَا تَسَلُّطَ لِلنَّفْيِ عليه لِأَنَّهُ مُثْبَتٌ وهو في الْمُفَرَّغِ مُسْتَنِدٌ لِمَا قَبْلَهَا وهو كُلُّ فَرْدٍ كما كان قبل دُخُولِ النَّفْيِ وَالِاسْتِثْنَاءِ الثَّانِي أَنَّ حُكْمَ النَّهْيِ فِيمَا سَبَقَ حُكْمُ النَّفْيِ فإذا قُلْت لَا تَضْرِبْ كُلَّ رَجُلٍ أو كُلَّ الرِّجَالِ كان النَّهْيُ عن الْمَجْمُوعِ لَا عن كل وَاحِدٍ وَلَوْ قُلْت كُلَّ الرِّجَالِ لَا تَضْرِبْ كان عُمُومًا في السَّلْبِ بِالنِّسْبَةِ إلَى كل فَرْدٍ وَلِذَلِكَ قال الْفُقَهَاءُ لو قال وَاَللَّهِ لَا كَلَّمْتُ كُلَّ رَجُلٍ إنَّمَا يَحْنَثُ بِكَلَامِهِمْ كُلِّهِمْ فَلَوْ كَلَّمَ وَاحِدًا لم يَحْنَثْ وَهَذَا وَإِنْ لم يَكُنْ نَهْيًا فَهُوَ في حُكْمِهِ وقد رَدَّ بَعْضُهُمْ هذه الْقَاعِدَةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ وَنَظَائِرِهِ فإنه لم يَزَلْ الْعُلَمَاءُ يَسْتَدِلُّونَ بِهِ
- على ثُبُوتِ الْحُكْمِ لِكُلِّ فَرْدٍ وَكَذَلِكَ قال الْفُقَهَاءُ فِيمَا لو قال وَاَللَّهِ لَا أَطَأُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْكُنَّ يَكُونُ مُولِيًا من كل وَاحِدَةٍ وَيَتَعَلَّقُ بِوَطْءِ كل وَاحِدَةٍ الْحِنْثُ وَلُزُومُ الْكَفَّارَةِ وَهَذَا يَدُلُّ على أَنَّهُ لَا فَرْقَ بين تَقَدُّمِ النَّفْيِ وَتَأَخُّرِهِ وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ مَبْنِيٌّ على أَنَّ الْحُكْمَ السَّابِقَ لَا يَخْتَصُّ بِ كُلٍّ بَلْ يَتَعَدَّى إلَى سَائِرِ صِيَغِ الْعُمُومِ كَقَوْلِكَ لَا تَضْرِبْ الرِّجَالَ وَبِهِ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ قال إلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ قَرِينَةٌ تَقْتَضِي ثُبُوتَ النَّهْيِ لِكُلِّ فَرْدٍ وَجَعَلَ هذا وَارِدًا على قَوْلِ الْأُصُولِيِّينَ إنَّ دَلَالَةَ الْعُمُومِ كُلِّيَّةٌ ولم يَفْصِلُوا في النَّفْيِ وَالنَّهْيِ بين تَقْدِيمِهَا وَتَأْخِيرِهَا وَجَعَلَ مِثْلَ قَوْله تَعَالَى وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ إنَّمَا ثَبَتَ الْعُمُومُ فيه لِكُلِّ فَرْدٍ بِقَرِينَةٍ أو بِجَعْلِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ وَالْإِضَافَةِ في مِثْلِ ذلك لِمُجَرَّدِ الْجِنْسِ لَا الْعُمُومِ لِلْقَرِينَةِ وَنَحْوِهِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ التِّبْيَانِ في عِلْمِ الْبَيَانِ في صِيغَةِ التَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ مع كُلٍّ فقال إذَا قُلْت لَا تَضْرِبْ الرَّجُلَيْنِ كِلَيْهِمَا كان النَّهْيُ ليس بِشَامِلٍ وَمِنْ ثَمَّ قالوا وَلَكِنْ اضْرِبْ أَحَدَهُمَا وَكَذَلِكَ لَا تَأْخُذْهُمَا جميعا وَلَكِنْ خُذْ وَاحِدًا مِنْهُمَا لَكِنْ تَقَدَّمَ عن الْقَرَافِيِّ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ هذا الْفَرْقَ بين تَقَدُّمِ النَّفْيِ وَعَدَمِهِ من خَصَائِصِ كُلٍّ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بَلْ ما دَلَّ على مُتَعَدِّدٍ أو مُفْرَدٍ ذِي أَجْزَاءٍ كَذَلِكَ فإذا قُلْت ما رَأَيْت رِجَالًا أو ما رَأَيْت رَجُلَيْنِ أو ما أَكَلْت رَغِيفًا أو ما رَأَيْت رَجُلًا وَعَمْرًا كُلُّ ذلك سَلَبَ الْمَجْمُوعَ لَا لِكُلِّ وَاحِدٍ بِخِلَافِ ما لو تَقَدَّمَ السَّلْبُ الثَّالِثُ قَوْلُهُمْ إنَّ السَّالِبَةَ الْكُلِّيَّةَ تَقْتَضِي نَفْيَ الْحُكْمِ عن كل فَرْدٍ وقد مَنَعَهُ بَعْضُهُمْ مُدَّعِيًا أنها اقْتَضَتْ نَفْيَ الْحَقِيقَةِ من حَيْثُ هِيَ هِيَ وَالْمُسْتَلْزِمُ ذلك نَفْيُ الْحُكْمِ عن كل وَاحِدٍ وَعَنْ الْجُمْلَةِ وقد صَرَّحَ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ من الْأُصُولِيِّينَ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَكُونُ كُلٌّ تَأْكِيدًا بَلْ دَلَّ على مَعْنًى آخَرَ وهو نَفْيُ الْحَقِيقَةِ الْمُسْتَلْزِمِ لِنَفْيِ الْإِفْرَادِ وهو مَرْدُودٌ لِأَنَّ كُلًّا وَكُلَّمَا وَلَا شيئا وَلَا وَاحِدًا وَسَائِرَ كَلِمَاتِ السُّوَرِ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ بِاعْتِبَارِ الْأَفْرَادِ لَا بِاعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْحَقِيقَةِ إنَّمَا يَتَأَتَّى في الطَّبِيعِيَّةِ لَا في الْمُسَوَّرَةِ الرَّابِعُ هذا حُكْمُهَا في النَّفْيِ وَسَكَتُوا عن حُكْمِهَا في الشَّرْطِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ تَقَدُّمَهَا عليه كَتَقَدُّمِهَا على النَّهْيِ فَيَكُونُ الشَّرْطُ عَامًّا لِكُلِّ فَرْدٍ فإذا قُلْت كُلُّ رَجُلٍ إنْ قام فَاضْرِبْهُ وَكُلُّ عَبْدٍ لي إنْ حَجَّ فَهُوَ حُرٌّ فَمَنْ حَجَّ منهم عَتَقَ فَلَوْ قَدَّمْتَ الشَّرْطَ
- فَقُلْت إنْ حَجَّ كُلُّ عَبْدٍ من عَبِيدِي فَهُمْ أَحْرَارٌ لَا يُعْتَقُ أَحَدٌ منهم حتى يَحُجَّ جَمِيعُهُمْ وَمِنْ هذا قَوْله تَعَالَى وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بها الْخَامِسُ جَمِيعُ ما تَقَدَّمَ في كُلٍّ من إفَادَتِهَا اسْتِيعَابَ جُزْئِيَّاتِ ما دَخَلَتْ عليه إنْ كان نَكِرَةً أو جَمْعًا مُعَرَّفًا وَأَجْزَائِهِ إنْ كان مُفْرَدًا مَعْرِفَةً لَا فَرْقَ فيه بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ تَكُونَ مُسْتَقِلَّةً أو تَابِعَةً مُؤَكَّدَةً مِثْلُ أَخَذْتُ الْعَشَرَةَ كُلَّهَا وَجَاءَ الْقَوْمُ كلهم وَنَحْوِهِ مِمَّا يَدْخُلُ فيه التَّأْكِيدُ لَكِنَّ الْعُمُومَ فيها مُسْتَفَادٌ من الصِّيغَةِ الْمُؤَكِّدَةِ وكل جَاءَتْ لِلتَّنْصِيصِ على الْأَفْرَادِ وَعَدَمِ احْتِمَالِ التَّخْصِيصِ وَهَلْ يَفْتَرِقُ الْحَالُ إذَا وَقَعَتْ مُؤَكَّدَةً بين تَقْدِيمِهَا على نَفْيٍ أو تَقْدِيمِ النَّفْيِ عليها نَحْوُ لم أَرَ الْقَوْمَ كُلَّهُمْ وَالْقَوْمُ كلهم لم أَرَهُمْ فَيَكُونُ الْأَوَّلُ لِسَلْبِ الْعُمُومِ وَالثَّانِي لِعُمُومِ السَّلْبِ كما إذْ تَقَدَّمَ في الْمُضَافَةِ قال الْقَرَافِيُّ لم أَرَ فيه نَقْلًا وَيُحْتَمَلُ طَرْدُ الْحُكْمِ في الْبَابَيْنِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ التَّفْرِقَةَ من حَقَائِقِ الْمُسْتَقِلَّةِ دُونَ التَّابِعَةِ وَرَجَّحَ هذا لِأَنَّ وَضْعَ التَّأْكِيدِ تَقْرِيرُ السَّابِقِ فَلَوْ تَقَدَّمَ النَّفْيُ عليه لَا يَعُمُّ فَيَبْطُلُ حُكْمُ الْعُمُومِ قُلْت لَكِنْ صَرَّحَ ابن الزَّمْلَكَانِيِّ في الْبُرْهَانِ بِالِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ وهو التَّسْوِيَةُ اللَّفْظُ الثَّانِي جَمِيعٌ وما يَتَصَرَّفُ منها كَأَجْمَعَ وَأَجْمَعُونَ وَهِيَ مِثْلُ كل إذَا أُضِيفَتْ وَلَا تُضَافُ إلَّا إلَى مَعْرِفَةٍ وَتَكُونُ لِإِحَاطَةِ الْأَجْزَاءِ لَكِنْ يَفْتَرِقَانِ من جِهَةِ أَنَّ دَلَالَةَ كُلٍّ على كل فَرْدٍ بِطَرِيقِ النُّصُوصِيَّةِ بِخِلَافِ جَمِيعٍ وَفَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ كُلًّا تَعُمُّ الْأَشْيَاءَ على سَبِيلِ الِانْفِرَادِ وجميعا تَعُمُّهَا على سَبِيلِ الِاجْتِمَاعِ وَذَكَرَ ابن الْفَارِضِ الْمُعْتَزِلِيُّ في كِتَابِهِ النُّكَتِ أَنَّ الزَّجَّاجَ حَكَاهُ عن الْمُبَرِّدِ قُلْت وَإِنَّمَا نَقَلَ عنه بِالنِّسْبَةِ إلَى أَجْمَعِينَ في نَحْوِ قَوْله تَعَالَى فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كلهم أَجْمَعُونَ وَكَذَا حَكَاهُ ابن الْخَشَّابِ وابن إيَازٍ وَنَقَلَ ابن بَابْشَاذَ عنه خِلَافَهُ وَالصَّحِيحُ أَنَّ أَجْمَعِينَ لَا يَقْتَضِي الِاتِّحَادَ في الزَّمَانِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ وَلِذَلِكَ اخْتَلَفُوا في أَنَّهُ إذَا جَمَعَ في التَّأْكِيدِ بين كُلٍّ وأجمع في أَنَّ التَّأْكِيدَ حَاصِلٌ بِهِمَا مَعًا أو بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا على حِدَتِهِ وَحِينَئِذٍ فما الذي أَفَادَهُ الثَّانِي وَرَفْعُ تَوَهُّمِ الْمَجَازِ حَصَلَ بِالْأَوَّلِ وَإِنْ حَصَلَ بِهِمَا جميعا فَكَيْفَ ذلك من الْوَاحِدِ إذَا اقْتَصَرَ عليه وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَقْصُودَ زِيَادَةُ التَّأْكِيدِ وَتَقْوِيَتُهُ كما في
- التَّوَابِعِ الْآتِيَةِ بَعْدَ أَجْمَعَ إنَّمَا تُفِيدُ تَمْكِينَهُ في النَّفْسِ وَمَنَعَ ابن مَالِكٍ وَالسُّهَيْلِيُّ جَوَازَ تَثْنِيَةِ أَجْمَعَ زَادَ السُّهَيْلِيُّ وَجَمْعَهُ لِأَنَّهُ في مَعْنَى كُلٍّ وَهِيَ لَا تُثَنَّى وَلَا تُجْمَعُ لَكِنْ صَرَّحَ ابن سِيدَهْ وَالْجَوْهَرِيُّ بِأَنَّ أَجْمَعِينَ جَمْعُ أَجْمَعَ وَمَنَعَ ذلك الزَّوْزَنِيُّ في شَرْحِ الْمُفَصَّلِ وقال أَجْمَعُونَ ليس جَمْعًا لِأَجْمَعَ وَإِلَّا لَتَنَكَّرَ بِالْجَمْعِ كما يَتَنَكَّرُ الزَّيْدُون بَلْ هو مُرْتَجَلٌ كَذَلِكَ عُلِمَ مَعْنَاهُ وَاسْتَشْكَلَ بَعْضُهُمْ إفَادَةَ الْعُمُومِ من جَمِيعِ لِأَنَّهَا لَا تُضَافُ إلَّا إلَى مَعْرِفَةٍ تَقُولُ جَمِيعُ الْقَوْمِ قَوْمُكَ وَلَا تَقُولُ جَمِيعُ قَوْمٍ وَمَعَ التَّعْرِيفِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ أو الْإِضَافَةِ يَكُونُ الْعُمُومُ مُسْتَفَادًا منها لَا من لَفْظَةِ جَمِيعٍ وقد يُقَالُ إنَّ الْعُمُومَ مُسْتَفَادٌ من جَمِيعٍ وَالْأَلِفُ اللَّامُ لِبَيَانِ الْحَقِيقَةِ أو هو مُسْتَفَادٌ من الْأَلِفِ وَاللَّامِ وجميع لِلتَّأْكِيدِ فَائِدَةٌ يُقَالُ جاء الْقَوْمُ بِأَجْمَعِهِمْ بِضَمِّ الْمِيمِ لِأَنَّ أَجْمَعَ جَمْعُ جُمُعٍ كَعُبُدٍ وَأَعْبُدٍ وَلَا يُقَالُ بِفَتْحِ الْمِيمِ لِئَلَّا يُوهِمَ أَنَّهُ أَجْمَعُ الذي يُؤَكِّدُ لِإِضَافَتِهِ إلَى الضَّمِيرِ وَإِدْخَالِ حَرْفِ الْجَرِّ عليه وأجمع الْمَوْضُوعُ لِلتَّأْكِيدِ لَا يُضَافُ وَلَا يَدْخُلُ حَرْفُ الْجَرِّ عليه قَالَهُ الْحَرِيرِيُّ في الدُّرَّةِ لَكِنْ حَكَى ابن السِّكِّيتِ الضَّمَّ وَالْفَتْحَ وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ اللَّفْظُ الثَّالِثُ سَائِرٌ إنْ كانت من سُورِ الْمَدِينَةِ وهو الْمُحِيطُ بها كما جَزَمَ بِهِ الْجَوْهَرِيُّ وقد عَدَّهَا الْقَاضِيَانِ أبو بَكْرٍ في مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ في الْإِفَادَةِ كما نَقَلَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ في شَرْحِ الْمَحْصُولِ قُلْت وَاَلَّذِي رَأَيْتُهُ فيها حِكَايَةُ ذلك ثُمَّ تَغْلِيطُهُ بِأَنَّهَا من أَسْأَرَ أَيْ أَبْقَى فَإِنْ كانت مَأْخُوذَةً من السُّؤْرِ بِالْهَمْزَةِ وهو الْبَقِيَّةُ فَلَا تَعُمُّ وَذَلِكَ هو الْمَشْهُورُ وَحَكَى الْأَزْهَرِيُّ فيه الِاتِّفَاقَ وَغَلَّطُوا الْجَوْهَرِيَّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ ذَكَرَهُ السِّيرَافِيُّ في شَرْحِ سِيبَوَيْهِ وأبو مَنْصُورٍ الْجَوَالِيقِيُّ في شَرْحِ أَدَبِ الْكَاتِبِ وابن بَرِّيٍّ وَغَيْرُهُمْ وَأَوْرَدُوا فيه شَوَاهِدَ كَثِيرَةً فَيَكُونُ فيها اللُّغَتَانِ وقد مَنَعَ ابن وَلَّادٍ وَالْفَارِسِيُّ من النُّحَاةِ كَوْنَهُ من السُّؤْرِ لِأَنَّ الْبَقِيَّةَ تُقَالُ لِمَا فَضَلَ من الشَّيْءِ سَوَاءٌ قَلَّ أو كَثُرَ وَالسُّؤْرُ لَا يُقَالُ إلَّا لِلتَّقْلِيلِ الْفَاضِلِ وَسَائِرُ لَا يُقَالُ إلَّا لِلْأَكْثَرِ تَقُولُ أَخَذْتُ من الْكِتَابِ وَرَقَةً وَتَرَكْتُ سَائِرَهُ وَلَا تَقُولُ
- بَقِيَّتَهُ قال وَلَا يُوجَدُ شَاهِدٌ يَدُلُّ على أَنَّ سَائِرَ بِمَعْنَى الْبَاقِي قَلَّ أو كَثُرَ بَلْ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ في الْأَكْثَرِ وَالظَّاهِرُ أنها لِلْعُمُومِ وَإِنْ كانت بِمَعْنَى الْبَاقِي خِلَافًا لِلْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ وَالْقَرَافِيِّ لِأَنَّ بها شُمُولَ ما دَلَّتْ عليه سَوَاءٌ كان بِمَعْنَى الْجَمِيعِ وَالْبَاقِي تَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ تُرِيدُ تَعْمِيمَهُمْ الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ وَالسَّادِسُ وَالسَّابِعُ مَعْشَرٌ وَمَعَاشِرُ وَعَامَّةٌ وَكَافَّةٌ وَقَاطِبَةٌ قال تَعَالَى يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً وفي الحديث نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ وَقَالَتْ عَائِشَةُ لَمَّا مَاتَ عليه السَّلَامُ ارْتَدَّتْ الْعَرَبُ قَاطِبَةً قال ابن الْأَثِيرِ أَيْ جَمِيعُهُمْ وَلَكِنَّ مَعْشَرَ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا مُضَافًا وقاطبة لَا يُضَافُ وعامة ( ( ( و ) ) ) وكافة ( ( ( عامة ) ) ) يُسْتَعْمَلَانِ مُضَافَيْنِ وَخَالِيَيْنِ الثَّامِنُ وَالتَّاسِعُ من وما الشَّرْطِيَّتَيْنِ أو الِاسْتِفْهَامِيَّتَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى من عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ يَقْنَطُ من رَحْمَةِ رَبِّهِ إلَّا الضَّالُّونَ وَقَوْلِهِ ما يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ من رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لها وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسَى وَهُمَا من صِيَغِ الْعُمُومِ بَلْ هُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ في أَعْلَى صِيغَةٍ قال صَاحِبُ الْمُحْكَمِ من اسْمٌ يُغْنِي عن الْكَلَامِ الْكَثِيرِ الْمُتَنَاهِي في التَّضَادِّ وَالطُّولِ فإذا قُلْت من يَقُمْ أَقُمْ معه كان كَافِيًا عن ذِكْرِ جَمِيعِ الناس وَلَوْلَا من لَاحْتَجْتَ إلَى ذِكْرِ الْأَفْرَادِ ثُمَّ لَا تَجِدْ إلَى ذلك سَبِيلًا أَمَّا الشَّرْطِيَّتَانِ فَبِالِاتِّفَاقِ وَأَمَّا الِاسْتِفْهَامِيَّتَانِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ منهم الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ في التَّقْرِيبِ وابن السَّمْعَانِيِّ وابن الصَّبَّاغِ
- وَغَيْرُهُمْ من أَصْحَابِنَا وأبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ وَالْبَزْدَوِيُّ من الْحَنَفِيَّةِ وَالْقُرْطُبِيُّ وَالْإِبْيَارِيُّ من الْمَالِكِيَّةِ وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وَالْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وَالْهِنْدِيُّ وَظَاهِرُ كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُمَا لَيْسَا من الْعُمُومِ فإنه قَيَّدَ من بِالشَّرْطِيَّةِ ذَكَرَهُ في مَسْأَلَةِ عُمُومِهَا لِلْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْجَمِيعِ أَنَّهُمَا إذَا كَانَتَا مَوْصُولَتَيْنِ فَلَيْسَتَا لِلْعُمُومِ وَبِهِ صَرَّحَ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ فقال وَإِنْ كَانَتَا بِمَعْنَى الذي وَاَلَّتِي فَهُمَا حِينَئِذٍ مَعْرِفَةٌ وَلَيْسَتَا لِلْجِنْسِ وَلَكِنْ رُبَّمَا تَنَاوَلَا في الْمَعْرِفَةِ وَاحِدًا وَرُبَّمَا تَنَاوَلَا جَمْعًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَمِنْهُمْ من يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وَكَذَلِكَ قال سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ في التَّقْرِيبِ فَإِنْ وَرَدَا مَعْرِفَتَيْنِ بِمَعْنَى الذي لم يَدُلَّا على الْعُمُومِ هذا لَفْظُهُ وهو ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ وَالْقَاضِي أبي بَكْرٍ في التَّقْرِيبِ فَإِنَّهُمَا قَيَّدَا الْعُمُومَ بِالشَّرْطِيَّتَيْنِ وَالِاسْتِفْهَامِيَّتَيْ فَقَطْ لَكِنْ مَثَّلَ الْغَزَالِيُّ في الْمُسْتَصْفَى لِعُمُومِ من بِقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ على الْيَدِ ما أَخَذَتْ حتى تُؤَدِّيَهُ وهو تَصْرِيحٌ بِعُمُومِ الْمَوْصُولَةِ وهو لَازِمٌ لِلْجَمِيعِ في مَسْأَلَةِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ في قَوْلِهِ إنَّكُمْ وما تَعْبُدُونَ من دُونِ اللَّهِ وَسُؤَالُ ابْنِ الزِّبَعْرَى وَعَلَيْهِ جَرَى الْقَرَافِيُّ وابن الْحَاجِبِ وابن السَّاعَاتِيِّ وَالصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ وَنَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ عن صَاحِبِ التَّلْخِيصِ يَعْنِي النَّقْشَوَانِيَّ وَأَنْكَرَ ذلك الْأَصْفَهَانِيُّ وقال وَجَدْتُ كِتَابَ التَّلْخِيصِ مُصَرِّحًا بِخِلَافِ ذلك وَأَنَّهُمَا إذَا كَانَتَا مَوْصُولَتَيْنِ لَيْسَتَا لِلْعُمُومِ وقال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ من تَعُمُّ في الشَّرْطِ وَالِاسْتِفْهَامِ عُمُومَ الْأَفْرَادِ وفي الْخَبَرِ بِمَعْنَى الْمَوْصُولَةِ عُمُومَ الشُّمُولِ فإذا قُلْت من زَارَنِي فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا اسْتَحَقَّ كُلُّ من زَارَهُ الْعَطِيَّةَ وإذا قال أَعْطِ من في هذه الدَّارِ دِرْهَمًا اسْتَحَقَّ الْكُلُّ دِرْهَمًا وَاحِدًا وقد اُسْتُشْكِلَ قَوْلُنَا من لِلْعُمُومِ بِأَمْرَيْنِ أَحَدِهِمَا بِقَوْلِنَا من في الدَّارِ فإنه يَحْسُنُ الْجَوَابُ بِزَيْدٍ وَحِينَئِذٍ فَالْعُمُومُ كَيْفَ يَنْطَبِقُ عليه زَيْدٌ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ الصِّيغَةَ لَيْسَتْ الْعُمُومَ وَكَذَلِكَ ما عِنْدَكَ فَتَقُولُ دِرْهَمٌ
- وَأَجَابَ الْقَرَافِيُّ بِأَنَّ الْعُمُومَ إنَّمَا هو بِاعْتِبَارِ حُكْمِ الِاسْتِفْهَامِ لَا بِاعْتِبَارِ الْكَوْنِ في الدَّارِ وَالِاسْتِفْهَامُ عَمَّ جَمِيعَ الْمَرَاتِبِ وَكَأَنَّ الْمُسْتَفْهِمَ قال سَأَلَتْكَ عن كل أَحَدٍ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ في الدَّارِ لَا أَخَصُّ سُؤَالِي بِنَوْعٍ دُونَ نَوْعٍ وَالْوَاقِعُ من ذلك قد يَكُونُ فَرْدًا أو أَكْثَرَ فَالْعُمُومُ ليس بِاعْتِبَارِ الْوُقُوعِ بَلْ بِاعْتِبَارِ الِاسْتِفْهَامِ الْأَمْرُ الثَّانِي قَوْلُ الْفُقَهَاءِ في كِتَابِ الطَّلَاقِ إذَا عُلِّقَ الْحُكْمُ بِلَفْظِ من اقْتَضَى مَشْرُوطَهُ مَرَّةً ولم يَتَكَرَّرْ الْحُكْمُ بِتَكَرُّرِ الْفِعْلِ كما لو قال من دخل دَارِي فَلَهُ دِرْهَمٌ وَدَخَلَهَا مَرَّةً وَاحِدَةً اسْتَحَقَّهُ ولم يَسْتَحِقَّ شيئا آخَرَ بِدُخُولِهِ بَعْدَهُ وَكَذَا لو قال لِنِسَائِهِ من دَخَلَتْ مِنْكُنَّ فَهِيَ طَالِقٌ فَدَخَلَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ مَرَّةً طَلُقَتْ وَاحِدَةً ولم تَطْلُقْ بِدُخُولٍ آخَرَ الْجَوَابُ أَنَّ من وَغَيْرَهَا من أَدَوَاتِ الشَّرْطِ إنَّمَا تَقْتَضِي عُمُومَ الْأَشْخَاصِ لَا عُمُومَ الْأَفْعَالِ فَلِهَذَا لم يَتَعَدَّدْ الطَّلَاقُ لِتَعَدُّدِ الدُّخُولِ فَإِنَّهَا تَقْتَضِي وُجُودَ الْجَزَاءِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ أَمَّا التَّكْرَارُ فَلَا تَقْتَضِيهِ إلَّا أَنَّهُ قد يَتَحَقَّقُ التَّكْرَارُ في بَعْضِ الْمَوَاضِعِ بِوَاسِطَةِ قِيَاسٍ أو فَهْمِ أَنَّ الشَّرْطَ عِلَّةٌ فإن الْأَصْلَ تَرْتِيبُ الْحُكْمِ على عِلَّتِهِ فَلَزِمَ التَّكْرَارُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى من عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ أَمَّا الْأَلْفَاظُ الْمَوْضُوعَةُ لِعُمُومِ الْأَفْعَالِ فَهِيَ كُلَّمَا وَمَتَى وما وَمَهْمَا فإذا عَلَّقَ بِشَيْءٍ منها اقْتَضَى التَّكْرَارَ وقد قال الْأَصْحَابُ لو قَتَلَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا بَعْدَ صَيْدٍ وَجَبَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا جَزَاءٌ وَأَوْرَدَ عليه أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الْجَزَاءَ في قَتْلِ الصَّيْدِ وَعَلَّقَهُ بِلَفْظِ من بِقَوْلِهِ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا وَالْمُعَلَّقُ بِلَفْظِ من لَا يَتَكَرَّرُ فيه الْجَزَاءُ بِتَكَرُّرِ الشَّرْطِ نَحْوُ من دخل دَارِي فَلَهُ دِرْهَمٌ لَا يَتَكَرَّرُ الِاسْتِحْقَاقُ بِتَكَرُّرِ الدُّخُولِ وَأَجَابَ جَمَاعَةٌ منهم الْمَاوَرْدِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْجُرْجَانِيُّ في بَابِ الْحَجِّ من الْمُعَايَاةِ فَقَالُوا إنَّمَا لم يَتَكَرَّرْ الْحُكْمُ بِتَكَرُّرِ الْفِعْلِ إذَا كان الْفِعْلُ الثَّانِي وَاقِعًا في مَحَلِّ الْفِعْلِ الْأَوَّلِ كَالْمِثَالِ السَّابِقِ فَأَمَّا إذَا كان الْفِعْلُ الثَّانِي في غَيْرِ مَحَلِّ الْفِعْلِ الْأَوَّلِ فَيَتَكَرَّرُ كما لو قال من دخل دَارِي فَلَهُ دِرْهَمٌ وَلَهُ عِدَّةُ دُورٍ فَدَخَلَ دَارًا له اسْتَحَقَّ دِرْهَمًا ثُمَّ لو دخل دَارًا أُخْرَى اسْتَحَقَّ دِرْهَمًا آخَرَ لَمَّا كانت الدَّارُ الثَّانِيَةُ غير الْأُولَى كَذَلِكَ هَاهُنَا لَمَّا كان الصَّيْدُ الثَّانِي غير الْأَوَّلِ تَعَلَّقَ بِهِ ما تَعَلَّقَ بِالْأَوَّلِ يُرِيدُ في قَوْله تَعَالَى وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ من النَّعَمِ وَوَقَعَ في كَلَامِ الْمَحَامِلِيِّ وَبَعْضِ نُسَخِ الْحَاوِي تَمْثِيلُ تَعَدُّدِ الْمَحَلِّ بِقَوْلِهِ من دخل دُورِي وهو
- أَقْرَبُ وَفِيمَا قَالُوهُ نَظَرٌ بَلْ يَنْبَغِي في هذا أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا عِنْدَ دُخُولِهِ جَمِيعَ الدُّورِ لِأَنَّ الْجَزَاءَ تَعَلَّقَ بِالْجَمِيعِ وقال الْمَاوَرْدِيُّ في الْحَاوِي إذَا اشْتَرَكَ جَمْعٌ في قَتْلِ صَيْدٍ فَعَلَيْهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ وقال مَالِكٌ وأبو حَنِيفَةَ على كُلٍّ منهم جَزَاءٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ وَلَفْظَةُ من إذَا عَلَّقَ عليها الْجَزَاءَ اسْتَوَى حَالُ الْجَمَاعَةِ وَالْوَاحِدِ في اسْتِحْقَاقِهِ كَقَوْلِهِ من دخل دَارِي فَلَهُ دِرْهَمٌ فَدَخَلَهَا وَاحِدٌ اسْتَحَقَّهُ أو جَمَاعَةٌ اسْتَحَقَّ كُلُّ وَاحِدٍ منهم دِرْهَمًا قال الْمَاوَرْدِيُّ وَأَمَّا عِنْدَنَا فَالشَّرْطُ إذَا عُلِّقَ عليه الْجَزَاءُ بِلَفْظِ من إذَا كان مَوْجُودًا من كل وَاحِدٍ من الْجَمَاعَةِ اسْتَحَقَّ كُلُّ وَاحِدٍ منهم جَزَاءً كَامِلًا نَحْوُ من دخل دَارِي فَلَهُ دِرْهَمٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ منهم دِرْهَمٌ لِأَنَّ الدُّخُولَ مَوْجُودٌ من كل وَاحِدٍ منهم وَإِنْ كان الشَّرْطُ مَوْجُودًا من جَمَاعَتِهِمْ فَالْجَزَاءُ يُسْتَحَقُّ من جَمَاعَتِهِمْ دُونَ كل وَاحِدٍ منهم كَقَوْلِهِ من جاء بِعَبْدِي الْآبِقِ فَلَهُ دِرْهَمٌ وَمَنْ شَالَ الْحَجَرَ فَلَهُ دِرْهَمٌ فإذا اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ في الْمَجِيءِ بِالْآبِقِ وَشَيْلِ الْحَجَرِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْجَزَاءُ مُسْتَحَقًّا بين جَمَاعَتِهِمْ دُونَ كل وَاحِدٍ منهم وَاعْلَمْ أَنَّ من تَصْلُحُ لِلْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ وَالْمُفْرَدِ وَالْمُثَنَّى وَالْمَجْمُوعِ لَكِنْ هل الْعُمُومُ في جَمِيعِ هذه الْمَرَاتِبِ أو في الْآحَادِ فيه نَظَرٌ لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ قال وَيَظْهَرُ فِيمَا إذَا قال من دخل دَارِي من هَؤُلَاءِ فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ دِرْهَمًا وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ دِرْهَمًا بِدُخُولِهِ وَحْدَهُ وَنِصْفَ دِرْهَمٍ بِدُخُولِهِ مع الْآخَرِ وَإِنْ دخل ثَلَاثَةٌ فَعَلَى الْأَوَّلِ يُعْطِيهِمْ ثَلَاثَةً لِكُلِّ وَاحِدٍ دِرْهَمًا وَعَلَى الثَّانِي يُعْطِيهِمْ ثَلَاثَةً إلَى الْآحَادِ كُلَّ وَاحِدٍ دِرْهَمًا وَدِرْهَمًا بِدُخُولِ الثَّلَاثَةِ لِكُلِّ وَاحِدٍ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثَةٌ لِأَنَّ صِفَةَ الِاثْنِينِيَّةِ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ فَيَسْتَحِقُّونَ بها ثَلَاثَةً لِكُلٍّ دِرْهَمٌ فَمَجْمُوعُ ما يَسْتَحِقُّونَهُ سَبْعَةٌ وَعَلَى هذا الْقِيَاسُ تَنْبِيهٌ أَطْلَقُوا أَنَّ من لِلْعُمُومِ في الْعُقَلَاءِ وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِشَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ الذي دَخَلَتْ عليه صَالِحًا لِكُلِّ فَرْدٍ لِيُخْرِجَ ما لو قال الْأَمِيرُ من غَزَا مَعِي فَلَهُ دِينَارٌ قال في الْكِفَايَةِ في بَابِ السِّيَرِ خَرَجَ منه أَهْلُ الْفَيْءِ قال الْمَاوَرْدِيُّ وَيَخْرُجَ النِّسَاءُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ من قَاتَلَ مَعِي فَلَهُ دِينَارٌ
- لِأَنَّ الْغَزْوَ حُكْمٌ لَا فِعْلٌ يَتَوَجَّهُ لِأَهْلِهِ وَيَخْرُجُ الصِّبْيَانُ منها لِأَنَّ الْجَعَالَةَ عَقْدٌ وَهِيَ لَا تَصِحُّ منهم وَكَذَا الْعَبْدُ بِلَا إذْنِ السَّيِّدِ لِوُجُودِ الْحَجْرِ الثَّانِي أَنْ لَا يَكُونَ الْفِعْلُ الْمُسْنَدُ إلَيْهَا لِوَاحِدٍ لِيُخْرِجَ ما لو قال الْمُوَكِّلُ لِوَكِيلِهِ طَلِّقْ من نِسَائِي من شِئْتَ قال الْقَاضِي في تَعْلِيقِهِ لَا يُطَلِّقْ الْوَكِيلُ إلَّا وَاحِدَةً في أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ بِخِلَافِ ما إذَا قال طَلِّقْ من نِسَائِي من شَاءَتْ فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَ من شَاءَتْ الطَّلَاقَ وَجَرَى عليه النَّوَوِيُّ في زَوَائِدِهِ في كِتَابِ الْوَكَالَةِ وَالْفَرْقُ أَنَّ التَّخْصِيصَ بِالْمَشِيئَةِ مُضَافٌ إلَى وَاحِدٍ فإذا اخْتَارَ وَاحِدَةً سَقَطَ اخْتِيَارُهُ وفي الثَّانِيَةِ الِاخْتِيَارُ مُضَافٌ إلَى جَمَاعَةٍ فَكُلُّ من اخْتَارَتْ طَلَقَتْ وَقَوْلُهُمْ من لِلْعُمُومِ في الْعُقَلَاءِ وَإِنْ أَرَادُوا أَصْلَ وَضْعِ اللُّغَةِ فَصَحِيحٌ وَإِلَّا فَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُ من لِغَيْرِ الْعُقَلَاءِ وَحِينَئِذٍ فَالْعُمُومُ مُرَادٌ فيها كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلِلَّهِ يَسْجُدُ من في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْعَاشِرُ أَيُّ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً أو اسْتِفْهَامِيَّةً كَقَوْلِهِ تَعَالَى أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَقَوْلِهِ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا وَلِهَذَا أَجَابَهُ الْكُلُّ عن نَفْسِهِ بِأَنَّهُ يَأْتِيهِ وقد ذَكَرَهَا في صِيَغِ الْعُمُومِ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ في بَابِ التَّأْوِيلَاتِ من الْبُرْهَانِ في قَوْلِهِ أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَنْكَحَتْ نَفْسَهَا وابن الصَّبَّاغِ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ وَالْقَاضِيَانِ أبو بَكْرٍ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ وَالْإِمَامُ الرَّازِيَّ وَالْآمِدِيَّ وَالْهِنْدِيُّ وَغَيْرُهُمْ قالوا وَيَصْلُحُ لِلْعَاقِلِ وَغَيْرِهِ قال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في التَّلْخِيصِ إلَّا أنها تَتَنَاوَلُ على وَجْهِ الْإِفْرَادِ دُونَ الِاسْتِغْرَاقِ وَلِهَذَا إذَا قُلْت أَيُّ الرَّجُلَيْنِ عِنْدَك لم يُجِبْ إلَّا بِذِكْرِ وَاحِدٍ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ وَأَمَّا كَلِمَةُ أَيِّ فَقِيلَ كَالنَّكِرَةِ لِأَنَّهَا تَصْحَبُهَا لَفْظًا وَمَعْنًى تَقُولُ أَيُّ رَجُلٍ فَعَلَ هذا وَأَيُّ دَارٍ قال تَعَالَى أَيُّكُمْ
- يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا وَهِيَ في الْمَعْنَى نَكِرَةٌ لِأَنَّ الْمُرَادَ بها وَاحِدٌ منهم انْتَهَى وَحَاصِلُ كَلَامِهِمْ أنها لِلِاسْتِغْرَاقِ الْبَدَلِيِّ لَا الشُّمُولِيِّ لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الشَّيْخِ أبي إِسْحَاقَ أنها لِلْعُمُومِ الشُّمُولِيِّ فإنه قال فِيمَا إذَا قال لِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ أَيَّتُكُنَّ حَاضَتْ فَصَوَاحِبَاتُهَا طَوَالِقُ فَقُلْنَ حِضْنَ وَصَدَّقَهُنَّ أَنَّهُ تُطْلَقُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثَلَاثًا وَذَكَرَ غَيْرُهُ من الْعِرَاقِيِّينَ وَخَرَجَ لنا من هذا أَنَّا إذَا قُلْنَا إنَّهَا لِلْعُمُومِ فَهَلْ هو عُمُومُ شُمُولٍ أَمْ بَدَلٍ وَجْهَانِ وَتَوَسَّعَ الْقَرَافِيُّ فَعَدَّى عُمُومَهَا إلَى الْمَوْصُولَةِ وَالْمَوْصُوفَةِ في النِّدَاءِ وَمِنْهُمْ من لم يَعُدَّهَا في الصِّيَغِ كَالْغَزَالِيِّ وَابْنِ الْقُشَيْرِيّ لِأَجْلِ قَوْلِ النُّحَاةِ إنَّهَا بِمَعْنَى بَعْضٍ إنْ أُضِيفَتْ إلَى مَعْرِفَةٍ وَقَوْلُ الْفُقَهَاءِ أَيُّ وَقْتٍ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ لَا يَتَكَرَّرُ الطَّلَاقُ بِتَكَرُّرِ الدُّخُولِ كما في كُلَّمَا وَالْحَقُّ أَنَّ عَدَمَ التَّكْرَارِ لَا يُنَافِي الْعُمُومَ وَكَوْنُ مَدْلُولِهَا أَحَدَ الشَّيْئَيْنِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ بَقِيَّةِ الصِّيَغِ في الِاسْتِفْهَامِ وقد سَبَقَ أَنَّ من وما الِاسْتِفْهَامِيَّتَيْنِ لِلْعُمُومِ فَلْتَكُنْ أَيُّ كَذَلِكَ وقال صَاحِبُ اللُّبَابِ من الْحَنَفِيَّةِ وأبو زَيْدٍ في التَّقْوِيمِ كَلِمَةَ أَيٍّ نَكِرَةٌ لَا تَقْتَضِي الْعُمُومَ بِنَفْسِهَا إلَّا بِقَرِينَةٍ أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا ولم يَقُلْ يَأْتُونِي وَلَوْ قال لِغَيْرِهِ أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبْته فَهُوَ حُرٌّ فَضَرَبَهُمْ لَا يُعْتَقُ إلَّا وَاحِدٌ فَإِنْ وَصَفَهَا بِصِفَةٍ عَامَّةٍ كانت لِلْعُمُومِ كَقَوْلِهِ أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبَكَ فَهُوَ حُرٌّ فَضَرَبُوهُ جميعا عَتَقُوا لِعُمُومِ فِعْلِ الضَّرْبِ وَصَرَّحَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ من صِيَغِ الْعُمُومِ فقال وَأَمَّا أَيُّ فَهُوَ اسْمُ فَرْدٍ يَتَنَاوَلُ جُزْءًا من الْجُمْلَةِ الْمُضَافَةِ قال تَعَالَى أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا وَإِنَّمَا جاء بِهِ وَاحِدٌ وقال أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَالْعَرَبُ تَقُولُ أَيُّ الرَّجُلِ أَتَاكَ وَلَا تَقُولُ أَيُّ الرِّجَالِ أَتَاكَ إذْ لَا عُمُومَ في الصِّيغَةِ انْتَهَى وَكَذَلِكَ قال الْغَزَالِيُّ في فَتَاوِيهِ لو قال أَيُّ عَبِيدِي حَجَّ فَهُوَ حُرٌّ فَحَجُّوا كلهم لَا يُعْتَقُ إلَّا وَاحِدٌ وَكَذَلِكَ قال أَيُّ رَجُلٍ دخل الْمَسْجِدَ فَلَهُ دِرْهَمٌ فإنه يَقْصُرُ على الْوَاحِدِ وَهَذَا بَنَاهُ على أنها لَيْسَتْ لِلْعُمُومِ وقال محمد بن الْحَسَنِ إذَا قال أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبَكَ فَهُوَ حُرٌّ فَضَرَبُوهُ كلهم عَتَقُوا جميعا وَإِنْ قال أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبْتُهُ فَهُوَ حُرٌّ فَضَرَبَ جَمَاعَةً لَا يُعْتَقُ إلَّا وَاحِدٌ وَصَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ في فَتَاوِيهِ وفي فَتَاوَى الشَّاشِيِّ أَنَّهُ لَا فَرْقَ عِنْدَنَا بين
- الصُّورَتَيْنِ وَأَنَّهُمْ يُعْتَقُونَ جميعا عَمَلًا بِعُمُومِ أَيٍّ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ فقال أَيُّ أَعَمُّ الْمُبْهَمَاتِ وَزَعَمَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ أَنَّهُ على الْوَاحِدِ غَالِبًا وَلِذَلِكَ قال أبو حَنِيفَةَ وَأَيُّ عَبِيدِي ضَرَبْتُ فَهُوَ حُرٌّ أَنَّ ذلك يُحْمَلُ على الْوَاحِدِ وَأَيُّ عَبِيدِي ضَرَبَكَ فَهُوَ حُرٌّ أَنَّهُ يُحْمَلُ على الْجَمِيعِ لِأَنَّهُ أَضَافَ الْفِعْلَ الذي عَلَّقَ بِهِ الْحُرِّيَّةَ إلَى الْجَمَاعَةِ قال الْأُسْتَاذُ وَقُلْنَا بِعُمُومِ هذا اللَّفْظِ في الْمَوْضِعَيْنِ انْتَهَى وَوَجَّهَ ابن يَعِيشَ وَغَيْرُهُ من النُّحَاةِ مَسْأَلَتَيْ مُحَمَّدِ بن الْحَسَنِ بِأَنَّ الْفِعْلَ في الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى عَامٌّ وفي الثَّانِيَةِ خَاصٌّ فإنه في الْأُولَى مُسْنَدٌ إلَى ضَمِيرِ عَبِيدِي وَهِيَ كَلِمَةُ عُمُومٍ وفي الثَّانِيَةِ مُسْنَدٌ إلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِ وهو خَاصٌّ ثُمَّ قَرَّرُوا أَنَّ الْفِعْلَ يَعُمُّ بِعُمُومِ فَاعِلِهِ لَا بِعُمُومِ مَفْعُولِهِ من جِهَةِ أَنَّ الْفَاعِلَ كَالْجُزْءِ من الْفِعْلِ وهو لَا يُسْتَغْنَى عنه وَلَا كَذَلِكَ الْفِعْلُ وَالْمَفْعُولُ لِأَنَّ الْمَفْعُولَ قد يَسْتَغْنِي عنه الْفِعْلُ فَيَلْزَمُ أَنْ يَسْرِيَ عُمُومُ الْفَاعِلِ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَسْرِيَ عُمُومُ الْمَفْعُولِ إلَى الْفِعْلِ وَهَذَا هو الذي وَجَّهَ بِهِ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا فإنه قال فَرْعٌ إذَا قال طَلِّقْ من نِسَائِي من شِئْتَ لَا يُطَلِّقُ الْكُلَّ في أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وإذا قال طَلِّقْ من نِسَائِي من شَاءَتْ فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَ كُلَّ من اخْتَارَتْ الطَّلَاقَ وَالْفَرْقُ أَنَّ التَّخْصِيصَ وَالْمَشِيئَةَ مُضَافٌ بِمَعْنَى في الْأُولَى إلَى وَاحِدٍ فإذا اخْتَارَ وَاحِدَةً سَقَطَ اخْتِيَارُهُ وفي الثَّانِيَةِ الِاخْتِيَارُ مُضَافٌ إلَى جَمَاعَةٍ فَكُلُّ من اخْتَارَتْ طَلُقَتْ نَظِيرُهُ ما إذَا قال أَيُّ عَبْدٍ من عَبِيدِي ضَرَبْتُهُ فَهُوَ حُرٌّ فَضَرَبَ عَبْدًا ثُمَّ عَبْدًا لَا يُعْتَقُ الثَّانِي لِأَنَّ حَرْفَ أَيِّ وَإِنْ كان حَرْفَ تَعْمِيمٍ فَالْمُضَافُ إلَيْهِ الضَّرْبُ وَاحِدٌ وإذا قال أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبَكَ فَهُوَ حُرٌّ فَضَرَبَهُ عَبْدٌ ثُمَّ عَبْدٌ عَتَقُوا لِأَنَّ الضَّرْبَ مُضَافٌ إلَى جَمَاعَةٍ انْتَهَى وقد اعْتَرَضَ الْإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ بن عَمْرُونٍ النَّحْوِيُّ الْحَلَبِيُّ وقال لَا فَرْقَ بين الصُّورَتَيْنِ وَالْفِعْلُ عَامٌّ فِيهِمَا وَضَمِيرُ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ في ذلك على حَدٍّ سَوَاءٍ وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِ الْعَبَّاسِ بن مِرْدَاسٍ يُخَاطِبُ النبي عليه السَّلَامُ وما كنت دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا وَمَنْ تَخْفِضْ الْيَوْمَ لَا يُرْفَعْ فإن من الشَّرْطِيَّةُ عَامَّةٌ بِاتِّفَاقٍ وَالْمُرَادُ عُمُومُ الْفِعْلِ مُطْلَقًا مع أَنَّ الِاسْمَ الْعَامَّ هُنَا إنَّمَا هو ضَمِيرُ الْمَفْعُولِ الْمَحْذُوفِ إذْ التَّقْدِيرُ وَمَنْ تَخْفِضْهُ الْيَوْمَ وهو عَائِدٌ على من وهو الِاسْمُ الْعَامُّ وَأَمَّا ضَمِيرُ الْفَاعِلِ فَخَاصٌّ وهو ضَمِيرُ النبي عليه السَّلَامُ وَهَذَا وِزَانُ قَوْلِهِ أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبْتُهُ التي ادَّعَى فيها عَدَمَ عُمُومَ الْفِعْلِ
- وَاخْتَارَ ابن الْحَاجِبِ أَيْضًا التَّعْمِيمَ فِيهِمَا وقال نِسْبَةُ فِعْلِ الشَّرْطِ إلَى الْفَاعِلِ وَإِلَى الْمَفْعُولِ في اقْتِضَاءِ التَّعْمِيمِ في الْمَشْرُوطِ عِنْدَ حُصُولِ الشَّرْطِ وَعَدَمِهِ سَوَاءٌ وَأَنَّ التَّعْمِيمَ فِيمَا وَقَعَ النِّزَاعُ فيه ليس من قَبِيلِ إثْبَاتِ الْمَشْرُوطِ بِتَكْرِيرِ الشَّرْطِ وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بين أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبْتُهُ فَهُوَ حُرٌّ وَأَيُّ عَبِيدِي ضَرَبَكَ فَهُوَ حُرٌّ في أَنَّهُ يُعْتَقُ الْمَضْرُوبُونَ لِلْمُخَاطَبِ كلهم كما يُعْتَقُ الضَّارِبُونَ لِلْمُخَاطَبِ كلهم وَاسْتَشْهَدَ على ذلك بِمَنْ فإنه قد تَسَاوَى فيها الْأَمْرَانِ قال اللَّهُ تَعَالَى من يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ فإنه مُسَاوٍ في الدَّلَالَةِ على التَّعْمِيمِ لِنَحْوِ قَوْله تَعَالَى من يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَالْأَوَّلُ مَنْسُوبٌ في شَرْطِهِ إلَى عُمُومِ الْمَفْعُولِ وهو الْمَصْدَرُ مُنَازَعًا فيه الثَّانِي مَنْسُوبٌ إلَى عُمُومِ الْفَاعِلِ وهو الْمُتَّفَقُ عليه إذَا ثَبَتَ في من فَكَذَلِكَ في أَيٍّ بَلْ هِيَ من أَقْوَى من من في الدَّلَالَةِ على التَّفْصِيلِ تَنْبِيهٌ عَدَّى الْحَنَفِيَّةُ هذا إلَى أَيِّ عَبِيدِي ضُرِبَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ هَكَذَا قَالَهُ ابن جِنِّي لِأَنَّ الْفَاعِلَ وَإِنْ لم يُذْكَرْ فَهُوَ في حُكْمِ الْمَذْكُورِ وَيَرُدُّهُ قَوْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ وقد قالوا هُمْ فيه بِالْعُمُومِ أَكْثَرَ مِنَّا لِأَنَّهُمْ أَدْرَجُوا فيه جِلْدَ الْكَلْبِ تَنْبِيهٌ إذَا اتَّصَلَتْ أَيُّ بِمَا كانت تَأْكِيدًا لِأَدَاةِ الشَّرْطِ وَزَعَمَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الْبُرْهَانِ في بَابِ التَّأْوِيلِ أَنَّ ما الْمُتَّصِلَةَ بها لِلْعُمُومِ في نَحْوِ أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَنْكَحَتْ نَفْسَهَا فَاعْتَقَدَ أنها ما الشَّرْطِيَّةُ وهو وَهْمٌ وقد قَارَبَ الْغَزَالِيُّ في الْمُسْتَصْفَى هُنَاكَ فَجَعَلَهَا مُؤَكِّدَةً لِلْعُمُومِ هو أَقْرَبُ مِمَّا قَالَهُ الْإِمَامُ إلَى الصَّوَابِ لَكِنَّ الصَّوَابَ أنها تَوْكِيدٌ لِأَدَاةِ الشَّرْطِ وهو عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ من التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ كَأَنَّهُ كَرَّرَ اللَّفْظَ الْحَادِيَ عَشَرَ إلَى آخِرِ الْخَامِسِ عَشَرَ مَتَى وَأَيْنَ وَحَيْثُ وَكَيْفَ وإذا الشَّرْطِيَّةُ أَمَّا مَتَى فَهِيَ عَامَّةٌ في الْأَزْمَانِ الْمُبْهَمَةِ كُلِّهَا كما قَيَّدَهُ ابن الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ ولم
- يُقَيِّدْهُ بَعْضُهُمْ بِالْمُبْهَمَةِ وَالْأَوَّلُ أَقْوَى لِأَنَّهَا لَا تُسْتَعْمَلُ إلَّا فِيمَا لَا يَتَحَقَّقُ وُقُوعُهُ فَلَا يَقُولُونَ مَتَى طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَائْتِنِي بَلْ إذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَهِيَ عَكْسُ إذَا وَقِيلَ مَتَى تَقْتَضِي عُمُومَ الْأَزْمِنَةِ وَلَا تَقْتَضِي تَكْرَارَ الْفِعْلِ بِدَلِيلِ اسْتِعْمَالِهَا فِيمَا لَا تَكْرَارَ فيه كما إذَا قِيلَ مَتَى قَتَلْتَ زَيْدًا وَالسَّابِقُ إلَى الْفَهْمِ منها تَكْرَارُ الْفِعْلِ وَلَا تَقْتَضِي تَكْرَارًا على التَّحْقِيقِ فإذا قال مَتَى دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَالطَّلَاقُ لَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الدُّخُولِ وَإِنَّمَا يَقَعُ بِالدُّخُولِ الْأَوَّلِ وَهَذَا بِخِلَافِ كُلَّمَا فَإِنَّهَا تَقْتَضِي التَّكْرَارَ لِاقْتِضَائِهَا عُمُومَ الْأَفْعَالِ فإذا قال كُلَّمَا دَخَلْتِ فَمَعْنَاهُ كُلُّ دُخُولٍ يَقَعُ مِنْكِ لِأَنَّ كُلًّا إنَّمَا يُضَافُ لِلْأَسْمَاءِ وَيَنْضَمُّ إلَيْهَا ما لِتَصْلُحَ لِلدُّخُولِ على الْأَفْعَالِ فَهِيَ كَ رُبَّ وَأَمَّا أَيْنَ وَحَيْثُ فَيَعُمَّانِ الْأَمْكِنَةَ وقد ذَكَرَهُمَا ابن السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُ وَأَمَّا كَيْفَ وإذا فَقَدْ ذَكَرَهُمَا الْقَرَافِيُّ من الصِّيَغِ إذَا كانت كَيْفَ اسْتِفْهَامِيَّةً أو اتَّصَلَتْ بها ما إذَا جُوزِيَ بها وَهُمَا دَاخِلَانِ في إطْلَاقِهِمْ عُمُومَ أَسْمَاءِ الشَّرْطِ وَالِاسْتِفْهَامِ وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الْبُرْهَانِ حَيْثُمَا وَمَتَى ما من صِيَغِ الْعُمُومِ وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ مَتَى أَعَمُّ من إذَا السَّادِسَ عَشَرَ وما بَعْدَهُ إلَى آخِرِ الْعِشْرِينَ مَهْمَا وَأَنَّى وَأَيَّانَ وَإِذْ ما على أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وأي حِينٍ وَكَمْ أَمَّا مَهْمَا فَهِيَ اسْمٌ بِدَلِيلِ عَوْدِ الضَّمِيرِ إلَيْهَا وَلَا يُعَادُ إلَّا إلَى الْأَسْمَاءِ وَهِيَ من أَدَوَاتِ الْجَزْمِ بِاتِّفَاقٍ وَتَجِيءُ لِلِاسْتِفْهَامِ قَلِيلًا وَأَمَّا أَنَّى فَأَصْلُهَا الِاسْتِفْهَامُ إمَّا بِمَعْنَى من أَيْنَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى أَنَّى لَكِ هذا وَإِمَّا بِمَعْنَى كَيْفَ كَقَوْلِهِ أَنَّى يُؤْفَكُونَ وَأَمَّا أَيَّانَ فَهِيَ في الْأَزْمَانِ بِمَنْزِلَةِ مَتَى لَكِنْ مَتَى أَشْهَرُ منها وَلِذَلِكَ تُفَسَّرُ أَيَّانَ بِمَتَى وَأَمَّا إذْ ما فَهِيَ من أَدَوَاتِ الشَّرْطِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَكُلُّهَا تَدْخُلُ في إطْلَاقِهِمْ أَنَّ أَسْمَاءَ الشُّرُوطِ من صِيَغِ الْعُمُومِ وَلِمَا فيها من الْإِبْهَامِ وَعَدَمِ الِاخْتِصَاصِ بِوَقْتٍ دُونَ غَيْرِهِ وَأَمَّا أَيُّ حِينٍ على طَرِيقَةِ من يَصِلُهَا من أَيِّ الْمُقَدَّمَةِ وَأَمَّا كَمْ الِاسْتِفْهَامِيَّة لَا الْخَبَرِيَّةُ فَإِنَّمَا عُدَّتْ من صِيَغِ الْعُمُومِ لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ بها سَائِغٌ في جَمِيعِ مَرَاتِبِ الْأَعْدَادِ لَا يَخْتَصُّ بِعَدَدٍ مُعَيَّنٍ كما أَنَّ مَتَى
- سَائِغَةٌ في جَمِيعِ الْأَزْمَانِ وأين في جَمِيعِ الْأَمَاكِنِ ومن في جَمِيعِ الْأَجْنَاسِ فإذا قِيلَ كَمْ مَالُكَ حَسُنَ الْجَوَابُ بِأَيِّ عَدَدٍ شِئْتَ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ الْأَسْمَاءُ الْمَوْصُولَةُ سِوَى ما تَقَدَّمَ من ما وَمَنْ وَأَيٍّ وَهِيَ الذي وَاَلَّتِي وَجُمُوعُهُمَا من الَّذِينَ وَاَللَّاتِي وَذُو الطَّائِيَّةِ وَجَمْعُهَا وقد بَلَغَ بِذَلِكَ الْقَرَافِيُّ نَيِّفًا وَثَلَاثِينَ صِيغَةً وقد صَرَّحَ بِأَنَّ الذي من صِيَغِ الْعُمُومِ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْإِفَادَةِ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ جَمِيعُ الْأَسْمَاءِ الْمُبْهَمَةِ تَقْتَضِي الْعُمُومَ وقال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ من وما وَأَيُّ وَمَتَى وَنَحْوُهَا من الْأَسْمَاءِ الْمُبْهَمَةِ لَا تُسْتَوْعَبُ بِظَاهِرِهَا وَإِنَّمَا تُسْتَوْعَبُ بِمَعْنَاهَا عِنْدَ قَوْمٍ من حَيْثُ إنَّ الْإِبْهَامَ يَقْتَضِي ذلك وقال أَصْحَابُ الْأَشْعَرِيِّ إنَّهُ يَجْرِي في بَابِهِ مُجْرَى اسْمٍ مَنْكُورٍ كَقَوْلِنَا رَجُلٌ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ زَيْدًا أو عَمْرًا فَلَا يُصَارُ إلَى أَحَدِهِمَا إلَّا بِدَلِيلٍ وَالْإِبْهَامُ لَا يَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ بَلْ يَحْتَاجُ إلَى قَرِينَةٍ انْتَهَى وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَائِلَ بِأَنَّ من وما إذَا كَانَتَا مَوْصُولَتَيْنِ لَا تَعُمَّانِ يقول بِأَنَّ الذي وَاَلَّتِي وَفُرُوعَهُمَا لَيْسَتْ لِلْعُمُومِ أَمَّا الْحُرُوفُ الْمُوصَلَةُ فَلَيْسَتْ لِلْعُمُومِ اتِّفَاقًا وَإِنَّمَا يَكُونُ الذي إذَا كانت جِنْسِيَّةً كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَاَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ من قَبْلِكَ إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لهم مِنَّا الْحُسْنَى إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعُمُومَ في ذلك كُلِّهِ مُسْتَفَادٌ من الصِّيغَةِ أَمَّا الْعَهْدِيَّةُ فَلَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى وقال الذي آمَنَ يا قَوْمِ قد سمع اللَّهُ قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ في زَوْجِهَا أو نَحْوِهِ وَعَدَّ الْحَنَفِيَّةُ من الصِّيَغِ الْأَلِفَ وَاللَّامَ الْمَوْصُولَةَ الدَّاخِلَةَ على اسْمِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ فَلَوْ قال لِعَبِيدِهِ الضَّارِبُ مِنْكُمْ زَيْدًا حُرٌّ وَلِنِسَائِهِ الدَّاخِلَةُ مِنْكُنَّ الدَّارَ طَالِقٌ عَتَقَ الْجَمِيعُ وَطُلِّقَ الْكُلُّ لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ بِمَعْنَى الذي وهو ظَاهِرٌ على الْقَوْلِ الصَّحِيحِ إنَّهَا اسْمٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْعَلَ لِمَا في الصِّفَةِ من الْجِنْسِيَّةِ وَتَكُونُ مُشْعِرَةً بِذَلِكَ وَمَنَعَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا عُمُومَ الْأَلِفِ وَاللَّامِ الْمَوْصُولَةِ قال لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ دَاخِلَةٌ في الْمُوصَلَاتِ فَلَهُ حُكْمُ الْعُمُومِ لِجَمِيعِ أَحْوَالِهِ وَخَرَجَ من هذا أَنَّ اسْتِدْلَالَ الْأُصُولِيِّينَ
- في إثْبَاتِ الْعُمُومِ من الْمُشْتَقَّاتِ الْمُعَرَّفَةِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ مِثْلُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ ليس من مَحَلِّ النِّزَاعِ وَهَذَا الذي ذَكَرَهُ فيه نَظَرٌ لِمَا قَدَّمْنَا تَنْبِيهٌ جَعْلُ الْمَوْصُولَاتِ من صِيَغِ الْعُمُومِ مُشْكِلٌ لِأَنَّ النُّحَاةَ صَرَّحُوا بِأَنَّ شَرْطَ الصِّلَةِ أَنْ يَكُونَ مَعْهُودَةً مَعْلُومَةً لِلْمُخَاطَبِ وَلِهَذَا كانت مُعَرِّفَةً لِلْمَوْصُولِ وَالْمَعْهُودُ لَا عُمُومَ فيه كما صَرَّحَ بِهِ ابن الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فَإِنْ كانت اسْمًا فَلَا عُمُومَ فيها على ما سَبَقَ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ في الْحَرْفِيَّةِ وَاَلَّذِي تَدْخُلُ عليه أَقْسَامٌ أَحَدُهَا الْجَمْعُ سَوَاءٌ كان سَالِمًا أو مُكَسَّرًا لِلْقِلَّةِ أو الْكَثْرَةِ وَسَوَاءٌ كان له وَاحِدٌ من لَفْظِهِ أَمْ لَا كَالزَّيْدَيْنِ وَالْعَالَمِينَ وَالْأَرْجُلِ وَالرِّجَالِ وَالْأَبَابِيلِ وَمَدْلُولُ كُلٍّ مِنْهُمَا الْآحَادُ الْمُجْتَمِعَةُ دَالًّا عليها دَلَالَةَ تَكْرَارِ الْوَاحِدِ قَالَهُ بَدْرُ الدِّينِ بن مَالِكٍ في أَوَّلِ شَرْحِ الْخُلَاصَةِ وَدَلَالَةُ الْجَمْعِ على كل وَاحِدٍ من أَفْرَادِهِ مُطَابِقَةٌ وَلِهَذَا مَنَعُوا أَنْ يُقَالَ جاء رَجُلٌ وَرَجُلٌ وَرَجُلٌ في الْقِيَاسِ إذْ لَا فَائِدَةَ في التَّكْرَارِ لِإِغْنَاءِ لَفْظِ الْجَمْعِ عنه فَلَوْ كانت دَلَالَتُهُ على رَجُلٍ بِالتَّضَمُّنِ لَكَانَ قَوْلُنَا رَجُلٌ وَرَجُلٌ وَرَجُلٌ مُشْتَمِلًا على فَائِدَةٍ جَدِيدَةٍ الثَّانِي اسْمُ الْجَمْعِ سَوَاءٌ كان له وَاحِدٌ من لَفْظِهِ أَمْ لَا كَرَكْبٍ وَصَحْبٍ وَقَوْمٍ وَرَهْطٍ وما قِيلَ إنَّ قَوْمًا جَمْعُ قَائِمٍ كَصَوْمٍ وَصَائِمٍ وَهَمٌ قال ابن عُصْفُورٍ هذا النَّوْعُ لَا يُدْرَكُ بِالْقِيَاسِ بَلْ هو مَحْفُوظٌ وقال ابن مَالِكٍ هو مَوْضِعٌ لِمَجْمُوعِ الْآحَادِ أَيْ لَا لِكُلِّ وَاحِدٍ على الِانْفِرَادِ وَكَذَا قال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ قال وَحَيْثُ تَثْبُتُ الْآحَادُ فَلِدُخُولِهَا في الْمَجْمُوعِ حتى لو قال الرَّهْطُ أو الْقَوْمُ الذي يَدْخُلُ الْحِصْنَ فَلَهُ كَذَا فَدَخَلَهُ جَمَاعَةٌ كان النَّفَلُ لِمَجْمُوعِهِمْ وَلَوْ دَخَلَهُ وَاحِدٌ لم يَسْتَحِقَّ شيئا فَإِنْ قُلْت إذَا لم يَتَنَاوَلْ كُلَّ وَاحِدٍ فَكَيْفَ يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْوَاحِدِ منه في مِثْلِ جَاءَنِي الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا وَالِاسْتِثْنَاءُ يُخْرِجُ ما يَجِبُ انْدِرَاجُهُ لَوْلَاهُ قُلْت من حَيْثُ إنَّ مَجِيءَ الْمَجْمُوعِ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ كل وَاحِدٍ حتى لو كان الْحُكْمُ مُتَعَلِّقًا بِالْمَجْمُوعِ من حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ من غَيْرِ أَنْ يَثْبُتَ لِكُلِّ فَرْدٍ لم يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ
- مِثْلُ يُطِيقُ رَفْعَ هذا الْحَجَرِ الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا وَهَذَا كما يَصِحُّ عِنْدِي عَشَرَةٌ إلَّا وَاحِدًا وَلَا يَصِحُّ الْعَشَرَةُ زَوْجٌ إلَّا وَاحِدًا إذْ ليس الْحُكْمُ على الْآحَادِ بَلْ على الْمَجْمُوعِ الثَّالِثُ اسْمُ الْجِنْسِ الذي يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَاحِدِهِ بِالتَّاءِ وَلَيْسَ مَصْدَرًا وَلَا مُشْتَقًّا منه كَتَمْرٍ وَشَجَرَةٍ وَهَذَا هو الْمَشْهُورُ أَعْنِي كَوْنَهُ اسْمَ جِنْسٍ وَالْغَزَالِيُّ يُسَمِّيهِ جَمْعًا وابن مَالِكٍ يُسَمِّيهِ اسْمَ جَمْعٍ فإنه عَدَّهُ في أَسْمَاءِ الْجُمُوعِ لَكِنْ سَمَّاهُ في شَرْحِ الْكَافِيَةِ اسْمَ جِنْسٍ وَاخْتُلِفَ في مَدْلُولِهِ على أَقْوَالٍ أَصَحِّهَا أَنَّهُ يَصْلُحُ لِلْوَاحِدِ وَالتَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ وَالْجِنْسُ مَوْجُودٌ مع كُلٍّ من الثَّلَاثَةِ وَحَكَى الْكِسَائَيُّ عن الْعَرَبِ إطْلَاقَهُ على الْوَاحِدِ وقال بِهِ الْكُوفِيُّونَ سَوَاءٌ كان الْوَاحِدُ مُذَكَّرًا أو مُؤَنَّثًا قال الرَّاغِبُ في مُفْرَدَاتِهِ النَّحْلُ يُطْلَقُ على الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ على أَقَلَّ من ثَلَاثَةٍ قَالَهُ ابن جِنِّي وَتَبِعَهُ ابن مَالِكٍ وَالثَّالِثِ أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ إلَّا على جَمْعِ الْكَثْرَةِ وَنَقَلَ ذلك عن الشَّلَوْبِينَ وَابْنِ عُصْفُورٍ وهو مُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ مَالِكٍ في بَابِ أَمْثِلَةِ الْجَمْعِ وَلِأَجْلِ ذلك أَوْرَدَهُ شُرَّاحُ سِيبَوَيْهِ على قَوْلِهِ بَابُ عِلْمِ ما الْكَلِمُ من الْعَرَبِيَّةِ وَقَالُوا إنَّمَا هِيَ اسْمٌ وَفِعْلٌ وَحَرْفٌ ثُمَّ أَجَابُوا بِأَنَّ تَحْتَ كل نَوْعٍ منها أَنْوَاعًا وَالرَّابِعِ الْمُثَنَّى نَحْوُ الزَّيْدَانِ وَالرَّجُلَانِ وما أُلْحِقَ بِهِ وَدَلَالَتُهُ على كُلٍّ مِنْهُمَا كَدَلَالَةِ الْجَمْعِ على أَفْرَادِهِ الْخَامِسُ الدَّالُّ على الْحَقِيقَةِ وَأَفْرَادُهُ مُتَمَيِّزَةٌ وَلَيْسَ له مُؤَنَّثٌ بِالتَّاءِ كَرَجُلٍ وَفَرَسٍ وَالْقَصْدُ بِهِ الْجِنْسُ مع الْوَحْدَةِ ما لم تَقْتَرِنْ بِمَا يُزِيلُهَا من تَثْنِيَةٍ أو جَمْعٍ أو عُمُومٍ وَبِهِ جَزَمَ الْغَزَالِيُّ في الْمُسْتَصْفَى وَالسَّكَّاكِيُّ وَالْقَرَافِيُّ وَيَشْهَدُ له تَثْنِيَتُهُ وَجَمْعُهُ وَصِحَّةُ قَوْلِك ما عِنْدِي رَجُلٌ بَلْ رَجُلَانِ السَّادِسُ الِاسْمُ الدَّالُّ على الْحَقِيقَةِ وَأَفْرَادُهُ مُتَمَيِّزَةٌ وهو مُؤَنَّثٌ لِإِطْبَاقِهِمْ على أَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ ما يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَاحِدِهِ بِالتَّاءِ السَّابِعُ الِاسْمُ الدَّالُّ على الْحَقِيقَةِ من حَيْثُ هِيَ هِيَ وَلَا يَتَمَيَّزُ بَعْضُهَا عن بَعْضٍ وَلَيْسَ لها مُؤَنَّثٌ فَلَا إشْكَالَ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فيه على وَحْدَةٍ وَلَا تَعَدُّدٍ كَالْمَاءِ وَالْعَسَلِ في الْأَعْيَانِ وَالضَّرْبِ وَالنَّوْمِ في الْمَصَادِرِ الثَّامِنُ ما كان كَذَلِكَ إلَّا أَنَّ فيه التَّاءَ لَا من أَصْلِ الْوَضْعِ كَضَرْبَةٍ
- فَمَدْلُولُهُ الْوَاحِدَةُ التَّاسِعُ ما كان عَدَدًا كَالثَّلَاثَةِ فَهُوَ نَصٌّ في مَدْلُولِهِ وهو مَوْضُوعٌ لِمَجْمُوعِهَا وَدَلَالَتُهُ على أَحَدِهَا بِالتَّضَمُّنِ
- الجمع إذا دخلت عليه الألف واللام إذا علمت هذا فإن دخلت الألف واللام على الجمع أفادت الاستغراق فإن تقدم عهد ودلت قرينة على قصده حمل عليه بلا خلاف وكان ذلك قرينة التخصيص ومنه ما إذا سبقه تنكير وظهر ترتب التعريف عليه لكن القاضي عبد الوهاب في الإفادة قال اختلف في الألف واللام على ثلاثة مذاهب أحدها أنه يحمل على معهود إن كان فإن لم يكن حمل على الجنس وهو قول أكثر الفقهاء والثاني عكسه أنها تحمل على الجنس إلا أن يقوم دليل على العهد الثالث أنه يحمل عند فقد العهد على الجنس من غير تعميم وفيه خلاف آخر وهو أنه لا بد من عهد وإلا لم يصح دخولها انتهى وإن لم يسبقه عهد فهي للعموم عند معظم العلماء قاله ابن برهان وقاله ابن الصباغ إنه إجماع أصحابنا وحكي عن الجبائي أنها لا تقتضي الاستغراق قال ابن السمعاني سواء جمع السلامة والتكسير كاقتلوا المشركين واعمروا مساجد الله وقال سليم الرازي في التقريب سواء المشتق وغيره كالمسلمين والرجال وقال غيره سواء كان للقلة كالمسلمين والمسلمات أو للكثرة كالعباد والرجال وحكاه أبو الحسين البصري في المعتمد عن أبي علي الجبائي وجماعة الفقهاء وحكي عن أبي هاشم أنه يفيد الجنس لا الاستغراق وحكاه صاحب الميزان عن أبي علي الفارسي وأبي هاشم قال وحكي عنه أنه فرق بين المفرد والجمع فقال وفي المفرد يصرف إلى مطلق الجنس من غير استغراق إلا بدليل وحكاه المازري عن الشيخ أبي حامد الإسفراييني من أصحابنا وهو غريب قال وقالوا في قوله تعالى وإن الفجار لفي جحيم إنه يستوعب من حيث دخول الألف واللام ثم أنكر إلكيا هذا وقال الألف واللام معناها في لسان العرب تعريف العهد لا غير
- هكذا قال سيبويه وأن الألف الأصل لما كانت ساكنة ولم يتوصل إلى النطق بها وأن حرف التعريف هو اللام فثبت أنه لا يصير عاما ومستوعبا بدخول الألف واللام وقد كان ولم يكن مستوعبا قبل دخولها ولو كان اللام مفيدا للاستيعاب لما صح دخوله عن الأسماء المفردة لأن معناه لا يتغير بكون الاسم مفردا أو مجموعا كما لا يتغير معنى سائر الحروف قال ولذلك زعم المحققون أن عموم قوله تعالى والسارق والسارقة الزانية والزاني في معناه وهو ترتب الحكم على الوصف بفاء التعليل وهو أقرب من ادعاء العموم من لفظه ولعل إلكيا بنى هذا على قول أرباب الخصوص فإنه قال بعد ذلك الصحيح أن هذه الألفاظ للعموم ونبه أبو الحسين على فائدة ترفع الخلاف وهي أن أبا هاشم وإن لم يجعله مستغرقا من جهة اللفظ فهو عنده عام من جهة المعنى إن صلح له كقوله تعالى وإن الفجار لفي جحيم فإنه يفيد أنهم في الجحيم لأجل فجورهم فوجب أن يكون كل فاجر كذلك لأنه خرج مخرج الزجر انتهى هذا كله إذا قام الدليل على أنه لم يرد العهد فإن أشكل الحال واحتمل كونها للعهد أو الاستغراق أو الجنس فلم يصرحوا فيها بنقل صريح ويخرج من كلامهم فيها ثلاثة مذاهب وظاهر كلام بعضهم أنها تحمل على العهد وبه صرح ابن مالك من النحويين وظاهر كلام أكثر الأصوليين أنها تحمل على الاستغراق لعموم فائدته ولدلالة اللفظ عليه ونقله ابن القشيري عن المعظم وصاحب الميزان عن أبي بكر بن السراج النحوي فقال إذا تعارضت جهتا العهد والجنس يصرف إلى الجنس وهو الذي أورده الماوردي والروياني في أول كتاب البيع قالا لأن الجنس يدخل تحته العهد والعهد لا يدخل تحته الجنس والثالث أنه مجمل لأن عمومه ليس من صيغته بل من قرينة نفي المعهود فيتعين الجنس لأنه لا يخرج عنها وهو قول إمام الحرمين وتبعه ابن القشيري في كتابه وقال صاحبه إلكيا الهراسي إنه الصحيح لأن الألف واللام للتعريف وليست إحدى جهتي التعريف بأولى من الثانية فيكتسب اللفظ جهة الإجمال لاستوائه بالنسبة إليها قلت وما ذكره إمام الحرمين قد حكاه الأستاذ أبو إسحاق في كتابه عن بعض أصحابنا وقال قبله إن المذهب أنه عام ولا يصار إلى غير العموم إلا بدليل
- ويخرج من كلام ابن دقيق العيد مذهب رابع فإنه قال في شرح العنوان وعندنا أن هذا مختلف باختلاف السياق ومقصود الكلام ويعرف ذلك بقرائن ودلائل منه وأصل الخلاف أن الألف واللام للعموم عند عدم العهد وليست للعموم عند قرينة العهد لكن هل الأصل فيها العموم حتى يقوم دليل على خلافه أو الأصل أنها موضوعة للعهد حتى يقوم دليل على عدم إرادته فيه وكلام الأصوليين فيه مضطرب ومن أخذ بظواهر عباراتهم حكى في ذلك قولين وقد صرح بها بعض متأخري الحنفية فقال الأصل هو للعهد الخارجي لأنه حقيقة التعيين وكمال التمييز ثم الاستغراق لأن الحكم على نفس الحقيقة بدون اعتبار الأفراد قليل الاستعمال جدا والعهد الذهني موقوف على وجود قرينة البعضية فالاستغراق هو المفهوم من الإطلاق حيث لا عهد في الخارج خصوصا في الجمعية هذا ما عليه المحققون وقيل العهد الذهني مقدم على الاستغراق بناء على أن البعض متيقن وهذا معارض فإن الاستغراق أعم فائدة وأكثر استعمالا في الشرع وأحوط في أكثر الأحكام أعني الإيجاب والندب والتحريم والكراهة وأن البعض أحوط في الإباحة ومنقوض بثبوت الماهية فإنه لا يوجد بدون الماهية وقد جعلوه متأخرا عن الاستغراق بها على أنه لا يفيد فائدة جديدة زائدة على ما يفيد الاسم بدون اللام ويظهر أثر هذا الخلاف فيما إذا لم تقم قرينة على إرادة عهد في أن العهد مراد أم لا هل يحمل على العموم أم لا وذكر الماوردي في كتاب الأيمان من الحاوي عند الكلام فيما إذا حلف لا يشرب ماء النهر أن الألف واللام يستعملان تارة للجنس وللعهد أخرى وأنه حقيقة فيهما فإن قيل إذا كانت القرينة تصرف إلى العهد وتمنع من الحمل على العموم فهلا جعلتم العام بالألف واللام مصروفا إلى العهد بقرينة السبب الخاص وقلتم إن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ أجيب بأن تقدم السبب الخاص قرينة في أنه لا يراد لا أن غيره ليس بمراد فنحن نعلمه بهذه القرينة ونقول دلالة هذا العام على محل السبب قطعية وعلى غيره ظنية إذ ليس في السبب ما يثبتها ولا ما ينفيها
- ما يُفِيدُهُ جَمْعُ السَّلَامَةِ وَجَمْعُ التَّكْسِيرِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُصُولِيِّينَ مُصَرِّحُونَ بِأَنَّ جَمْعَ السَّلَامَةِ لِلتَّكْثِيرِ كَالْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ وَقَسَّمَ سِيبَوَيْهِ وَغَيْرُهُ من النَّحْوِيِّينَ الْجَمْعَ إلَى قِسْمَيْنِ جَمْعِ سَلَامَةٍ وهو لِلتَّقْلِيلِ لِلْعَشَرَةِ فما دُونَهَا وَجَمْعِ تَكْسِيرٍ وهو نَوْعَانِ ما هو لِلْقِلَّةِ وَهِيَ أَرْبَعُ صِيَغٍ أَفْعَالٌ وَأَفْعُلٌ وَأَفْعِلَةٌ وَفِعْلَةٌ وَالْبَاقِي لِلتَّكْثِيرِ إذَا عُرِفَ هذا فَقَدْ اسْتَشْكَلَ كَيْفَ يَجْتَمِعُ الْعُمُومُ مع جَمْعِ الْقِلَّةِ وَالْأَوَّلُ يَسْتَغْرِقُ الْأَفْرَادَ وَالثَّانِي لَا يَسْتَغْرِقُ الْعَشَرَةَ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا بِوُجُوهٍ أَحَدِهِمَا أَنَّ الْعُمُومَ يَجْمَعُ ما لَا يَتَجَاوَزُ الْوَاحِدَ فَاجْتِمَاعُ الْعُمُومِ مع ما لَا يَتَجَاوَزُ الْعَشَرَةَ أَوْلَى فإذا قُلْت أَكْرِمْ الزَّيْدَيْنِ فَمَعْنَاهُ أَكْرِمْ كُلَّ وَاحِدٍ مُجْتَمِعٍ مع تِسْعَةٍ أو دُونَهَا إلَى اثْنَيْنِ بِخِلَافِ أَكْرِمْ الرِّجَالَ فَمَعْنَاهُ أَكْرِمْ كُلَّ وَاحِدٍ منهم مُنْضَمٍّ إلَى عَشَرَةٍ فَأَكْثَرَ الثَّانِي أَنَّ الْعُمُومَ في نَحْوِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُشْرِكِينَ من الْمَنْقُولَاتِ الشَّرْعِيَّةِ التي تَصَرَّفَ الشَّارِعُ فيها بِالنَّقْلِ كما في الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَالصَّوْمِ وَنَحْوِهَا فَحَيْثُ جاء ذِكْرُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ وَنَحْوِهِ في الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كان الْمُرَادُ بِهِ الْعُمُومَ تَصَرُّفًا من الشَّارِعِ فيه وَإِنْ لم يَكُنْ ذلك مُقْتَضَى الْعُمُومِ لُغَةً ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ وَحَكَاهُ الْمَازِرِيُّ عن بَعْضِ من عَاصَرَهُ ثُمَّ ضَعَّفَهُ بِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ يَدُلُّ على هذا التَّصَرُّفِ وَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ الثَّالِثِ ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ كما قال سِيبَوَيْهِ من أَنَّ كُلَّ اسْمٍ لَا تَسْتَمِرُّ الْعَرَبُ فيه بِصِيغَةِ الْكَثِيرِ فَصِيغَةُ التَّقْلِيلِ فيه مَحْمُولَةٌ على التَّكْثِيرِ أَيْضًا لِكَثْرَةِ الْفَائِدَةِ كَقَوْلِهِمْ في جَمْعٍ رِجْلٍ أَرْجُلٌ فَهُوَ لِلتَّكْثِيرِ الرَّابِعِ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ يُحْمَلُ كَلَامُ سِيبَوَيْهِ على ما إذَا كان مُنَكَّرًا وَكَلَامُ الْأُصُولِيِّينَ على ما إذَا كان مُعَرَّفًا بِأَلْ وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ اسْمَ الْعِلْمِ إذَا ثُنِّيَ أو جُمِعَ ولم يُعَرَّفْ بِاللَّامِ كان نَكِرَةً بِالِاتِّفَاقِ وَزَالَتْ عنه الْعَلَمِيَّةُ وَإِنَّمَا يُفِيدُ مُفَادَ الْعِلْمِ إذَا عُرِّفَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ كَالزَّيْدِينَ وَالزُّيُودِ فَمَوْضُوعُ الْجَمْعِ إذَا لم يُعَرَّفْ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ الِاسْتِيعَابَ كما في قَوْله تَعَالَى وَقَالُوا مَالَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كنا نَعُدُّهُمْ بِخِلَافِ حَالَةِ التَّعْرِيفِ وَيَشْهَدُ له قَوْلُ الْفَارِسِيِّ وَابْنِ مَالِكٍ بِأَنَّ جَمْعَيْ التَّصْحِيحِ لِلْقِلَّةِ ما لم يَقْتَرِنْ بِأَلْ
- التي لِلِاسْتِغْرَاقِ أو يُضَافُ إلَى ما يَدُلُّ على الْكَثْرَةِ فَإِنْ اقْتَرَنَ صُرِفَ إلَى الْكَثْرَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى إنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَقَوْلِهِ وَهُمْ في الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ وقد جَمَعَ بين الْأَلِفِ وَاللَّامِ وَالْإِضَافَةِ حَسَّانُ رضي اللَّهُ عنه في قَوْلِهِ لنا الْجَفَنَاتُ الْغُرُّ يَلْمَعْنَ في الضُّحَى وَأَسْيَافُنَا يَقْطُرْنَ من نَجْدَةٍ دَمًا وَاعْتَرَضَ الْمَازِرِيُّ وَالْإِبْيَارِيُّ على إمَامِ الْحَرَمَيْنِ في اتِّفَاقِ الْأُصُولِيِّينَ على أَنَّ الْجَمْعَ الْمُعَرَّفَ تَعْرِيفَ الْجِنْسِ يُفِيدُ الْعُمُومَ وَنَقَلَا الْخِلَافَ فيه عن الشَّيْخِ أبي حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وهو غَرِيبٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لم يَثْبُتْ عنه وَإِنَّمَا نُقِلَ فيه عن أبي هَاشِمٍ وقد سَبَقَ في كَلَامِ أبي الْحُسَيْنِ ما يَقْتَضِي رَفْعَ الْخِلَافِ فَكَلَامُ الْإِمَامِ إذَنْ مُسْتَقِيمٌ وقال بَعْضُ الْجَدَلِيِّينَ قد قِيلَ إنَّ جَمْعَ الْقِلَّةِ لَا يَدُلُّ على الِاسْتِغْرَاقِ وهو ما يَكُونُ على وِزَانِ الْأَفْعَالِ كَالْأَبْوَابِ أو الْفِعْلَةِ كَالصِّبْيَةِ قال وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَدُلَّ هذا على الِاسْتِغْرَاقِ وَلَكِنَّ دَلَالَتَهُ دُونَ جَمْعِ الْكَثْرَةِ وَاعْتَرَضَ الْأَصْفَهَانِيِّ شَارِحِ الْمَحْصُولِ عليه بِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ الْمُنَكَّرَ لَا خِلَافَ فيه وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْخَامِسِ قال الْإِمَامُ أَيْضًا إنَّ جَمْعَ السَّلَامَةِ مَوْضُوعٌ في الْعَرَبِيَّةِ لِلْقِلَّةِ وقد يُسْتَعْمَلُ في الْكَثْرَةِ وَكَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ فَنَظَرُ الْأُصُولِيِّينَ إلَى غَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَنَظَرُ النَّحْوِيِّينَ إلَى أَصْلِ الْوَضْعِ فَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ وَهَذَا الذي قَالَهُ الْإِمَامُ نَقَلَهُ ابن الصَّائِغِ في شَرْحِ الْجُمَلِ عن سِيبَوَيْهِ فقال مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أَنَّ جَمْعَيْ السَّلَامَةِ لِلتَّقْلِيلِ غير أَنَّ كَثِيرًا من الْأَسْمَاءِ لَا سِيَّمَا الصِّفَاتِ يُقْتَصَرُ منها على جَمْعِ السَّلَامَةِ وَلِذَلِكَ تُسْتَعْمَلُ في الْكَثْرَةِ أَكْثَرَ من غَيْرِهِ كَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَزَعَمَ ابن خَرُوفٍ أَنَّهُمَا مَوْضُوعَانِ لِلْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فإنه مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِيهِمَا وَالْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ وقال صَاحِبُ الْبَسِيطِ من النَّحْوِيِّينَ إنَّهُ الْحَقُّ وَهَذَا أَبْلَغُ في تَقْوِيَةِ مَقَالَةِ الْإِمَامِ وقد حَكَاهُ ابن الْقُشَيْرِيّ في أُصُولِهِ عن الزَّجَّاجِ أَيْضًا فإنه قال في قَوْله تَعَالَى وَاذْكُرُوا اللَّهَ في أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ وَإِنْ كان جَمْعَ السَّلَامَةِ فَلَا يَدُلُّ على الْقِلَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَهُمْ في الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ قال ابن إيَازٍ وَاسْتُضْعِفَ لِأَنَّ اللَّفْظَ إذَا دَارَ بين الْمَجَازِ وَالِاشْتِرَاكِ فَالْمَجَازُ أَوْلَى قال بَلْ جَمْعُ السَّلَامَةِ مُذَكَّرُهُ وَمُؤَنَّثُهُ لِلْقِلَّةِ فَإِنْ اُسْتُعْمِلَ في الْكَثْرَةِ فَذَلِكَ اتِّسَاعٌ وَهَاهُنَا أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْجَمْعَ يَنْقَسِمُ إلَى سَالِمٍ وهو ما سَلِمَتْ فيه بِنْيَةُ
- الْوَاحِدِ كَالزَّيْدِينَ وَالْهِنْدَاتِ وقد سَبَقَ الْكَلَامُ فيه وَإِلَى ما لَا يَسْلَمُ كَرِجَالٍ وهو ضَرْبَانِ جَمْعُ قِلَّةٍ وهو أَرْبَعَةٌ أَفْعِلَةٌ كَأَرْغِفَةٍ وَأَفْعُلٌ كَأَبْحُرٍ وَفِعْلَةٌ كَفِتْيَةٍ وَأَفْعَالٌ كَأَحْمَالٍ وَمَدْلُولُهُ من الثَّلَاثَةِ إلَى الْعَشَرَةِ وَوَقَعَ في الْبُرْهَانِ لِمَا دُونَ الْعَشَرَةِ وَتَبِعَهُ ابن الْقُشَيْرِيّ فقال وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ يُحْمَلُ على ما دُونَ الْعَشَرَةِ وهو تِسْعَةٌ لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّهُ وُضِعَ لِمَا دُونَ الْعَشَرَةِ ولم يَخُصُّوهُ بِثَلَاثَةٍ أو اثْنَيْنِ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ وقال صَاحِبُ الْبَسِيطِ من النَّحْوِيِّينَ قَوْلُهُمْ جَمْعُ الْقِلَّةِ من الثَّلَاثَةِ إلَى الْعَشَرَة اُخْتُلِفَ في الْعَشَرَةِ فَمِنْهُمْ من جَعَلَهَا من جَمْعِ الْقِلَّةِ وهو قَوْلُهُ من أَدْخَلَ ما بَعْدَ إلَى فِيمَا قَبْلَهَا وَلِذَلِكَ يُقَالُ عَشَرَةُ أَفْلُس وَمِنْهُمْ من جَعَلَهَا أَوَّلَ جَمْعِ الْكَثْرَةِ وَالتِّسْعَةُ مُنْتَهَى جَمْعِ الْقِلَّةِ وهو قَوْلُ من لم يُدْخِلْ وَأَمَّا تَمْيِيزُهَا بِجَمْعِ الْقِلَّةِ فَلِقُرْبِهَا من جَمْعِ الْقِلَّةِ قال تَعَالَى عليها تِسْعَةَ عَشَرَ فَجَمَعَ في هَذَيْنِ الْعَدَدَيْنِ أَكْثَرَ الْقَلِيلِ وَأَقَلَّ الْكَثِيرِ وما بَعْدَ الْعَشَرَةِ كَثِيرٌ بِالِاتِّفَاقِ انْتَهَى وَهَذِهِ فَائِدَةٌ ما يَدُلُّ عليه جَمْعُ الْجَمْعِ وَنَبَّهَ بَعْدَ ذلك على فَائِدَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّهُ جاء الْجَمْعُ في أَلْفَاظٍ مَسْمُوعَةٍ نَحْوُ نَعَمٌ وَأَنْعَامٌ وَأَنَاعِيمُ وَهَذَا جَمْعُ الْجَمْعِ قال وَأَقَلُّهُ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ لِأَنَّ النَّعَمَ اسْمٌ لِلْجَمْعِ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ وَأَنْعَامٌ جَمْعُهُ وَأَقَلُّهُ تِسْعَةٌ وَأَنَاعِيمُ جَمْعُهُ وَأَقَلُّهُ ذلك وَلَوْ قُلْت في هذه الْمَسْأَلَةِ أَقَاوِيلُ لَكَانَ أَقَلُّهَا تِسْعَةً لِأَنَّهَا جَمْعُ أَقْوَالٍ وَأَقَلُّهَا ثَلَاثَةٌ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ ولم يُوضَعْ لِلِاسْتِغْرَاقِ بِاتِّفَاقٍ قال الْإِبْيَارِيُّ إنْ أَرَادَ ظَاهِرًا فَنَعَمْ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُهُ قَطْعًا فَبَاطِلٌ وقد قال أَئِمَّةُ الْعَرَبِيَّةِ إنَّ الْجَمْعَ الْقَلِيلَ يُوضَعُ مَوْضِعَ الْكَثِيرِ وَعَكْسَهُ وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَ مَثَّلَ بَعْدَ ذلك بِقَوْلِهِ إنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَظَاهِرُهُ إلْحَاقُ أَبْنِيَةِ الْقِلَّةِ من جَمْعِ التَّكْسِيرِ بِجَمْعِ السَّلَامَةِ في إفَادَةِ الْعُمُومِ وَبِهِ صَرَّحَ ابن قُدَامَةَ في الرَّوْضَةِ فقال إنَّهَا تُفِيدُ الْعُمُومَ إذَا عُرِّفَتْ وَيَكُونُ الْعُمُومُ مُسْتَفَادًا من الْأَلِفِ وَاللَّامِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْجِنْسِ كما كان قَبْلَهُ في أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ الْمُفْرَدَةِ وهو اخْتِيَارُ الْأَصْفَهَانِيِّ وَالْقَرَافِيِّ وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الرَّازِيَّ في الْمَحْصُولِ وَابْنِ الْحَاجِبِ تَخْصِيصُ ذلك بِالْجَمْعِ السَّالِمِ وَأَنَّ جَمْعَ التَّكْسِيرِ لَمَّا كان لِلْقِلَّةِ لَا يُفِيدُ الِاسْتِغْرَاقَ وَإِنْ عُرِّفَ تَعْرِيفَ جِنْسٍ وَصَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ أبو نَصْرِ بن الْقُشَيْرِيّ في كِتَابِهِ في الْأُصُولِ وَجَعَلَ الِاسْتِغْرَاقَ خَاصًّا بِجَمْعِ السَّلَامَةِ إذَا عُرِّفَ قال وَإِنَّمَا حَمَلَ قَوْلَهُ إنَّ الْأَبْرَارَ
- لَفِي نَعِيمٍ على الْعُمُومِ لِقَرِينَةٍ فَائِدَةٌ أَلْ إذَا دَخَلَتْ على الْجَمْعِ الثَّانِي أَنَّ أَدَاةَ الْعُمُومِ إذَا دَخَلَتْ على الْجَمْعِ فَهَلْ تَسْلُبُهُ مَعْنَى الْجَمْعِ وَيَصِيرُ لِلْجِنْسِ وَيُحْمَلُ على أَقَلِّهِ وهو الْوَاحِدُ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ على الْكَلِمَةِ عُمُومَانِ أو مَعْنَى الْجَمْعِ بَاقٍ مَعَهَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ الْأَوَّلُ وَقَضِيَّةُ مَذْهَبِنَا الثَّانِي وَلِهَذَا اشْتَرَطُوا ثَلَاثَةً من كل صِنْفٍ في الزَّكَاةِ إلَّا الْعَامِلِينَ وَقَالُوا لو حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ أو لَا يَشْتَرِي الْعَبِيدَ حَنِثَ عِنْدَهُمْ بِالْوَاحِدِ وَعِنْدَنَا لَا يَحْنَثُ إلَّا بِثَلَاثَةٍ كما نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ في كِتَابِ الطَّلَاقِ مُحَافَظَةً على الْجَمْعِ ولم يَنْظُرُوا إلَى كَوْنِهِ جَمْعَ كَثْرَةٍ حتى لَا يَحْنَثَ إلَّا بِأَحَدَ عَشَرَ نعم ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ في بَابِ الْأَيْمَانِ من الْحَاوِي أَنَّهُ لو حَلَفَ لَا يَتَصَدَّقُ على الْمَسَاكِينِ حَنِثَ بِالصَّدَقَةِ على الْوَاحِدِ بِخِلَافِ ما لو قال لَأَتَصَدَّقَنَّ فَلَا يَحْنَثُ إلَّا بِثَلَاثَةٍ لِأَنَّ نَفْيَ الْجَمْعِ مُمْكِنٌ وَإِثْبَاتَ الْجَمْعِ غَيْرُ مُمْكِنٍ وقال السُّرُوجِيُّ في الْغَايَةِ ذَكَرَ ابن الصَّبَّاغِ في الشَّامِلِ أَنَّ اللَّامَ إذَا دَخَلَتْ على الْجُمُوعِ تَجْعَلُهَا لِلْجِنْسِ كَقَوْلِنَا لَكِنَّ اشْتِرَاطَهُمْ الثَّلَاثَةَ من كل صِنْفٍ في الزَّكَاةِ يُخَالِفُ ما قَالَهُ ابن الصَّبَّاغِ قُلْت وَعِنْدَ أبي حَنِيفَةَ لو حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ الْأَيَّامَ أو الشُّهُورَ وَقَعَ على الْعَشَرَةِ وَعِنْدَ صَاحِبَيْهِ يُحْمَلُ على الْأُسْبُوعِ وَالسَّنَةِ لِأَنَّهُ أَمْكَنُ الْعَهْدِ وَلَا يُحْمَلُ على الْجِنْسِ وَالرَّاجِحُ ما صَارَ إلَيْهِ أَصْحَابُنَا لِأَنَّ فيه عَمَلًا بِالصِّيغَتَيْنِ وهو بَقَاءُ مَعْنَى اللَّامِ وَمَعْنَى الْجَمْعِيَّةِ لِأَنَّهُ الْمُسْتَعْمَلُ قال تَعَالَى لَا يَحِلُّ لَك النِّسَاءُ من بَعْدُ وَقَوْلُهُمْ فُلَانٌ يَرْكَبُ الْخَيْلَ وَيُلْزِمُ الْحَنَفِيَّةُ أَنْ لَا يَصِحَّ منه الِاسْتِثْنَاءُ وَلَا تَخْصِيصُهُ وَكَذَلِكَ في اسْمِ الْجِنْسِ الْمُحَلَّى بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ وقد قال تَعَالَى فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كلهم أَجْمَعُونَ إلَّا إبْلِيسَ وقال فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ إلَى قَوْلِهِ حتى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَ تَخْصِيصِ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَا يَتَنَاهَى وقال تَعَالَى إنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وقال تَعَالَى وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا وَالْبَاقِي بَعْدَ تَخْصِيصِ الرِّبَا تَحْتَ الْبَيْعِ دَائِرٌ بين الْأَقَلِّ وَالْكُلِّ وهو كَثِيرٌ وَأَيْضًا اتَّفَقَ الْعُقَلَاءُ على جَوَازِ جَاءَنِي الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا وَيَلْزَمُ منه أَنْ لَا يُطْلَقَ جِنْسٌ من الْأَجْنَاسِ إلَّا على الْفَرْدِ الْحَقِيقِيِّ أو على كل الْجِنْسِ وهو بَعِيدٌ لِأَنَّ النُّحَاةَ أَطْبَقُوا على أَنَّ الْمَصْدَرَ يَصْلُحُ لِلْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ
- بِدُونِ تَقَيُّدِهِمْ بِالْفَرْدِ الْحَقِيقِيِّ أو الْكُلِّ بَلْ أَطْلَقُوا ذلك وَكَذَلِكَ قالوا الْمَصْدَرُ لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ لِصَلَاحِيَتِهِ لِلْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَثْنِيَتِهِ وَجَمْعِهِ وقال ابن الْمُنِيرِ في تَفْسِيرِهِ اللَّامُ تُفِيدُ الِاسْتِيعَابَ وَالْجَمْعِيَّةُ تُفِيدُ التَّعَدُّدَ وما كُلُّ تَعَدُّدٌ اسْتِيعَابًا فَإِنْ قُلْت أَلَيْسَ يَتَدَاخَلُ التَّعَدُّدُ وَالِاسْتِيعَابُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكْتَفِيَ بِالِاسْتِيعَابِ فَلَا يَحْتَاجُ مع لَامِ الْجِنْسِيَّةِ إلَى الْجَمْعِ قُلْت اُحْتِيجَ إلَى صِيغَةِ الْجَمْعِ لِقَطْعِ احْتِمَالِ التَّخْصِيصِ إلَى الْوَاحِدِ فَالْجِنْسُ الْعَامُّ الْمُفْرَدُ يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّصَ إلَى الْوَاحِدِ وَلَا يَجُوزُ في الْجَمْعِ الْعَامِّ الْجِنْسِ أَنْ يُخَصَّصَ إلَى الْوَاحِدِ بَلْ يَقِفُ جَوَازُ التَّخْصِيصِ عِنْدَ أَقَلِّ ذلك الْجَمْعِ وَلَك أَنْ تَقُولَ الرَّجُلُ أَفْضَلُ من الْمَرْأَةِ تَفْضِيلٌ لِلْجِنْسِ وَاحِدًا وَاحِدًا وَالرِّجَالُ أَفْضَلُ من النِّسَاءِ تَفْضِيلٌ لِلْجِنْسِ جَمَاعَةً جَمَاعَةً وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِغَرَضٍ يَخُصُّهُ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِثْبَاتِ وَأَمَّا في النَّفْيِ فَقَالُوا إنَّ قَوْله تَعَالَى لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ إنَّهُ لِلِاسْتِغْرَاقِ دُونَ الْجِنْسِ وَأَنَّ الْمَعْنَى لَا يُدْرِكُهُ كُلُّ بَصَرٍ وهو سَلْبُ الْعُمُومِ أَعْنِي نَفْيَ الشُّمُولِ فَيَكُونُ سَلْبًا جُزْئِيًّا وَلَيْسَ الْمَعْنَى لَا يُدْرِكُهُ شَيْءٌ من الْأَبْصَارِ لِيَكُونَ عُمُومُ السَّلْبِ أَيْ شُمُولُ النَّفْيِ لِكُلِّ وَاحِدٍ فَيَكُونُ سَلْبًا كُلِّيًّا كما أَنَّ الْجَمْعَ الْمُعَرَّفَ بِاللَّامِ في الْإِثْبَاتِ لِإِيجَابِ الْحُكْمِ لِكُلِّ فَرْدٍ فَكَذَلِكَ هو في النَّفْيِ لِسَلْبِ الْحُكْمِ عن كل فَرْدٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ فإن اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ إنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِجِوَارِ أَنْ يَكُونَ ذلك بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لِلْجِنْسِ وَالْجِنْسُ في النَّفْيِ يَعُمُّ وَبِأَنَّ الْآيَةَ الْأُولَى تَعُمُّ الْأَحْوَالَ وَالْأَوْقَاتِ وَبِأَنَّ الْإِدْرَاكَ بِالْبَصَرِ أَخَصُّ من الرُّؤْيَةِ فَلَا يَلْزَمُ من نَفْيِهِ نَفْيُهَا اسْمُ الْجَمْعِ إذَا دَخَلَتْهُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ وَأَمَّا اسْمُ الْجَمْعِ إذَا دَخَلَتْهُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لِلْجِنْسِ وَلِهَذَا لو حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ الناس حَنِثَ بِالْوَاحِدِ كما لو قال لَا آكُلُ الْخُبْزَ حَنِثَ بِبَعْضِهِ بِخِلَافِ ما لو قال لَا أُكَلِّمُ نَاسًا يُحْمَلُ على ثَلَاثَةٍ نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ في بَابِ الْأَيْمَانِ عن ابْنِ الصَّبَّاغِ وَغَيْرِهِ لَكِنْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ إلَّا بِجَمِيعِهِ وهو يَدُلُّ على أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْجَمْعِ في إفَادَةِ الِاسْتِغْرَاقِ وَظَاهِرُ كَلَامِ أبي الْحُسَيْنِ في الْمُعْتَمَدِ جَرَيَانُ خِلَافِ أبي هَاشِمٍ فيه فإنه جَعَلَ من صُوَرِ الْخِلَافِ لَفْظَ الناس
- وَجَعَلَ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ الْجَمْعَ مِمَّا يَعُمُّ بِصِيغَتِهِ وَمَعْنَاهُ وَهَذَا مِمَّا يَعُمُّ بِمَعْنَاهُ لَا بِصِيغَتِهِ أَقَلُّ ما يَدُلُّ عليه لَفْظُ الطَّائِفَةِ وَاسْتَثْنَى بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ من هذا الْقِسْمِ لَفْظَ الطَّائِفَةِ قال لِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ إلَّا على قِطْعَةٍ من شَيْءٍ وَاخْتُلِفَ في أَقَلَّ ما يُطْلَقُ عليه ذلك هل هو ثَلَاثَةٌ أو أَقَلُّ فَمِنْ حَيْثُ كان مَدْلُولُهَا الْقِطْعَةَ من الناس لم تَكُنْ عَامَّةً لِأَنَّ مَدْلُولَ الْعُمُومِ شُمُولٌ لِغَيْرِ مُتَنَاهٍ وَلَا مَحْصُورٍ قُلْت وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ في الْمُخْتَصَرِ على أَنَّ أَقَلَّ الطَّائِفَةِ ثَلَاثَةٌ فقال في بَابِ صَلَاةِ الْخَوْفِ وَالطَّائِفَةُ ثَلَاثَةٌ فَأَكْثَرُ وَأَكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِأَقَلَّ من طَائِفَةٍ انْتَهَى هذا نَصُّهُ وَاتَّفَقَ عليه الْأَصْحَابُ وَذَكَرُوا عن أبي بَكْرِ بن دَاوُد أَنَّهُ قال قَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَقَلُّ الطَّائِفَةِ ثَلَاثَةٌ خَطَأٌ لِأَنَّ الطَّائِفَةَ في اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ تُطْلَقُ على وَاحِدٍ أَمَّا في اللُّغَةِ فَحَكَى ثَعْلَبٌ عن الْفَرَّاءِ أَنَّهُ قال مَسْمُوعٌ من الْعَرَبِ أَنَّ الطَّائِفَةَ الْوَاحِدُ وَأَمَّا في الشَّرْعِ فَلِأَنَّ الشَّافِعِيَّ رضي اللَّهُ عنه احْتَجَّ في قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَلَوْلَا نَفَرَ من كل فِرْقَةٍ منهم طَائِفَةٌ فَحَمَلَ الطَّائِفَةَ على الْوَاحِدِ وقال تَعَالَى وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ من الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُرَادُ وَاحِدٌ وَأُجِيبُ بِأَجْوِبَةٍ أَشْهُرُهَا تَسْلِيمُ أَنَّ الطَّائِفَةَ يَجُوزُ إطْلَاقُهَا على الْوَاحِدِ فما فَوْقَهُ وَحَكَاهُ الْجَوْهَرِيُّ عن ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَهُ ابن قُتَيْبَةَ وابن فَارِسٍ في فِقْهِ الْعَرَبِيَّةِ وَإِنَّمَا أَرَادَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الطَّائِفَةَ في صَلَاةِ الْخَوْفِ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا تَكُونَ أَقَلَّ من ثَلَاثَةٍ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فإذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا من وَرَائِكُمْ وقال في الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لم يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَك وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ فَذَكَرَهُمْ بِلَفْظِ الْجَمْعِ في كل الْمَوَاضِعِ وَأَقَلُّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ وَثَانِيهِمَا أنها لَا تُطْلَقُ إلَّا على ثَلَاثَةٍ كما هو ظَاهِرُ النَّصِّ وَبِهِ صَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ من أَهْلِ اللُّغَةِ منهم الزَّمَخْشَرِيُّ فقال وَأَقَلُّهَا ثَلَاثَةٌ أو أَرْبَعَةٌ وَإِنَّمَا حَمَلَ الشَّافِعِيُّ الطَّائِفَةَ على الْوَاحِدِ في قَوْلِهِ فَلَوْلَا نَفَرَ من كل فِرْقَةٍ منهم طَائِفَةٌ بِالْقَرِينَةِ وَهِيَ حُصُولُ الْإِنْذَارِ بِالْوَاحِدِ كما حَمَلَهُ في الْأُولَى على الثَّلَاثَةِ بِقَرِينَةٍ وَهِيَ ضَمِيرُ الْجَمْعِ وقال الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ في كِتَابِهِ في الْأُصُولِ في الْكَلَامِ على أَقَلِّ الْجَمْعِ جاء أَنَّ الشَّافِعِيَّ يَذْهَبُ إلَى أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ وقال وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أنها تَقَعُ على الْوَاحِدِ
- كَالْقِطْعَةِ فَيُقَالُ هذه طَائِفَةٌ من هذا أَيْ قِطْعَةٌ منه قال وَذَهَبَ أَصْحَابُنَا إلَى أَنَّ الطَّائِفَةَ إنَّمَا تُطْلَقُ على الْقِطْعَةِ من الشَّيْءِ الْوَاحِدِ فَلَا يَكُونُ حِينَئِذٍ فيه دَلِيلٌ على الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ هذه طَائِفَةٌ من الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ فَأَمَّا إذَا أُطْلِقَ اسْمُهَا على جِنْسٍ كَالنَّاسِ وَالْحَيَوَانِ وَالْفِيلِ فَالْمَقْصُودُ بها الْجَمَاعَةُ كما يُقَالُ كان طَائِفَةٌ من الناس أَيْ جَمَاعَةٌ وَالْجَمَاعَةُ أَقَلُّهَا ثَلَاثَةٌ هذا كَلَامُهُ وقد اُخْتُلِفَ في دَلَالَةِ بَعْضِ أَفْرَادِ هذا النَّوْعِ كَالْقَوْمِ فإن بَعْضَهُمْ قال يَعُمُّ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ وَالصَّحِيحُ اخْتِصَاصُهُ بِالذُّكُورِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ من قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا منهم وَلَا نِسَاءٌ من نِسَاءٍ وَكَذَلِكَ الرَّهْطُ قال الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ إنَّهُ اسْمٌ لِمَا دُونَ الْعَشَرَةِ من الرِّجَالِ لَا يَكُونُ فِيهِمْ امْرَأَةٌ قال ابن سِيدَهْ الرَّهْطُ جَمْعٌ من ثَلَاثَةٍ إلَى عَشَرَةٍ وَكَذَلِكَ النَّفَرُ وَعَلَى هذا فَفِي عَدِّ هذه الْأَسْمَاءِ من صِيَغِ الْعُمُومِ نَظَرٌ اسْمُ الْجِنْسِ إذَا أُدْخِلَتْ عليه الْأَلِفُ وَاللَّامُ وَأَمَّا اسْمُ الْجِنْسِ بِأَقْسَامِهِ السَّابِقَةِ فإذا دَخَلَتْ عليه الْأَلِفُ وَاللَّامُ سَوَاءٌ الِاسْمُ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ أو الصِّفَةُ الْمُشْتَقَّةُ كَالضَّارِبِ وَالْمَضْرُوبِ وَالْقَائِمِ وَالسَّارِقِ وَالسَّارِقَةِ فَإِنْ كان لِلْعَهْدِ فَخَاصٌّ سَوَاءٌ الذِّكْرِيُّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى كما أَرْسَلْنَا إلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ أو الذِّهْنِيُّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ على يَدَيْهِ يقول يا لَيْتَنِي اتَّخَذْت مع الرَّسُولِ سَبِيلًا فإن اللَّامَ في الرَّسُولِ لِلْعَهْدِ وهو النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَإِنْ لم يَجْرِ له ذِكْرٌ في اللَّفْظِ وَإِنْ لم يُرَدْ بِهِ مَعْهُودٌ فَاخْتَلَفُوا فيه على أَقْوَالٍ أَحَدِهَا أَنَّهُ يُفِيدُ اسْتِغْرَاقَ الْجِنْسِ وَنُقِلَ عن نَصِّ الشَّافِعِيِّ في الرِّسَالَةِ والبويطي وَنَقَلَهُ أَصْحَابُهُ عنه في قَوْله تَعَالَى وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وهو كَذَلِكَ في الْأُمِّ من رِوَايَةِ الرَّبِيعِ وَيَدُلُّ عليه قَوْله تَعَالَى وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ إنْكَارًا على قَوْلِ عبد اللَّهِ بن أُبَيٍّ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ منها الْأَذَلَّ فَدَلَّ على أَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ الْمُعَرَّفِ يَعُمُّ وَلَوْلَا ذلك لَمَا تَطَابَقَ وَالْفُقَهَاءُ كَالْمُجْمِعِينَ عليه في اسْتِدْلَالِهِمْ بِنَحْوِ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي وهو الْحَقُّ لِأَنَّ الْجِنْسَ مَعْلُومٌ قبل دُخُولِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ فإذا دَخَلَتَا وَلَا مَعْهُودَ فَلَوْ لم يَجْعَلْهُ لِلِاسْتِغْرَاقِ لم يُفِدْ شيئا جَدِيدًا
- وقال الْأُسْتَاذ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ في التَّقْرِيبِ إنَّهُ الْمَذْهَبُ وَنَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ عن الْقَائِلِينَ بِالصِّيَغِ قال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ وهو قَوْلُ جُمْهُورِ الْأُصُولِيِّينَ وَكَافَّةِ الْفُقَهَاءِ وقال بِهِ أبو عبد اللَّهِ الْجُرْجَانِيُّ وَنَسَبَهُ لِأَصْحَابِهِ الْحَنَفِيَّةِ وقال الْقُرْطُبِيُّ إنَّهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ من الْفُقَهَاءِ وقال الْبَاجِيُّ إنَّهُ الصَّحِيحُ وَبِهِ قال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ وابن بَرْهَانٍ وابن السَّمْعَانِيِّ وَالْجُبَّائِيُّ وَنَصَرَهُ عبد الْجَبَّارِ وَصَحَّحَهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وابن الْحَاجِبِ وَنَقَلَهُ الْآمِدِيُّ عن الشَّافِعِيِّ وَالْأَكْثَرِينَ وَنَقَلَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ عن الْمُبَرِّدِ وَالْفُقَهَاءِ قُلْت وَنَصَّ عليه سِيبَوَيْهِ فإنه قال قَوْلُك شَرِبْت مَاءَ الْبَحْرِ مَحْكُومٌ بِفَسَادِهِ لِعَدَمِ الْإِمْكَانِ وَلَوْلَا اقْتِضَاؤُهُ الْعُمُومَ لَمَا جاء الْفَسَادُ لَكِنْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في أَنَّ الْعُمُومَ فيه من حَيْثُ اللَّفْظُ أو الْمَعْنَى على وَجْهَيْنِ حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ في التَّقْرِيبِ وابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ وَصَحَّحَ ابن السَّمْعَانِيِّ أَنَّهُ من حَيْثُ الْمَعْنَى وَكَأَنَّهُ لَمَّا قال وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فُهِمَ أَنَّ الْقَطْعَ من أَجْلِ السَّرِقَةِ وَصَحَّحَ سُلَيْمٌ أَنَّهُ من جِهَةِ اللَّفْظِ لِأَنَّ اللَّامَ إمَّا لِلْعَهْدِ وهو مَفْقُودٌ فَبَقِيَ أَنْ يَكُونَ لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ وَذَلِكَ مَأْخُوذٌ من اللَّفْظِ وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ لِإِفَادَتِهِ الْعُمُومَ أَنْ يَصْلُحَ أَنْ يَخْلُفَ اللَّامَ فيه كُلُّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى إنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ وَلِهَذَا صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ منه وَالثَّانِي أَنَّهُ يُفِيدُ تَعْرِيفَ الْجِنْسِ وَلَا يُحْمَلُ على الِاسْتِغْرَاقِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ عن أبي هَاشِمٍ وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْمِيزَانِ عن أبي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ النَّحْوِيِّ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وَأَتْبَاعُهُ وَحَكَى بَعْضُ شُرَّاحِ اللُّمَعِ عن الْجُبَّائِيُّ أَنَّهُ على الْعَهْدِ وَلَا يَقْتَضِي الْجِنْسَ قال وَحَقِيقَةُ هذا الْقَوْلِ أَنَّهُ إذَا لم يَعْرِفْ عَيْنَ الْمَعْهُودِ صَارَ مُجْمَلًا لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْمُرَادَ إلَّا بِتَفْسِيرٍ وَهَذَا صِفَةُ الْمُجْمَلِ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ يَصْلُحُ لِلْوَاحِدِ وَالْجِنْسِ وَلِبَعْضِ الْجِنْسِ وَلَا يُصْرَفُ إلَى الْكُلِّ إلَّا بِدَلِيلٍ وَحَكَاهُ الْغَزَالِيُّ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّهُ مُجْمَلٌ يُحْكَمُ بِظَاهِرِهِ وَيُطْلَبُ دَلِيلُ الْمُرَادِ بِهِ وَالرَّابِعُ التَّفْصِيلُ بين ما فيه الْهَاءُ وَبَيْنَ ما لَا هَاءَ فيه فما ليس فيه الْهَاءُ لِلْجِنْسِ عِنْدَ فِقْدَانِهَا وفي الْقِسْمِ الْآخَرِ التَّوَقُّفُ وَنَقَلَهُ الْإِبْيَارِيُّ عن إمَامِ الْحَرَمَيْنِ
- وقال إنَّهُ الصَّحِيحُ وَاَلَّذِي في الْبُرْهَانِ وَنَقَلَهُ عنه الْمَازِرِيُّ أَنَّهُ إنْ تَجَرَّدَ عن عَهْدٍ فَلِلْجِنْسِ نَحْوُ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي وَإِنْ لَاحَ عَدَمُ قَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ لِلْجِنْسِ فَلِلِاسْتِغْرَاقِ نَحْوُ الدِّينَارُ أَشْرَفُ من الدِّرْهَمِ وَإِنْ لم يَعْلَمْ هل خَرَجَ على عَهْدٍ أو إشْعَارٍ بِجِنْسٍ فَمُجْمَلٌ وَأَنَّهُ حَيْثُ يَعُمُّ لَا يَعُمُّ بِصِيغَةِ اللَّفْظِ وَإِنَّمَا ثَبَتَ عُمُومُهُ وَتَنَاوَلَهُ الْجِنْسُ بِحَالَةٍ مُقْتَرِنَةٍ معه مُشْعِرَةٍ بِالْجِنْسِ الْخَامِسُ التَّفْصِيلُ بين أَنْ يَتَمَيَّزَ لَفْظُ الْوَاحِدِ فيه عن الْجِنْسِ بِالتَّاءِ كَالتَّمْرِ وَالتَّمْرَةِ فإذا عُرِّيَ عن التَّاءِ اقْتَضَى الِاسْتِغْرَاقَ كَقَوْلِهِ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا تَبِيعُوا الْبُرَّ بِالْبُرِّ وَالتَّمْرَ بِالتَّمْرِ قال في الْمَنْخُولِ وَأَنْكَرَهُ الْفَرَّاءُ مُسْتَدِلًّا بِجَوَازِ جَمْعِهِ على تُمُورٍ وَرُدَّ بِأَنَّهُ جُمِعَ على اللَّفْظِ لَا الْمَعْنَى وَإِنْ لم تَدْخُلْ فيه التَّاءُ لِلتَّوْحِيدِ فَإِنْ لم يَتَشَخَّصْ مَدْلُولُهُ ولم يَتَعَدَّدْ كَالذَّهَبِ فَهُوَ لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ إذْ لَا يُعَبَّرُ عن أَبْعَاضِهِ بِالذَّهَبِ الْوَاحِدِ وَإِنْ تَشَخَّصَ مَدْلُولُهُ وَتَعَدَّدَ كَالدِّينَارِ وَالرَّجُلِ فَيَحْتَمِلُ الْعُمُومَ نَحْوُ لَا يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ وَيَحْتَمِلُ تَعْرِيفَ الْمَاهِيَّةِ وَلَا يُحْمَلُ على الْعُمُومِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَإِنَّمَا الْجِنْسُ قَوْلُك الدِّينَارُ أَفْضَلُ من الدِّرْهَمِ بِقَرِينَةِ التَّسْعِيرِ وَهَذَا التَّفْصِيلُ ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ في الْمُسْتَصْفَى والمنخول وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بن دَقِيقِ الْعِيدِ وَالْمَرِيسِيُّ وَنَازَعَهُ بَعْضُ الْمَغَارِبَةِ فِيمَا ذَكَرَهُ في الدِّينَارِ وَالرَّجُلِ وقال الْحَقُّ ما حَقَّقَهُ وهو في كِتَابِ مِعْيَارِ الْعِلْمِ في الِاسْمِ الْمُفْرَدِ إذْ دخل عليه الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِتَعْرِيفِ الْجِنْسِ فإنه أَطْلَقَ فيه اقْتِضَاءَهُ الِاسْتِغْرَاقَ بِمُجَرَّدِهِ وَلَا يَحْتَاجُ فيه إلَى قَرِينَةٍ زَائِدَةٍ وقال في الْمُسْتَصْفَى يُحْتَمَلُ كَوْنُهَا لِلْعَهْدِ أو الْجِنْسِ وَكَأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا وَهَذَا تَنَاقُضٌ قال وَالْعُمُومُ فيه غَيْرُ عُمُومِ الْحُكْمِ لِكُلِّ وَاحِدٍ فإن عُمُومَ الِاسْمِ الْمُفْرَدِ إنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَدُلُّ على مَعْنًى يَدْخُلُ تَحْتَهُ كَثْرَةٌ تَشْمَلُهُ وَيَصِحُّ أَنْ يُخْبِرَ بِهِ عن كل وَاحِدٍ منها وَهَذَا مَعْنَى كَوْنِ الْمُفْرَدِ كُلِّيًّا وَأَمَّا الْعُمُومُ الْآخَرُ وهو عُمُومُ الْحُكْمِ لِكُلِّ وَاحِدٍ فَلَا يَكُونُ إلَّا في قَوْلٍ كَخَبَرٍ أو أَمْرٍ أو نَهْيٍ مِثْلُ الْإِنْسَانُ في خُسْرٍ وَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ وَالْحُكْمُ في قَوْلِك خُسْرٍ وَكَذَلِكَ الْقَتْلُ في الْأَمْرِ انْتَهَى وَحَكَى الْإِمَامُ وابن الْقُشَيْرِيّ عن بَعْضِ الْقَائِلِينَ بِصِيَغِ الْعُمُومِ أَنَّ ما كان من أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ يُجْمَعُ كَالتَّمْرِ وَالتُّمُورِ فإن ذلك لَا يَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ لِأَنَّ ذلك إنَّمَا يُؤْخَذُ منه حَالَةُ
- الْجَمْعِ قال الْإِمَامُ وَهَذَا لَا حَاصِلَ له فإن الِاسْتِغْرَاقَ ثَابِتٌ في أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ وَيَرِدُ عليهم امْتِنَاعُ قَوْلِ الْقَائِلِ تَمْرٌ وَاحِدٌ وهو أَظْهَرُ من مُتَعَلِّقِهِمْ في الْجَمْعِ وقد قال سِيبَوَيْهِ النَّاقَةُ تُجْمَعُ على نُوقٍ ثُمَّ النُّوقُ تُجْمَعُ على نِيَاقٍ وَهُمَا من أَبْنِيَةِ الْكَثْرَةِ ثُمَّ يُجْمَعُ النِّيَاقُ على أَيْنُقْ هو وهو مَقْلُوبُ آنِقٍ أو أَنِيقً وَالْأَفْعَلُ من جَمْعِ الْقِلَّةِ ثُمَّ قال الْإِمَامُ وَالْحَقُّ أَنَّ التَّمْرَ أَقْعَدُ بِالْعُمُومِ من التُّمُورِ لِاسْتِرْسَالِهِ على الْآحَادِ لَا بِصِيغَةٍ لَفْظِيَّةٍ وَأَمَّا التُّمُورُ فإنه يَرِدُ إلَى تَخَيُّلِ الْوَحَدَاتِ ثُمَّ يَجِيءُ الِاسْتِغْرَاقُ بَعْدَهُ من صِيغَةِ الْجَمْعِ قال شَارِحُوهُ يُرِيدُ أَنَّ مُطْلَقَ لَفْظِ التَّمْرِ بِإِزَاءِ الْمَعْنَى الْمُشْتَمِلِ لِلْآحَادِ وَالتَّمْرُ يُلْتَفَتُ فيه إلَى الْوَاحِدِ فَلَا يَحْكُمُ فيه على الْحَقِيقَةِ بَلْ على أَفْرَادِهَا وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا قال تُمُورٌ فَقَدْ تَخَيَّلَ رَدَّهُ إلَى الْوَاحِدِ عِنْدَ إرَادَةِ الْجَمْعِ وَأَرَادَ دَلَالَتَهُ على الْجِنْسِ وَهِيَ غَيْرُ مُخْتَلَفٍ فيها وَصَيَّرَ دَلَالَةَ الْجِنْسِ إلَى لَفْظِ الْجَمْعِ الذي فيه خِلَافٌ وَقَوْلُهُ الْجَمْعُ يُرَدُّ إلَى تَخَيُّلِ الْوَحَدَاتِ يَنْبَغِي أَنْ يُضَافَ إلَيْهِ الْمَقْصُودَةُ وَإِلَّا فَاسْمُ الْجِنْسِ يَتَخَيَّلُ فيه الْوَحَدَاتِ لَكِنَّ آحَادَهُ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ بِخِلَافِ الْجَمْعِ وَتَمْثِيلُهُ بِالتَّمْرِ مُعَرَّفًا يُؤْخَذُ منه أَنَّ التَّمْرَ مُفْرَدٌ وَأَنَّ الْمُفْرَدَ الْمُعَرَّفَ بِاللَّامِ يَعُمُّ وقد اُخْتُلِفَ في التَّمْرِ هل هو اسْمُ جِنْسٍ لِأَنَّهُ تَمَيَّزَ بِهِ وَلَا تَمَيُّزَ إلَّا بِأَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ أو جَمْعُ تَمْرَةٍ يُفَرَّقُ بين وَاحِدِهِ وَجَمْعِهِ بِالتَّاءِ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ فإن التَّمْرَ لَا يَدُلُّ على أَفْرَادٍ مَقْصُودَةٍ بِالْعَدَدِ وَإِنَّمَا يُجْمَعُ إذَا قَصَدْت أَنْوَاعَهُ لَا أَفْرَادَهُ فَهُوَ في أَصْلِ وَضْعِهِ كَمَاءٍ وقد قَرَأَ ابن عَبَّاسٍ كُلٌّ آمَنَ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكِتَابِهِ وقال كِتَابُهُ أَكْثَرُ من كُتُبِهِ يُرِيدُ أَنَّ كِتَابَهُ يَنْصَرِفُ إلَى جِنْسِ كُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ فَدَلَالَتُهُ أَعَمُّ من كُتُبِهِ لِأَنَّ كُتُبَهُ جَمْعٌ قال الزَّمَخْشَرِيُّ لِأَنَّ الْكِتَابَ وَاحِدٌ نُحِيَ بِهِ نَحْوُ الْجِنْسِ فَهُوَ أَبْلَغُ في الْعُمُومِ من الْجَمْعِ فَمَعْنَاهُ مُفْرَدًا أَدَلُّ على الِاسْتِغْرَاقِ منه جَمْعًا وفي قَوْلِهِ نَحَّى بِهِ نحو اسْمِ الْجِنْسِ ما يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ غير اسْمِ الْجِنْسِ لِأَنَّ ما نُحِيَ بِهِ نَحْوُ الشَّيْءِ غَيْرُ ذلك الشَّيْءِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ يَرَى أَنَّ تَمْرًا اسْمُ جَمْعٍ لَا جَمْعٌ كَرَهْطٍ وَقَوْمٍ وهو قَوْلٌ فَفِي تَمْرٍ إذَنْ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ وقال في قَوْله تَعَالَى وَالْمَلَكُ على أَرْجَائِهَا إنَّ الْمَلَكَ أَعَمُّ من الْمَلَائِكَةِ وَذُكِرَ هذا الْمَعْنَى في مَوَاضِعَ وَاعْلَمْ أَنَّ هذا الْخِلَافَ نَظِيرُ الْخِلَافِ السَّابِقِ في الْأَلِفِ وَاللَّامِ الدَّاخِلَةِ على الْجَمْعِ وَيَزِيدُ هَاهُنَا مَذَاهِبُ أُخْرَى كما بَيَّنَّا
- وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ الدَّاخِلَةَ على الْمُفْرَدِ أو الْجَمْعِ تُفِيدُ الِاسْتِغْرَاقَ فِيهِمَا جميعا عِنْدَ مُعْظَمِ الْأُصُولِيِّينَ إلَّا إذَا كان مَعْهُودًا وَالثَّانِي أَنَّهُ لِمُطْلَقِ الْجِنْسِ فِيهِمَا لَا الِاسْتِغْرَاقِ وهو أَحَدُ قَوْلَيْ أبي هَاشِمٍ من الْمُعْتَزِلَةِ وَالثَّالِثُ وهو قَوْلُهُ الْآخَرُ إنَّهُ في الْمُفْرَدِ لِمُطْلَقِ الْجِنْسِ وفي الْجَمْعِ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ لَا لِلِاسْتِغْرَاقِ إلَّا بِدَلِيلٍ آخَرَ وقال الزَّمَخْشَرِيُّ إذَا دَخَلَتْ على الْمُفْرَدِ كان صَالِحًا لَأَنْ يُرَادَ بِهِ الْجِنْسُ إلَى أَنْ يُحَاطَ بِهِ وَأَنْ يُرَادَ بِهِ بَعْضُهُ إلَى الْوَاحِدِ منه وإذا دَخَلَتْ على الْجَمْعِ صَحَّ أَنْ يُرَادَ بِهِ جَمِيعُ الْجِنْسِ وَأَنْ يُرَادَ بِهِ بَعْضُهُ لَا إلَى الْوَاحِدِ وَهَذَا مَنْقُوضٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى لَا يَحِلُّ لَك النِّسَاءُ من بَعْدُ فإن الْحُرْمَةَ غَيْرُ مُتَوَقِّفَةٍ على الْجَمْعِ وقَوْله تَعَالَى فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَالصَّحِيحُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الْعَامَّةُ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى إنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ وَالْمُرَادُ بِهِ كُلُّ الْجِنْسِ بِدَلِيلِ اسْتِثْنَاءِ الْمُؤْمِنِينَ منه وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ لقد خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ إلَى قَوْلِهِ إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَقَوْلِهِ إنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إلَى قَوْلِهِ إلَّا الْمُصَلِّينَ وَاسْتِثْنَاءُ الْمُصَلِّينَ دَالٌّ على الِاسْتِغْرَاقِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ عليه السَّلَامُ الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ وَالْمُرَادُ بِهِ كُلُّ جِنْسِ الْحِنْطَةِ وَلَنَا في الْجَمْعِ قَوْله تَعَالَى يَأَيُّهَا الناس وَالْمُرَادُ بِهِ كُلُّ الْجِنْسِ وَكَذَا قَوْلُهُ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ وَالْمُرَادُ بِهِ الْكُلُّ وَالْمَعْقُولُ في الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مُطْلَقَ الْجِنْسِ كان مُسْتَفَادًا قبل دُخُولِ اللَّامِ وَلَا بُدَّ لِدُخُولِهَا من فَائِدَةٍ وَلَيْسَ ذلك إلَّا الِاسْتِغْرَاقَ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ الدَّاخِلَةَ على اسْمِ الْجِنْسِ إمَّا أَنْ يَقْصِدَ بها الْعَهْدَ فَلَا إشْكَالَ في عَدَمِ عُمُومِهِ وَإِمَّا أَنْ يَقْصِدَ بها تَعْرِيفَ اسْمِ الْجِنْسِ فَلَا إشْكَالَ في عُمُومِهِ وَإِمَّا أَنْ يُشْكِلَ الْحَالُ فَهَلْ يُحْمَلُ على الْعُمُومِ أو الْعَهْدِ خِلَافٌ وَالصَّحِيحُ التَّعْمِيمُ وَإِمَّا أَنْ يَقْصِدَ تَعْرِيفَ الْمَاهِيَّةِ أَيْ حَقِيقَةَ الْجِنْسِ مع قَطْعِ النَّظَرِ عن
- الْأَفْرَادِ فَهِيَ لِبَيَانِ الْحَقِيقَةِ وَمِنْهُ قَوْلُك الرَّجُلُ أَفْضَلُ من الْمَرْأَةِ قال ابن الْقُشَيْرِيّ في أُصُولِهِ هذا مِمَّا تَرَدَّدُوا فيه فَقِيلَ لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ وَقِيلَ لَا وَاخْتَارَ الْإِمَامُ التَّفْصِيلَ بين أَنْ يُعَرِّفَ هُنَا بِنَاءً على تَنْكِيرٍ سَابِقٍ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ اُقْتُلْ رَجُلًا ثُمَّ يَقُولَ اُقْتُلْ الرَّجُلَ فَلَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ فَإِنْ قَالَهُ ابْتِدَاءً فَلِلْجِنْسِ وَإِنْ لم يَدْرِ هل خَرَجَ تَعْرِيفًا لِنَكِرَةٍ سَابِقَةٍ أو إشْعَارًا بِالْجِنْسِ فَمَيْلُ الْمُعْظَمِ إلَى أَنَّهُ لِلْجِنْسِ وَالْحَقُّ عِنْدَنَا أَنَّهُ مُجْمَلٌ فإنه من حَيْثُ يَعُمُّ لَا يَعُمُّ بِصِيغَةِ اللَّفْظِ بَلْ لِاقْتِرَانِ حَالَةٍ مُشْعِرَةٍ بِالْجِنْسِ فإذا لم تُوجَدْ لم يُتَّجَهْ إلَى التَّوَقُّفِ وَإِمَّا أَنْ يَدْخُلَ لِلَمْحِ الصِّفَةِ كَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ أو لِلْغَلَبَةِ كَالنَّجْمِ لِلثُّرَيَّا فَلَا إشْكَالَ في عَدَمِ عُمُومِهَا كَغَيْرِهَا من الْأَعْلَامِ تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ قال الشَّافِعِيُّ في الْأُمِّ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ احْتِمَالَانِ عَامًّا وَمُجْمَلًا بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ وَتَرَدَّدَا بَيْنَهُمَا وَمِنْ الْعَامِّ الذي أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ وَعَامًّا في كل بَيْعٍ إلَّا ما نَهَتْ عنه السُّنَّةُ وَفِيهِ سُؤَالَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قد يُشْكِلُ الْفَرْقُ بين الِاحْتِمَالِ الْأَخِيرِ وَالْأَوَّلِ قال ابن التِّلِمْسَانِيِّ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ في الْفَرْقِ إنَّ الْأَوَّلَ على تَقْدِيرِ أَنَّ لِلشَّارِعِ عُرْفًا في الْأَسْمَاءِ وإذا كان لِلشَّارِعِ عُرْفٌ في الْبَيْعِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فَمَتَى وَرَدَ الِاسْمُ منه صُرِفَ إلَى عُرْفِهِ فَقَوْلُهُ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ يَتَنَاوَلُ ذلك الْمُسَمَّى الشَّرْعِيَّ وَيَنْدَرِجُ فيه كُلُّ نَوْعٍ من أَنْوَاعِهِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَا تَخْصِيصَ فيه وَلَا اسْتِثْنَاءَ وَأَمَّا الْأَخِيرُ فَعَلَى قَوْلِنَا إنَّ الشَّارِعَ لم يُغَيِّرْ الْأَسْمَاءَ وَإِنَّمَا اسْتَعْمَلَهَا في مَوْضُوعِهَا اللُّغَوِيِّ فَيَكُونُ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ أَيْ كُلُّ ما يُسَمَّى بَيْعًا لُغَةً إلَّا ما نُهِيَ عنه على لِسَانِ نَبِيِّهِ عليه السَّلَامُ أو كان في مَعْنَاهُ فَهُوَ عَامٌّ بِطَرِيقِ التَّخْصِيصِ إلَيْهِ ثُمَّ يَتَرَجَّحُ احْتِمَالُ الِاسْتِغْرَاقِ في الْآيَةِ فإنه لَا يَتَوَقَّفُ على تَوَقُّفِهِ وَأَنَّ الْإِجْمَاعَ على خِلَافِ الْأَصْلِ الثَّانِي أَنَّ الشَّافِعِيَّ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ في آيَةِ الْبَيْعِ على أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ وَاخْتَلَفَ في قَوْلِهِ في آيَةِ الزَّكَاةِ وَهِيَ قَوْلُهُ وَآتُوا الزَّكَاةَ إلَى قَوْلَيْنِ
- أَحَدِهِمَا أنها عَامَّةٌ خَصَّصَتْهَا السُّنَّةُ وَالثَّانِي مُجْمَلَةٌ بَيَّنَتْهَا السُّنَّةُ وَهُمَا من جِهَةِ اللَّفْظِ وَالتَّعْرِيفِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ وَاحِدٌ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُفْرَدٌ مُشْتَقٌّ مُعَرَّفٌ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فَإِنْ عَمَّ من حَيْثُ اللَّفْظُ فَلْيَعُمَّ في الْآيَتَيْنِ وَإِنْ عَمَّ من حَيْثُ الْمَعْنَى فَلْيَعُمَّ فِيهِمَا وَإِنْ لم يَعُمَّ من حَيْثُ اللَّفْظُ وَلَا من حَيْثُ الْمَعْنَى فَلْيَكُنْ ذلك في الْآيَتَيْنِ مع أَنَّ الصَّحِيحَ في آيَةِ الْبَيْعِ الْعُمُومُ وفي آيَةِ الزَّكَاةِ الْإِجْمَالُ وَالسِّرُّ في ذلك أَنَّ حِلَّ الْبَيْعِ على وَفْقِ الْأَصْلِ من حَيْثُ إنَّ الْأَصْلَ في النَّافِعِ الْحِلُّ وفي الْمَضَارِّ الْحُرْمَةُ بِأَدِلَّةٍ شَرْعِيَّةٍ فَمَهْمَا حُرِّمَ الْبَيْعُ فَهُوَ على خِلَافِ الْأَصْلِ وَأَمَّا الزَّكَاةُ فَهِيَ على خِلَافِ الْأَصْلِ لِتَضَمُّنِهَا أَخْذَ مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إرَادَتِهِ فَوُجُوبُهَا على خِلَافِ الْأَصْلِ ثُمَّ الْأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ في الْبَابَيْنِ نَاظِرَةٌ إلَى هذا الْمَعْنَى فَلِذَلِكَ اعْتَنَى عليه السَّلَامُ بِبَيَانِ الْمَبِيعَاتِ الْفَاسِدَةِ كَالنَّهْيِ عن بَيْعِ حَبَلِ الْحُبْلَةِ وَالْمَضَامِينِ وَالْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ ولم يَعْتَنِ بِبَيَانِ الْمَبِيعَاتِ الصَّحِيحَةِ وَأَمَّا في الزَّكَاةِ فإنه عليه السَّلَامُ اعْتَنَى بِبَيَانِ ما يَجِبُ فيه الزَّكَاةُ ولم يَعْتَنِ بِبَيَانِ ما لَا يَجِبُ فيه الزَّكَاةُ فَمَنْ ادَّعَى الزَّكَاةَ في شَيْءٍ مُخْتَلَفٍ فيه كَالرَّقِيقِ وَالْخَيْلِ فَقَدْ ادَّعَى حُكْمًا على خِلَافِ الدَّلِيلِ وَأَمَّا تَرَدُّدُ الشَّافِعِيِّ في آيَةِ الْبَيْعِ هل الْمُخَصِّصُ أو الْمُبَيِّنُ لها الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ دُونَ الزَّكَاةِ فَلِأَنَّهُ عَقَّبَ حِلَّ الْبَيْعِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَحَرَّمَ الرِّبَا وَالرِّبَا من أَنْوَاعِ الْبَيْعِ اللُّغَوِيَّةِ ولم يُعَقِّبْ الزَّكَاةَ بِشَيْءٍ الثَّالِثُ عن هذا الْخِلَافِ نَشَأَ الْخِلَافُ في مَعْنَى الْحَمْدِ فقال عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ جَمِيعُ الْمَحَامِدِ لِلَّهِ لِأَنَّ اللَّامَ لِلِاسْتِغْرَاقِ وقال الْمُعْتَزِلَةُ ما يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ من الْحَمْدُ بِحَسْبِهِ فَهُوَ لِلَّهِ لِأَنَّ اللَّامَ لِمُطْلَقِ الْجِنْسِ وَلِهَذَا قال الزَّمَخْشَرِيُّ وَمَعْنَاهُ الْإِشَارَةُ إلَى ما يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ من الْحَمْدِ ما هو وما قِيلَ من أَنَّ اللَّامَ في الْحَمْدِ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ لِلْعَهْدِ فَذَلِكَ كَلَامٌ بِلَا أَسَاسٍ لِأَنَّهُ لم يَصِحَّ عَنْهُمْ هذا النَّقْلُ بَلْ قالوا إنَّ اللَّامَ فيه لِمُطْلَقِ الْجِنْسِ وَبِهَذَا ظَهَرَ تَقْرِيرُ قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ أَنَّ الِاسْتِغْرَاقَ الذي قَالَهُ كَثِيرٌ من الناس وَهَمٌ منهم الرَّابِعُ حَكَى الْقَرَافِيُّ عن الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ أَنَّهُ اسْتَشْكَلَ على هذه الْقَاعِدَةِ بِقَوْلِ الْقَائِلِ الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي فإنه لَا يَلْزَمُهُ إلَّا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ بِنَاءً على أَنَّهُ الْتِزَامُ أَصْلِ الطَّلَاقِ وَعَلَى قِيَاسِ الْقَاعِدَةِ يَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ وَأَجَابَ بِأَنَّ هذا نَقْلٌ عن مُسَمَّاهُ اللُّغَوِيِّ
- إلَى الْعُرْفِ فَنَقْلُ الْعُرْفِ الْأَلِفَ وَاللَّامَ عن الْعُمُومِ إلَى حَقِيقَةِ الْجِنْسِ في الطَّلَاقِ خَاصَّةٌ لِدَلِيلٍ وَبَقِيَ على عُمُومِهِ في غَيْرِ هذا الْبَابِ وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِأَنَّ الطَّلَاقَ حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ لَا أَفْرَادَ له وَلَكِنْ له مَرَاتِبُ مُشْتَرَكَةٌ في قَطْعِ عِصْمَةِ النِّكَاحِ فَحُمِلَ على أَدْنَى الْمَرَاتِبِ الْخَامِسُ قال الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ سُورَةِ الْحُجُرَاتِ لَامُ الْجِنْسِ تُخَصِّصُ جِنْسًا من سَائِرِ الْأَجْنَاسِ كَ لَامِ الْعَهْدِ تُخَصِّصُ وَاحِدًا من الْآحَادِ وَلَا يَكُونُ تَخْصِيصٌ ما لم يَكُنْ عُمُومٌ أو تَقْدِيرُهُ فَتَقُولُ إنْ زَارَك الصَّدِيقُ أَيْ من صِفَتُهُ الصَّدَاقَةُ خَاصَّةً دُونَ الْعَدُوِّ وَمَنْ ليس بِصَدِيقٍ وَلَا عَدُوٍّ فَإِنْ نُكِّرَتْ زَالَ هذا التَّخْصِيصُ وَانْقَلَبَ إلَى مَعْنَى الشِّيَاعِ في كل صَدِيقٍ قال فَقَوْلُنَا رَجُلٌ فَاسِقٌ هو بَعْضٌ من شِيَاعِهِ وَلَيْسَ فيه إفْرَازُ الْفَاسِقِ من الْعَدْلِ وَلَا قَصَدَ إلَى ذلك وَإِنَّمَا كان يَقْصِدُ إلَيْهِ لو دَخَلَتْ اللَّامُ فإن التي تُمَيِّزُ الْجِنْسَ مِمَّا سِوَاهُ وَالصِّفَةُ إنَّمَا تَقْتَضِي الشِّيَاعَ وَالْكَلَامُ في التَّعْرِيفِ وَالتَّنْكِيرِ أَدَقُّ من الدَّقِيقِ وَأَمَّا الْمُثَنَّى فقال الْقَرَافِيُّ هو كَالْجَمْعِ في الْعُمُومِ ثُمَّ قال لَا يُفْهَمُ الْعُمُومُ من إضَافَةِ التَّثْنِيَةِ في شَيْءٍ من الصُّوَرِ سَوَاءٌ كان الْفَرْدُ يَعُمُّ أَمْ لَا فإذا قال عَبْدَايَ حُرَّانِ لم يَتَنَاوَلْ غَيْرَهُمَا وَكَذَلِكَ مَالَايَ فَالْفَهْمُ عن الْعُمُومِ في التَّثْنِيَةِ بِخِلَافِ الْجَمْعِ وَالْفَرْدِ انْتَهَى وَالْإِضَافَةُ وَالتَّعْرِيفُ سَوَاءٌ وَكَلَامُهُ الْأَوَّلُ لَا يَجْتَمِعُ مع الثَّانِي وَسَيَأْتِي فيه مَزِيدٌ في الْإِضَافَةِ تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ الْعُمُومُ مِمَّا ذَكَرْنَا مُخْتَلِفٌ فَالدَّاخِلُ على اسْمِ الْجِنْسِ يَعُمُّ الْأَفْرَادَ أَعْنِي كُلَّ فَرْدٍ فَرْدٍ وَالدَّاخِلُ على الْجَمْعِ يَعُمُّ الْجُمُوعَ لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ تَعُمُّ أَفْرَادَ ما دَخَلَا عليه وقد دَخَلَا على جَمْعٍ فَتَفَطَّنْ له وَفَائِدَتُهُ أَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الِاسْتِدْلَال بِهِ في النَّفْيِ وَالنَّهْيِ على ثُبُوتِ الْحُكْمِ لِفَرْدٍ لِأَنَّهُ إنَّمَا حَصَلَ النَّفْيُ وَالنَّهْيُ عن كل فَرْدٍ وَلَا قَرِينَةَ تَنْفِي كُلَّ فَرْدٍ وَهَذَا لَا يُعَارِضُ ما تَقَدَّمَ من أَنَّ الْعُمُومَ من بَابِ الْكُلِّيَّةِ لِأَنَّ كُلِّيَّةَ الْجَمْعِ هِيَ أَفْرَادُ الْمَجْمُوعِ لَا كُلُّ فَرْدٍ من أَفْرَادِ كل جَمْعٍ وَيَنْبَغِي على مَسَاقِ هذا التَّقْدِيرِ أَنْ تَخْتَلِفَ الْجُمُوعُ فَتَشْمَلَ جُمُوعَ الْقِلَّةِ ثَلَاثَةً ثَلَاثَةً وَلَا تَشْمَلُ جُمُوعُ الْكَثْرَةِ إلَّا أَحَدَ عَشَرَ أَحَدَ عَشَرَ وَهَذَا التَّقْدِيرُ مُشْكِلٌ على اسْتِدْلَالِ الْعُلَمَاءِ بِهَذِهِ الصِّيَغِ على كل فَرْدٍ فَرْدٍ
- وقد أَجَابَ عنه الْقَرَافِيُّ بِأَنَّ الْعَرَبَ وَضَعَتْ التَّعْرِيفَ الْجِنْسِيَّ لِاسْتِغْرَاقِ جَمِيعِ أَفْرَادِ ما دخل عليه سَوَاءٌ كان مُفْرَدًا أو جَمْعًا في إثْبَاتٍ أو نَفْيٍ وَهَذَا لَا يُجْدِي لِأَنَّ النِّزَاعَ فيه وَالْخَصْمُ يقول إنَّمَا يَدُلُّ على أَفْرَادِ الْجُمُوعِ لَا على فَرْدٍ فَرْدٍ وقد يُقَالُ إنَّ قَرِينَةَ الْعُمُومِ الِاسْتِغْرَاقِيِّ هُنَا اقْتَضَتْ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٌ من الْآحَادِ لَا من مَرَاتِبِ الْجُمُوعِ لِأَنَّ ذلك أَقْوَى في دَلَالَةِ الْعُمُومِ الْكُلِّيَّةِ وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعَانِي إلَى أَنَّ اسْتِغْرَاقَ اسْمِ الْجِنْسِ الْمُفْرَدِ لِمَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ أَقْوَى من اسْتِغْرَاقِ الْجَمْعِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَصْدُقُ قَوْلُ الْقَائِلِ لَا رَجُلَ في الدَّارِ إذْ كان فيها وَاحِدٌ أو اثْنَانِ وَيَصْدُقُ حِينَئِذٍ قَوْلُهُ لَا رِجَالَ في الدَّارِ وَهَذَا إنَّمَا جاء في جَانِبِ النَّفْيِ أَمَّا في حَالَةِ الْإِثْبَاتِ مع التَّعْرِيفِ الْجِنْسِيِّ فَالشُّمُولُ في كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَكِنَّ طَرِيقَهُ مُخْتَلِفٌ كما سَبَقَ نَقْلُهُ عن إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَصَرَّحَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْله تَعَالَى وَكُتُبِهِ وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْكِتَابُ أَكْثَرُ من الْكُتُبِ وَقَرَّرَهُ ابن الْمُنِيرِ بِأَنَّ الْمُفْرَدَ يَدُلُّ على أَفْرَادِ جِنْسِهِ كُلِّهَا لَا بِصِيغَةٍ لَفْظِيَّةٍ بَلْ بِمَعْنَاهُ وَمَوْضُوعِهِ وَأَمَّا في الْجَمْعِ فإنه يُرَدُّ أَوَّلًا إلَى تَخَيُّلِ الْوَحَدَاتِ ثُمَّ يَحْصُلُ الِاسْتِغْرَاقُ بَعْدَ ذلك من صِيَغِ الْجَمْعِ فَكَانَ الْأَوَّلُ أَقْوَى الثَّانِي أَنَّ الْأُصُولِيِّينَ على أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِلْعُمُومِ وَأَطْبَقَ الْمَنْطِقِيُّونَ على أَنَّ نحو قَوْلِنَا الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ قَضِيَّةٌ مُهْمَلَةٌ في قُوَّةِ الْجُزْئِيَّةِ وقد تَكَلَّمَ الْغَزَالِيُّ في كِتَابِهِ مِعْيَارِ الْعِلْمِ على وَجْهِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فقال اعْلَمْ أَنَّهُ إنْ ثَبَتَ الِاسْتِغْرَاقُ من لُغَةِ الْعَرَبِ وَجَبَ طَلَبُ الْمُهْلَةِ من لُغَةٍ أُخْرَى وَإِنْ لم يَثْبُتْ فَهُوَ مُهْمَلٌ إذْ يَحْتَمِلُ الْكُلَّ وَيَحْتَمِلُ الْجُزْءَ وَيَكُونُ قُوَّةُ الْمُهْمَلِ قُوَّةَ الْجُزْءِ لِأَنَّهُ بِالضَّرُورَةِ يَشْتَمِلُ عليه وَأَمَّا الْعُمُومُ فَمَشْكُوكٌ فيه وَلَيْسَ من ضَرُورَةِ ما يَصْدُقُ جُزْئِيًّا أَنْ لَا يَصْدُقَ كُلِّيًّا انْتَهَى وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ سَلِمَ الِاسْتِغْرَاقُ لَزِمَ أَنَّهُ ليس في لُغَةِ الْعَرَبِ مُهْمَلٌ وَطَلَبَ ذلك من لُغَةٍ أُخْرَى إذْ ليس بَحْثُ الْمَنْطِقِيِّينَ قَاصِرًا على لُغَةٍ دُونَ لُغَةٍ وَإِنْ مُنِعَ الِاسْتِغْرَاقُ بِنَاءً على أنها كما تَأْتِي في لُغَةِ الْعَرَبِ لِلْعُمُومِ تَأْتِي لِلْخُصُوصِ كَالْعَهْدِ فَثَبَتَ أَنَّهُ يُرَادُ بها الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ بِاعْتِبَارَيْنِ فَلَا يَكُونُ بِمَعْنَى كُلٍّ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ لَفْظَ الْإِهْمَالِ إذَا أُطْلِقَ فَلَا يُفْهَمُ منه تَعْمِيمٌ وَلَا تَخْصِيصٌ إلَّا بِقَرِينَةٍ وَلَوْ كان يَدُلُّ على الْعُمُومِ وَيُقَابِلُ التَّنْوِينَ لِلتَّنْكِيرِ في الدَّلَالَةِ على الْخُصُوصِ لَكَانَ قَوْلُنَا الْإِنْسَانُ لَا يَدُلُّ على الْوَاحِدِ أَلْبَتَّةَ وَقَوْلُنَا إنْسَانٌ لَا يَتَنَاوَلُ الشِّيَاعَ وَكِلَاهُمَا بَاطِلٌ وَأَخْذُ الْأَلِفِ وَاللَّامِ بِمَعْنَى أنها سُوَرٌ هو الْمُغَلَّطُ فإن الْقَضِيَّةَ إذَا ذُكِرَتْ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ صَدَقَتْ في بَعْضٍ ما وإذا قُرِنَ
- بِهِ لَفْظُ السُّوَرِ كَذَبَتْ وَالسُّوَرُ الْكُلِّيَّةُ إنَّمَا تَدُلُّ على كُلِّيَّةِ الْحُكْمِ الْمَوْضُوعِ لَا على كُلِّيَّةِ الْمَحْمُولِ الثَّالِثُ أَجْمَعَ النُّحَاةُ بِأَنَّ أَلْ تَأْتِي لِتَعْرِيفِ الْحَقِيقَةِ وَالِاسْتِغْرَاقِ وَيَلْزَمُ عليه تَعْرِيفُ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ لِأَنَّهُمْ إمَّا أَنْ يُرِيدُوا تَعْرِيفَ الْحَقِيقَةِ من حَيْثُ هِيَ هِيَ أَيْ لو بِقَيْدِ وُجُودِهَا ذِهْنًا أو خَارِجًا فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ أَسْمَاءُ الْأَجْنَاسِ مَعَارِفَ كما قُلْنَا وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ أو تَعْرِيفَهَا من حَيْثُ وُجُودُهَا في الذِّهْنِ أو في الْخَارِجِ فَحِينَئِذٍ هِيَ الِاسْتِغْرَاقُ فَلَا فَرْقَ وَإِذْ قد تَعَذَّرَ هذا فَالْأَوْلَى ما قَالَهُ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ أَلْ لِتَعْرِيفِ الْعَهْدِ خَاصَّةً حَيْثُمَا وَرَدَتْ فَحَيْثُ يُقَالُ هذه لِلْحَقِيقَةِ قُلْنَا لِلْعَهْدِ بِوَاسِطَةِ التَّهَكُّمِ أو غَيْرِهِ وَحَيْثُ قِيلَ لِلِاسْتِغْرَاقِ قُلْنَا لِلْعَهْدِ لَكِنَّ الصَّحِيحَ خِلَافُ هذا الْقَوْلِ لِمَا سَبَقَ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ الْإِضَافَةُ هِيَ من مُقْتَضَيَاتِ الْعُمُومِ كَالْأَلِفِ وَاللَّامِ وَلِهَذَا عَاقَبَتْهَا فَإِنْ دَخَلَتْ على جَمْعٍ أَفَادَتْ الْعُمُومَ سَوَاءٌ كان جَمْعَ تَصْحِيحٍ أو جَمْعَ تَكْسِيرٍ كَذَا قالوا وفي تَعْمِيمِ أَبْنِيَةِ جَمْعِ التَّكْسِيرِ الْأَرْبَعَةِ التي لِلْقِلَّةِ نَظَرٌ كما لو قال أَعْبُدِي أَحْرَارٌ وَلَهُ عَبِيدٌ كَثِيرُونَ أَزْيَدُ من الْعَشَرَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ فيه ما سَبَقَ في الْأَلِفِ وَاللَّامِ من الْخِلَافِ وَأَمَّا اسْمُ الْجَمْعِ فَكَذَلِكَ وَأَمَّا اسْمُ الْجِنْسِ فَكَذَاك وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إنَّا رسول رَبِّ الْعَالَمِينَ وَقَوْلُهُ فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ وَقَوْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم مَنَعَتْ الْعِرَاقُ دِرْهَمَهَا وَدِينَارَهَا وَمَنَعَتْ الشَّامُ قَفِيزَهَا وَصَاعَهَا وَلِهَذَا لو حَلَفَ لَيَشْرَبَن مَاءَ هذا الْبِئْرِ فإنه يَحْنَثُ في الْحَالِ على الْأَصَحِّ لِأَنَّ لَفْظَهُ يَقْتَضِي جَمِيعَ مَائِهِ وَذَلِكَ مُحَالٌ فَكَانَ كَقَوْلِهِ لَأَصْعَدَن إلَى السَّمَاءِ وَقِيلَ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّ الْعُرْفَ حَمَلَهُ على التَّبْعِيضِ وهو مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَفَصَلَ الْقَرَافِيُّ بين أَنْ يَصْدُقَ على الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ نَحْوُ مَالِي صَدَقَةٌ فَيَعُمُّ وَبَيْنَ أَنْ يَصْدُقَ على الْجِنْسِ بِقَيْدِ الْوَحْدَةِ فَلَا يَعُمُّ نَحْوُ عَبْدِي حُرٌّ وَامْرَأَتِي طَالِقٌ قال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ وقد أَشَارَ إلَيْهِ أبو عَمْرِو بن الْحَاجِبِ إشَارَةً لَطِيفَةً يَعْنِي في مُخْتَصَرِهِ الْكَبِيرِ حَيْثُ ذَكَرَ صِيَغَ الْعُمُومِ وَذَكَرَ أَسْمَاءَ الشَّرْطِ وَالِاسْتِفْهَامِ وَالْمَوْصُولَاتِ وَالْجُمُوعِ الْمُعَرَّفَةَ تَعْرِيفَ الْجِنْسِ وما في مَعْنَاهَا وَاسْمَ الْجِنْسِ الْمُعَرَّفَ تَعْرِيفَ الْجِنْسِ وَالْمُضَافَ لِمَا يَصْلُحُ لِلْبَعْضِ وَالْجَمِيعِ فَقَوْلُهُ لِمَا يَصْلُحُ إلَخْ
- يَقْتَضِي التَّقَيُّدَ بِمَا سَبَقَ وَهَذَا التَّفْصِيلُ لَعَلَّ الْقَرَافِيَّ أَخَذَهُ من تَفْصِيلِ الْغَزَالِيِّ السَّابِقِ في اسْمِ الْجِنْسِ إذْ دَخَلَتْهُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَ فَخْرَ الدِّينِ في أَثْنَاءِ الِاسْتِدْلَالِ على أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ صَرَّحَ بِأَنَّ الْمُفْرَدَ الْمُضَافَ يَعُمُّ مع اخْتِيَارِهِ بِأَنَّ الْمُعَرَّفَ بِأَلْ لَا يَعُمُّ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْإِضَافَةَ أَدَلُّ على الْعُمُومِ من الْأَلِفِ وَاللَّامِ كما ذَكَرَهُ في تَفْسِيرِهِ ولم يَقِفْ الْهِنْدِيُّ على نَقْلٍ في ذلك فقال في النِّهَايَةِ وَكَوْنُ الْمُفْرَدِ الْمُضَافِ لِلْعُمُومِ وَإِنْ لم يَكُنْ مَنْصُوصًا لهم لَكِنَّ قَضِيَّةَ التَّسْوِيَةِ بين الْإِضَافَةِ وَلَامِ التَّعْرِيفِ تَقْتَضِي الْعُمُومَ وَالْحَقُّ أَنَّ عُمُومَ الْإِضَافَةِ أَقْوَى وَلِهَذَا لو حَلَفَ لَا يَشْرَبُ الْمَاءَ حَنِثَ بِشُرْبِ الْقَلِيلِ لِعَدَمِ تَنَاهِي أَفْرَادِهِ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءَ الْبَحْرِ لَا يَحْنَثُ إلَّا بِكُلِّهِ وَهَاهُنَا دَقِيقَةٌ وَهِيَ أَنَّ الْعُمُومَ فِيمَا ذَكَرْنَا مُخْتَلِفٌ فَالْمُفْرَدُ الْمُضَافُ يَعُمُّ مَرَاتِبَ الْآحَادِ وَأَمَّا الْجَمْعُ الْمُضَافُ فَهَلْ يَعُمُّ مَرَاتِبَ الْجُمُوعِ أو الْآحَادِ على قَوْلَيْنِ مَبْنِيَّيْنِ على أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْوَاحِدُ أو الْجِنْسُ وَأَمَّا الْمُثَنَّى الْمُضَافَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَأَصْلِحُوا بين أَخَوَيْكُمْ فَإِنْ قَدَّرْت الْإِضَافَةَ دَاخِلَةً على الْمُثَنَّى بَعْدَ التَّثْنِيَةِ كان مَعْنَاهَا التَّعْمِيمَ في كل فَرْدٍ من الْإِخْوَةِ وَإِنْ قَدَّرْت التَّثْنِيَةَ دَاخِلَةً بَعْدَ الْإِضَافَةِ كان مَعْنَاهَا تَثْنِيَةَ الْجِنْسَيْنِ الْمُضَافَيْنِ وَإِنْ كان الْجِنْسُ لَا يُثَنَّى وَالْعَامُّ لَا يُثَنَّى لِاسْتِغْرَاقِهِ لَكِنَّهُ لَمَّا امْتَازَ بِنَوْعٍ من الشِّقَاقِ جَازَ ذلك وقد سَبَقَ كَلَامُ الْقَرَافِيِّ فيه فَرْعٌ كان له أَرْبَعُ زَوْجَاتٍ فقال زَوْجَتِي طَالِقٌ وَقَعَ على وَاحِدَةٍ وَعَلَيْهِ الْبَيَانُ قَالَهُ الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ تَطْلُقُ الْأَرْبَعُ لِأَنَّ لَفْظَ الْوَاحِدِ في الْأَيْمَانِ قد يُعَبَّرُ بِهِ عن الْجِنْسِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ وَأَرَادَ لَيَالِيَ الصِّيَامِ وَأَجَابَ بِأَنَّهُ مَجَازٌ وَالْكَلَامُ يُحَالُ على الْحَقِيقَةِ ما أَمْكَنَ وهو إنَّمَا أَوْقَعَ الطَّلَاقَ على وَاحِدَةٍ فَلَا يَقَعُ على الْجَمَاعَةِ قُلْت وَهَذَا الْفَرْعُ مُخَالِفٌ لِتَعْمِيمِ الْمُضَافِ وَيُجَابُ عنه بِمَا سَبَقَ في الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي من أَنَّ الْأَصْلَ فيه التَّعْمِيمُ وَإِنَّمَا خَصَّ هذه الصُّورَةَ وَأَمْثَالَهَا بِنَقْلِ الْعُرْفِ لها عن مَوْضُوعِهَا اللُّغَوِيِّ بِدَلِيلِ ما لو قال مَالِي صَدَقَةٌ فإنه يَعُمُّ وَمِنْ ثَمَّ
- اسْتَدَلَّ على إبَاحَةِ السَّمَكِ الطَّافِي من قَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم الْحِلُّ مِيتَتُهُ تَنْبِيهٌ الْبَعْضُ وَنَحْوُهُ من الْجُزْءِ وَالنِّصْفِ وَالثُّلُثِ إذَا أُضِيفَ لَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ وَإِلَّا لَكَانَ قام بَعْضُ الرِّجَالِ مِثْلَ قام كلهم كَذَا قال بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ وَيَنْبَغِي تَخْصِيصُ هذا بِبَعْضِ الْمُحَالِ وهو إذَا لم تَدْعُ إلَى الْعُمُومِ ضَرُورَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ على بَعْضٍ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ أَفْضَلَ من الْآخَرِ فَإِنْ دَعَتْ كان لِلْعُمُومِ وهو حِينَئِذٍ بِالْقَرِينَةِ لَا بِالْإِضَافَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ثُمَّ يوم الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فإنه عَامٌّ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وقَوْله تَعَالَى فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ فإن يَتَسَاءَلُونَ يَدُلُّ على أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ كَذَلِكَ وقَوْله تَعَالَى اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فإن كُلَّ وَاحِدٍ عَدُوُّ الْآخَرِ أَلَا تَرَى أَنَّك لو قُلْت كُلُّكُمْ لِكُلٍّ عَدُوٌّ صَحَّ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا وَيَنْبَغِي النَّظَرُ في مَوْضُوعِ اللَّفْظِ وَفَائِدَةُ هذا فِيمَا يَجُوزُ فيه الْأَمْرَانِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ النَّكِرَةُ في سِيَاقِ النَّفْيِ النَّكِرَةُ في سِيَاقِ النَّفْيِ بِمَا أو لَنْ أو لم أو ليس وَسَوَاءٌ دخل حَرْفُ النَّفْيِ على فِعْلٍ نَحْوُ ما رَأَيْت رَجُلًا أو على اسْمٍ نَحْوُ لَا رَجُلَ في الدَّارِ وَسَوَاءٌ بَاشَرَهَا النَّفْيُ نَحْوُ ما أَحَدٌ قَائِمًا أو عَامِلَهَا نَحْوُ ما قام أَحَدٌ وَيَدُلُّ له قَوْله تَعَالَى وَلَا يَتَّخِذُ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا من دُونِ اللَّهِ وقال الْآمِدِيُّ في أَبْكَارِ الْأَفْكَارِ إنَّمَا تَعُمُّ النَّكِرَةُ الْمَنْفِيَّةُ فَأَمَّا التي لَيْسَتْ بِمَنْفِيَّةٍ لَكِنَّهَا في سِيَاقِهِ فَلَا تَعُمُّ وَلَنَا قَوْله تَعَالَى قُلْ من أَنْزَلَ الْكِتَابَ الذي جاء بِهِ مُوسَى
- في جَوَابِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ على بَشَرٍ من شَيْءٍ فَلَوْ لم يَكُنْ الْعُمُومُ لم يَلْزَمْ الرَّدُّ عليه بِالْوَاحِدِ وَالْمَعْنَى في ذلك أَنَّ النَّكِرَةَ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِمُعَيَّنٍ كَقَوْلِكَ رَأَيْت رَجُلًا وَالنَّفْيُ لَا اخْتِصَاصَ له فإذا انْضَمَّ النَّفْيُ الذي لَا اخْتِصَاصَ له إلَى التَّنْكِيرِ الذي لَا يَخْتَصُّ بِمُعَيَّنٍ اقْتَضَى ذلك الْعُمُومَ احْتَجَّ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ بِأَنَّهَا لو لم تَكُنْ لِنَفْيِ الْعُمُومِ لَمَا كان لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ نَفْيًا لِدَعْوَى من ادَّعَى سِوَى اللَّهِ ثُمَّ إنْ كانت النَّكِرَةُ صَادِقَةً على الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ كَشَيْءٍ وَمَوْجُودٍ وَمَعْلُومٍ أو مُلَازِمَةً لِلنَّفْيِ نَحْوُ أَحَدٍ وما أُلْحِقَ بِهِ مِثْلُ غَرِيبٍ وَدَاعٍ وَمُجِيبٍ أو وَاقِعَةً بَعْدَ لَا الْعَامِلَةِ عَمَلَ إنْ وَهِيَ لَا التي لِنَفْيِ الْجِنْسِ مِثْلُ لَا رَجُلَ في الدَّارِ بِبِنَاءِ رَجُلٍ على الْفَتْحِ أو دَاخِلًا عليها من مِثْلِ ما جَاءَنِي من رَجُلٍ فإن كَوْنَهَا لِلْعُمُومِ من الْوَاضِحَاتِ لَكِنْ هل اُسْتُفِيدَ الْعُمُومُ في قَوْلِك ما جَاءَنِي من رَجُلٍ من لَفْظَةِ من أو كان مُسْتَفَادًا من النَّفْيِ قبل دُخُولِهَا وَدَخَلَتْ هِيَ لِلتَّأْكِيدِ فيه قَوْلَانِ لِلنَّحْوِيِّينَ وَالصَّحِيحُ الثَّانِي وهو قَوْلُ سِيبَوَيْهِ وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الْمُبَرِّدِ حَكَاهُ في الِارْتِشَافِ في الْكَلَامِ على حُرُوفِ الْجَرِّ وَاخْتَارَهُ الْقَرَافِيُّ وَزَعَمَ أنها لَا تَعُمُّ إلَّا إذَا بَاشَرَتْهَا من وَتَمَسَّكَ بِقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ في قَوْله تَعَالَى ما لَكُمْ من إلَهٍ غَيْرُهُ إنَّمَا اُسْتُفِيدَ الْعُمُومُ من لَفْظَةِ من وَلَوْ قال ما لَكُمْ إلَهٌ لم يَعُمَّ مع أَنَّ لَفْظَةَ إلَهٍ نَكِرَةٌ وقد حَكَمَ بِأَنَّهُ لم يَعُمَّ وقد ذَكَرَ الْحَرِيرِيُّ وَالزَّمَخْشَرِيُّ وَنَازَعَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ وَقَالَا لَا حُجَّةَ في قَوْلِ صَاحِبِ الْكَشَّافِ مع نَقْلِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ عن سِيبَوَيْهِ إنَّ ما جَاءَنِي رَجُلٌ عَامٌّ وَالْحَقُّ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِكَلَامِهِ ظَاهِرَهُ فَهُوَ شُذُوذٌ وَيُحْمَلُ أَنْ يُرِيدَ ما أَرَادَهُ غَيْرُهُ من أَنَّهُ بَعْدَ دُخُولِ من في النَّفْيِ يَكُونُ الْعُمُومُ نَصًّا وَدُونَهَا ظَاهِرًا وَالِانْتِقَالُ من الظُّهُورِ إلَى النَّصِّ تَأْكِيدُ تَأْسِيسٍ فإنه تَقْوِيَةٌ مُجَرَّدَةٌ وَكَذَلِكَ ذَهَبَ جُمْهُورُ النُّحَاةِ إلَى أَنَّ لَا التي لِنَفْيِ الْجِنْسِ نَصٌّ في الْعُمُومِ دُونَ لَا التي هِيَ أُخْتُ ليس فإن مَعْنَى من مُتَضَمِّنٌ مع الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ وقال ابن الصَّائِغِ رَادًّا على من قال لَا رَجُلَ بَنَى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى حَرْفِ الِاسْتِغْرَاقِ وهو من قال سِيبَوَيْهِ إنَّهُ لَا يَقْتَضِي عُمُومَ النَّفْيِ وقال الشَّيْخُ أبو حَيَّانَ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أَنَّ ما جَاءَنِي من أَحَدٍ وما جَاءَنِي من رَجُلٍ من في الْمَوْضِعَيْنِ لِتَأْكِيدِ اسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ وَهَذَا هو الصَّحِيحُ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في بَابِ التَّأْوِيلِ هِيَ لِلْعُمُومِ ظَاهِرًا عِنْدَ تَقْدِيرِ من فَإِنْ دَخَلَتْ من كانت
- نَصًّا وَهَذَا هو الْحَقُّ وَنَقَلَهُ ابن الْخَبَّازِ في شَرْحِ الْإِيضَاحِ عن النَّحْوِيِّينَ فقال فَرَّقَ النَّحْوِيُّونَ بين قَوْلِنَا ما جَاءَنِي رَجُلٌ وما جَاءَنِي من رَجُلٍ أَنَّ الْأَوَّلَ يَحْتَمِلُ نَفْيَ وَاحِدٍ من الْجِنْسِ فَلَوْ جاء اثْنَانِ أو ثَلَاثَةٌ كان صَادِقًا وَالثَّانِي لَا يَحْتَمِلُ إلَّا نَفْيَ جَمِيعِ الْجِنْسِ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ فَلَوْ قُلْت بَلْ رَجُلَانِ كان كَذِبًا وَكَذَا قال أبو الْبَقَاءِ إلَّا أَنَّهُ فَرَّقَ بين دُخُولِ من على أَدَاةِ عُمُومٍ كَأَحَدٍ فَجَعَلَهَا مُؤَكِّدَةً لِلْعُمُومِ وَبَيْنَ دُخُولِهَا على غَيْرِهِ كَرَجُلٍ فَجَعَلَهَا مُقَيِّدَةً له وَهَذَا هو الصَّوَابُ وقال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْإِفَادَةِ قد فَرَّقَ أَهْلُ اللُّغَةِ بين النَّفْيِ في قَوْلِهِ ما جَاءَنِي أَحَدٌ وما جَاءَنِي من أَحَدٍ وَبَيْنَ دُخُولِهِ على النَّكِرَةِ من أَسْمَاءِ الْجِنْسِ في ما جَاءَنِي رَجُلٌ وما جَاءَنِي من رَجُلٍ فَرَأَوْا تَسَاوِيَ اللَّفْظَيْنِ في الْأَوَّلِ وَأَنَّ من زَائِدَةٌ فيه وَافْتِرَاقُ الْمَعْنَى في الثَّانِي لِأَنَّ قَوْلَهُ ما جَاءَنِي رَجُلٌ يَصْلُحُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْكُلُّ وَأَنْ يُرَادَ بِهِ رَجُلٌ وَاحِدٌ فإذا دَخَلَتْ من أَخْلَصَتْ النَّفْيَ لِلِاسْتِغْرَاقِ وَغَيَّرَتْ الْفَائِدَةَ ا هـ لَا لو لم يُفِدْ الْعُمُومَ مع عَدَمِهَا لم يُفِدْ في قَوْله تَعَالَى لَا يَعْزُبُ عنه مِثْقَالُ ذَرَّةٍ لَا تَجْزِي نَفْسٌ عن نَفْسٍ شيئا وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا شَكَّ في إفَادَتِهِ الْعُمُومَ وَلَيْسَ هُنَاكَ من وَأَيْضًا فَإِنَّهَا دَالَّةٌ على الْمَاهِيَّةِ فَدُخُولُ النَّافِي يَنْفِي مَعْنَاهَا بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ وهو مُطْلَقُ الْمَاهِيَّةِ وَيَلْزَمُ منه الْعُمُومُ وَتَسْمِيَتُهُمْ لَا لِنَفْيِ الْجِنْسِ وهو بِانْتِفَاءِ كل فَرْدٍ أَمَّا النَّكِرَةُ الْمَرْفُوعَةُ بَعْدَ لَا الْعَامِلَةُ عَمَلَ ليس نَحْوُ لَا رَجُلَ في الدَّارِ فَهِيَ لِنَفْيِ الْوَحْدَةِ قَطْعًا لَا لِلْعُمُومِ وَلِهَذَا يُقَالُ في تَوْكِيدِهِ بَلْ رَجُلَانِ أو رِجَالٌ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لَا رَجُلَ بِالْفَتْحِ بَلْ رَجُلَانِ وَذَلِكَ يَدُلُّ على اقْتِضَاءِ الثَّانِي التَّعْمِيمَ دُونَ الْأَوَّلِ وَأَنَّ الْمَنْفِيَّ في حَالَةِ الرَّفْعِ الرَّجُلُ الْمُقَيَّدُ بِقَيْدِ الْوَحْدَةِ وَذَلِكَ لَا يُعَارِضُهُ وُجُودُ الِاثْنَيْنِ أو الْجَمْعِ بِخِلَافِ الْمَنْفِيِّ حَالَةَ الْفَتْحِ فإن الْمَنْفِيَّ فيه الْحَقِيقَةُ لَا بِقَيْدِ الْوَحْدَةِ وَذَلِكَ يُنَافِيهِ ثُبُوتُ الْفَرْدِ لِأَنَّهُ مَتَى ثَبَتَ فَرْدٌ ثَبَتَتْ الْحَقِيقَةُ بِالضَّرُورَةِ هَكَذَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ وَحَكَاهُ عن سِيبَوَيْهِ وَالْمُبَرِّدِ وَالْجُرْجَانِيِّ في أَوَّلِ شَرْحِ الْإِيضَاحِ وَابْنِ السَّيِّدِ في شَرْحِ الْجُمَلِ وَالزَّمَخْشَرِيُّ وَغَيْرِهِمْ وَتَبِعَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ في شَرْحِ الْمَحْصُولِ وَحَكَاهُ الشَّيْخُ في شَرْحِ الْعُنْوَانِ عن بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ ولم يُنْكِرْهُ وَصَرَّحَ بِهِ الْعَلَمُ الْقَرَافِيُّ في مُخْتَصَرِ الْمَحْصُولِ
- وَحَكَاهُ الْإِبْيَارِيُّ في شَرْحِ الْبُرْهَانِ والقرطبي في أُصُولِهِ عن النُّحَاةِ قال وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأُصُولِيِّينَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَبْنِيَّةِ على الْفَتْحِ وَالصَّوَابُ عَدَمُ اقْتِصَارِهَا على نَفْيِ الْوَحْدَةِ بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِنَفْيِ الْجِنْسِ وَأَنْ تَكُونَ لِنَفْيِ الْوَحْدَةِ وَيُقَالُ في تَوْكِيدِهِ على الْأَوَّلِ بَلْ امْرَأَةٌ وَعَلَى الثَّانِي بَلْ رَجُلَانِ أو رِجَالٌ وقد قال الشَّاعِرُ تَعَزَّ فَلَا شَيْءٌ على الْأَرْضِ بَاقِيًا وقد نَقَلَ الشَّيْخُ أبو حَيَّانَ عن سِيبَوَيْهِ أنها لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْرَاقِ مع الْإِعْرَابِ في قَوْلِكَ ما جاء من أَحَدٍ وما قام من رَجُلٍ وَنَقَلَهُ عنه من الْأُصُولِيِّينَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في كَلَامِهِ على حُرُوفِ الْمَعَانِي فقال قال سِيبَوَيْهِ إذَا قُلْت ما جَاءَنِي رَجُلٌ فَاللَّفْظُ عَامٌّ وَلَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُؤَوَّلَ بِمَا جَاءَنِي رَجُلٌ بَلْ رَجُلَانِ فإذا قُلْت ما جَاءَنِي من رَجُلٍ اقْتَضَى نَفْيَ جِنْسِ الرِّجَالِ على الْعُمُومِ من غَيْرِ تَأْوِيلٍ وقد ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ هذا النَّصَّ وَلَكِنَّهُ قال لم أَجِدْهُ في كِتَابِ سِيبَوَيْهِ وَسَأَلْتُ عنه من هو عَالِمٌ بِالْكِتَابِ فقال لَا أَعْرِفُهُ وَهَذَا ضَعِيفٌ فإن الْمُثْبِتَ مُقَدَّمٌ على النَّافِي وقد صَنَّفَ ابن خَرُوفٍ في مَوَاضِعَ نَقَلَهَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عن سِيبَوَيْهِ ولم يَرَهَا في كِتَابِهِ ولم يذكر هذا منها وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنَّ دَلَالَةَ هذه الْأَقْسَامِ على الْعُمُومِ مُتَفَاوِتَةٌ وَتَجِيءُ على مَرَاتِبَ فَأَدْنَاهَا ما جَاءَنِي رَجُلٌ لِعَدَمِ دُخُولِ من وَلِعَدَمِ اخْتِصَاصِ رَجُلٍ بِالنَّفْيِ وَهِيَ ظَاهِرَةٌ في الْعُمُومِ لَا نَصَّ وَأَعْلَاهَا ما جَاءَنِي من أَحَدٍ لِانْتِفَاءِ الْأَمْرَيْنِ وَهَذَا نَصٌّ في الْعُمُومِ وَالْمَرْتَبَةِ الْمُتَوَسِّطَةِ ما جَاءَنِي من رَجُلٍ وما جَاءَنِي أَحَدٌ وَهِيَ تَلْحَقُ بِالْقِسْمِ الثَّانِي وَتَلْحَقُ بِهِ النَّكِرَةُ الْمَبْنِيَّةُ مع لَا على الْفَتْحِ فَأَمَّا الْمَرْفُوعَةُ فَلَيْسَتْ نَصًّا بَلْ ظَاهِرٌ كَالْقِسْمِ الْأَوَّلِ تَتِمَّاتٌ الْأُولَى أَنَّ حُكْمَ الْمَنْهِيِّ في ذلك حُكْمُ الْمَنْفِيِّ كَقَوْلِكَ لَا تَعِظْ نَاسًا وَلَا تَعِظْ رِجَالًا كما قَالَهُ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ الثَّانِيَةُ زَعَمَ أبو الْحُسَيْنِ في الْمُعْتَمَدِ أَنَّ النَّكِرَةَ في النَّفْيِ أَفَادَتْ الْعُمُومَ بِصِيغَتِهَا لَا بِزِيَادَةٍ عليها وَصَرَّحَ الرَّازِيَّ بِخِلَافِهِ وهو الْحَقُّ لِأَنَّ لَا رَجُلَ عَمَّتْ بِزِيَادَةٍ دَخَلَتْ على رَجُلٍ وَكَذَا قال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ إنَّمَا عَمَّتْ النَّكِرَةُ لِضَرُورَةِ صِحَّةِ الْكَلَامِ
- وَتَحْقِيقِ غَرَضِ الْمُتَكَلِّمِ من الْإِفْهَامِ لَا أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْجَمْعَ بِصِيغَتِهِ فَالْعُمُومُ فيه من الْقَرِينَةِ هذا لَفْظُهُ وَقَطَعَ بِهِ أبو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ في التَّقْوِيمِ فقال النَّكِرَةُ عَمَّتْ اقْتِضَاءً لَا نَصًّا الثَّالِثَةُ اخْتَلَفُوا في أَنَّ النَّكِرَةَ في سِيَاقِ النَّفْيِ هل عَمَّتْ لِذَاتِهَا أو لِنَفْيِ الْمُشْتَرَكِ فيها فقال أَصْحَابُنَا بِالْأَوَّلِ وهو أَنَّ اللَّفْظَ وُضِعَ لِسَلْبِ كل فَرْدٍ فَرْدٍ من أَفْرَادِ الْكُلِّيَّةِ بِطَرِيقِ الْمُطَابَقَةِ وَأَنَّ سَلْبَ الْكُلِّيِّ حَصَلَ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ لِنَفْيِ الْكُلِّيَّةِ وقال الْحَنَفِيَّةُ إنَّمَا حَصَلَ الْعُمُومُ لِأَنَّ النَّفْيَ فيه لِنَفْيِ الْحَقِيقَةِ الْكُلِّيَّةِ التي هِيَ مَفْهُومُ الرَّجُلِ وَيَلْزَمُ من نَفْيِهِ نَفْيُ كل فَرْدٍ لِأَنَّهُ لو ثَبَتَ فَرْدٌ لَمَا كانت حَقِيقَةُ الرَّجُلِ مَنْفِيَّةً لِاسْتِلْزَامِ ذلك الْفَرْدِ الْحَقِيقَةَ الْكُلِّيَّةَ فإن نَفْيَ الْمُشْتَرَكِ الْكُلِّيِّ يَلْزَمُ منه نَفْيُ كل فَرْدٍ فَرْدٍ وَنَفْيُ الْأَعَمِّ يَلْزَمُ منه نَفْيُ الْأَخَصِّ فَحَصَلَتْ السَّالِبَةُ الْكُلِّيَّةُ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ لَا لِأَنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ في اللُّغَةِ لِلسَّالِبَةِ الْكُلِّيَّةِ وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُنَا النَّكِرَةُ في سِيَاقِ النَّفْيِ لِلْعُمُومِ لَا بِمَعْنَى أَنَّ النَّفْيَ رَفْعٌ لِلْأَفْرَادِ بَلْ رَفَعَ الْحَقِيقَةَ وَحَقِيقَتُهُ أَنَّ النَّكِرَةَ الْمَنْفِيَّةَ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْعُمُومِ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ إنَّمَا يَقْصِدُ بِنَفْيِهِ نَفْيَ كل رَجُلٍ رَجُلٍ لَا نَفْيَ الْمُشْتَرَكِ فَإِنْ قِيلَ دَلَالَةُ الِالْتِزَامِ لَازِمَةٌ على كِلَا الْقَوْلَيْنِ فإن نَفْيَ الْمُشْتَرَكِ لَازِمٌ لِنَفْيِ كل فَرْدٍ فَرْدٍ وهو عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِطَرِيقِ الْمُطَابَقَةِ وَنَفْيُ كل فَرْدٍ فَرْدٍ لَازِمٌ له قُلْنَا لَكِنَّ نَفْيَ الْمُشْتَرَكِ الْكُلِّيِّ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالْأَصَالَةِ بِخِلَافِ نَفْيِ كل فَرْدٍ فَرْدٍ فَجَعْلُهُ مَدْلُولًا بِالْمُطَابَقَةِ أَوْلَى من جَعْلِ ذلك لِلْمَاهِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ وَالْمُخْتَارُ في هذه الْمَسْأَلَةِ التَّفْصِيلُ بين النَّكِرَةِ الْمَبْنِيَّةِ على الْفَتْحِ فَبِاللُّزُومِ وَبَيْنَ غَيْرِهَا فَبِالْوَضْعِ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَا يَتَرَتَّبُ على هذا الْخِلَافِ فَائِدَةٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَتَفَرَّعُ على هذا الْخِلَافِ أَعْنِي نَفْيَ الْكُلِّيَّةِ أو الْكُلِّيِّ جَوَازُ التَّخْصِيصِ بِالنِّيَّةِ فِيمَا إذَا وَقَعَ الْفِعْلُ الْمُتَعَدِّي جَوَابًا لِقَسَمٍ أو شَرْطًا نَحْوُ وَاَللَّهِ لَا أَكَلْتُ أو إنْ أَكَلْتُ فَعَبْدِي حُرٌّ وَنَوَى مَأْكُولًا فَعِنْدَنَا يُقْبَلُ التَّخْصِيصُ لِأَنَّهُ عَامٌّ قَطْعِيًّا فَتُؤَثِّرُ النِّيَّةُ في بَعْضِ أَفْرَادِهِ وقال أبو حَنِيفَةَ لَا يُقْبَلُ بَلْ يَحْنَثُ بِأَكْلِ كل مَأْكُولٍ بِنَاءً على أَنَّهُ نَفْيٌ لِلْكُلِّيِّ وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وقال الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ الْمُرَادُ بِقَوْلِنَا النَّكِرَةُ في سِيَاقِ النَّفْيِ تَعُمُّ أنها تُفِيدُ عُمُومَ النَّفْيِ لَا نَفْيَ الْعُمُومِ الذي قد يَكُونُ بِالثُّبُوتِ في الْبَعْضِ وقد يَسْلَمُ لُزُومُهُ من نَفْيِ النَّكِرَةِ لَكِنَّ غَايَتَهُ أَنَّ ذلك بِوَاسِطَةِ نَفْيِ الْمَاهِيَّةِ وهو غَيْرُ قَادِحٍ في مَقْصُودِنَا
- لِأَنَّ الْمَفْهُومَ الْأَوَّلَ يُحَقَّقُ بِطَرِيقَيْنِ أَحَدُهُمَا نَفْيُ ما ليس بِعَامٍّ لَكِنْ يَلْزَمُ منه عُمُومُ النَّفْيِ كما هو في نَفْيِ الْمَاهِيَّةِ وَثَانِيهِمَا بِنَفْيِ كل وَاحِدٍ وَاحِدٍ من أَفْرَادِ ما هو عَامٌّ وَمَتَى تَحَقَّقَ الْخَاصُّ تَحَقَّقَ الْعَامُّ الرَّابِعَةِ اسْتَثْنَى من كَوْنِ النَّكِرَةِ في سِيَاقِ النَّفْيِ لِلْعُمُومِ سَلْبَ الْحُكْمِ عن الْعُمُومِ كَقَوْلِنَا ما كُلُّ عَدَدٍ زَوْجًا فإن هذا ليس من بَابِ عُمُومِ السَّلْبِ أَيْ ليس حُكْمًا بِالسَّلْبِ عن كل فَرْدٍ وَإِلَّا لم يَكُنْ في الْعَدَدِ زَوْجٌ وَذَلِكَ بَاطِلٌ بَلْ الْمَقْصُودُ بِهِ إبْطَالُ قَوْلِ من قال إنَّ كُلَّ عَدَدٍ زَوْجٌ فَأَبْطَلَ السَّامِعُ ما ادَّعَاهُ من الْعُمُومِ وَهَكَذَا اسْتَثْنَاهُ السُّهْرَوَرْدِيّ في التَّنْقِيحَاتِ وَالْقَرَافِيُّ وَغَيْرُهُمَا الْخَامِسَةِ قال أبو حَيَّانَ في آخِرِ جَمْعِ التَّكْسِيرِ من شَرْحِ التَّسْهِيلِ ما ذَكَرَهُ النُّحَاةُ وَالْأُصُولِيُّونَ من أَنَّ النَّكِرَةَ في سِيَاقِ النَّفْيِ تَعُمُّ ليس عِنْدِي على إطْلَاقِهِ فَإِنَّا نُفَرِّقُ بين ما قام كُلُّ رَجُلٍ وما قام رَجُلٌ وَالنَّفْيُ عِنْدِي مَبْنِيٌّ على الْإِثْبَاتِ فَإِنْ كان الْإِثْبَاتُ عَامًّا كان النَّفْيُ عَامًّا وَإِنْ كان الْإِثْبَاتُ خَاصًّا بِمُطْلَقٍ كان النَّفْيُ لِذَلِكَ الْمُطْلَقِ لَكِنْ يَلْزَمُ من انْتِفَاءِ الْحُكْمِ عن الْمُطْلَقِ انْتِفَاؤُهُ عن كل فَرْدٍ فَرْدٍ من أَفْرَادِ الْمُطْلَقِ فإذا قُلْت قام كُلُّ رَجُلٍ فَهَذَا إثْبَاتٌ لِقِيَامِ كل رَجُلٍ فإذا نَفَيْتَ فَقُلْتَ ما قام كُلُّ رَجُلٍ انْتَفَى الْقِيَامُ عن كل فَرْدٍ فَرْدٍ من الرِّجَالِ وإذا قُلْت قام رَجُلٌ فيه إثْبَاتُ قِيَامٍ لِمُطْلَقِ رَجُلٍ فإذا قُلْت ما قام رَجُلٌ نَفَيْتَ الْقِيَامَ عن مُطْلَقِ رَجُلٍ هذه دَلَالَةُ هذا اللَّفْظِ لَكِنْ يَلْزَمُ من حَيْثُ نَفْيُ الْقِيَامِ عن مُطْلَقِ رَجُلٍ أَنْ لَا يُوجَدَ في صُورَةٍ ما من صُوَرِ الْمُطْلَقِ فَمَعْنَى الْعُمُومِ لَازِمٌ له لَا أَنَّ اللَّفْظَ وُضِعَ لِلْعُمُومِ وَهَذَا لَفْظُهُ وَنَازَعَهُ الشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ التَّبْرِيزِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وقال ليس هذا الْحُكْمُ على ما ذُكِرَ فإن قَوْلَهُ ما قام كُلُّ رَجُلٍ سَلَبَ الْقِيَامَ عن كل رَجُلٍ وَلَا يَلْزَمُ السَّلْبُ عن كل وَاحِدٍ وَاحِدٍ إذَا سَلَبَ الْجُزْئِيَّ لَا يَسْتَلْزِمُ الْكُلِّيَّ نعم يَكُونُ سَلْبُ الْقِيَامِ عن كل وَاحِدٍ وَاحِدٍ النَّكِرَةُ في سِيَاقِ النَّفْيِ إذَا كانت جَمْعًا السَّادِسَةُ هذا كُلُّهُ إذَا كانت النَّكِرَةُ الْمَنْفِيَّةُ مُفْرَدَةً فَإِنْ كانت جَمْعًا نَحْوُ ما رَأَيْت رِجَالًا فَفِيهِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ وَإِلْكِيَا الطَّبَرِيِّ في التَّلْوِيحِ فقال الْقَاضِي هو لِلِاسْتِغْرَاقِ كَنَكِرَةِ الْوَاحِدِ بَلْ أَوْلَى
- وقال أبو هَاشِمٍ لَا يَقْتَضِيهِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ما لنا لَا نَرَى رِجَالًا وَصَحَّحَهُ إلْكِيَا وقال لِأَنَّ الْإِبْهَامَ في النَّكِرَةِ اقْتَضَى الِاسْتِغْرَاقَ وإذا ثُنِّيَ أو جُمِعَ زَالَ مَعْنَى الْإِبْهَامِ وَيَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ ما رَأَيْت رِجَالًا وَإِنَّمَا رَأَيْت رَجُلًا أو رَجُلَيْنِ وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ ما رَأَيْت رَجُلًا وَإِنَّمَا رَأَيْت رِجَالًا سِيَّمَا إذَا قال ما رَأَيْت من أَحَدٍ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ تَرْجِيحُهُ أَيْضًا فإنه قال وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ فذكر ما ذَكَرَهُ إلْكِيَا وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ نَقَلَ عن سِيبَوَيْهِ جَوَازَ أَنْ يُقَالَ ما رَأَيْت رَجُلًا ثُمَّ يقول ما رَأَيْت رِجَالًا وقال ابن حَزْمٍ في الْأَحْكَامِ الْجَمْعُ بِلَفْظِ الْمَعْرِفَةِ وَالنَّكِرَةِ سَوَاءٌ في اقْتِضَائِهِ الْعُمُومَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وما تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عن قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ فَهُوَ عُمُومٌ لِكُلِّ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ وَظَنَّ قَوْمٌ أَنَّ الْجَمْعَ إذَا جاء بِلَفْظِ النَّكِرَةِ نَحْوُ قال رِجَالٌ لَا يُوجِبُ الْعُمُومَ وهو فَاسِدٌ لَا دَلِيلَ عليه انْتَهَى وإذا جاء هذا في الْإِثْبَاتِ فَلَأَنْ يَقُولَ بِهِ في النَّفْيِ من طَرِيقِ الْأَوْلَى السَّابِعَةُ إنْ كانت النَّكِرَةُ مُثْبَتَةً لم تَعُمَّ هذا هو الْمَشْهُورُ وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ عن الْأَكْثَرِينَ وقال أَصْحَابُنَا ليس الِاعْتِبَارُ بِالنَّفْيِ وَلَا الْإِثْبَاتِ وَلَكِنْ كُلُّ نَكِرَةٍ لَا تَحْتَمِلُ الِاسْتِثْنَاءَ فَهِيَ غَيْرُ عَامَّةٍ على الِاسْتِغْرَاقِ وَإِنْ صَحَّ عُمُومُهَا على الْبَدَلِ وَكُلُّ نَكِرَةٍ تَحْتَمِلُ الِاسْتِثْنَاءَ فَهِيَ عَامَّةٌ ا هـ وَأَمَّا نَحْوُ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ وَحَدِيثُ صَلَاةٌ في مَسْجِدِي هذا فَغَيْرُ ما نَحْنُ فيه لِأَنَّ الْحُكْمَ فيه على الْمَاهِيَّةِ من حَيْثُ هِيَ فَجَاءَ الْعُمُومُ فيه بِالْعَرْضِ وَلَيْسَ فيه عُمُومٌ حَقِيقِيٌّ إذْ لَا أَفْرَادَ تَحْتَ مُطْلَقِ الْمَاهِيَّةِ حتى يَعُمَّهَا وقال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْإِفَادَةِ النَّكِرَةُ قبل دُخُولِ أَلْ عليها تُفِيدُ الْعُمُومَ على الصَّلَاحِ وَعَلَيْهِ حُمِلَ قَوْله تَعَالَى فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا وَلِهَذَا قالوا لو
- قال السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ بِالْبَابِ رِجَالٌ ائْذَنْ لِرَجُلٍ صَلَحَ ذلك لِكُلِّهِمْ على الْبَدَلِ ولم يَحْتَجْ إلَى الِاسْتِفْهَامِ أَيُّهُمْ أَرَادَ ا هـ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ تَعُمُّ فيها مع الْإِثْبَاتِ لِقَرِينَةٍ على خِلَافٍ فيه منها وُقُوعُهَا في سِيَاقِ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى إنْ امْرُؤٌ هَلَكَ وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ ذَكَرَهُ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن الْقُشَيْرِيّ وَالْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ وَيَدُلُّ له قَوْله تَعَالَى وَلَوْ أَنَّمَا في الْأَرْضِ من شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالسَّبَبُ فيه أَنَّ الشَّرْطَ لَا اخْتِصَاصَ له فَأَشْبَهَ النَّفْيَ وَقَرَّرَهُ الْمَازِرِيُّ وفي الْحَقِيقَةِ ليس هذا نَقْضًا لِأَنَّ الشَّرْطَ في مَعْنَى الْكَلَامِ الْمَنْفِيِّ لِأَنَّ الْمُشْتَرِطَ لم يُجِزْ وُقُوعَ الشَّرْطِ حَيْثُ جَعَلَهُ شَرْطًا وَإِنَّمَا مُرَادُهُمْ بِالنَّكِرَةِ في سِيَاقِ الثُّبُوتِ الْمَحْضِ كَقَوْلِنَا في الدَّارِ رَجُلٌ وَنَحْوِهِ وَأَمَّا النَّهْيُ وَالشَّرْطُ وَالِاسْتِفْهَامُ فَهُوَ عِنْدَ النُّحَاةِ كُلُّهُ كَلَامٌ غَيْرُ مُوجِبٍ مع أَنَّ الْإِبْيَارِيَّ في شَرْحِ الْبُرْهَانِ رَدَّ عليه حَيْثُ مَثَّلَ بِقَوْلِهِ من يَأْتِنِي بِمَالٍ فَأُكْرِمْهُ وَأَنْكَرَ الْعُمُومَ فقال لو كانت لَمَا اسْتَحَقَّ الْإِكْرَامَ من أتى بِمَالٍ وَاحِدٍ بَلْ كان يَفْتَقِرُ إلَى الْإِتْيَانِ بِجَمِيعِ الْأَمْوَالِ كما لو قال من جَاءَنِي بِكُلِّ مَالٍ وَكَأَنَّ هذا منه اعْتِرَاضٌ على الْمِثَالِ لَا الِاسْتِثْنَاءِ وقال غَيْرُهُ النَّكِرَةُ هُنَا لم تَقْتَضِ عُمُومًا إذْ الْمَطْلُوبُ مَالٌ مُعَيَّنٌ وَإِنَّمَا الْعُمُومُ في سِيَاقِ الشَّرْطِ لَا في مُتَعَلِّقِ الشَّرْطِ وَلَا يَلْزَمُ من عُمُومِ الشَّرْطِ عُمُومُ ما وَقَعَ في مَسَاقِهِ فإذا قُلْت من يَأْتِنِي بِزَيْدٍ فَالْعُمُومُ في الْآتِي لَا في الْمَأْتِيِّ بِهِ وَالْحَقُّ أَنَّ النَّكِرَةَ في سِيَاقِ الشَّرْطِ لَا تَتَنَاوَلُ الْآحَادَ عُمُومًا وَإِنَّمَا تَتَنَاوَلُهَا على الْبَدَلِ وَلَوْ كانت عَامًّا في الشَّرْطِ لَعَمَّتْ مع الْأَمْرِ إذَا قال ائْتِنِي بِثَوْبٍ فَلَوْ أَتَاهُ بِثَوْبٍ وَاحِدٍ لَكَانَ مُمْتَثِلًا وَلَوْ أَتَاهُ بِعَشَرَةٍ كان حَائِدًا عن الْمَطْلُوبِ فَلَوْ كان لَفْظُ الثَّوْبِ يَتَنَاوَلُ الْعَشَرَةَ لَمَا عُدَّ مُخَالِفًا وَمِنْهَا الْوَاقِعَةُ في حَيِّزِ الْإِنْكَارِ الِاسْتِفْهَامِيِّ فَإِنَّهَا لِلْعُمُومِ كَالنَّفْيِ ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ وَالْقَرَافِيُّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى هل تَعْلَمُ له سَمِيًّا فَهَلْ تَرَى لهم من بَاقِيَةٍ وَمِنْهَا الْوَاقِعَةُ في سِيَاقِ الِامْتِنَانِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ في تَعْلِيقِهِ وَذَكَرَهُ ابن الزَّمْلَكَانِيِّ في الْبُرْهَانِ لَكِنْ أَخَذَهُ من قَوْلِ الْبَيَانِيِّينَ إنَّ النَّكِرَةَ تَأْتِي لِلتَّكْثِيرِ ظَنًّا منه أَنَّ التَّكْثِيرَ هو التَّعْمِيمُ أو مُلَازِمُهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِأَنَّهَا لِلتَّكْثِيرِ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْله تَعَالَى فيها عَيْنٌ جَارِيَةٌ
- وَمِنْهَا الْوَاقِعَةُ في سِيَاقِ الطَّلَبِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وفي الْآخِرَةِ حَسَنَةً فإن حَسَنَةً نَكِرَةٌ مُرَادٌ بها التَّعْمِيمُ وَلِهَذَا كان من جَوَامِعِ الْأَدْعِيَةِ وَمِنْهَا في الْأَمْرِ لِلْعُمُومِ وَنَسَبَهُ في الْمَحْصُولِ لِلْأَكْثَرِينَ نَحْوُ أُعْتِقُ رَقَبَةً وَإِلَّا لَمَا خَرَجَ عن الْعُهْدَةِ بِأَيِّ إعْتَاقٍ وَاسْتَشْكَلَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وقال هذا الدَّلِيلُ بِعَيْنِهِ يَدُلُّ على أنها لَيْسَتْ لِلْعُمُومِ لِأَنَّهَا لو كانت لِلْعُمُومِ لَمَا خَرَجَ عن الْعُهْدَةِ إلَّا بِإِعْتَاقِ رِقَابِ الدُّنْيَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ يَجِبُ قَتْلُ جَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ وَالصَّوَابُ أنها لَا تَعُمُّ وَبِهِ صَرَّحَ أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ في كِتَابِهِ فقال إذَا قال الْحَكِيمُ اُقْتُلْ مُشْرِكًا لم يُعْقَلْ منه إلَّا قَتْلُ مُشْرِكٍ ما قال يَجِبُ الْوَقْفُ حتى يَقْتَرِنَ بِهِ الْبَيَانُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ الْمُشْرِكَ الذي صِفَتُهُ كَذَا فَلَا بُدَّ من دَلِيلٍ وَقِيلَ إذَا حُمِلَ على الْجِنْسِ خُصَّ وَوُقِفَ فيه وهو قَوْلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ انْتَهَى وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُطْلَقٌ وَلَوْ قام دَلِيلٌ على التَّقْيِيدِ لم يَكُنْ مُخَالِفًا وَلَا مُخَصَّصًا وَالْحَقُّ أَنَّ الْخِلَافَ في عُمُومِ النَّكِرَةِ في الْإِنْشَاءِ لَفْظِيٌّ لِأَنَّ الْقَائِلَ بِالْعُمُومِ لَا يُرِيدُ شُمُولَ الْحُكْمِ لِكُلِّ فَرْدٍ حتى يَجِبَ في مِثْلِ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ذَبْحُ كل بَقَرَةٍ وفي مِثْلِ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ تَحْرِيرُ كل رَقَبَةٍ بَلْ الْمُرَادُ ذَبْحُ أَيِّ بَقَرَةٍ كانت وَعِتْقُ أَيِّ رَقَبَةٍ كانت فَإِنْ سُمِّيَ مِثْلُ هذا عَامًّا فَبِاعْتِبَارِ أَنَّ تَصَوُّرَهُ لَا يَمْنَعُ الشَّرِكَةَ فيه وَإِنْ جُعِلَ مُسْتَغْرِقًا فَكُلُّ نَكِرَةٍ كَذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا جِهَةَ لِلْعُمُومِ وَمِنْهَا قالت الْحَنَفِيَّةُ قد تَعَرَّضَتْ النَّكِرَةُ لِلْعُمُومِ فِيمَا إذَا وُصِفَتْ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ فَإِنَّهَا تَصِيرُ مَعْرِفَةً لِأَنَّ الْوَصْفَ من التَّعْرِيفِ بِمَنْزِلَةِ اللَّامِ في اسْمِ الْجِنْسِ وَمَثَّلُوهُ بِقَوْلِهِمْ لَا أُكَلِّمُ إلَّا رَجُلًا كُوفِيًّا فإن له أَنْ يُكَلِّمَ جَمِيعَ الْكُوفِيِّينَ وَلَوْ قال إلَّا رَجُلًا فَكَلَّمَ رَجُلَيْنِ حَنِثَ فَعُلِمَ أَنَّ الْعُمُومَ من إلْحَاقِ الْوَصْفِ الْعَامِّ بهذا وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ من مُشْرِكٍ لِأَنَّهُ في مَعْرِضِ التَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حتى يُؤْمِنُوا فَلَوْ لم تَكُنْ الْعِلَّةُ عَامًّا لَمَا صَحَّ التَّعْلِيلُ وَكَذَا قَوْلٌ مَعْرُوفٌ قالوا وَالْمُرَادُ بِالْوَصْفِ الْمَعْنَوِيُّ لَا النَّعْتُ النَّحْوِيُّ لِأَنَّ الْكَلِمَةَ النَّكِرَةَ قد تَكُونُ خَبَرًا أو صِلَةً أو شَرْطًا وقد صَرَّحُوا في قَوْله تَعَالَى لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا أنها نَكِرَةٌ وُصِفَتْ بِحُسْنِ الْعَمَلِ وهو عَامٌّ فَعَمَّتْ لِذَلِكَ وَلَا خَفَاءَ في أنها مُبْتَدَأٌ وَأَحْسَنُ عَمَلًا خَبَرُهُ وقد رُدَّ عليهم بِمَا نَصَّ عليه محمد بن الْحَسَنِ في الْجَامِعِ الْكَبِيرِ أَنَّهُ لو قال
- لَأُكَلِّمَنَّ رَجُلًا كُوفِيًّا بَرَّ بِوَاحِدٍ وَلَوْ اقْتَضَى الْوَصْفُ الْعُمُومَ كما قَالُوهُ لَمَا بَرَّ إلَّا بِالْجَمِيعِ وَلِأَنَّ الْوَصْفَ الْمَذْكُورَ ليس لِلتَّعْمِيمِ بَلْ لِبَيَانِ الْمُرَادِ بِالنَّكِرَةِ فإن النَّكِرَةَ فيها أَمْرَانِ النَّوْعُ وَالْوَحْدَةُ فإن الرَّجُلَ يُذْكَرُ في مُقَابَلَةِ الْمَرْأَةِ فَيُرَادُ بِهِ النَّوْعُ وفي مُقَابَلَةِ الرَّجُلَيْنِ فَيُفِيدُ الْوَحْدَةَ مع النَّوْعِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا أَعَمُّ من الْكُوفِيِّ وَغَيْرِهِ فإذا قال كُوفِيًّا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مُفِيدًا لِلْوَحْدَةِ فَلَا يُكَلِّمُ إلَّا وَاحِدًا كُوفِيًّا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُفِيدًا لِلنَّوْعِ فَلَا يُكَلِّمُ إلَّا النَّوْعَ الْكُوفِيَّ فَإِنْ نَوَى أَحَدَهُمَا اتَّبَعَ وَإِنْ أَطْلَقَ فَالْمُتَّجَهُ حَمْلُهُ على الْوَحْدَةِ وَيَحْنَثُ بِالِاثْنَيْنِ وقد فَرَّعُوا على هذه الْقَاعِدَةِ الْمَسْأَلَةَ السَّابِقَةَ في أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبَكَ فَهُوَ حُرٌّ فَضَرَبُوهُ جميعا عَتَقُوا وَأَيُّ عَبْدِي ضَرَبْتَهُ فَهُوَ حُرٌّ فَضَرَبَهُمْ جميعا لَا يُعْتَقُ إلَّا وَاحِدٌ منهم وَالْفَرْقُ أَنَّهُ وُصِفَ في الْأَوَّلِ بِالضَّرْبِ وهو عَامٌّ وفي الثَّانِي قُطِعَ عن الْوَصْفِ لِأَنَّ الضَّرْبَ إنَّمَا أُضِيفَ إلَى الْمُخَاطَبِ لَا إلَى النَّكِرَةِ التي يَتَنَاوَلُهَا أَيْ وهو عَجِيبٌ فإنه إنْ كان الْمُرَادُ بِالْوَصْفِ النَّعْتَ النَّحْوِيَّ فَلَا نَعْتَ في شَيْءٍ من الصُّورَتَيْنِ إذْ النَّكِرَةُ صِلَةٌ أو شَرْطٌ لِأَنَّ أَيًّا هُنَا مَوْصُولَةٌ أو شَرْطِيَّةٌ بِاتِّفَاقِ النُّحَاةِ وَإِنْ كان الْمُرَادُ الْوَصْفَ الْمَعْنَوِيَّ فَأَيُّ مَوْصُوفٍ في الصُّورَتَيْنِ لِأَنَّهُ كما وُصِفَ في الْأُولَى بِالضَّارِبِيَّةِ لِلْمُخَاطَبِ وُصِفَ في الثَّانِيَةِ بالمضروبية له فَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْأَوَّلَ وَصْفٌ وَالثَّانِيَ قَطْعٌ عن الْوَصْفِ تَحَكُّمٌ إلَّا أَنَّ يَوْمًا في قَوْلِكَ لَا أَقْرَبُكُمَا الْيَوْمَ أَقْرَبُكُمَا فيه عَامٌّ بِعُمُومِ الْوَصْفِ مع أَنَّهُ مُسْنَدٌ إلَى ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ وَأَجَابَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ بِأَنَّ الضَّرْبَ قَائِمٌ بِالضَّارِبِ فَلَا يَقُومُ بِالْمَضْرُوبِ لِامْتِنَاعِ قِيَامِ الْوَصْفِ الْوَاحِدِ بِشَخْصَيْنِ بِخِلَافِ الزَّمَانِ فإن الْفِعْلَ مُتَّصِلٌ بِهِ حَقِيقَةً فَيَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ الْيَوْمُ عَامًّا بِهِ وَأَيْضًا الْمَفْعُولُ بِهِ فَضْلَةٌ ثَبَتَ ضَرُورَةً فَيُقَدَّرُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ لَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ في التَّعْمِيمِ بِخِلَافِ الْمَفْعُولِ فيه فإنه صَرَّحَ بِهِ وَقَصَدَ وَصْفَهُ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ وَفِيهِ نَظَرٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الضَّرْبَ صِفَةٌ إضَافِيَّةٌ لها تَعَلُّقٌ بِالْفَاعِلِ وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ هو وَصْفٌ له وَتَعَلُّقٌ بِالْمَفْعُولِ بِهِ وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ هو وَصْفٌ له وَلَا امْتِنَاعَ في قِيَامِ الْإِضَافَاتِ بِالْمُضَافَيْنِ وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الْفِعْلَ الْمُتَعَدِّيَ يَحْتَاجُ إلَى الْمَفْعُولِ في التَّعَقُّلِ وَالْوُجُودِ جميعا وَإِلَى الْمَفْعُولِ فيه في الْوُجُودِ فَقَطْ فَاتِّصَالُهُ بِالْأَوَّلِ أَشَدُّ وَأَثَرُ الْمَفْعُولِ بِهِ هَاهُنَا إنَّمَا هو في رَبْطِ الصِّفَةِ بِالْمَوْصُوفِ لَا في التَّعْمِيمِ وَكَوْنُهُ ضَرُورِيًّا لَا يُنَافِي الرَّبْطَ وَلَوْ سُلِّمَ فَالْفَاعِلُ أَيْضًا الضَّرُورَةُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَظْهَرَ أَثَرُهُ في التَّعْمِيمِ وَكَوْنُهُ غير
- فَضْلَةٍ لَا يُنَافِي الضَّرُورَةَ بَلْ يُؤَكِّدُهَا الثَّامِنَةُ مِمَّا يَتَفَرَّعُ على أَنَّ النَّكِرَةَ الْمَنْفِيَّةَ لِلْعُمُومِ نَفْيَ الْمُسَاوَاةِ بين الشَّيْئَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ فَهُوَ عَامٌّ عِنْدَنَا لِأَنَّ نَفْيَ الْمُسَاوَاةِ بين الشَّيْئَيْنِ يَقْتَضِي نَفْيَهَا من كل وَجْهٍ حتى احْتَجَّ بِهِ أَصْحَابُنَا على امْتِنَاعِ الْقِصَاصِ من الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الِاسْتِوَاءَ وَاَللَّهُ تَعَالَى قد نَفَاهُ وَخَالَفَتْ الْحَنَفِيَّةُ وَمَنَعُوا عُمُومَهُ وَبِهِ قالت الْمُعْتَزِلَةُ وَوَافَقَهُمْ الْغَزَالِيُّ وَصَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ والمحصول لِأَنَّ نَفْيَ الِاسْتِوَاءِ الْمُطْلَقِ لَا يَحْتَمِلُ نَفْيَ الِاسْتِوَاءِ من كل وَجْهٍ لِأَنَّ الْأَعَمَّ لَا يَسْتَلْزِمُ الْأَخَصَّ وهو مَرْدُودٌ فإن ذلك في جَانِبِ الثُّبُوتِ أَمَّا في النَّفْيِ فَيَدُلُّ لِأَنَّ نَفْيَ الْعَامِّ يَدُلُّ على نَفْيِ الْخَاصِّ وهو نَفْيُ الْحَقِيقَةِ الْعَامَّةِ فَتَنْتَفِي جُزْئِيَّاتُهَا وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ أَنَّ الْمُسَاوَاةَ في الْإِثْبَاتِ هل مَدْلُولُهَا لُغَةً الْمُشَارَكَةُ في كل الْوُجُوهِ حتى يَكُونَ اللَّفْظُ شَامِلًا أو مَدْلُولُهَا الْمُسَاوَاةُ في بَعْضِ الْوُجُوهِ حتى يَصْدُقَ بِأَيِّ وَجْهٍ فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ لم يَكُنْ النَّفْيُ لِلْعُمُومِ لِأَنَّ نَقِيضَ الْكُلِّيِّ الْمُوجَبِ جُزْئِيٌّ سَالِبٌ وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي كان لِلْعُمُومِ لِأَنَّ نَقِيضَ الْجُزْئِيِّ الْمُوجَبِ كُلِّيٌّ سَالِبٌ وَحَاصِلُهُ أَنَّ صِيغَةَ لَا يَسْتَوِي عُمُومُ سَلْبِ التَّسْوِيَةِ أو سَلْبُ عُمُومِ التَّسْوِيَةِ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَمْتَنِعُ ثُبُوتُ شَيْءٍ من أَفْرَادِهَا وَعَلَى الثَّانِي لَا يَمْتَنِعُ ثُبُوتُ الْبَعْضِ فَإِنْ قُلْت فَهَذَا يُرَجِّحُ مَذْهَبَهُمْ لِأَنَّ حَرْفَ النَّفْيِ سَابِقٌ وهو شَرْطٌ لِسَلْبِ الْعُمُومِ قُلْت الشَّرْطُ أَنْ يَتَقَدَّمَ على لَفْظٍ عَامٍّ تَحْتَهُ مُتَعَدِّدٌ فإذا سُلِبَ عُمُومُهُ نُفِيَ الْحُكْمُ عن بَعْضِ الْأَفْرَادِ نَحْوُ لم أَضْرِبْ كُلَّ الرِّجَالِ بِخِلَافِ لَا يَسْتَوِيَانِ فإن السَّلْبَ دخل على مَاهِيَّةِ الِاسْتِوَاءِ وَالْمَاهِيَّةُ من حَيْثُ هِيَ هِيَ لَا تَعَدُّدَ فيها وَلَا اتِّحَادَ فلم يَبْقَ بَعْدَ سَلْبِهَا شَيْءٌ يَثْبُتُ له الْحُكْمُ فَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ هذه الصِّيغَةَ من بَابِ عُمُومِ السَّلْبِ لَا سَلْبِ الْعُمُومِ وَأَمَّا ابن الْحَاجِبِ فإنه لَمَّا رَأَى الْمَبَاحِثَ مُتَقَابِلَةً من الْجَانِبَيْنِ عَدَلَ عن مَدْلُولِ اللَّفْظِ وَأَحَالَ الْعُمُومَ على النَّفْيِ فإن الْفِعْلَ لَمَّا وَقَعَ في جَانِبِ النَّفْيِ كان نَفْيًا لِمَصْدَرِهِ كما سَيَأْتِي فَلِذَلِكَ قال وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْعُمُومَ من النَّفْيِ وهو الذي عَوَّلَ عليه الْآمِدِيُّ وَسَلَكَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ طَرِيقَةً أُخْرَى فَحَكَى عن قَوْمٍ أَنَّهُ من بَابِ الْمُجْمَلِ لِأَنَّ نَفْيَ الِاسْتِوَاءِ إذَا أُطْلِقَ فِيمَا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أَنَّهُ مُتَمَاثِلٌ بِالذَّاتِ إنَّمَا يَعْنِي بِهِ في بَعْضِ أَوْصَافِهِ
- وَذَلِكَ غَيْرُ بَيِّنٍ من اللَّفْظِ فَهُوَ مُجْمَلٌ إذْ قال وَمَتَى عُقِّبَ هذا النَّوْعُ بِشَيْءٍ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا فيه وَجَبَ حَمْلُ أَوَّلِهِ عليه وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّهُمَا لَا يَسْتَوِيَانِ في الْفَوْزِ بِالْجَنَّةِ وَلِذَا قال في آخِرِهِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ الْفَائِزُونَ وَعَلَيْهِ جَرَى الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ فقال الْحَقُّ أَنَّ قَوْلَهُ يَسْتَوِي أو لَا يَسْتَوِي من بَابِ الْمُجْمَلِ من الْمُتَوَاطِئِ لَا من بَابِ الْعَامِّ وَنَظِيرُهُ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ على الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا وَنَظِيرُ هذا الْخِلَافِ خِلَافُ الْأُصُولِيِّينَ في قَوْله تَعَالَى وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى هل هو عَامٌّ حتى يَخُصَّ ما يَخُصُّ من الْأَحْكَامِ بِدَلِيلٍ أو مُجْمَلٌ لِأَنَّا نَعْلَمُ ضَرُورَةَ مُسَاوَاتِهِمَا في الْإِنْسَانِيَّةِ وَغَيْرِ ذلك وَعَلَى الْأَوَّلِ يُحْتَجُّ بِهِ على أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَكُونُ قَاضِيًا وَلَا إمَامًا وَلَا يَلْزَمُهَا الْجُمُعَةُ وَغَيْرُ ذلك بِخِلَافِ الثَّانِي تَنْبِيهٌ هذا الْخِلَافُ في عُمُومِ الْمُسَاوَاةِ يَجْرِي في كَلِمَةِ مِثْلِ بَلْ هو أَدَلُّ على الْمُشَابَهَةِ من لَفْظِ الْمُسَاوَاةِ ولم يَذْكُرُوهُ قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ لَفْظُ الْمِثْلِ دَالٌّ على الْمُسَاوَاةِ بين الشَّيْئَيْنِ إلَّا فِيمَا لَا يَقَعُ التَّعَدُّدُ إلَّا بِهِ التَّاسِعَةُ إذَا وَقَعَ الْفِعْلُ في سِيَاقِ النَّفْيِ أو الشَّرْطِ فَهُوَ على قِسْمَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ قَاصِرًا فَهَلْ يَتَضَمَّنُ ذلك الْمَصْدَرُ فَيَكُونُ نَفْيُهُ بِمَصْدَرِهِ وهو نَكِرَةٌ في سِيَاقِ النَّفْيِ فَيَقْتَضِي الْعُمُومَ أَمْ لَا حَكَى الْقَرَافِيُّ عن الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ يَعُمُّ وَأَنَّ الْقَاضِيَ عَبْدَ الْوَهَّابِ في الْإِفَادَةِ نَصَّ على ذلك وَظَاهِرُ كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ وَالْآمِدِيَّ وَالْهِنْدِيِّ حَيْثُ قَيَّدُوا الْخِلَافَ الْآتِيَ بِالْفِعْلِ الْمُتَعَدِّي إذَا نُفِيَ هل يَعُمُّ مَفَاعِيلَهُ يَقْتَضِي أَنَّ اللَّازِمَ لَا يَعُمُّ نَفْيَهُ وَلَا يَكُونُ نَفْيًا لِلْمَصْدَرِ وقال الْأَصْفَهَانِيُّ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَالْخِلَافُ فِيهِمَا على السَّوَاءِ لَكِنَّ الْغَزَالِيَّ حَيْثُ صَوَّرَ الْمَسْأَلَةَ بِمَا سَبَقَ مَثَّلَ بِمَا إذَا قال وَاَللَّهِ لَا أَضْرِبُ أو إنْ ضَرَبْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى الضَّرْبَ بِآلَةٍ بِعَيْنِهَا أو إنْ خَرَجْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى مَكَانًا بِعَيْنِهِ وهو يُخِلُّ بِتَرْجَمَةِ الْمَسْأَلَةِ كما قَالَهُ الْهِنْدِيُّ لِأَنَّ الضَّرْبَ وَالْخُرُوجَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ إلَى الْآلَةِ وَالْمَكَانِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ الْمُتَعَدِّي إلَى مَفْعُولٍ أَعَمُّ من أَنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ أو بِالْحَرْفِ سَوَاءٌ كان معه الْحَرْفُ أو لم يَكُنْ وَحِينَئِذٍ فَيَشْمَلُ الْخِلَافُ الْأَفْعَالَ كُلَّهَا ثُمَّ إنَّهُ أُطْلِقَ الْفِعْلُ وَلَا بُدَّ من تَقْيِيدِهِ بِالْوَاقِعِ في حَيِّزِ النَّفْيِ أو الشَّرْطِ لَا الْإِثْبَاتِ فَتَفَطَّنْ له وَذَكَرَ الْهِنْدِيُّ أَنَّ ذلك في قُوَّةِ نَفْيِ الْمَصْدَرِ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ ليس مثله بَلْ أَنْزَلَ منه
- دَرَجَةً وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يَعُمُّ كما في نَفْيِ الْمَصْدَرِ مِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى لَا يَمُوتُ فيها وَلَا يحيى لَا يُقْضَى عليهم فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ من عَذَابِهَا إنَّ لَك أَلَّا تَجُوعَ فيها وَلَا تَعْرَى الْآيَةَ وَلَا رَيْبَ أَنَّ النَّفْيَ في هذا وَأَمْثَالِهِ لِلْعُمُومِ وَأَنَّ الْمَفْهُومَ منه أَنَّهُ نَفْيٌ كما لو قال لَا حَيَاةَ وَلَا مَوْتَ وَلِهَذَا لو حَلَفَ لَا يَبِيعُ وَلَا يُطَلِّقُ حَنِثَ بِأَيِّ بَيْعٍ كان وَأَيِّ طَلَاقٍ كان لِأَنَّهُ لم يُفْهَمْ منه إلَّا نَفْيُ أَفْرَادِ هذا الْجِنْسِ من الْبَيْعِ أو الطَّلَاقِ وَالْأَصْلُ في الِاسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ نَفْيُ الْفِعْلِ حَقِيقَةً في عُمُومِ نَفْيِ جَمِيعِ الْمَصَادِرِ وهو الْمَطْلُوبُ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا وَوَقَعَ في سِيَاقِ النَّفْيِ أو الشَّرْطِ ولم يُصَرَّحْ بِمَفْعُولِهِ ولم يَكُنْ له دَلَالَةٌ على مَفْعُولٍ لَا وَاحِدٍ وَلَا أَكْثَرَ فَهَلْ يَكُونُ عَامًّا فيها أَمْ لَا كما إذَا قال وَاَللَّهِ لَا أَكَلْتُ أو لَا آكُلُ أو إنْ أَكَلْتُ فَعَلَيَّ كَذَا فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وأبو يُوسُفَ وَغَيْرُهُمْ إلَى أَنَّهُ عَامٌّ فيه وقال أبو حَنِيفَةَ لَا يَعُمُّ وَاخْتَارَهُ الْقُرْطُبِيُّ من الْمَالِكِيَّةِ وَالْإِمَامُ الرَّازِيَّ مِنَّا وَجَعَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ من بَابِ الْأَفْعَالِ اللَّازِمَةِ نَحْوُ يُعْطِي وَيَمْنَعُ فَلَا يَدُلُّ على مَفْعُولٍ لَا بِالْعُمُومِ وَلَا بِالْخُصُوصِ لِأَنَّ هذه الْأَفْعَالَ لَمَّا لم تُقْصَدْ مَفْعُولَاتُهَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ قُصِدَ بها مَاهِيَّاتُ تِلْكَ الْأَفْعَالِ الْمُجَرَّدَةِ عن الْوَحْدَةِ وَالْكَثْرَةِ بَلْ وَعَنْ الْقُيُودِ الْمَكَانِيَّةِ وَالْإِضَافِيَّةِ وَحُجَّةُ الْأَوَّلِينَ أَنَّ أَصْلَ وَضْعِ هذه الْأَفْعَالِ لِتَدُلَّ على مَاهِيَّاتٍ مُقَيَّدَةٍ بِالْمَحَالِّ التي هِيَ الْمَفْعُولَاتُ كما وُضِعَتْ لِتَدُلَّ على الْفَاعِلِ وَمَعَ ذلك فَقَدْ يُحْذَفُ الْفَاعِلُ في بَعْضِ الْمَوَاضِعِ وَيَصِيرُ كَأَنَّهُ لم يُوضَعْ له الْفِعْلُ كما فَعَلُوا في بَابِ إعْمَالِ الْمَصْدَرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى أو إطْعَامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ في التَّخْصِيصِ بِالنِّيَّةِ فَعِنْدَ أَصْحَابِنَا لو نَوَى بِهِ مَأْكُولًا مُعَيَّنًا قُبِلَ وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ غَيْرِهِ بِنَاءً على عُمُومِ لَفْظِهِ وَقَبُولُ الْعَامِّ لِلتَّخْصِيصِ بِبَعْضِ مَدْلُولَاتِهِ كَسَائِرِ الْعُمُومَاتِ فَصَحَّ أَنْ يَنْوِيَ في هذه الْأَفْعَالِ ما كان أَصْلًا لها مع كَوْنِهِ مَحْذُوفًا لَفْظًا لِأَنَّهَا صَالِحَةٌ له وَضْعًا وَلَا يُقْبَلُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ فَرْعُ ثُبُوتِ الْعُمُومِ وَلَا عُمُومَ وقد قال الرَّافِعِيُّ في كِتَابِ الْأَيْمَانِ لو حَلَفَ لَا يُسَاكِنُ في الدُّنْيَا وَنَوَى الْبَلَدَ فَهَلْ يُحْمَلُ عليه أو لَا إذْ ليس بِمُسَاكَنَةٍ فَلَا تَعْمَلُ النِّيَّةُ الْمُجَرَّدَةُ وَجْهَانِ وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِتَعْمِيمِهِ قالوا إنَّهُ لَا يَدُلُّ على جَمِيعِ ما يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا له على جِهَةِ الْجَمْعِ بَلْ على جِهَةِ الْبَدَلِ قال وَهَؤُلَاءِ أَخَذُوا الْمَاهِيَّةَ مُقَيَّدَةً وَلَا يَنْبَغِي ==
- ======ج10 ج10 ج10.==================================
- ====================================
- مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
- كتاب : البحر المحيط في أصول الفقه
- المؤلف : بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي
- لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يُنَازِعَهُ قال وإذا الْتَفَتَ إلَى هذا ارْتَفَعَ الْخِلَافُ وقال الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ نَظَرُ أبي حَنِيفَةَ في هذه الْمَسْأَلَةِ دَقِيقٌ لِأَنَّ النِّيَّةَ لو صَحَّتْ لَصَحَّتْ إمَّا في الْمَلْفُوظِ أو غَيْرِهِ وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْمَلْفُوظَ هو الْأَكْلُ وهو مَاهِيَّةٌ وَاحِدَةٌ لَا تَقْبَلُ التَّعَدُّدَ فَلَا تَقْبَلُ التَّخْصِيصَ فَإِنْ أُخِذَتْ مع قُيُودٍ زَائِدَةٍ عليها تَعَدَّدَتْ وَحِينَئِذٍ تَصِيرُ مُحْتَمِلَةً لِلتَّخْصِيصِ لَكِنْ تِلْكَ الزَّوَائِدُ غَيْرُ مَلْفُوظٍ بها فَالْمَجْمُوعُ الْحَاصِلُ من الْمَاهِيَّةِ غَيْرُ مَلْفُوظٍ فَيَكُونُ الْقَابِلُ لِنِيَّةِ التَّخْصِيصِ شيئا غير مَلْفُوظٍ وَهَذَا هو الْقِسْمُ الثَّانِي وهو إنْ جَازَ عَقْلًا لَكِنَّهُ بَاطِلٌ شَرْعًا لِأَنَّ إضَافَةَ مَاهِيَّةِ الْأَكْلِ إلَى الْخُبْزِ تَارَةً وَإِلَى غَيْرِهِ أُخْرَى إضَافَاتٌ تَعْرِضُ لها بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْمَفْعُولِ فيه وَإِضَافَتُهَا إلَى هذا الْيَوْمِ وَذَاكَ وَهَذَا الْمَوْضِعِ وَذَاكَ إضَافَاتٌ عَارِضَةٌ لها بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْمَفْعُولِ فيه ثُمَّ أَجْمَعْنَا على أَنَّهُ لو نَوَى التَّخْصِيصَ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ لم يَصِحَّ فَكَذَا التَّخْصِيصُ بِالْمَفْعُولِ بِهِ وَالْجَامِعُ رِعَايَةُ الِاحْتِيَاطِ في تَعْظِيمِ التَّمْيِيزِ هذا كَلَامُهُ وَالنَّظَرُ الدَّقِيقُ إنَّمَا هو لِأَصْحَابِنَا وما ذَكَرَهُ الْإِمَامُ مَدْخُولٌ وَقَوْلُهُ الْأَكْلُ مَاهِيَّةٌ وَاحِدَةٌ لَا تَقْبَلُ التَّعَدُّدَ مُسَلَّمٌ وَلَكِنْ مع قَرِينَةِ دُخُولِ حَرْفِ النَّفْيِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ له على التَّعَدُّدِ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمَلْفُوظَ لَا يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ فَغَيْرُ الْمَلْفُوظِ يَقْبَلُهُ وَأُجِيبَ عَمَّا ذَكَرَهُ من الْقِيَاسِ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا بِالْمَنْعِ فإنه يَجُوزُ تَخْصِيصُ النِّيَّةِ بِالْمَكَانِ وَالزَّمَانِ كما يَجُوزُ بِالْمَأْكُولِ الْمُعَيَّنِ بِلَا خِلَافٍ وقد نَصَّ الشَّافِعِيُّ على أَنَّهُ إذَا قال إنْ كَلَّمْت زَيْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قال أَرَدْت شَهْرًا أَنَّهُ يَصِحُّ وَيُقْبَلُ منه بِلَا فَرْقٍ وَثَانِيهَا أَنَّ قِيَاسَ الْمَفْعُولِ بِهِ على الْمَفْعُولِ فيه ظَاهِرُ التَّعَسُّفِ لِأَنَّ الْمَفْعُولَ بِهِ من مُقَوِّمَاتِ الْفِعْلِ في الْوُجُودِ لِأَنَّ أَكْلًا بِلَا مَأْكُولٍ مُحَالٌ وَكَذَا في الذِّهْنِ فَهْمُ مَاهِيَّةِ الْأَكْلِ دُونَ الْمَأْكُولِ مُسْتَحِيلٌ فَإِلْزَامُ الْأَكْلِ لِلْمَأْكُولِ وَاضِحٌ وَأَمَّا الزَّمَانُ وَالْمَكَانُ فَلَيْسَا من لَوَازِمِ مَاهِيَّةِ الْفِعْلِ وَلَا من مُقَوِّمَاتِهِ بَلْ هُمَا من لَوَازِمِ الْفَاعِلِ وَلَا شَكَّ أَنَّ دَلَالَةَ الْفِعْلِ على الْمَفْعُولِ بِهِ أَقْوَى من دَلَالَتِهِ على الْمَفْعُولِ فيه وقال محمد بن يحيى في تَعْلِيقِهِ الْخِلَافُ الْمَفْهُومُ من اللَّفْظِ مُنْحَصِرٌ في ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ ما وُضِعَ له اللَّفْظُ كَاسْمِ الْبَيْتِ لِلْبَيْتِ وما دَلَّ عليه اللَّفْظُ وما تَضَمَّنَهُ كَدَلَالَةِ اسْمِ الْبَيْتِ على السَّقْفِ وَالْحَائِطِ وما لَزِمَهُ لِضَرُورَةِ الْوُجُودِ كَكَوْنِهِ ذَا ظِلٍّ وَاقِعٍ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ
- فَمِثَالُ الْأَوَّلِ دَلَالَةُ لَفْظِ الْأَيْمَانِ على مَعْنَاهُ وَمِثَالُ الثَّانِي دَلَالَةُ الطَّلَاقِ على الْمُطَلِّقِ وَالْمُطَلِّقَةِ وَمِثَالُ الثَّالِثِ دَلَالَتُهُ على زَمَانِ الطَّلَاقِ وَمَكَانِ الْمُطَلِّقِ أَمَّا الْمَوْضُوعُ فَيَحْتَمِلُ النِّيَّةَ بِالْإِجْمَاعِ كَلَفْظِ الْعَيْنِ وَالْقُرْءِ إذَا نَوَى بِهِ مُسَمَّيَاتِهِ وَأَمَّا اللَّازِمُ فَلَا يَحْتَمِلُهَا كما إذَا نَوَى زَمَانَ الطَّلَاقِ وَمَكَانَهُ وَأَمَّا الْمَدْلُولُ فَمَحَلُّ الْخِلَافِ وَلِهَذَا اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ في أَنَّ من قال وَاَللَّهِ لَا آكُلُ وَنَوَى بَعْضَ الْمَأْكُولَاتِ هل يُخَصُّ بِهِ يَمِينُهُ فإن الْمَأْكُولَاتِ التي يَتَعَلَّقُ بها الْأَكْلُ كَثِيرَةٌ وَغَيْرُ مَلْفُوظَةٍ وَضْعًا وَهَلْ يَقُومُ عُمُومُ الْمَدْلُولِ مَقَامَ عُمُومِ اللَّفْظِ حتى يَحْتَمِلَ التَّخْصِيصَ بِنِيَّتِهِ اخْتَلَفُوا فيه مع اتِّفَاقِهِمْ على أَنَّ تَعْيِينَ زَمَانِ الْأَكْلِ لَغْوٌ في نِيَّتِهِ وَالصَّحِيحُ إلْحَاقُ الْمَدْلُولِ بِالْمَوْضُوعِ فإنه مُرَادُ اللَّافِظِ بِلَفْظِهِ فَلَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فيه بِنِيَّتِهِ بِخِلَافِ ما ذَكَرُوهُ من الْمُقْتَضَى فَإِنَّمَا يُضْمَرُ لِضَرُورَةٍ لِصِحَّةِ الْكَلَامِ أو صِدْقِ الْمُتَكَلِّمِ وَلَا دَلَالَةَ لِلَّفْظِ عليه تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ ما حَكَيْنَاهُ عن أبي حَنِيفَةَ في هذه الْمَسْأَلَةِ هو الْمَشْهُورُ وَلِهَذَا قالوا لو قال إنْ تَزَوَّجْت أو أَكَلْت أو شَرِبْت أو سَكَنْت أو لَبِسْت أو اغْتَسَلْت وَنَوَى شيئا دُونَ شَيْءٍ لَا يُصَدَّقُ لِأَنَّهُ نَوَى التَّخْصِيصَ في الْفِعْلِ وَالْفِعْلُ لَا عُمُومَ له قال السُّرُوجِيُّ قد قال أَصْحَابُنَا في تَخْصِيصِ الْفِعْلِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ إذَا قال لها طَلِّقِي نَفْسَك وَنَوَى الثَّلَاثَ صَحَّتْ نِيَّتُهُ وإذا قال إنْ خَرَجْت وَنَوَى السَّفَرَ صُدِّقَ وإذا قال إنْ سَاكَنْتُك في هذه الدَّارِ وَنَوَى أَنْ يَكُونَ في بَيْتٍ منها غير مُعَيِّنٍ صُدِّقَ وإذا قال إنْ اشْتَرَيْت وَنَوَى الشِّرَاءَ لِنَفْسِهِ صُدِّقَ قال وَوَجْهُ خُرُوجِ هذه الْمَسَائِلِ عن هذا الْأَصْلِ أَنَّ في قَوْلِهِ طَلِّقِي نَفْسَك الْمَصْدَرُ فيه مَحْذُوفٌ أَيْ افْعَلِي فِعْلَ الطَّلَاقِ وَالْمَحْذُوفُ له عُمُومٌ لِأَنَّهُ من بَابِ اللُّغَةِ لَا من بَابِ الضَّرُورَةِ وَالْمَعْنَى فيه أَنَّ الْأَمْرَ طَلَبُ إدْخَالِ الْمَصْدَرِ في الْوُجُودِ لِأَنَّ الْأَمْرَ طَلَبُ الْفِعْلِ من الْفَاعِلِ الْمُخَاطَبِ بِخِلَافِ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ وهو فِعْلٌ فيه طَلَبُ الْمَصْدَرِ وَإِدْخَالُهُ في الْوُجُودِ فَكَانَ أَدَلَّ على الْمَصْدَرِ من مُجَرَّدِ الْفِعْلِ كَالْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ قال وَبِالتَّخْرِيجِ الثَّانِي أَجَبْت قَاضِيَ الْقُضَاةِ تَقِيَّ الدِّينِ بن رَزِينٍ الشَّافِعِيَّ لَمَّا سَأَلَنِي عن الْفَرْقِ بين طَلَّقْتُك وَطَلِّقِي نَفْسَك وَأَمَّا الْجَوَابُ عن قَوْلِهِ إنْ خَرَجْتُ أَنَّ بهذا الْفِعْلِ شُيُوعًا يُقَالُ خَرَجَ فُلَانٌ إلَى السَّفَرِ وَخَرَجَ من بَيْتِهِ وَدَارِهِ من غَيْرِ سَفَرٍ فَكَانَ السَّفَرُ يَحْتَمِلُ كَلَامَهُ في الْمَسْجِدِ وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْمُسَاكَنَةِ فَالْمُفَاعَلَةُ تَقَعُ من اثْنَيْنِ في
- الدَّارِ وَهِيَ في بَيْتٍ منها أَكْمَلُ فَقَدْ نَوَى النَّوْعَ الْكَامِلَ فَيُصَدَّقُ وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الشِّرَاءِ فَالشِّرَاءُ أَصَالَةً هو الْأَصْلُ فَكَانَ أَقْوَى فَجَازَ تَخْصِيصُهُ من اشْتَرَيْت وَنَظِيرُهُ عن مُحَمَّدٍ لَا يَتَزَوَّجُ وَنَوَى عَرَبِيَّةً أو حَبَشِيَّةً دِينَ في الْجِنْسِ وَلَوْ نَوَى كُوفِيَّةً أو بَصْرِيَّةً لَا يُقْبَلُ لِأَنَّ تَخْصِيصَ الْمَكَانِ قَلَّمَا يُعْتَبَرُ الثَّانِي أَنَّ الْغَزَالِيَّ حَكَى عن الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُمْ رَدُّوا هذه الْمَسْأَلَةَ إلَى أنها من قَبِيلِ الْمُقْتَضَى وَالْمُقْتَضَى لَا عُمُومَ له في تَقْدِيرِ ما يَصِحُّ بِهِ الْكَلَامُ فَكَذَلِكَ هذه كما أَنَّ مِثْلَ قَوْلِهِ عليه السَّلَامُ رُفِعَ عن أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ يَسْتَدْعِي مُقَدَّرًا لِيَصِحَّ بِهِ الْكَلَامُ ثُمَّ رَدَّ الْغَزَالِيُّ هذا بِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا من جِهَةِ أَنَّ الْمَصْدَرَ في الْمُقْتَضَى إنَّمَا هو لِيَتِمَّ الْكَلَامُ بِهِ وَيَكُونَ مُفِيدًا وَلَا كَذَلِكَ الْمَفْعُولُ فإن الْفِعْلَ يَدُلُّ عليه بِصِيغَتِهِ وَوَضْعِهِ فَالْأَكْلُ يَدُلُّ على الْمَأْكُولِ وَهَذَا صَحِيحٌ أَعْنِي دَلَالَةَ الْمَصْدَرِ على الْمَأْكُولِ مُطْلَقًا لَكِنْ من جِهَةِ مُقْتَضَاهُ لَا من جِهَةِ صِيغَتِهِ وَقَوْلُهُ إنَّ الْفِعْلَ الْمُتَعَدِّيَ يَدُلُّ على الْمَفْعُولِ بِصِيغَتِهِ وَوَضْعِهِ مَمْنُوعٌ فَقَدْ قال النَّحْوِيُّونَ الْأَفْعَالُ كُلُّهَا الْمُتَعَدِّيَةُ وَغَيْرُهَا تَدُلُّ على الْمَصْدَرِ وَالْفَاعِلِ وَظَرْفِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْحَالِ وَالْمَفْعُولِ من أَجْلِهِ وَغَيْرِ ذلك وَتَدُلُّ الْمُتَعَدِّيَةُ على الْمَفْعُولِ بِهِ لَكِنَّ دَلَالَتَهَا على الْأَشْيَاءِ تَخْتَلِفُ فَدَلَالَتُهَا على الْمَصْدَرِ وَظَرْفِ الزَّمَانِ الْمُعَيَّنِ دَلَالَةٌ بِالْوَضْعِ لِأَنَّهَا تَدُلُّ على الْمَصْدَرِ بِلَفْظِهَا وَعَلَى ظَرْفِ الزَّمَانِ الْمُعَيَّنِ بِصِيغَتِهَا وَدَلَالَتُهَا على الْبَاقِي بِالْمُقْتَضَى لَا بِالْوَضْعِ ثُمَّ إنْ دَلَّتْ على الْمَصْدَرِ بِالْوَضْعِ فَإِنَّهَا تَدُلُّ عليه مُطْلَقًا كَدَلَالَةِ أَكَلَ وَيَأْكُلُ على الْأَكْلِ وَلَا تَدُلُّ على أَنْوَاعِ الْأَكْلِ كَالْخَضْمِ وَالْقَضْمِ وَلَا يَدُلُّ على أَشْخَاصِ أَنْوَاعِهِ كَخَضْمِ زَيْدٍ وَقَضْمِ عَمْرٍو فَدَلَالَتُهَا على الْمَصْدَرِ الْمُطْلَقِ وَعَلَى تَفَاصِيلِهِ مُجْمَلٌ وَلِذَلِكَ تَدُلُّ بِصِيغَتِهَا على الزَّمَانِ الْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ مُطْلَقًا كَدَلَالَةِ أَكَلَ على الْمَاضِي وَلَا يَدُلُّ على أَمْسِ الْمُعَيَّنِ وَعَامِ أَوَّلٍ وَدَلَالَةُ يَأْكُلُ على الْمُضَارِعِ وَلَا يَدُلُّ على الْيَوْمِ وَغَدًا فَدَلَالَتُهَا على الْمَاضِي الْمُطْلَقِ أو الْمُضَارِعِ الْمُطْلَقِ نَصٌّ وَدَلَالَتُهَا على أَجْزَاءِ كُلٍّ منها مُجْمَلٌ وقد أُورِدَ على الْحَنَفِيَّةِ مَوَاقِفَهُمْ على نِيَّةِ التَّخْصِيصِ فِيمَا لو صَرَّحَ بِالْمَصْدَرِ فقال لَا آكُلُ أَكْلًا فَالْفِعْلُ دَالٌّ عليه فَلَا فَرْقَ بين التَّصْرِيحِ بِهِ وَعَدَمِهِ وَأَجَابُوا بِأَنَّ الْمَصْدَرَ الثَّابِتَ لُغَةٌ في قَوْلِهِ لَا آكُلُ هو الدَّالُّ على الْمَاهِيَّةِ لَا على الْأَفْرَادِ بِخِلَافِ لَا آكُلُ أَكْلًا فإنه نَكِرَةٌ في مَوْضِعِ الْعُمُومِ فَيَجُوزُ
- تَخْصِيصُهُ بِالنِّيَّةِ وَيُرَدُّ عليه بِأَنَّهُمْ حَنَّثُوهُ بِكُلِّ أَكْلٍ فِيمَا إذَا لم يُصَرِّحْ بِالْمَصْدَرِ وَلَوْ لم يَكُنْ عَامًّا لَمَا تَوَجَّهَ ذلك وَغَايَةُ ما قالوا في تَوْجِيهِهِ أَنَّ قَوْلَهُ لَا آكُلُ مَعْنَاهُ لَا أُوجِدُ مَاهِيَّةَ الْآكِلِ وهو يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ فَرْدٍ من أَفْرَادِهِ وقد اعْتَرَضَ الْقَرَافِيُّ على فَرْقِ الْغَزَالِيِّ بِأَنَّ مَنْعَ عُمُومِ الْمُقْتَضَى لِأَجْلِ أَنَّ صِحَّةَ الْكَلَامِ يَتِمُّ بِتَقْدِيرٍ وَاحِدٍ فَيَقْتَصِرُ عليه وَلَا يَحْتَاجُ إلَى غَيْرِهِ فَلَا عُمُومَ وَهَكَذَا يُقَالُ في هذه الْمَفَاعِيلِ وَهَذَا لَا يَجِيءُ على طَرِيقَةِ الْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّهُمْ يَمْنَعُونَ من دَلَالَتِهِ على مَفْعُولٍ أَلْبَتَّةَ ثُمَّ هو بِنَاءٌ على أَنَّ الْمُقْتَضَى لَا عُمُومَ له وَهِيَ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ فَوَائِدُ الْكَلَامُ الْمُطْلَقُ إذَا نُوِيَ بِهِ مُقَيَّدٌ كَالْكَلَامِ في الْعَامِّ إذَا نُوِيَ بِهِ الْخَاصُّ وقد رَدَّهُ الْقَرَافِيُّ في هذه الْمَسْأَلَةِ إلَى الْمُطْلَقِ بِنَاءً على قَاعِدَتِهِ أَنَّ الْعَامَّ في الْأَشْخَاصِ مُطْلَقٌ في الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمَانِ وَالْأَمْكِنَةِ قال فَتَكُونُ الْمَسْأَلَةُ مع الْحَنَفِيَّةِ في أَنَّ تَقْيِيدَ الْمُطْلَقِ هل يَجُوزُ في غَيْرِ الْمَلْفُوظِ أَيْ فِيمَا دَلَّ عليه الْتِزَامًا أَمْ لَا وقد سَبَقَ رَدُّ هذه الْقَاعِدَةِ مَسْأَلَةٌ إفَادَةُ الْمَصْدَرِ الْعُمُومَ قِيلَ إنَّ مُجَرَّدَ الْمَصْدَرِ يَدُلُّ على اسْتِيعَابِ الْأَفْرَادِ وَحَكَاهُ في الْمَحْصُولِ في الْكَلَامِ على أَنَّ الْمَجَازَ غَالِبٌ في اللُّغَاتِ عن ابْنِ جِنِّي وهو بَعِيدٌ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ مُسْتَغْرِقٌ بِاعْتِبَارِ الصَّلَاحِيَّةِ كما سَيَأْتِي نَظِيرُهُ في الْجَمْعِ الْمُنْكَرِ وَزَعَمَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يُشْعِرُ بِعُمُومٍ وَلَا خُصُوصٍ قال من قال إنَّهُ مُشْتَرِكٌ بين الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ فَقَدْ زَلَّ لِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ من الْفِعْلِ على رَأْيٍ أو الْفِعْلُ منه على آخَرَ وَيَسْتَحِيلُ تَخَيُّلُ الْعُمُومِ في الْفِعْلِ وَلَوْ اقْتَرَنَتْ بِهِ قَرِينَةُ عُمُومٍ فَالْعُمُومُ منها لَا منه كما لو اقْتَرَنَتْ بِالْفِعْلِ وَأَوْرَدَ أَنَّ وَصْفَهُ بِالْكَثْرَةِ نَحْوُ ضَرْبًا كَثِيرًا يَقْتَضِي أنها أَحَدُ مَحْمَلَيْهِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي أنها أَجْنَبِيَّةٌ وَالْمَوْصُوفُ لَا يُشْعِرُ بِالصِّفَةِ وقال الْمَازِرِيُّ أَمَّا كَوْنُهُ غير مُشْعِرٍ بِالْجَمْعِ فَمُتَّفَقٌ عليه وَأَمَّا كَوْنُهُ صَالِحًا لِلْإِشْعَارِ فَمُخْتَلَفٌ فيه وَاخْتَارَ الْإِمَامُ أَنَّهُ غَيْرُ مُشْعِرٍ بِوَاحِدٍ أو جَمْعٍ وَتَمَسَّكَ بِاعْتِذَارِ سِيبَوَيْهِ عن قَوْلِهِمْ ضَرَبْته ضَرْبًا كَثِيرًا نَعْتٌ لِلضَّرْبِ من غَيْرِ أَنْ يَكُونَ في الضَّرْبِ التَّعَدُّدُ وَالْمَنْعُوتُ لَا
- يُشْعِرُ بِنَعْتِهِ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِمْ رَأَيْت رَجُلًا عَالِمًا فإن لَفْظَةَ رَجُلٍ لَا تُشْعِرُ بِعَالَمٍ وَأَنْكَرَ عليه ابن خَرُوفٍ ذلك وقال هذا لم يَقُلْهُ سِيبَوَيْهِ وَلَا هو مَذْهَبُهُ قُلْت وقال صَاحِبُ الْبَيَانِ من أَصْحَابِنَا إذَا قُلْت أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقًا أو أَنْتِ طَالِقٌ الطَّلَاقَ فإنه لَا يَقَعُ عليها إلَّا طَلْقَةٌ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يَزِيدُ بِهِ الْكَلَامُ وَإِنَّمَا يَدْخُلُ لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ ضَرَبْت زَيْدًا ضَرْبًا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ ما زَادَ على وَاحِدَةٍ فَيَقَعُ ما نَوَاهُ كما لو لم يَأْتِ بِالْمَصْدَرِ انْتَهَى تَنْبِيهٌ إفَادَةُ الْأَفْعَالِ الْوَاقِعَةِ صِلَةً لِمَوْصُولٍ حَرْفِيٍّ الْعُمُومَ ما أَطْلَقُوهُ من أَنَّ الْفِعْلَ لَا يَدُلُّ على اسْتِغْرَاقِهِ في حَيِّزِ الْإِثْبَاتِ مَبْنِيٌّ على أَنَّهُ نَكِرَةٌ وقد نَقَلَ الزَّجَّاجِيُّ في الْإِيضَاحِ إجْمَاعَ النَّحْوِيِّينَ على أَنَّ الْأَفْعَالَ نَكِرَاتٌ وَلِهَذَا امْتَنَعَ الْإِضَافَةُ إلَيْهَا لِانْتِفَاءِ فَائِدَةِ الْإِضَافَةِ وَلْيُتَفَطَّنَ لِفَائِدَةٍ حَسَنَةٍ وَهِيَ إنَّمَا هذا في غَيْرِ الْأَفْعَالِ الْوَاقِعَةِ جُمْلَةً لِمَوْصُولٍ حَرْفِيٍّ أَمَّا الْمَذْكُورَاتُ فَإِنَّهَا لِلْعُمُومِ لِأَنَّك إذَا قُلْت أَعْجَبَنِي أَنْ قام زَيْدٌ فَمَعْنَاهُ قِيَامُهُ فَهُوَ اسْمٌ في الْمَعْنَى فَيَجْرِي على حُكْمِ اسْمِ الْجِنْسِ الْمُضَافِ وَهَذَا يَخْرُجُ من كَلَامِ النَّحْوِيِّينَ وَالْبَيَانِيِّينَ
- فَصْلٌ في ذِكْرِ مَرَاتِبِ الصِّيَغِ زَعَمَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن الْقُشَيْرِيّ أَنَّ أَعْلَاهَا أَسْمَاءُ الشَّرْطِ وَالنَّكِرَةُ في النَّفْيِ وَادَّعَى الْقَطْعَ بِوَضْعِ ذلك الْعُمُومِ وَأَنَّ عِلْمَهُ بِذَلِكَ تَسْمِيَةٌ خَارِجَةٌ مَخْصُوصَةٌ رَأْسًا قال وَجَمْعُ الْكَثْرَةِ ظَاهِرٌ فيه لَا نَصُّ وَكَلَامُ الْمَحْصُولِ وَأَتْبَاعِهِ مُصَرِّحٌ بِأَنَّ أَعْلَاهَا أَسْمَاءُ الشَّرْطِ وَالِاسْتِفْهَامِ ثُمَّ النَّكِرَةُ الْمَنْفِيَّةُ لِدَلَاتِهَا بِالْقَرِينَةِ لَا بِالْوَضْعِ وَعَكَسَ الْهِنْدِيُّ في بَابِ التَّرَاجِيحِ فَقَدَّمَ النَّكِرَةَ الْمَنْفِيَّةَ على الْكُلِّ فَحَصَّلَ ثَلَاثَةَ آرَاءٍ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ أَلْفَاظُ الْجُمُوعِ أَبْيَنُ وُجُوهِ الْعُمُومِ ثُمَّ يَلِيهَا اسْمُ الْجِنْسِ الْمُعَرَّفُ بِاللَّامِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْإِضَافَةَ دُونَ ذلك في الرُّتْبَةِ وَعَكَسَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ هذه الْمَقَالَةَ في تَفْسِيرِهِ فَزَعَمَ أَنَّ الْإِضَافَةَ أَدَلُّ على الْعُمُومِ من الْأَلِفِ وَاللَّامِ وَالنَّكِرَةَ الْمَنْفِيَّةَ أَدَلُّ على الْعُمُومِ منها في سِيَاقِ النَّفْيِ وَاَلَّتِي بِمِنْ أَدَلُّ من الْمُجَرَّدَةِ منها وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُ أبي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ إنَّ مَجِيءَ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ مُعَرَّفَةً بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ أَكْثَرُ من مَجِيئِهَا مُضَافَةً وقال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ في التَّلْوِيحِ أَلْفَاظُ الْعُمُومِ أَرْبَعَةٌ أَحَدُهَا عَامٌّ بِصِيغَتِهِ وَمَعْنَاهُ كَالرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالثَّانِي عَامٌّ بِمَعْنَاهُ لَا بِصِيغَتِهِ كَالرَّهْطِ وَالْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَغَيْرِهَا من أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فيه وَالثَّالِثُ أَلْفَاظٌ مُبْهَمَةٌ نَحْوُ ما وَمَنْ وَهَذَا يَعُمُّ كُلَّ وَاحِدٍ وَالرَّابِعُ النَّكِرَةُ في سِيَاقِ النَّفْيِ نَحْوُ لم أَرَ رَجُلًا وَذَلِكَ يَعُمُّ لِضَرُورَةِ صِحَّةِ الْكَلَامِ وَتَحْقِيقِ غَرَضِ الْمُتَكَلِّمِ من الْإِفْهَامِ لَا أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْجَمْعَ بِصِيغَتِهِ فَالْعُمُومُ فيه من الْقَرِينَةِ فَلِهَذَا لم يَخْتَلِفُوا فيه انْتَهَى وقال إلْكِيَا في مَوْضِعٍ آخَرَ الْعَامُّ الذي لم يَرِدْ على سَبَبٍ أَقْوَى من الْوَارِدِ وَلِهَذَا اخْتَلَفُوا في التَّمَسُّكِ بِعُمُومِهِ دُونَ الْأَوَّلِ وقال الشَّيْخُ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ بَحَثَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْبَاحِثِينَ لَا الْمُصَنِّفِينَ في مَنْعِ تَفَاوُتِ رُتَبِ الْعُمُومِ نَظَرًا إلَى أَنَّ دَلَالَةَ اللَّفْظِ الْعَامِّ على أَفْرَادِهِ وَضْعِيَّةٌ وَلَا تَفَاوُتَ في الْوَضْعِ وَتَنَاوُلَهُ لِلْأَفْرَادِ
- وقد صَرَّحَ في الْمُسْتَصْفَى بِتَفَاوُتِ مَرَاتِبِ الْعُمُومِ في تَنَاوُلِهَا لِبَعْضِ الْأَفْرَادِ لَكِنْ هذا التَّفَاوُتُ ليس من جِهَةِ الْوَضْعِ وَإِنَّمَا هو لِأُمُورٍ خَارِجَةٍ عنه وَالْعُمُومُ يَضْعُفُ بِأَنْ لَا يَظْهَرَ فيه قَصْدُ التَّعْمِيمِ وَسِرُّ ذلك بِأَنْ يَكْثُرَ الْمَخْرَجُ منه وَيَتَطَرَّقُ إلَيْهِ تَخْصِيصَاتٌ كَثِيرَةٌ وَمَثَّلَهُ بِأَصْلِ دَلَالَةِ الْبَيْعِ فإن دَلَالَةَ قَوْلِهِ عليه السَّلَامُ لَا تَبِيعُوا الْبُرَّ بِالْبُرِّ على تَحْرِيمِ الْأَرُزِّ أَظْهَرُ من دَلَالَةِ هذا الْعُمُومِ على تَحْلِيلِهِ وَلِهَذَا جَوَّزَ عِيسَى بن أَبَانَ دُونَ ما بَقِيَ على الْعُمُومِ قال وَلَا يَبْعُدُ ذلك عِنْدَنَا فِيمَا بَقِيَ عَامًّا لِأَنَّا لَا نَشُكُّ في أَنَّ الْعُمُومَاتِ بِالنِّسْبَةِ إلَى بَعْضِ الْمُسَمَّيَاتِ تَخْتَلِفُ بِالْقُوَّةِ لِاخْتِلَافِ ظُهُورِ إرَادَةِ قَصْدِ ذلك الْمُسَمَّى بها فإذا تَقَابَلَا وَجَبَ تَقْدِيمُ أَقْوَى الْعُمُومَيْنِ وَكَذَا الْقِيَاسَانِ إذَا تَقَابَلَا وَجَبَ تَقْدِيمُ أَجْلَاهُمَا وَأَقْوَاهُمَا قال الشَّيْخُ أَمَّا ظُهُورُ قَصْدِ التَّعْمِيمِ فَلَا شَكَّ في اقْتِضَائِهِ الْقُوَّةَ لَكِنْ قد يُقَالُ هل الْمُعْتَبَرُ في الضَّعْفِ عَدَمُ قَصْدِ التَّعْمِيمِ أو قَصْدُ عَدَمِ التَّعْمِيمِ وَالظَّاهِرُ الثَّانِي وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُسْتَصْفَى الْأَوَّلُ ثُمَّ ذلك إنَّمَا يَكُونُ بِقَرَائِنَ خَارِجَةٍ عن مَدْلُولِ اللَّفْظِ وَنَحْوِهِ ثُمَّ قَسَّمُوا الْمَرَاتِبَ على ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا أَنْ يَظْهَرَ أَنَّ الرَّسُولَ عليه السَّلَامُ لم يَقْصِدْ التَّعْمِيمَ وَإِنْ كان اللَّفْظُ عَامًّا لُغَةً كَقَوْلِهِ فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ فإن سِيَاقَهُ لِبَيَانِ قَدْرِ الْوَاجِبِ لَا غَيْرُ فَهَذَا لَا عُمُومَ له في قَصْدِهِ وَكَذَا قَوْله تَعَالَى وَثِيَابَك فَطَهِّرْ لَا عُمُومَ له في الْآلَةِ الْمُطَهِّرَةِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَمْرُ بِأَصْلِ التَّطْهِيرِ الثَّانِي لَفْظٌ عَامٌّ ظَهَرَ منه قَصْدُ التَّعْمِيمِ بِقَرِينَةٍ زَائِدَةٍ على اللَّفْظِ فَحَكَمَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِأَنَّهُ لَا يُؤَوَّلُ بِقِيَاسٍ قال بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنْ كانت الْقَرِينَةُ تُفِيدُ الْعِلْمَ بِالتَّعْمِيمِ صَارَ نَصًّا وَإِنْ لم يُفِدْهُ إلَّا قُوَّةَ الظَّنِّ فما الْمَانِعُ من تَأْوِيلِهِ بِقِيَاسٍ أَجْلَى منه في النَّظَرِ فَلَا وَجْهَ لِهَذَا الْإِطْلَاقِ الثَّالِثُ لَفْظٌ عَامٌّ لُغَةً وَلَا قَرِينَةَ معه في تَعْمِيمٍ وَلَا تَقْتَضِيهِ فَالْوَاجِبُ إذَا أُوِّلَ وَعُضِّدَ بِقِيَاسٍ اتِّبَاعُ الْأَرْجَحِ في الظَّنِّ فَإِنْ اسْتَوَيَا وَقَفَ عِنْدَ الْقَاضِي وَصَوَّبَهُ بَعْضُهُمْ وَقَدَّمَ الْإِمَامُ الْخَبَرَ لِنَصِّيَّتِهِ وهو كَقَوْلِهِ إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ انْتَهَى
- وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ يقول إنَّهُ لو قُدِّمَ ظَنِّيُّ الْقِيَاسِ على ظَنِّيِّ اللَّفْظِ لَكَانَ تَقْدِيمًا لِمَرْتَبَةِ الْقِيَاسِ على مَرْتَبَةِ الْخَبَرِ وإذا آلَ الْأَمْرُ إلَى تَقْدِيمِ الْأَرْجَحِ في الظَّنِّ فَقِيَاسُ الشَّبَهِ ضَعِيفٌ فَإِنْ قِيلَ بِهِ فَيُقَدَّمُ عليه الْعُمُومُ بِالنَّظَرِ إلَى رُتْبَتِهِ وَرُتْبَتُهُ الْعُمُومُ وَأَمَّا النَّظَرُ إلَى الْجُزْئِيَّاتِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ الْقِيَاسُ الشَّبَهِيُّ إلَّا عِنْدَ ضَعْفِ الْعُمُومِ ضَعْفًا شَدِيدًا بِحَيْثُ يَكُونُ قِيَاسُ الشَّبَهِ أَغْلَبَ على الظَّنِّ منه فَإِنَّا رَأَيْنَاهُمْ يَسْتَدِلُّونَ بِعُمُومَاتٍ وَنُصُوصٍ بَعِيدَةِ التَّنَاوُلِ في الْقَصْدِ لِمَحَلِّ النِّزَاعِ بِظُهُورِ الْقَصْدِ وَأَمَّا قِيَاسُ الْعِلَّةِ فَهُوَ أَرْفَعُ من الشَّبَهِ وَأَمَّا ما ليس فيه إلَّا مُجَرَّدُ مُنَاسَبَةٍ يُبْدِيهَا النَّظَرُ لَا تَقْوَى بِالتَّعْلِيلِ فَالْأَوْلَى تَقْدِيمُ الْعُمُومِ وَالظَّاهِرُ عليها لَا سِيَّمَا إذَا قَرُبَ أَنْ يُزَاحِمَ وكان تَرْجِيحُهَا على ما يُعَامَلُ بِهِ ليس بِقَوِيٍّ مَسْأَلَةٌ الْجَمْعُ الْمُنَكَّرُ كَرِجَالٍ فيه وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في اللُّمَعِ وَسُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ عَامٌّ وَنَصَرَهُ ابن حَزْمٍ في كِتَابِ الْإِحْكَامِ وَحَكَاهُ ابن بَرْهَانٍ عن الْمُعْتَزِلَةِ لِأَنَّهُ يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ منه قال صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ حَكَاهُ الْقَاضِي عبد الْجَبَّارِ عن أبي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ وَحُكِيَ عن أبي هَاشِمٍ مُخَالَفَتُهُ وهو قَوْلُ جُمْهُورِ الْحَنَفِيَّةِ وَاخْتَارَهُ الْبَزْدَوِيُّ وابن السَّاعَاتِيِّ وَأَصَحُّهُمَا كما قال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ وَسُلَيْمٌ أَنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ عَامَّةُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ ليس بِعَامٍّ لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ سَمَّوْهُ نَكِرَةً وَلَوْ تَنَاوَلَ جَمِيعَ الْجِنْسِ لم يَكُنْ نَكِرَةً قال وَعَلَى هذا فِيمَا يُحْمَلُ عليه وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا على أَقَلِّ الْجَمْعِ وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ عن أبي هَاشِمٍ وَالثَّانِي يُحْمَلُ على الْجَمْعِ وَلَا يُقْتَصَرُ على أَقَلِّهِ قال سُلَيْمٌ وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ قال صَاحِبُ الْمِيزَانِ وَأَصْلُ الْخِلَافِ أَنَّ النَّكِرَةَ في سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ تَعُمُّ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ على طَرِيقِ الْبَدَلِ كما قالوا في خِصَالِ الْكَفَّارَةِ وَمِنْهُمْ من حَكَى في الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ مَذَاهِبَ أَصَحُّهَا ليس بِعَامٍّ وَالثَّانِي عَامٌّ وهو رَأْيُ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ قالوا الْعَامُّ ما انْتَظَمَ جَمْعًا من الْمُسَمَّيَاتِ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ وَاسِطَةٌ بَيْنَهُمَا وهو قَوْلُ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ من الْحَنَفِيَّةِ وهو غَرِيبٌ ** مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة ** تَنْبِيهَانِ أَحَدُهُمَا أَطْلَقُوا الْخِلَافَ قال الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ وَاَلَّذِي أَظُنُّهُ أَنَّ الْخِلَافَ في غَيْرِ جَمْعِ الْقِلَّةِ وَإِلَّا فَالْخِلَافُ فيه بَعِيدٌ جِدًّا إذْ هو مُخَالِفٌ لِنَصِّهِمْ فَإِنَّهُمْ نَصُّوا على أَنَّهُ لِلْعَشَرَةِ فما دُونَهَا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ فَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لِلْعُمُومِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِمْ انْتَهَى لَكِنْ حَكَاهُ الْجُمْهُورُ عن الْجُبَّائِيُّ وَمِنْهُمْ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ في مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ مُصَرِّحًا بِأَنَّهُ يَجْعَلُ الْجَمْعَ الْمُنَكَّرَ بِمَنْزِلَةِ الْمُعَرَّفِ وَقَضِيَّةُ ذلك عَدَمُ التَّفْرِقَةِ بين جُمُوعِ الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ وهو قَضِيَّةُ كَلَامِ الْبَزْدَوِيُّ أَعْنِي أَنَّ جُمُوعَ الْقِلَّةِ لِلْعُمُومِ وَإِنْ كانت مُنَكَّرَةً وَعَلَى هذا فَيُحْمَلُ على أَقَلِّ الْجَمْعِ الصَّالِحِ له لَكِنْ فَرَّقَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بَيْنَهُمَا فقال في جَمْعِ الْقِلَّةِ الْمُنَكَّرِ يُحْمَلُ على الْمُتَيَقَّنِ وهو أَقَلُّ الْجَمْعِ وَجَمْعُ الْكَثْرَةِ يُحْمَلُ على الْعُمُومِ وَإِنْ كان نَكِرَةً وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ أَيْضًا أَنَّهُمْ حَكَوْا عن الْجُبَّائِيُّ صِحَّةَ الِاسْتِثْنَاءِ من الْجَمْعِ الْمُنَكَّرِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ بين النَّحْوِيِّينَ فَمِنْهُمْ من جَوَّزَهُ لِأَنَّ النَّكِرَةَ مُتَرَدِّدَةٌ بين مَحَالَّ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ لِأَنَّهَا عَامَّةٌ على الْبَدَلِ فَحَسُنَ الِاسْتِثْنَاءُ من أَجْلِ عُمُومِ الْمَحَالِّ وَعَلَى هذا فَنَقُولُ جَاءَنِي رِجَالٌ إلَّا زَيْدٌ وَقِيلَ بِالْمَنْعِ وهو الصَّحِيحُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِأَنَّ النَّكِرَةَ لَا تَتَنَاوَلُ أَكْثَرَ من فَرْدٍ بِلَفْظِهَا فَيَكُونُ الْإِخْرَاجُ منها مُحَالًا وَلِهَذَا كانت في قَوْله تَعَالَى لو كان فِيهِمَا آلِهَةٌ إلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا لِلْوَصْفِ لَا الِاسْتِثْنَاءِ وَيُقَوِّي الْأَوَّلَ قَوْله تَعَالَى إنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّهُمْ نَصُّوا على أَنَّ أَلْ الْجِنْسِيَّةَ في الْمَعْنَى كَالنَّكِرَةِ لِعَدَمِ التَّعْيِينِ الثَّانِي أَنَّ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ عَامٌّ يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ مُرَادَهُمْ بِاعْتِبَارِ صَلَاحِيَّتِهِ لِأَفْرَادِ الْجُمُوعِ لَا اسْتِغْرَاقِ الْأَفْرَادِ مسألة ضمير الجمع كقوله تعالى وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وقوله أنتم للمخاطبين وهم للغائبين فإنه ضمير يرجع إلى المذكورين أولا إن سبق ذكرهم وإلا رجع إلى المدلول الذي يجوز صرف الضمير إليه وإن كان في موضع الخطاب انصرف للمخاطبين
- فالحاصل أن عمومه وخصوصه يتقدر بقدر ما يرجع إليه وفيه دقيقة لا تخفى وهي أن لا يدخله التخصيص لأنه موضوع للكناية عن المراد فإن كان المراد عاما كان حقيقة وإن كان خاصا كان حقيقة فلا يثبت التخصيص لأنه عبارة عن خروج بعض ما يتناوله اللفظ وهو لا يتناول إلا المراد لأنه موضوع للكناية عن المراد فلا يقبل التخصيص وممن ذكر أن الكناية تابعة للمكنى في العموم والخصوص الإمام في المحصول والهندي في النهاية وقال صاحب الكبريت الأحمر أما إذا قال افعلوا فذكر القاضي عبد الجبار في الدرس عن الشيخ أبي عبد الله البصري أنه يحمل على الاستغراق وقال أبو الحسين البصري الأولى أن يصرف إلى المخاطبين سواء كانوا ثلاثة أو أكثر وأطلق سليم في التقريب أن المطلقات لا عموم فيها لقوله تعالى وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض ولم يبين فيه ما هم أولى به وإنما يضمر فيه فلا يدعى فيه العموم ولا الخصوص وإنما يدعى في الألفاظ الظاهرة وكذلك الأعلام كزيد وعمرو لا عموم فيها انتهى مَسْأَلَةٌ قد ذَكَرْنَا أَنَّ الْجَمْعَ الْمُنَكَّرَ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ مَحْمُولٌ على أَقَلِّ الْجَمْعِ فَيَحْتَاجُ إلَى تَعْرِيفِهِ وَالْخِلَافُ في أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ مَاذَا لَا بُدَّ من تَحْرِيرِهِ فَنَقُولُ ليس الْخِلَافُ في مَعْنَى لَفْظِ الْجَمْعِ الْمُرَكَّبِ من الْجِيمِ وَالْمِيمِ وَالْعَيْنِ كما قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَإِلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ وَسُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ فإن ج م ع مَوْضُوعُهَا يَقْتَضِي ضَمَّ شَيْءٍ إلَى شَيْءٍ وَذَلِكَ حَاصِلٌ في الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وما زَادَ بِلَا خِلَافٍ قال سُلَيْمٌ بَلْ قد يَقَعُ على الْوَاحِدِ كما يُقَالُ جَمَعْت الثَّوْبَ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ وَإِلَيْهِ يُشِيرُ كَلَامُ الْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ في كِتَابِ التَّرْتِيبِ وَأَنَّ لَفْظَ الْجَمْعِ مَحَلُّ وِفَاقٍ فإنه قال لَفْظُ الْجَمْعِ في اللُّغَةِ له مَعْنَيَانِ الْجَمْعُ من حَيْثُ الْفِعْلُ الْمُشْتَقُّ منه الذي هو مَصْدَرُ جَمَعَ يَجْمَعُ جَمْعًا وَالْجَمْعُ الذي هو لَقَبٌ وهو اسْمٌ لِعَدَدٍ وُضِعَ فَوْقَ الِاثْنَيْنِ لِلِاسْتِغْرَاقِ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ وَهَذَا اللَّقَبُ لِهَذَا الْعَدَدِ كَسَائِرِ الْأَلْقَابِ كَزَيْدٍ وَحِمَارٍ وَنَارٍ وقال وَبَعْضُ من لم يَهْتَدِ إلَى هذا الْفَرْقِ خَلَطَ الْبَابَ فَظَنَّ أَنَّ الْجَمْعَ الذي هو بِمَعْنَى اللَّقَبِ من جُمْلَةِ الْجَمْعِ الذي بِمَعْنَى الْفِعْلِ فقال إذَا كان الْجَمْعُ من الضَّمِّ
- فَالْوَاحِدُ إذَا أُضِيفَ إلَى الْوَاحِدِ فَقَدْ جُمِعَ بَيْنَهُمَا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ جَمْعًا وَثَبَتَ أَنَّ الِاثْنَيْنِ أَقَلُّ الْجَمْعِ وَخَالَفَ بهذا الْقَوْلِ جَمِيعَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَسَائِرَ من كان مثله من أَهْلِ الْعِلْمِ وقال إنَّ هذا الْمُخَالِفَ هو أبو بَكْرٍ الْقَفَّالُ وَفِيهِ نَظَرٌ فإن الشَّيْخَ أَبَا مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيَّ حَكَى عن الْقَفَّالِ الشَّاشِيِّ أَنَّهُ قال في أُصُولِهِ أَقَلُّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ وَضَعَّفَ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ اثْنَانِ وَلَيْسَ من مَحَلِّ الْخِلَافِ أَيْضًا تَعْبِيرُ الِاثْنَيْنِ عن أَنْفُسِهِمَا بِضَمِيرِ الْجَمْعِ نَحْوُ نَحْنُ فَعَلْنَا لِأَنَّ الْعَرَبَ لم تَضَعْ لِلْمُتَكَلِّمِ ضَمِيرَ التَّثْنِيَةِ كما وَضَعَتْ لِلْمُخَاطَبِ وَالْغَائِبِ وَلَيْسَ لِلِاثْنَيْنِ إذَا عَبَّرَا عن أَنْفُسِهِمَا بِمُضْمَرٍ إلَّا الْإِتْيَانُ بِضَمِيرِ الْجَمْعِ وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَيْضًا أَنَّ الْخِلَافَ ليس في مَدْلُولِ مِثْلِ قَوْلِهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَقَوْلِ الْقَائِلِ ضَرَبْت رُءُوسَ الرَّجُلَيْنِ وَقَطَعْت بُطُونَهُمَا بَلْ الْخِلَافُ في الصِّيَغِ الْمَوْضُوعَةِ لِلْجَمْعِ سَوَاءٌ كانت لِلسَّلَامَةِ أو التَّكْسِيرِ كما قال إلْكِيَا نَحْوُ مُسْلِمِينَ وَرِجَالٍ وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ الْخِلَافُ في أَقَلِّ الْجَمْعِ الذي تَقْتَضِيهِ صِيغَةُ الْجَمْعِ بِنَفْسِهَا أو بِعَلَامَةِ الْجَمْعِ وهو ظَاهِرُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ أَيْضًا فإنه جَعَلَ من صُوَرِ الْخِلَافِ لَفْظَ الناس وَفِيهِ مَذَاهِبُ الْمَذَاهِبُ في أَقَلِّ الْجَمْعِ الْأَوَّلُ أَنَّ أَقَلَّهُ اثْنَانِ وهو الْمَرْوِيُّ عن عُمَرَ وَزَيْدِ بن ثَابِتٍ وَحَكَاهُ عبد الْوَهَّابِ عن الْأَشْعَرِيِّ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ قال الْبَاجِيُّ وهو قَوْلُ الْقَاضِي أبي بَكْرٍ وَحَكَاهُ هو وابن خُوَيْزِ مَنْدَادٍ عن مَالِكٍ وَاخْتَارَهُ الْبَاجِيُّ وقال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ كان الْأَشْعَرِيُّ يَخْتَارُهُ وَيَنْصُرُهُ في الْمَجَالِسِ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ عن الْقَاضِي أبي يُوسُفَ قال وَلِهَذَا ذَهَبَ إلَى انْعِقَادِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ بِاثْنَيْنِ سِوَى الْإِمَامِ فَجَعَلَ قَوْلَهُ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ مُتَنَاوِلًا اثْنَيْنِ وَأَنْكَرَ ذلك السَّرَخْسِيُّ كما سَيَأْتِي وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ عن أَهْلِ الظَّاهِرِ وَسُلَيْمٌ عن الْأَشْعَرِيَّةِ وَبَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ وقال ابن حَزْمٍ إنَّهُ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الظَّاهِرِ ثُمَّ أَجَازَ خِلَافَهُ وَحَكَاهُ ابن الدَّهَّانِ النَّحْوِيُّ في الْغُرَّةِ عن مُحَمَّدِ بن دَاوُد وَأَبِي يُوسُفَ وَالْخَلِيلِ وَنِفْطَوَيْهِ قال وَسَأَلَ سِيبَوَيْهِ الْخَلِيلَ عن ما أَحْسَنُ فقال الِاثْنَانِ جَمْعٌ وَعَنْ ثَعْلَبٍ
- أَنَّ التَّثْنِيَةَ جَمْعٌ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ وقد يُحْتَجُّ لِهَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى قالوا يا مُوسَى اجْعَلْ لنا إلَهًا كما لهم آلِهَةٌ لِأَنَّهُمْ طَلَبُوا إلَهًا مع اللَّهِ ثُمَّ قالوا كما لهم آلِهَةٌ فَدَلَّ على أَنَّهُمْ إذَا صَارَ لهم إلَهَانِ صَارُوا بِمَنْزِلَةِ آلِهَةٍ الثَّانِي أَنَّ أَقَلَّهُ ثَلَاثَةٌ وَبِهِ قال عُثْمَانُ وابن عَبَّاسٍ وهو ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ في الرِّسَالَةِ وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ في كِتَابِ الْعَدَدِ عن نَصِّ الشَّافِعِيِّ قال وهو مَشْهُورُ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إنَّهُ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وقال إلْكِيَا هو مُخْتَارُ الشَّافِعِيِّ وَنَقَلَهُ ابن حَزْمٍ عن الشَّافِعِيِّ وَبِهِ يَأْخُذُ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ عن أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ إنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَرَأَيْت من حَكَى عنه اخْتِيَارَ الْأَوَّلِ وهو سَهْوٌ وَنَقَلَهُ عبد الْوَهَّابِ عن مَالِكٍ قال وَبِهِ أَجَابَ فِيمَنْ قال عَلَيَّ عُهُودُ اللَّهِ أنها ثَلَاثَةٌ وَلَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ وَنَحْوُهُ وَنَقَلَهُ أبو الْخَطَّابِ من الْحَنَابِلَةِ عن نَصِّ أَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ وَحَكَاهُ سُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ عن أَهْلِ الْعِرَاقِ وَعَامَّةِ الْمُعْتَزِلَةِ وَحَكَاهُ ابن الدَّهَّانِ عن جُمْهُورِ النُّحَاةِ وقال ابن خَرُوفٍ في شَرْحِ الْكِتَابِ إنَّهُ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ قال وإذا كَانُوا لَا يُوقِعُونَ الْجَمْعَ الْكَثِيرَ مَوْضِعَ الْقَلِيلِ وَلَا الْقَلِيلَ مَوْضِعَ الْكَثِيرِ إذَا كان لِلِاسْمِ جَمْعُ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ فَأَحْرَى أَنْ لَا يُوقِعُوا على الِاثْنَيْنِ لَفْظَ الْجَمْعِ وقال الْأُسْتَاذُ أبو بَكْرِ بن طَاهِرٍ الِاثْنَانِ وَإِنْ كان جَمْعًا لَا يُعَبَّرُ عنهما بِذَلِكَ لِلَّبْسِ انْتَهَى وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ عن الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَنِسْبَتُهُ على أَنَّ الْمُرَادَ أَقَلُّ الْجَمْعِ لِلْعَدَدِ قال فَأَمَّا الِاثْنَانِ فَجَمْعُهُمَا جَمْعُ اجْتِمَاعٍ لَا جَمْعُ عَدَدٍ وقال الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ في أُصُولِهِ أَقَلُّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ وَلِهَذَا جَعَلَ الشَّافِعِيُّ أَقَلَّ ما يُعْطَى من الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ثَلَاثَةً وقال في الْوَصِيَّةِ لِلْفُقَرَاءِ إنَّ أَقَلَّهُمْ ثَلَاثَةٌ وَلِأَنَّ الْأَسْمَاءَ دَلَائِلُ على الْمُسَمَّيَاتِ وقد جَعَلُوا لِلْمُفْرَدِ وَالْمُثَنَّى صِيغَةً فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لِلْجَمْعِ صِيغَةٌ خِلَافُهُمَا وقال الْمَاوَرْدِيُّ في الْحَاوِي إنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ أَيْ أَقَلُّ جَمْعٍ وَمَنْ جَعَلَ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَيْنِ جَعَلَهُمَا أَقَلَّ الْعُمُومِ قال شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَنَصَّ عليه مُحَمَّدٌ في السِّيَرِ الْكَبِيرِ وَظَنَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ يقول إنَّ أَقَلَّهُ اثْنَانِ على قِيَاسِ مَسْأَلَةِ الْجُمُعَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ
- فإن عِنْدَهُ الْجَمْعَ الصَّحِيحَ ثَلَاثَةٌ وإذا قُلْنَا بهذا الْقَوْلِ فَهَلْ يَصِحُّ إطْلَاقُهُ على اثْنَيْنِ على جِهَةِ الْمَجَازِ أَمْ لَا يَصِحُّ أَصْلًا فيه كَلَامٌ وَالْمَشْهُورُ الْجَوَازُ وَحَكَى ابن الْحَاجِبِ قَوْلًا أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ على اثْنَيْنِ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا وفي ثُبُوتِهِ نَظَرٌ نَقْلًا وَتَوْجِيهًا ولم يَصِحَّ مَجَازًا من مَجَازِ التَّعْبِيرِ بِالْكُلِّ عن الْبَعْضِ الثَّالِثُ الْوَقْفُ حَكَاهُ الْأَصْفَهَانِيُّ في شَرْحِ الْمَحْصُولِ عن الْآمِدِيَّ وفي ثُبُوتِهِ نَظَرٌ وَإِنَّمَا أَشْعَرَ بِهِ كَلَامُ الْآمِدِيَّ فإنه قال في آخِرِ الْمَسْأَلَةِ وإذا عُرِفَ مَأْخَذُ الْجَمْعِ من الْجَانِبَيْنِ فَعَلَى النَّاظِرِ الِاجْتِهَادُ في التَّرْجِيحِ وَإِلَّا فَالْوَقْفُ لَازِمٌ هذا كَلَامُهُ وَمُجَرَّدُ هذا لَا يَكْفِي في حِكَايَتِهِ مَذْهَبًا الرَّابِعُ أَنَّ أَقَلَّهُ وَاحِدٌ هَكَذَا حَكَاهُ بَعْضُهُمْ وَأَخَذَهُ من قَوْلِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّ الرَّدَّ إلَى وَاحِدٍ ليس بِدَعًا وَلَكِنَّهُ أَبْعَدُ من الرَّدِّ إلَى اثْنَيْنِ كَأَنْ تَرَى امْرَأَةً تَبَرَّجَتْ لِرَجُلٍ فَتَقُولَ أَتَتَبَرَّجِينَ لِلرِّجَالِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ إنْ كان مُرَادُ الْإِمَامِ حَمْلُ ذلك بِطَرِيقِ الْمَجَازِ كما نَقَلَهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ عنه فَهَذَا لَا نِزَاعَ فيه وَلَيْسَ الْكَلَامُ فيه وقد صَرَّحَ بِهِ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ أَيْضًا في كِتَابِهِ في الْأُصُولِ فقال بَعْدَ ذِكْرِ الْأَدِلَّةِ وقد يَسْتَوِي حُكْمُ التَّثْنِيَةِ وما دُونَهَا بِدَلِيلٍ كَالْمُخَاطِبِ لِلْوَاحِدِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ في قَوْله تَعَالَى رَبِّ ارْجِعُونِ وَإِنَّا له لَحَافِظُونَ وقد تَقُولُ الْعَرَبُ لِلْوَاحِدِ افْعَلَا افْعَلُوا هذا كَلَامُهُ وهو ظَاهِرٌ في أَنَّهُ مَجَازٌ لِاشْتِرَاطِهِ الْقَرِينَةَ فيه وَكَذَلِكَ قَالَهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ وَذَكَرَ ابن فَارِسٍ في كِتَابِ فِقْهِ الْعَرَبِيَّةِ صِحَّةَ إطْلَاقِ الْجَمْعِ وَإِرَادَةِ الْوَاحِدِ وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ وهو وَاحِدٌ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى فلما جاء سُلَيْمَانَ وقال الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْله تَعَالَى كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ الْمُرَادُ بِالْمُرْسَلِينَ نُوحٌ نَحْوُ قَوْلِك فُلَانٌ يَرْكَبُ الدَّوَابَّ وَيَلْبَسُ الْبُرُودَ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ أَنَّ ذلك مَجَازٌ بِالِاتِّفَاقِ قال وَقَوْلُهُ لِامْرَأَتِهِ أَتُكَلِّمِينَ الرِّجَالَ وَيُرِيدُ رَجُلًا وَاحِدًا فَفِيهِ اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الْجَمْعِ بَدَلًا عن لَفْظِ الْوَاحِدِ لِتَعَلُّقِ غَرَضِ الزَّوْجِ بِجِنْسِ الرِّجَالِ لَا أَنَّهُ عَنَى بِلَفْظِ الرَّجُلِ رَجُلًا وَاحِدًا قُلْت هذا صَحِيحٌ لِأَنَّ الرَّجُلَ لم يُطْلِقْ الرِّجَالَ على وَاحِدٍ بَلْ على جَمْعٍ لِظَنِّهِ أنها ما تَبَرَّجَتْ لِوَاحِدٍ إلَّا وقد تَبَرَّجَتْ لِغَيْرِهِ فَتَبَرُّجُهَا لِوَاحِدٍ سَبَبٌ لِلْإِطْلَاقِ لَا أَنَّ الْمُرَادَ بِرِجَالٍ وَاحِدٌ
- وَذَكَرَ الْمَازِرِيُّ أَنَّ الْقَاضِيَ أَبَا بَكْرٍ حَكَى الِاتِّفَاقَ على أَنَّهُ مَجَازٌ قال لَكِنْ الْإِمَامُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ خَالَفَ فيه وَذَهَبَ إلَى أَنَّهُ يَبْقَى في تَنَاوُلِهِ لِلْوَاحِدِ على الْحَقِيقَةِ مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَإِنَّا له لَحَافِظُونَ وهو سُبْحَانَهُ وَحْدَهُ مُنَزِّلُ الذِّكْرَ فإذا ثَبَتَتْ الْعِبَارَةُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ عن الْوَاحِدِ لم يُسْتَنْكَرْ حَمْلُ الْعُمُومِ الْمُخَصَّصِ على الْوَاحِدِ حَقِيقَةً قال الْمَازِرِيُّ وَهَذَا يُجَابُ عنه بِأَنَّ هذا نَوْعٌ آخَرُ من أَلْفَاظِ الْجُمُوعِ وَالْوَاحِدُ الْعَظِيمُ يُخْبِرُ عن نَفْسِهِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَهَذَا مَنْصُوصٌ لِأَهْلِ اللِّسَانِ في مَقَامِ التَّعْظِيمِ فَلَا يَجْرِي هذا في جَانِبِ الْعُمُومِ انْتَهَى وقال الْإِبْيَارِيُّ شَارِحُ الْبُرْهَانِ الذي عليه الْأَكْثَرُونَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَى وَاحِدٍ لِبُطْلَانِ حَقِيقَةِ الْجَمْعِ وَلِهَذَا صَارَ الْمُعْظَمُ إلَى أَنَّ أَلْفَاظَ الْعُمُومِ نُصُوصٌ في أَقَلِّ الْجَمْعِ وَإِنْ اخْتَلَفُوا في أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ أو ثَلَاثَةٌ وما ذَكَرَهُ الْإِمَامُ من أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فيه وقد قال هو إنَّهُ ليس من مُقْتَضَى الْجَمْعِ وَإِنَّمَا صَارَتْ رُؤْيَةُ الْوَاحِدِ سَبَبًا لِلتَّوْبِيخِ على التَّبَرُّجِ لِلْجِنْسِ وَلِهَذَا كانت صِيغَةُ الْجَمْعِ هُنَا أَحْسَنَ من الْإِفْرَادِ وَفَرَّقَ بين إطْلَاقِ لَفْظِ الْجَمْعِ على الْوَاحِدِ وَبَيْنَ كَوْنِ الْوَاحِدِ سَبَبًا لِإِطْلَاقِ لَفْظِ الْجَمْعِ على الْحَقِيقَةِ وَأَقُولُ في تَحْرِيرِ مَقَالَةِ الْإِمَامِ إنَّ هَاهُنَا مَقَامَيْنِ أَحَدُهُمَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الِاسْتِعْمَالِ وَالثَّانِي بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَمْلِ كَنَظِيرِهِ في مَسْأَلَةِ الْمُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ فَالْأَوَّلُ أَنْ يُطْلِقَ الْمُتَكَلِّمُ لَفْظَ الْجَمْعِ وَيُرِيدَ بِهِ الْوَاحِدَ وَهَذَا لَا مَنْعَ منه بِالِاتِّفَاقِ لَا سِيَّمَا إذَا كان مُعَظِّمًا نَفْسَهُ وَالثَّانِي أَنْ يُورِدَ لَفْظَ الْجَمْعِ هل يَصِحُّ من السَّامِعِ رَدُّهُ إلَى الْوَاحِدِ وَهَذَا مَوْضِعُ كَلَامِ الْإِمَامِ فَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ كما قال الْإِبْيَارِيُّ في شَرْحِ الْبُرْهَانِ إلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِبُطْلَانِ حَقِيقَةِ الْجَمْعِ وَلِذَلِكَ صَارَ الْمُعْظَمُ إلَى أَنَّ أَلْفَاظَ الْعُمُومِ نَصٌّ في أَقَلِّ الْجَمْعِ وَإِنْ اخْتَلَفُوا في أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ أو ثَلَاثَةٌ وَذَهَبَ الْإِمَامُ إلَى أَنَّهُ يَصِحُّ وَالْحَاصِلُ أَنَّ صِحَّةَ الْإِطْلَاقِ غَيْرُ مُسَلَّمَةِ الرَّدِّ وَأَنَّهُ إنْ وُجِدَ هُنَاكَ ثَلَاثَةٌ صَحَّ الرَّدُّ إلَيْهَا وِفَاقًا وَإِنْ وُجِدَ اثْنَانِ انْبَنَى على الْخِلَافِ في أَنَّهُ أَقَلُّ الْجَمْعِ وَإِنْ رُدَّ إلَى الْوَاحِدِ بَطَلَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِأَنَّهُ بِانْتِهَاءِ اللَّفْظِ إلَى أَنْ بَطَلَ الْمُخَصَّصُ فِيمَا وَرَاءَ ذلك لِأَنَّ اللَّفْظَ نَصٌّ في أَقَلِّ الْجَمْعِ فَحَمْلُهُ على ما دُونَ ذلك خُرُوجٌ عن حَقِيقَةِ اللَّفْظِ وَعَلَى هذا فَلَا يَحْسُنُ حِكَايَةُ قَوْلٍ في هذه الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّ أَقَلَّهُ وَاحِدٌ لَكِنْ تَابَعْتُ ابْنَ الْحَاجِبِ على ما فيه
- وقد جَعَلَ الْإِمَامُ الْمَرَاتِبَ في الرَّدِّ ثَلَاثَةً فإنه يَرَى أَنَّ اللَّفْظَ نَصٌّ في الزِّيَادَةِ على الْوَاحِدِ لَا يَتَغَيَّرُ إلَّا بِقَرِينَةٍ وهو نَصٌّ في الزِّيَادَةِ على الِاثْنَيْنِ لَا يَنْقُصُ عن ذلك إلَّا بِقَرِينَةٍ وَيَرَى أَنَّهُ ليس بِنَصٍّ في الزِّيَادَةِ على الثَّلَاثَةِ بِحَالٍ بَلْ إنَّمَا يَكُونُ ظَاهِرًا في الزِّيَادَةِ فإذا دَلَّ الدَّلِيلُ على إرَادَةِ الظَّاهِرِ تُرِكَ ولم يَقْتَصِرْ على نَوْعٍ مَخْصُوصٍ كَسَائِرِ الظَّوَاهِرِ وقال إنَّ النَّاظِرَ في هذه الْمَسْأَلَةِ في أَوَّلِ مَرَّةٍ لَا يَظْهَرُ له مَقْصُودُهُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذلك سَبَبًا لِمَنْعِهِ من التَّكْمِيلِ فإن الْمَقْصُودَ منها يَظْهَرُ على التَّدْرِيجِ انْتَهَى وَتَحْرِيرُ هذا من النَّفَائِسِ التي لم يُسْبَقْ إلَيْهَا وقد حَكَى أَصْحَابُنَا فِيمَا لو وَصَّى لِأَقَارِبِهِ وَلَيْسَ له إلَّا قَرِيبٌ وَاحِدٌ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا يُصْرَفُ إلَيْهِ الْجَمِيعُ لِأَنَّ الْقَصْدَ جِهَةُ الْقَرَابَةِ وَالثَّانِي اعْتِبَارُ الْجَمْعِ من ثَلَاثَةٍ أو اثْنَيْنِ الْخَامِسُ التَّفْرِيقُ بين جَمْعِ الْكَثْرَةِ وَجَمْعِ الْقِلَّةِ وَالْخَامِسُ ما حَكَاهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ عن إمَامِ الْحَرَمَيْنِ من التَّفْصِيلِ بين جَمْعِ الْكَثْرَةِ فَهُوَ ظَاهِرٌ في الِاسْتِغْرَاقِ وَبَيْنَ جَمْعِ الْقِلَّةِ فَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا دُونَ الْعَشَرَةِ وَلَا يَمْتَنِعُ رُجُوعُهُ إلَى الِاثْنَيْنِ بِقَرِينَةٍ وَكَذَلِكَ إلَى الْوَاحِدِ وهو مَجَازٌ هذا كَلَامُهُ وَعَنْ ابْنِ عَرَبِي أَنَّهُ ذَكَرَ في الْفُتُوحَاتِ الْمَلَكِيَّةِ أَنَّهُ رَأَى سَيِّدَنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم في الْمَنَامِ فَسَأَلَهُ عن أَقَلِّ الْجَمْعِ اثْنَانِ أَمْ ثَلَاثَةٌ فقال عليه السَّلَامُ إنْ أَرَدْت أَقَلَّ جَمْعِ الْأَزْوَاجِ فَاثْنَانِ وَإِنْ أَرَدْت أَقَلَّ جَمْعِ الْإِفْرَادِ فَثَلَاثَةٌ تَنْبِيهَاتٌ مَحَلُّ الْخِلَافِ في مَسْأَلَةِ أَقَلِّ الْجَمْعِ الْأَوَّلُ اسْتَشْكَلَ ابن الصَّائِغِ النَّحْوِيُّ وَالْقَرَافِيُّ مَحَلَّ الْخِلَافِ في هذه الْمَسْأَلَةِ فقال ابن الصَّائِغِ في شَرْحِ الْجُمَلِ الْخِلَافُ في هذه الْمَسْأَلَةِ إنْ كان الْمُرَادُ بِهِ الْأَمْرَ الْمَعْنَوِيَّ فَلَا شَكَّ في أَنَّ الِاثْنَيْنِ جَمْعٌ لِأَنَّهُ ضَمُّ أَمْرٍ إلَى آخَرَ وَإِنْ كان الْمُرَادُ أَنَّهُ إذَا وَرَدَ لَفْظُ الْجَمْعِ فَهَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ فَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَصْلَ فيه وَالْأَكْثَرُ إطْلَاقُ لَفْظِ الْجَمْعِ على الثَّلَاثَةِ فَصَاعِدًا وهو قَوْلُ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ وَيَكْفِي فيه قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِعُثْمَانَ ليس الْإِخْوَةُ أَخَوَيْنِ بِلُغَةِ قَوْمِك وَمُوَافَقَةُ عُثْمَانَ له حَيْثُ اسْتَدَلَّ بِغَيْرِ اللُّغَةِ
- وَنَصَّ سِيبَوَيْهِ على أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُعَبَّرَ عن الِاثْنَيْنِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ مع أَنَّ لِلتَّثْنِيَةِ لَفْظًا وَحَمَلَهُ عليه قَوْله تَعَالَى لَا تَخَفْ خَصْمَانِ لِأَنَّ الْخِطَابَ وَقَعَ لِدَاوُدَ عليه السَّلَامُ من اثْنَيْنِ وقَوْله تَعَالَى فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ وقال ابن خَرُوفٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرُ مَعَكُمْ لَهُمَا وَلِفِرْعَوْنَ وَبِهِ جَزَمَ ابن الْحَاجِبِ وقال السِّيرَافِيُّ في قَوْلِهِ في الْآيَةِ الْأُخْرَى إنَّنِي مَعَكُمَا يَدُلُّ على ما قَالَهُ سِيبَوَيْهِ وَأَيْضًا فَالْمَعْنَى وأنا مَعَكُمْ في النُّصْرَةِ وَالْمَعُونَةِ فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُشْرِكَهُمَا فِرْعَوْنُ في ذلك وَأَمَّا الْقَرَافِيُّ فَأَطْنَبَ في إشْكَالِ هذه الْمَسْأَلَةِ وقال إنَّ له نَحْوًا من عِشْرِينَ سَنَةً يُورِدُهُ ولم يَتَحَصَّلْ عنه جَوَابٌ وهو أَنَّ الْخِلَافَ في هذه الْمَسْأَلَةِ غَيْرُ مُنْضَبِطٍ لِأَنَّهُ إنْ فُرِضَ الْخِلَافُ في صِيغَةِ الْجَمْعِ الذي هو ج م ع امْتَنَعَ إتْيَانُهُ في غَيْرِهَا بَلْ صَرَّحُوا بِعَدَمِ مَجِيئِهِ فيه بَلْ الْخِلَافُ في مَدْلُولِهِ وَحِينَئِذٍ فَمَدْلُولُهَا ما يُسَمَّى جَمْعًا وَصِيَغُ الْجُمُوعِ شَيْئَانِ جَمْعُ قِلَّةٍ وَجَمْعُ كَثْرَةٍ وَاتَّفَقَ النُّحَاةُ على أَنَّ جَمْعَ الْقِلَّةِ مَوْضُوعٌ لِلْعَشَرَةِ فما دُونَهَا إلَى الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ على الْخِلَافِ وَجَمْعَ الْكَثْرَةِ مَوْضُوعٌ لِمَا فَوْقَ الْعَشَرَةِ قال الزَّمَخْشَرِيُّ وَغَيْرُهُ وقد يُسْتَعْمَلُ أَحَدُهُمَا مَكَانَ الْآخَرِ وَتَصْرِيحُهُمْ بِالِاسْتِعَارَةِ يَقْتَضِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنَى الْآخَرِ مَجَازًا فإن جَمْعَ الْكَثْرَةِ مَوْضُوعٌ لِمَا فَوْقَ الْعَشَرَةِ فإذا اُسْتُعْمِلَ فِيمَا دُونَهَا كان مَجَازًا وَإِنْ كان الْخِلَافُ في جَمْعِ الْكَثْرَةِ لم يَسْتَقِمْ لِأَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ على هذا التَّقْدِيرِ أَحَدَ عَشَرَ وَإِطْلَاقُهُ على الثَّلَاثَةِ حِينَئِذٍ مَجَازٌ وَالْبَحْثُ في هذه الْمَسْأَلَةِ ليس في الْمَجَازِ فإن إطْلَاقَ لَفْظِ الْجَمْعِ على الِاثْنَيْنِ لَا خِلَافَ فيه إنَّمَا الْخِلَافُ في كَوْنِهِ حَقِيقَةً بَلْ لَا خِلَافَ في جَوَازِ إطْلَاقِ لَفْظِ الْجَمْعِ وَإِرَادَةِ الْوَاحِدِ مَجَازًا فَكَيْفَ الِاثْنَانِ وَإِنْ كان الْخِلَافُ في جَمْعِ الْقِلَّةِ وهو الْمُتَّجَهُ لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ لِلْعَشَرَةِ فما دُونَهَا فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ أَقَلُّهُ اثْنَانِ لَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هذا مُرَادَهُمْ لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوا تَمْثِيلَهُمْ في جُمُوعِ الْكَثْرَةِ فَدَلَّ على أَنَّ مُرَادَهُمْ الْأَعَمُّ من جَمْعِ الْقِلَّةِ وَغَيْرِهِ وقد حَكَى الْأَصْفَهَانِيُّ عنه هذا الْإِشْكَالَ ثُمَّ قال وَالْحَقُّ أَنَّ الْخِلَافَ يَجُوزُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كان جَمْعَ قِلَّةٍ أو كَثْرَةٍ وَنَقُولُ جَمْعُ الْكَثْرَةِ يَصْدُقُ على ما دُونَ الْعَشَرَةِ حَقِيقَةً وَأَمَّا جَمْعُ الْقِلَّةِ فإنه لَا يَصْدُقُ على ما فَوْقَ الْعَشَرَةِ قال وَإِنْ سَاعَدَ على ذلك مَنْقُولُ الْأُدَبَاءِ فَلَا كَلَامَ وَإِلَّا فَمَتَى خَالَفَ فَهُوَ
- مَحْجُوجٌ بِالْأَدِلَّةِ الْأُصُولِيَّةِ الدَّالَّةِ على عُمُومِ الْجَمْعِ على الْإِطْلَاقِ وَلَا يُمْكِنُ ادِّعَاءُ إجْمَاعِهِمْ على خِلَافِ ذلك ا هـ وَيَقْدَحُ في ذلك نَقْلُ الْقَرَافِيِّ عن ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ وَالزَّمَخْشَرِيِّ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ جَمْعَ الْكَثْرَةِ لَا يُسْتَعْمَلُ فِيمَا دُونَ الْعَشَرَةِ إلَّا مُسْتَعَارًا وَيَشْهَدُ لِمَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ من تَخْصِيصِ الْخِلَافِ بِجَمْعِ الْقِلَّةِ ما نَقَلَهُ إلْكِيَا عن إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وقد سَبَقَ لَكِنْ كَلَامُ إلْكِيَا يُخَالِفُهُ وَأَيْضًا فَقَدْ قال أَصْحَابُنَا لو قال له عَلَيَّ دَرَاهِمُ قُبِلَ تَفْسِيرُهُ بِثَلَاثَةٍ مع أَنَّهُ جَمْعُ كَثْرَةٍ الثَّانِي أَنَّ الْخِلَافَ في هذه الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا هو حَيْثُ قَامَتْ قَرِينَةٌ على أَنَّهُ لم يُرِدْ بِالْجَمْعِ الِاسْتِغْرَاقَ أَمَّا مُطْلَقُ الْكَلَامِ عِنْدَ الْمُعَمِّمِينَ فَحَقِيقَةٌ في الِاسْتِغْرَاقِ قَالَهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَهَذَا أَخَذَهُ من شَيْخِهِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ فإنه قال هذه الْمَسْأَلَةُ لَا حَاجَةَ إلَيْهَا إلَّا إذَا قَامَتْ الْمُخَصِّصَاتُ وَإِلَّا فَالْأَلْفَاظُ لِلْعُمُومِ عِنْدَ فُقْدَانِ أَدِلَّةِ التَّخْصِيصِ وَنَازَعَهُ الْإِبْيَارِيُّ وقال إنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لَا على أَصْلِهِ وَلَا على أَصْلِ غَيْرِهِ أَمَّا أَصْلُهُ فإنه يَرَى أَنَّ الْأَلْفَاظَ عِنْدَ التَّنْكِيرِ لِأَقَلِّ الْجَمْعِ فإذا لم يُعْرَفْ أَقَلُّ الْجَمْعِ كَيْفَ يُحْكَمُ بِأَنَّ الْأَلْفَاظَ مُقْتَصِرَةٌ عليه وَكَذَلِكَ نَقُولُ في جَمْعِ الْقِلَّةِ وَإِنْ عُرِفَ أَنَّهُ لِأَقَلِّ الْجَمْعِ فَلَا بُدَّ إذَنْ من بَيَانِ أَقَلِّ الْجَمْعِ بِالنِّسْبَةِ إلَى جَمْعِ الْمُذَكَّرِ وَإِلَى جَمْعِ الْقِلَّةِ وَإِنْ عُرِفَ وَأَمَّا على رَأْيِ الْفُقَهَاءِ فَإِنَّهُمْ مُفْتَقِرُونَ إلَى ذلك فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ وَالْإِلْزَامِ وَالِالْتِزَامِ وَالْوَصَايَا وَغَيْرِهَا وَذَكَرَ بَعْضُ شُرَّاحِ اللُّمَعِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ في جَوَازِ الْكِنَايَةِ عن الِاثْنَيْنِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَلَكِنَّ الْخِلَافَ هل هو حَقِيقَةٌ في الِاثْنَيْنِ أو مَجَازٌ على الْوَجْهَيْنِ الثَّالِثُ اسْتَثْنَى النَّحْوِيُّونَ الْمُشْتَرِطُونَ لِلثَّلَاثَةِ التَّعْبِيرَ عن عُضْوَيْنِ من جَسَدَيْنِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ نَحْوُ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا لِقَصْدِ التَّخْفِيفِ فإنه لو قِيلَ قَلْبَاكُمَا لَثَقُلَ اجْتِمَاعُ ما يَدُلُّ على التَّثْنِيَةِ فِيمَا هو كَالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ مَرَّتَيْنِ وَشَرَطُوا أَنْ يَكُونَ ذلك الشَّيْءُ مُتَّصِلًا كَالْكَبِدِ وَالطِّحَالِ وقد سَبَقَ أَصْلُ هذا الِاسْتِثْنَاءِ في كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ الرَّابِعُ قال الْقَاضِي الْمَسْأَلَةُ عِنْدِي من مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ لَا من مَسَائِلِ الْقَطْعِ فَيَكْفِي فيها الظَّنِّيَّاتُ الْخَامِسُ قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ تَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ في هذه الْمَسْأَلَةِ في مَوْضِعَيْنِ أَحَدُهُمَا فِيمَنْ أَوْصَى بِشَيْءٍ لِلْفُقَرَاءِ أو لِجِيرَانِهِ وَكَانُوا غير مَحْصُورِينَ فَهَلْ يُفَرَّقُ على ثَلَاثَةٍ أو اثْنَيْنِ على هذا الْخِلَافِ
- الثَّانِي أَنَّ من قال إنَّ أَقَلَّهُ ثَلَاثَةٌ أَجَازَ تَخْصِيصَ الْجَمْعِ إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الْبَاقِي منه بَعْدَ التَّخْصِيصِ وَإِنْ كان الْبَاقِي منه بَعْدَ التَّخْصِيصِ أَقَلَّ من ثَلَاثَةٍ كان ذلك نَسْخًا ولم يَكُنْ تَخْصِيصًا وَمَنْ قال أَقَلُّهُ اثْنَانِ أَجَازَ التَّخْصِيصَ فيه إلَى أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي اثْنَيْنِ وَلَا يَكُونُ ذلك نَسْخًا عِنْدَهُ فَإِنْ بَقِيَ منه وَاحِدٌ فَقَدْ صَارَ مَنْسُوخًا يَعْنِي على الْقَوْلَيْنِ وقد ذَكَرَ هَاتَيْنِ الْفَائِدَتَيْنِ أَيْضًا الْإِمَامُ في التَّلْخِيصِ والبرهان فقال في التَّلْخِيصِ فَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا أَوْصَى بِمَالِهِ لِأَقَلِّ من يَتَنَاوَلُهُ لَفْظُ الْمَسَاكِينِ هل يُصْرَفُ لِاثْنَيْنِ أو ثَلَاثَةٍ وقال في الْبُرْهَانِ ذَكَرَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ من آثَارِ هذا الْخِلَافِ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قال لِفُلَانٍ عَلَيَّ دَرَاهِمُ أو أَوْصَى بِدَرَاهِمَ فَلَفْظُ الْمُقِرِّ وَالْمُوصِي مَحْمُولٌ على الْأَقَلِّ فَإِنْ قِيلَ أَقَلُّ الْجَمْعِ اثْنَانِ حُمِلَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ قِيلَ أَقَلُّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ لم يُقْبَلْ التَّفْسِيرُ بِالِاثْنَيْنِ قال وَلَا أَرَى الْفُقَهَاءَ يَسْمَحُونَ بهذا وَلَا أَرَى لِلنِّزَاعِ في أَقَلِّ الْجَمْعِ مَعْنًى إلَّا ما ذَكَرْته انْتَهَى وَحَكَى الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ في أُصُولِهِ الْفَائِدَةَ الثَّانِيَةَ عن بَعْضِ أَصْحَابِنَا ثُمَّ قال وَهَذِهِ فَائِدَةٌ مُزَيَّفَةٌ لِأَنَّ أَئِمَّتَنَا مُجْمِعُونَ على جَوَازِ تَخْصِيصِ الْجَمْعِ وَالْعُمُومِ بِمَا هو دَلِيلٌ إلَى أَنْ يَبْقَى تَحْتَهُ وَاحِدٌ انْتَهَى وَلَعَلَّ هذه طَرِيقَةٌ قَاطِعَةٌ تَنْفِي الْخِلَافَ وَإِلَّا فَالْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ مُصَرِّحٌ بِالْخِلَافِ وَإِنْكَارُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ الْفَائِدَةَ الْأُولَى لَا وَجْهَ له ثُمَّ اخْتَارَ في الْمَسْأَلَةِ بِنَاءَهَا على الْقَوْلِ بِالْعُمُومِ وَرَأَى أَنَّ إفَادَةَ الْجُمُوعِ لِلتَّعْمِيمِ ثَابِتَةٌ على حَسَبِ اخْتِلَافِ طَبَقَاتِ الْعُمُومِ في قُوَّةِ الِاسْتِيعَابِ وَالْخُرُوجُ عن الْعُمُومِ إلَى قَصْرِهِ على الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ في حُكْمِ الْخِطَابِ وَدَلَالَتِهِ من قَصْرِهِ على الْمُحْتَمَلَاتِ فَاقْتَضَى هذا عِنْدَهُ طَلَبَ قُوَّةٍ في الْمُخْرِجِ له عن بَابِهِ وَتَقْدِيمَ ما هو الْأَرْجَحُ من غَيْرِ مَنْعٍ من الرَّدِّ إلَى الِاثْنَيْنِ السَّادِسُ وَقَعَ في عِبَارَةِ الشَّيْخِ أبي إِسْحَاقَ وَالْمَاوَرْدِيِّ وَغَيْرِهِمَا من كُتُبِ الْفِقْهِ أَقَلُّ الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ ثَلَاثَةٌ وَكَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِالْمُطْلَقِ نحو دَرَاهِمَ وَنَحْوِهِ بِخِلَافِ الْجَمْعِ الْمُقَيَّدِ نَحْوُ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ أو تِسْعَةٍ أو ثَلَاثَةٍ فإنه جَمْعٌ وَلَيْسَ بِمُطْلَقٍ فَلَا يَتَنَاوَلُ إلَّا مُقَيِّدَهُ فَوَائِدُ ذَكَرَهَا الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ في أُصُولِهِ الْأُولَى اتَّفَقُوا على أَنَّ لَفْظَ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ لَا يُحْمَلُ على ما هو أَكْثَرُ إلَّا بِدَلِيلٍ وَإِنْ كانت ظَوَاهِرُ وَرَدَتْ عليه في مَعْنَاهُ
- الثَّانِيَةُ اخْتَلَفُوا في مُقَابَلَةِ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ فَقِيلَ إنَّ آحَادَهُ تُقَابِلُ آحَادَهُ وَقِيلَ بَلْ الْجَمْعُ الْجَمْعَ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ الظَّاهِرُ مُوجِبًا تَحْرِيمَ كل من يَقَعُ عليه اسْمُ الْأُمُومَةِ على كل وَاحِدٍ وَالثَّانِي يُوجِبُ تَحْرِيمَ كل أُمٍّ على ابْنِهَا وَيُطْلَبُ في تَحْرِيمِهِ على غَيْرِهِ دَلِيلٌ يَخْتَصُّ بِهِ قال وَالظَّاهِرُ منه مُقَابَلَةُ الْوَاحِدِ بِالْوَاحِدِ كَقَوْلِهِمْ وَصَلَ الناس دُورَهُمْ وَحَصَدُوا زُرُوعَهُمْ ثُمَّ يَكُونُ جَمْعُهُ في الْوَاحِدِ بِمَا عَدَاهُ من الْأَدِلَّةِ الثَّالِثَةُ اخْتَلَفُوا في الطَّائِفَةِ فَقِيلَ كَالْجَمْعِ مُطْلَقُهُ لِثَلَاثَةٍ وَقِيلَ لِلْجُزْءِ وَأَقَلُّهُ وَاحِدٌ ولم يُرَجِّحْ شيئا وَالْمُخْتَارُ الْأَوَّلُ لِمَا سَبَقَ إيضَاحُهُ نعم جَعَلَهَا الْأَصْحَابُ في بَابِ اللِّعَانِ أَرْبَعَةً فَقَالُوا يُغَلِّظُ الْحَاكِمُ بِحُضُورِ جَمَاعَةٍ أَقَلُّهُمْ أَرْبَعَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ من الْمُؤْمِنِينَ وَفِيهِ إشْكَالٌ لِأَنَّ ذلك إنْ كان من مَدْلُولِ اللَّفْظِ فَمَمْنُوعٌ لِأَنَّ طَائِفَةً تُطْلَقُ على الْوَاحِدِ فَأَكْثَرَ وَإِنْ كان لِأَجْلِ أَنَّهُ زِنًا فَالْإِقْرَارُ بِهِ يَكْفِي فيه رَجُلَانِ على الصَّحِيحِ الرَّابِعَةُ الضَّمَائِرُ الرَّاجِعَةُ إلَى الظَّاهِرِ تُحْمَلُ على ما وُضِعَتْ له في الْأَصْلِ وَإِنْ كان الْمُتَقَدِّمُ عليها مُخَالِفًا ثُمَّ تَنَاوَلَ كُلَّ وَاحِدٍ منها بِدَلِيلٍ على مُوَافَقَةِ صَاحِبِهِ كَقَوْلِهِمْ رَجُلَانِ قالوا وَرِجَالٌ قَالَا يُحْمَلُ قَوْلُهُ قالوا على الْجَمْعِ وَرَجُلَانِ على التَّثْنِيَةِ في ظَاهِرِ الْكَلَامِ ثُمَّ يُطْلَبُ الدَّلِيلُ الذي يُبَيِّنُ الْمُرَادَ مِنْهُمَا فَإِنْ قام على أَنَّ الِاسْمَ يُحْمَلُ على الْخَبَرِ حُمِلَ عليه وَإِنْ قام على أَنَّ الْخَبَرَ يُحْمَلُ على الْمُبْتَدَأِ صُيِّرَ إلَيْهِ وَكَذَلِكَ ضَمَائِرُ الْإِنَاثِ وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ كَقَوْلِهِ رَجُلَانِ قَتَلَهُمْ أو رِجَالٌ قَتَلَهُمَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الِابْتِدَاءُ أَصْلًا وَالْخَبَرُ مُرَكَّبًا عليه وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ مُرَادًا وَالِابْتِدَاءُ مَحْمُولٌ على ما يُوَافِقُهُ وَلَا يُغَيَّرُ أَحَدُهُمَا عَمَّا وُضِعَ له لِمُوَافَقَةِ صَاحِبِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ يُوجِبُهُ
- فَصْلٌ في الْعُمُومِ الْمَعْنَوِيِّ وَيَشْتَمِلُ على مَسَائِلَ الْأُولَى الْمُفْرَدُ الْمُحَلَّى بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ إذَا جَعَلْنَاهُ لِلْعُمُومِ فَالْعُمُومُ فيه من حَيْثُ الْمَعْنَى على أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لَا بُدَّ أَنْ تُفِيدَ التَّعْرِيفَ وَلَيْسَ التَّعْرِيفُ إلَّا تَعْرِيفَ الْجِنْسِ وإذا قُلْنَا إنَّ اللَّفْظَ يُفِيدُ وَاحِدًا خَرَجَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ عن كَوْنِهِمَا لِلْجِنْسِ ولم يَبْقَ لَهُمَا فَائِدَةٌ وإذا ثَبَتَ أَنَّهُمَا لِلْجِنْسِ ثَبَتَ الِاسْتِغْرَاقُ لِأَنَّهُ إذَا قال الْإِنْسَانُ أَفَادَ دُخُولَ كل من كان من جِنْسِ الْإِنْسَانِ في اللَّفْظِ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ إذَا عَلَّقَ الشَّارِعُ حُكْمًا في وَاقِعَةٍ على عِلَّةٍ تَقْتَضِي التَّعَدِّيَ إلَى غَيْرِ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ مِثْلُ حَرَّمْت السُّكَّرَ لِكَوْنِهِ حُلْوًا فَإِنْ قَطَعَ بِاسْتِقْلَالِهَا فَالْجُمْهُورُ على التَّعَدِّي قِيَاسًا وَشَذَّ من قال فيه يَتَعَدَّى بِاللَّفْظِ فَإِنْ لم يَقْطَعْ بَلْ كان ظَاهِرًا فيه كما في الْمُحْرِمِ الذي وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ وَقَوْلُهُ عليه السَّلَامُ لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا فإنه يُبْعَثُ يوم الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا فإن الظَّاهِرَ عَدَمُ الِاخْتِصَاصِ بِذَلِكَ الْمُحْرِمِ فَاخْتَلَفُوا في أَنَّهُ يَعُمُّ أَمْ لَا فقال أبو حَنِيفَةَ لَا يَعُمُّ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ تَخْصِيصَ ذلك بِهَذِهِ الْعِلَّةِ لِأَنَّهُ وَقَصَتْ بِهِ نَاقَتُهُ لَا لِمُجَرَّدِ إحْرَامِهِ أو لِأَنَّهُ عُلِمَ من نِيَّتِهِ إخْلَاصُهُ وَغَيْرُهُ لَا يُعْلَمُ منه ذلك وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ وَحَكَاهُ عن الْقَاضِي أبي بَكْرٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَامٌّ وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهِ هل عَمَّ بِالصِّيغَةِ أو بِالْقِيَاسِ على قَوْلَيْنِ مَحْكِيَّيْنِ عن
- الشَّافِعِيِّ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَامٌّ بِالْقِيَاسِ قُلْت وَاَلَّذِي رَأَيْته في كِتَابِ التَّقْرِيبِ لِلْقَاضِي خِلَافَ ما نَقَلَ ابن الْحَاجِبِ عنه إذَا طُرِدَتْ الْعِلَّةُ ولم يُمْكِنْ احْتِمَالُ اخْتِصَاصِ الْعِلَّةِ بِصَاحِبِ الْوَاقِعَةِ فَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ خَاصَّةً بِهِ لم يَعُمَّ كَقَوْلِهِ لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فإنه يُبْعَثُ يوم الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا قال يُعَمَّمُ بِتَعْمِيمِ ذلك في كل مُحْرِمٍ وفي الحديث ما يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ بِذَلِكَ الْمُحْرِمِ فإنه عَلَّلَ الْحُكْمَ بِأَنَّهُ يُبْعَثُ مُلَبِّيًا وَهَذَا مِمَّا لَا نَعْلَمُهُ في حَقِّ كل مُحْرِمٍ وَكَذَا حَكَاهُ عنه في الْمُسْتَصْفَى وقال أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ يَعُمُّ لِقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ حُكْمِي على الْوَاحِدِ حُكْمِي على الْجَمَاعَةِ وهو يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الصِّيغَةِ وَنُقِلَ ذلك عن الصَّيْرَفِيِّ أَيْضًا وَاَلَّذِي وَجَدْته في كِتَابِ الْأَعْلَامِ إطْلَاقُ ثُبُوتِ الْحُكْمِ في كل من وُجِدَتْ فيه تِلْكَ الْعِلَّةُ وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أبي حُبَيْشٍ وقد سَأَلَتْهُ عن الِاسْتِحَاضَةِ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ التي كُنْت تَحِيضِينَ فيها ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي قال فَلَا يَقْتَضِي تَخْصِيصَهَا بِذَلِكَ الْحُكْمِ بَلْ يَقْتَضِي ثُبُوتَهُ بِذَلِكَ لِذَلِكَ الْمَعْنَى وهو الِاسْتِحَاضَةُ حَيْثُ وُجِدَتْ إلَّا أَنْ يُصَرِّحَ بِالتَّخْصِيصِ وَذَهَبَ حُذَّاقُ الْحَنَابِلَةِ إلَى أَنَّهُ يَعُمُّ بِاللَّفْظِ لَا بِالْقِيَاسِ حتى إنَّهُمْ حَكَمُوا بِكَوْنِ الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصَةِ يُنْسَخُ بها كما يُنْسَخُ بِالنُّصُوصِ وَالظَّوَاهِرِ مع مَنْعِهِمْ من النَّسْخِ بِالْقِيَاسِ ذَكَرَ هذا غَيْرُ وَاحِدٍ منهم الْقَاضِي أبو يَعْلَى وابن عَقِيلٍ وأبو الْخَطَّابِ وابن الزَّاغُونِيِّ وَغَيْرُهُمْ تَنْبِيهٌ إذَا عَلَّقَ غَيْرُ الشَّارِعِ حُكْمًا في وَاقِعَةٍ على عِلَّةٍ هذا بِالنِّسْبَةِ إلَى كَلَامِ الشَّارِعِ وَأَمَّا غَيْرُهُ لو قال وَلَهُ عَبِيدٌ أَعْتَقْتُ هذا الْعَبْدَ لِأَنَّهُ أَبْيَضُ فَلَا يُعْتَقُ الْبَاقُونَ قَالَهُ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ في تَعْلِيقِهِ في الْكَلَامِ على وُقُوعِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ فَفَرَّقَ بين وُقُوعِ الْعِلَّةِ في كَلَامِ الشَّارِعِ حَيْثُ تَعُمُّ وَبَيْنَ وُقُوعِهَا في كَلَامِ غَيْرِهِ فَلَا تَعُمُّ قال وَلِذَلِكَ إذَا قال الشَّارِعُ لَا تَأْكُلْ الرُّءُوسَ وَجَبَ أَنْ لَا يَأْكُلَ ما وَقَعَ عليه اسْمُ الرَّأْسِ وَلَوْ قال غَيْرُهُ وَاَللَّهِ لَا أَكَلْتَ الرُّءُوسَ
- انْصَرَفَ ذلك إلَى الْمَعْهُودِ انْتَهَى وَهَكَذَا رَأَيْت الْجَزْمَ بِهِ في كِتَابِ الدَّلَائِلِ لِأَبِي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ وَكَذَا الْغَزَالِيُّ في الْمُسْتَصْفَى في بَابِ الْقِيَاسِ فقال الصَّحِيحُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ إلَّا غَانِمًا لِقَوْلِهِ أَعْتَقْتُ غَانِمًا لِسَوَادِهِ وَإِنْ نَوَى عِتْقَ السُّودَانِ لِأَنَّهُ بَقِيَ في حَقِّ غَيْرِ غَانِمٍ مُجَرَّدُ السَّوَادِ وَالْإِرَادَةُ فَلَا تُؤْثَرُ انْتَهَى وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ في كِتَابِ الْأَيْمَانِ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ له مَاءً من عَطَشٍ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ طَعَامِهِ وَلُبْسِ ثِيَابِهِ وَشُرْبِ الْمَاءِ من غَيْرِ عَطَشٍ وَإِنْ كان دَلَالَةُ الْمَفْهُومِ تَقْتَضِيهِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ أَنَّهُ لَا فَرْقَ في الْعُمُومِ وَإِلَيْهِ صَارَ جَمَاعَةٌ من الْحَنَابِلَةِ فقال أبو الْخَطَّابِ لو قال لِوَكِيلِهِ أَعْتِقْ عَبْدِي لِأَنَّهُ أَسْوَدُ سَاغَ له أَنْ يُعْتِقَ كُلَّ عَبْدٍ له أَسْوَدَ وقال ابن عَقِيلٍ في الْفُنُونِ بَدِيهَتِي تَقْتَضِي تَعْدِيَةَ الْعِتْقِ إلَى كل أَسْوَدَ من عَبِيدِهِ وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى في بَابِ الْقِيَاسِ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قال الشَّافِعِيُّ رضي اللَّهُ عنه تَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ في وَقَائِعِ الْأَحْوَالِ مع قِيَامِ الِاحْتِمَالِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ في الْمَقَالِ وَعَلَيْهِ اُعْتُمِدَ في صِحَّةِ أَنْكِحَةِ الْكُفَّارِ وفي الْإِسْلَامِ على أَكْثَرَ من أَرْبَعِ نِسْوَةٍ وَغَيْرِ ذلك لِقَضِيَّةِ غَيْلَانَ حَيْثُ لم يَسْأَلْهُ عن كَيْفِيَّةِ وُرُودِ الْعَقْدِ عَلَيْهِنَّ في الْجَمْعِ وَالتَّرْتِيبِ فَكَانَ إطْلَاقُ الْقَوْلِ دَالًّا على أَنَّهُ لَا فَرْقَ بين أَنْ تَقَعَ تِلْكَ الْعُقُودُ مَعًا أو على التَّرْتِيبِ وَاسْتَحْسَنَهُ منه محمد بن الْحَسَنِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فيها أَرْبَعَةُ مَذَاهِبَ أَحَدُهَا وَعَلَيْهِ نَصَّ الشَّافِعِيُّ أَنَّ اللَّفْظَ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ في جَمِيعِ مَحَامِلِ الْوَاقِعَةِ وَالثَّانِي أَنَّهُ مُجْمَلٌ فَيَبْقَى على الْوَقْفِ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ ليس من أَقْسَامِ الْعُمُومِ بَلْ إنَّمَا يَكْفِي الْحُكْمُ فيه من حَالِهِ عليه السَّلَامُ لَا من دَلَالَةِ الْكَلَامِ وهو قَوْلُ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيِّ وَالرَّابِعُ اخْتِيَارُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَابْنِ الْقُشَيْرِيّ أَنَّهُ يَعُمُّ إذَا لم يَعْلَمْ عليه السَّلَامُ تَفَاصِيلَ الْوَاقِعَةِ أَمَّا إذَا عَلِمَ فَلَا يَعُمُّ وَكَأَنَّهُ قَيَّدَ الْمَذْهَبَ الْأَوَّلَ وَاعْتُرِضَ على ما قال بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ عليه السَّلَامُ عَرَفَ حَقِيقَةَ الْحَالِ في تِلْكَ الْوَاقِعَةِ وَلِأَجْلِ هذا حَكَى الشَّيْخُ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ أَنَّ بَعْضَهُمْ زَادَ في هذه الْقَاعِدَةِ فقال
- حُكْمُ الشَّارِعِ الْمُطْلَقِ في وَاقِعَةٍ سُئِلَ عنها ولم تَقَعْ بَعْدُ عَامٌ في أَحْوَالِهَا وَكَذَلِكَ إنْ وَقَعَتْ ولم يَعْلَمْ الرَّسُولُ كَيْفَ وَقَعَتْ وَإِنْ عَلِمَ فَلَا عُمُومَ وَإِنْ الْتَبَسَ هل عَلِمَ أَمْ لَا فَالْوَقْفُ وَأَجَابَ الشَّيْخُ عن الِاعْتِرَاضِ الْمُوجِبِ لِلْوَقْفِ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُقُوعِ بِالْحَالَةِ الْمَخْصُوصَةِ فَيَعُودُ إلَى الْحَالَةِ التي لم تُعْلَمُ حَقِيقَةُ وُقُوعُهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْقَطْعَ وَهَذَا الذي قُلْنَا لَا يُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ فَيَتَوَجَّهُ السُّؤَالُ وَتَأَوَّلَ أبو حَنِيفَةَ الحديث على وُقُوعِ الْعَقْدِ عَلَيْهِنَّ دُفْعَةً وَاحِدَةً فَإِنْ وَقَعَ مُرَتَّبًا فإن الْأَرْبَعَ الْأُوَلَ تَصِحُّ وَيَبْطُلُ فِيمَا عَدَاهُ وَأَجَابَ الْإِمَامُ أبو الْمُظَفَّرِ بن السَّمْعَانِيِّ بِأَنَّ احْتِمَالَ الْمَعْرِفَةِ بِكَيْفِيَّةِ وُقُوعِ الْعَقْدِ من غَيْلَانَ وهو رَجُلٌ من ثَقِيفٍ وَفَدَ على النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَزَوْجَاتِهِ في نِهَايَةِ الْبَعْدُ وَنَحْنُ إنَّمَا نَدَّعِي الْعُمُومَ في كل ما يَظْهَرُ فيه اسْتِفْهَامُ الْحَالِ وَيَظْهَرُ من الشَّارِعِ إطْلَاقُ الْجَوَابِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ مُسْتَرْسِلًا على الْأَحْوَالِ كُلِّهَا قُلْت وَلَا سِيَّمَا وَالْحَالُ حَالُ بَيَانٍ بِحُدُوثِ عَهْدِ غَيْلَانَ بِالْإِسْلَامِ على أَنَّهُ قد وَرَدَ ما يَدْفَعُ هذا التَّأْوِيلَ وهو ما رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِسَنَدِهِ عن عَمْرِو بن الْحَارِثِ عن نَوْفَلِ بن مُعَاوِيَةَ قال أَسْلَمْتُ وَتَحْتِي خَمْسُ نِسْوَةٍ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فقال فَارِقْ وَاحِدَةً وَأَمْسِكْ أَرْبَعًا قال فَعُدْتُ إلَى أَقْدَمِهِنَّ عِنْدِي عَاقِرٌ مُنْذُ سِتِّينَ سَنَةً فَفَارَقْتُهَا فَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ وَقَعَ مُرَتَّبًا وَالْجَوَابُ وَاحِدٌ وَأَجَابَ الْهِنْدِيُّ أَيْضًا بِأَنَّهُ ليس مُرَادُ الشَّافِعِيِّ احْتِمَالَ لَفْظِ الْحِكَايَةِ لِتِلْكَ الْحَالَةِ وَإِنْ فُرِضَ أَنَّ الْمَسْئُولَ عَالِمٌ بِأَنَّ تِلْكَ الْحَالَةَ غَيْرُ مُرَادَةٍ لِلسَّائِلِ إمَّا لِعِلْمِهِ بِأَنَّ الْقَضِيَّةَ لم تَقَعْ على تِلْكَ الْحَالَةِ أو لِقَرِينَةٍ تَدُلُّ على أَنَّ تِلْكَ الْحَالَةَ غَيْرُ مُرَادَةٍ له بَلْ الْمُرَادُ منه احْتِمَالُ وُقُوعِ تِلْكَ الْقَضِيَّةِ في تِلْكَ الْحَالَةِ عِنْدَ الْمَسْئُولِ مع احْتِمَالِ اللَّفْظِ إيَّاهَا وَعِنْدَ ذلك لَا يَخْفَى أَنَّهُ يَسْقُطُ ما ذَكَرُوهُ من الِاحْتِمَالِ قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وقد وَافَقَنَا أَهْلُ الرَّأْيِ على هذا في غُرَّةِ جَنِينِ الْحُرَّةِ
- لِأَنَّهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَوْجَبَ فيه غُرَّةً عَبْدًا أو أَمَةً ولم يَسْأَلْ عنه هل كان ذَكَرًا أو أُنْثَى فلما تَرَكَ التَّفْصِيلَ فيه دَلَّ على التَّسْوِيَةِ فِيهِمَا انْتَهَى وَلِذَلِكَ اسْتَدَلُّوا لِاعْتِبَارِ الْعَادَةِ في أَيَّامِ الْحَيْضِ لِلِاسْتِحَاضَةِ بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ التي كانت تَحِيضُهُنَّ من الشَّهْرِ فَلْتَتْرُكْ الصَّلَاةَ بِقَدْرِهَا قالوا فَأُطْلِقَ الْجَوَابُ بِاعْتِبَارِ الْعَادَةِ من غَيْرِ اسْتِفْصَالٍ عن أَحْوَالِ الدَّمِ من سَوَادٍ وَحُمْرَةٍ وَغَيْرِهِمَا فَدَلَّ هذا على اعْتِبَارِ الْعَادَةِ مُطْلَقًا وَتَقْدِيمِهِ على التَّمْيِيزِ وَأَصْحَابُنَا اسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أبي حُبَيْشٍ أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قال لها إنَّ دَمَ الْحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ فإذا كان كَذَلِكَ فَأَمْسِكِي عن الصَّلَاةِ فَأُطْلِقَ اعْتِبَارُ التَّمْيِيزِ من غَيْرِ اسْتِفْصَالٍ لها هل هِيَ ذَاكِرَةٌ لِعَادَتِهَا أَمْ لَا لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ وقد قَسَّمَ الْإِبْيَارِيُّ هذه إلَى أَقْسَامٍ أَحَدُهَا إنْ تَبَيَّنَ اطِّلَاعُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم على خُصُوصِ الْوَاقِعَةِ فَلَا رَيْبَ في أنها لَا يَثْبُتُ فيها مُقْتَضَى الْعُمُومِ ثَانِيهَا أَنْ لَا يَثْبُتَ بِطَرِيقٍ ما اسْتِفْهَامُ كَيْفِيَّةِ الْقَضِيَّةِ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَهِيَ تَنْقَسِمُ إلَى أَقْسَامٍ وَالْحُكْمُ قد يَخْتَلِفُ بِحَسَبِهَا فَيُنَزَّلُ إطْلَاقُهُ الْجَوَابَ فيها مَنْزِلَةَ اللَّفْظِ الذي يَعُمُّ تِلْكَ الْأَقْسَامَ لِأَنَّهُ لو كان الْحُكْمُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ حتى يَثْبُتَ تَارَةً وَلَا يَثْبُتَ أُخْرَى لَمَا صَحَّ لِمَنْ الْتَبَسَ عليه الْحَالُ أَنْ يُطْلِقَ الْحُكْمَ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الْحَالَةُ وَاقِعَةً على وَجْهٍ لَا يَسْتَقِرُّ مَعَهَا الْحُكْمُ فَلَا بُدَّ من التَّعْمِيمِ على هذا التَّقْدِيرِ بِالْإِضَافَةِ إلَى جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وفي كَلَامِهِ ما يَقْتَضِي الِاتِّفَاقَ على هذه الصُّورَةِ ثَالِثُهَا أَنْ يَسْأَلَ عن الْوَاقِعَةِ بِاعْتِبَارِ دُخُولِهَا الْوُجُودَ لَا بِاعْتِبَارِ وُقُوعِهَا كما إذَا سُئِلَ عَمَّنْ جَامَعَ في نَهَارِ رَمَضَانَ فيقول فيه كَذَا فَهَذَا يَقْتَضِي اسْتِرْسَالَ الْحُكْمِ على جَمِيعِ الْأَحْوَالِ لِأَنَّهُ لَمَّا سُئِلَ عنها على الْإِبْهَامِ ولم يُفَصِّلْ الْجَوَابَ كان عُمُومُهُ مُسْتَرْسِلًا على كل أَحْوَالِهِ رَابِعُهَا أَنْ تَكُونَ الْوَاقِعَةُ الْمَسْئُولُ عنها حَاصِلَةً في الْوُجُودِ وَيُطْلَقُ السُّؤَالُ عنها فَيُجِيبُ أَيْضًا كَذَلِكَ فإن الِالْتِفَاتَ إلَى الْقَيْدِ الْوُجُودِيِّ يَمْنَعُ الْقَضَاءَ على الْأَحْوَالِ كُلِّهَا وَالِالْتِفَاتُ إلَى الْإِطْلَاقِ في السُّؤَالِ يَقْتَضِي اسْتِوَاءَ الْأَحْوَالِ في غَرَضِ الْمُجِيبِ فَالْتَفَتَ الشَّافِعِيُّ إلَى هذا الْوَجْهِ وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى مَقْصُودِ الْإِرْشَادِ وَإِزَالَةِ الْإِشْكَالِ
- وَحُصُولِ تَمَامِ الْبَيَانِ وأبو حَنِيفَةَ نَظَرَ إلَى احْتِمَالِ خُصُوصِ الْوَاقِعَةِ لِأَنَّهَا لم تَقَعْ في الْوُجُودِ إلَّا خَاصَّةً فقال احْتِمَالُ عِلْمِ الشَّارِعِ بها يَمْنَعُ التَّعْمِيمَ تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ إنَّ هذه الْقَاعِدَةَ مَقْصُورَةٌ بِمَا إذْ وُجِدَ اللَّفْظُ جَوَابًا عن السُّؤَالِ فَأَمَّا التَّقْرِيرُ عِنْدَ السُّؤَالِ فَهَلْ يُنَزَّلَ مَنْزِلَةَ اللَّفْظِ حتى يَعُمَّ أَحْوَالَ السُّؤَالِ في الْجَوَابِ وَغَيْرِهِ لم يَتَعَرَّضُوا له وقال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ الْأَقْرَبُ تَنْزِيلُهُ طَرْدًا لِلْقَاعِدَةِ وَلِإِقَامَةِ الْإِقْرَارِ مَقَامَ الْحُكْمِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ إذْ لَا يَجُوزُ تَقْرِيرُهُ لِغَيْرِهِ على أَمْرٍ بَاطِلٍ فَنُزِّلَ مَنْزِلَةَ الْقَوْلِ الْمُبِينِ لِلْحُكْمِ فَيَقُومُ مَقَامَ اللَّفْظِ في الْعُمُومِ فَإِنْ قِيلَ التَّقْرِيرُ لَيْسَتْ دَلَالَتُهُ لَفْظِيَّةً وَالْعُمُومُ من عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ وَلِهَذَا قال الْغَزَالِيُّ لَا عُمُومَ لِلْمَفْهُومِ لِأَنَّ دَلَالَتَهُ لَيْسَتْ لَفْظِيَّةً فَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْلَنَا مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ بِمَعْنَى شُمُولِ الْحُكْمِ لِلْأَحْوَالِ فَلَا يَجْعَلُهُ حَقِيقَةً في الْعُمُومِ وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ حَدِيثُ هو الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ فإن السَّائِلَ قال لِلنَّبِيِّ صلى اللَّهُ عليه وسلم إنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَمَعَنَا الْقَلِيلُ من الْمَاءِ فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا الحديث فَاسْتَدَلَّ بِهِ على أَنَّ إعْدَادَ الْمَاءِ الْكَافِي لِلطَّهَارَةِ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ مع الْقُدْرَةِ عليه غَيْرُ لَازِمٍ لِأَنَّهُمْ أَخْبَرُوا أَنَّهُمْ يَحْمِلُونَ الْقَلِيلَ من الْمَاءِ وهو كَالْعَامِّ في حَالَاتِ حَمْلِهِمْ بِالنِّسْبَةِ على الْقُدْرَةِ عليه وَالْعَجْزِ عنه لِضِيقِ مَرَاكِبِهِمْ وَغَيْرِ ذلك بِالنِّسْبَةِ إلَى ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ أَيْضًا وقد أَقَرَّهُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم ولم يُنْكِرْ عليه فَيَكُونُ ذلك دَالًّا على جَوَازِهِ في هذه الْأَحْوَالِ كما يَدُلُّ عليه اللَّفْظُ الْوَارِدُ في الْأَمْثِلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ مع تَرْكِ الِاسْتِفْصَالِ الثَّانِي أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ مع قِيَامِ الِاحْتِمَالِ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالِاحْتِمَالِ كَيْفَ كان مَرْجُوحًا وَغَيْرَهُ فَيَحْصُلُ التَّعْمِيمُ فيه وفي غَيْرِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الِاحْتِمَالَ الْمَرْجُوحَ لَا يَدْخُلُ وَحِينَئِذٍ فَيَحْصُلُ التَّصْوِيرُ بِالِاحْتِمَالَاتِ الْمُتَقَارِبَةِ وَالْمُتَسَاوِيَةِ في الْإِطْلَاقِ قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وقال جَدُّهُ الْمُقْتَرِحُ لم يُرِدْ الشَّافِعِيُّ بِذَلِكَ مُطْلَقَ الِاحْتِمَالِ حتى يَنْدَرِجَ فيه التَّجْوِيزُ الْعَقْلِيُّ وَإِنَّمَا يُرِيدُ احْتِمَالًا يُضَافُ إلَى أَمْرٍ وَاقِعٍ لِأَنَّهُ لو اُعْتُبِرَ التَّجْوِيزُ الْعَقْلِيُّ
- لَأَدَّى إلَى رَدِّ مُعْظَمِ الْوَقَائِعِ التي حَكَمَ فيها الشَّارِعُ إذْ ما من وَاقِعَةٍ إلَّا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فيها تَجْوِيزٌ عَقْلِيٌّ وَيَشْهَدُ لِلْأَوَّلِ قَوْلُهُ في الْأُمِّ في مُنَاظَرَةٍ له قَلَّ شَيْءٌ إلَّا وَيَطْرُقُهُ الِاحْتِمَالُ وَلَكِنْ الْكَلَامُ على ظَاهِرِهِ حتى تَقُومَ دَلَالَةٌ على أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ فَأَبَانَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّهُ لَا نَظَرَ إلَى احْتِمَالٍ يُخَالِفُ ظَاهِرَةَ الْكَلَامِ وإذا ثَبَتَ أَنَّ تَرْكَ الِاسْتِفْصَالِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فَالْعُمُومُ يُتَمَسَّكُ بِهِ من غَيْرِ نَظَرٍ إلَى احْتِمَالِ التَّخْصِيصِ وَإِمْكَانِ إرَادَتِهِ كَسَائِرِ صِيَغِ الْعُمُومِ بَقِيَ أَنَّ احْتِمَالَ عِلْمِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم في صُورَةِ الْحَالِ ما يَقْتَضِي خُرُوجَ الْجَوَابِ على ذلك هل يَكُونُ قَادِحًا في التَّعْمِيمِ قال الْإِمَامُ في الْمَحْصُولِ نعم وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ يُخَالِفُهُ وهو الصَّوَابُ لِمَا ذَكَرْنَا من أَنَّ التَّمَسُّكَ بِلَفْظِهِ وَلَفْظُهُ مع تَرْكِ الِاسْتِفْصَالِ بِمَنْزِلَةِ التَّنْصِيصِ على الْعُمُومِ فَلَا يُعْدَلُ عنه بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ الثَّالِثُ أَنَّهُ قد اسْتَشْكَلَ هذه الْقَاعِدَةَ بِمَا نُقِلَ عن الشَّافِعِيِّ أَيْضًا أَنَّ قَضَايَا الْأَحْوَالِ إذَا تَطَرَّقَ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ كَسَاهَا ثَوْبَ الْإِجْمَالِ وَسَقَطَ بها الِاسْتِدْلَال قال الْقَرَافِيُّ سَأَلْتُ بَعْضَ فُضَلَاءِ الشَّافِعِيَّةِ عن ذلك فقال يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ في الْمَسْأَلَةِ ثُمَّ جَمَعَ الْقَرَافِيُّ بَيْنَهُمَا بِطَرِيقَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ مُرَادَهُ بِالِاحْتِمَالِ الْمَانِعِ من الِاسْتِدْلَالِ الِاحْتِمَالُ الْمُسَاوِي أو الْقَرِيبُ منه وَالْمُرَادُ بِالِاحْتِمَالِ الذي لَا يَقْدَحُ الِاحْتِمَالُ الْمَرْجُوحُ فإنه لَا عِبْرَةَ بِهِ وَلَا يَقْدَحُ في صِحَّةِ الدَّلَالَةِ فَلَا يَصِيرُ اللَّفْظُ بِهِ مُجْمَلًا إجْمَاعًا لِأَنَّ الظَّوَاهِرَ كُلَّهَا كَذَلِكَ لَا تَخْلُو عن احْتِمَالٍ لَكِنَّهُ لَمَّا كان مَرْجُوحًا لم يَقْدَحْ في دَلَالَتِهَا وَالثَّانِي أَنَّ الِاحْتِمَالَ تَارَةً يَكُونُ في دَلِيلِ الْحُكْمِ وَتَارَةً في مَحَلِّ الْحُكْمِ فَالْأَوَّلُ هو الذي يَسْقُطُ بِهِ الِاسْتِدْلَال دُونَ الثَّانِي وَمَثَّلَ الْأَوَّلَ بِقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سِيقَ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ في كل شَيْءٍ حتى الْخَضْرَاوَاتِ كما يقول بِهِ أبو حَنِيفَةَ وَيَكُونُ الْعُمُومُ مَقْصُودًا له لِأَنَّهُ أتى بِلَفْظٍ دَالٍّ عليه وهو ما يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لم يَقْصِدْهُ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّهُ إذَا خَرَجَ اللَّفْظُ لِبَيَانِ مَعْنًى لَا يُحْتَجُّ بِهِ في غَيْرِهِ وَهَذَا إنَّمَا سِيقَ لِبَيَانِ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ دُونَ الْوَاجِبِ فيه فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ على الْعُمُومِ في الْوَاجِبِ فيه وإذا
- تَعَارَضَتْ الِاحْتِمَالَاتُ سَقَطَ الِاسْتِدْلَال بِهِ على وُجُوبِ الزَّكَاةِ في الْخَضْرَاوَاتِ قال وَمِثْلُهُ الْمُحْرِمُ الذي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ فَيُحْتَمَلُ التَّخْصِيصُ بِهِ وَيُحْتَمَلُ الْعُمُومُ في غَيْرِهِ وَلَيْسَ في اللَّفْظِ ما يُرَجِّحُ أَحَدَهُمَا فَيَسْقُطُ الِاسْتِدْلَال على التَّعْمِيمِ في حَقِّ كل مُحْرِمٍ هذا كَلَامُهُ وَهَذَا الْجَمْعُ يُخَالِفُ طَرِيقَةَ الشَّافِعِيِّ يقول الشَّافِعِيُّ يقول بِالْعُمُومِ في مِثْلِ هذه الْحَالَةِ بِالْقِيَاسِ كما سَبَقَ وَلَيْسَ في هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ ما يَبِينُ بِهِ الْفَرْقُ بين الْمَقَامَيْنِ لِأَنَّ غَالِبَ وَقَائِعِ الْأَعْيَانِ الشَّكُّ وَاقِعٌ فيها في مَحَلِّ الْحُكْمِ وَالصَّوَابُ في الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا ما ذَكَرَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ في شَرْحِ الْمَحْصُولِ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ الْقَاعِدَةَ الْأُولَى في تَرْكِ اسْتِفْصَالِ الشَّارِعِ الِاسْتِدْلَال فيها بِقَوْلِ الشَّارِعِ وَعُمُومٌ في الْخِطَابِ الْوَارِدِ على السُّؤَالِ عن الْوَاقِعَةِ الْمُخْتَلِفَةِ الْأَحْوَالِ وَالْعِبَارَاتُ الثَّانِيَةُ في الْفِعْلِ الْمُحْتَمَلِ وُقُوعُهُ على وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ فَهِيَ في كَوْنِ الْوَاقِعَةِ نَفْسِهَا لم يُفَصَّلْ وَهِيَ تَحْتَمِلُ وُجُوهًا يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ بِاخْتِلَافِهَا فَلَا عُمُومَ له كَقَوْلِهِ صلى في الْكَعْبَةِ أو فَعَلَ فِعْلًا لِتَطَرُّقِ الِاحْتِمَالِ إلَى الْأَفْعَالِ وَالْوَاقِعَةُ نَفْسُهَا لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ وَكَلَامُ الشَّارِعِ حُجَّةٌ لَا احْتِمَالَ فيه الرَّابِعُ أَنَّ الْمُرَادَ بِسُقُوطِ الِاسْتِدْلَالِ في وَقَائِعِ الْأَعْيَانِ إنَّمَا هو بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعُمُومِ إلَى أَفْرَادِ الْوَاقِعَةِ لَا سُقُوطُهُ مُطْلَقًا فإن التَّمَسُّكَ بها في صُورَةٍ ما مِمَّا يُحْتَمَلُ وُقُوعُهَا عليه غَيْرُ مُمْتَنِعٍ وَهَكَذَا الْحَدِيثُ أَنَّهُ عليه السَّلَامُ جَمَعَ بين الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمَدِينَةِ من غَيْرِ مَرَضٍ وَلَا سَفَرٍ فإن هذا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كان في مَطَرٍ وَأَنَّهُ كان في مَرَضٍ وَلَا عُمُومَ له في جَمِيعِ الْأَحْوَالِ فَلِهَذَا حَمَلُوهُ على الْبَعْضِ وهو الْمَطَرُ لِمُرَجِّحِ لِلتَّعْيِينِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُخَرَّجَ لِلشَّافِعِيِّ في هذه الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ من اخْتِلَافِ قَوْلِهِ إنَّ الْمُعْتَادَةَ الْمُمَيَّزَةَ هل يُحْكَمُ لها بِالتَّمَيُّزِ أو تُرَدُّ إلَى الْعَادَةِ كَغَيْرِهَا وَسَبَبُهُ قَوْلُهُ عليه السَّلَامُ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أبي حُبَيْشٍ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ التي كُنْتِ تَحِيضِينَ فيها ثُمَّ اغْتَسِلِي
- وَصَلِّي فَرَدَّهَا إلَى الْعَادَةِ ولم يَسْأَلْهَا هل هِيَ مُمَيِّزَةٌ أَمْ لَا فَدَلَّ ذلك على أَنَّ الْحُكْمَ لِلْعَادَةِ مُطْلَقًا كما هو أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ لَكِنْ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ يُحْكَمُ بِالتَّمْيِيزِ وقد تَعَاكَسَ الشَّافِعِيُّ وأبو حَنِيفَةَ في هذه الْمَسْأَلَةِ مع مَسْأَلَةِ غَيْلَانَ فإن أَبَا حَنِيفَةَ حَمَلَ حَدِيثَ غَيْلَانَ على التَّعَاقُبِ وَالشَّافِعِيُّ حَمَلَهُ على الْعُمُومِ وأبو حَنِيفَةَ حَمَلَ هذا الحديث على الْعُمُومِ وَالشَّافِعِيُّ حَمَلَهُ على أنها كانت مُمَيِّزَةً بِحَدِيثٍ وَرَدَ فيه سَبْقُ ذِكْرِهِ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ في أَنَّ الْمُقْتَضَى هل هو عَامٌّ أَمْ لَا وَلَا بُدَّ من تَحْرِيرِ تَصْوِيرِهِ قبل نَصْبِ الْخِلَافِ فَنَقُولُ الْمُقْتَضِي بِكَسْرِ الضَّادِ هو اللَّفْظُ الطَّالِبُ لِلْإِضْمَارِ بِمَعْنَى أَنَّ اللَّفْظَ لَا يَسْتَقِيمُ إلَّا بِإِضْمَارِ شَيْءٍ وَهُنَاكَ مُضْمَرَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ فَهَلْ له عُمُومٌ في جَمِيعِهَا أو لَا يَعُمُّ بَلْ يُكْتَفَى بِوَاحِدٍ منها وَأَمَّا الْمُقْتَضَى بِالْفَتْحِ فَهُوَ ذلك الْمُضْمَرِ نَفْسُهُ هل نُقَدِّرُهُ عَامًّا أَمْ نَكْتَفِي بِخَاصٍّ منه إذَا عَرَفْتَ هذا فَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أبي إِسْحَاقَ في اللُّمَعِ وَشَرْحِهَا وابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ أَنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا هو في الْقِسْمِ الثَّانِي حَيْثُ قَالَا الْخِطَابُ الذي يَفْتَقِرُ إلَى الْإِضْمَارِ لَا يَجُوزُ دَعْوَى الْعُمُومِ في إضْمَارِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فإنه يَفْتَقِرُ إلَى إضْمَارٍ فَبَعْضُهُمْ يُضْمِرُ وَقْتُ إحْرَامِ الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ وَبَعْضُهُمْ يُضْمِرُ وَقْتُ إفْعَالِ الْحَجِّ وَالْحَمْلُ على الْعُمُومِ لَا يَجُوزُ بَلْ يُحْمَلُ على ما يَدُلُّ الدَّلِيلُ على أَنَّهُ مُرَادٌ بِهِ لِأَنَّ الْعُمُومَ من صِفَاتِ النُّطْقِ فَلَا يَجُوزُ دَعْوَاهُ في الْمَعَانِي قَالَا وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ دَعْوَى الْعُمُومِ في لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا في الْمَسْجِدِ ولا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ في نَفْيِ الْفَضِيلَةِ وَمِنْ الْفُقَهَاءِ من يَحْمِلُهُ على الْعُمُومِ في كل ما يَحْتَمِلُهُ لِأَنَّهُ أَعَمُّ فَائِدَةً وَمِنْهُمْ من يَحْمِلُهُ على الْحُكْمِ الْمُخْتَلَفِ فيه لِأَنَّ ما سِوَاهُ مَعْلُومٌ بِالْإِجْمَاعِ قال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَهَذَا كُلُّهُ خَطَأٌ لِأَنَّ الْحَمْلَ على الْجَمِيعِ لَا يَجُوزُ وَلَيْسَ هُنَاكَ لَفْظٌ يَقْتَضِي الْعُمُومَ وَلَا يُحْمَلُ على مَوْضِعِ الْخِلَافِ
- لِأَنَّهُ تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ انْتَهَى وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَوْضِعَ النِّزَاعِ إنَّمَا هو في الْمُضْمَرِ لَا في الْمُضْمَرِ له فإن الْمُضْمَرَ له مَنْطُوقٌ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وأبو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ في التَّقْوِيمِ وَصَاحِبُ اللُّبَابِ من الْحَنَفِيَّةِ فَقَالُوا الْمُقْتَضَى ما اقْتَضَاهُ النَّصُّ وَأَوْجَبَهُ شَرْطًا لِتَصْحِيحِ الْكَلَامِ وَالنَّصُّ مُقْتَضٍ له كَقَوْلِهِ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ رُفِعَ عن أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ ولم يَزِدْ غير ذلك لِأَنَّهُ غَيْرُ مَرْفُوعٍ بَلْ رَافِعٌ فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِمُقْتَضَى الْكَلَامِ الْحُكْمُ أو الْإِثْمُ أو هُمَا جميعا فَالشَّافِعِيُّ أَثْبَتَ لِلْمُقْتَضِي عُمُومًا وَعِنْدَنَا لَا عُمُومَ له لِأَنَّ دَلَالَتَهُ ضَرُورِيَّةٌ لِلْحَاجَةِ فَيُقَدَّرُ بِقَدْرِ ما يَصِحُّ الْمَذْكُورُ بِهِ عِنْدَنَا وقال الشَّافِعِيُّ الْمُقْتَضَى كَالْمَنْصُوصِ في احْتِمَالِ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ أَنَّ الْمُقْتَضَى عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ فَحُكْمُهُ حُكْمُ النَّصِّ وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ فَكَانَ مَعْدُومًا حَقِيقَةً وَإِنَّمَا يُجْعَلُ مَوْجُودًا بِقَدْرِ الْحَاجَةِ وما ثَبَتَ بِالضَّرُورَةِ يُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا وقد أُرِيدَ بِهِ رَفْعُ الْإِثْمِ بِالْإِجْمَاعِ فَلَا يُزَادُ عليه ثُمَّ فَرَّعَ السَّرَخْسِيُّ على الْخِلَافِ الْمَسْأَلَةَ السَّابِقَةَ وَهِيَ ما لو قال إنْ أَكَلْتُ فَعَبْدِي حُرٌّ وَنَوَى طَعَامًا قال فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُعْمَلُ بِنِيَّتِهِ لِأَنَّ الْأَكْلَ يَقْتَضِي مَأْكُولًا وَذَلِكَ كَالْمَنْصُوصِ عليه فَكَأَنَّهُ قال إنْ أَكَلْتُ طَعَامًا فلما كان لِلْمُقْتَضَى عُمُومٌ عِنْدَهُ عُمِلَ بِنِيَّةِ التَّخْصِيصِ وَعِنْدَنَا لَا يُعْمَلُ لِأَنَّهُ لَا عُمُومَ لِلْمُقْتَضَى وَنِيَّةُ التَّخْصِيصِ فِيمَا لَا عُمُومَ له لَاغِيَةٌ انْتَهَى وَجَعَلَ غَيْرُهُ الحديث من بَابِ الْحَذْفِ لَا من بَابِ الِاقْتِضَاءِ فَكَانَ تَقْدِيرُ الْحُكْمِ وَالْإِثْمِ من بَابِ الِاشْتِرَاكِ وَالْمُشْتَرَكُ لَا عُمُومَ له وَكَذَا قَوْلُهُ إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ في الْحَذْفِ يَنْتَقِلُ الْحُكْمُ من الْمَنْطُوقِ إلَى الْمَحْذُوفِ وفي الْمُقْتَضَى لَا يَنْتَقِلُ من الْمُقْتَضَى شَيْءٌ بَلْ يُقَدَّرُ قَبْلَهُ ما يُصَحِّحُهُ قالوا وَنَظِيرُهُ الْمَيْتَةُ أُبِيحَتْ لِلضَّرُورَةِ فَيَقْتَصِرُ على سَدِّ الرَّمَقِ وَلَا يَتَنَاوَلُ ما وَرَاءَهُ من الشِّبَعِ بِخِلَافِ الْمَنْصُوصِ فإنه عَامِلٌ بِنَفْسِهِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمُذَكَّى يَعُمُّ سَائِرَ جِهَاتِ الِانْتِفَاعِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُخَرَّجُ من كَلَامِ الشَّافِعِيِّ في هذه الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ فإنه قال في الْأُمِّ في قَوْله تَعَالَى فَمَنْ كان مِنْكُمْ مَرِيضًا أو بِهِ أَذًى من رَأْسِهِ الْآيَةَ تَقْدِيرُ الْآيَةِ فَمَنْ كان مِنْكُمْ مَرِيضًا فَتَطَيَّبَ أو لَبِسَ أو أَخَذَ ظُفْرَهُ لِأَجْلِ مَرَضِهِ أو بِهِ أَذًى من رَأْسِهِ فَحَلَقَهُ فَفِدْيَةٌ فَقُدِّرَ جَمِيعُ الْمُضْمَرَاتِ وقال في الْإِمْلَاءِ ليس هذا
- مُضْمَرًا في الْآيَةِ وَإِنَّمَا تَضَمَّنَهُ حَلْقُ الرَّأْسِ فَقَطْ وَالْبَاقِي مَقِيسٌ عليه فَقَدَّرَهُ خَاصًّا وقد حَكَى الْبَصِيرُ الْمَاوَرْدِيُّ في الْحَاوِي والحاصل أَنَّ في الْمَسْأَلَةِ مَذَاهِبَ أَحَدُهَا وَحَكَاهُ الْأَصْفَهَانِيُّ في شَرْحِ الْمَحْصُولِ عن شَرْحِ اللُّمَعِ لِلشَّيْخِ أبي إِسْحَاقَ أَنَّهُ عَامٌّ وَبِهِ قال جَمَاعَةٌ من الْحَنَفِيَّةِ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ عن أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَصَحَّحَهُ وَالنَّوَوِيُّ في الرَّوْضَةِ في كِتَابِ الطَّلَاقِ فقال الْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ النَّاسِي لِأَنَّ دَلَالَةَ الِاقْتِضَاءِ عَامَّةٌ يَعْنِي من قَوْلِهِ رُفِعَ عن أُمَّتِي فإنه يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ حُكْمُ الْخَطَأِ أو إثْمُهُ أو كُلٌّ مِنْهُمَا جميعا وَقَاعِدَةُ الشَّافِعِيِّ تَقْتَضِي التَّعْمِيمَ وَلِهَذَا كان كَلَامُ النَّاسِي عِنْدَهُ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ وأبو حَنِيفَةَ أَبْطَلَهَا بِهِ لِأَنَّهُ يَرَى عَدَمَ عُمُومِهِ وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا عُمُومَ له في كل ما يَصِحُّ التَّقْدِيرُ بِهِ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَالْغَزَالِيُّ وابن السَّمْعَانِيِّ وَالْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وَالْآمِدِيَّ وابن الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمْ وقال الشَّيْخُ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ إنَّهُ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ هِيَ الْمُقْتَضِيَةُ لِلْإِضْمَارِ وَهِيَ الْمُنْدَفِعَةُ بِإِضْمَارٍ وَاحِدٍ وَتَكْثِيرُ الْإِضْمَارِ تَكْثِيرٌ لِمُخَالَفَةِ الدَّلِيلِ ثُمَّ قال الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ لِلْمُخَالِفِ أَنْ يَقُولَ ليس إضْمَارُ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ أَوْلَى من الْآخَرِ فَإِمَّا أَنْ لَا يُضْمَرَ حُكْمٌ أَصْلًا وهو غَيْرُ جَائِزٍ لِأَنَّهُ تَعْطِيلُ دَلَالَةِ اللَّفْظِ أو يُضْمَرُ الْكُلُّ وهو الْمَطْلُوبُ وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ هذا وَأَجَابَ عنه بِأَنَّ قَوْلَهُمْ ليس إضْمَارُ الْبَعْضِ أَوْلَى من الْبَعْضِ إنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لو قُلْنَا بِإِضْمَارِ حُكْمٍ مُعَيَّنٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ إضْمَارُ حُكْمٍ ما وَالتَّعْيِينُ إلَى الشَّارِعِ ثُمَّ أَوْرَدَ عليه أَنَّهُ يَلْزَمُ منه الْإِجْمَالُ فَأَجَابَ بِأَنَّ إضْمَارَ الْكُلِّ يَلْزَمُ منه تَكْثِيرُ مُخَالَفَةِ الدَّلِيلِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَعْنِي من الْإِجْمَالِ وَإِضْمَارِ الْكُلِّ خِلَافُ الْأَصْلِ وإذا قُلْنَا بِأَنَّهُ ليس بِعَامٍّ فَهَلْ هو مُجْمَلٌ أَمْ لَا قَوْلَانِ وَإِذْ قُلْنَا ليس بِمُجْمَلٍ فَقِيلَ يُصْرَفُ إطْلَاقُهُ في كل عَيْنٍ إلَى الْمَقْصُودِ اللَّائِقِ بِهِ حَكَاهُ ابن بَرْهَانٍ وَقِيلَ يُضْمَرُ الْمَوْضِعُ الْمُخْتَلَفُ فيه لِأَنَّ الْمُجْمَعَ عليه مُسْتَغْنٍ عن الدَّلِيلِ حَكَاهُ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وقال الْأَصْفَهَانِيُّ في شَرْحِ الْمَحْصُولِ إنْ قُلْنَا الْمُقْتَضَى له عُمُومٌ أُضْمِرَ الْكُلُّ وَإِنْ قُلْنَا لَا عُمُومَ له فَهَلْ يُضْمَرُ ما يُفْهَمُ من اللَّفْظِ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ قبل الشَّرْعِ أو يُضْمَرُ حُكْمًا من غَيْرِ تَعَيُّنٍ وَتَعْيِينُهُ إلَى الْمُجْتَهِدِ وَالْأَوَّلُ اخْتِيَارُ الْغَزَالِيِّ وَالثَّانِي اخْتِيَارُ الْآمِدِيَّ وَالثَّالِثُ التَّوَقُّفُ وهو ظَاهِرُ كَلَامِ الْآمِدِيَّ آخِرًا لِتَعَارُضِ الْمَحْذُورَيْنِ كَثْرَةُ
- الْإِضْمَارِ وَالْإِجْمَالُ إذَا قِيلَ بِإِضْمَارِ حُكْمٍ وَأَمَّا ابن الْحَاجِبِ فإنه قال الْتِزَامُ الْإِجْمَالِ أَقْرَبُ من مُخَالَفَةِ الْأَصْلِ بِتَكْثِيرِ الْإِضْمَارِ وَهَذَا بِعَيْنِهِ هو اخْتِيَارُ الْكَرْخِيِّ في مِثْلِ قَوْلِهِ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ أَنْ تَكُونَ مُجْمَلَةً وقد صَرَّحَ ابن الْحَاجِبِ هُنَاكَ بِمُخَالَفَتِهِ وَاخْتَارَ الْآمِدِيُّ في بَابِ الْمُجْمَلِ بِأَنَّ الْتِزَامَ مَحْذُورِ الْإِضْمَارِ الْكَثِيرِ أَوْلَى من الْتِزَامِ مَحْذُورِ الْإِجْمَالِ في اللَّفْظِ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنَّ الْإِضْمَارَ في اللُّغَةِ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا من اللَّفْظِ الْمُجْمَلِ وَلَوْلَا أَنَّ الْمَحْظُورَ في الْإِضْمَارِ أَقَلُّ ما كان اسْتِعْمَالُهُ أَكْثَرَ الثَّانِي أَنَّهُ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ على وُجُودِ الْإِضْمَارِ في اللُّغَةِ وَالْقُرْآنِ وَاخْتَلَفُوا في جَوَازِ الْإِجْمَالِ فِيهِمَا الثَّالِثُ أَنَّهُ عليه السَّلَامُ قال لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عليهم الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا وَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا وَذَلِكَ يَدُلُّ على إضْمَارِ جَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالشُّحُومِ في التَّحْرِيمِ وَإِلَّا لَمَا أَلْزَمَهُمْ الذَّمُّ بِبَيْعِهَا هذا كُلُّهُ إذَا كانت الْمُقَدَّرَاتُ على حَدٍّ وَاحِدٍ في الدَّلَالَةِ أَمَّا إذَا كان بَعْضُهَا أَعَمَّ من غَيْرِهِ فَاخْتَارَ الْقَرَافِيُّ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ إضْمَارُ الْأَعَمِّ لِمَا فيه من زِيَادَةِ الْفَائِدَةِ وَتَكْثِيرِهَا مع انْدِفَاعِ الْمَحْذُورِ الذي هو تَكْثِيرُ الْإِضْمَارِ وَقَرَّرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ فقال وَهُنَا وَجْهٌ يُمْكِنُ أَنْ يَحْصُلَ بِهِ مَقْصُودُ من أَرَادَ التَّعْمِيمَ وهو أَنْ يُضْمِرَ شيئا وَاحِدًا مَدْلُولُ ذلك مُقْتَضٍ لِلْعُمُومِ فَيَحْصُلُ الْمَقْصُودُ من الْعُمُومِ مع عَدَمِ تَعَدُّدِ الْمُضْمَرِ مِثْلُ أَنْ يُضْمِرَ في قَوْلِهِ رُفِعَ عن أُمَّتِي الْحُكْمُ فَيَعُمُّ الْأَحْكَامَ مع غَيْرِ تَعَدُّدٍ في الْمُضْمَرِ انْتَهَى وَقَدَّرَ فَخْرُ الدِّينِ في تَفْسِيرِهِ في قَوْله تَعَالَى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ التَّصَرُّفَ في الْمَيْتَةِ لِيَعُمَّ تَحْرِيمَ الْأَكْلِ وَالْبَيْعِ وَالْمُلَابَسَةِ وَغَيْرِ ذلك
- تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ أَنَّ الصُّوَرَ في الْمُقَدَّرَاتِ ثَلَاثٌ أَحَدُهَا أَنْ تَتَسَاوَى وَلَا يَظْهَرُ في وَاحِدٍ منها أَنَّهُ أَرْجَحُ فَهَلْ هو عَامٌّ أو مُجْمَلٌ قَوْلَانِ أَرْجَحُهُمَا الثَّانِي ثَانِيهِمَا أَنْ يَتَرَجَّحَ بَعْضُهَا لَا بِدَلِيلٍ من خَارِجٍ بَلْ لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ إلَى الْحَقِيقَةِ مِثْلُ لَا صِيَامَ لِمَنْ لم يُبَيِّتْ الصِّيَامَ وَلَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَأَصْحَابُنَا يُقَدِّرُونَ وَاحِدًا ثُمَّ يُرَجِّحُونَ تَقْدِيرَ ما كان أَقْرَبَ إلَى نَفْيِ الْحَقِيقَةِ وهو الْجَوَازُ مَثَلًا سَوَاءٌ كان أَعَمَّ من غَيْرِهِ أَمْ لَا وَالْخَصْمُ يُقَدِّرُ الْكُلَّ ثُمَّ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ يقول هُنَا إنَّ الْخَصْمَ لَا يَنْبَغِي له أَنْ يُقَدِّرَ الْكُلَّ إلَّا إذَا لم يُنَافِ بَعْضُهَا بَعْضًا فَإِنْ تَنَافَيَا وَارْتَكَبَ تَقْدِيرَ الْكُلِّ فَقَدْ أَسَاءَ مِثْلُ لَا صِيَامَ فإن تَقْدِيرَ الْكَمَالِ يُنَافِي تَقْدِيرَ الصِّحَّةِ إذْ نَفْيُ الْكَمَالِ منهم إثْبَاتُ الصِّحَّةِ فَلَا يَصِحُّ تَقْدِيرُهُ مع تَقْدِيرِ نَفْيِ الصِّحَّةِ معه وَوَافَقَهُ على ذلك ابن السَّمْعَانِيِّ فقال لَا يَجُوزُ انْتِفَاءُ الْفَضِيلَةِ مع انْتِفَاءِ الْجَوَازِ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ من وُجُودِ الْجَوَازِ فَيُتَصَوَّرُ انْتِفَاءُ الْفَضِيلَةِ وَجَرَى على ذلك ابن دَقِيقِ الْعِيدِ فإنه قال وَالْخِلَافُ في هذا إنَّمَا يُمْكِنُ فِيمَا لَا تَنَافِيَ بين مَضْمُونِهِ وَثَالِثُهَا أَنْ يَظْهَرَ وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ بِدَلِيلٍ مُسْتَفَادٍ من خَارِجٍ فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُخَالِفَ هُنَا كما قَالَهُ ابن الْحَاجِبِ بَلْ يُقَدَّرُ ما ظَهَرَ فَإِنْ كان عَامًّا فَهُوَ عَامٌّ وَإِلَّا فَلَا فَالْعَامُّ كَقَوْلِهِ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ أَيْ وَقْتُ الْحَجِّ وَالْخَاصُّ كَقَوْلِهِ لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ
- أَيْ لَا تَجِبُ فإن الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ على جَوَازِهَا وَصَرَّحَ الْقَرَافِيُّ بِجَرَيَانِ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا تَعَيَّنَ أَحَدُهُمَا بِدَلِيلٍ وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ عَامٌّ كما يقول الشَّافِعِيُّ في الْجَمْعِ بين الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ مع أَنَّ الْحَقِيقَةَ قد تَعَيَّنَتْ الثَّانِي أَنَّ الْأُصُولِيِّينَ قالوا إذَا تَعَيَّنَ لِلْمُقْتَضَى أَحَدُ الْمُضْمَرَاتِ كان كَظُهُورِهِ في اللَّفْظِ وَرَدُّوا ادِّعَاءَ الْكَرْخِيِّ الْإِجْمَالَ فإن الذي يَسْبِقُ إلَى الْفَهْمِ من تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ تَحْرِيمُ أَكْلِهَا وَمِنْ تَحْرِيمِ الْأُمَّهَاتِ تَحْرِيمُ وَطْئِهِنَّ وإذا كان كَذَلِكَ كان كَالْمَلْفُوظِ بِهِ فَلَا إجْمَالَ وَهَذَا لَا يَسْتَقِيمُ على قَاعِدَةِ الشَّافِعِيِّ فإن تَحْرِيمَ الْمَيْتَةِ عِنْدَهُ لَا يَخْتَصُّ بِالْأَكْلِ بَلْ يَحْرُمُ مُلَابَسَتُهَا في الصَّلَاةِ وَبَيْعُهَا وَغَيْرُ ذلك إلَّا ما خَرَجَ بِدَلِيلٍ كَالْجِلْدِ الْمَدْبُوغِ ولم يُعَدَّهُ لِلشَّعْرِ لِأَنَّ الدِّبَاغَ لَا يُؤَثِّرُ فيه فَنَجَاسَتُهُ ثَابِتَةٌ عِنْدَهُ وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْآمِدِيُّ في قَوْلِهِ عليه السَّلَامُ لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ الحديث إلَّا أَنْ يُقَرِّرَ ذلك بِطَرِيقٍ أُخْرَى وهو أَنَّ تَحْرِيمَ أَكْلِ الْمَيْتَةِ ظَاهِرٌ في نَجَاسَتِهَا وإذا تَنَجَّسَتْ بِالْمَوْتِ لَزِمَ من النَّجَاسَةِ بُطْلَانُ الْبَيْعِ وَعَدَمُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ في شَيْءٍ منها إلَّا ما طَهُرَ بِالدِّبَاغِ فَهَذِهِ الْأَحْكَامُ نَاشِئَةٌ عن النَّجَاسَةِ الْمَأْخُوذَةِ من تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَلَيْسَ في اللَّفْظِ إجْمَالٌ وَلَا تَكْثِيرُ إضْمَارٍ وَهَذَا تَقْرِيرٌ حَسَنٌ ولم يَسْلُكْ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ في تَفْسِيرِهِ هذه الطَّرِيقَةَ بَلْ قَدَّرَ إنَّمَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ التَّصَرُّفَ في الْمَيْتَةِ لِيُفِيدَ عُمُومَ التَّصَرُّفِ كَالْأَكْلِ وَالْبَيْعِ وَالْمُلَابَسَاتِ كما هو مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وقال إنَّهُ الْمُتَعَارَفُ من تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ لَا تَحْرِيمِ أَكْلِهَا وفي هذا الْكَلَامِ ضَعْفٌ لَا يَخْفَى وهو خِلَافُ ما قَرَّرَهُ في الْمَحْصُولِ كما مَرَّ وَقَوْلُهُ عليه السَّلَامُ إنَّمَا حُرِّمَ من الْمَيْتَةِ أَكْلُهَا دَلِيلُ انْصِرَافِ تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ إلَى أَكْلِهَا وَلَا يَلْزَمُ منه عَدَمُ تَحْرِيمِ الْمُلَابَسَةِ لِمَا مَرَّ أَنَّ تَحْرِيمَ الْأَكْلِ ظَاهِرٌ في النَّجَاسَةِ وهو مَعْنًى مُنَاسِبٌ يَصْلُحُ لِتَرَتُّبِ الْحُكْمِ وَالنَّجَاسَةِ عليه لِلْمَنْعِ بِمَا ذَكَرَهُ
- وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْكَلَامَ في هذه الْمَسْأَلَةِ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا لم يَقُمْ على تَعْيِينِ أَحَدِ الْمُقَدَّرَيْنِ دَلِيلٌ أَمَّا إذَا اقْتَرَنَ بِاللَّفْظِ قَرِينَةٌ تُعَيِّنُهُ فإنه يَكُونُ كَالْمَلْفُوظِ بِهِ كما في قَوْله تَعَالَى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ فإن الْعُرْفَ قَاضٍ بِأَنَّ الْمُرَادَ من تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ تَحْرِيمُ أَكْلِهَا وَمِنْ تَحْرِيمِ الْأُمَّهَاتِ تَحْرِيمُ وَطْئِهِنَّ بِخِلَافِ نَحْوِ رُفِعَ عن أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ فإنه لم يَقُمْ دَلِيلٌ يُعَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَرْفُوعِ الْحُكْمُ أو غَيْرُهُ الْفَرْقُ بين دَلَالَةِ الِاقْتِضَاءِ وَدَلَالَةِ الْإِضْمَارِ الثَّالِثُ الْكَلَامُ في هذه يَسْتَدْعِي فَهْمَ دَلَالَةِ الِاقْتِضَاءِ وَهَلْ هِيَ مُغَايَرَةٌ لِلْإِضْمَارِ وقد اُخْتُلِفَ في ذلك فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ من الْحَنَفِيَّةِ منهم أبو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ إلَى عَدَمِ الْمُغَايَرَةِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عِبَارَةٌ عن إسْقَاطِ شَيْءٍ من الْكَلَامِ لَا يَتِمُّ الْكَلَامُ بِدُونِهِ نَظَرًا إلَى الْعَقْلِ أو الشَّرْعِ أو إلَيْهِمَا لَا إلَى اللَّفْظِ إذْ اللَّفْظُ صَحِيحٌ مِنْهُمَا وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى الْفَرْقِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا في وَجْهِ التَّغَايُرِ على أَقْوَالٍ أَحَدُهَا وَبِهِ يُشْعِرُ كَلَامُ الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ أَنَّ الِاقْتِضَاءَ إثْبَاتُ شَرْطٍ يَتَوَقَّفُ عليه وُجُودُ الْمَذْكُورِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عليه صِحَّةُ اللَّفْظِ نَحْوُ اصْعَدْ السَّطْحَ فإنه يَقْتَضِي نَصْبَ السُّلَّمِ وهو أَمْرٌ يَتَوَقَّفُ عليه وُجُودُ الصُّعُودِ وَلَا تَتَوَقَّفُ عليه صِحَّةُ اللَّفْظِ بِخِلَافِ الْإِضْمَارِ فإنه إثْبَاتُ أَمْرٍ تَتَوَقَّفُ عليه صِحَّةُ اللَّفْظِ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ من بَابِ الْإِضْمَارِ وَلَا يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ اللَّفْظِ على إضْمَارِ الْأَهْلِ لِأَنَّ الْعَقْلَ لَا يُحِيلُ السُّؤَالَ من الْقَرْيَةِ وَثَانِيهَا ذَكَرَهُ عبد الْعَزِيزِ في الْكَشْفِ شَرْحِ الْبَزْدَوِيِّ أَنَّ في صُورَةِ الْإِضْمَارِ تَغْيِيرُ إسْنَادِ اللَّفْظِ عِنْدَ التَّصْرِيحِ بِالْمُضْمَرِ كَالْأَهْلِ في وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ بِخِلَافِ الِاقْتِضَاءِ فإنه يَبْقَى الْإِسْنَادُ على حَالِهِ وَرُدَّ أَيْضًا بِاتِّفَاقِ الْأُصُولِيِّينَ على أَنَّ قَوْلَهُ عليه السَّلَامُ رُفِعَ عن أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ من بَابِ الِاقْتِضَاءِ مع أَنَّهُ يَتَغَيَّرُ الْإِسْنَادُ بِالْمُضْمَرِ وَثَالِثُهَا أَنَّ الْمُضْمَرَ كَالْمَذْكُورِ لَفْظًا وَلِهَذَا له عُمُومٌ وَلِهَذَا لو قال لِامْرَأَتِهِ طَلِّقِي نَفْسَك وَنَوَى ثَلَاثًا صَحَّتْ نِيَّتُهُ إذْ الْمَصْدَرُ مُضْمَرٌ فيه فَكَأَنَّهُ قال طَلِّقِي نَفْسَك طَلَاقًا وَأَمَّا الْمُقْتَضِي فَلَيْسَ هو كَالْمَذْكُورِ لَفْظًا وَكَذَا لَا يَعُمُّ وَرُدَّ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ إضْمَارَ
- الْمَصْدَرِ في الْأُولَى لِأَنَّهُ على خِلَافِ الْأَصْلِ فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا لِضَرُورَةٍ وَلَا ضَرُورَةَ فيه قال الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ وَالصَّحِيحُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا من حَيْثُ الْمَعْنَى وَاللَّفْظُ أَمَّا من حَيْثُ الْمَعْنَى فَالْمُقْتَضِي أَعَمُّ من الْمُضْمَرِ لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ قد يَكُونُ مَشْعُورًا بِهِ لِلْمُتَكَلِّمِ وقد لَا يَكُونُ بِخِلَافِ الْمُضْمَرِ فإنه لَا يَكُونُ إلَّا يَكُونُ مَشْعُورًا بِهِ لِأَنَّهُ اسْمُ مَفْعُولٍ من أَضْمَرَهُ الْمُتَكَلِّمُ فَعَلَى هذا كُلُّ مُضْمَرٍ مُقْتَضًى وَلَا عَكْسُ وَأَمَّا من حَيْثُ اللَّفْظُ فَمِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْإِضْمَارَ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ حَيْثُ يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عن إسْقَاطِ شَيْءٍ يَدُلُّ عليه الْبَاقِي بِخِلَافِ الِاقْتِضَاءِ فإنه قد يُحْتَاجُ فيه إلَى تَأَمُّلٍ وَنَظَرٍ وَثَانِيهِمَا أَنَّ في صُورَةِ الْإِضْمَارِ تَغْيِيرُ إسْنَادِ اللَّفْظِ عِنْدَ التَّصْرِيحِ بِالْمُضْمَرِ وفي الِاقْتِضَاءِ قد يَكُونُ كَذَلِكَ كَقَوْلِهِ رُفِعَ عن أُمَّتِي الْخَطَأُ وقد لَا يَكُونُ كما في اصْعَدْ السَّطْحَ وَكَذَلِكَ في اعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ من جِهَةِ الْغَفْلَةِ عن الشَّيْءِ وَتَغَيُّرِ الْإِسْنَادِ وَهُمَا مُتَّحِدَانِ في أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْكَلَامِ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِمَا وقال عبد الْعَزِيزِ في شَرْحِ الْبَزْدَوِيِّ وَجَعَلَ الْأُصُولِيُّونَ مِنَّا وَمِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ ما يُضْمَرُ في الْكَلَامِ لِتَصْحِيحِهِ على أَقْسَامٍ أَحَدُهَا ما أُضْمِرَ لِضَرُورَةِ صِدْقِ الْمُتَكَلِّمِ كَقَوْلِهِ رُفِعَ عن أُمَّتِي وَالثَّانِي ما أُضْمِرَ لِصِحَّتِهِ عَقْلًا كَقَوْلِهِ وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ وَالثَّالِثُ ما أُضْمِرَ لِصِحَّتِهِ شَرْعًا كَقَوْلِهِ اعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي وَشُمُولُ مُقْتَضًى وَلِذَلِكَ قالوا في حَدِّهِ هو جَعْلُ غَيْرِ الْمَنْطُوقِ مَنْطُوقًا لِتَصْحِيحِ الْمَنْطُوقِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ الْعُمُومِ في الثَّلَاثَةِ وَبَعْضُهُمْ إلَى الْمَنْعِ فيها وهو أبو زَيْدٍ وَذَهَبَ الْبَزْدَوِيُّ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَصَدْرُ الْإِسْلَامِ إلَى أَنَّ اسْمَ الْمُقْتَضِي يُطْلَقُ على الثَّالِثِ فَقَطْ وَسَمَّوْا الْبَاقِيَ مَحْذُوفًا وَمُضْمَرًا وَقَالُوا بِالْعُمُومِ في الْمُضْمَرِ دُون الْمُقْتَضِي
- الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ حَذْفُ الْمَعْمُولِ نَحْوُ زَيْدٌ يُعْطِي وَيَمْنَعُ يُشْعِرُ بِالتَّعْمِيمِ وَقَوْلُهُ وَاَللَّهُ يَدْعُو إلَى دَارِ السَّلَامِ أَيْ كُلَّ أَحَدٍ وَهَذَا لم يَتَعَرَّضْ له الْأُصُولِيُّونَ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ أَهْلُ الْبَيَانِ وَفِيهِ بَحْثٌ فإن ذلك إنَّمَا أُخِذَ من الْقَرَائِنِ وَحِينَئِذٍ فَإِنْ دَلَّتْ الْقَرِينَةُ على أَنَّ الْمُقَدَّرَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا فَالتَّعْمِيمُ من عُمُومِ الْمُقَدَّرِ سَوَاءٌ ذُكِرَ أو حُذِفَ وَإِلَّا فَلَا دَلَالَةَ على التَّعْمِيمِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْعُمُومَ فِيمَا ذُكِرَ إنَّمَا هو دَلَالَةُ الْقَرِينَةِ على أَنَّ الْمُقَدَّرَ عَامٌّ وَالْحَذْفُ إنَّمَا هو لِمُجَرَّدِ الِاقْتِضَاءِ لَا التَّعْمِيمِ الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ في أَنَّ الْمَفْهُومَ هل له عُمُومٌ أَمْ لَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا وَحَكَى الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ أَنَّهُ عَامٌّ فقال قال أَصْحَابُنَا الْعُمُومُ يَكُونُ في الْأَلْفَاظِ وَالْمَعَانِي وَدَلَائِلِ الْأَلْفَاظِ من مَفْهُومٍ أو دَلِيلِ خِطَابٍ ا هـ وَظَاهِرُ إيرَادِ الْأَكْثَرِينَ منهم الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ ليس بِعَامٍّ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا الْعُمُومَ من صِفَاتِ النُّطْقِ وهو اخْتِيَارُ الْقَاضِي أبي بَكْرٍ وَالْغَزَالِيِّ وَلِهَذَا مَنَعَا تَخْصِيصَهُ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يَكُونُ إلَّا لِلْعَامِّ وَهَذَا بِنَاءٌ منهم أَنَّ دَلَالَةَ الْمَفْهُومِ قِيَاسِيَّةٌ لَا لَفْظِيَّةٌ وهو الصَّحِيحُ كما سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ قُلْنَا إنَّهَا لَفْظِيَّةٌ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ الْخِلَافُ في عُمُومِهِ وَالْعَجَبُ أَنَّ الْغَزَالِيَّ من الْقَائِلِينَ بِأَنَّهَا لَفْظِيَّةٌ وَهُنَا نَفَى الْعُمُومَ وَأَشَارَ إلَى بِنَاءِ هذه الْمَسْأَلَةِ على أَنَّ الْعُمُومَ من عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ أو الْمَعَانِي فقال من يقول بِالْمَفْهُومِ قد يَظُنُّ أَنَّ له عُمُومًا وَيَتَمَسَّكُ بِهِ ثُمَّ رَدَّهُ بِأَنَّ الْعُمُومَ من عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ وَالْمَفْهُومُ لَيْسَتْ دَلَالَتُهُ لَفْظِيَّةً فإذا قال في سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ فَنَفْيُ الزَّكَاةِ عن الْمَعْلُوفَةِ ليس بِلَفْظٍ حتى يَعُمَّ أو يَخُصَّ وَرَدَّ ذلك صَاحِبُ الْمَحْصُولِ وقال إنْ كُنْت لَا تُطْلِقُ عليه لَفْظَ الْعَامِّ فَلَكَ ذلك وَإِنْ عَنَيْتَ بِهِ أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي انْتِفَاءَ الْحُكْمِ في جُمْلَةِ صُوَرِ انْتِفَاءِ الصِّفَةِ فَذَلِكَ من تَقَارِيعِ كَوْنِ الْمَفْهُومِ حُجَّةً وَمَتَى جَعَلْتَهُ حُجَّةً لَزِمَ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ في جُمْلَةِ صُورَةِ انْتِفَاءِ الصِّفَةِ وَإِلَّا لم يَكُنْ لِلتَّخْصِيصِ فَائِدَةٌ قال الْقَرَافِيُّ وَالظَّاهِرُ من حَالِ الْغَزَالِيِّ أَنَّهُ إنَّمَا خَالَفَ في التَّسْمِيَةِ لِأَنَّ لَفْظَ
- الْعُمُومِ إنَّمَا وُضِعَ لِلَّفْظِ لَا لِلْمَعْنَى وَأَمَّا عُمُومُ النَّفْيِ في الْمَنْطُوقِ فَهُوَ من الْقَائِلِينَ بِهِ لِأَنَّهُ من الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ حُجَّةٌ وقال ابن الْحَاجِبِ إنَّمَا أَرَادَ الْغَزَالِيُّ أَنَّ الْعُمُومَ لم يَثْبُتْ بِالْمَنْطُوقِ بِهِ فَقَطْ بَلْ بِوَاسِطَتِهِ وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فيه وقال الْخِلَافُ لَا يَتَحَقَّقُ في هذه الْمَسْأَلَةِ وقال الشَّيْخُ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ الْحَالَ مُخْتَلِفٌ فَإِنْ كان مَحَلُّ النُّطْقِ إثْبَاتٌ فَالْحُكْمُ مُنْتَفٍ في جُمْلَةِ صُورَةِ الْمُخَالَفَةِ وَإِنْ كان نَفْيًا لم يَلْزَمْ أَنْ يَثْبُتَ الْحُكْمُ لِأَنَّهُ إذَا تَخَلَّفَ النُّطْقُ إثْبَاتًا لَزِمَ نَفْيُ الْحُكْمِ إذَا انْتَفَى عن كل أَفْرَادِ الْمُخَالَفَةِ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَدُلَّ على تَنَاوُلِ الْحُكْمِ لِكُلِّ فَرْدٍ من أَفْرَادِ الْمُخَالَفَةِ أو لَا فَإِنْ دَلَّ فَهُوَ لِلْأَفْرَادِ وَإِلَّا فَهُوَ دَالٌّ حِينَئِذٍ على نَفْيِ الْحُكْمِ عن مُسَمَّى الْمُخَالِفِ وَلَزِمَ انْتِفَاؤُهُ عن كل فَرْدٍ ضَرُورَةً وَأَنَّ ما سُلِبَ عن الِاسْمِ مَسْلُوبٌ عن جُمْلَةِ أَفْرَادِهِ وَهَذَا كَتَعْلِيقِ الْوُجُوبِ بِسَائِمَةِ الْغَنَمِ فَإِنْ كان مَحَلُّ النُّطْقِ إثْبَاتًا فَيَقْتَضِي نَفْيَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عن الْمَعْلُوفَةِ وَإِنْ كان بِصِفَةٍ فَذَاكَ وَإِلَّا فَهُوَ سَلْبٌ عن مُسَمَّى الْمَعْلُوفِ فَيَلْزَمُ انْتِفَاءُ الْوُجُوبِ عن كل أَفْرَادِ الْمَعْلُوفَةِ لِمَا بَيَّنَّاهُ من أَنَّ الْمَسْلُوبَ عن الْأَعَمِّ مَسْلُوبٌ عن كل أَفْرَادِهِ وَأَمَّا إنْ كان مَحَلُّ النُّطْقِ نَفْيًا كَقَوْلِهِ لَا يَبُولَنَّ أحدكم في الْمَاءِ الدَّائِمِ فإنه يَقْتَضِي انْتِفَاءَ الْحُكْمِ عن الْمُخَالِفِ وهو النَّفْيُ فَيَكُونُ الثَّابِتُ لِلْمُخَالِفِ إثْبَاتًا فإن مُطْلَقَ الْحُكْمِ في السَّوْمِ لَا يَلْزَمُ منه الْعُمُومُ كما أَنَّ الْعُمُومَ له صِيَغٌ مَخْصُوصَةٌ لَا كُلُّ صِيغَةٍ فإذا كان بَعْضُ الْأَلْفَاظِ الْمَنْطُوقِ بها لَا يَدُلُّ على الْعُمُومِ إذَا كانت في جَانِبِ الْإِضَافَةِ فما ظَنُّك بِمَا لَا لَفْظَ فيه أَصْلًا وَمَنْ ادَّعَى أَنَّ مُقْتَضَى الْمَفْهُومِ أَنْ يَدُلَّ على الْعُمُومِ في مِثْلِ هذا احْتَاجَ إلَى دَلِيلٍ وَقَوْلُ الْإِمَامِ وَمَتَى جَعَلْتَهُ حُجَّةً لَزِمَ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ عن جُمْلَةِ صُوَرِ انْتِفَاءِ الصِّفَةِ وَإِلَّا لم يَكُنْ لِلتَّخْصِيصِ فَائِدَةٌ مَمْنُوعٌ لِأَنَّا إذَا عَلَّقْنَا الْحُكْمَ بِالْمُسَمَّى الْمُطْلَقِ كانت فَائِدَةُ الْمَفْهُومِ حَاصِلَةً في بَعْضِ الصُّوَرِ ضَرُورَةً فَلَا يَخْلُو الْمَفْهُومُ من فَائِدَةٍ وفي مِثْلِ هذا يَتَوَجَّهُ كَلَامُ الْغَزَالِيِّ قال فَهَذِهِ مَبَاحِثُهُ يُنْظَرُ فيها ثُمَّ بَعْدَ ذلك تَقُولُ فَقَدْ نَأْخُذُ عُمُومَ الْأَحْكَامِ في أَفْرَادِ الْمُخَالِفِ من أَمْرٍ خَارِجٍ عن دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ
- الْإِجْمَاعُ قَائِمًا على عَدَمِ اقْتِرَانِ الْأَحْكَامِ أو يَكُونَ الْحُكْمُ في الْمُخَالِفِ ثَابِتًا لِمَعْنًى مَفْهُومٍ لَا يَخْتَصُّ ذلك الْمَعْنَى بِبَعْضِ الْأَفْرَادِ دُونَ بَعْضٍ وقال الْإِبْيَارِيُّ في شَرْحِ الْبُرْهَانِ الْقَائِلُ بِأَنَّ لِلْمَفْهُومِ عُمُومًا مُسْتَنَدُهُ أَنَّهُ إذَا قال في سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ فَقَدْ تَضَمَّنَ ذلك قَوْلًا آخَرَ وهو لَا زَكَاةَ في الْمَعْلُوفَةِ وهو لو صَرَّحَ بِذَلِكَ لَكَانَ عَامًّا وَالْمَقْصُودُ أَنَّا إذَا وَجَدْنَا صُورَةً من صُوَرِ الْمَفْهُومِ مُوَافَقَةً لِلْمَنْطُوقِ بِهِ فَهَلْ نَقُولُ بَطَلَ الْمَفْهُومُ بِالْكُلِّيَّةِ حتى لَا يَتَمَسَّكَ بِهِ في غَيْرِ تِلْكَ الصُّورَةِ أو نَقُولُ نَتَمَسَّكُ بِهِ فِيمَا وَرَاءَ ذلك هذا مَوْضِعُ نَظَرٍ قال وَالْأَشْبَهُ بِنَاءُ ذلك على أَنَّ مُسْتَنَدَ الْمَفْهُومِ مَاذَا هل هو الْبَحْثُ عن فَوَائِدِ التَّخْصِيصِ كما هو اخْتِيَارُ الشَّافِعِيِّ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ له عُمُومٌ وَإِنْ قُلْنَا اسْتِنَادُهُ إلَى عُرْفٍ لُغَوِيٍّ فَصَحِيحٌ وَخَرَجَ لنا من كَلَامِهِ وَكَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّ الْخِلَافَ مَعْنَوِيٌّ وَلَيْسَ الْخِلَافُ لَفْظِيًّا كما زَعَمُوا وَفَائِدَةٌ أُخْرَى ذَكَرَهَا الشَّيْخُ وَهِيَ أَنَّ خِلَافَ أَصْحَابِنَا في الْمَاءِ النَّجِسِ إذَا كُوثِرَ بِمَاءٍ ولم يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ هل يَطْهُرْ يَنْبَنِي على ذلك فَإِنْ قُلْنَا له عُمُومٌ لم يَطْهُرْ وهو الصَّحِيحُ وَوَجْهُ الْبِنَاءِ أَنَّ قَوْلَهُ عليه السَّلَامُ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لم يَنْجُسْ دَلَّ بِمَفْهُومِهِ على أَنَّ ما دُونَهُمَا يَتَنَجَّسُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ سَوَاءٌ تَغَيَّرَ أَمْ لَا كُوثِرَ ولم يَبْلُغْهُمَا أَمْ لم يُكَاثَرْ وَإِنْ قُلْنَا لَا عُمُومَ لِلْمَفْهُومِ لم يَقْتَضِ الْحَدِيثُ النَّجَاسَةَ في هذه الصُّورَةِ وَكَذَلِكَ الْمَاءُ الْقَلِيلُ الْجَارِي إذَا وَقَعَتْ فيه نَجَاسَةٌ ولم يَتَغَيَّرْ وَالْجَدِيدُ يُنَجِّسُ وَالْقَدِيمُ لَا فَيُبْنَى على ما ذَكَرْنَا تَنْبِيهٌ الْمَفْهُومُ يَكُونُ عَامًّا إذَا كان الْمَنْطُوقُ جُزْئِيًّا ما ذَكَرُوهُ من عُمُومِ الْمَفْهُومِ حتى يُعْمَلَ بِهِ فِيمَا عَدَا الْمَنْطُوقِ يَجِبُ تَأْوِيلُهُ عليه على أَنَّ الْمُرَادَ ما إذَا كان الْمَنْطُوقُ جُزْئِيًّا وَبَيَانُهُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ على أَنَّ الثَّابِتَ بِالْمَفْهُومِ إنَّمَا هو نَقِيضُ الْمَنْطُوقِ وَالْإِجْمَاعُ على أَنَّ نَقِيضَ الْكُلِّيِّ الْمُثْبَتِ جُزْئِيٌّ سَالِبٌ وَنَقِيضُ الْجُزْئِيِّ الْمُثْبَتِ كُلِّيٌّ سَالِبٌ وَمِنْ هَاتَيْنِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ يُعْلَمُ أَنَّ ما كان مَنْطُوقُهُ كُلِّيًّا سَالِبًا كان مَفْهُومُهُ
- جُزْئِيًّا سَالِبًا فَيَجِبُ تَأْوِيلُ قَوْلِهِمْ إنَّ الْمَفْهُومَ عَامٌّ على ما إذَا كان الْمَنْطُوقُ بِهِ خَاصًّا لِيَجْتَمِعَ أَطْرَافُ الْكَلَامِ وَانْظُرْ إلَى عِبَارَةِ الْإِمَامِ في الْمَحْصُولِ في أَوَّلِ بَابِ الْعُمُومِ وَقَوْلُهُ في سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ أَنَّهُ يَدُلُّ على أَنَّهُ لَا زَكَاةَ في كل ما ليس بِسَائِمَةٍ فإن قَوْلَهُ لَا زَكَاةَ في كل ما ليس بِسَائِمَةٍ من بَابِ سَلْبِ الْعُمُومِ الْمُقْتَضِي لِسَلْبِ الْحُكْمِ عن الْمَجْمُوعِ وَلَيْسَ من بَابِ عُمُومِ السَّلْبِ الْمُقْتَضِي لِسَلْبِ الْحُكْمِ عن كل فَرْدٍ فَرْدٍ الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ الْمُشْتَرَكُ إذَا تَجَرَّدَ عن الْقَرَائِنِ صَارَ صَائِرُونَ إلَى أَنَّهُ عَامٌّ إذَا لم يَقُمْ دَلِيلٌ على التَّخْصِيصِ إعْمَالًا لِلَّفْظِ فِيمَا أَمْكَنَ وَنُقِلَ ذلك عن الشَّافِعِيِّ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وهو عِنْدَهُ في حُكْمِ الْعَامِّ لَا نَفْسِهِ لِأَنَّ الْعَامَّ يُحْمَلُ على جَمِيعِ الْأَفْرَادِ بِخِلَافِ هذا وَإِنَّمَا شَابَهُ الْعَامَّ من حَيْثُ شُمُولُهُ مُتَعَدِّدًا وَأَنَّهُ يُحْمَلُ على النَّوْعَيْنِ وقد بَالَغَ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ في رَدِّ هذا الْقَوْلِ وقال هذا غَلَطٌ فإنه لم يُوضَعْ وَضْعَ عُمُومٍ وَلَكِنْ وُضِعَ لِآحَادِ الْمَحَامِلِ على الْبَدَلِ فَالتَّعْمِيمُ فيه إخْرَاجُهُ عن مَوْضُوعِهِ وَإِلْحَاقُهُ بِقَبِيلٍ آخَرَ قال وَهَذَا قَاطِعٌ ا هـ وَيَشْهَدُ له أَنَّهُمْ نَقَلُوا عن الْقَاضِي مُوَافَقَةَ الشَّافِعِيِّ مع أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يقول بِصِيَغِ الْعُمُومِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّمَا أَنْكَرَ وَضْعَ صِيَغِ الْعُمُومِ وَهُنَا جُوِّزَ الِاسْتِعْمَالُ وقد سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ مُسْتَوْفَاةً في مَبَاحِثِ الْمُشْتَرَكِ وَمِمَّا يَفْتَرِقُ فيه حَمْلُ اللَّفْظِ الْعَامِّ على مَعْنَيَيْهِ وَحَمْلُ اللَّفْظِ الْعَامِّ على أَفْرَادِهِ أَنَّ الْعَامَّ يَسْتَرْسِلُ على آحَادِهِ من غَيْرِ تَوَقُّفٍ على الْوُجُودِ حَالَ اللَّفْظِ وَلِهَذَا لو وَقَفَ على أَوْلَادِهِ صُرِفَ إلَى الْمَوْجُودِينَ حَالَ الْوَقْفِ وَلِمَنْ يَحْدُثُ بَعْدَهُمْ لِأَنَّ الصِّيغَةَ عَامَّةٌ وَلَوْ وَقَفَ على مَوَالِيهِ وَلَهُ مَوَالٍ من أَعْلَى وَأَسْفَلَ صُرِفَ إلَيْهِمَا لَا من يَحْدُثُ من الْمَوَالِي من الْأَسْفَلِ
- الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ مَذَاهِبُ الْعُلَمَاءِ في عُمُومِ الْفِعْلِ الْمُثْبَتِ إذَا كان له جِهَاتٌ الْفِعْلُ الْمُثْبَتُ إذَا كان له جِهَاتٌ ليس بِعَامٍّ في أَقْسَامِهِ لِأَنَّهُ يَقَعُ على صِفَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنْ عُرِفَ تَعَيَّنَ إلَّا إذَا كان مُجْمَلًا يُتَوَقَّفُ فيه حتى يُعْرَفَ نَحْوُ قَوْلِ الرَّاوِي صلى بَعْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ فَلَا يُحْمَلُ على الْأَحْمَرِ وَالْأَبْيَضِ وَكَذَلِكَ صلى في الْكَعْبَةِ لَا يَعُمُّ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ وَكَذَلِكَ قَضَى بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ وَنَحْوِهِ لِجَوَازِ قَضَائِهِ لِجَارٍ كان بِصِفَةٍ يَخْتَصُّ بها هَكَذَا قَالَهُ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وَالْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ وَالْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في اللُّمَعِ وسليم الرَّازِيَّ في التَّقْرِيبِ وابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن الْقُشَيْرِيّ وَالْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ قال الْقَفَّالُ قَوْلُ الرَّاوِي فَعَلَ النبي عليه السَّلَامُ كَذَا وَقَضَى بِكَذَا وَغَيْرِهِ لَا يَجْرِي على عُمُومِ ما يَدْخُلُ تَحْتَ اللَّفْظِ إلَّا بِدَلِيلٍ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ عن فِعْلٍ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْفَاعِلَ لم يَشْتَمِلْ كُلُّ ما اشْتَمَلَ عليه قِسْمَةُ ذلك الْفِعْلِ وَلَعَلَّهُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ اسْتِيعَابُ فِعْلِهِ فَلَا مَعْنَى لِلْعُمُومِ في ذلك بَلْ يُطْلَبُ على ما وَقَعَ فيه أو بِهِ ذلك الْفِعْلُ جَمِيعُ ما اشْتَمَلَ عليه الْمُسَمَّى فَيَمْضِي على عُمُومِ اللَّفْظِ إلَّا أَنْ يَمْنَعَ من ذلك دَلِيلٌ قال فَأَمَّا إذَا رُوِيَ عنه عليه السَّلَامُ أَنَّهُ قَضَى بِالْيَمِينِ مع الشَّاهِدِ وَأَنَّ رَجُلًا
- أَفْطَرَ فَأَمَرَهُ بِكَذَا فَنَقُولُ إنَّ الْقَضِيَّةَ وَقَعَتْ في شَيْءٍ بِعَيْنِهِ وَإِنَّ الْإِفْطَارَ وَقَعَ لِشَيْءٍ منه يُوجِبُ طَلَبَ الدَّلِيلِ على ما وَقَعَ الْقَضَاءُ فيه وكان الْإِفْطَارُ بِهِ ثُمَّ يُنْظَرُ في إلْحَاقِ غَيْرِهِ بِدَلِيلٍ آخَرَ انْتَهَى قال الْغَزَالِيُّ وَكَمَا لَا عُمُومَ له بِالنِّسْبَةِ إلَى أَحْوَالِ الْفِعْلِ فَلَا عُمُومَ له بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَشْخَاصِ بَلْ يَكُونُ خَاصًّا في حَقِّهِ إلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ من خَارِجٍ كَقَوْلِهِ صَلُّوا كما رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي وَقِيلَ ما ثَبَتَ في حَقِّهِ فَهُوَ ثَابِتٌ في حَقِّ غَيْرِهِ إلَّا ما دَلَّ عليه دَلِيلٌ أَنَّهُ خَاصٌّ بِهِ وهو فَاسِدٌ قال ابن الْقُشَيْرِيّ وَالْحَاصِلُ أَنَّا لو تَحَقَّقْنَا أَنَّ الْقَضَاءَ فِعْلٌ فَلَيْسَ بِعَامٍّ وَإِنْ كان لَفْظًا فَإِنْ اخْتَصَّ بِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ في خُصُومَةٍ بِعَيْنِهَا فَكَذَلِكَ إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ على الْعُمُومِ فَإِنْ كان لَفْظًا عَامًّا في وَضْعِ اللُّغَةِ تَمَسَّكْنَا بِعُمُومِهِ وَكَذَا الذي يَقْتَضِيهِ تَصَرُّفُ أَصْحَابِنَا وقد قال الْمَاوَرْدِيُّ وابن أبي هُرَيْرَةَ في تَعْلِيقِهِ وَغَيْرُهُمَا وقد ذَكَرُوا أَنَّ الْجَدَّةَ لَا تَرِثُ مع ابْنِهَا وَأَوْرَدَ الْخَصْمُ عليهم أَنَّ النبي عليه السَّلَامُ وَرَّثَ جَدَّةً وَابْنُهَا حَيٌّ فَأَجَابُوا بِحَمْلِهِ على صُورَةٍ خَاصَّةٍ أو كَكَوْنِهِ قَاتِلًا أو مَمْلُوكًا أو كَافِرًا أو كان ابْنُهَا خَالًا قال ابن أبي هُرَيْرَةَ وَلَيْسَ قَوْلُهُ وَرَّثَ عُمُومًا لِأَنَّ ذلك قَضِيَّةٌ وَالْقَضِيَّةُ لَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ في نَوْعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَإِنَّمَا يُقَالُ عُمُومٌ في الْأَلْفَاظِ انْتَهَى هذا ما وَجَدْته لِقُدَمَاءِ أَصْحَابِنَا وَأَمَّا كَلَامُ الشَّافِعِيِّ فيه فإنه يَقْتَضِي تَخْرِيجَ قَوْلَيْنِ له في هذه الْمَسْأَلَةِ قال في الْأُمِّ مُجِيبًا عن قَوْلِهِ عليه السَّلَامُ لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ له فقال وَنِكَاحُ الْمُحَلِّلِ الذي رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَعَنَهُ عِنْدَنَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ضَرْبٌ من نِكَاحِ الْمُتْعَةِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُطْلَقٍ ا هـ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا عُمُومَ له انْتَهَى وَذَكَرَ في مَوْضِعٍ آخَرَ ما يَقْتَضِي أَنَّهُ عَامٌّ فإنه احْتَجَّ على تَأْجِيلِ الدِّيَةِ على الْعَاقِلَةِ ثَلَاثَةَ سِنِينَ في الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى بِحَدِيثِ ضَرْبُ الْعَقْلِ على الْعَاقِلَةِ في ثَلَاثِ
- سِنِينَ قال الْإِمَامُ في النِّهَايَةِ قال الشَّافِعِيُّ في بَعْضِ مَجَارِي كَلَامِهِ لم يَنْقُلْ النَّقَلَةُ وَاقِعَةً قَضَى رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بِضَرْبِ الْعَقْلِ فيها على الْعَاقِلَةِ إلَّا الْمَرْأَتَيْنِ فَأَمْكَنَ من ذلك أَنْ يَضْرِبَ عَقْلَ الْمَرْأَةِ على الْعَاقِلَةِ في ثَلَاثِ سِنِينَ ثُمَّ إذَا قُلْت ذلك اطَّرَدَ فيه أَنَّ بَدَلَ كل نَفْسٍ مَضْرُوبٌ في ثَلَاثِ سِنِينَ يَعْنِي سَوَاءٌ كان الْوَاجِبُ فيه الدِّيَةَ كَامِلَةً كَالرَّجُلِ أو نِصْفُهَا كَالْمَرْأَةِ قال الْإِمَامُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ قَوْلُ الرَّاوِي قَضَى تَأْسِيسُ شَرْعٍ منه وَلَيْسَ تَمْهِيدًا في قَضِيَّةٍ ولم يَنْقُلْ على التَّخْصِيصِ وَالتَّفْصِيلِ في قَضِيَّةِ الْجَارِيَتَيْنِ فَيَضْرِبُ الْعَقْلَ على الْمَرْأَةِ في ثَلَاثِ سِنِينَ انْتَهَى وَأَطْلَقَ ابن الْحَاجِبِ أَنَّ الْفِعْلَ الْمُثْبَتَ ليس بِعَامٍّ في أَقْسَامِهِ ثُمَّ اخْتَارَ في نَحْوِ قَوْلِهِ نهى عن بَيْعِ الْغَرَرِ وَقَضَى بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ أَنَّهُ يَعُمُّ الْغَرَرُ وَالْجَارُ مُطْلَقًا وقد سَبَقَهُ إلَى هذا شَيْخُهُ الْإِبْيَارِيُّ فإنه ذَكَرَهُ في شَرْحِ الْبُرْهَانِ سُؤَالًا وَالْآمِدِيَّ بَحْثًا فَارْتَضَاهُ ابن الْحَاجِبِ وَأَقَامَهُ مَذْهَبًا وَتَبِعَهُ ابن السَّاعَاتِيِّ في الْبَدِيعِ وقال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ في شَرْحِ الْعُنْوَانِ اخْتَارَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ ابْنَ الْحَاجِبِ عُمُومَ نَحْوِ قَضَى بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ بِنَاءً على عَدَالَةِ الصَّحَابِيِّ وَمَعْرِفَتِهِ بِاللُّغَةِ وَمَوَاقِعِ اللَّفْظِ مع وُجُوبِ أَنْ تَكُونَ الرِّوَايَةُ على وَفْقِ السَّمَاعِ من غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ وَمِنْهُمْ من قال لَا يَعُمُّ لِأَنَّ الْحُجَّةَ في الْمَحْكِيِّ وَلَا عُمُومَ في الْمَحْكِيِّ قُلْت وَنَقَلَهُ الْآمِدِيُّ عن الْأَكْثَرِينَ وَسَبَقَ ما يُؤَيِّدُهُ وَصَحَّحَهُ في الْمَحْصُولِ وقال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَهَذَا لَا بُدَّ فيه من تَفْصِيلٍ وهو أَنَّ الْمَحْكِيَّ فِعْلًا لو شُوهِدَ لم يَجُزْ حَمْلُهُ على الْعُمُومِ فَلِذَلِكَ وَجْهٌ وَإِنْ كان فِعْلًا لو حُكِيَ لَكَانَ دَالًّا على الْعُمُومِ فَعِبَارَةُ الصَّحَابِيِّ عنه يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُطَابِقَةً لِلْمَقُولِ لِمَا تَقَدَّمَ من مَعْرِفَتِهِ وَعَدَالَتِهِ وَوُجُوبِ مُطَابَقَةِ الرِّوَايَةِ الْمَعْنَى الْمَسْمُوعَ ا هـ وقد اخْتَارَ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ قَرِيبًا من هذا فقال وَالْأَقْرَبُ في هذا عِنْدَنَا أَنَّ الصَّحَابِيَّ الْعَالِمَ بِاللِّسَانِ إذَا قال إنَّ النبي عليه السَّلَامُ عَبَّرَ عن إثْبَاتِ مَعْنًى وَحُكْمٍ ليس له في اللِّسَانِ أَلْفَاظٌ مُحْتَمَلَةٌ قبل ذلك بِمَثَابَةِ رِوَايَتِهِ اللَّفْظَ وَإِنْ ذُكِرَ عنه مَعْنًى
- وهو مِمَّا له عِبَارَةٌ مُحْتَمَلَةٌ وَجَبَ مُطَالَبَتُهُ بِحِكَايَةِ اللَّفْظِ ا هـ وَيَشْهَدُ لِهَذَا أَنَّ الْقَرَافِيَّ جَعَلَ هذه الْمَسْأَلَةَ مَبْنِيَّةً على جَوَازِ رِوَايَةِ الحديث بِالْمَعْنَى فَإِنْ مَنَعْنَاهُ امْتَنَعَتْ الْمَسْأَلَةُ لِأَنَّ قَضَى ليس هو لَفْظُ الشَّارِعِ وَإِنْ جَوَّزْنَا وهو الصَّحِيحُ فَشَرْطُهُ الْمُسَاوَاةُ فإذا رَوَى الْعَدْلُ اللَّفْظَ بِصِيغَةِ الْعُمُومِ كَالْغَرَرِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمَحْكِيُّ عَامًّا وَإِلَّا كان ذلك قَدْحًا في عَدَالَتِهِ حَيْثُ رَوَى بِصِيغَةِ الْعُمُومِ ما ليس عَامًّا فَلَا يُتَّجَهُ قَوْلُنَا الْحُجَّةُ في الْمَحْكِيِّ لَا في الْحِكَايَةِ بَلْ الْحُجَّةُ في الْحِكَايَةِ لِأَجْلِ قَاعِدَةِ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى وفي الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبٌ رَابِعٌ وهو التَّفْصِيلُ بين أَنْ يَتَّصِلَ بِهِ الْبَاءُ فَلَا عُمُومَ له كَقَوْلِهِ قَضَى بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ فَلَا يَدُلُّ على ثُبُوتِهَا لِكُلِّ جَارٍ بَلْ يَدُلُّ على أَنَّ الْحُكْمَ في الْقَضِيَّةِ دُونَ الْقَوْلِ وَبَيْنَ أَنْ يَقْتَرِنَ بِحَرْفِ أَنَّ فَيَكُونُ لِلْعُمُومِ كَقَوْلِهِ قَضَى أَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ من ذلك حِكَايَةُ لَفْظِهِ عليه السَّلَامُ فَلِذَلِكَ صَحَّ دَعْوَى الْعُمُومِ فيها حَكَاهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ وَالْإِرْشَادِ وَالْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في شَرْحِ اللُّمَعِ وَالْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ وَصَحَّحَهُ وَحَكَاهُ عن أبي بَكْرٍ الْقَفَّالِ وَأَصْحَابِنَا وفي نِسْبَةِ ذلك لِلْقَفَّالِ نَظَرٌ لِمَا سَبَقَ من كَلَامِهِ وَجَعَلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ النِّزَاعَ لَفْظِيًّا من جِهَةِ أَنَّ الْمَانِعَ لِلْعُمُومِ يَنْفِي عُمُومَ الصِّيَغِ الْمَذْكُورَةِ نَحْوُ أَمَرَ وَقَضَى وَالْمُثْبِتُ لِلْعُمُومِ يُثْبِتُهُ فيها من دَلِيلٍ خَارِجٍ وهو إجْمَاعُ السَّلَفِ على التَّمَسُّكِ بها بِقَوْلِهِ حُكْمِي على الْوَاحِدِ حُكْمِي على الْجَمَاعَةِ وَالْأَقْرَبُ أَنَّ التَّعْمِيمَ فيها حَاصِلٌ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ كما قَالَهُ أبو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ فَإِنَّا رَأَيْنَا النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم حَكَمَ بِقَضَاءٍ في وَاقِعَةٍ مُعَيَّنَةٍ ثُمَّ حَدَثَتْ لنا أُخْرَى مِثْلُهَا وَجَبَ إلْحَاقُهَا بها لِأَنَّ حُكْمَ الْمِثْلَيْنِ وَاحِدٌ وَيَتَحَصَّلُ حِينَئِذٍ في الْمَسْأَلَةِ خَمْسَةُ مَذَاهِبَ
- صِيَغُ الْفِعْلِ الْمُثْبَتِ الذي له أَكْثَرُ من احْتِمَالٍ ثُمَّ الْكَلَامُ على الصِّيَغِ إحْدَاهَا إذَا قال الرَّاوِي سَمِعْته يقول قَضَيْت بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ فقال الْقَاضِي يُحْمَلُ على الْعُمُومِ في كل جَارٍ وَيَحْتَمِلُ الْعَهْدَ وَبِذَلِكَ جَزَمَ صَاحِبُ الْمَحْصُولِ فقال لَا يَعُمُّ لِاحْتِمَالِ كَوْنِ أَلْ لِلْعَهْدِ وَهَذَا بِنَاءٌ منه على اخْتِيَارِهِ أَنَّ الْمُفْرَدَ الْمُحَلَّى بِأَلْ لَا يَعُمُّ فَأَمَّا إذَا كان مُنَوَّنًا كَقَوْلِهِ قَضَيْت بِالشُّفْعَةِ لِجَارٍ فَجَانِبُ الْعُمُومِ أَرْجَحُ قَالَهُ صَاحِبُ الْحَاصِلِ وقال الْأَشْبَهُ أَنَّهُ يُفِيدُ الْعُمُومَ الثَّانِيَةُ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ نهى عن بَيْعِ الْغَرَرِ وَعَنْ نِكَاحِ الشِّغَارِ وأمر بِقَتْلِ الْكِلَابِ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ ليس بِعَامٍّ أَيْضًا وَأَنَّهُ مِثْلُ قَضَى وَصَرَّحَ بِهِ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ وَهَذَا ليس بِصَحِيحٍ كما قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ لِأَنَّ أَمَرَ وَنَهَى عِبَارَةٌ عن أَنَّهُ وَقَعَ منه عليه السَّلَامُ خِطَابَا التَّكْلِيفِ اللَّذَانِ هُمَا الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ فلما لم يذكر الصَّحَابَةُ مَأْمُورًا وَلَا مَنْهِيًّا مَخْصُوصًا عُلِمَ أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ كُلُّ الْمُكَلَّفِينَ كَسَائِرِ خِطَابَاتِ التَّكْلِيفِ ثُمَّ إنْ صَدَّرَ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ لِوَاحِدٍ بِعَيْنِهِ فَهُوَ يَتَوَجَّهُ لِلْجَمْعِ قُلْت وقد احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ على بُطْلَانِ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ بِمُطْلَقٍ من جِنْسِهِ وَغَيْرِهِ بِعُمُومِ قَوْلِهِ نهى عن بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ وقد احْتَجَّ أَصْحَابُهُ بِالنَّهْيِ عن بَيْعِ الْغَرَرِ على كَثِيرٍ من الْمَسَائِلِ وَكَذَلِكَ لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ
- وقال الْقَاضِي اسْتِدْلَالُ الْفُقَهَاءِ بِمِثْلِ هذه الصِّيَغِ إنْ اقْتَرَنَ بِهِ ما يَدُلُّ على الْعُمُومِ حُمِلَ عليه وَإِلَّا امْتَنَعَ التَّعَلُّقُ بِهِ وما رُوِيَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ احْتَجَّ بِقَضِيَّةِ عُمَرَ بن عبد الْعَزِيزِ في ذلك وَأَنَّ عُرْوَةَ بن الزُّبَيْرِ قال لِعُمَرَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قَضَى في مِثْلِ هذا أَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ فَإِنَّهُمَا إنَّمَا احْتَجَّا بِذَلِكَ لِاعْتِقَادِهِمَا أَنَّ حُكْمَهُ على الْوَاحِدِ حُكْمُهُ على الْجَمِيعِ وَأَنَّهُ عَلَّقَ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ وَذَلِكَ يُوجِبُ التَّعْمِيمَ على أَنَّهُ قد رُوِيَ الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ بِدُونِ قَضَى فَيَجِبُ التَّعَلُّقُ بِهِ حِينَئِذٍ وفي الْمُسْتَصْفَى في بَابِ السُّنَّةِ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ أَمَرَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بِكَذَا أو نهى عن كَذَا قِيلَ إنَّهُ أَمْرٌ لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ من يقول بِصِيغَةِ الْعُمُومِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَوَقَّفَ في هذا إذْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ما سَمِعَهُ أَمْرًا لِلْأُمَّةِ أو لِطَائِفَةٍ أو لِشَخْصٍ بِعَيْنِهِ فَيَتَوَقَّفُ فيه على الدَّلِيلِ لَكِنْ يَدُلُّ عليه أَنَّ أَمْرَهُ لِلْوَاحِدِ أَمْرٌ لِلْجَمَاعَةِ إلَّا إذَا كان لِوَصْفٍ يَخُصُّهُ من سَفَرٍ أو حَيْضٍ كَقَوْلِنَا أُمِرْنَا إذَا كنا مُسَافِرِينَ نعم إنْ عُلِمَ من عَادَةِ الصَّحَابِيِّ أَنَّهُ لَا يُطْلِقُهُ إلَّا في أَمْرِ الْأُمَّةِ حُمِلَ عليه وَإِلَّا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ أَمْرًا له وَلِلْأُمَّةِ وَلِطَائِفَةٍ وقال شَارِحُهُ الْعَبْدَرِيُّ من قال إنَّهُ عَامٌّ فَبَاطِلٌ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَا يَدُلُّ على الْمَفْعُولِ بِصِيغَتِهِ بَلْ بِمُقْتَضَاهُ وَالْمُقْتَضَى لَا عُمُومَ له الثَّالِثَةُ أَنْ يُورَدَ الْفِعْلُ بِصِيغَةِ كان فَهَلْ هو عَامٌّ أَمْ لَا على وَجْهَيْنِ حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وابن بَرْهَانٍ وَصَحَّحَ الشَّيْخُ أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ لِأَنَّهُ وَإِنْ اقْتَضَى التَّكْرَارَ إلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّكْرَارُ على صِيغَةٍ وَاحِدَةٍ لَا يُشَارِكُهَا فيها سَائِرُ الصِّفَاتِ فَأَمَّا إذْ قِيلَ كان يَفْعَلُ كَقَوْلِهِ كان يَجْمَعُ بين الصَّلَاتَيْنِ فَهَذَا يَحْتَمِلُ الْعُمُومَ لِخُرُوجِ الْكَلَامِ مَخْرَجَ تَكْرَارِ الْأَفْعَالِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ يَفْعَلُ ما يَلْزَمُهُ اسْمُ الْجَمْعِ في حَالَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ قال وما هو بِالْبَيِّنِ أَيْضًا وَفَصَلَ ابن بَرْهَانٍ بين أَنْ يَكُونَ ذلك في الْأُمُورِ التي تَشِيعُ وَلَا تَبْقَى في طَيِّ الْكِتْمَانِ كَقَوْلِ عَائِشَةَ كانت الْأَيْدِي لَا تُقْطَعُ في زَمَنِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم في الشَّيْءِ التَّافِهِ فَهُوَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا على السَّتْرِ وَالْكِتْمَانِ كَالْوَطْءِ فَلَا يَجُوزُ دَعْوَى
- الْعُمُومِ فيه قَطْعًا وَلَا يَكُونُ حُجَّةً كما نُقِلَ في قَضِيَّةِ الِاغْتِسَالِ وَالْأَقْوَالِ كَقَوْلِ زَيْدِ بن ثَابِتٍ كانت عُمُومَتِي يَفْعَلُونَهُ وَلَا يَغْتَسِلُونَ وَهَذَا يَلْتَفِتُ إلَى خِلَافٍ آخَرَ وهو أَنَّهُ هل يَقْتَضِي التَّكْرَارَ أَمْ لَا وَفِيهِ مَذَاهِبُ أَحَدُهَا يَعُمُّ وَبِهِ جَزَمَ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ فقال قَوْلُ الرَّاوِي كان يَفْعَلُ كَذَا يُفِيدُ في عُرْفِ اللُّغَةِ تَكْثِيرَ الْفِعْلِ وَتَكْرِيرَهُ لِأَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ كان فُلَانٌ يُطْعِمُ الطَّعَامَ وَيَحْمِي الذِّمَارَ إذَا فَعَلَهُ مَرَّةً أو مَرَّتَيْنِ بَلْ يَخُصُّونَ بِهِ الْمُدَاوِمَ على ذلك وقد قال تَعَالَى وكان يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ يُرِيدُ الْمُدَاوَمَةَ على ذلك وَكَذَا قال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ هِيَ تَقْتَضِي تَكْرِيرَ الْفِعْلِ من طَرِيقِ اللُّغَةِ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ في اللُّغَةِ كان يَفْعَلُ كَذَا إلَّا إذَا تَكَرَّرَ منه وَتَبِعَهُ ابن الْحَاجِبِ في مُخْتَصَرَيْهِ وَالثَّانِي أنها لَا تَقْتَضِي التَّكْرَارَ لَا عُرْفًا وَلَا لُغَةً وَاخْتَارَهُ في الْمَحْصُولِ وقال النَّوَوِيُّ في شَرْحِ مُسْلِمٍ إنَّهُ الْمُخْتَارُ الذي عليه أَكْثَرُ الْمُحَقِّقِينَ من الْأُصُولِيِّينَ وَإِنَّمَا هِيَ فِعْلٌ مَاضٍ دَلَّ على وُقُوعِهِ مَرَّةً وَإِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ على التَّكْرَارِ عُمِلَ بِهِ وَإِلَّا فَلَا يَقْتَضِيهَا بِوَضْعِهَا وقال بَعْضُ النُّحَاةِ كان عِبَارَةٌ عن وُجُودِ الشَّيْءِ في زَمَنٍ مَاضٍ على سَبِيلِ الْإِبْهَامِ وَلَيْسَ فيه دَلِيلٌ على عَدَمٍ سَابِقٍ وَلَا انْقِطَاعٍ طَارِئٍ وَالثَّالِثُ أنها لَا تُفِيدُهُ لُغَةً وَتُقَيِّدُهُ عُرْفًا إذْ لَا يُقَالُ كان يَتَهَجَّدُ إذَا فَعَلَهُ مَرَّةً وَنَقَلَهُ أبو الْحُسَيْنِ في الْمُعْتَمَدِ عن عبد الْجَبَّارِ بَعْدَ أَنْ عَدَّهَا من صِيَغِ الْعُمُومِ وقال الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ إنَّهُ الْأَظْهَرُ وَالتَّحْقِيقُ ما قَالَهُ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ إنَّهُ يُقَالُ كان يَفْعَلُ كَذَا بِمَعْنَى أَنَّهُ تَكَرَّرَ منه فِعْلُهُ وكان عَادَتُهُ كما يُقَالُ كان فُلَانٌ يُقْرِي الضَّيْفَ وكان رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَجْوَدَ الناس بِالْخَيْرِ وقد تُسْتَعْمَلُ لِإِفَادَةِ مُجَرَّدِ الْفِعْلِ وَوُقُوعِهِ دُونَ الدَّلَالَةِ على التَّكْرَارِ وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ في الِاسْتِعْمَالِ وَعَلَيْهِ يَنْبَغِي حَمْلُ الحديث
- مَسْأَلَةٌ في عُمُومِ مِثْلِ قَوْلِهِ خُذْ من أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً الْجُمْهُورُ أَنَّ مِثْلَ قَوْله تَعَالَى خُذْ من أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً قد يَقْتَضِي أَخْذَ الصَّدَقَةِ من كل نَوْعٍ من أَنْوَاعِ الْمَالِ فَكَانَ مَخْرَجُ الْآيَةِ عَامًّا على الْأَمْوَالِ وكان يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَعْضَ الْأَمْوَالِ دُونَ بَعْضٍ فَدَلَّتْ السُّنَّةُ على أَنَّ الزَّكَاةَ في بَعْضِ الْمَالِ دُونَ بَعْضٍ وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ وهو الذي نَصَّ عليه الشَّافِعِيُّ في كِتَابِ الرِّسَالَةِ فقال عَقِبَ ذِكْرِ هذه الْآيَةِ إلَّا أَنْ يَخْتَصَّ بِدَلَالَةٍ من السُّنَّةِ وَلَوْلَا دَلَالَةُ السُّنَّةِ لَكَانَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ أَنَّ الْأَمْوَالَ كُلَّهَا سَوَاءٌ وَأَنَّ الزَّكَاةَ في جَمِيعِهَا لَا في بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ وَنُقِلَ عن نَصِّهِ أَيْضًا في الْبُوَيْطِيِّ نَحْوُهُ وَلِهَذَا احْتَجَّ بها أَصْحَابُنَا على وُجُوبِ الزَّكَاةِ في مَالِ التِّجَارَةِ وَعَلَى أَخْذِ الشَّاةِ الصَّغِيرَةِ من الصِّغَارِ وَاللَّئِيمَةِ من اللِّئَامِ وَنَحْوِهِ لَكِنَّهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ جَعَلَهَا من الْمُجْمَلِ الْمُبَيَّنِ بِالسُّنَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَآتُوا الزَّكَاةَ وَذَهَبَ الْكَرْخِيُّ من الْحَنَفِيَّةِ إلَى أَنَّهُ يَقْتَضِي أَخْذَ صَدَقَةٍ وَاحِدَةٍ وَنَوْعٍ وَاحِدٍ وَرَجَّحَهُ ابن الْحَاجِبِ لِأَنَّ من لِلْبَعْضِ الْمُطْلَقِ وَالْوَاحِدَةُ من الْجَمِيعِ يَصْدُقُ عليها وَتَوَقَّفَ الْآمِدِيُّ فقال في آخِرِ الْمَسْأَلَةِ وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَسْأَلَةُ مُحْتَمَلَةٌ وَمَأْخَذُ الْكَرْخِيِّ دَقِيقٌ كَذَا نَقَلَهُ ابن بَرْهَانٍ وَغَيْرُهُ عن الْكَرْخِيِّ وَاَلَّذِي رَأَيْته في كِتَابِ أبي بَكْرٍ الرَّازِيَّ عن شَيْخِهِ أبي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ أَنَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ يَقْتَضِي عُمُومَ وُجُوبِ الْحَقِّ في سَائِرِ أَصْنَافِ الْأَمْوَالِ وَاخْتَارَهُ أبو بَكْرٍ أَيْضًا وهو الصَّوَابُ في النَّقْلِ عنه وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْأَمْوَالَ جَمْعٌ مُضَافٌ وهو من صِيَغِ الْعُمُومِ وَالْمَعْنَى خُذْ من كل نَوْعٍ من أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً وَاعْتَرَضَ الْمُخَالِفُ بِأَنَّ مِثْلَ هذه الصِّيغَةِ لَا تَقْتَضِي التَّعْمِيمَ لِأَجْلِ من وَأَجَابَ الْقَرَافِيُّ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ من تَعَلُّقِهَا بِمَحْذُوفٍ صِفَةِ الصَّدَقَةِ وَالتَّقْدِيرُ كَائِنَةً أو مَأْخُوذَةً من أَمْوَالِهِمْ بَلْ من بَعْضِ أَمْوَالِهِمْ وهو خُصُوصٌ مع أَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ لِأَنَّ مَعْنَى كَائِنَةٍ من أَمْوَالِهِمْ أَنْ لَا يَبْقَى نَوْعٌ من الْمَالِ إلَّا وَيُؤْخَذُ منه وَهَذَا هو بَيَانُ الْعُمُومِ هذا هو الذي لَحَظَهُ الشَّافِعِيُّ
- وقال بَعْضُهُمْ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ الذي هو من أَمْوَالِهِمْ إنْ كان مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ خُذْ فَالْمُتَّجَهُ قَوْلُ الْكَرْخِيِّ لِأَنَّ التَّعَلُّقَ مُطْلَقٌ وَالصَّدَقَةَ نَكِرَةٌ في سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ فَيَحْصُلُ الِامْتِثَالُ بِصَدَقَةٍ وَاحِدَةٍ من نَوْعٍ وَاحِدٍ وَإِنْ كان مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ صَدَقَةً فَيَقْوَى قَوْلُ الْجُمْهُورِ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ إنَّمَا تَكُونُ من أَمْوَالِهِمْ إذَا كانت من كل نَوْعٍ من أَمْوَالِهِمْ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ إذَا كان الْمُعْتَبَرُ دَلَالَةَ الْعُمُومِ في أَمْوَالِهِمْ وَأَنَّهَا كُلِّيَّةٌ فَالْوَاجِبُ حِينَئِذٍ من كل نَوْعٍ من أَنْوَاعِ الْأَمْوَالِ عَمَلًا بِمُقْتَضَى الْعُمُومِ وَلَا نَظَرَ إلَى تَنْكِيرِ صَدَقَةٍ لِأَنَّهَا مُضَافَةٌ إلَى الْأَمْوَالِ سَوَاءٌ قِيلَ إنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِخُذْ أو بِصَدَقَةٍ وَإِنْ اُعْتُبِرَ لَفْظُ صَدَقَةً وَأَنَّهُ نَكِرَةٌ في سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ فَلَا عُمُومَ له على الْوَجْهَيْنِ أَيْضًا تَنْبِيهَاتٌ أَحَدُهَا يَتَرَتَّبُ على هذا الْخِلَافِ أَنَّ كُلَّ صِنْفٍ اُخْتُلِفَ في وُجُوبِ الزَّكَاةِ فيه فَلِلْقَائِلِ بِالْعُمُومِ الِاحْتِجَاجُ بِهِ وهو نَظِيرُ الْخِلَافِ في قَوْلِهِ وَآتُوا الزَّكَاةَ في أنها عَامَّةٌ أو مُجْمَلَةٌ الثَّانِي هل الزَّكَاةُ اسْمٌ لِلْعَيْنِ أو الْفِعْلِ خِلَافٌ حَكَاهُ الْجَاجَرْمِيُّ في رِسَالَتِهِ في الْأُصُولِ فَقِيلَ اسْمٌ لِلْعَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى خُذْ من أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً وَقَوْلُهُ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تُؤْخَذُ من أَغْنِيَائِهِمْ وَالْمُرَادُ الزَّكَاةُ وَمَحَلُّ الْأَخْذِ هو الْعَيْنُ لَا الْفِعْلُ غير أَنَّ اسْمَ الزَّكَاةِ على الْفِعْلِ بِطَرِيقِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمَحَلِّ على الْحَالِ وَقِيلَ اسْمٌ لِلْفِعْلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَاَلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالْإِنْسَانُ إنَّمَا يَصِيرُ فَاعِلَ الْفِعْلِ لَا لِمَحَلِّ الْفِعْلِ وَلِأَنَّهُ عليه السَّلَامُ جَعَلَ الزَّكَاةَ عِبَادَةً
- فصل في اشتمال العموم على بعض من يشكل تناوله بالنسبة إلى النساء والعبيد والمخاطب وغيره وفيه مسائل
- الأولى الألفاظ الدالة على الجمع بالنسبة إلى دلالتها على المذكر والمؤنث على أقسام أحدها ما يختص به أحدهما ولا يطلق على الآخر بحال كرجال للمذكر والنساء للمؤنث فلا يدخل أحدهما في الآخر بالاتفاق إلا بدليل من خارج من قياس أو غيره قاله الأستاذان أبو إسحاق وأبو منصور وغيرهما قيل ومما يختص به الذكور الهاء والميم والواو والنون ومما يختص به الإناث الألف والتاء ومنه الوقف على البنين لا تدخل البنات أو البنات لا تدخل البنون لكن سيأتي في الجموع بالواو والنون ومنه القوم فإنه خاص بالذكور قال تعالى لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولهذا لا يدخلن في الوصية لهم على الأصح الثاني ما يعم الفريقين بوضعه وليس لعلامة التذكير والتأنيث فيه مدخل كالناس والإنس والجن والأناس والبشر فيدخل فيه كل منهما بالاتفاق أيضا وفي كلام الغزالي في المنخول إثبات خلاف وهو بعيد الثالث لفظ يشملها من غير قرينة ظاهرة في أحدهما كمن وهذا من موضع الخلاف فقيل لا يدخل فيه النساء إلا بدليل والصحيح أنه يتناولهما بدليل قوله تعالى ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى فلولا اشتماله عليه لم يحسن التقسيم بعد ذلك وممن حكى الخلاف في هذه المسألة من الأصوليين أبو الحسين في المعتمد وإلكيا الهراسي في التلويح وحكاه غيرهما عن بعض الحنفية وإنهم لذلك قالوا إن المرتدة لا تقتل لعدم دخولها في قوله من بدل دينه فاقتلوه لكن الموجود في
- كتبهم أنها تعم الجميع كقول الجمهور وصرح به البزدوي وشراح كتابه وابن الساعاتي وغيرهما ونقل في المحصول الإجماع على أنه لو قال من دخل داري من أرقائي فهو حر دخل فيه الإماء وكذلك لو علق بهذا اللفظ وصية أو توكيلا أو إذنا في أمر لم يختص بالذكور وكان بعض مشايخنا لهذا ينكر حكاية الخلاف على ابن الحاجب وقد علمت مستنده ثم إن إمام الحرمين خص الخلاف بما إذا كانت شرطية قال الهندي والظاهر أنه لا فرق بينهما وبين من الموصولة والاستفهامية والخلاف جار في الجميع وهو كما قال بناء على عمومهن والإمام إنما فرض الخلاف في الشرطية لأنه لم يذكر عموم غيرها ثم ذكر إمام الحرمين أن مستند القائلين بأنها لا تتناول المؤنث قولهم في باب الحكاية من ومنه يدل على أن اللفظ لا يتناول المؤنث إلا بعلامة تأنيث وأجاب وتبعه ابن القشيري بأنها لغة شاذة وليست من الفصيح وليس كذلك بل هي الفصيحة في باب الحكاية وظن الإمام أنها شرطية وهو وهم بل هي استفهامية ووهم أيضا في قوله إنه قد يعود الضمير مفردا على اللفظ وجمعا على المعنى كقوله تعالى ومنهم من يستمعون إليك ومنهم من ينظر إليك وهذه ليست شرطية بل موصولة وتبعه إلكيا في الموضعين وإنما الجواب ما ذكره ثانيا أن ذلك على وجه الحكاية بأن العرب لم تقصد حينئذ بها معناها الأصلي وإنما تأتي به في حكاية النكرات خاصة فيحصل الشبه بين كلام الحاكي والمخبر فإذا قال جاءتني امرأة قال له المستفهم منه للمحاكاة لا لأن اللفظ لا يتناول المؤنث إلا بعلامة التأنيث وذكر بعضهم أن من وإن لم يكن لها علامة تأنيث يفصل بها بالأصالة لكن يعرف ذلك من تأنيث الفعل الواقع بعدها وتذكيره نحو من فعل كذا ومن فعلت وهذا ضعيف لأنه يصح تذكير الفعل وتأنيثه مراعاة للفظها تارة ولمعناها أخرى قال تعالى ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا فذكر الفعل أولا ثم أنثه والخطاب فيهما للإناث
- فروع ينبغي بناؤها على هذا الأصل منها أن المرتدة هل تقتل بناء على أنها دخلت في قوله من بدل دينه أو لا تعم ومنها إذا قتلت هل لها السلب فيه وجهان والأصح تعم لعموم قوله من قتل فله سلبه ومنها إذا نظرت في بيت بغير إذن صاحبه فالأصح أنها تهدر كالرجل لعموم قوله من اطلع على قوم بغير إذنهم الحديث عُمُومُ الْجَمْعِ الْمُؤَنَّثِ الذُّكُورَ وَالْجَمْعِ الْمُذَكَّرِ الْإِنَاثَ الْقِسْمُ الرَّابِعُ لَفْظٌ يُسْتَعْمَلُ فِيهِمَا بِعَلَامَةِ التَّأْنِيثِ في الْمُؤَنَّثِ وَبِحَذْفِهَا في الْمُذَكَّرِ كَجَمْعِ الْمُذَكَّرِ السَّالِمِ نَحْوُ الْمُسْلِمِينَ وَكَذَلِكَ ضَمِيرُ الْجَمْعِ نَحْوُ قالوا كما قَالَهُ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ في كِتَابِهِ وَهَذَا هو مَحَلُّ الْخِلَافِ وَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ النِّسَاءُ فيه إلَّا بِدَلِيلٍ كما لَا يَدْخُلُ الرِّجَالُ في لَفْظِ الْمُؤَنَّثِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَمِمَّنْ نَسَبَهُ لِلشَّافِعِيِّ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ وأبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ وأبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَالْمَاوَرْدِيُّ في الْحَاوِي في الْأَقْضِيَةِ وَالرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ في كِتَابِ السِّيَرِ وابن الْقُشَيْرِيّ وَأَخَذُوا ذلك من قَوْلِهِ لَا جِهَادَ على النِّسَاءِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا قال جَاهِدُوا وقال حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ على الْقِتَالِ دَلَّ على أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ الذُّكُورَ دُونَ الْإِنَاثِ لِأَنَّ الْإِنَاثَ الْمُؤْمِنَاتِ قال الْقَفَّالُ وَأَصْلُ هذا أَنَّ الْأَسْمَاءَ وُضِعَتْ لِلدَّلَالَةِ على الْمُسَمَّى فَخُصَّ كُلُّ نَوْعٍ بِمَا يُمَيِّزُهُ فَالْأَلِفُ وَالتَّاءُ جُعِلَتْ عَلَمًا لِجَمْعِ الْإِنَاثِ وَالْوَاوُ وَالْيَاءُ وَالنُّونُ لِجَمْعِ الذُّكُورِ فَالْمُؤْمِنَاتُ غَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ وَقَاتِلُوا خِلَافُ قَاتِلْنَ ثُمَّ قد تَقُومُ قَرَائِنُ تَقْتَضِي اسْتِوَاءَهُمَا فَيُعْلَمُ بِذَلِكَ دُخُولُ الْإِنَاثِ في الذُّكُورِ وقد لَا تَقُومُ فَيَلْحَقْنَ بِالذُّكُورِ بِالِاعْتِبَارِ
- وَالدَّلَائِلِ كما يَلْحَقُ الْمَسْكُوتُ عنه بِالْمَذْكُورِ بِدَلِيلٍ وَمِمَّا يَدُلُّ على هذا إجْمَاعُ أَهْلِ اللُّغَةِ على أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ غُلِّبَ الْمُذَكَّرُ فَلَوْلَا أَنَّ التَّسْمِيَةَ لِلْمُذَكَّرِ لم يَكُنْ هو الْغَالِبَ ولم يَكُنْ حَظُّهُ منها كَحَظِّ الْمُؤَنَّثِ وَلَكِنْ مَعْنَاهُ أَنَّهُمَا إذَا اجْتَمَعَا اسْتَقَلَّ أَفْرَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِوَصْفٍ فَغُلِّبَ الْمُذَكَّرُ وَجُعِلَ الْحُكْمُ له فَدَلَّ على أَنَّ الْمَقْصُودَ هُمْ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ تَوَابِعُ انْتَهَى وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَسُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ في الْكِفَايَةِ وابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ وَإِلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ وَنَصَرَهُ ابن بَرْهَانٍ في الْوَجِيزِ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في التَّبْصِرَةِ وَنَقَلَهُ في الْأَوْسَطِ عن مُعْظَمِ الْفُقَهَاءِ وَنَقَلَهُ ابن الْقُشَيْرِيّ عن مُعْظَمِ أَهْلِ اللُّغَةِ وقال الْقَاضِي إنَّهُ الصَّحِيحُ قال وَلَسْت أَحْفَظُ عن مُتَقَدِّمِي أَصْحَابِنَا شيئا غير أَنَّ ظَاهِرَ مَذَاهِبِهِمْ الدُّخُولُ وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ كما قَالَهُ سُلَيْمٌ وابن السَّمْعَانِيِّ وابن السَّاعَاتِيِّ قُلْت منهم شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَصَاحِبُ اللُّبَابِ وَغَيْرُهُمْ إلَى أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ وَحَكَاهُ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ عن أبي حَنِيفَةَ وَحَكَاهُ الْبَاجِيُّ عن ابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ وَنُسِبَ لِلْحَنَابِلَةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ وَيَدُلُّ لِهَذَا الْمَذْهَبِ قَوْلُهُ عليه السَّلَامُ سَبَقَ الْمُفْرِدُونَ هُمْ الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ فَلَوْلَا دُخُولُهَا فيه لم يَحْسُنْ التَّفْسِيرُ بِذَلِكَ رَأَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ انْدِرَاجَ النِّسَاءِ تَحْتَ لَفْظِ الْمُسْلِمِينَ بِقَضِيَّةِ التَّغْلِيبِ لَا بِأَصْلِ الْوَضْعِ إذْ اللَّفْظُ لم يُوضَعْ لَهُنَّ وَهَذَا ما حَكَاهُ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ عن أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وقال الْإِبْيَارِيُّ لَا خِلَافَ بين الْأُصُولِيِّينَ وَالنُّحَاةِ أَنَّ جَمْعَ الْمُذَكَّرِ لَا يَتَنَاوَلُ الْمُؤَنَّثَ بِحَالٍ وَإِنَّمَا ذَهَبَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ إلَى تَنَاوُلِهِ الْجِنْسَيْنِ لِأَنَّهُ لَمَّا كَثُرَ اشْتِرَاكُ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ في الْأَحْكَامِ لم تَقْصُرْ الْأَحْكَامُ على الذُّكُورِ قال وإذا حَكَمْنَا بِتَنَاوُلِ اللَّفْظِ لَهُمَا فَهَلْ تَقُولُ اجْتَمَعَ في اللَّفْظِ مُوجِبُ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ أو يَكُونُ جميعا مَجَازًا صِرْفًا فيه خِلَافٌ وَقِيَاسُ مَذْهَبِ الْقَاضِي أَنْ يَكُونَ مَجَازًا صِرْفًا وَقِيَاسُ قَوْلِ الْإِمَامِ أَنَّهُ اجْتَمَعَ فيه مُوجِبُ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ انْتَهَى
- وَحَاصِلَةُ الْإِجْمَاعِ على عَدَمِ الدُّخُولِ لُغَةً حَقِيقَةٌ وَإِنَّمَا النِّزَاعُ في ظُهُورِهِ لِاشْتِهَارِهِ عُرْفًا وَغَيْرُهُ أَطْلَقَ الْخِلَافَ وَجَعَلَ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ مَحَلَّهُ ما إذَا وَرَدَ الْجَمْعُ مُجَرَّدًا أَمَّا لو ذُكِرْنَ مع الرِّجَالِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ يا أَيُّهَا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ من شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ فَلَا خِلَافَ في دُخُولِهِنَّ في الْخِطَابِ وهو قَضِيَّةُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ فإنه وَافَقَ على الدُّخُولِ فِيمَا إذَا أَوْصَى لِرِجَالٍ وَنِسَاءٍ بِشَيْءٍ ثُمَّ قال أَوْصَيْت لَكُمْ بِكَذَا فإنه يَدْخُلُ النِّسَاءُ اتِّفَاقًا بِقَرِينَةِ الْإِيصَاءِ الْأَوَّلِ قال الْهِنْدِيُّ وَكَلَامُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ يُشْعِرُ بِتَخْصِيصِ الْخِلَافِ بِالْخِطَابَاتِ الْوَارِدَةِ من الشَّرْعِ لِقَرِينَةٍ عليه وَهِيَ الْمُشَارَكَاتُ في الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ قال وَاتَّفَقَ الْكُلُّ على أَنَّ الْمُذَكَّرَ لَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ إنْ وَرَدَ مُقْتَرِنًا بِعَلَامَةِ التَّأْنِيثِ وَمِنْ أَقْوَى ما احْتَجَّ بِهِ الْمُعَمِّمُونَ إجْمَاعُ أَهْلِ اللُّغَةِ على أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ غُلِّبَ الْمُذَكَّرُ وَعَلَى هذا وَرَدَ قَوْله تَعَالَى اهْبِطُوا منها جميعا في خِطَابِ آدَمَ وَحَوَّاءَ وَإِبْلِيسَ قال الْمَاوَرْدِيُّ هذا مَنْشَأُ الْخِلَافِ وَأُجِيبَ عنه بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ من صِحَّةِ إرَادَةِ الشَّيْءِ من الشَّيْءِ إرَادَتُهُ منه إذَا وَرَدَ مُطْلَقًا من غَيْرِ قَرِينَةٍ كَيْفَ وَالْوَاقِعُ من أَئِمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ إنَّمَا هو تَغْلِيبُ الْخِطَابِ لِلذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ إذَا اجْتَمَعُوا وَأَنَّهُ يُغَلَّبُ جَانِبُ التَّذْكِيرِ ولم يَذْكُرُوا أَنَّ اللَّفْظَةَ عِنْدَ إطْلَاقِهَا مَوْضُوعَةٌ لِتَنَاوُلِ الْجَمِيعِ تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ مَوْضِعُ الْخِلَافِ في الْخِلَافِ غَيْرِ الشِّفَاهِيِّ وَقِيَامِ الْقَرِينَةِ على الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ أَمَّا الْخِطَابُ الشِّفَاهِيُّ كَقَوْلِهِ أَعْطُوا هَؤُلَاءِ الْكُفَّارَ وَهُمْ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ دَخَلْنَ قَطْعًا ولم يَخْتَلِفْ الْمُفَسِّرُونَ في قَوْله تَعَالَى اهْبِطُوا منها جميعا أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ حَوَّاءَ وَأَمَّا الْقَرِينَةُ الْمُخْرِجَةُ فَكَقَوْلِهِ تَعَالَى فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ فَقَدْ خَصَّهُ عليه السَّلَامُ بِغَيْرِ النِّسَاءِ لِنَهْيِهِ عن قَتْلِ النِّسَاءِ وَأَمَّا الْقَرِينَةُ الْمُدْخِلَةُ فَكَقَوْلِهِ أَقِيمُوا الْحُدُودَ على ما مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فإن الْمَعْنَى في اسْتِيفَاءِ الْحَدِّ الْمِلْكُ وهو شَامِلٌ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَلِهَذَا أَقَامَتْ عَائِشَةُ الْحَدَّ على أَمَةٍ لها وَيَخْرُجُ من هذا أَنَّ الْمَسْأَلَةَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ ما يَدْخُلْنَ قَطْعًا وما لَا يَدْخُلْنَ قَطْعًا وما يَدْخُلْنَ على الْأَصَحِّ وما لَا يَدْخُلْنَ على الْأَصَحِّ
- الثَّانِي سَكَتُوا عن الْخَنَاثَى هل يَدْخُلُونَ في خِطَابِ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ وَالظَّاهِرُ من تَصَرُّفِ الْفُقَهَاءِ دُخُولُهُمْ في خِطَابِ النِّسَاءِ فِيمَا فيه تَغْلِيظٌ وَخِطَابُ الرِّجَالِ فِيمَا فيه تَخْفِيفٌ وقد يَجْعَلُونَهُ في مَوَاضِعَ خَارِجًا عن الْقِسْمَيْنِ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ في دُخُولِ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ تَحْتَ الْخِطَابِ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ نَحْوُ يا أَيُّهَا الناس وَيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ لِأَصْحَابِنَا حَكَاهَا الْمَاوَرْدِيُّ في الْحَاوِي أَحَدُهَا يَدْخُلُونَ فيه لِتَوَجُّهِ التَّكْلِيفِ إلَيْهِمْ الثَّانِي لَا يَدْخُلُونَ إلَّا بِدَلِيلٍ لِأَنَّهُمْ أَتْبَاعُ الْأَحْرَارِ وَالثَّالِثُ إنْ تَضَمَّنَ الْخِطَابُ تَعَبُّدًا تَوَجَّهَ إلَيْهِمْ وَإِنْ تَضَمَّنَ مِلْكًا أو عَقْدًا أو وِلَايَةً لم يَدْخُلُوا فيه قِيلَ وَأَجْمَعُوا على أَنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِالْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ كَالْغَزْوِ وَالْخَرَاجِ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ له وَإِنْ مَلَكَ وَفِيهِ نَظَرٌ وَاَلَّذِي عليه أَتْبَاعُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وهو الصَّحِيحُ من مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ إتْبَاعًا لِمُوجِبِ الصِّيغَةِ وَلَا يَخْرُجُونَ إلَّا بِدَلِيلٍ كما قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَالْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وَإِلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَنَقَلَهُ ابن بَرْهَانٍ عن مُعْظَمِ الْأَصْحَابِ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ عن مُعْظَمِ أَصْحَابِهِمْ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ قد جَعَلَ الشَّافِعِيُّ بَعْضَ الظَّوَاهِرِ بِالتَّرْجِيحِ لِلْأَحْرَارِ إذْ كان أَكْثَرُ الْخِطَابِ في الشَّرْعِ مَخْصُوصًا بِهِمْ فَتَوَهَّمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ لِلشَّافِعِيِّ فيه قَوْلَيْنِ وَلَيْسَ لِذَلِكَ وَإِنَّمَا جُعِلَ في الْأَحْرَارِ بِالتَّرْجِيحِ على حَمَلَةِ الشَّرْعِ وَفَصَّلَ أبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ من الْحَنَفِيَّةِ بين أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ لِحَقِّ اللَّهِ فَيَشْمَلُهُمْ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ لِحَقِّ الْآدَمِيِّينَ فَلَا وَلِهَذَا يَمْتَنِعُ شَهَادَةُ الْعَبِيدِ وَلِأَنَّ اسْتِغْرَاقَهُمْ بِحُقُوقِ السَّادَةِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ على امْتِيَازِهِمْ عن حُكْمِ الْعُمُومِ وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ عن بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَحَكَاهُ الْبَاجِيُّ وَالْمَازِرِيُّ عن ابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ منهم وفي دُخُولِ الْمُبَعَّضِ كَلَامٌ سَبَقَ في بَحْثِ التَّكْلِيفِ
- الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ الْأَكْثَرُ كما قَالَهُ الْأُسْتَاذُ دُخُولُ الْكَافِرِ في الْخِطَابِ الصَّالِحِ له وَلِلْمُؤْمِنِينَ إذَا وَرَدَ مُطْلَقًا كَيَا أَيُّهَا الناس يا أُولِي الْأَلْبَابِ فَيَعُمُّ وَلَا يَخْرُجُ منها أَحَدٌ إلَّا بِدَلِيلٍ وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى اخْتِصَاصِهِ بِالْمُؤْمِنِينَ وَقِيلَ يَدْخُلُونَ في حُقُوقِ اللَّهِ دُونَ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ وقد سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ في بَابِ التَّكْلِيفِ قال الْهِنْدِيُّ وَالْقَائِلُونَ بِعَدَمِ دُخُولِ الْعَبْدِ وَالْكَافِرِ إنْ زَعَمُوا أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُهَا من حَيْثُ اللُّغَةُ فَهُوَ مُكَابَرَةٌ وَإِنْ زَعَمُوا التَّنَاوُلَ لَكِنَّ الرِّقَّ وَالْكُفْرَ في الشَّرْعِ خَصَّصَهُمْ فَهُوَ بَاطِلٌ لِلْإِجْمَاعِ على أَنَّهُمَا مُكَلَّفَانِ في الْجُمْلَةِ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ الْخِطَابُ بِيَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا يَشْمَلُ الْأُمَّةَ إلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ لِأَنَّ اللَّفْظَ قَاصِرٌ عليهم قال أبو الْبَرَكَاتِ بن تَيْمِيَّةَ في مُسَوَّدَتِهِ الْأُصُولِيَّةِ هو على وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا خِطَابٌ على لِسَانِ مُحَمَّدٍ صلى اللَّهُ عليه وسلم كَقَوْلِهِ يا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا في دِينِكُمْ يا بَنِي إسْرَائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِي فَهَذَا حُكْمُ سَائِرِ الناس فيه حُكْمُ بَنِي إسْرَائِيلَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ إنْ شَارَكُوهُمْ في الْمَعْنَى دَخَلُوا وَإِلَّا فَلَا لِأَنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ وَأَهْلَ الْكِتَابِ صِنْفٌ من الْمَأْمُورِينَ بِالْقُرْآنِ نَظِيرُ خِطَابِهِ لِوَاحِدٍ من الْأُمَّةِ يَثْبُتُ الْحُكْمُ في حَقِّ مِثْلِهِ ثُمَّ هل عَمَّ عُرْفًا أو عَقْلًا فيه الْخِلَافُ الْمَشْهُورُ وَالثَّانِي خِطَابُهُ لهم على لِسَانِ مُوسَى وَغَيْرِهِ من الْأَنْبِيَاءِ فَهِيَ مَسْأَلَةُ شَرْعِ من قَبْلَنَا وَالْحُكْمُ هُنَا لَا يَثْبُتُ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ الْخَطَّابِيِّ قَطْعًا لَكِنْ يَثْبُتُ بِطَرِيقِ الِاعْتِبَارِ الْعَقْلِيِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ كما دَلَّ عليه قَوْله تَعَالَى لقد كان في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ وَقَوْلُهُ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصَارِ وَنَحْوُهُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعُمُومَ يَكُونُ تَارَةً لِلْأَشْخَاصِ وَتَارَةً لِلْأَفْعَالِ وفي كِلَا الْمَوْضِعَيْنِ يَعُمُّ وَهَلْ هو بِالْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ أو بِالْعِبَارَةِ الْعُرْفِيَّةِ أو بِالْعِبْرَةِ الْعَقْلِيَّةِ
- الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ الْخِطَابُ بِ يا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ حَكَى ابن السَّمْعَانِيِّ في الِاصْطِلَاحِ عن بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَشْمَلُ غَيْرَهُمْ من الْكُفَّارِ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ ثُمَّ اخْتَارَ التَّعْمِيمَ لهم وَلِغَيْرِهِمْ لِعُمُومِ التَّكْلِيفِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ إنَّمَا خُصُّوا بِالذِّكْرِ من بَابِ خِطَابِ التَّشْرِيفِ لَا خِطَابِ التَّخْصِيصِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ من الرِّبَا وقد ثَبَتَ تَحْرِيمُ الرِّبَا في حَقِّ أَهْلِ الذِّمَّةِ قُلْت وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْكَلَامَ في التَّنَاوُلِ بِالصِّيغَةِ لَا بِأَمْرٍ خَارِجٍ وقال بَعْضُهُمْ لَا يَتَنَاوَلُهُمْ لَفْظًا وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ إلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ أو من عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ وَإِلَّا كَيْفَ بِعُمُومِ الشَّرِيعَةِ لهم وَلِغَيْرِهِمْ وَأَمَّا حَيْثُ يَظْهَرُ الْفَرْقُ أو يُمْكِنُ مَعْنًى غَيْرُ شَامِلٍ لهم فَلَا يُقَالُ بِثُبُوتِ ذلك الْحُكْمِ لهم لِأَنَّهُ يَكُونُ إثْبَاتَ حُكْمٍ بِغَيْرِ دَلِيلٍ وَالتَّعَلُّقُ قَدْرٌ زَائِدٌ على الْوُجُوبِ فَلَا يَثْبُتُ في حَقِّهِمْ بِغَيْرِ دَلِيلٍ وَلَا مَعْنًى مَسْأَلَةٌ وقد يَجِيءُ الْخِطَابُ بِيَا أَيُّهَا الناس لِلْمُشْرِكِينَ خَاصَّةً في قَوْلِهِ يا أَيُّهَا الناس ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا له بِدَلِيلِ قَوْلِهِ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ من دُونِ اللَّهِ الْآيَةَ نَصَّ عليه الشَّافِعِيُّ في الرِّسَالَةِ وقال إنَّهُ من الْعُمُومِ الذي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ خِطَابُ الْمُوَاجَهَةِ هل يَشْمَلُ الْمَعْدُومِينَ الْخِطَابُ الْوَارِدُ شِفَاهًا في عَصْرِ النبي عليه السَّلَامُ مِثْلُ يا أَيُّهَا الناس وَيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وَيُسَمَّى خِطَابَ الْمُوَاجَهَةِ لَا خِلَافَ في شُمُولِهِ لِمَنْ بَعْدَهُمْ من الْمَعْدُومِينَ حَالَ صُدُورِهِ لَكِنْ هل هو بِاللَّفْظِ أو بِدَلِيلٍ آخَرَ من إجْمَاعٍ أو قِيَاسٍ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ من الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إلَى أَنَّهُ من اللَّفْظِ وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إلَى
- الثَّانِي وَأَنَّ شُمُولَ الْحُكْمِ لِمَنْ بَعْدَهُمْ بِالْإِجْمَاعِ أو الْقِيَاسِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ مِمَّا عُرِفَ بِالضَّرُورَةِ من دِينِهِ عليه السَّلَامُ أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ تَعَلَّقَ بِأَهْلِ زَمَانِهِ فَهُوَ شَامِلٌ لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قال أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ هُمْ مُكَلَّفُونَ لَا من الْخِطَابِ وَلَكِنْ لَمَّا كانت الرِّسَالَةُ رَاجِعَةً إلَى سَائِرِ الْقُرُونِ كَانُوا سَوَاءً قال تَعَالَى لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ وَقَوْلُهُ بُعِثْت إلَى الناس كَافَّةً قُلْت وَأَصْرَحُ مِنْهُمَا قَوْله تَعَالَى هو الذي بَعَثَ في الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا إلَى قَوْلِهِ وَآخَرِينَ منهم لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وقال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بن دَقِيقِ الْعِيدِ من قال بِخُصُوصِهِ بِالْمُخَاطَبِينَ يَنْبَغِي أَنْ يَعْتَبِرَ فيه أَحْوَالَ الْمُخَاطَبِينَ وَلَا يُدْخِلُ في خِطَابِهِمْ من ليس بِصِفَتِهِمْ إلَّا بِدَلِيلٍ من خَارِجٍ وَهَذَا غَيْرُ الِاخْتِصَاصِ بِأَعْيَانِهِمْ وهو أَعْلَى مَرْتَبَةً منه لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْأَعْيَانِ في الْأَحْكَامِ مَحْمُولٌ غَالِبًا غَلَبَةً كَثِيرَةً وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ لَا تُعْتَبَرُ أَحْوَالُهُمْ وَصِفَاتُهُمْ إلَّا أَنْ يُحْتَمَلَ اعْتِبَارُهَا لِمُنَاسَبَةٍ أو غَيْرِهَا وَالْأَلْيَقُ بِالتَّخْصِيصِ الْأَوَّلُ وقال في شَرْحِ الْعُنْوَانِ الْخِلَافُ في أَنَّ خِطَابَ الْمُشَافَهَةِ هل يَشْمَلُ غير الْمُخَاطَبِينَ قَلِيلُ الْفَائِدَةِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فيه خِلَافٌ عِنْدَ التَّحْقِيقِ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُنْظَرَ إلَى مَدْلُولِ اللَّفْظِ لُغَةً وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ غير الْمُخَاطَبِ وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْحُكْمَ يَقْتَصِرُ على غَيْرِ الْمُخَاطَبِ إلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ على الْعُمُومِ في تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا وَهَذَا بَاطِلٌ لِمَا عُلِمَ قَطْعًا من الشَّرِيعَةِ أَنَّ الْأَحْكَامَ عَامَّةٌ إلَّا حَيْثُ يَرِدُ التَّخْصِيصُ وَاعْلَمْ أَنَّهُ عَبَّرَ جَمَاعَةٌ عن هذه الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّ الْخِطَابَ مع الْمَوْجُودِينَ في زَمَنِهِ عليه السَّلَامُ لَا يَتَنَاوَلُ من بَعْدَهُمْ إلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ وَذَكَرَهَا بَعْضُهُمْ أَخَصَّ من هذا وَفَرْضُ الْمَسْأَلَةِ في يا أَيُّهَا الناس وَيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كما ذَكَرْنَا وقال بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْأَلْفَاظُ لها حَالَتَانِ تَارَةً تَكُونُ مَحْكُومًا بها نَحْوُ زَيْدٌ قَائِمٌ أو مُخَاطَبَةً بِخِطَابِ الْمُوَاجَهَةِ نَحْوُ يا زَيْدُ وَتَارَةً تَكُونُ مُتَعَلَّقَ الْحُكْمِ نَحْوُ اصْحَبْ
- الْعُلَمَاءَ فَالْمُسَمَّيَاتُ في الْحَالَةِ الْأُولَى يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً حَالَ الْحُكْمِ أو الْخِطَابِ فإن الْقَضَاءَ بِالْحَقِيقَةِ في الْخَارِجِ فَرْعُ وُجُودِهَا وَكَذَلِكَ الْمُتَكَلِّمُ مَعَهَا وَمَدَارُهَا في الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ لَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً في الْخَارِجِ بَلْ اللَّفْظُ حَقِيقَةٌ فِيمَا وُجِدَ وَسَيُوجَدُ منها كَقَوْلِ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ اصْحَبْ الْعُلَمَاءَ لَا فَرْقَ فيه بين من يَكُونُ عَالِمًا حَالَ الْخِطَابِ وَبَيْنَ من سَيَصِيرُ عَالِمًا بَعْدَ ذلك وَكَذَلِكَ اقْطَعُوا السَّارِقَ وَحُدُّوا الزُّنَاةَ وَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ لِقِيَامِ الْإِجْمَاعِ على نَحْوِ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُوا بِاَللَّهِ وَقَوْلِهِ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي يَتَنَاوَلُ مُشْرِكِي زَمَانِنَا وَسُرَّاقَهُمْ وَزُنَ لَا على وَجْهِ الْمَجَازِ لَكِنْ اتَّفَقُوا أَيْضًا على أَنَّ الِاتِّصَافَ بِالصِّفَةِ الْمُشْتَقَّةِ لِمَنْ لم تَعُمَّ بِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى قِيَامِهَا في الْمُسْتَقْبَلِ مَجَازٌ كما في قَوْله تَعَالَى إنَّك مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ وَلَا طَرِيقَ إلَى الْجَمْعِ بين هَذَيْنِ الِاتِّفَاقَيْنِ إلَّا ما ذَكَرْنَاهُ من كَوْنِ الصِّفَةِ مَحْكُومًا بها وَكَوْنِهَا مُتَعَلَّقَ الْحُكْمِ وقد اعْتَرَضَ النَّقْشَوَانِيُّ في تَلْخِيصِ الْمَحْصُولِ على هذه الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِ الْأُصُولِيِّينَ إنَّ الْمَعْدُومَ يَكُونُ مُخَاطَبًا بِالْخِطَابِ السَّابِقِ ولم يُفَرِّقُوا بين خِطَابِ الْمُشَافَهَةِ وَغَيْرِهِ وهو غَفْلَةٌ منهم لِأَنَّ تِلْكَ الْمَسْأَلَةَ إنَّمَا هِيَ في الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ وَالْكَلَامُ النَّفْسِيُّ له تَعَلُّقٌ بِمَنْ سَيُوجَدُ على تَقْدِيرِ وُجُودِهِ وَتَعَلُّقُ الْكَلَامِ النَّفْسَانِيِّ ليس من بَابِ أَوْضَاعِ اللُّغَةِ في شَيْءٍ بَلْ هو أَمْرٌ عَقْلِيٌّ وَلِذَلِكَ مَثَّلُوهُ بِأَنَّ أَحَدَنَا يَجِدُ في نَفْسِهِ طَلَبَ الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ وَاَلَّذِي من وَلَدٍ سَيُوجَدُ له على تَقْدِيرِ وُجُودِهِ بِخِلَافِ هذه الْمَسْأَلَةِ فإن مُعْتَمَدَ الْقَوْلِ بِأَنَّ خِطَابَ الْمُشَابَهَةِ لَا يَتَنَاوَلُ الْمَعْدُومَ أَنَّ الْعَرَبَ لم تَضَعْ مِثْلَ قُومُوا وَلَا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ خِطَابًا لِلْمَعْدُومِ بَلْ وَلَا لِلْمَوْجُودِ الْغَائِبِ بَلْ الْحَاضِرُ الْقَرِيبُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْبَحْثَ في هذه الْمَسْأَلَةِ لُغَوِيٌّ وَتِلْكَ عَقْلِيٌّ فَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَهُمَا وَمِمَّنْ أَوْرَدَ هذا السُّؤَالَ أَيْضًا صَاحِبُ الْبَدِيعِ وَأَجَابَ عنه بِأَنَّ الْكَلَامَ ثَمَّ في تَسْمِيَتِهِ أَمْرًا وَهُنَا في تَسْمِيَتِهِ خِطَابًا وَلَا تَلَازُمَ بَيْنَهُمَا فإن مَعْنَى تَعَلُّقِ الْأَمْرِ بِالْمَعْدُومِ التَّعَلُّقُ الْعِلْمِيُّ لَا التَّنْجِيزِيُّ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى خِطَابًا لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَمَّا قُصِدَ بِهِ إفْهَامُ من هو مُتَهَيِّئٌ لِلْفَهْمِ وهو غَيْرُ مُمْكِنٍ في الْمَعْدُومِ وَهَذَا إنَّمَا يَتِمُّ إذَا قُلْنَا إنَّ كَلَامَ اللَّهِ في الْأَزَلِ لَا يُسَمَّى خِطَابًا فَإِنْ قُلْنَا يُسَمَّى فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَالظَّاهِرُ أَنَّ الذي قال بِتَنَاوُلِ الْخِطَابِ لِلْمَعْدُومِ زَمَنَ النبي عليه السَّلَامُ أَرَادَ بِهِ التَّنَاوُلَ عِنْدَ صَيْرُورَتِهِ أَهْلًا لِلْخِطَابِ كما في الْأَمْرِ لَا أَنَّهُ حَالَ عَدَمِهِ مُخَاطَبٌ بِمَعْنًى يَفْهَمُهُ في ذلك الْوَقْتِ
- الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ هل خِطَابُ اللَّهِ رَسُولَهُ بِلَفْظٍ يَخْتَصُّ بِهِ يَشْمَلُ أُمَّتَهُ الْخِطَابُ الْمُخْتَصُّ بِالنَّبِيِّ عليه السَّلَامُ بِوَضْعِ اللِّسَانِ مِثْلُ يا أَيُّهَا النبي وَيَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ الْأُمَّةُ إلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ من قِيَاسٍ وَغَيْرِهِ وَحِينَئِذٍ فَيَشْمَلُهُمْ الْحُكْمُ لَا بِاللَّفْظِ وَقِيلَ يَدْخُلُ في اللَّفْظِ فَهُوَ عَامٌّ إلَّا بِدَلِيلٍ يُخْرِجُهُ وَنُقِلَ عن أبي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَاخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُ من أَصْحَابِنَا وهو بَعِيدٌ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ على التَّعْبِيرِ بِالْكَبِيرِ عن أَتْبَاعِهِ فَيَكُونُ مَجَازًا لَا حَقِيقَةً وقال ابن الْقُشَيْرِيّ قالت الْحَنَفِيَّةُ الْأُمَّةُ معه بِشَرْعٍ في الْخِطَابِ الْمُخْتَصِّ وَلِهَذَا قالوا يَصِحُّ لنا النِّكَاحُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ قال وَالْمُخْتَارُ أَنْ يُقَالَ أَمَّا اللَّفْظُ في وَضْعِهِ فَمُخْتَصٌّ بِهِ وَأَمَّا أَنَّ الصَّحَابَةَ هل كَانُوا يَرَوْنَ أَنْفُسَهُمْ مِثْلًا له في الْخِطَابِ فَلَسْنَا على ثَبْتٍ في ذلك وَالْغَالِبُ على الظَّنِّ أَنَّهُمْ ما كَانُوا يَطْلُبُونَ مُشَارَكَتَهُ فِيمَا اخْتَصَّ بِهِ فَأَمَّا ما لم تَظْهَرْ خَاصَّتُهُ فَهُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ وَفَصَّلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فقال الصِّيغَةُ إمَّا أَنْ تَرِدَ في مَحَلِّ التَّخْصِيصِ أو لَا فَإِنْ وَرَدَتْ فَهُوَ خَاصٌّ وَإِلَّا عَامٌّ لِأَنَّا لم نَجِدْ دَلِيلًا نَاطِقًا على التَّخْصِيصِ وَلَا على التَّعْمِيمِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخِلَافَ حَيْثُ لَا يَظْهَرُ اخْتِصَاصُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَإِنْ ظَهَرَ اخْتَصَّ بِالْإِجْمَاعِ فَلَا مَعْنَى لِهَذَا التَّفْصِيلِ فَكَأَنَّ الْإِمَامَ يقول بِالْعُمُومِ في هذه الْمَسْأَلَةِ فَلِهَذَا نَقَلْنَاهُ عنه أَوَّلًا وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ مُقَيَّدًا بِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا فِيمَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هو الْمَقْصُودُ بِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَمَّا ما قَامَتْ قَرِينَةٌ على أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْحُكْمِ غَيْرُهُ وَأَتَى بِلَفْظِهِ لِجَلَالَةِ وُقُوعِ الْمُشَافَهَةِ معه كما في قَوْله تَعَالَى لَئِنْ أَشْرَكْت لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُك فَهَذَا لَا مَدْخَلَ له فيه صلى اللَّهُ عليه وسلم بِلَا خِلَافٍ وَعَلَى هذا فَذِكْرُ ابْنِ الْحَاجِبِ هذه الْآيَةَ في صُورَةِ الْمَسْأَلَةِ ليس بِجَيِّدٍ وَكَيْفَ يُحْتَجُّ بِمُخَاطَبَةِ الْأَنْبِيَاءِ بِذَلِكَ وَهُمْ مَعْصُومُونَ بَلْ ذلك على سَبِيلِ الْفَرْضِ وَالْمُحَالُ يَصِحُّ فَرْضُهُ لِغَرَضٍ وَحَكَى ابن عَطِيَّةَ عن مَكِّيِّ وَالْمَهْدَوِيِّ أَنَّ الْخِطَابَ بِقَوْلِهِ فَلَا تَكُونَنَّ من الْجَاهِلِينَ لِلنَّبِيِّ عليه السَّلَامُ وَالْمُرَادُ أُمَّتُهُ
- قال وَهَذَا ضَعِيفٌ وَلَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ وَارْتَكَبَ شَطَطًا في التَّأْوِيلِ قال وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَعْلَمَ قَوْلَ اللَّهِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ هذا وَنَحْوَهُ من بَابِ الْخِطَابِ الْعَامِّ من غَيْرِ قَصْدِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ وَالْمَعْنَى اتِّفَاقُ جَمِيعِ الشَّرَائِعِ على ذلك وَيُسْتَرَاحُ حِينَئِذٍ من إيرَادِ هذا السُّؤَالِ من أَصْلِهِ أَمَّا فِيمَا لم يَظْهَرْ أَنَّ الْأُمَّةَ مَقْصُودَةٌ بِهِ فَإِنْ قَامَتْ قَرِينَةٌ لَفْظِيَّةٌ على دُخُولِهِمْ فَلَا خِلَافَ في عُمُومِهِ وَتَكُونُ الْقَرِينَةُ مُبَيِّنَةً أَنَّهُ عَبَّرَ بِلَفْظِهِ عنه وَعَنْ غَيْرِهِ مَجَازًا هذا كما في قَوْله تَعَالَى يا أَيُّهَا النبي إذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ الْآيَةَ فإن ضَمِيرَ الْجَمْعِ في قَوْلِهِ طَلَّقْتُمْ وَطَلِّقُوهُنَّ قَرِينَةٌ لَفْظِيَّةٌ تَدُلُّ على أَنَّ الْأُمَّةَ مَقْصُودَةٌ معه بِالْحُكْمِ وَأَنَّهُ خُصَّ بِالْخِطَابِ لِكَوْنِهِ مَتْبُوعَهُمْ وَلَوْلَا فَهْمُ عُمُومِهَا لِلْأُمَّةِ لَمَا افْتَتَحَ بها وَاعْلَمْ أَنَّ مِثْلَ هذا الْخِطَابِ نَوْعَانِ نَوْعٌ مُخْتَصٌّ لَفْظُهُ بِالنَّبِيِّ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَلَكِنْ يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى كَقَوْلِهِ يا أَيُّهَا النبي لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَك تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِك ثُمَّ قال قد فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَقَوْلُهُ يا أَيُّهَا النبي إذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ وَنَوْعٌ يَكُونُ الْخِطَابُ له وَلِلْأُمَّةِ وَأَفْرَدَهُ بِالْخِطَابِ لِكَوْنِهِ هو الْمُوَاجَهُ بِالْوَحْيِ وهو الْأَصْلُ فيه وَالْمُبَلِّغُ لِلْأُمَّةِ وَالسَّفِيرُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُفَسِّرِينَ الْخِطَابُ له وَالْمُرَادُ غَيْرُهُ ولم يُرِيدُوا بِذَلِكَ أَنَّهُ لم يُخَاطَبْ بِذَلِكَ أَصْلًا كما يقول السُّلْطَانُ لِمُقَدِّمِ الْعَسَاكِرِ اُخْرُجْ غَدًا أو انْزِلْ بِمَكَانِ كَذَا وَاحْمِلْ على الْعَدُوِّ في وَقْتِ كَذَا وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ما أَصَابَك من حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ وما أَصَابَك من سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِك بِخِلَافِ قَوْلِهِ وَأَرْسَلْنَاك لِلنَّاسِ رَسُولًا الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ الْخِطَابُ لِلْأُمَّةِ إنْ اخْتَصَّ بِهِمْ نَحْوُ يا أَيُّهَا الْأُمَّةُ فَلَا يَدْخُلُ الرَّسُولُ تَحْتَهُ بِلَا خِلَافٍ كما قال الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ وَأَشَارَ إلَيْهِ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في كِتَابِ الْإِفَادَةِ وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ فَالْأَوَّلُ عَامٌّ وَالثَّانِي خَاصٌّ فِينَا دُونَهُ لِأَنَّهُ هو الذي أَمَرَنَا بِالِاسْتِجَابَةِ له وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ
- قد أَنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكُمْ ذِكْرًا رَسُولًا تَقْدِيرُهُ اُطْلُبُوا رَسُولًا على الْإِغْرَاءِ وَهَذَا أَيْضًا فِينَا دُونَهُ ا هـ وَإِنْ أَمْكَنَ تَنَاوُلُهُ نَحْوُ يا أَيُّهَا الناس وَيَا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ وَيَا عِبَادِي فَاخْتَلَفُوا فيه فَالْأَكْثَرُ على أَنَّهُ يَشْمَلُهُ وَقِيلَ لَا لِأَجْلِ الْخَصَائِصِ الثَّابِتَةِ له وَالثَّالِثُ نُقِلَ عن أبي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ وَالْحَلِيمِيِّ التَّفْصِيلُ بين أَنْ يَسْبِقَهُ تَبْلِيغٌ نَحْوُ قُلْ وَنَحْوِهِ فَلَا يَشْمَلُهُ فإن الْأَمْرَ بِالتَّبْلِيغِ يُؤَثِّرُ في عُمُومِ الْخِطَابِ وَإِنْ وَرَدَ مُسْتَرْسِلًا فَالرَّسُولُ فيه بِمَثَابَةِ غَيْرِهِ وَاسْتَنْكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لِأَنَّ الْقَوْلَ فيها جميعا مُسْتَنِدٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالرَّسُولُ مُبَلِّغٌ خِطَابَهُ إلَيْنَا فَلَا مَعْنَى لِلتَّفْرِقَةِ وقال الْمُقْتَرَحُ في تَعْلِيقِهِ الْخِطَابُ إمَّا أَنْ يَكُونَ من الْكِتَابِ أو من السُّنَّةِ فَإِنْ كان من الْكِتَابِ فَهُوَ مُبَلِّغٌ عن اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَالْمُبَلِّغُ يَنْدَرِجُ تَحْتَ عُمُومِ الْخِطَابِ وَإِنْ كان من السُّنَّةِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُجْتَهَدًا أو لَا فَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ مُجْتَهَدٌ فَيَرْجِعُ إلَى أَنْ الْمُخَاطَبَ هل يَدْخُلُ تَحْتَ الْخِطَابِ أَمْ لَا وَإِنْ لم يَكُنْ مُجْتَهِدًا فَهُوَ مُبَلِّغٌ وَالْمُبَلِّغُ إذَنْ دَاخِلٌ تَحْتَ الْخِطَابِ ثُمَّ قِيلَ لَا فَائِدَةَ لِلْخِلَافِ في هذه الْمَسْأَلَةِ وَقِيلَ بَلْ تَظْهَرُ فَائِدَتُهَا فِيمَا إذَا وَرَدَ الْعُمُومُ وَجَاءَ فِعْلُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِخِلَافِهِ فَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ دَاخِلٌ في خِطَابِهِ كان فِعْلُهُ نَسْخًا وَإِنْ قُلْنَا ليس بِدَاخِلٍ لم يَخُصَّ فِعْلُهُ الْعُمُومَ وَبَقِيَ على شُمُولِهِ في ذلك الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ الْخِطَابُ الْخَاصُّ لُغَةً بِوَاحِدٍ من الْأُمَّةِ هل يَشْمَلُ غَيْرَهُ من الْأُمَّةِ الْخِطَابُ الْخَاصُّ لُغَةً بِوَاحِدٍ من الْأُمَّةِ إنْ خُصَّ فيه بِالتَّخْصِيصِ فَلَا شَكَّ فيه لِقَوْلِهِ وَلَنْ تَجْزِيَ عن أَحَدٍ بَعْدَك وَإِنْ صَلَحَ أَنْ يَتَنَاوَلَ غَيْرَهُ فَلَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُ من الْأُمَّةِ إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ على وُجُوبِ تَعْمِيمِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَنَصَّ عليه الشَّافِعِيُّ قال الْإِمَامُ في بَابِ الرَّضَاعِ من النِّهَايَةِ في الْكَلَامِ على إرْضَاعِ الْكَبِيرِ وقد
- أَشَارَ الشَّافِعِيُّ إلَى تَصَرُّفٍ في حَدِيثٍ سَالِمٍ رَمَزَ إلَيْهِ الْمُزَنِيّ وهو أَنَّ خِطَابَ رسول اللَّهِ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إذَا اخْتَصَّ بِشَخْصٍ في حِكَايَةِ حَالٍ فَحُكْمُ الصِّيغَةِ اخْتِصَاصُ الْحُكْمِ بِالْمُخَاطَبِ وإذا قَضَيْنَا بِأَنَّ الناس في الشَّرْعِ وَاحِدٌ فَهُوَ يُتَلَقَّى من إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ لِمَا يُشَاهِدُونَهُ من قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ الدَّالَّةِ على الِاخْتِصَاصِ قُلْنَا اضْطَرَبَ رَأْيُهُمْ في قَضِيَّةِ سَالِمٍ في التَّخْصِيصِ وَاللَّفْظُ في نَفْسِهِ مُخْتَصٌّ بِالْمُخَاطَبِ فلم يَجُزْ تَعْمِيمُ الْحُكْمِ سِيَّمَا إذَا اعْتَقَدَ خِلَافَهُ مِمَّا يَسْتَقِلُّ دَلِيلًا انْتَهَى وقال الْقَاضِي من الْحَنَابِلَة وَغَيْرُهُ عَامٌّ بِنَفْسِهِ قال أبو الْخَطَّابِ منهم هذا إذَا وَقَعَ جَوَابًا لِسُؤَالٍ كَقَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ وَاقَعْت فقال اعْتِقْ فَأَمَّا نَحْوُ قَوْلِهِ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ فَلَا يَدْخُلُ فيه كُلُّ الصَّحَابَةِ وَكَذَا قَوْلُهُ لِلرَّجُلِ قُمْ فَبَارِزْ فَلَا يَجُوزُ على غَيْرِهِ الْمُبَارَزَةُ قال وَكَذَلِكَ إذَا حُكِمَ صلى اللَّهُ عليه وسلم في حَادِثَةٍ بين نَفْسَيْنِ كان وَاجِبًا على كل أَحَدٍ أَنْ يُحْكَمَ عليه بِمِثْلِ تِلْكَ الْحَادِثَةِ وَهَذَا لَا أَعْلَمُ فيه خِلَافًا انْتَهَى وَاقْتَضَى كَلَامُ الْقَاضِي منهم أَنَّهُ عَامٌّ بِعُرْفِ الشَّرْعِ لَا بِوَضْعِ اللُّغَةِ لِلْقَطْعِ بِاخْتِصَاصِهِ بِهِ لُغَةً وَمِنْ ثَمَّ قال بَعْضُهُمْ ليس النِّزَاعُ لَفْظِيًّا وَحَكَى أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ وَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا في الْمَسْأَلَةِ وقال الْأَكْثَرُونَ على الْأَوَّلِ قال وَالثَّانِي أَنَّهُ لِلْعُمُومِ بِدَلِيلِ حُكْمِي على الْوَاحِدِ وَعَلَى هذا فقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في كَيْفِيَّةِ الْحُكْمِ بِذَلِكَ في غَيْرِ السَّائِلِ هل هو بِالْقِيَاسِ أو بِقَوْلِهِ خِطَابِي لِلْوَاحِدِ خِطَابِي لِلْجَمَاعَةِ وَجْهَانِ الْأَوَّلُ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ انْتَهَى
- وَيَخْرُجُ من كَلَامِ الْإِمَامِ السَّابِقِ رَأْيٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ بِالْإِجْمَاعِ ثُمَّ صَوَّرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُمَا الْمَسْأَلَةَ بِخِطَابِهِ عليه السَّلَامُ وَصَوَّرَهَا الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ في أَعَمَّ من ذلك وَهِيَ مُخَاطَبَةُ الشَّارِعِ وَاحِدًا بِلَفْظٍ مُخْتَصٍّ بِهِ سَوَاءٌ كان الْمُخَاطِبُ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم نَحْوُ يا أَيُّهَا النبي حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ على الْقِتَالِ يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ أو الْمُخَاطِبُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَاحِدًا من أُمَّتِهِ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ في الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ فقال لَا شَكَّ أَنَّ الْخِطَابَ خُصَّ لُغَةً بِذَلِكَ الْوَاحِدِ وَلَا يَنْبَغِي فيه خِلَافٌ وَأَنَّهُ عَامٌّ بِحَسَبِ الْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ وَلَا يَنْبَغِي فيه خِلَافٌ فَلَا مَعْنَى لِلْخِلَافِ في الْمَسْأَلَةِ قال الْمُقْتَرِحُ بَلْ هو مَعْنَوِيٌّ وهو أَنَّا نَقُولُ الْأَصْلُ ما هو هل هو مَوْرِدُ الشَّرْعِ أو مُقْتَضَى الْعُرْفِ وقال الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْخِطَابَ عَامٌّ في الْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ بَلْ الذي نُسَلِّمُهُ عُمُومُ مُقْتَضَى الْخِطَابِ غير عُمُومٍ قَطْعًا وَالنِّزَاعُ إنَّمَا هو في الثَّانِي لَا في الْأَوَّلِ وَالْحَقُّ أَنَّ التَّعْمِيمَ مُنْتَفٍ لُغَةً ثَابِتٌ شَرْعًا وَالْخِلَافُ في أَنَّ الْعَادَةَ هل تَقْضِي بِالِاشْتِرَاكِ بِحَيْثُ يَتَبَادَرُ فَهْمُ أَهْلِ الْعُرْفِ إلَيْهَا أو لَا فَأَصْحَابُنَا يَقُولُونَ لَا قَضَاءَ لِلْعَادَةِ في ذلك كما لَا قَضَاءَ لِلُّغَةِ وَالْخَصْمُ يقول إنَّهَا تَقْضِي بِذَلِكَ وَهَذَا نَقْلُ ابن السَّمْعَانِيِّ عَنْهُمْ الِاحْتِجَاجَ بِأَنَّ عَادَةَ أَهْلِ اللِّسَانِ مُخَاطَبَةُ الْوَاحِدِ وَإِرَادَةُ الْجَمَاعَةِ تَنْبِيهٌ تَطْبِيبُهُ عليه السَّلَامُ هل يُفِيدُ التَّعْمِيمَ هذا في الْأَحْكَامِ وَأَمَّا تَطْبِيبُهُ عليه السَّلَامُ لِأَصْحَابِهِ وَأَهْلِ أَرْضِهِ فقال الْحَافِظُ شَمْسُ الدِّينِ الذَّهَبِيُّ في مُخْتَصَرِ الْمُسْتَدْرَكِ هو خَاصٌّ بِطِبَاعِهِمْ وَأَرْضِهِمْ إلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ على التَّعْمِيمِ لِأَنَّ تَطْبِيبَهُ من بَابِ الْمُبَاحِ بِخِلَافِ أَوَامِرِهِ الشَّرْعِيَّةِ ذَكَرَهُ في حَدِيثٍ أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِصَبِيٍّ لها فقالت أَتْقَأُ منه الْعَذِرَةَ فقال تَحَرَّقُوا حُلُوقَ أَوْلَادِكُمْ خُذِي قُسْطًا هِنْدِيًّا وَوَرْسًا فَأَسْعِطِيهِ إيَّاهُ وقال إسْنَادُهُ
- صَحِيحٌ انْتَهَى وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ وَظَاهِرُ تَصَرُّفِ الْعُلَمَاءِ سِيَّمَا من صَنَّفَ في الطِّبِّ النَّبَوِيِّ إنَّمَا يَفْهَمُ التَّعْمِيمَ كَالْأَوَامِرِ وَلِهَذَا تَكَلَّفُوا الْجَوَابَ عن حديث أَبْرِدُوا الْحُمَّى بِالْمَاءِ مع أَنَّ كَثِيرًا من الْحُمَّيَاتِ لَا يَقْتَضِي الطِّبُّ تَسْوِيغَ ذلك وَحَمَلُوهُ على ما يَقْتَضِي الْحَالَ اللَّائِقَ بِذَلِكَ من أَنْوَاعِ الْحُمَّيَات وَقَوْلُهُ إنَّ التَّطْبِيبَ من بَابِ الْمُبَاحِ مَمْنُوعٌ الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ دُخُولُ الْمُخَاطِبِ في عُمُومِ خِطَابِهِ اخْتَلَفُوا في دُخُولِ الْمُخَاطِبِ بِكَسْرِ الطَّاءِ في عُمُومِ خِطَابِهِ على وَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا حَكَاهُمَا الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ أَحَدُهُمَا قال وَبِهِ قال أَكْثَرُ الْمُخَالِفِينَ إنَّهُ يُتَنَاوَلُ وَلَا يَخْرُجُ من عُمُومِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ يُوجِبُ تَخْصِيصَهُ وَالثَّانِي قال وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا إنَّهُ لَا يَدْخُلُ إلَّا بِدَلِيلٍ وهو الصَّحِيحُ من مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ قال وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا وَرَدَ منه عليه السَّلَامُ لَفْظٌ عَامٌّ في إيجَابِ حُكْمٍ أو حَظْرِهِ أو إبَاحَتِهِ هل يَدُلُّ ذلك على دُخُولِهِ فيه أَمْ لَا وَكَذَا قال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ إذَا أَمَرَ النبي عليه السَّلَامُ أُمَّتَهُ بِأَمْرٍ لم يَدْخُلْ هو في الْأَوَامِرِ خِلَافًا لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا كَذَا قال سُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ إذَا أَمَرَ عليه السَّلَامُ بِأَمْرٍ لم يَدْخُلْ في حُكْمِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ في اللَّفْظِ ما يَقْتَضِيهِ كَقَوْلِهِ افْعَلُوا كَذَا فَإِنَّكُمْ مُكَلَّفُونَ وَقِيلَ يَدْخُلُ مُطْلَقًا وَكَذَا قال ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ ذَهَبَ مُعْظَمُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّ الْآمِرَ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْخِطَابِ وَنَقَلَ عبد الْجَبَّارِ وَغَيْرُهُ من الْمُعْتَزِلَةِ دُخُولَهُ وَكَذَا قال ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ الْمَسْأَلَةُ مُصَوَّرَةٌ فيه عليه السَّلَامُ إذَا كان آمِرًا وَعَامَّةُ الْفُقَهَاءِ على أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فَأَمَّا الْأَمْرُ الْوَارِدُ من اللَّهِ تَعَالَى بِذِكْرِ الناس فَقَدْ اتَّفَقُوا على أَنَّ الرَّسُولَ لَا يَدْخُلُ في ذلك هَكَذَا قال وقد سَبَقَ الْخِلَافُ فيه وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَذْهَبَنَا عَدَمُ الدُّخُولِ وَلِهَذَا قال النَّوَوِيُّ في الرَّوْضَةِ في كِتَابِ الطَّلَاقِ إنَّهُ الْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وقد رَأَيْت من أَنْكَرَ عليه ذلك بِنَقْلِ الْمَحْصُولِ عن
- الْأَكْثَرِينَ الدُّخُولَ وقد عَجِبْت من نَقْلِ هَؤُلَاءِ الْفُحُولِ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا تَعَرَّضُوا لِلْأَمْرِ لَا لِلْخَبَرِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ وقد سَوَّى صَاحِبُ الْمَحْصُولِ بَيْنَهُمَا في النَّقْلِ عن الْأَكْثَرِينَ وهو ظَاهِرُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ في الْمَنْخُولِ حَيْثُ قال بِهِمَا ثُمَّ قال وَالْمُخْتَارُ الِانْدِرَاجُ وَكَذَا قال ابن الْقُشَيْرِيّ في أُصُولِهِ قال صَاحِبُ الْمَحْصُولِ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ كَوْنُهُ أَمْرًا قَرِينَةً مُخَصَّصَةً فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَأَدْخَلَهُ في الْخَبَرِ لَا الْأَمْرِ قال صَاحِبُ الْحَاصِلِ وهو الظَّاهِرُ وَعَلَى هذا فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَقْلِ الْجُمْهُورِ وَفَصَّلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فقال اللَّفْظُ يَتَنَاوَلُهُ نَفْسَهُ وَلَكِنَّهُ خَارِجٌ عنه عَادَةً وقال إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ الْقَوْلُ الْمُوجَزُ فيه أَنَّ مُوجِبَ الْخِلَافِ الِانْدِرَاجُ وَلَكِنْ اُشْتُهِرَ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ بِخِلَافِهِ وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ تَأْثِيرًا في مُوجِبِ اللَّفْظِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ رَاجِعًا إلَى غَيْرِ اللَّفْظِ لَا إلَى حَالِ الْمُخَاطِبِ قال وَهَذَا دَقِيقٌ قَاطِعٌ خَيَالَ الْمُخَالِفِ وقال الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ هذه الْمَسْأَلَةُ قد تَعْرِضُ في الْأَمْرِ وقد سَبَقَتْ في مَبَاحِثِهِ وَمِثْلُهُ النَّهِيُّ وَمَرَّتْ في الْخَبَرِ وَالْجُمْهُورُ على دُخُولِهِ وقال بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ إذَا كان الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ ما وُضِعَ لِلْمُخَاطَبِ يَشْمَلُ الْمُتَكَلِّمَ وَضْعًا فَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنْ كان الْمُرَادُ حُكْمًا فَمُسَلَّمٌ إذَا دَلَّ عليه دَلِيلٌ أو كان الْوَضْعُ شَامِلًا له كَأَلْفَاظِ الْعُمُومِ تَنْبِيهٌ دُخُولُ جِبْرِيلَ في التَّكَالِيفِ التي يَنْزِلُ بها وَقَعَ الْبَحْثُ في أَنَّ جِبْرِيلَ عليه السَّلَامُ هل يَدْخُلُ في التَّكْلِيفِ بِمَا يَأْتِي بِهِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ كُلَّ تَبْلِيغٍ يَتَوَقَّفُ على فِعْلٍ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ الْفِعْلِ كما في إمَامَتِهِ بِالنَّبِيِّ عليه السَّلَامُ في الْيَوْمَيْنِ وَأَمَّا ما لَا يَتَوَقَّفُ على فِعْلٍ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِتَبْلِيغِ ما أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ فَقَطْ
- مَسْأَلَةٌ دُخُولُ الْمُخَاطَبِ في عُمُومِ أَمْرِ الْمُخَاطِبِ له أَمَّا الْمُخَاطَبُ بِالْفَتْحِ فقال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ في تَعْلِيقِهِ لَا يَدْخُلُ في عُمُومِ أَمْرِ الْمُخَاطِبِ له على الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ وَلِهَذَا لو قال وَكَّلْتُك في إبْرَاءِ غُرَمَائِي وكان هو منهم لم يَدْخُلْ قلت وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ مَسْأَلَةُ أَوَامِرِ اللَّهِ الْعَامَّةِ هل يَدْخُلُ فيها النبي عليه السَّلَامُ وقد سَبَقَتْ لَكِنْ الصَّحِيحُ هُنَاكَ الدُّخُولُ
- فَصْلٌ في الْقَرَائِنِ التي يُظَنُّ أنها صَارِفَةٌ لِلَّفْظِ عن الْعُمُومِ وَفِيهِ مَسَائِلُ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الْخَارِجُ على جِهَةِ الْمَدْحِ أو الذَّمِّ نَحْوُ إنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ وَقَوْلُهُ وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَقَوْلُهُ وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ وَالْمُرَادُ مَدْحُ قَوْمٍ وَذَمُّ آخَرِينَ وَيَتَعَلَّقُ بِهِ ذِكْرُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَذِكْرُ النِّسَاءِ وَمِلْكُ الْيَمِينِ وَنَحْوُ ذلك فَفِي التَّعَلُّقِ بِعُمُومِهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا حَكَاهُمَا أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ وَالْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ وابن السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُمْ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ وَنُسِبَ لِلشَّافِعِيِّ وَلِهَذَا مُنِعَ التَّمَسُّكُ بِآيَةِ الزَّكَاةِ في وُجُوبِ زَكَاةِ الْحُلِيِّ لِأَنَّ اللَّفْظَ لم يَقَعْ مَقْصُودًا له وَرُبَّمَا نَقَلُوا عنه أَنَّهُ قال الْكَلَامُ مُفَصَّلٌ في مَقْصُودِهِ وَمُجَمِّلٌ في غَيْرِ مَقْصُودِهِ وَنَقَلَهُ أبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ عن الْقَاشَانِيِّ وَنَقَلَهُ ابن بَرْهَانٍ عن الْكَرْخِيِّ وَغَيْرِهِ وقال إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ إنَّهُ الصَّحِيحُ وَبِهِ جَزَمَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ في كِتَابِهِ فقال لَا يُحْكَمُ الْعُمُومُ بِمُجَرَّدِ الْخِطَابِ الْعَامِّ وَلَكِنْ يَكُونُ الْمَخْصُوصُ بِالذِّكْرِ على ما حُكِمَ فيه ثُمَّ يُنْظَرُ فِيمَا عَدَاهُ مِمَّا هو دَاخِلٌ تَحْتَهُ بِدَلِيلٍ آخَرَ لَا لِلْعُمُومِ وَأَطَالَ في الِاحْتِجَاجِ بِذَلِكَ قال فَلَا يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ على وُجُوبِ الزَّكَاةِ في قَلِيلِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَكَثِيرِهِمَا بَلْ مَقْصُودُ الْآيَةِ الْوَعِيدُ لِتَارِكِ الزَّكَاةِ وَكَذَا لَا يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إلَّا على أَزْوَاجِهِمْ أو ما مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ في بَيَانِ ما يَحِلُّ منها وما لَا يَحِلُّ وَلَكِنْ فيها بَيَانُ أَنَّ الْفَرْجَ لَا يَجِبُ حِفْظُهُ عنهما ثُمَّ إذَا اُحْتِيجَ إلَى تَفْصِيلِ ما لَا يَحِلُّ بِالنِّكَاحِ أو بِمِلْكِ الْيَمِينِ صُيِّرَ فيه إلَى ما قُصِدَ تَفْصِيلُهُ مِثْلُ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَنَحْوُهُ قال وَمَنْ ضَبَطَ هذا الْبَابَ أَفَادَهُ عِلْمًا كَثِيرًا وَاسْتَرَاحَ من لَا يُرَتِّبُ الْخِطَابَ على وَجْهِهِ وَلَا يَضَعُهُ مَوْضِعَهُ انْتَهَى وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ في تَعْلِيقِهِ في بَابِ ما يَحْرُمُ من النِّكَاحِ وَعِبَارَتُهُ
- قُلْنَا الْآيَةُ إذَا سِيقَتْ لِبَيَانِ مَقْصُودٍ فَإِنَّمَا يُوجَبُ التَّعْمِيمُ في مَحَلِّ الْمَقْصُودِ فَأَمَّا في مَحَلِّ غَيْرِ الْمَقْصُودِ وَالْغَرَضِ بِالْخِطَابِ فَلَا يُقْصَدُ بِالْخِطَابِ بَلْ يُعْرَضُ عنه صَفْحًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ الْآيَةَ ا هـ وَالثَّانِي وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ عَامٌّ وَلَا تَنَافِيَ بين قَصْدِ الْعُمُومِ وَالذَّمِّ قال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ إنَّهُ الظَّاهِرُ من الْمَذْهَبِ وقال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ في التَّقْرِيبِ إنَّهُ الْمَذْهَبُ وَكَذَا قال ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ إنَّهُ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ قال وَكَذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ من أَئِمَّتِنَا وَصَرَّحُوا بِأَنَّ الْمَذْهَبَ الشَّافِعِيَّ الصَّحِيحَ عِنْدَهُ صِحَّةُ ادِّعَاءِ الْعُمُومِ فيه حتى لَا يُعَارِضَهُ وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ في كِتَابِ التَّحْصِيلِ عليه أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَكْثَرُ الْقَائِلِينَ بِالْعُمُومِ وَنَقَلَهُ ابن الْقَطَّانِ عن أَهْلِ الظَّاهِرِ وَجَزَمَ بِهِ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في شَرْحِ اللُّمَعِ وَخَطَّأَ مُخَالِفَهُ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ وقد جَعَلَهُ الشَّافِعِيُّ في بَعْضِ الْمَوَاضِعِ طَرِيقَ التَّرْجِيحِ وَلَا يُعْرَفُ أَنَّهُ جَعَلَهُ وَجْهَ الْمَنْعِ من الِاسْتِدْلَالِ بِالظَّاهِرِ قلت وَلِلشَّافِعِيِّ في الْقَدِيمِ ما يَدُلُّ عليه فإنه ذَهَبَ فيه إلَى أَنَّ النَّوْمَ في الصَّلَاةِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَاَلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا قال فَأَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الْمَدْحِ وما خَرَجَ مَخْرَجَ الْمَدْحِ يُنْفَى عنه إبْطَالُ الْعِبَادَةِ وَاحْتَجَّ في الْجَدِيدِ على أَصْحَابِ مَالِكٍ في أَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ يَبْقَى إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ من حديث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ صلى الْمَغْرِبَ في الْيَوْمِ الْأَوَّلِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وفي الثَّانِي عِنْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ ثُمَّ قال ما بين هَذَيْنِ وَقْتُ الْمَغْرِبِ وَهَذَا نَصٌّ في مُسَاوَاتِهَا في الْوَقْتِ بِغَيْرِهَا فقال الْمُعْتَرِضُ يُحْمَلُ على أَنَّهُ أَرَادَ تَعْلِيمَ وَقْتِ الضَّرُورَةِ فَقِيلَ له لم يَقْصِدْ ذلك وَإِنَّمَا قَصَدَ تَعْلِيمَ أَوَائِلِ أَوْقَاتِ الِاخْتِيَارِ وَآخِرِهَا لَكِنْ نَصَّ في مَوْضِعٍ آخَرَ على مُوَافَقَةِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فإن الْحَنَفِيَّةَ احْتَجُّوا على
- أَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ أَطْوَلُ من وَقْتِ الْعَصْرِ بِقَوْلِ أَهْلِ الْكِتَابِ نَحْنُ أَكْثَرُ أَعْمَالًا وَأَقَلُّ أَجْرًا قالوا وَهَذَا يَدُلُّ على سَعَةِ الْوَقْتِ فقال لهم لم يُقْصَدْ بِالْخَبَرِ ذلك لِأَنَّ كَثْرَةَ الْعَمَلِ وَقِلَّتَهُ لَا تَدُلُّ على ما ذَكَرْتُمْ فَمُنِعَ التَّمَسُّكُ بِالْعُمُومِ في غَيْرِ مَقْصُودِهِ وَكَذَا يُمْنَعُ تَمَسُّكُ الْحَنَفِيَّةِ بِحَدِيثِ فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ على وُجُوبِ الزَّكَاةِ في الْخَضْرَاوَاتِ وقال إنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا سِيقَ لِبَيَانِ الْجُزْءِ الْوَاجِبِ لَا لِبَيَانِ الْوَاجِبِ فيه لَكِنْ الصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَإِنَّمَا لم يَقُلْ بِهِ الشَّافِعِيُّ هُنَا لِمُعَارِضٍ آخَرَ لَا لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ مَسُوقًا لِغَيْرِهِ هذا كُلُّهُ إذَا لم يُعَارِضْهُ عُمُومٌ آخَرُ لم يُقْصَدْ بِهِ الْمَدْحُ أو الذَّمُّ فَإِنْ عَارَضَهُ فَلَا خِلَافَ على الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَتَرَجَّحُ الذي لم يَسْبِقْ لِذَلِكَ فَيَجْرِي على عُمُومِهِ وَيُقْصَرُ ما سِيقَ لِلْمَدْحِ أو الذَّمِّ عَلَيْهِمَا هَكَذَا قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ في كِتَابِ التَّحْصِيلِ وأبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ في كِتَابِهِ وَالشَّيْخُ أبو حَامِدٍ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ وابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ لَكِنْ حَكَى أبو عبد اللَّهِ السُّهَيْلِيُّ من أَصْحَابِنَا وَجْهًا أَنَّهُ يُوقَفُ هَذَانِ الْعَامَّانِ إلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ الْحَالُ كَالْمُتَعَارَضِينَ وهو الْقِيَاسُ وَمِثَالُ الْمَسْأَلَةِ قَوْله تَعَالَى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ فَإِنَّهَا سِيقَتْ لِبَيَانِ أَعْيَانِ الْمُحَرَّمَاتِ دُونَ الْعَدَدِ مع قَوْله تَعَالَى فَانْكِحُوا ما طَابَ لَكُمْ من النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فإنه سِيقَ لِلْعَدَدِ وهو يَعُمُّ الْأُخْتَ وَغَيْرَهَا فَيُقْضَى بِتِلْكَ لِأَنَّهَا مَسُوقَةٌ لِبَيَانِ الْمُحَرَّمِ وَكَذَا يُقْضَى بها على أو ما مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَكَذَا قَوْلُهُ وَأَنْ تَجْمَعُوا بين الْأُخْتَيْنِ مع قَوْلِهِ أو ما مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَالْأُولَى سِيقَتْ لِبَيَانِ الْحُكْمِ فَقُدِّمَ على ما سِيَاقُهَا لِلْمَدْحِ وَكَذَا قَوْلُهُ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ إذَا قَدَّرْنَا دُخُولَ الشَّعْرِ فيها قُدِّمَ على قَوْلِهِ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ مَخْصُوصَةً بِمَا سِيقَ لِلْمَدْحِ أو الذَّمِّ بَلْ هِيَ عَامَّةٌ في كل ما سِيقَ لِغَرَضٍ كما سَبَقَ من نَحْوِ فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ وَغَيْرِهِ
- المسألة الثانية وروده على سبب خاص فتقول لا إشكال في صحة دعوى العموم فيما جاء من الشارع ابتداء كقوله مفتاح الصلاة الطهور فأما ما ذكره جوابا لسؤال فأطلق جماعة أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب بلا خلاف ولا بد في ذلك من تفصيل وهو أن الخطاب إما أن يكون جوابا لسؤال سائل أم لا فإن كان جوابا فإما أن يستقل بنفسه أو لا فإن لم يستقل بحيث لا يصح الابتداء به فلا خلاف في أنه تابع للسؤال في عمومه وخصوصه حتى كأن السؤال معاد فيه فإن كان السؤال عاما فعام أو خاصا فخاص مثال خصوص السؤال قوله تعالى فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم وقوله في الحديث أينقص الرطب إذا جف قالوا نعم قال فلا إذن وكقول القائل وطئت في نهار رمضان عامدا فيقول عليك الكفارة فيجب قصر الحكم على السائل ولا يعم غيره إلا بدليل من خارج على أنه عام في المكلفين أو في كل من كان بصفته ومثال عمومه ما لو سئل عمن جامع امرأته في نهار رمضان فقال يعتق
- رقبة فهذا عام في كل واطئ في رمضان وقوله يعتق وإن كان خاصا بالواحد لكنه لما كان جوابا عمن جامع امرأته بلفظ يعم كل من جامع كان الجواب كذلك وصار السؤال معادا في الجواب واختلف أصحابنا في المعنى الذي لأجله حمل هذا الحكم على العموم فقيل لأنه لما لم يستفصل بأي شيء أفطرت دل على أن الحكم باختلاف ما يقع به الفطر وضعف باحتمال علمه بالحال فأجاب على ما علم وقيل لما نقل السبب وهو الفطر فحكم فيه بالعتق صار كأنه علل وجوب العتق بوجود الفطر لأن السبب في الحكم تعليل وهذا موجود في غير السائل وهذا أصح وقيل من قوله حكمي على الواحد حكمي على الجماعة قال الغزالي وهذا يشترط فيه أن يكون حال غير المحكوم عليه كحاله وكل وصف مؤثر للحكم وجعل القاضي في التقريب من هذا الضرب قوله أنتوضأ بماء البحر فقال هو الطهور ماؤه فقال لأن الضمير لا بد له من تعلق بمذكور قبله ولا يحسن أن يبتدأ به وفيه نظر لأن هذا ضمير الشأن ومن شأنه صدر الكلام وإن لم يتعلق بما قبله وقد رجع القاضي في موضع آخر فجعله من القسم الثاني وهو الصواب وبه صرح ابن برهان وغيره وإن استقل الجواب بنفسه بحيث لو ورد مبتدأ لكان كلاما تاما مفيدا للعموم فهو على ثلاثة أقسام لأنه إما أن يكون أخص أو مساويا أو أعم الأول أن يكون مساويا له لا يزيد عليه ولا ينقص كما لو سئل عن ماء بضاعة وماء البحر فقال لا ينجسه شيء فيجب حمله على ظاهره بلا خلاف كما قاله ابن فورك والأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني وابن القشيري وغيرهم وكذا قال أبو الحسين في المعتمد لا شك في كونه مقصودا فيه ولا يجوز خروج شيء من السؤال عن الجواب إلا بدليل ومثل القاضي أبو الطيب في شرح الكفاية هذا القسم بحديث المجامع في نهار رمضان قال والظاهر تعلق الحكم الذي هو الإعتاق بالوقوع المذكور تعلق الحكم بالعلة لأن السبب هو الذي اقتضى الحكم وآثاره فيعم كل من وجد فيه ذلك قال ولهذا قلنا فيما روي أن أعرابيا جاء إلى النبي عليه السلام وعليه جبة
- مضمخ بالخلوق فقال وعلى هذه الجبة فقال أحرمت انزع الجبة واغسل الصفرة ولم يأمره بالفدية فدل على أن الفدية غير واجبة والسبب علق الحكم بمثله وظاهر كلام الأستاذ أبي منصور جريان الخلاف إلا في هذا القسم أيضا وقال ابن الصباغ في العدة ذكر القاضي أبو الطيب في شرح الكفاية أن المخاطب بذلك يكون أصلا وكل من فعل فعلا مثله يكون فرعا له بعلة تعدت إليه كما كان الأرز فرعا للبر في إثبات الربا فيه قال وهذا فيه نظر لأن خطابه صلى الله عليه وسلم لواحد خطاب للجماعة بالإجماع ولو كان غيره فرعا له لكان هو أيضا فرعا لنفسه وهو محال الثاني أن يكون الجواب أخص من السؤال مثل أن يسأل عن أحكام المياه فيقول ماء البحر طهور فيخص الجواب بالبعض ولا يعم بعموم السؤال بلا خلاف قاله الأستاذ أبو منصور وابن القشيري وغيرهما لكن كلام الأستاذ أبي إسحاق يقتضي جريان الخلاف فيه قال ابن القشيري ولا يجوز أن يصدر مثل هذا من النبي صلى الله عليه وسلم إلا إذا علم أن الحاجة إنما تمس إلى بيان ما خصصه بالذكر أما إذا علم أن الحاجة عامة في بيان جملة المياه فتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ولهذا قال المازري إن قيل هل يجوز أن لا يطابق النبي صلى الله عليه وسلم السؤال بزيادة أو نقص قلنا أما الزيادة فنعم كقوله الحل ميتته وقد سئل عن الماء وأما النقصان فإن مست الحاجة إلى بيان جميعه ولم يكن في المذكور تنبيه على المسكوت عنه لم يجز وإن كان فيه تنبيه يعلم به السامع حكم المسكوت عنه قبل فوت الحادثة فإن ذلك لا يسوغ فإن لم تمس الحاجة إليه فعلى الخلاف في تأخير البيان وقال القاضي أبو بكر وابن فورك وصاحب المعتمد وغيرهم هذا لا يجوز إلا بثلاثة شروط أن ينبه في الجواب على حكم غيره وأن يكون السائل مجتهدا وإلا لم
- يفد التنبيه ولعلهم أرادوا بالمجتهد من له قوة التنبه وإن لم يبلغ رتبة الاجتهاد وأن يبقى من زمن العمل وقت متسع للاجتهاد فيجيبه النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض ما سأله وينبهه بذلك على جواز البعض الآخر بطريق من طرق العلة كقوله لعمر حين سأله عن القبلة للصائم أرأيت لو تمضمضت وقوله للخثعمية أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أينفعه ذلك قالت نعم قال فدين الله أحق أن يقضى قال وحكمه حينئذ كحكم السؤال لكن لا يسمى عاما لدلالة التنبيه ومتى انتفى شرط من الثلاثة لا يجوز أن يجيب المسئول فيها عن البعض للإخلال بما يجب بيانه ومثل القاضي في شرح الكفاية هذا القسم بما لو سئل عن قتل النساء الكوافر فقال اقتلوا المرتدات قال فيختص القتل بهن ولا تقتل الحربيات لأجل دليل الخطاب ولأن عدوله عن الجواب العام إلى الخاص دليل على قصد المخالفة قال ولهذا قال أصحابنا في حديث جعلت لي الأرض مسجدا وتربتها طهورا علق على اسم الأرض كونها مسجدا وعلق على تربتها كونه طهورا فدل على قصد المخالفة بين المسجد والطهورية خلاف قول الحنفية إن الأرض كلها مسجد وطهور ومنه احتجاج أصحابنا بقوله تعالى أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم إلى قوله حتى يضعن حملهن فأوجب السكنى مطلقا والنفقة بشرط الحمل فدل على قصد المخالفة بينهما وأن المبتوتة الحائل لا نفقة لها ومثل الأستاذ أبو إسحاق هذا القسم بقول السائل هلكت وأهلكت فقال اعتق رقبة فأجاب بما يلزمه ولم يتعرض لحكم الموطوءة قال فمن أسقط السبب واعتبر اللفظ جعله ظاهرا فيها وطلب دلالة في حكمها الثالث أن يكون الجواب أعم من السؤال فيتناول ما سئل عنه وعن
- غيره فهو قسمان أحدهما أن يكون أعم منه في حكم آخر غير ما سئل عنه كسؤالهم عن التوضؤ بماء البحر وجوابه بقوله هو الطهور ماؤه الحل ميتته فلا خلاف أنه عام لا يختص بالسائل ولا بمحل السؤال من ضرورتهم إلى الماء وعطشهم بل يعم حال الضرورة والاختيار قاله أبو بكر بن فورك وصاحب المعتمد والمحصول لكن صرح القاضي أبو الطيب وابن برهان بجريان الخلاف الآتي في هذا القسم وجعل الأستاذ أبو إسحاق هذا الحديث من قسم المساوي وفيه نظر الثاني أن يكون أعم منه في ذلك الحكم الذي سأل عنه كقوله وقد سئل عن بئر بضاعة الماء طهور لا ينجسه شيء وعمن اشترى عبدا فاستعمله ثم وجد به عيبا الخراج بالضمان وفيه مذاهب أحدها وبه قال بعض أصحابنا ونسبه المتأخرون للشافعي أنه يجب قصره على ما أخرج عليه السؤال ونسبه الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ وسليم الرازي وابن برهان وابن السمعاني إلى المزني وأبي ثور والقفال والدقاق وفي نسبة ذلك للقفال نظر وهو ظاهر كلام الخفاف في الخصال فإنه جعل من المخصصات خروج الكلام على معهود متقدم ونسبه الأستاذ أبو منصور إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري قال وعليه يدور كلامه في كثير من الآيات يقتصر بها على أسبابها التي ترتب فيها ويجعلها تفسيرا لها ودلالة على المراد باللفظ ونسبه القاضي عبد الوهاب والباجي لأبي الفرج من أصحابهم ونسبه الإمام في البرهان لأبي حنيفة وقال إنه الذي صح عندنا من مذهب الشافعي وكذا قال الغزالي في المنخول وتبعه في المحصول والذي في كتب الحنفية وصح عن الشافعي خلافه كما سيأتي نقله القاضي أبو الطيب والماوردي وابن برهان وابن السمعاني عن مالك قال الماوردي ولهذا لو قذف زوجته ثم وطئها لم يلاعن عنده ويجعل الوطء تكذيبا له لأن آية اللعان وردت في العجلاني على سبب خاص وهو قوله رأيت بعيني وسمعت بأذني وما قربتها منذ سمعت وقصد بذلك أنه ترك إصابتها مدة طويلة واقتضى أن يكون ترك إصابتها شرطا في جواز لعانها
- والثاني أنه يجب حمله على العموم لأن عدول المجيب عن الخاص المسئول عنه إلى العام دليل على إرادة العموم ولأن الحجة في اللفظ وهو مقتضى العموم ووروده على السبب لا يصلح معارضا لجواز أن يكون المقصود عند ورود السبب بيان القاعدة العامة لهذه الصورة وغيرها وهذا مذهب الشافعي كما قاله الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والماوردي وابن برهان في الأوسط وذكر ابن السمعاني في القواطع أن عامة الأصحاب يسنده إلى الشافعي واختاره أبو بكر الصيرفي وابن القطان وقال الأستاذ أبو إسحاق وابن القشيري وإلكيا الطبري والغزالي إنه الصحيح وبه جزم القفال الشاشي في كتابه فقال والأصل أن العموم له حكم إلا أن يخصه دليل والدليل قد يختلف فإن كان في الحال دلالة يعقل بها المخاطب أن جوابه العام يقتصر به على ما أجيب عنه أو على جنسه فذاك وإلا فهو عام في جميع ما يقع عليه عمومه ثم قال والأصل في ذلك أن الأحكام لا يخلو أكثرها عن سبب وأمر يحدث ولا ينظر إلى ذلك وإنما النظر إلى الحكم كيف مورده فإن ورد عاما لم يخص إلا بدليل وإن ورد مطلقا لم يقيد إلا بدليل لأن الأسباب متقدمة والأحكام بعدها فقد ينظمها مع تقدمها كما أن الأحكام لا يخلو أكثرها من أن يقضى به على غير أولها أو فمها وليس في ذلك ما يوجب الاقتصار بالخطاب على العين هذا كلامه وقال القاضي ابن كج في كتابه في الأصول ذهب عامة أصحابنا إلى أن الحكم للفظ وبه قال أبو حنيفة وهو مذهب الشافعي قال نصا والأسباب لا تصنع شيئا وإنما الحكم للألفاظ وقال قوم من أصحابنا إن الحكم للسبب وادعوا أن ذلك مذهب الشافعي لأنه قال في قوله إنما الربا في النسيئة إنه خرج عن سؤال السائل لأنه سأل عن الربا في الجنس انتهى وحكاه الأستاذ أبو منصور عن أكثر أصحابنا والحنفية وحكاه القاضي عبد الوهاب عن الحنفية وأكثر الشافعية والمالكية وحكاه الباجي عن أكثر المالكية والعراقيين إسماعيل القاضي والقاضي أبي بكر وابن خويز منداد وغيرهم وقال
- إنه الصحيح عندي انتهى وقال القاضي في التقريب إنه الصحيح لأن الحكم يتعلق بلفظ الرسول دون ما وقع عليه السؤال ولو قال ابتداء لوجب حمله على العموم فكذلك إذا صدر جوابا وقال الباجي روي عن مالك المذهبان وقال القاضي أبو بكر روي عن الشافعي المذهبان لأنه جعل الخراج بالضمان عاما وحمله على جميع المبيعات ولم يخصه بمال وهو العبد وقال في موضع آخر إن قوله إنما الربا في النسيئة يحتمل أن يكون خارجا عن سؤال سائل فيجب قصره عليه انتهى مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ في جَوَابٍ يَكُونُ أَعَمَّ من السُّؤَالِ وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُ الْقَوْلُ بِالْعُمُومِ وَفُرُوعُ مَذْهَبِهِ تَدُلُّ عليه وقد نَصَّ في الْأُمِّ في كِتَابِ الطَّلَاقِ على أَنَّ الْعَمَلَ لِلْأَلْفَاظِ وَلَا تَعْمَلُ الْأَسْبَابُ شيئا لِأَنَّ السَّبَبَ قد يَكُونُ وَيَحْدُثُ الْكَلَامُ على غَيْرِ السَّبَبِ وَلَا يَكُونُ مُبْتَدَأُ الْكَلَامِ الذي حَكَمَ وَخَدَشَ بَعْضُهُمْ في هذا فإن الشَّافِعِيَّ إنَّمَا ذَكَرَ ذلك في مَعْرِضِ أَنَّ الْغَضَبَ وَغَيْرَهُ من الْأَسْبَابِ التي يَرِدُ عليها الطَّلَاقُ لَا يَدْفَعُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ وَنَحْنُ نَقُولُ بَلْ الْعِبْرَةُ في كَلَامِ الشَّافِعِيِّ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ وَقَوْلُهُ لَا عَمَلَ لِلْأَسْبَابِ على عُمُومِهِ وَلَا يَخُصُّهُ سِيَاقُهُ وقال في الْأُمِّ في بَابِ بَيْعِ الْعَرَايَا لِلْأَغْنِيَاءِ ما نَصُّهُ وَاَلَّذِي أَذْهَبُ إلَيْهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِأَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم حين أَحَلَّهَا لم يذكر أنها تَحِلُّ لِأَحَدٍ دُونَ أَحَدٍ كما قال تَحِلُّ لَك وَلِمَنْ كان مِثْلَك كما قال في التَّضْحِيَةِ بِالْجَذَعَةِ تَجْزِيكَ وَلَا تَجْزِي عن أَحَدٍ بَعْدَك وَكَمَا حَرَّمَ اللَّهُ الْمَيْتَةَ فلم يُرَخِّصْ فيها إلَّا لِلْمُضْطَرِّ وَكَثِيرٌ من الْفَرَائِضِ نَزَلَ بِأَسْبَابِ قَوْمٍ وكان لهم وَلِلنَّاسِ عَامَّةً إلَّا ما بَيَّنَ اللَّهُ أَنَّهُ أَحَلَّ لِغَيْرِهِ ضَرُورَةً أو حَاجَةً انْتَهَى وقد نَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ عنه عِنْدَ الْكَلَامِ في أَنَّ قَرِينَةَ الْغَضَبِ لَا تَجْعَلَ الْكِنَايَةَ صَرِيحًا أَنَّهُ إذَا كان لَفْظُهُ عَامًّا لم أَعْتَبِرْ خُصُوصَ السَّبَبِ وَإِنْ كان خَاصًّا لم أَعْتَبِرْ عُمُومَ السَّبَبِ وقال الرَّافِعِيُّ في كِتَابِ الْأَيْمَانِ لو مَنَّ عليه بِمَالٍ فقال وَاَللَّهِ لَا أَشْرَبُ لَك مَاءً من عَطَشٍ انْعَقَدَتْ الْيَمِينُ على الْمَاءِ وَحْدَهُ وقال مَالِكٌ بِكُلِّ ما
- يَنْتَفِعُ بِهِ من مَالِهِ قال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ وَسَبَبُ الْخِلَافِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ عِنْدَنَا بِاللَّفْظِ وَبِهِ أَعْتُبِرَ عُمُومُهُ وَإِنْ كان السَّبَبُ خَاصًّا وَخُصُوصُهُ وَإِنْ كان السَّبَبُ عَامًّا وَعِنْدَهُ الِاعْتِبَارُ بِالسَّبَبِ دُونَ اللَّفْظِ وقد أَنْكَرَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ في مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ على من نَقَلَ عنه الْقَوْلَ الْأَوَّلَ وقال مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَصِحَّ هذا النَّقْلُ عنه كَيْفَ وَكَثِيرٌ من الْآيَاتِ نَزَلَ في أَسْبَابِ خَاصَّةٍ ثُمَّ لم يَقُلْ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّهَا مَقْصُورَةٌ على تِلْكَ الْأَسْبَابِ وَالسَّبَبُ في وُقُوعِ هذا النَّقْلِ الْفَاسِدِ أَنَّهُ يقول بِأَنَّ دَلَالَتَهُ على سَبَبِهِ أَقْوَى لِأَنَّهُ لَمَّا وَقَعَ السُّؤَالُ عن تِلْكَ الصُّورَةِ لم يَجُزْ أَنْ لَا يَكُونَ اللَّفْظُ جَوَابًا عنه وَلَا تَأَخَّرَ الْبَيَانُ عن وَقْتِ الْحَاجَةِ وأبو حَنِيفَةَ عَكَسَ ذلك وقال دَلَالَتُهُ على سَبَبٍ على النُّزُولِ أَضْعَفُ وَحُكِمَ بِأَنَّ الرَّجُلَ لَا يَلْحَقُهُ وَلَدُ أَمَتِهِ وَإِنْ وَطِئَهَا ما لم يُقِرَّ بِالْوَلَدِ مع أَنَّ قَوْلَهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ إنَّمَا وَرَدَ في أَمَةٍ وَالْقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ في عبد ابْنِ زَمْعَةَ فَبَالَغَ الشَّافِعِيُّ في الرَّدِّ على من يُجَوِّزُ إخْرَاجَ السَّبَبِ وَأَطْنَبَ في أَنَّ الدَّلَالَةَ عليه قَطْعِيَّةٌ كَدَلَالَةِ الْعَامِّ عليه بِطَرِيقِ الْعُمُومِ وَكَوْنُهُ وَارِدًا لِبَيَانِ حُكْمِهِ فَتَوَهَّمَ الْمُتَوَهِّمُ أَنَّهُ يقول إنَّ الْعِبْرَةَ بِخُصُوصِ السَّبَبِ قلت وَأَمَّا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فَاسْتَدَلَّ على أَنَّ الشَّافِعِيَّ يقول بِخُصُوصِ السَّبَبِ بِأَنَّهُ لم يَجْعَلْ قَوْله تَعَالَى قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أو دَمًا مَسْفُوحًا الْآيَةَ قَاصِرًا لِلْمُحَرَّمَاتِ في هذه الْأَشْيَاءِ قال لِوُرُودِ الْآيَةِ في الْكُفَّارِ الَّذِينَ كَانُوا يُحِلُّونَ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَيَتَحَرَّجُونَ عن كَثِيرٍ من مُبَاحَاتِ الشَّرْعِ فَكَانَتْ سَجِيَّتُهُمْ تُخَالِفُ وَضْعَ الشَّرْعِ وَتُضَادُّهُ وكان الْغَرَضُ منه إبَانَةَ كَوْنِهِمْ على مُضَادَّةِ الْحَقِّ فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قال لَا حَرَامَ إلَّا ما حَلَّلْتُمُوهُ وَالْقَصْدُ الرَّدُّ عليهم فَقَطْ قال وَلَوْلَا سَبْقُ الشَّافِعِيِّ إلَى ذلك ما كان يَسْتَجِيزُ مُخَالَفَةَ تِلْكَ في مَصِيرِهِ إلَى حَصْرِ الْمُحَرَّمَاتِ فِيمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى في هذه الْآيَاتِ انْتَهَى وَتَبِعَهُ ابن الْقُشَيْرِيّ
- وَذَكَرَ غَيْرُهُ مَوَاضِعَ في كَلَامِ الشَّافِعِيِّ يُؤْخَذُ منها ذلك منها أَنَّهُ قال في قَوْلِهِ عليه السَّلَامُ الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ خَرَجَ على سَبَبٍ وهو بِئْرُ بُضَاعَةَ فَقَصَرَهُ على سَبَبِهِ وقال في اخْتِلَافِ الحديث أَمَّا حَدِيثُ بِئْرِ بُضَاعَةَ فإن بِئْرَ بُضَاعَةَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ وَاسِعَةٌ كان يُطْرَحُ فيها من الْأَنْجَاسِ ما لَا يُغَيِّرُ لها لَوْنًا وَلَا طَعْمًا وَلَا رِيحًا فَقِيلَ أَنَتَوَضَّأُ منها وَيُطْرَحُ فيها كَذَا فقال عليه السَّلَامُ مُجِيبًا الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ وكان جَوَابُهُ مُحْتَمِلًا كُلَّ مَاءٍ وَإِنْ قَلَّ وَبَيَّنَّا أَنَّ في الْمَاءِ مِثْلَهَا إذَا كان مُجِيبًا عليها فَلِمَا رَوَى أبو هُرَيْرَةَ عن النبي عليه السَّلَامُ أَنْ يُغْسَلَ الْإِنَاءُ من وُلُوغِ الْكَلْبِ سَبْعًا دَلَّ على أَنَّ جَوَابَهُ في بِئْرِ بُضَاعَةَ عليها وكان الْعِلْمُ أَنَّهُ على مِثْلِهَا أو أَكْثَرِ منها وَلَا يَدُلُّ حَدِيثُ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَحْدَهُ على أَنَّ ما دُونَهَا من الْمَاءِ لَا يُنَجَّسُ وَكَانَتْ آنِيَةُ الناس صِغَارًا وكان في حديث الْوُلُوغِ دَلِيلٌ على أَنَّ قَدْرَ مَاءِ الْإِنَاءِ يُنَجَّسُ بِمُخَالَطَةِ النَّجَاسَةِ له وَإِنْ لم يُغَيَّرْ انْتَهَى وقال في قَوْلِهِ إنَّمَا الرِّبَا في النَّسِيئَةِ إنَّهُ خَرَجَ على سُؤَالِ سَائِلٍ فَقَصَرَهُ وَمِنْهَا قَوْلُهُ إنَّ جِلْدَ الْكَلْبِ لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ وَجُعِلَ قَوْلُهُ أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ خَاصًّا بِالْمَأْكُولِ فَقَدْ قَصَرَهُ على سَبَبِهِ وَمِنْهَا أَنَّهُ خَصَّصَ النَّهْيَ عن قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ بِالْحَرْبِيَّاتِ لِخُرُوجِهِ على سَبَبٍ وهو أَنَّهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم مَرَّ بِامْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ في بَعْضِ غَزَوَاتِهِ فقال لِمَ قُتِلَتْ وَهِيَ لَا تُقَاتِلُ وَنَهَى عن قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ فَعُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ الْحَرْبِيَّاتِ وَتَخَلَّصَ بِذَلِكَ عن اسْتِدْلَالِ أبي حَنِيفَةَ بِهِ على مَنْعِ قَتْلِ الْمُرْتَدَّةِ فَقَدْ أَلْغَى الشَّافِعِيُّ التَّعْمِيمَ وَقَصَرَهُ على السَّبَبِ وَمِنْهَا قال الْمَاوَرْدِيُّ في الْحَاوِي لَا يَخْتَلِفُ أَصْحَابُنَا أَنَّ الصَّوْمَ في السَّفَرِ أَفْضَلُ من الْفِطْرِ لِأَنَّ الْفِطْرَ مَضْمُونٌ بِالْقَضَاءِ وَأَمَّا قَوْلُهُ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ليس من
- الْبِرِّ الصِّيَامُ في السَّفَرِ فَهَذَا وُرُودٌ على سَبَبٍ وهو أَنَّهُ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَرَّ بِرَجُلٍ وقد أَحْدَقَ بِهِ الناس فَسَأَلَ عنه فَقِيلَ مُسَافِرٌ قد أَجْهَدَهُ الصَّوْمُ فقال ليس من الْبِرِّ الصِّيَامُ في السَّفَرِ وَعِنْدَنَا أَنَّ من أَجْهَدَهُ الصَّوْمُ فَفِطْرُهُ أَوْلَى ا هـ قُلْت وَهَذَا كُلُّهُ لَا يَنْبَغِي السَّبَقُ بِهِ إلَى نِسْبَةِ الشَّافِعِيِّ إلَى اعْتِبَارِ خُصُوصِ السَّبَبِ أَمَّا ما ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فَلَيْسَ ذلك مُصَيِّرًا إلَى اعْتِبَارِ السَّبَبِ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لم يَأْخُذْ التَّخْصِيصَ هُنَا من السَّبَبِ وَإِنَّمَا أَخَذَهُ من التَّأْوِيلِ في اللَّفْظِ وَلَهُ مَحَامِلُ وَقَصْدُهُ بِذَلِكَ تَطَرُّقُ التَّأْوِيلِ إلَى الْآيَةِ التي تَمَسَّكَ بها مَالِكٌ وَلَوْلَا فَتْحُ هذا الْبَابِ لَكَانَتْ الْآيَةُ نَصًّا في الْحَصْرِ وَهِيَ من أَوَاخِرِ ما نَزَلَ من الْقُرْآنِ وَلَا نَسْخَ فيها وَيَدُلُّ على ذلك إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ على تَحْرِيمِ الْحَشَرَاتِ وَالْقَاذُورَاتِ وَالْعُذُرَاتِ ولم تَنْطَوِ الْآيَةُ عليها وَكَيْفَ تَجْرِي الْآيَةُ مع هذا على الْعُمُومِ وَالثَّانِي أَنَّ النِّزَاعَ في هذه الْمَسْأَلَةِ حَيْثُ لَا دَلِيلَ يُصْرَفُ إلَى السَّبَبِ وَالشَّافِعِيُّ إنَّمَا قَصَرَ الْآيَةَ على سَبَبِهَا لَمَّا وَرَدَتْ السُّنَّةُ بِمُحَرَّمَاتٍ كَثِيرَةٍ كَالْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَكُلِّ ذِي نَابٍ من السِّبَاعِ وَذَكَرَ الْآيَةَ الْأُخْرَى على جَمْعِ الْخَبَائِثِ فَجَمَعَ الشَّافِعِيُّ بين الْأَدِلَّةِ كُلِّهَا بِأَنْ قَصَرَ آيَةَ الْإِبْهَامِ على سَبَبِهَا وقد أَشَارَ الشَّافِعِيُّ إلَى ذلك في الرِّسَالَةِ وهو أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ وَأَمَّا حَدِيثُ الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ وإنما الرِّبَا في النَّسِيئَةِ فَإِنَّمَا فَعَلَ ذلك كما قال أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ وَغَيْرُهُ لِأَنَّهُ رَأَى الْأَخْبَارَ تَعَارَضَتْ فلم يُمْكِنْ اسْتِعْمَالُهَا على ظَاهِرِهَا فَحَمَلَهَا على السَّبَبِ لِلتَّعَارُضِ وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الدِّبَاغِ فلم يَقْصُرْ الْحُكْمَ على السَّبَبِ وَإِلَّا لَقَصَرَهُ على خُصُوصِ الشَّاةِ بَلْ سَائِرُ جِلْدِ الْمَأْكُولِ عِنْدَهُ سَوَاءٌ وَإِنَّمَا أُخْرِجَ جِلْدُ الْكَلْبِ عن الْعَامِّ بِدَلِيلٍ وَكَذَا مَسْأَلَةُ الْقَطْعِ وَأَمَّا ما قَالَهُ في النَّهْيِ عن قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ فإنه إنَّمَا قَصَرَهُ على سَبَبِهِ لَمَّا
- عَارَضَهُ قَوْلُهُ من بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ ولم يَكُنْ بِهِ من تَخْصِيصِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ فَوَجَبَ تَخْصِيصُ الْوَارِدِ على سَبَبِهِ وَحُمِلَ الْآخَرُ على عُمُومِهِ لِأَنَّ السَّبَبَ من أَمَارَاتِ التَّخْصِيصِ ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ في الْحَاوِي وَأَمَّا ما قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ حَدِيثُ ليس من الْبِرِّ الصِّيَامُ في السَّفَرِ فَإِنَّمَا اعْتَبَرَ السَّبَبَ لِقَصْدِ الْجَمْعِ بين الْأَحَادِيثِ كَنَظِيرِ ما سَبَقَ في بِئْرِ بُضَاعَةَ كَيْفَ وقد نَصَّ في كِتَابِ اللِّعَانِ على أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ في إقَامَةِ الدَّلِيلِ عليه وَأَمَّا حَدِيثُ الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ فقال الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ في أُصُولِهِ قَصَرَهُ أَصْحَابُنَا على سَبَبِهِ وهو فيه عَبْدٌ بِيعَ فَظَهَرَ فيه عَيْبٌ فَجَهِلَ لِمُشْتَرِيهِ خَرَاجُهُ لِضَمَانِهِ إيَّاهُ لو تَلِفَ قال فَجَعَلَ أَصْحَابُنَا ذلك حُكْمًا في الْبُيُوعِ دُونَ الْغُصُوبِ وَإِنْ كانت الْغُصُوبُ مَضْمُونَةً وقد خَالَفَهُمْ في ذلك غَيْرُهُمْ ا هـ وقال الْقَاضِي الْحُسَيْنُ في تَعْلِيقِهِ الْغَاصِبُ يَضْمَنُ مَنْفَعَةَ الْمَغْصُوبِ اسْتَوْفَاهَا أَمْ لَا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ وَأَجَابَ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ الْخَبَرَ وَرَدَ في خَرَاجِ الْمِلْكِ فإنه وَرَدَ في الْمُشْتَرِي إذَا اسْتَعْمَلَ الْمَبِيعَ ثُمَّ اطَّلَعَ على عَيْبٍ فَأَرَادَ الرَّدَّ ا هـ هذا من الْقَفَّالِ وَالْقَاضِي اعْتِبَارًا لِلسَّبَبِ وَاعْتَرَضَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ رَوَى هذا الحديث بِلَفْظِ أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قَضَى أَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فيه إذْ لَا عُمُومَ لِمِثْلِ هذه الصِّيغَةِ على الْأَصَحِّ كما فِيمَنْ قَضَى بِالشُّفْعَةِ قُلْت لَكِنْ رَوَاهُ أبو دَاوُد عن عَائِشَةَ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قال الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ وَهَذِهِ صِيغَةٌ عَامَّةٌ ثُمَّ رَأَيْت الشَّافِعِيَّ قال في الْبُوَيْطِيِّ وَالْحُجَّةُ في أَنَّ على الْغَاصِبِ غَلَّةُ ما اغْتَصَبَهُ وَإِنْ لم يَسْكُنْ الدَّارَ ولم يَرْكَبْ الدَّابَّةَ حَدِيثُ مُجَالِدِ بن خَلَّافٍ حين قال له النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ وَإِنَّمَا ذلك في عَبْدٍ وَلَيْسَ بِعَيْبِهِ فَقَضَى النبي عليه السَّلَامُ بِالْغَلَّةِ لِمَالِك الرَّقَبَةِ فَذَلِكَ يَقْضِي بِالْغَلَّةِ لِمَالِكِ الرَّقَبَةِ وهو الْمَغْصُوبُ منه لِأَنَّهُ مَالِكُ الشَّيْءِ ا هـ وَهَذَا الِاسْتِدْلَال يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ وقد قال ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ قِيلَ إنَّ الشَّافِعِيَّ أَشَارَ إلَى اعْتِبَارِ خُصُوصِ السَّبَبِ في بِئْرِ بُضَاعَةَ وقال في قَوْلِهِ الْمَاءُ لَا
- يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ مَقْصُودٌ على سَبَبِهِ وقال في قَوْلِهِ لَا قَطْعَ في ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ أَنَّهُ خَرَجَ على عَادَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ في ثِمَارِهِمْ وَأَنَّهَا لم تَكُنْ في مَوَاضِعَ مُحَوَّطَةٍ وَسَائِرُ الْأَصْحَابِ قالوا إنَّمَا قال الشَّافِعِيُّ هذا لِأَدِلَّةٍ دَلَّتْ عليه فَأَمَّا إذَا لم يَكُنْ هُنَاكَ دَلِيلٌ على التَّخْصِيصِ فَمَذْهَبُهُ إجْرَاءُ اللَّفْظِ على عُمُومِهِ ا هـ وقال أبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ في أُصُولِهِ وأبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ أَيْضًا كُلُّ خِطَابٍ حَصَلَ عِنْدَ حُدُوثِ مَعْنًى فَإِنْ كان في الْخِطَابِ أو غَيْرِهِ دَلَالَةٌ على أَنَّهُ أَرَادَ الْحُكْمَ في الْمَعْنَى فَالنَّظَرُ إلَى الْمَعْنَى ابْتِدَاءً سَوَاءٌ كان أَعَمَّ من الِاسْمِ أو أَخَصَّ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ على اعْتِبَارِ الْمَعْنَى وَإِنْ لم تَقُمْ دَلَالَةٌ فَالْحُكْمُ لِلِاسْمِ حتى يَقُومَ الدَّلِيلُ على خِلَافِهِ انْتَهَى وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ الْعَمَلُ بِالْعُمُومِ إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ يَقْتَضِي الْقَصْرَ على السَّبَبِ فَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ إلَيْهِ كما فَعَلَ في الْآيَةِ وفي حديث الْخَرَاجِ بِالضَّمَانِ وَبِئْرِ بُضَاعَةَ وَغَيْرِهَا وَحَكَاهُ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ وأبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ عن أَصْحَابِنَا وَلَا يَلْزَمُ من الْقَصْرِ على السَّبَبِ لِدَلِيلِ الْعَمَلِ بِهِ مُطْلَقًا فَمِنْ هَاهُنَا مَثَارُ الْغَلَطِ على الشَّافِعِيِّ فَقَدْ عَمِلُوا بِحَدِيثِ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ مُطْلَقًا في الْإِمَاءِ وَالْحَرَائِرِ وَالْأَمَةِ الْمَمْلُوكَةِ وَالْمَنْكُوحَةِ مع أَنَّهُ وَرَدَ في التَّدَاعِي في وَلَدِ الْمَمْلُوكَةِ وَعَمِلُوا بِحَدِيثِ الْعَرَايَا مُطْلَقًا لِلْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ مع أَنَّ الرُّخْصَةَ إنَّمَا وَرَدَتْ في الْفُقَرَاءِ وَكَذَلِكَ مَشْرُوعِيَّةُ الرَّمَلِ ثَبَتَتْ مُطْلَقًا وَإِنْ وَرَدَ على سَبَبٍ خَاصٍّ وقد زَالَ وَاتَّفَقَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ على أَنَّ الْمُحْرِمَ يَحْصُرُهُ عَدُوٌّ أَنَّهُ يَتَحَلَّلُ سَوَاءٌ كان الْمَانِعُ مُسْلِمًا أو كَافِرًا لِعُمُومِ الْآيَةِ وَإِنْ كانت قد وَرَدَتْ على سَبَبٍ خَاصٍّ وهو صَدُّ الْمُشْرِكِينَ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم عن الْبَيْتِ أو يُقَالُ إنَّ الْعَامَّ الْوَارِدَ على سَبَبٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ وَرَدَ مَقْصُودًا بِهِ حَقِيقَةُ السَّبَبِ وَمُؤَثِّرًا في دَفْعِهِ وَإِمَّا أَنْ يَرِدَ لِقَصْدِ التَّشْرِيعِ وَالْأَوَّلُ هو مُرَادُ الشَّافِعِيِّ بِالْحَمْلِ على الْخُصُوصِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ فيه خِلَافٌ وَالثَّانِي هو الْمُرَادُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ وَيَشْهَدُ لِهَذَا التَّقْرِيرِ أَنَّ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيَّ لَمَّا جَزَمَ الْقَوْلَ بِالْحُكْمِ بِعُمُومِ اللَّفْظِ قال
- يَعُمُّ الْعَامُّ الذي لم يَرِدْ على سَبَبٍ أَقْوَى وَهَذَا دُونَهُ قال وَلَا جُرْمَ قال الشَّافِعِيُّ إنَّ قَوْله تَعَالَى قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا الْآيَةَ لَا نَرَى دَلَالَتَهُ على حَصْرِ الْمُحَرَّمَاتِ فِيمَا رَآهُ مَالِكٌ فإنه نَزَلَ على سَبَبٍ وهو عَادَةُ الْعَرَبِ في تَنَاوُلِ الْمَوْقُوذَةِ وَالْمُتَرَدِّيَةِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ لَا مُحَرَّمَ مِمَّا يَأْكُلُونَ إلَّا كَذَا وَكَذَا يَعُمُّ قد بَانَ الشَّرْعُ بِصِيغَةٍ في تَمْهِيدِ قَاعِدَةٍ ثُمَّ يُجْعَلُ مَحَلُّ السُّؤَالِ كَالْفَرْعِ له أو كَالْمِثَالِ فَذَلِكَ لَا يُوهِنُ التَّعَلُّقَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ كَقَوْلِهِ إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ثُمَّ قال فَمَنْ كانت هِجْرَتُهُ الحديث وَمَحَلُّ السُّؤَالِ الْهِجْرَةُ وَلَكِنْ اللَّفْظُ لَا يَتَأَثَّرُ وَلَا يَنْحَطُّ عن غَيْرِهِ على ما قَالَهُ الْإِمَامُ وَفِيهِ بَحْثٌ ا هـ وَيَجْتَمِعُ مِمَّا سَبَقَ في الْمَنْسُوبِ لِلشَّافِعِيِّ في هذه الْمَسْأَلَةِ خَمْسَةُ طُرُقٍ أَحَدُهَا حِكَايَةُ قَوْلَيْنِ له وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي أبي بَكْرٍ وَالثَّانِيَةُ تَنْزِيلُهُمَا على حَالَيْنِ وَهِيَ الطَّرِيقَةُ التي ذَكَرْتُهَا أَخِيرًا وَالثَّالِثَةُ الْقَطْعُ بِاعْتِبَارِ السَّبَبِ وَهِيَ طَرِيقَةُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالرَّابِعَةُ الْقَطْعُ بِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ وَهِيَ الْمَشْهُورُ الْخَامِسَةُ الْقَطْعُ بِاعْتِبَارِهِ فِيمَا لم يَقُمْ دَلِيلٌ على الْقَصْرِ على السَّبَبِ وَهِيَ في الْحَقِيقَةِ مُنَقِّحَةٌ لِلرَّابِعَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بَقِيَّةُ الْمَذَاهِبِ فِيمَا إذَا كان الْجَوَابُ أَعَمُّ من السُّؤَالِ وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ الْوَقْفُ فإنه يَحْتَمِلُ الْبَعْضَ وَيَحْتَمِلُ الْكُلَّ فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ حَكَاهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ الرَّابِعُ التَّفْصِيلُ بين أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ سُؤَالَ سَائِلٍ فَيَخْتَصُّ بِهِ وَأَنْ يَكُونَ وُقُوعَ حَادِثَةٍ فَلَا حَكَاهُ عبد الْعَزِيزِ في شَرْحِ الْبَزْدَوِيِّ وَالْخَامِسُ إنْ عَارَضَهُ عُمُومٌ خَرَجَ ابْتِدَاءً بِلَا سَبَبٍ قَصَرَ ذلك على سَبَبِهِ وَإِنْ لم يُعَارِضْهُ فَالْعِبْرَةُ بِعُمُومِهِ قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ هذا هو الصَّحِيحُ قال وَلِذَلِكَ قَصَرْنَا نَهْيَهُ عليه السَّلَامُ عن قَتْلِ النِّسَاءِ على الْحَرْبِيَّاتِ دُونَ الْمُرْتَدَّاتِ لِمُعَارَضَتِهِ قَوْلَهُ من بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ وقد يُقَالُ هذا عَيْنُ الْمَذْهَبِ الثَّانِي لِأَنَّ الْمُعَمِّمِينَ شَرَطُوا عَدَمَ الْمُعَارِضِ الْخِطَابُ الْوَارِدُ على سَبَبٍ لِوَاقِعَةٍ وَقَعَتْ هذا كُلُّهُ في الْخِطَابِ الْخَارِجِ جَوَابًا لِسُؤَالٍ فَأَمَّا إذَا لم يَكُنْ كَذَلِكَ وَلَكِنْ وَرَدَ على سَبَبٍ لِوَاقِعَةٍ وَقَعَتْ فقال الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ إنَّهُ يَجْرِي فيه الْخِلَافُ كَقَوْلِهِ أَيُّمَا
- إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ وَالتَّحْقِيقُ أَنْ يُقَالَ إمَّا أَنْ يَرِدَ في اللَّفْظِ قَرِينَةٌ تُشْعِرُ بِالتَّعْمِيمِ كَقَوْلِهِ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ وَالسَّبَبُ رَجُلٌ سَرَقَ رِدَاءَ صَفْوَانَ فَالْإِتْيَانُ بِالسَّارِقَةِ معه قَرِينَةٌ تَدُلُّ على عَدَمِ الِاقْتِصَارِ على الْمَعْهُودِ وَكَذَلِكَ عن الْإِفْرَادِ إلَى الْجَمْعِ كما في قَوْلِهِ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا فَإِنَّهَا نَزَلَتْ في عُثْمَانَ بن طَلْحَةَ أَخَذَ مِفْتَاحَ الْكَعْبَةِ وَتَغَيَّبَ بِهِ وَأَبَى أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَقِيلَ إنَّ عَلِيًّا أَخَذَهُ منه وَأَبَى أَنْ يَدْفَعَهُ إلَيْهِ فَنَزَلَتْ فَأَعْطَاهُ النبي إيَّاهُ وقال خُذُوهَا يا بَنِي طَلْحَةَ خَالِدَةً مُخَلَّدَةً فِيكُمْ أَبَدًا لَا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إلَّا ظَالِمٌ فَقَوْلُهُ الْأَمَانَاتِ قَرِينَةٌ مُشْعِرَةٌ بِالتَّعْمِيمِ وَإِنْ لم يَكُنْ ثَمَّ قَرِينَةٌ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مُعَرَّفًا بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ أو لَا فَإِنْ كان فَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ الْحَمْلُ على الْمَعْهُودِ إلَّا أَنْ يُفْهَمَ من نَفْسِ الشَّارِعِ قَصْدُ تَأْسِيسِ قَاعِدَةٍ فَيَكُونُ دَلِيلًا على الْعُمُومِ وَإِنْ كان الْعُمُومُ لَفْظًا آخَرَ غير الْأَلِفِ وَاللَّامِ فَيَحْسُنُ أَنْ يَكُونَ هو مَحَلُّ الْخِلَافِ فَتَجْرِي فيه الْأَقْوَالُ السَّابِقَةُ وَيَزِيدُ هُنَا قَوْلٌ آخَرُ وهو التَّفْصِيلُ بين أَنْ يَكُونَ الشَّارِعُ ذَكَرَ السَّبَبَ في كَلَامِهِ فَيَقْتَصِرُ عليه وَلَا يُشَارِكُهُ غَيْرُهُ إلَّا إذَا وُجِدَ فيه ذلك الْمَعْنَى أو يَلْحَقُ بِبَيَانِ حُكْمِي على الْوَاحِدِ حُكْمِي على الْجَمَاعَةِ كَنَهْيِهِ عن ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ مع قَوْلِهِ إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ من أَجْلِ الدَّافَّةِ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ من غَيْرِهِ فَالِاعْتِبَارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا السَّبَبِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَائِكُمْ فإنه على سَبَبِ الِاخْتِيَانِ ثُمَّ يَدْخُلُ فيه من اخْتَانَ وَمَنْ لم يَخْتَنْ حَكَاهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ وَالْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وابن فُورَكٍ وَنَسَبَهُ أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ لِأَبِي عَلِيِّ بن أبي هُرَيْرَةَ من أَصْحَابِنَا قال وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ إنَّ سُقُوطَ قِيَامِ اللَّيْلِ مَخْصُوصٌ بِالْمَرَضِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قال عِنْدَ تَخْفِيفِهِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى
- قال أبو الْحُسَيْنِ وَذَكَرَ كَثِيرٌ من الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْأَسْبَابَ على ضَرْبَيْنِ أَحَدُهُمَا أَسْبَابٌ تَقْتَضِي لِأَجْلِهَا الْحُكْمَ في الِابْتِدَاءِ فَيَدْخُلُ الْمُتَعَقِّبُ وَالِابْتِدَاءُ وَالثَّانِي لِأَجْلِهَا كان الْحُكْمُ وما يَرْتَفِعُ السَّبَبُ إلَّا يَرْتَفِعُ الْحُكْمُ فَيَحْتَاجُ أَنْ يُتَأَمَّلَ الْخِطَابُ فَإِنْ كان سَبَبُ الرُّخْصَةِ عَامًّا عَمَّمْنَاهُ ولم يُرَاعَ السَّبَبُ وَإِنْ كانت الرُّخْصَةُ مَنُوطَةً بِالسَّبَبِ عَلَّقْنَاهُ بِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَدَّى السَّبَبُ إلَى غَيْرِهِ وَعَلَى هذا تُحْمَلُ الْأَسْبَابُ كُلُّهَا تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ أَنْ لَا تَظْهَرَ قَرِينَةٌ تُوجِبُ قَصْرَهُ على السَّبَبِ من الْعَادَةِ وَنَحْوِهَا فَإِنْ ظَهَرَتْ وَجَبَ قَصْرُهُ بِالِاتِّفَاقِ قَالَهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ وأبو الْحُسَيْنِ في الْمُعْتَمَدِ وَنَقَلَهُ عن أبي عبد اللَّهِ الْبَصْرِيِّ كَقَوْلِهِ في جَوَابِ تَغَدَّ عِنْدِي وَاَللَّهِ لَا تَغَدَّيْت فَالْعَادَةُ تَقْتَضِي قَصْرَ الْغَدَاءِ عِنْدَهُ وَإِنْ كان مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ يَعْنِي فَلَا يَحْنَثُ إذَا تَغَدَّى عِنْدَ غَيْرِهِ وَكَمَا لو قِيلَ له كَلِّمْ زَيْدًا أو كُلْ هذا الطَّعَامَ فقال وَاَللَّهِ لَا أَكَلْت وَلَا كَلَّمْت فإنه يُعْلَمُ أَنَّ قَصْدَهُ تَخْصِيصُ الْيَمِينِ بِهَذِهِ الْمَوَاضِعِ قال الْقَاضِي وَعِنْدَ هذه الْقَرِينَةِ لَا خِلَافَ في قَصْرِهِ على السَّبَبِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ حَيْثُ لم يُعْلَمْ قال وَالطَّرِيقُ إلَى هذه الْقَرِينَةِ في كَلَامِ اللَّهِ مُتَعَذِّرٌ لَا يُعْلَمُ إلَّا من جِهَةِ الرَّسُولِ أَنَّهُ مَقْصُورٌ على ما خَرَجَ عليه وَكَذَا قال ابن الْقُشَيْرِيّ بَعْدَ أَنْ صَحَّحَ عُمُومَ اللَّفْظِ هذا في الْمُطْلَقِ الذي لَا يَتَقَدَّمُ خُصُوصُهُ بِدَلِيلٍ فَإِنْ عُلِمَ بِقَرِينَةِ حَالٍ إرَادَةُ الْخُصُوصِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ كَلِّمْ زَيْدًا فَيُقَالُ وَاَللَّهِ لَا تَكَلَّمْت فَيُفْهَمُ أَنَّهُ يُرِيدُ لَا تَكَلَّمْت معه فَلَا يُحْمَلُ في مِثْلِ هذا على التَّعْمِيمِ انْتَهَى وفي قَوْلِ الْقَاضِي لَا خِلَافَ في قَصْرِهِ على السَّبَبِ نَظَرٌ فَقَدْ سَبَقَ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ في لَا أَشْرَبُ لَك مَاءً من عَطَشٍ أَنَّهُ يَحْنَثُ بِأَكْلِ طَعَامِهِ وَلُبْسِ ثِيَابِهِ وَأَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ الِاقْتِصَارُ على مَوْرِدِ الْيَمِينِ وهو الْمَاءُ خَاصَّةً وَحَكَى الرَّافِعِيُّ في كِتَابِ الْأَيْمَانِ عن الْمُبْتَدِئِ لِلرُّويَانِيِّ أَنَّهُ لو قِيلَ كَلِّمْ زَيْدًا فقال وَاَللَّهُ لَا كَلَّمْته انْعَقَدَتْ الْيَمِينُ على الْأَبَدِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْيَوْمَ فَإِنْ كان ذلك في طَلَاقٍ وقال أَرَدْت الْيَوْمَ لم يُقْبَلْ في الْحُكْمِ
- وقال الْأَصْحَابُ فِيمَنْ دخل عليه صَدِيقُهُ فقال تَغَدَّ مَعِي فَامْتَنَعَ فقال إنْ لم تَتَغَذَّ مَعِي فَامْرَأَتِي طَالِقٌ فلم يَفْعَلْ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ لو تَغَدَّى بَعْدَ ذلك معه وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ انْحَلَّتْ الْيَمِينُ فَإِنْ نَوَى الْحَالَ فلم يَفْعَلْ وَقَعَ الطَّلَاقُ وهو يُخَالِفُ قَوْلَ الْأُصُولِيِّينَ إنَّ الْجَوَابَ الْمُسْتَقِلَّ بِنَفْسِهِ وَالْعُرْفُ يَقْضِي بِعَدَمِ اسْتِقْلَالِهِ في حُكْمِهِ الذي لَا يَسْتَقِلُّ بِوَضْعِهِ فَيَكُونُ على حَسَبِ السُّؤَالِ وَرَأَى الْبَغَوِيّ حَمْلَ الْمُطْلَقِ على الْحَالِ لِلْعَادَةِ وهو يُوَافِقُ قَوْلَ الْأُصُولِيِّينَ وَلَوْ دُعِيَ إلَى مَوْضِعٍ فيه مُنْكَرٌ فَحَلَفَ أَنَّهُ لَا يَحْضُرُ في ذلك الْمَوْضِعِ فإن الْيَمِينَ تَسْتَمِرُّ وَإِنْ رُفِعَ الْمُنْكَرُ كما قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وقال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ وَالْعُنْوَانِ مَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا لم يَقْتَضِ السِّيَاقُ التَّخْصِيصَ بِهِ فَإِنْ كان السُّؤَالُ وَالْجَوَابُ مُنْشَؤُهُمَا يَقْتَضِي ذلك فَهُوَ مُقْتَضٍ لِلتَّخْصِيصِ بِلَا نِزَاعٍ لِأَنَّ السِّيَاقَ مُبَيِّنٌ لِلْمُجْمَلَاتِ مُرَجِّحٌ لِبَعْضِ الْمُحْتَمَلَاتِ وَمُؤَكِّدٌ لِلْوَاضِحَاتِ قال فَلْيُتَنَبَّهْ لِهَذَا وَلَا يُغْلَطْ فيه وَيَجِبُ اعْتِبَارُ ما دَلَّ عليه السِّيَاقُ وَالْقَرَائِنُ لِأَنَّ بِذَلِكَ يَتَبَيَّنُ مَقْصُودُ الْكَلَامِ وَصَرَّحَ في شَرْحِ الْعُنْوَانِ بِأَنَّ ذلك بَحْثٌ وَكَلَامُ الْقَاضِي السَّابِقُ يَشْهَدُ له الثَّانِي قال الْمَازِرِيُّ لو خَرَجَتْ الْمَسْأَلَةُ على الْخِلَافِ في الْأَلِفِ وَاللَّامِ هل تَقْتَضِي الصِّيَغُ التي دَخَلَتْ عليها الْعُمُومَ أو تُحْمَلُ على الْعَهْدِ لَكَانَ لَائِقًا فَمَنْ يَقْصِرُ اللَّفْظَ على سَبَبِهِ يَجْعَلُهَا لِلْعَهْدِ وَمَنْ يُعَمِّمُهُ لَا يَفْعَلُ ذلك وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ ذلك الْخِلَافَ حَيْثُ لَا قَرِينَةَ تَصْرِفُهُ إلَى الْعَهْدِ وَالْقَائِلُونَ بِالتَّعْمِيمِ في هذه الْحَالَةِ هُمْ مُعْظَمُ الْأُصُولِيِّينَ مع أَنَّ كَثِيرًا منهم يَقْصِرُونَهُ على السَّبَبِ وَعَلَى مُقْتَضَى ما قَالَهُ الْمَازِرِيُّ أَوْرَدَ بَعْضُ الْأَكَابِرِ سُؤَالًا وهو أَنَّهُ كَيْفَ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بين قَوْلِ النُّحَاةِ إنَّهُ مَتَى أَمْكَنَ حَمْلُهَا على الْعَهْدِ لَا تُحْمَلُ على الْعُمُومِ وَقَوْلِ الْأُصُولِيِّينَ إنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْعُمُومَ لَا يَنْحَصِرُ في الْأَلِفِ وَاللَّامِ بَلْ له صِيَغٌ كَثِيرَةٌ فَإِنْ أَوْرَدَ ما إذَا كانت الصِّيغَةُ الْأَلِفَ وَاللَّامَ قُلْنَا إرَادَةُ الْعُمُومِ قَرِينَةٌ دَلَّتْ على ذلك وقال بَعْضُهُمْ الصَّحِيحُ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِلَفْظِهِ فَيَعُمُّ إلَّا إذَا كان في اللَّفْظِ ما يَمْنَعُ الْعُمُومَ كَالْأَلِفِ وَاللَّامِ الْعَهْدِيَّةِ وَهَذَا بِنَاءً على أَنَّ الْعَهْدَ هو الْأَصْلُ فيها وَإِنَّمَا يُصَارُ إلَى الْعُمُومِ عِنْدَ عَدَمِ الْعَهْدِ
- وَالْحَقُّ أَنَّ السُّؤَالَ غَيْرُ لَازِمٍ لِأَنَّ الْأُصُولِيِّينَ لم يَجْمَعُوا بين الْمَقَالَتَيْنِ ولم يُخَالِفُوا أَصْلَهُمْ بَلْ الْأَصْلُ عِنْدَهُمْ في الْأَلِفِ وَاللَّامِ الْعُمُومُ حتى يَقُومَ دَلِيلٌ على خِلَافِهِ فَلِهَذَا لم يُقْصِرُوهُ على سَبَبِهِ وَعِنْدَ النُّحَاةِ الْأَصْلُ الْعَهْدُ حتى يَقُومَ دَلِيلٌ على خِلَافِهِ وقد سَبَقَ في الْكَلَامِ على الصِّيَغِ أَنَّ مُعْظَمَ الْأُصُولِيِّينَ على أنها لِلْعُمُومِ حَيْثُ لَا قَرِينَةَ تَصْرِفُهَا إلَى الْعَهْدِ وَأَنَّ الْمُخَالِفَ فيه ابن مَالِكٍ وَأَنَّ إلْكِيَا الطَّبَرِيَّ نَقَلَهُ عن سِيبَوَيْهِ لَكِنْ في نِسْبَتِهِ لِجَمِيعِ النَّجَاةِ نَظَرٌ فَقَدْ سَبَقَ عن أبي بَكْرِ بن السَّرَّاجِ النَّحْوِيِّ مُوَافَقَةُ الْأُصُولِيِّينَ وَأَوْرَدَ بَعْضُهُمْ السُّؤَالَ لَا على جِهَةِ الْجَمْعِ فقال إذَا كانت الْقَرِينَةُ تُصْرَفُ إلَى الْعَهْدِ وَتَمْنَعُ من الْحَمْلِ على الْعُمُومِ فَهَلَّا جَعَلْتُمْ الْعَامَّ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ مَصْرُوفًا إلَى الْعَهْدِ بِقَرِينَةِ السَّبَبِ الْخَاصِّ وَقُلْتُمْ وَإِنَّ الْعِبْرَةَ بِخُصُوصِ السَّبَبِ لَا بِعُمُومِ اللَّفْظِ وَأَجَابَ بِأَنَّ تَقَدُّمَ السَّبَبِ الْخَاصِّ قَرِينَةٌ في أَنَّهُ مُرَادٌ لَا أَنَّ غَيْرَهُ ليس بِمُرَادٍ فَنَحْنُ نَعْمَلُ بِهَذِهِ الْقَرِينَةِ فَنَقُولُ دَلَالَةُ هذا الْعَامِّ على مَحَلِّ السَّبَبِ قَطْعِيَّةٌ وَدَلَالَتُهُ على غَيْرِهِ ظَنِّيَّةٌ إذْ ليس في السَّبَبِ ما يُثْبِتُهَا وَلَا ما يَنْفِيهَا وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْعُدُولَ عَمَّا يَقْتَضِيهِ السَّبَبُ من الْخُصُوصِ إلَى الْعُمُومِ دَلِيلٌ على إرَادَةِ الْعُمُومِ وقد أَشَارَ إلَى هذا الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ قال فَإِنْ قُلْت فَكَيْفَ قِيلَ مَسَاجِدُ اللَّهِ وَإِنَّمَا وَقَعَ الْمَنْعُ وَالتَّخْرِيبُ على مَسْجِدٍ وَاحِدٍ وهو بَيْتُ الْمَقْدِسِ أو الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ قُلْت لَا بَأْسَ أَنْ يَجِيءَ الْحُكْمُ عَامًّا وَإِنْ كان السَّبَبُ خَاصًّا كما تَقُولُ لِمَنْ آذَى صَالِحًا وَاحِدًا وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ آذَى الصَّالِحِينَ وَكَمَا قال اللَّهُ تَعَالَى وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ وَالْمَنْزُولُ فيه الْأَخْنَسُ بن شُرَيْقٍ قال وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَادَ بِ مِمَّنْ مَنَعَ الْعُمُومُ كما أُرِيدَ بِمَسَاجِدِ اللَّهِ وَلَا يُرَادُ الَّذِينَ مَنَعُوا بِأَعْيَانِهِمْ إذَا كان سَبَبُ الْوَاقِعَةِ شَرْطًا فَهَلْ يَعُمُّ الْخِطَابُ الْوَارِدُ على تِلْكَ الْوَاقِعَةِ الثَّالِثُ حَيْثُ قُلْنَا إنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ فَاسْتَثْنَى الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بن عبد السَّلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ من ذلك ما إذَا كان السَّبَبُ شَرْطًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى إنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فإنه كان لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا فَالْأَوَّابُونَ عَامٌّ في كل أَوَّابٍ مَاضِيًا كان أو حَاضِرًا أو مُسْتَقْبَلًا قال فَيَجِبُ في هذا الْعُمُومِ أَنْ يُخَصَّصَ بِنَا وَالْعِدَّةُ بِالْغُفْرَانِ لِمَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ من الْمُخَاطَبِينَ في قَوْله تَعَالَى إنْ تَكُونُوا وَلَا
- يَعُمُّ هذا جَمِيعَ الْخَلَائِقِ وَلَا جَمِيعَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ في ذلك لِأَنَّ التَّعَالِيقَ اللُّغَوِيَّةَ أَسْبَابٌ وَالْجَزَاءُ الْمُرَتَّبُ عليها أَسْبَابُ تِلْكَ التَّعَالِيقِ وَصَلَاحُ الْمُخَاطَبِينَ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِصَلَاحِ غَيْرِهِمْ من الْأُمَمِ لِأَنَّ عَمَلَ كل وَاحِدٍ تَخْتَصُّ فَائِدَتُهُ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَأَنْ ليس لِلْإِنْسَانِ إلَّا ما سَعَى وإذا لم يَكُنْ شَرْطًا فَالْحَقُّ الْعُمُومُ حَكَاهُ الْأَصْفَهَانِيُّ في شَرْحِ الْمَحْصُولِ عن بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ ثُمَّ قال وهو تَفْصِيلٌ حَسَنٌ لَا بَأْسَ بِهِ قُلْت وَارْتَضَاهُ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ وَالْقَرَافِيُّ تَحْقِيقُ مُرَادِهِمْ بِالسَّبَبِ الرَّابِعُ ليس الْمُرَادُ بِالسَّبَبِ هُنَا السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْحُكْمِ كَزَنَى مَاعِزٌ فَرُجِمَ بَلْ السَّبَبُ في الْجَوَابِ قَالَهُ ابن السَّمْعَانِيِّ وَسَبَقَ مَنْقُولُ أبي الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ عن الْفُقَهَاءِ في ذلك وقال صَاحِبُ الْمَصَادِرِ ليس الْمُرَادُ بِالسَّبَبِ هُنَا ما يُوَلِّدُ الْفِعْلَ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ الدَّاعِي إلَى الْخِطَابِ بِذَلِكَ الْقَوْلِ وَالْبَاعِثِ عليه فَعَلَى هذا لَا بُدَّ في خِطَابِ الْحُكْمِ من أَنْ يَكُونَ مَقْصُورًا على سَبَبِهِ أَيْ دَاعِيَتُهُ وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ في اخْتِلَافِ الحديث كما سَبَقَ في بِئْرِ بُضَاعَةَ يُصَرِّحُ بِأَنَّهُ ليس الْمُرَادُ بِالسَّبَبِ عَيْنَ ما وَقَعَ الْحُكْمُ بِسَبَبِهِ بَلْ هو أو مِثْلُهُ أو ما هو أَوْلَى بِالْحُكْمِ منه حَيْثُ قال وكان الْعِلْمُ أَنَّهُ على مِثْلِهَا أو أَكْثَرَ منها وَمِنْ هُنَا قال بَعْضُهُمْ لَا مُتَمَسِّكَ لِلْمُسْتَدِلِّينَ بِآيَةِ السَّرِقَةِ وَاللِّعَانِ وَالظِّهَارِ وَغَيْرِهَا على التَّعْمِيمِ وَعَدَمِ الْقَصْرِ على السَّبَبِ فإن الْقَطْعَ وَأَحْكَامَ اللِّعَانِ وَالظِّهَارِ ثَبَتَتْ فِيمَنْ كان مِثْلَ من نَزَلَتْ فيه وَذَلِكَ ليس من الْعُمُومِ وَذَلِكَ أَنْ تَقُولَ إلْحَاقُ مِثْلِهِ أو ما هو أَوْلَى منه إنْ كان بِالْقِيَاسِ فَخُرُوجٌ عن مَوْضُوعِ الْمَسْأَلَةِ وَإِنْ كان من اللَّفْظِ لَزِمَ اتِّحَادُ الْقَوْلِ بِالْقَصْرِ على السَّبَبِ وَالْقَوْلُ بِالْعُمُومِ ثُمَّ من أَيِّ الدَّلَالَاتِ هو فَلْيُتَأَمَّلْ ذلك الْخَامِسُ قال الْقَاضِي يَجِبُ أَنْ تُتَرْجَمَ هذه الْمَسْأَلَةُ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ إذَا وَرَدَ على سَبَبٍ خَاصٍّ أو في سَبَبٍ خَاصٍّ وَلَا يُقَالُ عِنْدَ سَبَبٍ خَاصٍّ قال وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّك إذَا قُلْت عِنْدَ سَبَبٍ خَاصٍّ فَلَيْسَ لِلسَّبَبِ تَعَلُّقٌ بِهِ أَصْلًا وَفَرْقٌ بين قَوْلِك ضَرَبْت الْعَبْدَ على قِيَامِهِ وَضَرَبْته عِنْدَ قِيَامِهِ فَفِي الْأَوَّلِ جَعَلْت الْقِيَامَ سَبَبًا لِلضَّرْبِ بِخِلَافِ الثَّانِي قال ابن الْقُشَيْرِيّ وَهِيَ مُنَاقَشَةٌ لَفْظِيَّةٌ السَّادِسُ هذا الْعَامُّ وَإِنْ كان حُجَّةً في مَوْضِعِ السَّبَبِ أو السُّؤَالِ وَغَيْرِهِ لَكِنْ
- دَلَالَتُهُ على صُورَةِ السَّبَبِ أَقْوَى فَلِهَذَا قال الْأَكْثَرُونَ إنَّهَا قَطْعِيَّةُ الدُّخُولِ فَهُوَ نَصٌّ في سَبَبِهِ ظَاهِرٌ فِيمَا زَادَ عليه وَإِنَّمَا جَعَلُوهَا قَطْعِيَّةً في السَّبَبِ لِاسْتِحَالَةِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عن وَقْتِ الْحَاجَةِ وَلَا يَصِحُّ منه عليه السَّلَامُ أَنْ يُسْأَلَ عن بَيَانِ ما يَحْتَاجُ إلَى بَيَانِهِ فَيَضْرِبُ عن بَيَانِهِ وَيُبَيِّنُ غَيْرَهُ مِمَّا لم يُسْأَلْ عنه وَعَلَى هذا فَيَجُوزُ تَخْصِيصُ هذا الْعَامِّ بِدَلِيلٍ كَغَيْرِهِ من الْعُمُومَاتِ الْمُبْتَدَأَةِ لَكِنْ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ صُورَةِ السَّبَبِ بِالِاجْتِهَادِ لِأَنَّ الْعَامَّ يَدُلُّ عليه بِطَرِيقِ الْعُمُومِ وَكَوْنُهُ وَارِدًا لِبَيَانِ حُكْمِهِ وَحُكِيَ عن أبي حَنِيفَةَ أَنَّهُ جَوَّزَ إخْرَاجَ صُورَةِ السَّبَبِ عن عُمُومِ اللَّفْظِ إجْرَاءً له مَجْرَى الْعَامِّ الْمُبْتَدَأِ فإنه يَجُوزُ تَخْصِيصُ بَعْضِ آحَادِهِ مُطْلَقًا وَاسْتُنْبِطَ ذلك من مُصَيِّرِهِ إلَى أَنَّ الْحَامِلَ لَا تُلَاعَنُ مع أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ في امْرَأَةِ الْعَجْلَانِيُّ وَكَانَتْ حَامِلًا وَمِنْ مُصَيِّرِهِ إلَى أَنَّ وَلَدَ الْمَشْرِقِيَّةِ يَلْحَقُ بِفِرَاشِ الْمَغْرِبِيِّ مع عَدَمِ الِاحْتِمَالِ تَلَقِّيًا من قَوْلِهِ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وقد وَرَدَ في عبد بن زَمْعَةَ إذْ تَدَاعَى وَلَدَ وَلِيدَةِ أبيه وَكَانَتْ رَقِيقَةً وَلَدَتْهُ على فِرَاشِ أبيه وَعِنْدَهُ أَنَّ الْأَمَةَ إذَا أَتَتْ بِوَلَدٍ لَا يَلْحَقُ السَّيِّدَ إلَّا إنْ أَقَرَّ بِهِ فقال بِالْخَبَرِ فِيمَا لم يَرِدْ فيه وهو الْحُرَّةُ فَأَلْحَقَهُ بِصَاحِبِ فِرَاشِهَا ولم يَقُلْ بِهِ فِيمَا وَرَدَ فيه وهو الْأَمَةُ فلم يَلْحَقْ وَلَدُهَا بِصَاحِبِ فِرَاشِهَا فَاسْتُعْمِلَ عُمُومُ اللَّفْظِ في غَيْرِ ما وَرَدَ فيه وَأُخْرِجَ ما وَرَدَ فيه عن حُكْمِهِ وَأَعْجَبُ من هذا أَنَّهُ عُمِلَ بِعُمُومِ الحديث مُطْلَقًا حَيْثُ أُلْحِقَ الْوَلَدُ بِالْفِرَاشِ في الْحُرَّةِ وَإِنْ تَحَقَّقَ نَفْيُهُ كَالْمَغْرِبِيَّةِ مع الْمَشْرِقِيِّ قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَكَذَا خِلَافُهُمْ في تَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ هِيَ سُنَّةٌ فِيهِمَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَسْقَطَهَا أبو حَنِيفَةَ في عِيدِ الْفِطْرِ وَفِيهِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ على ما هَدَاكُمْ وقال الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ في الْأَوَّلَيْنِ الظَّنُّ أَنَّ ذلك لَا يَصِحُّ عن أبي حَنِيفَةَ وَكَذَلِكَ أَنْكَرَهُ الْمُقْتَرِحُ وقال لَعَلَّهُ لم يَبْلُغْهُ الْحَدِيثَانِ قُلْت وَلَوْ صَحَّ نِسْبَةُ ذلك إلَى أبي حَنِيفَةَ من هذا لَلَزِمَ نِسْبَتُهُ إلَى مَالِكٍ أَيْضًا فإن مَالِكًا قال بِالْقِيَافَةِ في وَلَدِ الْأَمَةِ لَا الْحُرَّةِ مع أَنَّ حَدِيثَ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ إنَّمَا وَرَدَ في الْحُرَّةِ وَنُقِلَ عنه أَنَّ الْمُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ لَا يُبَاحُ له التَّحْلِيلُ لِأَنَّهُ لَا يَخَافُ الْفَوْتَ بِخِلَافِ الْحَجِّ مع أَنَّ آيَةَ الْإِحْصَارِ إنَّمَا نَزَلَتْ وَالنَّبِيُّ صلى اللَّهُ عليه وسلم مُحْرِمٌ بِالْعُمْرَةِ وَتَحَلَّلَ بِسَبَبِ الْإِحْصَارِ
- وقال بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ قَوْلُهُمْ إنَّ دُخُولَ السَّبَبِ قَطْعِيٌّ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ فِيمَا إذَا دَلَّتْ قَرَائِنُ حَالِيَّةٌ أو مَقَالِيَّةٌ على ذلك أو على أَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ يَشْمَلُهُ بِطَرِيقِ الْوَضْعِ لَا مَحَالَةَ وَإِلَّا فَقَدْ يُنَازِعُ الْخَصْمُ في دُخُولِهِ وَضْعًا بِحَسَبِ اللَّفْظِ الْعَامِّ وَيَدَّعِي أَنَّهُ قَصَدَ الْمُتَكَلِّمُ بِالْعَامِّ إخْرَاجَ السَّبَبِ وَبَيَانَ أَنَّهُ ليس دَاخِلًا في الْحُكْمِ فإن لِلْحَنَفِيَّةِ أَنْ يَقُولُوا في عبد بن زَمْعَةَ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَإِنْ كان وَارِدًا في أَمَةٍ فَهُوَ وَارِدٌ لِبَيَانِ حُكْمِ ذلك الْوَلَدِ وَبَيَانُ حُكْمِهِ إمَّا بِالثُّبُوتِ أو الِانْتِفَاءِ فإذا ثَبَتَ أَنَّ الْفِرَاشَ هِيَ الزَّوْجَةُ لِأَنَّهَا هِيَ التي يُتَّخَذُ لها الْفِرَاشُ غَالِبًا وقال الْوَالِدُ لِلْفِرَاشِ كان فيه حَصْرُ أَنَّ الْوَلَدَ لِلْحُرَّةِ وَمُقْتَضَى ذلك لَا يَكُونُ لِلْأَمَةِ فَكَانَ فيه بَيَانُ الْحُكْمَيْنِ جميعا نَفْيُ السَّبَبِ عن الْمُسَبِّبِ وَإِثْبَاتُهُ لِغَيْرِهِ وَلَا يَلِيقُ دَعْوَى الْقَطْعِ هُنَا وَذَلِكَ من جِهَةِ اللَّفْظِ وَهَذَا في الْحَقِيقَةِ نِزَاعٌ في أَنَّ اسْمَ الْفِرَاشِ هل هو مَوْضُوعٌ لِلْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ الْمَوْطُوءَةِ أو الْحُرَّةِ فَقَطْ الْحَنَفِيَّةُ يَدَّعُونَ الثَّانِيَ فَلَا عُمُومَ عِنْدَهُمْ له في الْأَمَةِ فَتَخْرُجُ الْمَسْأَلَةُ عن هذا الْبَحْثِ نعم قَالَهُ هو لَك يا عبد بن زَمْعَةَ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَلْحَقَهُ بِهِ على حُكْمِ السَّبَبِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ من قَوْلِهِ الْفِرَاشَ قُلْت وَمِنْ الْمَسَائِلِ التي يُعَاكِسُ فيها أبو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ أَصْلَهُمَا ذَهَابُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ إلَى أَنَّ التَّحَلُّلَ في الْحَجِّ مَخْصُوصٌ بِحَصْرِ الْعَدُوِّ وَمَنَعَاهُ في الْمَرَضِ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فما اسْتَيْسَرَ من الْهَدْيِ نَزَلَ في الْحُدَيْبِيَةِ وكان الْحُصْرُ بِعَدُوٍّ فَاعْتَبَرَ خُصُوصَ السَّبَبِ وَخَالَفَهُمَا أبو حَنِيفَةَ في ذلك فَاعْتَبَرَ عُمُومَ اللَّفْظِ لِأَنَّ الْآيَةَ دَالَّةٌ على جَوَازِ خُرُوجِهِ من الْحَجِّ بِالْأَعْذَارِ فإن الْإِحْصَارَ عِنْدَ الْمُعْتَبِرِينَ من أَهْلِ اللُّغَةِ مَوْضُوعٌ لِإِحْصَارِ الْأَعْذَارِ وَالْحَصْرُ مَوْضُوعٌ لِحَصْرِ الْعَدُوِّ قال الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ مَحَلَّ السَّبَبِ يَقْتَضِي حَصْرَ الْعَدُوِّ لِأَنَّ اللَّفْظَ إذَا دَلَّ على حَصْرِ الْعَدُوِّ كانت دَلَالَتُهُ على حَصْرِ الْأَعْذَارِ من طَرِيقٍ أَوْلَى فَنَزَلَتْ لِتَدُلَّ على إحْصَارِ الْعَدُوِّ بِمَنْطُوقِهَا وَعَلَى إحْصَارِ الْعُذْرِ بِمَفْهُومِهَا فَتَنَاوَلَتْ الْأَمْرَيْنِ جميعا فَإِنْ قِيلَ قد قُرِّرَ بها ما يَدُلُّ على أنها نَزَلَتْ في حَصْرِ الْعَدُوِّ وهو قَوْله تَعَالَى فإذا أَمِنْتُمْ وَالْأَمْنُ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ في زَوَالِ الْخَوْفِ من الْأَعْدَاءِ دُونَ زَوَالِ الْمَرَضِ وَالْأَعْذَارِ وَأَجَابَ أَنَّ الْآيَةَ لَمَّا دَلَّتْ على التَّحَلُّلِ بِالْحَصْرِ رَجَعَ الْأَمْرُ إلَى ما دَلَّتْ عليه بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لَا بِطَرِيقِ اللَّفْظِ وَإِنْ جَعَلْنَا حَصَرَ وَأُحْصِرَ
- لُغَتَيْنِ دَلَّ أُحْصِرَ على الْأَمْرَيْنِ وَرَجَعَ لَفْظُ الْأَمْنِ إلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ قال وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ لَا نَظِيرَ له في الشَّرِيعَةِ السَّمْحَةِ فإن من انْكَسَرَتْ رِجْلُهُ وَتَعَذَّرَ عليه الْعَوْدُ إلَى الْحَجِّ أو الْعُمْرَةِ يَبْقَى في بَقِيَّةِ عُمُرِهِ حَاسِرَ الرَّأْسِ مُجَرَّدًا عن اللِّبَاسِ مُحَرَّمًا عليه كُلُّ ما يَحْرُمُ على الْمُحْرِمِ بَعِيدٌ شَرْعًا وَاعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَنَّ الْكَلَامَ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُهَا وَرَدَّ عليه إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِحَدِيثِ التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ قال وَلَوْ جَازَ الْكَلَامُ في مَصْلَحَتِهَا لَمَا أُمِرَ الْمَأْمُورُ في ذلك إذَا نَابَ الْإِمَامَ شَيْءٌ وَيَلْزَمُ مَالِكًا إخْرَاجُ مَحَلِّ السَّبَبِ من الْعُمُومِ فإن الحديث وَرَدَ على شَيْءٍ نَابَ أَبَا بَكْرٍ في صَلَاتِهِ لَمَّا صلى بِهِمْ وَصَفَّقُوا فلما فَرَغَ من الصَّلَاةِ قال صلى اللَّهُ عليه وسلم إنَّمَا التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ فَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُ السَّبَبِ وَيُعْتَبَرُ اللَّفْظُ حتى لو اسْتَأْذَنَ عليه شَخْصٌ وهو في الصَّلَاةِ أو رَأَى أَعْمَى يَقَعُ في بِئْرٍ فإنه يُفَهِّمُهُ بِالتَّسْبِيحِ السَّابِعُ أَوْرَدَ على قَوْلِهِمْ إنَّ السَّبَبَ دَاخِلٌ قَطْعًا أَنَّهُ قبل نُزُولِ الْآيَةِ وَالْحُكْمُ إنَّمَا يَثْبُتُ من حِينِ نُزُولِهَا فَكَيْفَ يَنْعَطِفُ على ما مَضَى وقد أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ على أَنَّ أَوْسَ بن الصَّامِتِ شَمِلَهُ الظِّهَارُ وَأَمْثَالُهُ من الْأَسْبَابِ وَهَذَا الْإِشْكَالُ وَارِدٌ على سَبَبٍ وَيَخُصُّ آيَةَ الظِّهَارِ وَاللِّعَانِ إشْكَالٌ آخَرُ وهو أَنَّ الَّذِينَ في قَوْله تَعَالَى وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ من نِسَائِهِمْ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ فَتَحْرِيرُ أَيْ فَكَفَّارَتُهُمْ تَحْرِيرُ وَحُذِفَ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عليه وَجَازَ دُخُولُ الْفَاءِ في الْخَبَرِ لِتَضَمُّنِ الْمُبْتَدَأِ مَعْنَى الشَّرْطِ وَتَضَمُّنِ الْخَبَرِ مَعْنَى الْجَزَاءِ فإذا أُرِيدَ التَّنْصِيصُ على أَنَّ الْخَبَرَ مُسْتَحَقٌّ بِالصِّلَةِ دَخَلَتْ الْفَاءُ حَتْمًا لِلدَّلَالَةِ على ذلك وإذا لم تَدْخُلْ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مُسْتَحَقًّا بِهِ أو بِغَيْرِهِ كما لو قِيلَ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ عليهم تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ وَإِنْ كنا نَقُولُ إنَّ تَرَتُّبَ الْحُكْمِ على الْوَصْفِ مُشْعِرٌ بِالْعِلِّيَّةِ وَلَكِنْ ليس بِنَصٍّ وَدُخُولُ الْفَاءِ نَصٌّ إذَا عَرَفْت هذا فَالْآيَةُ لَا تَشْمَلُ إلَّا من وُجِدَ منه الظِّهَارُ بَعْدَ نُزُولِهَا لِأَنَّ نَفْيَ الشَّرْطِ مُسْتَقْبَلٌ فَلَا يَدْخُلُ فيه الْمَاضِي وقد أَوْجَبَ النبي عليه السَّلَامُ الْكَفَّارَةَ على أَوْسِ بن الصَّامِتِ وَذَلِكَ لَا شَكَّ فيه من جِهَةِ أَنَّهُ السَّبَبُ وَأُجِيبَ عنه بِأَنَّ إثْبَاتَ أَحْكَامِ هذه الْآيَاتِ لِمَنْ وُجِدَ منه السَّبَبُ قبل نُزُولِهَا
- لِأَنَّ هذه الْأَفْعَالَ كانت مَعْلُومَةَ التَّحْرِيمِ كَالسَّرِقَةِ وَالزِّنَى وَوُجُوبُ الْحَدِّ فِيهِمَا لَا يَتَوَقَّفُ على الْعِلْمِ وَالْفَاعِلُ لها قبل نُزُولِ الْآيَةِ إذَا كان هو السَّبَبُ في نُزُولِهَا من حُكْمِ الْمُقَارِنِ لها لِأَنَّهَا نَزَلَتْ مُبَيِّنَةً لِحُكْمِهِ فَلِذَلِكَ ثَبَتَ حُكْمُهَا فيه دُونَ غَيْرِهِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلَ وَسَبَبُ النُّزُولِ حَاضِرٌ أو في الْحُكْمِ الْحَاضِرِ وَأَمَّا دَلَالَةُ الْفَاءِ على الِاخْتِصَاصِ بِالْمُسْتَقْبَلِ فَقَدْ يُمْنَعُ الثَّامِنُ أَنَّ الْعُمُومَ الْخَارِجَ مَخْرَجَ التَّشْرِيعِ أَوْلَى من الْخَارِجِ على سَبَبٍ كَقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ إنَّمَا الرِّبَا في النَّسِيئَةِ مع قَوْلِهِ لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ فَهَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ التَّشْرِيعِ وَالْأَوَّلُ أَمْكَنَ خُرُوجُهُ على سُؤَالِ سَائِلٍ تَرَكَ الرَّاوِي ذِكْرَ سَبَبِهِ قَالَهُ أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ وقال الْغَزَالِيُّ يَصِيرُ احْتِمَالُ التَّخْصِيصِ لِلْخَارِجِ على سَبَبٍ أَقْرَبَ مِمَّا لم يَخْرُجْ على سَبَبٍ وَيَقْنَعُ فيه بِدَلِيلٍ أَخَفَّ وَأَضْعَفَ وقد يُصْرَفُ بِقَرِينَةِ اخْتِصَاصٍ بِالْوَاقِعَةِ وَيَأْتِي فيها ما ذُكِرَ في بَابِ التَّرَاجِيحِ التَّاسِعُ لَك أَنْ تَسْأَلَ عن الْفَرْقِ بين هذه الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ قَوْلِهِمْ إنَّ الْحُكْمَ إذَا شُرِعَ لِحِكْمَةٍ أو سَبَبٍ ثُمَّ زَالَ ذلك السَّبَبُ هل يَبْقَى الْحُكْمُ تَمَسُّكًا بِعُمُومِ اللَّفْظِ أو لَا يَبْقَى نَظَرًا لِلْعِلَّةِ وَجْهَانِ مَذْكُورَانِ في اسْتِحْبَابِ الذَّهَابِ إلَى الْعِيدِ من طَرِيقٍ الرُّجُوعِ من أُخْرَى وَتَرْجِيحِهِمْ الْمَيْلَ إلَى تَعْمِيمِ الْحُكْمِ كما في الرَّمَلِ وَالِاضْطِبَاعِ في الطَّوَافِ وَجَعَلَ الرَّافِعِيُّ منه أَنَّ الْعَرَايَا لَا تَخْتَصُّ بِالْمَحَاوِيجِ على الصَّحِيحِ وَإِنْ كان سَبَبٌ على الرُّخْصَةِ وَرَدَ في الْمَحَاوِيجِ تَمَسُّكًا بِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ الْعَاشِرُ إذَا اعْتَبَرْنَا السَّبَبَ فَلَا يَنْبَغِي جَعْلُهُ من الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ بَلْ من الْعَامِّ الذي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ وَسَيَأْتِي الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا
- فَائِدَةٌ نُزُولُ الْآيَةِ لِمَحَلٍّ لَا يَقْتَضِي تَعَلُّقَهَا بِهِ وقد يَخْرُجُ فيها قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ فإنه ذَهَبَ في الْقَدِيمِ إلَى أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ له صِيَامُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عن تَمَتُّعِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى قَوْله تَعَالَى فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ في الْحَجِّ قال الْمَاوَرْدِيُّ وَلَا خِلَافَ بين أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ هذه الْآيَةَ نَزَلَتْ في يَوْمِ التَّرْوِيَةِ وهو الثَّامِنُ من ذِي الْحِجَّةِ فَعُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ بها أَيَّامَ التَّشْرِيقِ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ ذِكْرُ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ الْمُوَافِقِ له في الْحُكْمِ لَا يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ بَلْ الْأَوَّلُ بَاقٍ على عُمُومِهِ قال الْقَفَّالُ فَصَارَ الْخَاصُّ كَأَنَّهُ وَرَدَ فيه خَبَرَانِ خَبَرٌ يَشْمَلُهُ وَيَشْمَلُ غَيْرَهُ وَخَبَرٌ يَخُصُّهُ خِلَافًا لِأَبِي ثَوْرٍ فإنه خَصَّصَ الدِّبَاغَ بِالْمَأْكُولِ لِأَجْلِ قَوْلِهِ أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ مع إفْرَادِهِ ذِكْرَ الشَّاةِ في حديث مَيْمُونَةَ وَقَوْلُهُ في قِصَّةِ الْمُجَامِعِ في رَمَضَانَ مع قَوْلِهِ من أَفْطَرَ في رَمَضَانَ فَعَلَيْهِ ما على الْمُظَاهِرِ إنْ صَحَّ الْخَبَرُ وَنَقَلَهُ عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ عن الْأَكْثَرِينَ من فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ فَأَمَّا مَذْهَبُنَا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَخَرَّجَ فيه الْخِلَافُ إلَّا أَنَّ أَجْوِبَتَهُمْ تَطَّرِدُ على الْأَوَّلِ قال وَمِثَالُهُ قَوْلُهُ لِخَوْلَةِ في دَمِ الْحَيْضِ اغْسِلِيهِ وفي حديث عَمَّارٍ إنَّمَا يُغْسَلُ الثَّوْبُ من الْمَنِيِّ وَالْبَوْلِ وَالدَّمِ وَحَدِيثِ أَسْمَاءَ حُتِّيهِ ثُمَّ اقْرِضِيهِ ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ فَذُكِرَ الْمَاءُ وهو بَعْضُ ما دخل في اللَّفْظِ الْأَوَّلِ وَقَوْلُهُ جُعِلَتْ لي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا وقال في خَبَرٍ آخَرَ وَتُرَابُهَا طَهُورًا وَالتُّرَابُ بَعْضُ
- الْأَرْضِ وَقَوْلُهُ الطَّعَامُ مِثْلًا بِمِثْلٍ وقال في خَبَرٍ آخَرَ الْبُرُّ بِالْبُرِّ فَاخْتَلَفَتْ أَجْوِبَةُ أَصْحَابِنَا في هذه الْأَمْثِلَةِ على الْمَذْهَبِ جميعا انْتَهَى وقال صَاحِبُ الْمَصْدَرِ إنَّمَا قال أبو ثَوْرٍ في قَوْله تَعَالَى وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ وَقَوْلُهُ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ ما لم تَمَسُّوهُنَّ أو تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ فَأَثْبَتَ الْمُتْعَةَ لِلْمُطَلَّقَةِ التي هذه سَبِيلُهَا فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ هذا هو الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ وَأَنْ لَا يَثْبُتَ لِغَيْرِ الْمُطَلَّقَةِ التي لم تُمَسَّ ولم يُفْرَضْ لها وَالصَّحِيحُ خِلَافُهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُصَارُ إلَى التَّخْصِيصِ حَيْثُ التَّنَافِي انْتَهَى وقد حَكَى أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ قَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ في هذه الْآيَةِ وَسَيَأْتِي في التَّخْصِيصِ بِالْمَفْهُومِ وَقَضِيَّتُهُ جَرَيَانُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ كَمَذْهَبِ أبي ثَوْرٍ وقد احْتَجَّ الْجُمْهُورُ في عَدَمِ التَّخْصِيصِ بِأَنَّ الْمُخَصَّصَ مُنَافٍ ذِكْرَ الْحُكْمِ في بَعْضِ الْأَفْرَادِ ليس بِمُنَافٍ فَذِكْرُ الْحُكْمِ ليس بِمُخَصَّصٍ وَاعْتُرِضَ بِمَنْعِ الْمُقَدِّمَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ أَنَّ ذِكْرَ الْحُكْمِ في بَعْضِ الْأَفْرَادِ ليس بِمُنَافٍ بِنَاءً على قَاعِدَةِ الْمَفْهُومِ وَفُرِّقَ بين مُنَافَاةِ الْحُكْمِ وَبَيْنَ مُنَافَاةِ الذِّكْرِ فَثُبُوتُ الْحُكْمِ في بَعْضِ الْأَفْرَادِ ليس بِمُنَافٍ لِثُبُوتِهِ في غَيْرِهَا وَأَمَّا الذِّكْرُ فَلَا نُسَلِّمُ عَدَمَ مُنَافَاتِهِ لِأَصْلِ الْمَفْهُومِ الدَّالِّ على نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ إنَّمَا يَتَأَتَّى في ذِكْرِ الْحُكْمِ في بَعْضِ الْأَفْرَادِ فَتَخْصِيصُهُ بِمَا له مَفْهُومُ مُخَالَفَةٍ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ كَالصِّفَّةِ مَثَلًا وَلَا يَجِيءُ في ذِكْرِ الْحُكْمِ في بَعْضِ الْأَفْرَادِ بِذِكْرِ ما لَا مَفْهُومَ له كَاللَّقَبِ وَاَلَّذِينَ أَوْرَدُوا هذه الْمَسْأَلَةَ أَوْرَدُوهَا عَامَّةً وَمِنْ الناس من أَنْكَرَ الْخِلَافَ في هذه الْمَسْأَلَةِ وقال لَمَّا كان أبو ثَوْرٍ مِمَّنْ يقول بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ ظُنَّ أَنَّهُ يقول بِالتَّخْصِيصِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَلَعَلَّ أَبَا ثَوْرٍ يقول إنَّ هذه الصُّورَةَ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهَا من الْعَامِّ وَتَصِيرُ قَطْعِيَّةً لِمَحَلِّ السَّبَبِ على ما سَبَقَ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ فيه خِلَافٌ فَإِنْ قُلْت فَعَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ ما فَائِدَةُ هذا الْخَاصِّ مع دُخُولِهِ في الْعَامِّ قُلْت يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فَائِدَتُهُ عَدَمَ التَّخْصِيصِ أو التَّفْخِيمِ وَالْمَزِيَّةِ على بَقِيَّةِ الْأَفْرَادِ أو اخْتِصَاصِهِ بِضَرْبٍ من التَّأْكِيدِ إنْ جَدَّتْ وَاقِعَةٌ بَعْدَ وُرُودِ الْعَامِّ وقد يَرْجِعُ مَذْهَبُ
- أبي ثَوْرٍ من جِهَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمَالِ الْعَامِّ وَإِرَادَةُ الْخَاصِّ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذلك الْعَامُّ أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ وَالْقَرِينَةُ فيه الْإِفْرَادُ وَلَكِنَّهُ خِلَافُ الْأَصْلِ وَهُنَا تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ قال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بن دَقِيقِ الْعِيدِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْتَفَى في تَقْرِيرِ هذه الْفَائِدَةِ وَنِسْبَةُ هذا الْمَذْهَبِ لِأَبِي ثَوْرٍ بهذا الْحَالِ لِأَنَّ اسْتِنْتَاجَ الْكُلِّيَّاتِ من الْجُزْئِيَّاتِ يُعْتَمَدُ كَوْنُهَا الْخُصُوصِيَّاتِ وَيُوجَدُ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ وَأَمَّا الْفَرْدُ الْمُعَيَّنُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فيه لِأَمْرٍ يَخْتَصُّهُ بَيَانُهُ أَنْ يَعْتَقِدَ أبو ثَوْرٍ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ طَهَارَةِ الْجِلْدِ بِالدِّبَاغِ وَيُعْتَقَدُ أَنَّ الْمَأْكُولَ يَخْتَصُّ بِمَعْنًى يُنَاسِبُ التَّطْهِيرَ أو التَّخْفِيفَ فَيُجْعَلُ ذلك قَرِينَةً في تَخْصِيصِ الْعُمُومِ كما جَعَلَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَدَمَ اعْتِبَارِ دِبَاغِ جِلْدِ الْكَلْبِ قَرِينَةً تَخُصُّ هذا الْعُمُومَ أو يُمْنَعُ تَطْهِيرُ جِلْدِ ما لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ بِنَهْيِ النبي عليه السَّلَامُ عن افْتِرَاشِ جُلُودِ السِّبَاعِ كما اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ لِهَذَا الْمَذْهَبِ وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ إنْ كان أبو ثَوْرٍ نَصَّ على الْقَاعِدَةِ فَذَاكَ وَإِنْ كان أَخَذَ بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ من مَذْهَبِهِ في هذه الْمَسْأَلَةِ فَلَا يَدُلُّ على ذلك قُلْت وَبِذَلِكَ صَرَّحَ أبو ثَوْرٍ في كِتَابِهِ فَقَدْ حَكَى عنه أبو عُمَرَ بن عبد الْبَرِّ في التَّمْهِيدِ أَنَّهُ إنَّمَا صَارَ إلَى تَخْصِيصِ الدِّبَاغِ بِالْمَأْكُولِ لِأَجْلِ قَوْلِهِ عليه السَّلَامُ في جِلْدِ الشَّاةِ هَلَّا دَبَغْتُمُوهُ وقال في حَدِيثٍ آخَرَ نهى عن جُلُودِ السِّبَاعِ قال أبو ثَوْرٍ فلما رُوِيَ الْخَبَرَانِ أَخَذْنَا بِهِمَا جميعا لِأَنَّهُ لَا تَنَاقُضَ فِيهِمَا انْتَهَى وَيُقَالُ له هَذَانِ الْخَبَرَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَامٌّ من وَجْهٍ خَاصٌّ من وَجْهٍ فإن خَبَرَ السِّبَاعِ عَامٌّ في جُلُودِ السِّبَاعِ قبل الدِّبَاغِ وَبَعْدَهُ وَخَاصٌّ بِالسِّبَاعِ وَحَدِيثُ أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ عَامٌّ في كِلَيْهِمَا وَخَاصٌّ بِالدِّبَاغِ وَيَتَأَكَّدُ في مِثْلِهِ التَّرْجِيحُ بِأَمْرِهِ
- خَارِجٌ الثَّانِي أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَكُونَ الْخَاصُّ مَفْهُومُهُ مُوَافِقًا فَإِنْ كان مَفْهُومَ مُخَالَفَةٍ مِثْلُ خَبَرِ الْقُلَّتَيْنِ وَسَائِمَةِ الْغَنَمِ بِالنِّسْبَةِ إلَى قَوْلِهِ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ وَقَوْلِهِ في أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ وَنَحْوِهِ فَهَذِهِ مَسْأَلَةُ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْمَفْهُومِ وَسَتَأْتِي وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ فقال فَأَمَّا إذَا كان لِلْخَاصِّ دَلِيلُ خِطَابٍ فإنه يُخَصُّ بِهِ الْعُمُومُ فَيَخْرُجُ منه ما تَنَاوَلَهُ دَلِيلُهُ كَقَوْلِهِ في أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ مع قَوْلِهِ في سَائِمَةِ الْغَنَمِ زَكَاةٌ فَتَخْرُجُ الْمَعْلُوفَةُ من قَوْلِهِ في أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ فَالْمَفْهُومُ كَالْمَنْطُوقِ في وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ وَاللَّفْظُ الْخَاصُّ يُقْضَى بِهِ على الْعَامِّ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ مع قَوْلِهِ الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا ما غَيَّرَهُ وقال الشَّيْخُ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ مَحَلُّ الْخِلَافِ بِالتَّخْصِيصِ بِمَا ليس له مَفْهُومٌ كَاللَّقَبِ فَأَمَّا ما له مَفْهُومٌ كَالصِّفَاتِ فَعَلَى الْقَوْلِ بِالْمَفْهُومِ أَجَازُوا تَخْصِيصَ الْعُمُومِ بِهِ قُلْت وَبِهِ صَرَّحَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ في كِتَابِهِ فقال بَعْدَ قَوْلِهِ إنَّ ذلك لَا يُخَصَّصُ أَمَّا إذَا كان إفْرَادُ الْمَخْصُوصِ بِالذِّكْرِ على مَعْنَى نَفْيِ مُشَارَكَةِ غَيْرِهِ إيَّاهُ كما رُوِيَ في سَائِمَةِ الْغَنَمِ زَكَاةٌ وَرُوِيَ في أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ فَذِكْرُ السَّوْمِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا يَدُلُّ على نَفْيِ الزَّكَاةِ فِيمَا لَيْسَتْ بِسَائِمَةٍ وَكَأَنَّهُ قِيلَ لَا زَكَاةَ إلَّا في السَّائِمَةِ فَإِنْ لم يَقُمْ دَلِيلٌ على أَنَّ إفْرَادَهُ بِالذِّكْرِ على مَعْنَى مُخَالَفَةِ الْمَسْكُوتِ عنه له في حُكْمِهِ فإنه لَا يُجْعَلُ مُخَصَّصًا لِلْعُمُومِ لِأَنَّ ذلك الْعُمُومَ يَشْتَمِلُ عليه وَعَلَى غَيْرِهِ قال وَلَوْلَا قِيَامُ الدَّلِيلِ على أَنَّ قَوْلَهُ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لم يَحْمِلْ خَبَثًا على أَنَّهُ تَحْدِيدٌ لَدَخَلَ في جُمْلَةِ قَوْلِهِ الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ انْتَهَى وَكَذَا قال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ الْخِلَافُ في هذه الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ إذَا عُرِّيَ اللَّفْظُ الْخَاصُّ من وُجُودِ الْأَدِلَّةِ التي تَقْتَضِي الْمُنَافَاةَ سِوَى خُصُوصِهِ في ذلك
- الْمُسَمَّى فَإِنْ كان معه ما يَقْتَضِي ذلك فَلَا خِلَافَ في أَنَّهُ يَخُصُّ الْعُمُومَ إلَّا في الْمَوَاضِعِ التي يُخْتَلَفُ فيها مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فيها مُتَعَلِّقًا بِصِفَةٍ فَيَدُلُّ على ما عَدَاهُ بِخِلَافِهِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ أو أَنْ يَكُونَ فيه تَعْلِيلٌ يُوجَدُ في بَعْضِ ما دخل تَحْتَ الْعُمُومِ فإذا عُرِّيَ من ذلك فَفِيهِ الْخِلَافُ ذِكْرُ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ هل يُخَصِّصُ الْعَامَّ الثَّالِثُ أَنَّ الْخِلَافَ لَا يَقْصُرُ على وُرُودِ الْخَاصِّ بِالنَّصِّ بَلْ إذَا وَرَدَ الْعَامُّ ثُمَّ وَرَدَ من النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قَضَاءٌ أو فِعْلٌ بِمَا يُوَافِقُ الْعُمُومَ ولم يَقُمْ دَلِيلٌ على أَنَّ فِعْلَهُ بَيَانٌ لِلْعُمُومِ وَمُفَسِّرٌ له فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ قال الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ وَمَثَّلَهُ بِقَطْعِهِ عليه السَّلَامُ فِيمَا قِيمَتُهُ ثَلَاثُ دَرَاهِمَ أو عَشَرَةٌ وَلَيْسَ فيه أَنَّ ذلك تَفْسِيرٌ لِلْآيَةِ قال وَكَذَلِكَ لم يَجْعَلْ أَصْحَابُنَا ثَلَاثَةَ الدَّرَاهِمِ حَدًّا كما ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَلَا عَشَرَةً كما ذَهَبَ إلَيْهِ أَهْلُ الرَّأْيِ لِأَنَّ الْعُمُومَ قد ثَبَتَ بِقَطْعِ السُّرَّاقِ أَمْرًا وَالتَّقْيِيدُ إنَّمَا يَقَعُ على ما سُرِقَ من قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ لِهَذَا لم يَجْعَلْ الْخَبَرَيْنِ في قِيمَةِ الْمِجَنَّيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ لِأَنَّ قِيمَتَهُمَا قد تَخْتَلِفُ الرَّابِعُ قَيَّدَ ابن الرِّفْعَةِ في بَابِ الْأَوَانِي من الْمَطْلَبِ هذه الْمَسْأَلَةَ فقال مَحَلُّ قَوْلِنَا إنَّ ذِكْرَ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ لَا يُخَصَّصُ ما إذَا لم يُعَارِضْ الْعُمُومَ عُمُومٌ آخَرُ فَإِنْ عَارَضَهُ قُدِّمَ وَمَثَّلَهُ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ هَذَانِ حَرَامٌ على ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌّ لِإِنَاثِهِمْ وَرِوَايَةِ أبي مُوسَى حُرِّمَ لُبْسُ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ على ذُكُورِ أُمَّتِي فَاقْتَضَى الثَّانِي تَخْصِيصَ الْأَوَّلِ بِاللُّبْسِ وقد عَارَضَ عُمُومَ الْأَوَّلِ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ الذي يَأْكُلُ أو يَشْرَبُ في آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ في جَوْفِهِ نَارَ جَهَنَّمَ فإنه يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الْأَوَانِي على الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ لِأَنَّ حَدِيثَ الْأَوَانِي غَيْرُ حديث الِاسْتِعْمَالِ
- فَائِدَةٌ لَا مَعْنَى لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إلَّا أَنَّا نَقْصُرُ الْحُكْمَ على تِلْكَ الْوَاقِعَةِ أو نَقِيسُ على تِلْكَ الْوَاقِعَةِ ما هو في مَعْنَاهَا من كل مَأْكُولِ اللَّحْمِ كما في شَاةِ مَيْمُونَةَ قال الْإِمَامُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ تَخْصِيصُ الْمَعْنَى الثَّانِي مَسْأَلَةٌ إذَا ذُكِرَ الْعَامُّ وَعُطِفَ عليه بَعْضُ أَفْرَادِهِ مِمَّا حَقُّ الْعُمُومَ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى حَافِظُوا على الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى فَهَلْ يَدُلُّ فيه التَّخْصِيصُ على أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ حَكَى الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ عن وَالِدِهِ في كِتَابِ الْوَصِيَّةِ أَنَّهُ حَكَى خِلَافَ الْعُلَمَاءِ في هذه الْمَسْأَلَةِ فقال بَعْضُهُمْ هذا الْمَخْصُوصُ بِالذِّكْرِ لم يَدْخُلْ تَحْتَ الْعَامِّ لِأَنَّا لو جَعَلْنَاهُ دَاخِلًا تَحْتَهُ لم يَكُنْ لِلْإِفْرَادِ فَائِدَةٌ قُلْت وَعَلَى هذا جَرَى أبو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ وَتِلْمِيذُهُ ابن جِنِّي وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ يَدُلُّ عليه فإنه قال في حديث عَائِشَةَ في الصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ إنَّهُ يَدُلُّ على أَنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى لَيْسَتْ الْعَصْرَ لِأَنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ ثُمَّ قال الرُّويَانِيُّ وقال بَعْضُهُمْ هذا الْمَخْصُوصُ بِالذِّكْرِ هو دَاخِلٌ تَحْتَ الْعُمُومِ وَفَائِدَتُهُ التَّأْكِيدُ أَيْ فَكَأَنَّهُ ذُكِرَ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِالْعُمُومِ وَمَرَّةً بِالْخُصُوصِ وَفَرَّعَ الرُّويَانِيُّ على هذا الْخِلَافِ ما لو أَوْصَى لِزَيْدٍ بِدِينَارٍ وَبِثُلُثِ مَالِهِ لِلْفُقَرَاءِ وَزَيْدٌ فَقِيرٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى غير الدِّينَارِ لِأَنَّهُ بِالتَّقْدِيرِ قَطَعَ اجْتِهَادَ الْقَاضِي جَزَمَ بِهِ في الْحَاوِي وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ فيه وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا هذا وهو الْأَظْهَرُ وَالثَّانِي أَنَّهُ يُجْمَعُ بين ما أَوْصَى له بِهِ وَبِشَيْءٍ آخَرَ من الثُّلُثِ على ما أَرَادَ الْمُوصِي الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ أَنَّ الْمَعْطُوفَ إذَا كان خَاصًّا لَا يُوجِبُ التَّخْصِيصَ الْمَذْكُورَ في الْمَعْطُوفِ عليه عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَيُوجِبُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَقِيلَ بِالْوَقْفِ لنا أَنَّ الْعَطْفَ لَا يَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ في هذه الْأَحْكَامِ وَمِثَالُ الْمَسْأَلَةِ احْتِجَاجُ أَصْحَابِنَا على أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ بِقَوْلِهِ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وهو عَامٌّ في الْحَرْبِ وَالذِّمِّيُّ لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ في سِيَاقِ النَّفْيِ
- وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ بَلْ هو خَاصٌّ وَالْمُرَادُ بِهِ الْحَرْبِيُّ بِقَرِينَةِ عَطْفِ الْخَاصِّ عليه وهو قَوْلُهُ وَلَا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ لِأَنَّهُ عليه السَّلَامُ عَطْفٌ عليه قَوْلُهُ وَلَا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ وَلَا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ بِكَافِرٍ على حَدِّ قَوْله تَعَالَى آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ من رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ثُمَّ إنَّ الْكَافِرَ الذي لَا يُقْتَلُ بِهِ ذُو الْعَهْدِ هو الْحَرْبِيُّ فَقَطْ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ الْمُعَاهَدَ يُقْتَلُ بِالْمُعَاهَدِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْكَافِرُ الذي لَا يُقْتَلُ بِهِ الْمُسْلِمُ أَيْضًا هو الْحَرْبِيُّ تَسْوِيَةً بين الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عليه وَهَذَا التَّقْدِيرُ ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ أَحَدُهَا أَنَّ الْعَطْفَ لَا يَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ بين الْمُتَعَاطِفَيْنِ من كل وَجْهٍ الثَّانِي أَنَّ قَوْلَهُ وَلَا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ كَلَامٌ تَامٌّ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى إضْمَارٍ قَوْلِهِ بِكَافِرٍ لِأَنَّ الْإِضْمَارَ خِلَافُ الْأَصْلِ وَالْمُرَادُ حِينَئِذٍ أَنَّ الْعَهْدَ عَاصِمٌ من الْقَتْلِ وقد ذَهَبَ أبو عُبَيْدٍ في غَرِيبِ الحديث إلَى ذلك فقال إنَّ قَوْلَهُ وَلَا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ في عَهْدِهِ لِأَنَّهُ لو اقْتَصَرَ على قَوْلِهِ وَلَا ذُو عَهْدٍ لَتُوُهِّمَ أَنَّ من وُجِدَ منه عَهْدٌ ثُمَّ خَرَجَ منه لَا يُقْتَلُ فلما قال في عَهْدِهِ عَلِمْنَا اخْتِصَاصَ النَّهْيِ بِحَالَةِ الْعَهْدِ فَإِنْ قِيلَ ما وَجْهُ الِارْتِبَاطِ بين هَاتَيْنِ الْجُمْلَتَيْنِ على رَأْيِكُمْ إذْ لَا يَظْهَرُ مُنَاسَبَةٌ لِقَوْلِنَا وَلَا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ مُطْلَقًا مع قَوْلِنَا لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ أَجَابَ أبو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ بِأَنَّ عَدَاوَةَ الصَّحَابَةِ لِلْكُفَّارِ كانت شَدِيدَةً جِدًّا فلما قال عليه السَّلَامُ لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ خَشِيَ أَنْ يَتَجَرَّدَ هذا الْكَلَامُ فَتَحْمِلُهُمْ الْعَدَاوَةُ الشَّدِيدَةُ بَيْنَهُمْ على قَتْلِ كل كَافِرٍ من مُعَاهَدٍ وَغَيْرِهِ فَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ ما مَعْنَاهُ وَلَا ذُو عَهْدٍ في زَمَنِ عَهْدِهِ الثَّالِثُ أَنَّ حَمْلَ الْكَافِرِ الْمَذْكُورِ على الْحَرْبِيِّ لَا يَحْسُنُ لِأَنَّ هَدْرَ دَمِهِ من الْمَعْلُومِ من الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فَلَا يَتَوَهَّمُ أَحَدٌ قَتْلَ مُسْلِمٍ بِهِ وَيُبْعِدُ هذا الْجَوَابَ قَلِيلًا أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ مَدْلُولَ الحديث مُسْتَغْنًى عنه بِمَا دَلَّ عليه قَوْله تَعَالَى فَأَتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلَى مُدَّتِهِمْ فَالْحَمْلُ على فَائِدَةٍ جَدِيدَةٍ أَوْلَى وَثَانِيهَا أَنَّ صَدْرَ الحديث نَفَى فيه الْقَتْلَ قِصَاصًا لَا مُطْلَقَ الْقَتْلِ فَقِيَاسُ آخِرِهِ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ
- الرَّابِعُ سَلَّمْنَا صِحَّةَ التَّقْدِيرِ لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ لُزُومَ تَسَاوِي الدَّلِيلِ وَالْمَدْلُولِ عليه لِأَنَّهُمَا كَلِمَتَانِ لو لُفِظَ بِهِمَا ظَاهِرَتَيْنِ أَمْكَنَ أَنْ يُرَادَ بِإِحْدَاهُمَا غَيْرُ ما أُرِيدَ بِهِ بِالْأُخْرَى فَكَذَلِكَ مُنِعَ ذِكْرُ إحْدَاهُمَا وَتَقْدِيرُ الْأُخْرَى وَيُؤَيِّدُهُ عُمُومُ وَالْمُطَلَّقَاتُ وَخُصُوصُ وَبُعُولَتُهُنَّ مع عَوْدِ الضَّمِيرِ عليه إذَا عَلِمْت هذا فَاعْلَمْ أَنَّهُ قد اخْتَلَفَ طُرُقُ الْأُصُولِيِّينَ في تَرْجَمَةِ هذه الْمَسْأَلَةِ فَمِنْهُمْ من تَرْجَمَهَا كما ذَكَرْنَا وَادَّعَى أَنَّهُ الصَّوَابُ كما سَيَأْتِي وَمِنْهُمْ من تَرْجَمَهَا كَالْآمِدِيِّ في الْأَحْكَامِ بِأَنَّ الْعَطْفَ على الْعَامِّ هل يَقْتَضِي الْعُمُومَ في الْمَعْطُوفِ وَهَذِهِ تَشْمَلُ ما لَا خِلَافَ فيه وَهِيَ ما لو قال لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ بِحَرْبِيٍّ فَلَا يقول أَحَدٌ بِاقْتِضَاءِ الْعَطْفِ على الْعَامِّ الْعُمُومَ حتى لَا يُقْتَلُ الْمُعَاهَدُ بِكَافِرٍ حَرْبِيًّا كان أو ذِمِّيًّا وَمِنْهُمْ من تَرْجَمَهَا كَالْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ وَالْبَيْضَاوِيِّ وَالْهِنْدِيِّ وَغَيْرِهِمْ بِأَنَّ عَطْفَ الْخَاصِّ لَا يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ وَنَاقَشَهُمْ النَّقْشَوَانِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ هذه الْعِبَارَةَ تَشْمَلُ صُورَتَيْنِ إحْدَاهُمَا عَامٌّ مَعْطُوفٌ على عَامٍّ قام الدَّلِيلُ على أَنَّهُ مَخْصُوصٌ كَقَوْلِك لَا تَضْرِبُ رَجُلًا وَلَا امْرَأَةً ثُمَّ تَبَيَّنَ لنا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَرْأَةِ غَيْرُ الْقَاذِفَةِ أو شَارِبَةِ الْخَمْرِ وَوِزَانُهُ هُنَا أَنْ يُقَالَ لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ ثُمَّ يُخَصَّصُ الْكَافِرُ في الْمَعْطُوفِ عليه بِدَلِيلٍ وَالثَّانِيَةُ عَطْفُ خَاصٍّ بِلَفْظِهِ على عَامٍّ بِلَفْظِهِ فَهَلْ يَقْتَضِي ذلك تَخْصِيصَ الْأَوَّلِ كَقَوْلِنَا لَا تَضْرِبْ رَجُلًا وَلَا امْرَأَةً كَهْلَةً فَهَلْ يَخُصُّ الرَّجُلَ بِالْكَهْلِ أَيْضًا وَوِزَانُهُ هُنَا أَنْ يُقَالَ لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ بِحَرْبِيٍّ قالوا وَمِثَالُهُمْ إنَّمَا هو من الْقِسْمِ الْأَوَّلِ ولم يَتَعَرَّضُوا لِلثَّانِيَةِ وَالْإِمَامُ تَرْجَمَ لِلثَّانِيَةِ وَمِثَالُهُ إنَّمَا يُطَابِقُ الْأُولَى وَحِينَئِذٍ فَكَانَ من حَقِّهِ أَنْ يَقُولَ إنَّ تَخْصِيصَ الْمَعْطُوفِ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ عِلَّتِهِ وَنَازَعَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ شَارِحُ الْمَحْصُولِ وقال بَلْ كَلَامُهُمْ يَشْمَلُ الصُّورَتَيْنِ فَإِنَّهُمْ أَطْلَقُوا الْخَاصَّ وَمُرَادُهُمْ سَوَاءٌ كان خَاصًّا لَفْظًا أو دَلَّ الدَّلِيلُ على أَنَّهُ مَخْصُوصٌ وَتَبِعَهُ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ الْأَصْفَهَانِيُّ من الْمُتَأَخِّرِينَ في مُصَنَّفٍ مُفْرَدٍ في هذه الْمَسْأَلَةِ قال وَالْحَقُّ أَنَّ تَرْجَمَةَ الْإِمَامِ تَعُمُّ الْمَسْأَلَتَيْنِ فإن الْخَاصَّ أَعَمُّ من أَنْ يَكُونَ خُصُوصُهُ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ أو غَيْرِهِ
- لَكِنَّ الْحَقَّ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ وَإِنْ كانت عَامَّةً تَقَعُ على ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ الْخَاصُّ مَذْكُورًا في الْمَعْطُوفِ من غَيْرِ تَقْدِيرٍ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ مُقَدَّرًا لَكِنْ لَا يَكُونُ تَقْدِيرُهُ مُسْتَفَادًا من الْمَعْطُوفِ عليه وَالثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ تَقْدِيرًا من حَيْثُ الْعُمُومُ مُسْتَفَادًا من الْمَعْطُوفِ عليه وَمِنْ حَيْثُ الْخُصُوصُ مُسْتَفَادًا من تَخْصِيصٍ بِمُنْفَصِلٍ وَالْحَدِيثُ من الْوَجْهِ الثَّالِثِ وَالْبَيَانُ في الْجَمِيعِ لَا يَتَفَاوَتُ انْتَهَى وَالْحَقُّ أَنْ يُقَالَ الْمَقْصُودُ بِالْمَسْأَلَةِ إنَّمَا هو أَنَّ إحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ إذَا عُطِفَتْ على الْأُخْرَى وَكَانَتْ الثَّانِيَةُ تَقْتَضِي إضْمَارًا كَقَوْلِهِ وَلَا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ على ما تَدَّعِيه الْحَنَفِيَّةُ فَإِنَّهَا لَا تَسْتَقِيمُ عِنْدَهُمْ بِدُونِ إضْمَارٍ وَإِلَّا يَلْزَمُ قَتْلُ الْمُعَاهَدِ مُطْلَقًا فَهَلْ يُضْمَرُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ثُمَّ إنْ كان عَامًّا اقْتَضَى الْعَطْفُ عليه تَقْدِيرَ الْعَامِّ فَكَانَ الْعَطْفُ على الْعَامِّ يَقْتَضِي الْعُمُومَ لِذَلِكَ أو يُضْمَرُ مِقْدَارُ ما يَسْتَقِلُّ بِهِ الْكَلَامُ فَقَطْ لِأَنَّ ما وَرَاءَهُ تَقْدِيرٌ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ قالت الْحَنَفِيَّةُ بِالْأَوَّلِ وَأَصْحَابُنَا بِالثَّانِي وقد أَجَادَ ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ حَيْثُ افْتَتَحَ الْمَسْأَلَةَ بِقَوْلِهِ الْمَعْطُوفُ لَا يَجِبُ أَنْ يُضْمَرَ فيه جَمِيعُ ما يُمْكِنُ إضْمَارُهُ مِمَّا في الْمَعْطُوفِ عليه بَلْ بِقَدْرِ ما يُفِيدُ وَيَسْتَقِلُّ بِهِ وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ جَمِيعُ ما سَبَقَ مِمَّا يُمْكِنُ إضْمَارُهُ انْتَهَى وَكَذَا ابن الصَّبَّاغِ في الْعُدَّةِ حَيْثُ قال هل يَجِبُ أَنْ يُضْمَرَ في الْمَعْطُوفِ جَمِيعُ ما يُمْكِنُ إضْمَارُهُ مِمَّا في الْمَعْطُوفِ عليه وإذا وَجَبَ ذلك وكان الْمُضْمَرُ في الْمَعْطُوفِ عليه مَخْصُوصًا فَهَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُضْمَرُ في الْمَعْطُوفِ عليه مَخْصُوصًا أَمْ لَا وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْخِلَافَ في أَنَّهُ هل يَجِبُ تَقْدِيرُ ما ذُكِرَ في الْأُولَى أو ما يَسْتَقِلُّ بِهِ الْكَلَامُ فَقَطْ فَنَحْنُ لَا نُقَدِّرُ إلَّا ما يَسْتَقِلُّ بِهِ الْكَلَامُ فَقَطْ وَالْحَنَفِيَّةُ يَجْعَلُونَ الْمُضْمَرَ في الثَّانِيَةِ هو الْمُضْمَرَ في الْأُولَى وَقَالُوا حَرْفُ الْعَطْفِ يَجْعَلُ الْمَعْطُوفَ وَالْمَعْطُوفَ عليه كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا في أَصْلِ الْحُكْمِ وَتَفَاصِيلِهِ وَسَاعَدَهُمْ جَمَاعَةٌ من أَصْحَابِنَا حتى قال ابن السَّمْعَانِيِّ كَلَامُهُمْ ظَاهِرٌ جِدًّا وقال ابن الْحَاجِبِ إنَّهُ الصَّحِيحُ وَفَصَّلَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ بين أَنْ يُقَيَّدَ الْمَعْطُوفُ بِقَيْدٍ غَيْرِ قَيْدِ الْمَعْطُوفِ عليه فَلَا يُضْمَرُ فيه وَأَنْ يُطْلَقَ فَيُضْمَرُ فيه وَنَقَلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ من أَصْحَابِهِمْ أَنَّهُمْ إنَّمَا يَقُولُونَ بِتَخْصِيصِ الْعَامِّ الْمَعْطُوفِ عليه بِخُصُوصِ الْخَاصِّ الْمَعْطُوفِ فِيمَا هو مَخْصُوصُ الْمَادَّةِ ===
- =========ج11 ج11 ج11.=================================
- مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
- ج11. كتاب : البحر المحيط في أصول الفقه
- المؤلف : بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي
- كَالْحَدِيثِ وَنَحْوِهِ وهو أَنْ يَكُونَ الْمَذْكُورُ في الْمَوْضِعَيْنِ أَمَّا إذَا لم يَتَعَيَّنْ كما لو قال ضَرَبْت زَيْدًا وَعَمْرًا قَائِمًا في الدَّارِ فإن الْمَعْطُوفَ هُنَا خَاصٌّ وهو أَنَّ ضَرَبْت في حَالِ قِيَامِهِ وَحَالَ كَوْنِهِ في الدَّارِ وَالْمَعْطُوفُ عليه عَامٌّ فَلَا يَقُولُونَ بِتَخْصِيصِ الْمَعْطُوفِ عليه وَالضَّابِطُ أَنَّ لِلْجُمْلَتَيْنِ الْمُتَعَاطِفَتَيْنِ أَحْوَالًا أَحَدُهَا أَنْ يَتَّضِحُ كَوْنُ الثَّانِيَةِ مُسْتَقِيمَةً وَهَذَا لَا خِلَافَ فيه بين الْفَرِيقَيْنِ وَمِنْهُ فَرِيقٌ لم يُتَرْجِمْ الْمَسْأَلَةَ بِالْعَطْفِ على الْعَامِّ هل يَقْتَضِي الْعُمُومَ فإذا عَطَفْت جُمْلَةً على أُخْرَى وَكَانَتْ الثَّانِيَةُ مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِهَا وَكَانَتْ الْمُشَارَكَةُ في أَصْلِ الْحُكْمِ لَا في جَمِيعِ صِفَاتِهِ وقد لَا يَقْتَضِي مُشَارَكَةً أَصْلًا وَهِيَ التي تُسَمَّى وَاوَ الِاسْتِئْنَافِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَإِنْ يَشَأْ اللَّهُ يَخْتِمْ على قَلْبِك وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ فإن قَوْلَهُ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لَا تَعَلُّقَ لها بِمَا قَبْلَهَا وَلَا هِيَ دَاخِلَةٌ في جَوَابِ الشَّرْطِ الثَّانِيَةُ أَنْ لَا يَتَّضِحَ اسْتِقَامَتُهَا إلَّا بِتَقْدِيرٍ وَإِضْمَارٍ وَهَذَا مَوْضِعُ الْخِلَافِ فَالْحَنَفِيَّةُ يُقَدِّرُونَ الْأَوَّلَ ثُمَّ له حَالَتَانِ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ عَامًّا فَيَكُونُ الْمَعْطُوفُ عَامًّا أَيْضًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ خَاصًّا فَيَكُونُ خَاصًّا وَهَذِهِ الْحَالَةُ عِنْدَهُمْ تُشَارِكُ الثَّانِيَةُ الْأُولَى في جَمِيعِ ما هِيَ عليه وَلِهَذَا لو قال هذه طَالِقٌ ثَلَاثًا وَهَذِهِ طَلُقَتْ الثَّانِيَةُ ثَلَاثًا بِخِلَافِ ما إذَا قال هذه طَالِقٌ ثَلَاثًا وَهَذِهِ طَالِقٌ فَلَا يُطَلِّقُ إلَّا وَاحِدَةً لِاسْتِقْلَالِهَا وَوَافَقَهُمْ ابن الْحَاجِبِ وَالْتَزَمَ في أَثْنَاءِ كَلَامٍ له في مُخْتَصَرِهِ الْأُصُولِيِّ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ ضَرَبْت زَيْدًا يوم الْجُمُعَةِ وَعَمْرًا يَتَقَيَّدُ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ أَيْضًا وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ عَطْفَ الْجُمْلَةِ النَّاقِصَةِ عِنْدَهُ على الْكَامِلَةِ يَقْتَضِي مُشَارَكَتَهُمَا في أَصْلِ الْحُكْمِ وَتَفَاصِيلِهِ وَذَكَرَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ أَنَّهُ اخْتِيَارُ ابْنِ عُصْفُورٍ من النَّحْوِيِّينَ وَأَمَّا أَصْحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ فَقَدْ اخْتَلَفُوا في ذلك فَقَالُوا إذَا قال إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَفُلَانَةُ فإن الثَّانِيَةَ تَتَقَيَّدُ أَيْضًا بِالشَّرْطِ وَكَذَا لو قَدَّمَ الْجَزَاءَ على الشَّرْطِ وهو ظَاهِرٌ وَقَالُوا فِيمَا إذَا قال لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفٌ وَدِرْهَمٌ وَنَحْوَهُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ الدِّرْهَمُ مُفَسِّرًا لِلْأَلْفِ بَلْ له تَفْسِيرُهَا بِمَا شَاءَ وهو مَذْهَبُ مَالِكٍ وقال الْحَنَفِيَّةُ إنْ كان الْمَعْطُوفُ مَكِيلًا أو مَوْزُونًا أو مَعْدُودًا فُسِّرَتْ الْأَلْفُ بِهِ وَإِنْ كان مُتَقَوِّمًا كَالثَّوْبِ وَالْعَبْدِ بَقِيَ الْعَدَدُ الْأَوَّلُ على إبْهَامِهِ
- وَلَوْ قال كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ وَأَنْتِ يا أُمَّ أَوْلَادِي قال الْعَبَّادِيُّ لَا يَقَعُ عليه الطَّلَاقُ لِأَنَّهُ قبل النِّكَاحِ لَغْوٌ وقد رَتَّبَ طَلَاقَهَا عليه فَيَلْغُو حَكَاهُ عنه الرَّافِعِيُّ ولم يُنْكِرْهُ ثُمَّ قال وَيَقْرَبُ من هذا ما ذَكَرَهُ غَيْرُهُ أَنَّهُ لو قال لِزَوْجَتِهِ نِسَاءُ الْعَالَمِينَ طَوَالِقُ وَأَنْتِ يا فَاطِمَةُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ لِأَنَّهُ عَطَفَ طَلَاقَهَا على طَلَاقِ نِسْوَةٍ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُنَّ وَقَضِيَّةُ هذه الْعِلَّةِ أَنَّهُ إذَا عَطَفَ الطَّلَاقَ على طَلَاقٍ نَافِذٍ يَقَعُ الثَّالِثَةَ أَنْ يَشْكُلَ الْحَالُ فَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أنها مُحْتَاجَةٌ إلَى الْإِضْمَارِ وَآخَرُونَ إلَى أنها غَيْرُ مُحْتَاجَةٍ كَهَذَا الحديث فإنه عِنْدَنَا تَامٌّ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيرٍ وَهُمْ يُقَدِّرُونَهُ قالوا وَلَوْ لم نُقَدِّرْهُ لَكَانَ مَعْنَاهُ لَا يُقْتَلُ ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ امْتِنَاعُ قَتْلِ الْمُعَاهَدِ مُطْلَقًا قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ لُزُومَهُ وَإِنَّمَا يَظْهَرُ امْتِنَاعُهُ وَحِينَئِذٍ يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ كما يَجُوزُ تَخْصِيصُ قَوْلِهِ بِكَافِرٍ على تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ هو مُقَدَّرًا وقد ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ في كِتَابِهِ التَّجْرِيدِ في الحديث تَقْدِيرَيْنِ آخَرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا حَذْفَ فيه وَلَكِنَّهُ على التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وَالْأَصْلُ لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ وَلَا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ بِكَافِرٍ ثُمَّ أَخَّرَ الْمَعْطُوفَ عن الْجَارِ وَالْمَجْرُورِ وإذا ثَبَتَ ذلك فَالْكَافِرُ الذي لَا يُقْتَلُ بِهِ الْمُعَاهَدُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ من لَا عَهْدَ له وهو الْحَرْبِيُّ فَكَذَلِكَ الْكَافِرُ الذي لَا يُقْتَلُ بِهِ الْمُسْلِمُ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ فَرَّ من ضَرُورَةِ تَقْدِيرِ الْحَرْبِيِّ إلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وهو خِلَافُ الْأَصْلِ أَيْضًا وَبِأَنَّ فيه ما سَبَقَ الثَّانِي أَنَّ ذُو عَهْدٍ مُبْتَدَأٌ وفي عَهْدِهِ خَبَرُهُ وَالْوَاوُ لِلْحَالِ أَيْ لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ وَالْحَالُ أَنَّهُ ليس ذَا عَهْدٍ في عَهْدِهِ وَنَحْنُ لو فَرَضْنَا خُلُوَّ الْوَقْتِ عن عَهْدٍ لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ لم يُقْتَلْ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ قال وَمِثْلُهُ في الْمَعْنَى ما أَنْشَدَ أبو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ بِأَيْدِي رِجَالٍ لم يَشِيمُوا سُيُوفَهُمْ ولم تَكْثُرْ الْقَتْلَى بها حَيْثُ سُلَّتْ وَهَذَا فيه بُعْدٌ لِأَنَّ فيه إخْرَاجَ الْوَاوِ عن أَصْلِهَا وهو الْعَطْفُ وَمُخَالَفَةٌ لِرِوَايَةِ من رَوَى وَلَا ذِي عَهْدٍ بِالْخَفْضِ إمَّا عَطْفًا على كَافِرٍ كما يقول الْجُمْهُورُ وَإِمَّا على مُسْلِمٍ كما تَقُولُهُ الْحَنَفِيَّةُ وَلَكِنَّهُ خُفِضَ لِمُجَاوَرَتِهِ لِلْمَخْفُوضِ وَأَيْضًا فإن مَفْهُومَهُ حِينَئِذٍ أَنَّ الْمُسْلِمَ يُقْتَلُ بِالْكَافِرِ مُطْلَقًا في حَالَةِ كَوْنِ ذِي الْعَهْدِ في عَهْدِهِ وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ فإنه لَا يُقْتَلُ بِالْحَرْبِيِّ اتِّفَاقًا
- مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفُوا في لَفْظِ الْعَامِّ إذَا كان مَعْطُوفًا على عُمُومٍ قَبْلَهُ وَأَمْكَنَ اسْتِعْمَالُ كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا في نَفْسِهِ إذَا أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ من غَيْرِ تَعَلُّقِ الثَّانِي بِمَا قَبْلَهُ قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ فَكُلُّ من اعْتَبَرَ خُصُوصَ السَّبَبِ زَعَمَ أَنَّ الثَّانِيَ مَحْمُولٌ على حُكْمِ الْعُمُومِ الذي يَلِيه وَمَنْ اعْتَبَرَ عُمُومَ اللَّفْظِ أَوْجَبَ اعْتِبَارَ الْعُمُومِ الثَّانِي بِظَاهِرِهِ إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ على تَعَلُّقِهِ بِالْمَعْطُوفِ وَمِثَالُهُ قَوْله تَعَالَى وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا إلَى قَوْلِهِ فَمَنْ تَابَ من بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فإن اللَّهَ يَتُوبُ عليه فَمَنْ تَابَ كَلَامٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ مُفْرَدٌ فَلَا يَصِحُّ تَضْمِينُهُ بِمَا قَبْلَهُ من السَّرِقَةِ من سُقُوطِ الْقَطْعِ بِالتَّوْبَةِ بَلْ هو عَامٌّ في السَّرِقَةِ وَغَيْرِهَا إلَّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ منه وَلَيْسَ هذا كَقَوْلِهِ في آيَةِ الْمُحَارَبَةِ إلَّا الَّذِينَ تَابُوا الْآيَةُ اسْتَثْنَى لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ قال الْأُسْتَاذُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ هذا الْمَذْهَبُ الذي أَخَتَرَتَاهُ أَوْلَى لِأَنَّهُمْ حَمَلُوا قَوْله تَعَالَى وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ على الْمُطَلَّقَةِ وَعَلَى الْمُتَوَفَّى عنها زَوْجُهَا ولم يَحْمِلُوهَا على الْمَعْطُوفِ عليه في قَوْلِهِ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ
- المسألة الخامسة إذا ورد اللفظ العام ثم ورد عقيبه تقييد بشرط أو استثناء أو صفة أو حكم وكان ذلك لا يتأتى إلا في بعض ما يتناوله العموم فهل يجب أن يكون المراد بذلك العموم ذلك البعض أو لا فيه قولان والمذهب كما قاله ابن السمعاني أنه لا يجب أن يكون المراد بالعموم تلك الأشياء فقط وبه جزم الشيخ أبو حامد الإسفراييني فقال بل يحمل الأول على عمومه والآخر على أنه بيان لبعض حكم الأول قال وأبو حنيفة يوافقنا على هذه القاعدة وإن خالفنا في مثل لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده انتهى وجزم به أبو بكر الصيرفي في كتاب الدلائل والأعلام والقفال الشاشي في كتابه وابن القشيري وإلكيا الطبري والشيخ أبو إسحاق وسليم في التقريب وابن
- الصباغ في العدة وبه جزم أبو بكر الرازي من الحنفية ونقله عن عيسى بن أبان وغيره وقالت الحنفية إن ذلك يقتضي تخصيصه وبه قال القاضي من الحنابلة وقال إنه ظاهر كلام أحمد قال سليم وإلى هذا ذهب أبو حنيفة وإنما خالفه في اعتبار مسائل خص عموم أولها بخصوص آخر كقوله لا يقتل مسلم بكافر الحديث فحمل أول الحديث على الكافر الحربي والمستأمن لأجل آخره لنا أن العام إنما يخص بما ينافيه قلت ونقل الرافعي في أول باب قاطع الطريق عن أكثر العلماء من أصحابنا وغيرهم أن الآية في المسلمين دون الكفار وأنهم احتجوا على ذلك بقوله إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم الآية فدل هذا الاستثناء على أنها في المسلمين انتهى وذهب بعض الأصوليين إلى الوقف واختاره أبو الحسين البصري في المعتمد كذا رأيته فيه وكذا حكاه ابن برهان في الأوسط وابن السمعاني في القواطع ونقل ابن الحاجب عنه أنه يخصص وهو وهم قلت ونص عليه الشافعي في الأم ونقله عن ابن عباس واعلم أن للشافعي في المسألة نصا صريحا لكن وقع في كلامه ما يقتضي الأمرين فأما ما يدل على أنه تخصيص فمواضع أحدها أنه قال في الأم في قوله تعالى كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده إن الضمير عائد على بعض ما تقدم وهو الزرع لا النخل والزيتون لأن الحصاد لا يكون إلا في الزرع فلم يوجب الزكاة إلا في الزرع وحمل الإتاء العام عليه لأجل الضمير المخصص الثاني أنه قال في قوله تعالى انفروا خفافا وثقالا إن هذا وإن كان لفظه عاما للحر والعبد إلا أنه خاص بالحر لقوله بعده وجاهدوا بأموالكم والعبد لا يملك الثالث قوله في الاحتجاج على أن العبد لا يملك الطلاق الثلاث بقوله سبحانه الطلاق مرتان لأنه وإن كان عاما لكنه خاص بالحر لأجل قوله ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن والعبد لا يعطي شيئا
- الرابع أنه استدل على أن العبد لا تحل له أربع زوجات بقوله فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع وقال هذا خاص بالحر لقوله أو ما ملكت أيمانكم فإن العبد لا يملك الخامس آية المحاربة السابقة وأما المواضع التي تدل على أنه ليس بتخصيص فمنها أن ظهار الذمي عنده صحيح مع أن قوله تعالى عقب قوله والذين يظاهرون وإن الله لعفو غفور وهو لا يكون إلا للمؤمنين فلم يجعل هذا مخصصا لعموم الذين يظاهرون ومنها أن إيلاء الذمي عنده صحيح مع أن قوله تعالى عقبه للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم فلم يجعله مخصصا فخرج من هذا أن للشافعي في المسألة قولين أصحهما أنه تخصيص كما دل عليه الأكثر من كلامه إلا أن يدل دليل على عدم المخصص فيعمل به كإيلاء الذمي وظهاره وقد مثلوا الاستثناء بقوله تعالى إلا أن يعفون بعد قوله لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ومعلوم أن العفو لا يكون إلا من البالغة الرشيدة فهل يتخصص النساء بهن قال صاحب المصادر وهذا ليس بوزان المسألة لأنه إنما يصح لو لم يذكر بعده أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح فقد ذكر حكم البلغ وحكم غيرهن ومثال الصفة قوله لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا بعد قوله إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ويعني بالأمر الرغبة في رجعتهن ومعلوم أن ذلك لا يتأتى في البائنة فكان الأول عاما في المطلقات قال القفال ولهذا جعل أصحابنا قوله إذا طلقتم النساء فطلقوهن فيما يملك الزوج من عدد الطلاق وإن كان قوله لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا يقتضي تخصيصه بالرجعي ومثال رجوع الضمير قوله والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء فهذا عام في الرجعية والبائن المدخول بها ثم قوله وبعولتهن أحق بردهن وهذا لا يتأتى في البائن وقوله تعالى ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وهذا عام في المسلمين والمشركين ثم
- قال لقد تقطع بينكم وهي خاصة بالمشركين وجعل بعض المتأخرين مدرك الخلاف أن التخصيص هل يدخل على الأسماء المضمرة كما يدخل على الأسماء المظهرة كما يدل عليه التخصيص المتصل في مثل قوله تعالى ما فعلوه إلا قليل منهم فشربوا منه إلا قليلا منهم فمنهم من قال أكثر الناس على الدخول وتوهم بعض المتأخرين أنه لا يدخل في الضمائر لأن المضمر لا يدل بنفسه على جنس من الأجناس وإنما يعود إلى المذكور أو المعلوم فيقل بقلته ويكثر بكثرته فلا حاجة إلى دخول التخصيص عليه وهذا ليس بشيء لأن موضوعه في اللغة أن يعود إلى ما قبله فإذا عاد إلى بعض ما قبله فقد خص ببعض معناه انتهى وجعل الصيرفي من هذا القسم قوله تعالى وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن إلى قوله إلا أن يعفون فأطلق تعالى الاسم على من طلقت بهذه الصفة وأوجب لها نصف المهر من كل مطلق ثم قال إلا أن يعفون فلو كان الضمير راجعا إلى الكل لجاز أن تعفو غير البالغة لأنه لو كان نصف الصداق لا يكون إلا على الزوج الذي له العفو لامرآته أو لامرآته عليه لكان من لا يكون له العفو لا نصف له من الصداق وإذا بطل هذا علم أن الخطاب بالعفو في بعض المذكورين في الابتداء ثم قال وكل ما يجوز أن يكون في الابتداء على الإطلاق فالضمير راجع إلى هذا الوصف والحكم ثابت على ما ثبت وكل ما لا يصح إلا على الترتيب فالحكم له وما جاز أن يقع على الجميع فالضمير عن جميعه ومثل أيضا بقوله تعالى ووصينا الإنسان بوالديه حسنا ثم قال وإن جاهداك لتشرك بي فهذا إنما يكون في الكافر والأول على عمومه وكذا قوله يوصيكم الله في أولادكم الآية ثم قال من بعد وصية يوصي بها أو دين وقال أبو الحسين بن القطان الكناية إنما تكون على مذكور متقدم فإن لم يكن لم يجز أن يحمل عليه وقد خاطبنا الله بخطاب مواجهة لم يكن على ما تقدم كقوله تعالى حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وإنما أراد بكم ولو خلينا والظاهر لقلنا فيه إن ذلك ليس بعطف لكن لما تقدم ذكر المواجهة علمنا عوده إليهم نظيره قوله تعالى إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح
- خرجه الشافعي على قولين أحدهما أن المراد به الولي لأنه لو أراد الزوج لواجهه فلما عدل إلى الكناية علمنا أنه لم يرده والثاني أنه رد الكناية إلى المواجهة وهو الزوج لأنه ذكر عفوها وعفو زوجها فكنى كما كنى في جرين بهم قال وهذا يجري في كل موضع إن قام الدليل صرنا إليه وإلا حمل على الظاهر قال وجعل بعض أصحابنا من هذا أن يعطف شيء فيكون حكم الثاني حكم الأول كقوله لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ثم قال ومن قتله منكم متعمدا فكان الصيد اسما للفعل فلما قال لا تقتلوا استحال أن يكون إشارة إلى الفعل فعلم أن الإشارة وقعت إلى عين المصيد ثم عطف بقوله وحرم عليكم صيد البر فكان المعطوف الثاني على العطف الأول وذلك أن أهل اللغة قالوا إن العطف على حكم المتقدم قال ولذلك قال أحل لكم صيد البحر ومن أصحابنا من قال هذا إذا جرين كان للفعل الثاني لأن الأول لم يعهد أن يكون للفعل لقيام الدلالة عليه وإذا لم نقدر على هذا رجعنا في ذلك إلى الحقيقة في الثاني فكان للفعل والأجود أن يقال في هذه الآية إنه للفعل والمصيد نفسه فقد حرم الأمرين جميعا لأنه قد يقع على المصيد وإذا كان يقع عليه حمل على الأمرين ومما يبين هذا أن الآية واردة في القسم الأول أنه للفعل قوله وحرم عليكم صيد البر فلا يجوز أن يقال فعل البر وإنما أراد عين المصيد ومثل ذلك قوله فطلقوهن لعدتهن ثم قال لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا فكان الأول محمولا على البائن والرجعية والثاني محمول على الرجعية مَسْأَلَةٌ وَأَمَّا إذَا كان أَوَّلُ الْكَلَامِ خَاصًّا وَآخِرُهُ بِصِيغَةِ الْعُمُومِ فَلَا يَكُونُ خُصُوصُ أَوَّلِهِ مَانِعًا من عُمُومِ آخِرِهِ كَالْعَكْسِ ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ وَقَوْلُهُ فَمَنْ تَابَ من بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فإن الْأَوَّلَ في صِنْفٍ من الظَّالِمِينَ وَهُمْ السُّرَّاقُ وَالتَّوْبَةُ بَعْدَ الظُّلْمِ وَالْإِصْلَاحِ لِجَمِيعِ
- الظَّالِمِينَ وَقَوْلُهُ وَاَللَّائِي يَئِسْنَ من الْمَحِيضِ من نِسَائِكُمْ إنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاَللَّائِي لم يَحِضْنَ فَكَانَ هذا لِلْمُطَلَّقَاتِ ثُمَّ قال وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وهو عَامٌّ في الْمُطَلَّقَاتِ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهُنَّ وَذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ النَّحْوِيُّ وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ يُوصِيكُمْ اللَّهُ في أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ كان أَوَّلُهُ خَاصًّا بِالْأَوْلَادِ وَآخِرُهُ يَشْمَلُ الْأَوْلَادَ وَالْإِخْوَةَ وَالْأَخَوَاتِ إذَا وَرِثُوا فإن لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَلَوْ قِيلَ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ كان مَقْصُورًا على الْأَوْلَادِ فلما لم يَقُلْ منهم دَلَّ على إرَادَةِ الْعُمُومِ قلت وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ فيها الْخِلَافُ في الْعَكْسِ وقد سَبَقَ في قَوْلِهِ لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ تَنْبِيهٌ إذَا تَقَدَّمَ الْمَعْنَى الْمُخَصَّصُ وَتَأَخَّرَ اللَّفْظُ الْعَامُّ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا التَّخْصِيصُ وَلِهَذَا خَصُّوا قَوْلَهُ عليه السَّلَامُ إنَّ اللَّهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ بِالْوَصِيَّةِ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ وَقَالُوا إذَا أَوْصَى بِعَيْنٍ هِيَ قَدْرُ حِصَّتِهِ يَصِحُّ فلم يَعْتَبِرُوا الْعُمُومَ لِأَجْلِ سَبْقِ الْعِلَّةِ الْمُخَصِّصَةِ مَسْأَلَةٌ وَأَمَّا إذَا ذُكِرَ الْعَامُّ ثُمَّ ذُكِرَ بَعْضُ أَفْرَادِهِ بِقَيْدٍ أو شَرْطٍ فَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ الْأَوَّلَ مُرَادٌ بِمَا عَدَا الشَّرْطَ وَيَكُونُ مُخَصِّصًا له قَالَهُ الصَّيْرَفِيُّ وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ ثُمَّ قال فَإِنْ كان من قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وهو مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كان من قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ فَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لم يُرِدْ مَجْمُوعَ الرَّقَبَتَيْنِ على الْقَاتِلِ إنْ كان الْقَتْلُ من عَدُوٍّ لنا لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْمُؤْمِنَ ذِكْرًا عَامًّا فَكَانَ الِاسْمُ يَنْظِمُ من هو عَدُوٌّ لنا وَمَنْ هو من دَارِنَا فلما قال في الثَّانِيَةِ فَإِنْ كان من قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ دَلَّ على مُخَالَفَةِ الْمَوْضِعَيْنِ وَأَنَّ ذِكْرَ الْأَوَّلِ في بَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ وَهَذَا الذي في غَيْرِ دَارِ الْحَرْبِ وَبِقَوْلِهِ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ثُمَّ قال وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ
- فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ لِأَنَّ الْحُكْمَ الثَّانِيَ مُعَلَّقٌ بِمَعْنًى ليس في أَوَّلِ ما اُبْتُدِئَ بِذِكْرِهِ ا هـ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ إذَا وَرَدَ الْعُمُومُ مُجَرَّدًا من صِفَةٍ ثُمَّ أُعِيدَ بِصِفَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ عنه كَقَوْلِهِ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ مع قَوْلِهِ قَبْلَهُ أو بَعْدَهُ اُقْتُلُوا أَهْلَ الْأَوْثَانِ من الْمُشْرِكِينَ كان ذلك مُوجِبًا لِلتَّخْصِيصِ بِالِاتِّفَاقِ وَيُوجِبُ الْمَنْعَ من أَهْلِ الْكِتَابِ وَيُخَصِّصُ ما بَعْدَ الْعُمُومِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ
- مَبَاحِثُ الْخَاصِّ وَالْخُصُوصِ وَالتَّخْصِيصِ تَعْرِيفُ الْخَاصِّ وَالْخُصُوصِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا الْخَاصُّ اللَّفْظُ الدَّالُ على مُسَمًّى وَاحِدٍ وما دَلَّ على كَثْرَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَلِهَذَا قَدَّمَهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ على الْبَحْثِ في الْعَامِّ تَقْدِيمًا لِلْمُفْرَدِ على الْمُرَكَّبِ وَالْخُصُوصُ كَوْنُ اللَّفْظِ مُتَنَاوِلًا لِبَعْضِ ما يَصْلُحُ له لَا لِجَمِيعِهِ وقد يُقَالُ خُصُوصٌ في كَوْنِ اللَّفْظِ مُتَنَاوِلًا لِلْوَاحِدِ الْمُعَيَّنِ الذي لَا يَصْلُحُ إلَّا له كَتَنَاوُلِ كل اسْمٍ من أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُخْتَصَّةِ بِهِ له تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَذَكَرَ الْقِسْمَ الثَّانِيَ الزَّجَّاجُ في كِتَابٍ له في أُصُولِ الْفِقْهِ نَقَلَهُ عنه ابن الصَّلَاحِ في فَوَائِدِ رِحْلَتِهِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رضي اللَّهُ عنه عَبَّرَ عن الْمُخْرَجِ مَرَّةً بِالْخَاصِّ وَعَنْ الْمُبْقَى مَرَّةً بِالْخَاصِّ وَالْخُصُوصُ من عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ حَقِيقَةً وفي الْمَعَانِي الْخِلَافُ السَّابِقُ في الْعُمُومِ ولم يَتَعَرَّضُوا لِذَلِكَ وَفَرَّقَ الْعَسْكَرِيُّ بين الْخَاصِّ وَالْخُصُوصِ فقال الْخَاصُّ يَكُونُ فِيمَا يُرَادُ بِهِ بَعْضُ ما يَنْطَوِي عليه لَفْظُهُ بِالْوَضْعِ وَالْخُصُوصُ ما اخْتَصَّ بِالْوَضْعِ لَا بِإِرَادَةٍ وَقِيلَ الْخَاصُّ ما يَتَنَاوَلُ أَمْرًا وَاحِدًا بِنَفْسِ الْوَضْعِ وَالْخُصُوصُ أَنْ يَتَنَاوَلَ شيئا دُونَ غَيْرِهِ وكان يَصِحُّ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ ذلك الْغَيْرُ تَعْرِيفُ الْمُخَصَّصِ وَأَمَّا الْمُخَصَّصُ فَيُطْلَقُ على مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ يُوصَفُ الْمُتَكَلِّمُ بِكَوْنِهِ مُخَصِّصًا لِلْعَامِّ بِمَعْنَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ بَعْضَ ما يَتَنَاوَلُهُ وَيُوصَفُ النَّاصِبُ لِدَلَالَةِ التَّخْصِيصِ بِأَنَّهُ مُخَصِّصٌ يُوصَفُ الدَّلِيلُ بِأَنَّهُ مُخَصِّصٌ يُقَالُ السُّنَّةُ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ وَيُوصَفُ الْمُعْتَقِدُ لِذَلِكَ بِأَنَّهُ مُخَصِّصٌ كما قال الشَّافِعِيُّ يُخَصُّ الْكِتَابُ بِالْخَبَرِ وَغَيْرُهُ لَا يُخَصُّ تَعْرِيفُ التَّخْصِيصِ وَأَمَّا التَّخْصِيصُ وهو الْمَقْصُودُ بِالذِّكْرِ فَهُوَ لُغَةً الْإِفْرَادُ وَمِنْهُ الْخَاصَّةُ وَاصْطِلَاحًا قال ابن السَّمْعَانِيِّ تَمْيِيزُ بَعْضِ الْجُمْلَةِ بِالْحُكْمِ وَتَخْصِيصُ الْعَامِّ بَيَانُ ما لم يُرِدْ بِلَفْظِ الْعَامِّ
- وقال ابن الْحَاجِبِ قَصْرُ الْعَامِّ على بَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ وَرَدَ بِأَنَّ لَفْظَ الْقَصْرِ يَحْتَمِلُ الْقَصْرَ في التَّنَاوُلِ أو الدَّلَالَةِ أو الْحَمْلِ أو الِاسْتِعْمَالِ وَذَكَر ابن الْحَاجِبِ أَنَّ التَّخْصِيصَ يُطْلَقُ على قَصْرِ اللَّفْظِ على بَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ وَإِنْ لم يَكُنْ عَامًّا كما يُطْلَقُ الْعَامُّ على اللَّفْظِ بِمُجَرَّدِ تَعَدُّدِ مُسَمَّيَاتِهِ كَالْعَشَرَةِ وَالْمُسْلِمِينَ لِمَعْهُودَيْنِ وَضَمَائِرِ الْجَمْعِ وَقِيلَ إخْرَاجُ ما يَتَنَاوَلُ الْخِطَابَ وهو أَحْسَنُ لِأَنَّ الصِّيغَةَ الْعَامَّةَ شَامِلَةٌ لِجَمِيعِ الْأَفْرَادِ مع قَطْعِ النَّظَرِ عن الْمُعَارِضِ مُقْتَضَى الْإِرَادَةِ شُمُولُ الْحُكْمِ لِجَمِيعِ الْأَفْرَادِ فَيُخَصَّصُ بَعْضُ الْأَفْرَادِ بِالْحُكْمِ دُونَ بَعْضٍ فَهِيَ دَاخِلَةٌ في جُمْلَةِ مُقْتَضَيَاتِ اللَّفْظِ ظَاهِرًا مُخْرَجَةٌ عنه بِالتَّخْصِيصِ وَحِينَئِذٍ فَالْإِخْرَاجُ عن الدَّلَالَةِ أو التَّنَاوُلِ غَيْرُ مُمْكِنٍ وَالْمُمْكِنُ إخْرَاجُ بَعْضِ الْمُتَنَاوَلِ وقال الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ إذَا ثَبَتَ تَخْصِيصُ الْعَامِّ بِبَعْضِ ما اشْتَمَلَ عليه عُلِمَ أَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالْخِطَابِ وَأَنَّ الْمُرَادَ ما عَدَاهُ وَلَا نَقُولُ إنَّهُ كان دَاخِلًا في الْخِطَابِ فَخَرَجَ عنه بِدَلِيلٍ وَإِلَّا لَكَانَ نَسْخًا ولم يَكُنْ تَخْصِيصًا فإن الْفَارِقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ النَّسْخَ رَفْعُ الْحُكْمِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ وَالتَّخْصِيصَ بَيَانُ ما قُصِدَ له بِاللَّفْظِ الْعَامِّ وَكَذَا قال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَالْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ مَعْنَى قَوْلِنَا إنَّ الْعُمُومَ مَخْصُوصٌ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ بِهِ قد أَرَادَ بَعْضَ ما وُضِعَ له دُونَ بَعْضٍ وَذَلِكَ مَجَازٌ لِأَنَّهُ شَبِيهٌ بِالْخُصُوصِ الذي يُوضَعُ في الْأَصْلِ لِلْخُصُوصِ وَإِرَادَةُ الْبَعْضِ لَا تُصَيِّرُهُ مَوْضُوعًا في الْأَصْلِ لِذَلِكَ وَلَوْ كان حَقِيقَةً لَكَانَ الْعَامُّ خَاصًّا وهو مُتَنَافٍ وَإِنَّمَا يَصِيرُ خَاصًّا بِالْقَصْدِ كَالْأَمْرِ يَصِيرُ أَمْرًا بِالطَّلَبِ وَالِاسْتِدْعَاءِ انْتَهَى وَكَذَا قال الْقَاضِي وَالْغَزَالِيُّ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ هذا عَامٌّ مَخْصُوصٌ أو قد خُصَّ لِأَنَّ الْقَائِلِينَ بِالْعُمُومِ يَقُولُونَ هو لِلِاسْتِغْرَاقِ فَإِنْ أُرِيدَ الْبَعْضُ فَقَدْ تَجَوَّزَ بِهِ عن حَقِيقَتِهِ وَوَضْعِهِ فلم يَتَصَرَّفْ في الْوَضْعِ ولم يُغَيِّرْ حتى يُقَالَ ذلك وَإِلَّا فَإِذَنْ هذا اللَّفْظُ مُؤَوَّلٌ وَمَعْنَاهُ أَنَّ وَضْعَهُ لِلْعُمُومِ وَاسْتُعْمِلَ في غَيْرِ وَضْعِهِ مَجَازًا فَهُوَ عَامٌّ من جِهَةِ اللَّفْظِ بِالْوَضْعِ وَخَاصٌّ بِالْإِرَادَةِ أو التَّجَوُّزِ إذْ قُصِدَ بِهِ بَعْضُ مَدْلُولِهِ وَإِلَّا فَالْعَامُّ وَالْخَاصُّ بِالْوَضْعِ لَا يَنْقَلِبُ عن وَضْعِهِ بِالْإِرَادَةِ قَالَا وَهَذَا التَّأْوِيلُ مُتَعَيَّنٌ لِأَنَّ تَخْصِيصَ الْعَامِّ مُحَالٌ بَلْ هو عَلَامَةُ أَنَّهُ أُرِيدَ بِاللَّفْظِ الْعَامُّ بِالْوَضْعِ أو الصَّالِحُ لِإِرَادَةِ الْعُمُومِ الْخُصُوصَ فَيُقَالُ على سَبِيلِ التَّوَسُّعِ لِمَنْ عَرَفَ ذلك إنَّهُ خَصَّصَ الْعُمُومَ أَيْ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ
- قال الْقَاضِي وَأَمَّا عِنْدَنَا يَعْنِي الْوَاقِفِيَّةَ الْمُنْكِرِينَ لِلصِّيَغِ لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ تَخْصِيصٌ لِلْعَامِّ وَلَكِنَّهُ بَيَانٌ مُشْتَرَكٌ وَيَحْتَمِلُ من اللَّفْظِ وقال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ لَمَّا كان التَّخْصِيصُ إخْرَاجَ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ عن الْإِرَادَةِ منه وَجَبَ قَطْعًا أَنْ يَكُونَ شَرْطُهُ قَصْدَ الْإِخْرَاجِ عن الْإِرَادَةِ وَأَمَّا الْعَامُّ فَيَتَنَاوَلُ الْأَفْرَادَ بِوَضْعِهِ فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ بِمَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَخُصَّ من الْأَفْرَادِ وَلَيْسَ من شَرْطِهِ إرَادَةُ الْفَرْدِ الْمُعَيَّنِ اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ إذَا لم يَخْرُجْ منه بَعْضُ الْأَفْرَادِ كَفَتْ الْإِرَادَةُ الْعَامَّةُ لِتَنَاوُلِ الْحُكْمِ لِجُمْلَةِ أَفْرَادِهِ حُصُولُ الْحُكْمِ في الْفَرْدِ الْمُعَيَّنِ وَإِنْ لم يَخْطُرْ بِالْبَالِ ذلك الْفَرْدُ بِخُصُوصِهِ قال وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فيه أَعْنِي أَنَّهُ ليس من شَرْطِ الْعَامِّ إرَادَةُ كل فَرْدٍ من أَفْرَادِهِ بِخُصُوصِهِ انْتَهَى وقال الْعَبَّادِيُّ في زِيَادَاتِهِ الْعِبَارَاتُ أَمَارَاتُ الْإِرَادَاتِ فإذا خُصَّتْ الْعِبَارَةُ خُصَّتْ الْإِرَادَةُ وإذا عَمَّتْ عَمَّتْ وهو جَارٍ على أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ وَهَلْ يَجِبُ مُقَارَنَةُ الْمُخَصِّصِ الْخِصِّيصَ أَمْ لَا قَوْلَانِ قالت الْأَشْعَرِيَّةُ بِالثَّانِي وَالْمُعْتَزِلَةُ بِالْأَوَّلِ وَهُمَا الْقَوْلَانِ في تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عن وَقْتِ الْحَاجَةِ وقال أبو الْحُسَيْنِ في الْمُعْتَمَدِ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا يَعْنِي الْمُعْتَزِلَةَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ في التَّخْصِيصِ مُقَارَنَةُ اللَّفْظِ الْعَامِّ وَالْعَقْلِيُّ مَحَلُّ وِفَاقٍ في اشْتِرَاطِ الْمُقَارَنَةِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ سَيَأْتِي في بَابِ الْحَجِّ حِكَايَةُ خِلَافٍ في أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَقْتَرِنَ بِالتَّكْلِيفِ ما يَدُلُّ على النَّسْخِ ولم يَذْكُرُوهُ هُنَا لِأَنَّهُ أَخَفُّ الْفَرْقُ بين التَّخْصِيصِ وَالنَّسْخِ وَاعْلَمْ أَنَّ التَّخْصِيصَ شَدِيدُ الشَّبَهِ بِالنَّسْخِ لِاشْتِرَاكِهِمَا في اخْتِصَاصِ الْحُكْمِ بِنَقْضِ ما يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ وقد فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا من وُجُوهٍ أَحَدُهَا أَنَّ التَّخْصِيصَ تَرْكُ بَعْضِ الْأَعْيَانِ وَالنَّسْخَ تَرْكُ بَعْضِ الْأَزْمَانِ قَالَهُ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ الثَّانِي أَنَّ التَّخْصِيصَ يَتَنَاوَلُ الْأَزْمَانَ وَالْأَعْيَانَ وَالْأَحْوَالَ بِخِلَافِ النَّسْخِ فإنه لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الْأَزْمَانَ قال الْغَزَالِيُّ وَهَذَا ليس بِصَحِيحٍ فإن الْأَعْيَانَ وَالْأَزْمَانَ لَيْسَا من أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ وَالنَّسْخُ يَرِدُ على الْفِعْلِ في بَعْضِ الْأَزْمَانِ وَالتَّخْصِيصُ يَرِدُ على الْفِعْلِ في بَعْضِ الْأَحْوَالِ
- الثَّالِثُ التَّخْصِيصُ لَا يَكُونُ إلَّا لِبَعْضِ الْأَفْرَادِ بِخِلَافِ النَّسْخِ فإنه يَكُونُ لِكُلِّ الْأَفْرَادِ وَعَلَى هذا فَالنَّسْخُ أَعَمُّ قَالَهُ الْبَيْضَاوِيُّ لَكِنْ اخْتَارَ إمَامُهُ خِلَافَهُ فإنه قال النَّسْخُ لَا مَعْنَى بِهِ إلَّا تَخْصِيصَ الْحُكْمِ بِزَمَانٍ مُعَيَّنٍ بِطَرِيقٍ خَاصٍّ فَيَكُونُ الْفَرْقُ بين التَّخْصِيصِ وَالنَّسْخِ فَرْقَ ما بين الْعَامِّ وَالْخَاصِّ وقد سَبَقَهُ إلَى ذلك الْأُسْتَاذُ فِيمَا نَقَلَهُ عن إمَامِ الْحَرَمَيْنِ في كِتَابِ النَّسْخِ فقال صَرَّحَ الْأُسْتَاذُ بِأَنَّ النَّسْخَ تَخْصِيصٌ في الزَّمَانِ وَاعْتَرَضَ عليه الرَّابِعُ وَحَكَاهُ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ عن بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّ التَّخْصِيصَ تَقْلِيلٌ وَالنَّسْخَ تَبْدِيلٌ وقال هذا لَفْظٌ جَمِيلٌ وَلَكِنْ رِيعُهُ قَلِيلٌ وَمَعْنَاهُ مُسْتَحِيلٌ لِأَنَّ الرِّدَّةَ تَبْدِيلٌ وَلَيْسَتْ بِنَسْخٍ قال تَعَالَى فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إثْمُهُ على الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ الْخَامِسُ أَنَّ النَّسْخَ يَتَطَرَّقُ إلَى كل حُكْمٍ سَوَاءٌ كان ثَابِتًا في حَقِّ شَخْصٍ وَاحِدٍ أو أَشْخَاصٍ كَثِيرَةٍ وَالتَّخْصِيصُ لَا يَتَطَرَّقُ إلَى الْأَوَّلِ وَمِنْهُمْ من عَبَّرَ عنه بِأَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يَدْخُلُ في الْأَمْرِ بِمَأْمُورٍ وَاحِدٍ وَالنَّسْخَ يَدْخُلُ فيه السَّادِسُ أَنَّ التَّخْصِيصَ يُبْقِي دَلَالَةَ اللَّفْظِ على ما بَقِيَ تَحْتَهُ حَقِيقَةً كان أو مَجَازًا على الْخِلَافِ وَالنَّسْخُ يُبْطِلُ دَلَالَةَ حَقِيقَةِ الْمَنْسُوخِ في مُسْتَقْبَلِ الزَّمَنِ بِالْكُلِّيَّةِ السَّابِعُ أَنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُ النَّسْخِ عن وَقْتِ الْعَمَلِ بِالْمَنْسُوخِ وَأَمَّا التَّخْصِيصُ فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عن وَقْتِ الْعَمَلِ بِالْمَخْصُوصِ وِفَاقًا الثَّامِنُ أَنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُ شَرِيعَةٍ بِشَرِيعَةٍ أُخْرَى وَلَا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ قال الْقَرَافِيُّ وَهَذَا الْإِطْلَاقُ وَقَعَ في كُتُبِ الْعُلَمَاءِ كَثِيرًا وَالْمُرَادُ أَنَّ الشَّرِيعَةَ الْمُتَأَخِّرَةَ قد تَنْسَخُ بَعْضَ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَمَّا كُلَّهَا فَلَا لِأَنَّ قَوَاعِدَ الْعَقَائِدِ لم تُنْسَخْ وَكَذَلِكَ حِفْظُ الْكُلِّيَّاتِ الْخَمْسِ فَحِينَئِذٍ النَّسْخُ إنَّمَا يَقَعُ في بَعْضِ الْأَحْكَامِ الْفَرْعِيَّةِ وَإِنْ جَازَ نَسْخُ شَرِيعَةٍ بِشَرِيعَةٍ أُخْرَى عَقْلًا التَّاسِعُ أَنَّ النَّسْخَ رَفْعُ الْحُكْمِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ بِخِلَافِ التَّخْصِيصِ فإنه بَيَانُ الْمُرَادِ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ وَالْعَبَّادِيُّ في زِيَادَاتِهِ وَهَذَا على رَأْيِ الْقَاضِي وَأَمَّا على رَأْيِ غَيْرِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ نَقُولَ انْتِهَاءُ حُكْمٍ بِخِلَافِ التَّخْصِيصِ
- الْعَاشِرُ أَنَّ التَّخْصِيصَ بَيَانُ ما أُرِيدَ بِالْعُمُومِ وَالنَّسْخَ بَيَانُ ما لم يُرَدْ بِالْمَنْسُوخِ ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ الْحَادِيَ عَشَرَ أَنَّ التَّخْصِيصَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُقْتَرِنًا بِالْعَامِّ وَمُقَدَّمًا عليه وَمُتَأَخِّرًا عنه وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّاسِخُ مُتَقَدِّمًا على الْمَنْسُوخِ وَلَا مُقْتَرِنًا بِهِ بَلْ يَجِبُ أَنْ يَتَأَخَّرَ عنه الثَّانِي عَشَرَ أَنَّ النَّسْخَ لَا يَكُونُ إلَّا بِقَوْلٍ وَخِطَابٍ وَالتَّخْصِيصَ قد يَكُونُ بِأَدِلَّةِ الْعَقْلِ وَالْقَرَائِنِ وَسَائِرِ أَدِلَّةِ السَّمْعِ وَيَقَعُ التَّخْصِيصُ بِالْإِجْمَاعِ وَالنَّسْخُ لَا يَقَعُ بِهِ الثَّالِثَ عَشَرَ يَجُوزُ التَّخْصِيصُ في الْأَخْبَارِ وَالْأَحْكَامِ وَالنَّسْخُ يَخْتَصُّ بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ الرَّابِعَ عَشَرَ التَّخْصِيصُ على الْفَوْرِ وَالنَّسْخُ على التَّرَاخِي ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وفي هذا نَظَرٌ الْخَامِسَ عَشَرَ أَنَّ تَخْصِيصَ الْمَقْطُوعِ بِالْمَظْنُونِ وَاقِعٌ وَنَسْخُهُ لَا يَقَعُ بِهِ السَّادِسَ عَشَرَ أَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يَدْخُلُ في غَيْرِ الْعَامِّ بِخِلَافِ النَّسْخِ فإنه يَرْفَعُ حُكْمَ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ السَّابِعَ عَشَرَ أَنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُ الْأَمْرِ بِخِلَافِ التَّخْصِيصِ على خِلَافٍ فيه الثَّامِنَ عَشَرَ أَنَّ التَّخْصِيصَ يُؤْذِنُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعُمُومِ عِنْدَ الْخِطَابِ ما عَدَاهُ وَالنَّسْخُ يُحَقِّقُ أَنَّ كُلَّ ما يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ مُرَادٌ في حَالِ الْحَالِ وَإِنْ كان غير مُرَادٍ فِيمَا بَعْدَهُ وكان اللَّفْظُ الْمُطْلَقُ لَا يَدُلُّ على الزَّمَانِ أَصْلًا وَإِنَّمَا يَدُلُّ على الْفِعْلِ ثُمَّ الزَّمَانُ ظَرْفٌ وَاعْلَمْ أَنَّ هذه الْفُرُوقَ أَكْثَرُهَا أَحْكَامٌ أو لَوَازِمُ ثَابِتَةٌ لِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ مَسْأَلَةٌ الْحُكْمُ إذَا عُلِّقَ بَعْدَهُ هل يَكُونُ تَعْلِيقُهُ بِمَا دُونَهُ نَسْخًا أو تَخْصِيصًا فيه وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا حَكَاهُمَا الرُّويَانِيُّ في كِتَابِ الطَّلَاقِ من الْبَحْرِ وَفَرَّعَ عَلَيْهِمَا ما لو قال أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَنَوَى بِقَلْبِهِ إلَّا وَاحِدَةً قال في الْإِفْصَاحِ فَفِيهِ جَوَابَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ في الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ
- وَالثَّانِي يَصِحُّ في الْبَاطِنِ دُونَ الظَّاهِرِ وَإِنْ قُلْنَا تَخْصِيصٌ صَحَّتْ نِيَّتُهُ في الْبَاطِنِ دُونَ الظَّاهِرِ وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ بهذا إلَى الْفَرْقِ الْحَادِيَ عَشَرَ مَسْأَلَةٌ قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ الْخِطَابُ في الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ على أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا خِطَابٌ عَامُّ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى اللَّهُ خَالِقُ كل شَيْءٍ قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في الرِّسَالَةِ فَهَذَا عَامٌّ لَا خَاصٌّ وَاعْتَرَضَ ابن دَاوُد عليه فقال كَيْفَ عَدَّ هذه الْآيَةِ في الْعُمُومَاتِ التي لم يَدْخُلْهَا التَّخْصِيصُ وَاَللَّهُ تَعَالَى شَيْءٌ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللَّهُ وَرَدَّ ابن سُرَيْجٍ عليه وقال أَمَّا عَلِمْت أَنَّ الْمُخَاطِبَ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْخِطَابِ وقال في كِتَابِ الْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَارِ لِابْنِ دَاوُد وَأَمَّا ما عَرَّضَ بِهِ من قَوْلِهِ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً وَأَيُّ ضَرُورَةٍ دَعَتْهُ إلَى هذا وَكَيْفَ يَحْتَمِلُ الْعُمُومُ ما أَوْمَأَ إلَيْهِ وقد بَدَأَ اللَّهُ بِنَفْسِهِ فَأَخْبَرَ بِقَوْلِهِ اللَّهُ خَالِقُ كل شَيْءٍ وَهَلْ تَحْتَمِلُ الْأَوْهَامُ في الْمُخَاطَبَةِ ما أَوْمَأَ إلَيْهِ وَلَوْلَا أَنَّ الْقُلُوبَ لَا تُطِيقُ الْكَلَامَ لَكَانَ عليه فيه كَلَامٌ كَثِيرٌ وَيَقُولُ إنَّ الْآيَةَ تَخْرُجُ عَامَّةً في مَذَاهِبِ جَمِيعِ الناس لِأَنَّهُ لَمَّا كان ما عَرَّضَ بِهِ في اللَّهِ مُحَالًا خَارِجًا عن الْوَهْمِ عُلِمَ أَنَّ الْخِطَابَ إنَّمَا يُخَرَّجُ على ما يُعْقَلُ وَيُتَوَهَّمُ دُونَ ما لَا يُعْقَلُ وَلَا يُتَوَهَّمُ فإذا لم يُخَرَّجْ على ما لَا يُتَوَهَّمُ لم يَدْخُلْ في ذلك عُمُومٌ وَلَا خُصُوصٌ ثُمَّ قال بَعْدَ شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرَهُ في دَفْعِ ما أَوْرَدَهُ ابن دَاوُد مِمَّا يَسْتَحِيلُ انْدِرَاجُهُ في الصِّفَاتِ قد أَوْمَأْنَا إلَى جُمَلٍ وَكَرِهْنَا التَّفْسِيرَ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ وَأَصْحَابَهُ بَعْدَهُ يَكْرَهُونَ الْخَوْضَ في هذا انْتَهَى وقال الصَّيْرَفِيُّ في شَرْحِ الرِّسَالَةِ اعْتَرَضَ ابن دَاوُد وَيَحْيَى بن أَكْثَمَ على الشَّافِعِيِّ في قَوْلِهِ في قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ خَالِقُ كل شَيْءٍ إنَّهُ عَامٌّ وَجَهِلُوا الصَّوَابَ وَذَهَبُوا عن اللُّغَةِ وَذَلِكَ لو أَنَّ رَجُلًا من كِبَارِ أَهْلِ بَغْدَادَ قال أَطْعَمْت أَهْلَ بَغْدَادَ جميعا لم يَكُنْ دَاخِلًا فِيهِمْ ولم تَقُلْ له خَرَجْت أنت بِخُصُوصٍ وَإِنَّمَا الْعُمُومُ
- في الْمُطْعَمِينَ سِوَاهُ لِأَنَّهُ هو الْمُطْعِمُ لهم قال وفي الْآيَةِ دَلِيلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا خَالِقَ سِوَاهُ وَثَانِيهمَا أَنَّ ما سِوَاهُ مَخْلُوقٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْخِطَابَ عَامٌّ فِيمَا سِوَاهُ قال وَلَا شَكَّ أَنَّ لَفْظَةَ شَيْءٍ لَا تُطْلَقُ على اللَّهِ وَإِنْ شَمِلَتْ الْمَوْجُودَاتِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا وَسَنَدُ الْمَنْعِ كَوْنُ الْأَسْمَاءِ تَوْقِيفِيَّةً وَلِأَنَّ لَفْظَةَ شَيْءٍ مَأْخُوذَةٌ من شَاءَ وَالشَّاءُ من الْمُحْدَثِ الذي ليس بِقَدِيمٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدِيمٌ فَلَا يَصْدُقُ فيه ذلك الثَّانِي خِطَابٌ خَاصُّ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى كَقَوْلِهِ يا أَيُّهَا النبي قُلْ لِأَزْوَاجِك الْآيَةُ فَهَذَا مُخْتَصٌّ بِهِ عليه السَّلَامُ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ على أَحَدٍ التَّخْيِيرُ الثَّالِثُ خِطَابٌ خَاصُّ اللَّفْظِ عَامُّ الْمَعْنَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى وإذا رَأَيْت الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ الْآيَةُ الْخِطَابُ معه وَالْمُرَادُ بِهِ الْأُمَّةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وقد نَزَّلَ عَلَيْكُمْ في الْكِتَابِ ولم يُنَزِّلْ في الْكِتَابِ إلَّا هذه الْآيَةَ وقَوْله تَعَالَى لَئِنْ أَشْرَكْت لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُك وَقَوْلِهِ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا قال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ وَلَا يُصَارُ إلَى ذلك إلَّا بِدَلِيلِ غَيْرِ الْخِطَابِ وَأَنْكَرَ ابن حَزْمٍ في الْإِحْكَامِ وُجُودَ هذا الْقِسْمِ وقال ليس مَوْجُودًا في اللُّغَةِ وهو مَحْجُوبٌ بِمَا ذَكَرْنَا الرَّابِعُ خِطَابٌ عَامُّ اللَّفْظِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ وَهَذَا اُخْتُلِفَ فيه وَالْأَكْثَرُونَ على جَوَازِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى الَّذِينَ قال لهم الناس إنَّ الناس قد جَمَعُوا لَكُمْ فإن الْمُرَادَ بِالنَّاسِ الْأَوَّلُ نُعَيْمُ بن مَسْعُودٍ أو أَرْبَعَةُ نَفَرٍ كما قال الشَّافِعِيُّ في الرِّسَالَةِ قال الْكَرْخِيُّ وهو مَجَازٌ لَا حَقِيقَةٌ وإذا خَاطَبَ بِذَلِكَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَدُلَّنَا على مُرَادِهِ بِهِ وَهَلْ يَجِبُ مُقَارَنَةُ الدَّلِيلِ الْخِطَابَ أو يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عنه فيه الْقَوْلَانِ وَذَهَبَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ إلَى إنْكَارِ هذا الْقِسْمِ لِأَنَّ الْمُوجِبَ لِلْخُصُوصِ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ بِالْجُمْلَةِ وَلَا يَجُوزُ في قَوْله تَعَالَى فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلَّا خَمْسِينَ عَامًا أَنَّ هذه الصِّيغَةَ مُرَادٌ بها أَلْفُ سَنَةٍ كَامِلَةٍ
- وَاعْلَمْ أَنَّ جَمَاعَةً أَطْلَقُوا الْخِلَافَ في هذه الْمَسْأَلَةِ منهم صَاحِبُ الْمَحْصُولِ وَخَصَّهُ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ في التَّقْرِيبِ وابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ وَالْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ وَصَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ في الْأَحْكَامِ وَغَيْرُهُمْ بِالْخَبَرِ ولم يَنْقُلُوا الْخِلَافَ في الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بَلْ جَعَلُوهُ مَحَلَّ وِفَاقٍ كَالنَّسْخِ وهو الظَّاهِرُ فإن الْمَانِعَ هُنَا في الْخَبَرِ قِيَاسُ التَّخْصِيصِ على النَّسْخِ كما قَالَهُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُخَالِفَ يَمْنَعُ تَسْمِيَتَهُ عَامًّا مَخْصُوصًا وَيَقُولُ إنَّهُ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَنْتَهِضُ الِاسْتِدْلَال عليه بِمَا ذَكَرُوهُ من الْآيَاتِ الْمُخَصِّصَةِ وهو قَوِيٌّ وَمِنْ هُنَا قال بَعْضُهُمْ يُشْتَرَطُ في التَّخْصِيصِ وُرُودُهُ في الْإِنْشَاءَاتِ لَا في الْأَخْبَارِ فإنه لَا يَكُونُ فيها عَامٌّ مَخْصُوصٌ بَلْ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ فَائِدَةٌ عُمُومَاتُ الْقُرْآنِ مَخْصُوصَةٌ في الْأَكْثَرِ حتى قال الشَّيْخُ عَلَمُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ ليس في الْقُرْآنِ عَامٌّ غَيْرُ مَخْصُوصٍ إلَّا أَرْبَعَةَ مَوَاضِعَ أَحَدُهَا قَوْلُهُ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ فَكُلُّ من سُمِّيَتْ أُمًّا من نَسَبٍ أو رَضَاعٍ أو أُمِّ أُمٍّ وَإِنْ عَلَتْ فَهِيَ حَرَامٌ ثَانِيهَا قَوْلُهُ كُلُّ من عليها فَانٍ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثَالِثُهَا قَوْلُهُ وَاَللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٍ رَابِعُهَا وَأَنَّهُ على كل شَيْءٍ قَدِيرٌ خَامِسُهَا وما من دَابَّةٍ في الْأَرْضِ إلَّا على اللَّهِ رِزْقُهَا وَغَلِطَ من جَعَلَ منه قَوْله تَعَالَى وَاَللَّهُ على كل شَيْءٍ قَدِيرٌ إذْ الْقُدْرَةُ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَحِيلَاتِ لِأَنَّ الْمُمْكِنَ الْمَعْدُومَ لَا يُطْلَقُ عليه شَيْءٌ عِنْدَنَا حَقِيقَةً فما بِالْمُسْتَحِيلِ وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ جِنِّي في الْخَصَائِصِ في قَوْله تَعَالَى له ما في السَّمَوَاتِ وما في الْأَرْضِ عُمُومٌ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ لِأَنَّ الْأَفْعَالَ الصَّادِرَةَ من مَخْلُوقَاتِهِ لَيْسَتْ له فَبَنَاهُ على مَذْهَبِهِ الْفَاسِدِ في الِاعْتِزَالِ
- فَصْلٌ في الْفَرْقِ بَيْنِ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ وَالْعَامِّ الذي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ اعْلَمْ أَنَّ الْأُصُولِيِّينَ لم يَتَعَرَّضُوا لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْكَلَامَ فيه مِمَّا أَثَارَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ وَقَعَتْ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا في كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ من أَصْحَابِنَا فَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ في قَوْله تَعَالَى وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ هل هو عَامٌّ مَخْصُوصٌ أو عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ قال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ في تَعْلِيقِهِ في كِتَابِ الْبَيْعِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الذي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ ما كان الْمُرَادُ بِهِ أَقَلَّ وما ليس بِمُرَادٍ هو الْأَكْثَرُ قال أبو عَلِيِّ بن أبي هُرَيْرَةَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هو الْأَكْثَرُ وما ليس بِمُرَادٍ هو الْأَقَلُّ قال وَيَفْتَرِقَانِ في الْحُكْمِ من جِهَةِ أَنَّ الْأَوَّلَ لَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِظَاهِرِهِ وَهَذَا يُمْكِنُ التَّعَلُّقُ بِظَاهِرِهِ اعْتِبَارًا بِالْأَكْثَرِ وَفَرَّقَ الْمَاوَرْدِيُّ في الْحَاوِي بَيْنَهُمَا من وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْعَامَ الْمَخْصُوصَ ما يَكُونُ الْمُرَادُ بِاللَّفْظِ أَكْثَرَ وما ليس بِمُرَادٍ بِاللَّفْظِ أَقَلَّ وَالْعَامُّ الذي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ ما يَكُونُ الْمُرَادُ بِاللَّفْظِ أَقَلَّ وما ليس بِمُرَادٍ بِاللَّفْظِ أَكْثَرَ وَالثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ فِيمَا أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ مُتَقَدِّمٌ على اللَّفْظِ وَفِيمَا أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ مُتَأَخِّرٌ عن اللَّفْظِ أو يَقْتَرِنُ بِهِ وَمِمَّنْ تَعَرَّضَ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا من الْمُتَأَخِّرِينَ الْإِمَامُ تَقِيُّ الدِّينِ بن دَقِيقِ الْعِيدِ فقال في شَرْحِ الْإِمَامِ يَجِبُ أَنْ يَتَنَبَّهَ لِلْفَرْقِ بين قَوْلِنَا هذا عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ وَبَيْنَ قَوْلِنَا هذا عَامٌّ مَخْصُوصٌ فإن الثَّانِيَ أَعَمُّ من الْأَوَّلِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ إذَا أَرَادَ بِاللَّفْظِ أَوَّلًا ما دَلَّ عليه ظَاهِرُ الْعُمُومِ ثُمَّ أَخْرَجَ بَعْدَ ذلك بَعْضَ ما دَلَّ عليه اللَّفْظُ كان عَامًّا مَخْصُوصًا ولم يَكُنْ عَامًّا أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ ثُمَّ يُقَالُ إنَّهُ مَنْسُوخٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبَعْضِ الذي أُخْرِجَ وَهَذَا مُتَوَجِّهٌ إذَا قَصَدَ الْعُمُومَ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ لَا يَقْصِدَ الْخُصُوصَ
- بِخِلَافِ ما إذَا نَطَقَ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ مُرِيدًا بِهِ بَعْضَ ما يَتَنَاوَلُهُ في هذا وَفَرَّقَ الْحَنَابِلَةُ من الْمُتَأَخِّرِينَ بَيْنَهُمَا بِوَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ إذَا أَطْلَقَ اللَّفْظَ الْعَامَّ فَإِنْ أَرَادَ بِهِ بَعْضًا مُعَيَّنًا فَهُوَ الْعَامُّ الذي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ وَإِنْ أَرَادَ سَلْبَ الْحُكْمِ عن بَعْضٍ منه فَهُوَ الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ مِثَالُهُ قَوْلُهُ قام الناس فإذا أَرَدْت إثْبَاتَ الْقِيَامِ لِزَيْدٍ مَثَلًا لَا غَيْرُ فَهُوَ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ وَإِنْ أَرَدْت سَلْبَ الْقِيَامِ عن زَيْدٍ فَهُوَ عَامٌّ مَخْصُوصٌ وَالثَّانِي أَنَّ الْعَامَّ الذي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ إنَّمَا يَحْتَاجُ لِدَلِيلٍ مَعْنَوِيٍّ يَمْنَعُ إرَادَةَ الْجَمِيعِ فَيَتَعَيَّنُ له الْبَعْضُ وَالْعَامُّ الْمَخْصُوصُ يَحْتَاجُ إلَى تَخْصِيصِ اللَّفْظِ غَالِبًا كَالشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ وَالْغَايَةُ وَالْمُتَّصِلُ نَحْوُ قام الْقَوْمُ ثُمَّ يقول ما قام زَيْدٌ وَفَرَّقَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّ الْعَامَّ الذي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ هو أَنْ يُطْلَقَ الْعَامُّ وَيُرَادَ بِهِ بَعْضُ ما يَتَنَاوَلُهُ هو مَجَازٌ قَطْعًا لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ في بَعْضِ مَدْلُولِهِ وَبَعْضُ الشَّيْءِ غَيْرُهُ قال وَشَرْطُ الْإِرَادَةِ في هذا أَنْ تَكُونَ مُقَارِنَةً لِأَوَّلِ اللَّفْظِ وَلَا يَكْفِي طُرُوءُهَا في أَثْنَائِهِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ منها نَقْلُ اللَّفْظِ عن مَعْنَاهُ إلَى غَيْرِهِ وَاسْتَعْمَلَهُ في غَيْرِ مَوْضُوعِهِ وَلَيْسَتْ الْإِرَادَةُ فيه إخْرَاجًا لِبَعْضِ الْمَدْلُولِ بَلْ إرَادَةُ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ في شَيْءٍ آخَرَ غَيْرِ مَوْضُوعِهِ كما يُرَاد بِاللَّفْظِ مَجَازُهُ وَأَمَّا الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ فَهُوَ الْعَامُّ الذي أُرِيدَ بِهِ مَعْنَاهُ مُخَرَّجًا منه بَعْضُ أَفْرَادِهِ بِالْإِرَادَةِ إرَادَةً لِلْإِخْرَاجِ لَا إرَادَةً لِلِاسْتِعْمَالِ فَهِيَ تُشْبِهُ الِاسْتِثْنَاءَ فَلَا يُشْتَرَطُ مُقَارَنَتُهَا لِأَوَّلِ اللَّفْظِ وَلَا تَأْخِيرُهَا عنه بَلْ يَكْفِي كَوْنُهَا في أَثْنَائِهِ كَالْمَشِيئَةِ في الطَّلَاقِ وَهَذَا هو مَوْضُوعُ خِلَافِهِمْ في أَنَّ الْعَامَّ الْمَخْصُوصَ مَجَازٌ أو حَقِيقَةٌ وَمَنْشَأُ التَّرَدُّدِ أَنَّ إرَادَةَ إخْرَاجِ بَعْضِ الْمَدْلُولِ هل تُصَيِّرُ اللَّفْظَ مُرَادًا بِهِ الْبَاقِي أو لَا وهو يُقَوِّي كَوْنَهُ حَقِيقَةً لَكِنَّ الْجُمْهُورَ على الْمَجَازِ وَالنِّيَّةُ فيه مُؤَثِّرَةٌ في نَقْلِ اللَّفْظِ عن مَعْنَاهُ إلَى غَيْرِهِ وَمِنْ هُنَا يُعْرَفُ أَنَّ عَدَّ ابْنِ الْحَاجِبِ الْبَدَلَ في الْمُخَصَّصَاتِ ليس بِجَيِّدٍ لِأَنَّ الْأَوْلَى في قَوْلِنَا أَكَلَتْ الرَّغِيفَ ثُلُثَهُ أَنَّهُ من الْعَامِّ الْمُرَادِ بِهِ الْخُصُوصُ لَا الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ قال عَلِيُّ بن عِيسَى النَّحْوِيُّ في كِتَابِ الْعَرَضُ وَالْآلَةُ إذَا أتى بِصُورَةِ الْعُمُومِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ فَهُوَ مَجَازٌ إلَّا في بَعْضِ الْمَوَاضِعِ إذَا صَارَ الْأَظْهَرُ الْخُصُوصَ كَقَوْلِهِمْ غَسَلْت ثِيَابِي وَصَرَمْت نَخْلِي وَجَاءَتْ بَنُو تَمِيمٍ وَجَاءَتْ الْأَزْدُ انْتَهَى
- فَصْلٌ فِيمَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ من حَقِّ التَّخْصِيصِ أَنْ لَا يَكُونَ إلَّا فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ فَاللَّفْظُ الذي لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الْوَاحِدَ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِمَعْنَى إخْرَاجِ بَعْضِ الْجُزْئِيَّاتِ منه لِأَنَّهُ إخْرَاجُ الْبَعْضِ مع بَقَاءِ الْبَعْضِ وَالْوَاحِدُ لَا بَعْضَ له فَاسْتَحَالَ تَخْصِيصُهُ وَلِهَذَا قال ابن الْحَاجِبِ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصٌ إلَّا في ذِي أَجْزَاءٍ يَصِحُّ افْتِرَاقُهَا لِيُمْكِنَ صَرْفُهُ إلَى بَعْضٍ يَصِحُّ الْقَصْرُ عليه وَاعْتَرَضَ الْقَرَافِيُّ بِأَنَّ الْوَاحِدَ يَنْدَرِجُ فيه الْوَاحِدُ بِالشَّخْصِ وهو يَصِحُّ إخْرَاجُ بَعْضِ أَجْزَائِهِ لِصِحَّةِ قَوْلِك رَأَيْت زَيْدًا وَتُرِيدُ بَعْضَهُ وَإِنْ تَعَذَّرَ إخْرَاجُ بَعْضِ الْجُزْئِيَّاتِ فَيَنْبَغِي التَّفْصِيلُ وَأَمَّا الذي يَتَنَاوَلُ أَكْثَرَ من وَاحِدٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عُمُومُهُ من جِهَةِ اللَّفْظِ أو الْمَعْنَى أَيْ الِاسْتِنْبَاطِ فَالْأَوَّلُ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ التَّخْصِيصُ أَمْرًا أو خَبَرًا نحو فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ خُصَّ الذِّمِّيُّ وَمَنْ في مَعْنَاهُ وَالثَّانِي على ثَلَاثَةٍ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا الْعِلَّةُ وقد اُخْتُلِفَ في تَخْصِيصِهَا على مَذَاهِبَ كَثِيرَةٍ وَالْمَنْقُولُ عن الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ الْمَنْعُ وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ في بَابِ الْقِيَاسِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْمُسَمَّاةُ هُنَاكَ بِالنَّقْصِ كَالنَّهْيِ عن بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ لِأَجْلِ النُّقْصَانِ عِنْدَ الْجَفَافِ وَوَجَدْنَا هذه الْعِلَّةَ في الْعَرَايَا مع أَنَّ الشَّارِعَ جَوَّزَهُ فيها الثَّانِي مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ كَدَلَالَةِ التَّأْفِيفِ على حُرْمَةِ الضَّرْبِ فَالتَّخْصِيصُ فيه جَائِزٌ بِشَرْطِ بَقَاءِ الْمَلْفُوظِ وهو التَّأْفِيفُ في مِثَالِنَا هذا وَمَنَعَ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَسُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ من جَوَازِ تَخْصِيصِ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ لِمَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ التَّخْصِيصَ إنَّمَا يَكُونُ في الْعُمُومِ وَلَا عُمُومَ إلَّا في الْأَلْفَاظِ الثَّانِي أَنَّهُ لَمَّا قال فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وكان الْمَنْعُ من أَجْلِ الْأَذَى لم يَجُزْ أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ على إجَازَةِ الضَّرْبِ مع أَنَّ فيه أَذًى لِأَنَّهُ يُنَاقِضُ الْأَوَّلَ قالوا وَهَكَذَا الْقِيَاسُ لَا يَدْخُلُهُ تَخْصِيصٌ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَاتَيْنِ الْعِلَّتَيْنِ تَنْبَنِيَانِ على الْوَجْهَيْنِ في الْمَعْلُومِ من جِهَةِ الْفَحْوَى هل هو من جِهَةِ اللُّغَةِ أو من جِهَةِ الْقِيَاسِ وَفِيهِ وَجْهَانِ وَشَرَطَ الْهِنْدِيُّ في الْجَوَازِ أَنْ لَا
- يَعُودَ نَقْصًا على الْمَلْفُوظِ كَإِبَاحَةِ ضَرْبِ الْأُمِّ إذَا فَجَرَتْ أَمَّا إذَا عَادَ نَقَضَا على الْمَلْفُوظِ كما إذَا قال فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ لَكِنْ أَبَاحَ له نَوْعًا من أَنْوَاعِ الْأَذَى مُطْلَقًا فَلَا يَجُوزُ هذا كُلُّهُ مع بَقَاءِ مَدْلُولِ اللَّفْظِ أَمَّا لو وَرَدَ دَلِيلٌ يَدُلُّ على إخْرَاجِ الْمَلْفُوظِ وهو التَّأْفِيفُ مَثَلًا فإنه لَا يَكُونُ تَخْصِيصًا بَلْ نَسْخًا له وَلِلْمَفْهُومِ أَيْضًا لِأَنَّ رَفْعَ الْأَصْلِ يَسْتَلْزِمُ رَفْعَ الْفَرْعِ الثَّالِثُ مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ كَسَائِمَةِ الْغَنَمِ فإن مَفْهُومَهُ نَفْيُ الْإِيجَابِ عن مَعْلُوفَةِ الْغَنَمِ فَيَجُوزُ أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ على ثُبُوتِ مِثْلِ حُكْمِ الْمَذْكُورِ لِبَعْضِ الْمَسْكُوتِ عنه الذي ثَبَتَ فيه الْمَفْهُومُ خِلَافَ ما ثَبَتَ لِلْمَنْطُوقِ وَيُعْمَلُ بِذَلِكَ جَمْعًا بين الدَّلِيلِينَ فَتُخَصُّ الْمَعْلُوفَةُ الْمُعَدَّةُ لِلتِّجَارَةِ من هذا الْعُمُومِ وَشَرَطَ الْبَيْضَاوِيُّ وَصَاحِبُ الْحَاصِلِ لِلْجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُخَصَّصُ رَاجِحًا ولم يَذْكُرْهُ الْإِمَامُ وَالظَّاهِرُ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ إذْ لَا يُشْتَرَطُ في الْمُخَصَّصِ الرُّجْحَانُ وَمِنْهُمْ من مَنَعَ من تَخْصِيصِهِ كما حَكَاهُ ابن بَرْهَانٍ في الْوَجِيزِ وهو احْتِمَالٌ لِلشَّيْخِ أبي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ وَحَكَى ابن بَرْهَانٍ عن الْقَاضِي أبي بَكْرٍ أَنَّهُ مَنَعَ تَخْصِيصَ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ لِأَنَّهُ يُوجِبُ اللَّفْظَ وَاخْتَارَ تَخْصِيصَ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُهُ وَاَلَّذِي رَأَيْته في كِتَابِ التَّقْرِيبِ لِلْقَاضِي الْمَنْعُ فِيهِمَا مُطْلَقًا نعم هذا اخْتِيَارُ سُلَيْمٍ الرَّازِيَّ في كِتَابِ التَّقْرِيبِ فإنه مَنَعَ دُخُولَ التَّخْصِيصِ لِمَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ ثُمَّ قال وَأَمَّا مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ اللَّفْظِ إنْ تَنَاوَلَ وَاحِدًا لم يَدْخُلْهُ تَخْصِيصٌ وَإِنْ تَنَاوَلَ أَشْيَاءَ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ قال شَارِحُ اللُّمَعِ تَخْصِيصُ دَلِيلِ الْخِطَابِ قبل اسْتِقْرَارِ حُكْمِهِ يَنْبَنِي على الْوَجْهَيْنِ فيه هل هو كَالنُّطْقِ أو كَالْقِيَاسِ فَإِنْ قُلْنَا كَالْقِيَاسِ لم يَجُزْ تَخْصِيصُهُ وَإِنْ قُلْنَا كَالنُّطْقِ فَفِي تَخْصِيصِهِ وَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ مَبْنِيَّانِ على الْمَعْنَى في فَحْوَى الْخِطَابِ قال فَأَمَّا إذَا اسْتَقَرَّ كان ما يَرِدُ مُنَاقِضًا له من بَابِ النَّسْخِ مَسْأَلَةٌ الْعُمُومُ الْمُؤَكَّدُ بِكُلٍّ وَنَحْوِهَا هل يَدْخُلُهُ التَّخْصِيصُ فيه قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ في بَابِ الْقَضَاءِ أَحَدُهُمَا لَا
- وَنَقَلَهُ أبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ عن بَعْضِهِمْ وَجَزَمَ بِهِ الْمَازِرِيُّ وَلِهَذَا قالوا إنَّ التَّأْكِيدَ يَنْفِي التَّجَوُّزَ بِأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْبَعْضَ وَيَشْهَدُ له قَوْله تَعَالَى يَقُولُونَ هل لنا من الْأَمْرِ من شَيْءٍ قُلْ إنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ في قِرَاءَةِ النَّصْبِ لِأَنَّهُ لو لم يُعَيِّنْهُ لِلْعُمُومِ لَمَا قال هل لنا من الْأَمْرِ من شَيْءٍ وَهَذَا يَدْخُلُ في الْمَجَازِ لَا في التَّخْصِيصِ وَأَصَحُّهُمَا نعم بِدَلِيلِ ما جاء في الحديث فَأَحْرَمُوا كلهم إلَّا أَبَا قَتَادَةَ لم يُحْرِمْ فَدَخَلَهُ التَّخْصِيصُ مع تَأْكِيدِهِ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كلهم أَجْمَعُونَ إلَّا إبْلِيسَ إنْ جَعَلْنَا الِاسْتِثْنَاءَ مُتَّصِلًا فَإِنْ قِيلَ التَّأْكِيدُ هُنَا مُقَدَّرٌ حُصُولُهُ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ فَالْمُؤَكَّدُ هُنَا إنَّمَا هو غَيْرُ الْمُخْرَجِ قُلْنَا كَيْفَ يَفْعَلُ بِقَوْلِهِ وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا وَالِاسْتِغْرَاقُ فيه مُتَعَذِّرٌ لِأَنَّ آيَاتِ اللَّهِ لَا تَتَنَاهَى قال الْإِمَامُ في الْبُرْهَانِ وَمِمَّا زَلَّ فيه النَّاقِلُونَ عن الْأَشْعَرِيِّ وَمُتَّبِعِيهِ أَنَّ صِيغَةَ الْعُمُومِ مع الْقَرَائِنِ تَبْقَى مُتَرَدِّدَةً وَهَذَا إنْ صَحَّ يُحْمَلُ على مَوَانِعِ الْعُمُومِ كَالصِّيَغِ الْمُؤَكَّدَةِ انْتَهَى وقد صَرَّحَ بِأَنَّ التَّأْكِيدَ لَا يَرْفَعُ احْتِمَالَ التَّخْصِيصِ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ أَيْضًا فقال في كِتَابِهِ يَجُوزُ التَّخْصِيصُ الْمُؤَكِّدُ وَمَثَّلَهُ بِالْآيَةِ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ قال وَالتَّأْكِيدُ لَا يُزِيلُ احْتِمَالَ اللَّفْظِ وَإِلَّا لم يَدْخُلْهُ اسْتِثْنَاءٌ وَبِالْجَوَازِ أَيْضًا صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ في بَابِ الْقَضَاءِ من كِتَابِهِمَا ثُمَّ قال وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْمُؤَكَّدِ وَهَذَا غَلَطٌ لِوُجُودِ الِاحْتِمَالِ بَعْدَ التَّأْكِيدِ كَوُجُودِهِ من قَبْلُ ا هـ وَهَذَا نَظِيرُ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ حَكَاهَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ أَيْضًا في جَوَازِ نَسْخِ الْحُكْمِ الْمُقَيَّدِ بِالْأَبَدِيَّةِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْهِنْدِيِّ في بَابِ النَّسْخِ أَنَّهُ إجْمَاعٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ تَنْبِيهٌ إذَا عُطِفَ الْخَاصُّ على الْعَامِّ الْمُتَنَاوِلِ له وَقُلْنَا إنَّهُ دَاخِلٌ تَحْتَ الْعُمُومِ وَكَأَنَّهُ ذُكِرَ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِالْخُصُوصِ وَمَرَّةً بِالْعُمُومِ يَجِيءُ في تَخْصِيصِهِ هذا الْخِلَافُ
- مسألة
- في الغاية التي ينتهي إليها التخصيص اختلف في المقدار الذي لا بد من بقائه بعد التخصيص على مذاهب أحدها أنه لا بد من بقاء جمع كثير ونقله الرازي والآمدي عن أبي الحسين البصري وصححه الرازي وقال في الآمدي وبه قال أكثر أصحابنا وإليه مال إمام الحرمين ونقله ابن برهان عن المعتزلة قلت وعبارة أبي الحسين في المعتمد الأولى المنع من ذلك في جميع أفراد العموم وإيجاب أن يراد بها كثرة وإن لم يعلم قدرها إلا أن يستعمل في الواحد على سبيل التعظيم والإبانة فإن ذلك يجري مجرى الكثير وأما غير ذلك فلا انتهى وقال الأصفهاني ما نسبه الآمدي إلى الجمهور ليس بجيد نعم اختاره الغزالي والرازي واختلف في ذلك الكثير فقال أكثرهم لا بد أن يعرف من مدلول اللفظ العام قبل التخصيص وقال البيضاوي لا بد أن يكون غير محصور وقال ابن برهان في الأوسط لم يحدوا الكثرة هنا بل قالوا تعرف بالقرائن وأغرب بعضهم فادعى أنه ليس المراد بالكثير هنا الكثير عددا بل الكثير وقوعا والغالب وجودا بحيث يقرب أنه مما خطر بالبال عند ذكر اعتبار لفظ العام وقال آخرون شرطه أن يكون الباقي معظم الأمر إما في الكثير وإما في الاعتبار أما في الكثرة فكما إذا قلت كل إنسان مصاب وكل محسن مشكور فإنه وإن كان في الناس من لم يصب بمصيبة إلا أنه يحدث قائل ذلك ويحسن أن لا يقدح في كلامه وأما في الاعتبار فكما إذا قلت خرج الناس كلهم للقاء الملك فإن المراد من له اعتبار وإن كان أكثر الناس لم يخرجوا والثاني أن العام إن كان ظاهرا مفردا كمن والألف واللام نحو اقتل من في الدار واقفع السارق جاز التخصيص إلى أهل المراتب وهو واحد لأن الاسم يصلح لهما جميعا وإن كان بلفظ الجمع كالمسلمين جاز إلى أقل الجمع وذلك إما ثلاثة أو اثنان على الخلاف قاله القفال الشاشي كذا رأيته في كتابه في نسخة قديمة
- واعتمد ابن الصباغ في العدة أيضا فاضبط ذلك فقد زال الناقلون عنه في هذه المسألة فنقل ابن برهان في الأوسط عنه جواز الرد إلى الواحد مطلقا ونقل القاضي أبو الطيب في شرح الكفاية وابن السمعاني في القواطع عنه جواز الرد إلى ثلاثة ولا يجوز إلى ما دونها إلا بما يجوز به النسخ لكن ظاهر كلام القاضي أن من وما محل وفاق فإنه قال لنا إن كل ما جاز تخصيصه إلى ثلاثة جاز تخصيصه إلى ما دونها كمن وما انتهى وبذلك صرح الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني فقال لا خلاف في جواز التخصيص إلى واحد فيما إذا لم تكن الصيغة جمعا كمن وما والمفرد المحلى بالألف واللام وحكى القاضي عبد الوهاب عنه أنه ألحق أسماء الأجناس كالسارق والسارقة بالجمع المعروف في امتناع رده إلى الواحد كذلك والفرق بين الصيغتين أن ألفاظ الجموع موضوعة للجميع ففي التخصيص إلى الواحد إخراج عن الموضع ولا كذلك من وما والمفرد المحلى بالألف واللام لتناول الواحد والاثنين قال الأصفهاني وينبغي أن يلحق أي بمن وما قلت وهو كذلك لوجود العلة وبه صرح إلكيا الطبري وقال بعض المتأخرين ما أظن القفال يقول به في كل تخصيص فإنه لا يخالف في صحة استثناء الأكثر إلى الواحد بل الظاهر قصر قوله على ما عدا الاستثناء من المخصصات بدليل احتجاج بعض أصحابنا عليه بقول القائل علي عشرة إلا تسعة ويحتمل أن يعم الخلاف إلا لأن الظاهر خلاف من المنقول عنه ثم قلت وحكى أبو الحسين بن القطان الخلاف في الاستثناء فقال ذهب بعض أصحابنا إلى أنه لا يجوز أن يستثنى إلا أن يبقى أقل الجمع وهو ثلاثة وأنه يمتنع إذا بقي منه واحد أو اثنان وذهب بعضهم إلى جوازه وأنه يحل التخصيص محل الاستثناء وقد اتفقنا على جواز استثناء الأقل من الأكثر وعكسه انتهى قال صاحب المصادر والذي ذهب إليه القفال عجيب لأنه إن كان البلوغ في لفظ من إلى الواحد أو الاثنين يجعله مجازا عنده فهلا جاز مثل ذلك في ألفاظ الجمع والثالث التفصيل بين أن يكون التخصيص بالاستثناء والبدل فيجوز إلى الواحد وإلا فلا حكاه ابن المطهر والرابع أنه لا يجوز رده إلى أقل الجمع مطلقا على حسب اختلافهم في أقل الجمع حكاه ابن برهان وغيره والخامس أنه يجوز في جميع ألفاظ العموم ما بقي في قضية اللفظ واحد
- وحكاه إمام الحرمين في التلخيص عن معظم أصحاب الشافعي قال وهو الذي اختاره الشافعي ونقله ابن السمعاني في القواطع عن سائر أصحابنا ما عدا القفال وحكاه الأستاذ أبو إسحاق في أصوله عن إجماع أئمتنا وحكاه ابن الصباغ في العدة عن أكثر أصحابنا وصححه القاضي أبو الطيب والشيخ أبو إسحاق وقال ابن برهان في الأوسط إنه ظاهر المذهب ونسبه القاضي عبد الوهاب في الإفادة إلى الجمهور وقال صاحب المصادر إنه الصحيح قال إلا أن ألفاظ الجمع كالرجال والناس متى بلغ التخصيص منها إلى أقل من ثلاث صار اللفظ مجازا بخلاف لفظ من ما فإنه لا يصير مجازا وما أظن أصحابنا يوافقون على صحة ذلك وقد قالوا في كتاب الطلاق لو قال نسائي طوالق إلا فلانة وفلانة وفلانة يقبل وقال القاضي الحسين يجب أن لا يقبل لأن النساء لفظ الجمع فينبغي أن يبقى من عدد النساء ما يكون اللفظ مطابقا له لأن أقل الجمع ثلاثة انتهى وكلام القاضي موافق لمذهب القفال والسادس الذي اختاره ابن الحاجب قال الأصفهاني في شرح المحصول ولا نعرفه لغيره أن التخصيص إن كان متصلا فإن كان بالاستثناء أو البدل جاز إلى الواحد نحو أكرم الناس إلا الجهال وأكرم الناس تميم فيجوز وإن لم يكن العالم إلا واحدا إن كان بالصفة والشرط فيجوز إلى اثنين نحو أكرم القوم الفضلاء أو إذا كانوا فضلاء وإن كان التخصيص بمنفصل وكان في العام المحصور القليل كقولك قتلت كل زنديق وكانوا ثلاثة ولم يبق سوى اثنين جاز إلى اثنين إن كان غير محصور أو محصورا جاز بشرط كون الباقي قريبا من مدلول العام وحاصل مذهبنا على ما ذكره الشيخ أبو حامد وسليم في التقريب أن العام إن كان واحدا معرفا باللام كالسارق ونحوه جاز تخصيصه إلى أن يبقى واحد بلا خلاف وكذلك الألفاظ المبهمة كمن وما لا خلاف فيه وفي معناه الطائفة وإن كان كذلك جمعا كالمسلمين أو ما في معناه كالرهط والقوم جاز تخصيصه إلى أن يبقى أقل الجمع وفي جواز تخصيصه إلى أن يبقى أقل من ذلك وجهان أحدهما يجوز وهو قول العراقيين والمعتزلة كما قاله سليم الثاني لا يجوز وهو قول القفال انتهى
- وقال الشيخ أبو حامد والصحيح عندي أنه يجوز التخصيص إلى أقل من ثلاثة وإن كان اللفظ موضوعا للثلاثة في اللغة حقيقة إلا أنه يجوز أن يعدل به إلى المجاز واحتج له بقوله تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون وقال إلكيا الهراسي هذه المسألة تستدعي تقديم أصل وهو القول في أقل الجمع قلت وعلى ما اختاره الجمهور من الجواز إلى الواحد لا يبقى للبناء على ذلك وجه وقد سبق في
- مسألة أقل الجمع كلام يتعلق بهذا مسألة
- اختلفوا في العام إذا خص هل يكون حقيقة في الباقي على مذاهب أحدها أنه مجاز مطلقا على أي وجه خص سواء كان التخصيص متصلا أو منفصلا أو غيره ونقله الإمام الرازي عن جمهور أصحابنا والمعتزلة كأبي علي وابنه واختاره البيضاوي وابن الحاجب والهندي قال ابن برهان في الأوسط وهو المذهب الصحيح ونسبه إلكيا الطبري إلى المحققين ونقله في المنخول عن القاضي أبي بكر وحكاه الشيخ أبو حامد الإسفراييني في تعليقه في الأصول وسليم في التقريب عن المعتزلة بأسرها وأكثر الحنفية منهم عيسى بن أبان وغيره قلت وبه جزم الدبوسي والسرخسي والبزدوي وحكوه عن اختيار العراقيين من الحنفية وقال الشيخ أبو حامد وحكاه بعض أصحابنا عن الأشعري أيضا ووجهه أنه وضع للمجموع فإذا أريد به غير ما وضع له بالقرينة صار مجازا ولأنه حقيقة في الاستغراق فلو كان حقيقة في البعض لزم الاشتراك والمجاز خير منه والثاني أنه حقيقة فيما بقي مطلقا سواء خص بدليل متصل كالاستثناء أو منفصل كدليل العقل والقياس وغير ذلك قال الشيخ أبو حامد الإسفراييني وهذا مذهب الشافعي وأصحابه وهو قول مالك وجماعة من أصحاب أبي حنيفة انتهى وقد وافق أبا حامد على ذلك أئمة أصحابنا كالقاضي أبي الطيب الطبري والشيخ أبي إسحاق في اللمع وابن الصباغ في كتاب العدة وسليم في التقريب فجزموا على أنه حقيقة وحكوا الخلاف فيه بالمجاز عن المعتزلة
- ونقله ابن برهان في الوجيز عن أكثر علمائنا وقال إمام الحرمين في التلخيص وابن القشيري هو مذهب جماهير الفقهاء ونقله الغزالي في المنخول عن الشافعي وقال القاضي عبد الوهاب في الملخص هو قول الكل والأكثر من أصحاب الشافعي وبعض الحنفية والمالكية إذا كان الباقي أقل الجمع فصاعدا وقال صاحب المصادر إنه قول أكثر أصحاب الشافعي والثالث إنه إن خص بمتصل لفظي كالاستثناء فحقيقة أو بمنفصل فمجاز وحكاه الشيخ أبو حامد وسليم وابن برهان وعبد الوهاب عن الكرخي وغيره من الحنفية زاد عبد الوهاب إنه قول أكثرهم قاله ابن برهان وإليه مال القاضي ونقله عن الشيخ أبي إسحاق في اللمع أيضا قلت هو الذي صرح في التقريب فقال ما نصه ولو قررنا القول بالعموم فالصحيح عندنا من هذه المذاهب أن نقول إذا قدر التخصيص باستثناء متصل فاللفظ حقيقة في بقية المسميات وإن قدر بدليل منفصل فاللفظ مجاز لا يستدل به في بقية المسميات وقال كنا قد نصرنا القول بأنه مجاز مطلقا انتهى قال المقترح ذهب القاضي في أحد مصنفاته إلى أنه مجاز مطلقا ثم رجع عنه إلى الفرق بين التخصيص المقارن والمنفصل فقال إن التخصيص المقارن لا يصير اللفظ مجازا بل هو باق حقيقة ونرى أنه كلام واحد والتخصيص المتأخر نقول فيه إنه يبقى مجازا في البقية ويحتمل أن القاضي ما أراد بأنه مجاز إلا في الاقتصار وفيما عدا المبقى أما في دلالة اللفظ وضعا فهو حقيقة والقاضي إنما قال هذا تفريعا على رأي المعممين لأن مذهبه في صيغ العموم الوقف والرابع عكسه كذا حكاه ابن برهان في الأوسط عن عبد الجبار والخامس إن خص بدليل لفظي لم يصر مجازا متصلا كان الدليل أو منفصلا وإن خص بدليل غير لفظي كان مجازا كذا حكاه الآمدي والسادس إن خص بالشرط والتقيد بالصفة فهو حقيقة وإلا فهو مجاز معنى في الاستثناء حكاه أبو الحسين في المعتمد عن عبد الجبار والسابع إن كان المخصص مستقلا فهو مجاز سواء كان عقليا أو لفظيا كقول المتكلم بالعام أردت به البعض المعين إن لم يكن مستقلا فهو حقيقة كالاستثناء والشرط والصفة قاله أبو الحسين البصري واختاره الإمام فخر الدين الرازي ولم يذكروا التقييد بالغاية على هذا المذهب قال الهندي وحكمه حكم أخواته من المتصلات ظاهرا إذ لا
- يظهر فرق بينهما والثامن أنه مجاز فيما أخرج عنه فأما استعماله في بقية المسميات فحقيقة لأنه إذا قال تجب الصلاة على المسلمين ثم أخرجنا من الوجوب المجانين والحيض وأصحاب الأعذار فإطلاق لفظ المسلمين على البقية حقيقة وهو اختيار إمام الحرمين وذكر المقترح في تعليقه على البرهان أنه معنى كلام القاضي قلت وكذا ذكره أبو نصر بن القشيري وهذا الذي قاله الإمام قد أورد القاضي سؤالا على نفسه فقال إن قال قائل إذا خص بعض المسميات فاستعمال اللفظ في الباقي ليس بمجاز بل التجوز في نفي الشمول فلا مجاز إذن في بقية المسميات فالجواب أن هذا ساقط لأن معنى المجاز أن يستعمل اللفظ في غير ما وضع له لغة فترك الاستعمال في المخصص عن المسميات لا يحقق التجوز فيه فإنه عند من استعمل اللفظ الذي وضع فيه فيجب أن يكون في استعمال مجازا إلا فيما ترك استعماله فيه ولفظ الحمار إذا أطلق على البليد لم يكن مجازا لعدم استعماله في الهيئة المخصوصة وإن كان مجازا لاستعماله في غير ما وضع له وكذا ما نحن فيه وإذا بطل طرف وجه التجوز إلى العدم وجب أن يكون مجازا في بقية الأسماء ثم أوضح القاضي هذا فقال لو لم يبق من المسميات إلا واحد فلفظ الجمع مجاز فيه وفاقا ولم يقدر خلافا وإن كان يتناوله اللفظ مع غيره إن قدر عاما فصرف الجمع إلى الواحد كصرف الجمع إلى غير الشمول قال ابن القشيري وهذا الذي ذكره القاضي حق من وجه وكذا الذي ذكره إمام الحرمين حق من وجه وذلك أن انطلاق لفظ المسلمين على جميعهم حقيقة في وضع اللفظ فإذا أخرج الحيض والمجانين تناول لفظ المسلمين البقية بعد هذا الإخراج والتخصيص كتناوله لهم قبل التخصيص لم يتغير منه شيء فمن حيث إن اللفظ يتناولهم فاللفظ حقيقة فيهم ومن حيث إن اللفظ لم يجر على التعميم وإنما وضع التعميم للفظ مجازا ولا بعد أن يكون اللفظ حقيقة من وجه ومجازا من وجه وإنما المحال كونه حقيقة ومجازا من وجه واحد فتأمله انتهى وحاصله أن كونه مجازا من حيث إنه لم يرد به المتكلم بعض مقتضاه لا ينافي أن استعماله في الباقي بجهة الحقيقة وقال الصفي الهندي إنه أجود المذاهب بعد الأول وجزم به في المنخول وفيه نظر إذ ليس للفظ بقضية الوضع جهتان وقال في المستصفى هذا ضعيف فإنه لو رد
- إلى الواحد كان مجازا مطلقا لأنه تغيير عن موضوعه في الدلالة والتاسع إن بقي بعد التخصيص جمع فهو حقيقة فيه وإلا فهو مجاز وحكاه الآمدي عن أبي بكر الرازي واختاره الباجي من المالكية وجعل القاضي والغزالي محل الخلاف فيما إذا كان الباقي أقل الجمع فأما إذا بقي واحد أو اثنان كما لو قال لا تكلم الناس ثم قال أردت زيدا خاصة فإنه يصير مجازا بلا خلاف وإن كان حاصلا فيه لأنه اسم جمع والواحد والاثنان ليسا بجمع قلت لكن القاضي حكى في أواخر كلامه عن بعض أصحابنا أنه حقيقة فيما بقي وإن وكان أقل الجمع ثم استبعده فكأنه لم يعبأ بهذا الخلاف لكن الخلاف فيه ثابت استدركه ابن القشيري في أصوله علي القاضي فقال وذكر القاضي أبو الطيب في أصوله عن بعض أصحابنا أن اللفظ حقيقة فما بقي وإن كان أقل الجمع ا هـ وحكاه الماوردي عن أبي حامد الإسفراييني فقال إذا لم يبق إلا واحد فالمشهور أن اللفظ يتناوله على المجاز فإن العام بصيغة الجمع في أصل اللغة لا يعبر به عن الواحد قال وحكى القاضي أبو بكر فيه الاتفاق لكن أبا حامد الإسفراييني خالف وذهب إلى أنه يبقى في تناوله للواحد على الحقيقة احتجاجا منه بقوله تعالى فقدرنا فنعم القادرون فأخبر سبحانه عن نفسه بلفظ الجمع وهو سبحانه واحد فإذا ثبت حمل الجمع على الواحد فلا يستنكر حمل العموم المخصوص على الواحد حقيقة قال المازري والمشهور أن موضع الخلاف إنما هو فيما إذا بقي أقل الجمع قلت وحكى الباجي عن أبي تمام من شيوخهم أنه يبقى حقيقة وإن انتهى التخصيص إلى الواحد تنبيهات الأول حكى الشيخ أبو حامد عن بعض أصحابنا أنه حكى عن الأشعري القول بأنه مجاز ثم قال وهذا لا يجيء على قوله من وجهين أحدهما أن اللفظ المشترك عنده بين العموم والخصوص إذا دل الدليل على
- العموم كان حقيقة فكيف يصح على قوله إنه حقيقة فيما بقي بعد التخصيص والثاني أن نقول إن اللفظ المستعمل فيما بقي يحتج به مجردا من غير دلالة وهذا معنى قولنا إنه حقيقة في الباقي فإذا سلم هذا لم يبق تحت قولنا إنه مجاز فيما بقي معنى وقال بعض المتأخرين هذا القول أعني كونه مجازا ضعيف أما على قاعدة أصحابنا في إثبات كلام النفس فإن المتكلم بقوله من دخل داري من العلماء فله درهم لم يبين أول كلامه على قصد غير العلماء أصلا فكلام النفس لم يتناول غير العلماء لا حقيقة ولا مجازا لا قبل التخصيص ولا بعده وهي في كلامه سبحانه بمعنى الأول لعلمه بمراده قطعا بل تعبيره بصيغة العموم إنما كان توطئة للإتيان بالخصوص كالجنس مثلا في عموم معناه عندما تورده في تحديد النوع فإنك تأتي به عاما ثم تخصصه باقتران الفصل به فلا يكون العموم من أول القصد أصلا مرادا فكذلك في تخصيص اللفظ العام إذ العموم حقيقة واحدة معقولة في عموم اللفظي كالمعنوي وهذا الذي قاله هذا القائل خارج عن المذاهب السابقة قال وأما على قاعدة المعتزلة في إنكارهم النفسي فهو الحد إذا تصور اللفظ في الذهن للتلفظ به فيكون الخصوص إذن من أول اللفظ وأما علم السامع بالعموم فلا يعتبر إذ ليس له أمر في كلام غيره الثاني أن هذا الخلاف إنما هو في العام المخصوص وهو الذي أريد به معناه مخرجا منه بعض أفراده فإرادة إخراج بعض المدلول هل تعين اللفظ مرادا به الباقي أم لا فإن قلنا بالمنع كان حقيقة وإلا فلا أما العام الذي أريد به الخصوص فالظاهر أنه مجاز قطعا ولا يطرقه هذا الخلاف لأنه مستعمل في بعض مدلوله إلا إذا قلنا إن دلالة العام على كل فرد من أفراده دلالة مطابقة فيحتمل أن يكون حقيقة في كل فرد فيطرقه الخلاف وهو بعيد وقال ابن دقيق العيد في شرح العنوان القول بأنه مجاز صحيح في العموم الذي أريد به بعض ما تناوله عند الإطلاق أما ما وقع التخصيص فيه بعد إرادة العموم به إن صح أنه تخصيص لا نسخ يقوى هذا فيه الثالث إطلاقهم الكلام في هذه المسألة يشمل ما لو كان التخصيص بدليل العقل ونقل بعض الحنفية عن القائلين بأن من المخصصات العقل أنه لا يصير العام ظنيا مثل هذا التخصيص وإنما يصير ذلك فيما يقبل التعليل والتفسير دون ما لا يقبله ألا
- ترى أن الاستثناء وهو من أدلة التخصيص عندهم كدليل العقل لا يخرج العام من القطع إلى الظن لأنه لا يقبل التعليل فكذا هنا الرابع قد يدعى في القولين الأولين أعني أنه حقيقة أو مجاز أنه لم يتوارد الخلاف فيهما على محل واحد فإن القائل مجاز أراد بالنسبة إلى اللغة والقائل بأنه حقيقة أراد أنها حقيقة شرعية فإن الإجماع على العمل به بعد التخصيص بين أن وضع الشرع في العام إذا خص يكون متناولا للباقي فهو إذن حقيقة شرعية أنبأ عن وضعها الإجماع فصار حقيقة شرعية مجازا لغويا الخامس ذكر الشيخ أبو حامد الإسفراييني في تعليقه الأصولي وسليم في كتاب التقريب أن فائدة الخلاف في هذه المسألة أن من يقول إن ذلك حقيقة في الباقي يحتج بلفظ العموم فيما لم يخص منه مجردا من غير دليل يدل عليه ومن يقول إنه يكون مجازا لا يمكنه الاحتجاج بالعموم المخصوص فيما بقي إلا بدليل يدل عليه أي على أن حكمه ثابت في الباقي وظهر بهذا أن الخلاف في كون العام المخصوص حجة فرع الكلام في هذا فلهذا أخرنا ذكرها وبه يتضح تقرير مذهبنا في كونه حقيقة لكن إلكيا الطبري عكس ذلك فقرر كونه حجة ثم قال وإذا تقرر أنه ليس بمجمل فاختلفوا هل هو مجاز أم حقيقة والطريقة الأولى أقعد وأحسن السادس قال الشيخ أبو حامد القائلون بأنه مجاز احتجوا بنكتة واحدة وهي أن لفظ العموم موضوع للاستغراق فإذا دل الدليل على تخصيصه فإنه يعدل به عن موضوعه بالقرينة فيكون مجازا قال ودليلنا أن لفظ العموم إذا ورد مطلقا فإنه يقتضي استغراق الجنس فإذا ورد التخصيص فإن ذلك يبين ما ليس بمراد باللفظ فيخرجه عنه فلم يؤثر فيما بقي بل يكون ما بقي ثابتا فيه باللفظ فحسب والذي يدل على هذا أن دليل التخصيص مناف لحكم ما بقي من اللفظ ومضاد له فلا يجوز أن يؤثر فيه ويثبت الحكم مع مضادته ومنافاته قال ويصير لأهل الحرب عندنا اسمان كل منهما حقيقة أحدهما حقيقة فيهم بمجرده وهو أن يقول اقتلوا أهل الحرب والآخر حقيقة فيهم بعد وجود قرينة وهو أن يقول اقتلوا المشركين إلا أهل الذمة ولا يمتنع قبل هذا ألا ترى أنه إذا قال أعطوا فلانا ثوبا أبيض أو أصفر كان ذلك حقيقة في الثوب الأصفر بهذا اللفظ وإذا قال أعطوا ثوبا ولا تعطوه غير الأصفر كان حقيقة فيه عند وجود القرينة فكذلك هذا
- ويخالف هذا استعمال اسم الحمار في الرجل البليد واسم الأسد في الشجاع لأن ذلك اللفظ يحمل عليه بالقرينة الدالة عليه لا بمجرد اللفظ فإن القرينة تدل على المراد باللفظ وهي مماثلة له في الحكم فهي دالة على ما أريد به فكان اللفظ مستعملا فيه بالقرينة فكان مجازا وليس كذلك استعمال لفظ العموم في الخصوص فإن القرينة ما بينت المراد باللفظ وإنما بينت ما ليس بمراد فكان استعمال اللفظ في المراد بنفسه لا بالقرينة فإنه لا يجوز أن يكون مستعملا بالقرينة والقرينة مضادة له فكان ذلك حقيقة فيما استعمل فيه لا مجازا قال ودلالة ثانية على من سوى بين القرينة المتصلة والمنفصلة يعني يجعل الجميع مجازا لأنه لا فرق عند أهل اللغة بين أن يقول القائل لفلان علي خمسة دراهم وبين قوله عشر إلا خمسة في أن كلا منهما إقرار بخمسة وأما من فرق بين الدليل المنفصل والمتصل فإنه فصل بينهما بأن الكلام إذا اتصل بعضه ببعض بني بعضه على بعض فكان ذلك حقيقة فيما بقي وإذا انفصل بعضه عن بعض لم يبين فكان مجازا فيه وهذا غلط لأنه لا فرق بين القرينة المتصلة والمنفصلة في أن اللفظ بني عليها ودالة على ما ليس بمراد منه وما بقي يكون ثابتا فيها باللفظ لا بالقرينة فيختار أن لا يفترق حالهما بوجه انتهى مَسْأَلَةٌ الْعَامُّ إذَا خُصَّ فَإِمَّا أَنْ يُخَصَّ بِمُبْهَمٍ أو مُعَيَّنٍ فَإِنْ خُصَّ بِمُبْهَمٍ كما لو قال اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ إلَّا بَعْضَهُمْ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ على شَيْءٍ من الْأَفْرَادِ إذْ ما من فَرْدٍ إلَّا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هو الْمُخْرَجُ لِأَنَّ إخْرَاجَ الْمَجْهُولِ من الْمَعْلُومِ يُصَيِّرُهُ مَجْهُولًا وَلِهَذَا لو قال بِعْتُك هذه الصُّبْرَةَ إلَّا صَاعًا منها لَا يَصِحُّ وَمِثْلُهُ في الْمَنْخُولِ بِمَا لو تَمَسَّكَ في مَسْأَلَةِ الْوِتْرِ بِقَوْلِهِ افْعَلُوا الْخَيْرَ لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى من عُمُومِ هذا الْأَمْرِ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَيَكُونُ مُجْمَلًا وَهَذَا قد ادَّعَى فيه جَمَاعَةٌ الِاتِّفَاقَ منهم الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ وَالْأَصْفَهَانِيُّ في شَرْحِ الْمَحْصُولِ وقال لم يَذْهَبْ أَحَدٌ إلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ إذَا كان الْمُخَصَّصُ مُجْمَلًا قال الْقَاضِي وَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ إلَّا في أَمْرٍ وَاجِبٍ على التَّرَاخِي عِنْدَ من أَجَازَ تَأْخِيرَ بَيَانِ الْعَامِّ وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ من مَنَعَ ذلك في أَمْرٍ على الْفَوْرِ قُلْت وما ذَكَرُوهُ من الِاتِّفَاقِ ليس بِصَحِيحٍ فَقَدْ حَكَى ابن بَرْهَانٍ في الْوَجِيزِ
- الْخِلَافَ في هذه الْحَالَةِ وَبَالَغَ في تَصْحِيحِ الْعَمَلِ بِهِ مع الْإِبْهَامِ وَاعْتَلَّ بِأَنَّا إذَا نَظَرْنَا إلَى فَرْدٍ شَكَكْنَا فيه هل هو من الْمُخَرَّجِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ فَيَبْقَى على الْأَصْلِ وَيُعْمَلُ بِهِ إلَى أَنْ يُعْلَمَ بِالْقَرِينَةِ أَنَّ الدَّلِيلَ الْمُخَصِّصَ مُعَارِضٌ لِلَّفْظِ الْعَامِّ وَإِنَّمَا يَكُونُ مُعَارِضًا عِنْدَ الْعِلْمِ بِهِ انْتَهَى وهو صَرِيحٌ في الْإِضْرَابِ عن الْمُخَصِّصِ وَالْعَمَلُ بِالْعَامِّ في جَمِيعِ أَفْرَادِهِ وهو بَعِيدٌ وقد رَدَّ الْهِنْدِيُّ هذا الْبَحْثَ بِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَفْرُوضَةٌ في الِاحْتِجَاجِ بِهِ في الْكُلِّ الْمَخْصُوصِ وَغَيْرِهِ وَلَا قَائِلَ بِهِ انْتَهَى وَلَيْسَ كما قال فَقَدْ حَكَى الْخِلَافَ فيه صَاحِبُ اللُّبَابِ من الْحَنَفِيَّةِ وَعِبَارَتُهُ وَقِيلَ إنْ كان الْمَخْصُوصُ مَجْهُولًا لم يَثْبُتْ بِهِ الْخُصُوصُ أَصْلًا بَلْ يَبْقَى النَّصُّ عَامًّا كما كان كَذَا حَكَاهُ أبو زَيْدٍ في التَّقْوِيمِ وَمِمَّنْ حَكَى الْخِلَافَ أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ فقال في كِتَابِهِ الْخِطَابُ إذَا عُلِمَ خُصُوصُهُ ولم يُعْلَمْ مِمَّا يَخُصُّهُ كَيْفَ يُعْمَلُ بِهِ ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى إحَالَةِ هذا وقال إنَّ الْبَيَانَ لَا يَتَأَخَّرُ وَهَذَا يُؤَدِّي إلَى تَأْخِيرِهِ إنْ أَجَزْنَاهُ وقال بَعْضُهُمْ يَجُوزُ ذلك وَيُعْتَقَدُ فيه الْعُمُومُ إلَّا مَوْضِعًا خُصَّ منه غير أَنَّهُ إذَا جاء ما يَشْتَمِلُ عليه الْعُمُومُ أَمْضَاهُ لِأَنَّهُ لو كان فيه خُصُوصٌ لَخَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى وَبَيَّنَهُ لِأَنَّ الْبَيَانَ لَا يَتَأَخَّرُ عن وَقْتِ الْحَاجَةِ وَمِنْهُمْ من قال أَقِفُ في هذا لِأَنِّي قد عَلِمْت أَنَّهُ مَخْصُوصٌ وَلَعَلَّ الْحُكْمَ الذي حُكِمَ من حَيِّزِ الْخُصُوصِ كما لو عَلِمَ في الْآيَةِ نَسْخًا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْرِيَهُ على الْأَصْلِ لِجَوَازِ النَّسْخِ فَكَذَلِكَ التَّخْصِيصُ انْتَهَى وَكَذَلِكَ حَكَاهُ الْحَنَفِيَّةُ في كُتُبِهِمْ منهم أبو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَغَيْرُهُمَا فَقَالُوا إذَا خُصَّ وَجَبَ الْوَقْفُ فيه إلَى الْبَيَانِ سَوَاءٌ خُصَّ بِمَجْهُولٍ أو مَعْلُومٍ لِأَنَّهُ عِنْدَ التَّخْصِيصِ يَصِيرُ مَجَازًا في الْبَعْضِ وَذَلِكَ الْبَعْضُ مَجْهُولٌ فلم يَبْقَ حُجَّةً وَنُقِلَ عن بَعْضِهِمْ أَنَّهُ إنْ خُصَّ بِمَجْهُولٍ لم يَثْبُتْ التَّخْصِيصُ ثُمَّ قال وَاَلَّذِي ثَبَتَ عِنْدِي من مَذْهَبِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهُ بَاقٍ على عُمُومِهِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ سَوَاءٌ خُصَّ بِمَجْهُولٍ أو مَعْلُومٍ لَكِنَّ دَلَالَتَهُ على أَفْرَادِهِ تَبْقَى ظَنِّيَّةً وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وقال صَاحِبُ اللُّبَابِ ذَهَبَ عَامَّةُ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ إلَى أَنْ يَبْقَى
- عَامًّا فِيمَا وَرَاءَ التَّخْصِيصِ وَيَصِحُّ التَّعَلُّقُ بِهِ سَوَاءٌ كان الْمُخَصَّصُ مَعْلُومًا أو مَجْهُولًا وَلَكِنَّهُ مُوجِبٌ لِلْعَمَلِ لَا لِلْعِلْمِ بِخِلَافِ ما قبل التَّخْصِيصِ عِنْدَنَا فإنه قَطْعِيٌّ وَقِيلَ إنْ كان الْمُخَصَّصُ مَعْلُومًا صَحَّ التَّعَلُّقُ بِهِ وَإِلَّا فَلَا وقال الْكَرْخِيُّ وأبو عبد اللَّهِ الْجُرْجَانِيُّ لَا يَبْقَى لِلْبَاقِي عُمُومٌ وَلَا يَصِحُّ التَّعَلُّقُ بِهِ وَلَكِنْ إذَا كان مَعْلُومًا يَبْقَى مُوجِبًا لِلْعِلْمِ وَالْعَمَلِ أو مَجْهُولًا لَا يُوجِبُهُمَا بَلْ يُوقَفُ على دَلِيلٍ آخَرَ وَقِيلَ إنْ كان الْمُخَصَّصُ مَجْهُولًا لم يَثْبُتْ بِهِ الْخُصُوصُ أَصْلًا بَلْ يَبْقَى النَّصُّ عَامًا كما كان انْتَهَى وَإِنْ خُصَّ بِمُعَيَّنٍ كما لو قِيلَ اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ إلَّا أَهْلَ الذِّمَّةِ أو الْمُسْتَأْمَنَ فَهَلْ يَجُوزُ التَّعْلِيقُ بِهِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ اخْتَلَفُوا فيه على مَذَاهِبَ أَحَدُهَا أَنَّهُ حُجَّةٌ في الْبَاقِي مُطْلَقًا وهو قَوْلُ مُعْظَمِ الْفُقَهَاءِ وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وَالرَّازِيَّ وابن الْحَاجِبِ وقال أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ إنَّهُ الْأَصَحُّ وقال ابن الصَّبَّاغِ في الْعُدَّةِ إنَّهُ قَوْلُ أَصْحَابِنَا وقال الْقَفَّالُ لَا فَرْقَ بين الِاسْتِثْنَاءِ وَغَيْرِهِ وَلَا بين الْمُتَّصِلِ بِالْخِطَابِ وَالْمُنْفَصِلِ عنه قال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَلَكِنَّهُ دُونَهُ ما لم يَتَطَرَّقْ التَّخْصِيصُ إلَيْهِ فَيُكْسِبُهُ ضَرْبًا من التَّجَوُّزِ وَلَوْ رَجَحَ نَهْيُهُ عليه السَّلَامُ عن أَكْلِ كل ذِي نَابٍ من السِّبَاعِ وَمِخْلَبٍ من الطَّيْرِ على عُمُومِ قَوْلِهِ قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا الْآيَةُ بِأَنَّ التَّخْصِيصَ يَتَطَرَّقُ إلَيْهَا لَكَانَ الْخَمْرُ وَالْقَاذُورَاتُ الْمُحَرَّمَةُ خَارِجَةً عنها وقال أبو زَيْدٍ في التَّقْوِيمِ إنَّهُ الذي صَحَّ عِنْدَهُ من مَذْهَبِ السَّلَفِ قال لَكِنَّهُ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْعِلْمِ قَطْعًا بِخِلَافِ ما قبل التَّخْصِيصِ وَكَذَا قال السَّرَخْسِيُّ قال أبو حَنِيفَةَ خُصَّ هذا الْعَامُّ بِالْقِيَاسِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ حُجَّةٌ لِلْعَمَلِ وَإِنْ لم يُوجِبْ الْعِلْمَ وَنَقَلَهُ عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ عن أَصْحَابِهِمْ وَالشَّافِعِيِّ وَالثَّانِي أَنَّهُ ليس بِحُجَّةٍ وَنُقِلَ عن عِيسَى بن أَبَانَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَحَكَاهُ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ عن أَهْلِ الْعِرَاقِ وَالْغَزَالِيُّ عن الْقَدَرِيَّةِ قال ثُمَّ منهم من يقول يَبْقَى أَقَلُّ الْجَمْعِ لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ قال وَكَلَامُ الْوَاقِفِيَّةِ في الْعُمُومِ الْمَخْصُوصِ أَظْهَرُ لَا مَحَالَةَ وَمُرَادُهُمْ
- أَنَّهُ يَصِيرُ مُجْمَلًا وَيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ ما إذَا كان الْمُخَصَّصُ مَجْهُولًا هَكَذَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَإِلْكِيَا قال وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ اللَّفْظَ مَوْضِعٌ لِلِاسْتِغْرَاقِ وَإِنَّمَا يَخْرُجُ عنه بِقَرِينَةٍ وَمِقْدَارُ التَّأْثِيرِ لِلْقَرِينَةِ في اللَّفْظِ مَجْهُولٌ فَلَا يَدُلُّ عليه فَيَصِيرُ مَجْهُولًا قال وهو مُتَّجِهٌ جِدًّا وَغَايَةُ ما يَرُدُّ عليه بِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ عَلِمُوا بِمَا تَطَرَّقَ إلَيْهِ التَّخْصِيصُ من الْعُمُومِ وَلَهُ أَنْ يُجِيبَ بِأَنَّهُمْ نَقَلُوهُ من الْقَرَائِنِ التي شَاهَدُوهَا وَأَلِفُوهَا وَكَانُوا بِمَرْأَى من الرَّسُولِ وَمَسْمَعٍ من الْوَحْي الثَّانِي أَنَّ صِيغَةَ الْعُمُومِ لَيْسَتْ نَصًّا في الِاسْتِغْرَاقِ لِاحْتِمَالِ إرَادَةِ الْخُصُوصِ وَإِجْرَاءِ اللَّفْظِ على غَالِبِ الْمُسَمَّيَاتِ من غَيْرِ قَرِينَةٍ تَخْطُرُ بِالْبَالِ نعم إنْ كان مَضْمُونُ التَّخْصِيصِ اسْتِثْنَاءَ ما لَا يَشِذُّ عن الذِّهْنِ عِنْدَ إطْلَاقِ اللَّفْظِ فَيَتَّجِهُ ما قَالَهُ عِيسَى بن أَبَانَ ثُمَّ قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ إلَّا بِمَا يَجُوزُ النَّسْخُ بِهِ بِأَنَّهُ إسْقَاطُ أَمْرِ اللَّفْظِ الْعَامِّ وَالْمُمْكِنِ في الْجَوَابِ عنه أَنَّ الْقَدْرَ الذي ظَهَرَ من الْقَرِينَةِ أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِهِ وَلَا يُقَدَّرُ وَرَاءَهُ قَرِينَةٌ هِيَ غَائِبَةٌ عَنَّا فإن ذلك يَلْزَمُ مِثْلُهُ في الْعُمُومِ الذي لم يَتَنَاوَلْهُ تَخْصِيصٌ إجْمَاعًا لِإِمْكَانِ أَنَّهُ بَنَاهُ على سُؤَالٍ وَقَرِينَةِ حَالٍ ا هـ وقال الصَّيْرَفِيُّ الْقَائِلُ بهذا إنْ كان مِمَّنْ يُنْكِرُ الْعُمُومَ فَقَدْ أَثْبَتْنَاهُ وَإِنْ كان مِمَّنْ يُثْبِتُهُ فَمِنْ نَفْسِ قَوْلِهِ يَسْقُطُ قَوْلُهُ هذا لِأَنَّهُ تَوَقَّفَ عَمَّا بَقِيَ لِأَنَّ الْبَعْضَ خَصَّ وما لم يُخَصَّ دَاخِلٌ ولم يَمْتَنِعْ فِيمَا جاء عَامًّا لِإِمْكَانِ خُصُوصِهِ فَلَا يُحْكَمُ بِهِ حتى يُعْلَمَ أَنَّهُ لم يُخَصَّ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن الْقُشَيْرِيّ ذَهَبَ كَثِيرٌ من الْفُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَالْجُبَّائِيُّ وَابْنُهُ إلَى أَنَّ الصِّيغَةَ الْمَوْضُوعَةَ إذَا خُصَّتْ صَارَتْ مُجْمَلَةً وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَال بها في بَقِيَّةِ الْمُسَمَّيَاتِ إلَّا بِدَلِيلٍ كَسَائِرِ الْمَجَازَاتِ وَإِلَيْهِ مَالَ عِيسَى بن أَبَانَ وقال الْمُقْتَرِحُ هذا الْمَذْهَبُ يُعْتَبَرُ على وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لِلْكُلِّ بِمَا هو كُلٌّ وَيَنْدَرِجُ تَحْتَهُ كُلُّ وَاحِدٍ فإذا تَبَيَّنَ بِالتَّخْصِيصِ أَنَّ الْكُلَّ ليس مُرَادًا بَقِيَ اللَّفْظُ مُجْمَلًا لَا أَنْ يُرَادَ بِهِ الْبَعْضُ دُونَ الْبَعْضِ وَلَيْسَ بَعْضُهُ أَوْلَى من بَعْضٍ فَكَانَ مُجْمَلًا
- وَالثَّانِي أَنَّهُ مُتَنَاوِلٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ بِصِفَةِ الظُّهُورِ فإذا وَرَدَ التَّخْصِيصُ تَبَيَّنَ أَنَّ الشُّمُولَ ليس مُرَادًا فَيَبْقَى اللَّفْظُ مُجْمَلًا فَيَكْتَسِبُ الْإِجْمَالَ وَالثَّالِثُ إنْ خُصَّ بِمُتَّصِلٍ كَالشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ وَالصِّفَةِ فَهُوَ حُجَّةٌ فِيمَا بَقِيَ وَإِنْ خُصَّ بِمُنْفَصِلٍ فَلَا بَلْ يَصِيرُ مُجْمَلًا وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ عن الْكَرْخِيِّ وَمُحَمَّدِ بن شُجَاعٍ الْبَلْخِيّ وَكَذَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ عن الْكَرْخِيِّ وقال أبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ في أُصُولِهِ كان شَيْخُنَا أبو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ يقول في الْعَامِّ إذَا ثَبَتَ خُصُوصُهُ سَقَطَ الِاسْتِدْلَال بِاللَّفْظِ وَصَارَ حُكْمُهُ مَوْقُوفًا على دَلَالَةٍ أُخْرَى من غَيْرِهِ فَيَكُون بِمَنْزِلَةِ اللَّفْظِ وكان يُفَرِّقُ بين الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ بِاللَّفْظِ وَبَيْنَ الدَّلَالَةِ من غَيْرِ اللَّفْظِ فيقول إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ غَيْرُ مَانِعٍ من بَقَاءِ اللَّفْظِ فِيمَا عَدَا الْمُسْتَثْنَى لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَجْعَلُ اللَّفْظَ مَجَازًا فَكَانَ يقول هذا بَدِيهِيٌّ وَلَا أَقْدِرُ أَعْزِيهِ إلَى أَصْحَابِنَا وَإِلَيْهِ ذَهَبَ محمد بن شُجَاعٍ وَالرَّابِعُ أَنَّ التَّخْصِيصَ إنْ لم يَمْنَعْ اسْتِفَادَةَ الْحُكْمِ بِالِاسْمِ وَتَعْلِيقِهِ بِظَاهِرِهِ جَازَ التَّعْلِيقُ بِهِ كما في قَوْلِهِ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ لِأَنَّ قِيَامَ الدَّلَالَةِ على الْمَنْعِ من قَتْلِ أَهْلَ الذِّمَّةِ لَا يَمْنَعُ من تَعَلُّقِ الْحُكْمِ وهو الْقَتْلُ بِاسْمِ الْمُشْرِكِينَ وَإِنْ كان يَمْنَعُ من تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِالِاسْمِ الْعَامِّ وَيُوجِبُ تَعَلُّقَهُ بِشَرْطِ لَا يُنْبِئُ عنه الظَّاهِرُ لم يَجُزْ التَّعَلُّقُ بِهِ كما في قَوْلِهِ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا لِأَنَّ قِيَامَ الدَّلَالَةِ على اعْتِبَارِ النِّصَابِ وَالْحِرْزِ وَكَوْنِ الْمَسْرُوقِ لَا شُبْهَةَ فيه لِلسَّارِقِ يَمْنَعُ من تَعَلُّقِ الْحُكْمِ وهو الْقَطْعُ بِعُمُومِ اسْمِ السَّارِقِ وَيُوجِبُ تَعَلُّقَهُ بِشَرْطٍ لَا يُنْبِئُ عنه ظَاهِرُ اللَّفْظِ وهو قَوْلُ أبي عبد اللَّهِ تِلْمِيذِ الْكَرْخِيِّ وَالْخَامِسُ إنْ كان لَا يَتَوَقَّفُ على الْبَيَانِ كَالْمُشْرِكِينَ فَهُوَ حُجَّةٌ وَإِلَّا فَلَا كَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ فَيَتَوَقَّفُ الْعَمَلُ على بَيَانِ التَّخْصِيصِ وهو إخْرَاجُ الْحَائِضِ وَهَذَا قَوْلُ عبد الْجَبَّارِ وَالسَّادِسُ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِهِ في أَقَلِّ الْجَمْعِ لِأَنَّهُ الْمُتَعَيِّنُ وَلَا يَجُوزُ فِيمَا زَادَ عليه حَكَاهُ الْقَاضِي وَالْغَزَالِيُّ وابن الْقُشَيْرِيّ وقال إنَّهُ تَحَكُّمٌ وقال الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ لَعَلَّهُ قَوْلُ من لَا يُجَوِّزُ التَّخْصِيصَ إلَيْهِ وَحُكِيَ في الْمَنْخُولِ عن أبي هَاشِمٍ أَنَّهُ يَتَمَسَّكُ بِهِ في وَاحِدٍ وَلَا يَتَمَسَّكُ بِهِ جَمْعًا وَالسَّابِعُ الْوَقْفُ فَلَا نَقُولُ خَاصٌّ أو عَامٌّ إلَّا بِدَلِيلٍ حَكَاهُ أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ وَجَعَلَهُ مُغَايِرًا لِقَوْلِ عِيسَى بن أَبَانَ وَنُقِلَ عنه أَنَّ الْبَاقِيَ على الْخُصُوصِ
- تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ مَحَلُّ قَوْلِنَا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِهِ إنَّمَا هو في الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ أَمَّا الذي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ فَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِظَاهِرِهِ قَالَهُ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ في كِتَابِ الْبَيْعِ من تَعْلِيقِهِ وَفِيهِ ما يَدُلُّ على أَنَّ أَبَا عَلِيِّ بن أبي هُرَيْرَةَ قَالَهُ أَيْضًا الثَّانِي حَيْثُ قُلْنَا إنَّهُ مُجْمَلٌ قال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هل هو مُجْمَلٌ من حَيْثُ اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى لِأَنَّهُ لَا يُعْقَلُ الْمُرَادَ من ظَاهِرِهِ إلَّا بِقَرِينَةٍ أو مُجْمَلٌ من حَيْثُ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ وَجْهَانِ قال وَالْأَكْثَرُونَ على الثَّانِي لِأَنَّ افْتِقَارَ الْمُجْمَلِ إلَى الْقَرِينَةِ من جِهَةِ التَّعْرِيفِ بِمَا هو مُرَادٌ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَآتُوا حَقَّهُ يوم حَصَادِهِ وَافْتِقَارُ الْعَامِّ الذي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ إلَى الْقَرِينَةِ من جِهَةِ أَنْ يُعْرَفَ بها ما ليس بِمُرَادٍ بِهِ الثَّالِثُ أَنَّ الْخِلَافَ هُنَا مَبْنِيٌّ على التي قَبْلَهَا فَمَنْ قال إنَّهُ مَجَازٌ لَا يَجُوزُ التَّعَلُّقُ بِهِ وَمَنْ قال إنَّهُ حَقِيقَةٌ جَوَّزَهُ وَأَمَّا من قال إنَّهُ مَجَازٌ ثُمَّ أَجَازَ التَّعَلُّقَ بِهِ يَعْنِي كَالْقَاضِي صَارَ الْخِلَافُ معه لَفْظِيًّا كَذَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمِيزَانِ من الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ هذه الْمَسْأَلَةَ مُفَرَّعَةٌ على أَنَّ دَلَالَةَ الْعَامِّ على أَفْرَادِهِ قَطْعِيَّةٌ أو ظَنِّيَّةٌ فَمَنْ قال قَطْعِيَّةٌ جَعَلَ الذي خُصَّ كَاَلَّذِي لم يُخَصَّ وَإِلَّا فَلَا وَفِيهِ نَظَرٌ وقال غَيْرُهُ يَنْبَنِي على أَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ إذَا وَرَدَ هل يَتَنَاوَلُ الْجِنْسَ أو لَا وَتَنْدَرِجُ الْآحَادُ تَحْتَهُ ضَرُورَةَ اشْتِمَالِهِ عليه أو يَتَنَاوَلُ الْآحَادَ وَاحِدًا وَاحِدًا حتى يَسْتَغْرِقَ الْجِنْسَ فَالْمُعْتَزِلَةُ قالوا بِالْأَوَّلِ وهو عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَظْهَرُ عُمُومَهُ فإذا تَخَصَّصَ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لم يُرِدْ الْعُمُومَ وَعِنْدَ إرَادَةِ عَدَمِ الْعُمُومِ ليس بَعْضٌ أَوْلَى من بَعْضٍ فَيَكُونُ مُجْمَلًا
- فَصْلٌ في الْمُخَصِّصِ تَعْرِيفُهُ قد اُخْتُلِفَ فيه على قَوْلَيْنِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ وابن بَرْهَانٍ في الْوَجِيزِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ إرَادَةُ الْمُتَكَلِّمِ تَعْرِيفَ بَعْضِ ما يَتَنَاوَلُهُ الْخِطَابُ وَالدَّلِيلُ حَظُّهُ أَنْ يَكْشِفَ عن أَنَّ الْعُمُومَ مَخْصُوصٌ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ وَقَعَ بِهِ وَهَذَا ما صَحَّحَهُ ابن بَرْهَانٍ وَفَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيَّ وَغَيْرُهُمَا وَالثَّانِي أَنَّهُ الدَّلِيلُ على الْإِرَادَةِ وقال في الْمَحْصُولِ الْمُخَصِّصُ في الْحَقِيقَةِ هو إرَادَةُ الْمُتَكَلِّمِ لِأَنَّهَا الْمُؤَثِّرَةُ وَتُطْلَقُ على الدَّالِ على الْإِرَادَةِ مَجَازًا وقال أبو الْحُسَيْنِ في الْمُعْتَمَدِ الْعَامُّ يَصِيرُ عِنْدَنَا خَاصًّا بِالْأَدِلَّةِ وَيَصِيرُ خَاصًّا في نَفْسِ الْأَمْرِ بِإِرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ وَالْحَقُّ أَنَّ الْمُخَصِّصَ حَقِيقَةٌ هو الْمُتَكَلِّمُ لَكِنْ لَمَّا كان الْمُتَكَلِّمُ يُخَصِّصُ بِالْإِرَادَةِ أُسْنِدَ التَّخْصِيصُ إلَى إرَادَتِهِ فَجُعِلَتْ الْإِرَادَةُ مُخَصِّصَةٌ ثُمَّ جُعِلَ ما دَلَّ على إرَادَتِهِ وهو الدَّلِيلُ اللَّفْظِيُّ أو غَيْرُهُ مُخَصِّصًا في الِاصْطِلَاحِ وَالْمُرَادُ هُنَا إنَّمَا هو الدَّلِيلُ فَنَقُولُ الْمُخَصِّصُ لِلْعَامِّ إمَّا أَنْ يَسْتَقِلَّ بِنَفْسِهِ فَهُوَ الْمُنْفَصِلُ وَإِمَّا أَلَا يَسْتَقِلُّ بَلْ يَتَعَلَّقُ مَعْنَاهُ بِاللَّفْظِ الذي قَبْلَهُ فَالْمُتَّصِلُ أَقْسَامُهُ وَقَسَّمَهُ الْجُمْهُورُ إلَى أَرْبَعَةٍ الِاسْتِثْنَاءُ وَالشَّرْطُ وَالصِّفَةُ وَالْغَايَةُ وزاد ابن الْحَاجِبِ وَالْقَرَافِيُّ بَدَلَ الْبَعْضِ من الْكُلِّ وَنَازَعَ الْأَصْفَهَانِيُّ فيه لِأَنَّهُ في نِيَّةِ طَرْحِ ما قَبْلَهُ وقال الْقَرَافِيُّ وقد وَجَدْته بِالِاسْتِقْرَاءِ اثْنَيْ عَشَرَ هذه الْخَمْسَةُ وَسَبْعَةٌ أُخْرَى وَهِيَ الْحَالُ وَظَرْفُ الزَّمَانِ وَظَرْفُ الْمَكَانِ وَالْمَجْرُورُ وَالتَّمْيِيزُ وَالْمَفْعُولُ معه وَالْمَفْعُولُ لِأَجْلِهِ فَهَذِهِ اثْنَا عَشَرَ ليس فيها وَاحِدٌ يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ وَمَتَى اتَّصَلَ بِمَا يَسْتَقِلُّ
- بِنَفْسِهِ عُمُومًا كان أو غَيْرَهُ صَارَ غير مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ وَيَشْهَدُ لِمَا قال في الْحَالِ حِكَايَةُ سِيبَوَيْهِ عن الْخَلِيلِ أَنَّك إذَا قُلْت مَرَرْت بِالْقَوْمِ خَمْسَتَهُمْ بِالنَّصْبِ كان الْمَعْنَى حَصْرَ الْمَمْرُورِ في خَمْسَةٍ منهم فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَمْرُورُ بِهِ سِتَّةً وإذا رَفَعْت الْخَمْسَةَ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْمَمْرُورُ بِهِ أَكْثَرَ الْأَوَّلُ الِاسْتِثْنَاءُ وهو لُغَةً بِمَعْنَى الْعَطْفِ وَالْعَوْدِ كَقَوْلِهِمْ ثَنَيْت الْحَبْلَ إذَا عَطَفْت بَعْضَهُ على بَعْضٍ وَقِيلَ بِمَعْنَى الصَّرْفِ وَالصَّدِّ من قَوْلِهِمْ ثَنَيْت فُلَانًا عن رَأْيِهِ وقال ابن فَارِسٍ لِأَنَّهُ قد ثَنَّى ذِكْرَهُ مَرَّةً في الْجُمْلَةِ وَمَرَّةً في التَّفْصِيلِ وَاصْطِلَاحًا الْإِخْرَاجُ بِإِلَّا أو إحْدَى أَخَوَاتِهَا من مُتَكَلِّمٍ وَاحِدٍ لِيَخْرُجَ ما لو قال اللَّهُ سُبْحَانَهُ اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ فقال عليه السَّلَامُ إلَّا زَيْدًا فإنه لَا يُسَمَّى اسْتِثْنَاءً كما قَالَهُ الْقَاضِي وَسَيَأْتِي وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ الْحُكْمُ بِإِخْرَاجِ الثَّانِي من الْحُكْمِ الْأَوَّلِ بِوَاسِطَةٍ مَوْضُوعَةٍ لِذَلِكَ فَقَوْلُنَا الْحُكْمُ جِنْسٌ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ حُكْمٌ من أَحْكَامِ اللَّفْظِ فَيَشْمَلُ الْمُتَّصِلَ وَالْمُنْقَطِعَ وَخَرَجَ بِالْوَسَائِطِ الْمَوْضُوعَةِ له نَحْوُ قام الْقَوْمُ وَأَسْتَثْنِي زَيْدًا وَخَرَجُوا ولم يَخْرُجْ زَيْدٌ تَنْبِيهٌ الْإِخْرَاجُ إنَّمَا يَأْتِي على قَوْلِ من يَجْعَلُهُ عَامِلًا بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ إذْ الْإِخْرَاجُ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بَعْدَ الدُّخُولِ وَأَمَّا على قَوْلِ من يَجْعَلُهُ مَبْنِيًّا فَلَا إخْرَاجَ عنه كما سَنُبَيِّنُهُ وَحَدَّهُ ابن عَمْرُونٍ من النُّحَاةِ بِأَنْ يَنْفِيَ عن الثَّانِي ما يُثْبِتُ لِغَيْرِهِ بِإِلَّا أو كَلِمَةٍ تَقُومُ مَقَامَهَا فَيَشْمَلُ أَنْوَاعَ الِاسْتِثْنَاءِ من مُتَّصِلٍ وَمُنْقَطِعٍ وَمُفْرَدٍ وَجُمْلَةٍ وَتَامٍّ وَمُفَرَّغٍ وَخَرَجَ الْوَصْفُ بِإِلَّا أو غَيْرِهَا وَذَكَرَ ابن الْحَاجِبِ أَنَّ الْمُتَّصِلَ وَالْمُنْقَطِعَ يُمْكِنُ تَحْدِيدُهُ بِحَدٍّ وَاحِدٍ على الْقَوْلِ بِالِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ لِتَغَايُرِ حَقِيقَتِهِمَا إذْ الْأَوَّلُ حَقِيقَةٌ وَالثَّانِي مَجَازٌ وَجَمَعَهُمَا ابن مَالِكٍ في حَدٍّ وَاحِدٍ فقال تَحْقِيقًا أو تَقْدِيرًا وقد يُقَالُ هو في قُوَّةِ حَدَّيْنِ وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في بَابِ الْإِقْرَارِ من النِّهَايَةِ أَنَّ الْفُقَهَاءَ يُسَمُّونَ تَعْلِيقَ الْأَلْفَاظِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ اسْتِثْنَاءً في مِثْلِ قَوْلِ الْقَائِلِ أَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتَ حُرٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ
- وفي الْمُحِيطِ لِلْحَنَفِيَّةِ يُسَمَّى الِاسْتِثْنَاءُ بِإِلَّا وَأَخَوَاتِهَا اسْتِثْنَاءَ التَّحْصِيلِ وَبِمَشِيئَةِ اللَّهِ اسْتِثْنَاءَ التَّعْطِيلِ قال الْخَفَّافُ الِاسْتِثْنَاءُ ضِدُّ التَّوْكِيدِ يُثْبِتُ الْمَجَازَ وَيُحَقِّقُهُ وَصَرَّحَ النُّحَاةُ بِأَنَّ اللَّفْظَ قبل الِاسْتِثْنَاءِ يَحْتَمِلُ الْمَجَازَ فإذا جاء الِاسْتِثْنَاءُ رُفِعَ الْمَجَازُ وَقَرَّرَهُ فَاللَّفْظُ قبل الِاسْتِثْنَاءِ ظَنِّيٌّ وَبَعْدَهُ قَطْعِيٌّ وَهَذَا مُعَاكِسٌ لِقَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّهُمْ عَدُّوا الِاسْتِثْنَاءَ من الْمُخَصِّصَاتِ وَعِنْدَهُمْ أَنَّ الْعَامَّ قبل التَّخْصِيصِ قَطْعِيٌّ وَبَعْدَهُ ظَنِّيٌّ قِيلَ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ احْتِمَالَ التَّجَوُّزِ قبل التَّخْصِيصِ ثَابِتٌ وَبَعْدَ التَّخْصِيصِ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُقَرِّرُ الْمَجَازَ في إخْرَاجِ شَيْءٍ وَيُحَقَّقُ أَنَّ الْمُرَادَ ما بَقِيَ تَحْقِيقًا ظَاهِرًا لَا يُخَالِفُ ما لم تَأْتِ قَرِينَةٌ كما قبل الِاسْتِثْنَاءِ إلَّا أَنَّ الْقَرِينَةَ قَبْلَهُ يُشْتَرَطُ فيها الْقُوَّةُ وَهَلْ الْإِخْرَاجُ من الِاسْمِ أو الْحُكْمِ أو مِنْهُمَا أَقْوَالٌ أَصَحُّهَا الثَّالِثُ وهو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ وَهَلْ هو إخْرَاجٌ من اللَّفْظِ ما لَوْلَاهُ لَوَجَبَ دُخُولُهُ أو لَجَازَ فيه قَوْلَانِ رَجَّحَ سُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ الْأَوَّلَ قال وَإِلَّا لم يَفْتَرِقْ الْحَالُ بين الِاسْتِثْنَاءِ من الْجِنْسِ وَغَيْرِهِ فلما فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَجَعَلَ من الْجِنْسِ حَقِيقَةً وَمِنْ غَيْرِهِ مَجَازًا ثَبَتَ ما قُلْنَاهُ مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ لَا يَصِحُّ إلَّا من مُسْتَثْنًى منه عَامٍّ أو من عَدَدٍ شَائِعٍ فَالْأَوَّلُ نَحْوُ قام الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا قَوْله تَعَالَى فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كلهم أَجْمَعُونَ إلَّا إبْلِيسَ وَالثَّانِي كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلَّا خَمْسِينَ عَامًا وَلِهَذَا صَحَّ على عَشَرَةٍ إلَّا دِرْهَمًا لِشُيُوعِ الْخَمْسِينَ في مُطْلَقِ الْأَلْفِ وَالْأَلْفُ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ بِزَمَنٍ مَخْصُوصٍ وَشُيُوعُ الْعَشَرَةِ في مُطْلَقِ الْعَدَدِ وَمِثْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً فإن ثَلَاثًا نَكِرَةٌ شَائِعَةٌ تَقَعُ على الطَّلَاقِ الْمُحَرَّمِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْمُبَاحِ قَالَهُ الْمُوَفَّقُ حَمْزَةُ الْحَمَوِيُّ وَسَنُعِيدُ الْخِلَافَ في الْعَدَدِ مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ الِاسْتِثْنَاءُ من الْجِنْسِ بِلَا خِلَافٍ كَقَامَ الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا وهو الْمُتَّصِلُ وَمِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ على الْأَصَحِّ وهو الْمُنْقَطِعُ وَيُعَبَّرُ عنه بِالْمُنْفَصِلِ نَحْوُ إلَّا حِمَارًا وَأَفْسَدَ
- تَعْرِيفَ الْمُتَّصِلِ بِقَوْلِنَا ما جَاءَنِي أَحَدٌ إلَّا زَيْدٌ لِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّ زَيْدًا لم يَدْخُلْ تَحْتَ أَحَدٍ فَهُوَ مُنْقَطِعٌ وَإِنْ كان من جِنْسِ الْأَوَّلِ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ الْمُتَّصِلُ ما كان اللَّفْظُ الْأَوَّلُ منه يَتَنَاوَلُ الثَّانِيَ نَحْوُ جاء الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا وَالْمُنْقَطِعُ ما لَا يَتَنَاوَلُ اللَّفْظُ الْأَوَّلُ فيه الثَّانِيَ أو نَقُولُ الْمُتَّصِلُ ما كان الْمُسْتَثْنَى جُزْءًا من الْمُسْتَثْنَى منه وَالْمُنْقَطِعُ ما لَا يَكُونُ قال ابن سِرَاجٍ وَلَا بُدَّ في الْمُنْقَطِعِ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ الذي قبل إلَّا قد دَلَّ على ما يُسْتَثْنَى مِمَّا قَبْلَهُ بِأَنَّهُ مَعْرِفَةٌ وَأَوْضَحَهُ ابن مَالِكٍ فقال لَا بُدَّ فيه من تَقْدِيرِ الدُّخُولِ في الْأَوَّلِ كَقَوْلِك قام الْقَوْمُ إلَّا حِمَارًا فإنه بِذِكْرِ الْقَوْمِ يَتَبَادَرُ الذِّهْنُ لِأَتْبَاعِهِمْ الْمَأْلُوفَاتِ فذكر إلَّا حِمَارًا لِذَلِكَ فَهُوَ مُسْتَثْنًى تَقْدِيرًا وَكَذَا قال أبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ يَجُوزُ الِاسْتِثْنَاءُ من غَيْرِ الْجِنْسِ وَلَكِنْ بِشَرْطٍ وهو أَنْ يُتَوَهَّمَ دُخُولُهُ في الْمُسْتَثْنَى منه بِوَجْهٍ ما وَإِلَّا لم يَجُزْ كَقَوْلِهِ وَبَلْدَةٌ ليس بها أَنِيسُ إلَّا الْيَعَافِيرُ وَإِلَّا الْعِيسُ فَالْيَعَافِيرُ قد تُؤَانِسُ فَكَأَنَّهُ قال ليس بها من يُؤْنَسُ بِهِ إلَّا هذا النَّوْعُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُنْقَطِعَ يَكُونُ مُسْتَثْنًى من مِقْدَارٍ أو من مَفْهُومِ لَفْظٍ لَا من مَنْطُوقِهِ وَإِنَّمَا يَجُوزُ الِاسْتِثْنَاءُ من غَيْرِ الْجِنْسِ غَالِبًا إذَا تَشَارَكَ الْجِنْسَانِ في مَعْنًى أَعَمَّ كما في السَّلَامِ وَاللَّغْوِ الْمُتَشَارِكَيْنِ في أَصْلِ الْقَوْلِ في قَوْله تَعَالَى لَا يَسْمَعُونَ فيها لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا إلَّا قِيلًا سَلَامًا وَقَوْلِهِ ما لهم بِهِ من عِلْمٍ إلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ لِاشْتِرَاكِهِمَا في الرُّجْحَانِ ثُمَّ الْكَلَامُ فيه في مَوَاطِنَ الْأَوَّلُ في أَنَّهُ هل وَقَعَ في اللُّغَةِ فَمِنْهُمْ من أَنْكَرَهُ وَتَأَوَّلَهُ تَأَوُّلًا رَدَّهُ بِهِ إلَى الْجِنْسِ وَحِينَئِذٍ فَلَا خِلَافَ في الْمَعْنَى الثَّانِي أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ وُقُوعَهُ في الْقُرْآنِ وَالصَّوَابُ وُقُوعُهُ قال ابن عَطِيَّةَ لَا يُنْكِرُ وُقُوعَهُ في الْقُرْآنِ إلَّا أَعْجَمِيٌّ الثَّالِثُ اخْتَلَفَ في صِحَّتِهِ في الْمُخَاطَبَاتِ في الْعَادَاتِ وقد اخْتَلَفَتْ طُرُقُ أَصْحَابِنَا فيه فقال الْقَاضِي أبو الْقَاسِمِ بن كَجٍّ في كِتَابِهِ في الْأُصُولِ الِاسْتِثْنَاءُ من غَيْرِ الْجِنْسِ ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى جَوَازِهِ وَأَبَى ذلك عَامَّةُ أَصْحَابِنَا فَأَمَّا من جَوَّزَهُ فَقَدْ اسْتَدَلَّ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قال لو قال له عَلَيَّ أَلْفٌ إلَّا عَبْدًا قُبِلَ منه وَأَيْضًا فإنه وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كلهم أَجْمَعُونَ إلَّا إبْلِيسَ وَدَلِيلُنَا أَنَّ
- الِاسْتِثْنَاءَ شَرْطُهُ أَنْ يُخْرِجَ من دخل تَحْتَ الِاسْمِ غير الْجِنْسِ لم يَدْخُلْ فيه وَالْجَوَابُ عن الْآيَةِ بِأَنَّ إبْلِيسَ دخل تَحْتَ الْأَمْرِ فَرَجَعَ الِاسْتِثْنَاءُ إلَيْهِ لِأَنَّهُ قد كان أُضْمِرَ فيه وَتَأَوَّلَ قَوْمٌ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّمَا قُبِلَ ثَمَّةَ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى بَيَانِهِ لِأَنَّهُ اقْتَضَى الْإِطْلَاقَ وَالْمَعْنَى إلَّا من ثَمَنِ عَبْدٍ انْتَهَى وَكَذَا قال أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ في كِتَابِهِ قال وَتَمَسَّكَ الْمُجَوِّزُ بِقَوْلِ الشَّافِعِيُّ في كِتَابِ الْإِقْرَارِ لو قال له عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَّا عَبْدًا فَقَدْ اسْتَثْنَى الْعَبْدَ من الدَّرَاهِمِ وَلَيْسَ الْعَبْدُ من جِنْسِهَا قال وَهَذَا ليس بِشَيْءٍ لِأَنَّ مَعْنَاهُ إلَّا قِيمَةَ الْعَبْدِ وهو كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا فَدَلَّ على أَنَّهُ أَجْرَاهُ مَجْرَى الِاسْتِثْنَاءِ من الْجِنْسِ قال وَأَمَّا قَوْلُهُ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كلهم أَجْمَعُونَ إلَّا إبْلِيس مع أَنَّهُ ليس من الْمَلَائِكَةِ فَالْمُرَادُ في قَوْله تَعَالَى وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اُسْجُدُوا أَيْ الْمَلَائِكَةُ وَإِبْلِيسُ فَحُذِفَ فَالِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعٌ إلَى الْمُضْمَرِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ في الْأَمْرِ من لم يُذْكَرْ فيه قال وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا على جَوَازِ الِاسْتِثْنَاءِ من غَيْرِ الْجِنْسِ بِدَلِيلٍ فَأَمَّا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَلَا وَمِمَّنْ اخْتَارَ الْمَنْعَ من أَصْحَابِنَا إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ وَنَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وابن الْقُشَيْرِيّ عن الْحَنَفِيَّة وَالْأُسْتَاذِ ابْنِ دَاوُد وَحَكَاهُ الْبَاجِيُّ عن ابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ الْقَطْعُ بِصِحَّتِهِ في الْإِقْرَارِ وَالْخِلَافُ فِيمَا عَدَاهُ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْمَاوَرْدِيِّ قال لَا يَخْتَلِفُ أَصْحَابُنَا في صِحَّتِهِ في الْإِقْرَارِ وَاخْتَلَفُوا في غَيْرِ الْإِقْرَارِ على وَجْهَيْنِ وَالثَّالِثَةُ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ نَقَلَ الِاتِّفَاقَ على صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ من غَيْرِ الْجِنْسِ قال وَيُعْتَبَرُ فيه الْقِيمَةُ دُونَ الْعَدَدِ في الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ فإذا قال له عَلَيَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ إلَّا أَلْفًا جَوَّزَهُ نَظَرًا إلَى قِيمَةِ الْمُسْتَثْنَى فَإِنْ كانت عَشَرَةً فما زَادَ بَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ وَإِنْ كانت دُونَهَا صَحَّ وَأَلْزَمَ ما بَقِيَ وَلِهَذَا أَنْكَرَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ الْخِلَافَ فيه وقال لم يَسْتَعْمِلْ اللُّغَوِيُّونَ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ في كَوْنِهِ حَقِيقَةً أو مَجَازًا وَكَذَا قال ابن الْقُشَيْرِيّ قال وَحَقِيقَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إذَا انْطَوَى على التَّعَرُّضِ بِمَا يُنْبِئُ عنه الْمُسْتَثْنَى منه جِنْسًا فَهُوَ الِاسْتِثْنَاءُ الْحَقِيقِيُّ كَقَوْلِك رَأَيْت الناس إلَّا زَيْدًا قال وقد تَرِدُ صِيغَةُ الِاسْتِثْنَاءِ مع اخْتِلَافِ الْجِنْسِ بِلَا خِلَافٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كلهم أَجْمَعُونَ إلَّا إبْلِيسَ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لم يَكُنْ من
- الْمَلَائِكَةِ وقد قال تَعَالَى فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لي إلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ وما كان لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلَّا خَطَأً وَالْخَطَأُ لَا يَنْدَرِجُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ قال وَهَذَا لَا خِلَافَ فيه وَإِنَّمَا الْخِلَافُ في أَنَّهُ هل يُسَمَّى هذا الْجِنْسُ اسْتِثْنَاءً على الْحَقِيقَةِ أو لَا وَالْأَظْهَرُ الْمَنْعُ وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ له عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَّا ثَوْبًا فَهُوَ على التَّحْقِيقِ اسْتِثْنَاءُ الشَّيْءِ من جِنْسِهِ لِأَنَّ الْمَعْنَى إلَّا قِيمَةَ ثَوْبٍ وأبو حَنِيفَةَ وَإِنْ أَنْكَرَ هذا فَقَدْ جَوَّزَ اسْتِثْنَاءَ الْمَكِيلِ من الْمَكِيلِ مع اخْتِلَافِ الْجِنْسِ وَاسْتِثْنَاءَ الْمَوْزُونِ من الْهَيْكَلِ ا هـ وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ على أَنَّهُ جَائِزٌ اتِّفَاقًا وَإِنَّمَا الْخِلَافُ في أَنَّهُ هل يُسَمَّى اسْتِثْنَاءً حَقِيقَةً أو مَجَازًا وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ تَقْتَضِي أَنَّ الْخِلَافَ في الْجَوَازِ وَمِنْهُمْ الْآمِدِيُّ في الْإِحْكَامِ فقال ذَهَبَتْ الْحَنَفِيَّة وَالْمَالِكِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ إلَى صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ من غَيْرِ الْجِنْسِ وَمَنَعَهُ الْأَكْثَرُونَ وَاخْتَارَ التَّوَقُّفَ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَانِعَ لَا يُسَمَّى ما وَرَدَ من ذلك اسْتِثْنَاءً بَلْ يَجْعَلُ إلَّا بِمَعْنَى لَكِنْ وَسَيَأْتِي في كَلَامِ الْمَاوَرْدِيِّ ما يَقْتَضِيه وَحَكَى الْمَازِرِيُّ في التَّعْلِيقَةِ ثَلَاثَةَ مَذَاهِبَ أَحَدُهَا صِحَّتُهُ وَالِاعْتِدَادُ بِهِ مُطْلَقًا وَعَزَاهُ لِلشَّافِعِيِّ وَمَالِكٌ وَالثَّانِي عَدَمُ الِاعْتِدَادِ بِهِ وَعَزَاهُ لِمُحَمَّدِ بن الْحَسَنِ وَالثَّالِثُ إنْ قَدَّرَ بِفَرْدٍ نَحْوُ قَوْلِهِ له عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ إلَّا مِائَةً مُعَيَّنَةً اعْتَدَّ بِهِ وَيَسْقُطُ مِقْدَارُهُ من الْجُمْلَةِ الْأُولَى وَكَذَلِكَ إذَا قُدِّرَ بِوَزْنٍ أو كَيْلٍ فإن من لَا يُقَدَّرُ بِشَيْءٍ من ذلك لم يُعْتَدَّ بِهِ وَلَزِمَتْ الْجُمْلَةُ الْأُولَى قال وهو قَوْلُ أبي حَنِيفَةَ حَكَاهُ عنه ابن الْحَكَمِ انْتَهَى وقال ابن الْحَاجِّ في تَعْلِيقِهِ على الْمُسْتَصْفَى الِاسْتِثْنَاءُ الْمُنْقَطِعُ مَنَعَهُ قَوْمٌ من جِهَةِ الْغَرَضِ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَأَجَازَهُ الْأَكْثَرُونَ من جِهَةِ وُجُودِهِ في كَلَامِ الْعَرَبِ وَالْمُجَوِّزُونَ لم يَقْدِرُوا أَنْ يَدْفَعُوا وُجُودَهُ في كَلَامِ الْعَرَبِ وَالْمَانِعُونَ لم يَقْطَعُوا الْجِهَةَ التي يَصِحُّ بها الْمُنْقَطِعُ على وَضْعِ الِاسْتِثْنَاءِ قال وقد حَلَّ هذا الشَّكَّ الْقَاضِي أبو الْوَلِيدِ بن رُشْدٍ فقال إنَّ من عَادَةِ الْعَرَبِ إبْدَالَ الْجُزْئِيِّ مَكَانَ الْكُلِّيِّ كما يُبْدَلُ الْكُلِّيُّ مَكَانَ الْجُزْئِيِّ اتِّكَالًا على الْقَرَائِنِ وَالْعُرْفِ مَثَلًا إذَا قال ما في الدَّارِ رَجُلٌ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ قَرِينَةٌ تُفْهِمُ ما سِوَاهُ
- فَلِذَلِكَ يُسْتَثْنَى وَيَقُولُ إلَّا امْرَأَةً وَعَلَى هذا الْوَجْهِ يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ كُلُّهُ مُتَّصِلًا إلَّا أَنَّ الِاتِّصَالَ منه في اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى وَمِنْهُ في الْمَعْنَى خَاصَّةٌ قال وإذا تَصَفَّحَ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُنْقَطِعَ وُجِدَ على ما قَالَهُ وقد انْفَرَدَ بِحَلِّ هذا الشَّكِّ قال ابن الْخَشَّابِ النَّحْوِيُّ في كِتَابِ الْعَوْنِيِّ أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ الِاسْتِثْنَاءَ من غَيْرِ الْجِنْسِ وَتَأَوَّلُوا تَأَوُّلًا بِهِ إلَى الذي من الْجِنْسِ وَحِينَئِذٍ فَلَا خِلَافَ قال لَكِنَّ النُّحَاةَ قَدَّرُوهُ بِلَكِنَّ وهو غَيْرُ مُشَابِهٍ لِمَا اخْتَلَفَ فيه الْفُقَهَاءُ بَلْ الذي أَجَازَهُ الْفُقَهَاءُ يَنْبَغِي الْقَطْعُ بِامْتِنَاعِهِ فَإِنَّهُمْ مَثَّلُوهُ بِنَحْوِ له عَشَرَةٌ إلَّا ثَوْبًا وَهَذَا فَاسِدٌ من جِهَةِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى أَمَّا اللَّفْظُ فإن اللُّغَةَ لَا تَسْتَعْمِلُ هذا الضَّرْبَ من الِاسْتِثْنَاءِ في الْمُثْبَتِ إنَّمَا تَسْتَعْمِلُهُ في الْمَنْفِيِّ وَأَمَّا الْمَعْنَى فَمُسْتَحِيلٌ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ في الْأَصْلِ إنَّمَا جِيءَ بِهِ مُقَابِلًا لِلتَّأْكِيدِ فَإِنَّمَا قُلْت جاء الْقَوْمُ كلهم إلَّا زَيْدًا حَقَّقْت بِالِاسْتِثْنَاءِ الْإِشْكَالَ في عُمُومِ الْمَجِيءِ لهم وَأَنَّهُ لم يَتَخَلَّفْ منهم من لم يَجِئْ فإذا قُلْت جاء الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا حَقَّقْت بِالِاسْتِثْنَاءِ الْبَعْضَ لهم وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ تَصَوُّرُهُ في له عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَوْبًا فَإِنْ قال الْمَعْنَى إلَّا ثَوْبًا وَأَكْثَرَ لَزِمَهُ الْعَشَرَةُ فَأَيْنَ الِاسْتِثْنَاءُ من غَيْرِ الْجِنْسِ قُلْت وَقَوْلُهُ في الْأَوَّلِ لَا يَجُوزُ في الْإِثْبَاتِ مَمْنُوعٌ بَلْ جُمْهُورُ النَّحْوِيِّينَ سَوَّغُوهُ فيه الرَّابِعُ الْقَائِلُونَ بِالْجَوَازِ اخْتَلَفُوا في تَسْمِيَتِهِ اسْتِثْنَاءً على مَذَاهِبَ ثَلَاثَةٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ يُسَمَّى اسْتِثْنَاءً حَقِيقَةً وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وَنَقَلَهُ ابن الْخَبَّازِ عن ابْنِ جِنِّي وقال الْإِمَامُ هو ظَاهِرٌ من كَلَامِ النَّحْوِيِّينَ وَعَلَى هذا فَإِطْلَاقُ الِاسْتِثْنَاءِ على الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْقَطِعِ هل هو بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ أو الْمَعْنَوِيِّ قَوْلَانِ وَالثَّانِي أَنَّهُ مَجَازٌ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ منهم الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وابن الصَّبَّاغِ في الْعُدَّةِ وابن الْأَنْبَارِيِّ في شَرْحِ الْبُرْهَانِ وَسُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وابن الْقُشَيْرِيّ لِأَنَّهُ ليس فيه مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ وَلَيْسَ في اللُّغَةِ ما يَدُلُّ على تَسْمِيَتِهِ وَاخْتَارَهُ الرُّمَّانِيُّ من النَّحْوِيِّينَ في شَرْحِ الْمُوجَزِ وقال ابن أبي الرَّبِيعِ في شَرْحِ الْإِيضَاحِ ذَهَبَ أَكْثَرُ الناس إلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُتَّصِلَ هو الْأَصْلُ وَالْمُنْقَطِعَ اتِّسَاعٌ وَمِنْهُمْ من قال كِلَاهُمَا أَصْلٌ انْتَهَى وَالثَّالِثُ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى اسْتِثْنَاءً لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا حَكَاهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ وَالْمَازِرِيُّ وَحَكَى الْقَاضِي قَوْلًا آخَرَ أَنَّهُ بِمَعْنَى كَلَامٍ مُبْدَأٍ مُسْتَأْنَفٍ وقال قَوْلُ من قال مُنْقَطِعٌ حَقِيقَةً وَمَنْ قال كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ وَاحِدٌ في الْمَعْنَى
- وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ الْعِبَارَةُ ثُمَّ قال الْقَاضِي وَالْمَازِرِيُّ الْخِلَافُ لَفْظِيٌّ قُلْت بَلْ هو مَعْنَوِيٌّ فإن من جَعَلَهُ حَقِيقَةً جَوَّزَ التَّخْصِيصَ بِهِ وَإِلَّا فَلَا وَأَيْضًا هو مَبْنِيٌّ على أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ ما لَوْلَاهُ لَوَجَبَ دُخُولُهُ أو لَجَازَ دُخُولُهُ وَاحْتَجَّ في الْمَحْصُولِ على أَنَّهُ ليس بِحَقِيقَةٍ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ من اللَّفْظِ إذْ لم يَتَنَاوَلْهُ اللَّفْظُ فَلَا حَاجَةَ بِهِ إلَى صَارِفٍ عنه وَلَا من الْمَعْنَى وَإِلَّا صَحَّ اسْتِثْنَاءُ كل شَيْءٍ من كل شَيْءٍ لِوُجُوبِ اشْتَرَاكِ كل شَيْئَيْنِ في مَعْنًى لو حُمِلَ اللَّفْظُ عليه جَازَ الِاسْتِثْنَاءُ منه وَحَكَى ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ الْخِلَافَ على نَمَطٍ آخَرَ فقال اخْتَلَفُوا في الِاسْتِثْنَاءِ من غَيْرِ الْجِنْسِ على ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ وَأَحَدُهَا أَنَّهُ مَمْنُوعٌ من طَرِيقِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى وهو قَوْلُ كَثِيرٍ من أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجَعَلُوهُ لَغْوًا وَالثَّانِي يَجُوزُ لَفْظًا وَمَعْنًى الثَّالِثُ يَصِحُّ من طَرِيقِ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ قال وهو الْأَوْلَى بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وهو قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ من الْأَصْحَابِ وَلِهَذَا لو قال لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَّا دِينَارًا أو مِائَةُ دِينَارٍ إلَّا ثَوْبًا يَكُونُ مُثْبِتًا لِلدِّينَارِ وَالثَّوْبِ بِالتَّقْدِيرِ قال وَأَمَّا إذَا اسْتَثْنَى من زَيْدٍ وَجْهَهُ أو من الدَّارِ بَابَهَا فَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ في أَنَّهُ اسْتِثْنَاءُ الشَّيْءِ من جِنْسِهِ أو من غَيْرِ جِنْسِهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ من جِنْسِهِ لِأَنَّ وَجْهَ زَيْدٍ جُزْءٌ منه انْتَهَى قِيلَ وَهَذَا الْخِلَافُ غَرِيبٌ وقد جَزَمَ الْأَصْحَابُ بِدُخُولِ بَابِ الدَّارِ في بَيْعِهَا ولم يَحْكُوا خِلَافًا قُلْت يُؤْخَذُ من الْمُسْتَصْفَى الْخِلَافُ فإنه جَزَمَ بِأَنَّهُ من غَيْرِ الْجِنْسِ وَشَرَطَ هو قبل ذلك كَوْنَهُ من الْجِنْسِ قال لِأَنَّ اسْمَ الدَّارِ لَا يَنْطَلِقُ على الْبَابِ وَلَا اسْمُ زَيْدٍ على وَجْهِهِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ مِائَةُ ثَوْبٍ إلَّا ثَوْبًا قال وَعَلَى هذا قال قَوْمٌ ليس من شَرْطِ الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَكُونَ من الْجِنْسِ وَشَرَطَ هو قبل ذلك كَوْنَهُ من الْجِنْسِ فَجَاءَ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ وَيَجِيءُ على الثَّانِي قَوْلُهُ عَشَرَةٌ إلَّا دِرْهَمًا فَمِنْهُمْ من أَلْحَقَهُ بِقَوْلِك رَأَيْت زَيْدًا إلَّا يَدَهُ وَمِنْهُمْ من أَلْحَقَهُ بِاسْمِ الْجُمْلَةِ وهو قَوْلُهُ اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ إلَّا أَهْلَ الذِّمَّةِ أو إلَّا زَيْدًا وهو الْأَشْبَهُ فيه وَأَمَّا الْخِلَافُ الْأَوَّلُ فَذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ في الْحَاوِي إذْ قال فَإِنْ عَادَ إلَى غَيْرِ
- جِنْسِهِ صَحَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ في الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ وَأَجَازَهُ قَوْمٌ في اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى وَأَبْطَلَهُ قَوْمٌ فِيهِمَا وقال الطَّبَرِيُّ في الْعُدَّةِ في بَابِ الْإِقْرَارِ إذَا جَازَ الِاسْتِثْنَاءُ من غَيْرِ الْجِنْسِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هل هو اسْتِثْنَاءٌ من الْمَعْنَى أو من اللَّفْظِ على وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا من الْمَعْنَى فإذا قال له عَلَيَّ مِائَةُ دِينَارٍ إلَّا مِائَةَ دِرْهَمٍ فَكَأَنَّهُ اسْتَثْنَى من قِيمَةِ الدَّنَانِيرِ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَالثَّانِي من اللَّفْظِ وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَشْهَدُ لِهَذَا انْتَهَى تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ قال ابن فُورَكٍ في كِتَابِهِ في الْأُصُولِ ليس الْمُرَادُ بِالْجِنْسِ هُنَا ما اصْطَلَحَ عليه الْمُتَكَلِّمُونَ فإن الْجَوَاهِرَ كُلَّهَا عِنْدَهُمْ مُتَجَانِسَةٌ بَلْ الْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لِجِنْسٍ يُسْتَثْنَى منه بِلَفْظٍ لم يُوضَعْ لِذَلِكَ الْجِنْسِ نَحْوُ مَالِي ابْنٌ إلَّا بِنْتٌ فإن لَفْظَ الِابْنِ غَيْرُ جِنْسِ لَفْظِ الْبِنْتِ وقال السُّهْرَوَرْدِيّ لَا نَعْنِي بِالْجِنْسِ هُنَا الْمَنْطِقِيَّ فإن الثَّوْرَ مُجَانِسٌ لِلْإِنْسَانِ وَمُشَارِكٌ له في الْجِنْسِ الْأَقْرَبِ بَلْ نَعْنِي بِهِ غير الْمُشَارِكِ في الدُّخُولِ تَحْتَ الْمَحْكُومِ عليه قال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ الْأَصْلُ كَوْنُهُ من جِنْسِهِ وَمَعْنَى الْمُجَانِسَةِ أَنْ لَا يُقْصَرَ الْمُسْتَثْنَى منه في الْمُسْتَثْنَى في الْفِعْلِ الذي وَرَدَ عليه الِاسْتِثْنَاءُ سَوَاءٌ كان رَاجِحًا عليه أو لَا وَكَذَلِكَ قال مُحَمَّدٌ في الْجَامِعِ الْكَبِيرِ لو قال إنْ كان في الدَّارِ إلَّا رَجُلٌ فَعَبْدِي حُرٌّ فَكَانَ في الدَّارِ شَاةٌ لَا يَحْنَثُ لِقُصُورِ الشَّاةِ على الْآدَمِيِّ في الْكَيْنُونَةِ في الدَّارِ لِأَنَّ كَيْنُونَةَ الْآدَمِيِّ في الدَّارِ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ وَالِاخْتِيَارِ وَكَيْنُونَةَ الشَّاةِ بِطَرِيقِ الْقَصْرِ وَالتَّبَعِيَّةِ وَلَوْ قال إنْ كان في الدَّارِ إلَّا شَاةً فَعَبْدُهُ حُرٌّ فَكَانَ فيها آدَمِيٌّ حَنِثَ لِقُصُورِ الشَّاةِ عن الْآدَمِيِّ في الْكَيْنُونَةِ الثَّانِي ما ذَكَرْنَاهُ من كَوْنِهِ الِاسْتِثْنَاءَ مُخَصِّصًا يَشْمَلُ الْمُتَّصِلَ وَالْمُنْقَطِعَ وقال بَعْضُهُمْ الِاسْتِثْنَاءُ من غَيْرِ الْجِنْسِ لَا تَخْصِيصَ فيه وَلَا بَيَانَ لِأَنَّهُ لَا يُخْرِجُ من الْمُسْتَثْنَى شيئا وَإِنَّمَا هو جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ فَإِنْ زَعَمَ الْخَصْمُ أَنَّهُ يُخَصَّصُ بِهِ وَأَنَّهُ مع الْمُسْتَثْنَى جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ فَذَلِكَ اعْتِرَافٌ منه بِأَنَّهُ من الْجِنْسِ لَا من غَيْرِهِ وهو الْمَطْلُوبُ
- وقال ابن عَطِيَّةَ في تَفْسِيرِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ يُخَصَّصُ تَخْصِيصًا ما وَلَيْسَ كَالْمُتَّصِلِ لِأَنَّ الْمُتَّصِلَ يُخَصِّصُ من الْجِنْسِ أو الْجُمْلَةِ وَالْمُنْقَطِعَ يُخَصِّصُ أَجْنَبِيًّا من ذلك قُلْت وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْمُتَّصِلَ يُخَصِّصُ الْمَنْطُوقَ لِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى منه وَأَمَّا الْمُنْقَطِعُ فَيُخَصِّصُ الْمَفْهُومَ لِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى منه فإذا قِيلَ قام الْقَوْمُ إلَّا حِمَارًا فَقِيلَ وُرُودُ الِاسْتِثْنَاءِ كان يُفْهَمُ أَنَّهُ لم يَقُمْ غَيْرُهُمْ فَالِاسْتِثْنَاءُ حِينَئِذٍ من الْمَفْهُومِ الْمُقَدَّرِ وَحِينَئِذٍ فَإِنَّمَا يَصِحُّ جَعْلُهُ مُخَصَّصًا إذَا جَعَلْنَا لِلْمَفْهُومِ عُمُومًا مَسْأَلَةٌ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ شُرُوطٌ أَحَدُهَا الِاتِّصَالُ بِالْمُسْتَثْنَى منه لَفْظًا بِأَنْ يُعَدَّ الْكَلَامُ وَاحِدًا غير مُنْقَطِعٍ نَحْوُ له عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا دِرْهَمًا أو حُكْمًا بِأَنْ يَكُونَ انْفِصَالُهُ وَتَأَخُّرُهُ على وَجْهٍ لَا يَدُلُّ على أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ قد اسْتَوْفَى غَرَضَهُ من الْكَلَامِ كَالسُّكُوتِ لِانْقِطَاعِ نَفْسٍ أو بَلْعِ رِيقٍ فَإِنْ انْفَصَلَ لَا على هذا الْوَجْهِ لَغَا وَنُقِلَ عن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ جَوَّزَ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُنْفَصِلَ على نَحْوِ ما جَوَّزَهُ من تَأْخِيرِ التَّخْصِيصِ عن الْعُمُومِ وَالْبَيَانِ عن الْمُجْمَلِ ثُمَّ اخْتَلَفَ عنه فَقِيلَ إلَى شَهْرٍ وَقِيلَ إلَى سَنَةٍ وَقِيلَ أَبَدًا ثُمَّ منهم من رَدَّهُ وقال لم يَصِحَّ عنه كَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ بِمَا يَلْزَمُ منه من ارْتِفَاعِ الثِّقَةِ بِالْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ لِإِمْكَانِ تَرَاخِي الِاسْتِثْنَاءِ وَيَلْزَمُ منه أَنْ لَا يَصِحَّ يَمِينٌ قَطُّ وَمِنْهُمْ من أَوَّلَهُ كَالْقَاضِي أبي بَكْرٍ بِمَا إذَا نَوَى الِاسْتِثْنَاءَ مُتَّصِلًا بِالْكَلَامِ ثُمَّ أَظْهَرَ نِيَّتَهُ بَعْدَهُ فإنه يُدَيَّنُ وَمِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ ما يُدَيَّنُ فيه الْعَبْدُ يُقْبَلُ ظَاهِرًا وَقِيلَ يَجُوزُ بِشَرْطٍ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ قَوْلِهِ إلَّا زَيْدًا أُرِيدَ الِاسْتِثْنَاءُ حَكَاهُ الْغَزَالِيُّ وَقِيلَ أَرَادَ بِهِ اسْتِثْنَاءَاتِ الْقُرْآنِ فَيَجُوزُ في كَلَامِ اللَّهِ خَاصَّةً وقد قال بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إنَّ التَّأْخِيرَ فيه غَيْرُ قَادِحٍ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَإِنَّمَا حَمَلَهُمْ خَيَالٌ تَخَيَّلُوهُ من قَوْلِ الْمُتَكَلِّمِينَ الصَّائِرِينَ إلَى أَنَّ الْكَلَامَ الْأَزَلِيَّ وَاحِدٌ وَإِنَّمَا
- التَّرْكِيبُ في جِهَاتِ الْوُصُولِ لِلْمُخَاطَبِينَ لَا في كَلَامِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وقال الْمُقْتَرِحُ هو بَاطِلٌ لِأَنَّهُمْ إنْ أَرَادُوا الْمَعْنَى الْقَائِمَ بِالنَّفْسِ فَلَا يَدْخُلُهُ الِاسْتِثْنَاءُ وَكَذَلِكَ الْمُثْبَتُ في اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ لِأَنَّهُ إنَّمَا نَزَلَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ وَالْعَرَبُ لَا تُجَوِّزُ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُنْفَصِلَ وقال الْقَرَافِيُّ الْمَنْقُولُ عن ابْنِ عَبَّاسٍ إنَّمَا هو في التَّعْلِيقِ على مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى خَاصَّةً كَمَنْ حَلَفَ وقال إنْ شَاءَ اللَّهُ وَلَيْسَ هو في الْإِخْرَاجِ بِإِلَّا وَأَخَوَاتِهَا قال وَنَقَلَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مُدْرِكَهُ في ذلك وَلَا تَقَوَّلْنَ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذلك غَدًا إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إذَا نَسِيتَ قالوا الْمَعْنَى إذَا نَسِيتَ قَوْلَ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَقُلْ بَعْدَ ذلك ولم يُخَصِّصْ قُلْت وفي مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ عن ابْنِ عَبَّاسٍ قال إذَا حَلَفَ الرَّجُلُ على يَمِينٍ فَلَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ إلَى سَنَةٍ وَإِنَّمَا نَزَلَتْ هذه الْآيَةُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إذَا نَسِيتَ قال إذَا ذَكَرَ اسْتَثْنَى وقال صَحِيحٌ على شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ لَكِنْ قال الْحَافِظُ أبو مُوسَى الْمَدِينِيُّ لو صَحَّ هذا عِنْدَهُ لَاحْتَمَلَ رُجُوعَهُ إذْ عُلِمَ أَنَّ ذلك خَاصٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ثُمَّ أَسْنَدَ ذلك من جِهَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ وقد ذُكِرَتْ طُرُقُهُ عن ابْنِ عَبَّاسٍ في الْمُعْتَبَرِ في تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْمِنْهَاجِ وَالْمُخْتَصَرِ وَحَكَى ابن النَّجَّارِ في تَارِيخِ بَغْدَادَ أَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيَّ أَرَادَ الْخُرُوجَ مَرَّةً من بَغْدَادَ فَاجْتَازَ في بَعْضِ الطُّرُقِ وإذا بِرَجُلٍ على رَأْسِ سَلَّةٍ فيها بَقْلٌ وهو يُحْمَلُ على ثِيَابِهِ وهو يقول لِآخَرَ معه مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ في الِاسْتِثْنَاءِ غَيْرُ صَحِيحٍ إذْ لو كان صَحِيحًا لَمَا قال تَعَالَى لِأَيُّوبَ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَخُذْ بِيَدِك ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ بَلْ كان يقول له اسْتَثْنِ وَلَا حَاجَةَ إلَى هذا التَّحَيُّلِ في الْبِرِّ قال فقال أبو إِسْحَاقَ بَلْدَةٌ فيها رَجُلٌ يَحْمِلُ الْبَقْلَ وهو يَرُدُّ على ابْنِ عَبَّاسٍ لَا تَسْتَحِقُّ أَنْ تَخْرُجَ منها وَمِثْلُهُ احْتِجَاجُ بَعْضِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ فَلَوْ جَازَ الِاسْتِثْنَاءُ من غَيْرِ شَرْطِ الِاتِّصَالِ لم يَكُنْ لِشَرْعِ الْكَفَّارَةِ وَإِيجَابِهَا مَعْنًى لِأَنَّهُ كان يُسْتَثْنَى وقد حُكِيَ أَنَّ الرَّشِيدَ اسْتَدْعَى أَبَا يُوسُفَ الْقَاضِيَ وقال له كَيْفَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ في الِاسْتِثْنَاءِ فقال له أبو يُوسُفَ إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُنْفَصِلَ يَلْحَقُ بِالْخِطَابِ وَيُغَيِّرُ حُكْمَهُ وَلَوْ بَعْدَ زَمَانٍ فقال عَزَمَتْ عَلَيْك أَنْ تُفْتِيَ بِهِ وَلَا تُخَالِفَهُ وكان أبو يُوسُفَ
- لَطِيفًا فِيمَا يُورِدُهُ مُتَأَنِّيًا فِيمَا يُرِيدُهُ فقال له رَأْيُ ابن عَبَّاسٍ يُفْسِدُ عَلَيْك بَيْعَتَك لِأَنَّ من حَلَفَ لَك وَبَايَعَك رَجَعَ إلَى مَنْزِلِهِ وَاسْتَثْنَى فَانْتَبَهَ الرَّشِيدُ وقال إيَّاكَ أَنْ تُعَرِّفَ الناس مَذْهَبَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَاكْتُمْهُ وقال ابن ظَفَرَ في الْيَنْبُوعِ إذَا حَقَّقْت هذه الْمَسْأَلَةَ ضَعُفَ أَمْرُ الْخِلَافِ فيها وَتَحْقِيقُهَا أَنَّهُ لَا يَخْلُو الْحَالِفُ التَّارِكُ لِلِاسْتِثْنَاءِ من أَحَدِ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى الْجَزْمَ وَتَرَكَ الِاسْتِثْنَاءَ فما أَظُنُّ الْخِلَافَ يَقَعُ في مِثْلِ هذا أو يَكُونُ نَوَى أَنْ يَسْتَثْنِيَ ولم يَنْطِقْ بِالِاسْتِثْنَاءِ ثُمَّ ذَكَرَ فَتَلَفَّظَ بِهِ فَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُعَدَّ اسْتِثْنَاؤُهُ لَغْوًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَاهِلًا عن الْأَمْرَيْنِ مَعًا فَهَذِهِ الصُّورَةُ صَالِحَةٌ لِلِاخْتِلَافِ وَلَا يَظْهَرُ فيها قَوْلُ من صَحَّحَ الِاسْتِثْنَاءَ لِأَنَّ الْآيَةَ لَا تَشْهَدُ له من حَيْثُ إنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لم يَحْلِفْ وَلَا تَضَمَّنَتْ الْآيَةُ ذِكْرَ يَمِينٍ انْتَهَى وَاعْلَمْ أَنَّ سَبَبَ الْخِلَافِ في هذه الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ هل هو حَالٌ لِلْيَمِينِ بَعْدَ انْعِقَادِهَا أو مَانِعٌ من الِانْعِقَادِ لَا حَالٌ فَمَنْ قال مَانِعٌ شَرَطَ الِاتِّصَالَ وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ حَالٌ فَقِيلَ بِالْقُرْبِ وَقِيلَ مُطْلَقًا من غَيْرِ تَأْقِيتٍ بِالْقُرْبِ وفي الْبَابِ قَوْلُهُ عليه السَّلَامُ إلَّا الْإِذْخِرَ وَحَدِيثُ سُلَيْمَانَ لَمَّا قال لَأَطُوفَنَّ الحديث وَقَوْلُهُ عليه السَّلَامُ في صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ إلَّا سَهْلَ بن بَيْضَاءَ
- الشَّرْطُ الثَّانِي عَدَمُ الِاسْتِغْرَاقِ وَإِلَّا لَتَنَاقَضَ فَالِاسْتِثْنَاءُ الْمُسْتَغْرِقُ بَاطِلٌ وَيَبْقَى أَصْلُ الْكَلَامِ على حَالِهِ حَكَوْا فيه الْإِجْمَاعَ وفي هذا الْإِطْلَاقِ وَالنَّقْلِ نِزَاعٌ في الْمَذَاهِبِ أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ رَأَيْت في كِتَابِ الْمَدْخَلِ لِابْنِ طَلْحَةَ من الْمَالِكِيَّةِ حِكَايَةَ قَوْلَيْنِ عِنْدَهُمْ في أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا وقد حَكَاهُ الْقَرَافِيُّ أَيْضًا عنه وَنَقَلَ اللَّخْمِيُّ من الْمَالِكِيَّةِ عن بَعْضِهِمْ في أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً إلَّا وَاحِدَةً لَا يَلْزَمُهُ طَلَاقٌ لِأَنَّ النَّدَمَ مُنْتَفٍ بِإِمْكَانِ الرَّجْعَةِ بِخِلَافِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا لِظُهُورِ النَّدَمِ وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَيَّدُوا الْبُطْلَانَ بِمَا إذَا كان الِاسْتِثْنَاءُ بِعَيْنِ ذلك اللَّفْظِ نَحْوُ نِسَائِي طَوَالِقُ إلَّا نِسَائِي أو أَوْصَيْت بِثُلُثِ مَالِي إلَّا ثُلُثَ مَالِي فَإِنْ كان بِغَيْرِهِ صَحَّ وَإِنْ كان مُسْتَغْرَقًا في الْوَاقِعِ نَحْوُ نِسَائِي طَوَالِقُ إلَّا هَؤُلَاءِ وَأَشَارَ إلَيْهِنَّ وَأَوْصَيْت له بِثُلُثِ مَالِي إلَّا أَلْفَ دِرْهَمٍ وهو ثُلُثُ مَالِهِ كَذَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ في الْبَابِ الْأَوَّلِ من الزِّيَادَاتِ وَوَجَّهُوهُ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ تَصَرُّفٌ لَفْظِيٌّ مَبْنِيٌّ على صِحَّةِ اللَّفْظِ لَا على صِحَّةِ الْحُكْمِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لو قال أَنْتِ طَالِقٌ عَشْرَ طَلَقَاتٍ إلَّا ثَمَانِيَ طَلْقَاتٍ تَقَعُ طَلْقَتَانِ وَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ وَإِنْ كانت الْعَشَرَةُ لَا صِحَّةَ لها من حَيْثُ الْحُكْمِ وَمَعَ هذا لَا يُجْعَلُ كَأَنَّهُ قال أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَيُلْغَى ما بَعْدَهُ من الِاسْتِثْنَاءِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ صِحَّةَ الِاسْتِثْنَاءِ تَتْبَعُ صِحَّةَ اللَّفْظِ دُونَ الْحُكْمِ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مَتَى وَقَعَ بِغَيْرِ اللَّفْظِ الْأَوَّلِ فَهُوَ يَصْلُحُ لِإِخْرَاجِ ما تَنَاوَلَهُ صَدْرُ الْكَلَامِ وَإِنَّمَا امْتَنَعَ لِعَدَمِ مِلْكِهِ لَا لِأَمْرٍ يَرْجِعُ إلَى ذَاتِ اللَّفْظِ وَمُتَصَوَّرٌ أَنْ يَدْخُلَ في مِلْكِهِ أَكْثَرُ من هذه النِّسْوَةِ بِخِلَافِ ما إذَا وَقَعَ الِاسْتِثْنَاءُ بِعَيْنِ ذلك اللَّفْظِ فإنه لَا يَصْلُحُ لِإِخْرَاجِ بَعْضِ ما تَنَاوَلَهُ فلم يَصِحَّ اللَّفْظُ فلم يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ وَأَمَّا عِنْدَنَا أَيْ الشَّافِعِيَّةِ فَهَذَا ما لم يُعَقِّبْهُ بِاسْتِثْنَاءٍ آخَرَ فَلَوْ عَقَّبَهُ بِاسْتِثْنَاءٍ آخَرَ نَحْوُ له عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا عَشَرَةً إلَّا ثَلَاثَةً فَقِيلَ يَلْزَمُهُ عَشَرَةٌ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْأَوَّلَ لم يَصِحَّ فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِثْنَاءُ منه وَقِيلَ يَلْزَمُهُ ثَلَاثَةٌ وَقِيلَ سَبْعَةٌ وَالْأَوَّلُ لَا يَصِحُّ وَسَقَطَ من الْبَيْنِ وَأَمَّا إذَا كان زَائِدًا على الْمُسْتَثْنَى منه فَالْمَنْعُ منه أَوْلَى وَعَنْ الْفَرَّاءِ جَوَازُهُ في الْمُنْقَطِعِ نَحْوُ له عَلَيَّ أَلْفٌ إلَّا أَلْفَيْنِ لِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى من الْمَفْهُومِ وفي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ إنَّمَا لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ من الْكُلِّ لَفْظًا كما لو قال أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا أَمَّا حَالًا وَحُكْمًا فَيَصِحُّ كَقَوْلِهِ نِسَائِي طَوَالِقُ إلَّا فُلَانَةَ وَفُلَانَةَ وَفُلَانَةَ وَلَيْسَ له امْرَأَةٌ سِوَاهُنَّ فَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ وَلَا تَطْلُقُ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ وَلَوْ قال أَنْتِ طَالِقٌ أَرْبَعًا إلَّا ثَلَاثَةً صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ وَتَقَعُ وَاحِدَةٌ
- ثُمَّ إمَّا أَنْ يُسْتَثْنَى الْأَقَلُّ أو الْأَكْثَرُ أو الْمُسَاوِي أَمَّا اسْتِثْنَاءُ الْقَلِيلِ من الْكَثِيرِ فَجَائِزٌ وَحَكَى بَعْضُهُمْ فيه الْإِجْمَاعَ وقال الْمَازِرِيُّ في شَرْحِ الْبُرْهَانِ إنْ كان ليس بِوَاحِدٍ فَلَا خِلَافَ في جَوَازِهِ نَحْوُ له عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا حَبَّةً أو إلَّا سُدُسًا وَإِنْ كان جُزْءًا صَحِيحًا كَالْوَاحِدِ وَالثُّلُثِ فَالْمَشْهُورُ جَوَازُهُ وَمِنْهُمْ من اسْتَهْجَنَهُ وقال الْأَحْسَنُ في الْخِطَابِ أَنْ يَقُولَ له عِنْدِي تِسْعَةٌ وَلَا يقول عَشَرَةٌ إلَّا وَاحِدًا وقال في شَرْحِ التَّلْقِينِ عن قَوْمٍ إنَّهُمْ شَذُّوا فَقَالُوا لَا يَجُوزُ إلَّا لِضَرُورَةٍ إلَيْهِ كَاسْتِثْنَاءِ الْكُسُورِ كَقَوْلِهِ له عِنْدِي مِائَةُ دِرْهَمٍ إلَّا رُبْعَ دِرْهَمٍ أو إلَّا نِصْفَ دِرْهَمٍ وَقَالُوا قَوْلُك مِائَةُ دِرْهَمٍ إلَّا عَشَرَةً يَعْنِي له عِنْدِي تِسْعُونَ فَنُقِضَ عليهم بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلَّا خَمْسِينَ عَامًا وفي هذا اسْتِثْنَاءُ الْأَقَلِّ من الْأَكْثَرِ من غَيْرِ أَنْ يَكُونَ كَسْرًا في الْعَدَدِ فَأَجَابُوا بِأَنَّهُ في مَعْنَى الْكَسْرِ لِأَنَّ التَّجْزِئَةَ الْمُقْتَرَحَةَ من النِّصْفِ إلَى الْعُشْرِ وَهَذَا كَالْكَسْرِ لِأَنَّ الْخَمْسِينَ من الْأَلْفِ كَنِصْفِ الْعُشْرِ فَصَارَ في مَعْنَى اسْتِثْنَاءِ الْكَسْرِ وَهَذَا مَرْدُودٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَتَكَلُّفٌ فيه لَا حَاجَةَ إلَيْهِ وَأَمَّا اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ فَفِيهِ قَوْلَانِ لِلنُّحَاةِ أَحَدُهُمَا يَمْتَنِعُ وَعَلَيْهِ الزَّجَّاجُ وقال ولم تَرِدْ بِهِ اللُّغَةُ وَلِأَنَّ الشَّيْءَ إذَا نَقَصَ يَسِيرًا لم يَزُلْ عنه اسْمُ ذلك الشَّيْءِ فَلَوْ اسْتَثْنَى أَكْثَرَ لَزَالَ الِاسْمُ وقال ابن جِنِّي لو قال له عِنْدِي مِائَةٌ إلَّا سَبْعَةً وَتِسْعِينَ ما كان مُتَكَلِّمًا بِالْعَرَبِيَّةِ وكان عَبَثًا من الْقَوْلِ وقال ابن قُتَيْبَةَ في كِتَاب الْمَسَائِلِ لَا يَجْرِي في اللُّغَةِ لِأَنَّ تَأْسِيسَ الِاسْتِثْنَاءِ على تَدَارُكِ قَلِيلٍ من كَثِيرٍ أَغْفَلْتَهُ أو نَسِيتَهُ لِقِلَّتِهِ ثُمَّ تَدَارَكْته بِالِاسْتِثْنَاءِ وَلِأَنَّ الشَّيْءَ قد يَنْقُصُ نُقْصَانًا يَسِيرًا فَلَا يَزُولُ عنه اسْمُ الشَّيْءِ وَأَمَّا مع الْكَثْرَةِ فَيَزُولُ وقال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ إنَّهُ مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ من النُّحَاةِ وَأَجَازَهُ أَكْثَرُ أَهْلِ الْكُوفَةِ منهم وَأَجَازَهُ أَكْثَرُ الْأُصُولِيِّينَ نَحْوُ له عِنْدِي عَشَرَةٌ إلَّا تِسْعَةً فَيَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ وهو قَوْلُ السِّيرَافِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ من النُّحَاةِ مُحْتَجِّينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى إنَّ عِبَادِي ليس لَك عليهم سُلْطَانٌ إلَّا من اتَّبَعَك من الْغَاوِينَ وَالْمُتَّبِعُونَ له هُمْ الْأَكْثَرُ بِدَلِيلِ وَقَلِيلٌ من عِبَادِي الشَّكُورُ
- وَأُجِيبَ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ وَالْعِبَادَ الْمُضَافِينَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى هُمْ الْمُؤْمِنُونَ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ لِتَشْرِيفِ الْمُضَافِ لَكِنَّهُ يَدْخُلُ الْغَاوُونَ تَحْتَ الْمُسْتَثْنَى منه لَوْلَا الِاسْتِثْنَاءُ وَالثَّانِي أَنَّهُ مُتَّصِلٌ وَقَوْلُهُ إلَّا من اتَّبَعَكَ من الْغَاوِينَ أَقَلُّ من الْمُسْتَثْنَى منه لِأَنَّ قَوْلَهُ يَتَنَاوَلُ الْمَلَكَ وَالْإِنْسَ وَالْجِنَّ وَكُلُّ الْغَاوِينَ أَقَلُّ من الْمَلَائِكَةِ وفي الحديث الْمَلَائِكَةُ يَطُوفُونَ بِالْمَحْشَرِ سَبْعَةَ أَدْوَارٍ وَذَلِكَ أَعْظَمُ من في الْمَحْشَرِ وقال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ الْقَاطِعُ في هذه الْمَسْأَلَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَثْنَى الْغَاوِينَ من الْمُخْلَصِينَ في هذه الْآيَةِ وَاسْتَثْنَى الْمُخْلَصِينَ من الْغَاوِينَ في قَوْلِهِ حِكَايَةً عن إبْلِيسَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إلَّا عِبَادَك منهم الْمُخْلَصِينَ فَلَوْ كان الْمُسْتَثْنَى أَقَلَّ من الْمُسْتَثْنَى منه لَزِمَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ من الْغَاوِينَ وَالْمُخْلَصِينَ أَقَلَّ من الْآخَرِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ منهم عَائِدٌ لِبَنِي آدَمَ وَالْمُخْلَصُ منهم قَلِيلٌ وَانْفَصَلَ بَعْضُهُمْ عنه فقال الْمُخْلَصُونَ هُنَا هُمْ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمَلَائِكَةُ وَسُكَّانُ السَّمَوَاتِ وَهُمْ أَكْثَرُ من الْغَاوِينَ فَيَكُونُ من بَابِ اسْتِثْنَاءِ الْأَقَلِّ من الْأَكْثَرِ وَذَكَرَ الْمَازِرِيُّ وَجْهًا آخَرَ وهو أَنَّهُ إذَا لم يَعْلَمْ السَّامِعُ الْأَقَلَّ من الْأَكْثَرِ جَازَ ذلك وَإِنَّمَا يَقْبُحُ إذَا اسْتَثْنَى ما يَعْلَمُ السَّامِعَ أَنَّهُ أَكْثَرُ مِمَّا أَبْقَاهُ وَنَقَلَ ابن السَّمْعَانِيِّ عن بَعْضِ أَهْلِ اللُّغَةِ مَنْعَ اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ ثُمَّ قال وَاخْتَارَهُ الْأَشْعَرِيَّةُ وهو قَوْلُ أَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ وَنَقَلَهُ الْمَازِرِيُّ في شَرْحِ التَّلْقِينِ عن ابْنِ دُرُسْتَوَيْهِ قال وَذُكِرَ أَنَّهُ نَاظَرَ في ذلك أَبَا عَلِيِّ بن أبي هُرَيْرَةَ وَذَكَرَ في شَرْحِ الْبُرْهَانِ أَنَّ لِلشَّافِعِيِّ فيه قَوْلَيْنِ وَكَذَا قال عبد الْوَهَّابِ في الْإِفَادَةِ وهو غَرِيبٌ وَمِنْ شُبَهِ الْمُجَوِّزِينَ الْقِيَاسُ على الْمُخَصَّصِ فإنه يَجُوزُ وَإِنْ كان ما خُصِّصَ أَكْثَرَ مِمَّا بَقِيَ في الْعُمُومِ فَكَذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ وَهَذَا إنَّمَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ إذَا قُلْنَا إنَّ اللُّغَةَ تَثْبُتُ قِيَاسًا فَإِنْ مَنَعْنَاهُ لم يَتِمَّ وَكَثِيرًا ما يَتَّحِدُ الْمَعْنَى وَتَخْتَلِفُ أَحْكَامُ إعْرَابِهِ عِنْدَ الْعَرَبِ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمْ يَحْسُنُ إخْرَاجُ أَكْثَرِ الْعُمُومِ بِغَيْرِ حَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ وَيَصِحُّ بِهِ ثُمَّ الْمَانِعُونَ لِلْأَكْثَرِ اخْتَلَفُوا في حَدِّ الْقَلِيلِ الذي يُسْتَثْنَى فقال ابن مُغِيثٍ من الْمَالِكِيَّةِ هو الثُّلُثُ فما دُونَهُ هذا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَأَمَّا الْمُسَاوِي فَمَنْ جَوَّزَ الْأَكْثَرَ فَهُوَ هُنَا أَجْوَزُ وَمَنْ مَنَعَهُ اخْتَلَفُوا على قَوْلَيْنِ وَطَرَدَ ابن دُرُسْتَوَيْهِ فَأَلْحَقَهُ بِأَكْثَرَ في الْمَنْعِ وَالْجُمْهُورُ على الْجَوَازِ وَاحْتَجَّ على اسْتِثْنَاءِ
- النِّصْفِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى قُمْ اللَّيْلَ إلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ فَالضَّمِيرُ في نِصْفَهُ عَائِدٌ على اللَّيْلِ قَطْعًا وَنِصْفَهُ بَدَلٌ فَإِمَّا من اللَّيْلِ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ فَيَكُونُ إلَّا قَلِيلًا نِصْفًا وَإِمَّا من قَلِيلٍ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ بِاللَّيْلِ نِصْفَ اللَّيْلِ وَرُبَّمَا تَمَسَّكَ بِهِ الْقَائِلُونَ بِالْأَكْثَرِ من جِهَةِ قَوْلِهِ أو زِدْ عليه وَأُجِيبَ بِأَنَّ نِصْفَهُ مَفْعُولٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أَيْ قُمْ نِصْفَهُ لَا بَدَلَ لِأَنَّ النِّصْفَ لَا يُقَالُ فيه قَلِيلٌ وَرُدَّ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ على هذا أَنْ يَكُونَ أَمْرُهُ أَوَّلًا بِقِيَامِ اللَّيْلِ إلَّا قَلِيلًا فَيَكُونُ أَمْرًا بِقِيَامِ الْأَكْثَرِ فَقَوْلُهُ بَعْدَهُ نِصْفَهُ مُخَالِفٌ له فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ وَشَرْطُ النَّاسِخِ أَنْ يَكُونَ مُتَرَاخِيًا وقال ابن عُصْفُورٍ بَلْ ضَمِيرُ نِصْفُهُ يَعُودُ على الْقَلِيلِ وهو بَدَلٌ منه بَدَلُ الْبَعْضِ من الْكُلِّ وَجَازَ وَإِنْ كان الْقَلِيلُ مُبْهَمًا لِأَنَّهُ قد تَعَيَّنَ بِالْعَادَةِ أَيْ ما يُسَمَّى قَلِيلًا في الْعَادَةِ وَنَقَلَ الْإِمَامُ في الْمَحْصُولِ مَنْعَ اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ قال وَلَهُ في الْمُسَاوِي وَجْهَانِ وَنَقَلَ الْمَازِرِيُّ وَالْبَاجِيُّ عن الْقَاضِي قَوْلَيْنِ في أَكْثَرَ وَنَقَلَ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَالْمَازِرِيُّ وَالْآمِدِيَّ عن الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْأَكْثَرُ وَالْمُسَاوِي وَشَرَطُوا أَنْ يَنْقُصَ عن النِّصْفِ وَحَكَاهُ الْآمِدِيُّ في شَرْحِ الْجُزُولِيَّةِ عن الْبَصْرِيِّينَ وَاَلَّذِي في التَّقْرِيبِ لِلْقَاضِي يَمْتَنِعُ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ في الْأَشْبَهِ عِنْدَنَا وَإِنْ كنا قد نَصَرْنَا في غَيْرِ هذا الْمَوْضِعِ جَوَازَهُ وَلِهَذَا قال الْمَازِرِيُّ آخِرُ قَوْلَيْ الْقَاضِي الْمَنْعُ ولم يَتَعَرَّضْ الْقَاضِي لِلْمُسَاوِي وقال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ كان الْقَاضِي أَوَّلًا يُجَوِّزُ اسْتِثْنَاءَ الْأَكْثَرِ ثُمَّ رَجَعَ عنه آخِرًا في التَّقْرِيبِ وَالْإِرْشَادِ وقال لَا يَجُوزُ ذلك وهو مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ فَإِنَّهُمْ قالوا لو قال لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ صَحَّ وَاَلَّذِي في كُتُبِ الْحَنَابِلَةِ تَخْصِيصُ ذلك بِالْعُقُودِ قالوا وَلَا خِلَافَ في جَوَازِهِ إذَا كانت الْكَثْرَةُ من دَلِيلٍ خَارِجٍ لَا من اللَّفْظِ وَعَلَى هذا فَلَا يَحْسُنُ الِاحْتِجَاجُ عليهم بِالْآيَةِ السَّابِقَةِ لِأَنَّهُ ليس فيها عَدَدٌ مَحْصُورٌ وَفَرَّقُوا بِوُرُودِ اللُّغَةِ في هذا دُونَ ذلك وَلِأَنَّ حَمْلَ الْجِنْسِ على الْعُمُومِ إنَّمَا هو من طَرِيقِ الِاحْتِمَالِ لَا من جِهَةِ الْقَطْعِ على جَمِيعِ الْجِنْسِ بِخِلَافِ الْأَعْدَادِ فإن جَمِيعَهَا مَنْطُوقٌ بها فَصَارَ صَرِيحًا قد صَرَّحُوا بِحِكَايَةِ هذا مَذْهَبًا آخَرَ وهو التَّفْصِيلُ بين أَنْ يَكُونَ الْعَدَدُ صَرِيحًا فَلَا يَجُوزُ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ نَحْوُ عَشَرَةٌ إلَّا تِسْعَةً وَبَيْنَ غَيْرِهِ فَيَجُوزُ نَحْوُ خُذْ الدَّرَاهِمَ إلَّا ما في الْكِيسِ الْفُلَانِيِّ وكان ما في الْكِيسِ أَكْثَرَ من الْبَاقِي
- وَحَكَى ابن الْفَارِضِ الْمُعْتَزِلِيُّ في كِتَابِ النُّكَتِ له قَوْلًا رَابِعًا عن بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ من أَهْلِ عَصْرِهِ وهو التَّفْصِيلُ بين أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى جُمْلَةً فَيَمْتَنِعُ نَحْوُ جاء إخْوَتُك الْعَشَرَةُ إلَّا تِسْعَةً وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُفَصَّلًا وَمُعَدَّدًا فَيَجُوزُ نَحْوُ إلَّا زَيْدًا وَبَكْرًا وَخَالِدًا إلَى أَنْ يَأْتِيَ إلَى التِّسْعَةِ وَيَخْرُجُ من كَلَامِ الْمَازِرِيِّ السَّابِقِ خَامِسٌ وهو التَّفْصِيلُ بين أَنْ يَعْلَمَ السَّامِعُ الْأَكْثَرَ من الْأَقَلِّ فَيَمْتَنِعُ وَإِلَّا جَازَ وَيَخْرُجُ أَيْضًا من كَلَامِ الْحَنَابِلَةِ قَوْلٌ آخَرُ هو جَوَازُهُ في الْمُنْقَطِعِ دُونَ الْمُتَّصِلِ فَحَصَلَ سِتَّةُ مَذَاهِبَ ثُمَّ يُضَافُ إلَيْهَا الْقَوْلُ الْآتِي أَنَّهُ يَصِحُّ وَلَكِنْ لم تَرِدْ بِهِ اللُّغَةُ وقال ابن قُتَيْبَةَ الْقَلِيلُ الذي يَجُوزُ اسْتِثْنَاؤُهُ الثُّلُثُ فما دُونَهُ وَهَاهُنَا فَوَائِدُ إحْدَاهَا أَشَارَ الْمَازِرِيُّ إلَى أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ وَأَنَّ بَعْضَهُمْ اعْتَذَرَ عن الْمَانِعِ في الْأَكْثَرِ بِأَنَّهُ لم يُخَالِفْ في الْحُكْمِ وَإِنَّمَا خَالَفَ في اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ في ذلك فَرَأَى أنها لم تَسْتَعْمِلْ اسْتِثْنَاءَ الْأَكْثَرِ من الْأَقَلِّ وما تَمَسَّكَ بِهِ الْخُصُومُ قَابِلٌ لِلتَّأْوِيلِ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمُ لُغَةِ الْعَرَبِ لَكِنَّ الْعَرَبَ وَإِنْ لم تَسْتَعْمِلْهُ فَلَا يَسْقُطُ حُكْمُ الِاسْتِثْنَاءِ في الْإِقْرَارِ وَغَيْرِهِ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ فقال يَصِحُّ ذلك وَلَكِنْ لم يَقَعْ في اللُّغَةِ وَكَذَا قال ابن الْخَشَّابِ من أَئِمَّةِ النُّحَاةِ أَجَازَ قَوْمٌ اسْتِثْنَاءَ أَكْثَرِ الْجُمْلَةِ وَمَنَعَ آخَرُونَ فلم يُجِيزُوا أَنْ يُسْتَثْنَى إلَّا ما كان دُونَ النِّصْفِ منها وَلِهَذَا الْقَوْلِ يَشْهَدُ قِيَاسُ الْعَرَبِيَّةِ وَبِهِ جاء السَّمَاعُ وقد وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عليه وَالْأَوَّلُ ليس بِمُسْتَحِيلٍ في الْمَعْقُولِ وَلَكِنَّ الْآخَرَ يَمْنَعُهُ وَمَنْ ادَّعَى فيه سَمَاعًا أو اسْتَنْبَطَ منه فَقَدْ أَخْطَأَ وَادَّعَى ما لَا أَصْلَ له الثَّانِيَةُ قال ابن فَارِسٍ في كِتَابِ فِقْهِ الْعَرَبِيَّةِ الصَّحِيحُ في الْعِبَارَةِ أَنْ يُقَالَ يُسْتَثْنَى الْقَلِيلُ من الْكَثِيرِ وَيُسْتَثْنَى الْكَثِيرُ مِمَّا هو أَكْثَرُ منه فَأَمَّا قَوْلُ من قال يُسْتَثْنَى الْكَثِيرُ من الْقَلِيلِ فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ فَيُقَالُ عَشَرَةٌ إلَّا خَمْسَةً حتى يَبْلُغَ تِسْعَةً الثَّالِثَةُ أَنَّ الْكَلَامَ في الِاسْتِثْنَاءِ من الْعَدَدِ مَبْنِيٌّ على صِحَّتِهِ وَلِلنُّحَاةِ فيه مَذَاهِبُ أَحَدُهَا وهو الْمَشْهُورُ الْجَوَازُ وَعَلَيْهِ بَنَى الْفُقَهَاءُ مَذَاهِبَهُمْ في الْأَقَارِيرِ وَغَيْرِهَا وَالثَّانِي الْمَنْعُ وَاخْتَارَهُ ابن عُصْفُورٍ مُحْتَجًّا بِأَنَّهَا نُصُوصٌ فَالْإِخْرَاجُ منها يُخْرِجُهَا
- عن النَّصِّيَّةِ أَلَا تَرَى أَنَّك إذَا قُلْت ثَلَاثَةٌ بِهِ إلَّا وَاحِدًا كُنْت قد أَوْقَعَتْ الثَّلَاثَةَ على الِاثْنَيْنِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ بِخِلَافِ قَوْلِك جاء الْقَوْمُ إلَّا عَشَرَةً وَأَجَابَ عن قَوْله تَعَالَى فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلَّا خَمْسِينَ بِأَنَّ الْأَلْفَ لَمَّا كان يُسْتَعْمَلُ لِلتَّكْثِيرِ كَقَوْلِك اُقْعُدْ أَلْفَ سَنَةٍ تُرِيدُ بها زَمَنًا طَوِيلًا دخل الِاحْتِمَالُ فَجَازَ أَنْ يُبَيِّنَ بِالِاسْتِثْنَاءِ أَنَّهُ لم يُسْتَعْمَلْ لِلتَّكْثِيرِ قال أبو حَيَّانَ وَهَذَا هو الصَّحِيحُ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ يُمْنَعُ اسْتِثْنَاءُ الْعَقْدِ نَحْوُ قُصِدَ عِشْرُونَ إلَّا عَشَرَةً وَيَجُوزُ اسْتِثْنَاءُ ما دُونَهُ نَحْوُ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً الشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ يَقْتَرِنَ قَصْدُهُ بِأَوَّلِ الْكَلَامِ فَلَوْ بَدَا له عَقِبَ الْفَرَاغِ فَالْأَصَحُّ في كِتَابِ الطَّلَاقِ وَادَّعَى أبو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ الْإِجْمَاعَ عليه الْمَنْعُ لِإِنْشَائِهِ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَإِنْ بَدَا له في الْأَثْنَاءِ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا وهو نَصُّ الْبُوَيْطِيِّ صِحَّتُهُ الشَّرْطُ الرَّابِعُ أَنْ يَلِيَ الْكَلَامَ بِلَا عَاطِفٍ فَلَوْ وَلِيَ الْجُمْلَةَ بِحَرْفِ الْعَطْفِ كان لَغْوًا بِاتِّفَاقٍ قَالَهُ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ وَمَثَّلَهُ بِنَحْوِ له عِنْدِي عَشَرَةُ دَرَاهِمَ وَإِلَّا دِرْهَمًا أو فَإِلَّا دِرْهَمًا وَشَرَطَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في النِّهَايَةِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَرْسِلًا فَإِنْ كان في مُعَيَّنٍ لم يَصِحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ كما لو أَشَارَ إلَى عَشَرَةِ دَرَاهِمَ فقال هذه الدَّرَاهِمُ لِفُلَانٍ إلَّا هذا فَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ على الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ إذَا أَضَافَ الْإِقْرَارَ إلَى مُعَيَّنٍ اقْتَضَى الْإِقْرَارُ الْمِلْكَ الْمُطْلَقَ فيها فإذا أَرَادَ الِاسْتِثْنَاءَ في الْبَعْضِ كان رَاجِحًا لَكِنَّ الْمُرَجَّحَ عِنْدَ الْأَصْحَابِ الصِّحَّةُ وَشَرَطَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ كَوْنَ الِاسْتِثْنَاءِ من جِنْسِ الْأَصْلِ لِيَصِحَّ خُرُوجُ بَعْضِهِ فَإِنْ عَادَ إلَى غَيْرِ جِنْسِهِ صَحَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ في الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ وقد سَبَقَ الْخِلَافُ فيه وَشَرَطَ أَيْضًا أَنْ يُعَلِّقَ على الِاسْتِثْنَاءِ ضِدَّ حُكْمِ الْأَصْلِ فَإِنْ كان الْأَصْلُ إثْبَاتًا جاء الِاسْتِثْنَاءُ نَفْيًا وَإِنْ كان الْأَصْلُ نَفْيًا جَازَ الِاسْتِثْنَاءُ إثْبَاتًا وَسَيَأْتِي مَسْأَلَةٌ وُجُودُ الِاسْتِثْنَاءِ في لُغَةِ الْعَرَبِ قِيلَ الِاسْتِثْنَاءُ في لُغَةِ الْعَرَبِ مُتَعَذِّرٌ لِأَنَّهُ إذَا قِيلَ قام الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا في الْعُمُومِ أو غير دَاخِلٍ وَالْقِسْمَانِ بَاطِلَانِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْفِعْلَ لَمَّا نُسِبَ إلَيْهِ مع الْقَوْمِ امْتَنَعَ إخْرَاجُهُ من النِّسْبَةِ وَإِلَّا لَزِمَ تَوَارُدُ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ على مَوْضُوعٍ وَاحِدٍ وهو مُحَالٌ وَلِهَذَا قال بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ في الطَّلَاقِ لَا
- يَصِحُّ لِأَنَّ الطَّلَاقَ إذَا وَقَعَ لَا يَرْتَفِعُ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ ما لَا يَدْخُلُ لَا يَصِحُّ إخْرَاجُهُ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ تَوَارُدُ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ على مَحَلٍّ وَاحِدٍ لو لم يَكُنْ الْحُكْمُ بِالنِّسْبَةِ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ وهو مَمْنُوعٌ لِأَنَّهُ إذَا قِيلَ قام الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا فُهِمَ منه الْقِيَامُ بِمُفْرَدِهِ وَالْقَوْمُ بِمُفْرَدِهِ وَأَنَّ منهم زَيْدًا وَفُهِمَ إخْرَاجُ زَيْدٍ من الْقَوْمِ بِقَوْلِهِ إلَّا زَيْدًا ثُمَّ حُكِمَ بِنِسْبَةِ الْقِيَامِ بَعْدَ إخْرَاجِ زَيْدٍ وَعَلَى هذا يَنْدَفِعُ الْإِشْكَالُ الذي يُورَدُ على قَوْله تَعَالَى فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلَّا خَمْسِينَ عَامًا لِأَنَّ الْعَالِمَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ لَا يَحْكُمُ على كَلَامِ الْمُتَكَلِّمِ بِالْإِسْنَادِ إلَّا بَعْدَ تَمَامِهِ الْمَذَاهِبُ في تَقْدِيرِ دَلَالَةِ الِاسْتِثْنَاءِ وَلِقُوَّةِ هذا الْإِشْكَالِ اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ في تَقْدِيرِ الدَّلَالَةِ في الِاسْتِثْنَاءِ وَهَلْ هو إخْرَاجٌ قبل الْحُكْمِ على ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ أَحَدُهَا وَنَسَبَهُ ابن الْحَاجِبِ لِلْأَكْثَرِينَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ عَشَرَةٌ في قَوْلِهِ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً سَبْعَةٌ وَقَوْلُهُ إلَّا ثَلَاثَةً قَرِينَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِأَنَّ الْكُلَّ اُسْتُعْمِلَ وَأُرِيدَ بِهِ الْجُزْءُ مَجَازًا كَالتَّخْصِيصِ بِغَيْرِ الِاسْتِثْنَاءِ وَرَدَّهُ ابن الْحَاجِبِ بِالْإِجْمَاعِ على أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُتَّصِلَ إخْرَاجٌ وَلِأَنَّ الْعَشَرَةَ نَصٌّ في مَدْلُولِهَا وَالنَّصُّ لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ تَخْصِيصٌ وَإِنَّمَا التَّخْصِيصُ في الظَّاهِرِ وما قَالَهُ من الْإِجْمَاعِ مَرْدُودٌ فإن الْكُوفِيِّينَ على أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يُخْرِجُ شيئا فإذا قُلْت قام الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا فَإِنَّك أَخْبَرْت بِالْقِيَامِ عن الْقَوْمِ الَّذِينَ ليس فِيهِمْ زَيْدٌ وَزَيْدٌ مَسْكُوتٌ عنه لم يُحْكَمْ عليه بِقِيَامٍ وَلَا بِنَفْيِهِ وما قَالَهُ من أَنَّ الْعَشَرَةَ نَصٌّ فَسَيَأْتِي في كَلَامِ الْمَاوَرْدِيِّ الْخِلَافُ فيه وقد قال بَعْضُ الْأَئِمَّةِ لَا يَسْتَقِيمُ غَيْرُ هذا الْمَذْهَبِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قال فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَلَوْ أَرَادَ الْأَلْفَ من لَفْظِ الْأَلْفِ لَمَا تَخَلَّفَ مُرَادُهُ عن إرَادَتِهِ فَعُلِمَ أَنَّهُ ما أَرَادَ إلَّا تِسْعَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ من الْأَلْفِ كما أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ بِالْعَشَرَةِ مع اسْتِثْنَاءِ الْوَاحِدِ لم يُرِدْ منها إلَّا التِّسْعَةَ وَالثَّانِي وهو قَوْلُ الْقَاضِي أبي بَكْرٍ أَنَّ عَشَرَةً إلَّا ثَلَاثَةً بِمَنْزِلَةِ سَبْعَةٍ من غَيْرِ إخْرَاجٍ كَاسْمَيْنِ وُضِعَا لِمُسَمًّى وَاحِدٍ أَحَدُهُمَا مُفْرَدٌ وَالْآخَرُ مُرَكَّبٌ وَجَرَى عليه في
- الْمَحْصُولِ وَاخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَاسْتَنْكَرَ قَوْلَ الْأَوَّلِينَ وقال إنَّهُ مُحَالٌ لَا يَعْتَقِدُهُ لَبِيبٌ قال ابن الْحَاجِبِ وَهَذَا الْمَذْهَبُ خَارِجٌ من قَانُونِ اللُّغَةِ إذْ لم يُعْهَدْ فيها لَفْظٌ مُرَكَّبٌ من ثَلَاثَةِ أَلْفَاظٍ وُضِعَ لِمَعْنًى وَاحِدٍ وَلِأَنَّا نَقْطَعُ بِدَلَالَةِ الِاسْتِثْنَاءِ بِطَرِيقِ الْإِخْرَاجِ وقال في شَرْحِ الْمُقَدِّمَةِ إنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ أَيْضًا لِأَنَّا قَاطِعُونَ بِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ بِالْعَشَرَةِ يُعَبِّرُ بها عن مَدْلُولِهَا وهو خَمْسَتَانِ وَبِإِلَّا عن مَعْنَى الْإِخْرَاجِ وَبِالْوَاحِدِ أَنَّهُ مُخَرَّجٌ وَلَوْ كان كما قالوا لم يَسْتَقِمْ فَهْمُ هذه الْمَعَانِي منها كما لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يُفْهَمَ من بَعْضِ حُرُوفِ التِّسْعَةِ عِنْدَ إطْلَاقِهَا على مَدْلُولِهَا مَعْنًى آخَرُ وَهَذَا الذي قَالَهُ مُصَادَرَةٌ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يُفْهَمُ من الْعَشَرَةِ خَمْسَتَانِ مع اسْتِثْنَاءِ الدِّرْهَمِ منها بَلْ الْمَفْهُومُ من ذلك تِسْعَةٌ لَا غَيْرُ وَلَا بِإِلَّا مَعْنَى الْإِخْرَاجِ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لُغَةً الصَّرْفُ وَالرَّدُّ وَقَوْلُهُ كما لَا يَسْتَقِيمُ ليس بِنَظِيرِ ما نَحْنُ فيه إذْ عَدَمُ فَهْمِ ما ذُكِرَ لِعَدَمِ الْوَضْعِ وَالِاسْتِعْمَالِ في غَيْرِهَا وَالِاسْتِثْنَاءُ مُسْتَعْمَلٌ فِيمَا ذُكِرَ لُغَةً وَعُرْفًا وَاعْلَمْ أَنَّ قَصْدَ الْبَاجِيِّ بهذا الْقَوْلِ أَنْ يُفَرَّقَ بين التَّخْصِيصِ بِدَلِيلٍ مُتَّصِلٍ أو مُنْفَصِلٍ فَإِنْ كان بِدَلِيلٍ مُتَّصِلٍ فَمِنْ الْبَاقِي حَقِيقَةً أو مُنْفَصِلٍ فإن الْبَاقِيَ مَجَازٌ وَلِذَلِكَ قال في الِاسْتِثْنَاءِ إنَّ الْكَلَامَ بِجُمْلَتِهِ يَصِيرُ عِبَارَةً عن أَمْرٍ آخَرَ وَالثَّالِثُ وهو الصَّحِيحُ عِنْدَ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى منه مُرَادٌ بِتَمَامِهِ ثُمَّ أُخْرِجَ الْمُسْتَثْنَى ثُمَّ حُكِمَ بِالْإِسْنَادِ بَعْدَهُ تَقْدِيرًا وَإِنْ كان قَبْلَهُ ذِكْرًا فَالْمُرَادُ بِقَوْلِك عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً عَشَرَةٌ بِاعْتِبَارِ الْأَفْرَادِ ثُمَّ أُخْرِجَتْ ثَلَاثَةٌ ثُمَّ أُسْنِدَ إلَى الْبَاقِي تَقْدِيرًا فَالْمُرَادُ بِالْإِسْنَادِ ما يَبْقَى بَعْدَ الْإِخْرَاجِ وَرَجَّحَهُ الْهِنْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَلِذَلِكَ لَا يَحْكُمُ عَالِمٌ بِلُغَةِ الْعَرَبِ بِالْإِسْنَادِ قبل تَمَامِهِ لِتَوَقُّعِ التَّغْيِيرِ قَبْلَهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ أو غَيْرِهِ وَبِهِ يَنْدَفِعُ ما أُورِدَ على حَقِيقَةِ الِاسْتِثْنَاءِ من كَوْنِهِ إنْكَارًا بَعْدَ الْإِقْرَارِ وَتَنَاقَضَا وَالْفَرْقُ بين هذا الْمَذْهَبِ وَالْأَوَّلِ أَنَّ الْأَفْرَادَ بِكَمَالِهَا غَيْرُ مُرَادَةٍ في الْمُسْتَثْنَى منه في الْأَوَّلِ لِدَلَالَةِ الِاسْتِثْنَاءِ عليه وفي الثَّالِثِ مُرَادَةٌ وَالِاسْتِثْنَاءُ إنَّمَا هو لِتَغَيُّرِ النِّسْبَةِ لَا لِلدَّلَالَةِ على عَدَمِ الْمُرَادِ وَيَتَفَرَّعُ على الْمَذَاهِبِ أَنَّهُ هو تَخْصِيصٌ أَمْ لَا فَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي ليس تَخْصِيصًا وَعَلَى الْأَوَّلِ تَخْصِيصٌ قَطْعًا وَعَلَى الثَّالِثِ يُحْتَمَلُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَخْصِيصٌ
- خَاصٌّ لِعَدِّهِمْ إيَّاهُ من التَّخْصِيصِ الْمُتَّصِلِ وَتَطَرُّقِهِ إلَى النُّصُوصِ قِيلَ ليس بِتَخْصِيصٍ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ شَرْطُهُ الْإِرَادَةُ وَالْمُقَارَنَةُ وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ إلَّا في قَصْدِ الِاسْتِثْنَاءِ وقال الْهِنْدِيُّ في الرِّسَالَةِ السَّيْفِيَّةِ الْجَمْعُ بين احْتِمَالِ كَوْنِ الِاسْتِثْنَاءِ تَخْصِيصًا على هذا الرَّأْيِ مع أَنَّ الْأَفْرَادَ مُرَادَةٌ بِكَمَالِهَا فيه مُشْكِلٌ فَإِنَّهُمْ أَطْبَقُوا على أَنَّ الْمَخْصُوصَ غَيْرُ مُرَادٍ من الذي خَصَّ عنه وُجُودَ التَّنَاوُلِ فَإِنْ قُلْت يُخَصُّ قَوْلُهُمْ ذلك بِالِاسْتِثْنَاءِ من غَيْرِ النُّصُوصِ قُلْت الذي قال بِالْمَذْهَبِ الثَّالِثِ لَا فَرْقَ عِنْدَهُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ من أَلْفَاظِ الْعَدَدِ أو غَيْرِهَا فإن الْكَلَامَ في تَقْدِيرِ دَلَالَةِ الِاسْتِثْنَاءِ مُطْلَقٌ وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ هذا الْمَذْهَبُ مُخَالِفًا لِإِجْمَاعِهِمْ على أَنَّ الْفَرْدَ الْمَخْصُوصَ من الْعَامِّ ليس مُرَادًا منه وقال الْمَازِرِيُّ أَصْلُ هذا الْخِلَافِ في الِاسْتِثْنَاءِ من الْعَدَدِ هل يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ كَقَرِينَةٍ غَيَّرَتْ وَضْعَ الصِّيغَةِ أو لم تُغَيِّرْهُ وَإِنَّمَا كَشَفَتْ عن الْمُرَادِ بها فَمَنْ رَأَى أَنَّ أَسْمَاءَ الْعَدَدِ كَالنُّصُوصِ التي لَا تَحْتَمِلُ سِوَى ما يُفْهَمُ منها قال بِالْأَوَّلِ وَيُنَزَّلُ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى منه كَالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ الدَّالَّةِ على عَدَدٍ ما وَيَكُونُ الْمُسْتَثْنَى كَجُزْءٍ من أَجْزَاءِ هذه الْكَلِمَةِ لِمَجْمُوعِ الدَّالِّ على الْعَدَدِ الْمُبْقَى وَمَنْ رَأَى أَنَّ أَسْمَاءَ الْعَدَدِ لَيْسَتْ نَصًّا فإن الْعَشَرَةَ رُبَّمَا اُسْتُعْمِلَتْ في عَشَرَةٍ نَاقِصَةٍ رَأَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ قَرِينَةٌ لَفْظِيَّةٌ دَلَّتْ على الْمُرَادِ بِالْمُسْتَثْنَى منه كما دَلَّ قَوْلُهُ لَا تَقْتُلُوا الرُّهْبَانَ على الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ قال وَهَذَا ظَاهِرٌ على الْقَوْلِ بِأَنَّ دَلَالَةَ الْعَامِّ على أَفْرَادِهِ ظَاهِرَةٌ فَإِنْ قُلْنَا نَصٌّ فَلَا يَسْتَقِيمُ ثُمَّ ذَكَرَ من الْفَرْقِ بين التَّخْصِيصِ وَالِاسْتِثْنَاءِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَدْخُلُ على النُّصُوصِ وَالتَّخْصِيصَ لَا يَدْخُلُ عليها وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَذْهَبَ الْأَكْثَرِينَ أَنَّك إذَا اسْتَعْمَلْت الْعَشَرَةَ في سَبْعَةٍ مَجَازًا دَلَّ عليه قَوْلُك إلَّا ثَلَاثَةً وَالْقَاضِي وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ عِنْدَهُمَا أَنَّ الْمَجْمُوعَ يُسْتَعْمَلُ في السَّبْعَةِ وابن الْحَاجِبِ عِنْدَهُ أَنَّك تَصَوَّرْت مَاهِيَّةَ الْعَشَرَةِ ثُمَّ حَذَفْت منها ثَلَاثَةً ثُمَّ حَكَمْت بِالسَّبْعَةِ فَكَأَنَّهُ قال له عَلَيَّ الْبَاقِي من عَشَرَةٍ أَخْرَجَ منها ثَلَاثَةً أو عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً له عِنْدِي وَكُلُّ من أَرَادَ أَنْ يَحْكُمَ على شَيْءٍ بَدَأَ بِاسْتِحْضَارِهِ في ذِهْنِهِ فَهَذَا الْقَائِلُ بَدَأَ بِاسْتِحْضَارِ الْعَشَرَةِ في ذِهْنِهِ ثُمَّ أَخْرَجَ الثَّلَاثَةَ ثُمَّ حَكَمَ كما أَنَّك تُخْرِجُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ من الْكِيسِ ثُمَّ تَرُدُّ منها إلَيْهِ ثَلَاثَةً ثُمَّ تَهَبُ الْبَاقِي وهو السَّبْعَةُ هذا تَقْرِيرُ مَذْهَبِ ابْنِ الْحَاجِبِ لَكِنَّ تَصْرِيحَهُ بِأَنَّ الْإِسْنَادَ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ أَنَّ إلَّا أَدَاةٌ أُخْرِجَتْ من الِاسْمِ وَالْحُكْمِ وَهَذَا إنَّمَا يَأْتِي على الْقَوْلِ
- الْمَرْجُوحِ أَنَّ الْإِخْرَاجَ من الِاسْمِ فَقَطْ وَيُرَدُّ عليه أَيْضًا أَنَّ الْمُفْرَدَ لَا يُسْتَثْنَى منه وَلَوْ اُسْتُثْنِيَ منه لم يَنْتَظِمْ أَنْ يُقَالَ الْعَامِلُ في الْمُسْتَثْنَى هو الْعَامِلُ في الْمُسْتَثْنَى منه كما هو مَذْهَبُ كَثِيرٍ من النُّحَاةِ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِسْنَادِ ما يَبْقَى بَعْدَ الْإِخْرَاجِ لِأَنَّ الْإِسْنَادَ لِلْجُمْلَةِ إنَّمَا يَتَبَيَّنُ مَعْنَاهُ بِآخِرِ الْكَلَامِ فَإِنْ عُطِفَ عليها بِأَوْ كان ثَابِتًا لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ وَإِنْ عُطِفَ عليها بِالْوَاوِ كان ثَابِتًا لِلْمَجْمُوعِ وَإِنْ اُسْتُثْنِيَ منه كان ثَابِتًا لِبَعْضِ مَدْلُولِهَا وَلَيْسَ الِاسْتِثْنَاءُ مُبَيِّنًا لِلْمُرَادِ بِالْأَوَّلِ بَلْ يَحْصُلُ الْإِخْرَاجُ وَالْحَاصِلُ قَبْلَهُ قُصِدَ أَنْ يُسْتَثْنَى لَا بِقَصْدِ الْمَعْنَى حتى لو قال أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً وَوَقَعَ الِاسْتِثْنَاءُ بَعْدَ مَوْتِهَا طَلُقَتْ ثَلَاثًا وَلَوْ كان مُبَيِّنًا لَزِمَهُ وَعَلَى هذا لَا يُسَمَّى تَخْصِيصًا مَسْأَلَةٌ هل يَعْمَلُ الِاسْتِثْنَاءُ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ أو الْبَيَانِ تَتَفَرَّعُ على ما سَبَقَ وَتَتَأَصَّلُ على الْخِلَافِ الْآتِي في الِاسْتِثْنَاءِ من الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ وَبِالْعَكْسِ وَهِيَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَعْمَلُ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ أو بِطَرِيقِ الْبَيَانِ فقال بِالثَّانِي وهو عِنْدَهُمْ بَيَانٌ مَعْنَوِيٌّ أَيْ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى لم يَكُنْ مُرَادًا لِلْمُتَكَلِّمِ من الْأَصْلِ لِأَنَّهُ مَنَعَ دُخُولَهُ تَحْتَ الْمُسْتَثْنَى منه وَإِمَّا بِالنَّظَرِ إلَى صُورَةِ اللَّفْظِ فَهُوَ اسْتِخْرَاجٌ صُورِيٌّ وَنَسَبُوا لِأَصْحَابِنَا الْأَوَّلَ وهو أَنَّهُ يَمْنَعُ الْحُكْمَ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ مِثْلُ دَلِيلِ الْخُصُوصِ وَالْمُرَادُ بِالْمُعَارَضَةِ أَنْ يُثْبِتَ حُكْمًا مُخَالِفًا لِحُكْمِ صَدْرِ الْكَلَامِ فإن صَدْرَ الْكَلَامِ يَدُلُّ على إرَادَةِ الْمَجْمُوعِ وَآخِرَهُ يَدُلُّ على إرَادَةِ إخْرَاجِ الْبَعْضِ عن الْإِرَادَةِ فَتَعَارَضَا في ذلك الْبَعْضِ فَتَعَيَّنَ خُرُوجُهُ عن الْمُرَادِ دَفْعًا لِلتَّعَارُضِ كَتَخْصِيصِ الْعَامِّ وَعَلَى مَذْهَبِ الْآخَرِينَ هو مُتَكَلِّمٌ بِالْبَاقِي في صَدْرِ الْكَلَامِ بَعْدَ الْمُسْتَثْنَى قُلْت هو نَظِيرُ الْخِلَافِ في أَنَّ النَّسْخَ رَفْعٌ أو بَيَانٌ وقال صَاحِبُ الْمُحِيطِ الِاسْتِثْنَاءُ تَكَلَّمَ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثُّنْيَا أَيْ تَكَلَّمَ بِالْمُسْتَثْنَى منه بَعْدَ صَرْفِ الْكَلَامِ عن الْمُسْتَثْنَى وقال شَمْسُ الْأَئِمَّةِ لو قال عَبِيدِي أَحْرَارٌ إلَّا سَالِمًا أو غَانِمًا لَا يُعْتَقُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَإِنْ كان الْمُسْتَثْنَى أَحَدَهُمَا لِأَنَّهُ فيه فَثَبَتَ حُكْمُ الشَّكِّ فِيهِمَا وَيَصِيرُ الْكَلَامُ عِبَارَةً عَمَّا وَرَاءَ الْمُسْتَثْنَى بِطَرِيقِ أَنَّهُ لَا بَعْضَ وَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ وَإِنْ كان الْمُسْتَثْنَى مَجْهُولًا
- لِأَنَّ الْكَلَامَ لم يَتَنَاوَلْ الْمُسْتَثْنَى أَصْلًا فَلَا أَثَرَ لِلْجَهَالَةِ فيه وفي الْمُغْنِي ابن قُدَامَةَ الِاسْتِثْنَاءُ إنَّمَا هو مُبَيِّنٌ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى غَيْرُ مُرَادٍ بِالْكَلَامِ وهو أَنْ يَمْنَعَ أَنْ يَدْخُلَ فيه ما لَوْلَاهُ لَدَخَلَ وقَوْله تَعَالَى إلَّا خَمْسِينَ عَامًا عِبَارَةٌ عن تِسْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً فَخَرَجَ بِالْخَمْسِينَ الْمُسْتَثْنَى وقَوْله تَعَالَى إنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إلَّا الذي فَطَرَنِي فَقَدْ تَبَرَّأَ من غَيْرِ اللَّهِ لَا أَنَّهُ تَبَرَّأَ منه أَوَّلًا ثُمَّ رَجَعَ عنه وَفَصَّلَ جَمَاعَةٌ من الْحَنَفِيَّةِ بين الِاسْتِثْنَاءِ الْعَدَدِيِّ وَغَيْرِهِ وَقَالُوا في غَيْرِ الْعَدَدِيِّ إنَّهُ إخْرَاجٌ قبل الْحُكْمِ ثُمَّ حُكْمُهُ على الْبَاقِي وَقَالُوا في الْعَدَدِيِّ لَا إخْرَاجَ حتى قالوا في إنْ كان لي إلَّا مِائَةٌ وَكَذَا ولم يَمْلِكْ إلَّا خَمْسِينَ لَا يَحْنَثُ قُلْت وما نَسَبُوهُ لِأَصْحَابِنَا مَمْنُوعٌ وقد قال النَّوَوِيُّ في الرَّوْضَةِ الْمُخْتَارُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بَيَانُ ما لم يَرِدْ بِأَوَّلِ الْكَلَامِ لَا أَنَّهُ إبْطَالُ ما ثَبَتَ وَلِهَذَا لو قال له عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا خَمْسَةً أو سِتَّةً يَلْزَمُهُ أَرْبَعَةٌ لِأَنَّ الدِّرْهَمَ الزَّائِدَ مَشْكُوكٌ فيه فَصَارَ كَقَوْلِهِ عَلَيَّ خَمْسَةٌ أو سِتَّةٌ فإنه يَلْزَمُهُ خَمْسَةٌ وَاحْتَمَلَ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ خَمْسَةٌ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الْعَشَرَةَ وَالشَّكُّ في الْمَنْفِيِّ قُلْت وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ في الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَنْوِيَهُ من أَوَّلِ الْكَلَامِ فَكَيْفَ يَكُونُ مُرَادًا بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ وهو يُرِيدُ أَنْ لَا يَكُونَ وَكَذَا قال صَاحِبُ الْمِيزَانِ من الْحَنَفِيَّةِ لو لم يَكُنْ الِاسْتِثْنَاءُ بَيَانًا لَأَدَّى إلَى النَّسْخِ في كَلَامٍ وَاحِدٍ فَيُؤَدِّي إلَى التَّنَاقُضِ في كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى قال وَمَسَائِلُ الشَّافِعِيِّ كُلُّهَا تُخَرَّجُ على الْبَيَانِ وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ على التَّعَارُضِ لِأَنَّ التَّعَارُضَ إنَّمَا يَكُونُ بين الْمِثْلَيْنِ وَلَا مُمَاثَلَةَ بين الْمُسْتَثْنَى منه وَالْمُسْتَثْنَى لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى منه مُسْتَقِلٌّ وَالْمُسْتَثْنَى نَاقِصٌ وَلِهَذَا لَا يُبْتَدَأُ بِهِ وَيَدُلُّ على بُطْلَانِ دَعْوَى الْإِخْرَاجِ قَوْله تَعَالَى في حَقِّ نُوحٍ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلَّا خَمْسِينَ عَامًا إذْ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ لَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ ثُمَّ يُخَرِّجُ الْخَمْسِينَ من الْأَلْفِ بَعْدَ الْإِخْبَارِ بِلُبْثِهِ الْأَلْفَ بِكَمَالِهِ فلم يَبْقَ إلَّا أَنَّهُ لَوْلَا الِاسْتِثْنَاءُ لَكَانَ صَالِحًا لِدُخُولِ الْخَمْسِينَ تَحْتَ الْأَلْفِ وَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ من صَلَاحِيَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ مُرِيدٌ لِلْأَلْفِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ لِأَنَّ اللَّهَ عَلِمَ أَنَّهُ ما لَبِثَ الْخَمْسِينَ فَكَيْفَ يُرِيدُهَا وَمِثْلُهُ قَوْلُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ وَضْعُ الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يُخَرِّجَ ما لَوْلَاهُ لَانْتَظَمَهُ وَذَكَرَ الْإِخْرَاجَ بِاعْتِبَارِ الصَّلَاحِيَّةِ في اللَّفْظِ وَبِهَذَا كُلِّهِ تَبْطُلُ دَعْوَى الْقَرَافِيِّ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا إخْرَاجَ فيه أَصْلًا لِأَنَّ الْإِخْرَاجَ حَقِيقَةٌ فِيمَنْ اتَّصَفَ بِالدُّخُولِ وَلَا يُقَالُ خَرَجَ زَيْدٌ
- من الدَّارِ إذَا لم يَكُنْ دَخَلَهَا إلَّا مَجَازًا وقد بَيَّنَّا الْمُرَادَ بِالْإِخْرَاجِ من الصَّلَاحِيَّةِ لِلدُّخُولِ لَوْلَا الِاسْتِثْنَاءُ وهو كَالتَّخْصِيصِ بِالْمُقَارِنِ يُوجِبُ الْحُكْمَ فِيمَا وَرَاءَ الْخُصُوصِ من الْأَصْلِ وَلَا يَتَنَاوَلُ الْمَخْصُوصَ وَصَارَ كما لو قال اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ الْمُحَارِبِينَ فلم يَكُنْ غَيْرُ الْمُحَارِبِينَ مُرَادًا من الْمُشْرِكِينَ من الِابْتِدَاءِ وَنَظِيرُ هذا الْخِلَافِ في الِاسْتِثْنَاءِ خِلَافُ أَصْحَابِنَا فِيمَا لو قال أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا هل يَقَعُ الثَّلَاثُ عِنْدَ الْفَرَاغِ من قَوْلِهِ ثَلَاثَةً أو نَقُولُ إذَا فَرَغَ من قَوْلِهِ ثَلَاثًا تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الثَّلَاثِ بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَفَائِدَتُهُ إذَا قال أَنْتِ طَالِقٌ فَمَاتَتْ ثُمَّ قال ثَلَاثًا فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَقَعُ شَيْءٌ تَنْبِيهٌ جَعْلُ الِاسْتِثْنَاءِ من الْمُخَصَّصَاتِ الْمُتَّصِلَةِ وَاضِحٌ في الْكَلَامِ الْوَاحِدِ أَمَّا لو قال اللَّهُ اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ فقال عليه السَّلَامُ على الِاتِّصَالِ لَا الْحَرْبِيِّينَ فَاخْتَلَفُوا فيه فقال قَوْمٌ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الِاسْتِثْنَاءِ في كَلَامِ اللَّهِ وقال الْقَاضِي الذي أَرْتَضِيهِ أَنَّهُ إنْ أَبْدَى من تِلْقَاءِ نَفْسِهِ كَلَامًا ولم يُضِفْهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى الْتَحَقَ بِالتَّخْصِيصِ بِالْمُنْفَصِلِ ولم يُجْعَلْ اسْتِثْنَاءً حَقِيقِيًّا بَلْ هو تَخْصِيصٌ سَوَاءٌ قُدِّرَ مُتَّصِلًا أو مُنْفَصِلًا كَذَا حَكَاهُ عنه ابن الْقُشَيْرِيّ في أُصُولِهِ وَأَطْلَقَ الْهِنْدِيُّ تَرْجِيحَ كَوْنِهِ مُنْفَصِلًا وَمِنْ فُرُوعِهِ لو قال لي عَلَيْك أَلْفٌ فقال الْمُدَّعَى عليه إلَّا عَشَرَةً فَهَلْ يَكُونُ مُقِرًّا بِبَاقِي الْأَلْفِ قال في التَّتِمَّةِ الْمَذْهَبُ الْمَنْعُ لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ منه إلَّا نَفْيُ ما قَالَهُ خَصْمُهُ وَنَفْيُ الشَّيْءِ لَا يَدُلُّ على ثُبُوتِ غَيْرِهِ مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ من الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ وَمِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ على الْأَصَحِّ وقال الْحَنَفِيَّةُ لَا يَقْتَضِي ذلك وَجَعَلُوا بين الْحُكْمِ بِالْإِثْبَاتِ وَالْحُكْمِ بِالنَّفْيِ وَاسِطَةً وَهِيَ عَدَمُ الْحُكْمِ وَنُقِلَ في الْمَعَالِمِ الِاتِّفَاقُ على الْأَوَّلِ وَالْخِلَافُ في الثَّانِي وَاخْتَارَ مَذْهَبَ الْحَنَفِيَّةِ الْمَعَالِمُ وفي تَفْسِيرِهِ الْكَبِيرِ في سُورَةِ النِّسَاءِ وَوَافَقَ الْجُمْهُورَ في الْمَحْصُولِ وَلَيْسَ كما ادَّعَى من الْوِفَاقِ فإن الْخِلَافَ عِنْدَهُمْ مَوْجُودٌ كما ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ قال الْهِنْدِيُّ وَبِهِ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ وهو الْحَقُّ لِأَنَّ الْمَأْخَذَ الذي ذَكَرُوهُ مَوْجُودٌ فِيهِمَا وهو أَنَّ
- بين الْحُكْمِ بِالنَّفْيِ وَبَيْنَ الْحُكْمِ بِالْإِثْبَاتِ وَاسِطَةً وهو عَدَمُ الْحُكْمِ وَتَرْكُهُ على ما كان عليه قبل الِاسْتِثْنَاءِ بِلَا فَرْقٍ بين الِاسْتِثْنَاءِ من النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ إذْ الْوَاسِطَةُ حَاصِلَةٌ نعم يَلْزَمُ النَّفْيُ الْمُسْتَثْنَى من الْإِثْبَاتِ عِنْدَهُ بِنَاءً على أَنَّهُ الْأَصْلُ قبل الْحُكْمِ بِالْإِثْبَاتِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ اقْتَضَى ذلك فَإِنْ قِيلَ له عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا دِرْهَمًا كان مَعْنَاهُ عِنْدَهُ أَنَّ الدِّرْهَمَ غَيْرُ مَحْكُومٍ عليه بِاللُّزُومِ لَا أَنَّهُ مَحْكُومٌ عليه بِعَدَمِ اللُّزُومِ وَحِينَئِذٍ فَعَدَمُ اللُّزُومِ لَازِمٌ له بِنَاءً على الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ وَلَعَلَّ الْإِمَامَ لِهَذَا السَّبَبِ خَصَّصَ الْخِلَافَ بِالِاسْتِثْنَاءِ من النَّفْيِ إذْ لَا يَظْهَرُ لِلْخِلَافِ في الْإِثْبَاتِ فَائِدَةٌ فإن النَّفْيَ ثَابِتٌ فيه بِالِاتِّفَاقِ لَكِنَّ الْمَأْخَذَ مُخْتَلِفٌ فَعِنْدَنَا بِسَبَبِ الِاسْتِثْنَاءِ وَعِنْدَهُ بِسَبَبِ الْبَقَاءِ على الْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ فَمِنْ هُنَا ظَنَّ عَدَمَ خِلَافِهِ فيها وَلِهَذَا قِيلَ إنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يُفَرِّقُ بين النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ من جِهَةِ الدَّلَالَةِ الْوَضْعِيَّةِ وَإِنَّمَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا من جِهَةِ الْحُكْمِ وَذَلِكَ أَنَّ السُّكُوتَ عن إثْبَاتِ الْحُكْمِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْحُكْمِ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ بِخِلَافِ السُّكُوتِ عن النَّفْيِ إذْ لَا مُقْتَضَى معه لِلْإِثْبَاتِ فَهُوَ يَحْمِلُ كَلَامَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ على نَفْيِ الْحُكْمِ النَّفْسِيِّ وَكَلِمَةَ التَّوْحِيدِ على عُرْفِ الشَّارِعِ قُلْت وَالْحَنَفِيَّةُ مُوَافِقُونَ لِنُحَاةِ الْكُوفَةِ إذْ ذَهَبُوا إلَى أَنَّ قَوْلَك قام الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا مَعْنَاهُ الْإِخْبَارُ بِالْقِيَامِ عن الْقَوْمِ الَّذِينَ فِيهِمْ زَيْدٌ وَزَيْدٌ مَسْكُوتٌ عنه لم يُحْكَمْ عليه بِقِيَامٍ وَلَا بِنَفْيٍ وأبو حَنِيفَةَ كُوفِيٌّ فَلِهَذَا كان مَذْهَبُهُ كَذَلِكَ وَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أَنَّ الْأَدَاةَ أَخْرَجَتْ الِاسْمَ الثَّانِيَ من الْأَوَّلِ وَحُكْمَهُ من حُكْمِهِ وَهَذَا الْخِلَافُ في الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ وَبِهِ يَظْهَرُ أَنَّ الْخِلَافَ في الْمُتَّصِلِ لَا في الْأَعَمِّ من الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْقَطِعِ بَلْ حَكَى الْقَرَافِيُّ في الْعِقْدِ الْمَنْظُومِ عن الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُمْ أَجْرَوْا ذلك في التَّامِّ وَالْمُفَرَّغِ نَحْوُ ما قام إلَّا زَيْدٌ قالوا زَيْدٌ غَيْرُ مَحْكُومٍ عليه بِالْإِثْبَاتِ وَالْمَعْنَى ما قام أَحَدٌ إلَّا زَيْدٌ قال وَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يُعْرِبُوهُ بَدَلًا لَا فَاعِلًا وَيَكُونُ الْفَاعِلُ مُضْمَرًا وَتَقْدِيرُهُ ما قام أَحَدٌ فَلَا يَكُونُ زَيْدٌ فَاعِلًا وَالنُّحَاةُ لَا يُجِيزُونَ حَذْفَ الْفَاعِلِ نَحْنُ نَقُولُ زَيْدٌ فَاعِلٌ بِالْفِعْلِ الْمَنْفِيِّ السَّابِقِ قبل إلَّا وهو الذي نُسِبَ إلَيْهِ عَدَمُ الْقِيَامِ فَهُوَ غَيْرُ قَائِمٍ وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِالْإِجْمَاعِ على الِاكْتِفَاءِ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ في كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ كما قال صلى اللَّهُ عليه وسلم أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ الناس حتى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ
- وَمِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ على أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ من النَّفْيِ إثْبَاتٌ قَوْله تَعَالَى فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إلَّا عَذَابًا وَاحْتَجَّ الْخَصْمُ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مَأْخُوذٌ من قَوْلِك ثَنَيْت الشَّيْءَ عن جِهَتِهِ إذَا صَرَفْته عنها فإذا قُلْت لَا عَالِمَ إلَّا زَيْدٌ فَهُنَا أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا هذا الْحُكْمُ وَالثَّانِي نَفْسُ الْعَدَمِ فَقَوْلُك إلَّا زَيْدٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَائِدًا إلَى الْأَوَّلِ وَحِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُ تَحَقُّقُ الثُّبُوتِ إذْ الِاسْتِثْنَاءُ إنَّمَا يُزِيلُ الْحُكْمَ بِالْعَدَمِ فَيَبْقَى الْمُسْتَثْنَى مَسْكُوتًا عنه غير مَحْكُومٍ عليه نَفْيٌ وَلَا إثْبَاتٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَائِدًا إلَى الثَّانِي وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ تَحَقُّقُ الثُّبُوتِ لِأَنَّ ارْتِفَاعَ الْعَدَمِ يُحَصِّلُ الْوُجُودَ لَا مَحَالَةَ لَكِنَّ عَوْدَ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى الْأَوَّلِ أَوْلَى إذْ الْأَلْفَاظُ وُضِعَتْ دَالَّةً على الْأَحْكَامِ الذِّهْنِيَّةِ لَا على الْأَعْيَانِ الْخَارِجِيَّةِ فَثَبَتَ أَنَّ عَوْدَ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى الْأَوَّلِ أَوْلَى الثَّانِي ما جاء من وَضْعِ هذا الِاسْتِثْنَاءِ من غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لِلْإِثْبَاتِ كَقَوْلِهِ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَلَا صَلَاةَ إلَّا بِطَهُورٍ وَالْمُرَادُ في الْكُلِّ مُجَرَّدُ الِاشْتِرَاطِ قال وَالصُّوَرُ التي دَلَّ فيها على الْإِثْبَاتِ يَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ مُسْتَفَادًا من اللَّفْظِ بَلْ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ وَأَجَابَ عن الدَّلِيلِ السَّابِقِ بِأَنَّ هذه الْكَلِمَةَ وَإِنْ كانت لَا تُفِيدُ الْإِثْبَاتَ بِالْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ لَكِنَّهَا تُفِيدُهُ بِالْوَضْعِ الشَّرْعِيِّ فإن الْمَقْصُودَ نَفْيُ الشَّرِيكِ وَأَمَّا إثْبَاتُ الْإِلَهِيَّةِ فَمُتَّفَقٌ عليه قال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ وَكُلُّ هذا عِنْدِي تَشْغِيبٌ وَمُرَاوَغَاتٌ جَدَلِيَّةٌ وَالشَّرْعُ خَاطَبَ الناس بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ وَأَمَرَهُمْ بها لِإِثْبَاتِ مَقْصُودِ التَّوْحِيدِ وَحَصَلَ الْفَهْمُ لِذَلِكَ منهم وَالْقَبُولُ له منهم من غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا احْتِيَاجٍ إلَى أَمْرٍ آخَرَ وَلَوْ كان وَضْعُ اللَّفْظِ لَا يَقْتَضِي التَّوْحِيدَ لَكَانَ أَهَمُّ الْمُهِمَّاتِ تَعْلِيمَ اللَّفْظِ الذي يَقْتَضِيهِ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ وَالِاكْتِفَاءُ الذي ذَكَرْنَاهُ عِنْدَنَا في مَحَلِّ الْقَطْعِ بِالظَّنِّ لَكِنْ هل هو لِمَدْلُولِ اللَّفْظِ أو لِقَرَائِنَ اخْتَصَّتْ بِهِ لَا تَبْلُغُ إلَى الْقَطْعِ وَاعْلَمْ أَنَّ أَكْثَرَ ما يَسْتَدِلُّ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ رَاجِعٌ إلَى الشَّرْطِ وقد اسْتَعْظَمَ الْقَرَافِيُّ شُبْهَتَهُمْ من لَا صَلَاةَ إلَّا بِطَهُورٍ وَلَيْسَ
- كما زَعَمَ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْخِلَافَ في غَيْرِ الشَّرْطِ فإن الِاسْتِثْنَاءَ يَقَعُ في الْأَحْكَامِ وَالْمَوَانِعِ وَالشُّرُوطِ مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ من التَّحْرِيمِ إبَاحَةٌ ولم يَتَعَرَّضْ لها الْأُصُولِيُّونَ وَذَكَرَهَا صَاحِبُ الذَّخَائِرِ من الْفُقَهَاءِ في بَابِ الْعَدَدِ في قَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تَحُدَّ على مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إلَّا على زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَاسْتُشْكِلَ الِاسْتِدْلَال بِالْحَدِيثِ على وُجُوبِ الْإِحْدَادِ على الْمُتَوَفَّى عنها زَوْجُهَا وقال الْقَاضِي الْحُسَيْنُ في تَعْلِيقِهِ هذا الِاسْتِثْنَاءُ لِلْوَاجِبِ من الْمُحَرَّمِ لِأَنَّ الْإِحْدَادَ على غَيْرِ الزَّوْجِ فَوْقَ الثَّلَاثِ حَرَامٌ وَعَلَى الزَّوْجِ وَاجِبٌ وَإِنَّمَا الصَّحِيحُ أَنَّهُ يُسْتَثْنَى الْوَاجِبُ من الْجَائِزِ وَالْحَرَامُ من الْمُبَاحِ وَيُمْكِنُ الِاحْتِجَاجُ بِالْحَدِيثِ على جَوَازِ الِاسْتِثْنَاءِ من غَيْرِ الْجِنْسِ مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ من الِاسْتِثْنَاءِ يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ من الِاسْتِثْنَاءِ وَحَكَى ابن الْعَرَبِيِّ في الْمَحْصُولِ عن بَعْضِهِمْ مَنْعَهُ وقال صَاحِبُ الذَّخَائِرِ في بَابِ الْإِقْرَارِ حَكَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عن بَعْضِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مَنْعَهُ لِأَنَّ الْعَامِلَ في الِاسْتِثْنَاءِ الْفِعْلُ الْأَوَّلُ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ وَلَا يَعْمَلُ عَامِلٌ في أَحَدِ الْمَعْمُولَيْنِ وَلَنَا قَوْله تَعَالَى إلَّا آلَ لُوطٍ إنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إلَّا امْرَأَتَهُ قال أبو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ اسْتَثْنَى الْآلُ من الْقَوْمِ ثُمَّ اسْتَثْنَى امْرَأَتَهُ قال الْقَاضِي مُجَلِّي في الذَّخَائِرِ في كِتَابِ الطَّلَاقِ وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إلَى أَنَّ الْأَوَّلَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ ولم يَحْكِ الزَّجَّاجِيُّ سِوَاهُ وَوَجْهُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قال إنَّا أُرْسِلْنَا إلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ أَيْ لِإِهْلَاكِهِمْ فَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ آلِ لُوطٍ منهم لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا من الْمُجْرِمِينَ بَلْ هو كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَعْنَاهُ لَكِنَّ آلَ لُوطٍ فَإِنَّهُمْ مُنَجَّوْنَ ثُمَّ قال إلَّا امْرَأَتَهُ اسْتَثْنَاهَا من الْمُنَجِّينَ وَجُعِلَتْ من الْهَالِكِينَ فَتَكُونُ مُسْتَثْنَاةً قال وَهَذَا
- قَدْحٌ في الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ لَكِنَّ الدَّلِيلَ على الْجَوَابِ لِسَانُ الْعَرَبِ وقد تَرْجَمَ عليه سِيبَوَيْهِ بَابَ تَثْنِيَةِ الْمُسْتَثْنَى إذَا ثَبَتَ ذلك فَتَقُولُ الِاسْتِثْنَاءَاتُ الْمُتَعَدِّدَةُ إنْ كان الْبَعْضُ مَعْطُوفًا على الْبَعْضِ كان الْكُلُّ عَائِدًا إلَى الْأَوَّلِ الْمُسْتَثْنَى منه وَأُسْقِطَ الْمَجْمُوعُ من الْعَدَدِ وَيَلْزَمُ الْبَاقِي نَحْوُ له عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا أَرْبَعَةً وَإِلَّا ثَلَاثَةً وَإِلَّا اثْنَيْنِ فَيَلْزَمُهُ وَاحِدٌ هَكَذَا أَطْلَقَهُ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ وأبو مَنْصُورٍ وقال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ في تَعْلِيقِهِ هذا إذَا كان الْمَجْمُوعُ نَاقِصًا عن الْمُسْتَثْنَى منه فَإِنْ كان مُسَاوِيًا أو أَزْيَدَ بَعْضَهَا أو مَجْمُوعَهَا فَإِنْ حَصَلَتْ الْمُسَاوَاةُ بِالِاسْتِثْنَاءِ الْأَوَّلِ فَلَا شَكَّ في فَسَادِهِ وَإِنْ حَصَلَتْ بِالْأَوَّلِ وَالثَّانِي مَثَلًا وكان الثَّانِي مُسَاوِيًا لِلْأَوَّلِ وقد تَعَذَّرَ رُجُوعُهُ مع الْأَوَّلِ الْمُسْتَثْنَى منه وَتَعَذَّرَ رُجُوعُهُ إلَى الثَّانِي بِالْعَطْفِ وَالْمُسَاوَاةِ فَيَفْسُدُ لَا مَحَالَةَ وَهَلْ يَفْسُدُ معه الْأَوَّلُ أَيْضًا حتى لَا يَسْقُطَ من الْمُسْتَثْنَى منه شَيْءٌ أَمْ يُخَصُّ الثَّانِي بِالْفَسَادِ لِأَنَّهُ نَشَأَ منه فيه احْتِمَالَاتٌ قال الْهِنْدِيُّ وَالظَّاهِرُ الثَّانِي وَإِنْ كان الثَّانِي أَنْقَصَ من الْأَوَّلِ تَعَارَضَا أَمَّا إذَا لم يَكُنْ الْبَعْضُ مَعْطُوفًا على الْبَعْضِ فَنَقَلَ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ وأبو مَنْصُورٍ إجْمَاعَ أَصْحَابِنَا على رُجُوعِ الِاسْتِثْنَاءِ الثَّانِي إلَى الْأَوَّلِ وَيُوجِبُ ذلك الزِّيَادَةَ في الْأَصْلِ كَقَوْلِهِ له عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا دِرْهَمَيْنِ إلَّا دِرْهَمًا فَأَسْقَطَ من الدِّرْهَمَيْنِ اللَّذَيْنِ اسْتَثْنَاهُمَا من الْعَشَرَةِ دِرْهَمًا فَيَبْقَى دِرْهَمٌ فَيَلْزَمُهُ تِسْعَةٌ وَكَذَا قال سُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ يَرْجِعُ كُلُّ وَاحِدٍ إلَى الذي يَلِيهِ فإذا قال له عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا أَرْبَعَةً إلَّا ثَلَاثَةً إلَّا اثْنَيْنِ إلَّا وَاحِدًا لَزِمَهُ ثَمَانِيَةٌ وَكَذَا قال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ في تَعْلِيقِهِ يَرْجِعُ كُلُّ وَاحِدٍ منها إلَى الذي يَلِيهِ فَإِنْ كان الْأَوَّلُ إثْبَاتًا كان هو نَفْيًا وَإِنْ كان نَفْيًا كان هو إثْبَاتًا فإذا قال أَنْتِ طَالِقٌ خَمْسًا إلَّا أَرْبَعًا إلَّا اثْنَتَيْنِ إلَّا وَاحِدَةً طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ لِأَنَّ قَوْلَهُ خَمْسًا إثْبَاتٌ وإذا قال إلَّا أَرْبَعًا كان نَفْيًا تَبْقَى وَاحِدَةٌ فإذا قال إلَّا اثْنَيْنِ فَيَقَعُ عليها ثَلَاثٌ فإذا قال إلَّا وَاحِدَةً كان نَفْيًا فَيَبْقَى طَلْقَتَانِ ا هـ قُلْت لَكِنْ لَا إجْمَاعَ فَقَدْ حَكَى الرَّافِعِيُّ عن الْحَنَّاطِيِّ احْتِمَالًا فِيمَا لو قال أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ إلَّا وَاحِدَةً فإنه يُحْتَمَلُ عَوْدُ الِاسْتِثْنَاءِ الثَّانِي إلَى أَوَّلِ اللَّفْظِ أَعْنِي الْمُسْتَثْنَى منه قُلْت وهو قَوِيٌّ فإن الْأَوَّلَ ليس له مَأْخَذٌ غَيْرُ الْقُرْبِ وهو لَا يُوجِبُ ذلك إنَّمَا يَقْتَضِي الرُّجْحَانَ قال الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ هذا إذَا كان أَقَلَّ من الْأَوَّلِ يَعْنِي كما دَلَّ عليه أَمْثِلَتُهُمْ
- فَإِنْ كان الثَّانِي أَكْثَرَ من الِاسْتِثْنَاءِ الْأَوَّلِ أو مُسَاوِيًا له عَادَ الْكُلُّ إلَى الْمُتَقَدِّمِ وهو الْمُسْتَثْنَى منه نَحْوُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا اثْنَتَيْنِ إلَّا ثَلَاثَةً إلَّا أَرْبَعَةً وَيَلْزَمُهُ وَاحِدٌ وَتَبِعَهُ في الْمِنْهَاجِ وقال صَاحِبُ الذَّخَائِرِ هذا إذَا كان الِاسْتِثْنَاءُ الثَّانِي مِمَّا يُمْكِنُ إخْرَاجُهُ من الْأَوَّلِ فَإِنْ لم يُمْكِنْ فإن الثَّانِي لَغْوٌ وَيَعْمَلُ الْأَوَّلُ فإذا قال أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا طَلْقَةً إلَّا طَلْقَةً لَغَا الثَّانِي وَصَارَ كَقَوْلِهِ ثَلَاثٌ إلَّا طَلْقَةً فَتَطْلُقُ طَلْقَتَيْنِ وَكَذَلِكَ إذَا كان الثَّانِي أَكْثَرَ من الْأَوَّلِ كَقَوْلِهِ ثَلَاثًا إلَّا طَلْقَةً إلَّا طَلْقَتَيْنِ يُلْغَى قَوْلُهُ طَلْقَتَيْنِ قال هذا مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ وقد حَكَى السِّيرَافِيُّ عن أَهْلِ اللِّسَانِ في هذا الْمَحَلِّ قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا إعْمَالُ الِاسْتِثْنَاءَيْنِ لِجَعْلِهِمَا بِمَثَابَةِ اسْتِثْنَاءٍ وَاحِدٍ حتى لو قال عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا دِرْهَمًا إلَّا دِرْهَمًا يَسْقُطَانِ من الْعَشَرَةِ وَيَصِيرُ مُقِرًّا بِثَمَانِيَةٍ وَحُكِيَ عن سِيبَوَيْهِ أَنَّهُ إذَا قال ما أَتَانِي إلَّا زَيْدٌ إلَّا عَمْرٌو يَكُونَانِ جميعا أَتَيَاهُ فَعَلَى هذا إذَا قال أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً إلَّا وَاحِدَةً تَطْلُقُ طَلْقَةً وإذا قال ثَلَاثَةً إلَّا طَلْقَةً إلَّا طَلْقَتَيْنِ تَطْلُقُ ثَلَاثًا كَقَوْلِهِ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا وَحُكِيَ عن الْفَرَّاءِ أَنَّهُ إذَا كان الثَّانِي أَكْثَرَ من الْأَوَّلِ كَقَوْلِهِ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً إلَّا أَرْبَعَةً أَنَّ الثَّانِيَ يَكُونُ مَنْفِيًّا كَأَنَّهُ قال عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً بَقِيَتْ سَبْعَةٌ ثُمَّ قال إلَّا أَرْبَعَةً فَيُضَافُ إلَى السَّبْعَةِ فَيَصِيرُ أَحَدَ عَشَرَ فَعَلَى هذا وَمِثْلُهُ الطَّلَاقُ مع الثَّلَاثِ لِأَنَّا إذَا أَضَفْنَا الِاثْنَيْنِ في الِاسْتِثْنَاءِ الثَّانِي إلَى ما بَقِيَ من الثَّلَاثِ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ الْأَوَّلِ صَارَ أَرْبَعًا ثُمَّ بَقِيَتْ الثَّلَاثُ انْتَهَى وما نَقَلَهُ عن الْفَرَّاءِ حَكَاهُ غَيْرُهُ وَأَنَّهُ إذَا قال له عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً إلَّا أَرْبَعَةً تَكُونُ الثَّلَاثَةُ مُسْتَثْنَاةً من الْعَشَرَةِ فَيَبْقَى سَبْعَةٌ وَيُزَالُ منها أَرْبَعَةٌ فَيَكُونُ الْمُقَرُّ بِهِ ثَلَاثَةً وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ في كِتَابِ الْإِقْرَارِ فِيمَا إذَا قال له عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا خَمْسَةً إلَّا خَمْسَةً لُزُومُ عَشَرَةٍ لِأَنَّ الثَّانِيَ مُسْتَغْرِقٌ لِلْأَوَّلِ فَيُلْغِيهِ وَذُكِرَ فيه أَيْضًا فِيمَا إذَا قال له عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً إلَّا ثَلَاثَةً أَنَّ الثَّانِيَ يَكُونُ تَوْكِيدًا وَحَكَى فيه في كِتَابِ الطَّلَاقِ وَجْهَيْنِ من غَيْرِ تَرْجِيحٍ أَحَدُهُمَا هذا وَالثَّانِي يَلْزَمُهُ عَشَرَةٌ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ من النَّفْيِ إثْبَاتٌ أَمَّا إذَا كان الِاسْتِثْنَاءُ الْأَوَّلُ مُسْتَغْرِقًا لِلْمُسْتَثْنَى منه دُونَ الثَّانِي لِأَنَّهُ من بَاطِلٍ يَلْزَمُهُ أَرْبَعَةٌ وَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءَانِ لِأَنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا يَتِمُّ بِآخِرِهِ قال ابن الصَّبَّاغِ وَهَذَا أَقْيَسُ وَالثَّالِثُ يَلْزَمُهُ سِتَّةٌ لِأَنَّ الْأَوَّلَ بَاطِلٌ وَالثَّانِي يَرْجِعُ إلَى أَوَّلِ الْكَلَامِ قُلْت وَالثَّانِي هو نَظِيرُ ما صَحَّحُوهُ من الطَّلَاقِ في أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ أَنَّهُ يَقَعُ اثْنَتَانِ
- مسألة الاستثناء الوارد بعد جمل متعاطفة يمكن عوده لجمعها ولبعضها ومثله ابن كج في كتابه بقوله والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق إلى قوله إلا من تاب فيه مذاهب أحدها وهو قول الشافعي كما قاله الماوردي والروياني أنه يعود إلى جميعها ما لم يخصه دليل كقوله إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله الآية ونقله البيهقي في سننه في باب شهادة القاذف عن نص الشافعي فقال قال الشافعي والثنيا في سياق الكلام على أول الكلام وآخره في جميع ما يذهب إليه أهل اللغة لا يفرق بين ذلك أحد انتهى وقال في الأم في باب الخلافة في إجازة شهادة القاذف قال الشافعي لمن يناظره أرأيت رجلا لو قال لا أكلمك أبدا ولا أدخل لك بيتا ولا آكل لك طعاما ولا أخرج معك سفرا وإنك لغير حميد عندي ولا أكسوك إن شاء الله أيكون الاستثناء واقعا على ما بعد غير حميد عندي أم على الكلام كله قال بل على الكلام كله انتهى وقال القفال الشاشي إنه الذي جرى عليه الشافعي وقال القاضي أبو الطيب إنه المحكي عن الشافعي وأصحابه قال وما وجدت من كلامه ما يدل عليه إلا أنه قال في كتاب الشاهد واليمين إذا تاب قبلت شهادتهم ذلك بين في كتاب الله تعالى وهذا يدل على أن الاستثناء رده إلى الفسق ورد الشهادة وقد استدل أبو إسحاق المروزي وغيره من أصحابنا على قبول شهادته بعموم الاستثناء وأنه راجع إلى الجميع انتهى وقال المازري نسبه ابن القصار لمالك وهو الظاهر من مذاهب أصحابه وحكاه صاحب المصادر عن القاضي عبد الجبار وقال ابن القشيري قال القاضي لو قلنا بالعموم فأوضح المذاهب صرفه إلى الجميع وهذا الراجح عند الحنابلة ونقلوه عن نص أحمد فإنه قال في قوله صلى الله عليه وسلم لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه قال أرجو أن يكون الاستثناء على كله
- والثاني أنه يعود إلى الأخيرة خاصة إلا أن يقوم الدليل على التعميم وهو قول أبي حنيفة وأكثر أصحابه واختاره الإمام فخر الدين في المعالم وقال الأصفهاني في القواعد إنه الأشبه ونقله صاحب المعتمد عن الظاهرية وحكاه صاحب عن أبي عبد الله البصري وأبي الحسن الكرخي وإليه ذهب أبو علي الفارسي وحكاه إلكيا الطبري وابن برهان عن الفارسي واختاره المهاباذي من النحويين في شرح اللمع وقد يظن أن ذلك مذهب الشافعي فإن الشيخ أبا إسحاق قال وإن قال أنت طالق طلقة وطلقة إلا طلقة ففيه وجهان أحدهما تطلق طلقة والثاني وهو المنصوص أنها تطلق طلقتين لأن الاستثناء يرجع إلى ما يليه وهو الطلقة واستثناء طلقة من طلقة باطل فيسقط وتبقى الطلقات انتهى وقال ابن الصباغ في كتاب الطلاق قال في البويطي إذا قال أنت طالق ثلاثا وثلاثا إلا أربعا وقعت ثلاثا وهذا إنما هو لأنه أوقع جملتين واستثنى إحداهما بجملتها فلم يقع لأن الاستثناء يرجع إلى الأخير من الجملتين أي ولو عاد إلى الجميع لوقع طلقتان وكأنه قال ستا إلا أربعا ا هـ والجواب أنه ليس المأخذ ما ظنوه وإنما قاله الشافعي مفرعا على أن المفرق لا يجمع وهو الأصح فإن قلنا يجمع وقع طلقتان وكأنه قال ستا إلا أربعا تفريعا على أن الاستثناء يرجع إلى الملفوظ فإن عاد إلى المنوي وقع الثلاث ثم إن هذا لبس ويدل لهذا قول القاضي أبي الطيب في باب الإقرار من تعليقه لو قال علي درهم ودرهم إلا درهما فالذي نص عليه الشافعي أنه يلزمه درهمان لأنه ذكر جملتين ثم عقبهما بالاستثناء والاستثناء يرجع لما يليه وهو يستغرقه فلا يبقى شيء فيبطل كما لو قال علي درهم إلا درهما لا يصح الاستثناء فكذلك هنا وكذلك لو قال أنت طالق طلقة وطلقة إلا طلقة يقع طلقتان ونص الشافعي على هذه المسألة في كتاب إباحة الطلاق قال القاضي ومن أصحابنا من خرج فيها وجها أنه يصح الاستثناء ويلزمه درهم واحد وطلقة واحدة واحتج بأن الجملتين إذا كان بينهما حرف العطف كانتا بمنزلة الجملة الواحدة فهو بمنزلة أن يقول علي درهمان إلا درهما وأنت طالق طلقتين إلا طلقة وهذا خلاف النص وإن كان له وجه انتهى وتمسك القائلون بهذا بأن الموجب لتعليق الاستثناء بالمتقدم كونه لا يفيد بنفسه فإذا تعلق بالأخيرة صار مفيدا فلا حاجة إلى صرفه إلى غيره ولنا أن الجمل إذا تعاطفت
- صارت كالجملة الواحدة بدليل الشرط والاستثناء بالمشيئة فإنهما يرجعان إلى ما تقدم إجماعا فإن فرق بأن الشرط قد يتقدم كما يتأخر فيجوز أن يوقف ما قبل الآخر على الاتصال بالشرط ولا كذلك الاستثناء قلنا هذا لا يؤثر في الجمع إذ تعليقه على ما يليه لا يمنع من تعليقه على ما تقدم والذي يليه والمتقدم والمتأخر في هذا الفرق سواء قال القرطبي وقد خالف أبو حنيفة أصله فإنه يلزمه أن لا يقبل التوبة قبل الحد ولا بعده كما ذهب إليه شريح لكنه قال بقبولها قبله لا بعده فخالف أصله تنبيه قياس مذهب الحنفية أن الاستثناء إذا تقدم اختص بالجملة الأولى لأنها التي تليه ويحتمل خلافه والثالث والوقف بين الأمرين فيجوز أن يصرف إلى الأول وإلى المتوسط وإلى الأخير ولكن في الحال توقف والمتبع الدليل فإن قام دليل على انصرافه لأحدها صرنا إليه قال أبو الحسين بن فارس في كتاب فقه العربية فإن دل الدليل على عوده إلى الجميع عاد كآية المحاربة وإن دل على منعه امتنع كآية القذف قال سليم في التقريب وهو مذهب الأشعرية وحكاه ابن برهان عن القاضي واختاره الغزالي والإمام فخر الدين في المنتخب وصرح به في المحصول في الكلام على التخصيص وحكاه إلكيا الطبري عن اختيار إمام الحرمين قال فقيل له فقد قال الشافعي إذا قال الواقف وقفت داري على بني فلان وحبست أرضي على بني فلان وذكر نوعا آخر ثم قال إلا الفساق فيصرف الاستثناء إلى الكل فأجاب بأن ذلك ليس لظهور الاستثناء في الأنواع ولكن للتعارض بين الأمرين وهما احتمال عوده إلى الجميع أو إلى ما يليه والتوقف فيه ولا صرف مع التوقف قال إلكيا وهذا المأخذ غير مرضي فإن التوقف في المستثنى يوجب التوقف في المستثنى منه حتى لا ينصرف إلى العدول أيضا ونحن نصرف كل المال إلى العدول والتوقف يقتضي التوقف في حق الكل فإنا لا ندري أنهم يستحقون أم لا وهو كالتوقف في الميراث للحمل ونقل ابن القشيري والمازري عن إمام الحرمين مسلك التفصيل في التوقف فرأى
- أن الجمل إن كانت متناسبة والغرض منها متحد فاللفظ متردد ولا قرينة وإن كانت مختلفة الجهات متباينة المأخذ فالظاهر الاختصاص بالجملة الأخيرة لانقطاع ما بين الجمل في المعنى والغرض وإن أمكن انعطافه على جميعها وهذا ما اختاره إلكيا الطبري فقال نعم لو تباينت الجمل في الأحكام بأن يذكر حكما ثم يأخذ في حكم آخر فالأول منقطع والاستثناء لا يعمل فيه وإن صرح به والواو هنا لا تعد مشركة ناسفة للنظم كقولك ضرب الأمير زيدا وخرج إلى السفر وخلع على فلان قال وهذا حسن جدا وبه تهذب مذهب الشافعي ويغني عما عداه واعلم أنهم حكوا قول الوقف عن الشريف المرتضى وأنه يغاير مذهب القاضي من جهة أن القاضي توقف لعدم العلم بمدلوله لغة والمرتضى توقف لكونه عنده مشتركا بين عوده إلى الكل وعوده إلى الأخير فقط وهو من باب الاشتراك في المركبات لا في المفردات قلت والذي حكاه صاحب المصادر عن الشريف المرتضى أنه يقطع بعوده إلى الجملة الأخيرة وتوقف في رجوعه إلى غيرها لما تقدم فجوز صرفه إلى الجميع وقصره على الأخيرة كمذهبه في الأمر هذا لفظه وهو أثبت منقول عنه لأنه على مذهبه الشيعي والرابع إن كانت الجمل كلها سيقت لمقصود واحد انصرف إلى الجميع وإن سيقت لأغراض مختلفة اختص بالأخيرة حكاه ابن برهان في الأوسط عن عبد الجبار والخامس إن ظهر أن الواو للابتداء كقوله أكرم بني تميم والنحاة البصريين إلا البغاددة اختص بالأخيرة وإن ترددت بين العطف والابتداء فالواقف والسادس إن كانت الجملة الثانية إعراضا وإضرابا عن الأولى اختص بالأخيرة وإلا انصرف إلى الجميع حكاه ابن برهان عن أبي الحسين البصري والذي وجدته في المعتمد حكاية هذا عن عبد الجبار وسكت عليه أبو الحسين وقرر دليله وحكي في المحصول عن أبي الحسين أنه إن كان بينهما تعلق عاد إلى الجميع وإلا اختص بالأخير وقال إنه دخل التحقيق وإنه حق ثم قال ابن برهان والحق في ذلك قول أبي الحسين البصري وهو المعتمد وهو مذهب الشافعي قال ولم
- ينقل عن الشافعي نص في هذه المسألة بخصوصها وإنما أخذ من مذهبه في مسألة المحدود بالقذف ونحن نبين أن الشافعي إنما صار إلى ذلك لأن ذكر الجمل هناك لم يكن إضرابا عن الجملة المتقدمة لأن الآيات سيقت لغرض واحد هو الجزاء على تلك الجريمة انتهى وقد اختاره ابن السمعاني في القواطع أيضا فقال إذا لم يكن خروجا من قضية إلى قضية أخرى لا يليق بها عاد إلى الكل وإلا اختص بالأخيرة ونظيره اضرب بني تميم والأشراف هم قريش إلا أهل البلد الفلاني وهذا لأنه لما عدل الأول إلى مثل هذا وأحدهما لا يليق بالآخر أو أحدهما قضية والأخرى قضية أخرى دل على أنه استوفى غرضه من الأول لأنه لا شيء أدل على استيفاء الغرض بالكلام من العدول عنه إلى نوع آخر من الكلام وعلى هذا إذا قال من استقامت طريقته فأكرمه ومن عصاك فاضربه إلا أن يتوب فالاستثناء ينصرف إلى ما يليه أيضا انتهى وحاصله أنه إن صلح العود إلى الكل عاد إليه وإلا فلا وهذا تحرير لمذهب الشافعي في الحقيقة كما سيأتي فلا ينبغي أن يعد مذهبا آخر وقال في المقترح لا خلاف في صلاحية اللفظ لعوده إلى الجميع أو البعض وإنما النزاع في أنه هل هو ظاهر في الجميع ولا يحمل على الأخيرة إلا بدليل أو بالعكس فأبو حنيفة يقول بالثاني والشافعي بالأول وقال صاحب المصادر الخلاف في هذه المسألة إنما نشأ من اختلافهم في الفروع من المحدود في القذف هل تقبل شهادته بعد التوبة أم لا على معنى أنهم اختلفوا في هذه المسألة التي هي فرع حداهم هذا الاختلاف الذي هو أصل لذلك الفرع لا أنهم ذهبوا فيما هو فرع هذا الأصل إلى مذاهب ثم رتبوا عليه هذا الأصل لأن هذا عكس الواجب من حيث إن الفرع يترتب على أصله ويستوي عليه لا أن يترتب الأصل على فرعه ويستوي عليه على مقدار المبتاع في أنه غير صحيح ولا يستقيم إذا الصحيح المستقيم أن يستوي مقدار المبتاع الموزون على الصنجة المعتدلة انتهى واعلم أن للقول بعوده إلى الجميع عندنا شروطا الأول أن تكون الجمل متعاطفة فإن لم يكن عطف فلا يعود إلى الجميع قطعا بل يختص بالأخيرة إذ لا ارتباط بين الجملتين وممن صرح بهذا الشرط القاضيان أبو بكر في التقريب وأبو الطيب الطبري والشيخ أبو إسحاق وابن السمعاني وابن القشيري والآمدي وابن الساعاتي والهندي وغيرهم وأما من أطلق فأمره
- محمول على أنه سكت عن ذلك لوضوحه وأمثلتهم وكلامهم يرشد إلى أن المسألة مصورة بحالة العطف ويدل لذلك قول أصحابنا في كتاب الطلاق لو قال يا طالق أنت طالق ثلاثا إن شاء الله أن الاستثناء منصرف إلى الثلاثة ووقعت واحدة بقوله يا طالق ولو كان العطف يشترط لكان الاستثناء عائدا إلى الجميع وأما ما فهمه القرافي من جريان الخلاف وإن لم يعطف فغره إطلاق الرازي وغيره فإنه إذا لم يكن عطف فلا ارتباط بينهما نعم ذكر البيانيون أن ترك العطف قد يكون لكمال الارتباط بين الجملتين كقوله تعالى ذلك الكتاب لا ريب فيه فإذا كان مثل ذلك فلا يبعد مجيء الخلاف ويحتمل أن يقال إنهما كالجملة الواحدة لأن الثانية كالمؤكدة للأولى فيعود للجميع قطعا وقد حكى الرافعي باب الاستثناء في الطلاق به لو قال أنت طالق أنت طالق إن شاء الله وقصد التأكيد أنه يعود للجميع ولم يحك فيه خلافا وكذا لو قال أنت طالق واحدة ثلاثا إن شاء الله من غير واحد فلا يقع شيء لأن الواحدة المتقدمة عائدة إلى الثلاث والاستثناء راجع إلى جميع الكلام نعم قال القرافي في كتاب الأيمان فيما لو قال إن شاء الله أنت طالق عبدي حر أنها لا تطلق ولا يعتق قال وليكن هذا فيما إذا نوى صرف الاستثناء إليهما جميعا فإن أطلق فيشبه أن يجيء فيه خلاف في أنه يختص بالجملة الأولى أم يعمهما قال في الروضة قلت الصحيح التعميم واستفدنا من هذا فائدتين إحداهما أن الخلاف جار مع عدم العطف والثانية أن المسألة لا تخص بما إذا تأخر الاستثناء بل تكون في حالة تأخره وحالة تقدمه وهو خلاف قول الأصوليين في الاستثناء إذا تعقب جملا وهي مسألة حسنة الشرط الثاني أن يكون العطف بالواو فإن كان بثم اختص بالجملة الأخيرة ذكره إمام الحرمين في تدريسه حكاه عنه الرافعي في باب الوقف بعد أن صرح أن أصحابنا أطلقوا العطف وعليه جرى الآمدي وابن الحاجب وابن الساعاتي والعجب أن الأصفهاني في شرح المحصول حكاه عن الآمدي وقال لم أر من تقدمه به لكن ذكر الإمام في النهاية من صور الخلاف التمثيل بثم وصرح بأن مذهبنا عوده إلى الجميع والظاهر أن ثم والفاء وحتى مثل الواو في ذلك وقد صرح القاضي أبو بكر في التقريب بالفاء وغيرها فقال وهذه سبيل
- جمل عطف بعضها على بعض بأي حروف العطف عطفت من فاء وواو وغيرها انتهى وأطلق ابن القشيري والشيخ أبو إسحاق أن صورة المسألة أن يجمع بين الجمل بحرف من حروف العطف جامع في مقتضى الوضع ويوافقه ما ذكره ابن الصباغ في كتاب العدة فإنه قال ومن أصحابنا من احتج بأن واو العطف تشترك بين الجملتين فتجعلان كالجملة الواحدة وهذا يخالف ما نص عليه الشافعي فإنه قال إذا قال أنت طالق وطالق فطالق إلا واحدة لم يصح الاستثناء ولو كان الإيقاع جملة واحدة صح الاستثناء هذا لفظه وهو صريح في أنه لا فرق بين الواو والفاء وإن كانت للترتيب وأما بقية حروف العطف فلا يتأتى فيها ذلك لأن بل ولا ولكن لأحد الشيئين بعينه فلا يصح عوده إليهما وكذلك أو وأم وأما لأحد الشيئين لا بعينه لكن الماوردي وغيره مثلوا المسألة بآية المحاربة مع أن العطف فيها ب أو وحكى الرافعي الخلاف في بل قبيل الطلاق بالحساب فقال لو قال أنت طالق واحدة بل ثلاثا إن دخلت الدار فوجهان أصحهما وبه قال ابن الحداد تقع واحدة بقوله أنت طالق وثنتان بدخول الدار ردا للشرط إلى ما يليه خاصة والثاني يرجع الشرط إليهما جميعا إلا أن يقول أردت تخصيص الشرط بقولي بل ثلاثا الثالث أن لا يتخلل الجملتين كلام طويل فإن تخلل اختص بالأخيرة كما لو قال وقفت على أولادي فمن مات منهم وأعقب كان نصيبه لأولاده للذكر مثل حظ الأنثيين وإلا فنصيبه لمن في درجته فإذا انقرضوا صرف إلى إخواني فلان وفلان الفقراء إلا أن يفسقوا حكاه الرافعي عن إمام الحرمين والمعنى أن طول الفصل يشعر بقطع الأولى عن الثانية الرابع أن تكون الجمل منقطعة بأن تنبئ كل واحدة عما لا تنبئ عنه أخواتها ذكره أبو نصر بن القشيري قال فإن توالت عبارات كلها تنبئ عن معنى واحد ثم عقبها باستثناء كقولك اضرب العصاة والجناة والطغاة والبغاة إلا من تاب رجع الاستثناء إلى الجميع قطعا ويوافقه ما لو قال أنت طالق أربع مرات بنية التكرار وقال في الرابعة إن شاء الله ففي فتاوى الغزالي أنه راجع إلى الجميع قال لأن الكلام ما دام متصلا برابطة التأكيد كان كالجملة الواحدة الخامس أن يكون بين الجمل تناسب فإن لم يكن بينها تناسب لا يصح العطف فضلا عن إرادة البعض أو الكل وهذا الشرط اعتبره البيانيون في صحة عطف
- الجمل فمنعوا عطف الإنشاء على الخبر وعكسه ووافقهم ابن مالك لكن أكثر النحويين على الجواز مطلقا وعلى الأول فلا يحسن التمثيل بآية القذف لأن قوله وأولئك هم الفاسقون جملة خبرية عطفت على إنشائية لكن يقال وإن كانت خبرية لفظا لكنها إنشائية معنى نعم من اشترط في عطف الجمل اتفاقهما في الاسمية أو الفعلية حتى لو اختلفتا امتنع لم يحسن أن تكون الآية منه فإن قوله وأولئك هم جملة اسمية وقوله ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا جملة فعلية بل الواو هنا للاستئناف أو الابتداء وإذا كان كلاما مبتدأ منقطعا عما قبله لم ينصرف الاستثناء إليه السادس أن يمكن عوده إلى كل واحدة على انفرادها فإن تعذر عاد إلى ما أمكن أو اختص بالأخيرة قاله القفال الشاشي وابن فورك والقاضي أبو الطيب في شرح الكفاية وإلكيا الطبري في التلويح قال القفال وهذا كآية الجلد فلا يمكن عود الاستثناء فيها إلى الأول لأنه تعلق به حق آدمي ولهذا لا يسقط عنه الجلد بالتوبة وإن قبلت شهادته وزالت عنه سمة الفسق لأنه من حقوق الآدميين فالتوبة لا ترفعه إنما ترفع حق الله تعالى وحكى الرافعي في باب قاطع الطريق عن ابن كج أنه حكى قولا عن الشافعي في القديم بسقوط الجلد بالتوبة وبه قال الزهري وحكاه النحاس في معاني القرآن عن الشافعي أيضا فعلى هذا يخرج له في هذه المسألة الأصولية قولان ثم أكثرهم يمثلون الآية بهذا الأصل ومنهم من قال على تقدير نظم الاختصاص بالأخيرة إن الأخيرة هي عدم قبول الشهادة فإنه المحكوم به وأما سمة الفسق فهي علة هذا الحكم فالاستثناء إذا تعقب حكما وتعليلا فإما أن يرجع إلى الكل أو إلى الحكم دون التعليل لأنه المقصود ولا سبيل إلى رجوعه إلى التعليل فقط قال الفقهاء وكذا قوله تعالى فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فالاستثناء يرجع إلى الأخيرة لأن الدية حق آدمي فيسقط بالعفو والرقبة حق الله فلا يسقط بالعفو من الآدمي وكذا قال الماوردي وغيره قال ابن أبي هريرة في تعليقه إن الاستثناء في قوله تعالى إلا عابري سبيل
- يعود على الذي يليه وهو الجنب لا السكران فإن السكران ممنوع من دخول المسجد لما لا يؤمن من تلويثه إياه وخرج من هذا الشرط ما لو قال أنت طالق طلقة وطلقة إلا طلقة فإن المنصوص للشافعي كما حكاه القاضي أبو الطيب والشيخ في المهذب وابن الصباغ وعليه جمهور الأصحاب لأنها تطلق طلقتين لأنه يمكن عود الاستثناء إلى ما يليه للاستغراق فيسقط ويبقى الطلقتان ولا يظن أن هذا مخالف للقاعدة الأصولية لأن شرط الرجوع إلى الكل ما ذكرناه هو مفقود هاهنا ولو قال له درهمان ودرهم إلا درهما لزم ثلاثة على الأصح المنصوص لأنه استثنى درهما من درهم قاله الرافعي باب الإقرار وقد استشكل ذلك صاحب الوافي في شرح المهذب فقال هذا مذهب الشافعي في الفروع ومذهبه في الأصول أن الاستثناء يعود إلى الجميع ولا أعلم الفرق إلا أن يقال إنه هاهنا احتاط في وقوع الطلاق وليس بشيء انتهى وقد علمت جوابه السابع أن يكون المعمول واحدا كقوله تعالى والذين يرمون المحصنات الآية فإن كان العامل واحدا والمعمول متعددا فلا خلاف في عوده إلى الجميع كقوله اهجر بني فلان وبني فلان إلا من صلح فالاستثناء من الجميع إذا لا موجب للاختصاص ولو ثبت موجب فعل بمقتضاه نحو لا تحدث النساء ولا الرجال إلا زيدا وقد تضمنت الأمرين آية المائدة حرمت عليكم الميتة فاشتملت على ما فيه مانع وهو ما أهل به لغير الله وما قبله وهو وما أكل السبع وإلا ما ذكيتم فهو مستثنى من الخمسة إذ كانت تذكيته سبب موته قال ابن مالك اتفق العلماء على تعلق الشرط بالجميع في نحو لا تصحب زيدا ولا تزن ولا تكلم إلا تائبا من الظلم ومذهب أبي حنيفة والشافعي تساوي الاستثناء والشرط في التعلق بالجميع وهو صحيح للإجماع على سد كل واحد مسد الآخر نحو اقتل الكافر إن لم يسلم واقتله إلا أن يسلم انتهى الثامن أن يتحد العامل فإن اختلف خص بالأخيرة ذكره ابن مالك ونحو اكسوا الفقراء وأطعموا أبناء السبيل إلا من كان مبتدعا وصرح إلكيا الطبري
- بأن الشرط اتحاد العامل والمعمول قال فإن اختلفا اختص بما يليه ونحو ضرب الأمير زيدا وخرج إلى السفر وخلع علي فلان قال وهو حسن جدا وبه يتهذب مذهب الشافعي ا هـ والظاهر أن المراد اتحاده لفظا أو معنى فإن إمام الحرمين جعل من الأمثلة وقفت وحبست وتصدقت ومن أمثلته في الصفة إذ لا فرق بينهما وبين الاستثناء قوله تعالى وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن الشافعي يجعل هذا الوصف وهو قوله اللاتي دخلتم بهن مختصا بالأخيرة وهي قوله وربائبكم لأن الربيبة عنده لا تحرم إلا بالدخول وأم الزوجة تحرم بالعقد وإن لم يدخل قال المبرد والزجاجي وإنما كان كذلك لاختلاف العامل إذ العامل في قوله وأمهات نسائكم الإضافة وفي ربائبكم حرف الجر الذي هو قوله من نسائكم فلما اختلف العامل أشعر بانقطاع الأولى عن الثانية ولك أن تقول إذا جعلنا العامل في الإضافة حرف الجر المقدر اتحد العامل على كل تقدير وهذا الشرط أيضا مخرج مما نقله ابن الحاجب عن أبي الحسين البصري التاسع أن يكون في الجمل فإن كان في المفردات عاد للجميع اتفاقا ونقله ابن القشيري عن اختيار إمام الحرمين ومثله بقولك أكرم زيدا وعمرا وبكرا إلا من فسق منهم ويؤخذ من كلام إمام الحرمين في البرهان وابن الحاجب في جواب شبهة الخصم أن ذلك محل وفاق وحينئذ فتعبير أصحابنا بالجمل ليس للتقيد وإنما جرى الغالب نعم نص الشافعي على أنه إذا قال أنت طالق طلقة وطالقة إلا طلقة أنها تطلق ثنتين فجعل الاستثناء لما يليه في المفردات ومن المهم معرفة المراد بالجملة في هذا الموضوع فالمشهور أنها المركبة من الفعل والفاعل أو المبتدأ والخبر وخالف في ذلك ابن تيمية وقال إنما المراد بها اللفظ الذي فيه شمول ويصح إخراج بعضه ولهذا ذكروا من صورها الأعداد واحتج بآية المحاربة إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله إلى قوله إلا الذين تابوا قال وإنما هي من الجملة بالمعنى الذي فسرناه وبما روى الصحابة أن قوله إلا الذين تابوا في آية القذف عائد إلى الجملتين وقوله عليه السلام لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه إلا بإذنه
- العاشر أن يكون الاستثناء متأخرا على ظاهر عباراتهم بالتعقيب لكن الصواب أن ذلك ليس بشرط والخلاف جار في الجميع كما صرح به الرافعي في كتاب الأيمان وقد سبق التنبيه عليه في الشرط الأول وقد صرح القفال في فتاويه بعود الصفة السابقة إلى الجميع فقال فيما إذا وقف على محاويج حتى يستحقوا لأنه معطوف على محاويج أقاربه والمحاويج هم الذين يكون لهم حاجة بحيث يجوز لهم أخذ الصدقة انتهى الِاسْتِثْنَاءُ الْمُتَوَسِّطُ أَمَّا الْمُتَوَسِّطُ فَإِنْ تَخَلَّلَ بين جُمْلَتَيْنِ إحْدَاهُمَا مَعْطُوفَةٌ على الْأُخْرَى فَقَلَّ من تَعَرَّضَ له وقد ذَكَرَهُ الْأُسْتَاذَانِ أبو إِسْحَاقَ وأبو مَنْصُورٍ نَحْوُ أَعْطِ بَنِي زَيْدٍ إلَّا من عَصَاك وَأَعْطِ بَنِي عَمْرٍو قَالَا فَاخْتَلَفَ فيه أَصْحَابُنَا على وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَيْهِمَا وَالثَّانِي أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى ما قَبْلَهُ دُونَ ما بَعْدَهُ قَالَا وَسَوَاءٌ كان في الْأَمْرِ أو الْخَبَرِ قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ فَإِنْ لم يَكُنْ لَفْظُ الْأَمْرِ أو الْخَبَرِ مَذْكُورًا في الثَّانِيَةِ رَجَعَ إلَيْهِمَا جميعا كَقَوْلِهِ أَعْطِ بَنِي زَيْدٍ إلَّا من عَصَاك وَبَنِي عَمْرٍو الثَّمَنَ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ فَإِنْ كان مَعْطُوفًا عليه يَصِيرُ الْأَمْرُ وَالْخَبَرُ كَالْمُتَقَدِّمِ عليه نَحْوُ أَعْطِ أو أَعْطَيْت بَنِي زَيْدٍ إلَّا من أَطَاعَنِي منهم وَبَنِي عَمْرٍو فَإِنَّهَا صَارَتْ في حُكْمِ الْجُمْلَةِ الْأُولَى بِالْعَطْفِ على مَوْضِعِ الْفَائِدَةِ وَهَاهُنَا تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ أَنَّ قَوْلَنَا يَعُودُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى الْجَمِيعِ هل مَعْنَاهُ الْعَوْدُ إلَى كل وَاحِدٍ منها بِمُفْرَدِهَا أو الْعَوْدُ إلَى الْمَجْمُوعِ وَيَتَوَزَّعُ عليها فيه خِلَافٌ حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ في كِتَابِ الْإِقْرَارِ فِيمَا لو قال له عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَمِائَةُ دِينَارٍ إلَّا خَمْسِينَ وَأَرَادَ بِالْخَمْسِينَ الْمُسْتَثْنَاةِ جِنْسًا غير الدَّرَاهِمِ أو الدَّنَانِيرِ قُبِلَ منه وَكَذَا إنْ أَرَادَ عَوْدَهُ إلَى الْجِنْسَيْنِ مَعًا أو إلَى أَحَدِهِمَا فَإِنْ مَاتَ قبل الْبَيَانِ فَعِنْدَ أبي حَنِيفَةَ يَعُودُ إلَى ما يَلِيهِ وَعِنْدَنَا يَعُودُ إلَى الْمِثَالَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ من الدَّرَاهِمِ أو الدَّنَانِيرِ ثُمَّ هو على وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا يَعُودُ إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا جَمِيعُ
- الِاسْتِثْنَاءِ فَيُسْتَثْنَى من أَلْفِ دِرْهَمٍ خَمْسُونَ وَمِنْ مِائَةِ دِينَارٍ خَمْسُونَ وَالثَّانِي يَعُودُ إلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ فَيُسْتَثْنَى من الدَّرَاهِمِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ وَمِنْ الدَّنَانِيرِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ولم يُصَحِّحْ الْمَاوَرْدِيُّ شيئا وَذَكَرَهَا الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ وَصَحَّحَ الْأَوَّلَ وقال في بَابِ الْعِتْقِ قال الْقَاضِي أبو حَامِدٍ إذَا قال سَالِمٌ وَغَانِمٌ وَزِيَادٌ أَحْرَارٌ يَعْنِي وَلَيْسَ له مَالٌ سِوَاهُمْ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ وَإِنْ قال أَرَدْت من حُرِّيَّةِ الْأَخِيرِ وَحْدَهُ قُبِلَ منه وَأُعْتِقَ من غَيْرِ إقْرَاعٍ وَإِنْ قال أَرَدْتُ حُرِّيَّةَ الْأَوَّلِ أو الثَّانِي لَا يُقْبَلُ لِأَنَّ الناس في الْكِنَايَةِ عن الِاسْتِثْنَاءِ على قَوْلَيْنِ وَمِنْهُمْ من يَرُدُّهُ إلَى الْجَمِيعِ وَمِنْهُمْ من يَرُدُّهُ إلَى الْأَوَّلِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْقَوْلَيْنِ انْتَهَى وَهَذَا يُخَرَّجُ منه خِلَافٌ آخَرُ وهو أَنَّ الْعَوْدَ إلَى وَاحِدٍ إنَّمَا هو الْأَخِيرُ قلت وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْخِلَافِ الذي حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِيمَا إذْ قُلْت أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ وَبَنِي بَكْرٍ أو أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ أو بَنِي بَكْرٍ إلَّا ثَلَاثَةً هل مَعْنَاهُ إلَّا ثَلَاثَةً من كل طَائِفَةٍ أو مَجْمُوعَهُمَا يَنْبَنِي على الْخِلَافِ وَيُشْبِهُ أَيْضًا تَخْرِيجَهُ على الْخِلَافِ فِيمَا إذَا عَطَفَ بَعْضَ الْمُسْتَثْنَيَاتِ أو الْمُسْتَثْنَى منه على بَعْضٍ هل يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا حتى يَكُونَا كَالْكَلَامِ الْوَاحِدِ أَمْ لَا فَإِنْ قُلْنَا إنَّ الْوَاوَ لِلْجَمْعِ فَالْقِيَاسُ جَعْلُ الِاسْتِثْنَاءِ عَائِدًا إلَى الْمَجْمُوعِ وَيَقَعُ فِيمَا لو قال أَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ وَوَاحِدَةً إلَّا وَاحِدَةً تَقَعُ ثِنْتَانِ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَعُودُ إلَى جَمِيعِ ما سَبَقَ وَإِنْ قُلْنَا لَا يُجْمَعُ فَالِاسْتِثْنَاءُ يَرْجِعُ بِجُمْلَتِهِ إلَى كل وَاحِدَةٍ وَحِينَئِذٍ فَيَقَعُ ثِنْتَانِ أَيْضًا لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَكُونُ من وَاحِدَةٍ وهو بَاطِلٌ لِاسْتِغْرَاقِهِ فَوَقَعَتْ الْوَاحِدَةُ الْمَعْطُوفَةُ وَيَكُونُ من ثِنْتَيْنِ وهو صَحِيحٌ فَيَقَعُ مِنْهُمَا وَاحِدَةٌ فَحِينَئِذٍ يَقَعُ طَلْقَتَانِ على التَّقْدِيرَيْنِ مَعًا الثَّانِي أَنَّ الرَّافِعِيَّ وَجَمَاعَةً من الْأَصْحَابِ مَثَّلُوا الْمَسْأَلَةَ في كِتَابِ الْوَقْفِ بِمَا لو قال وَقَفْتُ على أَوْلَادِي وَأَحْفَادِي وَإِخْوَتِي الْمُحْتَاجِينَ إلَّا أَنْ يَفْسُقَ بَعْضُهُمْ وهو من عَطْفِ الْمُفْرَدَاتِ لَا الْجُمَلِ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْعَامِلُ في الْمَعْطُوفِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ بَعْدَ حَرْفِ الْعَطْفِ وَالْمُطَابِقُ تَمْثِيلُ الْإِمَامِ في الْبُرْهَانِ بِقَوْلِهِ وَقَفْتُ على بَنِي فُلَانٍ دَارِي وَحَبَسْت على أَقَارِبِي ضَيْعَتِي وَسَبَّلْتُ على خَدَمَتِي بَيْتِي إلَّا أَنْ يَفْسُقَ منهم فَاسِقٌ الثَّالِثُ أَنَّ هذه الْمَسْأَلَةَ قَلَّ من تَعَرَّضَ لها من النَّحْوِيِّينَ وقد سَبَقَ أَنَّ ابْنَ فَارِسٍ ذَكَرَهَا في كِتَابِ فِقْهِ الْعَرَبِيَّةِ وَاخْتَارَ تَوَقُّفَ الْأَمْرِ على الدَّلِيلِ من خَارِجٍ وَذَكَرَهَا الْمَهَابَاذِيُّ في شَرْحِ اللُّمَعِ وَاخْتَارَ رُجُوعَهُ إلَى ما يَلِيهِ كَالْحَنَفِيَّةِ قال وَحَمْلُهُ على أَنْ يُسْتَثْنَى من جَمِيعِ الْكَلَامِ خَطَأٌ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِعَامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَيَسْتَحِيلُ ذلك انْتَهَى
- وَكَذَلِكَ قال ابن عَمْرُونٍ في شَرْحِ الْمُفَصَّلِ في قَوْلِنَا لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الِاسْتِثْنَاءُ من الثَّانِيَةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ من الْجُمْلَتَيْنِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِعَامِلَيْنِ وَحَسَّنَهُ هُنَا أَنَّ مَعْنَى الثَّانِيَةِ قَرِيبٌ من مَعْنَى الْأُولَى فإذا اُسْتُثْنِيَ من أَحَدِهَا فَكَأَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْهُمَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ من الْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ سَادًّا مَسَدَّ الِاسْتِثْنَاءِ من جُمْلَةٍ مُخْتَلِفَةٍ مَعَانِيهَا وَإِنْ ظَنَّهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ في قَوْله تَعَالَى وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْآيَةَ وَقَاسُوهَا على الشَّرْطِ لِأَنَّهُ مَتَى تَعَقَّبَ عَادَ إلَى الْكُلِّ وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الشَّرْطُ اجْتِمَاعَ عَامِلَيْنِ على مَعْمُولٍ وَاحِدٍ بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ أَنَّهُ مُسْتَثْنًى من لهم وهو في مَوْضِعِ جَرٍّ على الْبَدَلِ من الْهَاءِ وَالْمِيمِ في لهم أو يُنْصَبُ على أَصْلِ الِاسْتِثْنَاءِ وهو أَوْلَى من جَعْلِهِ مُسْتَثْنًى من أُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ فَائِدَةً وَلِهَذَا قال عُمَرُ رضي اللَّهُ عنه لِلْمَحْدُودِ في الْقَذْفِ تُبْ أَقْبَلْ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ من قَبُولِ الشَّهَادَةِ عَدَمُ الْفِسْقِ بِخِلَافِ ما إذَا اُسْتُثْنِيَ من الْفَاسِقِينَ فَلَا يَلْزَمُ من عَدَمِ الْفِسْقِ قَبُولُ الشَّهَادَةِ وَلَا يُضْمَرُ الْفَصْلُ لِتَعَلُّقِهِ بِهِ وَلَيْسَ بِأَجْنَبِيٍّ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَثْنًى من فَاجْلِدُوهُمْ لِأَنَّ حَقَّ الْآدَمِيِّ لَا يَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَهَذَا منهم بِنَاءً على أَنَّ الْعَامِلَ في الْمُسْتَثْنَى ما قَبْلُ إلَّا فَإِنْ قُلْنَا إنَّ الْعَامِلَ إلَّا كما صَحَّحَهُ ابن مَالِكٍ وَغَيْرُهُ لم يَكُنْ مُسْتَحِيلًا وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِعَوْدِهِ إلَى الْجَمِيعِ إنْ قالوا بِأَنَّ الْعَامِلَ إلَّا فَلَا كَلَامَ وَإِنْ قالوا ما قَبْلَهَا فَعَلَيْهِ هذا الْإِشْكَالُ وقال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ قد نُقِلَ عن أبي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ مُقَدِّمِ أَئِمَّةِ النَّحْوِ وَمَتْبُوعُهُمْ عَوْدُ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى الْأَخِيرَةِ كَمَذْهَبِ أبي حَنِيفَةَ وَهَذَا بَنَاهُ أبو عَلِيٍّ على مَذْهَبِهِ أَنَّ الْعَامِلَ في الِاسْتِثْنَاءِ الْفِعْلُ الذي قبل إلَّا وقد قام الدَّلِيلُ اللُّغَوِيُّ وَالْقِيَاسُ النَّحْوِيُّ على أَنْ يَجُوزَ أَنْ يَعْمَلَ عَامِلَانِ في مَعْمُولٍ وَاحِدٍ وَهَذَا مَقْطُوعٌ بِهِ في الْمَعْمُولِ أَيْضًا قال شَيْخُنَا أبو الْحَسَنِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْتَمِعَ سَوَادَانِ في مَحَلٍّ وَاحِدٍ لِأَنَّهُمَا لو اجْتَمَعَا لَجَازَ أَنْ يَرْتَفِعَ أَحَدُهُمَا بِضِدِّهِ وإذا جَازَ ذلك عَقْلًا فَلَوْ قَدَّرْنَا رَفْعَ أَحَدِ السَّوَادَيْنِ بِبَيَاضٍ لَأَدَّى إلَى اجْتِمَاعِ السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ في مَحَلٍّ وَاحِدٍ وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ عَقْلًا فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ عَامِلَانِ في مَعْمُولٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَرْتَفِعَ أَحَدُ الْعَامِلَيْنِ بِضِدِّهِ
- فَيَكُونُ أَحَدُهُمَا مَثَلًا يُوجِبُ الرَّفْعَ وَالْآخَرُ يُوجِبُ النَّصْبَ فَيُؤَدِّي إلَى أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ مَرْفُوعًا وَمَنْصُوبًا وَذَلِكَ بَاطِلٌ الرَّابِعُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ في الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ عَقِيبَ الْجُمَلِ مُخْتَلِفٌ فَمِنْهُ ما يَعُودُ إلَى الْكُلِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى في آلِ عِمْرَانَ كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمَانِهِمْ إلَى قَوْلِهِ إلَّا الَّذِينَ تَابُوا وفي الْمَائِدَةِ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ إلَى قَوْلِهِ إلَّا ما ذَكَّيْتُمْ قِيلَ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ وَقِيلَ مُنْقَطِعٌ يَعُودُ على الْمُنْخَنِقَةِ وما بَعْدَهَا أَيْ ما أَدْرَكْتُمْ ذَكَاتَهُ من الْمَذْكُورَاتِ وَقَوْلُهُ إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الْآيَةَ فإن الْإِجْمَاعَ قَائِمٌ كما حَكَاهُ ابن السَّمْعَانِيِّ على أَنَّ قَوْلَهُ إلَّا الَّذِينَ تَابُوا عَائِدٌ إلَى الْجَمِيعِ وَمِنْهُ ما يَعُودُ على جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ كَقَوْلِهِ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ من اللَّيْلِ إلَى قَوْلِهِ إلَّا امْرَأَتَك قُرِئَ بِالنَّصْبِ على الِاسْتِثْنَاءِ من الْجُمْلَةِ الْأُولَى لِأَنَّهَا مُوجِبَةٌ وَبِالرَّفْعِ على الِاسْتِثْنَاءِ من الثَّانِيَةِ لِأَنَّهَا مَنْفِيَّةٌ وقد تَكُونُ خَرَجَتْ مَعَهُمْ ثُمَّ رَجَعَتْ فَهَلَكَتْ قَالَهُ الْمُفَسِّرُونَ وَمِنْهُ ما يَتَضَمَّنُ عَوْدَهُ إلَى الْأَخِيرَةِ فَقَطْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَإِنْ كان من قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وهو مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كان من قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لم يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فَهَذَا رَاجِعٌ إلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ وهو الدِّيَةُ لَا الْكَفَّارَةُ وَجَعَلَ منه بَعْضُهُمْ آيَةَ الْقَذْفِ فإن اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ ثَلَاثَ جُمَلٍ وَعَقَّبَهَا بِالِاسْتِثْنَاءِ فَلَا يُمْكِنُ عَوْدُهُ إلَى الْأُولَى بِالِاتِّفَاقِ أَمَّا عِنْدَ أبي حَنِيفَةَ فَلِبُعْدِهِ عن آخِرِ مَذْكُورٍ وَأَمَّا عِنْدَنَا فَلِخُرُوجِهِ بِدَلِيلٍ وهو أَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ فَلَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ وَلَا إلَى الثَّانِيَةِ لِتَقَيُّدِهَا بِالتَّأْبِيدِ وَبِهِ يَقُومُ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ على اخْتِصَاصِهِ بِالْأَخِيرَةِ وقال الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ بَلْ رَاجِعٌ إلَى الشَّهَادَةِ فَقَطْ لِأَنَّ التَّفْسِيقَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْخَبَرِ وَالتَّعْلِيلُ لِرَدِّ الشَّهَادَةِ وَرَدُّ الشَّهَادَةِ هو الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ فَالِاسْتِثْنَاءُ بِهِ أَوْلَى وَمِنْهُ ما يَتَعَيَّنُ عَوْدُهُ إلَى الْأَوَّلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى لَا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ إلَى قَوْلِهِ إلَّا أَنْ تَتَّقُوا منهم تُقَاةً فَهُوَ عَائِدٌ إلَى النَّهْيِ الْأَوَّلِ دُونَ الْخَبَرِ الثَّانِي وَقَوْلُهُ فَمَنْ شَرِبَ منه فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لم يَطْعَمْهُ فإنه مِنِّي
- إلَّا من اغْتَرَفَ غُرْفَةً بيده فَهَذَا مُخْتَصٌّ بِالْأَوَّلِ وَلَا يَجُوزُ عَوْدُهُ إلَى الْأَخِيرِ وَإِلَّا يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ من اغْتَرَفَ غُرْفَةً ليس منه وَلَيْسَ الْمَعْنَى عليه فإن الْمَقْصُودَ من لم يَطْعَمْ مُطْلَقًا وَمَنْ اغْتَرَفَ منه غُرْفَةً على حَدٍّ سَوَاءٍ وَنَظِيرُهُ قَوْله تَعَالَى لَا يَحِلُّ لَك النِّسَاءُ من بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ من أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَك حُسْنُهُنَّ إلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُك فإنه عَائِدٌ إلَى الْأَوَّلِ وَلَا يَجُوزُ عَوْدُهُ إلَى الْأَخِيرَةِ وَإِلَّا يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ قد اسْتَثْنَى الْإِمَاءَ من أَزْوَاجٍ وَكَقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ ليس على الْمُسْلِمِ في عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ إلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ فإنه عَائِدٌ إلَى الْأَوَّلِ فَقَطْ وقال الْمُفَسِّرُونَ في قَوْله تَعَالَى وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إلَّا قَلِيلًا أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ من قَوْلِهِ وإذا جَاءَهُمْ أَمْرٌ من الْأَمْنِ أو الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ منهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ منهم فَهَذَا مَوْضِعُ الِاسْتِثْنَاءِ بِقَوْلِهِ إلَّا قَلِيلًا وَكَقَوْلِهِ إلَّا من خَطِفَ الْخَطْفَةَ بَعْدَ الْجُمَلِ الْمَذْكُورَةِ وهو الْأَوَّلُ وَجَعَلَ ابن جِنِّي في الْخَاطِرِيَّاتِ منه قَوْله تَعَالَى وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ في كل وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لَا يَفْعَلُونَ إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَكُونُ اسْتِثْنَاءً من الضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ في يَفْعَلُونَ وَلَوْ كان ما يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ لَا يَفْعَلُهُ إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا لَكَانَ مَدْحًا لهم وَثَنَاءً عليهم وَهَذَا ضِدُّ الْمَعْنَى هُنَا فَإِنْ قِيلَ هَلَّا كان الْكَلَامُ مَحْمُولًا على الْمَعْنَى أَيْ أَنَّهُمْ يَكْذِبُونَ إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا قِيلَ فيه شَيْئَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ تَرْكٌ لِلظَّاهِرِ الثَّانِي أَنَّ الْمَقْصُودَ ذَمُّ الشُّعَرَاءِ على الْإِطْلَاقِ صَدَقُوا أَمْ كَذَبُوا فَالْمُرَادُ أَنَّ الشُّعَرَاءَ هذه حَالَتُهُمْ إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا قال وَحِينَئِذٍ فَفِيهِ جَوَازُ الِاسْتِثْنَاءِ من الْأَوَّلِ الْأَبْعَدِ دُونَ الْآخَرِ الْأَقْرَبِ وهو حُجَّةٌ لِلشَّافِعِيِّ وهو في الظَّاهِرِ إلَى الْآنِ على أَصْحَابِنَا انْتَهَى وَمِنْهُ ما يَلْتَبِسُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَاَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مع اللَّهِ إلَهًا آخَرَ إلَى قَوْلِهِ إلَّا من تَابَ وَآمَنَ فَقَدْ يُتَخَيَّلُ أَنَّهُ من الْجُمَلِ وَإِنَّمَا هو من لَفْظِ من وهو مُفْرَدٌ
- الْخَامِسُ أَنَّهُمْ أَطْلَقُوا النَّقْلَ عن الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَوْجُودُ في كُتُبِهِمْ تَخْصِيصُ هذا الِاسْتِثْنَاءِ بِإِلَّا فَأَمَّا الِاسْتِثْنَاءُ بِالْمَشِيئَةِ نَحْوُ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَا خِلَافَ عِنْدَهُمْ في عَوْدِهِ إلَى الْجَمِيعِ ذَكَرَ ذلك أبو عَلِيٍّ الْبُخَارِيُّ في كِتَابِ مَعَانِي الْأَدَوَاتِ فقال الِاسْتِثْنَاءُ بِلَفْظِ الْمَشِيئَةِ يُسَمَّى التَّعْطِيلَ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ شَيْءٌ وَالِاسْتِثْنَاءُ بِإِلَّا يُسَمَّى التَّحْصِيلَ لِأَنَّهُ يَبْقَى بَعْدَهُ شَيْءٌ وَكَذَا وَقَعَ في كَلَامِ الْقَاضِي وَالْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ وَالْآمِدِيَّ وَأَتْبَاعِهِمْ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بِالْمَشِيئَةِ مَحَلُّ وِفَاقٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ وفي الْبُرْهَانِ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَادَّعَى بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ أبي حَنِيفَةَ يَقُولُونَ إنَّ الرَّجُلَ إذَا قال نِسْوَتِي طَوَالِقُ وَعَبِيدِي أَحْرَارٌ وَدُورِي مُحْبَسَةٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ رَاجِعٌ إلَى ما تَقَدَّمَ وما أَرَاهُمْ يُسَلِّمُونَ ذلك إنْ عَقَلُوا فَإِنْ سَلَّمُوهُ فَطَالِبُ الْقَطْعِ لَا يُغْنِي فيها التَّعَلُّقُ بِهَفَوَاتِ الْخُصُومِ وَمُنَاقَضَاتِهِمْ فَلْيَبْعُدْ طَالِبُ التَّحْقِيقِ عن مِثْلِ هذا انْتَهَى فَائِدَةٌ اُخْتُلِفَ في إنْ شَاءَ اللَّهُ هل هو اسْتِثْنَاءٌ فَظَاهِرُ كَلَامِ طَائِفَةٍ دُخُولُهُ في الِاسْتِثْنَاءِ وَمِنْهُمْ من مَنَعَهُ وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ لو قال أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ شَاءَ اللَّهُ لم يَقَعْ خِلَافًا لِمَالِكٍ وَلَوْ قال أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا وَقَعَ الثَّلَاثُ فَدَلَّ على أَنَّهُ ليس بِاسْتِثْنَاءٍ وقال الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في قَوْلِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ هل هو اسْتِثْنَاءٌ يَمْنَعُ من انْعِقَادِ الْيَمِينِ أو يَكُونُ شَرْطًا يُعَلَّقُ بِهِ فلم يَثْبُتْ حُكْمُهُ لِعَدَمِهِ على وَجْهَيْنِ وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ قُلْت وَبِهِ جَزَمَ الرَّافِعِيُّ في كِتَابِ الطَّلَاقِ ثُمَّ قال وقال الْإِمَامُ لَا يَبْعُدُ عن اللُّغَةِ تَسْمِيَةُ كل تَعْلِيقٍ اسْتِثْنَاءً وإذا قُلْنَا بِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ فَهَلْ هو حَقِيقَةٌ أو مَجَازٌ صَرَّحَ الْإِمَامُ بِالثَّانِي فقال سَمَّاهُ أَئِمَّتُنَا اسْتِثْنَاءً تَجَوُّزًا لِأَنَّهُ ثَنَّى بِمُوجِبِ اللَّفْظِ عن الْوُقُوعِ كَقَوْلِهِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ فإنه ثَنَّى اللَّفْظَ عن إيقَاعِ الثَّلَاثِ لَكِنْ سَمَّاهُ النبي عليه السَّلَامُ اسْتِثْنَاءً في قَوْلِهِ من أَعْتَقَ أو طَلَّقَ ثُمَّ اسْتَثْنَى
- فَلَهُ ثُنْيَاهُ وهو عَامٌّ في قَوْلِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَغَيْرِهِ مَسْأَلَةٌ إذَا تَعَدَّدَتْ الْجُمَلُ وَجَاءَ بَعْدَهَا ضَمِيرُ جَمْعٍ فَهُوَ رَاجِعٌ إلَى جَمِيعِهَا كما قُلْنَا في الِاسْتِثْنَاءِ نَحْوُ اُدْخُلْ على بَنِي هَاشِمٍ ثُمَّ بَنِي الْمُطَّلِبِ ثُمَّ سَائِرِ قُرَيْشٍ وَجَالِسْهُمْ وَالْزَمْهُمْ قال بَعْضُهُمْ وَلَا يَجِيءُ فيه خِلَافُ الِاسْتِثْنَاءِ لِأَنَّ مَأْخَذَ الْمُخَالِفِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَرْفَعُ بَعْضَ ما دخل في اللَّفْظِ وقال من قَصَرَهُ على الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ إنَّ الْمُقْتَضِي لِلدُّخُولِ في الْجُمَلِ السَّابِقَةِ قَائِمٌ وَالْمُخَرَّجُ مَشْكُوكٌ فيه فَلَا يَزَالُ الْمَقْضِيُّ بِالشَّكِّ وَهَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ مَوْجُودٍ في الضَّمِيرِ فإن الضَّمِيرَ اسْمٌ مَوْضُوعٌ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وهو صَالِحٌ لِلْعُمُومِ على سَبِيلِ الْجَمْعِ وَلَا مُقْتَضِي لِلتَّخْصِيصِ فَيَجِبُ حَمْلُهُ على الْعُمُومِ وَهَذَا إذَا كان الضَّمِيرُ جَمْعًا فَإِنْ كان مُفْرَدًا اخْتَصَّ بِالْأَخِيرَةِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مَذْكُورٍ فَلَوْ قُلْت أَتَانِي زَيْدٌ وَعَمْرٌو وَخَالِدٌ فَقَتَلْته لَرَجَعَ الضَّمِيرُ إلَى خَالِدٍ بِالِاتِّفَاقِ وَلَا يَرْجِعُ إلَى ما قَبْلَهُ إلَّا بِدَلِيلٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى أو لَحْمَ خِنْزِيرٍ فإنه رِجْسٌ فإن الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إلَى اللَّحْمِ لِأَنَّهُ الْمُحَدَّثُ عنه خِلَافًا لِلْمَاوَرْدِيِّ وَابْنِ حَزْمٍ حَيْثُ أَعَادَاهُ إلَى الْخِنْزِيرِ لِأَنَّ اللَّحْمَ دخل في عُمُومِ الْمَيْتَةِ هُرُوبًا من التَّكْرَارِ وَعَمَلًا بِرُجُوعِ الضَّمِيرِ إلَى الْأَقْرَبِ وهو مَرْدُودٌ بِمَا ذَكَرْنَا قال ابن حَزْمٍ في الْإِحْكَامِ وَالْإِشَارَةُ تُخَالِفُ الضَّمِيرَ في عَوْدِهَا إلَى أَبْعَدِ مَذْكُورٍ هذا حُكْمُهَا في اللُّغَةِ إذَا كانت الْإِشَارَةُ بِذَلِكَ أو تِلْكَ أو أُولَئِكَ أو هو أو هُمْ أو هُنَّ أو هُمَا فَإِنْ كانت بهذا أو هذه فَهِيَ رَاجِعَةٌ إلَى حَاضِرٍ قَرِيبٍ ضَرُورَةً قال وَهَذَا لَا خِلَافَ فيه بين اللُّغَوِيِّينَ وَلِذَلِكَ أَوْجَبْنَا أَنْ يَكُونَ الْقُرْءُ من حُكْمِ الْعِدَّةِ وهو الطُّهْرُ خَاصَّةً دُونَ الْحَيْضِ وَإِنْ كان الْقُرْءُ في اللُّغَةِ وَاقِعًا عَلَيْهِمَا سَوَاءً وَلَكِنْ لَمَّا قال مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا حتى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ التي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ
- يُطَلَّقَ لها النِّسَاءُ كَأَنَّ قَوْلَهُ تِلْكَ إشَارَةٌ تَقْتَضِي بَعِيدًا وَأَبْعَدُ مَذْكُورٍ في الحديث قَوْلُهُ تَطْهُرَ فلما تَصِحُّ بهذا الحديث أَنَّ الطُّهْرَ هو الْعِدَّةُ الْمَأْمُورُ أَنْ يُطَلَّقَ لها النِّسَاءُ صَحَّ أَنَّهُ هو الْعِدَّةُ الْمَأْمُورُ بِحِفْظِهَا لِإِكْمَالِ الْعِدَّةِ مَسْأَلَةٌ إذَا وَقَعَ بَعْدَ الْمُسْتَثْنَى منه وَالْمُسْتَثْنَى جُمْلَةٌ تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ صِفَةً لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَظَاهِرُ مَذْهَبِنَا رُجُوعُهَا إلَى الْمُسْتَثْنَى منه وَعِنْدَ أبي حَنِيفَةَ إلَى الْمُسْتَثْنَى وَيَتَخَرَّجُ على هذا ما لو قال له عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَّا مِائَةً قَضَيْته إيَّاهُ قال الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ يَكُونُ اسْتِثْنَاءً صَحِيحًا يَرْجِعُ إلَى الْمَقْضِيِّ دُونَ الْقَضَاءِ وَيَصِيرُ مُقِرًّا بِتِسْعِمِائَةٍ قد ادَّعَى قَضَاءَهَا وقال أبو حَنِيفَةَ يَكُونُ مُقِرًّا بِأَلْفٍ مُدَّعِيًا لِقَضَاءِ مِائَةٍ فَيَلْزَمُهُ الْأَلْفُ وَلَا يُقْبَلُ منه دَعْوَى الْقَضَاءِ فَجُعِلَ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَوَجِّهًا إلَى الْقَضَاءِ دُونَ الْمَقْضِيِّ الْمُخَصِّصُ الثَّانِي الشَّرْطُ قالوا وهو لُغَةً الْعَلَامَةُ وَاَلَّذِي في الصِّحَاحِ وَغَيْرِهِ من كُتُبِ اللُّغَةِ ذلك في الشَّرَطِ بِالتَّحْرِيكِ وَجَمْعُهُ أَشْرَاطٍ وَمِنْهُ أَشْرَاطُ السَّاعَةِ أَيْ عَلَامَاتُهَا وَأَمَّا الشَّرْطُ بِالتَّسْكِينِ فَجَمْعُهُ شُرُوطٌ في الْكَثِيرَةِ وَأَشْرُطٌ في الْقِلَّةِ كَفُلُوسٍ وَأَفْلُسٍ وَأَمَّا في الِاصْطِلَاحِ فَذُكِرَ فيه حُدُودٌ أَوْلَاهَا ما ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ وهو أَنَّ الشَّرْطَ ما يَلْزَمُ من عَدَمِهِ الْعَدَمُ وَلَا يَلْزَمُ من وُجُودِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ لِذَاتِهِ فَاحْتُرِزَ بِالْقَيْدِ الْأَوَّلِ من الْمَانِعِ فإنه لَا يَلْزَمُ من عَدَمِهِ شَيْءٌ وَبِالثَّانِي من السَّبَبِ فإنه يَلْزَمُ من وُجُودِهِ الْوُجُودُ وَبِالثَّالِثِ مُقَارَنَةُ الشَّرْطِ وُجُودَ السَّبَبِ فَيَلْزَمُ الْوُجُودُ أو وُجُودَ الْمَانِعِ فَيَلْزَمُ الْعَدَمُ لَكِنْ ليس ذلك لِذَاتِهِ بَلْ لِوُجُودِ السَّبَبِ وَالْمَانِعِ قال ابن الْقُشَيْرِيّ وَالشَّرْطُ لَا يَتَخَصَّصُ بِالْوُجُودِ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَدَمًا لِأَنَّا كما نَشْتَرِطُ في قِيَامِ السَّوَادِ بِمَحَلِّهِ وُجُودَ مَحَلِّهِ
- يُشْتَرَطُ عَدَمُ ضِدِّهِ وَيُشْتَرَطُ عَدَمُ الْقَدْرِ على اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ في صِحَّةِ التَّيَمُّمِ هل لِلشَّرْطِ دَلَالَةٌ في جَانِبِ الْإِثْبَاتِ وَقَعَ في بَابِ الْقِيَاسِ من الْبُرْهَانِ أَنَّ لِلشَّرْطِ دَلَالَتَيْنِ إحْدَاهُمَا مُصَرَّحٌ بها وَهِيَ إثْبَاتُ الْمَشْرُوطِ عِنْدَ ثُبُوتِ الشَّرْطِ وَالْأُخْرَى ضِمْنِيَّةٌ وَهِيَ الِانْتِفَاءُ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ غَيْرُهُ من الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الشَّرْطَ لَا دَلَالَةَ له في جَانِبِ الْإِثْبَاتِ بِحَالٍ وَإِنَّمَا يَدُلُّ في جَانِبِ الِانْتِفَاءِ خَاصَّةً وَلَوْ صَحَّ ما قَالَهُ لم يَظْهَرْ فَرْقٌ بين الْعِلَّةِ وَالشَّرْطِ وَأَمَّا تَمَسُّكُ الْإِمَامِ بِقَوْلِ الْقَائِلِ إنْ جِئْتنِي أَكْرَمْتُك فَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنَّهُ إذَا جاء اسْتَحَقَّ الْإِكْرَامَ لَكِنْ هل ذلك لِوُجُودِ الشَّرْطِ أو لِأَجْلِ الْإِكْرَامِ الْمَوْقُوفِ على الشَّرْطِ وَكَذَلِكَ لو قال إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإِنَّهَا إذَا دَخَلَتْ الدَّارَ تَطْلُقُ لَا لِاقْتِضَاءِ الشَّرْطِ ذلك بَلْ لِلِالْتِزَامِ وَالْإِيقَاعِ من جِهَةِ الْمُطَلِّقِ وَهَذَا بِالنَّظَرِ إلَى وَضْعِ اللُّغَةِ وَأَمَّا بِالنَّظَرِ إلَى الْفِقْهِ فَدُخُولُ الدَّارِ ليس هو سَبَبُ الطَّلَاقِ إذْ لَا يُنَاسِبُ ذلك وَإِنَّمَا السَّبَبُ تَطْلِيقُ الزَّوْجِ الْمَوْقُوفُ على الدُّخُولِ وقد طَوَّلَ الْإِبْيَارِيُّ معه الْكَلَامَ في ذلك وَرَدَّ عليه أبو الْعَبَّاسِ بن الْمُنَيِّرِ وقال قال الْإِمَامُ إنَّ الشَّرْطَ يَدُلُّ في جَانِبِ الْإِثْبَاتِ صَرِيحًا وفي جَانِبِ النَّفْيِ ضِمْنًا وما حَمَلَهُ على ذلك إلَّا رُؤْيَتُهُ الْعِلَلَ تُسْتَعْمَلُ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ كَثِيرًا فَاعْتَقَدَ أَنَّ الشَّرْطَ اللُّغَوِيَّ عِلَّةٌ قال وهو عِنْدِي أَعْذَرُ مِمَّنْ رَدَّ عليه فإن الذي رَدَّ عليه زَعَمَ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ شَرْطٌ حَقِيقَةً قال وَالْعِلَّةُ الْمُوجِبَةُ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ إنَّمَا هِيَ إيقَاعُ الزَّوْجِ عِنْدَ الشَّرْطِ وَإِلَّا فَالدُّخُولُ ليس عِلَّةً لِلطَّلَاقِ شَرْعًا وَهَذَا الرَّدُّ وَهْمٌ من جِهَةِ أَنَّ الدُّخُولَ وَإِنْ كان ليس عِلَّةً لِلطَّلَاقِ شَرْعًا ابْتِدَاءً لَكِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً له بِوَضْعِ الْمُطَلِّقِ وَغَرَضِهِ لِأَنَّهُ قد فَوَّضَ الشَّرْعُ إلَيْهِ في إيقَاعِ الطَّلَاقِ بِلَا سَبَبٍ فَيَلْزَمُ أَنْ يُفَوِّضَ إلَيْهِ في وَضْعِ الْأَشْيَاءِ أَسْبَابًا وَلِهَذَا لَا يُعَلَّقُ الطَّلَاقُ غَالِبًا إلَّا على وَصْفٍ مُشْتَمِلٍ على حِكْمَةٍ عِنْدَهُ مِثْلُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الدَّارُ عَوْرَةً أو فيها ما يُنَافِي غَرَضَهُ فإذا ارْتَكَبَتْ الزَّوْجَةُ ذلك نَاسَبَ الْفِرَاقَ في غَرَضِهِ وَقَصْدِهِ وَكَمَا أَنَّ الطَّلَاقَ غَيْرُ مَشْرُوطٍ شَرْعًا بِدُخُولِ الدَّارِ وقد صَارَ عِنْدَ هذا الْقَائِلِ مَشْرُوطًا بِوَضْعِ الْمُعَلَّقِ فَلَا مَانِعَ من أَنْ يَكُونَ غير مُعَلَّلٍ شَرْعًا وَيَصِيرُ مُعَلَّلًا بِوَضْعِ الْمُطْلَقِ فِعْلًا يَقْتَضِيهِ وَلِهَذَا لو قال
- أَنْتِ طَالِقٌ أَنْ دَخَلْت الدَّارَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَقَصَدَ ذلك وكان فَصِيحًا طَلُقَتْ في الْحَالِ وكان الدُّخُولُ عِلَّةً لِلطَّلَاقِ لَا شَرْطًا وَفِيهِ مَسَائِلُ الْأُولَى أَنَّهُ يَنْقَسِمُ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ شَرْعِيٌّ كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ فَيَلْزَمُ من وُجُودِ الصَّلَاةِ وُجُودُ الطَّهَارَةِ وَلَا يَلْزَمُ من وُجُودِ الطَّهَارَةِ وُجُودُ الصَّلَاةِ وَعَقْلِيٌّ كَالْحَيَاةِ لِلْعِلْمِ فَيَلْزَمُ من وُجُودِ الْعِلْمِ وُجُودُ الْحَيَاةِ وَلَا يَلْزَمُ من وُجُودِ الْحَيَاةِ وُجُودُ الْعِلْمِ وَعَادِيٌّ كَالسُّلَّمِ مع صُعُودِ السَّطْحِ فَيَلْزَمُ من صُعُودِ السَّطْحِ وُجُودُ نَصْبِ السُّلَّمِ وَلَا يَلْزَمُ من نَصْبِ السُّلَّمِ صُعُودُ السَّطْحِ وَلُغَوِيٌّ مِثْلُ التَّعْلِيقَاتِ نَحْوُ إنْ قُمْت وَنَحْوُ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَالْمُخْتَصُّ الْمُتَّصِلُ الذي الْكَلَامُ فيه إنَّمَا هو اللُّغَوِيُّ وَالشُّرُوطُ اللُّغَوِيَّةُ أَسْبَابٌ وِفَاقًا لِلْغَزَالِيِّ وَالْقَرَافِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا من الشُّرُوطِ وَلِهَذَا تَقُولُ النُّحَاةُ في الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ بِسَبَبِيَّةِ الْأَوَّلِ وَمُسَبِّبِيَّةِ الثَّانِي وَيَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَهَا بِتَبَيُّنِ حَقِيقَةِ السَّبَبِ وَالشَّرْطِ وَالْمَانِعِ الْفَرْقُ بين الشَّرْطِ وَالسَّبَبِ وَالْمَانِعِ فَالسَّبَبُ هو الذي يَلْزَمُ من وُجُودِهِ الْوُجُودُ وَمِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ لِذَاتِهِ وَالْمَانِعُ هو الذي يَلْزَمُ من وُجُودِهِ الْعَدَمُ وَلَا يَلْزَمُ من عَدَمِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ لِذَاتِهِ وَحِينَئِذٍ فَالْمُعْتَبَرُ في الْمَانِعِ وُجُودُهُ وفي الشَّرْطِ عَدَمُهُ وفي السَّبَبِ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ وَمِثَالُهُ الزَّكَاةُ فَالسَّبَبُ النِّصَابُ وَالْحَوْلُ شَرْطٌ وَالدَّيْنُ مَانِعٌ عِنْدَ من يَرَاهُ مَانِعًا وَإِذْ وَضَحَتْ الْحَقِيقَةُ ظَهَرَ أَنَّ الشُّرُوطَ اللُّغَوِيَّةَ أَسْبَابٌ بِخِلَافِ غَيْرِهَا من الشُّرُوطِ الْعَقْلِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ وَالْعَادِيَّةِ فإنه يَلْزَمُ من عَدَمِهَا الْعَدَمُ في الْمَشْرُوطِ وَلَا يَلْزَمُ من وُجُودِهَا وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ فَقَدْ تُوجَدُ الشُّرُوطُ عِنْدَ وُجُودِهَا كَمُوجِبِ الزَّكَاةِ عِنْدَ الْحَوْلِ الذي هو شَرْطٌ وقد يُقَارِنُ الدَّيْنَ فَيَمْتَنِعُ الْوُجُوبُ وَأَمَّا الشُّرُوطُ اللُّغَوِيَّةُ التي هِيَ التَّعَالِيقُ نَحْوُ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ يَلْزَمُ من الدُّخُولِ الطَّلَاقُ وَمِنْ عَدَمِهِ عَدَمُهُ إلَّا أَنْ يَخْلُفَهُ سَبَبٌ آخَرُ وَحِينَئِذٍ فَإِطْلَاقُ لَفْظِ الشَّرْطِ على الْجَمِيعِ إمَّا بِالِاشْتِرَاكِ أو الْحَقِيقَةِ في وَاحِدٍ وَالْمَجَازِ في الْبَوَاقِي أو بِالتَّوَاطُؤِ إذْ بَيْنَهُمَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ وهو مُجَرَّدُ تَوَقُّفِ الْوُجُودِ على الْوُجُودِ وَيَفْتَرِقَانِ فِيمَا عَدَا ذلك ثُمَّ الشَّرْطُ اللُّغَوِيُّ يَمْتَازُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ إمْكَانُ التَّعْوِيضِ عنه وَالْإِخْلَافُ
- وَالْبَدَلُ كما إذَا قال لها إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ثُمَّ يقول لها أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَيَقَعُ الثَّلَاثُ بِالْإِنْشَاءِ بَدَلًا عن الْمُعَلَّقَةِ وَكَمَا إذَا قال إنْ رَدَدْت عَبْدِي فَلَكَ هذا الدِّرْهَمُ ثُمَّ يُعْطِيهِ إيَّاهُ قبل رَدِّ الْعَبْدِ هِبَةً فَتَخْلُفُ الْهِبَةُ اسْتِحْقَاقَهُ إيَّاهُ بِالرَّدِّ وَيُمْكِنُ إبْطَالُ شَرْطِيَّتِهِ كما إذَا نَجَّزَ الطَّلَاقَ أو اتَّفَقَا على فَسْخِ الْجَعَالَةِ وَالشُّرُوطُ الشَّرْعِيَّةُ لَا يَقْتَضِي وُجُودُهَا وُجُودًا وَلَا تَقْبَلُ الْبَدَلَ وَلَا الْإِخْلَافَ وَيُمْكِنُ قَبُولُهَا الْإِبْطَالَ فإن الشَّرْعَ قد يُبْطِلُ شَرْطِيَّةَ الطَّهَارَةِ لِلْعُذْرِ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ في صِيغَتِهِ وَهِيَ إنْ وَهِيَ أُمُّ الْأَدَوَاتِ لِأَنَّهَا لَا تَخْرُجُ عن الشَّرْطِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا وَهِيَ لِلتَّوَقُّعِ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ وإذا وَهِيَ لِلْمُحَقَّقِ كَقَوْلِهِ أنت حُرٌّ إذَا احْمَرَّ الْبُسْرُ وقد يُسْتَعْمَلُ في التَّوَقُّعِ كَإِنْ مَجَازًا يَجِيءُ شَرْطًا من الْأَسْمَاءِ من وما وَأَيُّ وَمَهْمَا وَمِنْ الظُّرُوفِ أَيْنَ وَأَنَّى وَمَتَى وَحَيْثُمَا وَأَيْنَمَا وَمَتَى وما وَكَيْفَ يُجَازِي بها مَعْنًى لَا عَمَلًا خِلَافًا لِلْكُوفِيِّينَ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ من حَقِّ الشَّرْطِ أَنْ لَا يَدْخُلَ إلَّا على الْمُنْتَظَرِ لِأَنَّ ما انْقَضَى لَا يَصِحُّ الشَّرْطُ فيه وَلِهَذَا كانت الْأَفْعَالُ الْوَاقِعَةُ بَعْدَ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ مُسْتَقْبَلَةً أَبَدًا سَوَاءٌ كان لَفْظُهَا مَاضِيًا مُضَارِعًا إلَّا أَنْ تَدْخُلَ الْفَاءُ فإن الْفِعْلَ يَكُونُ على حَسَبِ لَفْظِهَا ما هو نَحْوُ إنْ يَقُمْ زَيْدٌ فَقَدْ أَكْرَمْته فَإِنْ لم يَكُنْ فَاءٌ فَالْأَمْرُ على ما قُلْنَاهُ إلَّا في كان وَحْدَهَا فإن الْمُبَرِّدَ نُقِلَ عنه أنها تَبْقَى على مُضِيِّهَا فَتَقُولُ إنْ كان زَيْدٌ قَائِمًا قُمْتُ وكان مَاضِيَةٌ وَاحْتَجَّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى إنْ كنت قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتُهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَإِذْ قال اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ قد كان وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أنها مُسْتَغْرِقَةٌ لِلزَّمَانِ أَلَا تَرَى أنها لَا تَخُصُّ زَمَانًا دُونَ غَيْرِهِ وَزَعَمَ ابن السَّرَّاجِ أَنَّ الْمُبَرِّدَ احْتَجَّ بِالْآيَةِ قال وَفِيهَا نَظَرٌ فلم يَجْزِمْ ولم يَجْعَلْ الْآيَةَ قَطْعِيَّةً في الْمَقْصُودِ وَالصَّحِيحُ عَدَمُ خُرُوجِهَا عن سَائِرِ الْأَفْعَالِ وَنَزَّلَ الْآيَةَ على أَنَّ إنْ دَخَلَتْ على فِعْلٍ مَحْذُوفٍ مُسْتَقْبَلٍ إمَّا على إضْمَارِ يَكُنْ أَيْ إنْ يَكُنْ قُلْته وَإِمَّا على إضْمَارِ الْقَوْلِ أَيْ إنْ أَكُنْ فِيمَا اسْتَقْبَلَ كُنْت قُلْتُهُ أَيْ مَوْصُوفًا بهذا أو إنْ أَقُلْ كنت قُلْتُهُ وَالصَّحِيحُ عِنْدَ ابْنِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ الشَّرْطَ لَا يَكُونُ غير مُسْتَقْبَلِ الْمَعْنَى
- بِلَفْظِ كان وَغَيْرِهَا إلَّا مُؤَوَّلًا لَكِنْ ما قَالَهُ مُسْتَدْرَكٌ بِلَوْ وَلَمَّا الشَّرْطِيَّتَيْنِ فإن الْفِعْلَ بَعْدَهَا لَا يَكُونُ إلَّا مَاضِيًا وقال أبو نَصْرِ بن الْقُشَيْرِيّ الْمَشْرُوطُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَشْرُوطًا في الِاسْتِقْبَالِ نَقُولُ لَا أَضْرِبُ زَيْدًا حتى يَقُومَ عَمْرٌو وَلَا يَحْسُنُ لَا أَضْرِبُ زَيْدًا بِالْأَمْسِ حتى يَقُومَ عَمْرٌو فَأَمَّا الشَّرْطُ فَقَالُوا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَرْقُوبًا في الِاسْتِقْبَالِ قال الْقَاضِي وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ قد يَقَعُ الشَّرْطُ كَائِنًا في الْحَالِ غير مُسْتَقْبَلٍ فَيَحْسُنُ أَنْ تَقُولَ إنْ كان زَيْدٌ الْيَوْمَ رَاكِبًا يَرْكَبُ غَدًا فَيُوَافِقُ وُجُودَ الشَّرْطِ لِفِعْلِك وَيَتَقَدَّمُ على الْمَشْرُوطِ قال ابن الْقُشَيْرِيّ وَهَذَا نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ لِأَنَّ هذا الْقَوْلَ لَا يَحْسُنُ إذْ مُخَاطِبُك يَعْرِفُ أَنَّ زَيْدًا الْيَوْمَ رَاكِبٌ وَكَذَلِكَ إنْ لم يَعْرِفْ وَإِنَّمَا يَحْسُنُ عِنْدَ الْجَهْلِ فَكَأَنَّك قُلْت إنْ كان أَوْضَحَ لنا أَنَّ زَيْدًا رَاكِبٌ قُمْتَ غَدًا فَهَذَا الشَّرْطُ إذَنْ على الْحَقِيقَةِ مَرْقُوبٌ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ من أَحْكَامِهِ إخْرَاجُ ما لَوْلَاهُ عُلِمَ إخْرَاجُهُ كَأَكْرِمْ زَيْدًا إنْ اسْتَطَعْت أَوَّلًا كَأَكْرِمْهُ إنْ قام ثُمَّ قد يُوجَدُ دَفْعَةً كَالتَّعْلِيقِ على وُقُوعِ الطَّلَاقِ فَالْحُكْمُ عِنْدَ أَوَّلِ وُجُودِهِ وقد يُوجَدُ على التَّعَاقُبِ كَالْحَرَكَةِ وَالْكَلَامِ فَعِنْدَ آخِرِ جُزْءٍ إذْ الْعُرْفُ بِوُجُودِهِ حِينَئِذٍ وقد يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ على الْوَجْهَيْنِ كَالطَّهَارَةِ لِمَنْ نَوَى وهو مُنْغَمِسٌ في الْمَاءِ وَلِمَنْ تَوَضَّأَ نَاوِيًا وَقُلْنَا بِتَفْرِيقِ الِارْتِفَاعِ فَالْحُكْمُ عِنْدَ وُجُودِ دَفْعَةٍ إذْ يُمْكِنُ أَنْ يُعَدَّ وُجُودُهُ حَقِيقَةً وَلَا تَحَقُّقَ لِوُجُودِهِ إلَّا كَذَلِكَ بِخِلَافِ الْقِسْمِ الثَّانِي الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ الشَّرْطُ وَالْمَشْرُوطُ قد يَتَّحِدَانِ نَحْوُ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وقد يَتَعَدَّدُ الشَّرْطُ وَيَتَّحِدُ الْمَشْرُوطُ بِأَنْ يَكُونَ لِلْمَشْرُوطِ الْوَاحِدِ شَرْطَانِ فَإِنْ كَانَا على الْجَمْعِ لم يَحْصُلْ الْمَشْرُوطُ إلَّا بِحُصُولِهِمَا مَعًا كَقَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَكَلَّمْت زَيْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَإِنْ كان على الْبَدَلِ حَصَلَ الْمَشْرُوطُ بِحُصُولِ أَحَدِهِمَا كَقَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ أو كَلَّمْت زَيْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ قال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَمَتَى زِيدَ في شَرْطِهِ زِيدَ في تَخْصِيصِهِ لَا مَحَالَةَ فإنه يَحُطُّهُ في كل دَفْعَةٍ عن رُتْبَةِ الْإِطْلَاقِ قال وَيَنْشَأُ من جَوَازِ مَشْرُوطٍ لِمَشْرُوطٍ أَنْ لَا يُشْعِرَ انْتِفَاءُ الشَّرْطِ
- بِانْعِكَاسِ حُكْمِ الْمَشْرُوطِ إلَّا في الْعُمُومِ وقد يَتَعَدَّدُ الْمَشْرُوطُ وَيَتَّحِدُ الشَّرْطُ بِأَنْ يَكُونَ لِلشَّرْطِ الْوَاحِدِ مَشْرُوطَاتٌ فَإِمَّا على الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ إنْ زَنَيْت جَلَدْتُك وَعَزَّرْتُك فإذا حَصَلَ الزِّنَى حَصَلَ اسْتِحْقَاقُ الْأَمْرَيْنِ وَإِمَّا على الْبَدَلِ كَقَوْلِهِ جَلَدْتُك أو عَزَّرْتُك وَالْمُحَقَّقُ أَحَدُهُمَا الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ لَا يُشْتَرَطُ في الشَّرْطِ أَنْ يَكُونَ مُتَأَخِّرًا عن الْمَشْرُوطِ في اللَّفْظِ حتى يَكُونَ كَالِاسْتِثْنَاءِ بَلْ الْأَصْلُ تَقْدِيمُهُ لِأَنَّهُ مُتَقَدِّمٌ في الْوُجُودِ وَلِأَنَّهُ قِسْمٌ من الْكَلَامِ فَكَانَ له الصَّدْرُ كَالِاسْتِفْهَامِ وَالتَّمَنِّي وَيَجُوزُ تَأَخُّرُهُ لَفْظًا كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ قال في الْمَحْصُولِ وَلَا نِزَاعَ في جَوَازِ تَقْدِيمِهِ وَتَأْخِيرِهِ وَإِنَّمَا النِّزَاعُ في الْأَوْلَى وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْأَحْرَى هو التَّقْدِيمُ خِلَافًا لِلْفَرَّاءِ قُلْت قَوْلُهُ لَا نِزَاعَ في تَقْدِيمِهِ وَتَأْخِيرِهِ مَرْدُودٌ فَمَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّ الشَّرْطَ له صَدْرُ الْكَلَامِ كَالِاسْتِفْهَامِ فَلَا يَتَقَدَّمُ عليه الْجَوَابُ فَإِنْ تَقَدَّمَ عليه شُبِّهَ بِالْجَوَابِ وَلَيْسَ بِجَوَابٍ وَجَوَّزَهُ الْكُوفِيُّونَ فَنَحْوُ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ تَقْدِيرُهُ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَلَا تَقْدِيرَ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ بَلْ هو جَوَابٌ مُقَدَّمٌ من تَأْخِيرٍ وَرَدٍّ بِأَنَّهُ لو كان كَذَلِكَ لَمَا افْتَرَقَ الْمَعْنَيَانِ وَهُمَا مُفْتَرِقَانِ فَفِي التَّقْدِيمِ مَبْنَى الْكَلَامِ على الْجَزْمِ ثُمَّ طَرَأَ التَّوَقُّفُ وفي التَّأْخِيرِ مَبْنَى الْكَلَامِ من أَوَّلِهِ على الشَّرْطِ وَبِهَذَا يَظْهَرُ قَوْلُ الْإِمَامِ إنَّ الْأَوْلَى تَقْدِيمُ الشَّرْطِ وما حَكَاهُ عن الْفَرَّاءِ غَرِيبٌ وقال الصَّفِيُّ في صِحَّةِ النَّقْلِ نَظَرٌ وَإِنْ صَحَّ النَّقْلُ فَضَعْفُهُ بَيِّنٌ وقال شَارِحُ اللُّمَعِ يَجُوزُ أَنْ يَتَقَدَّمَ الشَّرْطُ في اللَّفْظِ كما يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ قِيَاسًا على الِاسْتِثْنَاءِ على الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بين قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَبَيْنَ قَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ قال وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَقْصِدَ إلَى الشَّرْطِ فَإِنْ جاء بِهِ على جِهَةِ الْعَادَةِ لم يَصِحَّ على الْمَشْهُورِ وفي الْوَقْتِ الذي يُعْتَبَرُ فيه الْقَصْدُ وَجْهَانِ كَالِاسْتِثْنَاءِ قُلْت لو قال لِزَوْجَتِهِ طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا إنْ شِئْت فَطَلَّقَتْ وَاحِدَةً يَقَعُ وَلَوْ قال إنْ شِئْت طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا فَطَلَّقَتْ وَاحِدَةً قال ابن الْقَاصِّ لَا يَقَعُ شَيْءٌ وَوَافَقَهُ الْأَصْحَابُ وكان يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ وَاحِدَةٌ لِجَوَازِ تَقَدُّمِ الشَّرْطِ وَتَأَخُّرِهِ
- الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ قد يَرِدُ الْكَلَامُ عَرِيًّا عن الشَّرْطِ مع كَوْنِهِ مُرَادًا فيه وَيُبَيَّنُ في مَوْضِعٍ آخَرَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذَا دَعَانِ فإنه مُقَيَّدٌ بِقَوْلِهِ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شَاءَ الشَّرْطُ مُخَصِّصٌ لِلْأَحْوَالِ لَا لِلْأَعْيَانِ الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ نَقَلَ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ عن الشَّرِيفِ الْمُرْتَضَى مَنْعَ كَوْنِ الشَّرْطِ يَدُلُّ على التَّخْصِيصِ وقال الشَّرْطُ لَا يُؤَثِّرُ في زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ وَلَا يَجْرِي مَجْرَى الِاسْتِثْنَاءِ وَالصِّفَةِ وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ فقال لَا يَجْرِي مَجْرَى الِاسْتِثْنَاءِ في التَّخْصِيصِ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ تَقْلِيلٌ في الْعَدَدِ قَطْعًا بِخِلَافِ الشَّرْطِ لِأَنَّ قَوْلَك أَعْطِ الْقَوْمَ إنْ دَخَلُوا الدَّارَ لَا يُقْطَعُ بِأَنَّ بَعْضَهُمْ خَارِجٌ من الْعَطِيَّةِ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ الْكُلُّ فَيَسْتَحِقُّوا الْعَطِيَّةَ فَإِذَنْ الشَّرْطُ غَيْرُ مُخَصِّصٍ لِلْأَشْخَاصِ وَالْأَعْيَانِ كَالِاسْتِثْنَاءِ وَإِنَّمَا هو مُخَصِّصٌ لِأَحْوَالٍ من حَيْثُ إنَّ الْأَمْرَ بِالْعَطِيَّةِ لو كان مُطْلَقًا لَا يَسْتَحِقُّونَهَا على كل حَالٍ فإذا شُرِطَ بِدُخُولِ الدَّارِ يُخَصَّصُ بِتِلْكَ الْحَالِ التي هِيَ دُخُولُ الدَّارِ قال وَذَكَرَ الْقَاضِي عبد الْجَبَّارِ أَنَّ الشَّرْطَ بِ إنْ يُخَصِّصُ ما دَخَلَهُ إلَّا أَنْ يَدْخُلَ لِلتَّأْكِيدِ فَلَا كَقَوْلِهِ إنْ تَطَهَّرْت فَصَلِّ لِأَنَّهُ ليس بِشَرْطٍ في التَّحْقِيقِ انْتَهَى وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الشَّرْطَ من الْمُخَصِّصَاتِ مُطْلَقًا لِأَنَّ الْجَزَاءَ وَالشَّرْطَ جُمْلَتَانِ صَيَّرَهُمَا حَرْفُ الشَّرْطِ كَلَامًا وَاحِدًا فَيَتَقَيَّدُ إحْدَاهُمَا بِقَيْدِ الْأُخْرَى وَتَخْصِيصُهَا بِالِاسْتِثْنَاءِ كَذَلِكَ وَبِذَلِكَ أَشْبَهَ الشَّرْطُ الِاسْتِثْنَاءَ فإذا قُلْت أَكْرِمْ بَنِي فُلَانٍ إنْ كَانُوا عُلَمَاءَ صَارَ كَقَوْلِك أَكْرِمْ بَنِي فُلَانٍ إلَّا أَنْ يَكُونُوا جُهَّالًا وَكَذَا إذَا قال من جَاءَك من الناس فَأَكْرِمْهُ وَمَنْ دخل الْكَعْبَةَ فَهُوَ آمِنٌ غير أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا بُدَّ فيه من إخْرَاجٍ كما تَقَدَّمَ وَالشَّرْطُ يُقَيَّدُ فَلَا يُشْتَرَطُ فيه الْإِخْرَاجُ إلَّا على ما سَبَقَ ذِكْرُهُ وقال ابن الْفَارِضِ في النُّكَتِ الِاسْتِثْنَاءُ يُخْرِجُ الْأَعْيَانَ وَالشَّرْطُ يُخْرِجُ الْأَحْوَالَ وقال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ من حَقِّ الشَّرْطِ أَنْ يَخُصَّ الْمَشْرُوطَ وَلَيْسَ من حَقِّهِ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ وقال الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ إنَّمَا يَكُونُ الشَّرْطُ لِلتَّخْصِيصِ إذَا لم يَقُمْ دَلِيلٌ على خِلَافِهِ وَإِلَّا فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ وَيُصْرَفُ بِالدَّلِيلِ عَمَّا وُضِعَ له من الْحَقِيقَةِ إلَى الْمَجَازِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَاَللَّائِي يَئِسْنَ من الْمَحِيضِ من نِسَائِكُمْ إنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ وَحُكْمُهَا
- في الْعِدَّةِ مع وُجُودِ الرِّيبَةِ وَعَدَمِهَا سَوَاءٌ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ يَكُونُ تَخْصِيصًا إلَّا أَنْ يَقَعَ مَوْقِعَ التَّأْكِيدِ أو غَالِبُ الْحَالِ يُصْرَفُ بِالدَّلِيلِ عن حُكْمِ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ إنْ خِفْتُمْ فإن الْخَوْفَ تَأْكِيدٌ لَا شَرْطٌ وَقَوْلُهُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لم تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ لَا خِلَافَ في وُجُوبِ اتِّصَالِ الشَّرْطِ في الْكَلَامِ وَإِنْ اخْتَلَفَ في الِاسْتِثْنَاءِ وَلَا خِلَافَ في أَنَّهُ يَجُوزُ تَقَيُّدُ الْكَلَامِ بِشَرْطٍ يَكُونُ الْخَارِجُ بِهِ أَكْثَرَ من الْبَاقِي وَلَا يَأْتِي فيه الْخِلَافُ في الِاسْتِثْنَاءِ قَالَهُ الْإِمَامُ قال الْهِنْدِيُّ وَهَذَا يَجِبُ تَنْزِيلُهُ على ما عُلِمَ أَنَّهُ كَذَلِكَ وَأَمَّا ما يُجْهَلُ فيه الْحَالُ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَيَّدَ وَلَوْ بِشَرْطٍ لَا يَبْقَى من مَدْلُولَاتِهِ شَيْءٌ كَقَوْلِك أَكْرِمْ من يَدْخُلُ الدَّارَ إنْ أَكْرَمَك وَإِنْ اتَّفَقَ أَنَّ أَحَدًا منهم لم يُكْرِمْهُ الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ اخْتَلَفُوا في الْجُمَلِ الْمُتَعَاطِفَةِ إذَا تَعَقَّبَهَا شَرْطٌ هل يَرْجِعُ إلَى الْجَمِيعِ أو يَخْتَصُّ بِالْأَخِيرَةِ على طَرِيقَيْنِ أَحَدُهُمَا على قَوْلَيْنِ وَمِمَّنْ حَكَاهَا الصَّيْرَفِيُّ في كِتَابِهِ الدَّلَائِلِ فقال اخْتَلَفَ أَهْلُ اللُّغَةِ في ذلك فقال قَوْمٌ يَرْجِعُ إلَى ما يَلِيهِ حتى يَقُومَ دَلِيلٌ على إرَادَةِ الْكُلِّ وقال قَوْمٌ بَلْ يَرْجِعُ إلَى الْكُلِّ حتى يَقُومَ دَلِيلُ إرَادَةِ الْبَعْضِ ثُمَّ اخْتَارَ الصَّيْرَفِيُّ رُجُوعَهُ إلَى الْكُلِّ لِأَنَّ الشَّرْطَ وَقَعَ في آخِرِ الْكَلَامِ فلم يَكُنْ آخِرَ الْمَعْطُوفَاتِ أو بِهِ من غَيْرِهِ فَأُمْضِيَ على عُمُومِهِ وَحَكَى الْغَزَالِيُّ عن الْأَشْعَرِيَّةِ عَدَمَ عَوْدِهِ إلَى الْجَمِيعِ قال ابن الْفَارِضِ الْمُعْتَزِلِيُّ في النُّكَتِ الذي في كُتُبِ عُلَمَائِنَا كَثِيرًا رُجُوعُهُ إلَى الْجَمِيعِ وَيُفَرِّقُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ وَمِنْهُمْ من سَوَّى بَيْنَهُمَا في رَدِّهِ إلَى الْجَمِيعِ قال وَوَجَدْت بَعْضَ الْأُدَبَاءِ يُسَوِّي بَيْنَهُمَا في الرُّجُوعِ إلَى ما يَلِيهِمَا وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ الْقَطْعُ بِعَوْدِهِ إلَى الْجَمِيعِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الشَّرْطَ مَنْزِلَتُهُ التَّقَدُّمُ على الْمَشْرُوطِ فإذا أُخِّرَ لَفْظًا كان كَالْمَصْدَرِ في الْكَلَامِ وَلَوْ صَدَرَ لَتَعَلَّقَ بِالْجَمِيعِ فَكَذَا الْمُتَأَخِّرُ وَعَلَى هذا جَرَى ابن مَالِكٍ في بَابِ الِاسْتِثْنَاءِ من شَرْح التَّسْهِيلِ فقال وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ على تَعَلُّقِ الشَّرْطِ بِالْجَمِيعِ في نَحْوِ لَا تَصْحَبْ زَيْدًا وَلَا تَزُرْهُ وَلَا تُكَلِّمْهُ إنْ ظَلَمَنِي وَاخْتَلَفُوا في الِاسْتِثْنَاءِ انْتَهَى وهو ما أَوْرَدَهُ الْقَفَّالُ وَالْمَاوَرْدِيُّ قَالَا إلَّا أَنْ
- يَخُصَّهُ دَلِيلٌ وَنَقَلَ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ فيه اتِّفَاقَ أَصْحَابِنَا لَكِنْ في كُتُبِ الْفُرُوعِ عن ابْنِ الْحَدَّادِ إذَا قال أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَثَلَاثًا إنْ دَخَلْت الدَّارَ أَنَّ الشَّرْطَ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَخِيرَةِ وَنَقَلَ أَصْحَابُ الْمُعْتَمَدِ وَالْمَصَادِرِ والمحصول وِفَاقَ أبي حَنِيفَةَ لنا على ذلك لَكِنَّ الْقَاضِيَ ابْنَ كَجٍّ وَالْمَاوَرْدِيَّ حَكَيَا عن أبي حَنِيفَةَ اخْتِصَاصَهُ بِالْأَخِيرَةِ على قَاعِدَتِهِ في الِاسْتِثْنَاءِ قال الْمَاوَرْدِيُّ وهو غَلَطٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ إلَى قَوْلِهِ فَمَنْ لم يَجِدْ فَهُوَ عَائِدٌ إلَى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ لَا إلَى الرَّقَبَةِ وَمَثَّلَ الْقَفَّالُ وَالصَّيْرَفِيُّ لِتَخْصِيصِهِ بِبَعْضِ الْمَعْطُوفَاتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي في حُجُورِكُمْ من نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لم تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فإن الشَّافِعِيَّ قَصَرَ الشَّرْطَ على الرَّبَائِبِ دُونَ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ لِدَلِيلٍ قام عِنْدَهُ في ذلك لَا يَصْلُحُ رَدُّهُ إلَى الْأُمَّهَاتِ لِأَنَّ الشَّرْطَ لو اقْتَرَنَ بِهِ لم يَسْتَقِمْ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لو قِيلَ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ لم يَكُنْ لِلْكَلَامِ مَعْنًى لِأَنَّ أُمَّهَاتِ نِسَائِنَا أُمَّهَاتُ أَزْوَاجِنَا وَهِيَ نِسَاؤُكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ من أَزْوَاجِكُمْ فَكَيْفَ تَرَوْنَ أُمَّهَاتِ أَزْوَاجِنَا من أَزْوَاجِنَا اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ وفي هذا بَيَانُ أَنَّ قَوْلَهُ من نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ وَصْفٌ لِلرَّبِيبَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يُقَالَ هذه رَبِيبَةٌ لِامْرَأَةٍ لي قد دَخَلْتُ بها وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُقَالَ هذه أُمُّ امْرَأَتِي من امْرَأَةٍ لم أَدْخُلْ بها وَلِهَذَا بَطَلَ رُجُوعُهُ إلَى الْأُولَى وَإِنَّمَا يَرْجِعُ الِاسْتِثْنَاءُ وَالشَّرْطُ إلَى جَمِيعِ ما سَبَقَ إذَا صَلُحَ أَنْ يُذْكَرَ مَقْرُونًا بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كما سَبَقَ انْتَهَى كَلَامُ الْقَفَّالِ وَشَرَطَ ابن الْقُشَيْرِيّ لِلْعَوْدِ إلَى الْجَمِيعِ ما سَبَقَ في الِاسْتِثْنَاءِ فقال إذَا كان الْخِطَابُ على جُمَلٍ منها مُسْتَقِلٍّ وَلَوْ نِيطَتْ وَاحِدَةٌ منها بِشَرْطٍ لم يَقْتَضِ تَعَلُّقُهُ بِالْكُلِّ وَكَذَا إذَا تَوَالَتْ أَلْفَاظٌ عَامَّةٌ يَثْبُتُ الْمُخَصِّصُ في بَعْضِهَا لم يُوجِبْ التَّخْصِيصَ فِيمَا عَدَاهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ الْآيَةَ وَاخْتَارَ الرَّازِيَّ التَّوَقُّفَ هُنَا وَلَا بُعْدَ في تَوَقُّفِ الْقَاضِي فيه على ما تَقَدَّمَ في الِاسْتِثْنَاءِ وَتَكَلُّفُ الْفَرْقِ بَيْنَهَا ضَعِيفٌ
- تَنْبِيهَاتٌ حُكْمُ الشَّرْطِ إذَا تَقَدَّمَ على الْمَعْطُوفِ الْأَوَّلُ هذا إذَا تَأَخَّرَ الشَّرْطُ فَإِنْ تَقَدَّمَ قال الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ اخْتَصَّ بِمَا يَلِيهِ عِنْدَ من خَصَّهُ بِجُمْلَةٍ قُلْت وَصَرَّحَ الصَّيْرَفِيُّ بِأَنَّ الْحُكْمَ في تَقَدُّمِ الشَّرْطِ على الْمَعْطُوفَاتِ كَحُكْمِهِ إذَا تَأَخَّرَ في الْعَدَدِ إلَى الْكُلِّ وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ فِيمَا لو قال إنْ شَاءَ اللَّهُ امْرَأَتِي طَالِقٌ وَعَبْدِي حُرٌّ وَمَالِي صَدَقَةٌ وَقَصْدُ الشَّرْطِ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْجَمِيعِ وَصَرَّحَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ بِأَنَّهُ إذَا قُدِّرَ لِلْعُمُومِ شَرْطٌ مُتَقَدِّمٌ أو مُتَأَخِّرٌ اقْتَضَى تَخْصِيصَ الْمَشْرُوطِ وقال أبو الْحَسَنِ السُّهَيْلِيُّ من أَصْحَابِنَا في كِتَابِ أَدَبِ الْجَدَلِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَكَثِيرٍ من أَهْلِ اللُّغَةِ عَوْدُ الشَّرْطِ إلَى الْجَمِيعِ سَوَاءٌ تَقَدَّمَ الشَّرْطُ الْجُمَلَ أو تَأَخَّرَ عنها وقال أبو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَكَثِيرٌ من أَهْلِ اللُّغَةِ إنْ كان في أَوَّلِ كَلَامِهِ رَجَعَ إلَى جَمِيعِ ما يُذْكَرُ عَقِبَهُ وَإِنْ كان في آخِرِهِ رَجَعَ إلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ على رُجُوعِهِ إلَى الْجَمِيعِ أو إلَى أَبْعَدِ مَذْكُورٍ انْتَهَى وَهَذَا التَّفْصِيلُ غَرِيبٌ وَجَعَلَ شَارِحُ اللُّمَعِ الْخِلَافُ فِيمَا إذَا لم يَقُمْ دَلِيلٌ على رُجُوعِهِ إلَى الْجَمِيعِ أو الْبَعْضِ فَإِنْ قام دَلِيلٌ على الْجَمِيعِ تَعَيَّنَ قَطْعًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَكَفَّارَتُهُ الْآيَةَ فإن هذا الشَّرْطَ يَرْجِعُ إلَى جَمِيعِ الْجُمَلِ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ قام دَلِيلٌ على رُجُوعِهِ إلَى جُمْلَةٍ منها رَجَعَ إلَيْهَا كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ يا زَانِيَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَالِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعٌ إلَى الطَّلَاقِ لَا إلَى الزِّنَا لِأَنَّهُ صِفَةٌ فَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ إذَا لم يَكُنْ الشَّرْطُ مَنْطُوقًا بِهِ فَهَلْ يَعُودُ إلَى جَمِيعِ الْجُمَلِ الثَّانِي هذا إذَا كان الشَّرْطُ مَنْطُوقًا بِهِ فَلَوْ لم يَنْطِقْ بِهِ وَلَكِنْ دَلَّ عليه دَلِيلٌ من خَارِجٍ في بَعْضِ الْمَذْكُورَاتِ فَهَلْ يَكُونُ كَالْمَنْطُوقِ حتى يَرْجِعَ إلَى جَمِيعِ الْجُمَلِ فيه وَجْهَانِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ غَرِيبَةٌ لم أَرَهَا إلَّا في تَعْلِيقِ ابْنِ أبي هُرَيْرَةَ قال في بَابِ قَسْمِ الْفَيْءِ إنَّ سَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى يَسْتَحِقُّونَهُ مع الْغِنَى بِخِلَافِ الْيَتَامَى فإنه شَرَطَ فِيهِمْ الْحَاجَةَ فَإِنْ قِيلَ إنَّ الشَّرْطَ عِنْدَكُمْ إذَا نِيطَ بِآخِرِ الْكَلَامِ نَصًّا أو دَلَالَةً رَجَعَ إلَى أَوَّلِهِ وقد قام الدَّلِيلُ عِنْدَكُمْ في الْيَتَامَى أَنَّهُمْ يُعْطَوْنَ مع الْحَاجَةِ فَوَجَبَ عَوْدُ هذا الشَّرْطِ إلَى ذَوِي الْقُرْبَى قِيلَ له هذا قَوْلٌ قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وهو خَطَأٌ وَنَحْنُ نُفَرِّقُ بين الْمَنْطُوقِ بِهِ
- وَالْمَدْلُولِ عليه هذا لَفْظُهُ الْفَرْقُ بين الشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ فما يُفَارِقُ فيه الشَّرْطُ الِاسْتِثْنَاءَ قال الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ الشَّرْطُ يَتَعَلَّقُ بِهِ إثْبَاتٌ وَنَفْيٌ فَيَجْرِي مَجْرَى الِاسْتِثْنَاءِ من جِهَةِ إثْبَاتِهِمَا حُكْمًا وَنَفْيِهِمَا آخَرَ وَيَفْتَرِقَانِ من وُجُوهٍ منها أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُخْرِجُ الْأَعْيَانَ وَالشَّرْطُ يُخْرِجُ الْأَحْوَالَ قَالَهُ ابن الْفَارِضِ في النُّكَتِ وَمِنْهَا أَنَّ الشَّرْطَ يُثْبِتُ الْحُكْمَ في حَالِ وُجُودِهِ وَيَنْفِيهِ في حَالِ عَدَمِهِ وَالِاسْتِثْنَاءُ يَجْمَعُ بين النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ في حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَرُبَّمَا يَتَقَدَّمُ الْحُكْمَ شَرْطٌ يَقُومُ الدَّلِيلُ على ثُبُوتِ الْحُكْمِ مع وُجُودِهِ وَعَدَمِهِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْطِ إثْبَاتٌ وَلَا نَفْيٌ وَيُصْرَفُ بِالدَّلِيلِ عَمَّا وُضِعَ له من الْحَقِيقَةِ كَآيَةِ الْعِدَّةِ وَمِنْهَا أَنَّ الشَّرْطَ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ النُّطْقِ بِهِ في الزَّمَانِ عن الْمَشْرُوطِ قَطْعًا وَيَجُوزُ ذلك في الِاسْتِثْنَاءِ على قَوْلٍ وَمِنْهَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَرْفَعَ جَمِيعَ الْمَنْطُوقِ بِهِ وَيَبْطُلَ حُكْمُهُ بِالْإِجْمَاعِ وَيَجُوزَ أَنْ يَدْخُلَ الشَّرْطَ كَلَامٌ يُبْطِلُ جَمِيعَهُ بِالْإِجْمَاعِ كَقَوْلِهِ أَنْتُنَّ طَوَالِقُ إنْ دَخَلْتُنَّ الدَّارَ فَلَا تَدْخُلُ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ وَيَبْطُلُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ انْتَهَى وَمِنْهَا أَنَّهُ يَجُوزُ في الشَّرْطِ أَنْ يَكُونَ الْخَارِجُ بِهِ أَكْثَرَ من الْبَاقِي بِلَا نِزَاعٍ بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ على قَوْلٍ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ يَصِحُّ دُخُولُ الشَّرْطِ على الشَّرْطِ فَيَكُونُ الثَّانِي شَرْطًا في الْأَوَّلِ وَيُسَمِّيهِ النَّحْوِيُّونَ اعْتِرَاضَ الشَّرْطِ على الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إنْ كان اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ وَمَعْنَاهُ إنْ كان اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ فَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ وَشَرَطَ ابن مَالِكٍ في تَوَالِي الشَّرْطَيْنِ عَدَمَ الْعَطْفِ قال فَلَوْ عُطِفَا فَالْجَوَابُ لَهُمَا مَعًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ إنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وقد يُقَالُ هذا من تَوَالِي فِعْلَيْ شَرْطٍ لَا من تَوَالِي شَرْطَيْنِ وَاخْتَارَ الْإِمَامُ في النِّهَايَةِ أَنَّ حُكْمَهُ بِالْعَطْفِ كَحُكْمِهِ مع عَدَمِهِ
- الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ الْمَشْرُوطُ هل يَجِبُ أَنْ يَحْصُلَ آخِرَ جُزْءٍ من الشَّرْطِ أو عَقِبَهُ قال صَاحِبُ النُّكَتِ ذَكَرَ أبو هَاشِمٍ في الْبَغْدَادِيَّاتِ أَنَّهُ يَقَعُ مع آخِرِ جُزْءٍ منه قال وَالْمَحْكِيُّ عن فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ وَأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَقَعُ بَعْدَ الشَّرْطِ قال وَكَذَلِكَ الْخِلَافُ في الْإِيقَاعِ وَمِنْهُمْ من فَرَّقَ بين الشَّرْطِ وَالْإِيقَاعِ قال وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ في قَوْلِهِمْ إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فإنه يَصِحُّ الْعَقْدُ عِنْدَ أبي هَاشِمٍ وَيُلْغَى الشَّرْطُ وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا وَجَبَ حُصُولُ الْمَشْرُوطِ مع حُصُولِ الشَّرْطِ وَالشَّرْطُ هو الْعَقْدُ وَالْمَشْرُوطُ حَلُّهُ وَالْعَقْدُ وَحَلُّهُ لَا يَجْتَمِعَانِ في وَقْتٍ وَاحِدٍ وَجَبَ أَنْ يَلْغُوَ الشَّرْطُ وَيَصِحَّ الْعَقْدُ وَعَلَى قَوْلِ مُخَالِفِيهِ أَنَّ الْمَشْرُوطَ يَقَعُ بَعْدَ الشَّرْطِ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ في الْأَوَّلِ وَيَنْحَلُّ في الثَّانِي وقال الْأَصْفَهَانِيُّ شَارِحُ الْمَحْصُولِ الْعِلَّةُ الْعَقْلِيَّةُ تَتَقَدَّمُ على مَعْلُولِهَا بِالذَّاتِ لَا بِالزَّمَانِ على ما تَقَرَّرَ في عِلْمِ الْمَعْقُولِ وَالشَّرْطُ مع الْمَشْرُوطِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْعِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ لِأَنَّ الشَّرْطَ ما يَتَوَقَّفُ عليه تَأْثِيرُ الْمُؤَثِّرِ فإذا وُجِدَ وُجِدَ الْمُؤَثِّرُ التَّامُّ وَالْمُؤَثِّرُ التَّامُّ يُقَارِنُهُ وُجُودُ الْأَثَرِ من غَيْرِ تَرْتِيبٍ فإن الْمُؤَثِّرَ الشَّرْعِيَّ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُؤَثِّرِ الْعَقْلِيِّ وَذَلِكَ لِمُطَابَقَةِ الشَّرِيعَةِ الْحَقِيقَةَ وَمِنْهُمْ من نَقَلَ الْخِلَافَ في أَنَّهُمَا مَعًا وَلَا بُدَّ من تَرَتُّبِهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْخِلَافَ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ في بَابِ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ وَأَصَحُّهُمَا أَنَّهُ عَقِبَهُ وَلِهَذَا لو قال لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بها إنْ طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ طَلَّقَهَا لم يَقَعْ الْمُعَلَّقُ على الْأَصَحِّ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ لَا يَلْزَمُ في الشَّرْطِ وَجَوَابِهِ أَنْ يَكُونَ اللُّزُومُ بَيْنَهُمَا ضَرُورِيًّا بِالْعَقْلِ بَلْ تَكْفِي الْمُلَازَمَةُ بِالْوَضْعِ فإذا قُلْت إنْ جاء زَيْدٌ أَكْرَمْته فَهَذَا لَازِمٌ بِالْوَضْعِ أَيْ وَضْعِ الْمُتَكَلِّمِ وَلَيْسَ بِالضَّرُورَةِ الْإِكْرَامُ لَازِمًا لِلْمَجِيءِ وَكَلَامُ ابْنِ خَرُوفٍ من النَّحْوِيِّينَ يَقْتَضِي اللُّزُومَ الْعَقْلِيَّ فإنه قُدِّرَ في قَوْله تَعَالَى وَأَدْخِلْ يَدَك في جَيْبِك تَخْرُجْ بَيْضَاءَ أَنَّ الْمَعْنَى وَأَخْرِجْهَا تَخْرُجُ وَإِنَّمَا قَدَّرَهُ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ من إدْخَالِهَا خُرُوجُهَا وتخرج مَجْزُومٌ على الْجَوَابِ فَاحْتَاجَ أَنْ يُقَدِّرَ جَوَابًا لَازِمًا وَشَرْطًا مَلْزُومًا حَذْفًا لِأَنَّهُمَا
- نَظِيرَا ما أَثْبَتَ لَكِنْ وَقَعَ في تَقْدِيرِ ما لَا يُفِيدُ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنَّهُ إنْ أَدْخَلَهَا تَدْخُلُ وَالصَّوَابُ وَبِهِ قال ابن الصَّائِغِ من النَّحْوِيِّينَ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى ذلك فإن الْإِدْخَالَ سَبَبٌ في خُرُوجِهَا بَيْضَاءَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَيْضًا من إخْرَاجِهَا أَنْ تَخْرُجَ بَيْضَاءَ لُزُومًا ضَرُورِيًّا إلَّا بِضَرُورَةِ صِدْقِ الْوَعْدِ الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ الْحُكْمَ هو الْجَزَاءُ وَحْدَهُ وَالشَّرْطُ قَيْدٌ بِمَنْزِلَةِ الظَّرْفِ وَالْحَالِ حتى إنَّ الْجَزَاءَ إنْ كان خَبَرًا فَالشَّرْطِيَّةُ خَبَرِيَّةٌ وَإِنْ كان إنْشَاءً فَإِنْشَائِيَّةٌ وَعِنْدَ أَهْلِ النَّظَرِ أَنَّ مَجْمُوعَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ كَلَامٌ وَاحِدٌ دَلَّ على رَبْطِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ وَثُبُوتُهُ له على تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ من غَيْرِ دَلَالَةٍ على الِانْتِقَاءِ عِنْدَ الِانْتِفَاءِ وَكُلٌّ من الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ بِمَنْزِلَةِ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ وَعَلَى الْأَوَّلِ يَتَفَرَّعُ مَذْهَبُنَا في مَفْهُومِ الشَّرْطِ وَعَلَى الثَّانِي يَتَفَرَّعُ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ في إنْكَارِهِ وَسَنُبَيِّنُهُ هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الثَّالِثُ التَّخْصِيصُ بِالصِّفَةِ وَالْمُرَادُ بها الْمَعْنَوِيَّةُ لَا النَّعْتُ بِخُصُوصِهِ نَحْوُ أَكْرِمْ الْعُلَمَاءَ الزُّهَّادَ فإن التَّقْيِيدَ بِالزُّهَّادِ يُخْرِجُ غَيْرَهُمْ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في بَابِ الْقَضَاءِ من النِّهَايَةِ الْوَصْفُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ مَعْنَاهُ التَّخْصِيصُ فإذا قُلْت رَجُلٌ شَاعَ هذا في ذِكْرِ الرِّجَالِ فإذا قُلْتَ طَوِيلٌ اقْتَضَى ذَاكَ تَخْصِيصًا فَلَا تَزَالُ تَزِيدُ وَصْفًا فَيَزْدَادُ الْمَوْصُوفُ اخْتِصَاصًا وَكُلَّمَا كَثُرَ الْوَصْفُ قَلَّ الْمَوْصُوفُ ا هـ وَهِيَ كَالِاسْتِثْنَاءِ في وُجُوبِ الِاتِّصَالِ وَعَوْدِهَا إلَى الْجُمَلِ قال الْمَازِرِيُّ وَلَا خِلَافَ في اتِّصَالِ التَّوَابِعِ وَهِيَ النَّعْتُ وَالتَّوْكِيدُ وَالْعَطْفُ وَالْبَدَلُ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ في الِاسْتِثْنَاءِ وقال بَعْضُهُمْ الْخِلَافُ في الصِّفَةِ النَّحْوِيَّةِ وَهِيَ التَّابِعُ لِمَا قَبْلَهُ في إعْرَابِهِ أَمَّا الصِّفَةُ الشَّرْطِيَّةُ فَلَا خِلَافَ فيها وقال أبو الْبَرَكَاتِ بن تَيْمِيَّةَ فَأَمَّا الصِّفَاتُ وَعَطْفُ الْبَيَانِ وَالتَّوْكِيدُ وَالْبَدَلُ وَنَحْوُهَا من الْمُخَصِّصَاتِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ وقال الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ إذَا
- تَعَقَّبَتْ الصِّفَةُ شَيْئَيْنِ فَإِمَّا أَنْ تَتَعَلَّقَ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى نَحْوُ أَكْرِمْ الْعَرَبَ وَالْعَجَمَ الْمُؤْمِنِينَ عَادَتْ إلَيْهِمَا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ نَحْوُ أَكْرِمْ الْعُلَمَاءَ وَجَالِسْ الْفُقَهَاءَ الزُّهَّادَ فَهَاهُنَا الصِّفَةُ عَائِدَةٌ إلَى الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ وَلِلْبَحْثِ فيه مَجَالٌ كما في الِاسْتِثْنَاءِ وقال الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ إنْ كانت الصِّفَاتُ كَثِيرَةً وَذُكِرَتْ على الْجَمْعِ عَقِبَ جُمْلَةٍ تَقَيَّدَتْ بها أو على الْبَدَلِ فَلِوَاحِدَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ منها وَإِنْ ذُكِرَتْ عَقِبَ جُمَلٍ فَفِي الْعَوْدِ إلَى كُلِّهَا أو إلَى الْأَخِيرَةِ الْخِلَافُ مَسْأَلَةٌ تَوَسُّطُ الْوَصْفِ بين الْجُمَلِ فَأَمَّا إذَا تَوَسَّطَ الْوَصْفُ بين الْجُمَلِ فَفِي عَوْدِهِ إلَى الْأَخِيرَةِ خِلَافٌ حَكَاهُ ابن دَاوُد من أَصْحَابِنَا في شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيّ قال وَبُنِيَ عَلَيْهِمَا الْقَوْلَانِ في إيجَابِ الْمُتْعَةِ لِلْمُطَلَّقَةِ بَعْدَ الدُّخُولِ اسْتِنْبَاطًا من لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ ما لم تَمَسُّوهُنَّ أو تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ قال وَوَجْهُ الْبِنَاءِ أَنَّ الْحُكْمَ الْمَقْصُودَ إنَّمَا هو رَفْعُ الْجُنَاحِ عن الْمُطَلِّقِينَ قبل الْمَسِيسِ وَالْفَرْضِ ثُمَّ إنَّهُ عُطِفَ عليه بِقَوْلِهِ وَمَتِّعُوهُنَّ فَإِنْ أَعَدْنَا الصِّفَةَ إلَيْهِ أَيْضًا لم تَجِبْ الْمُتْعَةُ لِغَيْرِ هَؤُلَاءِ وَكَأَنَّهُ قِيلَ وَمَتِّعُوا الْمَذْكُورَاتِ فَإِنْ لم نَعُدَّهُ وَجَبَتْ كَأَنَّهُ قِيلَ وَمَتِّعُوا النِّسَاءَ وَقَضِيَّتُهُ عَدَمُ تَرْجِيحِ عَوْدِهِ إلَيْهِمَا مَسْأَلَةٌ فَائِدَةُ الصِّفَةِ الْوَصْفُ إمَّا أَنْ يَكُونَ لِمَعْرِفَةٍ أو نَكِرَةٍ فَإِنْ كان لِنَكِرَةٍ فَفَائِدَتُهُ التَّخْصِيصُ نَحْوُ مَرَرْت بِرَجُلٍ فَاضِلٍ وَمِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ وَإِنْ كان لِمَعْرِفَةٍ فَفَائِدَتُهُ التَّوْضِيحُ لِيَتَمَيَّزَ بِهِ عن غَيْرِهِ نَحْوُ زَيْدٌ الْعَالِمُ وَمِنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَيُسَمِّيهِ الْبَيَانِيُّونَ الْمُفَارَقَةَ وَخَالَفَهُمْ ابن الزَّمْلَكَانِيِّ تِلْمِيذُ ابْنِ الْحَاجِبِ في كِتَابِ الْبُرْهَانِ فقال إذَا دَخَلَتْ الصِّفَةُ على اسْمِ الْجِنْسِ الْمُعَرَّفِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ كانت لِلتَّخْصِيصِ لَا لِلتَّوْضِيحِ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ الْكُلِّيَّةَ لو أُرِيدَتْ بِاسْمِ الْجِنْسِ من حَيْثُ هِيَ هِيَ كان الْوَصْفُ لها نَسْخًا فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ بها الْخَاصُّ ثُمَّ الصِّفَةُ تَأْتِي مُبَيِّنَةً لِمُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ
- وَيَتَفَرَّعُ على هذا ما لو قال وَاَللَّهِ لَا أَشْرَبُ الْمَاءَ الْبَارِدَ فَشَرِبَ الْحَارَّ لم يَحْنَثْ بِخِلَافِ ما لو قال وَاَللَّهِ لَا كَلَّمْتُ زَيْدًا الرَّاكِبَ فَكَلَّمَهُ وهو جَالِسٌ فإنه يَحْنَثُ إذْ لم تُفِدْ الصِّفَةُ فيه تَقْيِيدًا وهو حَسَنٌ وقد يُقَالُ إنَّهُ لَا يُخَالِفُ كَلَامَهُمْ لِأَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ عِنْدَهُمْ في الْمَعْنَى وَظَاهِرُ تَصَرُّفِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الصِّفَةَ إذَا وَقَعَتْ لِلنَّكِرَةِ فَهِيَ لِلتَّوْضِيحِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهَا لِلتَّخْصِيصِ وَلِهَذَا كانت الْعَارِيَّةُ عِنْدَنَا على الضَّمَانِ وَعِنْدَهُ على الْأَمَانَةِ وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ أَنَّ قَوْلَهُ عليه السَّلَامُ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ هل مَضْمُونَةٌ لِلتَّخْصِيصِ أو لِلتَّوْضِيحِ فَعِنْدَنَا لِلتَّوْضِيحِ وَعِنْدَهُ لِلتَّخْصِيصِ وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُ يَمْلِكُ وَمُدْرِكُهُ قَوْله تَعَالَى ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ على شَيْءٍ هل هذا الْوَصْفُ لِلتَّوْضِيحِ أو لِلتَّخْصِيصِ فَعِنْدَنَا لِلتَّوْضِيحِ إذْ الْعَبْدُ لَا يَخْرُجُ حَالُهُ عن هذا وَعِنْدَهُ لِلتَّخْصِيصِ على سَبِيلِ الشَّرْطِ تَنْبِيهٌ اتَّفَقُوا على الْقَوْلِ بِتَخْصِيصِ الْعَامِّ بِالصِّفَةِ وَاخْتَلَفُوا في مَفْهُومِ الصِّفَةِ نَحْوُ في سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ فَلِمَ اخْتَلَفُوا فيه وَاتَّفَقُوا هُنَا وَالْجَوَابُ أَنَّ الصِّفَةَ تَأْتِي لِرَفْعِ احْتِمَالٍ في أَحَدِ مُحْتَمَلَيْنِ على السَّوَاءِ لِأَنَّ الرَّقَبَةَ تَتَنَاوَلُ الْمُؤْمِنَةَ وَالْكَافِرَةَ فإذا قُيِّدَتْ زَالَ الِاحْتِمَالُ الرَّابِعُ التَّخْصِيصُ بِالْغَايَةِ وَهِيَ نِهَايَةُ الشَّيْءِ وَمُنْقَطَعُهُ وَهِيَ حَدٌّ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ قَبْلَهَا وَانْتِفَائِهِ بَعْدَهَا وَلَهَا لَفْظَانِ حتى وَإِلَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ وَقَوْلِهِ وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ وَنَحْوُ أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ حتى يَدْخُلُوا أو إلَى أَنْ يَدْخُلُوا فَيَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ بِمَا قبل الدُّخُولِ
- وَالْمَقْصُودُ بِالْغَايَةِ ثُبُوتُ الْحُكْمِ لِمَا قَبْلَهَا وَالْمَعْنَى يَرْتَفِعُ بِهَذِهِ الْغَايَةِ لِأَنَّهُ لو بَقِيَ فِيمَا وَرَاءَ الْغَايَةِ لم تَكُنْ الْغَايَةُ مُنْقَطِعًا فلم تَكُنْ الْغَايَةُ غَايَةً لَكِنْ هل يَرْتَفِعُ الْحُكْمُ من غَيْرِ ثُبُوتِ ضِدِّ الْمَحْكُومِ عليه أَمْ تَدُلُّ على ثُبُوتِ الْمَحْكُومِ عليه فَقَطْ هو مَوْضُوعُ الْخِلَافِ كما في الِاسْتِثْنَاءِ وَالْمُخْتَارُ الْأَوَّلُ وَأَمَّا ما جُعِلَ غَايَةً في نَفْسِهِ فَهَلْ يَنْدَرِجُ في حُكْمِ الْمَعْنَى أَمْ لَا فيه الْخِلَافُ الْآتِي في الْمَفْهُومِ فإذا قُلْت اشْتَرَيْت من كَذَا إلَى كَذَا أو من كَذَا حتى كَذَا فَلَا خِلَافَ فِيمَا قبل الْغَايَةِ أَنَّهُ دَاخِلٌ وَأَنَّ ما بين مُبْتَدَأِ الْغَايَةِ وَمُنْتَهَاهَا دَاخِلٌ إنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا بَعْدَ الْغَايَةِ منهم من فَرَّقَ بين حتى فَتَدْخُلَ وإلى فَلَا تَدْخُلْ قال الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَيَتَعَلَّقُ بِالْغَايَةِ إثْبَاتٌ وَنَفْيٌ كَالِاسْتِثْنَاءِ وَالشَّرْطِ إذْ الشَّرْطُ مُوجِبٌ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ بَعْدَهُ وَلَا يَبْقَى بِهِ قَبْلَهُ وَالْغَايَةُ مُوجِبَةٌ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ قَبْلَهَا لَا بَعْدَهَا فَإِنْ تَعَلَّقَ بِالْغَايَةِ شَرْطُ الْإِثْبَاتِ بِهِمَا وَالنَّفْيُ بِأَحَدِهِمَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ وَهَذَا غَايَةٌ ثُمَّ قال فإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ وَهَذَا شَرْطٌ فَلَا يُسْتَبَاحُ وَطْؤُهَا إلَّا بِالْغُسْلِ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ وَتَنْتَفِي الِاسْتِبَاحَةُ بِعَدَمِهِمَا أو عَدَمِ أَحَدِهِمَا من غَايَةٍ أو شَرْطٍ وَكَذَا جَعَلَ ابن السَّمْعَانِيِّ الْآيَةَ من تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِغَايَةٍ وَشَرْطٍ وَالْغُسْلُ شَرْطٌ فَكَانَا مُعْتَبَرَيْنِ في إبَاحَةِ الْإِصَابَةِ وقال الْأُصُولِيُّونَ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ لِلْحُكْمِ غَايَتَانِ كَهَذِهِ الْآيَةِ وقال في الْمَحْصُولِ الْغَايَةُ هِيَ الْأَخِيرَةُ لِأَنَّهَا الذي يَتَرَتَّبُ عليها الْحُكْمُ وَسُمِّيَتْ الْأُولَى غَايَةً مَجَازًا لِقُرْبِهَا من الْغَايَةِ وَاتِّصَالِهَا بها وَنُوزِعَ بِأَنَّ هَاتَيْنِ غَايَتَانِ لِشَيْئَيْنِ فما اجْتَمَعَ غَايَتَانِ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ النَّاشِئَ عن دَمِ الْحَيْضِ غَايَتُهُ انْقِطَاعُ الدَّمِ فإذا انْقَطَعَ حَدَثَ تَحْرِيمٌ آخَرُ نَاشِئٌ عن عَدَمِ الْغَسْلِ فَالْغَايَةُ الثَّانِيَةُ غَايَةُ هذا التَّحْرِيمِ الثَّانِي وقال غَيْرُهُ ليس هُنَا غَايَتَانِ لِأَنَّهُمْ قالوا لها حَرْفَانِ حتى وَإِلَى وَلَيْسَ هُنَا غَيْرُ حتى فَلَوْ كان الْحَرْفَانِ هُنَا لَأَمْكَنَ ما قالوا وَإِنَّمَا هو نَظِيرُ قَوْلِك لَا تُكْرِمْ زَيْدًا حتى يَدْخُلَ الدَّارَ فإذا دخل فَأَكْرِمْهُ وَأَيْضًا فَإِنْ كان على قِرَاءَةِ التَّشْدِيدِ في يَطَّهَّرْنَ فَالْغَايَةُ وَاحِدَةٌ وَهِيَ تَأْكِيدٌ لِلْمَعْنَى الْأَوَّلِ على قِرَاءَةِ التَّخْفِيفِ أَيْ يَنْقَطِعُ حَيْضُهُنَّ فَبَعْدَهُ فإذا تَطَهَّرْنَ أَيْ اغْتَسَلْنَ وهو شَرْطٌ فَيَتَعَارَضُ مَفْهُومُ الْغَايَةِ وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ فَأَيُّهُمَا يُقَدَّمُ الظَّاهِرُ تَقْدِيمُ مَفْهُومِ الشَّرْطِ وَحَمْلُ الْقُرْآنِ على تَكْثِيرِ الْفَوَائِدِ من حَمْلِهِ على التَّأْكِيدِ وَحَكَى التَّبْرِيزِيُّ في اخْتِصَارِ الْمَحْصُولِ فِيمَا إذَا كانت الْغَايَةُ لها جُزْءَانِ أو أَجْزَاءٌ
- خِلَافًا في أَنَّ الْغَايَةَ هِيَ الْأُولَى أَمْ الْأَخِيرَةُ قال الْقَرَافِيُّ ولم أَرَهُ إلَّا فيه وَغَيْرُهُ يَحْكِي الِانْدِرَاجَ مُطْلَقًا ولم يَتَعَرَّضْ لِلْأَجْزَاءِ قُلْت وهو قَرِيبٌ من الْخِلَافِ الْفِقْهِيِّ في أَنَّ الْحَدَثَ هل يَرْتَفِعُ عن كل عُضْوٍ بِمُجَرَّدِ غَسْلِهِ أَمْ يَتَوَقَّفُ على تَمَامِ الْأَعْضَاءِ الْأَصَحُّ الْأَوَّلُ فَقَوْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إذَا أَحْدَثَ حتى يَتَوَضَّأَ فَالْحَدَثُ مُغَيًّا بِالْوُضُوءِ وَالْوُضُوءُ ذُو أَجْزَاءٍ فَهَلْ يَرْتَفِعُ عن الْعُضْوِ بِمُجَرَّدِهِ أَمْ لَا يَرْتَفِعُ شَيْءٌ منه حتى تُوجَدَ الْغَايَةُ بِتَمَامِهَا وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ إذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ هل الْمُرَادُ تَطَهَّرَ طُهْرًا كَامِلًا أو طُهْرًا ما حتى غَسَلَ رِجْلًا وَأَدْخَلَهَا ثُمَّ أُخْرَى وَأَدْخَلَهَا جَازَ وَفِيهِ خِلَافٌ هذا مَأْخَذُهُ وَحَكَى غَيْرُهُ مَذْهَبًا ثَالِثًا بِالتَّفْصِيلِ فقال إنْ كانت مُنْفَصِلَةً عن ذِي الْغَايَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ فَالْغَايَةُ أَوَّلُ جُزْءٍ منه وَإِنْ لم تَكُنْ مُنْفَصِلَةً كَقَوْلِهِ وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ فَالْغَايَةُ آخِرُ جُزْءٍ من أَجْزَائِهَا وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُصُولِيِّينَ أَطْلَقُوا كَوْنَ الْغَايَةِ من الْمُخَصِّصَاتِ قال بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَهَذَا الْكَلَامُ مُقَيَّدٌ بِغَايَةٍ تَقَدَّمَهَا لَفْظٌ يَشْمَلُهَا لو لم يُؤْتَ بها كَقَوْلِهِ تَعَالَى حتى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ فإن هذه الْغَايَةَ لو لم يُؤْتَ بها لَقَاتَلْنَا الْمُشْرِكِينَ أَعْطَوْا الْجِزْيَةَ أو لم يُعْطُوهَا وَوَرَاءَهُ صُورَتَانِ إحْدَاهُمَا غَايَةٌ لم يَشْمَلْهَا الْعُمُومُ وَلَا صَدَقَ عليها اسْمُهُ فَلَا يُؤْتَى بها إلَّا لِعَكْسِ ما يُؤْتَى بِالْغَايَةِ في الْقِسْمِ قَبْلَهُ فإن تِلْكَ يُؤْتَى بها لِتَخْصِيصِ الْعُمُومِ أو تَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ وَهَذِهِ يُؤْتَى بها لِتَحْقِيقِ الْعُمُومِ وَتَأَكُّدِهِ وَإِعْلَامِ أَنَّهُ لَا خُصُوصَ فيه وَأَنَّ الْغَايَةَ فيه ذَاكِرَةٌ بِحَالِ قَصْدٍ منه أَنْ يَتَعَقَّبَ الْحَالَ الْأُولَى بِحَيْثُ لَا يَتَخَلَّلُهَا شَيْءٌ وَمِثَالُهُ قَوْلُهُ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ رُفِعَ الْقَلَمُ عن ثَلَاثٍ عن الصَّبِيِّ حتى يَبْلُغَ وَعَنْ النَّائِمِ حتى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الْمَجْنُونِ حتى يُفِيقَ فَحَالَةُ الْبُلُوغِ وَالِاسْتِيقَاظِ ==
- =========ج12. ج12. ج12..===================================
- مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
- ج12. كتاب : البحر المحيط في أصول الفقه
- المؤلف : بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي
- وَالْإِفَاقَةِ تُضَادُّ حَالَاتِ الصِّبَا وَالنَّوْمِ وَالْجُنُونِ وَقُصِدَ بِالْغَايَةِ هُنَا اسْتِيعَابُ رَفْعِ الْقَلَمِ لِتِلْكَ الْأَزْمِنَةِ بِحَيْثُ لم يَدَعْ وَلَا آخِرَ الْأَزْمِنَةِ الْمُلَاصِقَةِ لِلْبُلُوغِ وَالِاسْتِيقَاظِ وَالْإِفَاقَةِ وَهَذَا تَحْقِيقٌ لِلْعُمُومِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى حتى مَطْلَعِ الْفَجْرِ قُصِدَ بِهِ تَحْقِيقُ أَنَّ الْحَالَةَ الْمُلَاصِقَةَ لِطُلُوعِ الْفَجْرِ مِمَّا شَمِلَهُ سَلَامٌ بِمَا قَبْلَهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ فإن حَالَةَ الطُّهْرِ لَا يَشْمَلُهَا اسْمُ الْحَيْضِ وَالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ غَايَةٌ شَمِلَهَا الْعُمُومُ أَتَتْ أو لم تَأْتِ فَهَذِهِ أَيْضًا لَا يُؤْتَى بها إلَّا لِتَحْقِيقِ الْعُمُومِ كَقَوْلِك قَرَأْتُ الْقُرْآنَ من فَاتِحَتِهِ إلَى خَاتِمَتِهِ الْمُرَادُ تَحْقِيقُ قِرَاءَتِك لِلْقُرْآنِ كُلِّهِ بِحَيْثُ لم تَدَعْ منه شيئا وَكَذَلِكَ قَطَعْت أَصَابِعَهُ من الْخِنْصَرِ إلَى الْبِنْصِرِ الْمُرَادُ تَحْقِيقُ الْعُمُومِ وَاسْتِغْرَاقُهُ لَا تَخْصِيصُهُ انْتَهَى وَحَاصِلُهُ أَنَّ ما يَشْمَلُهُ الْعُمُومُ لو لم يَأْتِ هو مُرَادُ الْأُصُولِيِّينَ وَوَرَاءَهُ صُورَتَانِ ما لم يَشْمَلْهُ أَلْبَتَّةَ وما يَشْمَلُهُ وَإِنْ أَتَتْ وَهَاتَانِ لَا تَكُونُ الْغَايَةُ فِيهِمَا لِلتَّخْصِيصِ هذا كُلُّهُ في حُكْمِ ما بَعْدَ الْغَايَةِ نَفْسِهَا هل يَدْخُلُ في الْمُغَيَّا كَقَوْلِك أَكَلْت حتى قُمْتُ هل يَكُونُ الْقِيَامُ مَحَلًّا لِلْأَكْلِ فيه مَذَاهِبُ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ دَاخِلٌ فِيمَا قَبْلَهُ وَالثَّانِي لَا يَدْخُلُ وهو مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ كما قَالَهُ الْإِمَامُ في بَرْهَانٍ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ على شَيْءٍ وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ هو ظَاهِرُ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ في بَابِ الْوُضُوءِ وَالرَّابِعُ إنْ كان من جِنْسِهِ دخل وَإِلَّا فَلَا نَحْوُ بِعْتُك التُّفَّاحَ إلَى هذه الشَّجَرَةِ فَيُنْظَرُ في تِلْكَ الشَّجَرَةِ أَهِيَ من التُّفَّاحِ فَتَدْخُلُ أَمْ لَا فَلَا تَدْخُلُ قَالَهُ الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ في بَابِ الْوُضُوءِ وَحَكَاهُ أبو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ عن الْمُبَرِّدِ وَالْخَامِسُ قال في الْمَحْصُولِ وهو الْأَوْلَى إنْ تَمَيَّزَ عَمَّا قَبْلَهُ بِالْحِسِّ نَحْوُ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ فإن حُكْمَ ما بَعْدَهَا خِلَافُ ما قَبْلَهَا وَإِنْ لم يُمَيِّزْ حِسًّا
- اسْتَمَرَّ ذلك الْحُكْمُ على ما بَعْدَهُ مِثْلُ وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ فإن الْمِرْفَقَ غَيْرُ مُنْفَصِلٍ عن الْيَدِ بِمِفْصَلٍ مَحْسُوسٍ قال الْقَرَافِيُّ وَقَوْلُ الْإِمَامِ يَكُونُ ما بَعْدَهَا مُخَالِفًا لِمَا قَبْلَهَا مَدْخُولٌ من جِهَةِ أَنَّا لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَعْدَ الْغَايَةِ وَهَذَا يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْخِلَافِ فيه وَالْخِلَافُ ليس إلَّا في الْغَايَةِ نَفْسِهَا وَالسَّادِسُ إنْ اقْتَرَنَ بِمِنْ لم يَدْخُلْ نَحْوُ بِعْتُك من هذه الشَّجَرَةِ إلَى هذه الشَّجَرَةِ فَلَا يَدْخُلُ في الْبَيْعِ وَإِنْ لم يَقْتَرِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ تَحْدِيدًا وَأَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى مع قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الْبُرْهَانِ إنَّهُ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ وَأَنْكَرَهُ عليه ابن خَرُوفٍ وقال لم يذكر سِيبَوَيْهِ منه حَرْفًا وَلَا هو مَذْهَبُهُ وَاَلَّذِي قَالَهُ في كِتَابِهِ إنَّ إلَى مُنْتَهَى الِابْتِدَاءِ تَقُولُ من مَكَانِ كَذَا إلَى كَذَا وَكَذَلِكَ حتى قال وَلَهَا في الْفِعْلِ حَالُ ليس لِإِلَى تَقُولُ قُمْت إلَيْهِ فَتَجْعَلُهُ مُنْتَهَاك من مَكَانِك وَلَا تَكُونُ حتى هُنَا فَهَذَا أَثَرُ إلَى وَأَصْلُهَا وَإِنْ اتَّسَعَتْ فَهِيَ أَعَمُّ في الْكَلَامِ من حتى تَقُولُ قُمْتُ إلَيْهِ فَتَجْعَلُهُ مُنْتَهَاك من مَكَانِك وَلَا تَقُولُ حَتَّاهُ هذا لَفْظُ سِيبَوَيْهِ ولم يذكر في كِتَابِهِ غير ذلك وَهَذَا كُلُّهُ في غَايَةِ الِانْتِهَاءِ أَمَّا غَايَةُ الِابْتِدَاءِ فَفِيهَا قَوْلَانِ فَقَطْ قَالَهُ الْقَرَافِيُّ وَطَرَدَ الْأَصْفَهَانِيُّ الْخِلَافَ فيها فقال وَفِيهَا مَذَاهِبُ يَدْخُلَانِ لَا يَدْخُلَانِ ثَالِثُهَا تَدْخُلُ غَايَةُ الِابْتِدَاءِ دُونَ الِانْتِهَاءِ رَابِعُهَا إنْ قَرُبَ حِسًّا خَرَجَتْ وَإِلَّا دَخَلَتْ خَامِسُهَا إنْ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ خَرَجَتْ ثُمَّ قال الْقَرَافِيُّ وَهَذَا الْخِلَافُ مَخْصُوصٌ بِإِلَى وَلَا يَجْرِي في حتى لِقَوْلِ النُّحَاةِ إنَّ الْمَعْطُوفَ بِحَتَّى شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ من جِنْسِ ما قَبْلَهَا وَدَاخِلًا في حُكْمِهِ وَآخِرُ جُزْءٍ منه أو مُتَّصِلًا بِهِ أو فيه مَعْنَى التَّعْظِيمِ أو التَّحْقِيرِ فَقَطَعُوا بِانْدِرَاجِ ما بَعْدَهَا في الْحُكْمِ وَخَالَفَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ قال بَلْ يَجْرِي فيها وَهِيَ إذَا جَاءَتْ عَاطِفَةً لَيْسَتْ بِمَعْنَى إلَى فَلَا مُنَافَاةَ بين قَوْلِ النَّحْوِيِّينَ وَالْأُصُولِيِّينَ وَهَاهُنَا أُمُورٌ أَحَدُهَا أَنَّ هذا الْخِلَافَ مَحَلُّهُ في غَايَةٍ يَتَقَدَّمُهَا لَفْظٌ يَشْمَلُهَا على ما سَبَقَ تَقْرِيرُهُ الثَّانِي أَنَّ من شَرْطِ الْمُغَيَّا أَنْ يَثْبُتَ قبل الْغَايَةِ وَيَتَكَرَّرَ حتى يَصِلَ إلَيْهَا
- كَقَوْلِك سِرْت من الْبَصْرَةِ إلَى الْكُوفَةِ فإن السَّيْرَ الذي هو الْمُغَيَّا ثَابِتٌ قبل الْكُوفَةِ وَيَتَكَرَّرُ في طَرِيقِهَا وَعَلَى هذا يُمْنَعُ أَنْ يَكُونَ قَوْله تَعَالَى إلَى الْمَرَافِقِ غَايَةً لِغَسْلِ الْيَدِ لِأَنَّ غَسْلَ الْيَدِ إنَّمَا يَحْصُلُ بَعْدَ الْوُصُولِ إلَى الْإِبِطِ فَلَيْسَ ثَابِتًا قبل الْمِرْفَقِ الذي هو غَايَةٌ فَلَا يَنْتَظِمُ غَايَةً له وَإِنَّمَا يَنْتَظِمُ أَنْ لو قِيلَ اغْسِلُوا إلَى الْمَرَافِقِ لِأَنَّ مَطْلُوبَ الْغُسْلِ ثَابِتٌ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَمُتَكَرِّرٌ قال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمُغَيَّا غير الْغُسْلِ وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ اُتْرُكُوا من آبَاطِكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ فَيَكُونُ مُطْلَقُ التَّرْكِ ثَابِتًا قبل الْمِرْفَقِ وَيَتَكَرَّرُ إلَيْهِ وَيَكُونُ الْغُسْلُ نَفْسُهُ لم يُغَيَّ في هذا يَتَعَارَضُ الْمَجَازُ وَالْإِضْمَارُ فإنه إمَّا أَنْ يَتَجَوَّزَ بِلَفْظِ الْيَدِ إلَى جُزْئِهَا حتى يَثْبُتَ قبل الْغَايَةِ وَلَا يُضْمَرُ وَإِمَّا أَنْ يُضْمَرَ كما يقول هذا الْحَنَفِيُّ وَمِنْ هذا قَوْله تَعَالَى ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ يَقْتَضِي ثُبُوتَ الصِّيَامِ بِوَصْفِ التَّمَامِ قبل غُرُوبِ الشَّمْسِ وَيَتَكَرَّرُ إلَى غُرُوبِهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَيُشْكَلُ كَوْنُ اللَّيْلِ غَايَةً لِلصَّوْمِ التَّامِّ وَإِنَّمَا يَنْتَظِمُ لو قِيلَ صُومُوا إلَى اللَّيْلِ قال الْقَرَافِيُّ أَوْرَدَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ وَأَجَابَ عنه بِأَنَّ الْمُرَادَ أَتِمُّوا كُلَّ جُزْءٍ من أَجْزَاءِ الصَّوْمِ بِسُنَنِهِ وَفَضَائِلِهِ وَكَرِّرُوا ذلك إلَى اللَّيْلِ وَالْكَمَالُ في الصَّوْمِ قد يَحْصُلُ في جُزْءٍ من أَجْزَاءِ الصَّوْمِ دُونَ جُزْءٍ من جِهَةِ اجْتِنَابِ الْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَغَيْرِ ذلك مِمَّا يَأْبَاهُ الصَّوْمُ وَكَذَلِكَ آدَابُهُ الْخَاصَّةُ كَتَرْكِ السِّوَاكِ وَالتَّفَكُّرِ في أُمُورِ النِّسَاءِ وَغَيْرِ ذلك فَأُمِرْنَا بِتَكْرِيرِ هذا إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ الثَّالِثُ أَنَّ أَصْحَابَنَا في الْفُرُوعِ صَحَّحُوا عَدَمَ دُخُولِهَا فيها إذَا قال بِعْتُك من هذا الْجِدَارِ إلَى هذا الْجِدَارِ لم يَدْخُلْ الْجِدَارَانِ في الْبَيْعِ وَصَحَّحُوا دُخُولَ غَايَةِ الِابْتِدَاءِ دُونَ الِانْتِهَاءِ فِيمَا لو قال له عَلَيَّ من دِرْهَمٍ إلَى عَشَرَةٍ أو ضَمِنْت مَالَك عليه من دِرْهَمٍ إلَى عَشَرَةٍ فَالصَّحِيحُ لُزُومُ تِسْعَةٍ وَلَوْ شُرِطَ في الْبَيْعِ الْخِيَارُ إلَى اللَّيْلِ انْقَطَعَ الْخِيَارُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فإنه أَثْبَتَهُ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ وَكَذَا إذَا بَاعَهُ بِثَمَنٍ إلَى شَهْرٍ لم يَدْخُلْ الشَّهْرُ الثَّانِي في الْأَجَلِ وَلَوْ وَكَّلَهُ في بَيْعِ عَيْنٍ بِعَشَرَةٍ مُؤَجَّلَةٍ إلَى يَوْمِ الْخَمِيسِ لم يَدْخُلْ يَوْمُ الْخَمِيسِ في الْأَجَلِ قَالَهُ في الْبَحْرِ وَلَوْ حَلَفَ لَيَقْضِيَن حَقَّهُ إلَى رَأْسِ الشَّهْرِ لم يَدْخُلْ رَأْسُ الشَّهْرِ في الْيَمِينِ بَلْ يَجِبُ تَقْدِيمُ الْقَضَاءِ عليه وَلَوْ قال أَرَدْت بِإِلَى مَعْنَى عِنْدَ فَفِي قَبُولِهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْغَزَالِيُّ في الْبَسِيطِ وَرَجَّحَ الْقَبُولَ
- التَّخْصِيصُ بِالْبَدَلِ أَعْنِي بَدَلَ الْبَعْضِ من الْكُلِّ نَحْوُ أَكَلْت الرَّغِيفَ ثُلُثَهُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ منهم ذَكَرَهُ ابن الْحَاجِبِ في مُخْتَصَرِهِ وَأَنْكَرَهُ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ قال لِأَنَّ الْمُبْدَلَ كَالْمَطْرُوحِ فلم يَتَحَقَّقْ فيه مَعْنَى الْإِخْرَاجِ وَالتَّخْصِيصُ لَا بُدَّ فيه من الْإِخْرَاجِ أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى وَلِلَّهِ على الناس حِجُّ الْبَيْتِ من اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا أَنَّ تَقْدِيرَهُ وَلِلَّهِ حِجُّ الْبَيْتِ على من اسْتَطَاعَ وَكَذَا أَنْكَرَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ شَارِحُ الْمَحْصُولِ وَهَذَا أَحَدُ الْمَذَاهِبِ فيه وَالْأَكْثَرُونَ على أَنَّهُ ليس في نِيَّةِ الطَّرْحِ قال السِّيرَافِيُّ زَعَمَ النَّحْوِيُّونَ أَنَّهُ في حُكْمِ تَنْحِيَةِ الْأَوَّلِ وهو الْمُبْدَلُ منه وَلَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ إلْغَاءَهُ وَإِنَّمَا مُرَادُهُمْ أَنَّ الْبَدَلَ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ وَلَيْسَ تَبْيِينًا لِلْأَوَّلِ كَتَبْيِينِ النَّعْتِ الذي هو تَمَامُ الْمَنْعُوتِ وهو معه كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ وَمِنْهُمْ من قال لَا يَحْسُنُ عَدْلُ الْبَدَلِ لِأَنَّ الْأَوَّلَ في قَوْلِنَا أَكَلْت الرَّغِيفَ ثُلُثَهُ يُشْبِهُ الْعَامَّ الْمُرَادَ بِهِ الْخُصُوصُ لَا الْعَامَّ الْمَخْصُوصَ تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ إذَا جَعَلْنَاهُ من الْمُخَصِّصَاتِ فَلَا يَجِيءُ فيه خِلَافُ الِاسْتِثْنَاءِ في اشْتِرَاطِ بَقَاءِ الْأَكْثَرِ بَلْ سَوَاءٌ قَلَّ ذلك الْبَعْضُ أو سَاوَاهُ أو زَادَ عليه كَأَكَلْتُ الرَّغِيفَ ثُلُثَهُ أو نِصْفَهُ أو ثُلُثَيْهِ الثَّانِي يُلْتَحَقُ بِبَدَلِ الْبَعْضِ ذلك بَدَلُ الِاشْتِمَالِ لِأَنَّ في كِلَيْهِمَا بَيَانًا وَتَخْصِيصًا لِلْمُبْدَلِ منه التَّخْصِيصُ بِالْحَالِ هو في الْمَعْنَى كَالصِّفَةِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْبَيْضَاوِيِّ أَنَّهُ إذَا تَعَقَّبَ جُمَلًا عَادَ إلَى الْجَمِيعِ بِالِاتِّفَاقِ وَنَحْوُ أَكْرِمْ رَبِيعَةَ وَأَعْطِ مُضَرَ نَازِلِينَ بِك لَكِنْ صَرَّحَ في الْمَحْصُولِ بِأَنَّا نَخُصُّهُ بِالْأَخِيرَةِ على قَاعِدَةِ أبي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى التَّخْصِيصُ بِالظَّرْفَيْنِ وَالْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ نَحْوُ أَكْرِمْ زَيْدًا الْيَوْمَ أو في مَكَانِ كَذَا وَلَوْ تَعَقَّبَ جُمَلًا فَظَاهِرُ كَلَامِ
- الْبَيْضَاوِيِّ الِاتِّفَاقُ على رُجُوعِهِ إلَى الْجَمِيعِ وَصَرَّحَ في الْمَحْصُولِ في الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ بِأَنَّا نَخُصُّهُ بِالْأَخِيرَةِ أَمَّا لو تَوَسَّطَ فذكر ابن الْحَاجِبِ في مَسْأَلَةِ لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ أَنَّ قَوْلَنَا ضَرَبْت زَيْدًا يوم الْجُمُعَةِ وَعَمْرًا ما يَقْتَضِي أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ يُقَيِّدُونَ بِهِ الثَّانِي أَيْضًا وقال أبو الْبَرَكَاتِ بن تَيْمِيَّةَ فَأَمَّا الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ مِثْلُ أَنْ تَذْكُرَ جُمَلًا ثُمَّ تَقُولَ على أَنَّهُ أو بِشَرْطِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْجَمِيعِ قَوْلًا وَاحِدًا لِتَعَلُّقِهِ بِالْكَلَامِ لَا بِالِاسْمِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ اللَّفْظِيِّ التَّمْيِيزُ نَحْوُ له عِنْدِي مِلْءُ هذا ذَهَبًا وَإِنْ تَعَقَّبَ جُمَلًا فَظَاهِرُ كَلَامِ الْبَيْضَاوِيِّ عَوْدُهُ إلَى الْجَمِيعِ بِالِاتِّفَاقِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ فيه ما سَبَقَ في الْحَالِ وَيَشْهَدُ لِلْخِلَافِ عِنْدَنَا ما لو قال له عِنْدِي كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا فَيَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ على الْمَذْهَبِ وفي قَوْلٍ دِرْهَمٌ وَشَيْءٌ وَالْأَوَّلُ ظَاهِرٌ في الْعَوْدِ إلَى الْجَمِيعِ وَالثَّانِي ظَاهِرٌ في اخْتِصَاصِهِ بِالْأَخِيرَةِ وما لو قال له عَلَيَّ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا هل قَوْلُهُ دِرْهَمًا تَفْسِيرٌ لِمَا يَلِيهِ من الْجُمْلَتَيْنِ أو هو تَفْسِيرٌ لِلْجُمْلَتَيْنِ فيه وَجْهَانِ وَحَكَاهُمَا الشَّاشِيُّ في الْحِلْيَةِ وَنُسِبَ الْأَوَّلُ لِلْإِصْطَخْرِيِّ وَابْنِ خَيْرَانَ وَالثَّانِي لِلْجُمْهُورِ وَبَنَى عَلَيْهِمَا ما لو قال بِعْتُك هذا بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَصِحُّ وَعَلَى الثَّانِي يَصِحُّ مَسْأَلَةٌ الْمُمَيِّزِ إذَا وَرَدَ على شَيْئَيْنِ وَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مُمَيِّزًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَأَنْ يَكُونَ مُمَيِّزًا لِلْمَجْمُوعِ فيه خِلَافٌ يَتَخَرَّجُ عليه مَسْأَلَةٌ لو قال إنْ حِضْتُمَا حَيْضَةً فَأَنْتُمَا طَالِقَانِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا وَالثَّانِي لِلْمَجْمُوعِ وهو مُحَالٌ فَيَكُونُ تَعْلِيقًا بِمُسْتَحِيلٍ وَمِثْلُهُ إنْ دَخَلْتُمَا هَاتَيْنِ الدَّارَيْنِ
- الْمَفْعُولُ معه وَلَهُ كُلٌّ مِنْهُمَا مُقَيِّدٌ لِلْفِعْلِ وَيَفْتَرِقَانِ من جِهَةِ أَنَّ الْمَفْعُولَ له هو الْغَرَضُ الْحَامِلُ على الْفِعْلِ فَهُوَ لَازِمٌ لِلْفِعْلِ في الْمَعْنَى بِخِلَافِ الْمَفْعُولِ معه قال بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ وفي الْمَفْعُولِ معه الْفَاعِلُ مُصَاحِبٌ له لَا أَنَّهُ مُشْتَرِكٌ مع صَاحِبِ الْفِعْلِ في الْفِعْلِ مَسْأَلَةٌ قال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ في كِتَابِهِ اخْتَلَفُوا في الْجُمْلَتَيْنِ الْمُتَّصِلَتَيْنِ إذَا أَمْكَنَ إفْرَادُ كل وَاحِدٍ بِلَفْظِهَا وَحُكْمِهَا وَقَامَ الدَّلِيلُ على تَخْصِيصِ إحْدَاهُمَا من غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ أو وَصْفٍ مُتَّصِلٍ بِهِمَا فقال الْأَكْثَرُونَ إنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِيمَا اتَّصَلَ بِهِ وَلَا يُحْمَلُ على حُكْمِهِ إلَّا بِمِثْلِ دَلِيلِهِ وقال آخَرُونَ إنَّهُ يُوجِبُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا وإذا لم يُمْكِنْ إفْرَادُ كل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِالْحُكْمِ وَاللَّفْظِ كَانَتَا كَالْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ وَالِاسْتِثْنَاءُ عَامِلٌ فيها مَعًا وَإِنْ اخْتَصَّتْ الدَّلَالَةُ بِإِحْدَاهُمَا مَسْأَلَةٌ قال وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ في الضَّمِيرِ وإذا اتَّصَلَ بِأَحَدِ الْأَجْنَاسِ مع الْعَطْفِ فإنه يَعُودُ إلَى الْجَمِيعِ كَقَوْلِهِمْ أَعْطَيْتُ بَنِي زَيْدٍ وَأَكْرَمْتُ بَنِي عَمْرٍو وَأَكْرَمُونِي وَأَعْطَوْنِي وَكَقَوْلِهِمْ جَاءَنِي بَنُو فُلَانٍ وَهُمْ أَكَلُوا فَالْهَاءُ وَالْمِيمُ وَالْوَاوُ وَالْأَلِفُ في الْجَمِيعِ رَاجِعٌ إلَى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ لَا يُخَصُّ منه شَيْءٌ إلَّا بِدَلِيلٍ فَإِنْ جُمِعَ بين الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ فَإِنْ وُصِلَ الْكَلَامُ بِسِمَةِ الْجَمْعِ الْمَوْضُوعَةِ لِلْإِنَاثِ كانت لِلْجِنْسِ الْمُخْتَصِّ بها في أَصْلِ الْوَضْعِ كَقَوْلِك جَاءَنِي مُسْلِمُونَ وَمُؤْمِنَاتٌ فَأَكَلْنَ وَيَجُوزُ حَمْلُهُ على الْجَمِيعِ بِدَلِيلٍ نَحْوُ فَأَكَلْنَ وَأَكَلُوا على الِاخْتِصَارِ وَإِنْ وُصِلَ بِالسِّمَةِ الْمَوْضُوعَةِ لِجَمْعِ الذُّكُورِ فَالظَّاهِرُ رُجُوعُهَا إلَى الذُّكُورِ وَلَا يُحْمَلُ على الْجَمِيعِ إلَّا بِدَلِيلٍ قال وَلَا فَرْقَ في ذلك بين تَقْدِيمِهِمْ ما تَعُودُ الْكِنَايَةُ إلَيْهِ على غَيْرِ جِنْسِهِ أو تَقْدِيمِ جِنْسِهِ عليه في أَنَّ الظَّاهِرَ رَدُّ الضَّمِيرِ
- مَسْأَلَةٌ إذَا ذُكِرَ حُكْمٌ وَعُقِّبَ بِشَرْطٍ ثُمَّ ذُكِرَ بَعْدَهُ إشَارَةٌ هل تَعُودُ لِلشَّرْطِ أو لِلْأَصْلِ فيه خِلَافٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ أَصْلُهُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لِلْمَكِّيِّ التَّمَتُّعُ وَالْقِرَانُ وَلَا يَلْزَمُهُ الدَّمُ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُ يُكْرَهُ وَيَلْزَمُهُ الدَّمُ وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ من قَوْله تَعَالَى فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فما اسْتَيْسَرَ من الْهَدْيِ فَمَنْ لم يَجِدْ فَصِيَامُ إلَى أَنْ قال ذلك لِمَنْ لم يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَعِنْدَنَا ذلك يَرْجِعُ إلَى الدَّمِ وَعِنْدَهُ إلَى أَصْلِ التَّمَتُّعِ
- التَّخْصِيصُ بِالْأَدِلَّةِ الْمُتَّصِلَةِ وَالْمُرَادُ منه ما يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ وَلَا يَحْتَاجُ في ثُبُوتِهِ إلَى ذِكْرِ لَفْظِ الْعَامِّ معه وقد ذَكَرُوهَا ثَلَاثَةً الْحِسُّ وَالْعَقْلُ وَالدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ قال الْقَرَافِيُّ وَالْحَصْرُ غَيْرُ ثَابِتٍ فَقَدْ بَقِيَ التَّخْصِيصُ بِالْعَوَائِدِ كَقَوْلِك رَأَيْت الناس أَفْضَلَ من زَيْدٍ الْعَادَةُ تَقْتَضِي بِأَنَّك لم تَرَ كُلَّ الناس وَكَذَا التَّخْصِيصُ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ كَقَوْلِك لِغُلَامِك ائْتِنِي بِمَنْ يُحَدِّثُنِي فإن ذلك لَنْ يَصْلُحَ لِحَدِيثِهِ في مِثْلِ حَالِهِ وَالتَّخْصِيصُ بِالْقِيَاسِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ دُخُولَهُ في السَّمْعِيِّ قُلْت وقد ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ في بَابِ الْوَكَالَةِ أَنَّ الْقَرَائِنَ قد تَقْوَى فَيَتْرُكُ لها إطْلَاقَ اللَّفْظِ قال أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا أَمَرَهُ في الصَّيْفِ بِشِرَاءِ شَيْءٍ لَا يَشْتَرِيهِ في الشِّتَاءِ قال وقد يَتَعَادَلُ اللَّفْظُ وَالْقَرِينَةُ وَيَنْشَأُ من تَعَادُلِهِمَا خِلَافٌ في الْمَسْأَلَةِ ثُمَّ نُقِلَ بَعْدَ أَوْرَاقٍ عن الْإِمَامِ في الْكَلَامِ على أَنَّ الْوَكِيلَ هل يُوَكِّلُ أَنَّ الْخِلَافَ نَاظِرٌ إلَى اللَّفْظِ وَالْقَرِينَةِ وفي الْقَرِينَةِ تَرَدُّدٌ في التَّعْمِيمِ وَالتَّخْصِيصِ وفي هذا فَائِدَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الْقَرَائِنَ قد يَثْبُتُ فيها الْعُمُومُ الْأَوَّلُ التَّخْصِيصُ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ ضَرُورِيًّا كان أو نَظَرِيًّا فَالْأَوَّلُ كَتَخْصِيصِ قَوْله تَعَالَى اللَّهُ خَالِقُ كل شَيْءٍ فَإِنَّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ ليس خَالِقًا لِنَفْسِهِ وَالثَّانِي كَتَخْصِيصِ قَوْله تَعَالَى وَلِلَّهِ على الناس الْآيَةَ فَإِنَّا نُخَصِّصُ الطِّفْلَ وَالْمَجْنُونَ لِعَدَمِ فَهْمِهِمَا الْخِطَابَ قال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَلَا خِلَافَ بين أَهْلِ الْعِلْمِ في ذلك قال الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الصِّيغَةَ الْعَامَّةَ إذَا وَرَدَتْ وَاقْتَضَى الْعَقْلُ امْتِنَاعَ تَعْمِيمِهَا فَيُعْلَمُ من جِهَةِ الْعَقْلِ أَنَّ الْمُرَادَ بها خُصُوصُ ما لَا يُحِيلُهُ الْعَقْلُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ الْعَقْلَ صِلَةٌ لِلصِّيغَةِ نَازِلَةٌ له مَنْزِلَةَ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ بِالْكَلَامِ وَلَكِنَّ الْمُرَادَ بِهِ ما قَدَّمْنَاهُ أَنَّا نَعْلَمُ بِالْعَقْلِ أَنَّ مُطْلَقَ الصِّيغَةِ لم يُرَدْ تَعْمِيمُهَا وقد مَنَعَ بَعْضُهُمْ التَّخْصِيصَ بِالْعَقْلِ وهو ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ في الرِّسَالَةِ فإنه قال في بَابِ ما نَزَلَ من كِتَابٍ عَامًّا يُرَادُ بِهِ الْعَامُّ وَيَدْخُلُهُ الْخُصُوصُ ثُمَّ قال
- الشَّافِعِيُّ قال اللَّهُ عز وجل اللَّهُ خَالِقُ كل شَيْءٍ وَذَكَرَ قَوْله تَعَالَى وما من دَابَّةٍ في الْأَرْضِ إلَّا على اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا فَهَذَا عَامٌّ لَا خُصُوصَ فيه فَكُلُّ شَيْءٍ من سَمَاءٍ وَأَرْضٍ وَذِي رُوحٍ وَشَجَرٍ وَغَيْرِ ذلك فَاَللَّهُ خَالِقُهُ وَكُلُّ دَابَّةٍ فَعَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا انْتَهَى وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ عن أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ من الْعُمُومِ لِمَا يَصِحُّ دُخُولُهُ فيه لَوْلَا دَلِيلُ التَّخْصِيصِ فَأَمَّا الذي يَسْتَحِيلُ دُخُولُهُ في عُمُومِ الْخِطَابِ فَلَيْسَ خُرُوجُهُ عنه تَخْصِيصًا وقال في كِتَابِ التَّحْصِيلِ إنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عليه قال في قَوْله تَعَالَى اللَّهُ خَالِقُ كل شَيْءٍ إنَّهُ عَامٌّ لَا خُصُوصَ فيه وَاعْتَرَضَ ابن دَاوُد عليه بِتَخْصِيصِ كَلَامِهِ وَصَرْفِهِ عن ظَاهِرِهِ وَأَجَابَ ابن سُرَيْجٍ وَالصَّيْرَفِيُّ عنه بِأَنَّ التَّخْصِيصَ مَعْنَاهُ أَنْ يَخْرُجَ عن عُمُومِ اللَّفْظِ بِالدَّلِيلِ ما كان يَجُوزُ دُخُولٌ فيه من طَرِيقِ الْعَقْلِ فَأَمَّا الذي يَسْتَحِيلُ دُخُولُهُ في عُمُومِ اللَّفْظِ فإن خُرُوجَهُ عن الْخِطَابِ لَا يَكُونُ تَخْصِيصًا انْتَهَى وَفَصَّلَ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في اللُّمَعِ بين ما يَجُوزُ وُرُودُ الشَّرْعِ بِخِلَافِهِ وهو ما يَقْتَضِيهِ الْعَقْلُ من بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ فَيَمْتَنِعُ التَّخْصِيصُ بِهِ لِأَنَّ ذلك إنَّمَا يُسْتَدَلُّ بِهِ لِعَدَمِ الشَّرْعِ فإذا وَرَدَ الشَّرْعُ سَقَطَ الِاسْتِدْلَال بِهِ وَصَارَ الْحُكْمُ لِلشَّرْعِ فَأَمَّا ما لَا يَجُوزُ وُرُودُ الشَّرْعِ بِخِلَافِهِ كَاَلَّذِي دَلَّ الْعَقْلُ على نَفْيِهِ فَيَجُوزُ نَحْوُ اللَّهُ خَالِقُ كل شَيْءٍ فإن الْمُرَادَ ما خَلَا الصِّفَاتِ لِدَلَالَةِ الْعَقْلِ على ذلك انْتَهَى وَهَذَا يَحْسُنُ أَنْ يَكُونَ تَقْيِيدًا لِكَلَامِ من أَطْلَقَ لَا مَذْهَبًا آخَرَ ثُمَّ قال الْقَاضِي وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن الْقُشَيْرِيّ وَالْغَزَالِيُّ وَإِلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَغَيْرُهُمْ النِّزَاعُ لَفْظِيٌّ إذْ مُقْتَضَى الْعَقْلِ ثَابِتٌ دُونَ اللَّفْظِ إجْمَاعًا لَكِنَّ الْخِلَافَ في تَسْمِيَتِهِ تَخْصِيصًا فَالْخَصْمُ لَا يُسَمِّيهِ لِأَنَّ الْمُخَصِّصَ هو الْمُؤَثِّرُ في التَّخْصِيصِ وهو الْإِرَادَةُ لَا الْعَقْلُ وَلِأَنَّ دَلِيلَ الْعَقْلِ سَابِقٌ فَلَا يَعْمَلُ في اللَّفْظِ بَلْ يَكُونُ مُرَتَّبًا عليه وَمَعْنَى قَوْلِنَا إنَّهُ مُخَصِّصٌ أَنَّ الدَّلِيلَ دَلَّ على أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْخُصُوصُ وَلِذَلِكَ الْعَقْلُ هذا الْحَظُّ وَالدَّلِيلُ لَا يُخَصُّ وَلَكِنَّهُ يُعْلَمُ أَنَّهُ الْقَصْدُ فَلَا فَرْقَ إذَنْ بين دَلِيلِ الْعَقْلِ وَالسَّمْعِ في ذلك
- وَكَذَا قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ أَجْمَعُوا على صِحَّةِ دَلَالَةِ الْعَقْلِ على خُرُوجِ شَيْءٍ عن حُكْمِ الْعُمُومِ وَاخْتَلَفُوا في تَسْمِيَتِهِ تَخْصِيصًا وَمِنْهُمْ من قال إنَّهُ مَعْنَوِيٌّ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ وَجْهُهُ عِنْدَ من لَا يقول بِهِ أَنَّ اللَّفْظَ غَيْرُ مَوْضُوعٍ له لِأَنَّهُ لَا يُوضَعُ لِغَيْرِ الْمَعْقُولِ فَيَكُونُ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ لِعَدَمِ الْمُقْتَضِي وهو حُجَّةٌ وَحَقِيقَةٌ عِنْدَهُ قَطْعًا وَمَنْ قال إنَّهُ مُخَصِّصٌ كان مَجَازًا على الْخِلَافِ في الْعَامِّ إذَا خُصَّ فَيَجْرِي فيه الْخِلَافُ على هذا وَلَا يَجْرِي على الْأَوَّلِ وَقِيلَ بَلْ الْخِلَافُ رَاجِعٌ إلَى التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيَّيْنِ وهو قَوْلُ أبي الْخَطَّابِ من الْحَنَابِلَةِ قال الْمَنْعُ بِنَاءً على أَنَّ الْعَقْلَ لَا يَحْسُنُ وَلَا يَقْبُحُ وَأَنَّ الشَّرْعَ يَرِدُ بِمَا لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْلُ وَأَنْكَرَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ وقال النَّقْشَوَانِيُّ الْكَلَامُ ليس في مُطْلَقِ الْعُمُومِ بَلْ في الْعُمُومَاتِ الدَّالَّةِ على الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فإن الْفَقِيهَ لَا يَنْظُرُ في غَيْرِ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ وَكَذَا الْأُصُولِيُّ وَحِينَئِذٍ فَالْعَقْلُ لَا مَجَالَ له في تَحْصِيلِ هذه الْعُمُومَاتِ إلَّا بِالنَّظَرِ في دَلِيلٍ آخَرَ شَرْعِيٍّ فإذا فَرَضْنَا نَصًّا يَقْتَضِي إبَاحَةَ الْقَتْلِ فَالْعَقْلُ إنَّمَا يُخَصِّصُهُ لو أَدْرَكَ الْمَصْلَحَةَ وَكَيْفَ يُدْرِكُهَا فَلَا يُخَصِّصُهَا انْتَهَى وَهَذَا الذي قَالَهُ مَرْدُودٌ بِمَا سَبَقَ عن الْقَاضِي وَغَيْرِهِ في تَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ اخْتَلَفُوا هل يَدْخُلُ في الْعُمُومِ ما يَمْنَعُ الْعَقْلَ إجْرَاءَ الْحُكْمِ فيه على قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُهُ فَيُخْرِجُهُ بِهِ دَلِيلُهُ وَالثَّانِي أَنَّهُ يَتَنَاوَلُهُ كَغَيْرِهِ إلَّا أَنَّ الدَّلِيلَ أَوْجَبَ إخْرَاجَهُ عنه قال وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ هُنَا أَنَّ اللَّفْظَ إذَا وَرَدَ عنه عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ في إسْقَاطٍ أو إيجَابٍ أو حَظْرٍ أو إبَاحَةٍ فَهَلْ يُسْتَدَلُّ بِهِ على وُجُوبِ تِلْكَ الْأَحْكَامِ عليه أو لَا هذا كَلَامُهُ وهو أَثْبَتُ مَعْقُولٍ في هذه الْمَسْأَلَةِ تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ من أَمْثِلَتِهِمْ وَاَللَّهُ على كل شَيْءٍ قَدِيرٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الشَّيْءَ مَصْدَرُ شَاءَ يَشَاءُ فَهُوَ من أَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ فَإِطْلَاقُهُ على الذَّوَاتِ من بَابِ إطْلَاقِ الْمَصْدَرِ على الْمَفْعُولِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى هذا خَلْقُ اللَّهِ أَيْ مَخْلُوقُ اللَّهِ وَنَحْوُ دِرْهَمٌ ضَرْبُ الْأَمِيرِ أَيْ مَضْرُوبُ الْأَمِيرِ فَقَوْلُنَا هذا شَيْءٌ في الذَّوَاتِ أَيْ مُشَاءٌ فَحَقُّهُ أَنْ يَكُونَ ما تَتَعَلَّقُ بِهِ الْمَشِيئَةُ إمَّا بِالْفِعْلِ كَالْمَوْجُودَاتِ أو بِالْقُوَّةِ كَالْمَعْدُومِ الْمُمْكِنِ فَقَوْلُهُ إنَّ اللَّهَ على كل شَيْءٍ قَدِيرٌ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ
- شَيْءٍ عَلِيمٌ وما شَاكَلَهُ على عُمُومِهِ لِأَنَّ إلَهًا ثَابِتًا وَنَحْوَهُ من الْمُحَالَاتِ فَلَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْمَشِيئَةُ لَا بِالْفِعْلِ وَلَا بِالْقُوَّةِ فَلَا يُسَمَّى شيئا فَلَا يَدْخُلُ في قَوْلِهِ إنَّ اللَّهَ على كل شَيْءٍ قَدِيرٌ فَلَا يُقَالُ إنَّهُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ فإنه لم يَدْخُلْ فيه الْمُحَالُ لِذَاتِهِ وَالشَّيْءُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ يَخُصُّ الْمَوْجُودَ لَا الْمَعْدُومَ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ في الْمَعْدُومِ الذي يَصِحُّ وُجُودُهُ شَيْءٌ وَأَمَّا الْمُسْتَحِيلُ فَلَا خِلَافَ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ في أَنَّهُ لَا شَيْءَ وَغَلِطَ الزَّمَخْشَرِيّ على الْمُعْتَزِلَةِ فَأَدْخَلَ الْمُسْتَحِيلَ في اسْمِ الشَّيْءِ وَإِنَّمَا هذا مَذْهَبُ النُّحَاةِ فإن سِيبَوَيْهِ وَقَعَ له أَنَّ الشَّيْءَ عَامٌّ مُتَنَاوِلٌ قال هو كما تَقُولُ مَعْلُومٌ وَلَا خَفَاءَ في أَنَّ الْمَعْلُومَ يَدْخُلُ فيه الْمُسْتَحِيلُ على أَنَّ أَبَا هَاشِمٍ يقول الْعِلْمُ بِالْمُسْتَحِيلِ عِلْمٌ لَا مَعْلُومَ له وَمِمَّا يُحَقِّقُ أَنَّ الشَّيْءَ مُخْتَصٌّ بِالْمَوْجُودَاتِ أَنَّهُ مَصْدَرٌ من شَاءَ يَشَاءُ إذَا قُصِدَ فَكَأَنَّ الشَّيْءَ هو الْمَقْصُودُ إلَيْهِ وَإِنَّمَا يُقْصَدُ الْمَوْجُودُ لَا الْمَعْدُومُ وَالْمُسْتَحِيلُ وَأَيْضًا فَإِطْلَاقُ الشَّيْءِ على الذَّاتِ الْكَرِيمَةِ فيه خِلَافٌ وَلَئِنْ سُلِّمَ فَهُوَ من بَابِ الْمُشْكَلِ لِأَنَّهُ شَيْءٌ قَدِيمٌ وَاجِبُ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ لَا يُشَاكِلُهُ شَيْءٌ من الْمَخْلُوقَاتِ وَقِيلَ بَلْ يُسَمَّى شيئا بِمَعْنَى الشَّائِي وَالْمَخْلُوقَاتُ تُسَمَّى شيئا بِمَعْنَى الْمُشَاءِ فَالْمَعْنَى مُخْتَلِفٌ فَيَكُونُ مُشْتَرِكًا الثَّانِي من حُكْمِ الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ أَنْ لَا يُخَصَّصَ إلَّا بِالْقَضَايَا الْعَقْلِيَّةِ وَمِنْ حُكْمِ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ أَنْ لَا يُخَصَّصَ إلَّا بِالْقَضَايَا السَّمْعِيَّةِ وَالدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ لَا يُتَصَوَّرُ فيه إخْرَاجُ أَمْرٍ خَاصٍّ من خِطَابٍ عَامٍّ وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ ذلك في الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ وَالدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ لَا يَكُونُ إلَّا مُتَقَدِّمًا بِخِلَافِ السَّمْعِيِّ ذَكَرَهُ الْعَبْدَرِيّ في شَرْحِ الْمُسْتَصْفَى
- الثَّانِي دَلِيلُ الْحِسِّ كَقَوْلِهِ وَأُوتِيَتْ من كل شَيْءٍ مع أنها لم تُؤْتَ ما كان في يَدِ سُلَيْمَانَ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ وَقَوْلُهُ يُجْبَى إلَيْهِ ثَمَرَاتُ كل شَيْءٍ وفي عَدِّ هذا نَظَرٌ لِأَنَّهُ من الْعَامِّ الذي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ وهو خُصُوصُ ما أُوتِيَتْهُ هذه وَدَمَّرَتْهُ الرِّيحُ لَا من الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ ولم يَحْكُوا هُنَا الْخِلَافَ السَّابِقَ في التَّخْصِيصِ بِالْعَقْلِ وَيَنْبَغِي طَرْدُهُ وَنَازَعَ الْغَزَالِيُّ في تَفْرِيقِهِمْ بين دَلِيلِ الْحِسِّ وَدَلِيلِ الْعَقْلِ لِأَنَّ أَصْلَ الْعُلُومِ كُلِّهَا الْحِسُّ كما ذَكَرَهُ في مُقَدِّمَةِ الْمُسْتَصْفَى الثَّالِثُ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ وَفِيهِ مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ في تَخْصِيصِ الْمَقْطُوعِ بِالْمَقْطُوعِ وَفِيهِ مَسَائِلُ الْأُولَى يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ في قَوْلِ جُمْهُورِ الْأُمَّةِ خِلَافًا لِبَعْضِ الظَّاهِرِيَّةِ الْمُتَمَسِّكِينَ بِأَنَّ الْمُخَصِّصَ بَيَانٌ لِلْمُرَادِ بِاللَّفْظِ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ بَيَانُهُ إلَّا من السُّنَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ وَلَنَا أَنَّهُ وَقَعَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قال وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ الْآيَةَ وَهِيَ عَامَّةٌ في الْحَوَامِلِ وَغَيْرِهِنَّ فَخَصَّ أُولَاتِ الْحَمْلِ بِقَوْلِهِ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَخَصَّ بِهِ أَيْضًا الْمُطَلَّقَةَ قبل الدُّخُولِ بِقَوْلِهِ فما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ من عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا وما قَالُوهُ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْك الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَالْجَمْعُ بين الْآيَتَيْنِ أَنَّ الْبَيَانَ تَحَصَّلَ من الرَّسُولِ عليه السَّلَامُ وَذَلِكَ أَعَمُّ أَنْ يَكُونَ منه أو على لِسَانِهِ وقال الشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى في الذَّرِيعَةِ الْخِلَافُ يَرْجِعُ إلَى اللَّفْظِ وَالْمُخَالِفُ يُسَمِّي التَّخْصِيصَ بَيَانًا الثَّانِيَةُ يَجُوزُ تَخْصِيصُ السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ بِمِثْلِهَا وَالْخِلَافُ فيه أَيْضًا وَحَكَى الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ عن دَاوُد أَنَّهُمَا يَتَعَارَضَانِ لَا يَنْبَنِي أَحَدُهُمَا عن الْآخَرِ وقال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ مَنَعَ قَوْمٌ تَخْصِيصَ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَهُ مُبَيِّنًا فَلَوْ
- احْتَاجَتْ إلَى بَيَانٍ لم يَكُنْ لِلرَّدِّ إلَيْهِ مَعْنًى الثَّالِثَةُ يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ قَوْلًا وَاحِدًا بِالْإِجْمَاعِ كما حَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وقال الْآمِدِيُّ لَا أَعْرِفُ فيه خِلَافًا لَكِنْ حَكَى بَعْضُهُمْ في الْفِعْلِيَّةِ خِلَافًا وقال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ لَا خِلَافَ في ذلك إلَّا ما يَحْكِي دَاوُد في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وقال ابن كَجٍّ لَا شَكَّ في الْجَوَازِ لِأَنَّ الْخَبَرَ الْمُتَوَاتِرَ يُوجِبُ الْعِلْمَ كما أَنَّ ظَاهِرَ الْكِتَابِ يُوجِبُهُ وَأَلْحَقَ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ بِالْمُتَوَاتِرِ الْأَخْبَارَ التي يُقْطَعُ بِصِحَّتِهَا كَتَخْصِيصِ آيَةِ الْمَوَارِيثِ بِحَدِيثِ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ وهو مِثَالٌ لِلْقَوْلِيَّةِ وَمَثَّلُوا لِلْفِعْلِيَّةِ بِأَنَّ قَوْلَهُ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي مَخْصُوصٌ بِمَا تَوَاتَرَ عِنْدَهُمْ من رَجْمِ الْمُحْصَنِ تَنْبِيهٌ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ في الرِّسَالَةِ يَقْتَضِي أَنَّ السُّنَّةَ لَا تَخُصُّ الْقُرْآنَ إلَّا إذَا كان فيه احْتِمَالُ التَّخْصِيصِ فَإِنْ قال فيها وَيُقَالُ خَاصٌّ حتى تَكُونَ الْآيَةُ تَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أُرِيدَ بها الْخَاصُّ فَأَمَّا إنْ لم يَكُنْ مُحْتَمَلَةً له فَلَا يُقَالُ فيها بِمَا لَا تَحْتَمِلُ الْآيَةَ وهو الثَّابِتُ في الحديث أَنَّهُ يُؤْخَذُ من كل حَالِمٍ دِينَارٌ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ في نَسْخِ السُّنَّةِ الْقُرْآنَ الرَّابِعَةُ يَجُوزُ تَخْصِيصُ السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ بِالْكِتَابِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَعَنْ بَعْضِ فُقَهَاءِ أَصْحَابِنَا الْمَنْعُ وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ قال ابن بَرْهَانٍ وهو قَوْلُ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ وقال مَكْحُولٌ وَيَحْيَى بن أبي كَثِيرٍ السُّنَّةُ تَقْضِي على الْكِتَابِ وَالْكِتَابُ لَا يَقْضِي على السُّنَّةِ
- تَنْبِيهٌ سَيَأْتِي في بَابِ النَّسْخِ من كَلَامِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ السُّنَّةَ لَا يَنْسَخُهَا الْقُرْآنُ إلَّا إذَا كان مَعَهَا سُنَّةٌ تُبَيِّنُ أنها مَنْسُوخَةٌ وَإِلَّا خَرَجَتْ السُّنَنُ عن أَيْدِينَا فَيُحْتَمَلُ أَنَّ لنا هُنَا اشْتِرَاطَهُ وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ وَالْفَرْقُ أَنَّ النَّسْخَ رَفْعٌ فَهُوَ أَقْوَى من التَّخْصِيصِ الْخَامِسَةُ يَجُوزُ تَخْصِيصُ عُمُومِ الْكِتَابِ وَكَذَا السُّنَّةُ الْمُتَوَاتِرَةُ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْخَطَأُ فيه وَالْعَامُّ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الِاحْتِمَالُ قال الْآمِدِيُّ لَا أَعْرِفُ فيه خِلَافًا وَكَذَا حَكَى الْإِجْمَاعَ عليه الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ قال وَمَعْنَاهُ أَنْ يُعْلَمَ بِالْإِجْمَاعِ أَنَّ الْمُرَادَ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ بَعْضُ ما يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُهُ وفي الْحَقِيقَةِ يَكُونُ التَّخْصِيصُ بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ لَا بِنَفْسِ الْإِجْمَاعِ لَكِنْ حَكَى الْإِمَامُ بن الْقُشَيْرِيّ الْخِلَافَ هَاهُنَا فقال يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِالْإِجْمَاعِ على مَعْنَى أَنَّهُ إذَا وَرَدَ لَفْظٌ عَامٌّ وَاتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ على أَنَّهُ لَا يَجْرِي على عُمُومِهِ فَالْإِجْمَاعُ مُخَصِّصٌ له كما قُلْنَا في دَلِيلِ الْعَقْلِ وَالْمُخَالِفُ في تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ يُخَالِفُ في هذه وقد بَيَّنَّا أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ وقال أبو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِالْإِجْمَاعِ فإذا أَجْمَعُوا على أَنَّ ما رُفِعَ عن الْعَامِّ خَارِجٌ منه وَجَبَ الْقَطْعُ بِخُرُوجِهِ وَجَوَّزْنَا أَنْ يَكُونَ تَخْصِيصًا وَأَنْ يَكُونَ نَسْخًا انْتَهَى فِيمَا ذَكَرَهُ من احْتِمَالِ النَّسْخِ نَظَرٌ وقال الْقَرَافِيُّ الْإِجْمَاعُ أَقْوَى من النَّصِّ لِأَنَّ الْخَاصَّ لِأَنَّ النَّصَّ يُحْتَمَلُ نَسْخُهُ وَالْإِجْمَاعُ لَا يُنْسَخُ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَنْعَقِدُ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْوَحْيِ وَجَعَلَ الصَّيْرَفِيُّ من أَمْثِلَتِهِ قَوْله تَعَالَى إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ من يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا قال وَأَجْمَعُوا على أَنَّهُ لَا جُمُعَةَ على عَبْدٍ وَلَا امْرَأَةٍ وَمَثَّلَهُ ابن حَزْمٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى حتى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ وَاتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ على أَنَّهُمْ إنْ بَذَلُوا فَلْسًا أو فَلْسَيْنِ لم يَجُزْ بِذَلِكَ حَقْنُ دِمَائِهِمْ كما قال الْجِزْيَةُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ عَلِمْنَا أَنَّهُ أَرَادَ جِزْيَةً مَعْلُومَةً
- الْبَحْثُ الثَّانِي في تَخْصِيصِ الْمَقْطُوعِ بِالْمَظْنُونِ وَفِيهِ مَسَائِلُ الْأَوَّلُ يَجُوزُ تَخْصِيصُ عُمُومِ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وهو الْمَنْقُولُ عن الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ فإن الْخَبَرَ يَتَسَلَّطُ على فَحْوَاهُ وَفَحْوَاهُ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَمَنْ شَكَّ أَنَّ الصِّدِّيقَ لو رَوَى خَبَرًا عن الْمُصْطَفَى في تَخْصِيصِ عُمُومِ الْكِتَابِ لَابْتَدَرَهُ الصَّحَابَةُ قَاطِبَةً بِالْقَبُولِ فَلَيْسَ على دِرَايَةٍ في قَاعِدَةِ الْأَخْبَارِ وَاحْتَجَّ ابن السَّمْعَانِيِّ في بَابِ الْأَخْبَارِ على الْجَوَازِ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُمْ خَصُّوا قَوْله تَعَالَى يُوصِيكُمْ اللَّهُ في أَوْلَادِكُمْ بِقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ إنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ فَإِنْ قالوا إنَّ فَاطِمَةَ رضي اللَّهُ عنها طَلَبَتْ الْمِيرَاثَ قُلْنَا إنَّمَا طَلَبَتْ النُّحْلَى لَا الْمِيرَاثَ وَخُصَّ الْمِيرَاثُ بِالْمُسْلِمِينَ عَمَلًا بِقَوْلِهِ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَخَصُّوا قَوْله تَعَالَى وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا بِمَا وَرَدَ عن أبي سَعِيدٍ في بَيْعِ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ وَخَصُّوا قَوْله تَعَالَى اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ بِخَبَرِ عبد الرحمن بن عَوْفٍ في الْمَجُوسِ سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسُ مُشْرِكُونَ وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ رضي اللَّهُ عنه لَا نَدَعُ كِتَابَ اللَّهِ وَلَا سُنَّةَ نَبِيِّنَا لِقَوْلِ امْرَأَةٍ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ لَا نَدَعُ كِتَابَ نَبِيِّنَا نَسْخًا فإنه لَا يُقَالُ لِمَنْ خَصَّ آيَةً من الْقُرْآنِ أَنَّهُ تَرَكَ الْقُرْآنَ وَإِنَّمَا يُقَالُ ذلك لِمَنْ ادَّعَى النَّسْخَ انْتَهَى
- وَالْقَوْلُ الثَّانِي الْمَنْعُ مُطْلَقًا وَبِهِ قال بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ كما حَكَاهُ أبو الْخَطَّابِ وَنَقَلَهُ الْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ عن الْمُعْتَزِلَةِ لِأَنَّ الْخَبَرَ لَا يُقْطَعُ بِأَصْلِهِ بِخِلَافِ الْقُرْآنِ وَنَقَلَهُ ابن بَرْهَانٍ عن طَائِفَةٍ من الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَنَقَلَهُ أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ عن طَائِفَةٍ من أَهْلِ الْعِرَاقِ وَأَنَّهُمْ لِأَجْلِهِ مَنَعُوا الْحُكْمَ بِالْقُرْعَةِ وَبِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَلَنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ نَبِيِّهِ وَلَا فَرْقَ بين أَنْ يَكُونَ مُخَصِّصًا لِلظَّاهِرِ أو مُبْتَدِئًا وَلَا مَعْنَى لِإِمْكَانِ التَّخْصِيصِ مع الْقَوْلِ بِحُجِّيَّةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ قال أَهْلُ الْعِرَاقِ بِهِ في الْجُمْلَةِ وَخَالَفُونَا في التَّفْصِيلِ فَقَالُوا وقَوْله تَعَالَى وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ على عَمَّتِهَا وهو خَبَرُ وَاحِدٍ وَكَذَا قَوْله تَعَالَى قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا الْآيَةَ فَقَالُوا بِتَحْرِيمِ أَكْلِ كل ذِي نَابٍ من السِّبَاعِ الثَّالِثُ التَّفْصِيلُ بين ما دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ وما لم يَدْخُلْهُ فَإِنْ لم يَدْخُلْهُ يَبْقَى على حَقِيقَتِهِ وما دَخَلَهُ بَقِيَ مَجَازًا وَضَعُفَتْ دَلَالَتُهُ وَنَقَلُوهُ عن عِيسَى بن أَبَانَ وهو مُشْكِلٌ بِمَا سَبَقَ عنه من أَنَّ الْعَامَّ الْمَخْصُوصَ ليس بِحُجَّةٍ لِأَنَّهُ إذَا كان حُجَّةً لم يَبْقَ لِلْقَوْلِ بِتَخْصِيصِهِ فَائِدَةٌ إذْ فَائِدَةُ التَّخْصِيصِ بَيَانُ أَنَّ الصُّورَةَ الْمَخْصُوصَةَ لَا يَتَنَاوَلُهَا حُكْمُ الْعُمُومِ وَالتَّقْدِيرُ لم يَبْقَ له حُكْمٌ أو له حُكْمٌ مُجْمَلٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَيَحْتَاجُ إلَى الْبَيَانِ فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ الْقَوْلُ بِكَوْنِهِ لَا يَبْقَى حُجَّةً مع قَوْلِهِ بِجَوَازِ تَخْصِيصِهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وقد حَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في التَّلْخِيصِ من كِتَابِ التَّقْرِيبِ عنه أَنَّهُ إنْ خُصَّ بِقَطْعِيٍّ جَازَ تَخْصِيصُ بَاقِيهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ افْتِتَاحُ تَخْصِيصِهِ بِهِ ثُمَّ قال وَهَذَا مَبْنِيٌّ على أَصْلٍ له قَدَّمْنَاهُ وهو أَنَّ الْعُمُومَ إذَا خُصَّ بَعْضُهُ صَارَ مُجْمَلًا في بَقِيَّةِ الْمُسَمَّيَاتِ لَا يُسَوِّغُ الِاسْتِدْلَالَ بِهِ فيها فَجُعِلَ الْخَبَرُ على التَّحْقِيقِ مُثْبِتًا حُكْمًا ابْتِدَاءً وَلَيْسَ سَبِيلُهُ سَبِيلَ التَّخْصِيصِ إذَا حَقَّقْته فإنه لَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَال بِاللَّفْظِ الْمُجْمَلِ في عُمُومٍ وَلَا خُصُوصٍ قبل وُرُودِ الْخَبَرِ وَبَعْدَهُ انْتَهَى ولم أَرَ ذلك في التَّقْرِيبِ لِلْقَاضِي وَإِنَّمَا حُكِيَ عنه تَجْوِيزُ تَخْصِيصِ الْعَامِّ الذي أُجْمِعَ على تَخْصِيصِهِ أو قام الدَّلِيلُ على تَخْصِيصِهِ بِكُلِّ وَجْهٍ لِأَنَّهُ بِالتَّخْصِيصِ حِينَئِذٍ مُجْمَلًا وَمَجَازًا فَيَجُوزُ لِذَلِكَ إعْمَالُ خَبَرِ الْوَاحِدِ في تَخْصِيصِ أَشْيَاءَ أُخَرَ منه
- وَنَحْوُهُ قَوْلُ الشَّيْخِ أبي حَامِدٍ عن أبي حَنِيفَةَ إنْ كانت الْآيَةُ الْعَامَّةُ دَخَلَهَا التَّخْصِيصُ جَازَ تَخْصِيصُهَا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لِأَنَّهَا تَصِيرُ بِالتَّخْصِيصِ كَالْمُجْمَلَةِ فَيَكُونُ ذلك كَالْبَيَانِ وَبَيَانُ الْمُجْمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ يَجُوزُ وقال في الْمَحْصُولِ فَأَمَّا قَوْلُ عِيسَى بن أَبَانَ وَالْكَرْخِيِّ فَيُبْنَيَانِ على حَرْفٍ وَاحِدٍ وهو أَنَّ الْعَامَّ الْمَخْصُوصَ عِنْدَ عِيسَى مَجَازٌ وَالْمَخْصُوصَ بِالدَّلِيلِ الْمُنْفَصِلِ عِنْدَ الْكَرْخِيِّ مَجَازٌ وإذا صَارَ مَجَازًا صَارَتْ دَلَالَتُهُ مَظْنُونَةً وَمَتْنُهُ مَقْطُوعًا وَخَبَرُ الْوَاحِدِ مَتْنُهُ مَظْنُونٌ وَدَلَالَتُهُ مَقْطُوعَةٌ فَيَحْصُلُ التَّعَادُلُ فَأَمَّا قبل ذلك فإنه حَقِيقَةٌ في الْعُمُومِ فَيَكُونُ قَاطِعًا في مَتْنِهِ وَدَلَالَتِهِ فَلَا يُرَجَّحُ عليه الْمَظْنُونُ وَهَذَا الْمَأْخَذُ الذي ذَكَرُوهُ تَرَدَّدَ فيه أبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ في أُصُولِهِ فقال إنْ لم يَثْبُتْ خُصُوصُهُ بِالِاتِّفَاقِ لم يَجُزْ تَخْصِيصُهُ وَإِلَّا فَإِنْ ثَبَتَ وَاحْتَمَلَ اللَّفْظُ مَعَانِيَ وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فيها وكان اللَّفْظُ يَفْتَقِرُ على الْبَيَانِ جَازَ تَخْصِيصُهُ وَتَبْيِينُهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ قال وَهَذَا عِنْدِي مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا وَعَلَيْهِ تَدُلُّ أُصُولُهُمْ وَمَسَائِلُهُمْ وَاحْتَجَّ بِكَلَامِ عِيسَى بن أَبَانَ وَذَكَرَهُ قال فَنَصَّ عِيسَى على أَنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ الذي لم يَثْبُتْ خُصُوصُهُ بِالِاتِّفَاقِ لَا يُخَصُّ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ثُمَّ قال وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قال ذلك لِأَنَّهُ كان من مَذْهَبِهِ أَنَّ الْعَامَّ إذَا خُصَّ سَقَطَ الِاسْتِدْلَال بِهِ فِيمَا عَدَا الْمَخْصُوصَ على ما كان يَذْهَبُ إلَيْهِ الْكَرْخِيّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبُهُ الْقَوْلَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ فِيمَا عَدَا الْمَخْصُوصَ لِأَنَّهُ أَجَازَ تَخْصِيصَ الْبَاقِي مع ذلك بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لِأَنَّ ما ثَبَتَ خُصُوصُهُ بِالِاتِّفَاقِ مِمَّا سَوَّغَ الِاجْتِهَادَ في تَرْكِ حُكْمِ اللَّفْظِ لِأَنَّهُ صَارَ مَجَازًا أَمَّا إذَا كان اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِمَعَانٍ فَيُقْبَلُ خَبَرُ الْوَاحِدِ في إثْبَاتِ الْمُرَادِ بِهِ انْتَهَى وَنَقَلَ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ عن عِيسَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ عُمُومُ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قد خُصَّ بِالْإِجْمَاعِ فَيُزَادُ في تَخْصِيصِهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ قال وقال وَإِنْ كانت الْآيَةُ مُجْمَلَةً وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ في تَأْوِيلِهَا قُبِلَ خَبَرُ الْوَاحِدِ في تَفْسِيرِهَا وَتَخْصِيصِهَا وقال بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ من الْحَنَفِيَّةِ لَا خِلَافَ بين أَصْحَابِنَا في أَنَّ الْعَامَّ إذَا خُصَّ منه شَيْءٌ بِدَلِيلٍ مُقَارِنٍ جَازَ تَخْصِيصُهُ بَعْدَ ذلك مُتَرَاخِيًا وَأَمَّا الْعَامُّ الذي لم يُخَصَّ منه شَيْءٌ فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ ابْتِدَاءً بِدَلِيلٍ يَتَأَخَّرُ عنه عِنْدَ الشَّيْخِ أبي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ وَعَامَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ من أَصْحَابِنَا وَعِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ مُتَرَاخِيًا ابْتِدَاءً كما يَجُوزُ مُتَّصِلًا
- قال وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ جَوَازِ التَّخْصِيصِ بِالْمُتَأَخِّرِ أَنَّ الْمُتَأَخِّرَ لَا يَكُونُ بَيَانًا فإن الْمُرَادَ من الْعَامِّ بَعْضُهُ ابْتِدَاءً كما هو شَأْنُ التَّخْصِيصِ بَلْ يَكُونُ نَاسِخًا لِبَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ بِإِخْرَاجِهِ عن حُكْمِ الْعَامِّ بَلْ بَعْدَ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فيه مُقْتَصِرًا على الْحَالِ الرَّابِعُ إنْ كان التَّخْصِيصُ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ جَازَ وَإِنْ كان بِمُتَّصِلٍ فَلَا قَالَهُ الْكَرْخِيّ لِأَنَّ تَخْصِيصَهُ بِمُنْفَصِلٍ يُصَيِّرُهُ مَجَازًا على مَذْهَبِهِ فَتَضْعُفُ دَلَالَتُهُ وَهَذَا الْمَذْهَبُ وما قَالَهُ مَبْنِيٌّ على أَنَّ دَلَالَةَ الْعَامِّ على أَفْرَادِهِ قَطْعِيَّةٌ فَإِنْ قُلْنَا ظَنِّيَّةٌ جَازَ التَّخْصِيصُ بِهِ وَلِهَذَا قال ابن السَّمْعَانِيِّ ما قَالَهُ ابن أَبَانَ مَبْنِيٌّ على أَصْلٍ لَا نُوَافِقُهُ عليه الْخَامِسُ يَجُوزُ التَّعَبُّدُ بِوُرُودِهِ وَيَجُوزُ أَنْ يُرَدَّ لَكِنَّهُ لم يَقَعْ حَكَاهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ وَحَكَى قَوْلًا آخَرَ أَنَّهُ لم يَرِدْ بَلْ وَرَدَ الْمَنْعُ منه السَّادِسُ الْوَقْفُ ثُمَّ قِيلَ بِمَعْنَى لَا أَدْرِي وَقِيلَ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَقَعُ التَّعَارُضُ في ذلك الْقَدْرِ الذي دَلَّ الْعُمُومُ على إثْبَاتِهِ وَالْخُصُوصُ على نَفْيِهِ وَيَجْرِي اللَّفْظُ الْعَامُّ من الْكِتَابِ في بَقِيَّةِ مُسَمَّيَاتِهِ لِأَنَّ الْكِتَابَ أَصْلُهُ قَطْعِيٌّ وَفَحْوَاهُ مَظْنُونٌ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ عَكْسُهُ فَيَتَعَارَضَانِ فَلَا رُجْحَانَ فَيَجِبُ الْوَقْفُ وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي أبي بَكْرٍ في التَّقْرِيبِ وَحَكَاهُ عنه إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في التَّلْخِيصِ وَإِلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وقال هو مُتَّجَهٌ جِدًّا وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ الْجَوَازُ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عليه في مَسَائِلَ كَنَفْيِ مِيرَاثِ الْقَاتِلِ بِقَوْلِهِ لَا يَرِثُ الْقَاتِلُ مع قَوْلِهِ يُوصِيكُمْ اللَّهُ وَالنَّهْيُ عن الْجَمْعِ بين الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا مع قَوْلِهِ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَرَاءَ ذَلِكُمْ إلَى غَيْرِ ذلك وَغَايَةُ الْمُخَالِفِ أَنْ يَقُولَ لَعَلَّ الْخَبَرَ كان مُتَوَاتِرًا عِنْدَهُمْ ثُمَّ اسْتَغْنَى عنه فَصَارَ آحَادًا فَقِيلَ لهم قد رَوَى الصِّدِّيقُ إنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ وَطَرَحُوا بِهِ مِيرَاثَ فَاطِمَةَ رضي اللَّهُ عنها فَقَالُوا كَانُوا عَلِمُوا ذلك وَإِنَّمَا ذَكَّرَهُمْ الصِّدِّيقُ قُلْنَا لو كان مُتَوَاتِرًا لم يَخْفَ على فَاطِمَةَ ا ه
- تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ يَجِبُ على أَصْلِ الْقَاضِي أَنْ يَجْزِمَ بِالتَّخْصِيصِ لِأَنَّ الْقِيَاسَ عِنْدَهُ مُسَاوٍ لِعُمُومِ الْكِتَابِ لِوُقُوفِهِ في تَخْصِيصِهِ له كما سَيَأْتِي فَكَيْفَ يُسَاوِي هو ما دُونَهُ الثَّانِي ذَكَرَ ابن السَّمْعَانِيِّ أَنَّ الْخِلَافَ في أَخْبَارِ الْآحَادِ التي لَا تُجْمِعُ الْأُمَّةُ على الْعَمَلِ بها أَمَّا ما أَجْمَعُوا عليه كَقَوْلِهِ لَا مِيرَاثَ لِقَاتِلٍ وَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ وَكَنَهْيِهِ عن الْجَمْعِ فَيَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِهِ قَطْعًا وَيَصِيرُ ذلك كَالتَّخْصِيصِ بِالْمُتَوَاتِرِ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ على حُكْمِهَا وَلَا يَضِيرُ عَدَمُ انْعِقَادِهِ على رِوَايَتِهَا وقد سَبَقَ في كَلَامِ الْأُسْتَاذِ أبي مَنْصُورٍ ذلك أَيْضًا فإنه أَلْحَقَ هذا الْقِسْمَ بِالْمُتَوَاتِرِ وقال ابن كَجٍّ في كِتَابِهِ خَبَرُ الْوَاحِدِ يُخَصُّ بِهِ ظَاهِرُ الْكِتَابِ عِنْدَنَا إذَا كان لم يَجْتَمِعْ على تَخْصِيصِهِ كَآيَةِ الرَّضَاعِ فَإِنْ أُجْمِعَ على تَخْصِيصِهِ جَازَ أَنْ يُقْضَى عليه بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فِيمَا عَدَا ما أَجْمَعُوا عليه كَآيَةِ السَّرِقَةِ وَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الثَّانِيَةُ يَجُوزُ تَخْصِيصُ السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَيَجْرِي فيه الْخِلَافُ السَّابِقُ كما صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الْبُرْهَانِ وَغَيْرُهُمَا فَإِنْكَارُ من أَنْكَرَ على الْبَيْضَاوِيِّ ذلك غَلَطٌ فَرْعٌ هل يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ بِالْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ لم أَرَ فيه نَصًّا وَيَنْبَغِي تَخْرِيجُهُ على الْخِلَافِ في حُجِّيَّتِهَا فَإِنْ قُلْنَا لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ امْتَنَعَ أو حُجَّةً فَكَخَبَرِ الْوَاحِدِ ثُمَّ رَأَيْت في كِتَابِ أبي بَكْرٍ الرَّازِيَّ تَجْوِيزَهُ إذَا اشْتَهَرَتْ وَاسْتَفَاضَتْ قال وَلِهَذَا أَخَذْنَا بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ مُتَتَابِعَاتٍ وَمَنَعْنَا بِهِ إطْلَاقَ ما في بَاقِي الْآيَةِ فَإِنْ لم يَكُنْ كَذَلِكَ لم يَجُزْ كَالْخَبَرِ سَوَاءً الثالثة يجوز تخصيص عموم الكتاب والسنة المتواترة بالقياس عند الأئمة الأربعة وقال ابن داود في شرح المختصر إن كلام الشافعي يصرح بالجواز وحكى القاضي من الحنابلة عن أحمد روايتين وبه قال أبو الحسين البصري وأبو هاشم آخرا
- وحكاه الشيخ أبو حامد وسليم عن ابن سريج أنه يجوز من طريق العموم لا القياس وبناء على رأيه في جواز القياس في اللغة وبهذا كله يعلم أن ما نقله المتأخرون عن ابن سريج ليس بصحيح وكذلك حكوا القول بالجواز مطلقا عن الأشعري وأنكره بعضهم وليس كذلك فإن إمام الحرمين في مختصر التقريب حكاه هكذا عن الأشعري وحكى القاضي في التقريب عن الأشعري قولين في المسألة قال سليم الرازي لا يتصور التخصيص على مذهب الأشعرية لأن اللفظ غير موضوع للعموم وإنما هو مشترك كما تقرر فإذا دل الدليل على أنه أريد به أحد الأمرين لم يكن تخصيصا وإنما هو بيان ما أريد به اللفظ انتهى وكذا نقله القاضي في التقريب عن القائلين بإنكار الصيغ واختاره الإمام فخر الدين في المحصول ولذلك استدل على ترجيحه حيث قال لنا أن العموم والقياس إلخ لكنه اختار في المعالم المنع وأطنب في نصرته وهذا الكتاب موضع لاختياراته بخلاف المحصول فإنه موضوع لنقل المذاهب وتحرير الأدلة ثم إنه صرح في المحصول في أثناء المسألة بأن الحق ما قاله الغزالي فيما سيأتي في السادس والثالث المنع مطلقا قاله أبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم ثم رجع ابنه ووافق الجمهور ونقله الشيخ أبو حامد وسليم عن أحمد بن حنبل وإنما هي رواية عنه قال بها طائفة من أصحابه ونقله القاضي عن طائفة من المتكلمين قال إمام الحرمين في التلخيص منهم ابن مجاهد من أصحابنا ونقله القاضي في التقريب عن الشيخ أبي الحسن أيضا ونقله الشيخ أبو إسحاق في اللمع عن اختيار القاضي أبي بكر الأشعري وليس كذلك لما سيأتي وقال بعض المتأخرين إنه ظاهر نص الشافعي في الأم وقال الشيخ أبو حامد زعموا أن الشافعي نص عليه في أحكام القرآن فإنه قال إنما القياس الجائز أن يشبه ما لم يأت فيه حديث بحديث لازم فأما أن يعمد إلى حديث عام فيحمل على القياس فأين القياس في هذا الموضع إن كان الحديث قياسا فأين المسمى قال فقد ذكر الشافعي أن القياس لا يعمل في الحديث العام وإنما يعمل في أنه يبتدأ به الحكم في موضع لا يكون فيه حديث أو قياس على موضع فيه حديث فدل على أن مذهبه منع التخصيص بالقياس ورده الشيخ أبو حامد وقال قد ذكر الشافعي في الأم قول الله تعالى
- فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم واحتمل أمره تعالى في الإشهاد أن يكون على سبيل الوجوب كقوله عليه الصلاة والسلام لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل واحتمل أن يكون على الندب كقوله تعالى وأشهدوا إذا تبايعتم وقال الشافعي لما جمع الله بين الطلاق وبين الرجعة وأمر بالإشهاد فيهما ثم كان الإشهاد على الطلاق غير واجب كذلك الإشهاد على الرجعة قال الشيخ أبو حامد قد قاس الشافعي الإشهاد على الرجعة على الإشهاد على الطلاق وخص به ظاهر الأمر بالإشهاد إذ ظاهر الأمر الوجوب قال وإما الكلام الذي تعلق به ذلك القائل فلم يقصد الشافعي منع التخصيص بالقياس وإنما قصد أنه لا يجوز ترك الظاهر بالقياس وذلك أنه ذكر هذا في مسألة النكاح بلا ولي فروى حديث أيما امرأة نكحت ثم حكى عن أصحاب أبي حنيفة أنهم قالوا العلة في طلب الولي أنه يطلب الحظ للمنكوحة ويضعها في كفء فإذا تولت هي ذلك لم يحتج إلى الولي فقال الشافعي هذا القياس غير جائز لأنه يعمد إلى ظاهر الحديث فيسقطه فإن ما ذكره يفضي إلى سقوط اعتبار الولي وذلك يسقط نص الخبر واستعمال القياس هنا لا يجوز إنما يجوز حيث يخص العموم انتهى وحاصله أن استنباط معنى من النص يعود عليه بالإبطال لا يجوز وهو ما ذكره الشافعي وليس مراده تخصيص العموم بالقياس فإن ذلك لا يبطل العموم المذهب الثالث إن تطرق إليه التخصيص بدليل قطعي خص به وإلا فلا وحكاه القاضي في التقريب عن عيسى بن أبان وكذا الشيخ أبو إسحاق في اللمع وحكى الإمام عنه إن تطرق إليه التخصيص بغير القياس جاز وإلا فلا وكذا حكاه الشيخ في اللمع عن بعض العراقيين الرابع إن تطرق إليه التخصيص بمنفصل جاز وإلا فلا قاله الكرخي وقال أبو بكر الرازي كل ما لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد لا يجوز تخصيصه بالقياس لأن خبر الواحد مقدم على القياس فما لا يخصه أولى أن لا يخص بالقياس وقال هذا
- مذهب أصحابنا ونقله عن محمد بن الحسن لأن كل ما ثبت بوجه قطعي لا يرتفع إلا بمثله وقال أبو زيد في التقويم لا يجوز عندنا تخصيص العام ابتداء بالقياس وإنما يجوز إذا ثبت خصوصه بدليل يجوز رفع الكل لها من خبر تأيد بالإجماع أو الاستفاضة لم يقع الإشكال في صارفه إنما من جنس دخل تحت الخصوص أو من جنس ما بقي تحت العموم فيتعرف ذلك بالقياس الخامس إن كان القياس جليا جاز التخصيص به وإن كان قياس شبه أو علة فلا نقله الشيخ أبو حامد وسليم في التقريب عن الإصطخري زاد الشيخ أبو حامد وإسماعيل بن مروان من أصحابنا وحكاه الأستاذ أبو منصور عن أبي القاسم الأنماطي ومبارك بن أبان وابن علي الطبري وقال الشيخ أبو حامد الإسفراييني القياس إن كان جليا مثل فلا تقل لهما أف جاز التخصيص به بالإجماع وإن كان واضحا وهو المشتمل على جميع معنى الأصل كقياس الربا فالتخصيص به جائز في قول عامة أصحابنا إلا طائفة شذت لا يعتد بقولهم وإن كان خفيا وهو قياس علة الشبه فأكثر أصحابنا أنه لا يجوز التخصيص به ومنهم من شذ فجوزه وقال ابن كج قياس الأصل وقياس العلة لا يختلف المذهب أن التخصيص بهما سائغ جائز وعليه عامة الفقهاء ومنعه داود وأما قياس الشبه فاختلف فيه أصحابنا على وجهين ثم نبه على المراد بالتخصيص بالقياس أن ما دخل تحت العموم في اللفظ بين القياس أن ذلك لم يكن داخلا في اللفظ لا أنه دخل في المراد ثم أخرجه القياس لأن ذلك يكون نسخا ولا يجوز نسخ القرآن بالقياس وقال الأستاذ أبو إسحاق وأبو منصور أجمع أصحابنا على جواز التخصيص بالقياس الجلي واختلفوا في الخفي على وجهين والصحيح الذي عليه الأكثرون جوازه أيضا وكذا قال أبو الحسين بن القطان والماوردي والروياني في باب القضاء وذكر الشيخ أبو إسحاق أن الشافعي نص على جواز التخصيص بالخفي في مواضع ثم اختلفوا في الجلي وهو الذي قضى القاضي بخلافه وقيل هو قياس المعنى والخفي قياس وقيل ما تتبادر علته إلى الفهم مثل لا يقضي القاضي وهو غضبان
- السادس إن تفاوت القياس والعام في غلبة الظن رجح الأقوى فيرجع العام بظهور قصد التعميم فيه ويكون القياس العارض له قياس شبه ويرجح القياس بالعكس من ذلك فإن تعادلا فالوقف وهو مذهب الغزالي واختاره المطرزي في العنوان واعترف الإمام الرازي في أثناء المسألة بأنه حق وكذا قال الأصفهاني شارح المحصول وابن الأنباري وابن التلمساني واستحسنه القرافي والقرطبي وقال لقد أحسن في هذا الاختيار أبو حامد فكم له عليه من شاكر وحامد وقال الشيخ في شرح العنوان أنه مذهب جيد فإن العموم قد تضعف دلالته لبعد قرينته فيكون الظن المستفاد من القياس الجلي راجحا على الظن المستفاد من العموم الذي وصفناه وقد يكون الأمر بالعكس بأن يكون العموم قوي الرتبة ويكون القياس قياس شبه والقاعدة الشرعية أن العمل بأرجح الظنين واجب واعلم أن هذا الذي قاله الغزالي ليس مذهبا ولم يقله الرجل على أنه مذهب مستقل فتأمل المستصفى تجد ذلك ولا يقول أحد إن الظن المستفاد من العموم أقوى ثم يقول القياس تخصيص أو بالعكس ولا خلاف بين العقلاء أن أرجح الظنين عند التعارض معتبر والوقوف عند المستوي ضروري إنما الشأن في بيان الأرجح ما هو ففريق قالوا إن الأرجح العموم فلا يخص بالقياس وهو الإمام في المعالم وقوم قالوا الأرجح القياس فيخص العموم والقولان عن الأشعري كما حكاه القاضي في التقريب السابع الوقف في القدر الذي تعارضا فيه والرجوع إلى دليل آخر سواها وهو مذهب الغزالي واختاره إمام الحرمين والغزالي في المنخول وإلكيا الطبري قال ولا يظهر فيه دعوى القطع من الصحابة بخلافه في خبر الواحد وهذا المذهب شارك القول بالتخصيص من وجه وباينه من وجه أما المشاركة فلأن المطلوب من تخصيص العام بالقياس إسقاط الاحتجاج والواقف يقول به وأما المباينة فهي أن القائل بالتخصيص يحكم بمقتضى القياس والواقف لا يحكم به الثَّامِنُ إنْ كانت الْعِلَّةُ مَنْصُوصَةً مُجْزِئَةً عليها جَازَ التَّخْصِيصُ بِهِ وَإِلَّا فَلَا قَالَهُ الْآمِدِيُّ
- التَّاسِعُ إنْ كان الْأَصْلُ الْمَقِيسُ عليه مُخْرَجًا من عَامٍّ جَازَ التَّخْصِيصُ بِهِ وَإِلَّا فَلَا الْعَاشِرُ إنْ كان الْأَصْلُ الْمَقِيسُ عليه مُخْرَجًا من غَيْرِ ذلك الْعُمُومِ جَازَ التَّخْصِيصُ بِهِ وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا يُخَرَّجُ من كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ فإنه قال في النِّهَايَةِ في بَابِ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ لَا يَمْتَنِعُ التَّصَرُّفُ في ظَاهِرِ الْقُرْآنِ بِالْأَقْيِسَةِ الْجَلِيَّةِ إذَا كان التَّأْوِيلُ مُسَاغًا لَا يَنْبُو نَظَرُ الْمُنْتَصِبِ عنه وَالشَّرْطُ في ذلك التَّأْوِيلِ أَنْ يَكُونَ الْقِيَاسُ صَدَرَ عن غَيْرِ الْأَصْلِ الذي فيه وَرَدَ الظَّاهِرُ فَإِنْ لم يُتَّجَهُ قِيَاسٌ من مَوْرِدِ الظَّاهِرِ لم يَجُزْ إزَالَةُ الظَّاهِرِ بِمَعْنَى يُسْتَنْبَطُ منه يَتَضَمَّنُ تَخْصِيصَهُ وَقَصْرَهُ على بَعْضِ الْمُسَمَّيَاتِ كما في جَوَازِ الْإِبْدَالِ في الزَّكَوَاتِ قُلْت وهو مَعْنَى قَوْلِهِمْ لَا يُسْتَنْبَطُ من النَّصِّ مَعْنًى يُخَصِّصُهُ وَهَذَا يَصْلُحُ تَقَيُّدًا لِلْجَوَازِ لَا مَذْهَبًا آخَرَ وَعِبَارَةُ الْمَاوَرْدِيِّ وَالرُّويَانِيِّ في الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ وهو ما يُعْرَفُ من ظَاهِرِ النَّصِّ بِغَيْرِ اسْتِدْلَالٍ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ يَدُلُّ على تَحْرِيمِ الضَّرْبِ قِيَاسًا على الْأَصَحِّ فَيَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِهِ قَطْعًا وَالْقِيَاسُ الظَّاهِرُ كَالْمَعْرُوفِ بِالِاسْتِدْلَالِ كَقِيَاسِ الْأَمَةِ على الْعَبْدِ في السِّرَايَةِ وفي الْعِتْقِ فَيَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ لِخُرُوجِهِ عن الْخِلَافِ بِالْإِشْكَالِ وقال شَارِحُ اللُّمَعِ الْجَلِيُّ يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهِ قَطْعًا وَأَمَّا الْخَفِيُّ فَإِنْ كان مُسْتَنْبَطًا من الْأَصْلِ لم يَجُزْ تَخْصِيصُهُ بِهِ قَطْعًا كَعِلَّةِ الْحَنَفِيَّةِ في الرِّبَا أَنَّهُ الْكَيْلُ فَإِنَّهُمْ اسْتَنْبَطُوهَا من حديث عُبَادَةَ وهو عَامٌّ في الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَالْعِلَّةُ التي اسْتَنْبَطُوهَا تُوجِبُ التَّخْصِيصَ فِيمَا لَا يُمْكِنُ كَيْلُهُ فَلَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ يَعْتَرِضُ الْفَرْعُ على أَصْلِهِ وهو لَا يَصِحُّ وَإِنْ كان غير مُسْتَنْبَطٍ من الْأَصْلِ جَازَ تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ أَطْلَقَ أَكْثَرُ الْأُصُولِيِّينَ تَرْجَمَةَ الْمَسْأَلَةِ لَكِنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ ليس الْقِيَاسَ الْمُعَارِضَ لِلنَّصِّ الْعَامِّ مُطْلَقًا فإن بَعْضَ أَنْوَاعِ الْقِيَاسِ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ على عُمُومِ النَّصِّ وهو ما إذَا كان حُكْمُ الْأَصْلِ الذي يَسْتَنِدُ إلَيْهِ حُكْمُ الْفَرْعِ مَقْطُوعًا بِهِ وَعِلَّتُهُ مَنْصُوصَةً أو مُجْمَعًا عليها مع تَصَادُقِهِمَا في الشَّرْعِ من غَيْرِ صَارِفٍ قَطْعًا فَهَذَا النَّوْعُ من الْقِيَاسِ لَا أَوَفُقُ الْخِلَافُ فيه في أَنَّهُ يُخَصَّصُ بِهِ عُمُومُ النَّصِّ فَيَجِبُ اسْتِثْنَاءُ هذه الصُّورَةِ من تَرْجَمَةِ الْمَسْأَلَةِ وقد أَشَارَ إلَى ذلك الْإِبْيَارِيُّ شَارِحُ الْبُرْهَانِ وَغَيْرُهُ
- وَجَعَلَ الْغَزَالِيُّ مَحَلُّ الْخِلَافِ في قِيَاسِ النَّصِّ الْخَاصِّ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لو كان قِيَاسَ نَصٍّ عَامٍّ لم يُخَصَّ بِهِ بَلْ يَتَعَارَضَانِ كَالْعُمُومَيْنِ وَيُشْكِلُ عليه الْمَذْهَبُ الثَّانِي وقال الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ هذا كُلُّهُ في الْقِيَاسِ الْمُسْتَنْبَطِ من الْكِتَابِ أو من السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى عُمُومِ الْكِتَابِ أو عُمُومِ السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ أو عُمُومِ خَبَرِ الْوَاحِدِ فَأَمَّا الْقِيَاسُ الْمُسْتَنْبَطُ من خَبَرِ الْوَاحِدِ بِالنِّسْبَةِ إلَى عُمُومِ خَبَرِ الْوَاحِدِ فَعَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ أَيْضًا وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى عُمُومِ الْكِتَابِ فَيَتَرَتَّبُ على جَوَازِ تَخْصِيصِهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَمَنْ لَا يُجَوِّزُ ذلك لَا يُجَوِّزُ بِالْقِيَاسِ الْمُسْتَنْبَطِ منه بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَأَمَّا من يُجَوِّزُ ذلك فَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُجَوِّزَ ذلك لِزِيَادَةِ الضَّعْفِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجَوِّزَ ذلك أَيْضًا كما في الْقِيَاسِ الْمُسْتَنْبَطِ من الْكِتَابِ إذْ قد يَكُونُ قِيَاسُهُ أَقْوَى من عُمُومِ الْكِتَابِ بِأَنْ يَكُونَ قد تَطَرَّقَ إلَيْهِ تَخْصِيصَاتٌ كَثِيرَةٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَوَقَّفَ فيه لِتَعَادُلِهِمَا إذْ قد يَظْهَرُ له ذلك الثَّانِي مَثَّلَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ لِلتَّخْصِيصِ بِالْقِيَاسِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَقَوْلِهِ في الْإِمَاءِ فإذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما على الْمُحْصَنَاتِ من الْعَذَابِ فَدَلَّتْ هذه الْآيَةُ على أَنَّ الْأَمَةَ لم تَدْخُلْ في عُمُومِ من أُمِرَ بِجَلْدِهَا مِائَةً من النِّسَاءِ ثُمَّ قِيسَ الْعَبْدُ على الْأَمَةِ فَجُعِلَ حَدُّهُ خَمْسِينَ جَلْدَةً فَكَانَتْ الْأَمَةُ مَخْصُوصَةً وَالْعَبْدُ مَخْصُوصًا من جُمْلَةِ قَوْلِهِ وَالزَّانِي بِالْقِيَاسِ على الْأَمَةِ قال وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ من شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فيها خَيْرٌ إلَى قَوْلِهِ فَكُلُوا منها فَاحْتَمَلَتْ إبَاحَةَ الْأَكْلِ في جَمِيعِ الْهَدْيِ وَاحْتَمَلَ في الْبَعْضِ وَأَجْمَعُوا على أَنَّ هَدْيَ جَزَاءِ الصَّيْدِ لَا يَجُوزُ الْأَكْلُ منه فَكَانَ هذا مَخْصُوصًا بِالْإِجْمَاعِ وَاخْتَلَفُوا في هَدْيِ الْمُتْعَةِ فَذَهَبَ أَصْحَابُنَا إلَى تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَخَالَفَهُمْ غَيْرُهُمْ فَكَانَ الْوَجْهُ عِنْدَنَا في ذلك أَنَّهُ وَاجِبٌ كَوُجُوبِ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَوُجُوبِ ما يَنْذُرُ الْمَرْءُ إخْرَاجَهُ من مَالِهِ فَقِيسَ الْمُخْتَلَفُ فيه من ذلك على وَالْمُجْمَعِ عليه لِاجْتِمَاعِهِمَا في الْمَعْنَى وهو الْوُجُوبُ وكان جَزَاءُ الصَّيْدِ خَارِجًا من الْعُمُومِ بِالْإِجْمَاعِ وَهَدْيُ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ مَخْصُوصٌ بِالْقِيَاسِ على ذلك وَتَبِعَهُ ابن السَّمْعَانِيِّ في ذلك وَمَثَّلَهُ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ بِأَنَّ الصَّبِيَّ الذي لَا يُجَامِعُ مِثْلُهُ إذَا مَاتَ وَالْمَرْأَةُ حَامِلٌ لَا تَعْتَدُّ منه لِأَنَّهُ حَمْلٌ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ من زَوْجِهَا وَمَنْفِيٌّ عنه قَطْعًا فَلَا تَعْتَدُّ منه قِيَاسًا على الْحَمْلِ الْحَادِثِ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَيُخَصَّصُ بهذا الْقِيَاسِ عُمُومُ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ
- الثَّالِثُ أَنَّ الْخِلَافَ في أَصْلِ هذه الْمَسْأَلَةِ اخْتَلَفُوا فيه هل هو من جِنْسِ الْخِلَافِ في الْقَطْعِيَّاتِ أو من الْمُجْتَهَدَاتِ قال الْغَزَالِيُّ يَدُلُّ كَلَامُ الْقَاضِي على أَنَّ الْقَوْلَ في تَقْدِيمِ خَبَرِ الْوَاحِدِ على عُمُومِ الْكِتَابِ وفي تَقْدِيمِ الْقِيَاسِ على الْعُمُومِ مِمَّا يَجِبُ الْقَطْعُ فيه بِخَطَأِ الْمُخَالِفِ لِأَنَّهُ من مَسَائِلِ الْأُصُولِ قال وَعِنْدِي أَنَّ إلْحَاقَ هذا بِالْمُجْتَهَدَات أَوْلَى فإن الْأَدِلَّةَ فيه من الْجَوَانِبِ مُتَفَاوِتَةٌ غَيْرُ بَالِغَةٍ مَبْلَغَ الْقَطْعِ انْتَهَى وَحِينَئِذٍ فَتَوَقُّفُ الْقَاضِي إنَّمَا هو عن الْقَطْعِ وَلَا يُنْكَرُ أَنَّ الْأَرْجَحَ التَّخْصِيصُ وَلَكِنْ عِنْدَهُ أَنَّ الْأَرْجَحِيَّةَ لَا تَكْفِي في هذه الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّ مَسَائِلَ هذا الْفَنِّ عِنْدَهُ قَطْعِيَّةٌ لَا ظَنِّيَّةٌ وَحِينَئِذٍ فَنَحْنُ نُوَافِقُهُ على انْتِفَاءِ الْقَطْعِ وَإِنَّمَا نَدَّعِي أَنَّ الظَّنَّ كَافٍ في الْعَمَلِ فَلَا نَتَوَقَّفُ وهو لَا يَكْتَفِي بِالظَّنِّ فَيَتَوَقَّفُ الرَّابِعُ أَنَّ هذه الْمَسْأَلَةَ غَيْرُ مَسْأَلَةِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْمَعْنَى فإن تِلْكَ لِلشَّافِعِيِّ فيها قَوْلَانِ وَلِهَذَا تَرَدَّدَ في نَقْضِ الْوُضُوءِ بِالْمَحَارِمِ لِأَجْلِ عُمُومِ أو لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ وَالتَّخْصِيصُ بِالْمَعْنَى وهو الشَّهْوَةُ مُنْتَفِيَةٌ فِيهِمْ وَكَذَا في الْقَاتِلِ بِحَقٍّ مع حديث الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ وَقَوْلُهُ أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ اسْتَنْبَطُوا منه ما خَصَّصَ جِلْدَ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وقد نَقَّحَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في النِّهَايَةِ الْفَارِقَ بين الْمَسَائِلِ فقال بَعْدَ تَجْوِيزِهِ التَّخْصِيصَ بِالْقِيَاسِ هذا فِيمَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ الْمَعْنَى وَأَمَّا ما لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ مَعْنًى مُسْتَمِرٌّ جَائِزٌ على السَّيْرِ فَالْأَصْلُ فيه التَّعَلُّقُ بِالظَّاهِرِ وَتَنْزِيلُهُ مَنْزِلَةَ النَّصِّ وَلَكِنْ قد يَلُوحُ مع هذا مَقْصُودُ الشَّارِعِ بِجِهَةٍ من الْجِهَاتِ فَيَتَعَيَّنُ النَّظَرُ إلَيْهِ وَهَذَا له أَمْثِلَةٌ منها أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الْمُلَامَسَةَ في قَوْلِهِ أو لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَجَعَلَهَا الشَّافِعِيُّ على الْجَسِّ بِالْيَدِ ثُمَّ تَرَدَّدَ نَصُّهُ في لَمْسِ الْمَحَارِمِ من جِهَةِ أَنَّ التَّعْلِيلَ لَا جَرَيَانَ له في الْأَحْدَاثِ النَّاقِضَةِ وما لَا يَجْرِي الْقِيَاسُ في إثْبَاتِهِ فَلَا يَكَادُ يَجْرِي في نَفْيِهِ فَمَالَ الشَّافِعِيُّ في ذلك إلَى اتِّبَاعِ اسْمِ النِّسَاءِ وَأَصَحُّ قَوْلَيْهِ أَنَّ الطَّهَارَةَ لَا تُنْقَضُ بِمَسِّهِنَّ لِأَنَّ ذِكْرَ الْمُلَامَسَةِ الْمُضَافَةِ إلَى أَنْ يَقَعَ شَيْءٌ من الْأَحْدَاثِ يُشْعِرُ بِلَمْسِ اللَّاتِي يُقْصَدْنَ بِاللَّمْسِ قال فَإِنْ لم يُتَّجَهْ مَعْنًى صَحِيحٌ دَلَّتْ الْقَرِينَةُ على التَّخْصِيصِ كَقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ ليس لِلْقَاتِلِ من الْمِيرَاثِ شَيْءٌ فَالْحِرْمَانُ لَا يَنْسَدُّ فيه تَعْلِيلٌ فإذا انْسَدَّ مَسْلَكُ التَّعْلِيلِ اقْتَضَى الْحَالُ التَّعَلُّقَ بِلَفْظِ الشَّارِعِ تَرَدَّدَ الشَّافِعِيُّ في أَنَّ الْقَتْلَ قِصَاصًا أو حَدًّا إذَا صَدَرَ من الْوَارِثِ فَهَلْ يَقْتَضِي حِرْمَانَهُ فَوَجْهُ تَعَلُّقِ الْحِرْمَانِ بِكُلِّ قَتْلٍ التَّعَلُّقُ بِالظَّاهِرِ
- مع حَسْمِ التَّعْلِيلِ وَوَجْهُ إثْبَاتِ الْإِرْثِ التَّطَلُّعُ إلَى مَقْصُودِ الشَّارِعِ وَلَيْسَ بِخَفِيٍّ أَنَّ قَصْدَهُ مُضَادَّةُ غَرَضِ الْمُسْتَعْجِلِ وَهَذَا لَا يَتَحَقَّقُ في الْقَتْلِ الْحَقِّ وَكَذَلِكَ النَّهْيُ عن بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ فَمَنْ عَمَّمَ تَعَلَّقَ بِالظَّاهِرِ وَمَنْ فَصَّلَ بين الرِّبَوِيِّ وَغَيْرِهِ تَشَوَّفَ إلَى دَرْكِ مَقْصُودٍ وهو أَنَّ في الْحَيَوَانِ كما نَبِيعُ الشَّاةَ بِهِ نَبِيعُ الشَّاةَ بِلَحْمِهِ اعْلَمْ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَنْبَطَ من النَّصِّ مَعْنًى يُعَمِّمُهُ قَطْعًا كَاسْتِنْبَاطِ ما يُشَوِّشُ الْفِكْرَ من قَوْلِهِ عليه السَّلَامُ لَا يَقْضِي الْقَاضِي وهو غَضْبَانُ وَكَاسْتِنْبَاطِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْجَامِدِ الظَّاهِرِ الْقَالِعِ من الْأَمْرِ بِالْأَحْجَارِ وهو غَالِبُ الْأَقْيِسَةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَنْبَطَ منه مَعْنًى يَعُودُ عليه بِالْبُطْلَانِ وَلِهَذَا ضَعُفَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ في قَوْلِهِ في أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ أَيْ قِيمَةُ شَاةٍ لِأَنَّ الْقَصْدَ دَفْعُ الْحَاجَةِ بِالشَّاةِ أو الْقِيمَةِ وَيَلْزَمُ منه أَنْ لَا تَجِبَ الشَّاةُ أَصْلًا لِأَنَّهُ إذْ وَجَبَتْ الْقِيمَةُ لم تَجِبْ الشَّاةُ فَلَا تَكُونُ مُجْزِئَةً وَهِيَ مُجْزِئَةٌ بِالِاتِّفَاقِ فَقَدْ عَادَ الِاسْتِنْبَاطُ على أَصْلِهِ بِالْبُطْلَانِ وَاعْتِرَاضُ بَعْضِهِمْ بِأَنَّ هذه كَاَلَّذِي قَبْلَهُ لِأَنَّ الْحَنَفِيَّ كما يُجَوِّزُ الْقِيمَةَ يُجَوِّزُ الشَّاةَ مَرْدُودٌ بِمَا سَأَذْكُرُهُ في كِتَابِ الْقِيَاسِ وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَنْبَطَ منه مَعْنًى يُخَصِّصُهُ فيه قَوْلَانِ تَرَدَّدَ فِيهِمَا التَّرْجِيحُ وقال إلْكِيَا في الْمَدَارِكِ الْمَنْقُولُ عن الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِالْمَعْنَى لِأَنَّ الْعُمُومَ يَنْبَغِي أَنْ يُفْهَمَ ثُمَّ يُبْحَثَ عن دَلِيلِهِ فإن فَهْمَ مَعْنَى اللَّفْظِ سَابِقٌ على فَهْمِ مَعْنَاهُ الْمُسْتَنْبَطِ وإذا فُهِمَ عُمُومُهُ فَكَيْفَ يُتَّجَهُ بِنَاءُ عِلَّةٍ على خِلَافِ ما فُهِمَ منه قال وَيُتَّجَهُ لِلْمُخَالِفِ أَنْ يَقُولَ الْمَعْنَى الذي يُفْهَمُ من الْعُمُومِ في النَّظَرِ الثَّانِي رُبَّمَا نَرَاهُ أَوْفَقَ لِمَوْضُوعِ اللَّفْظِ وَمِنْهَاجِ الشَّرْعِ وَذَلِكَ تَنْبِيهٌ إمَّا بِفَحْوَى الْخِطَابِ وَمَخْرَجِ الْكَلَامِ وَإِمَّا بِأَمَارَةٍ أُخْرَى تَفْصِلُ بِالْكَلَامِ وَذَلِكَ رَاجِحٌ على ما ظَهَرَ من اللَّفْظِ وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُقَدَّرُ مُخَالِفًا لِلَّفْظِ وَلَكِنْ يُقَدَّرُ بَيَانًا له فَاَلَّذِي فَهِمْنَاهُ أَوَّلًا الْعُمُومَ ثُمَّ النَّظَرُ الثَّانِي يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْخُصُوصُ فَغَلَبَ مَعْهُودُ الشَّرْعِ على مَعْنَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ فَرْعٌ وَلَّدْته هل يَجُوزُ أَنْ يُسْتَنْبَطَ من الْمُقَيَّدِ مَعْنًى يَعُودُ عليه بِالْإِطْلَاقِ فيه نَظَرٌ وقد جَوَّزَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا الِاسْتِنْجَاءَ بِحَجَرٍ وَاحِدٍ له ثَلَاثُ أَحْرُفٍ نَظَرًا لِلْمَعْنَى وهو الْإِزَالَةُ بِطَاهِرٍ فيه رَفْعُ قَيْدِ الْعَدَدِ في قَوْلِهِ عليه السَّلَامُ فَلْيَسْتَنْجِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ
- الْبَحْثُ الثَّالِثُ في تَخْصِيصِ الْمَظْنُونِ بالقطوع ( ( ( بالقطع ) ) ) يَجُوزُ تَخْصِيصُ خَبَرِ الْوَاحِدِ بِالْقُرْآنِ وفي كَلَامِ بَعْضِهِمْ مَجِيءُ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا كان الْخَبَرُ مُتَوَاتِرًا هَاهُنَا وَأَمْثِلَتُهُ عَزِيزَةٌ وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ قَوْلُهُ عليه السَّلَامُ ما أُبِينَ من حَيٍّ فَهُوَ مَيِّتٌ فإنه خُصَّ منه الصُّوفُ وَالشَّعْرُ وَالْوَبَرُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا قُلْت هذه إنْ جَعَلْنَا الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ فإن الحديث وَرَدَ على سَبَبٍ وهو حُبِّبَ إلَيْهِ الْغَنَمُ وَالْإِبِلُ فَإِنْ اعْتَبَرْنَا خُصُوصَ السَّبَبِ فَلَيْسَ الْحَدِيثُ عَامًّا وَكَذَا قَوْلُهُ أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ الناس حتى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فإنه خُصَّ منه أَهْلُ الذِّمَّةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى حتى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عن يَدٍ وَكَذَا قَوْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي ما حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسُهَا ما لم تَتَكَلَّمْ أو تَعْمَلْ فإنه خُصَّ من الْكَلَامِ سَبْقُ اللِّسَانِ بِالْيَمِينِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أَيْمَانِكُمْ وَكَذَا قَوْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ مُخَصَّصٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فإذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما على الْمُحْصَنَاتِ من الْعَذَابِ مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ تَخْصِيصُ عُمُومِ خَبَرِ الْوَاحِدِ بِالْقِيَاسِ وفي هذا الْخِلَافُ أَيْضًا كما قال الْإِمَامُ في الْبُرْهَانِ وابن الْقُشَيْرِيّ قَالَا وَلَكِنَّ الْمُخْتَارَ هُنَا التَّوَقُّفُ مَسْأَلَةٌ مَنَعَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ الْإِجْمَاعَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وهو يُشْبِهُ الْخِلَافَ في تَخْصِيصِ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ فَإِنْ جَوَّزْنَاهُ كما هو الْمَشْهُورُ فَكَذَا هُنَا
- مَسْأَلَةٌ هل يُتْرَكُ الْعُمُومُ لِأَجْلِ السِّيَاقِ يُخَرَّجُ من كَلَامِ الشَّافِعِيِّ في هذه الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ فإنه تَرَدَّدَ قَوْلُهُ في الْأَمَةِ الْحَامِلِ إذَا طَلَّقَهَا بَائِنًا هل يَجِبُ لها النَّفَقَةُ أَمْ لَا على قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا نعم لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ وَالثَّانِي لَا لِأَنَّ سِيَاقَ الْآيَةِ يُشْعِرُ بِإِرَادَةِ الْحَرَائِرِ لِقَوْلِهِ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حتى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَضَرَبَ أَجَلًا تَعُودُ الْمَرْأَةُ بَعْدَ مُضِيِّهِ إلَى الِاسْتِقْلَالِ بِنَفْسِهَا وَالْأَمَةُ لَا تَسْتَقِلُّ وَأَطْلَقَ الصَّيْرَفِيُّ في جَوَازِ التَّخْصِيصِ بِالسِّيَاقِ وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى الَّذِينَ قال لهم الناس إنَّ الناس قد جَمَعُوا لَكُمْ وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ في الرِّسَالَةِ يَقْتَضِيهِ بَلْ بَوَّبَ على ذلك بَابًا فقال بَابُ الذي يُبَيِّنُ سِيَاقُهُ مَعْنَاهُ وَذَكَرَ قَوْله تَعَالَى وَاسْأَلْهُمْ عن الْقَرْيَةِ التي كانت حَاضِرَةَ الْبَحْرِ فإن السِّيَاقَ أَرْشَدَ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَهْلُهَا وهو قَوْلُهُ إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ وقال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ نَصَّ بَعْضُ أَكَابِرِ الْأُصُولِيِّينَ على أَنَّ الْعُمُومَ يُخَصُّ بِالْقَرَائِنِ قال وَيَشْهَدُ له مُخَاطَبَاتُ الناس بَعْضِهِمْ بَعْضًا حَيْثُ يَقْطَعُونَ في بَعْضِ الْمُخَاطَبَاتِ بِعَدَمِ الْعُمُومِ بِنَاءً على الْقَرِينَةِ وَالشَّرْعُ يُخَاطِبُ الناس بِحَسَبِ تَعَارُفِهِمْ الْفَرْقُ بين التَّخْصِيصِ بِالْقَرَائِنِ وَالتَّخْصِيصِ بِالسَّبَبِ قال وَلَا يَشْتَبِهُ عَلَيْك التَّخْصِيصُ بِالْقَرَائِنِ بِالتَّخْصِيصِ بِالسَّبَبِ كما اشْتَبَهَ على كَثِيرٍ من الناس فإن التَّخْصِيصَ بِالسَّبَبِ غَيْرُ مُخْتَارٍ فإن السَّبَبَ وَإِنْ كان خَاصًّا فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُورَدَ لَفْظٌ عَامٌّ يَتَنَاوَلُهُ وَغَيْرَهُ كما في قَوْلِهِ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا وَلَا يَنْتَهِضُ السَّبَبُ بِمُجَرَّدِهِ قَرِينَةً لِرَفْعِ هذا بِخِلَافِ السِّيَاقِ فإن بِهِ يَقَعُ التَّبْيِينُ وَالتَّعْيِينُ أَمَّا التَّبْيِينُ فَفِي الْمُجْمَلَاتِ وَأَمَّا التَّعْيِينُ فَفِي الْمُحْتَمَلَاتِ وَعَلَيْك بِاعْتِبَارِ هذه في أَلْفَاظِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْمُحَاوَرَاتِ تَجِدُ منه ما لَا يُمْكِنُك حَصْرُهُ قبل اعْتِبَارِهِ انْتَهَى
- مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِالْمَفْهُومِ سَوَاءٌ مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ وَالْمُخَالَفَةِ وَنَقَلَهُ أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ في كِتَابِهِ عن نَصِّ الشَّافِعِيِّ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ فقال نَصَّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى على الْقَوْلِ بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ وَعَلَى أَنَّهُ يُخَصُّ بِهِ الْعُمُومُ فَإِنْ قِيلَ لِمَ قُلْت إنَّهُ يُخَصُّ بِهِ الْعُمُومُ وقد يَرِدُ من التَّخْصِيصِ عليه ما يَرِدُ على الْعُمُومِ قِيلَ لِأَنَّ دَلِيلَ الْخِلَافِ يَجْرِي مَجْرَى الْقِيَاسِ في بَابِ الْقُوَّةِ فَلِهَذَا جَازَ التَّخْصِيصُ بِهِ قال وَسَوَاءٌ كان الدَّلِيلُ مُسْتَخْرَجًا من ذلك الْخِطَابِ أو من غَيْرِهِ فإنه يَخُصُّهُ انْتَهَى وقال بَعْضُ شُرَّاحِ اللُّمَعِ يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِمَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ سَوَاءٌ قُلْنَا إنَّهُ من بَابِ الْقِيَاسِ أو من اللَّفْظِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُخَصُّ بِهِ الْعُمُومُ فَيُخَصُّ عُمُومُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ بِفَحْوَى أَدِلَّةِ الْكِتَابِ تَوَاتُرًا كانت السُّنَّةُ أو آحَادًا وَيُخَصُّ عُمُومُ الْقُرْآنِ وَآحَادُ السُّنَّةِ بِفَحْوَى أَدِلَّةِ الْمُتَوَاتِرِ من السُّنَّةِ وَأَمَّا تَخْصِيصُ عُمُومِ الْقُرْآنِ وَمُتَوَاتِرِ السُّنَّةِ بِفَحْوَى آحَادِ السُّنَّةِ فَالْقِيَاسُ يَقْتَضِيهِ وَفِيهِ احْتِمَالٌ انْتَهَى وقال الْآمِدِيُّ لَا أَعْرِفُ خِلَافًا في تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْمَفْهُومِ بين الْقَائِلِينَ بِالْعُمُومِ وَالْمَفْهُومِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَحْسُنُ الِاعْتِرَاضُ عليه كما حَكَاهُ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ عن ابْنِ سُرَيْجٍ وَالْحَنَفِيَّةِ من مَنْعِهِمْ ذلك لِأَنَّهُمْ بَنَوْهُ على مَذْهَبِهِمْ في إنْكَارِ الْمَفْهُومِ لَكِنْ أَطْلَقَ الْإِمَامُ في الْمُنْتَخَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وقال دَلَالَتُهُ إنْ قُلْنَا بِكَوْنِهِ أَضْعَفَ من النُّطْقِ فَلَا تَخْصِيصَ بِهِ وَتَوَقَّفَ في الْمَحْصُولِ فلم يَخْتَرْ شيئا وقال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ قد رَأَيْت في بَعْضِ مُصَنَّفَاتِ الْمُتَأَخِّرِينَ ما يَقْتَضِي تَقْدِيمَ الْعُمُومِ وفي كَلَامِ صَفِيِّ الدِّينِ الْهِنْدِيِّ أَنَّ الْخِلَافَ في مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ أَمَّا مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ فَاتَّفَقُوا على التَّخْصِيصِ بِهِ قُلْت وَبِهِ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ في كِتَابِ الْقَضَاءِ من الْحَاوِي فقال ما عُرِفَ مَعْنَاهُ من ظَاهِرِ النَّصِّ كَقَوْلِهِ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ يَدُلُّ على تَحْرِيمِ الضَّرْبِ قِيَاسًا على الْأَصَحِّ وَهَذَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِهِ بِلَا خِلَافٍ وفي جَوَازِ النَّسْخِ وَجْهَانِ ا هـ وَهَذَا فيه نَظَرٌ أَعْنِي قَطْعَهُ بِجَوَازِ التَّخْصِيصِ بِهِ مع تَرْجِيحِهِ كَوْنَهُ قِيَاسًا وكان
- يَتَّجِهُ على الْخِلَافِ في التَّخْصِيصِ بِالْقِيَاسِ لَكِنَّهُ هُنَا أَوْلَى بِالْجَوَازِ لِمَا فيه من أَنَّ دَلَالَتَهُ لَفْظِيَّةٌ وَرُبَّمَا أَيَّدَ ذلك بِدَعْوَى الْآمِدِيَّ وَالْإِمَامِ الِاتِّفَاقَ على جَوَازِ النَّسْخِ بِمَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ وَالْحَقُّ أَنَّ الْخِلَافَ ثَابِتٌ فِيهِمَا أَمَّا مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ كما إذَا وَرَدَ عَامٌّ في إيجَابِ الزَّكَاةِ في الْغَنَمِ كَقَوْلِهِ في أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ ثُمَّ قال في سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ فإن الْمَعْلُوفَةَ خَرَجَتْ بِالْمَفْهُومِ فَيُخَصَّصُ بِهِ عُمُومُ الْأَوَّلِ وَذَكَرَ أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ في جَوَازِ التَّخْصِيصِ بِهِ وَمَثَّلَ بِمَا ذَكَرْنَا وَكَذَا قال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ إذَا وَرَدَ الْعُمُومُ مُجَرَّدًا من صِفَةٍ ثُمَّ أُعِيدَ بِصِفَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ عنه كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ مع قَوْلِهِ قَبْلَهُ أو بَعْدَهُ اُقْتُلُوا أَهْلَ الْأَوْثَانِ من الْمُشْرِكِينَ كان ذلك مُوجِبًا لِلتَّخْصِيصِ بِالِاتِّفَاقِ وَيُوجِبُ الْمَنْعَ من قَتْلِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَيُخَصَّصُ ما بَعْدَهُ من الْعُمُومِ ا هـ وَلَيْسَ كما قَالَا فَفِي شَرْحِ اللُّمَعِ إنْ قُلْنَا إنَّ الْمَفْهُومَ ليس بِحُجَّةٍ امْتَنَعَ التَّخْصِيصُ بِهِ وَإِنْ قُلْنَا حُجَّةٌ ابْتَنَى على أَنَّهُ في أَنَّهُ كَالنُّطْقِ أو كَالْقِيَاسِ فَإِنْ قُلْنَا كَالنُّطْقِ جَازَ التَّخْصِيصُ بِهِ وَإِنْ قُلْنَا قِيَاسٌ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ في التَّخْصِيصِ بِهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ في جَوَازِ التَّخْصِيصِ بِالْقِيَاسِ الْخَفِيِّ ا هـ وقد صَرَّحَ ابن كَجٍّ بِالْخِلَافِ فقال عِنْدَنَا دَلِيلُ الْخِطَابِ يَخُصُّ الْعُمُومَ مِثْلُ قَوْلِهِ في أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ ثُمَّ قال في سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ فَدَلَّ على أَنَّ الْمَعْلُوفَةَ لَا زَكَاةَ فيها فَخَصَّصْنَاهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ وَيَنْقُلُ الْأَوَامِرَ من الْوُجُوبِ إلَى النَّدْبِ وقال مَالِكٌ إنَّ دَلِيلَ الْخِطَابِ لَا يَخُصُّ الْعُمُومَ بَلْ يَكُونُ الْعُمُومُ مُقَدَّمًا وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ الْعُمُومَ نُطْقٌ وَدَلِيلُ الْخِطَابِ مَفْهُومٌ من النُّطْقِ فَكَانَ النُّطْقُ أَوْلَى وَلَنَا إجْمَاعُنَا نَحْنُ وَأَصْحَابُ مَالِكٍ على الْقَوْلِ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ فَجَازَ التَّخْصِيصُ بِهِ كَغَيْرِهِ من الْأَدِلَّةِ انْتَهَى قالت قَضِيَّةُ كَلَامِ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ أَنَّ لِلشَّافِعِيِّ في التَّخْصِيصِ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ قَوْلَيْنِ وَأَظْهَرُهُمَا الْجَوَازُ لِأَنَّهُ مُسْتَفَادٌ من النَّصِّ فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ النَّصِّ وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ فَكَانَ عَامًّا في كُلٍّ مُطَلَّقَةٍ ثُمَّ قال لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ ما لم تَمَسُّوهُنَّ أو تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ فَكَانَ مَفْهُومُهُ أَنْ لَا مُتْعَةَ لِمَدْخُولٍ بها فَخُصَّ بها في أَظْهَرِ قَوْلَيْهِ عُمُومُ الْمُطَلَّقَاتِ وَامْتَنَعَ من التَّخْصِيصِ على الْقَوْلِ الْآخَرِ
- قُلْت وَذَكَرَ أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ هذه الْآيَةَ وَجَعَلَهَا من قَبِيلِ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ من بَابِ ذِكْرِ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ قال فَاخْتَلَفَ فيه قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فَكَانَ مَرَّةً يَذْهَبُ إلَى أَنَّ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مُتْعَةً التي فُرِضَ لها أو طَلُقَتْ قبل الدُّخُولِ وَيَقُولُ إنَّ قَوْلَهُ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ عَامٌّ وَقَوْلُهُ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ بَعْضُ ما اشْتَمَلَ عليه الْعُمُومُ لِأَنَّهُمَا لَا يَتَنَافَيَانِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي إنَّهُ يَقْضِي بِهَذِهِ الْآيَةِ على قَوْلِهِ لِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ لِأَنَّهَا أَخَصُّ قال وقد قِيلَ إنَّ آيَةَ التَّخْصِيصِ لم تَرِدْ في تَعْرِيفِ حُكْمِ الْمُتْعَةِ وَإِنَّمَا وَرَدَتْ في الْفَرْقِ بين الْمُوسِرِ وَالْمُعْسِرِ وَإِنَّمَا يُخَصُّ الْعَامُّ إذَا كان في الْأَخَصِّ مُرَادُ التَّخْصِيصِ فَأَمَّا إذَا لم يَكُنْ في التَّخْصِيصِ إرَادَةٌ لم يَجُزْ أَنْ يُخَصَّ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى إلَّا على أَزْوَاجِهِمْ أو ما مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَلَيْسَ هو حُجَّةٌ في إبَاحَةِ كل مِلْكِ يَمِينٍ لِأَنَّهُ لم يُقْصَدْ بها تَعْرِيفُ الْإِبَاحَةِ وَإِنَّمَا قُصِدَ بها الْمَدْحُ ا هـ ثُمَّ قال بَعْدَ ذلك وَمِنْ الْمُخَصِّصِ أَنْ يَأْتِيَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ وهو ما كان له وَصْفَانِ فَتَعَلُّقَ الْحُكْمِ بِأَحَدِ وَصْفَيْهِ دَلَّ على أَنَّ ما عَدَاهُ بِخِلَافِهِ فَهَذَا يُخَصُّ بِهِ الْعُمُومُ قَوْلًا وَاحِدًا ا هـ وقال الصَّيْرَفِيُّ في كِتَابِ الدَّلَائِلِ الْعَامُّ إنْ لم يُمْكِنْ اسْتِعْمَالُهُ في جَمِيعِ أَفْرَادِهِ يَتَوَقَّفُ على الْبَيَانِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَآتُوا الزَّكَاةَ فإذا ذُكِرَ بَعْضُ الْأَفْرَادِ عُلِمَ أَنَّهُ الْمُرَادُ بِالزَّكَاةِ الْمَذْكُورَةِ كَقَوْلِهِ ليس فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ وَإِنْ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْمَذْكُورُ إنَّمَا هو بَعْضُ الْجِنْسِ فَالْحُكْمُ لِلْعُمُومِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ فَهَذَا عَامٌّ ثُمَّ قال بَعْدَهُ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ الْآيَةَ فلما احْتَمَلَ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ خَاصًّا بِمَنْ لم يُمَسَّ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا هو ذِكْرٌ لِبَعْضِ الْجِنْسِ الذي أُرِيدَ بِالْمُتْعَةِ ولم يَنْفِ مع الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ في لَفْظٍ وَلَا دَلِيلَ اقْتَضَى الْحُكْمَ على كل مُطَلَّقَةٍ فَإِنْ قِيلَ فَقُلْ هذه في قَوْلِهِ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ مع حديث الْقُلَّتَيْنِ وَقُلْ سَائِمَةُ الْغَنَمِ وَالْعَامِلَةِ كَامِلَيْنِ هُنَا قِيلَ لَمَّا كان مَفْهُومُ قَوْلِهِ في سَائِمَةِ الْغَنَمِ كَذَا دَلِيلٌ على أَنَّ الْعَامِلَةَ لَا شَيْءَ فيها وَكَمَا لو رَفَعْنَا دَلَالَةَ ما وَرَدَ في الْقُلَّتَيْنِ بِقَوْلِهِ الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ أَسْقَطْنَا أَحَدَ الْخَبَرَيْنِ بِالْآخَرِ صَلُحَ أَنْ يَكُونَ مُرَتَّبًا عليه ثُمَّ قال وَالْحَاصِلُ أَنَّك تَضُمُّ أَحَدَهُمَا إلَى الْآخَرِ فما أَوْجَبَهُ حُكْمُهُمَا فَالْحُكْمُ له
- وَحَقُّ الْكَلَامِ ما يُقَيَّدُ بِهِ حتى يُعْلَمَ التَّوْكِيدُ فَإِنْ كان إذَا ثَبَتَ الْعُمُومُ سَقَطَ دَلَالَةُ الشَّرْطِ فَالْحُكْمُ لِمَا فيه الشَّرْطُ وَإِنْ كُنْت إذَا أَثْبَتَهُ لم تَنْفِ دَلَالَةَ الْعُمُومِ أَجْرَيْته عَامًّا إلَى أَنْ تَقُومَ دَلَالَةٌ تَدُلُّ على الْجَمْعِ بين السَّائِمَةِ وَالْعَامِلَةِ من غَيْرِ جِهَةِ الْمَفْهُومِ الْمُحْتَمَلِ لَكِنْ ثَبَتَ فَيَكُونُ الْحُكْمُ له قال وقد يُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ على جَوَابِ الشَّافِعِيِّ في الْمُجْمَلِ وَالْمُفَسَّرِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ وَمَتِّعُوهُنَّ مُرَتَّبًا على قَوْلِهِ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ما لم تَقُمْ دَلَالَةٌ وقد قَامَتْ الدَّلَالَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ وقد عُلِمَ أَنَّهُنَّ مَدْخُولٌ بِهِنَّ فَتَثْبِيتُ الْمُتْعَةِ لِلْمَمْسُوسَةِ وَغَيْرِهَا بهذا الدَّلِيلِ ا هـ وقال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ دَلَالَةُ الْمَفْهُومِ أَقْوَى من دَلَالَةِ الْعُمُومِ الْمَنْطُوقِ فإذا قال أَعْطِ زَيْدًا دِرْهَمًا ثُمَّ قال إنْ دخل الدَّارَ فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا كان الثَّانِي أَقْوَى وَالدَّلِيلَانِ إذَا تَعَارَضَا قُضِيَ بِأَقْوَاهُمَا وَهَذَا عَكْسُ قَوْلِ الرَّازِيَّ في دَعْوَاهُ ضَعْفَ دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ وقال سُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ يَعْنِي بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ في قَوْلِ من يُثْبِتُهُ لِأَنَّهُ دَلِيلٌ مُسْتَفَادٌ من الْآيَةِ فَأَشْبَهَ الْقِيَاسَ تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ إذَا قُلْنَا بِجَوَازِ التَّخْصِيصِ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ فَهَلْ هو بِمَنْزِلَةِ اللَّفْظِ أو الْقِيَاسِ فيه وَجْهَانِ حَكَاهُمَا سُلَيْمٌ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ اللَّفْظِ لِأَنَّهُ مُسْتَفَادٌ من تَخْصِيصِ الْوَصْفِ بِالْحُكْمِ قال وَهَذَا أَصَحُّ وَالثَّانِي بِمَنْزِلَةِ الْقِيَاسِ لِأَنَّ اللَّفْظَ لم يَدُلَّ عليه فَثَبَتَ أَنَّهُ مُسْتَفَادٌ من مَعْنَاهُ وَيَنْبَنِي عَلَيْهِمَا ما إذَا عَارَضَهُ لَفْظُ آيَةٍ أو خَبَرٍ فَعَلَى الْأَوَّلِ هو بِمَنْزِلَةِ آيَتَيْنِ أو خَبَرَيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ وَعَلَى الثَّانِي يُقَدَّمُ النُّطْقُ الْمُحْتَمَلُ عليه سَوَاءٌ كان أَعَمَّ منه أو أَخَصَّ الثَّانِي ذَكَرَ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ وَسُلَيْمٌ أَنَّ هذا كُلَّهُ إذَا عَارَضَهُ غَيْرُ النُّطْقِ الذي هو أَصْلُهُ فَأَمَّا إذَا عَارَضَ نُطْقَهُ وَأَصْلَهُ فَإِمَّا أَنْ يُسْقِطَهُ وَيُبْطِلَهُ أو يَخُصَّهُ فَقَطْ فَإِنْ اعْتَرَضَ بِالْإِسْقَاطِ وَالْإِبْطَالِ سَقَطَ الْمَفْهُومُ وَذَلِكَ مِثْلُ حديث أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ نَصَّ على الْبُطْلَانِ بِغَيْرِ إذْنٍ وَمَفْهُومُهُ يَقْتَضِي جَوَازَهُ بِالْإِذْنِ إلَّا أَنَّهُ إذْ أُثْبِتَ النُّطْقُ لِأَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ على التَّسْوِيَةِ بين أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ بِغَيْرِ
- إذْنِ وَلِيِّهَا وَبَيْنَ أَنْ تُنْكِحَ نَفْسَهَا بِإِذْنِهِ فَعِنْدَنَا يَبْطُلُ النِّكَاحُ فِيهِمَا وَعِنْدَ الْخَصْمِ يَصِحُّ فِيهِمَا فإذا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ جَوَازُ ذلك بِإِذْنِهِ ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ جَوَازُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ وإذا ثَبَتَ جَوَازُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ سَقَطَ النُّطْقُ فَيَكُونُ هذا الْمَفْهُومُ مُسْقِطًا لِأَصْلِهِ وَيَثْبُتُ فَيَسْقُطُ النُّطْقُ وَإِنْ كان الْمَفْهُومُ مُعْتَرِضًا على أَصْلِهِ بِالتَّخْصِيصِ كَمَفْهُومِ قَوْلِهِ إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْكَلْبَ وَحَرَّمَ ثَمَنَهُ فَقَوْلُهُ إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْكَلْبَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ جِهَاتِ الِانْتِقَاعِ بِهِ من الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْهِبَةِ وَغَيْرِهَا وَقَوْلُهُ حَرَّمَ ثَمَنَهُ يَقْتَضِي أَنَّ غير الثَّمَنِ ليس بِمُحَرَّمٍ فَهَذَا يَخُصُّ عُمُومَ ذلك النُّطْقِ الْمُحَرَّمِ فَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْمَفْهُومَ سَقَطَ وَلَا يُخَصَّصُ عُمُومُ أَصْلِهِ وَحُكِيَ عن أبي الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ أَنَّهُ جَوَّزَ تَخْصِيصَ أَصْلِهِ بِهِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ فَرْعُ الْأَصْلِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْتَرِضَ عليه وَيُسْقِطَ شيئا من حُكْمِهِ وَأَصْحَابُ أبي حَنِيفَةَ يُجِيزُونَ مِثْلَ هذا في الْقِيَاسِ إذَا خَصَّ أَصْلَهُ وَلَا نُجِيزُهُ نَحْنُ وقد تَكَلَّمْنَا نَحْنُ في مَسْأَلَةِ الرِّبَا فَأَمَّا دَلِيلُ الْخِطَابِ فَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهِ حتى نَتَكَلَّمَ مَعَهُمْ في التَّخْصِيصِ بِهِ ا هـ وقد سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ في دَلِيلِ التَّخْصِيصِ بِالْقِيَاسِ الثَّالِثُ قال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ تَخْصِيصُ الْعَامِّ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ وَاجِبٌ إلَّا أَنْ يَمْنَعَ منه دَلِيلٌ من الْمَفْهُومِ فَيَسْقُطُ حِينَئِذٍ الْمَفْهُومُ وَيَبْقَى الْعَامُّ على عُمُومِهِ مِثَالُهُ نَهْيُهُ عن بَيْعِ ما لم يُقْبَضْ مع قَوْلِهِ من ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِيعُهُ حتى يَسْتَوْفِيَهُ فَإِنَّا لم نَقُلْ بِالْمَفْهُومِ وَخَصَّصْنَا بِهِ الْعَامَّ كما فَعَلَ مَالِكٌ حَيْثُ قَصَرَ الْعُمُومَ على الطَّعَامِ لِأَنَّ مَعَنَا دَلِيلًا أَقْوَى من الْمَفْهُومِ وهو التَّنْبِيهُ لِأَنَّ الطَّعَامَ إذَا لم يَجُزْ بَيْعُهُ قبل الْقَبْضِ مع حَاجَةِ الناس إلَيْهِ فَلَأَنْ لَا يَجُوزَ غَيْرُهُ أَوْلَى وَلِأَنَّ الْقِيَاسَ يُقَدَّمُ على الْمَفْهُومِ وَالْقِيَاسُ يَدُلُّ على أَنَّ غير الطَّعَامِ بِمَنْزِلَتِهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا لم يَجُزْ بَيْعُ الطَّعَامِ لِأَنَّهُ لم يَحْصُلْ فيه الْقَبْضُ الْمُسْتَحَقُّ بِالْعَقْدِ هذا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ في غَيْرِ الطَّعَامِ على أَنَّ بَعْضَهُمْ أَجَابَ عن هذا بِأَنَّهُ من بَابِ مَفْهُومِ اللَّقَبِ لِأَنَّ الطَّعَامَ اسْمٌ وَتَعَلُّقُ الْحُكْمِ بِالِاسْمِ لَا يُخَصِّصُ ما عَدَاهُ قال الْقَاضِي وَهَذَا غَلَطٌ لِأَنَّ ذلك في الِاسْمِ اللَّقَبِ أَمَّا الِاسْمُ الْمُشْتَقُّ فإنه يَجْرِي مَجْرَى الصِّفَةِ كَالْفَاسِقِ وَالنَّائِمِ وَاعْتَرَضَ أَصْحَابُ أبي حَنِيفَةَ على هذا وَقَالُوا تَرَكَ الشَّافِعِيُّ أَصْلَهُ في قَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم
- إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ وَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ وكان يَجِبُ أَنْ يَقْضِيَ بِمَفْهُومِهِ على عُمُومِ قَوْلِهِ إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ وَالْجَوَابُ ما ذَكَرْنَاهُ وهو أَنَّ التَّنْبِيهَ مُقَدَّمٌ على الْمَفْهُومِ لِأَنَّهُ مُتَّفَقٌ عليه وَوَجْهُ التَّنْبِيهِ أَنَّهُ إذَا أُمِرَ بِالتَّحَالُفِ وَهُنَاكَ سِلْعَةٌ قَائِمَةٌ يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بها على صِدْقِ أَحَدِهِمَا فإذا كانت تَالِفَةً لَا يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بها فَهَذِهِ أَوْلَى بِذَلِكَ وَلِأَنَّ الْقِيَاسَ يُوجِبُ تَرْكَ دَلِيلِ الْخِطَابِ لِلْأَمْرِ بِالتَّحَالُفِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُدَّعٍ وَمُدَّعًى عليه وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ مع التَّلَفِ وَالْقِيَاسُ يُتْرَكُ له الْمَفْهُومُ لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى التَّخْصِيصِ لِأَنَّهُ إسْقَاطُ بَعْضِ حُكْمِ اللَّفْظِ فإن اللَّفْظَ يُوجِبُ إثْبَاتًا وَنَفْيًا فَإِسْقَاطُ أَحَدِهِمَا بِالْقِيَاسِ يُمْكِنُ له التَّخْصِيصُ بِهِ مَسْأَلَةٌ التَّخْصِيصُ بِفِعْلِ الرَّسُولِ صلى اللَّهُ عليه وسلم على الْقَوْلِ بِأَنَّهُ شَرْعٌ لِأُمَّتِهِ إذَا قُلْنَا بِأَنَّ فِعْلَ الرَّسُولِ صلى اللَّهُ عليه وسلم شَرْعٌ لِأُمَّتِهِ فَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ من أَصْحَابِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ إلَى التَّخْصِيصِ بِهِ قال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ هذه إذَا قُلْنَا إنَّهَا على الْوُجُوبِ أو النَّدْبِ فَإِنْ قُلْنَا بِالتَّوَقُّفِ فَلَا يُتَصَوَّرُ التَّخْصِيصُ لِأَنَّهَا غَيْرُ دَالَّةٍ على شَيْءٍ انْتَهَى وَنَفَاهُ الْأَقَلُّونَ منهم الْكَرْخِيّ وَاخْتَارَهُ ابن بَرْهَانٍ وَحَكَاهُ الشَّيْخُ في اللُّمَعِ عن بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَنَقَلَ صَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ عن الْكَرْخِيِّ وَغَيْرِهِ من الْحَنَفِيَّةِ الْمَنْعَ إذَا فَعَلَهُ مَرَّةً لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ من خَصَائِصِهِ ثُمَّ قال أَمَّا إذَا تَكَرَّرَ الْفِعْلُ فإنه يُخَصُّ بِهِ الْعَامُّ بِالْإِجْمَاعِ وَالثَّالِثُ وَحَكَاهُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ التَّفْصِيلُ بين الْفِعْلِ الظَّاهِرِ فَيُخَصُّ بِهِ الْعُمُومُ وَبَيْنَ الْفِعْلِ الْمُسْتَتِرِ فَلَا يُخَصُّ بِهِ الرَّابِعُ التَّفْصِيلُ بين أَنْ لَا يَظْهَرَ كَوْنُ الْفِعْلِ من خَصَائِصِهِ فَيُخَصُّ بِهِ الْعُمُومُ فَإِنْ اُشْتُهِرَ كَوْنُهُ من خَصَائِصِهِ فَلَا يُخَصُّ بِهِ الْعُمُومُ وَجَزَمَ بِهِ سُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ وقال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ إنَّهُ الْأَصَحُّ قال وَلِهَذَا حَمَلَ الشَّافِعِيُّ تَزْوِيجَ مَيْمُونَةَ وهو مُحْرِمٌ على أَنَّهُ كان من خَصَائِصِهِ
- وَالْخَامِسُ الْوَقْفُ وَنُقِلَ عن عبد الْجَبَّارِ وَشَرَطَ أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ في كِتَابِهِ لِجَوَازِ التَّخْصِيصِ بِهِ كَوْنَهُ مُنَافِيًا لِلظَّاهِرِ قال فَأَمَّا الْفِعْلُ الْمُوَافِقُ لِلظَّاهِرِ فإنه لَا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهِ كَقَوْلِهِ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا فَلَوْ أُتِيَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِسَارِقِ مِجَنٍّ أو رِدَاءٍ فَقَطَعَهُ لم يَدُلَّ على تَخْصِيصِ الْقَطْعِ بِذَلِكَ الْمَسْرُوقِ لِأَنَّهُ بَعْضُ ما اشْتَمَلَتْ عليه الْآيَةُ قُلْت وَيَنْبَغِي لِأَبِي ثَوْرٍ أَنْ يُخَالِفَ في هذا كما سَبَقَ وقال الْغَزَالِيُّ إنَّمَا يُخَصُّ الْفِعْلُ إذَا عُرِفَ من قَوْلِهِ أَنَّهُ قَصَدَ بِهِ بَيَانَ الْأَحْكَامِ كَقَوْلِهِ صَلُّوا كما رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي وخذوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ فَإِنْ لم يُبَيِّنْ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْبَيَانَ فَلَا يَرْتَفِعُ أَصْلُ الْحُكْمِ بِفِعْلِهِ الْمُخَالِفِ وَلَكِنَّهُ قد يَدُلُّ على التَّخْصِيصِ كَنَهْيِهِ عن الْوِصَالِ ثُمَّ وَاصَلَ وقال إنِّي لَسْت كَأَحَدِكُمْ فَبَيَّنَ أَنَّهُ لم يُرِدْ بِفِعْلِهِ بَيَانَ الْحُكْمِ وَكَذَلِكَ نَهْيُهُ عن اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارِهَا ثُمَّ رَآهُ ابن عُمَرَ مُسْتَدْبِرًا لِلْكَعْبَةِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَخْصِيصٌ لِأَنَّهُ كان بَيَانًا لِلْحُكْمِ وَالنَّهْيِ وَالنَّهْيُ مُطْلَقًا وَيُحْمَلُ أَنَّهُ كان مَخْصُوصًا بِهِ وَفَصَّلَ الْآمِدِيُّ بين أَنْ يَكُونَ الْعَامُّ شَامِلًا له كما لو قال تَرْكُ الْوِصَالِ وَاجِبٌ على كل مُسْلِمٍ ثُمَّ رَأَيْنَاهُ قد وَاصَلَ فَلَا خِلَافَ أَنَّ فِعْلَهُ يَدُلُّ على إبَاحَتِهِ في حَقِّهِ وَيَكُونُ مُخَصِّصًا له وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِ فَإِنْ قُلْنَا التَّأَسِّي بِهِ وَاجِبٌ ارْتَفَعَ الْعُمُومُ وَصَارَ نَسْخًا وَإِنْ قُلْنَا ليس بِوَاجِبٍ بَقِيَ الْعُمُومُ في حَقِّ الْأُمَّةِ وَإِنْ كان عَامًّا لِلْأُمَّةِ دُونَهُ فَفِعْلُهُ لَا يَكُونُ تَخْصِيصًا لِعَدَمِ دُخُولِهِ فيه وَإِنْ قِيلَ أَيْضًا بِوُجُوبِ الْمُتَابَعَةِ على الْأُمَّةِ كان نَسْخًا في حَقِّ الْأَمَةِ لَا تَخْصِيصًا ثُمَّ قال وَهَذَا هو التَّفْصِيلُ وَلَا أَرَى لِلْخِلَافِ في التَّخْصِيصِ بِفِعْلِهِ وَجْهًا
- قال فَإِنْ كان الْمُرَادُ تَخْصِيصَهُ وَحْدَهُ فَلَا يَتَأَتَّى فيه خِلَافٌ أو تَخْصِيصَ غَيْرِهِ فَلَا تَخْصِيصَ بَلْ نَسْخٌ مع أَنَّهُمْ فَرَضُوا الْمَسْأَلَةَ في التَّخْصِيصِ ثُمَّ قال وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي الْوَقْفُ لِأَنَّ دَلِيلَ التَّأَسِّي عَامٌّ فَلَيْسَ مُرَاعَاةُ أَحَدِ الْعُمُومَيْنِ أَوْلَى من مُرَاعَاةِ الْآخَرِ وَذَكَرَ الْهِنْدِيُّ في النِّهَايَةِ هذا التَّفْصِيلَ وَحَكَى فِيمَا إذَا كان عَامًّا لِلْأُمَّةِ دُونَهُ فَالْفِعْلُ لَا يَكُونُ مُخَصِّصًا له لِعَدَمِ دُخُولِهِ وَهَلْ يَكُونُ تَخْصِيصًا أو نَسْخًا في حَقِّ الْأُمَّةِ فيه التَّفْصِيلُ وقد احْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ الصَّحَابَةَ خَصَّتْ قَوْلَهُ عليه السَّلَامُ في الْجَمْعِ بين الْجَلْدِ وَالرَّجْمِ بِفِعْلِهِ في رَجْمِ مَاعِزٍ وَالْغَامِدِيَّةِ قال ابن السَّمْعَانِيِّ وَعِنْدِي أَنَّ هذه بِالنَّسْخِ أَشْبَهُ وهو كما قال وَمَثَّلَهُ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ بِرَجْمِهِ ثُمَّ قال فَهُوَ يَدُلُّ على تَخْصِيصِ آيَةِ الْجَلْدِ بِالْأَبْكَارِ مَسْأَلَةٌ تَقْرِيرُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَاحِدًا من الْمُكَلَّفِينَ على خِلَافِ مُقْتَضَى الْعَامِّ هل يَكُونُ مُخَصِّصًا إذَا وُجِدَتْ شَرَائِطُ التَّقْرِيرِ بَعْدَ الْإِنْكَارِ في حَقِّ ذلك الْفَاعِلِ قَاطَعَ في تَخْصِيصِ الْعَامِّ في حَقِّهِ إذْ لَا يُقِرُّ على بَاطِلٍ فَإِنْ كان بَعْدَ وَقْتِ الْعَمَلِ بِهِ كان نَسْخًا في حَقِّهِ وَأَمَّا في حَقِّ غَيْرِهِ فَإِنْ ثَبَتَتْ مُسَاوَاتُهُ له بِقَوْلِهِ حُكْمِي على الْوَاحِدِ وَنَحْوِهِ ارْتَفَعَ حُكْمُ الْعَامِّ عن الْبَاقِي أَيْضًا وَعَلَى هذا يَكُونُ نَسْخًا لَا تَخْصِيصًا إنْ خَالَفَ ذلك جَمِيعَ ما دَلَّ عليه الْعَامُّ وَيَكُونُ تَخْصِيصًا إنْ خَالَفَ في فَرْدٍ كما لو قال لَا تَقْتُلُوا الْمُسْلِمِينَ وقد رَأَيْنَا أَنَّ شَخْصًا قَتَلَ مُسْلِمًا وَأَقَرَّهُ عليه السَّلَامُ على ذلك فَيُعْلَمُ أَنَّ ذلك الْمَقْتُولَ كان يَجُوزُ لِكُلِّ أَحَدٍ قَتْلُهُ وَمَثَّلَهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ بِأَنَّ قَوْلَهُ فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ مَخْصُوصٌ بِتَرْكِهِ أَخْذَ الزَّكَاةِ من الْخَضْرَاوَاتِ قال ابن الْقَطَّانِ وَكَذَا تَرْكُهُ أَخْذَ الزَّكَاةِ في النَّوَاضِحِ وَإِقْرَارُهُ تَرْكَ الْوُضُوءِ من النَّوْمِ قَاعِدًا وإذا قُلْنَا بِالتَّخْصِيصِ بِالتَّقْرِيرِ فَهَلْ نَقُولُ وَقَعَ التَّخْصِيصُ بِنَفْسِ التَّقْرِيرِ أَمْ يُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ على أَنَّهُ قد خُصَّ بِقَوْلٍ سَابِقٍ فيه وَجْهَانِ حَكَاهُمَا ابن الْقَطَّانِ وابن فُورَكٍ وَإِلْكِيَا أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ على أَنَّهُ عليه السَّلَامُ قال لهم إذْ لَا يَجُوزُ عليهم أَنْ يَتْرُكُوا ذلك إلَّا بِأَمْرٍ وَالثَّانِي أَنَّ التَّقْرِيرَ وَقَعَ بِهِ التَّخْصِيصُ
- قال ابن فُورَكٍ وَالطَّبَرِيُّ وهو الظَّاهِرُ من الْحَالِ وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْقَطَّانِ يَقْتَضِيَ تَرْجِيحَهُ قَالَا وَعَلَى هذا يَكُونُ ما قَالَهُ الشَّافِعِيُّ في صَلَاةِ النبي عليه السَّلَامُ قَاعِدًا مع صَلَاةِ الصَّحَابَةِ خَلْفَهُ قِيَامًا دَلِيلٌ على أَنَّهُ كان نَسَخَ قَوْلَهُ إذَا صلى الْإِمَامُ قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا على أَنَّهُمْ لم يَكُونُوا لِيَفْعَلُوا ذلك وَيَنْتَقِلُوا عن الْحَالَةِ الْأُولَى إلَّا لِشَيْءٍ مُتَقَدِّمٍ وَلَيْسَ ذلك نَقْلًا عن الْحَالِ إنَّمَا هو بِنَاءٌ على ما كَانُوا عليه وَيُتَوَصَّلُ بِالْحَالِ إلَى الْعِلْمِ بِهِ مَسْأَلَةٌ الْخِطَابُ إذَا عُلِمَ خُصُوصُهُ ولم يُدْرَ ما خَصَّهُ كَيْفَ يُعْمَلُ بِهِ قال ابن فُورَكٍ من أَصْحَابِنَا من يقول الْبَيَانُ لَا يَتَأَخَّرُ فَيُحِيلُ هذا لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَأْخِيرِ الْبَيَانِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا من يقول يَجُوزُ هذا وَيُعْتَبَرُ فيه الْعُمُومُ إلَّا مَوْضِعًا خُصَّ غير أَنَّهُ إذَا جاء بِأَمْرٍ يَشْتَمِلُ على الْعُمُومِ أَمْضَيْنَاهُ فيه لِأَنَّهُ لو كان فيه خُصُوصٌ لَخَصَّهُ وَمِنْ أَصْحَابِنَا من يَقِفُ في هذا
- فَصْلٌ فِيمَا ظُنَّ أَنَّهُ من مُخَصِّصَاتِ الْعُمُومِ التَّخْصِيصِ بِالْعَادَةِ وَفِيهِ مَسَائِلُ الْأُولَى أَطْلَقَ جَمْعٌ من أَئِمَّتِنَا كَالشَّيْخِ أبي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ وَابْنِ السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرِهِمَا بِأَنَّ الْعَادَةَ لَا تُخَصِّصُ وَنَقَلَهُ في الْقَوَاطِعِ عن الْأَصْحَابِ وَحَكَوْا الْخِلَافَ فيه عن الْحَنَفِيَّةِ وقال الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ هذا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ النبي عليه السَّلَامُ أَوْجَبَ شيئا أو أَخْبَرَ بِهِ بِلَفْظٍ عَامٍّ ثُمَّ رَأَيْنَا الْعَادَةَ جَارِيَةً بِتَرْكِ بَعْضِهَا أو بِفِعْلِ بَعْضِهَا فَهَلْ تُؤَثِّرُ تِلْكَ الْعَادَةُ في تَخْصِيصِ الْعَامِّ حتى يُقَالَ الْمُرَادُ من ذلك الْعَامِّ ما عَدَا ذلك الْبَعْضَ الذي جَرَتْ الْعَادَةُ بِتَرْكِهِ أو بِفِعْلِهِ أَمْ لَا تُؤَثِّرُ في ذلك بَلْ هو بَاقٍ على عُمُومِهِ مُتَنَاوِلٌ لِذَلِكَ الْفِعْلِ وَلِغَيْرِهِ انْتَهَى وَهَذِهِ الْحَالَةُ هِيَ التي تَكَلَّمَ فيها صَاحِبُ الْمَحْصُولِ وَأَتْبَاعُهُ وَاخْتَارَ فيها التَّفْصِيلَ وهو أَنَّهُ إنْ عُلِمَ جَرَيَانُ الْعَادَةِ في زَمَنِ النبي عليه السَّلَامُ مع عَدَمِ مَنْعِهِ عنها فَيُخَصُّ وَالْمُخَصِّصُ في الْحَقِيقَةِ تَقْرِيرُهُ عليه السَّلَامُ وَإِنْ عُلِمَ عَدَمُ جَرَيَانِهَا لم يُخَصَّ إلَّا أَنْ يُجْمَعَ على فِعْلِهَا فَيَكُونُ تَخْصِيصًا بِالْإِجْمَاعِ الْفِعْلِيِّ وَإِنْ جُهِلَ فَاحْتِمَالَاتٌ الثَّانِي أَنْ تَكُونَ الْعَادَةُ جَارِيَةً بِفِعْلٍ مُعَيَّنٍ كَأَكْلِ طَعَامٍ مُعَيَّنٍ مَثَلًا ثُمَّ إنَّهُ عليه السَّلَامُ نَهَاهُمْ عن تَنَاوُلِهِ بِلَفْظٍ مُتَنَاوِلٍ له وَلِغَيْرِهِ كما لو قال نَهَيْتُكُمْ عن أَكْلِ الطَّعَامِ فَهَلْ يَكُونُ النَّهْيُ مُقْتَصِرًا على ذلك الطَّعَامِ بِخُصُوصِهِ أَمْ لَا بَلْ يَجْرِي على عُمُومِهِ وَلَا تُؤَثِّرُ عَادَاتُهُمْ قال الصَّفِيُّ وَالْحَقُّ أنها لَا تُخَصِّصُ لِأَنَّ الْحُجَّةَ في لَفْظِ الشَّارِعِ وهو عَامٌّ وَالْعَادَةُ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ حتى تَكُونَ مُعَارِضَةً له انْتَهَى وَهَذِهِ الْحَالَةُ هِيَ التي تَكَلَّمَ فيها الْآمِدِيُّ وابن الْحَاجِبِ وَهُمَا مَسْأَلَتَانِ لَا تَعَلُّقَ لِإِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى فَتَفَطَّنْ لِذَلِكَ فإن بَعْضَ من لَا خِبْرَةَ له حَاوَلَ الْجَمْعَ بين كَلَامِ الْإِمَامِ وَالْآمِدِيَّ ظَنًّا منه أَنَّهُمَا تَوَارَدَا على مَحَلٍّ وَاحِدٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَمِمَّنْ ذَكَرَ أَنَّهُمَا حَالَتَانِ الْقَرَافِيُّ في شَرْحِ التَّنْقِيحِ وَفَرَّقَ بِأَنَّ الْعَادَةَ السَّابِقَةَ على الْعُمُومِ يَجْعَلُهَا مُخَصِّصَةً وَالطَّارِئَةُ بَعْدَ الْعُمُومِ لَا يُقْضَى بها على الْعُمُومِ قال وَنَظِيرُهُ أَنَّ
- الْعَقْدَ إذَا وَقَعَ في الْبَيْعِ فإن الثَّمَنَ يُحْمَلُ على الْعَادَةِ الْحَاضِرَةِ في النَّقْدِ لَا على ما يَطْرَأُ بَعْدَ ذلك من الْعَوَائِدِ في النُّقُودِ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ من الْعَوَائِدِ ما كان مُقَارِنًا لها وَكَذَا نُصُوصُ الشَّارِعِ لَا يُؤَثِّرُ في تَخْصِيصِهَا إلَّا الْمُقَارِنُ وَمِمَّنْ اقْتَصَرَ على إيرَادِ هذه الْحَالَةِ من كِبَارِ أَصْحَابِنَا الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ في تَعْلِيقِهِ في الْأُصُولِ وَسُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ وأبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ وابن الْقُشَيْرِيّ وقال الْعَادَةُ لَا تَخُصُّ الْعَامَّ من الشَّارِعِ فَلَوْ عَمَّ في الناس طَعَامٌ وَشَرَابٌ وَكَانُوا لَا يَعْتَادُونَ تَنَاوُلَ غَيْرِهِمَا فإذا وَرَدَ نَهْيٌ مُطْلَقٌ عن الطَّعَامِ لم يَخْتَصَّ بِالْمُعْتَادِ دُونَ غَيْرِهِ وقال أبو حَنِيفَةَ الْعُرْفُ من الْمُخَصِّصَاتِ وَحُمِلَ الطَّعَامُ على الْبُرِّ لِأَنَّهُ في عُرْفِ أَهْلِ الْحِجَازِ كَذَلِكَ وقال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ لَا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهِ قال وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَرِدَ عن النبي عليه السَّلَامُ خَبَرٌ في بَيْعٍ أو غَيْرِهِ وَعَادَةُ الناس تُخَالِفُهُ فَيَجِبُ الْأَخْذُ بِالْخَبَرِ وَإِطْرَاحُ تِلْكَ الْعَادَةِ قال وَلَيْسَ في هذا خِلَافٌ قال فَإِنْ قِيلَ أَلَيْسَ قد خَصَّصْتُمْ عُمُومُ لَفْظِ الْيَمِينِ بِالْعَادَةِ فَقُلْتُمْ إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ بَيْضًا أو لَا يَأْكُلُ الرُّءُوسَ فَلَا يَحْنَثُ إلَّا بِمَا يُعْتَادُ أَكْلُهُ من الرُّءُوسِ وَالْبَيْضِ فَهَلَّا قُلْتُمْ في أَلْفَاظِ الشَّارِعِ مِثْلَ ذلك قِيلَ نَحْنُ لَا نَخُصُّ الْيَمِينَ بِعُرْفِ الْعَادَةِ وَإِنَّمَا نَخُصُّهُ بِعُرْفِ الشَّرْعِ مِثْلُ لَا يُصَلِّي أو لَا يَصُومُ فَيَحْنَثُ بِالشَّرْعِيِّ أو بِعُرْفٍ قَائِمٍ بِالِاسْمِ مِثْلُ لَا يَأْكُلُ الْبَيْضَ أو الرُّءُوسَ الذي يُقْصَدُ بِالْأَكْلِ فَيُخَصُّ الْيَمِينُ بِعُرْفٍ قَائِمٍ في الِاسْمِ فَأَمَّا بِعُرْفِ الْعَادَةِ فَلَا يُخَصُّ فإنه لو حَلَفَ لَا يَأْكُلُ خُبْزًا بِبَلَدٍ لَا يُؤْكَلُ فيه إلَّا خُبْزُ الْأَرُزِّ حَنِثَ بِهِ وَإِنْ كان لَا يُعْتَادُ أَكْلُهُ وقال أبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ الِاعْتِبَارُ بِعُمُومِ اللِّسَانِ وَلَا اعْتِبَارَ بِعُمُومِ ذلك الِاسْمِ على ما اعْتَادُوهُ لِأَنَّ الْخِطَابَ إنَّمَا يَقَعُ بِلِسَانِ الْعَرَبِ على حَقِيقَةِ لُغَتِهَا فَلَوْ خَصَّصْنَاهُ بِالْعَادَةِ لَلَزِمَ تَنَاوُلُهُ بَعْضَ ما وُضِعَ له وَحَقُّ الْكَلَامِ الْعُمُومُ وَلَسْنَا نَدْرِي هل أَرَادَ اللَّهُ ذلك أَمْ لَا فَالْحُكْمُ لِلِاسْمِ حتى يَأْتِيَ دَلِيلٌ يَدُلُّ على التَّخْصِيصِ قال وَهَذَا كُلُّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى خِطَابِ اللَّهِ وَخِطَابِ رَسُولِهِ فَأَمَّا خِطَابُ الناس فِيمَا بَيْنَهُمْ في الْمُعَامَلَاتِ وَغَيْرِهَا فَيُنَزَّلُ على مَوْضُوعَاتِهِمْ كَنَقْدِ الْبَلَدِ في الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ إذَا أَرَادُوهُ وَإِلَّا عُمِلَ بِالْعَامِّ وَلَا يُحَالُ اللَّفْظُ عن حَقِّهِ إلَّا بِدَلِيلٍ انْتَهَى
- وقال سُلَيْمٌ لَا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِالْعَادَةِ مِثْلُ أَنْ يَرِدَ خَبَرٌ عن النبي عليه السَّلَامُ في بَيْعٍ أو غَيْرِهِ وَعَادَةُ الناس تُخَالِفُهُ فَيَجِبُ الْأَخْذُ بِالْخَبَرِ وَإِطْرَاحُ تِلْكَ الْعَادَةِ لِأَنَّ الْخَبَرَ إنَّمَا يَرِدُ لِنَقْلِ الناس عن عَادَتِهِمْ فَلَا يُتْرَكُ بها انْتَهَى وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في بَابِ الزَّكَاةِ من النِّهَايَةِ يَجِبُ في خَمْسٍ شَاةٌ أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ بين غَنَمِ غَالِبِ الْبَلَدِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال في خَمْسٍ شَاةٌ وَاسْمُ الشَّاةِ يَقَعُ عَلَيْهِمَا جميعا وَلَفْظُ الشَّارِعِ لَا يَتَخَصَّصُ بِالْعُرْفِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ من أَهْلِ الْأُصُولِ ثُمَّ هُنَا أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْعَادَةَ التي تُخَصِّصُ إنَّمَا هِيَ السَّابِقَةُ لِوَقْتِ اللَّفْظِ الْمُسْتَقَرِّ وَقَارَنَتْهُ حتى تُجْعَلَ كَالْمَلْفُوظِ بها فإن الْعَادَةَ الطَّارِئَةَ بَعْدَ الْعَامِّ لَا أَثَرَ لها وَلَا يُنَزَّلُ اللَّفْظُ السَّابِقُ عليها قَطْعًا وَأَغْرَبَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَحَكَى خِلَافًا في أَنَّ الْعُرْفَ الطَّارِئَ هل يُخَصِّصُ الْأَلْفَاظَ الْمُتَقَدِّمَةَ الثَّانِي أَطْلَقَ كَثِيرُونَ التَّخْصِيصَ بِالْعَادَةِ وَخَصَّهَا الْمُحَقِّقُونَ بِالْقَوْلِيَّةِ دُونَ الْفِعْلِيَّةِ قال أبو الْحُسَيْنِ في الْمُعْتَمَدِ الْعَادَةُ التي تُخَالِفُ الْعُمُومَ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا عَادَةٌ في الْفِعْلِ وَالْآخَرُ عَادَةٌ في اسْتِعْمَالِ الْعُمُومِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَبِأَنْ يَعْتَادَ الناس شُرْبَ بَعْضِ الدِّمَاءِ فَيُحَرِّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الدِّمَاءَ بِكَلَامٍ يَعُمُّهَا فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ هذه الْعُمُومِ بَلْ يَجِبُ تَحْرِيمُ ما جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ وَغَيْرِهِ وَأَمَّا الثَّانِي فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعُمُومُ مُسْتَغْرِقًا في اللُّغَةِ وَيَتَعَارَفُ الناس الِاسْتِعْمَالَ في بَعْضِ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ فَقَطْ كَاسْمِ الدَّابَّةِ فإنه في اللُّغَةِ لِكُلِّ ما دَبَّ وقد تُعُورِفَ اسْتِعْمَالُهُ في الْخَيْلِ فَقَطْ فَمَتَى أَمَرَنَا اللَّهُ بِالدَّابَّةِ لِشَيْءٍ حُمِلَ على الْعُرْفِ لِأَنَّهُ بِهِ أَحَقُّ وَلَيْسَ ذلك بِتَخْصِيصٍ على الْحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا هو تَخْصِيصٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى اللُّغَةِ وَفَرْقٌ بين
- أَنْ لَا يُعْتَادَ الْفِعْلُ أو لَا يُعْتَادُ إطْلَاقُ الِاسْمِ على الْمُسَمَّى وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ مثله قال الْمَازِرِيُّ إنْ كانت الْعَادَةُ فِعْلِيَّةً لم تَخُصَّ الْعُمُومَ كَغَسْلِ الْإِنَاءِ من وُلُوغِ الْكَلْبِ هل يُحْمَلُ على إنَاءٍ فيه مَاءٌ لِأَنَّهُ لم تَجْرِ عَادَتُهُمْ إلَّا بِهِ أو يَعُمَّ الْمَاءَ وَالطَّعَامَ وَغَيْرَهُ وَفِيهِ خِلَافٌ في مَذْهَبِ مَالِكٍ وَإِنْ كانت قَوْلِيَّةً كَأَنْ يَعْتَادَ الْمُخَاطَبُونَ إطْلَاقَ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ على الضَّأْنِ دُونَ ما سِوَاهُ فَهَذَا مَوْضِعُ الْخِلَافِ فَالشَّافِعِيُّ لَا يُخَصِّصُ بِهَذِهِ الْعَادَةِ وأبو حَنِيفَةَ يُخَصِّصُ بها قال وَهَذَا فيها إذَا كان التَّعَارُفُ بين غَيْرِ أَهْلِ اللُّغَةِ فَأَمَّا تَعَارُفُ أَهْلِ اللُّغَةِ على تَسْمِيَةٍ فإنه يُرْجَعُ إلَيْهِ إذَا وَجَبَ التَّمَسُّكُ بِلُغَتِهِمْ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ في تَعَارُفِ من سِوَاهُمْ على قَصْرِ مُسَمَّيَاتِهِمْ على بَعْضِ ما وُضِعَتْ له هل يُقَدَّمُ الْعُرْفِيُّ أو اللُّغَوِيُّ وقال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ الْعَادَةُ إنْ كانت فِعْلِيَّةً لم يُخَصَّ بها مِثْلُ أَنْ يَقُولَ حَرَّمْت عَلَيْكُمْ أَكْلَ اللُّحُومِ وَعَادَتُهُمْ أَكْلُ لُحُومِ الْغَنَمِ فَيَجْرِي الْعَامُّ على عُمُومِهِ وَإِنْ كانت عَادَةً في التَّخَاطُبِ خُصَّ بها الْعُمُومُ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لَا تَرْكَبُوا دَابَّةً فَيُخَصُّ بها الْخَيْلُ دُونَ غَيْرِهَا من الْإِبِلِ وَالْحَمِيرِ لِأَنَّ ذلك هو الْمَفْهُومُ في عَادَةِ التَّخَاطُبِ وقال الْقُرْطُبِيُّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْعَادَةِ الْغَالِبَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى أو جاء أَحَدٌ مِنْكُمْ من الْغَائِطِ فإنه كِنَايَةٌ عن الْخَارِجِ من الْمَخْرَجَيْنِ وهو عَامٌّ غير أَنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِنَا خَصُّوهُ بِالْأَحْدَاثِ الْمُعْتَادَةِ فَلَوْ خَرَجَ ما لَا يُعْتَادُ كَالْحَصَى وَالدُّودِ لم يَكُنْ نَاقِضًا وَإِنَّمَا صَارَ إلَى ذلك لِأَنَّ اللَّفْظَ إذَا أُطْلِقَ لم يَتَبَادَرْ الذِّهْنُ إلَى غَيْرِ الْمُعْتَادِ نَصًّا وكان غَيْرُهُ غير مُرَادٍ قال وَعَلَى هذا الْخِلَافِ في الْأَصْلِ ابْتَنَى الْخِلَافُ في مَسَائِلِ الْأَيْمَانِ فإذا حَلَفَ بِلَفْظٍ له عُرْفٌ فِعْلِيٌّ وَوَضْعٌ لُغَوِيٌّ فَهَلْ يُحْمَلُ على الْوَضْعِيِّ أو اللُّغَوِيِّ قَوْلَانِ وقال الْقَرَافِيُّ شَذَّ الْآمِدِيُّ بِحِكَايَةِ الْخِلَافِ في الْعَادَةِ الْفِعْلِيَّةِ وَوَقَعَ في كَلَامِ الْمَازِرِيِّ حِكَايَةُ خِلَافٍ في ذلك عن الْمَالِكِيَّةِ لَعَلَّهُ مِمَّا الْتَبَسَ عليه الْقَوْلِيَّةُ بِالْفِعْلِيَّةِ وَأَظُنُّ أَنِّي سَمِعْت الشَّيْخَ عِزَّ الدِّينِ بن عبد السَّلَامِ يَحْكِي الْإِجْمَاعَ على أنها لَا تُخَصِّصُ أَعْنِي الْفِعْلِيَّةَ وقال الْعَالَمِيُّ من الْحَنَفِيَّةِ الْعَادَةُ الْفِعْلِيَّةُ لَا تَكُونُ مُخَصِّصَةً إلَّا أَنْ تُجْمِعَ الْأُمَّةُ على اسْتِحْسَانِهَا ثُمَّ قال وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ هذا تَخْصِيصٌ بِالْإِجْمَاعِ لَا بِالْعَادَةِ انْتَهَى وقال إلْكِيَا الْخِلَافُ في تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْعَادَةِ لَا يَعْنِي بها الْفِعْلِيَّةَ فإن الْوَاجِبَ على الْمُخَاطَبِينَ أَنْ يَتَحَوَّلُوا عن تِلْكَ الْعَادَةِ وَإِنَّمَا الْمَعْنِيُّ بها اسْتِعْمَالُ الْعُرْفِ في
- بَعْضِ ما يَتَنَاوَلُهُ وَذَلِكَ على وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَعْلَمَ مُوَافَقَةَ الرَّسُولِ عليه السَّلَامُ لهم في مُحَاوَرَاتِهِمْ فَيَبْتَنِي عليها وَالثَّانِي أَنْ لَا يَظْهَرَ ذلك وَيُحْتَمَلُ فَيَتَّبِعُ مَوْضُوعَ اللُّغَةِ وقال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ في شَرْحِ الْعُنْوَانِ هذه الْمَسْأَلَةُ تَحْتَاجُ إلَى تَحْرِيرٍ لِأَنَّهُ قد أَطْلَقَ الْقَوْلَ بِالْخِلَافِ فيها وَتَرْجِيحُ الْقَوْلِ بِالْعُمُومِ فيها وَالصَّوَابُ أَنْ يُفَصِّلَ بين عَادَةٍ تَرْجِعُ إلَى الْفِعْلِ وَعَادَةٍ تَرْجِعُ إلَى الْقَوْلِ فما يَرْجِعُ إلَى الْفِعْلِ يُمْكِنُ أَنْ يُرَجَّحَ فيه الْعُمُومُ على الْعَادَةِ مِثْلُ أَنْ يُحَرَّمَ بَيْعُ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ وَيَكُونَ الْعَادَةُ بَيْعَ الْبُرِّ منه فَلَا يُخَصَّصُ عُمُومُ اللَّفْظِ بِهَذِهِ الْعَادَةِ الْفِعْلِيَّةِ وَأَمَّا ما يَرْجِعُ إلَى الْقَوْلِ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ أَهْلُ الْعُرْفِ اعْتَادُوا تَخْصِيصَ اللَّفْظِ بِبَعْضِ مَوَارِدِهِ اعْتِبَارًا بِمَا سَبَقَ الذِّهْنُ بِسَبَبِهِ إلَى ذلك الْخَاصِّ فإذا أُطْلِقَ اللَّفْظُ الْعَامُّ فَيَقْوَى تَنْزِيلُهُ على الْخَاصِّ الْمُعْتَادِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ إنَّمَا يَدُلُّ بِاللَّفْظِ على ما شَاعَ اسْتِعْمَالُهُ فيه لِأَنَّهُ الْمُتَبَادَرُ إلَى الذِّهْنِ ا هـ وقال صَاحِبُ الْوَاضِحِ الْمُعْتَزِلِيُّ أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُونَ في الْأُصُولِ أَنَّ الْعُمُومَ يُخَصُّ بِالْعَادَاتِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ يُخَصُّ بِالْعُرْفِ في الْأَقْوَالِ وَلَا يُخَصُّ بِهِ في الْأَفْعَالِ فإذا قال لِغَيْرِهِ اشْتَرِ دَابَّةً فَاشْتَرَى كَلْبًا كان مُخَالِفًا لِأَنَّ اللَّفْظَ وَإِنْ كان عَامًّا في كل ما دَبَّ إلَّا أَنَّ الْعُرْفَ قد قَيَّدَهُ بِالْخَيْلِ وَلَوْ قال اشْتَرِ لَحْمًا فَاشْتَرَى لَحْمَ كَلْبٍ لم يَكُنْ مُخَالِفًا لِأَنَّ الِاسْمَ عَامٌّ في كل لَحْمٍ وَالْعُرْفُ في الْفِعْلِ خَاصٌّ في بَعْضِ اللُّحْمَانِ فلم يُخَصَّ الْعَامُّ بِالْعُرْفِ في الْفِعْلِ وقال الْإِبْيَارِيُّ لِلْمَسْأَلَةِ أَحْوَالٌ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْعُرْفُ عُرْفَ أَهْلِ اللِّسَانِ كَالدَّابَّةِ وَالْغَائِطِ فَهَذَا لَا يُخَصُّ بِهِ الْعُمُومُ قَطْعًا إنْ قُلْنَا إنَّ الشَّرْعَ لم يَتَصَرَّفْ في اللُّغَةِ وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ يَتَصَرَّفُ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ عُرْفِهِ وَوَجَبَ التَّخْصِيصُ بِهِ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْعُرْفُ لِغَيْرِ أَهْلِ اللُّغَةِ ولم يَكُنْ الشَّرْعُ يَعْرِفُ غير عُرْفِهِمْ في الِاخْتِصَاصِ فَهَذَا يَجِبُ أَنْ تُنَزَّلَ أَلْفَاظُ الشَّارِعِ على مُقْتَضَاهَا إمَّا في اللُّغَةِ أو في عُرْفِ السَّامِعِ وَهَذَا لَا يُتَّجَهُ فيه خِلَافٌ إذْ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ خِطَابِهِمْ على حَسَبِ عُرْفِهِمْ وهو لَا يَعْرِفُهُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ الْمُخَاطَبُونَ لَيْسُوا أَهْلَ لُغَةٍ وَالشَّارِعُ يَعْرِفُ عُرْفَهُمْ وَلَكِنْ لم
- يَظْهَرْ منه خِطَابُهُمْ على مُقْتَضَى عُرْفِهِمْ وَلَا يَظْهَرُ الْإِضْرَابُ عن ذلك فَهَذَا مَوْضِعُ الْخِلَافِ في أَنَّهُ يُنَزَّلُ على مُقْتَضَى عُرْفِهِمْ أَمْ لَا الرَّابِعُ أَنَّ الْمُخَاطَبِينَ اعْتَادُوا بَعْضَ ما يَدُلُّ عليه الْعُمُومُ كما لو نُهِيَ عن أَكْلِ اللَّحْمِ مَثَلًا وَكَانَتْ عَادَتُهُمْ أَكْلَ لَحْمٍ مَخْصُوصٍ فَهَلْ يَكُونُ النَّهْيُ مَقْصُورًا على ما اعْتَادُوا أَكْلَهُ أَمْ لَا هذا مَوْضِعُ الْخِلَافِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ وَعَلَيْهِ يُخَرَّجُ تَخْصِيصُ الْأَيْمَانِ بِالْعُرْفِ الْفِعْلِيِّ تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ ادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِالْعَادَةِ الْفِعْلِيَّةِ خِلَافًا لِمَا سَبَقَ عن الْأُصُولِيِّينَ فإنه لَمَّا حُمِلَ الْأَمْرُ في قَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم في الرَّقِيقِ وَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ الحديث على الِاسْتِحْبَابِ دُونَ الْوُجُوبِ حُمِلَ الْحَدِيثُ على أَنَّ الْخِطَابَ لِلْعَرَبِ الَّذِينَ كانت مَطَاعِمُهُمْ وَمَلَابِسُهُمْ مُتَفَاوِتَةً وكان عَيْشُهُمْ ضَيِّقًا فَأَمَّا من لم يَكُنْ حَالُهُ كَذَلِكَ وَخَالَفَ مَعَاشُهُ مَعَاشَ السَّلَفِ وَالْعَرَبِ في أَكْلِ رَقِيقِ الطَّعَامِ وَلُبْسِ جَيِّدِ الثِّيَابِ فَلَوْ وَاسَى رَقِيقَهُ كان أَكْرَمَ وَأَحْسَنَ وَإِنْ لم يَفْعَلْ فَلَهُ ما قال النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم نَفَقَتُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ وهو عِنْدَنَا ما عُرِفَ لِمِثْلِهِ في بَلَدِهِ الذي يَكُونُ فيه هذا لَفْظُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ قال فَأَنْتَ تَرَاهُ كَيْفَ خَصَّصَ عُمُومَ لَفْظِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِمَا كانت عَادَتُهُمْ فِعْلَهُ في تِلْكَ الْأَزْمَانِ قُلْت إنَّمَا خَصَّصَهُ بِقَوْلِهِ نَفَقَتُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَفَسَّرَ الْمَعْرُوفَ بِالْعُرْفِ وَجَمَعَ بين الْحَدِيثَيْنِ بِذَلِكَ وَسَاعَدَهُ في حَمْلِ الْأَوَّلِ عَادَةُ الْمُخَاطَبِينَ وَكَلَامُنَا في التَّخْصِيصِ بِمُجَرَّدِ الْعَادَةِ لَا بِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ فَلَيْسَ في نَصِّ الشَّافِعِيِّ ما ذُكِرَ الثَّانِي التَّحْقِيقُ أَنَّ الْمُخَصِّصَ هو تَقْرِيرُ الرَّسُولِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَالْعَادَةُ كَاشِفَةٌ عنه وَكَذَلِكَ لو لم تَكُنْ الْعَادَةُ مَوْجُودَةً في عَهْدِهِ أو كانت ولم يَعْلَمْهَا أو عَلِمَ بها وَلَكِنْ لم يَخُصَّ بها بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ الْمِثَالَ السَّائِرَ لَا يَكُونُ دَلِيلًا من الشَّرْعِ إلَّا مع الْإِجْمَاعِ وَحِينَئِذٍ
- يَكُونُ الْإِجْمَاعُ هو الْمُخَصِّصُ لَا الْعَادَةُ وَلَا يُعَكِّرُ على هذا إفْرَادُهَا بِمَسْأَلَةِ التَّخْصِيصِ بِتَقْرِيرِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم عنها
- التَّخْصِيصُ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ عَامًّا فَيَخُصُّهُ الصَّحَابِيُّ بِأَحَدِ أَفْرَادِهِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ هو الرَّاوِي له أو لَا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ أَنْ لَا يَكُونَ هو رَاوِيهِ كَحَدِيثِ أبي هُرَيْرَةَ ليس على الْمُسْلِمِ في عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ وَحَدِيثِ عَلِيٍّ قد عَفَوْت لَكُمْ عن صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ وقد رُوِيَ عن ابْنِ عَبَّاسٍ تَخْصِيصُ الْخَيْلِ بِمَا يُغْزَى عليها في سَبِيلِ اللَّهِ فَأَمَّا غَيْرُهَا فَفِيهَا الزَّكَاةُ وَعَنْ عُثْمَانَ تَخْصِيصُهُ بِالسَّائِمَةِ وَأَخَذَ من الْمَعْلُوفَةِ الزَّكَاةَ وَعَنْ عُمَرَ نَحْوُهُ فقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَالشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَسُلَيْمٌ وَالشَّيْخُ في اللُّمَعِ يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهِ إذَا انْتَشَرَ ولم يُعْرَفْ له مُخَالِفٌ وَانْقَرَضَ الْعَصْرُ عليه لِأَنَّ ذلك إمَّا إجْمَاعٌ أو حُجَّةٌ مَقْطُوعٌ بِهِ على الْخِلَافِ وَأَمَّا إذَا لم يَنْتَشِرْ في الْبَاقِينَ فَإِنْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ قَطْعًا وَإِنْ لم يُعْرَفْ له مُخَالِفٌ فَعَلَى قَوْلِهِ في الْجَدِيدِ ليس بِحُجَّةٍ فَلَا يُخَصُّ بِهِ وَعَلَى قَوْلِهِ الْقَدِيمِ هو حُجَّةٌ تُقَدَّمُ على الْقِيَاسِ وَهَلْ يُخَصُّ بِهِ الْعُمُومُ فيه وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يُخَصُّ بِهِ لِأَنَّهُ على هذا الْقَوْلِ أَقْوَى من الْقِيَاسِ وقد ثَبَتَ جَوَازُ التَّخْصِيصِ بِالْقِيَاسِ فَكَانَ بِمَا هو أَقْوَى منه أَوْلَى وَالثَّانِي لَا يُخَصُّ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كانت تَتْرُكُ أَقْوَالَهَا لِظَاهِرِ السُّنَّةِ قال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهِ وما ذَكَرُوهُ من حِكَايَةِ الْوَجْهَيْنِ تَفْرِيعًا على الْقَوْلِ بِحُجِّيَّتِهِ حَكَاهُ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ في كِتَابِهِ أَيْضًا وَالْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ في شَرْحِ الْكِفَايَةِ وَنَقَلَهُمَا عن أبي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ في الْإِيضَاحِ وما ذَكَرُوهُ من تَخْرِيجِ الْقَوْلِ بِكَوْنِهِ تَخْصِيصًا على الْقَدِيمِ فَهُوَ مَبْنِيٌّ على الْمَشْهُورِ من
- مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ في الْجَدِيدِ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ ليس بِحُجَّةٍ لَكِنْ سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ مَنْصُوصٌ لِلشَّافِعِيِّ في الْجَدِيدِ أَيْضًا وَلِذَلِكَ اعْتَقَدَ مَذْهَبَ مَعْمَرِ بن نَضْلَةَ في تَخْصِيصِهِ الِاحْتِكَارَ بِالطَّعَامِ حَالَةَ الضِّيقِ على الناس ولم يَعْتَقِدْ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ في تَخْصِيصِ الْمُرْتَدِّ بِالرَّجُلِ دُونَ الْمَرْأَةِ وَلَا قَوْلَ من خَصَّ نَفْيَ الزَّكَاةِ عن الْخَيْلِ بِبَعْضِ أَصْنَافِهَا أَمَّا على الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ في الْجَدِيدِ من أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ ليس بِحُجَّةٍ أو لِأَنَّ غَيْرَهُمْ من الصَّحَابَةِ قد خَالَفُوهُمْ فَقَدْ رُوِيَ عن عَلِيٍّ أَنَّهُ قَتَلَ الْمُرْتَدَّةَ وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ امْتَنَعَ من أَخْذِ الزَّكَاةِ عن الْخَيْلِ لَمَّا سَأَلَهُ أَرْبَابُهَا ذلك وإذا اخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ تَعَارَضَتْ أَقْوَالُهُمْ فَبَقِيَ الْعَامُّ على عُمُومِهِ وما جَزَمُوا بِهِ من التَّخْصِيصِ إذَا لم يُعْلَمْ مُخَالِفٌ فَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ ذَكَرَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ في هذه الْحَالَةِ خِلَافًا مَبْنِيًّا على الْخِلَافِ في تَقْلِيدِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ هذه مَحَلُّ وِفَاقٍ كما سَيَأْتِي وقال أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ ذَهَبَ عَامَّةُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّ تَخْصِيصَ الظَّاهِرِ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ لَا يَقَعُ وقال بَعْضُهُمْ يَجِبُ أَنْ يُخَصَّ الظَّاهِرُ بِهِ إذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ قَبُولِ قَوْلِهِ إذَا انْتَشَرَ وَإِنْ لم يُصَادِمْهُ قِيَاسٌ لِأَنَّا نُقَدِّمُهُ على الْقِيَاسِ فإذا خُصَّ بِالْقِيَاسِ كان بِأَنْ يُخَصَّ بِقَوْلِهِ الذي هو مُقَدَّمٌ على الْقِيَاسِ أَوْلَى ثُمَّ قال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ فَأَمَّا إذَا كان الْخَبَرُ غير مُحْتَمِلٍ أو عَارَضَهُ قَوْلُ صَحَابِيٍّ فإنه يُعْمَلُ بِالْخَبَرِ وَيُتْرَكُ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ وقال أبو حَنِيفَةَ إنْ كان الصَّحَابِيُّ مِمَّنْ يَخْفَى عليه الْخَبَرُ عُمِلَ بِالْخَبَرِ وَإِنْ كان مِمَّنْ لَا يَخْفَى عليه فَالْعَمَلُ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ وَلِهَذَا يَقُولُونَ من شَرْطِ صِحَّةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ أَنْ لَا يَعْتَرِضَ عليه بَعْضُ السَّلَفِ تَخْصِيصُ الحديث بِمَذْهَبِ رَاوِيهِ من الصَّحَابَةِ الضَّرْبُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ هو الرَّاوِي كَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ من بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ فإن لَفْظَةَ من عَامَّةٌ في الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ وقد رُوِيَ عن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا ارْتَدَّتْ تُحْبَسُ وَلَا تُقْتَلُ فَخَصَّ الحديث بِالرِّجَالِ فَإِنْ قُلْنَا قَوْلُ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ خُصَّ على الْمُخْتَارِ وقال الْقَاضِي في مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ وقد نُسِبَ ذلك إلَى الشَّافِعِيِّ في قَوْلِهِ الذي يُقَلِّدُ الصَّحَابِيَّ فيه وَنُقِلَ عنه أَنَّهُ لَا يُخَصَّصُ بِهِ إلَّا إذَا انْتَشَرَ في هذا الْعَصْرِ ولم
- يُنْكِرْهُ وَجُعِلَ ذلك نَازِلًا مَنْزِلَةَ الْإِجْمَاعِ وَإِنْ قُلْنَا قَوْلُهُ غَيْرُ حُجَّةٍ فَهُوَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُخَصُّ بِهِ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَشُبْهَتُهُمْ أَنَّ الصَّحَابِيَّ الْعَدْلَ لَا يَتْرُكُ ما سَمِعَهُ من النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَيَعْمَلُ بِخِلَافِهِ إلَّا لِنَسْخٍ ثَبَتَ عِنْدَهُ وَلَنَا أَنَّ الْحُجَّةَ في اللَّفْظِ وهو عَامٌّ وَتَخْصِيصُ الرَّاوِي لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُعَارِضًا لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَصَّهُ بِدَلِيلٍ لَا يُوَافَقُ عليه لو ظَهَرَ فَلَا يَتْرُكُ الدَّلَالَةَ اللَّفْظِيَّةَ الْمُحَقَّقَةَ لِمُحْتَمَلٍ قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ وقد يُخَالِفُ في هذا وَيَقُولُ إنَّ الْقَرَائِنَ تُخَصِّصُ الْعُمُومِ وَالرَّاوِي يُشَاهِدُ من الْقَرَائِنِ ما لَا يُشَاهِدُهُ غَيْرُهُ وَعَدَالَتُهُ وَتَيَقُّظُهُ مع عِلْمِهِ بِأَنَّ الْعُمُومَ مِمَّا لَا يُخَصُّ إلَّا بِمُوجِبٍ مِمَّا يَمْنَعُهُ أَنْ يُحْكَمَ بِالتَّخْصِيصِ إلَّا بِمُسْتَنَدٍ وَجَهَالَتُهُ دَلَالَةَ ما ظَنَّهُ مُخَصِّصًا على التَّخْصِيصِ يَمْنَعُ منه مَعْرِفَتُهُ بِاللِّسَانِ وَتَيَقُّظُهُ ا هـ وَجَزَمَ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَالشَّيْخُ في شَرْحِ اللُّمَعِ في هذا الضَّرْبِ بِأَنَّ مَذْهَبَهُ لَا يُخَصِّصُ عُمُومَ الحديث وقال سُلَيْمٌ لَا يَخُصُّهُ على الْقَوْلِ الْجَدِيدِ وَكَلَامُ من جَزَمَ مَحْمُولٌ على التَّفْرِيعِ على هذا الْقَوْلِ فإن تَخْرِيجَ الْمَسْأَلَةِ على أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ أَمْ لَا لَا فَرْقَ فيه بين أَنْ يَكُونَ هو الرَّاوِي له أَمْ لَا لِأَنَّ تَخْصِيصَهُ يَدُلُّ على أَنَّهُ اطَّلَعَ من النبي عليه السَّلَامُ على قَرَائِنَ حَالِيَّةٍ تَقْتَضِي التَّخْصِيصَ فَهُوَ أَقْوَى من التَّخْصِيصِ بِمَذْهَبِ صَحَابِيٍّ آخَرَ لم يَرْوِ الْخَبَرَ وَلَعَلَّهُ لم يَبْلُغْهُ وَلَوْ بَلَغَهُ لم يُخَالِفْهُ بِإِخْرَاجِ بَعْضِهِ وَإِلَى هذه الْأَوْلَوِيَّةِ يُرْشِدُ كَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ في الْمُخْتَصَرِ بِقَوْلِهِ مَذْهَبُ الصَّحَابِيِّ لَا يُخَصِّصُ وَلَوْ كان الرَّاوِي خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَاخْتَارَ الْآمِدِيُّ وَالرَّازِيَّ وَفَصَّلَ بَعْضُهُمْ فقال إنْ وُجِدَ ما يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ بِهِ لم يُخَصَّ بِمَذْهَبِ الرَّاوِي بَلْ بِهِ إنْ اقْتَضَى نَظَرُ النَّاظِرِ فيه ذلك وَإِلَّا خُصَّ بِمَذْهَبِ الرَّاوِي وهو مَذْهَبُ الْقَاضِي عبد الْجَبَّارِ وَمَثَّلَ الشَّيْخُ في شَرْحِ اللُّمَعِ هذا الْقِسْمَ بِحَدِيثِ ليس على الْمُسْلِمِ في عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ قال وَحَمَلَهُ الْحَنَفِيَّةُ على فَرَسِ الْغَازِي لِقَوْلِ زَيْدِ بن ثَابِتٍ وَهَذَا فيه نَظَرٌ فإن الحديث لَا يُعْرَفُ من طَرِيقِ زَيْدٍ وقال ابن الْقُشَيْرِيّ إذَا رَوَى الصَّحَابِيُّ
- خَبَرًا وَعَمِلَ بِخِلَافِهِ فَاَلَّذِي نَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِرِوَايَتِهِ لَا بِفِعْلِهِ وَنَقَلَ الْقَاضِي أَنَّ مُجَرَّدَ مَذْهَبِ الرَّاوِي لَا يُبْطِلُ الحديث وَلَا يَدْفَعُهُ لَكِنْ إنْ صَدَرَ ذلك الْمَذْهَبُ منه مَصْدَرَ التَّأْوِيلِ وَالتَّخْصِيصِ فَيُقْبَلُ وَتَخْصِيصُهُ أَوْلَى وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِمَا رَوَاهُ إذَا كان عَمَلُهُ مُخَالِفًا وَحَكَى الْقَاضِي عن عِيسَى بن أَبَانَ أَنَّ الصَّحَابِيَّ إذَا كان من الْأَئِمَّةِ وَعَمِلَ بِخِلَافِ ما رُوِيَ كان دَلِيلًا على نَسْخِ الْخَبَرِ قال وَالِاخْتِيَارُ ما ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وهو إنَّا إنْ تَحَقَّقْنَا نِسْيَانَهُ لِلْخَبَرِ الذي رَوَاهُ أو فَرَضْنَا مُخَالَفَتَهُ لِخَبَرٍ لم يَرْوِهِ وَجَوَّزْنَا أَنَّهُ لم يَبْلُغْهُ فَالْعَمَلُ بِالْخَبَرِ وَإِنْ رَوَى خَبَرًا مُقْتَضَاهُ رَفْعُ الْحَرَجِ وَالْحَرَجُ فِيمَا سَبَقَ فيه تَحْرِيمٌ وَحَظْرٌ ثُمَّ رَأَيْنَاهُ يَتَحَرَّجُ فَالِاسْتِمْسَاكُ بِالْخَبَرِ وَعَمَلُهُ مَحْمُولٌ على الْوَرَعِ وَإِنْ نَاقَضَ عَمَلُهُ رِوَايَتَهُ ولم نَجِدْ مَحْمَلًا في الْجَمِيعِ امْتَنَعَ التَّعَلُّقُ بِرِوَايَتِهِ فإنه لَا يُظَنُّ بِمَنْ هو من أَهْلِ الرِّوَايَةِ أَنْ يَعْمِدَ إلَى مُخَالَفَةِ ما رَوَاهُ إلَّا عن سَبَبٍ يُوجِبُ الْمُخَالَفَةَ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ فَعَلَ ما له فِعْلُهُ فَلَا احْتِجَاجَ بِمَا رَوَاهُ وَإِنْ فَعَلَ ما ليس له فِعْلُهُ أَخْرَجَهُ ذلك عن رُتْبَةِ الْفِقْهِ قال ابن الْقُشَيْرِيّ وَعَلَى هذا فَلَا يُقْطَعُ بِأَنَّ الحديث مَنْسُوخٌ كما صَارَ إلَيْهِ ابن أَبَانَ وَلَعَلَّهُ عَلِمَ شيئا يَقْتَضِي تَرْكَ الْعَمَلِ بِذَلِكَ الْخَبَرِ وَيُتَّجَهُ هَاهُنَا أَنْ يُقَالَ لو كان ثَمَّ سَبَبٌ يُوجِبُ رَدَّ الْخَبَرِ لَوَجَبَ على هذا الرَّاوِي أَنْ يُثْبِتَهُ إذْ لَا يَجُوزُ تَرْكُ ذِكْرِ ما عليه مَدَارُ الْأَمْرِ وَالْمَحَلُّ مَحَلُّ الْتِبَاسٍ ثُمَّ قال الْإِمَامُ إذَا رَوَى الرَّاوِي خَبَرًا وكان الظَّاهِرُ أَنَّهُ لم يُحِطْ بِمَعْنَاهُ فَمُخَالَفَتُهُ لِلْخَبَرِ لَا تَقْدَحُ في الْخَبَرِ وَإِنْ لم يَدْرِ أَنَّهُ نَاسٍ لِلْخَبَرِ أو ذَاكِرٌ لِمَا عَمِلَ بِخِلَافِهِ فَالتَّعَلُّقُ بِالْخَبَرِ لِأَنَّهُ من أُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَنَحْنُ على تَرَدُّدٍ فِيمَا يَدْفَعُ التَّعَلُّقَ بِهِ فَلَا يُدْفَعُ الْأَصْلُ بهذا التَّرَدُّدِ بَلْ إنْ غَلَبَ على الظَّنِّ أَنَّهُ خَالَفَ الحديث قَصْدًا ولم نُحَقِّقْهُ فَهَذَا يُعَضِّدُ التَّأْوِيلَ وَيُؤَيِّدُهُ وَيَحُطُّ مَرْتَبَةَ الظَّاهِرِ وَيُخَصُّ الْأَمْرُ في الدَّلِيلِ الذي عَضَّدَهُ التَّأْوِيلُ وقال إلْكِيَا وابن فُورَكٍ الْمُخْتَارُ أَنَّا إنْ عَلِمْنَا من حَالِ الرَّاوِي أَنَّهُ إنَّمَا حَمَلَ على ذلك بِمَا عَلِمَ من قَصْدِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَجَبَ اتِّبَاعُهُ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى مُخَالَفَةِ النبي عليه السَّلَامُ وَإِنْ حَمَلَهُ على وَجْهِ اسْتِدْلَالٍ أو تَخْصِيصًا بِخَبَرٍ آخَرَ فَلَا يَجِبُ اتِّبَاعُهُ قُلْت وَسَكَتَا عن حَالَةٍ ثَالِثَةٍ وَهِيَ إذَا لم يُعْلَمْ الْحَالُ وَكَأَنَّهَا مَوْضِعُ الْخِلَافِ وَإِلَيْهِ يُشِيرُ كَلَامُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْإِفَادَةِ
- فَالْأَحْوَالُ إذَنْ ثَلَاثَةٌ أَحَدُهُمَا أَنْ يُعْلَمَ من قَصْدِ النبي عليه السَّلَامُ وَمَخْرَجِ كَلَامِهِ أَنَّ الْمُرَادَ الْخُصُوصُ فَيَجِبُ اتِّبَاعُ الرَّاوِي فيه الثَّانِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ خُصَّ الْخَبَرُ بِدَلِيلٍ آخَرَ أو ضَرْبٍ من الِاسْتِدْلَالِ فَيَجِبُ اسْتِعْمَالُ الْخَبَرِ قَطْعًا الثَّالِثُ أَنْ لَا يُعْلَمَ ما لِأَجْلِهِ خُصَّ الْخَبَرُ وَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ بِدَلِيلٍ فَهَذَا مَوْضِعُ الْخِلَافِ وَالرَّاجِحُ تَقْدِيمُ الْخَبَرِ وقال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ إنَّمَا يُقْبَلُ قَوْلُ الرَّاوِي لِلْخَبَرِ إذَا كان الْخَبَرُ مُحْتَمِلًا لِمَعْنَيَيْنِ قال وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ إذَا أُرِيدَ بِهِ أَحَدُهُمَا فإذا فَسَّرَهُ بِأَحَدِ مُحْتَمَلَيْهِ أَخَذْنَا بِهِ كما في حديث الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ ما لم يَتَفَرَّقَا حَيْثُ فَسَّرَهُ بِالتَّفَرُّقِ بِالْأَبْدَانِ فَأَمَّا ما في غَيْرِ ذلك فَلَا يُقْبَلُ وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَبِهِ قال الْكَرْخِيّ وَذَهَبَ أبو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ إلَى أَنَّهُ يُخَصُّ عُمُومُ الْخَبَرِ وَتَرْكُ ظَاهِرِهِ بِقَوْلِ الرَّاوِي وَبِمَذْهَبِهِ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ في تَفْسِيرِ الْخَبَرِ بِأَحَدِ مُحْتَمَلَيْهِ فَالْمَكَانُ الذي نَقْبَلُ قَوْلَهُ فيه لَا يَقْبَلُونَهُ وَالْمَكَانُ الذي يَقْبَلُونَهُ لَا نَقْبَلُهُ تَنْبِيهَاتٌ هل يُخَصُّ الْحَدِيثُ بِقَوْلِ رَاوِيهِ من غَيْرِ الصَّحَابَةِ الْأَوَّلُ زَعَمَ الْقَرَافِيُّ أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا كان الرَّاوِي صَحَابِيًّا لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ شَاهَدَ من النبي عليه السَّلَامُ خِلَافَ ما رَوَاهُ فَحَمَلَهُ على ذلك أَمَّا غَيْرُ الصَّحَابِيِّ فَلَا يَتَأَتَّى فيه خِلَافٌ في أَنَّ فِعْلَهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً على رِوَايَتِهِ ا هـ وَغَرَّهُ في ذلك بِنَاؤُهُمْ هذه الْمَسْأَلَةَ على الْخِلَافِ في أَنَّ قَوْلَهُ حُجَّةٌ أَمْ لَا وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ في الصَّحَابِيِّ لَكِنَّ الْخِلَافَ في التَّخْصِيصِ بِقَوْلِ الرَّاوِي لَا يَخْتَصُّ بِالصَّحَابِيِّ بَلْ وَلَا بِصُورَةِ التَّخْصِيصِ بَلْ الرَّاوِي مُطْلَقًا من الصَّحَابِيِّ وَمَنْ بَعْدَهُ إذَا خَالَفَ الْخَبَرَ بِتَخْصِيصٍ أو بِغَيْرِهِ حتى إذَا تَرَكَهُ بِالْكُلِّيَّةِ كان مَذْهَبُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مُقَدَّمًا على الْخَبَرِ وَلِذَلِكَ لم يُقَيِّدْ الْإِمَامُ في الْمَحْصُولِ بِالرَّاوِي الصَّحَابِيِّ بَلْ أَطْلَقَ وَلَكِنْ قَيَّدَ الْمُخَالَفَةَ بِحَالَةِ التَّخْصِيصِ وَلَا تَتَقَيَّدُ بِذَلِكَ عِنْدَهُمْ
- وَصَرَّحَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الْبُرْهَانِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ فقال وَكُلُّ ما ذَكَرْنَاهُ يَعْنِي في هذه الْمَسْأَلَةِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالصَّحَابِيِّ فَلَوْ رَوَى بَعْضُ الْأَئِمَّةِ حَدِيثًا وَعَمِلَ بِخِلَافِهِ فَالْأَمْرُ على ما فَصَّلْنَاهُ وَلَكِنْ قد اعْتَرَضَ الْأَئِمَّةَ أُمُورٌ أَسْقَطَتْ آثَارَ أَفْعَالِهِمْ الْمُخَالِفَةِ لِرِوَايَتِهِمْ وَهَذَا كَرِوَايَةِ أبي حَنِيفَةَ خِيَارَ الْمَجْلِسِ مع مَصِيرِهِ إلَى مُخَالَفَتِهِ فَهَذِهِ الْمُخَالَفَةُ غَيْرُ قَادِحَةٍ في الرِّوَايَةِ لِأَنَّهُ ثَبَتَ من أَصْلِهِ تَقْدِيمُ الرَّأْيِ على الْخَبَرِ فَمُخَالَفَتُهُ مَحْمُولَةٌ على بِنَائِهِ على هذا الْأَصْلِ الْفَاسِدِ وَلِهَذَا قال أَرَأَيْت لو كَانَا في سَفِينَةٍ وَكَرِوَايَةِ مَالِكٍ لِهَذَا الحديث مع مَصِيرِهِ إلَى نَفْيِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَهَذِهِ الْمُخَالَفَةُ أَيْضًا لَا تَقْدَحُ في الرِّوَايَةِ لِأَنَّ الذي حَمَلَهُ على هذا فِيمَا أَظُنُّ تَقْدِيمُهُ عَمَلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ على الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ وقد حَكَاهُ عنه ابن الْقُشَيْرِيّ في كِتَابِهِ هَكَذَا ثُمَّ قال وَلَا يَنْبَغِي تَخْصِيصُ الْمَسْأَلَةِ بِالرَّاوِي يَرْوِي ثُمَّ يُخَالِفُ بَلْ يَجْرِي فِيمَنْ بَلَغَهُ خَبَرٌ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم ثُمَّ يُخَالِفُهُ وَإِنْ لم يَكُنْ هو الرَّاوِي لِذَلِكَ الْخَبَرِ حتى إذَا وَجَدْنَا مَحْمَلًا وَقُلْنَا إنَّمَا خَالَفَ لِأَنَّهُ اتَّهَمَ الرَّاوِي فَلَا يَقْدَحُ هذا في الْخَبَرِ وَإِنْ لم يُتَّجَهْ وَجْهٌ لِمُخَالَفَتِهِ هذا الحديث إلَّا الْمَصِيرُ إلَى اسْتِخْفَافِهِ بِالْخَبَرِ فَحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ أَنْ يُقَالَ هذا قَدْحٌ في الْخَبَرِ وَعِلْمٌ بِضَعْفِهِ ا هـ وَاعْلَمْ أَنَّ عِبَارَاتِ الْحَنَفِيَّةِ في تَقْدِيمِ قَوْلِ الرَّاوِي مُطْلَقَةٌ فلم يُفَرِّقُوا بين الصَّحَابِيِّ وَغَيْرِهِ من التَّابِعِينَ وَتَعَقَّبَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ منهم فقال يَنْبَغِي أَنْ يَعْلَمَ أَوَّلًا أَنَّ مَذْهَبَ الصَّحَابِيِّ هل تَقَدَّمَ على سَمَاعِهِ من رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَإِنْ كان قَوْلُهُ قبل سَمَاعِهِ من رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَلَا يَتَأَتَّى هذا الْحَدِيثُ وَالْحَقُّ مع الشَّافِعِيَّةِ وَإِنْ كان رَأْيُهُ بَعْدَ رِوَايَتِهِ اتَّجَهَ قَالَهُ الْحَنَفِيَّةُ ا هـ وَالْخِلَافُ إنَّمَا هو في الْقِسْمِ الْأَخِيرِ وما ذَكَرُوهُ من الدَّلِيلِ مَمْنُوعٌ لِأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ على مَعْرِفَةِ التَّارِيخِ وَهِيَ مَفْقُودَةٌ وَهَذَا الْبَحْثُ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ الْمَسْأَلَةِ بِالصَّحَابِيِّ وَمِثَالُ تَخْصِيصِ الرَّاوِي غَيْرِ الصَّحَابِيِّ حَدِيثُ سَعِيدِ بن الْمُسَيِّبِ عن مَعْمَرِ بن عبد اللَّهِ أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قال لَا يَحْتَكِرُ إلَّا خَاطِئٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَفِيهِ وكان سَعِيدُ بن الْمُسَيِّبِ يَحْتَكِرُ فَقِيلَ له فقال كان مَعْمَرٌ يَحْتَكِرُ قال ابن عبد الْبَرِّ كَانَا
- يَحْتَكِرَانِ الزَّيْتَ وَحَمَلَا الحديث على احْتِكَارِ الْقُوتِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَالْغَلَاءِ وَعَلَيْهِ جَرَى الشَّافِعِيُّ لَكِنَّهُ خُصِّصَ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ لَا بِقَوْلِ سَعِيدٍ نعم قال الرَّافِعِيُّ في الشَّهَادَاتِ إنَّمَا اخْتَصَّ الْقَضَاءُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينُ بِالْأَمْوَالِ لِأَنَّ عَمْرَو بن دِينَارٍ رَوَى الْخَبَرَ عن ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمَّا رَوَاهُ قال وَذَلِكَ في الْأَمْوَالِ وَقَوْلُ الرَّاوِي مُتَّبَعٌ في تَفْسِيرِ ما يَرْوِيهِ وَتَخْصِيصِهِ انْتَهَى الثَّانِي ما ذَكَرْنَا من التَّفْصِيلِ بين أَنْ يَكُونَ هو الرَّاوِي أو غَيْرُهُ وَأَنَّهُ إذَا كان غَيْرَهُ وَانْتَشَرَ ولم يُخَالَفْ خُصَّ بِهِ هو الصَّوَابُ وَهَذِهِ الصُّورَةُ وَارِدَةٌ على من أَطْلَقَ الْكَلَامَ في هذه الْمَسْأَلَةِ كَالْآمِدِيِّ وَغَيْرِهِ فإنه صَرَّحَ بِأَنَّهُ لَا تَخْصِيصَ سَوَاءٌ كان هو الرَّاوِي أو غَيْرُهُ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَتَبِعَهُ ابن الْحَاجِبِ الثَّالِثُ إنْ عَمَلَ الرَّاوِي بِخِلَافِ الحديث يَنْقَسِمُ إلَى أَقْسَامٍ أُخْرَى سَيَأْتِي في بَابِ الْأَخْبَارِ بَيَانُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَسْأَلَةٌ في تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالسَّبَبِ أَقْوَالٌ ثَالِثُهَا الْفَرْقُ بين الْمُسْتَقِلِّ فَيُخَصُّ وَغَيْرُهُ فَلَا حَكَاهُ ابن الْعَرَبِيِّ في الْمَحْصُولِ وقد سَبَقَتْ مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِقَضَايَا الْأَعْيَانِ كَإِذْنِهِ في الْحَرِيرِ لِلْحَكَّةِ وَفِيهِ قَوْلَانِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَذَكَرَ أبو الْخَطَّابِ منهم أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِالْبَقَاءِ على حُكْمِ الْأَصْلِ الذي هو الِاسْتِصْحَابُ بِلَا خِلَافٍ قال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْإِفَادَةِ ذَهَبَ بَعْضُ ضُعَفَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ إلَى أَنَّ الْعُمُومَ يُخَصُّ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ قال لِأَنَّهُ دَلِيلٌ يَلْزَمُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ ما لم يَنْقُلْ عنه نَاقِلٌ فَجَازَ التَّخْصِيصُ بِهِ كَسَائِرِ الْأَدِلَّةِ وَهَذَا في غَايَةِ التَّنَاقُضِ لِأَنَّ الِاسْتِصْحَابَ من حَقِّهِ أَنْ يَسْقُطَ بِالْعُمُومِ فَكَيْفَ يَصِحُّ تَخْصِيصُهُ بِهِ إذْ مَعْنَاهُ التَّمَسُّكُ بِالْحُكْمِ لِعَدَمِ دَلِيلٍ يَنْقُلُ عنه وَالْعُمُومُ دَلِيلٌ نَاقِلٌ
- مَسْأَلَةٌ مَنَعَ بَعْضُهُمْ من تَخْصِيصِ بَعْضِ الْأَفْرَادِ إذَا كان هو الْأَعْظَمَ الْأَشْرَفَ وَبَنَى عليه مَنْعَ إطْلَاقِ الشَّيْءِ على اللَّهِ تَعَالَى إذْ لو جَازَ لَلَزِمَ دُخُولُ التَّخْصِيصِ في قَوْله تَعَالَى اللَّهُ خَالِقُ كل شَيْءٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وهو مُمْتَنِعٌ لِمَا ذَكَرْنَا حَكَاهُ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ في الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ في مَسْأَلَةِ خَلْقِ الْأَفْعَالِ خَاتِمَةٌ ليس من الْمُخَصِّصَاتِ عَطْفُ الْعَامِّ على الْخَاصِّ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَلَا رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلَى الْبَعْضِ خِلَافًا لِقَوْمٍ وَلَا ذِكْرُ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ خِلَافًا لِأَبِي ثَوْرٍ وَلَا وُرُودُهُ على سَبَبٍ خَاصٍّ خِلَافًا لِلْمُزَنِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وقد سَبَقَتْ هذه الْمَسَائِلُ في الْعُمُومِ
- الْقَوْلُ في بِنَاءِ الْعَامِّ على الْخَاصِّ وَالْمُرَادُ بِالْبِنَاءِ تَخْصِيصُهُ وَتَفْسِيرُهُ له إذَا وُجِدَ نَصَّانِ أَحَدُهُمَا عَامٌّ وَالْآخَرُ خَاصٌّ وَهُمَا مُتَنَافِيَانِ في النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَا من الْكِتَابِ أو أَحَدُهُمَا منه وَالْآخَرُ من السُّنَّةِ إمَّا مُتَوَاتِرًا وَغَيْرَهُ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَا من السُّنَّةِ إمَّا مُتَوَاتِرَيْنِ أو غير مُتَوَاتِرَيْنِ أو أَحَدُهُمَا مُتَوَاتِرٌ وَالْآخَرُ غَيْرُ مُتَوَاتِرٍ وَالْحُكْمُ في الْكُلِّ وَاحِدٌ إلَّا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّسْخِ عِنْدَمَا يَكُونُ الْمُتَأَخِّرُ ظَنِّيًّا وَالْمُقَدَّمُ قَطْعِيًّا عِنْدَ من مَنَعَهُ وَحَيْثُ أَمْكَنَ اسْتِعْمَالُهُمَا صِرْنَا إلَيْهِ وَنَقَلَ سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ عن دَاوُد أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ النَّصَّانِ من الْكِتَابِ وَيَسْقُطُ الْخَبَرَانِ وَعَنْهُ في الْآيَةِ وَالْخَبَرِ رِوَايَتَانِ هل يُسْتَعْمَلَانِ أو يَتَسَاقَطَانِ ثُمَّ فيه أَقْسَامٌ أَحَدُهُمَا أَنْ يُرَادَا مَعًا كَأَنْ تُنَزَّلَ آيَةٌ عَامَّةٌ ثُمَّ قبل أَنْ يَسْتَقِرَّ حُكْمُهَا بَيَّنَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم دَلِيلَ التَّخْصِيصِ كَقَوْلِهِ زَكُّوا الْبَقَرَ وَلَا تُزَكُّوا الْعَوَامِلَ فَالْخَاصُّ هُنَا مُقَدَّمٌ على الْعَامِّ بِالْإِجْمَاعِ كما نَقَلَهُ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَالْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ وأبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ في أُصُولِهِ لِأَنَّ الْخَاصَّ مُبَيِّنٌ لِلْعَامِّ وَمُخَصِّصٌ له لَكِنْ في الْمَحْصُولِ أَنَّ بَعْضَهُمْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ ذلك الْقَدْرَ من الْعَامِّ يَصِيرُ مُعَارِضًا لِلْخَاصِّ وقال أبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ الْمُخَصِّصُ مع الْعَامِّ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ مع الْجُمْلَةِ بِلَا خِلَافٍ كَقَوْلِهِ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ ثُمَّ قال في سِيَاقِ الْآيَةِ فَمَنْ اُضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ فَخَصَّ حَالَ الِاضْطِرَارِ قبل اسْتِقْرَارِ حُكْمِهَا فَصَارَ عُمُومُ اللَّفْظِ مَبْنِيًّا على الْخُصُوصِ الْمَعْطُوفِ عليه انْتَهَى وَلَا فَرْقَ بين أَنْ يَكُونَ الْخَاصُّ مُقَارِنًا لِلْعَامِّ كما مَثَّلْنَا أو يَكُونَ الْعَامُّ مُقَارِنًا لِلْخَاصِّ كَأَنْ يَقُولَ لَا زَكَاةَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ ثُمَّ يقول عَقِبَهُ فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ وَإِنْ جَوَّزْنَا نَسْخَ الْخَاصِّ بِالْعَامِّ فَلَا يُمْكِنُ هُنَا لِأَنَّ النَّاسِخَ شَرْطُهُ التَّرَاخِي وهو هَاهُنَا مُقَارِنٌ فَتَعَيَّنَ بِنَاءُ الْعَامِّ على الْخَاصِّ
- الثَّانِي أَنْ يُعْلَمَ تَارِيخُهُمَا فَالْمُتَأَخِّرُ إمَّا الْخَاصُّ وَإِمَّا الْعَامُّ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَإِمَّا أَنْ يَتَأَخَّرَ عن وَقْتِ الْعَمَلِ أو عن وَقْتِ الْخِطَابِ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا أَنْ يَتَأَخَّرَ الْخَاصُّ عن وَقْتِ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ فَهَاهُنَا يَكُونُ الْخَاصُّ نَاسِخًا لِذَلِكَ الْقَدْرِ الذي تَنَاوَلَهُ الْعَامُّ وِفَاقًا وَلَا يَكُونُ تَخْصِيصًا لِأَنَّ تَأْخِيرَ بَيَانِهِ عن وَقْتِ الْعَمَلِ غَيْرُ جَائِزٍ قَطْعًا فَيُعْمَلُ بِالْعَامِّ في بَقِيَّةِ الْأَفْرَادِ في الْمُسْتَقْبَلِ وَثَانِيهَا أَنْ يَتَأَخَّرَ عن وَقْتِ الْخِطَابِ بِالْعَامِّ دُونَ وَقْتِ الْعَمَلِ بِهِ فَهَذِهِ مَبْنِيَّةٌ على جَوَازِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عن وَقْتِ الْخِطَابِ فَمَنْ جَوَّزَهُ جَعَلَ الْخَاصَّ بَيَانًا لِلْعَامِّ وَقَضَى بِهِ عليه وَمَنْ مَنَعَهُ حَكَمَ بِنَسْخِ الْعَامِّ في الْقَدْرِ الذي عَارَضَهُ الْآخَرُ هَكَذَا قال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَسُلَيْمٌ قال وَلَا يُتَصَوَّرُ في هذه الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ يَخْتَصُّ بها وَإِنَّمَا يَعُودُ الْكَلَامُ فيها إلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ ا هـ وَذَكَرَ الشَّيْخُ في اللُّمَعِ نَحْوَهُ وقال ابن الصَّبَّاغِ في الْعُدَّةِ إذَا تَأَخَّرَ الْخَاصُّ فَإِنْ وَرَدَ قبل وَقْتِ الْفِعْلِ الذي تَنَاوَلَهُ الْعَامُّ كان تَخْصِيصًا أو بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهِ كان نَسْخًا لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ بَيَانِ الْعُمُومِ عن وَقْتِ الْحَاجَةِ وقال الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ من لم يُجَوِّزْ تَأْخِيرَ بَيَانِ التَّخْصِيصِ عن وَقْتِ الْخِطَابِ ولم يُجَوِّزْ نَسْخَ الْحُكْمِ قبل حُضُورِ وَقْتِ الْعَمَلِ بِهِ كَالْمُعْتَزِلَةِ أَحَالَ الْمَسْأَلَةَ وَمَنْ جَوَّزَهُمَا فَاخْتَلَفُوا فيه فَاَلَّذِي عليه الْأَكْثَرُونَ من أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الْخَاصَّ مُخَصِّصٌ لِلْعَامِّ لِأَنَّهُ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا لِذَلِكَ الْقَدْرِ من الْعَامِّ لَكِنَّ التَّخْصِيصَ أَقَلُّ مَفْسَدَةً من النَّسْخِ وقد أَمْكَنَ حَمْلُهُ عليه فَيَتَعَيَّنُ وَنُقِلَ عن مُعْظَمِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْخَاصَّ إذَا تَأَخَّرَ عن الْعَامِّ وَتَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا ما يُمْكِنُ الْمُكَلَّفُ فيه من الْعَمَلِ أو الِاعْتِقَادِ بِمُقْتَضَى الْعَامِّ كان الْخَاصُّ نَاسِخًا لِذَلِكَ الْقَدْرِ الذي تَنَاوَلَهُ من الْعَامِّ لِأَنَّهُمَا دَلِيلَانِ وَبَيْنَ حُكْمَيْهِمَا تَنَافٍ فَيُجْعَلُ الْمُتَأَخِّرُ نَاسِخًا لِلْمُتَقَدِّمِ عن الْإِمْكَانِ دَفْعًا لِلتَّنَاقُصِ وهو ضَعِيفٌ لِمَا تَقَدَّمَ وَثَالِثُهَا أَنْ يَتَأَخَّرَ الْعَامُّ عن وَقْتِ الْعَمَلِ بِالْخَاصِّ فَهَاهُنَا يُبْنَى الْعَامُّ على الْخَاصِّ عِنْدَنَا لِأَنَّ ما تَنَاوَلَهُ الْخَاصُّ مُتَيَقَّنٌ وما تَنَاوَلَهُ الْعَامُّ ظَاهِرٌ مَظْنُونٌ وَالْمُتَيَقَّنُ أَوْلَى قال إلْكِيَا وَهَذَا أَحْسَنُ ما عُلِّلَ بِهِ ا هـ وَذَهَبَ أبو حَنِيفَةَ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ وَالْقَاضِي عبد الْجَبَّارِ إلَى أَنَّ الْعَامَّ الْمُتَأَخِّرَ نَاسِخٌ لِلْخَاصِّ الْمُتَقَدِّمِ وَتَوَقَّفَ فيه ابن الْفَارِضِ من الْمُعْتَزِلَةِ
- وقال أبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ إذَا تَأَخَّرَ الْعَامُّ كان نَسْخًا لِمَا تَضَمَّنَهُ الْخَاصُّ ما لم تَقُمْ دَلَالَةٌ من غَيْرِهِ على أَنَّ الْعُمُومَ مُرَتَّبٌ على الْخُصُوصِ قال وكان يَحْكِي شَيْخُنَا أَنَّ مَذْهَبَ أَصْحَابِنَا وَمَسَائِلَهُمْ تَدُلُّ عليه وقد جَعَلَ أبو حَنِيفَةَ قَوْله تَعَالَى فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً مَنْسُوخًا بِقَوْلِهِ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ لِأَنَّهُ نَزَلَ بَعْدُ ثُمَّ قال وقد نَاقَضَ الشَّافِعِيُّ أَصْلَهُ في هذه الْمَسْأَلَةِ في مَسَائِلَ منها أَنَّهُ جَعَلَ قَوْلَهُ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِأُنَيْس وَاغْدُ يا أُنَيْسُ إلَى امْرَأَةِ هذا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا قَاضِيًا على قَضِيَّةِ مَاعِزٍ في اعْتِبَارِ تَكْرَارِ الْإِقْرَارِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ مع أَنَّ قَضِيَّةَ مَاعِزٍ خَاصَّةٌ مُفَسَّرَةٌ وَقَضِيَّةَ أُنَيْسٍ عَامَّةٌ وَمِنْهَا أَنَّهُ قال الْوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ مَنْسُوخٌ بِأَكْلِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لَحْمًا وَخُبْزًا ولم يَتَوَضَّأْ فَنُسِخَ الْعَامُّ بِالْخَاصِّ لِأَنَّ الْوُضُوءَ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ عَامٌّ في الْخُبْزِ وَاللَّحْمِ وَغَيْرِهِمَا وَتَرْكُهُ الْوُضُوءَ منها خَاصٌّ بِهِمَا ثُمَّ يُنْسَخُ الْعَامُّ بِالْخَاصِّ مع امْتِنَاعِ وُقُوعِ النَّسْخِ في مِثْلِهِ بِغَيْرِ اللَّفْظِ كَيْفَ مُنِعَ من إيجَابِ نَسْخِ الْخَاصِّ بِالْعَامِّ الْمُشْتَمِلِ عليه وَعَلَى غَيْرِهِ قال وَإِنَّمَا تَرَكْنَا الْوُضُوءَ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ لِلْقَاعِدَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لَا يَقْبَلُ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَحَمَلْنَا الحديث على غَسْلِ الْيَدِ وَمِنْهَا أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ قَتْلَ شَارِبِ الْخَمْرِ في الرَّابِعَةِ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ فَجَعَلَ الْعَامَّ نَاسِخًا لِلْخَاصِّ وزاد بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ من الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ في حديث عَائِشَةَ في غُسْلِ الْجَنَابَةِ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ
- وفي حديث مَيْمُونَةَ النَّصُّ على تَأْخِيرِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَالْحَدِيثَانِ ثَابِتَانِ ولم يَحْمِلُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ الْمُطْلَقَ على الْمُقَيَّدِ في تَأْخِيرِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ مع أَنَّ الْحَادِثَةَ وَاحِدَةٌ وَمِنْ مَذْهَبِهِ حَمْلُ الْمُطْلَقِ على الْمُقَيَّدِ في حَادِثَتَيْنِ فَكَيْفَ في وَاحِدَةٍ وَالْجَوَابُ وَرَابِعُهَا أَنْ يَتَأَخَّرَ الْعَامُّ عن وَقْتِ الْخِطَابِ بِالْخَاصِّ لَكِنَّهُ قبل وَقْتِ الْعَمَلِ بِهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الذي قَبْلَهُ في الْبِنَاءِ وَالنَّسْخِ إلَّا على رَأْيِ من لم يُجَوِّزْ منهم نَسْخَ الشَّيْءِ قبل حُضُورِ وَقْتِ الْعَمَلِ بِهِ كَالْقَاضِي عبد الْجَبَّارِ فإنه لَا يُمْكِنُهُ الْحَمْلُ على النَّسْخِ فَتَعَيَّنَ عليه الْبِنَاءُ أو التَّعَارُضُ فِيمَا تَنَافَيَا فيه وَجَعَلَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ الْخِلَافَ في هذه الْحَالَةِ مَبْنِيًّا على تَأْخِيرِ الْبَيَانِ قال فَمَنْ لم يُجَوِّزْ تَأْخِيرَهُ عن مَوْرِدِ اللَّفْظِ جَعَلَهُ نَسْخًا لِلْخَاصِّ الْقِسْمُ الثَّالِثُ أَنْ لَا يُعْلَمَ تَارِيخُهُمَا فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الْخَاصَّ مِنْهُمَا يَخُصُّ الْعَامَّ وهو قَوْلُ الْحَنَابِلَةِ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ وَالْبَاجِيُّ عن عَامَّةِ أَصْحَابِهِمْ وَبِهِ قال الْقَاضِي عبد الْجَبَّارِ وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَذَهَبَ أبو حَنِيفَةَ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ إلَى التَّوَقُّفِ إلَى ظُهُورِ التَّارِيخِ وَإِلَى ما يُرَجِّحُ أَحَدَهُمَا على الْآخَرِ أو يَرْجِعُ إلَى غَيْرِهِمَا وَحُكِيَ عن الْقَاضِي أبي بَكْرٍ وَالدَّقَّاقِ أَيْضًا وَكُلٌّ من الْإِمَامَيْنِ ذَهَبَ إلَى ما يَقْتَضِيهِ أَصْلُهُ أَمَّا الشَّافِعِيُّ فَلِأَنَّهُ بَنَى الْعَامَّ على الْخَاصِّ مُطْلَقًا مُتَقَدِّمًا وَمُتَأَخِّرًا وَمُقَارِنًا إذَا عُلِمَ التَّارِيخُ لَكِنْ في بَعْضِ الصُّوَرِ يَكُونُ الْبِنَاءُ على وَجْهِ النَّسْخِ وفي بَعْضِهَا على وَجْهِ التَّخْصِيصِ وَحَالَةُ الْجَهْلِ لَا تَخْلُو عن هذه الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ فَوَجَبَ أَنْ يُبْنَى الْعَامُّ على الْخَاصِّ وَالْجَهْلُ بِكَوْنِ الْبِنَاءِ على وَجْهِ النَّسْخِ أو التَّخْصِيصِ لَا مَحْذُورَ فيه لَا في حَقِّ الْعَمَلِ وَلَا في حَقِّ الِاعْتِقَادِ وَأَمَّا أبو حَنِيفَةَ فَلِأَنَّهُ يَنْسَخُ الْخَاصَّ بِالْعَامِّ إذَا كان مُتَقَدِّمًا عليه وَيُخَصِّصُ الْعَامَّ أو يَنْسَخُهُ بِهِ إذَا كان مُتَأَخِّرًا عنه وَعِنْدَ الْجَهْلِ بِالتَّارِيخِ دَارَ الْأَمْرُ في الْخَاصِّ بين أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا أو مُخَصِّصًا أو نَاسِخًا فَعِنْدَ التَّرَدُّدِ في هذه الْأَقْسَامِ يَجِبُ التَّوَقُّفُ وَاعْلَمْ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ لَمَّا اعْتَقَدُوا في هذه الْحَالَةِ التَّوَقُّفَ إلَى ظُهُورِ الْمُرَجِّحِ ذَكَرُوا في التَّرْجِيحِ في اسْتِعْمَالِهِمَا أو اسْتِعْمَالِ أَحَدِهَا وُجُوهًا فَنَقَلَ أبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ وَالْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ عن عِيسَى بن أَبَانَ أَنَّهُ قَسَّمَهُ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَعْمَلَ الناس بِهِمَا جميعا فَيُسْتَعْمَلَانِ وَيُرَتَّبُ الْعَامُّ على الْخَاصِّ كَالنَّهْيِ عن بَيْعِ ما ليس عِنْدَك وَتَرْخِيصُهُ في السَّلِمِ وَإِمَّا أَنْ يَتَّفِقُوا على الْعَمَلِ بِمُوجِبِ أَحَدِهِمَا وَيُسْقِطُوا الْآخَرَ
- فَيَجِبُ حَمْلُ ما أَسْقَطُوا على أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِمَا عَمِلُوا بِهِ وَيَخْتَلِفُونَ في ذلك فَيَعْمَلُ بَعْضُهُمْ بِأَحَدِهِمَا وَعَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ يُخَالِفُهُ فَالْعَمَلُ على قَوْلِ الْعَامَّةِ قال أبو بَكْرٍ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْخَاصَّ وَالْعَامَّ إذَا وَرَدَا وَتَجَرَّدَا عن دَلَالَةِ النَّسْخِ يُسْتَعْمَلَانِ جميعا على التَّرْتِيبِ وَإِنَّهُ إنْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيهِمَا دَلَّ على أَنَّ أَحَدَهُمَا نَاسِخٌ لِآخَرَ قال وكان أبو الْحَسَنِ الْكَرْخِيّ يُحْكَى عن أبي حَنِيفَةَ في الْخَاصِّ وَالْعَامِّ مَتَى اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ على اسْتِعْمَالِ أَحَدِهِمَا وَاخْتَلَفُوا في الْآخَرِ كان الْمُتَّفَقُ عليه قَاضِيًا على الْمُخْتَلَفِ فيه كَقَوْلِهِ فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ فإنه مُتَّفَقٌ على اسْتِعْمَالِهِ في خَمْسَةِ الْأَوْسُقِ وَحَدِيثُ ليس فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ مُخْتَلَفٌ في اسْتِعْمَالِهِ فَكَانَ خَبَرُ إيجَابِ الْعَشَرَةِ مُطْلَقًا قَاضِيًا عليه بِإِيجَابِهِ قال أبو بَكْرٍ وَهَذَا أَصْلٌ صَحِيحٌ تَسْتَمِرُّ عليه الْمَسَائِلُ وَنَقَلَ غَيْرُهُ عن الْكَرْخِيِّ وَغَيْرِهِ من وُجُوهِ التَّرْجِيحِ تَرْجِيحَ الْخَاصِّ فِيهِمَا على النَّسْخِ وَالْمُفِيدُ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ على الْحُكْمِ الْعَقْلِيِّ وزاد أبو عبد اللَّهِ الْبَصْرِيُّ كَوْنَ أَحَدِ الْجُزْأَيْنِ بَيَانًا لِلْآخَرِ بِالِاتِّفَاقِ كَاتِّفَاقِهِمْ على نِصَابِ السَّرِقَةِ وَعَدَمِ الْعَمَلِ بِعُمُومِ الْآيَةِ وَغَيْرِ ذلك من طُرُقِ التَّرْجِيحَاتِ تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ قال إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ خِلَافُ الْحَنَفِيَّةِ في هذه الْمَسْأَلَةِ مَبْنِيٌّ على أَنَّ الْعَامَّ الذي لم يَدْخُلْهُ التَّخْصِيصُ نَصٌّ في الِاسْتِغْرَاقِ حتى لَا يَجُوزَ تَخْصِيصُهُ بِالْقِيَاسِ وَحِينَئِذٍ فإذا قَضَى الْخَاصُّ على الْعَامِّ في جُزْءٍ تَنَاوَلَهُ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ يَقْضِي على الْخَاصِّ في خَبَرٍ تَنَاوَلَهُ الْعُمُومُ فَيَتَعَارَضَانِ من هذه الْجِهَةِ الثَّانِي قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ إنَّ شَرْطَ الْبِنَاءِ في هذه الْمَسْأَلَةِ التَّنَافِي في الْكُلِّ أو في مَوْضِعِ الْخَاصِّ أَمَّا إذَا لم يَحْصُلْ التَّنَافِي فَلَا وَكَذَا الْقَوْلُ في حَمْلِ الْمُطْلَقِ على الْمُقَيَّدِ وَعَلَى هذه فإذا وَرَدَ عَامٌّ وَخَاصٌّ في طَرَفَيْ النَّهْيِ وَالنَّفْيِ فَلَا يُبْنَى الْعَامُّ على الْخَاصِّ وَلَا يُقَيَّدُ
- الْمُطْلَقُ كما في نَهْيِهِ عن مَسِّ الذَّكَرِ بِالْيَمِينِ في الِاسْتِنْجَاءِ وَالنَّهْيِ عن مَسِّهِ بِالْيَمِينِ مُطْلَقًا فَبَقِيَ دَالًّا على عُمُومِهِ لِدَلَالَتِهِ على النَّهْيِ في مَحَلٍّ لَا يَدُلُّ ذلك الْآخَرُ عليه هذا إذَا ثَبَتَ لنا أَنَّ الْحَدِيثَيْنِ مُتَعَدِّدَانِ لَيْسَا بِحَدِيثٍ وَاحِدٍ اُخْتُلِفَ في لَفْظِهِ مَسْأَلَةُ تَعَارُضِ الْمُفَسَّرِ وَالْمُجْمَلِ كَالْخَاصِّ وَالْعَامِّ فَيُقَدَّمُ الْمُفَسَّرُ على الْمُجْمَلِ مُطْلَقًا قَالَهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ
- الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ الْمُطْلَقُ ما دَلَّ على الْمَاهِيَّةِ بِلَا قَيْدٍ من حَيْثُ هِيَ هِيَ وقال في الْمَحْصُولِ ما دَلَّ على الْمَاهِيَّةِ من غَيْرِ أَنْ يَكُونَ له دَلَالَةٌ على شَيْءٍ من قُيُودِهَا وَالْمُرَادُ بها عَوَارِضُ الْمَاهِيَّةِ اللَّاحِقَةُ لها في الْوُجُودِ الْعَيْنِيِّ في الذِّهْنِ أَمَّا إذَا اُعْتُبِرَ مع الْمَاهِيَّةِ عَارِضٌ من عَوَارِضِهَا وَهِيَ الْكَثْرَةُ فَإِنْ كانت مَحْصُورَةً فَهِيَ الْعَدَدُ وَإِلَّا فَالْعَامُّ قال وَبِهَذَا التَّحْقِيقِ ظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِ من قال الْمُطْلَقُ الدَّالُّ على وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ فإن قَوْلَهُ وَاحِدٌ لَا بِعَيْنِهِ أَمْرَانِ مُغَايِرَانِ لِلْمَاهِيَّةِ من حَيْثُ هِيَ هِيَ زَائِدَانِ عليها ضَرُورَةَ أَنَّ الْوَحْدَةَ وَعَدَمَ التَّعَيُّنِ لَا يَدْخُلَانِ في مَفْهُومِ الْحَقِيقَةِ على ما ذَكَرْنَا وقال صَاحِبُ الْحَاصِلِ الدَّالُّ على الْمَاهِيَّةِ من حَيْثُ هِيَ هِيَ هو الْمُطْلَقُ وَالدَّالُّ عليها مع وَحْدَةٍ مُعَيَّنَةٍ هو الْمَعْرِفَةُ وَغَيْرِ مُعَيَّنَةٍ هو النَّكِرَةُ وقال صَاحِبُ التَّنْقِيحِ الدَّالُّ على الْحَقِيقَةِ هو الْمُطْلَقُ وَيُسَمَّى مَفْهُومُهُ كُلِّيًّا وَحَاصِلُ كَلَامِ الْإِمَامِ وَأَتْبَاعِهِ أَنَّ الْمُطْلَقَ الدَّالُّ على مَعْنًى كُلِّيٍّ وَنَحْوُهُ قَوْلُ الْغَزَالِيِّ في الْمُسْتَصْفَى اللَّفْظُ بِالنِّسْبَةِ إلَى اشْتِرَاكِ الْمَعْنَى وَخُصُوصِيَّتِهِ يَنْقَسِمُ إلَى لَفْظٍ لَا يَدُلُّ على غَيْرِ وَاحِدٍ كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو وَإِلَى ما يَدُلُّ على أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ تَتَّفِقُ في مَعْنًى وَاحِدٍ وَنُسَمِّيهِ مُطْلَقًا فَالْمُطْلَقُ هو اللَّفْظُ الدَّالُّ على مَعْنًى لَا يَكُونُ تَصَوُّرُهُ مَانِعًا من وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فيه وقال ابن الزَّمْلَكَانِيِّ في الْبُرْهَانِ جَعَلَ صَاحِبُ الْمَحْصُولِ الْمُطْلَقَ وَالنَّكِرَةَ سَوَاءً وَخَطَّأَ الْقُدَمَاءَ في حَدِّهِمْ له بِمَا سَبَقَ مُحْتَجًّا بِأَنَّ الْوَحْدَةَ وَالتَّعَيُّنَ قَيْدَانِ زَائِدَانِ على الْمَاهِيَّةِ قال وَيَرِدُ عليه أَعْلَامُ الْأَجْنَاسِ كَأُسَامَةَ وَثُعَالَةَ فَإِنَّهَا تَدُلُّ على الْحَقِيقَةِ من حَيْثُ هِيَ هِيَ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ نَكِرَةً وَرَدَّ عليه الْأَصْفَهَانِيُّ في شَرْحِ الْمَحْصُولِ وقال لم يَجْعَلْ الْإِمَامُ الْمُطْلَقَ وَالنَّكِرَةَ سَوَاءً بَلْ غَايَرَ بَيْنَهُمَا فإن الْمُطْلَقَ الدَّالُّ على الْمَاهِيَّةِ من حَيْثُ هِيَ هِيَ وَالنَّكِرَةَ الدَّالُّ عليها بِقَيْدِ الْوَحْدَةِ الشَّائِعَةِ وَأَمَّا إلْزَامُهُ عِلْمَ الْجِنْسِ فَمَرْدُودٌ بِأَنَّهُ وُضِعَ لِلْمَاهِيَّةِ الذِّهْنِيَّةِ بِقَيْدِ التَّشْخِيصِ الذِّهْنِيِّ بِخِلَافِ اسْمِ الْجِنْسِ وَأَمَّا الْآمِدِيُّ وابن الْحَاجِبِ فَقَالَا إنَّهُ الدَّالُّ على الْمَاهِيَّةِ بِقَيْدِ الْوَحْدَةِ
- الشَّائِعَةِ كَالنَّكِرَةِ قال في الْإِحْكَامِ الْمُطْلَقُ النَّكِرَةُ في سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ وقال ابن الْحَاجِبِ الْمُطْلَقُ ما دَلَّ على شَائِعٍ في جِنْسِهِ وَبِنَحْوِ ذلك عَرَّفَ النَّكِرَةَ في كُتُبِ النَّحْوِ إلَّا أَنَّ الذي دَعَا الْآمِدِيَّ إلَى ذلك هو أَصْلُهُ في إنْكَارِ الْكُلِّيِّ الطَّبِيعِيِّ وَأَمَّا ابن الْحَاجِبِ فإنه لَا يُنْكِرُهُ بَلْ هو مع الْجُمْهُورِ في إثْبَاتِهِ لَكِنَّ الدَّاعِيَ له إلَى ذلك مُوَافَقَةُ النُّحَاةِ في عَدَمِ التَّفْرِقَةِ بين الْمُطْلَقِ وَالنَّكِرَةِ قال ابن الْخَشَّابِ النَّحْوِيِّ النَّكِرَةُ كُلُّ اسْمٍ دَلَّ على مُسَمَّاهُ على جِهَةِ الْبَدَلِ أَيْ فإنه صَالِحٌ لِهَذَا وَلِهَذَا ا هـ وَلَا يَنْبَغِي ذلك يَعْنِي مُوَافَقَةَ ابْنِ الْحَاجِبِ لِلنُّحَاةِ فإن النُّحَاةَ إنَّمَا دَعَاهُمْ إلَى ذلك أَنَّهُ لَا غَرَضَ لهم في الْفَرْقِ لِاشْتِرَاكِ الْمُطْلَقِ وَالنَّكِرَةِ في صِيَاغَةِ الْأَلْفَاظِ من حَيْثُ قَبُولُ أَلْ وَغَيْرُ ذلك من الْأَحْكَامِ فلم يَحْتَاجُوا إلَى الْفَرْقِ أَمَّا الْأُصُولِيُّونَ وَالْفُقَهَاءُ فَإِنَّهُمَا عِنْدَهُمْ حَقِيقَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ أَمَّا الْأُصُولِيُّ فَعَلَيْهِ أَنْ يَذْكُرَ وَجْهَ الْمُمَيِّزِ فِيهِمَا فَإِنَّا قَطْعًا نُفَرِّقُ بين الدَّالِّ على الْمَاهِيَّةِ من حَيْثُ هِيَ هِيَ وَالدَّالُّ عليها بِقَيْدِ الْوَحْدَةِ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ كما نُفَرِّقُ بين الدَّالُّ عليها بِوَحْدَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ وهو النَّكِرَةُ وَمُعَيَّنَةٍ وَهِيَ الْمَعْرِفَةُ فَهِيَ حَقَائِقُ ثَلَاثٌ لَا بُدَّ من بَيَانِهَا وَأَمَّا الْفَقِيهُ فَلِأَنَّ الْأَحْكَامَ تَخْتَلِفُ عِنْدَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا اسْتَشْعَرَ بَعْضُهُمْ التَّنْكِيرَ في بَعْضِ الْأَلْفَاظِ اشْتَرَطَ الْوَحْدَةَ فقال الْغَزَالِيُّ فِيمَنْ قال إنْ كان حَمْلُهَا غُلَامًا فَأَعْطُوهُ كَذَا فَكَانَ غُلَامَيْنِ لَا شَيْءَ لَهُمَا لِأَنَّ التَّنْكِيرَ يُشْعِرُ بِالتَّوْحِيدِ وَيَصْدُقُ أَنَّهُمَا غُلَامَانِ لَا غُلَامٌ وَكَذَا لو قال لِامْرَأَتِهِ إنْ كان حَمْلُك ذَكَرًا فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ فَكَانَا ذَكَرَيْنِ فَقِيلَ لَا تَطْلُقُ لِهَذَا الْمَعْنَى وَقِيلَ تَطْلُقُ حَمْلًا على الْجِنْسِ من حَيْثُ هو فَانْظُرْ كَيْفَ فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ بين الْمُطْلَقِ وَالنَّكِرَةِ وَأَقُولُ التَّحْقِيقُ أَنَّ الْمُطْلَقَ قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَقَعَ في الْإِنْشَاءِ فَهَذَا يَدُلُّ على نَفْسِ الْحَقِيقَةِ من غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِأَمْرٍ زَائِدٍ وهو مَعْنَى قَوْلِهِمْ الْمُطْلَقُ هو التَّعَرُّضُ لِلذَّاتِ دُونَ الصِّفَاتِ لَا بِالنَّفْيِ وَلَا بِالْإِثْبَاتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً وَالثَّانِي أَنْ يَقَعَ في الْأَخْبَارِ مِثْلُ رَأَيْت رَجُلًا فَهُوَ لِإِثْبَاتِ وَاحِدٍ مُبْهَمٍ من ذلك الْجِنْسِ غَيْرِ مَعْلُومِ التَّعْيِينِ عِنْدَ السَّامِعِ وَجُعِلَ مُقَابِلًا لِلْمُطْلَقِ بِاعْتِبَارِ اشْتِمَالِهِ على قَيْدِ الْوَحْدَةِ وَعَلَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ يُنَزَّلُ كَلَامُ الْمَحْصُولِ وَعَلَى الثَّانِي يُنَزَّلُ كَلَامُ ابْنِ
- الْحَاجِبِ وهو قَطْعِيٌّ في الْمَاهِيَّةِ هذا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَظَاهِرٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ كَنَظِيرِ الْخِلَافِ في الْعُمُومِ وَلِاسْتِرْسَالِهِ على جَمِيعِ الْأَفْرَادِ يُشْبِهُ الْعُمُومَ وَلِهَذَا قِيلَ إنَّهُ عَامٌّ عُمُومَ بَدَلٍ وَالْإِطْلَاقُ وَالتَّقْيِيدُ من عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ بِاعْتِبَارِ مَعَانِيهَا اصْطِلَاحًا وَإِنْ أُطْلِقَ على الْمَعَانِي فَلَا مُشَاحَّةَ في الِاصْطِلَاحِ وَهُمَا أَمْرَانِ نِسْبِيَّانِ بِاعْتِبَارِ الطَّرَفَيْنِ وَيَرْتَقِي إلَى مُطْلَقٍ لَا إطْلَاقَ بَعْدَهُ كَالْمَعْلُومِ وَإِلَى مُقَيَّدٍ لَا تَقْيِيدَ بَعْدَهُ كَزَيْدٍ وَبَيْنَهُمَا وَسَائِطُ وقال الْهِنْدِيُّ الْمُطْلَقُ الْحَقِيقِيُّ ما دَلَّ على الْمَاهِيَّةِ فَقَطْ وَالْإِضَافِيُّ يَخْتَلِفُ نَحْوُ رَجُلٍ وَرَقَبَةٍ فإنه مُطْلَقٌ بِالْإِضَافَةِ إلَى رَجُلٍ عَالِمٍ وَرَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَمُقَيَّدٌ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْحَقِيقِيِّ لِأَنَّهُ يَدُلُّ على وَاحِدٍ شَائِعٍ وَهُمَا قَيْدَانِ زَائِدَانِ على الْمَاهِيَّةِ وَالْمُقَيَّدُ مُقَابِلُهُمَا قال صَاحِبُ خُلَاصَةِ الْمَأْخَذِ اخْتِيَارُ مَشَايِخِ خُرَاسَانَ وما وَرَاءَ النَّهْرِ أَنَّ الْمُطْلَقَ ثَابِتٌ في الْأَذْهَانِ دُونَ الْأَعْيَانِ وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْعَامِّ إلَى قِيَامِ دَلِيلِ التَّعْيِينِ فَائِدَةٌ الْعَمَلُ بِالْمُطْلَقِ قبل الْبَحْثِ عن الْمُقَيَّدِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ على الْخِلَافِ السَّابِقِ في الْعُمُومِ ولم يَذْكُرُوهُ مَسْأَلَةٌ وُرُودُ الْخِطَابِ مُطْلَقًا في مَوْضِعٍ وَمُقَيَّدًا في مَوْضِعٍ اعْلَمْ أَنَّ الْخِطَابَ إذَا وَرَدَ مُطْلَقًا لَا مُقَيِّدَ له حُمِلَ على إطْلَاقِهِ أو مُقَيَّدًا لَا مُطْلَقَ له حُمِلَ على تَقْيِيدِهِ وَإِنْ وَرَدَ مُطْلَقًا في مَوْضِعٍ وَمُقَيَّدًا في آخِرِ فَالْكَلَامُ في مَقَامَيْنِ أَحَدُهُمَا في الْمُقَيَّدِ هل يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حَالُهُ مَقْصُورًا على الشَّرْطِ الْمُقَيَّدِ بِهِ أَمْ لَا وَالثَّانِي في الْمُطْلَقِ هل يَجِبُ حَمْلُهُ على حُكْمِ الْمُقَيَّدِ من جِنْسِهِ أَمْ لَا أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ الْبَحْثُ في أَنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ وَالصِّفَةِ حُجَّةٌ أَمْ لَا كما سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ قُلْنَا ليس بِحُجَّةٍ لم يُحْمَلْ الْمُطْلَقُ عليه وَإِنْ قُلْنَا حُجَّةٌ حُمِلَ وَلَا بُدَّ في الْحَمْلِ من تَقْدِيمِ كَوْنِ الْقَيْدِ شَرْطًا فِيمَا قُيِّدَ بِهِ وَالْأُصُولِيُّونَ قد أَهْمَلُوا ذِكْرَهُ هُنَا لِوُضُوحِهِ وَإِنَّمَا تَعَرَّضَ له الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَاعْتَبَرَا مَعْنَى الْمُقَيَّدِ فَإِنْ كان خَاصًّا
- ثَبَتَ حُكْمُ التَّقْيِيدِ وَإِنْ كان عَامًّا يَسْقُطُ حُكْمُهُ فَالْأَوَّلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أو على سَفَرٍ إلَى قَوْلِهِ فلم تَجِدُوا مَاءً فَتَقْيِيدُ التَّيَمُّمِ بِالْمَرَضِ وَالسَّفَرِ شَرْطٌ في إبَاحَتِهِ وَالثَّانِي كَقَوْلِهِ وإذا ضَرَبْتُمْ في الْأَرْضِ إلَى قَوْلِهِ إنْ خِفْتُمْ فَلَيْسَ الْخَوْفُ شَرْطًا في الْقَصْرِ وَأَمَّا الثَّانِي فَهُوَ الْمَقْصُودُ بَعْدَ ثُبُوتِ كَوْنِ التَّقْيِيدِ شَرْطًا في الْمُقَيَّدِ فَيَنْقَسِمُ الْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ إلَى أَقْسَامٍ أَحَدُهَا أَنْ يَخْتَلِفَا في السَّبَبِ وَالْحُكْمِ فَلَا يُحْمَلُ أَحَدُهُمَا على الْآخَرِ بِالِاتِّفَاقِ كَتَقْيِيدِ الشَّهَادَةِ بِالْعَدَالَةِ وَإِطْلَاقِ الرَّقَبَةِ في الْكَفَّارَةِ وَشَرَطَ الْآمِدِيُّ أَنْ يَكُونَا ثُبُوتِيَّيْنِ فَإِنْ لم يَكُنْ كما إذَا قال في كَفَّارَةِ الظِّهَارِ أَعْتَقَ رَقَبَةً وقال لَا تَمْلِكُ رَقَبَةٌ كَافِرَةٌ فَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمُقَيَّدَ يُوجِبُ تَقْيِيدَ الرَّقَبَةِ الْمُطْلَقَةِ بِالْمُسْلِمَةِ في هذه الصُّورَةِ وَاعْلَمْ أَنَّ الِاتِّفَاقَ في هذا الْقِسْمِ نَقَلَهُ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَإِلْكِيَا وابن بَرْهَانٍ وَالْآمِدِيَّ وَغَيْرُهُمْ وَذَكَرَ الْبَاجِيُّ عن الْقَاضِي مُحَمَّدٍ من الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ في هذا حَمْلُ الْمُطْلَقِ على الْمُقَيَّدِ وَأَخَذَ ذلك من رِوَايَةٍ رُوِيَتْ عنه أَنَّهُ قال عَجِبْت من رَجُلٍ عَظِيمٍ من أَهْلِ الْعِلْمِ يقول إنَّ التَّيَمُّمَ إلَى الْكُوعَيْنِ فَقِيلَ له إنَّهُ حَمَلَ ذلك على آيَةِ الْقَطْعِ فقال وَأَيْنَ هو من آيَةِ الْوُضُوءِ قال الْبَاجِيُّ وَهَذَا التَّأْوِيلُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ حَمْلُهُ عليه بِقِيَاسٍ أو عِلَّةٍ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ في الْحَمْلِ بِمُقْتَضَى اللَّفْظِ وَسَيَأْتِي حِكَايَةُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ في كَفَّارَةِ الْقَتْلِ أَنَّهُ يُجْزِئُ فيها الْإِطْعَامُ كما في الظِّهَارِ قلت وَمِنْ هذا كُلِّهِ يَخْرُجُ خِلَافٌ في حَمْلِ الْمُطْلَقِ على الْمُقَيَّدِ في هذا الْقِسْمِ وَيَنْبَغِي الْتِفَاتُهُ إلَى أَنَّهُ من بَابِ الْقِيَاسِ أو اللَّفْظِ فَإِنْ قُلْنَا من بَابِ الْقِيَاسِ امْتَنَعَ لِأَنَّ من شَرْطِ الْقِيَاسِ اتِّحَادَ الْحُكْمِ وَالْحُكْمُ هُنَا مُخْتَلِفٌ حَيْثُ أُطْلِقَ الْإِطْعَامُ وَقُيِّدَ الصِّيَامُ الْقِسْمُ الثَّانِي أَنْ يَتَّفِقَا في السَّبَبِ وَالْحُكْمِ فَيُحْمَلُ أَحَدُهُمَا على الْآخَرِ كما لو قال إنْ ظَاهَرْتَ فَاعْتِقْ رَقَبَةً وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ إنْ ظَاهَرْتَ فَاعْتِقْ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً وأبو حَنِيفَةَ يُوَافِقُ في هذا الْقِسْمِ كما قَالَهُ أبو زَيْدٍ في الْأَسْرَارِ وأبو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ في تَفْسِيرِهِ وَغَيْرُهُمَا وَلِهَذَا حُمِلَ قَوْله تَعَالَى فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ على قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ مُتَتَابِعَاتٌ وَكَذَا لو قِيلَ له تَغَدَّ عِنْدِي الْيَوْمَ فقال وَاَللَّهِ لَا
- أَتَغَدَّى حُمِلَ على ذلك الْيَوْمِ حتى لَا يَحْنَثَ بِغَيْرِهِ وَمِمَّنْ نَقَلَ الِاتِّفَاقَ في هذا الْقِسْمِ الْقَاضِيَانِ أبو بَكْرٍ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ وابن فُورَكٍ وَإِلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَغَيْرُهُمْ وَكَإِطْلَاقِ تَحْرِيمِ الدَّمِ في مَوْضِعٍ وَتَقْيِيدِهِ في آخَرَ بِالْمَسْفُوحِ وَكَقَوْلِهِ فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ منه وقَوْله تَعَالَى من كان يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ له في حَرْثِهِ وَمَنْ كان يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ منها فإنه لو قِيلَ نَحْنُ نَرَى من يَطْلُبُ الدُّنْيَا طَلَبًا حَثِيثًا وَلَا يَحْصُلُ له شَيْءٌ قُلْنَا قال تَعَالَى من كان يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا له فيها ما نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ فَعَلَّقَ ما يُؤْتِيهِ بِالْمَشِيئَةِ وَالْإِرَادَةِ فَحُمِلَ الْمُطْلَقُ على الْمُقَيَّدِ وَكَإِطْلَاقِ الْمَسْحِ في قَوْلِهِ يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَالتَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ إذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ وَقَوْلُهُ عَمَّنْ تَمُونُونَ مع قَوْلِهِ على كل صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ ذَكَرٍ وَأُنْثَى حُرٍّ وَعَبْدٍ من الْمُسْلِمِينَ وَقَوْلُهُ لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ مع قَوْلِهِ إلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وقال ابن الْعَرَبِيِّ في الْمَحْصُولِ هذه الْمَسْأَلَةُ مَسْأَلَةُ الْمَفْهُومِ كَقَوْلِهِ في أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةٌ وَهَذَا مُطْلَقٌ وَقَوْلُهُ في الْغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ فَهَذَا مُقَيَّدٌ بِالسَّوْمِ فَإِنْ قُلْنَا بِالْمَفْهُومِ حَمَلْنَا الْمُطْلَقَ على الْمُقَيَّدِ على الْخِلَافِ وَالسَّبَبُ وَاحِدٌ وهو الْمِلْكُ لِلْمَالِ الْبَاقِي وَالْحُكْمُ وَاحِدٌ وهو وُجُوبُ الزَّكَاةِ ا هـ وَظَاهِرُهُ جَرَيَانُ خِلَافِ الْحَنَفِيَّةِ في هذا الْقِسْمِ مُنْكِرِي الْمَفْهُومِ وَبِهِ صَرَّحَ ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ فقال اخْتَلَفَ أَصْحَابُ أبي حَنِيفَةَ في هذا الْقِسْمِ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ لَا يُحْمَلُ وَالصَّحِيحُ من مَذْهَبِهِمْ أَنَّهُ يُحْمَلُ قُلْت إلَّا أَنَّهُمْ لم يَحْمِلُوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ كَذَلِكَ بَلْ عَمِلُوا بِالنَّصَّيْنِ
- وقال أبو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ حَمْلُ الْمُطْلَقِ على الْمُقَيَّدِ في هذا الْقِسْمِ من بَابِ دَلِيلِ الْخِطَابِ وقد ذَكَرْنَا أَنَّهُ ليس بِدَلِيلٍ فَيَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهِ قال وقد اخْتَلَفَ كَلَامُ الْقَاضِي أبي بَكْرٍ في ذلك في التَّقْرِيبِ وَحَكَى الطَّرَسُوسِيُّ بِالسِّينَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ الْخِلَافَ فيه عن الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا وَاسْتَثْنَى بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ من هذا الْقِسْمِ ما إذَا كان الْمُقَيَّدُ آحَادًا وَالْمُطْلَقُ مُتَوَاتِرًا قال فَيُبْنَى على مَسْأَلَةِ الزِّيَادَةِ هل هِيَ نَسْخٌ وَعَلَى نَسْخِ الْمُتَوَاتِرِ بِالْآحَادِ وَالْمَنْعُ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ وَهَذَا كُلُّهُ في الْمُقَيَّدِ مُطْلَقًا فَإِنْ كانت دَلَالَةُ الْمُقَيَّدِ من حَيْثُ الْمَفْهُومُ فَكَذَلِكَ عِنْدَ من قال بِهِ فَيُقَدَّمُ خَاصُّهُ على الْعُمُومِ وَمَنْ لَا يقول بِالْمَفْهُومِ فَيُعْمَلُ بِمُقْتَضَى الْإِطْلَاقِ قُلْت وَهَكَذَا فَعَلَتْ الْحَنَفِيَّةُ في صَدَقَةِ الْفِطْرِ ولم يَفْعَلُوا ذلك في كَفَّارَةِ الْيَمِينِ قالوا لِأَنَّهُمَا في الصَّوْمِ وَرَدَا في حُكْمٍ يَسْتَحِيلُ وُجُودُهُ بِمَوْضِعَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ مُقَدِّمًا التَّقْيِيدَ وفي صَدَقَةِ الْفِطْرِ في السَّبَبِ وَلَا مُزَاحَمَةَ وإذا قُلْنَا بِالْحَمْلِ فَاخْتَلَفُوا فَصَحَّحَ ابن الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْحَمْلَ بَيَانٌ لِلْمَطْلُوبِ أَيْ دَالٌّ على أَنَّهُ كان الْمُرَادُ بِالْمُطْلَقِ هو الْمُقَيَّدُ وَقِيلَ يَكُونُ نَسْخًا أَيْ دَالًّا على نَسْخِ حُكْمِ الْمُطْلَقِ السَّابِقِ بِحُكْمِ الْمُقَيَّدِ الطَّارِئِ وَاعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ إطْلَاقِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ في هذا الْقِسْمِ في الْحَمْلِ بين أَنْ يَكُونَ الْمُطْلَقُ مُتَقَدِّمًا أو مُتَأَخِّرًا أو جُهِلَ السَّابِقُ مِنْهُمَا وَلِهَذَا قال الْغَزَالِيُّ في الْمُسْتَصْفَى بَعْدَ تَعَرُّضِهِ لِهَذَا وَهَذَا صَحِيحٌ على مَذْهَبِ من لَا يَرَى بين الْعَامِّ وَالْخَاصِّ تَقَابُلَ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ وَالْقَاضِي مع مَصِيرِهِ إلَى التَّعَارُضِ نَقَلَ الِاتِّفَاقَ على تَنْزِيلِ الْمُطْلَقِ على الْمُقَيَّدِ عِنْدَ اتِّحَادِ الْحُكْمِ ا هـ وَفِيمَا ذَكَرَهُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ من صَارَ إلَى أَنَّ الْعَامَّ الْمُتَأَخِّرَ لَا يُخَصَّصُ بِالْخَاصِّ الْمُتَقَدِّمِ عِنْدَ التَّعَارُضِ بَلْ يُحْمَلُ على النَّسْخِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْمِلَ الْمُطْلَقُ على الْمُقَيَّدِ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ هَاهُنَا إنَّ الْمُطْلَقَ الْمُتَأَخِّرَ نَاسِخٌ لِلْمُقَيَّدِ الْمُتَقَدِّمِ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ بِمَثَابَةِ الْعَامِّ وَالْمُقَيَّدَ بِمَثَابَةِ الْخَاصِّ وَعَلَى هذا يَلْزَمُ الْوَقْفُ عِنْدَ جَهْلِ التَّارِيخِ كما تَوَقَّفَ هُنَاكَ كَذَا قال الْهِنْدِيُّ والأردبيلي وَيَشْهَدُ له حِكَايَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ عن بَعْضِهِمْ أَنَّهُ إذَا كان الْمُقَيَّدُ مُتَأَخِّرًا عن الْمُطْلَقِ يَكُونُ الْمُقَيَّدُ نَاسِخًا لِلْمُطْلَقِ وَزَيَّفَهُ وَالْحَقُّ أَنَّهُ يَتَّجِهُ فِيمَا إذَا تَأَخَّرَ الْمُقَيَّدُ عن وَقْتِ الْعَمَلِ بِالْمُطْلَقِ وَإِلَّا فَالْحَمْلُ على النَّسْخِ مع إمْكَانِ حَمْلِهِ على الْبَيَانِ بَعِيدٌ ثُمَّ يَلْزَمُهُ عَكْسُهُ إنْ رَأَى نَسْخَ الْخَاصِّ بِالْعَامِّ وقد يُقَالُ لَا يَلْزَمُ الْقَائِلَ في الْعَامِّ بِالنَّسْخِ أَنْ يَقُولَ بِهِ هُنَا في الْمُطْلَقِ وَالْفَرْقُ أَنَّ
- الْخَاصَّ يُنَاقِضُ الْعَامَّ في جِهَةِ مَدْلُولِهِ فإن الْعَامَّ يَدُلُّ على إثْبَاتِ الْحُكْمِ في جَمِيعِ أَفْرَادِهِ ظَاهِرًا وَالْخَاصَّ يَنْفِي الْحُكْمَ في بَعْضِهَا فَوَقَعَ التَّعَارُضُ بَيْنَهُمَا من هذا الْوَجْهِ وَأَمَّا الْمُطْلَقُ فَلَا دَلَالَةَ له على حُكْمِ الْمُقَيَّدِ لَا بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ فإن الْإِيمَانَ مَثَلًا في قَوْلِهِ أَعْتِقْ رَقَبَةً مَسْكُوتٌ عنه فَلَا يَكُونُ إثْبَاتُهُ بِقَوْلِهِ أَعْتِقْ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً مُنَافِيًا لِحُكْمِ الْإِطْلَاقِ من جِهَةِ الْمَدْلُولِ فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ على الْمُقَيَّدِ بِكُلِّ حَالٍ فَصَحَّ نَقْلُ الْإِجْمَاعِ على ذلك وَلَا يَخْرُجُ على الْخِلَافِ في تَقَابُلِ الْعَامِّ الْمُتَأَخِّرِ وَالْخَاصِّ الْمُتَقَدِّمِ لِمَا فيه من الْجَمْعِ بين الدَّلِيلَيْنِ الْقِسْمُ الثَّالِثُ أَنْ يَخْتَلِفَا في السَّبَبِ دُونَ الْحُكْمِ كَإِطْلَاقِ الرَّقَبَةِ في كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَتَقْيِيدِهَا بِالْإِيمَانِ في كَفَّارَةِ الْقَتْلِ فَالْحُكْمُ وَاحِدٌ وهو وُجُوبُ الْإِعْتَاقِ لَكِنَّ الظِّهَارَ وَالْقَتْلَ سَبَبَانِ مُخْتَلِفَانِ فَهَذَا هو مَوْضِعُ الْخِلَافِ بين الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ أَمَّا عَكْسُهُ وهو اتِّحَادُ السَّبَبِ وَاخْتِلَافُ الْحُكْمِ فَظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فيه لَكِنَّ ابْنَ الْعَرَبِيِّ في الْمَحْصُول جَعَلَهُ من مَوْضِعِ الْخِلَافِ وَبِهِ تَصِيرُ الْأَقْسَامُ أَرْبَعَةً وَمَثَّلَهُ بِآيَةِ الْوُضُوءِ فإنه قَيَّدَ فيها غَسْلَ الْيَدَيْنِ بِالْمَرَافِقِ وَأَطْلَقَ في آيَةِ التَّيَمُّمِ كَقَوْلِهِ وَأَيْدِيكُمْ منه فإن السَّبَبَ وَاحِدٌ وهو الْحَدَثُ وَحَكَى أبو الْخَطَّابِ من الْحَنَابِلَةِ الْخِلَافَ في اتِّحَادِ السَّبَبِ وَاخْتِلَافِ الْحُكْمِ وَنَقَلَ فيه رِوَايَتَيْنِ عن أَحْمَدَ وَمَثَّلَهُ بِآيَةِ الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ أَيْضًا وَكَذَا مَثَّلَ بها الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ مَذَاهِبُ الْعُلَمَاءِ في حَمْلِ الْمُطْلَقِ على الْمُقَيَّدِ إذَا اخْتَلَفَا في السَّبَبِ دُونَ الْحُكْمِ إذَا عَلِمْتَ ذلك فَاخْتَلَفُوا في هذه الْمَسْأَلَةِ على مَذَاهِبَ أَحَدُهَا أَنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ على الْمُقَيَّدِ بِمُوجِبِ اللَّفْظِ وَمُقْتَضَى اللُّغَةِ من غَيْرِ دَلِيلٍ ما لم يَقُمْ دَلِيلٌ على حَمْلِهِ على الْإِطْلَاقِ فإن تَقَيُّدَ أَحَدِهِمَا يُوجِبُ تَقْيِيدَ الْآخَرِ لَفْظًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ وَكَمَا في الْعَدَالَةِ وَالشُّهُودِ في قَوْلِهِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ من رِجَالِكُمْ يُحْمَلُ على قَوْلِهِ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَحَمَلَ إطْلَاقَ الْعِتْقِ في كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْيَمِينِ على الْعِتْقِ الْمُقَيَّدِ بِالْإِيمَانِ في كَفَّارَةِ الْقَتْلِ قال الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ في بَابِ الْقَضَاءِ إنَّهُ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وقال
- الْمَاوَرْدِيُّ في بَابِ الظِّهَارِ إنَّ عليه جُمْهُورَ أَصْحَابِنَا وقال سُلَيْمٌ إنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَحَكَاهُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ عن جُمْهُورِ أَصْحَابِهِمْ وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عن بَعْضِ أَصْحَابِنَا قال وَأَقْرَبُ طَرِيقِ هَؤُلَاءِ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ في حُكْمِ الْخِطَابِ الْوَاحِدِ وَحَقُّ الْخِطَابِ الْوَاحِدِ أَنْ يَتَرَتَّبَ فيه الْمُطْلَقُ على الْمُقَيَّدِ قال وَهَذَا من فُنُونِ الْهَذَيَان فإن قَضَايَا الْأَلْفَاظِ في كِتَابِ اللَّهِ مُخْتَلِفَةٌ مُتَبَايِنَةٌ لِبَعْضِهَا حُكْمُ التَّعَلُّقِ وَالِاخْتِصَاصِ وَلِبَعْضِهَا حُكْمُ الِاسْتِدْلَالِ وَالِانْقِطَاعِ فَمَنْ ادَّعَى تَنْزِيلَ جِهَاتِ الْخِطَابِ على حُكْمِ كَلَامٍ وَاحِدٍ مع الْعِلْمِ بِأَنَّ في كِتَابِ اللَّهِ النَّفْيَ وَالْإِثْبَاتَ وَالْأَمْرَ وَالزَّجْرَ وَالْأَحْكَامَ الْمُتَغَايِرَةَ فَقَدْ ادَّعَى أَمْرًا عَظِيمًا وَلَا تُغْنِي في مِثْلِ ذلك الْإِشَارَةُ إلَى اتِّحَادِ الْكَلَامِ الْأَزَلِيِّ وَمُضْطَرِبُ الْمُتَكَلِّمِينَ في الْأَلْفَاظِ وَقَضَايَا الصِّيَغِ وَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ لَا مِرَاءَ في اخْتِلَافِهَا فَسَقَطَ هذا الظَّنُّ وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي أَنَّهُ لَا يُحْمَلُ عليه بِنَفْسِ اللَّفْظِ بَلْ لَا بُدَّ من دَلِيلٍ من قِيَاسٍ أو غَيْرِهِ كما يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ وَغَيْرِهِ وَإِنْ حَصَلَ قِيَاسٌ صَحِيحٌ أو غَيْرُهُ من الْأَدِلَّةِ يَقْتَضِي تَقْيِيدَهُ بِهِ قُيِّدَ وَإِلَّا أُقِرَّ الْمُطْلَقُ على إطْلَاقِهِ وَالْمُقَيَّدُ على تَقْيِيدِهِ قال الْآمِدِيُّ هذا هو الْأَظْهَرُ من مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَصَحَّحَهُ هو وَالْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وَأَتْبَاعُهُمَا وقد عَلِمْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الشَّافِعِيِّ إنَّمَا نَقَلُوا عنه الْأَوَّلَ وَهُمْ أَعْرَفُ من الْآمِدِيَّ بِذَلِكَ وفي مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ لِابْنِ أبي حَاتِمٍ الرَّازِيَّ عن يُونُسَ بن عبد الْأَعْلَى قال سَمِعْت الشَّافِعِيَّ يَعِيبُ على من يقول لَا يُقَاسُ الْمُطْلَقُ من الْكِتَابِ على الْمَنْصُوصِ وقال يَلْزَمُ من قال هذا أَنْ يُجِيزَ شَهَادَةَ الْعَبْدِ وَالسُّفَهَاءِ لِأَنَّ اللَّهَ عز وجل قال وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ مُطْلَقًا وَلَكِنَّ الْمُطْلَقَ يُقَاسُ على الْمَنْصُوصِ في مِثْلِ هذا فَلَا يَجُوزُ إلَّا الْعَدْلُ نعم هذا الْقَوْلُ عليه جَمَاعَةٌ كَثِيرُونَ من أَصْحَابِنَا منهم الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ كما رَأَيْتُهُ في كِتَابِهِ وَنَقَلُوهُ عن ابْنِ فُورَكٍ وَصَحَّحَهُ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ وَالْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن الْقُشَيْرِيّ وَالْغَزَالِيُّ وابن بَرْهَانٍ وابن السَّمْعَانِيِّ وقال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ في شَرْحِ الْعُمْدَةِ إنَّهُ الْأَقْرَبُ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وَنَسَبَهُ إلَى الْمُحَقِّقِينَ قال لو جَازَ تَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ لِتَقْيِيدِ الْمُقَيَّدِ
- لَجَازَ إطْلَاقُ الْمُقَيَّدِ لِإِطْلَاقِ الْمُطْلَقِ وهو لَا يَجُوزُ إجْمَاعًا وَنَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عن أبي عَلِيِّ بن أبي هُرَيْرَةَ ثُمَّ قال وهو قِلَّةُ مَعْرِفَةٍ بِلِسَانِهِمْ لِأَنَّهُمْ تَارَةً يُكَرِّرُونَ الْكَلِمَةَ لِلتَّأْكِيدِ وَتَارَةً يَحْذِفُونَهَا لِلْإِيجَازِ وَتَارَةً يُسْقِطُونَ بَعْضَهَا لِلتَّرْخِيمِ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ عن الْجُمْهُورِ من الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَنَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ عن ابْنِ سُرَيْجٍ وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ في بَابِ الْقَضَاءِ عن بَعْضِ أَصْحَابِنَا فَقَالَا وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّ حُكْمَ الْمُطْلَقِ بَعْدَ الْمُقَيَّدِ من جِنْسِهِ مَوْقُوفٌ على الدَّلِيلِ فَإِنْ قام الدَّلِيلُ على تَقْيِيدِهِ قُيِّدَ وَإِنْ لم يَقُمْ على وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَلِيلٌ صَارَ كَاَلَّذِي لم يَرِدْ فيه نَصٌّ فَيُعْدَلُ عنه إلَى غَيْرِهِ من الْأَدِلَّةِ قَالَا وَهَذَا قَوْلُ من ذَهَبَ إلَى وَقْفِ الْعُمُومِ حتى يَقُومَ دَلِيلٌ على تَخْصِيصٍ أو عُمُومٍ وَهَذَا أَفْسَدُ الْمَذَاهِبِ لِأَنَّ النُّصُوصَ الْمُحْتَمَلَةَ يَكُونُ الِاجْتِهَادُ فيها عَائِدًا إلَيْهَا وَلَا يُعْدَلُ بِالِاحْتِمَالِ إلَى غَيْرِهَا لِيَكُونَ النَّصُّ ثَابِتًا بِمَا يُؤَدِّي إلَيْهِ الِاجْتِهَادُ من نَفْيِ الِاحْتِمَالِ عنه وَتَعَيُّنِ الْمُرَادِ بِهِ قال الْأَصْفَهَانِيُّ وَحَيْثُ قُلْنَا يُقَيَّدُ قِيَاسًا أَرَدْنَا بِهِ سَالِمًا عن الْفُرُوقِ وَبِهِ يَنْدَفِعُ قَوْلُهُمْ إنَّ اخْتِلَافَ الْأَسْبَابِ يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْأَحْكَامِ وقال ابن بَرْهَانٍ كُلُّ دَلِيلٍ يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِهِ يَجُوزُ تَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ بِهِ وما لَا فَلَا لِأَنَّ الْمُطْلَقَ عَامٌّ من حَيْثُ الْمَعْنَى فَيَجُوزُ التَّقْيِيدُ بِفِعْلِهِ عليه السَّلَامُ خِلَافًا لِلْقَاضِي وَتَقْرِيرُهُ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ وَبِمَفْهُومِ الْخِطَابِ وقال ابن فُورَكٍ وَإِلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَالْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ يُحْمَلُ عليه من جِهَةِ الْقِيَاسِ اخْتَلَفُوا هل الْقِيَاسُ مُخَصِّصٌ لِلْمُطْلَقِ أو زَائِدٌ فيه فَمِنْهُمْ من قال إنَّهُ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ الْمُطْلَقِ لَا الزِّيَادَةَ فيه قال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ وهو الصَّحِيحُ وَمِنْهُمْ من قال يَقْتَضِي الزِّيَادَةَ فيه وَجَوَّزَ الزِّيَادَةَ بِالْقِيَاسِ ولم يُقَدِّرْهُ نَسْخًا وقال صَاحِبُ الْوَاضِحِ اخْتَلَفَ أبو عبد اللَّهِ الْبَصْرِيُّ وَعَبْدُ الْجَبَّارِ في أَنَّ تَقْيِيدَ الرَّقَبَةِ الْمُطْلَقَةِ بِالْإِيمَانِ هل يَقْتَضِي زِيَادَةً أو تَخْصِيصًا فقال الْبَصْرِيُّ هو زِيَادَةٌ لِأَنَّ إطْلَاقَ الرَّقَبَةِ يَقْتَضِي إجْزَاءَ كل ما تَقَعُ عليه الرَّقَبَةُ فإذا اُعْتُبِرَ في إجْزَائِهَا الْإِيمَانُ كان ذلك زِيَادَةً لَا مَحَالَةَ وقال قَاضِي الْقُضَاةِ هو تَخْصِيصٌ لِأَنَّ إطْلَاقَ الرَّقَبَةِ يَقْتَضِي إجْزَاءَ الْمُؤْمِنَةِ وَالْكَافِرَةِ وَالتَّقْيِيدُ بِالْإِيمَانِ يُخْرِجُ الْكَافِرَةَ فَكَانَ تَخْصِيصًا لَا مَحَالَةَ قال وَفَائِدَةُ هذا الْخِلَافِ أَنَّ من قال زِيَادَةٌ يَمْنَعُ الْحَمْلَ بِالْقِيَاسِ لِأَنَّ هذه الزِّيَادَةَ نَسْخٌ وَالنَّسْخُ بِالْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ وَمَنْ قال تَخْصِيصُ جَوَازِ الْحَمْلِ بِالْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ ليس هذا بِخِلَافٍ في الْحَقِيقَةِ فَالْقَاضِي أَرَادَ أَنَّ التَّقَيُّدَ بِالصِّفَةِ
- نُقْصَانٌ في الْمَعْنَى وأبو عبد اللَّهِ أَرَادَ زِيَادَةً في اللَّفْظِ ا هـ وقال الْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ الْقَائِلُونَ بِالْقِيَاسِ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ لَا يَجُوزُ الِاسْتِنْبَاطُ من مَحَلِّ التَّقْيِيدِ فَلِيَكُنْ من مَحَلٍّ آخَرَ وهو عَدَمُ إجْزَاءِ الْمُرْتَدِّ بِالْإِجْمَاعِ قال وَهَذَا بَاطِلٌ فإن الْمُسْتَنْبَطَ من مَحَلِّ التَّقْيِيدِ إنْ كان مَحِلًّا صَالِحًا قُبِلَ وَإِلَّا فَهُوَ بَاطِلٌ لِعَدَمِ الْإِحَالَةِ وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ قال الْمَاوَرْدِيُّ وهو أَوْلَى الْمَذَاهِبِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ أَغْلَظَ حُكْمَيْ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ فَإِنْ كان حُكْمُ الْمُطْلَقِ أَغْلَظَ حُمِلَ على إطْلَاقِهِ ولم يُقَيَّدْ إلَّا بِدَلِيلٍ وَإِنْ كان حُكْمُ الْمُقَيَّدِ أَغْلَظَ حُمِلَ الْمُطْلَقُ على الْمُقَيَّدِ ولم يُحْمَلْ على إطْلَاقِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ لِأَنَّ التَّغْلِيظَ إلْزَامٌ وما تَضَمَّنَهُ الْإِلْزَامُ لم يَسْقُطْ الْتِزَامُهُ بِالِاحْتِمَالِ الْمَذْهَبُ الرَّابِعُ التَّفْصِيلُ بين أَنْ يَكُونَ صِفَةً فَيُحْمَلُ كَالْإِيمَانِ في الرَّقَبَةِ أو ذَاتًا فَلَا يُحْمَلُ كَالتَّقْيِيدِ بِالْمَرَافِقِ في الْوُضُوءِ دُونَ التَّيَمُّمِ وهو حَاصِلُ كَلَامِ الْأَبْهَرِيِّ وَسَيَأْتِي ما فيه الْمَذْهَبُ الْخَامِسُ أَنَّهُ لَا يُحْمَلُ عليه أَصْلًا لَا من جِهَةِ الْقِيَاسِ وَلَا من جِهَةِ اللَّفْظِ وهو مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَحَكَاهُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ عن أَكْثَرِ الْمَالِكِيَّةِ بَعْدَ أَنْ قال الْأَصَحُّ عِنْدِي الثَّانِي قال ابن السَّمْعَانِيِّ في الِاصْطِلَامِ وَعَلَّلَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ تَقْيِيدَ الْخِطَابِ بِشَيْءٍ في مَوْضِعٍ لَا يُوجِبُ تَقْيِيدَ مِثْلِهِ في مَوْضِعٍ آخَرَ كما أَنَّ تَخْصِيصَ الْعُمُومِ في مَوْضِعٍ لَا يُوجِبُ تَقْيِيدَ الْعُمُومِ في مَوْضِعٍ آخَرَ وَلَوْ وَجَبَ حَمْلُ الْمُطْلَقِ على الْمُقَيَّدِ بِظَاهِرِ الْخِطَابِ لم يَكُنْ ذلك بِأَوْلَى من حَمْلِ الْمُقَيَّدِ على الْمُطْلَقِ بِظَاهِرِ الْوُرُودِ وَهَذَا لِأَنَّ التَّقْيِيدَ له حُكْمٌ وَالْإِطْلَاقَ له حُكْمٌ وَحَمْلُ أَحَدِهِمَا على صَاحِبِهِ مِثْلُ حَمْلِ صَاحِبِهِ عليه لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَرَكَ الْخِطَابَ من تَقْيِيدٍ أو إطْلَاقٍ ا هـ قال في الْمُعْتَمَدِ وَاخْتَلَفُوا في سَبَبِ الْمَنْعِ فَقِيلَ لِأَنَّ تَقْيِيدَهُ بِالْإِيمَانِ زِيَادَةٌ على النَّصِّ وَالزِّيَادَةُ على النَّصِّ نَسْخٌ وَالنَّسْخُ لَا يَجُوزُ تَقْيِيدُهُ بِالْقِيَاسِ وَقِيلَ لِأَنَّ تَقْيِيدَهُ بِالْإِيمَانِ زِيَادَةٌ على حُكْمٍ قُصِدَ اسْتِيفَاؤُهُ وَقِيلَ تَخْصِيصُهُ بِالْإِيمَانِ هو تَخْصِيصُهُ بِحُكْمٍ قد قُصِدَ اسْتِيفَاؤُهُ وقال في الْمَنْخُولِ اخْتَلَفُوا في وَجْهِ النَّسْخِ فَقِيلَ لِأَنَّ فيه شَرْطَ الْإِيمَانِ وَالنَّصُّ لَا يَقْتَضِيهِ وقال الْمُحَقِّقُونَ اقْتَضَى النَّهْيُ إجْزَاءَ ما يُسَمَّى رَقَبَةً فَشَرْطُ
- الْإِيمَانِ بِغَيْرِ مُقْتَضَى النَّصِّ قال وَهَذَا يَقْوَى لهم في مَسْأَلَةِ النِّيَّةِ في الْوُضُوءِ فإن اللَّهَ تَعَالَى تَوَلَّى بَيَانَ أَفْعَالِ الْوُضُوءِ وَأَرْكَانِهِ فَاقْتَضَى ذلك وُقُوعَ الْإِجْزَاءِ بِتَحْصِيلِ ما تَعَرَّضَ له وَشَرْطُ النِّيَّةِ زِيَادَةٌ عليه وقال الشَّافِعِيُّ الزِّيَادَةُ على النَّصِّ تَخْصِيصٌ وَإِنَّمَا قال ذلك لِأَنَّهُ يُسَمِّي الظَّاهِرَ نَصًّا وقال الْقَاضِي أبو بَكْرٍ وقد بَيَّنَّا أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْقِيَاسِ وَغَيْرِهِ نُقْصَانٌ لَا زِيَادَةٌ فإن الزِّيَادَةَ على النَّصِّ فيها ما هو نَسْخٌ وما ليس بِنَسْخٍ أَسْبَابُ الِاخْتِلَافِ في الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْخِلَافَ في أَصْلِ هذه الْمَسْأَلَةِ يَلْتَفِتُ إلَى أُمُورٍ أَحَدُهَا أَنَّ الْمُطْلَقَ هل هو ظَاهِرٌ في الِاسْتِغْرَاقِ أو نَصٌّ فيه فَإِنْ قُلْنَا ظَاهِرٌ جَازَ حَمْلُ الْمُطْلَقِ على الْمُقَيَّدِ بِالْقِيَاسِ على الْخِلَافِ السَّابِقِ في التَّخْصِيصِ بِهِ وَإِنْ قُلْنَا نَصٌّ فَلَا يَسُوغُ لِأَنَّهُ يَكُونُ نَسْخًا وَالنَّسْخُ بِالْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ قال ابْن رَحَّالٍ وَرَأَيْت لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مَذْهَبًا ثَالِثًا وهو أَنَّ الْمُطْلَقَ ليس بِنَصٍّ في الْإِطْلَاقِ وَلَا ظَاهِرٍ فيه بَلْ هو مُتَنَاوِلٌ لِلذَّاتِ غَيْرُ مُتَعَرِّضٍ لِلْقَيْدِ بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ وَعَلَى هذا فَلَا يَكُونُ تَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ من بَابِ التَّأْوِيلِ بَلْ يَكُونُ آتِيًا بِمَا لم يُشْعِرْ بِهِ اللَّفْظُ الْأَوَّلُ وهو بِمَثَابَةِ إيجَابِ الزَّكَاةِ بَعْدَ إيجَابِ الصَّلَاةِ الثَّانِي أَنَّ الزِّيَادَةَ على النَّصِّ نَسْخٌ عِنْدَهُمْ تَخْصِيصٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ كما نَقَلَهُ عنه في الْمَنْخُولِ هُنَا وَالنَّسْخُ لَا يَجُوزُ بِالْقِيَاسِ وَيَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِهِ الثَّالِثُ الْقَوْلُ بِالْمَفْهُومِ فَهُوَ يَدَّعِي أَنَّهُ ليس بِحُجَّةٍ وَعِنْدَنَا أَنَّهُ حُجَّةٌ فَلِذَا حَمَلْنَاهُ عليه وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ قد تَنَاقَضَ الْحَنَفِيَّةُ في تَقْيِيدِهِمْ رَقَبَةَ الظِّهَارِ بِاشْتِرَاطِ نُطْقِهَا فَلَا يُجْزِئُ عِنْدَهُمْ إعْتَاقُ الْأَخْرَسِ وفي تَقْيِيدِهِمْ الْقُرْبَى بِالْفُقَرَاءِ في قَوْله تَعَالَى وَلِذِي الْقُرْبَى ثُمَّ قال وَالْحَقُّ أَنَّ الْمُطْلَقَ كَالْعَامِّ فَيَتَقَيَّدُ كَالتَّخْصِيصِ وَالتَّخْصِيصُ تَارَةً يَكُونُ بِقَصْرِ اللَّفْظِ على بَعْضٍ غير مُمَيَّزٍ بِصِفَةٍ كَحَمْلِ الْفُقَرَاءِ على ثَلَاثَةٍ وَتَارَةً على مُمَيَّزٍ بِصِفَةٍ كَحَمْلِ الْمُشْرِكِينَ على الْحَرْبِيِّينَ وقال في الْمُقْتَرَحِ مُطْلَقُ النَّظَرِ في هذه الْمَسْأَلَةِ يُبْنَى على أَنَّ الِاجْتِزَاءَ بِالْمُطْلَقِ يُؤْخَذُ من مُجَرَّدِ اللَّفْظِ أو من عَدَمِ دَلِيلٍ يَدُلُّ على اعْتِبَارٍ زَائِدٍ فَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي فَالْمُطْلَقُ لَا يُشْعِرُ بِالْمُقَيَّدِ فَلَا يُحْمَلُ عليه لِأَنَّ حَمْلَهُ عليه من بَابِ التَّأْوِيلِ بِأَنْ يَكُونَ
- اللَّفْظُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ فَيُحْمَلُ على أَحَدِهِمَا بِالدَّلِيلِ وَحِينَئِذٍ فَاللَّفْظُ لَا إشْعَارَ فيه بِالْمُطْلَقِ فَضْلًا عن الْمُقَيَّدِ فَلَا يُحْمَلُ وَإِنْ قُلْنَا مَأْخُوذٌ من إشْعَارِ اللَّفْظِ فَهَلْ هو ظَاهِرٌ في الِاسْتِغْرَاقِ أو نَصٌّ فيه فَإِنْ قُلْنَا ظَاهِرٌ جَازَ حَمْلُ الْمُطْلَقِ على الْمُقَيَّدِ بِقِيَاسٍ على الْخِلَافِ وَإِنْ قُلْنَا نَصٌّ فَلَا يَسُوغُ الْحَمْلُ بِالْقِيَاسِ لِأَنَّهُ يَكُونُ نَسْخًا وَالنَّسْخُ بِالْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ بِهِ تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ قال الْإِبْيَارِيُّ بَقِيَ قِسْمٌ رَابِعٌ وهو أَنْ يَتَّحِدَ الْمُوجِبُ وَيَخْتَلِفَ صِنْفُ الْمُوجِبِ كما إذَا قَيَّدَ الرَّقَبَةَ في كَفَّارَةِ الظِّهَارِ بِالْإِسْلَامِ ثُمَّ أَطْلَقَ في جَانِبِ الْإِطْعَامِ ذِكْرَ الْمَسَاكِينِ فَهَلْ يَتَقَيَّدُ بِهِ الْمِسْكِينُ بِأَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا كَالرَّقَبَةِ الْمُعْتَقَةِ وقد أَغْفَلَ الْأُصُولِيُّونَ الْكَلَامَ على هذه الصُّورَةِ وَاَلَّذِي أَقُولُهُ في ذلك أَنَّهُ يَصِحُّ وَيُمْكِنُ أَنْ يُسْلَكَ بِهِ مَسْلَكَ الْقِيَاسِ كما سَلَكْنَاهُ في مَسْأَلَةِ تَقْيِيدِ الرَّقَبَةِ في الظِّهَارِ على الرَّقَبَةِ في الْقَتْلِ على ذلك الطَّرِيقِ شُرُوطُ حَمْلِ الْمُطْلَقِ على الْمُقَيَّدِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إذَا عَلِمْت ذلك فَلِحَمْلِ الْمُطْلَقِ على الْمُقَيَّدِ عِنْدَنَا على الْوَجْهِ الْمَشْرُوحِ شُرُوطٌ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ الْقَيْدُ من بَابِ الصِّفَاتِ كَالْإِيمَانِ مع ثُبُوتِ الذَّوَاتِ في الْمَوْضِعَيْنِ فَأَمَّا في إثْبَاتِ أَصْلِ الْحُكْمِ من زِيَادَةٍ خَارِجَةٍ أو عَدَدٍ فَلَا يُحْمَلُ أَحَدُهُمَا على الْآخَرِ وَهَذَا كَالْإِطْعَامِ في كَفَّارَةِ الْقَتْلِ فإن أَظْهَرَ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ وَإِنْ ذَكَرَهُ اللَّهُ في كَفَّارَةِ الظِّهَارِ لِأَنَّ هذا إنَّمَا هو إثْبَاتُ الْحُكْمِ لَا صِفَةٌ وَكَذَلِكَ إيجَابُ غَسْلِ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ في الْوُضُوءِ مع الِاقْتِصَارِ على عُضْوَيْنِ في التَّيَمُّمِ فإن الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ على أَنَّهُ لَا يُحْمَلُ إطْلَاقُ التَّيَمُّمِ على تَقْيِيدِ الْوُضُوءِ لِيَسْتَحِقَّ تَيَمُّمُ الْأَرْبَعَةِ لِمَا فيه من إثْبَاتِ حُكْمٍ لم يُذْكَرْ وَحَمْلُ الْمُطْلَقِ على الْمُقَيَّدِ يَخْتَصُّ بِالصِّفَةِ قال الْمَاوَرْدِيُّ وَلِهَذَا حَمَلْنَا إطْلَاقَ الْيَدَيْنِ في التَّيَمُّمِ على الْمَرَافِقِ لِتَقْيِيدِ ذلك في الْوُضُوءِ لِأَنَّ ذِكْرَ الْمَرْفِقِ صِفَةٌ وَذِكْرَ الرَّأْسِ وَالرِّجْلَيْنِ أَصْلٌ وَمِمَّنْ ذَكَرَ هذا الشَّرْطَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ وَالشَّيْخُ أبو حَامِدٍ وَتَبِعَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَنَقَلَهُ الْمَازِرِيُّ عن الْأَبْهَرِيِّ من الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا لَكِنْ في تَمْثِيلِ الْقَفَّالِ وَالْمَاوَرْدِيِّ بِالتَّيَمُّمِ إلَى الْمَرَافِقِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ إثْبَاتُ أَصْلٍ إذْ هو عُضْوٌ زَائِدٌ لَا وَصْفٌ وَلِذَلِكَ لم
- يَرِدْ الْمُطْلَقُ إلَى تَقْيِيدِهَا بِعَدَدٍ وقد مَنَعَ أَصْحَابُنَا دَعْوَى الْحَنَفِيَّةِ كَوْنَ التَّقْيِيدِ زِيَادَةً على النَّصِّ وَلَا يَتَّجِهُ مَنْعُ كَوْنِهِ زِيَادَةً إلَّا عِنْدَ كَوْنِ الزِّيَادَةِ وَصْفًا أَمَّا إذَا كانت ذَاتًا مُسْتَقِلَّةً فَهِيَ زِيَادَةٌ قَطْعًا وَنَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ في بَابِ الْقَضَاءِ خِلَافًا في هذه الْمَسْأَلَةِ فَجَزَمَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ ثُمَّ نَقَلَ عن ابن خَيْرَانَ من أَصْحَابِنَا أَنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ على الْمُقَيَّدِ في الْأَصْلِ أَيْضًا فإنه تَعَالَى ذَكَرَ الْإِطْعَامَ في كَفَّارَةِ الظِّهَارِ ولم يَذْكُرْهُ في كَفَّارَةِ الْقَتْلِ فَيُحْمَلُ عليها قال وفي هذا إثْبَاتُ أَصْلٍ بِغَيْرِ أَصْلٍ ا هـ وَمِنْ صُوَرِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْأَصَحَّ في مَذْهَبِنَا أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا قَتَلَ صَيْدًا وَاخْتَارَ من الْخِصَالِ إخْرَاجَ الطَّعَامِ أَنَّهُ يُفَرِّقُهُ على ثَلَاثَةِ مَسَاكِينَ فَصَاعِدًا لِأَنَّهُ أُمِرَ بِإِعْطَائِهِ إلَى جَمْعٍ في قَوْله تَعَالَى أو كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ مع أَنَّهُ وَرَدَ في كَفَّارَةِ الْإِتْلَافِ في الْحَجِّ إعْطَاؤُهَا لِجَمْعٍ مُقَيَّدًا بِكَوْنِهِمْ سِتَّةً لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ ولم يَحْمِلُوا ذلك الْمُطْلَقَ في الْجَمْعِ على هذا الْمُقَيَّدِ وما ذَاكَ إلَّا لِأَنَّ في حَمْلِهِ زِيَادَةَ أَجْرَامٍ وَهِيَ ثَلَاثَةُ مَسَاكِينَ وَإِلَّا فَلِمَ لَا يُحْمَلُ الشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ لَا يَكُونَ لِلْمُطْلَقِ إلَّا أَصْلٌ وَاحِدٌ كَاشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ في الشُّهُودِ على الرَّجْعَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَإِطْلَاقُ الشَّهَادَةِ في الْبُيُوعِ وَغَيْرِهَا فَهِيَ شَرْطٌ في الْجَمِيعِ وَكَذَا تَقْيِيدُهُ مِيرَاثَ الزَّوْجَيْنِ بِقَوْلِهِ من بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بها أو دَيْنٍ وَإِطْلَاقُهُ الْمِيرَاثَ فِيمَا أَطْلَقَ فيه وكان ما أُطْلِقَ من الْمَوَارِيثِ كُلِّهَا بَعْدَ الْوَصِيَّةِ وَالدَّيْنِ فَأَمَّا إذَا كان الْمُطْلَقُ دَائِرًا بين قَيْدَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ نُظِرَ فَإِنْ كان السَّبَبُ مُخْتَلِفًا لم يُحْمَلْ إطْلَاقُهُ على أَحَدِهِمَا إلَّا بِدَلِيلٍ فَيُحْمَلُ على ما كان الْقِيَاسُ عليه أَوْلَى أو ما كان دَلِيلُ الْحُكْمِ عليه أَقْوَى ذَكَرَ هذا الشَّرْطَ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في اللُّمَعِ وَإِلْكِيَا وَحَكَى الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ فيه الِاتِّفَاقَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ حَكَى الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ فيه خِلَافًا لِأَصْحَابِنَا ولم يُرَجِّحْ شيئا وَمِمَّنْ ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ في بَابِ الْكَفَّارَاتِ وَمَثَّلَهُ بِالصِّيَامِ في كَفَّارَةِ الْيَمِينِ فإن في وُجُوبِ تَتَابُعِهِ قَوْلَيْنِ أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ لِأَنَّهُ دَائِرٌ بين قَيْدَيْنِ أَحَدُهُمَا يُوجِبُ التَّتَابُعَ وهو صَوْمُ الظِّهَارِ كما في قَوْله تَعَالَى فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ وَالْآخَرُ يُوجِبُ التَّفْرِقَةَ وهو صَوْمُ التَّمَتُّعِ في قَوْلِهِ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ في الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ وَلَيْسَ حَمْلُهُ على أَحَدِهِمَا أَوْلَى من حَمْلِهِ على الْآخَرِ فَتُرِكَ على إطْلَاقِهِ فَيَكُونُ مُخَيَّرًا بين التَّتَابُعِ فيه وَالتَّفْرِيقِ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ لَمَّا أُطْلِقَ وهو بين هَذَيْنِ الْقَيْدَيْنِ حُمِلَ على إطْلَاقِهِ ا هـ وَتَبِعَهُ الرُّويَانِيُّ في مَوَاضِعَ منها كَفَّارَةُ
- الْيَمِينِ قال هذا مِمَّا سَبَقَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ولم يُسْبَقْ فيه وَمَثَّلَهُ بَعْضُهُمْ بِغَسْلِ الْيَدَيْنِ في الْوُضُوءِ فإنه وَرَدَ مُقَيَّدًا بِالْمَرَافِقِ وَقَطْعُهَا في السَّرِقَةِ مُقَيَّدٌ بِالْكُوعِ بِالْإِجْمَاعِ وَمَسْحُهُمَا في التَّيَمُّمِ وَرَدَ مُطْلَقًا فَهَلْ يُلْحَقُ بِالْقَطْعِ أو بِالْغَسْلِ هذا مَأْخَذُ الْخِلَافِ قال وَالْأَصَحُّ حَمْلُهُ على ما هو أَشْبَهُ بِهِ من الْمُقَيَّدَيْنِ فَيُلْحَقُ بِالْغَسْلِ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلُهُ وقال إِلْكِيَا يَجِبُ الْوَقْفُ إذْ لَا قِيَاسَ فَإِنْ غَلَبَ أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ تَحَقَّقَ الْقِيَاسُ وقال صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ وَتَبِعَهُ في الْمَحْصُولِ إنَّ من لَا يَرَى تَقْيِيدَ الْمُطْلَقِ بِالْمُقَيَّدِ أَصْلًا لَا يُقَيِّدُهُ هُنَا بِأَحَدِهِمَا وَمَنْ يَرَى التَّقْيِيدَ من اللَّفْظِ لَا يَرَاهُ أَيْضًا لِأَنَّهُ ليس بِأَنْ يُقَيَّدَ بِأَحَدِهِمَا أَوْلَى من الْآخَرِ وَأَمَّا من يَرَاهُ بِالْقِيَاسِ فَأَلْحَقَهُ بِأَحَدِهِمَا إذَا كان الْقِيَاسُ عليه أَوْلَى من الْقِيَاسِ على الْآخَرِ ا هـ وَعَلَى هذا فَقِيلَ يُحْمَلُ على الْكَفَّارَةِ في الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَيْهِ في الْقِيَاسِ لِاشْتِرَاكِهِمَا في الْكَفَّارَةِ بِخِلَافِ وَاجِبِ التَّتَابُعِ وَلِذَلِكَ كان لِلشَّافِعِيِّ في كَفَّارَةِ الْيَمِينِ في الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ الْجَدِيدُ عَدَمُ وُجُوبِ التَّتَابُعِ وَهَذَا الْبِنَاءُ فيه نَظَرٌ وَالْأَقْرَبُ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ إنَّمَا جاء في وُجُوبِ التَّتَابُعِ من أَجْلِ أَنَّ الْقِرَاءَةَ الشَّاذَّةَ حَيْثُ لم تَجْرِ مَجْرَى التَّفْسِيرِ ولم يُعَارِضْهَا خَبَرٌ هل يَجِبُ الْعَمَلُ بها أَمْ لَا وما ذَكَرُوا من وُجُوبِ التَّفْرِيقِ في التَّمَتُّعِ ليس بين الْأَيَّامِ كُلِّهَا بَلْ بين الثَّلَاثَةِ وَالسَّبْعَةِ وَإِنْ كان السَّبَبُ وَاحِدًا كما في حديث الْوُلُوغِ فإنه رُوِيَ إحْدَاهُنَّ وَأُولَاهُنَّ وَأُخْرَاهُنَّ فَالْمُطْلَقُ على إطْلَاقِهِ إذْ ليس إلْحَاقُهُ بِأَحَدِهِمَا أَوْلَى من الْآخَرِ وَالْقِيَاسُ هُنَا مُتَعَذِّرٌ فَيَتَعَارَضَانِ وَبَقِيَ الْمُطْلَقُ على إطْلَاقِهِ وَنَقُولُ بِجَوَازِ التَّعْفِيرِ في كل وَاحِدَةٍ من الْمَرَّاتِ عَمَلًا بِرِوَايَةِ إحْدَاهُنَّ الْمُطْلَقَةِ هَكَذَا ذَكَرَهُ الْأُصُولِيُّونَ وَمِنْهُمْ صَاحِبُ الْمَحْصُولِ وَبِهِ أَجَابَ الْقَرَافِيُّ عن اعْتِرَاضٍ أَوْرَدَهُ بَعْضُ قُضَاةِ الْحَنَفِيَّةِ على الشَّافِعِيَّةِ فإن قَاعِدَتَهُمْ حَمْلُ الْمُطْلَقِ على الْمُقَيَّدِ فَكَانَ يَنْبَغِي أُولَاهُنَّ لِوُرُودِ إحْدَاهُنَّ وَأُولَاهُنَّ فَأَجَابَهُ الْقَرَافِيُّ بِأَنَّهُ قد عَارَضَ رِوَايَةَ أُولَاهُنَّ رِوَايَةُ أُخْرَاهُنَّ يُرِيدُ بِذَلِكَ وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ وَيُرْجَعُ إلَى أَصْلِ الْإِطْلَاقِ وما ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ مَمْنُوعٌ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ الْبَقَاءَ على الْإِطْلَاقِ بَلْ يُحْمَلُ عَلَيْهِمَا على مَعْنَى التَّخْيِيرِ وَمَنْعِ إجْزَاءِ الْمُتَوَسِّطِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التُّرَابُ إلَّا في الْأُولَى أو
- في الْأَخِيرَةِ دُونَ ما سِوَاهُمَا حَمْلًا لِلْمُطْلَقِ على الْمُقَيَّدَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ على طَرِيقِ الْبَدَلِ وَعَلَى ذلك نَصَّ الشَّافِعِيُّ في الْبُوَيْطِيِّ وَذَكَرَهُ الْمَرْعَشِيُّ من أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُ وَالْعَجَبُ من قَوْلِ الشَّيْخِ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ في رِوَايَةِ أُولَاهُنَّ أو أُخْرَاهُنَّ الْأَقْرَبُ أَنَّهُ شَكٌّ من الرَّاوِي فَإِنَّا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا يقول بِتَعَيُّنِ الْأُولَى أو الْأَخِيرَةِ فَقَطْ بَلْ إمَّا بِتَعَيُّنِ الْأُولَى أو التَّخْيِيرِ بين الْجَمِيعِ ا هـ وَقِيلَ بَلْ على هذا يَنْبَغِي إيجَابُ كُلٍّ مِنْهُمَا الْأُولَى وَالْأَخِيرَةِ لِوُرُودِ الحديث فِيهِمَا وَلَا تَنَافِيَ في الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالثَّامِنَةِ التَّعَدُّدُ لَا الْأَخِيرَةُ فإنه حِينَئِذٍ يَكُونُ مُطْلَقًا كَإِحْدَاهُنَّ وَتَكُونُ رِوَايَةُ إحْدَاهُنَّ وَالثَّامِنَةُ وَاحِدَةً وَمَعْنَى رِوَايَةِ أُولَاهُنَّ يَعُودُ أَصْلُ السُّؤَالِ وَمِنْهُمْ من رَدَّهُ بِأَنَّ رِوَايَةَ أُخْرَاهُنَّ مُسَاوِيَةٌ لِإِحْدَاهُنَّ فَيَبْقَى قَيْدٌ وهو أُولَاهُنَّ فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ حِينَئِذٍ عليه وَهَذَا مَرْدُودٌ لِأَنَّ أُخْرَاهُنَّ مُؤَنَّثُ آخِرَ بِكَسْرِ الْخَاءِ لَا مُؤَنَّثُ آخَرَ بِفَتْحِهَا وَذَاكَ لَا يُضَافُ وَهَاهُنَا قد وَقَعَ مُضَافًا فَعُلِمَ أَنَّهُ مُؤَنَّثُ آخِرَ فَجَاءَ الْقَيْدَانِ وَمِنْهُمْ من رَدَّهُ بِأَنَّ شَرْطَ التَّعَارُضِ تَسَاوِي الرِّوَايَاتِ وَعَدَمُ وُجُودِ التَّرْجِيحِ في أَحَدِهَا فَأَمَّا إذَا وُجِدَ ذلك وَجَبَ الْعَمَلُ بِالرَّاجِحِ وَإِطْرَاحُ الْمَرْجُوحِ لِامْتِنَاعِ إسْقَاطِ الرَّاجِحِ بِمُعَارَضَةِ الْمَرْجُوحِ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ وَاعْلَمْ أَنَّ هذا السُّؤَالَ لَازِمٌ لِلْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّهُمْ يَحْمِلُونَ الْمُطْلَقَ على الْمُقَيَّدِ إذَا اتَّفَقَ السَّبَبُ وَالْحُكْمُ وهو هَاهُنَا كَذَلِكَ وَيُنَاظِرُ هذا السُّؤَالَ سُؤَالَانِ آخَرَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قال لَا يَجْرِي التَّحَالُفُ بين الْمُتَبَايِعَيْنِ إلَّا إذَا كانت السِّلْعَةُ قَائِمَةً أَمَّا إذَا كانت تَالِفَةً فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي وَعِنْدَنَا يَتَحَالَفَانِ مُطْلَقًا مع أَنَّهُ رُوِيَ عنه عليه السَّلَامُ أَنَّهُ قال إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ تَحَالَفَا وَرُوِيَ زِيَادَةُ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ فَلِمَ لَا حُمِلَ الْمُطْلَقُ على الْمُقَيَّدِ مع اتِّحَادِ الْقَاعِدَةِ وَجَوَابُهُ أَنَّهُ وَرَدَ التَّقْيِيدُ بِقَيْدٍ آخَرَ مُضَادٍّ لِلْقَيْدِ السَّابِقِ وهو قَوْلُهُ إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالْمَبِيعُ مُسْتَهْلَكٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فَرَجَعْنَا إلَى أَصْلِ الْإِطْلَاقِ وَأَيْضًا
- فَالْقَيْدَانِ ضَعِيفَا الْإِسْنَادِ وَقَوْلُ الْغَزَالِيِّ في الْمَأْخَذِ ما يَرْوِيهِ أَصْحَابُنَا من التَّقْيِيدِ بِالْهَلَاكِ أَجْمَعَ أَهْلُ الحديث على صِحَّتِهِ بَاطِلٌ الثَّانِي أَنَّ في كِتَابِ فَرِيضَةِ الصَّدَقَةِ في فَرِيضَةِ الْإِبِلِ فَإِنْ زَادَتْ على الْعِشْرِينَ وَمِائَةٍ وهو مُطْلَقٌ في الزِّيَادَةِ وَجَاءَ مُقَيَّدًا في حديث ابْنِ عُمَرَ فَإِنْ زَادَتْ وَاحِدَةٌ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ في مِائَةٍ وَعِشْرِينَ وَبَعْضِ وَاحِدَةٍ إلَّا ما يَجِبُ في مِائَةٍ وَعِشْرِينَ فَقَطْ وَهَذَا السُّؤَالُ إنَّمَا يَرُدُّ على الْإِصْطَخْرِيِّ الْقَائِلِ بِوُجُوبِ ثَلَاثِ بَنَاتِ لَبُونٍ فِيمَا إذَا زَادَتْ بَعْضُ وَاحِدَةٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ حِقَّتَانِ وَفَاءً بِحَمْلِ الْمُطْلَقِ على الْمُقَيَّدِ فَانْدَفَعَ السُّؤَالُ تَنْبِيهٌ حَيْثُ قُلْنَا بِأَصْلِ الْإِطْلَاقِ في الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ فَيَجِبُ حَمْلُ كل وَاحِدٍ من الْمُقَيَّدَيْنِ على تَقْيِيدِهِ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ في بَابِ الْقَضَاءِ قَالَا فَأَمَّا حَمْلُهُ على مُقَيَّدِ نَظِيرِهِ فَيُنْظَرُ في صِفَتَيْ التَّقْيِيدِ فِيهِمَا فَإِنْ تَنَافَى الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لم يُحْمَلْ أَحَدُهُمَا على الْآخَرِ وَاخْتَصَّ كُلُّ وَاحِدٍ بِصِفَتِهِ التي قُيِّدَ بها وَذَلِكَ مِثْلُ تَقْيِيدِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ بِالتَّتَابُعِ وَصَوْمِ التَّمَتُّعِ بِالتَّفْرِيقِ فَلَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بين التَّتَابُعِ وَالتَّفْرِيقِ فَيُخَصُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِصِفَةٍ وَإِنْ أَمْكَنَ اجْتِمَاعُ الصِّفَتَيْنِ ولم يَتَنَافَيَا فَفِي حَمْلِ كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا على تَقْيِيدِ نَظِيرِهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا يُحْمَلُ إلَّا على ما قُيِّدَ بِهِ إذَا قُلْنَا الْمُطْلَقُ لَا يُحْمَلُ على الْمُقَيَّدِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَالثَّانِي يُحْمَلُ على تَقْيِيدِهِ وَتَقْيِيدِ نَظِيرِهِ بِنَظِيرِ كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُقَيَّدًا بِالصِّفَتَيْنِ إذَا قُلْنَا يَجُوزُ حَمْلُ الْمُطْلَقِ على الْمُقَيَّدِ فَعَلَى هذا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ ما أُطْلِقَ من جِنْسِهِمَا على تَقَيُّدِهِمَا مَعًا وَيَصِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا من النُّصُوصِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَجَانِسَةِ مُقَيَّدًا بِشَرْطَيْنِ ا هـ الشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ في بَابِ الْأَوَامِرِ وَالْإِثْبَاتِ وَأَمَّا في جَانِبِ النَّفْيِ
- وَالنَّهْيِ فَلَا فإنه يَلْزَمُ منه الْإِخْلَالُ بِاللَّفْظِ الْمُطْلَقِ مع تَنَاوُلِ النَّهْيِ وهو غَيْرُ سَائِغٍ ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ وابن الْحَاجِبِ قال لَا خِلَافَ في الْعَمَلِ بِمَدْلُولِهِمَا وَالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا لِعَدَمِ التَّعَذُّرِ فإذا قال لَا تُعْتِقْ مُكَاتَبًا لَا تُعْتِقْ مُكَاتِبًا كَافِرًا لم يُعْتِقْ مُكَاتِبًا كَافِرًا وَلَا مُؤْمِنًا أَيْضًا إذْ لو أَعْتَقَهُ لم يُعْمَلْ فِيهِمَا لَكِنَّ صَاحِبَ الْمَحْصُولِ سَوَّى بين الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ في الْحَمْلِ وَرَدَّ عليه الْقَرَافِيُّ بِمِثْلِ ما ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ وَأَمَّا الْأَصْفَهَانِيُّ فَتَبِعَ صَاحِبَ الْمَحْصُولِ وقال حَمْلُ الْمُطْلَقِ على الْمُقَيَّدِ لَا يَخْتَصُّ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بَلْ يَجْرِي في جَمِيعِ أَقْسَامِ الْكَلَامِ نَقُولُ في الْخَبَرِ جَاءَنِي رَجُلٌ من آلِ عَلِيٍّ ثُمَّ تَقُولُ جَاءَنِي بَقِيَّةُ الْعَلَوِيِّينَ وَمِثَالُ التَّمَنِّي لَيْتَ لي مَالًا ثُمَّ تَقُولُ لَيْتَ لي جَمَلًا فإنه يُحْمَلُ عليه قال وَإِنَّمَا خَصَّ الْأَئِمَّةُ الْكَلَامَ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِمَا في مَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَلِأَنَّهُ إذَا تَحَقَّقَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ سَهُلَ تَعْدِيَتُهُ إلَى بَقِيَّةِ أَقْسَامِ الْكَلَامِ ا هـ وَخَالَفَ في ذلك الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ في كِتَابِهِ في الْأُصُولِ فقال فما كان في حُكْمٍ وَاحِدٍ كان أَحَدُهُمَا مَبْنِيًّا على الْآخَرِ كَقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ مع قَوْلِهِ لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ ثُمَّ قال وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْجَمْعَ بين الْأَلْفَاظِ الْوَارِدَةِ في الشَّرِيعَةِ وَاجِبٌ على الثَّانِي فما كان مُكَرَّرًا منه كان لِلتَّأْكِيدِ وما كان مُفْرَدًا كان مُسْتَعْمَلًا على التَّرْتِيبِ فإذا رُوِيَ عنه صلى اللَّهُ عليه وسلم قَوْلُهُ لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ وَرُوِيَ عنه لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ جُمِعَ بين الرِّوَايَتَيْنِ فَكَانَ قَوْلُهُ الْأَوَّلُ الْمُطْلَقُ دَاخِلًا في الثَّانِي وَحُمِلَ على التَّكْرَارِ وَاسْتُعْمِلَ أَحَدُهُمَا مع الْوَصْفِ ا هـ وقد يُقَالُ لَا يُتَصَوَّرُ تَوَارُدُ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ في جَانِبِ النَّفْيِ وَلَا النَّهْيِ وما ذَكَرُوهُ من الْمِثَالِ إنَّمَا هو من قَبِيلِ إفْرَادِ بَعْضِ مَدْلُولِ الْعَامِّ بِحُكْمٍ وَفِيهِ ما تَقَدَّمَ من خِلَافِ أبي ثَوْرٍ فَلَا وَجْهَ لِذِكْرِهِ هَاهُنَا وقد خَرَّجَهُ الْهِنْدِيُّ على أَنَّ مَفْهُومَ الصِّفَةِ حُجَّةٌ أَمْ لَا فَمَنْ أَنْكَرَهُ لم يُخَصِّصْ وَمَنْ قال بِهِ خَصَّصَ النَّهْيَ الْعَامَّ بِهِ وَمِمَّنْ ذَكَرَ هذا الشَّرْطَ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ وَشَرَطَهُ أَيْضًا في حَمْلِ الْعَامِّ على الْخَاصِّ وَمَثَّلَهُ بِحَدِيثِ لَا يَمَسَّنَّ أحدكم ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَجَاءَ في رِوَايَةٍ وهو يَبُولُ
- فَالْأُولَى مُطْلَقَةٌ وَالثَّانِيَةُ مُقَيَّدَةٌ لَكِنَّ في تَقْيِيدِهِ بِحَالَةِ الْبَوْلِ تَنْبِيهٌ على رِوَايَةِ الْإِطْلَاقِ وَأَوْلَى لِأَنَّهُ إذَا كان النَّهْيُ عن الْمَسِّ بِالْيَمِينِ حَالَةَ الِاسْتِنْجَاءِ مع مَظِنَّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا فَغَيْرُهُ من الْحَالَاتِ أَوْلَى وَمِنْ الْعُلَمَاءِ من خَصَّصَ النَّهْيَ بِمَسِّ الذَّكَرِ بِحَالَةِ الْبَوْلِ أَخْذًا بِظَاهِرِ الحديث وَمِنْهُمْ من أَخَذَ بِالنَّهْيِ عن مَسِّهِ مُطْلَقًا أَخْذًا بِالْإِطْلَاقِ ثُمَّ قال وَيُنْظَرُ إنْ كَانَا حَدِيثَيْنِ فَالْمَعْنَى على ما ذَكَرْنَاهُ وَيُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا على الْآخَرِ وَإِنْ كان حَدِيثًا وَاحِدًا وَمَخْرَجُهُ وَاحِدٌ وَاخْتَلَفَ عليه الرُّوَاةُ فَيَنْبَغِي حَمْلُ الْمُطْلَقِ على الْمُقَيَّدِ وَيَكُونُ زِيَادَةً من عَدْلٍ وَهِيَ مَقْبُولَةٌ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ وَالْمُحَدِّثِينَ وَهَذَا أَيْضًا يَكُونُ بَعْدَ النَّظَرِ في دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ وما يُعْمَلُ بِهِ منه وما لَا يُعْمَلُ بِهِ وَبَعْدَ أَنْ يُنْظَرَ في تَقْدِيمِ الْمَفْهُومِ على ظَاهِرِ الْعُمُومِ ثُمَّ قال الشَّيْخُ في مَوْضِعٍ آخَرَ وَهَذَا كُلُّهُ مَبْنِيٌّ على ما يَقُولُهُ بَعْضُهُمْ من أَنَّ الْعَامَّ في الذَّوَاتِ مُطْلَقٌ في الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمِنَةِ وَأَمَّا على ما نَخْتَارُ نَحْنُ من الْعُمُومِ في الْأَحْوَالِ تَبَعًا لِلْعُمُومِ في الذَّوَاتِ فَهُوَ من بَابِ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ انْتَهَى وَبِهَذَا يَسْهُلُ جَعْلُ هذه الصُّورَةِ من بَابِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ تَنْبِيهٌ سَبَقَ في بَابِ الْعُمُومِ خِلَافٌ في أَنَّ التَّخْصِيصَ هل يَدْخُلُ في الْخَبَرِ كما في الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ أو لَا وَيَنْبَغِي جَرَيَانُ هذا الْخِلَافِ هُنَا حتى يُشْتَرَطَ على قَوْلِ كَوْنِهِمَا من بَابِ التَّكْلِيفِ لَا من بَابِ الْخَبَرِ ا هـ الشَّرْطُ الرَّابِعُ لَا أَنْ يَكُونَ في جَانِبِ الْإِبَاحَةِ ذَكَرَهُ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ أَيْضًا في الْكَلَامِ على لُبْسِ الْمُحْرِمِ الْخُفَّ وقال إنَّ الْمُطْلَقَ لَا يُحْمَلُ على الْمُقَيَّدِ في جَانِبِ الْإِبَاحَةِ إذْ لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا وفي الْمُطْلَقِ زِيَادَةٌ انْتَهَى وَفِيهِ نَظَرٌ الشَّرْطُ الْخَامِسُ أَنْ لَا يُمْكِنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فَإِنْ أَمْكَنَ تَعَيُّنُ إعْمَالِهِمَا فإنه أَوْلَى من تَعْطِيلِ ما دَلَّ عليه أَحَدُهُمَا ذَكَرَهُ ابن الرِّفْعَةِ في الْمَطْلَبِ في الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ وَمِثَالُهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ من بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ وَجَاءَ في رِوَايَةٍ من ابْتَاعَ عَبْدًا فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ
- الْمُبْتَاعُ فإن الرِّوَايَةَ الْأُولَى تَقْتَضِي أَنَّ بَعْضَ الْعَبِيدِ لَا يَكُونُ له مَالٌ فَيَكُونُ الْإِضَافَةُ فيه لِلتَّمْلِيكِ وَالْمَالُ فيه مَحْمُولٌ على ما يُمَلِّكُهُ السَّيِّدُ إيَّاهُ وَلَيْسَ كُلُّ عَبْدٍ يُمَلِّكُهُ السَّيِّدُ مَالًا وَالثَّانِيَةُ تَشْمَلُ كُلَّ عَبْدٍ فَكَانَتْ الْإِضَافَةُ فيها إضَافَةَ تَخْصِيصٍ لَا تَمْلِيكٍ فَيُحْمَلُ على ثِيَابِهِ التي عليه لِأَنَّ كُلَّ عَبْدٍ لَا بُدَّ له من ثِيَابٍ يَخْتَصُّ بها قال فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مُطْلَقَةٌ تَنْزِلُ على ما ذَكَرْنَاهُ وهو أَوْلَى من تَقْيِيدِهَا بِحَالَةِ تَمْلِيكِ السَّيِّدِ الْمَالَ له قال وَلَا يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ على الْمُقَيَّدِ هُنَا لِأَنَّ الْجَمْعَ مُمْكِنٌ الشَّرْطُ السَّادِسُ أَنْ لَا يَكُونَ الْمُقَيَّدُ ذُكِرَ معه قَدْرٌ زَائِدٌ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْقَيْدُ لِأَجْلِ ذلك الْقَدْرِ الزَّائِدِ فَلَا يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ على الْمُقَيَّدِ هُنَا قَطْعًا مِثَالُهُ إنْ قَتَلْتَ فَأَعْتِقْ رَقَبَةً مع إنْ قَتَلْتَ مُؤْمِنًا فَأَعْتِقْ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً فَلَا يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ هُنَاكَ على الْمُقَيَّدِ هُنَا في الْمُؤْمِنَةِ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ هُنَا إنَّمَا جاء لِلْقَدْرِ الزَّائِدِ وهو كَوْنُ الْمَقْتُولِ مُؤْمِنًا وَاعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ الرِّدَّةَ لَا تُحْبِطُ الْعَمَلَ إلَّا بِشَرْطِ الْوَفَاةِ على الْكُفْرِ وَعِنْدَ أبي حَنِيفَةَ تُحْبِطُ بِمُجَرَّدِ الرِّدَّةِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عن دِينِهِ فَيَمُتْ وهو كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ في الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَمَّا قَوْلُهُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ فَمُطْلَقٌ قُيِّدَتْ بِهِ الْآيَةُ السَّابِقَةُ هَكَذَا قالوا وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا في الْقَيْدِ من الْقَدْرِ الزَّائِدِ وهو الْخُلُودُ في النَّارِ وَأَيْضًا فَلَيْسَتْ الْآيَتَانِ من بَابِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ بَلْ من بَابِ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ فَنُعْمِلُ الْخَاصَّ على أَنَّ الْآيَةَ التي تَمَسَّكَ بها الْحَنَفِيَّةُ مُقَيَّدَةٌ وهو قَوْله تَعَالَى وهو في الْآخِرَةِ من الْخَاسِرِينَ فَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ من مَاتَ على الْكُفْرِ لِأَنَّ من مَاتَ مُؤْمِنًا لَا يَكُونُ في الْآخِرَةِ خَاسِرًا فَالْمُرَادُ في الْآيَتَيْنِ التَّقْيِيدُ وَلَيْسَ فِيهِمَا مُطْلَقٌ وَمُقَيَّدٌ على أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ في الْأُمِّ على أَنَّ الرِّدَّةَ بِمُجَرَّدِهَا تُحْبِطُ الْعَمَلَ وَإِنْ لم تَتَّصِلْ بِالْمَوْتِ على مَعْنَى ذَهَابِ الْأَجْرِ الشَّرْطُ السَّابِعُ أَنْ لَا يَقُومَ دَلِيلٌ يَمْنَعُ من التَّقْيِيدِ مِثَالُهُ قَوْله تَعَالَى وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا الْآيَةَ فلم يُقَيَّدْ بِالدُّخُولِ وَقُيِّدَ بِهِ في عِدَّةِ الطَّلَاقِ بِقَوْلِهِ إذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ من قَبْلِ أَنْ
- تَمَسُّوهُنَّ فما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ من عِدَّةٍ ولم يَحْمِلُوا الْمُطْلَقَ هُنَاكَ على الْمُقَيَّدِ لِقِيَامِ الْمَانِعِ وهو أَنَّ تَقْيِيدَ الْمُطْلَقِ أو تَخْصِيصَ الْعَامِّ إنَّمَا يَكُونُ بِقِيَاسٍ أو مُرَجِّحٍ وهو هُنَا مُنْتَفٍ لِأَنَّ الْمُتَوَفَّى عنها زَوْجُهَا أَحْكَامُ الزَّوْجِيَّةِ بَاقِيَةٌ في حَقِّهَا بِدَلِيلِ أنها تُغَسِّلُهُ وَتَرِثُ منه اتِّفَاقًا وَلَوْ كانت في حُكْمِ الْمُطَلَّقَاتِ الْبَوَائِنِ لم تَرِثْ فلما ظَهَرَ في الْفَرْعِ ما يَقْتَضِي عَدَمَ إلْحَاقِهِ بِالْأَصْلِ امْتَنَعَ التَّقْيِيدُ بِالْقِيَاسِ أو التَّخْصِيصُ بِهِ مَسْأَلَةٌ اللَّفْظُ الْمُطْلَقُ إذَا تَطَرَّقَ إلَيْهِ التَّقْيِيدُ فَفِي كَوْنِهِ حُجَّةً في الْبَاقِي قَوْلَانِ حَكَاهُمَا ابن السَّمْعَانِيِّ في الْكِفَايَةِ كَالْخِلَافِ في الْعَامِّ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ التَّخْصِيصُ قال وَتَمْهِيدُ هذا الْخِلَافِ يَسْتَدْعِي بَيَانَ عُمُومِ الْمُطْلَقِ وَيَعْنِي بِهِ الِاسْمَ الْمُفْرَدَ كَالْعَامِّ فإن الْوَاحِدَ يَنْقَسِمُ إلَى وَاحِدٍ بِالْجِنْسِ وَوَاحِدٍ بِالذَّاتِ فَإِنْ أُرِيدَ الْأَوَّلُ تَنَاوَلَ جَمِيعَ الذَّوَاتِ لِاشْتِمَالِ الْجِنْسِ على الْأَعْيَانِ وَالذَّوَاتِ بِخِلَافِ الْعَامِّ فإنه يَدُلُّ عَلَيْهِمَا بِالْوَضْعِ وَأَمَّا الْوَاحِدُ بِالْجِنْسِ فَمَعْنَاهُ حَقِيقَةٌ تُوجَدُ في جَمِيعِ الْأَعْيَانِ فَيَقَعُ عُمُومُ الْأَعْيَانِ ضَرُورَةَ اشْتِمَالِهَا على تِلْكَ الْحَقِيقَةِ لَا أنها مَدْلُولُ اللَّفْظِ وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ الْمُطْلَقَ يُفَارِقُ الْعَامَّ من وَجْهٍ وَيُسَاوِيهِ من وَجْهٍ قال فَالصَّائِرُونَ إلَى أَنَّهُ إذَا تَطَرَّقَ إلَيْهِ تَقْيِيدٌ لَا يَبْقَى حُجَّةٌ قالوا لِأَنَّ اللَّفْظَ كان عَامًّا لِأَنَّهُ تَعَرَّضَ لِحَقِيقَةٍ يَسْتَوِي نِسْبَتُهَا إلَى الْأَعْيَانِ فإذا لم يَثْبُتْ الْحُكْمُ في بَعْضِ الْأَعْيَانِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْحَقِيقَةَ الْمُطْلَقَةَ ما كانت مُرَادَةً فَيَكُونُ الْمُرَادُ الْوَاحِدَ بِالذَّاتِ وهو ضَعِيفٌ لِأَنَّ اللَّفْظَ دَالٌّ على حَقِيقَةٍ مُطْلَقَةٍ تَسْتَوِي نِسْبَتُهَا وَيَدُلُّ على أَنَّ الْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بها وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنْ لَا يَثْبُتَ الْحُكْمُ في بَعْضِ الْأَعْيَانِ لَا لِخَلَلٍ في الدَّلِيلِ وَلَا لِمَعْنًى في الْمُتَعَلِّقِ وهو الْحَقِيقَةُ بَلْ لِمَعْنًى يَقَعُ من عَوَارِضِ التَّعْيِينِ فَيَنْتَفِي الْحُكْمُ مع وُجُودِ الدَّلِيلِ بِالنِّسْبَةِ إلَى تِلْكَ الْحَقِيقَةِ لِوُجُودِ مُعَارِضٍ دَافِعٍ لِلْحُكْمِ وهو لَا يُبْطِلُ دَلَالَةَ الدَّلِيلِ إلَّا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كما قُلْنَا في الْعَامِّ يُخَصُّ
- خَاتِمَتَانِ الْأَوَّلُ الْمَعْرُوفُ أَنَّ الْمُقَيَّدَ لَا يُحْمَلُ على الْمُطْلَقِ وَوَقَعَ في الْوَسِيطِ في بَابِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ حَيْثُ احْتَجَّ لِلْقَوْلِ الصَّائِرِ إلَى أَنَّهُ لو تَابَ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عليه يَسْقُطُ عنه الْحَدُّ قال لِأَنَّهُ تَعَالَى خَصَّصَ هذا بِقَوْلِهِ من قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عليهم وَأَطْلَقَ في آيَةِ السَّرِقَةِ قَوْلَهُ فَمَنْ تَابَ من بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ انْتَهَى وفي هذا حُمِلَ الْمُقَيَّدُ على الْمُطْلَقِ فإنه حَمَلَ آيَةَ الْمُحَارَبَةِ وقد وَرَدَ فيها التَّقْيِيدُ على ما وَرَدَ فيه الْأَمْرُ مُطْلَقًا وهو السَّرِقَةُ وهو غَرِيبٌ ثُمَّ رَأَيْت الْأَصْحَابَ قد حَمَلُوا ذلك أَيْضًا في مَسْحِ الْخُفِّ فإن قَوْلَهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم يَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهِنَّ من بَابِ حَمْلِ الْمُقَيَّدِ على الْمُطْلَقِ على مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ لِأَنَّ لَيَالِيَهُنَّ مُقَيَّدٌ بِالْإِضَافَةِ فَيَقْتَضِي أَنَّهُ لو أَحْدَثَ الْمُسَافِرُ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَا يَمْسَحُ اللَّيْلَةَ الرَّابِعَةَ وقد قالوا إنَّهُ يَمْسَحُ لَيْلَتَهُ حَمْلًا على الْمُطْلَقِ كما لو تَأَخَّرَتْ لَيْلَةُ الْيَوْمِ عنه الثَّانِيَةُ كَثُرَ في كَلَامِ كَثِيرٍ من الْمُتَأَخِّرِينَ أَنْ يَقُولُوا هذا مُطْلَقٌ وَالْمُطْلَقُ يَكْفِي في الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ إعْمَالُهُ في صُورَةٍ وقد اتَّفَقْنَا على الْعَمَلِ بِهِ في كَذَا فَلَا يَبْقَى حُجَّةٌ في غَيْرِهِ وقد اسْتَعْظَمَ جَمْعٌ هذا السُّؤَالَ وقد أَجَابَ عنه ابن دَقِيقِ الْعِيدِ فِيمَا كَتَبَهُ على فُرُوعِ ابْنِ الْحَاجِبِ بِأَنَّهُ إنَّمَا يُكْتَفَى بِالْعَمَلِ بِهِ في صُورَةٍ حَيْثُ لَا يَلْزَمُ تَرْكُ ما دَلَّ اللَّفْظُ على الْعُمُومِ فيه بَلْ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ في كل صُورَةٍ يَلْزَمُ من تَرْكِ الْعُمُومِ فيها في الْحَالَةِ الْمُطْلَقَةِ تَرْكُ الْعُمُومِ فِيمَا دَخَلَتْ عليه صِيغَةُ الْعُمُومِ مِثَالُهُ قَوْلُ الْحَنَفِيِّ في جَوَابِ الشَّافِعِيِّ في أَنَّ الْوُضُوءَ تَجِبُ فيه النِّيَّةُ لِقَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ما مِنْكُمْ من أَحَدٍ يُقَرِّبُ وُضُوءَهُ فَيَقُول الْحَنَفِيُّ هو عَامٌّ في التَّوَضُّؤِ مُطْلَقٌ في الْوُضُوءِ وقد اتَّفَقْنَا على الْعَمَلِ بِهِ في الْوُضُوءِ الْمَنْوِيِّ فَلَا يَبْقَى حُجَّةٌ في غَيْرِهِ وَجَوَابُهُ أَنَّ الْعُمُومَ في التَّوَضُّؤِ يَلْزَمُ منه الْعُمُومُ في الْوُضُوءِ لِأَنَّهُ ما من نَوْعٍ من أَنْوَاعِ الْوُضُوءِ إلَّا وَفَاعِلُهُ مُتَوَضِّئٌ فَيَنْدَرِجُ تَحْتَ الْعُمُومِ
- فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُثَابًا عليه نَظَرًا إلَى عُمُومِ اللَّفْظِ وقال في شَرْحِ الْإِلْمَامِ أَمَّا قَوْلُهُمْ إنَّ الْمُطْلَقَ يَكْفِي في الْعَمَلِ بِهِ مَرَّةً فَنَقُولُ يُكْتَفَى فيه بِالْمَرَّةِ فِعْلًا أو حُكْمًا الْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ الثَّانِي مَمْنُوعٌ وَبَيَانُهُ أَنَّ الْمُطْلَقَ إذَا فُعِلَ مُقْتَضَاهُ مَرَّةً وَوُجِدَتْ الصُّورَةُ الْجُزْئِيَّةُ التي يَدْخُلُ تَحْتَهَا الْكُلِّيُّ الْمُطْلَقُ وفي ذلك في الْعَمَلِ بِهِ كما إذَا قال أَعْتِقْ رَقَبَةً فَفَعَلَ ذلك مَرَّةً لَا يَلْزَمُ إعْتَاقُ رَقَبَةٍ أُخْرَى لِحُصُولِ الْوَفَاءِ بِمُطْلَقِ الْأَمْرِ من غَيْرِ اقْتِضَاءِ الْأَمْرِ الْعُمُومَ وَكَذَا إذَا قال إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَدَخَلَتْ مَرَّةً وَحَنِثَ لَا يَحْنَثُ بِدُخُولِهَا ثَانِيًا لِوُجُودِ مُقْتَضَى اللَّفْظِ فِعْلًا من غَيْرِ اقْتِضَاءِ الْعُمُومِ أَمَّا إذَا عَمِلَ بِهِ مَرَّةً حُكْمًا أَيْ في صُورَةٍ من صُوَرِ الْمُطْلَقِ لَا يَلْزَمُ التَّقْيِيدُ بها وَلَا يَكُونُ وَفَاءً بِالْإِطْلَاقِ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْإِطْلَاقِ بِالصُّورَةِ الْمُعَيَّنَةِ حُكْمًا أَنْ لَا يَحْصُلَ الِاكْتِفَاءُ بِغَيْرِهَا وَذَلِكَ فِيمَا خَصَّ الْإِطْلَاقَ مِثَالُهُ إذَا قال أَعْتِقْ رَقَبَةً فإن مُقْتَضَى الْإِطْلَاقِ أَنْ يَحْصُلَ الْإِجْزَاءُ بِكُلِّ ما يُسَمَّى رَقَبَةً لِوُجُودِ الْمُطْلَقِ في كل مُعْتَقٍ من الرِّقَابِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْإِجْزَاءَ بِهِ فإذا خَصَّصْنَا الْحُكْمَ بِالرَّقَبَةِ الْمُؤْمِنَةِ مَنَعْنَا إجْزَاءَ الْكَافِرَةِ وَمُقْتَضَى الْإِطْلَاقِ إجْزَاؤُهَا إنْ وَقَعَ الْعِتْقُ لها فَاَلَّذِي فَعَلْنَاهُ خِلَافُ مُقْتَضَاهُ
- الظَّاهِرُ وَالْمُؤَوَّلُ قال ابن بَرْهَانٍ وهو أَنْفَعُ كُتُبِ الْأُصُولِ وَأَجَلُّهَا ولم يَزِلَّ الزَّالُّ إلَّا بِالتَّأْوِيلِ الْفَاسِدِ وَأَمَّا ابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ فَأَنْكَرَ على إمَامِ الْحَرَمَيْنِ إدْخَالَهُ هذا الْبَابَ في فَنِّ أُصُولِ الْفِقْهِ وقال ليس هذا من أُصُولِ الْفِقْهِ في شَيْءٍ إنَّمَا هو كَلَامٌ يُورَدُ في الْخِلَافِيَّاتِ لَكِنَّا نَذْكُرُ طَرَفًا منه وَلَا نُعْدِمُ النَّاظِرَ فيه نَوْعَ فَائِدَةٍ وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يَنْبَغِي حَمْلُ الْخَاطِرِ اسْتِخْرَاجَ التَّأْوِيلَاتِ الْمُسْتَنْكِرَةِ لِلْأَخْبَارِ وَيَنْبَغِي لِلْعَالِمِ الْوَرِعِ التَّبَاعُدُ عنه فَالظَّاهِرُ الْوَاضِحُ وهو كما قال الْأُسْتَاذُ وَالْقَاضِي لَفْظُهُ يُغْنِي عن تَفْسِيرِهِ وقال الْغَزَالِيُّ هو الْمُتَرَدِّدُ بين أَمْرَيْنِ وهو في أَحَدِهِمَا أَظْهَرُ وَقِيلَ ما دَلَّ على مَعْنًى مع قَبُولِهِ لِإِفَادَةِ غَيْرِهِ إفَادَةً مَرْجُوحَةً فَانْدَرَجَ تَحْتَهُ ما دَلَّ على الْمَجَازِ الرَّاجِحِ وَيُطْلَقُ على اللَّفْظِ الذي يُفِيدُ مَعْنًى سَوَاءٌ أَفَادَ معه غَيْرُهُ إفَادَةً مَرْجُوحَةً أو لم يُفْدِ وَلِهَذَا يَخْرُجُ النَّصُّ فإن إرَادَتَهُ ظَاهِرَةٌ بِنَفْسِهِ وَنَقَلَ الْإِمَامُ أَنَّ الْإِمَامَ الشَّافِعِيَّ كان يُسَمِّي الظَّاهِرَ نَصًّا قال ابن بَرْهَانٍ وَلَعَلَّهُ لَمَحَ فيه الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ فإن النَّصَّ لُغَةً هو الظُّهُورُ وَمِنْهُ الْمِنَصَّةُ وَالنَّصُّ عِنْدَهُ يَنْقَسِمُ إلَى ما يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ وَهَذَا مُرَادِفٌ لِلظَّاهِرِ وَإِلَى ما لَا يَقْبَلُهُ وهو النَّصُّ الصَّحِيحُ مَسْأَلَةٌ الظَّاهِرُ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ الظَّاهِرُ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ بِدَلِيلِ إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ على الْعَمَلِ بِظَوَاهِر الْأَلْفَاظِ وهو ضَرُورِيٌّ في الشَّرْعِ كَالْعَمَلِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ وَإِلَّا لَتَعَطَّلَتْ غَالِبُ الْأَحْكَامِ فإن النُّصُوصَ مُعْوِزَةٌ جِدًّا كما أَنَّ الْأَخْبَارَ الْمُتَوَاتِرَةَ قَلِيلَةٌ جِدًّا
- مَسْأَلَةٌ وهو قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا الْأَلْفَاظُ الْمُسْتَعَارَةُ وَهِيَ الْمَقُولَةُ أَوَّلًا على شَيْءٍ ثُمَّ اُسْتُعِيرَتْ لِغَيْرِهِ لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُمَا كَاسْتِعَارَتِهِمْ أَعْضَاءَ الْحَيَوَانِ لِغَيْرِ الْحَيَوَانِ قالوا رَأْسُ الْمَالِ وَوَجْهُ النَّهَارِ وَحَاجِبُ الشَّمْسِ وَعَيْنُ الْمَاءِ وَكَبِدُ السَّمَاءِ فَهَذَا الْقِسْمُ إذَا وَرَدَ في الشَّرْعِ حُمِلَ على ظَاهِرِهِ وهو الْحَقِيقَةُ حتى يَدُلَّ دَلِيلٌ على أَنَّهُ لِغَيْرِهَا وهو الْمَجَازُ لِأَنَّ الْمَجَازَ فيها لم يَغْلِبْ اسْتِعْمَالُهُ فَإِنْ غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ حتى صَارَ اسْمًا عُرْفِيًّا بِالْمَعْنَى الثَّانِي كَقَوْلِهِمْ الْغَائِطُ لِلْمُطْمَئِنِّ من الْأَرْضِ كان حَمْلُهُ على الْمَجَازِ هو الظَّاهِرُ حتى يَدُلَّ الدَّلِيلُ على الْحَقِيقَةِ وقد يَتَطَرَّقُ إلَى هذا الْقِسْمِ الْإِجْمَالُ فَإِنْ تَسَاوَى الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ في كَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ فإن الْمُرَادَ هَاهُنَا الْعَدْلُ وهو مُحْتَمِلٌ لِذَلِكَ احْتِمَالًا يُسَاوِي الْحَقِيقَةَ فَيُلْحَقُ بِالْمُجْمَلِ وَالثَّانِي من أَقْسَامِ الظَّاهِرِ هِيَ أَلْفَاظُ الْعُمُومِ فَإِنَّهَا ظَاهِرَةٌ في الِاسْتِغْرَاقِ مُحْتَمِلَةٌ لِلتَّخْصِيصِ على ما سَبَقَ هُنَاكَ وَأَمَّا التَّأْوِيلُ فَهُوَ لُغَةً الْمَرْجِعُ من آلَ إلَيْهِ الْأَمْرُ أَيْ رَجَعَ وقال النَّضْرُ بن شُمَيْلٍ مَأْخُوذٌ من الْإِيَالَةِ وَهِيَ السِّيَاسَةُ يُقَالُ فُلَانٌ آيِلٌ عَلَيْنَا أَيْ سَائِسُنَا فَكَانَ الْمُؤَوَّلُ بِالتَّأْوِيلِ كَالْمُتَحَكِّمِ السَّائِسِ على الْكَلَامِ الْمُتَصَرِّفِ فيه وقال ابن فَارِسٍ في فِقْهِ الْعَرَبِيَّةِ التَّأْوِيلُ آخِرُ الْأَمْرِ وَعَاقِبَتُهُ يُقَالُ مَآلُ هذا الْأَمْرِ أَيْ مَصِيرُهُ قال تَعَالَى وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ أَيْ لَا يَعْلَمُ الْآجَالَ وَالْمُدَدَ إلَّا اللَّهُ وَاشْتِقَاقُ الْكَلِمَةِ من الْآلِ وهو الْعَاقِبَةُ وَالْمَصِيرُ وَاصْطِلَاحًا صَرْفُ الْكَلَامِ عن ظَاهِرِهِ إلَى مَعْنًى يَحْتَمِلُهُ ثُمَّ إنْ حُمِلَ لِدَلِيلٍ فَصَحِيحٌ وَحِينَئِذٍ فَيَصِيرُ الْمَرْجُوحُ في نَفْسِهِ رَاجِحًا لِلدَّلِيلِ أو لِمَا يُظَنُّ دَلِيلًا فَفَاسِدٌ أو لَا لِشَيْءٍ فَلَعِبٌ لَا تَأْوِيلٌ فَإِذَنْ التَّأْوِيلُ صَرْفُ اللَّفْظِ إلَى غَيْرِهِ لَا نَفْسِ الِاحْتِمَالِ وقال الْغَزَالِيُّ وَالرَّازِيَّ هو احْتِمَالٌ يُعَضِّدُهُ دَلِيلٌ يَصِيرُ بِهِ أَغْلَبَ على الظَّنِّ من الظَّاهِرِ وهو غَيْرُ جَامِعٍ لِأَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ الْفَاسِدَ وَالْيَقِينِيَّ ثُمَّ إنَّهُ جَعَلَهُ عِبَارَةً عن نَفْسِ الِاحْتِمَالِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَلَا يَتَطَرَّقُ التَّأْوِيلُ إلَى النَّصِّ وَالْمُجْمَلِ ثُمَّ ليس كُلُّ احْتِمَالٍ يُعَضِّدُهُ دَلِيلٌ فَهُوَ تَأْوِيلٌ صَحِيحٌ مَقْبُولٌ بَلْ يَخْتَلِفُ ذلك بِاخْتِلَافِ ظُهُورِ الْمُؤَوَّلِ
- فَإِنْ كانت دَلَالَةُ الْمُؤَوَّلِ عليه من الْخَارِجِيِّ تَزِيدُ على دَلَالَتِهِ على ما هو ظَاهِرٌ فيه قُبِلَ وَإِلَّا فَلَا وقال الْعَبْدَرِيّ هذا التَّعْرِيفُ إنَّمَا يَصِحُّ لو كان لَا يَتَأَوَّلُ إلَّا الْعُمُومُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَهُوَ غَيْرُ مُنْعَكِسٍ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ عنه ما هو منه فإن من التَّأْوِيلِ ما هو صَرْفُ اللَّفْظِ عن حَقِيقَةٍ إلَى حَقِيقَةٍ كَاللَّفْظِ الْعُرْفِيِّ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ تَصْرِفُهُ عن الْعُرْفِ وهو حَقِيقَةٌ منه إلَى الْوَضْعِ الْأَوَّلِ وهو حَقِيقَةٌ فيه قال الشَّيْخُ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ اعْلَمْ أَنَّ التَّأْوِيلَ صَرْفُ اللَّفْظِ عن ظَاهِرِهِ وكان الْأَصْلُ حَمْلُهُ على ظَاهِرِهِ فَالْوَاجِبُ أَنْ يُعَضَّدَ التَّأْوِيلُ بِدَلِيلٍ من خَارِجٍ لِئَلَّا يَكُونَ تَرْكًا لِلظَّاهِرِ من غَيْرِ مُعَارِضٍ وقد جَعَلُوا الضَّابِطَ فيه مُقَابَلَةَ الظَّاهِرِ بِالتَّأْوِيلِ وَعَاضِدِهِ وَتَقْدِيمِ الْأَرْجَحِ في الظَّنِّ فَإِنْ اسْتَوَيَا فَقَدْ قِيلَ بِالْوَقْفِ وَإِنْ كان ما يَدَّعِي تَأْوِيلًا لَا يَنْقَدِحُ احْتِمَالُهُ فَهُوَ بَاطِلٌ وَاعْلَمْ أَنَّ تَقْدِيمَ أَرْجَحِ الظَّنَّيْنِ عِنْدَ التَّقَابُلِ هو الصَّوَابُ غير أَنَّا نَرَاهُمْ إذَا انْصَرَفُوا إلَى الظَّنِّ تَمَسَّكَ بَعْضُهُمْ بهذا الْقَانُونِ وَمِنْ أَسْبَابِهِ اشْتِبَاهُ الْمَيْلِ الْحَاصِلِ بِسَبَبِ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ بِالْمَيْلِ الْحَاصِلِ من الْإِلْفِ وَالْعَادَةِ وَالْعَصَبِيَّةِ فإن هذه الْأُمُورَ تُحْدِثُ لِلنَّفْسِ هَيْئَةً وَمَلَكَةً تَقْتَضِي الرُّجْحَانَ في النَّفْسِ بِجَانِبِهَا بِحَيْثُ لَا يَشْعُرُ النَّاظِرُ بِذَلِكَ وَيَتَوَهَّمُ أَنَّهُ رُجْحَانُ الدَّلِيلِ وَهَذَا مَحَلُّ خَوْفٍ شَدِيدٍ وَخَطَرٍ عَظِيمٍ يَجِبُ على الْمُتَّقِي اللَّهَ أَنْ يَصْرِفَ نَظَرَهُ إلَيْهِ وَيَقِفَ فِكْرُهُ عليه وقال في شَرْحِ الْعُنْوَانِ يَجِبُ إجْرَاءُ اللَّفْظِ على ظَاهِرِهِ دُونَ مَآلِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ يَدُلُّ على الْخِلَافِ الظَّاهِرِ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ الظَّنُّ الْمُسْتَفَادُ من ذلك الدَّلِيلِ على التَّأْوِيلِ الْمَرْجُوحِ أَقْوَى من الظَّاهِرِ وهو تَصَرُّفٌ حَسَنٌ لو مَشَى عليه في آحَادِ الْمَسَائِلِ حَيْثُ يَقَعُ الْمُتَصَرِّفُ فيها لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الْعَمَلَ بِأَقْوَى الظَّنَّيْنِ وَاجِبٌ وَكَلَّمَا كان أَبْعَدَ احْتَاجَ إلَى دَلِيلٍ أَقْوَى لِمَا ذَكَرْنَا وَاسْتَثْنَى منه الظَّوَاهِرَ الْمُقْتَضِيَةَ لِخِلَافِ ما دَلَّ الْقَوَاطِعُ الْعَقْلِيَّةُ عليه وَقِيلَ لَا فَرْقَ بين الْبَعِيدِ من التَّأْوِيلِ وَالْقَرِيبِ وهو رَاجِعٌ إلَى تَرْجِيحِ الْأَقْوَى لِأَنَّ الْقَاطِعَ لَا يُمْكِنُ صَرْفُهُ عن مَدْلُولِهِ بِخِلَافِ الظَّاهِرِ قُلْت وَكَلَامُ صَاحِبِ الْمُقْتَرَحِ من الْجَدَلِيِّينَ مُصَرِّحٌ بِأَنَّ دَلِيلَ التَّأْوِيلِ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا وهو مُخَالِفٌ لِكَلَامِ الْجُمْهُورِ وَحَمَلَهُ بَعْضُ شَارِحِيهِ على أَنَّ دَلِيلَ التَّأْوِيلِ إنْ كان رَاجِحًا تَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ وَإِنْ كان مُسَاوِيًا كان ذلك مُعَارَضَةً وَكِلَاهُمَا يُزَيِّفُ كَلَامَ الْمُسْتَدِلِّ وَيَمْنَعُهُ من الْعَمَلِ بِدَلِيلِهِ قال وَعَلَى هذا فَيُوَافِقُ كَلَامَ الْأُصُولِيِّينَ وَرَجَعَ الْخِلَافُ إلَى اللَّفْظِ
- فَصْلٌ فِيمَا يَدْخُلُهُ التَّأْوِيلُ وهو يَجْرِي في شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا الْفُرُوعُ وهو مَحَلُّ وِفَاقٍ وَالثَّانِي الْأُصُولُ كَالْعَقَائِدِ وَأُصُولِ الدِّيَانَاتِ وَصِفَاتِ الْبَارِي الْمُوهِمَةِ وقد اخْتَلَفُوا فيه على ثَلَاثِهِ مَذَاهِبَ أَحَدُهَا أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلتَّأْوِيلِ فيها بَلْ تَجْرِي على ظَاهِرِهَا وَلَا يُؤَوَّلُ شَيْءٌ منها وَهُمْ الْمُشَبِّهَةُ وَالثَّانِي أَنَّ لها تَأْوِيلًا وَلَكِنَّا نُمْسِك عنه مع تَنْزِيهِ اعْتِقَادِنَا عن التَّشْبِيهِ وَالتَّعْطِيلِ لِقَوْلِهِ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ قال ابن بَرْهَانٍ وَهَذَا قَوْلُ السَّلَفِ وَالثَّالِثُ أنها مُؤَوَّلَةٌ وَأَوَّلُوهَا قال وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ وَالْآخَرَانِ مَنْقُولَانِ عن الصَّحَابَةِ فَنُقِلَ الْإِمْسَاكُ عن أُمِّ سَلَمَةَ رضي اللَّهُ عنها لِأَنَّهَا سُئِلَتْ عن الِاسْتِوَاءِ فقالت الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِب وَالسُّؤَالُ عنه بِدْعَةٌ وَكَذَلِكَ سُئِلَ عنه مَالِكٌ فَأَجَابَ بِمَا قالت أُمُّ سَلَمَةَ إلَّا أَنَّهُ زَادَ فيه أَنَّ من عَادَ إلَى هذا السُّؤَالِ أَضْرِبُ عُنُقَهُ وَكَذَلِكَ سُئِلَ عنه سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فقال أَفْهَمُ من قَوْلِهِ الرَّحْمَنُ على الْعَرْشِ اسْتَوَى ما أَفْهَمُ من قَوْلِهِ ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ وَنُقِلَ التَّأْوِيلُ عن عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمْ وقال وهو الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ بين الْفَرِيقَيْنِ أَنَّهُ هل يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ في الْقُرْآنِ شَيْءٌ لَا يُعْلَمُ مَعْنَاهُ فَعِنْدَهُمْ يَجُوزُ وَلِهَذَا مَنَعُوا التَّأْوِيلَ وَاعْتَقَدُوا فيه التَّنْزِيهَ على ما يَعْلَمُ اللَّهُ وَعِنْدَنَا لَا يَجُوزُ ذلك بَلْ الرَّاسِخُونَ يَعْلَمُونَهُ وَعَلَيْهِ انْبَنَى الْخِلَافُ السَّابِقُ في الْوَقْفِ على وَالرَّاسِخُونَ وَنَقَلَ في الْوَجِيزِ قَوْلًا بِتَأْوِيلِ الْوَارِدِ في الْقُرْآنِ دُونَ السُّنَّةِ قال وَالْأَكْثَرُونَ على أَنَّهُ لَا فَرْقَ قال وَذَهَبَ كَثِيرٌ من السَّلَفِ إلَى تَنَكُّبِ تَأْوِيلِ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ مع اعْتِقَادِ نَفْيِ التَّشْبِيهِ وَزَعَمُوا أَنَّ الْإِقْدَامَ على التَّأْوِيلِ
- خَطَأٌ من غَيْرِ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ دَلِيلٌ قَاطِعٌ يَدُلُّ عليه وقال الشَّيْخُ أبو عَمْرِو بن الصَّلَاحِ الناس في هذه الْأَشْيَاءِ الْمُوهِمَةِ لِلْجِهَةِ وَنَحْوِهَا فِرَقٌ ثَلَاثَةٌ فَفِرْقَةٌ تُؤَوِّلُ وَفِرْقَةٌ تُشَبِّهُ وَثَالِثَةٌ تَرَى أَنَّهُ لم يُطْلِقْ الشَّارِعُ مِثْلَ هذه اللَّفْظَةِ إلَّا وَإِطْلَاقُهُ سَائِغٌ وَحَسَنٌ فَنَقُولُهَا مُطْلَقَةً كما قالوا مع التَّصْرِيحِ بِالتَّقْدِيسِ وَالتَّنْزِيهِ وَالتَّبَرِّي من التَّحْدِيدِ وَالتَّشْبِيهِ وَلَا نُهِمُّ بِشَأْنِهَا ذِكْرًا وَلَا فِكْرًا بَلْ نَكِلُ عِلْمَهَا إلَى من أَحَاطَ بها وَبِكُلِّ شَيْءٍ خَبَرًا وَعَلَى هذه الطَّرِيقَةِ مَضَى صَدْرُ الْأُمَّةِ وِسَادَتُهَا وَإِيَّاهَا اخْتَارَ أَئِمَّةُ الْفُقَهَاءِ وَقَادَتُهَا وَإِلَيْهَا دَعَا أَئِمَّةُ الحديث وَأَعْلَامُهُ وَلَا أَحَدَ من الْمُتَكَلِّمِينَ يَصْدِفُ عنها وَيَأْبَاهَا وَأَفْصَحَ الْغَزَالِيُّ عَنْهُمْ في غَيْرِ مَوْضِعٍ بِتَهْجِيرِ ما سِوَاهَا حتى أَلْجَمَ آخِرًا في إلْجَامِهِ كُلَّ عَالِمٍ وَعَامِّيٍّ عَمَّا عَدَاهَا قال وهو كِتَابُ إلْجَامِ الْعَوَامّ عن عِلْمِ الْكَلَامِ وهو آخِرُ تَصَانِيفِ الْغَزَالِيِّ مُطْلَقًا أو آخِرُ تَصَانِيفِهِ في أُصُولِ الدِّينِ حَثَّ فيه على مَذْهَبِ السَّلَفِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ ا هـ وقال الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ في بَعْضِ فَتَاوِيهِ طَرِيقَةُ التَّأْوِيلِ بِشَرْطِهِ أَقْرَبُهُمَا إلَى الْحَقِّ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا خَاطَبَ الْعَرَبَ بِمَا يَعْرِفُونَهُ وقد نَصَبَ الْأَدِلَّةَ على مُرَادِهِ من آيَاتِ كِتَابِهِ لِأَنَّهُ قال ثُمَّ إنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ وقال لِرَسُولِهِ لِتُبَيِّنَّ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ وَهَذَا عَامٌّ في جَمِيعِ آيَاتِ الْقُرْآنِ فَمَنْ وَقَفَ على الدَّلِيلِ فَقَدْ أَفْهَمَهُ اللَّهُ مُرَادَهُ من كِتَابِهِ وهو أَكْمَلُ مِمَّنْ لم يَقِفْ على ذلك إذْ لَا يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَاَلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ وقال صَاحِبُهُ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ وَنَقُولُ في الْأَلْفَاظِ الْمُشْكِلَةِ إنَّهَا حَقٌّ وَصِدْقٌ على الْوَجْهِ الذي أَرَادَهُ وَمَنْ أَوَّلَ شيئا منها فَإِنْ كان تَأْوِيلُهُ قَرِيبًا على ما يَقْتَضِيهِ لِسَانُ الْعَرَبِ وَتَفْهَمُهُ في مُخَاطَبَاتِهَا لم نُنْكِرْ عليه ولم نُبَدِّعْهُ وَإِنْ كان تَأْوِيلُهُ بَعِيدًا تَوَقَّفْنَا عنه اسْتَبْعَدْنَاهُ وَرَجَعْنَا إلَى الْقَاعِدَةِ في الْإِيمَانِ بِمَعْنَاهُ مع التَّنْزِيهِ قُلْت وَحَيْثُ سَاعَدَ التَّأْوِيلُ لُغَةَ الْعَرَبِ فَلَا يُقْطَعُ بِأَنَّهُ هو الْمُرَادُ فَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ بَلْ نَقُولُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ كَذَا وقد يَتَرَجَّحُ ذلك بِالْقَرَائِنِ الْمُحْتَفَّةِ بِاللَّفْظِ نَبَّهَ عليه بَعْضُ الْمَشَايِخِ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ مَذْهَبُ السَّلَفِ أَسْلَمُ وَمَذْهَبُ الْخَلَفِ أَعْلَمُ فَقَدْ يَتَبَادَرُ الذِّهْنُ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَقْوَى في الْعِلْمِ وَإِنَّمَا الْمُرَاد أَنَّهُ أَحْوَجُ إلَى مَزِيدٍ من الْعِلْمِ وَاتِّسَاعٍ فيه لِأَجْلِ أَبْوَابِ التَّأْوِيلِ وَإِنَّمَا كانت طَرِيقَةُ السَّلَفِ أَسْلَمَ لِأَنَّهُمْ لم يَخُوضُوا فيه وَالْخَلَفُ خَاضُوا فيه وَأَوَّلُوهَا على ما يَلِيقُ بِجَلَالِهِ مع جَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ غير ما أَوَّلُوهُ مِمَّا يَلِيقُ أَيْضًا بِهِ هَاهُنَا مِثْلُ طَرِيقَةِ السَّلَفِ أَسْلَمُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ طَرِيقَةُ
- الْخَلَفِ لَمَّا كان فيها دَفْعُ إيهَامِ من يَتَوَهَّمُ حَمْلًا لَا يَلِيقُ كانت أَعْلَمَ من تِلْكَ وَرَجَّحَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا طَرِيقَةَ الْخَلَفِ من جِهَةِ أَنَّ السَّلَفَ خَاضُوا أَيْضًا في بَعْضٍ وَقَالُوا إنَّا قَاطِعُونَ بِأَنَّ الظَّاهِرَ الذي لَا يَلِيقُ غَيْرُ مُرَادٍ فَتَرْكُ الْحَمْلِ على ما يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا مَسْكُوتٌ عن التَّأْوِيلِ مع الْخَوْضِ في بَعْضِهِ وَنَبْذُ إيهَامِ من لَا يَرْتَقِي إلَى دَرَجَةِ الْفَهْمِ عَنْهُمْ إلَى أَنَّهُمْ إنَّمَا تَرَكُوا ذلك لِاعْتِقَادِهِمْ أنها لِأَمْرٍ زَائِدٍ على ما قَامَتْ الدَّلَالَةُ الْقَاطِعَةُ على إثْبَاتِهِ له تَعَالَى من الصِّفَاتِ اللَّائِقَةِ وفي ذلك مَحْذُورٌ فَطَرِيقَةُ الْخَلَفِ أَعْلَمُ وَأَسْلَمُ قال الْغَزَالِيُّ في كِتَابِ التَّفْرِقَةِ بين الْإِسْلَامِ وَالزَّنْدَقَةِ سَمِعْت الثِّقَاتِ من أَئِمَّةِ الْحَنَابِلَةِ يَقُولُونَ أَحْمَدُ بن حَنْبَلٍ صَرَّحَ بِتَأْوِيلِ ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ أَحَدُهَا قَوْلُهُ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ يَمِينُ اللَّهِ في الْأَرْضِ وَالثَّانِي قَوْلُهُ عليه السَّلَامُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ بين أُصْبُعَيْنِ من أَصَابِعِ الرحمن وَالثَّالِثُ قَوْلُهُ إنِّي لَأَجِدُ رِيحَ نَفَسِ الرحمن من قِبَلِ الْيَمَنِ وَنَقَلَ الرَّازِيَّ عن الْغَزَالِيِّ في كِتَابِ تَأْسِيسِ التَّقْدِيسِ بَدَلَ الحديث الثَّانِي أنا جَلِيسُ من ذَكَرَنِي وَاَلَّذِي رَأَيْته في كِتَابِ الْغَزَالِيِّ ما ذَكَرْنَاهُ قال الْغَزَالِيُّ فَانْظُرْ كَيْفَ أَوَّلَ أَحْمَدُ لِقِيَامِ الْبُرْهَان عِنْدَهُ على اسْتِحَالَةِ ظَاهِرِهِ مع أَنَّهُ أَبْعَدُ الناس عن التَّأْوِيلِ فيقول الْيَمِينُ تُقَبَّلُ في الْعَادَةِ تَقَرُّبًا إلَى صَاحِبِهَا وَالْحَجَرُ الْأَسْوَدُ يُقَبَّلُ تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ مِثْلُ الْيَمِينِ لَا في ذَاتِهِ وَلَا في صِفَةٍ من صِفَاتِهِ وَلَكِنْ في عَارِضٍ من عَوَارِضِهِ فَسُمِّيَ يَمِينًا وَكَذَلِكَ لَمَّا اسْتَحَالَ وُجُودُ الْأُصْبُعَيْنِ فيه حِسًّا إذْ من فَتَّشَ عن صَدْرِهِ لم يُشَاهِدْ فيه أُصْبُعَيْنِ فَأَوَّلَهُ على ما بِهِ تَيَسُّرُ
- تَغْلِيبِ الْأَشْيَاءِ وَقَلْبُ الْإِنْسَانِ بين لَمَّةِ الْمَلَكِ وَلَمَّةِ الشَّيْطَانِ وَبِهِمَا يُقَلِّبُ اللَّهُ الْقُلُوبَ فَكَنَّى بِالْأُصْبُعَيْنِ عنهما قال وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ أَحْمَدُ على تَأْوِيلِ هذه الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّهُ لم يَظْهَرْ عِنْدَهُ الِاسْتِحَالَةُ إلَّا في هذا الْقَدْرِ لِأَنَّهُ لم يَسْتَغْرِقْ الْبَحْثَ عن حَقَائِقَ غَيْرِهَا وَغَيْرُهُ كَالْأَشْعَرِيِّ وَالْمُعْتَزِلِيِّ بَحَثَهَا وَتَجَاوَزَا فَأَوَّلَا كَثِيرًا لِقِيَامِ ما اسْتَحَالَ كَثِيرًا وَأَنْكَرَ ابن تَيْمِيَّةَ هذا على الْغَزَالِيِّ قال إنَّهُ لَا يَصِحُّ عن أَحْمَدَ قُلْت وَنَقْلُ الثِّقَةِ لَا يَنْدَفِعُ وقد نَقَلَ ابن الْجَوْزِيِّ في كِتَابِ مِنْهَاجِ الْوُصُولِ عن أَحْمَدَ أَنَّهُ قال في قَوْله تَعَالَى وَجَاءَ رَبُّكَ أَيْ أَمْرُ رَبِّك
- فَصْلٌ في شُرُوطِ التَّأْوِيلِ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِوَضْعِ اللُّغَةِ أو عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ أو عَادَةِ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَكُلُّ تَأْوِيلٍ خَرَجَ عن هذه الثَّلَاثَةِ فَبَاطِلٌ وقد فَتَحَ الشَّافِعِيُّ الْبَابَ في التَّأْوِيلِ فقال الْكَلَامُ قد يُحْمَلُ في غَيْرِ مَقْصُودِهِ وَيُفْصَلُ في مَقْصُودِهِ وقد اخْتَلَفَتْ الْآرَاءُ في التَّأْوِيلِ وَمَدَارُهُمْ على هذا الْأَصْلِ فَيُضَعَّفُ التَّأْوِيلُ لِقُوَّةِ ظُهُورِ اللَّفْظِ أو لِضَعْفِ دَلِيلِهِ أو لَهُمَا وَمِنْ الثَّانِي مَنْعُ عُمُومِ قَوْلِهِ فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ وَفِيمَا سُقِيَ بِنَضْحٍ أو دَالِيَةٍ نِصْفُهُ حتى لَا يَتَمَسَّكَ بِهِ في وُجُوبِ الزَّكَاةِ في الْخَضْرَاوَاتِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ منه الْفَصْلُ بين وَاجِبِ الْعُشْرِ وَنِصْفِهِ وَكَاسْتِدْلَالِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا في قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ على الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا وَالْحَنَفِيَّةُ قالوا هذا مُفَصَّلٌ في أَحْكَامِ الْآخِرَةِ مُجْمَلٌ في أَحْكَامِ الدُّنْيَا وفي زَكَاةِ الْحُلِيِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَالْحَنَفِيَّةُ قالوا هذا مُفَصَّلٌ في تَحْرِيمِ الْكَنْزِ مُجْمَلٌ في غَيْرِهِ وَمِنْ الْأَوَّلِ حَمَلَ بَعْضُهُمْ الِاسْتِجْمَارَ في قَوْلِهِ من اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ على اسْتِعْمَالِهِ الْبَخُورَ لِلتَّطَيُّبِ فإنه يُقَالُ فيه تَجَمَّرَ وَاسْتَجْمَرَ وَاللَّفْظُ قَوِيٌّ ظَاهِرٌ في الِاسْتِنْجَاءِ وَعَلَيْهِ فَهْمُ الناس وَمِنْهُ حَمَلَ بَعْضُهُمْ الْجُلُوسَ في قَوْلِهِ نهى عن الْجُلُوسِ على الْقَبْرِ على الِاسْتِنْجَاءِ عليه وَاللَّفْظُ ظَاهِرٌ في الْمُرَادِفِ لِلْقُعُودِ وَمِنْهُ حَمْلُ الظَّاهِرِيَّةِ حَدِيثَ لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ على بَيْضَةِ
- الْحَدِيدِ وهو بَعِيدٌ لِأَنَّ سِيَاقَ الحديث يَقْتَضِي خِلَافَهُ وَمِنْهُ حَمَلَ بَعْضُهُمْ حَدِيثَ أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ أَيْ دَخَلَا بِذَلِكَ في فِطْرَتِي وَسُنَّتِي لِأَنَّ الْحِجَامَةَ مِمَّا أَمَرَ بِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَاسْتَعْمَلَهُ حَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ تِلْمِيذُ الْبَغَوِيّ عن بَعْضِ مَشَايِخِ نَيْسَابُورَ وَقَسَّمَ شَارِحُ اللُّمَعِ تَأْوِيلَ الظَّاهِرِ إلَى ثَلَاثِهِ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا تَأْوِيلُهُ على مَعْنًى يُسْتَعْمَلُ في ذلك كَثِيرًا فَهَذَا يُحْتَاجُ فيه إلَى إقَامَةِ الدَّلِيلِ في مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وهو أَنَّ الْمُرَادَ بِاللَّفْظِ ما حُمِلَ عليه كَحَمْلِ الْأَمْرِ في قَوْله تَعَالَى وَآتُوهُمْ من مَالِ اللَّهِ على الْوُجُوبِ وَحَمْلُهُ على النَّدْبِ بِدَلِيلٍ جَائِزٍ لِاسْتِعْمَالِ الْأَمْرِ مُرَادًا بِهِ النَّدْبُ كَثِيرًا فَيُحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ في أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ النَّدْبُ وَالثَّانِي تَأْوِيلُهُ على مَعْنًى لَا يُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا فَهَذَا يُحْتَاجُ فيه إلَى أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا بَيَانُ قَبُولِ اللَّفْظِ لِهَذَا التَّأْوِيلِ في اللُّغَةِ وَالثَّانِي إقَامَةُ الدَّلِيلِ على أَنَّ اللَّفْظَ هُنَا يَقْتَضِيهِ وَالثَّالِثُ حَمْلُ اللَّفْظِ على مَعْنًى لَا يُسْتَعْمَلُ أَصْلًا فَلَا يَصِحُّ إلَّا أَنْ يَكُونَ دَلِيلُ التَّأْوِيلِ أَقْوَى من دَلِيلِ كَقَوْلِهِ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ فإنه يَقْتَضِي الطَّلَاقَ في حَالِ وَقْتِ الْعِدَّةِ وهو زَمَانُ الطُّهْرِ فَلَوْ قِيلَ الْمُرَادُ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ قال وَهَلْ يَجُوزُ التَّأْوِيلُ بِالْقِيَاسِ فيه ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ذَكَرَهَا في الْإِرْشَادِ أَحَدُهَا الْمَنْعُ وَالثَّانِي وهو الصَّحِيحُ الْجَوَازُ لِأَنَّ ما جَازَ التَّخْصِيصُ بِهِ جَازَ التَّأْوِيلُ بِهِ
- كَأَخْبَارِ الْآحَادِ وَالثَّالِثُ بِالْجَلِيِّ دُونَ الْخَفِيِّ وقد جَرَتْ عَادَةُ الْأُصُولِيِّينَ بِذِكْرِ ضُرُوبٍ من التَّأْوِيلَاتِ هَاهُنَا كَالرِّيَاضَةِ لِلْأَفْهَامِ لِيَتَمَيَّزَ الصَّحِيحُ منها عن الْفَاسِدِ حتى يُقَاسَ عليها وَيَتَمَرَّنَ النَّاظِرُ فيها وقد أَوَّلَ الْحَنَفِيَّةُ أَشْيَاءَ بَعِيدَةً حَكَمَ أَصْحَابُنَا بِبُطْلَانِهَا فَمِنْهَا تَأْوِيلُهُمْ قَوْلُهُ عليه السَّلَامُ لِغَيْلَانَ بن سَلَمَةَ الثَّقَفِيِّ وقد أَسْلَمَ على عَشْرِ نِسْوَةٍ أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ بِثَلَاثِ تَأْوِيلَاتٍ أَحَدُهَا أَيْ ابْتَدِئْ الْعَقْدَ إطْلَاقًا لِاسْمِ الْمُسَبَّبِ على السَّبَبِ ثَانِيهَا أَمْسِكْ الْأَوَّلَ وَلَعَلَّ النِّكَاحَ وَقَعَ بَعْدُ على التَّفْرِيقِ ثَالِثُهَا لَعَلَّهُ كان قبل حَصْرِ النِّسَاءِ وَقَبْلَ تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بين الْأُخْتَيْنِ فَيَكُونُ الْعَقْدُ على وَفْقِ الشَّرْعِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ فَوَّضَ الْإِمْسَاكَ وَالْفِرَاقَ إلَى الزَّوَاجِ وَلِخُلُوِّهِ عن الْقَرِينَةِ الْمُعَيِّنَةِ له وَالْإِحَالَةُ على الْقِيَاسِ مُمْتَنِعَةٌ لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ السَّائِلِ له بِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ وَلِعَدَمِ فَهْمِهِمْ ذلك منه إذْ لو فَهِمُوا لَجَدَّدُوا الْعَقْدَ وَلَنُقِلَ وَإِنْ نَدَرَ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ إطْلَاقُ الْمُنَكَّرِ وَإِرَادَةُ الْمُعَيَّنِ من غَيْرِ قَرِينَةٍ وَلِأَنَّ حَدِيثَ مَرْوَانَ مُصَرِّحٌ بِنَفْيِهِ وَكَذَلِكَ الثَّالِثُ لِمَا فيه من التَّعْدِيلِ الظَّاهِرِ ثُبُوتُهُ قبل الْإِسْلَامِ وَلِأَنَّهُ لم يُنْقَلْ عن أَحَدٍ من الصَّحَابَةِ أَنَّهُ تَزَوَّجَ بِأَكْثَرَ من أَرْبَعٍ وَلَا جَمَعَ بين أُخْتَيْنِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَامِلَ لِأَبِي حَنِيفَةَ على هذا التَّأْوِيلِ اعْتِقَادُهُ أَنَّ أَنْكِحَةَ الْكُفَّارِ صَحِيحَةٌ لَكِنْ إذَا وَقَعَ الْعَقْدُ على من يَجُوزُ ابْتِدَاءُ الْعَقْدِ عَلَيْهِنَّ وَأَمَّا ما ليس كَذَلِكَ كَالْعَقْدِ على أَكْثَرَ من أَرْبَعٍ أو على من يُمْنَعُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فَلَا يَصِحُّ وَلَا يُقِرُّهُ الْإِسْلَامُ فلما جاء هذا الْحَدِيثُ وَظَاهِرُهُ مُخَالِفٌ لِقَاعِدَةِ مَذْهَبِهِ تَوَسَّعَ في تَأْوِيلِهِ وَعَضَّدَ تَأْوِيلَهُ بِالْقِيَاسِ من أنها أَنْكِحَةٌ طَرَأَ عليها سَبَبٌ مُحَرِّمٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يُفْسَخُ أَصْلُهُ ما لو نَكَحَ امْرَأَةً ثُمَّ تَبَيَّنَ أنها رَضِيعَتُهُ لَكِنَّهُ غَفَلَ عن الْأُمُورِ الْمُوجِبَةِ لِفَسَادِهِ وَهِيَ أَرْبَعٌ أَمَّا الْأَوَّلُ فَقَوْلُهُ أَمْسِكْ ظَاهِرٌ في اسْتِدَامَةِ ما شَرَعَ في تَنَاوُلِهِ حتى لو قِيلَ
- لِمَنْ في يَدِهِ حَبْلٌ أَمْسِكْ طَرَفَك فُهِمَ اسْتِدَامَةُ ما بيده الثَّانِي أَنَّهُ قَابَلَ لَفْظَةَ الْإِمْسَاكِ بِلَفْظَةِ الْمُفَارَقَةِ وَعَلَى ذلك التَّأْوِيلُ تُرْتَقَعُ الْمُقَابَلَةُ لِأَنَّهُ قد قَيَّدَ الْإِمْسَاكَ بِابْتِدَاءِ عَقْدٍ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ مُفَارَقَةِ من يُرِيدُ إمْسَاكَهَا مِنْهُنَّ وَصَارَ كَأَنَّهُ أَمَرَ بِمُفَارَقَةِ الْجَمِيعِ الثَّالِثُ أَنَّهُ فَوَّضَ له الْخِيَرَةَ فِيمَنْ يُمْسِكُ مِنْهُنَّ وَفِيمَنْ يُفَارِقُ مِنْهُنَّ وَعِنْدَهُمْ الْفِرَاقُ وَاقِعٌ وَالنِّكَاحُ لَا يَبْتَدِئُهُ ما لم تُوَافِقْهُ الْمَرْأَةُ عليه فَصَارَ تَخْيِيرُ التَّفْوِيضِ لَغْوًا لَا فَائِدَةَ له فَقَدْ لَا يَرْضَيْنَ أو بَعْضُهُنَّ الرُّجُوعَ إلَيْهِ الرَّابِعُ أَنَّ قَوْلَهُ أَمْسِكْ ظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ وَكَيْفَ يَجِبُ عليه ابْتِدَاءُ عَقْدِ النِّكَاحِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ في الْأَصْلِ وَلَمَّا دَلَّ مَجْمُوعُ هذه الْأَدِلَّةِ على فَسَادِ هذا التَّأْوِيلِ قال الْقَاضِي أبو زَيْدٍ من الْحَنَفِيَّةِ هذا الْحَدِيثُ لَا تَأْوِيلَ فيه وَلَوْ صَحَّ عِنْدِي لَقُلْت بِهِ وقال الْعَبْدَرِيّ الْخِلَافُ بين الْإِمَامَيْنِ في هذه الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا هو مَبْنِيٌّ على الْخِلَافِ في تَعَارُضِ الْقِيَاسِ وَظَاهِرِ الْخَبَرِ وَرَأَى الْأُصُولِيِّينَ فيها أنها مَوْكُولَةٌ إلَى اجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِينَ فَمَنْ رَأَى الْخَبَرَ أَقْوَى عَمِلَ بِهِ وَمَنْ رَأَى الْقِيَاسَ أَقْوَى عَمِلَ بِهِ وَلَيْسَ هذا الرَّأْيُ صَحِيحًا بَلْ الصَّحِيحُ أَنَّ دَلَالَةَ الْمَنْطُوقِ بِهِ أَقْوَى من دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ وَدَلَالَةُ الْمَفْهُومِ أَقْوَى من دَلَالَةِ الْمَعْقُولِ وهو الْقِيَاسُ فَكَمَا يَتَقَدَّمُ الْخَبَرُ الْقِيَاسَ في قُوَّةِ الدَّلَالَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَقَدَّمَ في الْعَمَلِ بِهِ وَلِهَذَا كان الْمُجْتَهِدُ يَطْلُبُ أَوَّلًا الْإِجْمَاعَ فَإِنْ وَجَدَهُ لم يَلْتَفِتْ إلَى غَيْرِهِ وَإِنْ لم يَجِدْهُ طَلَبَ النَّصَّ فَإِنْ لم يَجِدْهُ طَلَبَ الظَّاهِرَ فَإِنْ لم يَجِدْهُ طَلَبَ الْمَفْهُومَ فَإِنْ لم يَجِدْهُ فَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ إلَى الْقِيَاسِ وقال الْهِنْدِيُّ وَلَوْ قِيلَ بِأَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي ذلك لَكِنَّهُ ثَبَتَ جَوَازُ الِاخْتِيَارِ رُخْصَةً وَتَرْغِيبًا في الْإِسْلَامِ وَمِنْهَا حَمْلُهُمْ حَدِيثَ أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَنْكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ على الصَّغِيرَةِ وَرُدَّ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ امْرَأَةً في حُكْمِ اللِّسَانِ كما أَنَّهُ ليس الصَّبِيُّ بَعْلًا وَأَيْضًا فَهَذَا سَاقِطٌ عِنْدَهُمْ فإن الصَّغِيرَةَ لو زُوِّجَتْ انْعَقَدَ النِّكَاحُ عِنْدَهُمْ صَحِيحًا مَوْقُوفًا نَفَاذُهُ على إجَازَةِ الْوَلِيِّ وقد قال صلى اللَّهُ عليه وسلم فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ وَأَكَّدَهُ ثَلَاثًا وَمِنْهُمْ من قال بَاطِلٌ أَيْ يُؤَوَّلُ إلَى الْبُطْلَانِ غَالِبًا لِاعْتِرَاضِ الْوَلِيِّ إجَازَتَهُ لِقُصُورِ نَظَرِهِنَّ وهو بَاطِلٌ لِأَنَّ الْبُطْلَانَ صَرَّحَ بِهِ مُؤَكَّدًا بِالتَّكْرَارِ مُطْلَقًا وَتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِمَا
- يُؤَوَّلُ إلَيْهِ إنَّمَا يَجُوزُ إذَا كان ما يُؤَوَّلُ إلَيْهِ كَائِنًا لَا مَحَالَةَ نَحْوُ إنَّكَ مَيِّتٌ فَفَرُّوا من ذلك وَقَالُوا ذلك مَحْمُولٌ على الْأَمَةِ لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ تَسْمِيَةُ السَّيِّدِ وَلِيًّا فَأَلْزَمُوا بُطْلَانَهُ بِأَنَّ نِكَاحَهَا كما ذَكَرْنَا في الصَّغِيرَةِ وَبِأَنَّهُ عليه السَّلَامُ جَعَلَ لها الْمَهْرَ بِمَا أَصَابَ منها وَمَهْرُ الْأَمَةِ لِمَوْلَاهَا فَفَرُّوا من ذلك وَقَالُوا هو مَحْمُولٌ على الْمُكَاتَبَةِ وَأَرَادُوا التَّخَلُّصَ من الْمَهْرِ فإن الْمُكَاتَبَةَ مُسْتَحِقَّةٌ فَرُدَّ بِنُدُورِ الْمُكَاتَبَةِ وَقِلَّتِهَا في الْوُجُودِ وَالْعُمُومُ ظَاهِرٌ فيه فإن أَيًّا كَلِمَةٌ عَامَّةٌ وَأَكَّدَهَا بِمَا هذا مع أَنَّهُ ذَكَرَهُ ابْتِدَاءً تَمْهِيدًا لِلْقَاعِدَةِ لَا في جَوَابِ سَائِلٍ حتى يَظْهَرَ تَخْصِيصُهُ وَاعْلَمْ أَنَّ هذا الصِّنْفَ من التَّأْوِيلِ مَقْبُولٌ عِنْدَ جَمَاعَةٍ من الْفُقَهَاءِ إذَا عَضَّدَهُ دَلِيلٌ وقال الْقَاضِي إنَّهُ مَرْدُودٌ قَطْعًا وَعَزَاهُ إلَى الشَّافِعِيِّ قَائِلًا إنَّهُ على جَلَالَةِ قَدْرِهِ لم يَكُنْ لِتَخْفَى عليه هذه الْجِهَاتُ لِلتَّأْوِيلَاتِ وقد رَأَى الِاعْتِصَامَ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ رضي اللَّهُ عنها اعْتِصَامُ النَّصِّ وَقَدَّمَهُ على الْأَقْيِسَةِ الْجَلِيَّةِ فَكَانَ ذلك شَاهِدًا عَدْلًا على أَنَّهُ لَا يَرَى التَّعَلُّقَ بِمِثْلِ هذه الْمَسَائِلِ وَذَكَرَ الْقَاضِي ما حَاصِلُهُ أَنَّ النبي عليه السَّلَامُ ذَكَرَ أَعَمَّ الْأَلْفَاظِ إذْ أَدَوَاتُ الشَّرْطِ من أَعَمِّ الصِّيَغِ وَأَعَمُّهَا ما وأي فإذا فُرِضَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا كان مُبَالَغًا في مُحَاوَلَةِ التَّعْمِيمِ أَيْ أَنَّ ما لو تَجَرَّدَتْ وَكَانَتْ شَرْطِيَّةً كانت من صِيَغِ الْعُمُومِ وقد أُتِيَ بها زَائِدَةً لِلتَّأْكِيدِ فَكَانَتْ مُقَوِّيَةً لِمَا تَدُلُّ عليه أَيْ من التَّعْمِيمِ كَذَا فَهِمَهُ الْمَازِرِيُّ ولم يُرِدْ أَنَّ ما الْمُتَّصِلَةُ بِأَيْ شَرْطِيَّةٌ كما فَهِمَ ابن الْأَنْبَارِيِّ ثُمَّ اعْتَرَضَ عليه وقال هذه غَفْلَةٌ عَظِيمَةٌ وَوَافَقَهُ ابن الْمُنِيرِ وَنَسَبَاهُ إلَى إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وهو في كَلَامِ الْقَاضِي وَمَعْنَاهُ ما عَرَفْت وَمِنْهَا حَمْلُهُمْ قَوْله تَعَالَى فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا على حَذْفِ الْمُضَافِ وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إلَيْهِ مُقَامَهُ وَالْمَعْنَى فَإِطْعَامُ طَعَامٍ سِتِّينَ مِسْكِينًا فَجَوَّزُوا صَرْفَ جَمِيعِ الطَّعَامِ إلَى وَاحِدٍ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُ الْحَاجَةِ وَحَاجَةُ السِّتِّينَ كَحَاجَةِ الْوَاحِدِ في سِتِّينَ يَوْمًا فَاسْتَوَيَا في الْحُكْمِ وَهَذَا تَعْطِيلٌ لِلنَّصِّ إذْ جَعَلُوا الْمَعْدُومَ وهو طَعَامٌ مَذْكُورًا لِيَصِحَّ كَوْنُهُ مَفْعُولًا لِإِطْعَامٍ وَالْمَذْكُورُ وهو سِتِّينَ مِسْكِينًا عَدَمًا مع صَلَاحِيَّتِهِ لِكَوْنِهِ مَفْعُولًا لِإِطْعَامٍ مع إمْكَانِ قَصْدِ الْعَدَدِ لِفَضْلِ الْجَمَاعَةِ وَبَرَكَتِهِمْ وَتَضَافُرِ قُلُوبِهِمْ على الدُّعَاءِ
- لِلْمُحْسِنِ وَهَذِهِ مَعَانٍ لَائِحَةٌ لَا تُوجَدُ في الْوَاحِدِ وَأَيْضًا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَنْبَطَ من النَّصِّ مَعْنًى يَعُودُ عليه بِالْإِبْطَالِ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَلِأَنَّ أَطْعَمَ يَتَعَدَّى إلَى مَفْعُولَيْنِ وَالْمُهِمُّ مِنْهُمَا ما ذَكَرَ وَالْمَسْكُوتُ عنه غَيْرُ مُهِمٍّ وقد ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَدَدَ الْمَسَاكِينِ وَسَكَتَ عن ذِكْرِ الطَّعَامِ فَاعْتَبَرُوا الْمَسْكُوتَ عنه وهو الْأَمْدَادُ وَتَرَكُوا الْمَذْكُورَ وهو الْأَعْدَادُ وهو عَكْسُ الْحَقِّ أَمَّا الْمَازِرِيُّ فَانْتَصَرَ لِلْحَنَفِيَّةِ بِوَجْهَيْنِ فِقْهِيٌّ وَنَحْوِيٌّ أَمَّا الْفِقْهِيُّ فَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ من مَذْهَبِهِمْ إبْطَالُ النَّصِّ إلَّا لو جَوَّزُوا إعْطَاءَ الْمِسْكِينِ الْوَاحِدِ سِتِّينَ مُدًّا في يَوْمٍ وَاحِدٍ وَهُمْ لَا يَقُولُونَ ذلك بَلْ يُرَاعُونَ صُورَةَ الْعَدَدِ وَيَشْتَرِطُونَ تَكْرِيرَ ذلك على الْمِسْكِينِ الْوَاحِدِ تَكْرِيرَ الْأَيَّامِ فِرَارًا من أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِإِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا ولم يُعَيِّنْ مِسْكِينًا من مِسْكِينٍ وَلَا خِلَافَ في عَدَمِ تَعَيُّنِهِمْ فإذا أَطْعَمَ مِسْكِينًا وَتَكَرَّرَ إطْعَامُهُ بِالْغَدَاةِ وهو بِالْغَدَاةِ مِسْكِينٌ فَكَأَنَّهُ أَطْعَمَ مِسْكِينًا آخَرَ فإذا انْتَهَى التَّكْرَارُ إلَى سِتِّينَ يَوْمًا صَارَ مُطْعِمًا سِتِّينَ مِسْكِينًا لِكَوْنِ هذا الْمِسْكِينِ كُلَّ يَوْمٍ من جُمْلَةِ الْمَسَاكِينِ وَأَمَّا النَّحْوِيُّ فذكر أَنَّ سِيبَوَيْهِ قال إنَّ الْمَصْدَرَ يُقَدَّرُ بِمَا وَأَنَّ فإذا قَدَّرْنَا الْمَصْدَرَ هُنَا وهو الْإِطْعَامُ بِمَعْنَى ما اقْتَضَى ذلك ما قَالَتْهُ الْحَنَفِيَّةُ وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ فَمَنْ لم يَسْتَطِعْ فما يُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَهَذَا التَّقْدِيرُ يُخْرِجُ أَبَا حَنِيفَةَ إلَى الْمَذْهَبِ الذي أَرَادَ وَإِنْ صَدَرَ بِأَنَّ كان التَّقْدِيرُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَهَذَا التَّقْدِيرُ الْأَخِيرُ يُخْرِجُ إلَى ما يُرِيدُ قال وقد زَاحَمْنَا أَبَا الْمَعَالِي فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ من صِنَاعَةِ النَّحْوِ وَذَكَرْنَا لِأَبِي حَنِيفَةَ تَعَلُّقًا منها من وَجْهٍ آخَرَ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْأَوَّلُ فيها وهو سِيبَوَيْهِ ا هـ وَيُقَالُ له أَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ فإن تَعْطِيلَ النَّصِّ حَاصِلٌ بِالِاتِّحَادِ سَوَاءٌ أَعْطَى في سِتِّينَ يَوْمًا أَمْ لَا فَقَدْ عَطَّلُوا من النَّصِّ لَفْظَ السِّتِّينَ وَلِلشَّارِعِ غَرَضٌ صَحِيحٌ في الْعَدَدِ على ما سَبَقَ وَلِأَنَّ في الْكَفَّارَةِ نَوْعُ تَعَبُّدٍ وهو الْعَدَدُ فَالتَّمَسُّكُ بِاللَّفْظِ الْمُحَصِّلِ لِلْمَقْصُودِ من كل وَجْهٍ أَوْلَى وَأَمَّا الثَّانِي فما نَقَلَهُ عن سِيبَوَيْهِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ في كَلَامِهِ وَالْمَنْقُولُ عنه أَنَّ الذي يُقَدَّرُ بِهِ الْمَصْدَرُ الْعَامِلُ أَنَّ الْمُشَدَّدَةُ النَّاصِبَةُ لِضَمِيرِ الشَّأْنِ لَا أَنْ الْمَصْدَرِيَّةُ وما الْمُقَدَّرَةُ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ بِمَنْزِلَةِ أَنْ وَإِنَّمَا يَتَّجِهُ ما قَالَهُ الْمَازِرِيُّ إذَا كانت مَوْصُولَةً لَا بِمَعْنَى الذي فَلَا فَرْقَ بين الْإِطْعَامِ وما يُطْعَمُ وَمِنْ الْحَنَفِيَّةِ من أَنْكَرَ نِسْبَةَ هذا التَّأْوِيلِ لِجُمْهُورِهِمْ وَقَدَّرَهُ إعْطَاءُ طَعَامٍ سِتِّينَ مِسْكِينًا
- وَمِنْهَا حَمْلُهُمْ حَدِيثَ في أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةٌ على حَذْفِ الْمُضَافِ أَيْ قِيمَةُ شَاةٍ فَجَوَّزُوا إخْرَاجَ الْقِيمَةِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُ حَاجَةِ الْفَقِيرِ لِأَنَّ تَخْصِيصَ الشَّاةِ فيها غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى فَيَصِحُّ الْإِبْدَالُ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَهَذَا التَّأْوِيلُ يُؤَدِّي إلَى رَفْعِ النَّصِّ وَبُطْلَانِهِ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ وقال الْغَزَالِيُّ إنَّمَا يَلْزَمُ ذلك أَنْ لو قِيلَ إنَّ الشَّاةَ لَا تُجْزِئُ ولم يَقُلْهُ هو وَلَا غَيْرُهُ وَإِنَّمَا قال إنَّ الْقِيمَةَ نَزَلَتْ مَنْزِلَةَ الشَّاةِ إذَا أُخْرِجَتْ وهو تَوْسِيعٌ لِلْمَخْرَجِ لَا إسْقَاطٌ وَإِنَّمَا النِّزَاعُ مع أبي حَنِيفَةَ في قَوْلِهِ إنَّ مَقْصُودَ الشَّرْعِ سَدُّ الْخَلَّةِ وَنَحْنُ نَقُولُ لَا يَبْعُدُ مع ذلك أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ إعْطَاءَ الْفَقِيرِ من جِنْسِ مَالِ الْغَنِيِّ لِيَنْقَطِعَ تَشَوُّفُ الْفَقِيرِ إلَى ما في يَدِ الْغَنِيِّ وَأَيْضًا فَالْحَدِيثُ ظَاهِرٌ في إيجَابِ تَعَيُّنِهَا وَتَجْوِيزُ الْإِبْدَالِ مُحْوِجٌ إلَى الْإِضْمَارِ وَإِيجَابِ شَيْءٍ آخَرَ غَيْرِ الْمَذْكُورِ خِلَافَ الْأَصْلِ وَمِنْهَا حَمْلُهُمْ حَدِيثَ لَا صِيَامَ لِمَنْ لم يُبَيِّتْ الصِّيَامَ من اللَّيْلِ على صَوْمِ الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ وهو بَعِيدٌ لِأَنَّ النَّكِرَةَ الْمَنْفِيَّةَ من أَدَلِّ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ سِيَّمَا ما وَرَدَ ابْتِدَاءً لِلتَّأْسِيسِ فَحَمْلُهُ على النَّادِرِ مُخْرِجٌ لِلَّفْظِ عن الْفَصَاحَةِ وَتَأْوِيلُ نَفْيِ الْكَمَالِ أَقْرَبُ من هذا كما قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَحَمَلَهُ الطَّحَاوِيُّ على نِيَّةِ صَوْمِ الْغَدِ قبل الْمَغْرِبِ وكان يَلْهَجُ بِهِ وهو أَبْعَدُ من الْأَوَّلِ لِأَنَّ سِيَاقَهُ النَّهْيَ عن تَأْخِيرِ النِّيَّةِ عن اللَّيْلِ وَالْحَثَّ على تَقْدِيمِهَا على الْيَوْمِ الذي يَصُومُ فيه وَهَذَا كَالْفَحْوَى له وهو مُضَادٌّ لِمَا ذَكَرُوهُ وَلِأَنَّ حَمْلَ النَّهْيِ على الْمُعْتَادِ أَوْلَى وَتَقْدِيمُ النِّيَّةِ غَيْرُ مُعْتَادٍ وَحَمْلُهُ على نَفْيِ الْكَمَالِ أَقْرَبُ مِمَّا سَبَقَ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ في الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ فَلَوْ اُسْتُعْمِلَ في غَيْرِهِ لِنَفْيِ الْكَمَالِ وَفِيهِ لِنَفْيِ الصِّحَّةِ لَزِمَ الِاسْتِعْمَالُ لِمَفْهُومَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَمِنْهَا حَمْلُهُمْ قَوْله تَعَالَى وَلِذِي الْقُرْبَى على أَرْبَابِ الْحَاجَاتِ ولم يَشْتَرِطُوا الْقَرَابَةَ فَصَرَفُوا اللَّفْظَ إلَى شَيْءٍ آخَرَ وَاَللَّهُ تَعَالَى عَلَّقَ الِاسْتِحْقَاقَ بِالْقَرَابَةِ ولم يَتَعَرَّضْ لِذِكْرِ الْحَاجَةِ وَهِيَ مُنَاسِبَةٌ مع ذلك فَاشْتَرَطُوا الْحَاجَةَ ولم يَشْتَرِطُوا الْقَرَابَةَ وَهَذَا خِلَافُ ما تَقْتَضِيهِ لَامُ التَّمْلِيكِ وَتَرَتُّبِ الْحُكْمُ على الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ زِيَادَةٌ على النَّصِّ وَهِيَ نَسْخٌ عِنْدَهُمْ لَا يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَكَيْفَ بِالْقِيَاسِ وَكَوْنُهُ مَذْكُورًا مع الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ مع قَرِينَةِ إعْطَاءِ الْمَالِ ليس قَرِينَةً فيه وَإِلَّا
- لَزِمَ النَّقْصُ في حَقِّ الرَّسُولِ لِوُجُودِهَا فيه قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَلَوْ حَتَّمُوا صَرْفَ شَيْءٍ إلَى الْقَرَابَةِ بِشَرْطِ الْحَاجَةِ لَكَانَ قَرِيبًا ا هـ لَكِنَّ مَذْهَبَهُمْ أَنَّ الْخُمُسَ مَقْسُومٌ على ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ وَيُعْطِي ذَوِي الْقُرْبَى من سَهْمِ الْمَسَاكِينِ لِفَقْرِهِمْ فَعَلَى هذا ذِكْرُ الْقَرَابَةِ كَالْمُقْحِمِ الْكَيَاظِمِ وهو تَعْطِيلٌ لِلنَّصِّ فَإِنْ قالوا ذِكْرُ الْقَرَابَةِ لِلتَّنْبِيهِ على أَنَّهُ لَا يَجِبُ مَنْعُهُمْ كما في الصَّدَقَاتِ لَا في وُجُوبِ الصَّرْفِ إلَيْهِمْ قُلْنَا هذا بَعِيدٌ لِمَا فيه من إبْطَالِ دَلَالَةِ اللَّامِ وَوَاوِ الْعَطْفِ الْمُقْتَضِي لِلِاسْتِحْقَاقِ وَفِيهِ عَطْفُ الْعَامِّ على الْخَاصِّ مع تَخَلُّلِ الْفَصْلِ وهو غَيْرُ مَعْهُودٍ في اللُّغَةِ وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ أَنَّ هذا التَّأْوِيلَ عِنْدَهُ من مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ وَلَيْسَ من الْمَقْطُوعِ بِبُطْلَانِهِ وَلَيْسَ فيه إلَّا تَخْصِيصُ عُمُومِ لَفْظِ الْقُرْبَى بِالْمُحْتَاجِينَ منهم كما فَعَلَهُ الشَّافِعِيُّ على أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ في اعْتِبَارِ الْحَاجَةِ مع الْيُتْمِ في سِيَاقِ هذه الْآيَةِ ا هـ وما فَعَلَهُ الشَّافِعِيُّ أَقْرَبُ لِأَنَّ لَفْظَ الْيَتِيمِ مع قَرِينَةِ إعْطَاءِ الْمَالِ يُشْعِرُ بِالْحَاجَةِ فَاعْتِبَارُهَا يَكُونُ اعْتِبَارًا لِمَا دَلَّ عليه لَفْظُ الْآيَةِ فَالْيُتْمُ الْمُجَرَّدُ غَيْرُ صَالِحٍ لِلتَّعْلِيلِ بِخِلَافِ الْقَرَابَةِ فَإِنَّهَا بِمُجَرَّدِهَا مُنَاسِبَةٌ لِلْإِكْرَامِ بِاسْتِحْقَاقِ خُمُسِ الْخُمُسِ وما ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ مَحْمُولٌ على أَنَّهُمْ يُعْطُونَ الْقَرِيبَ بِشَرْطِ الْحَاجَةِ وَلَكِنْ سَبَقَ عَنْهُمْ خِلَافُهُ وَقَوْلُهُ ليس فيه إلَّا تَخْصِيصُ عُمُومِ ذَوِي الْقُرْبَى بِالْمُحْتَاجِينَ قِيلَ عليه كَيْفَ يَصِحُّ ذلك وفي الْآيَةِ ذِكْرُ الْمَسَاكِينِ فَيَلْزَمُ من هذا التَّخْصِيصِ التَّكْرَارُ في الْآيَةِ وَلَا يَلْزَمُ مِثْلُ ذلك في الْيَتَامَى فإن الْيُتْمَ يُفِيدُ الِاحْتِيَاجَ لِلْعَجْزِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ ذِكْرُ الْقَرَابَةِ يُخَصُّ فيه في الْمُحْتَاجِينَ منهم وهو تَوْكِيدُ أَمْرِهِمْ وَمِنْهَا حَمْلُهُمْ حَدِيثَ أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ على أَنْ يُؤَذِّنَ بِصَوْتَيْنِ وَيُقِيمَ بِصَوْتٍ قال ابن السَّمْعَانِيِّ في الِاصْطِلَامِ وَهَذَا ليس بِشَيْءٍ لِأَنَّ في الْخَبَرِ إضَافَةَ الشَّفْعِ وَالْإِيتَارِ إلَى الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ هِيَ الْكَلِمَاتُ لَا الصَّوْتُ الْمَسْمُوعُ فِيهِمَا على أَنَّهُ قال في الْخَبَرِ الْإِقَامَةُ وَعِنْدَهُمْ كما يقول سَائِرُ الْكَلِمَاتِ في الْإِقَامَةِ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ كَذَلِكَ يقول قد قَامَتْ الصَّلَاةُ قد قَامَتْ الصَّلَاةُ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ فَبَطَلَ التَّأْوِيلُ
- مَسْأَلَةٌ قَوْله تَعَالَى إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ الْآيَةَ تَمَسَّكَ بها الشَّافِعِيُّ في قَسْمِ الصَّدَقَاتِ على الثَّمَانِيَةِ الْأَصْنَافِ فإن ظَاهِرَ الْآيَةِ التَّمْلِيكُ وَالْوَاوُ الْعَاطِفَةُ لِلْجَمْعِ وَالتَّشْرِيكِ فَيَجِبُ اشْتِرَاكُ الْجَمِيعِ في مِلْكِ هذا الْمَالِ الذي هو الصَّدَقَةُ وَخَالَفَ مَالِكٌ وَرَأَى أَنَّ اللَّامَ فيها لِلِاسْتِحْقَاقِ وَبَيَانِ الْمَصْرِفِ لَا لِلْمِلْكِ وَالتَّشْرِيكِ فيه لِأَنَّ الْمَقْصُودَ دَفْعُ الْحَاجَةِ بِدَلِيلِ سِيَاقِ الْآيَةِ فإنه سُبْحَانَهُ ذَكَرَ أَوَّلًا من ليس أَهْلَهَا بِقَوْلِهِ وَمِنْهُمْ من يَلْمِزُكَ في الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا منها رَضُوا وَإِنْ لم يُعْطَوْا منها إذَا هُمْ يَسْخَطُونَ فَإِنَّهَا مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّ من لَا يَسْتَحِقُّ الصَّدَقَةَ طَلَبَهَا فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ إنَّمَا الصَّدَقَاتُ الْآيَةَ أَيْ ليس الطَّالِبُ لها مُسْتَحِقًّا وَإِنَّمَا الْمُسْتَحِقُّ لها هذه الْأَصْنَافُ الْمَذْكُورَةُ وَلَا يَلْزَمُ من كَوْنِهِمْ مُسْتَحَقِّينَ أَنْ يَشْتَرِكُوا بَلْ اللَّازِمُ من ذلك أَنْ لَا تَخْرُجَ عَنْهُمْ وَتَوْزِيعُهَا عليهم بِحَسَبِ اجْتِهَادِ الْإِمَامِ فإنه مَأْمُورٌ بِأَخْذِهَا مِمَّنْ وَجَبَتْ عليه وَتَفْرِيقُهَا لِمَنْ يَرَاهُ من الْمُسْتَحَقِّينَ وَدَلَّ عليه قَوْلُهُ عليه السَّلَامُ خُذْ صَدَقَةً من أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ على فُقَرَائِهِمْ ولم يذكر له غير صِنْفٍ قال أَصْحَابُنَا الْمُقْتَصِرُ على الْإِعْطَاءِ لِصِنْفٍ وَاحِدٍ مُعَطِّلٌ لَا مُؤَوِّلٌ وقال الشَّافِعِيُّ ما حَاصِلُهُ ثُمَّ إنَّ الْحَاجَةَ لَيْسَتْ مَرْعِيَّةً في بَعْضِ الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورِينَ كَالْعَامِلِينَ فَإِنَّهُمْ يَأْخُذُونَهَا لَا من جِهَةِ حَاجَتِهِمْ وَكَالْغَارِمِينَ بِسَبَبِ حِمَالَةٍ يَحْمِلُونَهَا لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ فَقَدْ بَطَلَ التَّعْوِيلُ على الْحَاجَةِ وقد نَقَلَ الْغَزَالِيُّ أَنَّ مَنْعَ الشَّافِعِيُّ الْحُكْمَ لِقُصُورٍ الْإِبْيَارِيِّ في شَرْحِ الْبُرْهَانِ وقال اللَّامُ في لِلْفُقَرَاءِ إمَّا أَنْ تَكُونَ لِلتَّمْلِيكِ أو لِلْأَهْلِيَّةِ وَالِانْتِفَاعِ كَالْجَلِّ لِلْفَرَسِ فَإِنْ كان الْمُرَادُ الْمِلْكَ صَحَّ ما قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَإِلَّا فَلَا لِاشْتِرَاكِ الْكُلِّ في الْأَهْلِيَّةِ وَصِحَّةِ التَّصَرُّفِ قال وَهَذَا هو الْمُخْتَارُ فَيَخْرُجُ الْكَلَامُ بهذا التَّقْرِيرِ عن مَرَاتِبِ النُّصُوصِ فَإِمَّا أَنْ نَقُولَ إنَّهُ مُشْتَرَكٌ بين الْجِهَتَيْنِ مُفْتَقِرٌ إلَى الْبَيَانِ في الْحَالَيْنِ فَيَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مُفْتَقِرًا إلَى الدَّلِيلِ أو نُسَلِّمَ ظُهُورَ ما قَالُوهُ فَتَخْرُجَ الْمَسْأَلَةُ عن تَعْطِيلِ النُّصُوصِ
- وَيَكُونَ من التَّأْوِيلَاتِ الْمَقْبُولَةِ التي يَحْتَاجُ من صَارَ إلَيْهَا إلَى دَلِيلٍ يُعَضِّدُهُ وَالْجَوَابُ أَنَّ أَصْلَ اللَّامِ لِلْمِلْكِ وَاَللَّهُ تَعَالَى كما رَاعَى الْحَاجَةَ رَاعَى من يُصْلِحُ ذَاتَ الْبَيْنِ وَمَنْ يَغْرَمُ وَكُلَّ من يَعْمَلُ عَمَلًا يَعُودُ نَفْعُهُ على الْمُسْلِمِينَ غَنِيًّا كان أو فَقِيرًا تَرْغِيبًا في ذلك الْفِعْلِ ثُمَّ تَجْوِيزُ الدَّفْعِ إلَى الْغَارِمِ الْغَنِيِّ يُنَافِي كَوْنَ الْمَقْصُودِ الْحَاجَةَ وَمِنْهَا تَأْوِيلُ مَالِكٍ الِاسْتِجْمَارُ في قَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ على الْبَخُورِ وهو خِلَافُ الظَّاهِرِ من سِيَاقِ الحديث فإنه جَمَعَ كَثِيرًا من أَحْكَامِ الطَّهَارَةِ وَلِهَذَا لَمَّا سَمِعَهُ منه الْأَعْرَابِيُّ اسْتَنْكَرَهُ حَكَى ذلك الْمَازِرِيُّ وَمِنْهَا تَأْوِيلُهُ النَّهْيَ عن الْجُلُوسِ على الْقَبْرِ بِالتَّغَوُّطِ وَالْبَوْلِ عليه وَيُعَضِّدُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ لَأَنْ يَجْلِسَ أحدكم على جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إلَى جَسَدِهِ خَيْرٌ له من أَنْ يَجْلِسَ على قَبْرٍ وَمِنْهَا تَأْوِيلُهُ قَوْلَهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم إنَّ من الْبَيَانِ لَسِحْرًا أَنَّهُ قَصَدَ بِهِ الذَّمَّ وَالْجُمْهُورُ على أَنَّهُ قَصَدَ بِهِ الْمَدْحَ وَسِيَاقُ الحديث يَقْتَضِيهِ وَأَطْلَقَ عليه اسْمَ السِّحْرِ لِأَنَّ مَبْنَى عِلْمِ الْبَيَانِ التَّخْيِيلُ مَسْأَلَةٌ تَأَوَّلَتْ الْحَنَابِلَةُ قَوْلَهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَاقْدُرُوا له على الضِّيقِ أَيْ ضَيَّقُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ بِصَوْمِ رَمَضَانَ بِأَنْ يُجْعَلَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَهَذَا يَرُدُّهُ قَوْلُهُ في الحديث الْآخَرِ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ وَلِهَذَا أَوْرَدَ مَالِكٌ في الْمُوَطَّإِ هذا الحديث عَقِيبَ الْأَوَّلِ لِيُنَبِّهَ على أَنَّهُ كَالْمُفَسِّرِ له وَقَفَا الْبُخَارِيُّ أَثَرَهُ في ذلك وَتَأَوَّلَ ابْنِ سُرَيْجٍ فَاقْدُرُوا له أَيْ مَنَازِلَ الْقَمَرِ خِطَابًا لِلْعَارِفِ بِالنُّجُومِ وَقَوْلُهُ الْعِدَّةُ خِطَابًا لِغَيْرِهِ وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ
- مَسْأَلَةٌ تَأَوَّلَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا حَدِيثَ من مَلَك ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ عَتَقَ على الْأُصُولِ وَالْفُصُولِ خَاصَّةً لِاخْتِصَاصِهِمَا بِأَحْكَامٍ لَا تَعُمُّ جَمِيعَ الرِّقَابِ وَفِيهِ بُعْدٌ لِتَعْطِيلِ لَفْظِ الْعُمُومِ وَلِأَنَّهُ وَرَدَ ابْتِدَاءً لِتَأْسِيسِ قَاعِدَةٍ لَا لِبَيَانِ جَوَابٍ وَسُؤَالٍ حتى يُخَصَّصَ بِهِ وَلِأَنَّهُ سَلَكَ فيه مَسْلَكَ الْحُدُودِ حَيْثُ بَدَأَ بِالْأَعَمِّ وَخَتَمَ بِالْأَخَصِّ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ جَامِعًا فَإِنْ قِيلَ فَهَلْ يُخَصِّصُهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ لَنْ يَجْزِيَ وَلَدٌ عن وَالِدِهِ إلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ قُلْنَا ذِكْرُ بَعْضِ الْأَفْرَادِ لَا يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ فَإِنْ قِيلَ فَهَلَّا قُلْتُمْ بِعُمُومِهِ قُلْنَا لِأَنَّهُ لم يَصِحَّ إسْنَادُهُ بَلْ هو مَوْقُوفٌ على الْحُسْنِ
- مَبَاحِثُ الْمُجْمَلِ الْمُجْمَلُ لُغَةً الْمُبْهَمُ من أَجْمَلَ الْأَمْرَ أَيْ أَبْهَمَ وَقِيلَ الْمَجْمُوعُ من أَجْمَلَ الْحِسَابَ إذَا جُمِعَ وَجُعِلَ جُمْلَةً وَاحِدَةً وَقِيلَ التَّحْصِيلُ من أَجْمَلَ الشَّيْءَ إذَا حَصَّلَهُ وَاصْطِلَاحًا قال الْآمِدِيُّ ما له دَلَالَةٌ على أَحَدِ مَعْنَيَيْنِ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا على الْآخَرِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وَقِيلَ ما لم تَتَّضِحْ دَلَالَتُهُ وقال الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ وابن فُورَكٍ ما لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ في الْمُرَادِ منه حتى بَيَانِ تَفْسِيرِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَآتُوا حَقَّهُ يوم حَصَادِهِ وَقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ إلَّا بِحَقِّهَا وَقَوْلِهِ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ قال الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ وَيَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى الْعَامُّ مُجْمَلًا وَالْخَاصُّ مُفَسِّرًا على مَعْنَى أَنَّ الْعَامَّ جُمْلَةٌ إذْ ليس لَفْظُهُ مَقْصُورًا على شَيْءٍ مَخْصُوصٍ بِعَيْنِهِ وَالْخَاصُّ مُفَسِّرٌ أَيْ فيه بَيَانٌ ما قُصِدَ بِتِلْكَ الْجُمْلَةِ التي هِيَ الْعُمُومُ وقال أبو عبد اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ الْبَصْرِيُّ من أَصْحَابِنَا اعْلَمْ أَنَّ الْفُقَهَاءَ قد اسْتَجَازُوا الْعِبَارَةَ عن الْعُمُومِ بِاسْمِ الْمُجْمَلِ وَإِنْ كانت حَقِيقَتُهُ الْمُفْتَقِرَ إلَى ما يُبَيِّنُهُ وقال الْخُوَارِزْمِيُّ في الْكَافِي هو ما يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ فَصَاعِدًا بِوَضْعِ اللُّغَةِ أو بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ من غَيْرِ تَرْجِيحٍ وَلَا يَجُوزُ إضَافَةُ الْحُكْمِ إلَى شَيْءٍ من احْتِمَالَاتِهِ من غَيْرِ دَلِيلٍ يَدُلُّ على أَنَّ مُرَادَ الشَّرْعِ منه هذا مَسْأَلَةٌ وهو وَاقِعٌ في الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ على الْأَصَحِّ قال أبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم عَرَبِيٌّ يُخَاطِبُ كما يُخَاطِبُ الْعَرَبَ وَالْعَرَبُ تُجْمِلُ كَلَامَهَا ثُمَّ تُفَسِّرُهُ فَيَكُونُ كَالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ قال وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَبَى هذا غير دَاوُد الظَّاهِرِيِّ ثُمَّ نَاقَضَ منه في صِفَةِ الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مع قَوْلِهِ لَا نِكَاحَ
- إلَّا بِوَلِيٍّ وَاَلَّذِي نَاقَضَ أَصَحُّ من الذي أَعْطَاهُ بَيِّنًا وقد ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ إلَى أَنَّ له في الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ وَهَذَا أَصَحُّهُمَا ا هـ وَقِيلَ لم يَبْقَ مُجْمَلٌ في كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ وَفَاتِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْمُخْتَارُ أَنَّ ما ثَبَتَ التَّكْلِيفُ بِهِ يَسْتَحِيلُ اسْتِمْرَارُ الْإِجْمَالِ فيه فإنه تَكْلِيفٌ بِالْمُحَالِ وما لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَكْلِيفٌ فَلَا يَبْعُدُ اسْتِمْرَارُ الْإِجْمَالِ فيه بَعْدَ وَفَاتِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَاسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِسِرِّهِ وَلَا يُتَصَوَّرُ الْإِجْمَالُ في الْقِيَاسِ وَسَبَقَ مِثْلُهُ عن ابْنِ الْقُشَيْرِيّ وقال الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ في كِتَابِ الْقَضَاءِ يَجُوزُ التَّعَبُّدُ بِالْخِطَابِ بِالْمُجْمَلِ قبل الْبَيَانِ لِأَنَّهُ عليه السَّلَامُ بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ وقال اُدْعُهُمْ إلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الحديث وَتَعَبُّدُهُمْ بِالْتِزَامِ الزَّكَاةِ قبل بَيَانِهَا وفي كَيْفِيَّةِ تَعَبُّدِهِمْ بِالْتِزَامِهَا وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُمْ مُتَعَبِّدُونَ قبل الْبَيَانِ بِالْتِزَامِهِ بَعْدَ الْبَيَانِ وَالثَّانِي أَنَّهُمْ مُتَعَبِّدُونَ قبل الْبَيَانِ بِالْتِزَامِهِ مُجْمَلًا وَبَعْدَ الْبَيَانِ بِالْتِزَامِهِ مُفَسِّرًا وقال ابن السَّمْعَانِيِّ قالوا إنَّ الْتِزَامَ الْمُجْمَلِ قبل بَيَانِهِ وَاجِبٌ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في كَيْفِيَّةِ الْتِزَامِهِ على وَجْهَيْنِ وَذَكَرَهُمَا قلت وَلَعَلَّ الثَّانِيَ مُرَادُ الْأَوَّلِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ الْعِبَارَةُ وهو قَرِيبٌ من الْخِلَافِ السَّابِقِ في الْعَامِّ هل يَجِبُ اعْتِقَادُ عُمُومِهِ قبل وُرُودِ الْمُخَصِّصِ وقال الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ إنَّمَا جَازَ الْخِطَابُ بِالْمُجْمَلِ وَإِنْ كَانُوا لَا يَفْهَمُونَهُ لِأَحَدِ أَمْرَيْنِ الْأَوَّلُ لِيَكُونَ إجْمَالُهُ تَوْطِئَةً لِلنَّفْسِ على قَبُولِ ما يَتَعَقَّبُهُ من الْبَيَانِ فإنه لو بَدَأَ في تَكْلِيفِ الصَّلَاةِ وَبَيَّنَهَا لَجَازَ أَنْ تَنْفِرَ النُّفُوسُ منها وَلَا تَنْفِرَ من إجْمَالِهَا وَالثَّانِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ من الْأَحْكَامِ جَلِيًّا وَجَعَلَ منها خَفِيًّا لِيَتَفَاضَلَ الناس في الْعِلْمِ بها وَيُثَابُوا على الِاسْتِنْبَاطِ لها فَلِذَلِكَ جَعَلَ منها مُفَسَّرًا جَلِيًّا وَجَعَلَ
- أقسام الكتاب 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24** جميع الحقوق متاحة لجميع المسلمين
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق