السبت، 10 أكتوبر 2026

من ج21. الي 24. {{ج21.كتاب : البحر المحيط في أصول الفقه المؤلف : بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي}} تابع اختلافات الفقها شديدة بينهم تدل علي ان أصول فقههم ليست من عند الله..........

من ج21. الي 24. {{ج21.كتاب : البحر المحيط في أصول الفقه المؤلف : بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي}} تابع اختلافات الفقها شديدة بينهم تدل علي ان أصول فقههم ليست من عند الله..........
  1. أقسام الكتاب 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24* جميع الحقوق متاحة لجميع المسلمين  
  2.  
  3. ---------------------------------- 
  4.   
  5. == وَأَنْ يَقْدَحَ في الْعِلَّةِ بِالنَّقْضِ وَعَدَمِ التَّأْثِيرِ وَالْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ إذَا أَمْكَنَهُ وفي جَوَازِ قَلْبِ قَلْبِهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ أَحَدُهُمَا الْجَوَازُ بِنَاءً على أَنَّهُ مُعَارَضَةٌ فإذا قَلَبَهُ على الْقَالِبِ صَارَ شَاهِدًا له من وَجْهَيْنِ وَلِلْقَالِبِ من وَجْهٍ وَاحِدٍ فَيَتَرَجَّحُ عليه وَالثَّانِي الْمَنْعُ وَرَجَّحَهُ الْبَاجِيُّ لِأَنَّهُ نَقْضٌ وَالنَّقْضُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُنْقَضَ وَكَذَلِكَ الْقَلْبُ لَا يُقْلَبُ وَرَجَّحَ في الْمَحْصُولِ الْجَوَازَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ مُنَاقِضًا لِلْحُكْمِ لِأَنَّ قَلْبَ الْقَالِبِ إذَا فَسَدَ بِالْقَلْبِ سَلِمَ أَصْلُ الْقِيَاسِ من الْقَلْبِ وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ ليس بِمُعَارَضَةٍ بَلْ هو إفْسَادُ الْعِلَّةِ فَلَيْسَ لِلْمُسْتَدِلِّ أَنْ يَتَكَلَّمَ على قَلْبِهِ بِكُلِّ ما لِلْقَالِبِ أَنْ يَتَكَلَّمَ على دَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ لِمَا تَقَدَّمَ في النَّقْضِ نعم يَفْتَرِقُ الْقَلْبُ وَالْمُعَارَضَةُ في صُوَرٍ أَحَدُهَا أَنَّ الْقَلْبَ مُعَارَضَةٌ مَبْنِيَّةٌ على إجْمَاعِ الْخَصْمَيْنِ سَوَاءٌ انْضَمَّ إلَيْهِمَا إجْمَاعُ الْأُمَّةِ أَمْ لَا وَالْمُنَاقَضَةُ في الْمُعَارَضَةِ حَقِيقِيَّةٌ وفي الْقَلْبِ وَضْعِيَّةٌ أَيْ تَوَاضُعُ الْخَصْمَانِ أو الْمُجْمِعُونَ على الْمُنَاقَضَةِ ثَانِيهَا أَنَّ عِلَّةَ الْمُعَارَضَةِ وَأَصْلَهَا قد يَكُونُ مُغَايِرًا لِعِلَّةِ الْمُسْتَدِلِّ وَأَصْلِهِ بِخِلَافِ الْقَلْبِ فإن عِلَّتَهُ وَأَصْلَهُ هُمَا عِلَّتَا الْمُسْتَدِلِّ وَأَصْلُهُ ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ ثَالِثُهَا أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى أَصْلٍ وَلَا إثْبَاتِ الْوَصْفِ وَكُلُّ قَلْبٍ مُعَارَضَةٌ بِخِلَافِ الْعَكْسِ رَابِعُهَا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ فيه الزِّيَادَةُ في الْعِلَّةِ وفي سَائِرِ الْمُعَارَضَاتِ يُمْكِنُ خَامِسُهَا أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ منه وُجُودُ الْعِلَّةِ في الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ لِأَنَّ أَصْلَ الْقَالِبِ وَفَرْعَهُ هو أَصْلُ الْمُعَلَّلِ وَفَرْعُهُ وَيُمْكِنُ ذلك في بَقِيَّةِ الْمُعَارَضَاتِ ذَكَرَ هَذَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ صَاحِبُ الْمَحْصُولِ وَتَبِعَهُ الْهِنْدِيُّ وقال السُّهَيْلِيُّ وَغَيْرُهُ من الْجَدَلِيِّينَ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ من الْقَلْبِ وهو الذي يَتَبَيَّنُ فيه أَنَّ دَلِيلَ الْمُسْتَدِلِّ عليه لَا له هو من قَبِيلِ الِاعْتِرَاضَاتِ وَلَا يُتَّجَهُ في قَبُولِهِ خِلَافٌ وَأَمَّا الثَّانِي وهو ما يَدُلُّ على الْمُسْتَدِلِّ من وَجْهٍ آخَرَ كَمِثَالِ الِاعْتِكَافِ وَمَسْحِ الرَّأْسِ وَبَيْعِ الْغَائِبِ فَاخْتَلَفُوا فيه هل هو اعْتِرَاضٌ أو مُعَارَضَةٌ فَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهُ مُعَارَضَةٌ لِأَنَّ الْمُعْتَرِضَ يُعَارِضُ دَلَالَةَ الْمُسْتَدِلِّ بِدَلَالَةٍ أُخْرَى قال وَلِهَذَا الْخِلَافِ فَوَائِدُ منها أَنَّهُ إنْ قِيلَ إنَّهُ مُعَارَضَةٌ جَازَتْ الزِّيَادَةُ عليه مِثْلَ أَنْ يَقُولَ في بَيْعِ
  6. الْغَائِبِ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ مُقْتَضَاهُ التَّأْبِيدُ فَلَا يَنْعَقِدُ على خِيَارِ الرُّؤْيَةِ كَالنِّكَاحِ وَإِنْ قِيلَ هو اعْتِرَاضٌ لم تَجُزْ فيه الزِّيَادَةُ انْتَهَى وَهَذَا يُخَالِفُ ما سَبَقَ عن الْمَحْصُولِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُعَارَضَةَ كَدَلِيلٍ مُسْتَقِلٍّ فَلَا يَتَعَذَّرُ بِدَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ بِخِلَافِ الِاعْتِرَاضِ فإنه مَنْعٌ لِلدَّلِيلِ فَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ وَيَكُونُ كَالْكَذِبِ على الْمُسْتَدِلِّ حَيْثُ يقول ما لم يَقُلْ وَمِنْهَا إنْ قُلْنَا إنَّهُ مُعَارَضَةٌ جَازَ قَلْبُهُ من الْمُسْتَدِلِّ كما يُعَارِضُ الْعِلَّةَ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ في بَيْعِ الْفُضُولِيِّ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ في مَالِ الْغَيْرِ بِلَا وِلَايَةٍ وَلَا نِيَابَةٍ فَلَا يَصِحُّ قِيَاسًا على الشِّرَاءِ فيقول الْمُسْتَدِلُّ أنا أَقْلِبُ هذا الدَّلِيلَ وَأَقُولُ تَصَرُّفٌ في مَالِ الْغَيْرِ بِلَا وِلَايَةٍ وَلَا نِيَابَةٍ فَلَا يَقَعُ لِمَنْ أَضَافَهُ إلَيْهِ كَالشِّرَاءِ فإن الشِّرَاءَ يَصْلُحُ لِمَنْ أُضِيفَ إلَيْهِ وهو الْمُشْتَرِي له بَلْ صَحَّ لِلْمُشْتَرِي وهو الْفُضُولِيُّ وَمَنْ قال إنَّهُ اعْتِرَاضٌ لم يَجُزْ ذلك لِأَنَّهُ مَنْعٌ وَالْمَنْعُ لَا يَمْنَعُ وَمِنْهَا أَنَّهُ إنْ قُلْنَا إنَّهُ مُعَارَضَةٌ جَازَ أَنْ يَتَأَخَّرَ عن الْمُعَارَضَةِ لِأَنَّهُ كَالْجُزْءِ منها وَإِنْ كان اعْتِرَاضًا لم يَجُزْ وَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ عليها لِأَنَّ الْمَنْعَ مُقَدَّمٌ على الْمُعَارَضَةِ وَمِنْهَا أَنَّ من جَعَلَهُ مُعَارَضَةً قَبِلَ فيه التَّرْجِيحَ وَمَنْ قال إنَّهُ اعْتِرَاضٌ مَنَعَ من ذلك لِأَنَّ الْمُعَارَضَةَ تَقْبَلُ التَّرْجِيحَ كَالدَّلِيلِ الْمُبْتَدَأِ وَالْمَنْعُ لَا يَقْبَلُ التَّرْجِيحَ الرَّابِعُ في أَقْسَامِهِ أَحَدُهَا قَلْبُ الْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ وهو ما يَدُلُّ على تَصْحِيحِ مَذْهَبِ الْمُعْتَرِضِ مع إبْطَالِ مَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ إمَّا صَرِيحًا كَقَوْلِنَا في بَيْعِ الْفُضُولِيِّ عَقْدٌ في حَقِّ الْغَيْرِ بِلَا وِلَايَةٍ وَلَا نِيَابَةٍ فَلَا يَصِحُّ كما إذَا اشْتَرَى شيئا لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فيقول الْخَصْمُ عَقْدٌ في حَقِّ الْغَيْرِ بِلَا وِلَايَةٍ فَيَصِحُّ كما إذَا اشْتَرَى شيئا لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فإنه يَصِحُّ بِالْإِجْمَاعِ في حَقِّ الْعَاقِدِ قال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَهَذَا على أَقْسَامِ الْقَلْبِ وَإِمَّا ضِمْنًا كَقَوْلِ الْحَنَفِيِّ في الِاعْتِكَافِ لُبْثٌ فَلَا يَكُونُ بِنَفْسِهِ قُرْبَةً كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَغَرَضُهُ اشْتِرَاطُ الصَّوْمِ وَإِنَّمَا لم يُصَرِّحْ بِهِ لِأَنَّهُ لم يَجِدْ أَصْلًا يُلْحِقُهُ بِهِ فيقول لُبْثٌ فَلَا يُشْتَرَطُ فيه الصَّوْمُ كَالْوُقُوفِ وَجَوَابُهُ إمَّا بِمَنْعِ صِحَّةِ الْقَلْبِ إنْ كان لَا يَقْبَلُهُ وَإِمَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ عليه بِكُلِّ ما يَتَكَلَّمُ على الْعِلَلِ الْمُبْتَدَأَةِ من الْمَنْعِ وَعَدَمِ التَّأْثِيرِ وَالنَّقْضِ على ما سَبَقَ فيه من الْخِلَافِ
  7. وَكَذَا الْقَلْبُ على أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فيقول هذه الْأَوْصَافُ التي ذَكَرْت فيها لَا تُؤَثِّرُ في حُكْمِ الْقَلْبِ وَهِيَ مُؤَثِّرَةٌ في حُكْمِ عِلَّتِي أو يقول هذه الْعِلَّةُ لَا تَصْلُحُ لِلْحُكْمِ الذي عُلِّقَتْ عليها وَتَصْلُحُ لِلْحُكْمِ الذي عُلِّقَتْ عليها فيقول في صُورَةِ الْبَيْعِ هذه الْأَوْصَافُ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا في حُكْمِ عِلَّتِك لِأَنَّك لو اقْتَصَرْت على قَوْلِك عَقْدٌ عَقَدَهُ في حَقِّ الْغَيْرِ فَيَصِحُّ لم يُنْقَضْ أو يقول هذه الْأَوْصَافُ التي ذَكَرْتَهَا تَقْتَضِي إفْسَادَ الْبَيْعِ وقد عَلَّقْت عليها صِحَّةَ الْعَقْدِ وَهَذَا خِلَافُ مُقْتَضَى الْعِلَّةِ لم يَصِحَّ الثَّانِي ما يَدُلُّ على إبْطَالِ مَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ إمَّا صَرِيحًا كَقَوْلِهِمْ مَسْحُ الرَّأْسِ رُكْنٌ فَلَا يَكْفِي أَقَلُّ ما يَنْطَلِقُ عليه الِاسْمُ كَالْوَجْهِ فَيُقَالُ فَلَا يَتَقَدَّرُ بِالرُّبُعِ كَالْوَجْهِ وَإِمَّا بِالِالْتِزَامِ كَقَوْلِهِمْ في بَيْعِ الْغَائِبِ صَحِيحٌ كَنِكَاحِ الْغَائِبِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَنَقُولُ فَلَا تَثْبُتُ الرُّؤْيَةُ في بَيْعِ الْغَائِبِ قِيَاسًا على النِّكَاحِ بِالْجَامِعِ الْمَذْكُورِ وَمِنْ هذا الْقِسْمِ قَلْبُ التَّسْوِيَةِ لِتَضَمُّنِهِ التَّسْوِيَةَ بين الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ وهو أَنْ يَكُونَ في الْأَصْلِ حُكْمَانِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مُنْتَفٍ في الْفَرْعِ بِالِاتِّفَاقِ بين الْخَصْمَيْنِ وَالْآخَرُ مُنَازَعٌ فيه فإذا أَرَادَ إثْبَاتَهُ في الْفَرْعِ بِالْقِيَاسِ على الْأَصْلِ اُعْتُرِضَ بِوُجُوبِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا في الْفَرْعِ على الْأَصْلِ فَيَلْزَمُ عَدَمُ ثُبُوتِهِ فيه كَقَوْلِهِمْ في طَلَاقِ الْمُكْرَهِ مُكَلَّفٌ مَالِكٌ لِلطَّلَاقِ فَيَقَعُ طَلَاقُهُ كَالْمُخْتَارِ وَيَلْزَمُ منه أَنْ لَا يَقَعَ طَلَاقُهُ ضِمْنًا وَلِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ الْمُسَاوَاةُ بين إقْرَارِهِ وَإِيقَاعِهِ وَإِقْرَارُهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ بِالِاتِّفَاقِ فَيَكُونُ إيقَاعُهُ أَيْضًا غير مُعْتَبَرٍ كَقَوْلِهِمْ في الْوُضُوءِ طَهَارَةٌ بِالْمَائِعِ فَلَا تَجِبُ فيها النِّيَّةُ كَالنَّجَاسَةِ فَنَقُولُ فَيَسْتَوِي جَامِدُهَا وَمَائِعُهَا كَالنَّجَاسَةِ في النِّيَّةِ وفي قَبُولِ هذا النَّوْعِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا حَكَاهُمَا الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ أَحَدُهُمَا لَا يُقْبَلُ وَاخْتَارَهُ أبو الْقَاسِمِ بن كَجٍّ لِأَنَّ الْقِيَاسَ إنَّمَا يُحْتَجُّ بِهِ في الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَالتَّسْوِيَةُ لَيْسَتْ من الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَلِأَنَّ الْقَالِبَ يُرِيدُ في الْأَصْلِ غير ما يُرِيدُ في الْفَرْعِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ حُكْمُ الشَّيْءِ من ضِدِّهِ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَالْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وابن السَّمْعَانِيِّ وَطَائِفَةٌ مِمَّنْ قَبِلَ أَصْلَ الْقَلْبِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّصْرِيحُ فيه بِحُكْمِ الْعِلَّةِ فإن الْحَاصِلَ في الْأَصْلِ نَفْيٌ وفي الْفَرْعِ إثْبَاتٌ وَالثَّانِي وَحَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عن الْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَالْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُمَا أَنَّ الشَّارِعَ لو نَصَّ على ذلك فقال أَقْصِدُ التَّسْوِيَةَ
  8. بين الْإِقْرَارِ وَالْإِيقَاعِ كان صَحِيحًا وَكُلُّ ما جَازَ أَنْ يَنُصَّ عليه جَازَ أَنْ يَسْتَنْبِطَ وَيُعَلِّقَ عليه الْحُكْمَ وَجَوَابُهُ إمَّا بِإِمْكَانِ صِحَّةِ الْقَلْبِ أو بِالْكَلَامِ عليه بِمَا يَتَكَلَّمُ على الْعِلَلِ الْمُبْتَدَأَةِ فَنَقُولُ التَّسْوِيَةُ بين الْمَائِعِ وَالْجَامِدِ لَا تَصِحُّ بِالْإِجْمَاعِ أَلَا تَرَى أَنَّ عِنْدَك الْمَائِعَ في الْوُضُوءِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى تَعْيِينِ النِّيَّةِ فَلَا يُمْكِنُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا وَقِيلَ من أَجْوِبَتِهِ أَنْ يَقُولَ هذا الْحُكْمُ الذي ذَكَرْته مُصَرَّحٌ بِهِ وَاَلَّذِي عَارَضْتَنِي بِهِ غَيْرُ مُصَرَّحٍ بِهِ وَالْمُصَرَّحُ بِهِ أَوْلَى من غَيْرِهِ وَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّ حُكْمَهُمَا وَاحِدٌ الثَّالِثُ الْقَلْبُ الْمَكْسُورُ وهو أَنْ يَسْتَعْمِلَ جَمِيعَ أَوْصَافِ الْمُسْتَدِلِّ كَاسْتِدْلَالِ الْمَالِكِيِّ على صِحَّةِ ضَمِّ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ في الزَّكَاةِ فَإِنَّهُمَا مَالَانِ زَكَاتُهُمَا رُبُعُ الْعُشْرِ بِكُلِّ حَالٍ فَضُمَّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ كَالصِّحَاحِ وَالْمُكَسَّرَةِ فيقول الشَّافِعِيُّ أَقْلِبُ هذه الْعِلَّةَ فَأَقُولُ مَالَانِ زَكَاتُهُمَا رُبُعُ الْعُشْرِ وَهُمَا من وَصْفٍ وَاحِدٍ فلم يُضَمَّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ بِالْقِيمَةِ كَالصِّحَاحِ وَالْمُكَسَّرَةِ الرَّابِعُ الْقَلْبُ الْمُبْهَمُ وهو أَنْ لَا يَتَضَمَّنَ تَسْوِيَةً كَقَوْلِهِمْ في الْكُسُوفِ صَلَاةٌ مَسْنُونَةٌ فَلَا يُثَنَّى فيها الرُّكُوعُ كَالْعِيدَيْنِ فَيَقْلِبُهُ وَيَقُولُ صَلَاةٌ مَسْنُونَةٌ تَخْتَصُّ بِزِيَادَةٍ كَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ من غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِخُصُوصِ الزِّيَادَةِ هل هِيَ رُكُوعٌ أو غَيْرُهُ لِأَنَّهُ لو تَعَرَّضَ لِخُصُوصِهَا في الرُّكُوعِ لم يَشْهَدْ له الْأَصْلُ الْمَذْكُورُ وَمِنْ أَنْوَاعِ الْقَلْبِ جَعْلُ الْمَعْلُولِ عِلَّةً وَالْعِلَّةِ مَعْلُولًا وإذا أَمْكَنَ ذلك تَبَيَّنَ أَنْ لَا عِلَّةَ فإن الْعِلَّةَ هِيَ الْمُوجِبَةُ وَالْمَعْلُولُ هو الْحُكْمُ الْوَاجِبُ بِهِ كَالْفَرْعِ مع الْأَصْلِ فلم يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ عِلَّةً وَالْعِلَّةُ حُكْمًا فلما احْتَمَلَ الِانْقِلَابَ دَلَّ على بُطْلَانِ التَّعْلِيلِ كَقَوْلِنَا في ظِهَارِ الذِّمِّيِّ إنَّهُ يَصِحُّ لِأَنَّهُ يَصِحُّ طَلَاقُهُ كَالْمُسْلِمِ فيقول الْحَنَفِيُّ الْمُسْلِمُ لم يَصِحَّ ظِهَارُهُ لِأَنَّهُ صَحَّ طَلَاقُهُ وَإِنَّمَا صَحَّ طَلَاقُهُ لِأَنَّهُ صَحَّ ظِهَارُهُ وَمَنْ جَعَلَ الظِّهَارَ عِلَّةً لِلطَّلَاقِ لم يُثْبِتْ ظِهَارَ الذِّمِّيِّ قال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ رَحِمَهُ اللَّهُ هذا النَّوْعُ اُخْتُلِفَ فيه فقال بَعْضُ أَصْحَابِنَا
  9. وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إنَّهُ صَحِيحٌ يَمْنَعُ صِحَّةَ الدَّلِيلِ لِأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ ثُبُوتُ كُلٍّ مِنْهُمَا على ثُبُوتِ الْآخَرِ فَلَا يَثْبُتُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لِلدَّوْرِ وَقِيلَ لَا يَمْنَعُ لِأَنَّ الْعِلَلَ الشَّرْعِيَّةَ أَمَارَاتٌ بِجَعْلِ الشَّارِعِ وَيَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ كُلٌّ من الْحُكْمَيْنِ أَمَارَةً لِلْآخَرِ قال الْبَاجِيُّ وَهَذَا هو الصَّحِيحُ وقال الشَّيْخُ في مَوْضِعٍ آخَرَ ذَهَبَ ابن الْبَاقِلَّانِيِّ إلَى أَنَّهُ سُؤَالٌ صَحِيحٌ يُوقِفُ الْعِلَّةَ وَاَلَّذِي عليه عَامَّةُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَعْتَرِضُ على الْعِلَّةِ وَلَا يُوجِبُ وَقْفَهَا وهو اخْتِيَارُ شَيْخِنَا أبي الطَّيِّبِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَنَصَرَهُ في كِتَابِ التَّبْصِرَةِ وقال ابن الصَّبَّاغِ رَحِمَهُ اللَّهُ في الْعُدَّةِ قِيلَ لَا يُعَارِضُ الْعِلَّةَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا يَتَعَارَضَانِ وَجَوَابُ هذا التَّرْجِيحُ إنْ قُلْنَا بِهِ السَّادِسُ الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ الْقَوْلُ بِمَا أَوْجَبَهُ دَلِيلُ الْمُسْتَدِلِّ أَيْ الْمُوجِبِ بِكَسْرِهَا فَهُوَ الدَّلِيلُ الْمُقْتَضِي لِلْحُكْمِ وهو تَسْلِيمُ مُقْتَضَى ما نَصَبَهُ الْمُسْتَدِلُّ مُوجِبًا لِعِلَّتِهِ مع بَقَاءِ الْخِلَافِ بَيْنَهُمَا فيه وَذَلِكَ بِأَنْ يَظُنَّ الْمُعَلِّلُ أَنَّ ما أتى بِهِ مُسْتَلْزِمٌ لِمَطْلُوبِهِ من حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَنَازَعِ فيها مع كَوْنِهِ غير مُسْتَلْزِمٍ فَلَا يَنْقَطِعُ النِّزَاعُ بِتَسْلِيمِهِ وَهَذَا أَوْلَى من تَعْرِيفِ الْإِمَامِ الرَّازِيَّ له بِمُوجَبِ الْعِلَّةِ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالْقِيَاسِ أَيْ أَنْ يَكُونَ دَلِيلُهُ لَا يُشْعِرُ بِحُكْمِ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَنَازَعِ فيها وَهَذَا فيه إشْكَالٌ لِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ على غَيْرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ لَا يُعْتَدُّ بِهِ وَالِاسْتِدْلَالُ على مَحَلِّ النِّزَاعِ لَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِمُوجَبِهِ وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ قد يَتَخَيَّلُ من الْخَصْمِ مَانِعًا لِحُكْمِ الْمَسْأَلَةِ بِحَيْثُ لو بَطَلَ ذلك الْمَانِعُ تَقَرَّرَ أَنَّ الْخَصْمَ يُسَلِّمُ له الْحُكْمَ فَيَجْعَلُ الْمُسْتَدِلَّ عُمْدَتَهُ في الِاسْتِدْلَالِ لِإِبْطَالِ ما تَخَيَّلَهُ ظَنًّا منه أَنَّهُ إذَا بَطَلَ كَوْنُهُ مَانِعًا سَلِمَ الْحُكْمُ فَكَأَنَّهُ قد اسْتَدَلَّ على غَيْرِ الْحُكْمِ الْمَسْئُولِ أو اسْتَدَلَّ على أَنَّ الْأَمْرَ الْمَذْكُورَ غَيْرُ مَانِعٍ من الْحُكْمِ وإذا لم يَكُنْ مَانِعًا لَزِمَ الْحُكْمُ وقال ابن الْمُنِيرِ حَدُّوهُ بِتَسْلِيمِ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ مع بَقَاءِ النِّزَاعِ فيه وهو غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فيه ما ليس منه وهو بَيَانُ غَلَطِ الْمُسْتَدِلِّ على إيجَابِ النِّيَّةِ في الْوُضُوءِ بِقَوْلِهِ في أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ فقال الْمُعْتَرِضُ أَقُولُ بِمُوجَبِ هذا الدَّلِيلِ
  10. لَكِنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ مَحَلَّ النِّزَاعِ فَهَذَا يَنْطَبِقُ عليه الْحَدُّ وَلَيْسَ قَوْلًا بِالْمُوجَبِ لِأَنَّ شَرْطَهُ أَنْ يَظْهَرَ عُذْرٌ لِلْمُسْتَدِلِّ في الْغَلَطِ فَتَمَامُ الْحَدِّ أَنْ يُقَالَ هو تَسْلِيمُ نَقِيضِ الدَّلِيلِ مع بَقَاءِ النِّزَاعِ حَيْثُ يَكُونُ لِلْمُسْتَدِلِّ عُذْرٌ مُعْتَبَرٌ انْتَهَى وكان الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ الْقَرَمِيسِيُّ من أَئِمَّةِ الْأُصُولِ وَالْجَدَلِ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ يَذْهَبُ إلَى أَنَّهُ تَقْرِيرُ التَّسْلِيمِ وَلَيْسَ بِتَسْلِيمٍ حَقِيقَةً وَحَقِيقَتُهُ بَيَانُ انْحِرَافِ الدَّلِيلِ عن مَحَلِّ النِّزَاعِ وَعَلَى هذا فَلَا يَلْزَمُ منه الِانْقِطَاعُ بَلْ إنْ ثَبَتَ انْحِرَافُ الدَّلِيلِ فَقَدْ انْقَطَعَ الْمُسْتَدِلُّ وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ غَيْرُ مُنْحَرِفٍ لم يَنْقَطِعْ الْمُعْتَرِضُ بَلْ يَنْزِلُ على أَنَّهُ في مَسْأَلَةِ النِّزَاعِ وَيُورِدُ عليه ما يَلِيقُ بِهِ وَيَنْبَنِي على هذا الْخِلَافِ فَرْعَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ هل يَجِبُ تَأْخِيرُ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ عن بَقِيَّةِ الْأَسْئِلَةِ الثَّانِي أَنَّهُ حَيْثُ لَزِمَ فَهَلْ هو انْقِطَاعٌ فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ فإذا سَلَّمَ الْمُعْتَرِضُ ذلك حَقِيقَةً وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مَحَلُّ النِّزَاعِ فَقَدْ سَلَّمَ الْمَسْأَلَةَ وكان مُنْقَطِعًا وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي إنَّهُ عِبَارَةٌ عن انْحِرَافِ الدَّلِيلِ عن مَحَلِّ النِّزَاعِ وَأَنَّهُ بَيَّنَ ذلك بِأَنْ سَلَّمَ مَدْلُولَ الدَّلِيلِ تَقْدِيرًا لَا تَحْقِيقًا مع بَقَاءِ النِّزَاعِ فَعَلَى هذا إنْ لَزِمَ ذلك فَقَدْ انْقَطَعَ الْمُسْتَدِلُّ وَإِنْ لم يَلْزَمْهُ لم يُحْكَمْ بِانْقِطَاعِ الْمُعْتَرِضِ بَلْ له أَنْ يُورِدَ بَعْدَ ذلك ما شَاءَ من الْأَسْئِلَةِ وَهَذَا هو الذي كان يَخْتَارُهُ الْقَرَمِيسِيُّ وَمِنْ أَعْذَارِهِ أَنْ يَبْنِي الْمُسْتَدِلُّ على أَنَّ الْخَصْمَ يُوَافِقُ على الْمُقْتَضِي وَإِنَّمَا يَمْنَعُهُ من الْعَمَلِ ثُمَّ تَخَيَّلَ ما ليس بِمَانِعٍ مَانِعًا فَيَعْمِدُ الْمُسْتَدِلُّ إلَى ذلك الْمَانِعِ فَيُبْطِلُهُ لِيَسْلَمَ الْمُقْتَضِي فَيَلْزَمُ الْخَصْمَ الْمُوَافَقَةُ هذا ظَنُّ الْمُسْتَدِلِّ وَيَكُونُ الْمُعْتَرِضُ مَثَلًا لَا يُوَافِقُهُ على الْمُقْتَضِي أو يُوَافِقُهُ وَلَكِنَّ الْمَانِعَ عِنْدَهُ أَجْنَبِيٌّ عَمَّا يُخَيِّلُ الْمُسْتَدِلُّ أَنَّهُ الْمَانِعُ عِنْدَهُ أو غَيْرُ أَجْنَبِيٍّ وَلَكِنَّهُ جُزْءُ الْمَانِعِ فَلَا يَلْزَمُ من سَلْبِ الْمَاهِيَّةِ عن الْجُزْءِ سَلْبُ الْمَاهِيَّةِ عن الْكُلِّ أو مَانِعٌ مُسْتَقِلٌّ وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مَانِعٌ آخَرُ وإذا جَازَ تَعَدُّدُ الْعِلَلِ جَازَ تَعَدُّدُ الْمَوَانِعِ وَمِنْهَا أَنْ يَذْكُرَ الْمُسْتَدِلُّ إحْدَى الْمُقَدِّمَتَيْنِ وَيَسْكُتَ عن الْأُخْرَى ظَنًّا أنها مُسَلَّمَةٌ فيقول الْخَصْمُ بِمُوجَبِ الْمُقَدِّمَةِ الْمَذْكُورَةِ وَيَبْقَى على الْمَنْعِ لِأَنَّهُ يُتَّجَهُ على مَنْعِ السُّكُوتِ عنها
  11. وَمِنْهَا أَنْ يَعْتَقِدَ تَلَازُمًا بين مَحَلِّ النِّزَاعِ وَبَيْنَ مَحَلٍّ آخَرَ فَيَنْصِبَ الدَّلِيلَ على ذلك الْمَحَلِّ بِنَاءً منه على أَنَّهُ ما ثَبَتَ الْحُكْمُ في ذلك الْمَحَلِّ لَزِمَ أَنْ يَثْبُتَ في مَحَلِّ النِّزَاعِ فيقول الْمُعْتَرِضُ بِالْمُوجَبِ وَيَمْنَعُ الْمُلَازَمَةَ انْتَهَى وَالْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ من أَحْسَنِ ما يَجِيءُ بِهِ الْمُنَاظِرُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ في جَوَابِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ منها الْأَذَلَّ فَإِنَّهُمْ كَنَّوْا بِالْأَعَزِّ عن فَرِيقِهِمْ وَبِالْأَذَلِّ عن فَرِيقِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَثْبَتُوا لِلْأَعَزِّ الْإِخْرَاجَ فَأَثْبَتَ اللَّهُ تَعَالَى في الرَّدِّ عليهم صِنْفَ الْعِزَّةِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ أَيْ فإذا كان الْأَعَزُّ يُخْرِجُ الْأَذَلَّ فَأُنْتَمَ الْمُخْرَجُونَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وهو من أَحْسَنِ وُجُوهِ الِاعْتِرَاضَاتِ وَأَكْثَرُ الِاعْتِرَاضَاتِ الْوَارِدَةِ على النُّصُوصِ تَرْجِعُ إلَيْهِ لِأَنَّ النَّصَّ إذَا ثَبَتَ فَلَا يُمْكِنُ رَدُّهُ فَلَا يَرِدُ عليه سُؤَالٌ إلَّا وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إلَى تَسْلِيمِ النَّصِّ وَمَنْعِ لُزُومُ الْحُكْمِ منه وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُعَارَضَةِ أَنَّ حَاصِلَهُ يَرْجِعُ إلَى حَيْدِ الدَّلِيلِ الصَّحِيحِ عن مَحَلِّ النِّزَاعِ وَالْمُعَارَضَةُ فيها اعْتِرَافٌ بِمِسَاسِ الدَّلِيلِ لِمَحَلِّ النِّزَاعِ قال إلْكِيَا وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ إذَا لم يَأْتِ الْمُعَلِّلُ بِمَا يُؤَثِّرُ في نَفْسِ الْحُكْمِ الْمُتَنَازَعِ فيه بَلْ يَعْتَرِضُ لِإِبْطَالِ ما ظَنَّهُ مُوجَبًا وَمُؤَثِّرًا عِنْدَ الْخَصْمِ وَالْمُؤَثِّرُ غَيْرُهُ وَلَوْ صَرَّحَ بِنَفْسِ الْحُكْمِ فَلَا يُتَصَوَّرُ تَوَجُّهُ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ تَبَعًا لِلْإِمَامِ هو سُؤَالٌ صَحِيحٌ إذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْمُمَانَعَةِ وَلَا بُدَّ في تَوَجُّهِهِ من شَرْطٍ وهو أَنْ يَسْنُدَ الْحُكْمَ الذي تُنْصَبُ له الْعِلَّةُ إلَى شَيْءٍ مِثْلَ قَوْلِ الْحَنَفِيِّ في مَاءِ الزَّعْفَرَانِ مَاءٌ خَالَطَهُ طَاهِرٌ وَالْمُخَالَطَةُ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْوُضُوءِ فيقول السَّائِلُ الْمُخَالِطُ لَا يَمْنَعُ الْمَاءَ مع أَنَّهُ ليس بِمَاءٍ مُطْلَقٍ وَشَرَطَ في الْمَنْخُولِ لِصِحَّتِهِ أَنْ يَبْقَى الْخِلَافُ معه في مَحَلِّ النِّزَاعِ قال وَلَا يُنَافِي الْقَوْلَ بِالْمُوجَبِ مع التَّصْرِيحِ بِالْحُكْمِ الذي أَثْبَتَ النِّزَاعَ فإنه يَرْتَفِعُ الْخِلَافُ وَإِنَّمَا يَتَوَجَّهُ إذَا أَجْمَلَ الْحُكْمَ وقال إنْ كان كَذَا فَجَازَ أَنْ يَكُونَ كَذَا فيقول بِمُوجَبِهِ في بَعْضِ الصُّوَرِ أو يَتَعَرَّضَ لِنَفْيِ عِلَّةِ الْخَصْمِ وما ذَكَرْنَاهُ من جَعْلِهِ من قَوَادِحِ الْعِلَّةِ صَرَّحَ بِهِ إلْكِيَا وَالْإِمَامُ الرَّازِيَّ وَالْآمِدِيَّ وَغَيْرُهُمْ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ إذَا قال بِمُوجَبِهَا كانت الْعِلَّةُ في مَوْضِعِ الْإِجْمَاعِ وَلَا تَكُونُ مُتَنَاوِلَةً لِمَوْضِعِ الْخِلَافِ وَلِأَنَّهُ إذَا كان تَسْلِيمُ مُوجَبِ ما ذَكَرَهُ من الدَّلِيلِ لَا يَرْفَعُ الْخِلَافَ عَلِمْنَا أَنَّ ما ذَكَرَهُ ليس بِدَلِيلِ الْحُكْمِ الذي قَصَدَ إثْبَاتَهُ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْجَدَلِيِّينَ أَنَّهُ ليس من قَوَادِحِ الْعِلَّةِ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِمُوجَبِ الدَّلِيلِ
  12. تَسْلِيمٌ فَكَيْفَ يَكُونُ مُفْسِدًا وَحَكَى في الْمَنْخُولِ أَنَّ الْقَوْلَ بِالْمُوجَبِ لَا يُسَمَّى اعْتِرَاضًا لِأَنَّهُ مُطَابَقَةٌ لِلْعِلَّةِ وَالْخِلَافُ لَفْظِيٌّ وقد عَدَّهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الْبُرْهَانِ من الِاعْتِرَاضَاتِ الصَّحِيحَةِ ثُمَّ قال ثُمَّ الْأُصُولِيُّونَ تَارَةً يَقُولُونَ الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ ليس اعْتِرَاضًا وهو لَعَمْرِي كَذَلِكَ فإنه لَا يُبْطِلُ الْعِلَّةَ لِأَنَّهُ إذَا جَرَتْ الْعِلَّةُ وَحُكْمُهَا مُخْتَلَفٌ فيه فَلَأَنْ تَجْرِيَ وَحُكْمُهَا مُتَّفَقٌ عليه أَوْلَى قال الْمُقْتَرِحُ في تَعْلِيلِهِ إنْ أَرَادُوا بِقَوْلِهِمْ لَا يُبْطِلُ الْعِلَّةَ مُطْلَقًا فَمُسَلَّمٌ فَإِنَّهَا لَا تَبْطُلُ في جَمِيعِ مَجَارِيهَا وَإِنْ أَرَادُوا لَا تَبْطُلُ في مَحَلِّ النِّزَاعِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ فإنه يَلْزَمُ من الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ إبْطَالُ الْعِلَّةِ في مَحَلِّ النِّزَاعِ وَهَذَا هو الذي تَصَدَّى الْمُعْتَرِضُ له وهو إبْطَالُ عِلَّةِ الْمُسْتَدِلِّ في الْمَحَلِّ الْمُتَنَازَعِ فيه فلم يَصِحَّ قَوْلُهُمْ إنَّهُ ليس مُبْطِلًا لِلْعِلَّةِ إلَّا على تَقْدِيرِ إرَادَةِ أَنَّهُ لَا يُبْطِلُهَا في جَمِيعِ مَجَارِيهَا وقال الْخُوَارِزْمِيُّ في النِّهَايَةِ إذَا تَوَجَّهَ الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ انْقَطَعَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ إنْ بَقِيَ النِّزَاعُ انْقَطَعَ الْمُسْتَدِلُّ وَإِنْ لم يَبْقَ النِّزَاعُ انْقَطَعَ السَّائِلُ انْتَهَى وَاخْتَلَفُوا في أَنَّهُ هل يَجِبُ على الْمُعْتَرِضِ إبْدَاءُ سَنَدِ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ أَمْ لَا فَقِيلَ يَجِبُ لِقُرْبِهِ إلَى ضَبْطِ الْكَلَامِ وَصَوْنِهِ عن الْخَبْطِ وَإِلَّا فَقَدْ يقول بِالْمُوجَبِ على سَبِيلِ الْعِنَادِ وَقِيلَ لَا يَجِبُ لِأَنَّهُ وَفَّى بِمَا عليه وَعَلَى الْمُسْتَدِلِّ الْجَوَابُ وهو أَعْرَفُ بِمَأْخَذِ مَذْهَبِهِ فَيَصْدُقُ فِيمَا يَقُولُهُ لِغَيْرِهِ من الْأَخْبَارِ قال الْآمِدِيُّ وهو الْمُخْتَارُ ثُمَّ هو إمَّا أَنْ يَرِدَ من الْمُعْتَرِضِ دَفْعًا عن مَذْهَبِهِ أو إبْطَالًا لِمَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ بِاسْتِيفَاءِ الْخِلَافِ مع تَسْلِيمِ نَقِيضِ دَلِيلِهِ وَذَلِكَ أَنَّ الْحُكْمَ الْمُرَتَّبَ على دَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ إمَّا أَنْ يَكُونَ إبْطَالُ مَدْرَكِ الْخَصْمِ إثْبَاتَ مَذْهَبِهِ هو أو لَا فَإِنْ كان الْأَوَّلَ فَالْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ يَكُونُ من الْمُعْتَرِضِ دَفْعًا عن مَأْخَذِهِ لِئَلَّا يَفْسُدَ وَإِنْ كان الثَّانِيَ كان إبْطَالًا لِمَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ لِأَنَّهُمَا كَالْمُتَحَارَبِينَ كُلٌّ منهم يَقْصِدُ الدَّفْعَ عن نَفْسِهِ وَتَعْطِيلَ صَاحِبِهِ فَالْأَوَّلُ كَقَوْلِهِمْ في إيجَابِ الزَّكَاةِ في الْخَيْلِ يُسَابَقُ عليها فَتَجِبُ فيها الزَّكَاةُ كَالْإِبِلِ فيقول مُسَلَّمٌ في زَكَاةِ التِّجَارَةِ وَالنِّزَاعُ إنَّمَا هو في زَكَاةِ الْعَيْنِ وَدَلِيلُكُمْ إنَّمَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الزَّكَاةِ في الْجُمْلَةِ وَالثَّانِي كَقَوْلِنَا في إيجَابِ الْقِصَاصِ في الْمُثَقَّلِ الْمُتَفَاوِتُ في الْوَسِيلَةِ لَا يَمْنَعُ الْقِصَاصَ كَالتَّفَاوُتِ في الْمُتَوَسَّلِ إلَيْهِ وهو الْقَتْلُ فإنه لو ذَبَحَهُ أو ضَرَبَ عُنُقَهُ أو طَعَنَهُ لم يَمْنَعْ الْقِصَاصَ وَهَذَا فيه إبْطَالُ مَذْهَبِ الْخَصْمِ إذْ الْحَنَفِيُّ يَرَى أَنَّ التَّفَاوُتَ في الْآلَةِ يَمْنَعُ الْقِصَاصَ فيقول الْحَنَفِيُّ تَسْلِيمُ التَّفَاوُتِ في الْآلَةِ لَا يَمْنَعُ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ من إبْطَالِ الْمَنْعِ
  13. لِلْقِصَاصِ ثُبُوتُهُ بَلْ إنَّمَا يَلْزَمُ ثُبُوتُهُ من وُجُودِ مُقْتَضِيهِ وهو السَّبَبُ الصَّالِحُ لِإِثْبَاتِهِ وَالنِّزَاعِ فيه وَجَوَابُهُ بِأَنْ يُبَيِّنَ الْمُسْتَدِلُّ لُزُومَ الْحُكْمِ مَحَلَّ النِّزَاعِ بِوُجُودِ نَقِيضِهِ بِمَا ذُكِرَ في دَلِيلِهِ إنْ أَمْكَنَ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ في الْمِثَالَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ يَلْزَمُ من كَوْنِ التَّفَاوُتِ في الْآلَةِ لَا يَمْنَعُ الْقِصَاصَ وُجُودُ مُقْتَضَى الْقِصَاصِ بِنَاءً على أَنَّ وُجُودَ الْمَانِعِ وَعَدَمَهُ قِيَامُ الْمُقْتَضِي إذْ لَا يَكُونُ الْوَصْفُ تَابِعًا بِالْفِعْلِ إلَّا لِمُعَارَضَةِ الْمُقْتَضِي وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي وُجُودَهُ أو يُبَيِّنُ الْمُسْتَدِلُّ أَنَّ النِّزَاعَ إنَّمَا هو فِيمَا يَعْرِضُ له بِإِقْرَارٍ أو اعْتِرَاضٍ من الْمُعْتَرِضِ بِدَلِيلٍ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ إنَّمَا فَرَضْنَا الْكَلَامَ في صِحَّةِ بَيْعِ الْغَائِبِ لَا في ثُبُوتِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَيَسْتَدِلُّ على ذلك السَّابِعُ الْفَرْقُ وَيُسَمَّى سُؤَالَ الْمُعَارَضَةِ وسؤال الْمُزَاحَمَةِ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَلْقَابٍ وهو إبْدَاءُ وَصْفٍ في الْأَصْلِ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً لِلْحُكْمِ أو جُزْءَ عِلَّةٍ وهو مَعْدُومٌ في الْفَرْعِ سَوَاءٌ كان مُنَاسِبًا أو شَبَهًا إنْ كانت الْعِلَّةُ شَبِيهَةً بِأَنْ يَجْمَعَ الْمُسْتَدِلُّ بين الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِأَمْرٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا فَيُبْدِي الْمُعْتَرِضُ وَصْفًا فَارِقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفَرْعِ وقد اشْتَرَطُوا فيه أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ بين الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فَرْقٌ بِوَجْهٍ من الْوُجُوهِ وَإِلَّا لَكَانَ هو هو وَلَيْسَ كُلُّ ما انْفَرَدَ بِهِ الْأَصْلُ من الْأَوْصَافِ يَكُونُ مُؤَثِّرًا مُقْتَضِيًا لِلْحُكْمِ بَلْ قد يَكُونُ مُلْغًى بِالِاعْتِبَارِ بِغَيْرِهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ الْفَارِقُ قَادِحًا وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ قَاطِعًا لِلْجَمْعِ بِأَنْ يَكُونَ أَخَصَّ من الْجَمْعِ لِيُقَدَّمَ عليه أو مثله لِيُعَارِضَهُ قال بَعْضُهُمْ اخْتَلَفَ الْجَدَلِيُّونَ في حَدِّهِ فقال الْجُمْهُورُ وَمِنْهُمْ الْإِمَامُ إنَّ حَقِيقَةَ الْفَرْقِ قَطْعُ الْجَمْعِ بين الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ إذْ اللَّفْظُ أَشْعَرَ بِهِ وهو الذي يُقْصَدُ منه وقال بَعْضُ الْجَدَلِيِّينَ حَقِيقَتُهُ الْمَنْعُ من الْإِلْحَاقِ بِذِكْرِ وَصْفٍ في الْفَرْعِ أو في الْأَصْلِ وَيَنْبَنِي على هذه الْخِلَافِ مَسْأَلَةٌ وَهِيَ أَنَّ الْفَارِقَ إذَا ذَكَرَ فَرْقًا في الْأَصْلِ هل يَجِبُ عليه أَنْ يَعْكِسَهُ في الْفَرْعِ اخْتَلَفُوا فيه فما عليه الْحُذَّاقُ من أَهْلِ النَّظَرِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عن قَطْعِ الْجَمْعِ وَإِنَّمَا يَنْقَطِعُ الْجَمْعُ إذَا عَكَسَهُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْفَرْقُ وَالِافْتِرَاقُ له رُكْنَانِ أَحَدُهُمَا وُجُودُ الْوَصْفِ في الْأَصْلِ والثاني انْتِفَاؤُهُ في الْفَرْعِ لِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ يقول وُجُودُ مَعْنًى آخَرَ لَا يَضُرُّنِي لِأَنَّهُ يُؤَكِّدُ الْحُكْمَ في الْأَصْلِ وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ تَعْلِيلِي وَصَارَ غَيْرُهُمْ إلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمُعْتَرِضَ عَكْسُهُ لِأَنَّهُ ادَّعَى
  14. أَنَّ الْعِلَّةَ في الْأَصْلِ وَصْفُ كَذَا فإذا أَبْدَى الْمُعْتَرِضُ وَصْفًا آخَرَ امْتَنَعَ التَّعْلِيلُ في الْأَصْلِ بِهِ وإذا امْتَنَعَ التَّعْلِيلُ امْتَنَعَتْ التَّعْدِيَةُ وقد اخْتَلَفُوا في قَبُولِهِ وَقَدْحِهِ في الْعِلَّةِ على مَذَاهِبَ أَحَدُهَا أَنَّهُ ليس بِمَقْبُولٍ لِأَنَّ الْجَامِعَ لم يَلْتَزِمْ بِجَمْعِهِ مُسَاوَاةَ الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ في جَمِيعِ الْقَضَايَا وَإِنَّمَا سَوَّى بَيْنَهُمَا في وَجْهٍ وَلَا يَتَضَمَّنُ الْجَمْعَ بين أَسْئِلَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَلِأَنَّ الْمُعْتَرِضَ ذَكَرَ مَعْنًى في جَانِبِ الْأَصْلِ وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ تَعْلِيلَ الْمُعَلِّلِ بِجَوَازِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ وَحَكَاهُ في الْبُرْهَانِ عن طَوَائِفَ من الْجَدَلِيِّينَ وَالْأُصُولِيِّينَ قال وَإِنَّمَا يَسْتَمِرُّ هذا مع الْقَوْلِ بِرَدِّ الْمُعَارَضَةِ في جَانِبِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ جميعا قال وهو عِنْدَ الْمُحَصِّلِينَ سَاقِطٌ مَرْدُودٌ وَأَمَّا ابن السَّمْعَانِيِّ فقال وَعِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ أَضْعَفُ سُؤَالٍ يُذْكَرُ وَلَيْسَ مِمَّا يَمَسُّ الْعِلَّةَ التي نَصَبَهَا الْمُعَلِّلُ بِوَجْهٍ ما لَكِنَّ نِهَايَةَ ما في الْبَابِ أَنَّ الْفَارِقَ يَدَّعِي مَعْنًى في الْأَصْلِ مَعْدُومًا في الْفَرْعِ ولم يَتَعَرَّضْ لِلْمَعْنَى الذي نَصَبَهُ الْمُعَلِّلُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ مَعْلُولًا بِعِلَّتَيْنِ مُسْتَقِلَّتَيْنِ وَوُجِدَتْ إحْدَاهُمَا في الْفَرْعِ وَعُدِمَتْ الْأُخْرَى وَإِحْدَاهُمَا كَافِيَةٌ لِوُجُوبِ الْحُكْمِ وَانْتِفَاءُ إحْدَى الْعِلَّتَيْنِ لَا يَقْتَضِي انْتِفَاءَ حُكْمِهَا إذَا خَلَفَتْهَا عِلَّةٌ أُخْرَى وَالثَّانِي قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَاخْتَارَهُ ابن سُرَيْجٍ وَالْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ أَنَّ الْفَرْقَ ليس سُؤَالًا على حِيَالِهِ وَإِنَّمَا هو مَعْنَى مُعَارَضَةِ الْأَصْلِ بِمَعْنًى وَمُعَارَضَةُ الْعِلَّةِ التي نَصَبَهَا الْمُسْتَدِلُّ في الْفَرْعِ بِعِلَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ وَالْمَقْصُودُ منه الْمُعَارَضَةُ وَالثَّالِثُ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وهو الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا وَارْتَضَاهُ كُلُّ من يَنْتَمِي إلَى التَّحْقِيقِ من الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ إنَّهُ صَحِيحٌ مَقْبُولٌ وهو إنْ اشْتَمَلَ على مَعْنَى مُعَارَضَةِ الْأَصْلِ وَعَلَى مُعَارَضَةِ عِلَّةِ الْفَرْعِ بِعِلَّةٍ فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ منه الْمُعَارَضَةَ بَلْ مُنَاقَضَةُ الْجَمْعِ وقال قبل ذلك ذَهَبَ جَمَاهِيرُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّهُ أَقْوَى الِاعْتِرَاضَاتِ وَأَجْدَرُهَا بِالِاعْتِنَاءِ بِهِ هَكَذَا حَكَاهُ في الْمَنْخُولِ عن الْجُمْهُورِ وقال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في الْمُلَخَّصِ إنَّهُ أَفْقَهُ شَيْءٍ يَجْرِي في النَّظَرِ وَبِهِ يُعْرَفُ فِقْهُ الْمَسْأَلَةِ قال الْإِمَامُ لِأَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الْعِلَّةِ خُلُوُّهَا عن الْمُعَارَضَةِ وَحَقِيقَتُهُ أَنَّ الْمُعَلِّلَ لَا يَسْتَقِرُّ ما لم يُبْطِلْ بِمَسْلَكِ السَّبْرِ كُلُّ ما عَدَا عِلَّتِهِ مِمَّا يُقَدَّرُ التَّعْلِيلُ بِهِ فإذا عَلَّلَ ولم يَسْبُرْ فَعُورِضَ بِمَعْنًى في الْأَصْلِ فَكَأَنَّهُ طُولِبَ بِالْوَفَاءِ بِالسَّبْرِ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى مَعْنَى التَّعْلِيلِ وَذَكَرَ أَنَّ الْقَاضِيَ اسْتَدَلَّ على قَبُولِهِ بِأَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَجْمَعُونَ وَيُفَرِّقُونَ وَيَتَعَلَّقُونَ بِالْفَرْقِ كما يَتَعَلَّقُونَ بِالْجَمْعِ كما في قَضِيَّةِ
  15. الْجَارِيَةِ الْمُرْسِيَةِ التي أَجْهَضَتْ الْجَنِينَ وقد أَرْسَلَ إلَيْهَا عُمَرُ بن الْخَطَّابِ رضي اللَّهُ عنه يُهَدِّدُهَا فإن عُمَرَ رضي اللَّهُ عنه اسْتَشَارَ في ذلك فقال عبد الرحمن بن عَوْفٍ رضي اللَّهُ عنه إنَّمَا أنت مُؤَدِّبٌ وَلَا أَرَى عَلَيْك شيئا وقال عَلِيٌّ رضي اللَّهُ عنه إنْ لم يَجْتَهِدْ فَقَدْ غَشَّك وَإِنْ اجْتَهَدَ فَقَدْ أَخْطَأَ أَرَى عَلَيْك الْغُرَّةَ وكان عبد الرحمن بن عَوْفٍ حَاوَلَ تَشْبِيهَ تَأْدِيبِهِ بِالْمُبَاحَاتِ التي لَا تُعَقَّبَ ضَمَانًا وَجَعَلَ الْجَامِعَ أَنَّهُ فَعَلَ ما له أَنْ يَفْعَلَهُ فَاعْتَرَضَهُ عَلِيٌّ رضي اللَّهُ عنه بِالْفَرْقِ وَأَبَانَ أَنَّ الْمُبَاحَاتِ الْمَضْبُوطَةِ النِّهَايَاتِ لَيْسَتْ كَالتَّعْزِيرَاتِ التي يَجِبُ الْوُقُوفُ عليها دُونَ ما يُؤَدِّي إلَى الْإِتْلَافِ قال وَلَوْ تَتَبَّعْنَا مُعْظَمَ ما يَخُوضُ فيه الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عليهم أَجْمَعِينَ وَجَدْنَاهُ كَذَلِكَ وقد بَالَغَ ابن السَّمْعَانِيِّ في الرَّدِّ على الْإِمَامِ في هذا الْكَلَامِ وقال قَوْلُهُ شَرْطُ صِحَّةِ الْعِلَّةِ خُلُوُّهَا عن الْمُعَارَضَةِ ليس بِشَيْءٍ لِأَنَّ الْمُعَارَضَةَ إنَّمَا تَقْدَحُ في حُكْمَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ أَمَّا إذَا ذُكِرَتْ عِلَّتَانِ بِحُكْمٍ وَاحِدٍ فَلَا يَقْدَحُ وَلَا يُسَمَّى مُعَارَضَةً وَقَوْلُهُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيلُ الْمُعَلِّلِ ما لم يَبْطُلْ كَلَامُهُ ما عَدَا عِلَّتِهِ يُقَالُ من قال هذا وَلِأَيِّ مَعْنًى يَجِبُ وَإِنَّمَا يَجِبُ عليه أَنْ يَذْكُرَ مَخِيلَةً في الْحُكْمِ مُنَاسِبَةً له إذَا وُجِدَ فيها أَلْحَقَهُ بِالْأَصْلِ الذي اسْتَنْبَطَ منه الْعِلَّةَ وَأَمَّا السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ وَإِبْطَالُ ما عَدَا الْوَصْفِ الذي ذَكَرَهُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ قال وقد نُسِبَ هذا إلَى الْبَاقِلَّانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ قال وَكُلُّ من كَلَّفَ الْمُعَلِّلَ هذا أو رَامَ تَصْحِيحَ الْعِلَّةِ بهذا الطَّرِيقِ فَقَدْ أَعْلَمَنَا من نَفْسِهِ أَنَّ الْفِقْهَ ليس من بَابِهِ وَلَا من شَأْنِهِ وَأَنَّهُ دَخِيلٌ فيه مُدَّعٍ له قال وقد بَانَ بُطْلَانُ طَرِيقِ السَّبْرِ وَقَوْلُهُ إنَّهُ الْتِزَامٌ كَذَلِكَ ليس كَذَلِكَ بَلْ في تَعْلِيلِ الْمُعَلِّلِ الْتِزَامُ إبْطَالِ كل عِلَّةٍ سِوَى عِلَّتِهِ فَهَذِهِ من التُّرَّهَاتِ وَالْخُرَافَاتِ وَكَذَلِكَ قَوْلُ من يقول إنَّ تَعْلِيلَ الْأَصْلِ بِعِلَّتَيْنِ لَا يَجُوزُ قُلْت ولم يَتَوَارَدْ ابن السَّمْعَانِيِّ مع الْإِمَامِ على مَحَلٍّ وَاحِدٍ لِأَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ مَنَعَ اجْتِمَاعَ عِلَّتَيْنِ وابن السَّمْعَانِيِّ يُجَوِّزُهُ ثُمَّ قال ابن السَّمْعَانِيِّ وَأَمَّا الذي حَكَاهُ عن ابْنِ الْبَاقِلَّانِيِّ فَقَدْ حَاوَلَ شيئا بَعِيدًا لِأَنَّ الْفَرْقَ وَالْجَمْعَ على الذي يَخُوضُ فيه لم يُنْقَلْ عن الصَّحَابَةِ أَصْلًا وَإِنَّمَا كَانُوا يَتَّبِعُونَ التَّأْثِيرَاتِ وَاَلَّذِي نُقِلَ عن عبد الرحمن بن عَوْفٍ مَعْنًى صَحِيحٌ وَاَلَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ عَلِيٌّ رضي اللَّهُ عنه في مَعْنَى الضَّمَانِ أَلْطَفُ منه وَالْمُرَادُ منه أَنَّهُ وَإِنْ كان يُبَاحُ له التَّأْدِيبُ وَلَكِنَّهُ مَشْرُوطٌ بِالسَّلَامَةِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ ليس بِحَتْمٍ بَلْ يَجُوزُ فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ فَيُطْلَقُ فِعْلُهُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ قال وَلَيْسَ هذا الْكَلَامُ من الْفَرْقِ وَالْجَمْعِ الذي نَحْنُ فيه بِشَيْءٍ فَلَا يُدْرَى كَيْفَ وَقَعَ هذا الْخَبْطُ من هذا الْقَائِلِ
  16. وَإِنْ وَقَعَ الْفَرْقُ فَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ الْفَرْقَ بِالْمَعَانِي الْمُؤَثِّرَةِ وَتَرْجِيحِ الْمَعْنَى على الْمَعْنَى وَإِنَّمَا الْكَلَامُ في شَيْءٍ وَرَاءَ هذا وهو أَنَّ الْمُعَلِّلَ لَمَّا ذَكَرَ عِلَّةً قام له الدَّلِيلُ على صِحَّتِهَا فَفَرَّقَ الْفَارِقُ بين الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِمَعْنًى فَإِنْ كان فَرْقًا لَا يَقْدَحُ في التَّأْثِيرِ الذي لِوَصْفِ الْمُعَلِّلِ في الْحُكْمِ فَهُوَ فَرْقٌ صُورَةً وَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وَإِنْ فَرَّقَ بِمَعْنًى مُؤَثِّرٍ في حُكْمِ الْأَصْلِ فَغَايَتُهُ التَّعْلِيلُ بِعِلَّتَيْنِ وَإِنْ بَيَّنَ الْفَارِقُ مَعْنًى مُؤَثِّرًا في التَّفْرِيقِ بين الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فَالْقَادِحُ بَيَانُ مَعْنًى يُؤَثِّرُ في الْفَرْعِ يُفِيدُ خِلَافَ الْحُكْمِ الذي أَفَادَهُ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ فَلَا بُدَّ لِهَذَا من إسْنَادِهِ إلَى أَصْلٍ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ مُعَارَضَةً وَلَا يَكُونُ الْفَرْقُ الذي يُقْصَدُ بِالسُّؤَالِ وَنَحْنُ بَيَّنَّا أَنَّ الْمُعَارَضَةَ قَادِحَةٌ انْتَهَى وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُعَارَضَةَ في الْفَرْعِ لَا تُسَمَّى فَرْقًا وَيَصِيرُ النِّزَاعُ لَفْظِيًّا وَأَمَّا الْمُعَارَضَةُ في الْأَصْلِ فَهِيَ مَبْنِيَّةٌ على مَسْأَلَةِ التَّعْلِيلِ بِعِلَّتَيْنِ وَنَقَلَ إلْكِيَا ما حَكَاهُ الْإِمَامُ في اسْتِدْلَالِ الْقَاضِي عن عَامَّةِ الْأُصُولِيِّينَ ثُمَّ قال وَالْحَقُّ عِنْدَنَا أَنَّ الْفَرْقَ إنَّمَا يَقْدَحُ إذَا كان أَخَصَّ من جَمِيعِ الْعِلَلِ فَإِذْ ذَاكَ يَتَبَيَّنُ بِهِ فَسَادُ الْجَمْعِ إلَّا أَنَّ الْفَرْقَ ابْتِدَاءً تَعْلِيلٌ في الْأَصْلِ وَعَكْسُهُ في الْفَرْقِ وَرُبَّ فَرْقٍ يَظْهَرُ فَتَخْرُجُ عِلَّةُ الْمُعَلِّلِ عن اعْتِبَارِهَا شَرْعًا وَحِينَئِذٍ فَيَلْحَقُ تَعْلِيلُ الْمُعَلِّلِ بِالطَّرْدِ فإنه أَخَصُّ من الْجَمْعِ على كل حَالٍ فَإِنْ كان الْجَمْعُ مَثَلًا لِلْفَرْقِ أو أَخَصَّ فَلَا نُبَالِي بِهِ كَقَوْلِ الْمَالِكِيِّ في الْهِبَةِ عَقْدُ تَمْلِيكٍ تَرَتَّبَ على صِحَّةِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فيها الْمِلْكُ بِالْمُعَاوَضَةِ فيقول الْفَارِقُ الْمُعَاوَضَةُ يَتَضَمَّنُهَا النُّزُولُ عن الْعِوَضِ وَالرِّضَا بِالْمُعَوَّضِ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَالْهِبَةُ قد عَارَتْ بها فَالْمُعَلِّلُ يقول تِلْكَ الصِّيغَةُ مُطْرَحَةٌ فَيَضْطَرِبُ النَّظَرُ فيها قال وَحَرْفُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ نُكْتَةَ الْفَرْقِ كَوْنُهُ أَخَصَّ من الْجَمْعِ وَالْجَمْعُ أَعَمُّ فَإِذًا في الْفَرْقِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ أَصَحُّهَا أَنَّ الْفَرْقَ يَرْجِعُ إلَى قَطْعِ الْجَمْعِ من حَيْثُ الْخُصُوصِيَّةُ والثاني إبْطَالُ الْفَرْقِ من جِهَةِ كَوْنِهِ مُعَارَضَةً في جَانِبِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ وَالْمُعَارَضَةُ بَاطِلَةٌ والثالث أَنَّهُ مَقْبُولٌ من جِهَةِ كَوْنِهِ قَدْحًا في غَرَضِ الْجَمْعِ وَهَذَا مُلَخَّصٌ من كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ فإنه ذَكَرَ ما حَاصِلُهُ أَنَّ الْفَرْقَ إمَّا أَنْ يَلْحَقَ الْجَامِعَ بِوَصْفٍ طَرْدِيٍّ أو لَا والأول مَقْبُولٌ بِالِاتِّفَاقِ وَمِنْ عَلَامَتِهِ أَنْ يُقَيِّدَ الْفَارِقُ جَمْعَ الْجَامِعِ وَيَزِيدَ فيه ما يُوَضِّحُ بُطْلَانَ أَثَرِهِ كَقَوْلِ الْحَنَفِيِّ في الْبَيْعِ الْفَاسِدِ مُعَاوَضَةٌ عن تَرَاضٍ فَتُفِيدُ
  17. الْمِلْكَ كَالصَّحِيحِ فيقول الْمُعْتَرِضُ الْمَعْنَى في الْأَصْلِ أنها مُعَاوَضَةٌ جَرَتْ على وَفْقِ الشَّرْعِ فَنَقَلَتْ الْمِلْكَ بِالشَّرْعِ بِخِلَافِ الْمُعَاوَضَةِ الْفَاسِدَةِ والثاني هو مَحَلُّ الْخِلَافِ كَقَوْلِ الْمَالِكِيِّ في الْهِبَةِ يَحْصُلُ فيها الْمِلْكُ فيه بِالصِّيغَةِ بِلَا قَبْضٍ لِأَنَّهُ عَقْدُ تَمَلُّكٍ فَيَحْصُلُ الْمِلْكُ فيه بِالصِّيغَةِ كَالْبَيْعِ فيقول الْفَارِقُ الْمُعَاوَضَةُ تَتَضَمَّنُ النُّزُولَ عن الشَّيْءِ بِعِوَضٍ فَتَضَمَّنَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ الرِّضَا من الْجَانِبَيْنِ بِخِلَافِ الْهِبَةِ فإنه نُزُولٌ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَافْتَقَرَ إلَى الْقَبْضِ لِيَدُلَّ على الرِّضَا فَهَذَا النَّوْعُ هو مَوْضِعُ الْخِلَافِ فَمَنْ رَدَّ الْمُعَاوَضَةَ في الْأَصْلِ أو في الْفَرْعِ أو أَحَدِهِمَا رَدَّهُ وَقِيلَ بِقَبُولِهِ على أَنَّهُ مُعَارَضَةٌ وَالْمُخْتَارُ قَبُولُهُ لِحَاجَةٍ وَهِيَ مُنَاقَضَةٌ فِقْهِيَّةٌ لِلْجَمْعِ ثُمَّ أتى الْإِمَامُ بَعْدَ ذلك بِكَلَامٍ جَامِعٍ فقال الْفَرْعُ وَالْجَمْعُ إنْ ازْدَحَمَا على أَصْلٍ وَفَرْعٍ في مَحَلِّ النِّزَاعِ فَالْمُخْتَارُ فيه عِنْدَنَا اتِّبَاعُ الْإِحَالَةِ فَإِنْ كان الْفَرْقُ أَصْلًا عَلَّلَ الْجَمْعَ وَعَكْسَهُ وَإِنْ اسْتَوَيَا أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ هُنَا بِالْعِلَّتَيْنِ الْمُتَنَاقِضَتَيْنِ وإذا بَنَيْنَا على صِيغَةِ التَّسَاوِي أَمْكَنَ أَنْ يُقَدَّمَ الْجَمْعَ من جِهَةِ وُقُوعِ الْفَرْقِ بَعْدَهُ غير مُنَاقِضٍ له قال وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كان الْفَرْقُ لَا يُحِيطُ فيه الْجَمْعُ بِالْكُلِّيَّةِ فَإِنْ أَبْطَلَهُ فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ ما ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ من الْجَمْعِ ليس بِصَحِيحٍ فَيَكُونُ مَقْبُولًا قَطْعًا وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ أَبَانَ الْفَرْقُ أَنَّ الْجَامِعَ طَرْدِيٌّ فَلَا خِلَافَ في قَبُولِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ فيه خِلَافٌ من الْقَائِلِينَ بِرَدِّ الطَّرْدِيِّ وَإِنْ لم يُبَيِّنْ ذلك فَفِيهِ مَذْهَبَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مَرْدُودٌ مُطْلَقًا وثانيهما أَنَّهُ مَقْبُولٌ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهِ فَقِيلَ لَا من جِهَةِ كَوْنِهِ فَرْقًا بَلْ من جِهَةِ كَوْنِهِ مُعَارَضَةً وهو مَذْهَبُ ابْنِ سُرَيْجٍ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لِنَفْسِهِ وَلَيْسَ الْقَصْدُ منه الْمُعَارَضَةَ ثُمَّ قِيلَ هو أَضْعَفُ سُؤَالٍ يُذْكَرُ وَحَكَاهُ ابن السَّمْعَانِيِّ عن الْمُحَقِّقِينَ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ من أَقْوَى الْأَسْئِلَةِ ثُمَّ قِيلَ هو سُؤَالَانِ وهو مَذْهَبُ ابْنِ سُرَيْجٍ لِاشْتِمَالِهِ على مُعَارَضَةِ عِلَّتِهِ لِلْأَصْلِ بِعِلَّةٍ ثُمَّ مُعَارَضَةُ عِلَّتِهِ لِلْفَرْعِ بِعِلَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ في جَانِبِ الْفَرْعِ وَالْمُخْتَارُ كما قَالَهُ في الْمَنْخُولِ أَنَّهُ سُؤَالٌ وَاحِدٌ لِاشْتِمَالِهِ على اتِّحَادِ الْمَقْصُودِ وهو الْفَرْقُ وَإِنْ تَضَمَّنَ الْإِشْعَارَ بِمَنْعِ الْعِلَّةِ في الْأَصْلِ وَدَعْوَى عِلَّةٍ أُخْرَى فيه وَمُعَارَضَةٍ في الْفَرْعِ بِعَكْسِ الْمُدَّعِي في الْأَصْلِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ الْفَارِقُ وَصْفًا آخَرَ في جَانِبِ الْفَرْعِ عِنْدَ عَكْسِهِ فَيَكُونُ مُعَارِضًا وَتَتَعَدَّدُ وَالْمُخْتَارُ على الْقَوْلِ بِجَوَازِ الْقِيَاسِ على أُصُولٍ مُتَعَدِّدَةٍ قَبُولُ فُرُوقٍ مُتَعَدِّدَةٍ
  18. إذْ قد لَا يُسَاعِدُ الْفَارِقَ في الْفَرْقِ الْإِتْيَانُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ مُتَنَاوِلٍ لِجَمِيعِ الْأُصُولِ وقد ذَكَرَ جُمْهُورُ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الْخِلَافَ في قَبُولِ الْفَرْقِ مَبْنِيٌّ على جَوَازِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ مُسْتَنْبَطَتَيْنِ فَمَنْ جَوَّزَهُ قال لَا يَقْدَحُ الْفَرْقُ في الْعِلِّيَّةِ فَلَا يَفْسُدُ قِيَاسُهُ وَلَا جَمْعُهُ بِعِلِّيَّةِ الْفَرْقِ لِجَوَازِ ثُبُوتِ الْحُكْمِ بِعِلَّةٍ أُخْرَى وَمَنْ مَنَعَهُ فَهُوَ قَائِلٌ بِالْعَكْسِ فَيَقْدَحُ الْفَرْقُ حِينَئِذٍ وَيَبْطُلُ الْقِيَاسُ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْقَائِلُ بِأَنَّ الْحُكْمَ يُعَلَّلُ بِعِلَّتَيْنِ لَا يَلْزَمُ من ذلك أَنْ يُجْعَلَ جَوَابًا عن الْفَرْقِ بَلْ عليه أَنْ يُبَيِّنَ عَدَمَ إشْعَارِهِ بِإِثَارَةِ الْفَرْقِ وَيُرَجِّحَ مَسْلَكَ الْجَامِعِ من طَرِيقِ الْفِقْهِ مَسْأَلَةٌ إذَا فَرَّقَ الْمُفَرِّقُ بين مَسْأَلَتَيْنِ في الْمَعْنَى الذي لِأَجْلِهِ ثَبَتَ الْحُكْمُ في الْأَصْلِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعْكِسَ ذلك في الْفَرْعِ فإنه يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ الْحُكْمُ في الْفَرْعِ بِذَلِكَ الْمَعْنَى وَبِغَيْرِهِ لِأَنَّ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ يَجُوزُ ثُبُوتُهُ بِعِلَّتَيْنِ قال أبو الْخَيْرِ بن جَمَاعَةَ الْمَقْدِسِيُّ في الْفُرُوقِ وَمَثَّلَهُ بِقِيَاسِ الْحَنَفِيَّةِ في أَنَّ التَّشَهُّدَ الْأَخِيرَ ليس بِوَاجِبٍ حتى قالوا ذِكْرٌ لَا يُجْهَرُ بِهِ في حَالٍ من الْأَحْوَالِ فلم يَجِبْ كَتَسْبِيحِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَفَرَّقَ أَصْحَابُنَا فَقَالُوا التَّسْبِيحُ يُشْرَعُ في رُكْنٍ هو مَقْصُودٌ في نَفْسِهِ فَلِهَذَا كان وَاجِبًا مَسْأَلَةٌ وَمِنْ فَوَائِدِ الْخِلَافِ في أَنَّ الْفَرْقَ مُعَارَضَةٌ أو مَقْبُولٌ لِنَفْسِهِ أَنَّهُ إذَا أَبْدَى الْفَارِقُ مَعْنًى في الْأَصْلِ مُغَايِرًا لِمَعْنَى الْمُعَلِّلِ وَعَكْسِهِ في الْفَرْعِ وَرَبَطَ بِهِ الْحُكْمَ مُنَاقِضًا لِحُكْمِ الْعِلَّةِ الْجَامِعَةِ فَفِي اشْتِرَاطِ رَدِّ مَعْنَى الْفَرْعِ إلَى الْأَصْلِ أَقْوَالٌ أَحَدُهَا أَنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يَرُدَّ عِلَّةَ الْأَصْلِ إلَى الْأَصْلِ وَعِلَّةَ الْفَرْعِ إلَى أَصْلٍ وَذَهَبَ إلَيْهِ طَوَائِفُ من الْجَدَلِيِّينَ وَنُقِلَ عن الْأُسْتَاذِ بِنَاءً منهم على أَنَّهُ مُعَارَضَةٌ فَيَنْبَغِي اشْتِمَالُهَا على عِلَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ وَعَلَى أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ الْمُرْسَلَ مَرْدُودٌ فقال الْقَاضِي مَذْهَبِي قَبُولُ الِاسْتِدْلَالِ وَلَوْ كُنْت من الْقَائِلِينَ بِإِبْطَالِ الِاسْتِدْلَالِ لَقَبِلْته على أَنَّهُ فَرْقٌ بِنَاءً على الْقَوْلِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ يُقْبَلُ لِخَاصِّيَّتِهِ وهو الْمُنَاقَضَةُ وَهَذَا يَحْصُلُ من غَيْرِ رَدٍّ إلَى أَصْلٍ وما أَظْهَرَهُ الْفَارِقُ لَا أَصْلَ له وَالثَّانِي لَا يَحْتَاجُ إلَى ذلك لَا في الْأَصْلِ وَلَا في الْفَرْعِ وَنُسِبَ لِلْجُمْهُورِ وهو اخْتِيَارُ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ وَبَنَاهُ الْإِمَامُ على أَنَّ الْمَقْصُودَ قَطْعُ الْجَمْعِ وَذَلِكَ حَاصِلٌ
  19. من غَيْرِ أَصْلٍ وَبَنَاهُ الْغَزَالِيُّ على أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ الْمُرْسَلَ مَقْبُولٌ وَنَقَلَ عن الشَّافِعِيِّ ذلك في تَفَاصِيلَ ذَكَرَهَا في الْمَنْخُولِ وَالثَّالِثُ يَحْتَاجُ إلَى ذلك في عِلَّةِ الْفَرْعِ دُونَ الْأَصْلِ وَهَذَا ما اخْتَارَهُ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ أَيْ إنْ كان الْفَرْقُ بِذِكْرِ وَصْفٍ في الْفَرْعِ انْقَطَعَ فَلَا بُدَّ من أَصْلٍ وَإِنْ كان في الْأَصْلِ إذَا عَكَسَهُ في الْفَرْعِ انْقَطَعَ الْجَمْعُ ولم يَبْقَ عليه الظَّنُّ وَالرَّابِعُ التَّفْصِيلُ بين أَنْ يَرِدَ الْفَرْقُ على قِيَاسِ الشَّبَهِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى أَصْلٍ وَإِنْ كان على قِيَاسِ الْمَعْنَى احْتَاجَ إلَيْهِ وَالْخَامِسُ أَنَّ الْفَرْقَ في الْفَرْعِ إنْ كان يُخِلُّ بِحِكْمَةِ السَّبَبِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى أَصْلٍ وَإِنْ لم يُخِلَّ افْتَقَرَ إلَى أَصْلٍ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ من إثْبَاتِ الْحُكْمِ تَحْصِيلُ الْمَصْلَحَةِ وقال الْبَاجِيُّ الْأَوَّلُ هو الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ مَتَى لم يَرُدَّ كُلًّا منها إلَى أَصْلٍ كان مُدَّعِيًا في الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ عِلَّتَيْنِ وَاقِفَتَيْنِ وَمُسَلِّمًا لِعِلَّةِ الْمَسْئُولِ وَهِيَ مُتَعَدِّيَةٌ وَالْمُتَعَدِّيَةُ أَوْلَى من الْوَاقِفَةِ فَكَأَنَّهُ عَارَضَ الْمُسْتَدِلَّ بِدُونِ دَلِيلِهِ وَذَلِكَ لَا يَكْفِي في الْمُعَارَضَةِ لِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ لو رَجَحَ دَلِيلُهُ على مُعَارَضَةِ السَّائِلِ بِبَعْضِ أَنْوَاعِ التَّرْجِيحِ لَحُكِمَ له بِالسَّبْقِ وَمِمَّنْ حَكَى هذه الْمَذَاهِبَ الْبَاجِيُّ وأبو الْخَيْرِ بن جَمَاعَةَ في كِتَابِهِ الْوَسَائِلِ فَرْعٌ فَإِنْ شَرَطْنَا رَدَّ مَعْنَى الْفَرْعِ في الْفَرْقِ إلَى أَصْلٍ فَلَوْ أَبْدَاهُ في الْأَصْلِ فَقِيلَ يَلْزَمُهُ رَدُّهُ إلَى أَصْلٍ آخَرَ فَيَحْتَاجُ الْفَرْعُ وَالْأَصْلُ إلَى أَصْلَيْنِ لِأَنَّهُمَا مَعْنَيَانِ وَقِيلَ لَا يَلْزَمُهُ بِنَاءً على ما سَبَقَ لِأَنَّ الْغَرَضَ مُضَادَّةُ الْجَامِعِ فِيهِمَا كَالْمَعْنَى الْوَاحِدِ وَلَوْ قُلْنَا بِالِاحْتِيَاجِ إلَى أَصْلٍ لَقَبِلْنَا الْمُعَارَضَةَ في ذلك الْأَصْلِ بِأَصْلٍ آخَرَ وَيَسْتَمِرُّ الْأَمْرُ كَذَلِكَ وهو بَاطِلٌ هذا إذَا أَبْدَى مَعْنًى في الْأَصْلِ وَعَكْسَهُ في الْفَرْعِ فَلَوْ عَكَسَ الْفَارِقُ في الْفَرْعِ مَعْنَى الْأَصْلِ فلم يُنَاقِضْ فِقْهُ الْعَكْسِ فِقْهَ الْجَمْعِ أو نَاقَضَهُ على بُعْدٍ فَاحْتَاجَ إلَى مَزِيدٍ في الْفَرْعِ فَاخْتَلَفَ الْجَدَلِيُّونَ فيه فَمَنْ اعْتَقَدَ الْفَرْقَ مُعَارَضَةً لم يَمْنَعْ الزِّيَادَةَ وَمَنْ قال إنَّمَا هو مَعْنًى يُضَادُّ الْجَامِعَ اكْتَفَى بِثُبُوتِهِ في الْأَصْلِ وَنَفْيِهِ في الْفَرْعِ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ في الْفَرْعِ ليس لها في جَانِبِ الْأَصْلِ ثُبُوتٌ فَلَا حَاجَةَ إلَيْهَا مَسْأَلَةٌ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ من الْقَوَادِحِ اخْتَلَفُوا في أَنَّهُ هل من تَمَامِهِ وَلَوَازِمِهِ نَفْيُهُ عن الْفَرْعِ أَمْ لَا منهم من أَوْجَبَهُ على الْفَارِقِ لِأَنَّ قَصْدَهُ افْتِرَاقُ الصُّورَتَيْنِ وَقِيلَ لَا يَجِبُ وَقِيلَ بِالتَّفْصِيلِ إنْ صَرَّحَ في إيرَادِ الْفَرْقِ بِالِافْتِرَاقِ بين الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فَلَا بُدَّ من نَفْيِهِ
  20. عنه وَإِلَّا فَإِنْ قَصَدَ أَنَّ دَلِيلَهُ غَيْرُ قَائِمٍ فَلَا يَجِبُ هذا كُلُّهُ فِيمَا إذَا كان الْمَقِيسُ عليه وَاحِدًا وَأَمَّا إذَا كان مُتَعَدِّدًا فَقِيلَ يُمْنَعُ ذلك لِإِفْضَائِهِ إلَى انْتِشَارِ الْكَلَامِ وَقِيلَ يَجُوزُ لِلتَّقْوِيَةِ ثُمَّ الْمُجَوِّزُونَ اخْتَلَفُوا في أَنَّهُ إذَا فَرَّقَ الْمُعْتَرِضُ بين أَصْلٍ وَاحِدٍ وَبَيْنَ الْفَرْعِ هل يَكْفِيهِ ذلك أَمْ لَا بَلْ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُفَرِّقَ بين الْفَرْعِ وَبَيْنَ كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَقِيلَ يَكْفِيهِ ذلك قال الْهِنْدِيُّ وهو الْأَصَحُّ لِأَنَّ إلْحَاقَ الْفَرْعِ بِتِلْكَ الْأُصُولِ بِأَسْرِهَا غَرَضُ الْمُسْتَدِلِّ وَإِلَّا لم يُعَدِّدْهُ وهو غَيْرُ حَاصِلٍ ضَرُورَةً أَنَّهُ لم يَكُنْ مُلْحَقًا بِالْأَصْلِ الذي فَرَّقَ الْمُعْتَرِضُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفَرْعِ وَقِيلَ لَا يَكْفِيهِ ذلك لِأَنَّ الْقِيَاسَ على كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسْتَقِلٌّ وَالْقَائِلُونَ بِذَلِكَ اخْتَلَفُوا في أَنَّهُ هل يَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذلك الْفَرْقُ وَاحِدًا لِئَلَّا يَنْتَشِرَ الْكَلَامُ أَمْ يَجُوزُ تَعَدُّدُهُ على قَوْلَيْنِ قال الْهِنْدِيُّ أُولَاهُمَا الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ في الْأَكْثَرِ فَيَلْزَمُ سَدُّ بَابِ الْقَدْحِ على الْمُعْتَرِضِ ثُمَّ إذَا ذَكَرَ الْمُعْتَرِضُ الْفَرْقَ بين الْفَرْعِ وَبَيْنَ تِلْكَ الْأُصُولِ وَاحِدًا كان أو مُتَعَدِّدًا فَهَلْ يَكْفِي الْمُسْتَدِلَّ أَنْ يُجِيبَ عنه بِالنِّسْبَةِ إلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ أو بِالنِّسْبَةِ إلَى جَمِيعِ تِلْكَ الْأُصُولِ اخْتَلَفُوا فيه على قَوْلَيْنِ مَسْأَلَةٌ لِلْفَرْقِ شُرُوطٌ أَحَدُهَا أَنْ يُرَدَّ إلَى أَصْلٍ على ما سَيَأْتِي من الْخِلَافِ ثَانِيهَا أَنْ يَكُونَ الْفَرْقُ أَخَصَّ من الْجَمْعِ فَإِنْ كان الْفَرْقُ أَعَمَّ منه فَالْجَمْعُ الْخَاصُّ مُقَدَّمٌ على الْفَرْقِ الْعَامِّ فَإِنْ كان مثله يُوجِبُ الِافْتِرَاقَ إلَّا إذَا تَرَجَّحَ الْجَمْعُ على الْفَرْقِ وَمِثَالُ الْفَرْقِ الْعَامِّ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رضي اللَّهُ عنه في انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِفَاسِقَيْنِ إذَا قِسْنَا على حُضُورِ الصَّبِيِّ فيقول الْحَنَفِيُّ بَعْدَ الْبُلُوغِ لو أَعَادَ شَهَادَتَهُ الْمَرْدُودَةَ دُونَ الصَّبِيِّ قُبِلَتْ بِخِلَافِ الْفَاسِقِ فَهَذَا فَرْقٌ لَا يُشْعِرُ بِمَا هو بِحُكْمِ الْمَسْأَلَةِ فَلَا يُعَارِضُ الدَّلِيلَ الْمُشْعِرَ بِحُكْمِهَا ثَالِثُهَا أَنْ لَا يَحْتَاجَ الْفَارِقُ إلَى زِيَادَةِ أَمْرٍ في جَانِبِ الْفَرْعِ إذَا عَكَسَهُ فإنه إذَا ذَكَرَ زِيَادَةً كان جَمْعًا بين مُعَارَضَةٍ في الْأَصْلِ وَمُعَارَضَةٍ في الْفَرْعِ كَقَوْلِنَا في خِيَارِ الشَّرْطِ حَقٌّ مَالِيٌّ لَازِمٌ يَجْرِي الْإِرْثُ فيه كَخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ فيقول الْحَنَفِيُّ خِيَارُ الْعَيْبِ مُعْتَاضٌ عنه وَلَيْسَ بِوَثِيقَةٍ احْتِرَازًا عن الرَّهْنِ فَهَذَا بَاطِلٌ رَابِعُهَا أَنَّ الْمُسْتَدِلَّ إذَا اعْتَبَرَ الْفَرْعَ بِأُصُولٍ مُتَعَدِّدَةٍ هل يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْقُ مُتَّحِدًا بِالنِّسْبَةِ إلَى جَمِيعِ الْأُصُولِ فيه خِلَافٌ يَنْبَنِي على جَوَازِ الْقِيَاسِ على
  21. أُصُولٍ مُتَعَدِّدَةٍ وإذا جَازَ فَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ في الْفَرْقِ مع اتِّحَادِهِ مُتَنَاوِلًا لِجَمِيعِ الْأُصُولِ فيه خِلَافٌ منهم من قال الْفَرْقُ في مُقَابَلَةِ الْجَمْعِ وَالْجَمْعُ مُتَّحِدٌ فَالْفَرْقُ يَكُونُ مُتَّحِدًا وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُفَرَّقَ بِفُرُوقٍ مُتَعَدِّدَةٍ لِأَنَّهُ لَا يُسَاعِدُ في الْغَالِبِ مَعْنًى وَاحِدٌ على الْفَرْقِ في جَمِيعِ الْأُصُولِ وإذا قُلْنَا بِتَعْدِيدِ الْأُصُولِ هل يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ على الْفَرْقِ وَالْقَطْعِ عن بَعْضِ الْأُصُولِ فيه خِلَافٌ منهم من مَنَعَهُ لِأَنَّ ما بَقِيَ يَكْفِي لِبِنَاءِ الْفَرْعِ عليه وَمِنْهُمْ من قال لَمَّا ذَكَرَ الْأُصُولَ وَتَقَلَّدَ بِتَقْرِيرِهَا وَالذَّبَّ عنها فَطَرِيقُ الْفَارِقِ الْقَطْعُ عن جَمِيعِهَا مَسْأَلَةٌ لَا يُشْتَرَطُ في الْفَارِقِ أَنْ يَكُونَ مَعْنًى بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حُكْمًا شَرْعِيًّا كما قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ كَقَوْلِهِ من صَحَّ طَلَاقُهُ صَحَّ ظِهَارُهُ كَالْمُسْلِمِ فإذا وَقَعَ الْفَرْقُ على هذه الصِّفَةِ وَالْعِلَّةِ قُبِلَ وَوَقَعَ الْكَلَامُ في التَّرْجِيحِ وَتَقْرِيبِ الْأَشْبَاهِ إنْ كان الْقِيَاسُ مَعْنَوِيًّا وَإِنْ جَرَى الْفَارِقُ على صِفَةِ إلْحَاقِ حُكْمٍ بِحُكْمٍ فَهَذَا من الْفَارِقِ مُحَاوَلَةُ مُعَارَضَةِ الْمَعْنَى بِالشَّبَهِ فَلَا يُقْبَلُ لِأَنَّ أَدْنَى مَعَانِي الْمُنَاسَبَةِ يُقَدَّمُ على أَجْلَى الْأَشْبَاهِ وقال غَيْرُهُ هل يَجُوزُ الْفَرْقُ بِالنَّصِّ قَوْلَانِ كَقَوْلِ عَائِشَةَ رضي اللَّهُ عنها كنا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ قِيلَ وَالْخِلَافُ يَتَنَزَّلُ على حَالَيْنِ فَإِنْ كان الْمُرَادُ الْفَرْقَ الْقِيَاسِيَّ الْمُتَضَمِّنَ الْوَصْفَ الْمُنَاسِبَ فَقَدْ لَا يَحْصُلُ بِالنَّصِّ لِجَوَازِ كَوْنِهِ بَعِيدًا كَقَوْلِنَا ما الْفَرْقُ بين السَّبُعِ وَالْكَلْبِ وَالشَّاةِ حتى كان نَجِسًا مُحَرَّمَ الْبَيْعِ وَهِيَ طَاهِرَةٌ جَائِزَةُ الْبَيْعِ فَيُقَالُ الشَّرْعُ مَنَعَ بَيْعَ الْكَلْبِ وَأَجَازَ بَيْعَ الشَّاةِ وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنْ لَا تَنَاسُبَ وَلَوْ عَكَسَ لَوَجَبَ اتِّبَاعُهُ وَأَرَادَ بِهِ مُطْلَقَ الْفَرْقِ وهو التَّخْيِيرُ بين حُكْمِ الصُّورَتَيْنِ بِدَلِيلٍ حَصَلَ لِحُصُولِ ذلك منه وَلِجَمْعِهَا وَأَعْنِي الْفَرْقَ النَّصِّيَّ وَالْقِيَاسِيَّ وَيَكُونُ النَّصِّيُّ تَابِعًا لِلْقِيَاسِيِّ كَحَدِيثِ عَائِشَةَ رضي اللَّهُ عنها فإن فيه النَّظَرَ الْمَذْكُورَ وَالْمَعْنَى الْمُنَاسِبَ وهو حُصُولُ الْمَشَقَّةِ في قَضَاءِ الصَّلَاةِ قُلْت وقد قال الْخَصْمُ لِلشَّافِعِيِّ في فَرْقِهِ بين ما تَحْتَ الْإِزَارِ وَفَوْقَهُ في تَحْرِيمِ الْمُبَاشَرَةِ في الْحَيْضِ هل تَجِدُ بَيْنَهُمَا فَرْقًا سِوَى الْخَبَرِ فقال الشَّافِعِيُّ أَيُّ فَرْقٍ أَحْسَنُ من الْخَبَرِ وَهَذَا يَدُلُّ على أَنَّ الْفَرْقَ بِالنَّصِّ عِنْدَهُ مَقْبُولٌ في مَقَامِ الْمُنَاظَرَةِ وَحَكَى ذلك عن الشَّيْخِ أبي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
  22. مَسْأَلَةٌ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في النِّهَايَةِ في بَابِ الْعَيْبِ في الْمَنْكُوحَةِ الْفَرْقُ نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا يَقَعُ بين مَسْأَلَتَيْنِ والثاني يَقَعُ في مَوْضِعَيْنِ وَمَأْخَذَيْنِ فما ثَبَتَ بين مَسْأَلَتَيْنِ يَثْبُتُ وَيَنْتَفِي وَيَنْعَكِسُ وما يَقَعُ بين مَأْخَذَيْنِ يُبَيَّنُ مَأْخَذُ كل جِهَةٍ ثُمَّ ذلك يُوجِبُ الِانْفِصَالَ بِنَفْيَيْنِ وَإِثْبَاتَيْنِ انْتَهَى وَهَذَا يَحْتَاجُ إلَى إيضَاحٍ وَمَعْنَاهُ كما قَالَهُ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْفَرْعَ الْوَاقِعَ بين مَسْأَلَتَيْنِ هو مَذْكُورٌ في كِتَابِ الْقِيَاسِ لِأَنَّ الْقَائِسَ جَمَعَ بين أَصْلٍ وَفَرْعٍ بِعِلَّةٍ وَالْفَارِقُ فَرَّقَ بَيْنَهُمْ بِعِلَّةٍ أُخْرَى يَثْبُتُ الْحُكْمُ في الْأَصْلِ بِثُبُوتِهَا وَيَنْتَفِي في الْفَرْعِ بِانْتِفَائِهَا وَهَذَا مَعْنَى الِاطِّرَادِ وَالِانْعِكَاسِ وَاقْتَصَرُوا في كِتَابِ الْقِيَاسِ على هذا النَّوْعِ لِأَنَّهُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ في جَوَابِ الْقِيَاسِ وَكُلٌّ من الْعِلَّةِ وَاقْتِضَائِهَا الْحُكْمَ مَعْلُومٌ وَإِنَّمَا النَّظَرُ في وُجُودِهَا في ذلك الْمَحَلِّ وَعَدَمِهَا هو تَصْدِيقٌ مَسْبُوقٌ بِتَصَوُّرٍ وَالنَّوْعُ الثَّانِي هو الْوَاقِعُ بين حَقِيقَتَيْنِ لِيُمَيِّزَ بَيْنَهُمَا وَيُبَيِّنَ اللُّبْسَ عَمَّنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّهُمَا حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ أو بين انْتِفَائِهَا لِحُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لِيَتَمَيَّزَ ذلك وَيَنْتَفِيَ اللُّبْسُ عَمَّنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ مَأْخَذَ الْحُكْمَيْنِ وَاحِدٌ وَأَنَّ انْتِفَاءَ الْحَقِيقَتَيْنِ وَاحِدٌ وهو يُوجِبُ الِانْفِصَالَ بِنَفْيَيْنِ وَإِثْبَاتَيْنِ وَإِنَّهُ حَيْثُ انْتَفَى يَنْتَفِي الْحُكْمُ وَحَيْثُ ثَبَتَ يَثْبُتُ الْحُكْمُ هو مُطَّرِدٌ مُنْعَكِسٌ كَالنَّوْعِ الْأَوَّلِ وَهَذَا كَثِيرٌ في الْفِقْهِ من أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ وهو أَكْثَرُ وَأَنْفَعُ من الْأَوَّلِ فإنه بِهِ تَتَمَيَّزُ الْحَقَائِقُ وَالْمَآخِذُ وَيُفْهَمُ تَرْتِيبُ الْفِقْهِ عليها وَمِنْ هذا الْفَرْقُ بين حَقِيقَةِ انْفِسَاخِ النِّكَاحِ في الرِّدَّةِ وَفَسْخِهِ بِالْعُيُوبِ فَيُعْلَمُ أَنَّهُمَا حَقِيقَتَانِ مُتَغَايِرَتَانِ لِأَنَّ الْأَوَّلَ من طَارِئٍ غَيْرِ مُسْتَنِدٍ إلَى أَمْرٍ مُقَارِنٍ وَالثَّانِي مُسْتَنِدٌ إلَى مُقَارِنٍ وَالْفَرْقُ بين رِدَّةِ الزَّوْجِ وَرِدَّةِ الزَّوْجَةِ حَيْثُ كانت رِدَّةً مُنْتَظَرَةً بَيْنَهُمَا بِطَلَاقِهِ وَرِدَّتُهَا حَيْثُ كانت هِيَ الْقَاطِعَةَ كَالرَّضَاعِ فَاخْتَلَفَ الْمَأْخَذُ وَهَذَا كَثِيرٌ وَفِيهِ صَنَّفَ الشَّيْخُ أبو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ كِتَابَ الْجَمْعِ وَالْفَرْقِ وَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بين النَّوْعَيْنِ هو الْفَرْقُ بين شَيْئَيْنِ وَمَعْنَاهُ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا فَإِنْ كان بين حَقِيقَتَيْنِ فَهُوَ النَّوْعُ الْأَوَّلُ وَإِنْ كان بين مَحَلَّيْنِ فَهُوَ النَّوْعُ الثَّانِي وَالْأَوَّلُ أَنْفَعُ وَأَفْقَهُ وَيُمْكِنُ رَدُّ الْأَوَّلِ إلَى الثَّانِي وَإِدْرَاجُهُ في قَوْلِ الْفُقَهَاءِ الْفَرْقُ أَبَدًا مَعْنًى في إحْدَى الصُّورَتَيْنِ مَفْقُودٌ في الْأُخْرَى لِأَنَّ النِّزَاعَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بين صُورَتَيْنِ أَعْنِي في الْقِيَاسِ
  23. فَالْفَارِقُ إنْ نَازَعَ في حَقِيقَةِ الْعِلَّةِ أو في اقْتِضَائِهَا فَهُوَ النَّوْعُ الْأَوَّلُ وإذا تَمَّ له ما ادَّعَاهُ تَرَتَّبَ عليه الْفَرْقُ بين الْمَسْأَلَتَيْنِ لِافْتِرَاقِهِمَا في ذلك الْمَعْنَى وَإِنْ سَلَّمَ حَقِيقَةَ الْعِلَّةِ وَاقْتِضَاءَهَا وَنَازَعَ في ثُبُوتِ الْحُكْمِ وَالْفَرْعِ بِعِلَّةٍ أُخْرَى فَهُوَ النَّوْعُ الثَّانِي وَالْمَقْصُودُ بِالْفَرْقِ يَحْصُلُ على التَّقْدِيرَيْنِ مَسْأَلَةٌ كُلُّ فَرْقٍ مُؤَثِّرٍ بين مَسْأَلَتَيْنِ يُؤَثِّرُ ما لم يَغْلِبْ على الظَّنِّ أَنَّ الْجَامِعَ أَظْهَرُ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في النِّهَايَةِ في نِكَاحِ الْعَبْدِ بِأَكْثَرَ مِمَّا أَذِنَ بِهِ السَّيِّدُ إنَّهُ لَا يَلِيقُ بِنَا أَنْ نَكْتَفِيَ بِالْخَيَالَاتِ في الْفُرُوقِ كَدَأْبِ أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَالسِّرُّ في ذلك أَنَّ مُتَعَلِّقَ الْأَحْكَامِ مَجَالُ الظُّنُونِ عِلْمًا بها فإذا كان اجْتِمَاعُ مَسْأَلَتَيْنِ أَظْهَرَ في الظَّنِّ من افْتِرَاقِهِمَا وَجَبَ الْقَضَاءُ بِاجْتِمَاعِهِمَا وَإِنْ انْقَدَحَ فُرِّقَ على بُعْدٍ قال الْإِمَامُ فَافْهَمُوا ذلك فإنه من قَوَاعِدِ الدِّينِ وإذا عُرِفَ ذلك فإذا فَرَّقَ بين الْمَسْأَلَتَيْنِ بَعْدَمَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَرْقًا مُؤَثِّرًا فَهَلْ يَكْفِي الْفَارِقُ في إثْبَاتِ مُخَالِفِ كل وَاحِدَةٍ الْأُخْرَى في الْحُكْمِ فيه خِلَافٌ مَبْنِيٌّ على أَنَّهُ هل يَجُوزُ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِعِلَّتَيْنِ مُسْتَنْبَطَتَيْنِ مِثَالٌ إذَا قِيسَ الشِّطْرَنْجُ على النَّرْدِ في التَّحْرِيمِ ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ النَّرْدَ فِعْلُهُ من النَّقْصِ وَالشِّطْرَنْجَ من الْفِكْرِ مَثَلًا فَهَلْ يَكُونُ الْفَارِقُ دَلِيلًا على مُخَالَفَةِ الشِّطْرَنْجِ لِلنَّرْدِ في التَّحْرِيمِ لِيَكُونَ الشِّطْرَنْجُ حَلَالًا أَمْ لَا إذَا عَرَفَ ذلك فَهَلْ يَسْمَعُ الْجَامِعَ بَعْدَ الْفَرْقِ فيه خِلَافٌ مُرَتَّبٌ على أَنَّهُ هل يَجُوزُ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ مِثَالُهُ لو خُيِّرَ الْجَامِعُ بَعْدَ أَنْ فَرَّقَ الْفَارِقُ في الشِّطْرَنْجِ وَالنَّرْدِ بِمَا ذَكَرْنَا بِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا اشْتَرَكَ في الْمَنْعِ عن الِاشْتِغَالِ بِاَللَّهِ وَعَنْ عِبَادَتِهِ

  24. فصل ذَكَرَ الشَّيْخُ نَجْمُ الدِّينِ الْمَقْدِسِيُّ في كِتَابِهِ الذي أَفْرَدَهُ في الْفَرْقِ وَالْجَمْعِ إذَا تَمَّتْ الْمُنَاسَبَةُ بِشُرُوطِهَا فَهُوَ الْفَرْقُ الصَّحِيحُ وَأَمَّا الْفُرُوقُ الْفَاسِدَةُ فَكَثِيرَةٌ الْأَوَّلُ الْفَرْقُ بِالْأَوْصَافِ الطَّرْدِيَّةِ كما لو قِيلَ صَحَّ بَيْعُ الْحَبَشِيِّ فَيَصِحُّ بَيْعُ التُّرْكِيِّ فَلَوْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ هذا أَسْوَدُ وَذَلِكَ أَبْيَضُ لَكَانَ بَاطِلًا فإنه لو فَتَحَ بَابَ الْفَرْقِ بِذَلِكَ لم يَتِمَّ قِيَاسٌ أَصْلًا لِأَنَّ ما من صُورَتَيْنِ إلَّا وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ الثَّانِي الْفَرْقُ بِنَوْعٍ اصْطَلَحُوا على رَدِّهِ كما لو قِيلَ في الزَّانِي الْمُحْصَنِ يَجِبُ رَجْمُهُ بِالْقِيَاسِ على مَاعِزٍ فَلَوْ قِيلَ إنَّمَا وَجَبَ الرَّجْمُ هُنَاكَ تَطْهِيرًا له وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ في غَيْرِهِ لَكَانَ بَاطِلًا الثَّالِثُ الْفَرْقُ بِكَوْنِ الْأَصْلِ مُجْمَعًا عليه وَالْفَرْعِ مُخْتَلَفًا فيه كما لو قِيلَ الْحَاجَةُ إلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ على الْبَالِغِ أَكْثَرُ منه على الصَّبِيِّ لِأَنَّهَا في الْبَالِغِ مُتَّفَقٌ عليه وفي الصَّبِيِّ مُخْتَلَفٌ فيه وَلَوْ اسْتَوَتْ الصُّورَتَانِ في الْمَصْلَحَةِ لَاسْتَوَتَا في الِاجْتِمَاعِ وَعَدَمِهِ وَقَرِيبٌ منه الْفَرْقُ بِكَوْنِ الْأَصْلِ مَنْصُوصًا عليه وَالْفَرْعِ مُخْتَلَفًا فيه لِأَنَّهُ لو صَحَّ الْفَرْقُ بِذَلِكَ بَطَلَتْ الْأَقْيِسَةُ كُلُّهَا مَسْأَلَةٌ مِمَّا ذُكِرَ على صُورَةِ الْفَرْقِ وَلَيْسَ فَرْقًا وَإِنْ كان مُبْطِلًا لِلْعِلَّةِ كما قال في الْبُرْهَانِ قَوْلُ الْحَنَفِيِّ في اشْتِرَاطِ تَعَيُّنِ النِّيَّةِ ما تَعَيَّنَ أَصْلُهُ بِنَفْسِهِ لم يُشْتَرَطْ فيه تَعْيِينُ النِّيَّةِ كَرَدِّ الْمَغْصُوبِ وَالْوَدَائِعِ فَنَقُولُ أَصْلُ النِّيَّةِ ليس شَرْعِيًّا في الْأَصْلِ وهو مُعْتَبَرٌ في مَحَلِّ النِّزَاعِ وَهَذَا ليس فَرْقًا بَلْ الْجَامِعُ بَاطِلٌ فإن الْكَلَامَ في تَفْصِيلِ النِّيَّةِ فَرْعُ تَسْلِيمِ أَصْلِهَا وأبو حَنِيفَةَ لَا يُرَاعِي التَّعْيِينَ مع اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ لِأَنَّ أَصْلَهَا عِنْدَهُ كَافٍ مُغْنٍ عن التَّفْصِيلِ فَكَيْفَ يَتَمَسَّكُ بِمَا لَا يُشْتَرَطُ فيه أَصْلُ النِّيَّةِ
  25. فَصْلٌ في جَوَابِ الْفَرْقِ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ يَعْتَرِضُ على الْفَارِقِ مع قَبُولِهِ في الْأَصْلِ على ما يَعْتَرِضُ بِهِ على الْعِلَلِ الْمُسْتَقِلَّةِ وَإِنْ كان ليس بِمُعَارَضَةٍ على الصَّحِيحِ عِنْدَنَا لَكِنَّهُ في صُورَةِ الْمُعَارَضَةِ وَتِلْكَ الصُّورَةُ في النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ من خَاصَّتِهِ وإذا بَطَلَ مُسْتَنِدُ الْفَرْقِ بَطَلَ الْفَرْقُ فَأَمَّا من يُجَوِّزُ اجْتِمَاعَ عِلَّتَيْنِ فَلَا يُتَّجَهُ قَوْلُ الْفَارِقِ أَقُولُ بِالْمَعْنَيَيْنِ لِأَنَّ الْفَرْقَ مُعَارَضَتَانِ وَغَايَتُهُ أَنْ دَرَأَ أَحَدَهُمَا وقد نَشَأَتْ عنهما خَاصَّةُ الْمُنَاقَضَةِ وَهِيَ قَائِمَةٌ فَلْيَسْتَأْنِفْ الْجَوَابَ بِعَدَمِ إثَارَةِ الْفَرْقِ وَتَرْجِيحِ مَسْلَكِ الْجَامِعِ مَسْأَلَةٌ إذَا اخْتَلَفَ الْمَوْضُوعُ فَإِنْ كان أَحَدُ الْحُكْمَيْنِ مَبْنِيًّا على التَّخْفِيفِ وَالْآخَرُ على التَّغْلِيظِ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِعِلَّةٍ تُوجِبُ حُكْمًا آخَرَ فَفِي إفْسَادِهِ الْعِلَّةَ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ في الْبُيُوعِ أَحَدُهُمَا نعم لِأَنَّ الْجَمْعَ يُوجِبُ التَّسَاوِيَ في الْحُكْمِ وَاخْتِلَافَ الْمَوْضُوعِ يُوجِبُ التَّسْوِيَةَ والثاني لَا لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْعُ مُسَاوِيًا لِأَصْلِهِ في حُكْمِهِ وَإِنْ خَالَفَهُ في عَمَلِهِ لِأَنَّ تَسَاوِيَ الْأَحْكَامِ من كل وَجْهٍ مُتَعَذِّرٌ وَاعْلَمْ أَنَّ هذه الِاعْتِرَاضَاتِ هِيَ الْوَارِدَةُ على الْعِلَّةِ فَلِهَذِهِ بُدِئَ بِذِكْرِهَا ثُمَّ نَذْكُرُ بَعْدَ ذلك بَقِيَّةَ الِاعْتِرَاضَاتِ فَنَقُولُ الثَّامِنُ الِاسْتِفْسَارُ وهو مُقَدَّمُ الِاعْتِرَاضَاتِ وَبِهِ بَدَأَ ابن الْحَاجِبِ في جَمْعٍ وَمَعْنَاهُ طَلَبُ شَرْحِ مَعْنَى اللَّفْظِ إذَا كان غَرِيبًا أو مُجْمَلًا وَيَقَعُ بِ هل وَبِالْهَمْزَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُسْأَلُ بِهِ عن التَّصَوُّرِ فَيُسْتَفْسَرُ عن صُورَةِ الْمَسْأَلَةِ وَمَعْنَى الْمُقَدَّمَاتِ حتى يَتَّفِقَا على مَوْضِعِ الْعِلَّةِ وَمِنْ الْفُقَهَاءِ من لم يَسْمَعْ الِاسْتِفْسَارَ وهو غَلَطٌ فإن مَحَلَّ النِّزَاعِ إذَا لم يَكُنْ مُتَحَقِّقًا فَرُبَّمَا لم يَكُنْ بَيْنَهُمَا خِلَافٌ وَرُبَّمَا يَسْلَمُ الْمُعَانِدُ وَيَرْجِعُ إلَى الْمُوَافَقَةِ عِنْدَ تَحْقِيقِ الْمُدَّعِي وَالْأَصَحُّ أَنَّ بَيَانَ اشْتِمَالِ اللَّفْظِ على الْإِجْمَالِ وَالْقَرَابَةَ على الْمُعْتَرِضِ وَقِيلَ بَلْ على الْمُسْتَدِلِّ
  26. لِأَنَّ شَرْطَ ظُهُورِ الدَّلِيلِ انْتِفَاؤُهَا عنه وَالْأَصَحُّ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ تَفَاوُتِهِمَا فَيُبَيِّنُ الْمُسْتَدِلُّ عَدَمَهَا أو يُفَسِّرُ بِمُحْتَمَلٍ وفي دَعْوَاهُ الظُّهُورَ في مَقْصُودِهِ دَفْعًا لِلْإِجْمَالِ لِعَدَمِ الظُّهُورِ في الْآخَرِ خِلَافٌ فَإِنْ اشْتَهَرَ بِالْإِجْمَالِ كَالْعَيْنِ وَالْقُرْءِ فَلَا يَصِحُّ فيه دَعْوَى الظُّهُورِ قَطْعًا قَالَهُ الشَّرِيفُ وَذَكَرَ الْخُوَارِزْمِيُّ في النِّهَايَةِ أَنَّهُ إذَا لم يَكُنْ في اللَّفْظِ احْتِمَالٌ أَصْلًا وَعَنِيَ بِهِ شيئا لَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ فَقِيلَ لَا يَسْمَعُ الْعِنَايَةَ لِأَنَّ اللَّفْظَ غَيْرُ مُحْتَمِلٍ له فَكَيْفَ يَكُونُ تَفْسِيرًا لِكَلَامِهِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ يَسْمَعُ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ نَاطِقٌ بِلُغَةٍ غَيْرِ مَعْلُومَةٍ وَلَكِنْ بَعْدَمَا عَرَفَ الْمُرَادَ وَعَرَفَ اللُّغَةَ فَلَا يُلْجَأُ إلَى النَّاظِرِ بِالْعَرَبِيَّةِ وَرَجَّحَ ابن الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ الْأَوَّلَ وقال الْعَمِيدِيُّ لَا يَلْزَمُهُ التَّفْسِيرُ وَاعْلَمْ أَنَّ في عَدِّ هذا من الِاعْتِرَاضَاتِ نَظَرًا لِأَنَّهُ طَلِيعَةُ جَيْشِهَا وَلَيْسَ من أَقْسَامِهَا إذْ الِاعْتِرَاضُ عِبَارَةٌ عَمَّا يُخْدَشُ بِهِ كَلَامُ الْمُسْتَدِلِّ وَالِاسْتِفْسَارُ ليس من هذا الْقَبِيلِ بَلْ هو يَعْرِفُ الْمُرَادَ وَيُبَيِّنُ له لِيَتَوَجَّهَ عليه السُّؤَالُ فإذا هو طَلِيعَةُ السُّؤَالِ فَلَيْسَ بِسُؤَالٍ بَلْ حَكَى الْهِنْدِيُّ أَنَّ بَعْضَ الْجَدَلِيِّينَ أَنْكَرَ كَوْنَهُ اعْتِرَاضًا لِأَنَّ التَّصْدِيقَ فَرْعُ دَلَالَةِ الدَّلِيلِ على الْمُنَازَعِ تَنْبِيهٌ أَطْلَقُوا أَنَّ عِلَّتَهُ الْبَيَانُ وَهَذَا حَيْثُ لَا يَكُونُ الْمُعْتَرِضُ مُتَعَنِّتًا يَقْصِدُ تَغْلِيطَ خَصْمِهِ فَإِنْ كان اكْتَفَى منه بِالْجَوَابِ الْمُجْمَلِ وَهَذَا كما حُكِيَ عن الْيَهُودِ أَنَّهُمْ سَأَلُوا عن الرُّوحِ وهو لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بين الْقُرْآنِ وَجِبْرِيلَ وَعِيسَى وَمَلَكٌ يُقَالُ له الرُّوحُ وَرُوحُ الْإِنْسَانِ وَأَضْمَرُوا أَنَّهُ إنْ قال لهم الرُّوحُ مَلَكٌ قالوا بَلْ هو رُوحُ الْإِنْسَانِ وَإِنْ قال رُوحُ الْإِنْسَانِ قالوا بَلْ هو مَلَكٌ أو غَيْرُ ذلك من مُسَمَّيَاتِ الرُّوحِ فَعَلِمَ اللَّهُ مَكْرَهُمْ فَأَجَابَهُمْ مُجْمِلًا كَسُؤَالِهِمْ بِقَوْلِهِ قُلْ الرُّوحُ من أَمْرِ رَبِّي وهو يَتَنَاوَلُ الْمُسَمَّيَاتِ الْخَمْسَةِ وَغَيْرَهَا هَكَذَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْإِيضَاحِ في خَلْقِ الْإِنْسَانِ وقال هذا هو السَّبَبُ في الْإِجْمَالِ لَا أَنَّ حَقِيقَتَهَا غَيْرُ مَعْلُومَةٍ لِلْبَشَرِ إذْ قد دَلَّتْ قَوَاطِعُ الشَّرْعِ على تَعْيِينِهَا فَقَدْ يُجْمِلُ الْمُسْتَدِلُّ لَفْظًا احْتِيَاطًا لِنَفْسِهِ في مَيْدَانِ النَّظَرِ بِحَيْثُ إنْ تَوَجَّهَ سُؤَالُ الْمُعْتَرِضِ على أَحَدِ مَعْنَيَيْ اللَّفْظِ تَخَلَّصَ منه بِتَعْيِينِ كَلَامِهِ بِالْمَعْنَى الْآخَرِ التَّاسِعُ فَسَادُ الِاعْتِبَارِ وهو بَيَانُ أَنَّ الْقِيَاسَ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ في هذا الْحُكْمِ لَا لِفَسَادٍ فيه بَلْ لِمُخَالَفَتِهِ النَّصَّ أو الْإِجْمَاعَ أو كان إحْدَى مُقَدِّمَاتِهِ كَذَلِكَ أو كان الْحُكْمُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ بِالْقِيَاسِ كَإِلْحَاقِ الْمُصَرَّاةِ بِغَيْرِهَا من الْعُيُوبِ في حُكْمِ الرَّدِّ وَعَدَمِهِ وَوُجُوبِ بَدَلِ
  27. لَبَنِهَا الْمَوْجُودِ في الضَّرْعِ أو كان تَرْكِيبُهُ مُشْعِرًا بِنَقِيضِ الْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ وهو أَعَمُّ من فَسَادِ الْوَضْعِ وَإِنَّمَا يَنْقَدِحُ جَعْلُهُ اعْتِرَاضًا إذَا قُلْنَا بِتَقْدِيمِ خَبَرِ الْوَاحِدِ على الْقِيَاسِ وهو الصَّحِيحُ وَعَنْ طَائِفَةٍ من الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ تَقْدِيمُ الْقِيَاسِ وَعَنْ الْقَاضِي وُقُوفُ الِاسْتِدْلَالِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَعَلَى هذا لَا يَكُونُ الْقِيَاسُ فَاسِدَ الْوَضْعِ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَجَوَابُهُ لِلطَّعْنِ في مُسْتَنِدِهِ أو مَنْعِ ظُهُورِهِ أو التَّأْوِيلِ أو الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ أو الْمُعَارَضَةِ بِنَصٍّ آخَرَ لِيَسْلَمَ الْقِيَاسُ أو يَتَبَيَّنَ أَنَّ هذا الْقِيَاسَ مِمَّا يَجِبُ تَرْجِيحُهُ على النَّصِّ بِوُجُوهِ التَّرْجِيحِ الْعَاشِرُ فَسَادُ الْوَضْعِ بِأَنْ لَا يَكُونَ الدَّلِيلُ على الْهَيْئَةِ الصَّالِحَةِ لِاعْتِبَارِهِ في تَرْتِيبِ الْحُكْمِ كَتَرْتِيبِ الْحُكْمِ من وَضْعٍ يَقْتَضِي ضِدَّهُ كَالضِّيقِ من التَّوَسُّعِ وَالتَّخْفِيفِ من التَّغْلِيظِ وَالْإِثْبَاتِ من النَّفْيِ كَقَوْلِهِمْ في النِّكَاحِ بِلَفْظِ الْهِبَةِ لَفْظٌ يَنْعَقِدُ بِهِ غَيْرُ النِّكَاحِ وَلَا يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ كَلَفْظِ الْإِجَارَةِ فإن كَوْنَهُ يَنْعَقِدُ بِهِ غَيْرُ مُنَاسِبٍ أَنْ يَنْعَقِدَ هو بِهِ لَا عَدَمُ الِانْعِقَادِ وَكُلُّ فَاسِدِ الْوَضْعِ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ وَلَا يَنْعَكِسُ وَمِنْهُمْ من جَعَلَهُمَا وَاحِدًا وَهِيَ طَرِيقَةُ الشَّيْخِ أبي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ وقال ابن بَرْهَانٍ هُمَا سِيَّانِ من حَيْثُ الْمَعْنَى لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا وَقَالُوا فَسَادُ الْوَضْعِ هو أَنْ يُعَلِّقَ على الْعِلَّةِ ضِدَّ ما يَقْتَضِيهِ وَفَسَادُ الِاعْتِبَارِ هو أَنْ يُعَلِّقَ على الْعِلَّةِ خِلَافَ ما يَقْتَضِيهِ انْتَهَى وَقِيلَ فَسَادُ الْوَضْعِ هو إظْهَارُ كَوْنِ الْوَصْفِ مُلَائِمًا لِنَقِيضِ الْحُكْمِ بِالْإِجْمَاعِ مع اتِّحَادِ الْجِهَةِ وَمِنْهُ الِاحْتِرَازُ عن تَعَدُّدِ الْجِهَاتِ لِتَنَزُّلِهَا مَنْزِلَةَ تَعَدُّدِ الْأَوْصَافِ وَعَنْ تَرْكِ حُكْمِ الْعِلَّةِ بِمُجَرَّدِ مُلَاءَمَةِ الْوَصْفِ لِلنَّقِيضِ دُونَ دَلَالَةِ الدَّلِيلِ إذْ هو عِنْدَ فَرْضِ اتِّحَادِ الْجِهَةِ خُرُوجٌ عن فَسَادِ الْوَضْعِ إلَى الْقَدْحِ في الْمُنَاسَبَةِ وَرُبَّمَا عَبَّرَ عنه الْقَاضِي بِتَعْلِيقِ ضِدِّ الْمُقْتَضِي وقال إلْكِيَا هو تَقَدُّمُ الْعِلَّةِ على ما يَجِبُ تَأَخُّرُهَا عنه كَالْجَمْعِ في مَحَلٍّ فَرَّقَ الشَّرْعُ أو على الْعَكْسِ كما يُقَالُ لِلْحَنَفِيَّةِ جَمَعْتُمْ في مَحَلٍّ فَرَّقَ الشَّرْعُ إذْ قِسْتُمْ النَّفَقَةَ على السُّكْنَى في وُجُوبِهَا لِلْمَبْتُوتَةِ مع قَوْله تَعَالَى أَسْكِنُوهُنَّ من حَيْثُ سَكَنْتُمْ من وُجْدِكُمْ مُطْلَقًا وَقَوْلُهُ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتُ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حتى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَفَرَّقَ وَجَمَعْتُمْ وقد عَدَّ الْقَاضِي هذا الِاعْتِرَاضَ من الْقَطْعِيَّاتِ وقال أبو زَيْدٍ هو يَجْرِي من
  28. الشَّهَادَةِ مَجْرَى فَسَادِ الْأَدَاءِ قال ابن السَّمْعَانِيِّ وَيُمْكِنُ إيرَادُهُ على الطُّرُودِ وَيَضْطَرُّ بِهِ الْمُعَلِّلُ إلَى إظْهَارِ التَّأْثِيرِ وإذا ظَهَرَ التَّأْثِيرُ بَطَلَ السُّؤَالُ وَهَذَا طَرِيقٌ سَلَكَهُ كَثِيرٌ من أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَأَوْرَدَهُ كَثِيرٌ من الْأُصُولِيِّينَ وَيَرِدُ عِنْدَهُ اخْتِلَافُ مَوْضُوعِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ وَذَلِكَ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ مَبْنِيًّا على التَّخْفِيفِ كَالتَّيَمُّمِ وَالْمَسْحِ على الْخُفِّ وَيَكُونُ الْفَرْعُ مَبْنِيًّا على التَّغْلِيظِ كَوُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَيَرُومُ الْقَائِسُ أَنْ يُثْبِتَ في الْفَرْعِ حُكْمًا مُخَفَّفًا وقد بَانَ من اخْتِلَافِ مَوْضُوعِ الْعِلَّةِ وَالْحُكْمِ مِمَّا ذَكَرْنَا وهو مِثْلُ النَّقْضِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَفِيدُ بِهِ طَرْدَهُ بَعْدَ صِحَّةِ عِلَّتِهِ كَالشَّهَادَةِ إنَّمَا يَشْتَغِلُ بِتَعْدِيلِ الشَّهَادَةِ بَعْدَ صِحَّةِ الْأَدَاءِ وهو أَقْوَى من النَّقْضِ لِأَنَّ الْوَضْعَ إذَا فَسَدَ لم يَبْقَ إلَّا الِانْتِقَالُ وَالنَّقْضُ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عنه قال ابن السَّمْعَانِيِّ وَذَكَرَ أبو زَيْدٍ وَغَيْرُهُ أَنَّ هذا السُّؤَالَ لَا يَرِدُ إلَّا على الطَّرْدِ وَالطَّرْدُ ليس بِحُجَّةٍ وَأَمَّا الْعِلَّةُ التي ظَهَرَ تَأْثِيرُهَا فَلَا يَرِدُ هذا السُّؤَالُ وَنَحْنُ نَقُولُ نعم وَإِنْ كان الطَّرْدُ ليس بِحُجَّةٍ وَإِظْهَارُ التَّأْثِيرِ لَا بُدَّ منه وَلَكِنَّ السُّؤَالَ يَبْقَى وهو أَنْ يَقُولَ السَّائِلُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ على صِحَّةِ مِثْلِ هذه الْعِلَّةِ أو يَقُولَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَظْهَرَ له تَأْثِيرٌ فَلَا بُدَّ في الْجَوَابِ من نَقْلِ الْكَلَامِ إلَى ذلك وَبِأَنَّ الدَّلِيلَ قد قام على صِحَّةِ هذه الْعِلَّةِ فَبِهَذَا الْوَجْهِ صَحَّحْنَا السُّؤَالَ وقال الْأَصْفَهَانِيُّ في شَرْحِ الْمَحْصُولِ فَسَادُ الْوَضْعِ عِبَارَةٌ عن كَوْنِ الدَّلِيلِ دَالًّا على مَحَلِّ النِّزَاعِ وهو مَقْبُولٌ عِنْدَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَمَنَعَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ إذْ لَا تَوَجُّهَ له لِكَوْنِهِ خَارِجًا عن الْمَنْعِ وَالْمُعَارَضَةِ تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ ما ذَكَرْنَاهُ من تَغَايُرِ فَسَادِ الْوَضْعِ وَفَسَادِ الِاعْتِبَارِ وَأَنَّ الْأَوَّلَ بَيَانُ مُنَاسَبَةِ الْوَصْفِ لِنَقِيضِ الْحُكْمِ وَالثَّانِي اسْتِعْمَالُ الْقِيَاسِ على مُنَاقَضَةِ النَّصِّ أو الْإِجْمَاعِ فَهُوَ أَعَمُّ وهو اصْطِلَاحُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَأَمَّا الْمُتَقَدِّمُونَ فَعِنْدَهُمْ أَنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ ذَكَرَهُ ابن الْمُنِيرِ ثُمَّ قال وَعِنْدِي أَنَّهُمَا ليس بِاعْتِرَاضَيْنِ زَائِدَيْنِ فإن الْمُنَاسَبَةَ لِلنَّقِيضِ إنْ كان الْمُعْتَرِضُ رَدَّ الِاسْتِشْهَادَ إلَى أَصْلِ الْمُسْتَدِلِّ فَهُوَ قَلْبٌ وَإِنْ رَدَّهُ لِأَصْلٍ آخَرَ فَإِنْ كانت جِهَتَا الْمُنَاسَبَةِ لِلنَّقِيضِ مُخْتَلِفَيْنِ فَهُوَ مُعَارَضَةٌ وَإِنْ اتَّحَدَتْ الْجِهَةُ فَهُوَ قَدْحٌ في الْمُنَاسَبَةِ وَإِنْ لم يَرُدَّ الْمُعْتَرِضَ إلَى أَصْلٍ وَالْجِهَةُ مُخْتَلِفَةٌ فَهُوَ مُعَارَضَةٌ لِمَعَانِي الْأُصُولِ بِالْمُرْسَلَاتِ فَلَا تُسْمَعُ وَأَمَّا فَسَادُ الِاعْتِبَارِ فَحَاصِلُهُ مُعَارَضَةٌ فَإِنْ كان التَّوْقِيفُ أَقْوَى
  29. أو تَسَاوَيَا تَمَّتْ الْمُعَارَضَةُ أو أَضْعَفَ قُدِّمَ على طَرِيقَةِ الْإِمَامِ الثَّانِي نَقْلُ خِلَافٍ في اسْتِعْمَالِ السُّؤَالِ على مُوَافَقَةِ النَّصِّ هل يَكُونُ فَسَادَ وَضْعٍ أَمْ لَا قال ابن الْمُنِيرِ فَلَا حَاصِلَ عِنْدِي لِهَذَا الْخِلَافِ فَلَا يُتَصَوَّرُ الْجَمْعُ بين دَلِيلَيْنِ إلَّا على تَفْسِيرٍ وَاحِدٍ وهو أَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ أَحَدَهُمَا أَمَّا إذَا سَبَقَ إلَى الْفِكْرِ الظَّنُّ بِأَحَدِهِمَا اسْتَحَالَ أَنْ تَظُنَّ بِالْآخَرِ ظَنًّا آخَرَ مُجَامِعًا لِلْأُولَى انْتَهَى وَهَذَا خِلَافُ طَرِيقَةِ الناس الْمَشْهُورَةِ وَأُوِّلَ إطْلَاقُ الْعُلَمَاءِ بِاجْتِمَاعِ الْعِلَّةِ على أَنَّهُ إذَا انْفَرَدَ وَاحِدٌ كَفَى في حُصُولِ الْغَرَضِ الثَّالِثُ قد يُورَدُ هذا السُّؤَالُ على قَوَاعِدِ أَصْحَابِنَا في قِيَاسِ الْعَامِدِ على النَّاسِي في تَرْكِ التَّسْمِيَةِ وفي جَبْرِ الصَّلَاةِ بِالسُّجُودِ وفي قَضَائِهَا عِنْدَ التَّرْكِ وفي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ في الْيَمِينِ الْغَمُوسِ وَغَيْرِ ذلك فَيُقَالُ كَيْفَ يَصِحُّ الْإِلْحَاقُ مع أَنَّ الشَّرْعَ عَذَرَ النَّاسِيَ وَرَفَعَ التَّكْلِيفَ عنه ولم يَعْذِرْ الْعَامِدَ فَلَا يَلْزَمُ من إعْذَارِ النَّاسِي إعْذَارُ الْعَامِدِ وقد كَثُرَ التَّشْنِيعُ عَلَيْنَا في هذا وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْعَمْدَ يُفَارِقُ النِّسْيَانَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِثْمِ وَعَدَمِهِ فَأَمَّا ما يَتَعَلَّقُ بِالصِّحَّةِ وَالْبُطْلَانِ أو التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ وَالْإِيجَابِ وَعَدَمِهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا بِدَلِيلِ أَنَّ من تَرَكَ الطَّهَارَةَ عَمْدًا فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ وَكَذَلِكَ نَاسِيًا وَكَذَلِكَ تَرْكُ النِّيَّةِ في الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهِمَا من الْمَأْمُورَاتِ وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ حُكْمُهَا في الْمَنْهِيَّاتِ وقد يُورِدُ أَيْضًا قِيَاسَ الْمُخْطِئِ على الْعَامِدِ في إيجَابِ كَفَّارَةِ الصَّيْدِ وَنَحْوِهِ وَجَوَابُهُ أَنَّ فيه تَنْبِيهًا على وُجُوبِهَا فِيمَا دُونَ ذلك كَقَوْلِهِ تَعَالَى فإذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ الْآيَةَ فذكر الْجَلْدَ في إحْصَانِهِنَّ الذي هو أَعْلَى لِيُبَيِّنَ أَنَّ ما دُونَ ذلك يَكْفِي فيه الْجَلْدُ وَقِيلَ فيه وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ التَّنْصِيصَ على الْعَمْدِ لِيُنَبِّهَ على قَتْلِ الْآدَمِيِّ عَمْدًا في إيجَابِ الْكَفَّارَةِ وَالتَّنْصِيصَ في قَتْلِ الْآدَمِيِّ على الْخَطَأِ لِيُنَبِّهَ على خَطَأِ الْعَمْدِ والثاني أَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَ الْعَمْدَ لِأَنَّهُ رَتَّبَ عليه الْعُقُوبَةَ في الْعَوْدِ فقال وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ منه وَلَا يُمْكِنُ الْعُقُوبَةُ إلَّا في حَقِّ الْعَامِدِ الْحَادِيَ عَشَرَ الْمَنْعُ قال ابن السَّمْعَانِيِّ الْمُمَانَعَةُ أَرْفَعُ سُؤَالٍ على الْعِلَلِ وَقِيلَ إنَّهَا أَسَاسُ الْمُنَاظَرَةِ وَبِهِ يَتَبَيَّنُ الْعُوَارُ انْتَهَى وَيَتَوَجَّهُ على الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ
  30. أَمَّا الْأَصْلُ فَمِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا مَنْعُ كَوْنِ الْأَصْلِ مُعَلَّلًا بِأَنَّ الْأَحْكَامَ تَنْقَسِمُ بِالِاتِّفَاقِ إلَى ما يُعَلَّلُ وَإِلَى ما لَا يُعَلَّلُ فَمَنْ ادَّعَى تَعْلِيلَ شَيْءٍ كُلِّفَ بَيَانَهُ وقد اُخْتُلِفَ في هذا فقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إنَّمَا يَتَّجِهُ على من لم يذكر تَحْرِيرًا فإن الْفَرْعَ في الْعِلَّةِ الْمُجَرَّدَةِ يَرْتَبِطُ بِالْأَصْلِ بِمَعْنَى الْأَصْلِ قال إلْكِيَا هذا الِاعْتِرَاضُ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْمُعَلِّلَ إذَا أتى بِالْعِلَّةِ لم يَكُنْ لِهَذَا السُّؤَالِ مَعْنًى وَقَبْلَ الْعِلَّةِ لَا يَكُونُ آتِيًا بِالدَّلِيلِ إلَّا أَنْ يَبْقَى تَقْسِيمًا وَسَبْرًا وقال الْمُقْتَرِحُ التَّحْقِيقُ أَنَّ الْمَنْعَ كَوْنُ الْأَصْلِ مُعَلَّلًا لَا يَرِدُ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُحَرِّرَ الْمُسْتَدِلُّ الْعِبَارَةَ أَمْ لَا فَإِنْ لم يُحَرِّرْهَا لم يُرِدْ عليه الْمَنْعُ لِأَنَّ الْمَنْعَ إنَّمَا يَرِدُ على مَذْكُورٍ وهو لم يذكر شيئا بَلْ قَوْلُهُ أَجْمَعْنَا على تَحْرِيمِ الْخَمْرِ فَلْيُحَرَّمْ النَّبِيذُ فَهَذَا ليس بِدَلِيلٍ فَلَا يَتَّجِهُ مَنْعُ كَوْنِ الْأَصْلِ مُعَلِّلًا بَلْ لَا يُخَاطِبُ حتى يُصَرِّحَ بِالْجَامِعِ وَإِنْ حَرَّرَ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُسَلَّمَ له كَوْنُ ما ادَّعَاهُ عِلَّةً أو لَا فَإِنْ سَلَّمَ لَزِمَ من ذلك كَوْنُ الْأَصْلِ مُعَلِّلًا وَإِنْ لم يُسَلِّمْ لم يَرُدَّ عليه فَيَرُدُّ عليه مَنْعُ كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً لَا مَنْعُ كَوْنِ الْأَصْلِ مُعَلَّلًا وقال ابن الْمُنِيرِ في مَنْعِ كَوْنِ الْأَصْلِ مُعَلَّلًا هل يُقْبَلُ أَمْ لَا مَبْنِيٌّ على قَاعِدَةٍ مُخْتَلَفٍ فيها وَهِيَ أَنَّا هل نَحْتَاجُ في كل صُورَةٍ إلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ على أَنَّ الْحُكْمَ فيها مُعَلَّلٌ أو يُكْتَفَى بِالدَّلِيلِ الْعَامِّ على أَنَّ الْأَحْكَامَ مُعَلَّلَةٌ وَالْحَقُّ هو الثَّانِي لِاسْتِقْرَارِ الْإِجْمَاعِ على أَنَّ الْأَصْلَ في الْأَحْكَامِ التَّعْلِيلُ فَالْمُطَالَبَةُ بِكَوْنِ الْحُكْمِ مُعَلَّلًا على هذا الْقَوْلِ كَالْمُطَالَبَةِ بِكَوْنِ الْقِيَاسِ الصَّحِيحِ حُجَّةً فَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ هِيَ الْمُسْقِطَةُ لِهَذَا الِاعْتِرَاضِ لَا ما ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَنَّ الْمُسْقِطَةَ له الْكِفَايَةُ عنه بِتَصْحِيحِ الْعِلَّةِ الْمُعَيِّنَةِ فَمَتَى صَحَّتْ لَزِمَ كَوْنُ الْحُكْمِ مُعَلَّلًا ضَرُورَةَ لُزُومِ الْمُطْلَقِ الْمُقَيَّدَ لِأَنَّا نَقُولُ الْمُصَحِّحُ لِكَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً مَثَلًا الْمُنَاسَبَةُ وَالْجَرَيَانُ لَا بِالذَّاتِ وَلَكِنْ بِالشَّرْعِ وَلَا يَلْزَمُ من الْمُنَاسَبَةِ وَالْجَرَيَانِ كَوْنُ الْمُنَاسَبَةِ عِلَّةً فَلَا يَلْزَمُ حِينَئِذٍ كَوْنُ الْحُكْمِ مُعَلَّلًا لَوْلَا قِيَامُ الْإِجْمَاعِ على تَعْلِيلِ الْأَحْكَامِ بِالْأَوْصَافِ الْمُقَارِنَةِ لها بِشَرْطِهَا الثَّانِي مَنْعُ ما يَدَّعِيهِ الْخَصْمُ أَنَّهُ عِلَّةُ كَوْنِهِ عِلَّةً بَعْدَ تَسْلِيمِ التَّعْلِيلِ وَيُسَمَّى الْمُطَالَبَةُ أَيْ بِتَصْحِيحِ الْعِلَّةِ وإذا أُطْلِقَتْ الْمُطَالَبَةُ في عُرْفِ الْجَدَلِيِّينَ فَمُرَادُهُمْ هذا وَحَيْثُ أُرِيدَ غَيْرُهَا ذُكِرَتْ مُقَيَّدَةً فَيُقَالُ الْمُطَالَبَةُ بِوُجُودِ الْوَصْفِ أو ثُبُوتِ الْحُكْمِ في الْأَصْلِ وَنَحْوُهُ وَوَجْهُ الِاعْتِرَاضِ بِهِ أَنَّ من الناس من يَتَمَسَّكُ بِمَا لَا يَصْلُحُ كَوْنُهُ عِلَّةً فَيَجْعَلُهُ كَالتَّمَسُّكِ بِالطَّرْدِ أو بِالنَّفْيِ قال ابن السَّمْعَانِيِّ وَهِيَ عَائِدَةٌ إلَى مَحْضِ
  31. الْفِقْهِ وَبِهَا يَتَبَيَّنُ الْمُحَقِّقُ من الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ وقال الْآمِدِيُّ هو أَعْظَمُ الْأَسْئِلَةِ الْوَارِدَةِ على الْقِيَاسِ لِعُمُومِ وُرُودِهِ على كل وَصْفٍ وَاتِّسَاعِ طُرُقِ إثْبَاتِهِ وَتَشَعُّبِهَا وقد اُخْتُلِفَ فيه وَالْمُخْتَارُ قَبُولُهُ فإن الْحُكْمَ لَا بُدَّ له من جَامِعٍ هو عِلَّةٌ وَاحْتَجَّ الْآخَرُونَ بِأَنَّهُ لو قُبِلَ لَاسْتُدِلَّ عليه بِمَا يُمْكِنُ مَنْعُ الْمُنَاسَبَةِ فيه وَيَتَسَلْسَلُ وَبِأَنَّا لو لم نَجِدْ إلَّا هذه الْعِلَّةَ فَعَلَى الْمُعْتَرِضِ الْقَدْحُ فيها وَبِأَنَّ الِاقْتِرَانَ دَلِيلُ الْعِلِّيَّةِ وَأُجِيبَ عن الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ إذَا ذُكِرَ ما يُفِيدُ ظَنَّ التَّعْلِيلِ وَجَبَ التَّسْلِيمُ وَلَا يَتَسَلْسَلُ وَعَنْ الثَّانِي الطَّعْنُ بِالِاسْتِقْرَاءِ وَعَنْ الثَّالِثِ مَنْعُ الِاكْتِفَاءِ بِالِاقْتِرَانِ بَلْ لَا بُدَّ من الْمُنَاسَبَةِ تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ أَطْلَقَ الْجَدَلِيُّونَ هذا الْمَنْعَ وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ كما قَالَهُ ابن الْمُنِيرِ بِمَا إذَا لم تَكُنْ الْعِلَّةُ حُكْمًا شَرْعِيًّا فَإِنْ كانت وَجَوَّزْنَا بها فَمَنَعَ الْمُعْتَرِضُ وُجُودَ الْحُكْمِ الْمَنْصُوبِ عِلَّةً اتَّجَهَ في قَبُولِ الِاسْتِدْلَالِ عليه الْخِلَافُ الْآتِي في الِاسْتِدْلَالِ على حُكْمِ الْأَصْلِ إذَا مَنَعَهُ وَالثَّانِي أَنَّ الْمُعْتَرِضَ لَا يُمَكَّنُ من تَقْرِيرِ الْعِلَّةِ بِالِاسْتِدْلَالِ على نَقِيضِ ما ادَّعَاهُ الْمُسْتَدِلُّ وَلَا يَجْرِي فيه الْخِلَافُ السَّابِقُ في الْمَنْعِ وَالْفَرْقُ أَنَّ صِيغَةَ الْمُطَالَبَةِ بِتَصْحِيحِ الْوَصْفِ لَا تَتَضَمَّنُ إنْكَارًا وَلَا تَسْلِيمًا بِخِلَافِ الْمَنْعِ فإن الْمَانِعَ جَازِمٌ يَنْفِي ما ادَّعَاهُ الْمُسْتَدِلُّ فَكَانَ لِتَقْرِيرِهِ وَجْهٌ نعم لو أَوْرَدَ هذا السُّؤَالَ بِصِيغَةِ الْمَنْعِ كَقَوْلِهِ لَا أُسَلِّمُ أَنَّ هذا الْوَصْفَ عِلَّةٌ جاء الْخِلَافُ فَيُمْكِنُ من التَّقْرِيرِ على أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وهو أَمْرٌ اصْطِلَاحِيٌّ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِقْهٌ وَالْقِيَاسُ أَنَّ الْمَنْعَ وَالْمُطَالَبَةَ مُتَسَاوِيَانِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ لِكُلِّ مِنْهُمَا الْتِمَاسٌ فما جَرَى في أَحَدِهِمَا جَرَى في الْآخَرِ
  32. فَصْلٌ قال الْغَزَالِيُّ مَجْمُوعُ ما رَأَيْت أَهْلَ الزَّمَانِ يَقُولُونَ عليه على دَفْعِ هذا السُّؤَالِ سَبْعَةُ مَسَالِكَ الْأَوَّلُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ الْقِيَاسُ رَدُّ فَرْعٍ مُنَازَعٍ فيه إلَى أَصْلٍ مُتَّفَقٍ عليه بِجَامِعٍ وقد حَصَلَ قُلْنَا لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَغْلِبَ الْجَامِعُ ظَنَّ صِحَّتِهِ إمَّا بِإِخَالَةٍ أو شِبْهٍ مُعْتَبَرٍ ولم يُوجَدْ الثَّانِي قَوْلُهُمْ عَجْزُ الْمُعْتَرِضِ عن إبْطَالِ الْعِلَّةِ دَلِيلٌ على صِحَّتِهَا وهو بَاطِلٌ لِلُزُومِهِ صِحَّةَ كل دَلِيلٍ وُجِدَ فيه عَجْزُ الْمُعْتَرِضِ الثَّالِثُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ إنِّي بَحَثْتُ وَسَبَرْتُ فلم أَجِدْ غير هذا الْوَصْفِ عِلَّةً قُلْنَا ذلك لَا يُوجِبُ عِلْمًا وَلَا ظَنًّا بِالْعِلِّيَّةِ الرَّابِعُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ لو قُبِلَ سُؤَالُ الْمُطَالَبَةِ لَتَسَلْسَلَ فإنه ما من دَلِيلٍ يَذْكُرُهُ الْمُسْتَدِلُّ إلَّا وَيَتَوَجَّهُ عليه الْمُطَالَبَةُ قُلْنَا إذَا بَيَّنَ أَنَّ أَصْلَ قِيَاسِهِ مُجْمَعٌ عليه وَأَنَّ عِلَّتَهُ ثَابِتَةٌ بِطَرِيقٍ مُعْتَبَرٍ انْقَطَعَتْ عنه الْمُطَالَبَةُ أَمَّا ما دَامَ مُتَحَكِّمًا بِالدَّعْوَى فَلَا الْخَامِسُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ حَاصِلُ هذا السُّؤَالِ يَرْجِعُ إلَى مُنَازَعَةٍ في عِلَّةِ الْأَصْلِ وَعِلَّةُ الْأَصْلِ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مُتَنَازَعًا فيها حتى يُتَصَوَّرَ الْخِلَافُ في الْفَرْعِ قُلْنَا لَسْنَا نُطَالِبُك بِعِلَّةٍ مُتَّفَقٍ عليها بَلْ بِأَنْ تَنْصِبَ دَلِيلًا على مُدَّعَاك وَلَا تَقْتَصِرَ على التَّحَكُّمِ السَّادِسُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ الذي ذَكَرْته شَبَهٌ وَالشَّبَهُ حُجَّةٌ قُلْنَا فَعَلَيْك بَيَانُ الشَّبَهِ السَّابِعُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ الدَّلِيلُ على عِلِّيَّةِ الْجَامِعِ اطِّرَادُهَا وَسَلَامَتُهَا عن النَّقْضِ قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الطَّرْدَ حُجَّةٌ انْتَهَى وَإِنَّمَا الطَّرِيقُ في جَوَابِهِ الِاسْتِدْلَال على تَصْحِيحِ الْعِلَّةِ بِطَرِيقٍ من طُرُقِهَا الثَّالِثُ مَنْعُ الْحُكْمِ في الْأَصْلِ كَقَوْلِنَا في إزَالَةِ النَّجَاسَةِ مَائِعٌ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ فَلَا يُزِيلُ حُكْمَ النَّجَاسَةِ كَالدُّهْنِ فيقول لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الدُّهْنَ لَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ بَلْ يُزِيلُهَا عِنْدِي وَاخْتُلِفَ في أَنَّهُ انْقِطَاعٌ لِلْمُسْتَدِلِّ على مَذَاهِبَ
  33. أَحَدُهَا أَنَّهُ انْقِطَاعٌ لِأَنَّهُ إنْ شُرِعَ في الدَّلَالَةِ على حُكْمِ الْأَصْلِ كان انْتِقَالًا لِمَسْأَلَةٍ أُخْرَى وَإِنْ لم يُشْرَعْ لم يَتِمَّ دَلِيلُهُ وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ إذَا دَلَّ على مَحَلِّ الْمَنْعِ جَزَمَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إلْكِيَا الطَّبَرِيُّ وَالْبَرَوِيُّ وقال ابن بَرْهَانٍ إنَّهُ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ بين النُّظَّارِ وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وابن الْحَاجِبِ لِأَنَّ دَلَالَتَهُ تَتْمِيمٌ لِمَقْصُودِهِ لَا رُجُوعَ عنه بَلْ هو تَثْبِيتُ رُكْنِ قِيَاسِهِ فَهُوَ حُكْمُ الْأَصْلِ كما يَبْحَثُ في تَحْقِيقِ عِلَّةِ الْأَصْلِ وَبِالْقِيَاسِ على مَنْعِ سَائِرِ أَرْكَانِ الْقِيَاسِ وَالثَّالِثُ إنْ كان الْمَنْعُ جَلِيًّا فَهُوَ انْقِطَاعٌ أو خَفِيًّا أَيْ يَخْفَى على أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ فَلَا لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ وهو اخْتِيَارُ الْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ وَنَقَلَ ابن بَرْهَانٍ عنه في الْمَنْعِ الظَّاهِرُ أَنْ يَتَقَدَّمَ منه في صَدْرِ الِاسْتِدْلَالِ هذه الشَّرِيطَةُ بِأَنْ يَقُولَ إنْ سَلَّمْت وَإِلَّا نَقَلْت الْكَلَامَ إلَيْهِ فَلَا يَنْقَطِعُ وَالرَّابِعُ يَتَّبِعُ عُرْفَ ذلك الْبَلَدِ الذي فيه الْمُنَاظَرَةُ فإن الْجَدَلَ مَرَاسِيمُ فَيَجِبُ اتِّبَاعُ الْعُرْفِ وهو اخْتِيَارُ الْغَزَالِيِّ وَالْخَامِسُ إنْ لم يَكُنْ له مُدْرَكٌ غَيْرُهُ جَازَ الْقِيَاسُ وَإِلَّا إنْ كان الْمَنْعُ خَفِيًّا لم يَنْقَطِعْ وَإِلَّا انْقَطَعَ وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ في غَايَةِ الْأَمَلِ ثُمَّ إذَا قُلْنَا لَا يَنْقَطِعُ فَهَلْ يَلْزَمُ إقَامَةُ الدَّلِيلِ على حُكْمِ الْأَصْلِ قال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ لَا فإنه يقول إنَّمَا قِسْتُ على أَصْلِي وهو بَعِيدٌ لِأَنَّهُ إنْ قَصَدَ إثْبَاتَهُ لِنَفْسِهِ فَلَا وَجْهَ لِلْمُنَاظَرَةِ وَإِنْ قَصَدَ إثْبَاتَهُ على خَصْمِهِ فَلَا يَسْتَقِيمُ مَنْعُ مَنْعِهِ على حُكْمِ الْأَصْلِ وَوَهَمَ ابن الْحَاجِبِ فَحَكَى عن الشَّيْخِ أبي إِسْحَاقَ أَنَّهُ لَا يَسْمَعُ وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى دَلَالَةٍ على مَحَلِّ الْمَنْعِ وَالْمَوْجُودُ في الْمُلَخَّصِ وَغَيْرِهِ لِلشَّيْخِ سَمَاعُ الْمَنْعِ ثُمَّ إذَا قُلْنَا يَلْزَمُهُ الدَّلِيلُ فَإِنْ اسْتَدَلَّ بِنَصٍّ أو إجْمَاعٍ فَذَاكَ أو بِقِيَاسٍ فَإِنْ كان بِعَيْنِ الْجَامِعِ الْأَوَّلِ فَقِيلَ لَا يَصِيرُ مُنْقَطِعًا لِأَنَّهُ طُولٌ من غَيْرِ فَائِدَةٍ وَالصَّحِيحُ خِلَافُهُ لِأَنَّهُ قد يَكُونُ قَصْدُهُ إظْهَارَ فِقْهِ الْمَسَائِلِ وَالتَّدْرِيبَ فيها وَتَكْثِيرَ الْأُصُولِ الدَّالَّةِ على اعْتِبَارِ الْوَصْفِ وَإِنْ كان بِغَيْرِهِ فقال الْبَرَوِيُّ يَصِيرُ مُنْقَطِعًا لِأَنَّهُ إنْ حَقَّقَهُ في الْفَرْعِ فَقَدْ انْتَقَلَ إلَى عِلَّةٍ أُخْرَى وَإِنْ لم يُحَقِّقْهُ فَقَدْ اعْتَرَفَ بِالْفَرْقِ بين الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ وَذَهَبَ أبو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ وَجَمَاعَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ لِأَنَّ أَكْثَرَ ما فيه أَنَّهُ اعْتَرَفَ بِأَنَّ الْأَصْلَ الْأَوَّلَ قد اجْتَمَعَ فيه عِلَّتَانِ وَلَا امْتِنَاعَ فيه نعم يَلْزَمُهُ إثْبَاتُ كل وَاحِدَةٍ من الْعِلَّتَيْنِ فَإِنْ أَثْبَتَ ذلك تَمَّ له مَقْصُودُهُ وَإِنْ عَجَزَ
  34. انْقَطَعَ حِينَئِذٍ ثُمَّ إذَا قُلْنَا لَا يُعَدُّ مُنْقَطِعًا وَلَهُ أَنْ يُقِيمَ الدَّلِيلَ فإذا أَقَامَهُ فَاخْتَلَفُوا في انْقِطَاعِ الْمُعْتَرِضِ فَقِيلَ يَنْقَطِعُ حتى يُسَوِّغَ له بَعْدَ ذلك الْكَلَامَ لِأَنَّهُ يُبَيِّنُ فَسَادَ الْمَنْعِ وَحَسْمًا لِبَابِ التَّطْوِيلِ وَالْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ ما قَالَهُ ابن بَرْهَانٍ وَغَيْرُهُ إنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ فإن قَبُولَ الْمَنْعِ إنَّمَا كان يَدُلُّ الْمُسْتَدِلَّ الدَّلِيلَ على مَحَلِّ الْمَنْعِ فَكَيْفَ يَقْنَعُ منه بِمَا يَدَّعِيهِ دَلِيلًا فَيَجِبُ تَمْكِينُ الْخَصْمِ من الْكَلَامِ عليه فَإِنْ عَجَزَ فَعِنْدَ ذلك يَنْقَطِعُ قال فَأَمَّا إذَا أَقَامَ الْمُسْتَدِلُّ الدَّلِيلَ على إثْبَاتِ الْحُكْمِ الْمَمْنُوعِ في الْأَصْلِ فَعَدَلَ الْمُعْتَرِضُ عنه وَأَخَذَ يَعْتَرِضُ ثَانِيًا على الدَّلِيلِ الْمَنْصُوبِ على الْحُكْمِ في الْفَرْعِ فَهَاهُنَا أَجْمَعُوا على أَنَّهُ يُعَدُّ مُنْقَطِعًا تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ هذا الْمَنْعُ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا إذَا قَاسَ الْمُسْتَدِلُّ على مَسْأَلَةٍ خِلَافِيَّةٍ فإنه لو قَاسَ على مَسْأَلَةٍ إجْمَاعِيَّةٍ لم يُمْكِنْ الْمُعْتَرِضَ مَنْعُ حُكْمِ الْأَصْلِ لِكَوْنِهِ على خِلَافِ الْإِجْمَاعِ ثُمَّ ليس كُلُّ خِلَافِيَّةٍ يَتَوَجَّهُ عليها هذا السُّؤَالُ بَلْ يَخْتَصُّ بِكُلِّ مَوْضِعٍ لَا يَخْرُجُ الْمُعْتَرِضُ بِالْمَنْعِ فيه عن مَذْهَبِ إمَامِهِ لِأَنَّ طَرِيقَةَ الْجَدَلِيِّينَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ من الْمُتَنَاظِرِينَ لَا بُدَّ أَنْ يَنْتَمِيَ إلَى مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ حَذَرًا من الِانْتِشَارِ وفي الْمَحْصُولِ إنْ كان انْتِفَاؤُهُ مَذْهَبًا لِلْمُعَلِّلِ وَالْمُعْتَرِضِ كان مُتَوَجِّهًا وَكَذَا إنْ كان مَذْهَبَ الْمُعَلِّلِ وَحْدَهُ وَإِنْ كان مَذْهَبًا لِلْمُعْتَرِضِ وَحْدَهُ لم يُقْبَلْ وَقَسَّمَ ابن بَرْهَانٍ الْمَنْعَ الصَّحِيحَ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ مَذْهَبُ صَاحِبِ تِلْكَ الْمَقَالَةِ في تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ وَلَهُ في الْجَوَابِ طُرُقٌ أَحَدُهَا أَنْ يُفَسِّرَ كَلَامَهُ بِمَا يَكُونُ مُسَلَّمًا عِنْدَ الْخَصْمِ كَاسْتِدْلَالِ الْحَنَفِيِّ في الْإِجَارَةِ تَنْفَسِخُ بِالْمَوْتِ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَوَجَبَ أَنْ يَبْطُلَ وَأَصْلُهُ عَقْدُ النِّكَاحِ فيقول الشَّافِعِيُّ الْحُكْمُ في الْأَصْلِ مَمْنُوعٌ فإن عِنْدِي النِّكَاحَ لَا يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ بَلْ يَنْتَهِي وَلَيْسَ كُلُّ ما يَنْتَهِي يَبْطُلُ بِدَلِيلِ عَقْدِ الْإِجَارَةِ إذَا انْقَضَتْ مُدَّتُهُ يَنْتَهِي وَلَا يَبْطُلُ فَإِنْ قال الْمُسْتَدِلُّ عَنَيْتُ بِقَوْلِي فَوَجَبَ أَنْ يَبْطُلَ أَيْ يَرْتَفِعَ وَلَا يَبْقَى قَبْلُ الثَّانِي أَنْ يُبَيِّنَ مَوْضِعًا مُتَّفَقًا عليه كَاسْتِدْلَالِنَا في فَرْضِيَّةِ التَّرْتِيبِ في الْوُضُوءِ عِبَادَةٌ مُشْتَمِلَةٌ على أَفْعَالٍ مُتَغَايِرَةٍ فَوَجَبَ أَنْ يَجِبَ فيها التَّرْتِيبُ كَالصَّلَاةِ فيقول
  35. الْحَنَفِيُّ الْحُكْمُ في الْأَصْلِ مَمْنُوعٌ فإن التَّرْتِيبَ عِنْدِي في الصَّلَاةِ لَا يَجِبُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ إذَا تَرَكَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ في أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ يَأْتِي بها دَفْعَةً وَاحِدَةً بِلَا تَرْتِيبٍ فَطَرِيقُهُ أَنْ يَقُولَ أُبَيِّنُ مَوْضِعًا مُتَّفَقًا عليه من الصَّلَاةِ يَجِبُ فيه التَّرْتِيبُ فَأَقِيسُ عليه فَأَقُولُ أَجْمَعْنَا أَنَّهُ لو قَدَّمَ السُّجُودَ على الرُّكُوعِ لم يَجُزْ فَأَقِيسُ عليه الثَّالِثُ أَنْ يَنْقُلَ الْكَلَامَ إلَيْهِ كَاسْتِدْلَالِنَا في التَّعْفِيرِ من وُلُوغِ الْخِنْزِيرِ بِأَنَّ هذا حَيَوَانٌ نَجِسُ الْعَيْنِ فَيَجِبُ غَسْلُ الْإِنَاءِ من وُلُوغِهِ قِيَاسًا على الْكَلْبِ فيقول الْحَنَفِيُّ الْحُكْمُ في الْأَصْلِ مَمْنُوعٌ فإن عِنْدِي لَا يَجِبُ التَّسْبِيعُ في غُسْلِ الْكَلْبِ وَجَوَابُهُ أَنْ يَنْتَقِلَ الْكَلَامُ إلَيْهِ وَيُبَيِّنَ أَنَّ هذا الْحُكْمَ في الْأَصْلِ مَنْصُوصٌ عليه الْقِسْمُ الثَّانِي أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ مَذْهَبَهُ مُخَالِفٌ كَاسْتِدْلَالِنَا في الصَّرُورَةِ إذَا حَجَّ عن غَيْرِهِ كما إذَا أَطْلَقَ الْإِحْرَامَ فيقول الْحَنَفِيُّ الْحُكْمُ في الْأَصْلِ مَمْنُوعٌ فإن عن أبي حَنِيفَةَ رِوَايَةً أَنَّهُ إذَا أَطْلَقَ لَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ الْقِسْمُ الثَّالِثُ أَنْ لَا يَعْرِفَ الْمُعْتَرِضُ مَذْهَبَ صَاحِبِ الْمَقَالَةِ في تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ كَاسْتِدْلَالِ الْحَنَفِيَّةِ في الْمُشْرِكِ يُسْلِمُ على خَمْسٍ أَنَّ هذا جَمْعٌ مُحَرَّمٌ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَتَخَيَّرَ قِيَاسًا على ما إذَا أَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ تَحْتَ رَجُلَيْنِ فيقول الشَّافِعِيُّ أَمْنَعُ الْحُكْمَ في الْأَصْلِ فإنه لَا نَصَّ لِلشَّافِعِيِّ في إسْلَامِهَا عن زَوْجَيْنِ قال وَمِنْ الْمَنْعِ الْفَاسِدِ أَنْ يَمْنَعَ الْمُعْتَرِضُ الْحُكْمَ على وَجْهٍ بَعِيدٍ لِلْأَصْحَابِ كَاسْتِدْلَالِنَا في جِلْدِ الْكَلْبِ لَا يُدْبَغُ لِأَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ فَلَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ على مَذْهَبِ أبي يُوسُفَ التَّنْبِيهُ الثَّانِي قال إلْكِيَا الطَّبَرِيُّ حَقُّ السَّائِلِ أَنْ يَكُونَ مُنْكِرًا غير مُدَّعٍ وَلَيْسَ له أَنْ يَدُلَّ فإنه ليس على الْمُنْكِرِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ شَرْعًا وَعَلَى مِثْلِهِ بُنِيَتْ الْمُنَاظَرَةُ صَوْنًا لِلْمَقَامِ عن الِاخْتِلَاطِ قال وَيَجُوزُ لِلْمُسْتَدِلِّ الِانْتِقَالُ من حُكْمٍ إلَى آخَرَ بِالْعِلَّةِ الْأُولَى فإن الْعِلَّةَ كَافِيَةٌ في إثْبَاتِ الْحُكْمِ نعم الِانْتِقَالُ من عِلَّةٍ إلَى عِلَّةٍ أُخْرَى فَسْخٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَصْلَحَةِ النَّظَرِ قال وَأَجْمَعُوا على أَنَّهُ ليس لِلْمَسْئُولِ أَنْ يَدُلَّ على النَّقْضِ فإن بِهِ يَنْتَقِلُ إلَى مَسْأَلَةٍ أُخْرَى خَارِجَةٍ عن مَقْصُودِ السُّؤَالِ وَنُقِلَ عن الْقَاضِي أبي بَكْرٍ أَنَّهُ جَوَّزَ ذلك لِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ النَّقْضُ ثَبَتَ مَطْلُوبُهُ فَالِاخْتِيَارُ يَدُلُّ على أَنَّهُ خَارِجٌ عن مَصْلَحَةِ الْمُنَاظَرَةِ وَأَمَّا الْمَنْعُ في الْفَرْعِ فَلَا يَتَوَجَّهُ عليه إلَّا سُؤَالٌ وَاحِدٌ وهو مَنْعُ وُجُودِ عِلَّةِ
  36. الْأَصْلِ فيه وَيُسَمَّى مَنْعَ الْوَصْفِ فإن التَّعْلِيلَ قد يَقَعُ بِوَصْفٍ مُخْتَلِفٍ فيه كَقَوْلِ الْحَنَفِيِّ في مَسْأَلَةِ الْإِيدَاعِ من الصَّبِيِّ إنَّهُ مُسَلَّطٌ على الِاسْتِهْلَاكِ فَيُمْنَعُ وقال ليس بِمُسَلَّطٍ إذْ الْإِيدَاعُ ليس بِتَسْلِيطٍ قال إلْكِيَا وَهَذَا غَيْرُ مَعْنَى الِاعْتِبَارِ لِأَنَّ مَعْنَى الِاعْتِبَارِ مُطَالَبَةٌ تَرْجِعُ إلَى الْأَصْلِ لَا إلَى الْفَرْعِ قال وَتَبْطُلُ بِهِ الْمُطَالَبَةُ بِالْإِخَالَةِ وَإِيضَاحُ وَجْهِ الدَّلَالَةِ وهو من أَقْسَامِ الْمَنْعِ وَقِيلَ إنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ بَعْدَ وُجُودِ التَّعْلِيلِ وما يُفْرَضُ قَبْلَهُ التَّعْلِيلُ فَلَيْسَ بِاعْتِرَاضٍ عليه قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَمِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ الصَّحِيحَةِ طَلَبُ الْإِخَالَةِ وهو من أَهَمِّ الْأَسْئِلَةِ وَأَوْقَعِهَا في الْأَقْيِسَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ فَمَنْ ادَّعَى مَعْنًى فَعَلَيْهِ تَبْيِينُ مُنَاسَبَتِهِ لِلْحُكْمِ وَاقْتِضَائِهِ له فَإِنْ عَجَزَ عن ذلك انْقَطَعَ وقال الْقَاضِي أبو بَكْرٍ ليس هذا من الْأَسْئِلَةِ بَلْ حَقٌّ على الْمَسْئُولِ أَنْ يَبْدَأَ بِإِظْهَارِ الْإِخَالَةِ قبل الْمُطَالَبَةِ وَإِلَّا لم يَكُنْ آتِيًا بِصُورَةِ الْقِيَاسِ وَسُكُوتُهُ عنه اقْتِصَارٌ على بَعْضِ الْعِلَّةِ نعم لو ضَمَّ إلَى تَعْلِيلِهِ لَفْظًا يُشْعِرُ بِالْإِخَالَةِ كَفَاهُ ذلك فَإِنْ وَجَّهَ السَّائِلُ طَلَبًا كان قَاصِرًا عن دَرْكِ لَفْظِ التَّعْلِيلِ وقال ابن الْمُنِيرِ الْخِلَافُ في عَدِّ هذا من الِاعْتِرَاضَاتِ مَبْنِيٌّ على أَنَّهُ هل يَلْزَمُ الْمُسْتَدِلَّ بَيَانُ الْإِخَالَةِ قبل أَنْ يَسْأَلَهَا فَالْقَاضِي أَلْزَمَهُ ذلك ابْتِدَاءً فَسَقَطَ هذا السُّؤَالُ وَغَيْرُ الْقَاضِي قَنَعَ منه بِذِكْرِ الْمَعْنَى الْمُخْتَلِّ فَإِنْ لم يُقَرِّرْهَا تَوَجَّهَ عليه وَالْحَقُّ مع الْقَاضِي بَلْ لو شَرَعَ الْخَصْمُ في سُؤَالِهَا قبل بَيَانِهَا كان جَاهِلًا بِحَقِّهِ إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ طَرَدَ قَوْلَهُ فَأَلْزَمَ الْمُسْتَدِلَّ دَفْعَ الِاعْتِرَاضَاتِ الْمُتَوَقَّعَةِ وَنَحْنُ لَا نَخْتَارُ ذلك كما لَا يَلْزَمُ الْمُدَّعِي في الْخُصُومَةِ إذَا عَدَّلَ بَيِّنَتَهُ أَنْ تَتَعَرَّضَ لِنَفْيِ الْقَوَادِحِ الْمُتَوَقَّعَةِ إلَّا إذَا أتى الْخَصْمُ بِقَادِحٍ كان لِلْمُدَّعِي أَنْ يَدْفَعَهُ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا انْتَهَى وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْمُطَالَبَةَ بِاعْتِبَارِ كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً تَتَضَمَّنُ تَسْلِيمَ تَحْقِيقِ الْوَصْفِ وَمُنَاسَبَتِهِ وَمَقْصُودُهُ اسْتِنْطَاقُ الْمَسْئُولِ في تَصْحِيحِ شَهَادَةِ الِاعْتِبَارِ بِمَا يَعْتَمِدُهُ من الْمَسَالِكِ الْمُتَقَدِّمَةِ في إثْبَاتِ الْعِلَّةِ لِيَعْتَرِضَ على كل مَسْلَكٍ منها بِمَا يَلِيقُ بِهِ وقد مَنَعَ قَوْمٌ صِحَّةَ الْجَمْعِ بين الْمُطَالَبَةِ وَالْمُمَانَعَةِ لِمَا فيها من مَنْعِ كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً بَعْدَ تَسْلِيمِ الْمُمَانَعَةِ ضِمْنًا وَفِيهِ بُعْدٌ إذْ الْمُعْتَرِضُ مُطَالَبٌ هَادِمٌ غَيْرُ مُعْتَرِضٍ لِلْحُكْمِ بِإِثْبَاتٍ أو نَفْيٍ وَلِلسَّائِلِ أَنْ يَجْمَعَ الْمُنُوعَ فَيَمْنَعُ حُكْمَ الْأَصْلِ وَيَمْنَعُ الْوَصْفَ في الْفَرْعِ وفي الْأَصْلِ وَيَمْنَعُ كَوْنَ الْوَصْفِ عِلَّةً أو يَعْكِسُهُ فيقول لَا أُسَلِّمُ الْوَصْفَ في الْفَرْعِ وَلَا في الْأَصْلِ وَلَا الْحُكْمَ في الْأَصْلِ وَلِلْمَسْئُولِ دَفْعُهَا بِإِبْدَاءِ مَوْضِعٍ مُسَلَّمٍ في الْأَصْلِ أو بِإِظْهَارِ الْمُنَاسَبَةِ على شَرْطِهَا وَلَهُ النَّقْلُ إلَى الْأَصْلِ إذَا مَنَعَ أو افْتِتَاحُ الْكَلَامِ فيه ابْتِدَاءً إذَا
  37. تَوَقَّعَ الْمَنْعَ الثَّانِيَ عَشَرَ التَّقْسِيمُ وهو كَوْنُ اللَّفْظِ مُتَرَدِّدًا بين أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا مَمْنُوعٌ وَالْآخَرُ مُسَلَّمٌ وَاللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لَهُمَا غَيْرُ ظَاهِرٍ في أَحَدِهِمَا مِثْلُ الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ وهو تَثْبِيتُ الْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي فَيَثْبُتُ له فيقول الْمُقْسِمُ السَّبَبُ هو مُطْلَقُ الْبَيْعِ أو الْبَيْعُ الْمُطْلَقُ الذي لَا شَرْطَ فيه الْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ وَلَكِنْ لِمَ قُلْت بِوُجُودِهِ قال الْآمِدِيُّ وَلَيْسَ من شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مَمْنُوعًا وَالْآخَرُ مُسَلَّمًا بَلْ يَكُونَانِ مُسَلَّمَيْنِ لَكِنَّ الذي يَرِدُ على أَحَدِهِمَا غَيْرُ ما يَرِدُ على الْآخَرِ إذْ لو اتَّحَدَ ما يَرِدُ لم يَكُنْ لِلتَّقْسِيمِ مَعْنًى وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ كَوْنُهُمَا مَمْنُوعَيْنِ لِأَنَّ التَّقْسِيمَ لَا يُفِيدُ وَعَلَى هذا فَلَوْ أَرَادَ الْمُعْتَرِضُ تَصْحِيحَ تَقْسِيمِهِ اكْتَفَى بِإِطْلَاقِ اللَّفْظِ بِإِزَاءِ احْتِمَالَيْنِ من غَيْرِ تَكَلُّفِ بَيَانِ التَّسَاوِي في دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِمَا وَجَوَابُهُ أَنْ يُعَيِّنَ الْمُسْتَدِلُّ أَنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ له وَلَوْ عُرْفًا أو ظَاهِرًا وَلَوْ بِقَرِينَةٍ في الْمُرَادِ أو بين احْتِمَالًا لم يَتَعَرَّضْ له الْمُعْتَرِضُ الثَّالِثَ عَشَرَ اخْتِلَافُ الضَّابِطِ اخْتِلَاف الضَّابِط بين الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ لِعَدَمِ الثِّقَةِ بِالْجَامِعِ كَقَوْلِهِ في شُهُودِ الْقِصَاصِ تَسَبَّبُوا لِلْقَتْلِ عَمْدًا فَلَزِمَهُمْ الْقِصَاصُ زَجْرًا لهم عن السَّبَبِ كَالْمُكْرَهِ فَالْمُشْتَرِكُ بين الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ إنَّمَا هِيَ الْحِكْمَةُ وَهِيَ الزَّجْرُ وَالضَّابِطُ في الْفَرْعِ الشَّهَادَةُ وفي الْأَصْلِ الْإِكْرَاهُ وَلَا يُمْكِنُ التَّعْدِيَةُ بِالْحِكْمَةِ وَحْدَهَا وَضَابِطُ الْفَرْعِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لِضَابِطِ الْأَصْلِ في الْإِفْضَاءِ إلَى الْمَقْصُودِ وَأَنْ لَا يَكُونَ وَجَوَابُهُ بِأَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ التَّعْلِيلَ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا من السَّبَبِ الْمَضْبُوطِ عُرْفًا أو يُبَيِّنَ الْمُسَاوَاةَ في الضَّابِطِ أو إفْضَاءَ الضَّابِطِ في الْفَرْعِ أَكْثَرُ الرَّابِعَ عَشَرَ اخْتِلَافُ حُكْمَيْ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ قِيلَ إنَّهُ قَادِحٌ لِأَنَّ شَرْطَ الْقِيَاسِ مُمَاثَلَةُ الْفَرْعِ الْأَصْلَ في عِلَّتِهِ وَحُكْمِهِ فإذا اخْتَلَفَ الْحُكْمُ لم تَتَحَقَّقْ الْمُسَاوَاةُ وَقِيلَ لَا لِأَنَّ الْحُكْمَيْنِ وَإِنْ اخْتَلَفَ في الْخُصُوصِ فَقَدْ يَشْتَرِكَانِ في أَمْرٍ عَامٍّ وَيَكُونُ الْمَقْصُودُ إثْبَاتَ ذلك الْعَامِّ وَالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا وَتَكُونُ الْعِلَّةُ تُنَاسِبُ ذلك الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ وهو كَإِثْبَاتِ الْوِلَايَةِ على الصَّغِيرَةِ في نِكَاحِهَا قِيَاسًا على الْوِلَايَةِ في مَالِهَا
  38. الْخَامِسَ عَشَرَ الْمُعَارَضَةُ وَهِيَ من أَقْوَى الِاعْتِرَاضَاتِ قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَقِيلَ هِيَ إلْزَامُ الْجَمْعِ بين شَيْئَيْنِ وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا في الْحُكْمِ نَفْيًا أو إثْبَاتًا وَقِيلَ إلْزَامُ الْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ قَوْلًا قال بِنَظِيرِهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُنَاقَضَةِ من حَيْثُ إنَّ كُلًّا نَقْضُ مُعَارَضَةٍ بِخِلَافِ الْعَكْسِ وَأَيْضًا فَالنَّقْضُ لَا يَكُونُ بِالدَّلِيلِ وَالْمُعَارَضَةُ بِالدَّلِيلِ على الدَّلِيلِ صَحِيحَةٌ قال وَهِيَ تَرْجِعُ إلَى الِاسْتِفْهَامِ قال وقد اخْتَلَفُوا فيها فَأَثْبَتَهَا أَكْثَرُ أَهْلِ النَّظَرِ وَزَعَمَ قَوْمٌ أنها لَيْسَتْ بِسُؤَالٍ صَحِيحٍ وَاخْتَلَفَ مَثْبُوتُهَا في الثَّابِتِ منها فَقِيلَ إنَّهَا تَصِحُّ مُعَارَضَةُ الدَّلَالَةِ بِالدَّلَالَةِ وَالْعِلَّةِ وَلَا تَجُوزُ مُعَارَضَةُ الدَّعْوَى بِالدَّعْوَى وهو اخْتِيَارُ أبي هَاشِمِ بن الْجُبَّائِيُّ وَحَكَاهُ أَصْحَابُهُ عن الْجُبَّائِيُّ وَوَجَدْنَا في كِتَابِهِ خِلَافَهُ وَذَكَرَ الْكَعْبِيُّ في جَدَلِهِ جَوَازَ مُعَارَضَةِ الدَّعْوَى بِالدَّعْوَى وقال إلْكِيَا الطَّبَرِيُّ الْمُعَارَضَةُ إظْهَارُ عِلَّةٍ مُعَارِضَةٍ لِعِلَّةٍ أو لِعِلَلٍ في نَقِيضِ مُقْتَضَاهَا هذا أَصْلُ الْبَابِ وَلَا يَجْرِي إلَّا في الظَّنِّيَّاتِ ثُمَّ يُرَجَّحُ أَحَدُ الظَّنَّيْنِ على الْآخَرِ بِوَجْهٍ من وُجُوهِ التَّرْجِيحِ وَكَذَلِكَ الْمُعَارَضَةُ بَعْدَ الْعَجْزِ عن كل اعْتِرَاضٍ قَدَّمْنَاهُ فإن فَسَادَ الْوَضْعِ وَالْمَنْعِ لَا يَصْلُحُ على حِيَالِهِ اقْتِضَاءُ الْحُكْمِ حتى يُعَارَضَ بِهِ وَإِنَّمَا الْمُعَارَضَةُ حَيْثُ لو لم يَقْدِرْ لَاسْتَقَلَّتْ الْعِلَّةُ في نَفْسِهَا أو جِنْسِهَا بِاقْتِضَاءِ الْحُكْمِ لِوُجُودِ أَصْلِ الظَّنِّ الْمُعْتَبَرِ وَلَكِنَّ الْمُعَارِضَ مَنَعَ اعْتِبَارَهَا دُونَ تَرْجِيحٍ فَالْحَرْفُ الْمُعَارَضَةُ تُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا بُدَّ من زِيَادَةٍ على أَصْلِ الظَّنِّ الْمُعْتَبَرِ في هذا الْمَجَالِ على الْخُصُوصِ وَاحْتَجَّ أبو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ على عِلَّةِ صِحَّةِ الْحِجَاجِ بِالْمُعَارَضَةِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَثْبَتَهَا على الْكُفَّارِ فقال قُلْ لو كان معه آلِهَةٌ كما يَقُولُونَ إذًا لَابْتَغَوْا إلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا يَعْنِي أَنَّ بُطْلَانَ الْوُصُولِ إلَى ذِي الْعَرْشِ عِلَّةُ عَجْزِهِمْ وَمَنْ صَحَّ عَجْزُهُ ثَبَتَ نَقْصُهُ وَاسْتَحَالَ وَصْفُهُ بِمَا وَصَفْتُمْ وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُعَارَضَةَ إمَّا في الْأَصْلِ أو في الْفَرْعِ أو في الْوَصْفِ أَمَّا الْمُعَارَضَةُ في الْأَصْلِ فَإِنْ ذَكَرَ عِلَّةً أُخْرَى في الْأَصْلِ سِوَى عِلَّةِ الْمُعَلِّلِ وَتَكُونُ تِلْكَ الْعِلَّةُ مَعْدُومَةً في الْفَرْعِ وَنَقُولُ إنَّ الْحُكْمَ في الْأَصْلِ نَشَأَ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ التي ذَكَرْتَهَا لَا بِالْعِلَّةِ التي ذَكَرَهَا الْحَنَفِيُّ في تَبْيِيتِ النِّيَّةِ صَوْمُ عَيْنٍ فَتَأَدَّى بِالنِّيَّةِ قبل الزَّوَالِ كَالنَّفْلِ فَيُقَالُ ليس الْمَعْنَى في الْأَصْلِ ما ذَكَرْت بَلْ الْمَعْنَى فيه أَنَّ النَّفَلَ من عَمَلِ السُّهُولَةِ
  39. وَالْخِفَّةِ فَجَازَ أَدَاؤُهُ بِنِيَّةٍ مُتَأَخِّرَةٍ عن الشُّرُوعِ بِخِلَافِ الْفَرْضِ قال ابن السَّمْعَانِيِّ وَالصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ وَهَذَا هو سُؤَالُ الْفَرْقِ فَسَيَأْتِي فيه ما سَبَقَ وَذَكَرَهُ غَيْرُهُمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بين أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ يُبْدِيهَا الْمُعْتَرِضُ مُسْتَقِلَّةً بِالْحُكْمِ كَمُعَارَضَةِ الْكَيْلِ بِالطُّعْمِ أو غير مُسْتَقِلَّةٍ على أنها جُزْءُ الْعِلَّةِ كَزِيَادَةِ الْجَارِحِ إلَى الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ في مَسْأَلَةِ الْقَتْلِ بِالْمُثَقَّلِ وقد اخْتَلَفَ الْجَدَلِيُّونَ في قَبُولِهِ فَقِيلَ لَا يُقْبَلُ بِنَاءً على مَنْعِ التَّعْلِيلِ بِعِلَّتَيْنِ قال ابن عَقِيلٍ وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَسْأَلَةً وَلَا جَوَابًا وَبِهِ جَزَمَ أبو بَكْرٍ محمد بن أَحْمَدَ الْبَلْعَمِيُّ الْحَنَفِيُّ في كِتَابِهِ الْغَرَرِ في الْأُصُولِ قال لِأَنَّ لِلْمُسْتَدِلِّ أَنْ يَقُولَ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا بَلْ أَقُولُ بِالْعِلَّتَيْنِ جميعا قال وَلَيْسَتْ مُنَاقَضَةً لِأَنَّهَا سَدُّ مَجْرَى الْعِلَّةِ ولم يَسُدَّ عليه الْمُجِيبُ مُنَاقَضَةً من الْعِلَّةِ وَقِيلَ يُقْبَلُ وَبِهِ جَزَمَ ابن الْقَطَّانِ وَغَيْرُهُ بِنَاءً على جَوَازِ ذلك وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْجَدَلِيِّينَ قالوا لِأَنَّهُ إذَا ظَهَرَ في الْأَصْلِ وَصْفَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَالِحٌ لِلِاسْتِقْلَالِ فإنه يَتَعَارَضُ عِنْدَ النَّظَرِ ثَلَاثَةُ احْتِمَالَاتٍ أَحَدُهَا أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ وَصْفَ الْمُسْتَدِلِّ خَاصَّةً وَالثَّانِي أَنْ تَكُونَ وَصْفَ الْمُعْتَرِضِ خَاصَّةً وَالثَّالِثُ أَنْ تَكُونَ مَجْمُوعَ الْوَصْفَيْنِ وإذا تَعَارَضَتْ الِاحْتِمَالَاتُ فَالْقَوْلُ بِتَعْيِينِ وَاحِدٍ منها من غَيْرِ مُرَجِّحٍ تَحَكُّمٌ مَحْضٌ وَهَلْ يَقْتَضِي إبْطَالَ الدَّلِيلِ فيه قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ في شَرْحِ التَّرْتِيبِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَتِمُّ دَلِيلُ الْمَسْئُولِ بِالْمُعَارَضَةِ لِأَنَّهُ إنْ كان صَحِيحًا فما يُعَارِضُهُ بِهِ خَصْمُهُ يَسْتَحِيلُ دَلِيلًا وَإِنْ لم يَكُنْ صَحِيحًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَرَى الْمُسْتَدِلُّ فَسَادَهُ فَإِنْ لم يَقْدِرْ بَانَ عَجْزُهُ وَالثَّانِي أَنَّهُ ما لم يُفْسِدْ الْمَسْئُولُ تِلْكَ الْمُعَارَضَةَ لَا يَتِمُّ دَلِيلُهُ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ الْمُعَارَضَةُ هِيَ الصَّحِيحَةُ وَدَلِيلُ الْمَسْئُولِ يُشْبِهُهُ غير أَنَّ السَّائِلَ عَجَزَ عن إيرَادِ ما يُفْسِدُهُ وَاعْلَمْ أَنَّ بِنَاءَ الْخِلَافِ في قَبُولِ هذا السُّؤَالِ وَرَدِّهِ على تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ فَإِنْ جَوَّزْنَا لم يُقْبَلْ وَإِلَّا قُبِلَ ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الْبُرْهَانِ وَإِلْكِيَا الطَّبَرِيُّ وَنَازَعَهُ شَارِحُهُ ابن الْمُنِيرِ فقال نَحْنُ وَإِنْ فَرَضْنَا جَوَازَ اجْتِمَاعِ الْعِلَلِ الْمُسْتَقِلَّةِ فإنه يَتَّجِهُ ذلك إذَا شَهِدَتْ الْأُصُولُ بِالِاسْتِقْلَالِ وَالتَّعْدَادِ وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ ذلك إذَا شَهِدَ لِكُلِّ عِلَّةٍ أَصْلٌ انْفَرَدَتْ فيه ثُمَّ اجْتَمَعَتْ في مَحَلٍّ آخَرَ كَاجْتِمَاعِ الْحَيْضِ وَالْإِحْرَامِ فإن اسْتِقْلَالَ كُلٍّ
  40. مِنْهُمَا بِجَمِيعِ عِلَّتِهِ حَيْثُ يَنْفَرِدُ ثُمَّ يَقَعُ الْآخَرُ حَيْثُ يَجْتَمِعُ فَقَائِلٌ يقول أَجْمَعْنَا على الْحُكْمِ الْوَاحِدِ وَآخَرُ يقول لِكُلِّ حُكْمٍ عِلَّةٌ فَاجْتَمَعَ عِلَّتَانِ وَحُكْمَانِ أَمَّا إذَا فَرَضْنَا إبْدَاءَ السُّؤَالِ عِلَّةً فَعَارَضَهُ السَّائِلُ بِعِلَّةٍ أُخْرَى فَفَرْضُهُمَا عِلَّتَيْنِ مُسْتَقِلَّتَيْنِ يَسْتَدْعِي انْفِرَادَ كُلٍّ مِنْهُمَا في أَصْلٍ سِوَى مَحَلِّ الِاجْتِمَاعِ فإذا لم يَظْفَرْ الِانْفِرَادُ فَالْمُعَارَضَةُ وَارِدَةٌ بِنَاءً على خَلَلِ شَهَادَةِ الْأَصْلِ لِأَنَّ الْمَسْئُولَ إنْ قال الْبَاعِثُ هو الْمَعْنَى الذي أَبْدَيْتُهُ قال السَّائِلُ الْبَاعِثُ مَعْنَاهُ أو الْأَمْرَانِ مَعًا بِحَيْثُ يَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا جُزْءَ عِلَّةٍ فَهَذِهِ احْتِمَالَاتٌ مُتَسَاوِيَةٌ وَالْمُسْتَدِلُّ في تَعْيِينِ مَقْصُودِهِ بِالدَّعْوَى مُتَحَكِّمٌ وَلِهَذَا لو لم نَعْتَبِرْ شَهَادَةَ الْأُصُولِ وَأَجَزْنَا الْمُرْسَلَاتِ لم يَرِدْ هذا السُّؤَالُ وَهَلْ يَجِبُ على الْمُعْتَرِضِ بَيَانُ انْتِفَاءِ الْوَصْفِ الذي عَارَضَ بِهِ الْأَصْلَ عن الْفَرْعِ فيه مَذَاهِبُ أَحَدُهَا وهو الْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ لِأَنَّهُ إنْ كان في الْفَرْعِ افْتَقَرَ الْمُسْتَدِلُّ إلَى بَيَانِهِ فيه لِيَصِحَّ الْإِلْحَاقُ وَإِنْ لم يُبَيِّنْ ذلك بَطَلَ الْجَمْعُ والثاني يَجِبُ نَفْيُهُ لِأَنَّ الْفَرْقَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِذَلِكَ والثالث وَبِهِ أَجَابَ الْآمِدِيُّ وابن الْحَاجِبِ إنْ قَصَدَ الْفَرْقَ فَلَا بُدَّ من نَفْيِهِ وَإِلَّا فَلَا لِأَنَّهُ يقول إنْ لم يَكُنْ مَوْجُودًا فيه فَهُوَ فَرْقٌ وَإِلَّا فَالْمُسْتَدِلُّ لم يذكر إلَّا بَعْضَ الْعِلَّةِ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَلَا بُدَّ من إشْكَالٍ هذا إذَا كان الْمَقِيسُ عليه أَصْلًا وَاحِدًا فَإِنْ كان أُصُولًا فَقِيلَ لَا يَرِدُ لِأَنَّ الِاكْتِفَاءَ بِأَصْلٍ آخَرَ عن هذا حَاصِلٌ وَقِيلَ يَرِدُ لِأَنَّهُ أَقْوَى في إفَادَةِ الظَّنِّ وَالْقَائِلُونَ بِالرَّدِّ اخْتَلَفُوا في الِاقْتِصَارِ في الْمُعَارَضَةِ على أَصْلٍ وَاحِدٍ فَقِيلَ يَكْفِي لِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ قَصَدَ جَمْعَ الْأُصُولِ فإذا ذَهَبَ وَاحِدٌ ذَهَبَ غَرَضُهُ وَقِيلَ لَا بُدَّ من الْجَمْعِ لِأَنَّ الْمُسْتَقِلَّ يَكْتَفِي بِأَصْلٍ وَاحِدٍ وَالْقَائِلُونَ بِالتَّعْمِيمِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ من شَرَطَ اتِّحَادَ الْمُعَارِضِ في الْكُلِّ دَفْعًا لِانْتِشَارِ الْكَلَامِ وَقِيلَ لَا يَلْزَمُ لِجَوَازِ أَنْ لَا يُسَاعِدَهُ في الْكُلِّ عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فَقِيلَ يَقْتَصِرُ الْمُسْتَدِلُّ في الْجَوَابِ على أَصْلٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ بِهِ يَتِمُّ مَقْصُودُهُ وَقِيلَ لَا بُدَّ من الْجَوَابِ عن الْكُلِّ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الْقِيَاسَ على الْكُلِّ وَجَوَابُ الْمُعَارَضَةِ من وُجُوهٍ أَحَدُهُمَا مَنْعُ وُجُودِ الْوَصْفِ الْمُعَارَضِ بِهِ بِأَنْ يَقُولَ لَا أُسَلِّمُ وُجُودَ
  41. الْوَصْفِ في الْأَصْلِ الثَّانِي مَنْعُ الْمُنَاسَبَةِ أو مَنْعُ الشَّبَهِ إنْ أَثْبَتَهُ بِهِمَا لِأَنَّ من شَرْطِ الْمُعَارِضِ أَنْ يَكُونَ صَالِحًا لِلتَّعْلِيلِ وَلَا يَصْلُحُ إلَّا إذَا كان مُنَاسِبًا أو شِبْهًا إذْ لو كان طَرْدًا لم يَكُنْ صَالِحًا وَإِنَّمَا لم يُكْتَفَ من الْمُعْتَرِضِ بِالْوَصْفِ الشَّبَهِيِّ في قِيَاسِ الْإِخَالَةِ لِأَنَّ الْوَصْفَ الشَّبَهِيَّ أَدْنَى من الْمُنَاسِبِ فَلَا يُعَارِضُهُ فَإِنْ كان أَثْبَتَهُ بِطَرِيقِ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ فَلَيْسَ له أَنْ يُطَالِبَ الْمُعْتَرِضَ بِالتَّأْثِيرِ فإن مُجَرَّدَ الِاحْتِمَالَاتِ كَافٍ فَمَنْ دَفَعَ السَّبْرَ فَعَلَيْهِ دَفْعُهُ لِيَتِمَّ له طَرِيقُ السَّبْرِ الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ أَنْ يَقُولَ ما ذَكَرُوهُ من الْوَصْفِ خَفِيٌّ فَلَا يُعَلَّلُ بِهِ أَمْرٌ غَيْرُ مُنْضَبِطٍ أو غَيْرُ ظَاهِرٍ أو غَيْرُ وُجُودِيٍّ وَنَحْوُهُ من قَوَادِحِ الْعِلَّةِ كَذَا ذَكَرَهُ الْجَدَلِيُّونَ قال ابن رَحَّالٍ وهو ضَعِيفٌ لِأَنَّ الظُّهُورَ وَالِانْضِبَاطَ إنَّمَا يُشْتَرَطُ في صِحَّةِ نَصْبِهِ أَمَارَةً أَمَّا في ثُبُوتِ الْحُكْمِ لِأَجْلِهِ فَلَا لِأَنَّ الْحُكْمَ يَصِحُّ ثُبُوتُهُ لِلْخَفِيِّ وَالْمُضْطَرِبِ وَلَكِنْ إذَا أُرِيدَ نَصْبُهُ أَمَارَةً تَعَيَّنَ النَّظَرُ إلَى مَظِنَّتِهِ وَالْمُعَارِضُ هَاهُنَا ليس مَقْصُودُهُ نَصْبَ الْأَمَارَةِ وَإِنَّمَا مَقْصُودُهُ ما ثَبَتَ الْحُكْمُ لِأَجْلِهِ فَلَا مَعْنَى لِتَكْلِيفِهِ إثْبَاتَ الظُّهُورِ وَالِانْضِبَاطِ فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ جَعَلْتُمْ من الْأَسْئِلَةِ النِّزَاعَ في ظُهُورِ الْوَصْفِ وَانْضِبَاطِهِ وإذا صَحَّتْ مُطَالَبَةُ الْمُسْتَدِلِّ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ شَرْطًا في صِحَّةِ التَّعْلِيلِ صَحَّتْ مُطَالَبَةُ الْمُعْتَرِضِ بِهِ قُلْنَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُسْتَدِلَّ جَمَعَ بين الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِوَصْفٍ ادَّعَى أَنَّهُ مَنْصُوبٌ أَمَارَةً فَظُهُورُهُ وَانْضِبَاطُهُ شَرْطٌ في صِحَّةِ نَصْبِهِ أَمَارَةً وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمُعْتَرِضُ فإنه لم يَدَّعِ الْأَمَارَةَ وَإِنَّمَا مَقْصُودُهُ طَرِيقُ الْإِجْمَالِ لِشَهَادَةِ الْأَصْلِ مِمَّا ثَبَتَ الْحُكْمُ لِأَجْلِهِ وَالظُّهُورُ وَالِانْضِبَاطُ ليس شَرْطًا في ذلك فَافْتَرَقَا الْخَامِسُ بَيَانُ أَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى عَدَمِ وَصْفٍ مَوْجُودٍ في الْفَرْعِ لَا إلَى ثُبُوتِ مُعَارِضٍ في الْأَصْلِ الْمُتَقَدِّمِ وَهَذَا إنَّمَا يَكْفِي إذَا قُلْنَا لَا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِالْعَدَمِ فَإِنْ جَوَّزْنَاهُ لم يَكْفِ هذا في الْجَوَابِ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَقْدَحَ فيه لِوَجْهٍ آخَرَ غَيْرِ كَوْنِهِ عَدَمًا هذا كُلُّهُ إذَا تَحَقَّقَ أَنَّ الْوَصْفَ عَدَمٌ في الْأَصْلِ ثُبُوتٌ في الْفَرْعِ السَّادِسُ إلْغَاءُ الْوَصْفِ الذي وَقَعَتْ بِهِ الْمُعَارَضَةُ وقد اسْتَشْكَلَ هذا بِأَنَّ الْإِلْغَاءَ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا إلْغَاءٌ بِإِيمَاءِ النَّصِّ والثاني إلْغَاءٌ بِتَبْدِيلِ الْأَصْلِ فَالْأَوَّلُ فيه انْتِقَالٌ من مَسْلَكٍ اجْتِهَادِيٍّ إلَى مَسْلَكٍ نَقْلِيٍّ وَالِانْتِقَالُ من أَقْبَحِ الِانْقِطَاعِ وَلِأَنَّهُ لو اسْتَدَلَّ بِإِيمَاءِ النَّصِّ أَوَّلًا لَأَغْنَاهُ ذلك عن الْمَسَالِكِ الِاجْتِهَادِيَّةِ فَأَيُّ فَائِدَةٍ في هذا التَّطْوِيلِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْبَلَ اسْتِدْلَالُهُ أَوَّلًا كما قالوا فِيمَا إذَا اسْتَدَلَّ
  42. بِقِيَاسٍ على وَجْهٍ لَا بُدَّ له من التَّرْجِيحِ بِالنَّصِّ وَأَمَّا الثَّانِي فَفِيهِ انْتِقَالٌ من مَحَلٍّ إلَى مَحَلٍّ مع بَقَاءِ مَسْلَكِ الْمُنَاسَبَةِ وَالِاقْتِرَانِ مع أَنَّ في ذلك تَطْوِيلَ الطَّرِيقِ بِلَا فَائِدَةٍ إذَا عَلِمْتَ ذلك فَالْإِلْغَاءُ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا بِإِيمَاءِ النَّصِّ وهو قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا ما لَا يُتَصَوَّرُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَصْفِ الْمُسْتَدِلِّ لِقِيَامِ الْإِجْمَاعِ على أَنَّ الْعِلَّةَ في الْأَصْلِ غَيْرُ مُرَكَّبَةٍ بَلْ لَا يَكُونُ إلَّا وَصْفًا وَاحِدًا كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِيمَا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ من الْقِثَّاءِ وَالْبِطِّيخِ إنَّهُ يَجْرِي فيه الرِّبَا لِأَنَّهُ مَطْعُومٌ فَالْتَحَقَ بِالْأَشْيَاءِ الْأَرْبَعَةِ فَعَارَضَ الْحَنَفِيُّ في الْأَصْلِ بِالْكَيْلِ فيقول الشَّافِعِيُّ وَصْفُ الْكَيْلِ مُلْغًى بِإِيمَاءِ قَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ فإنه يَدُلُّ على التَّحْرِيمِ على هذه الصِّفَةِ وَتَرْتِيبُ الْحُكْمِ على الْوَصْفِ الْمُشْتَقِّ يَدُلُّ على كَوْنِهِ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً فَإِنْ قِيلَ لِلشَّافِعِيِّ تَرَكْتَ النَّصَّ أَوَّلًا فلم تَسْتَدِلَّ بِهِ وَاسْتَدْلَلْتَ بِغَيْرِهِ على وَجْهٍ لَا بُدَّ لَك معه من النَّصِّ وَهَذَا تَطْوِيلٌ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لو اسْتَدَلَّ أَوَّلًا بِالنَّصِّ لَاحْتَاجَ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ الِاسْمَ الْمُفْرَدَ يَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى فَكَانَ الْأَقْرَبُ إلَى مَقْصُودِهِ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِغَيْرِ النَّصِّ وَيَدَّخِرَ النَّصَّ لِمَقْصُودِهِ الْإِلْغَاءَ وَهَذَا مَقْصُودٌ صَحِيحٌ فَإِنْ كان هذا الْعُذْرُ مُطَّرِدًا في جَمِيعِ صُوَرِ الْإِلْغَاءِ كان السُّؤَالُ السَّابِقُ مُنْدَفَعًا وَثَانِيهِمَا ما يُتَصَوَّرُ فيه الْجَمْعُ بين الْوَصْفَيْنِ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ في الْمُرْتَدَّةِ يَجِبُ قَتْلُهَا لِأَنَّهُ شَخْصٌ كَفَرَ بَعْدَ إيمَانِهِ كَالرَّجُلِ فيقول الْحَنَفِيُّ أُعَارِضُ في الْأَصْلِ الْوَصْفُ في الرُّجُولِيَّةِ فإنه مُنَاسِبٌ لِمَا فيه من الْإِضْرَارِ النَّاجِزِ بِالْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ مَفْقُودٌ في الْمَرْأَةِ فيقول الشَّافِعِيُّ وَصْفُ الرُّجُولِيَّةِ مُلْغًى بِإِيمَاءِ قَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم من بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ فإنه يَدُلُّ على قَتْلِ جَمِيعِ الْمُرْتَدِّينَ من جِهَةِ تَعْلِيقِهِ بِصِيغَةِ الْعُمُومِ بِوَصْفِ التَّبْدِيلِ الثَّانِي إلْغَاءٌ بِتَبْدِيلِ الْأَصْلِ وَصُورَتُهُ أَنْ يُبَيِّنَ الْمُسْتَدِلُّ صُورَةً ثَالِثَةً يُثْبِتُ فيها الْحُكْمَ الْمُتَنَازَعَ فيه بِالْإِجْمَاعِ على وَفْقِ عِلَّتِهِ بِدُونِ ما عَارَضَ بِهِ الْمُعْتَرِضُ في الْأَصْلِ الثَّانِي إذْ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبِرًا فيه مع كَوْنِهِ مَعْدُومًا
  43. وَأَمَّا الْمُعَارَضَةُ في الْفَرْعِ فَهِيَ أَنْ يُعَارِضَ حُكْمَ الْفَرْعِ بِمَا يَقْتَضِي نَقِيضَهُ أو ضِدَّهُ بِنَصٍّ أو إجْمَاعٍ أو بِوُجُودِ مَانِعٍ أو بِفَوَاتِ شَرْطٍ فيقول ما ذَكَرْت من الْوَصْفِ وَإِنْ اقْتَضَى ثُبُوتَ الْحُكْمِ في الْفَرْعِ فَعِنْدِي وَصْفٌ آخَرُ يَقْتَضِي نَقِيضَهُ فَتَوَقَّفَ دَلِيلُك مِثَالُ النَّقِيضِ إذَا بَاعَ الْجَارِيَةَ إلَّا حَمْلَهَا صَحَّ في وَجْهٍ كما لو بَاعَ هذه الصِّيعَانَ إلَّا صَاعًا فَنَقُولُ لَا يَصِحُّ كما لو بَاعَ الْجَارِيَةَ إلَّا يَدَهَا وَمِثَالُ الضِّدِّ الْوِتْرُ وَاجِبٌ قِيَاسًا على التَّشَهُّدِ في الصَّلَاةِ بِجَامِعِ مُوَاظَبَةِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَنَقُولُ فَيُسْتَحَبُّ قِيَاسًا على الْفَجْرِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُفْعَلُ في وَقْتٍ مُعَيَّنٍ لِفَرْضٍ مُعَيَّنٍ من فُرُوضِ الصَّلَاةِ فإن الْوِتْرَ في وَقْتِ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرَ في وَقْتِ الصُّبْحِ ولم يُعْهَدْ من الشَّرْعِ وَضْعُ صَلَاتَيْ فَرْضٍ في وَقْتٍ وَاحِدٍ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ أَمَّا الْمُعَارَضَةُ في حُكْمِ الْفَرْعِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إذَا ذَكَرَ الْمُعَلِّلُ عِلَّةً في إثْبَاتِ حُكْمِ الْفَرْعِ وَنَفْيِ حُكْمِهِ فَيُعَارِضُهُ خَصْمُهُ بِعِلَّةٍ أُخْرَى تُوجِبُ ما تُوجِبُهُ عِلَّةُ الْمُعَلِّلِ فَتَعَارَضَ الْعِلَّتَانِ فَتَمْنَعَانِ من الْعَمَلِ إلَّا بِتَرْجِيحِ إحْدَاهُمَا على الْأُخْرَى وقد اُخْتُلِفَ في قَبُولِ هذا الِاعْتِرَاضِ فَرَدَّهُ بَعْضُهُمْ لَا سِيَّمَا الْمُتَأَخِّرُونَ من الْجَدَلِيِّينَ مُحْتَجِّينَ بِأَنَّ دَلَالَةَ الْمُسْتَدِلِّ على ما ادَّعَاهُ قد تَمَّتْ قال الْهِنْدِيُّ وهو ظَاهِرٌ إلَّا فِيمَا إذَا كانت الْمُعَارَضَةُ بِفَوَاتِ الشَّرْطِ فَإِنَّا نُبَيِّنُ عَدَمَ تَمَامِ دَلَالَتِهِ إذْ ذَاكَ وإذا تَمَّتْ دَلَالَتُهُ فَقَدْ وَفَى بِمَا الْتَزَمَ في الِاسْتِدْلَالِ فَهُوَ بَعْدَ ذلك مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ سمع الْمُعَارَضَةَ وَإِنْ شَاءَ لم يَسْمَعْ كَاسْتِدْلَالِ مُسْتَأْنِفٍ وَأَيْضًا فإن حَقَّ الْمُعْتَرِضِ أَنْ يَكُونَ هَادِمًا لَا بَانِيًا وَالْمُعَارَضَةُ في حُكْمِ الْفَرْعِ بِنَاءٌ لَا هَدْمٌ بِخِلَافِ الْمُعَارَضَةِ في الْأَصْلِ فإن حَاصِلَهَا يَرْجِعُ إلَى مَنْعِ الْمُقَدِّمَةِ وَهِيَ كَوْنُ الْحُكْمِ مُعَلَّلًا بِمَا ذُكِرَ من الْوَصْفِ فَلَا يَلْزَمُ من قَبُولِهَا ثُمَّ قَبُولِهَا هُنَا وَقَبِلَهُ الْأَكْثَرُونَ لِقِيَامِ الْإِجْمَاعِ على أَنَّ الدَّلِيلَ مع وُجُودِ الْمُعَارِضِ عُطْلٌ وَلِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ عِنْدَ وُرُودِهَا مُتَحَكِّمٌ وَالتَّحَكُّمُ بَاطِلٌ إجْمَاعًا وَلِأَنَّهُ طَرِيقٌ لِلْهَدْمِ وقد يَتَعَيَّنُ طَرِيقًا لِلْهَدْمِ فَلَوْ لم يُقْبَلْ لَبَطَلَ مَقْصُودُ الْمُنَاظَرَةِ وَالْبَحْثِ وَالِاجْتِهَادِ وَلِأَنَّهَا إنَّمَا تَكُونُ غَصْبًا لِمَنْصِبِ التَّعْلِيلِ أَنْ لو ذَكَرَهَا الْمُعْتَرِضُ لِإِثْبَاتِ مَذْهَبِهِ وهو لَا يَذْكُرُهَا لِذَلِكَ لِاتِّفَاقِ دَلِيلِ خَصْمِهِ وَهَذَا الْقَوْلُ صَحَّحَهُ الْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ وقد رَأَيْتَ ابْنَ بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ نَقَلَ عنه إبْطَالَ الْمُعَارَضَةِ ثُمَّ رَأَيْت إلْكِيَا الطَّبَرِيَّ سَبَقَهُ إلَى نَقْلِ ذلك عنه فقال في كِتَابِ
  44. التَّلْوِيحِ صَارَ الْغَزَالِيُّ إلَى بُطْلَانِ الْمُعَارَضَةِ على ما سَمِعْنَا الْإِمَامَ يَنْقُلُهُ عنه وكان الْحَامِلُ له على ذلك امْتِنَاعَ التَّنَاقُضِ في أَدِلَّةِ الشَّرْعِ فإذا اعْتَرَفَ السَّائِلُ بِصِحَّةِ عِلَّةِ الْمُعَلِّلِ وَاسْتِقْلَالِهَا بِالْحُكْمِ وَالْمَسْئُولُ يُنْكِرُ صِحَّةَ تَعْلِيلِهِ وَإِنْ هو أَرَادَ إظْهَارَهُ فَقَدْ تَنَاقَضَ وقال بِتَعَارُضِ النُّصُوصِ وَلِأَنَّ حَقَّ السَّائِلِ أَنْ يَكُونَ هَادِمًا غير بَانٍ وَالْمُعَارَضَةُ تَقْتَضِي الْبِنَاءَ إنْ كان التَّرْجِيحُ لِتَعْلِيلِ السَّائِلِ أو سَاقِطَةٌ إنْ كان التَّرْجِيحُ لِعِلَّةِ الْمَسْئُولِ فَلَا يَخْلُو من طَرَفَيْ نَقِيضٍ وَوَجْهَيْ فَسَادٍ وَنَحْنُ نَقُولُ السَّائِلُ لم يَقْصِدْ الْبِنَاءَ وَإِنَّمَا يَقْصِدُ الْهَدْمَ فإن مَقْصُودَهُ إعَانَةُ الْمَسْئُولِ على إتْمَامِ غَرَضِهِ بِإِيضَاحِ التَّرْجِيحِ وَلَا يَنَالُ هذه إلَّا بِالْمُعَارَضَةِ قال وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمُعَلِّلَ لو اسْتَدَلَّ بِظَاهِرٍ فَلِلسَّائِلِ أَنْ يُؤَوِّلَ وَيَعْتَضِدَ بِالْقِيَاسِ وإذا صَحَّتْ الْمُعَارَضَةُ فَالسَّائِلُ لَا يُرَجِّحُ فإنه يَكُونُ بَانِيًا هذا إذَا أَمْكَنَهُ قَطْعُ التَّرْجِيحِ عن الدَّلِيلِ فَأَمَّا إذَا كان الدَّلِيلُ في وَضْعِهِ أَرْجَحَ فَلَا وَجْهَ لِمَنْعِهِ على قَوْلِ من قَبِلَ الْمُعَارَضَةَ فإنه رُبَّمَا لَا يَجِدُ غَيْرَهُ فَإِنْ رَجَّحَ الْمَسْئُولُ مُكِّنَ السَّائِلُ من مُعَارَضَةِ التَّرْجِيحِ انْتَهَى ثُمَّ لَا يَجِبُ على الْمُعْتَرِضِ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ ما عَارَضَ بِهِ مُسَاوٍ لِدَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ بَلْ يَكْفِي منه بَيَانُ مُطْلَقِ الْمُعَارِضِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُسْتَدِلِّ فإنه لَا يُكْتَفَى منه في دَفْعِهَا إلَّا بِبَيَانِ أَنَّ دَلِيلَهُ رَاجِحٌ على ما عَارَضَ بِهِ الْمُعْتَرِضُ لِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ مُدَّعٍ لِاسْتِقْلَالِ دَلِيلِهِ بِالْحُكْمِ وَالْمُعَارِضُ مُنْكِرٌ له وَالْمُنْكِرُ يَكْفِيهِ مُطْلَقُ الْإِنْكَارِ بِخِلَافِ الْمُدَّعِي وإذا تَمَّتْ الْمُعَارَضَةُ من السَّائِلِ فَهَلْ يَنْقَطِعُ الْمُسْتَدِلُّ أَمْ يُسْمَعُ منه التَّرْجِيحَ فَقِيلَ يَنْقَطِعُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَنْقَطِعُ إنْ عَجَزَ عن تَرْجِيحِ دَلِيلِهِ وَجَوَابُهُ بِالْقَدْحِ بِمَا يَرُدُّ على ذلك إنْ كان من جِهَةِ الْمُسْتَدِلِّ وَاخْتَلَفُوا في مَسْأَلَتَيْنِ إحْدَاهُمَا في دَفْعِهِ بِالتَّرْجِيحِ بِمُرَجِّحٍ أَقْوَى من مُرَجِّحِهِ فَقِيلَ يُمْنَعُ لِأَنَّهُ وَإِنْ كان مَرْجُوحًا فَلَا يَخْرُجُ عن كَوْنِهِ اعْتِرَاضًا وَالْمُخْتَارُ وَرَجَّحَهُ الْمُحَقِّقُونَ جَوَازُهُ لِأَنَّهُ مَوْطِنُ تَعَارُضٍ وقد لَا يَجِدُ السَّائِلُ غَيْرَهُ مُرَجِّحًا وَقَضِيَّةُ كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ السَّائِلَ إذَا عَارَضَ الْمُسْتَدِلَّ بِتَرْجِيحٍ أَقْوَى وهو قَادِرٌ على تَرْجِيحٍ مُسَاوٍ فَقَدْ تَعَدَّى وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ له الْمُعَارَضَةُ بِالْأَقْوَى مع وُجُودِ الْمُسَاوِي لِأَنَّهُ لم يذكر الْأَقْوَى من جِهَةِ كَوْنِهِ أَقْوَى بَلْ من جِهَةِ كَوْنِهِ مُعَارِضًا وَمَزِيَّةُ الْقُوَّةِ مُصَادَفَةٌ وقال ابن الْمُنِيرِ الْأَوْلَى أَنْ يَذْكُرَ الْأَقْوَى لِأَنَّهُ إذَا سَاغَ له التَّرْجِيحُ الْمُسَاوِي فَالْأَقْوَى
  45. أَوْلَى وَفِيهِ لَطِيفَةٌ وَهِيَ أَنَّهُ يُوقَفُ الْمُسْتَدِلُّ عن نَوْبَةٍ أُخْرَى من التَّرْجِيحِ لِأَنَّهُ قد اخْتَلَفَ مِثْلُهَا فَيَحْتَاجُ الْمُسْتَدِلُّ حِينَئِذٍ إلَى تَرْجِيحَيْنِ أو تَرْجِيحٍ أَقْوَى من ذلك الْأَقْوَى فَيُضَيَّقُ عليه نِطَاقُ الْكَلَامِ وهو غَرَضُ الْمُنَاظَرَةِ وفي ذِكْرِ الْأَقْوَى اخْتِصَارٌ انْتَهَى وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لو قَابَلَ تَرْجِيحَ الْمُسْتَدِلِّ لَا يُقْبَلُ الِاسْتِغْنَاءَ بِهِ عن أَحَدِهِمَا فإن في الْوَاحِدِ كِفَايَةً وَالزِّيَادَةُ تُوجِبُ الْإِثْبَاتَ لِأَنَّ ذلك غَيْرُ مَنْصِبِهِ الثَّانِيَةُ هل يُقْبَلُ مُعَارَضَةُ الْمُعَارَضَةِ بِدَلِيلٍ مُسْتَقِلٍّ اخْتَلَفُوا على مَذَاهِبَ أَحَدُهَا نعم لِأَنَّهُ دَلِيلٌ كَالْأَوَّلِ فَجَازَ أَنْ يُعَارِضَ وَعَلَى هذا يَتَسَاقَطَانِ وَيُسَلَّمُ الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ من الْمُعَارِضِ قال الْمُقْتَرِحُ وَكَلَامُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ في تَعَارُضِ النَّصَّيْنِ يَقْتَضِي اخْتِيَارَهُ وَالثَّانِي لَا يُقْبَلُ وَإِنْ قَبِلْنَا أَصْلَ الْمُعَارَضَةِ لِانْتِشَارِ الْكَلَامِ وَأَدَائِهِ إلَى الِانْتِقَالِ وإذا قَبِلْنَا تَرْجِيحَ الْمُسْتَدِلِّ لِدَلِيلِهِ على ما عَارَضَ بِهِ السَّائِلَ فَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَنْشَأُ التَّرْجِيحِ مَذْكُورًا في الدَّلِيلِ قِيلَ يَجِبُ لِأَنَّهُ لو تَرَكَهُ أَوَّلًا لَكَانَ ذَاكِرًا لِبَعْضِ الدَّلِيلِ وَقِيلَ لَا يَجِبُ لِأَنَّ مَرَاتِبَ الْمُعَارَضَةِ لَا يَعْرِفُهَا الْمُسْتَدِلُّ في بَدْءِ اسْتِدْلَالِهِ فَيُؤَدِّي إلَى الْمَشَقَّةِ بِخِلَافِ الِاحْتِرَازِ لِدَفْعِ النَّقْضِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ النَّصَّانِ سُمِعَ التَّرْجِيحُ من الْمُسْتَدِلِّ بِالِاتِّفَاقِ مع أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ في نَصِّ الْمُسْتَدِلِّ ما يُشِيرُ إلَى التَّرْجِيحِ وَالثَّالِثُ وهو اخْتِيَارُ الْآمِدِيَّ التَّفْصِيلُ فَإِنْ كان التَّفْصِيلُ وَصْفًا من أَوْصَافِ الْعِلَّةِ تَعَيَّنَ ذِكْرُهُ وَإِلَّا فَلَا لِأَنَّهُ قد أتى بِكَمَالِ الدَّلِيلِ وَالتَّرْجِيحُ أَجْنَبِيٌّ عنه تَنْبِيهٌ قَسَّمَ ابن السَّمْعَانِيِّ الْمُعَارَضَةَ إلَى ما تَكُونُ بِعِلَّةٍ أُخْرَى وَإِلَى ما هِيَ بِعِلَّةِ الْمُعَلِّلِ بِعَيْنِهَا فَالْمُعَارَضَةُ بِعِلَّةٍ أُخْرَى تَارَةً تَكُونُ في حُكْمِ الْفَرْعِ وَتَارَةً في عِلَّةِ الْأَصْلِ وقد سَبَقَا وَأَمَّا الْمُعَارَضَةُ بِعِلَلِ الْمُعَلِّلِ فَتُسَمَّى قَلْبًا وقد سَبَقَ حُكْمُهُ وقال إلْكِيَا الطَّبَرِيُّ قَسَّمَ الْجَدَلِيُّونَ الْمُعَارَضَةَ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مُعَارَضَةُ الدَّعْوَى بِالدَّعْوَى وَالْخَبَرِ بِالْخَبَرِ وَالْقِيَاسِ بِالْقِيَاسِ فَأَمَّا مُعَارَضَةُ الدَّعْوَى بِالدَّعْوَى فَلَا مَعْنَى لها إلَّا على تَقْدِيرِ وَقَعَ التَّشْنِيعُ
  46. وَأَمَّا مُعَارَضَةُ الْخَبَرِ بِالْخَبَرِ فَصَحِيحَةٌ مِثْلُ أَنْ يَسْأَلَ عن قَضَاءِ الْفَوَائِتِ في الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عنها فيقول لِأَنَّهُ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قال من نَامَ عن صَلَاةٍ أو نَسِيَهَا الحديث فَيَرْجِعُ الْكَلَامُ بَعْدَهُ إلَى التَّرْجِيحِ وَأَمَّا مُعَارَضَةُ الْمَعْنَى بِالْمَعْنَى فَعَلَى قِسْمَيْنِ أَحَدُهُمَا بين أَصْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ والثاني من أَصْلٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَتَنَوَّعُ نَوْعَيْنِ أَحَدُهُمَا في ضِدِّ حُكْمِهِ فَيَكُونُ مُعَارَضَةً صَحِيحَةً والثاني في عَيْنِ حُكْمِهِ وَلَكِنْ يَتَعَذَّرُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فما كان بين أَصْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَهُوَ الْأَصْلُ في الْمُعَارَضَاتِ مِثَالُهُ طَهَارَةُ الْوُضُوءِ حُكْمِيَّةٌ فَتَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ قِيَاسًا على التَّيَمُّمِ فيقول الْمُعَارِضُ طَهَارَةٌ بِالْمَاءِ فَلَا تَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ قِيَاسًا على إزَالَةِ النَّجَاسَةِ فَلَا بُدَّ عِنْدَ ذلك من التَّرْجِيحِ وَأَمَّا ما كان من أَصْلٍ وَاحِدٍ على الضِّدِّ فَضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَجْعَلَ الْأَصْلَ الْوَاحِدَ بَيْنَهُمَا مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ والثاني أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَ ما عَلَّلَ بِهِ مَعْنًى له فَالْأَوَّلُ كَقَوْلِهِ لَمَّا كان عَدَدُ الْأَقْرَاءِ مُعْتَبَرًا بِالْمَرْأَةِ وَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ بها عَدَدُ الطَّلَاقِ لِأَنَّ الْبَيْنُونَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بها فَيُعَارِضُهُ بِأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ بِالْفَاعِلِ قِيَاسًا على الْعِدَّةِ وفي الثَّانِي يقول نَفْسُ هذا الْمَعْنَى يَدُلُّ على أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْفَاعِلِ كَالْعِدَّةِ قال وَأَمَّا مُعَارَضَةُ الْفَاسِدِ بِالْفَاسِدِ فَهَلْ تَجُوزُ إنْ أَمْكَنَهُ إيضَاحُ الْفَسَادِ فَلَا يُمْنَعُ منها وَمِثْلُهَا بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ لَا يَصِيرُ مُفْرِطًا بِتَأْخِيرِ الزَّكَاةِ فَلَا يَلْزَمُ إخْرَاجُهَا إذَا تَلِفَ الْمَالُ أو مَاتَ فَيُقَالُ وَلَا يَجِبُ عليه الزَّكَاةُ بِحَالٍ من حَيْثُ إنَّهُ بِتَأْخِيرِهَا وَلَا تَرْكِهَا أَصْلًا قال وقد يُعَارَضُ الْمُحَالُ بِالْمُحَالِ كَقَوْلِ الْحَنَفِيِّ ما أَدْرَكَهُ الْمَأْمُومُ من صَلَاةِ الْإِمَامِ فَهُوَ آخِرُ صَلَاتِهِ فَيُقَالُ له لو جَازَ أَنْ يَكُونَ آخِرٌ بِلَا أَوَّلٍ جَازَ أَنْ يَكُونَ أَوَّلٌ بِلَا آخِرٍ وَلَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ مَاءٌ لَا نَجِسٌ وَلَا طَاهِرٌ جَازَ أَنْ يَكُونَ مَاءٌ نَجِسٌ وَطَاهِرٌ بِنَاءً على أَنَّ الْقَابِلَ لِلضِّدَّيْنِ لَا يَخْلُو عن أَحَدِهِمَا قال وَهَذَا النَّوْعُ ليس بِمُعَارَضَةٍ حَقِيقَةً وَلَكِنْ قُصِدَ بِهِ امْتِحَانُ الْمَذَاهِبِ انْتَهَى
  47. وَمَسْأَلَةُ مُعَارَضَةِ الدَّعْوَى بِالدَّعْوَى سَبَقَتْ في كَلَامِ الْأُسْتَاذِ أبي مَنْصُورٍ وَحِكَايَةِ الْخِلَافِ فيها وَصَرَّحَ الصَّيْرَفِيُّ في كِتَابِ الدَّلَائِلِ وَالْأَعْلَامِ بِمَنْعِهَا لِعَدَمِ فَائِدَتِهَا إذْ لَا يُلْزَمُ أَحَدٌ بِدَعْوَى الْآخَرِ قال الْإِمَامُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قد أَخْرَجَ دَعْوَاهُ مَخْرَجَ الْحُجَّةِ فَيُعَارِضُ بِمِثْلِهَا كَقَوْلِ الْمَالِكِيِّ الْمُسْتَحَاضَةُ تَسْتَظْهِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَقِيلَ له فما الْفَصْلُ بَيْنَك وَبَيْنَ من قال لَا تَسْتَظْهِرُ أو تَسْتَظْهِرُ بِيَوْمَيْنِ أو أَكْثَرَ أو أَقَلَّ فَإِنْ لم يَكُنْ هذا فَالْقَوْلُ سَاقِطٌ السَّادِسَ عَشَرَ سُؤَالُ التَّعْدِيَةِ وَأَدْرَجَهُ الْهِنْدِيُّ في سُؤَالِ الْمُعَارَضَةِ في الْأَصْلِ وَهِيَ أَنْ يُعَيِّنَ الْمُعْتَرِضُ في الْأَصْلِ مَعْنًى غير ما عَيَّنَهُ وَيُعَارِضُ بِهِ ثُمَّ يقول لِلْمُسْتَدِلِّ ما عَلَّلْتُ بِهِ وَإِنْ تَعَدَّى إلَى الْفَرْعِ الْمُخْتَلَفِ فيه فَكَذَا ما عَلَّلْتَ بِهِ يَتَعَدَّى إلَى فَرْعٍ آخَرَ مُخْتَلَفٍ فيه وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى من الْآخَرِ كَقَوْلِنَا بِكْرٌ فَجَازَ إجْبَارُهَا كَالصَّغِيرَةِ فَيُقَالُ وَالْبَكَارَةُ وَإِنْ تَعَدَّتْ لِلْبِكْرِ الْبَالِغِ فَالصِّغَرُ مُتَعَدٍّ إلَى الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ وَهَذَا أَيْضًا اُخْتُلِفَ فيه وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عن سُؤَالِ الْمُعَارَضَةِ في الْأَصْلِ مع زِيَادَةِ التَّسْوِيَةِ في التَّعْدِيَةِ وَجَوَابُهُ إبْطَالُ ما عَارَضَ بِهِ وَحَذْفُهُ عن دَرَجَةِ الِاعْتِبَارِ وَهَلْ على الْمُسْتَدِلِّ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُعْتَرِضُ من التَّسْوِيَةِ في التَّعْدِيَةِ أو لَا يَجِبُ قال الْأَكْثَرُونَ لَا يَجِبُ وقال أبو الْقَاسِمِ الدَّارَكِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بَلْ لِلتَّسْوِيَةِ في التَّعْدِيَةِ أَثَرٌ في الْمُعَارَضَةِ فَلَا بُدَّ من التَّعَرُّضِ لِإِبْطَالِهِ وَلَخَّصَ الْإِبْيَارِيُّ شَارِحُ الْبُرْهَانِ سِرَّ التَّعْدِيَةِ فَحَمَلَ الْأَمْرَ إلَى أَنَّ سِرَّهَا التَّبَرِّي من عُهْدَةِ النِّسْبَةِ إلَى الْعِنَادِ بِإِيرَادِ وَصْفٍ لَا يُعْتَقَدُ اعْتِبَارُهُ فَعَدَّاهُ الْمُعْتَرِضُ إلَى فُرُوعِهِ حتى يُبَيِّنَ أَنَّهُ يَعْتَقِدُ ذلك وَيُفَرِّعُهُ عليه قال وَهَذَا أَمْرٌ أَجْنَبِيٌّ عن غَرَضِ الْجَدَلِ فإن الِاعْتِنَاءَ بِهِ دَفْعٌ لِسُوءِ الِاعْتِقَادِ الذي يَدْفَعُهُ ظَاهِرُ الْإِسْلَامِ من غَيْرِ حَاجَةٍ خَاصَّةٍ بِالْجَدَلِ قال ابن الْمُنِيرِ وَلَعَمْرِي إنَّهُ كما قال لو لم يَكُنْ لها سِرٌّ سِوَى هذا وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ سِرُّهَا عِنْدَ وَاضِعِهَا أَنَّ الْمُعْتَرِضَ إذَا عَارَضَ مَعْنَى الْأَصْلِ بِمَعْنًى أَمْكَنَ أَنْ يَقُولَ له الْمُسْتَدِلُّ مَعْنَايَ أَوْلَى لِأَنِّي قد حَقَّقْت تَعْدِيَتَهُ إلَى الْفَرْعِ وَإِنَّهُ يُفِيدُ حُكْمًا لَوْلَاهُ ما اسْتَفَدْنَاهُ وَغَايَةُ ما صَنَعْت أَنَّك أَبْدَيْت مَعْنًى في الْأَصْلِ فَلَعَلَّهُ قَاصِرٌ فَلَا يَتَعَدَّى إلَى فَرْعٍ يَتَحَقَّقُ بِهِ كَوْنُهُ مُفِيدًا فَيُبَيِّنُ الْمُعْتَرِضُ حِينَئِذٍ أَنَّهُ يُسَاوِي الْمُسْتَدِلَّ فَإِنْ
  48. عَدَّى مَعْنَاهُ إلَى فَرْعٍ من فُرُوعِهِ تَحَقَّقَ كَوْنُهُ مُفِيدًا مُتَعَدِّيًا وَحَاصِلُ الْأَمْرِ طَلَبُ تَسَاوِي الِانْعِدَامِ بين الْمُسْتَدِلِّ وَالْمُعْتَرِضِ وَدَفْعُ احْتِمَالِ الْقُصُورِ الذي هو إمَّا قَادِحٌ إنْ بَنَيْنَا على أَنَّ الْعِلَّةَ قَاصِرَةٌ مَرْدُودَةٌ أو مَرْجُوحٌ إنْ بَنَيْنَا على أنها مَقْبُولَةٌ وَلَكِنَّ التَّعْدِيَةَ أَوْلَى مَسْأَلَةٌ الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ وَالْمُعَارَضَةِ وَالْقَلْبِ وَالنَّقْضِ وَالْمَنْعِ لَا يَخْتَصُّ بِالْقِيَاسِ بَلْ يَتَوَجَّهُ على سَائِرِ الْأَدِلَّةِ من قِيَاسٍ وَغَيْرِهِ إلَّا الْمَنْعَ فإنه لَا يَتَوَجَّهُ على مَتْنِ الْكِتَابِ وَفَسَادِ الْوَضْعِ وَالْفَرْقِ وَالْمُطَالَبَةِ بِبَيَانِ التَّأْثِيرِ وَالتَّرْكِيبِ وَالْكَسْرِ وَكَوْنِ مَحَلِّ النِّزَاعِ لَا يَجْرِي فيه الْقِيَاسُ مُخْتَصٌّ بِالْقِيَاسِ
  49. فَصْلٌ اخْتَلَفُوا في تَرْتِيبِ الْأَسْئِلَةِ على مَذَاهِبَ أَحَدُهَا لَا يَجِبُ تَرْتِيبُهَا وَلَا حَجْرَ على الْمُعْتَرِضِ فِيمَا يُورِدُهُ منها على أَيِّ وَجْهٍ اتَّفَقَ الثَّانِي يَجِبُ التَّرْتِيبُ إذْ لو جَاوَزْنَا إيرَادَهَا على أَيِّ وَجْهٍ اتَّفَقَ لَأَدَّى إلَى التَّنَاقُضِ من حَيْثُ إنَّهُ قد يُوجَدُ الْمَنْعُ بَعْدَ الْمُعَارَضَةِ أو يُوجَدُ النَّقْضُ أو الْمُطَالَبَةُ قبل الْمَنْعِ ثُمَّ يُمْنَعُ بَعْدَ ذلك وهو مُمْتَنِعٌ لِمَا فيه من الْمَنْعِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ وَالْإِنْكَارِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ قال الْآمِدِيُّ وَهَذَا هو الْمُخْتَارُ وَلَكِنْ بِشَرْطِ كَوْنِهِ عَارِفًا وَإِلَّا فَيَفُوتُ عليه أَكْثَرُ مَقْصُودِهِ في الِاسْتِرْشَادِ الثَّالِثُ إنْ اتَّحَدَ جِنْسُ السُّؤَالِ كَالنَّقْضِ وَالْمُطَالَبَةِ وَالْمُعَارَضَةِ في الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ جَازَ إيرَادُهَا من غَيْرِ تَرْتِيبٍ لِأَنَّهُ لَا تَنَاقُضَ وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ سُؤَالٍ وَاحِدٍ وَحَكَى الْآمِدِيُّ في هذا الْقِسْمِ اتِّفَاقَ الْجَدَلِيِّينَ فَإِنْ تَعَدَّدَتْ أَجْنَاسُهَا كَالْمَنْعِ من الْمُطَالَبَةِ وَالنَّقْضِ وَالْمُعَارَضَةِ وَنَحْوِهِ نُظِرَ فَإِنْ كانت الْأَسْئِلَةُ غير مُرَتَّبَةٍ قال الْآمِدِيُّ فَأَجْمَعُوا على جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَهَا إلَّا أَهْلَ سَمَرْقَنْدَ فَإِنَّهُمْ أَوْجَبُوا الِاقْتِصَارَ على سُؤَالٍ وَاحِدٍ لِقُرْبِهِ إلَى الضَّبْطِ وَبُعْدِهِ عن الْخَبْطِ وَإِنْ كانت مُرَتَّبَةً كَالْمَنْعِ وَالْمُعَارَضَةِ فَيُقَدَّمُ الْمَنْعُ ثُمَّ الْمُعَارَضَةُ وَلَا يُعْكَسُ هذا التَّرْتِيبُ وَإِلَّا لَزِمَ الْإِنْكَارُ بَعْدَ الْإِقْرَارِ وَنَقَلَهُ الْآمِدِيُّ عن أَكْثَرِ الْجَدَلِيِّينَ وَقِيلَ لَا يُمْنَعُ ذلك بَعْدَ تَسْلِيمِ وُجُودِ الْوَصْفِ وَإِنْ سَلَّمَ عن الْمَنْعِ تَقْدِيرًا فَلَا يُسَلِّمُ عن الْمُطَالَبَةِ وَغَيْرِهَا وهو اخْتِيَارُ الْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا بُدَّ من تَرْتِيبِ الْأَسْئِلَةِ إذَا لَزِمَ من تَقْدِيمِ بَعْضِهَا على بَعْضٍ مُنِعَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ فَإِنْ لم يَلْزَمْ ذلك كان التَّرْتِيبُ مُسْتَحْسَنًا لَا لَازِمًا فَعَلَى هذا اخْتَلَفُوا قال الْمُحَقِّقُونَ من الْمُتَأَخِّرِينَ التَّرْتِيبُ الْمُسْتَحْسَنُ أَنْ يَبْدَأَ بِالْمُطَالَبَاتِ أَوَّلًا لِأَنَّهُ إذَا لم يُثْبِتْ أَرْكَانَ الْقِيَاسِ لم يَدْخُلْ في جُمْلَةِ الْأَدِلَّةِ ثُمَّ بِالْقَوَادِحِ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ من كَوْنِهِ على صُورَةِ الْأَدِلَّةِ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا ثُمَّ بِالْمُعَارَضَةِ إذْ لَا يَلْزَمُ من صِحَّتِهِ وُجُوبُ الْعَمَلِ ثُمَّ إذَا بَدَأَ بِالْمُنُوعِ فَالْأَوْلَى يَمْنَعُ وُجُودَ الْوَصْفِ في الْفَرْعِ لِأَنَّهُ دَلِيلُ الدَّعْوَى ثُمَّ يَمْنَعُ ظُهُورَهُ وَانْضِبَاطَهُ لِأَنَّ ذلك شَرْطُ كَوْنِهِ دَلِيلًا ثُمَّ يَمْنَعُ كَوْنَهُ عِلَّةً في الْأَصْلِ لِأَنَّهُ
  50. دَلِيلُ الدَّلِيلِ فإذا نَقَضَ الْمُنُوعَ شَرَعَ في الْقَوَادِحِ فَيَبْدَأُ بِالْقَوْلِ الْمُوجِبِ لِوُضُوحِ مَأْخَذِهِ ثُمَّ بِفَسَادِ الْوَضْعِ وَاخْتِصَاصِهِ بِالشَّرْعِ ثُمَّ بِالْقَدْحِ في الْمُنَاسَبَةِ كَأَنَّهُ يَتَبَيَّنُ بِهِ فَوَاتُ شَرْطِ كَوْنِهِ عِلَّةً ثُمَّ بِالْمُعَارَضَةِ في الْأَصْلِ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى تَطْرِيقِ الْإِكْمَالِ لِشَهَادَةِ الْأَصْلِ ثُمَّ بِالنَّقْضِ وَالْكَسْرِ لِأَنَّهُ مُعَارَضَةٌ لِدَلِيلِ الِاعْتِبَارِ بِدَلِيلِ الْإِهْدَارِ ثُمَّ بِالْمُعَارَضَةِ في الْفَرْعِ وَلَيْسَ في هذا التَّرْتِيبِ شَيْءٌ لَازِمٌ سِوَى تَأْخِيرِ الْمُعَارَضَةِ وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ من الْقُدَمَاءِ كما قَالَهُ أبو الْحَسَنِ السُّهَيْلِيُّ في أَدَبِ الْجَدَلِ إلَى أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالْمَنْعِ من الْحُكْمِ في الْأَصْلِ لِأَنَّهُ إذَا كان مَمْنُوعًا لم يَجِبْ على السَّائِلِ أَنْ يَتَكَلَّمَ على كَوْنِ الْوَصْفِ مَمْنُوعًا أو مُسَلَّمًا وَلَا كَوْنِ الْأَصْلِ مُعَلَّلًا بِتِلْكَ الْعِلَّةِ أو بِغَيْرِهَا ثُمَّ يُطَالِبُهُ بِإِثْبَاتِ الْوَصْفِ في الْفَرْعِ بِأَنَّ الْأَصْلَ مُعَلَّلٌ بِتِلْكَ الْعِلَّةِ ثُمَّ بِاطِّرَادِ الْعِلَّةِ ثُمَّ بِتَأْثِيرِهَا ثُمَّ بِكَوْنِهَا مَوْضُوعَةً وَمَحَلُّهَا غَيْرُ فَاسِدِ الْوَضْعِ ثُمَّ بِالْمُحَامَاةِ عن مُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ وَالنَّصِّ ثُمَّ بِالْقَلْبِ ثُمَّ بِالْمُعَارَضَةِ قال هذا هو التَّرْتِيبُ الصَّحِيحُ وَكَذَا جَعَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْمُعَارَضَةَ آخِرَ الْأَسْئِلَةِ لِأَنَّهُ إذَا سَلَّمَ الدَّلِيلَ خَالِيًا عن الْقَوَادِحِ كُلِّهَا فَإِذْ ذَاكَ يَرِدُ عليه سُؤَالُ الْمُعَارَضَةِ وقال أَكْثَرُ الْجَدَلِيِّينَ وَارْتَضَاهُ مُتَأَخِّرُو الْأُصُولِيِّينَ أَوَّلُ ما يُبْدَأُ بِهِ الِاسْتِفْسَارُ ثُمَّ فَسَادُ الِاعْتِبَارِ ثُمَّ فَسَادُ الْوَضْعِ ثُمَّ يُمْنَعُ حُكْمُ الْأَصْلِ لِأَنَّ الْحُكْمَ مُقَدَّمٌ على الْعِلَّةِ لِأَنَّ اسْتِنْبَاطَ الْعِلَّةِ بَعْدَهُ ثُمَّ مَنْعُ وُجُودِ الْعِلَّةِ في الْأَصْلِ ثُمَّ النَّظَرُ في عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ كَالْمُطَالَبَةِ وَعَدَمُ التَّأْثِيرِ وَالْقَدْحُ في الْمُنَاسَبَةِ وَالتَّقْسِيمُ وَعَدَمُ ظُهُورِ الْوَصْفِ وَانْضِبَاطِهِ وَكَوْنُ الْحُكْمِ غير صَالِحٍ لِلْإِفْضَاءِ إلَى ذلك الْمَقْصُودِ ثُمَّ النَّقْضُ وَالْكَسْرُ لِكَوْنِهِمَا مُعَارَضَةً لِلدَّلِيلِ ثُمَّ الْمُعَارَضَةُ في الْأَصْلِ لِأَنَّهَا مُعَارَضَةٌ لِلْعِلَّةِ فَكَانَ مُتَأَخِّرًا عن تَعَارُضِ دَلِيلِ الْعِلَّةِ وَالْمُتَعَدِّيَةِ وَالتَّرْكِيبِ لِأَنَّ حَاصِلَهَا يَرْجِعُ إلَى الْمُعَارَضَةِ في الْأَصْلِ ثُمَّ بَعْدَهُ ما يَتَعَلَّقُ بِالْفَرْعِ لِمَنْعِ وُجُودِ الْعِلَّةِ في الْفَرْعِ وَمُخَالَفَةُ حُكْمِهِ بِحُكْمِ الْأَصْلِ وَمُخَالَفَتُهُ لِلْأَصْلِ في الضَّابِطِ في الْحُكْمِ وَالْمُعَارَضَةُ في الْفَرْعِ وَسُؤَالُ الْقَلْبِ ثُمَّ بَعْدَهُ الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ لِتَضَمُّنِهِ لِتَسْلِيمِ كل ما يَتَعَلَّقُ بِالدَّلِيلِ في الْجُمْلَةِ مع بَقَاءِ النِّزَاعِ ثُمَّ بَعْدَ ذلك الْمُعَارَضَةُ لِأَنَّهَا تَسْلِيمُ الدَّلِيلِ بِخِلَافِ الْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ فإنه نِزَاعٌ في دَلَالَةِ الدَّلِيلِ على الْحُكْمِ مع الِاعْتِرَافِ بِهِ وقد أُورِدَ على هذا التَّرْتِيبِ إشْكَالَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَخَلَّ بِذِكْرِ الْفَرْقِ وَالْقَلْبِ فَإِنْ كان ذلك لِأَجْلِ أَنَّهُمَا
  51. مُنْدَرِجَانِ تَحْتَ الْمُعَارَضَةِ وَجَبَ أَنْ لَا يَذْكُرَ النَّقْضَ لِأَنَّهُ مُعَارَضَةٌ لِلدَّلِيلِ على الْعِلِّيَّةِ فَهُوَ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ الْمُعَارَضَةِ وَأَنْ لَا يَذْكُرَ الْمُطَالَبَةَ وَلَا الْقَوْلَ بِالْمُوجِبِ لِأَنَّهُمَا يَرْجِعَانِ إلَى الْمَنْعِ الثَّانِي أَنَّهُ أَخَّرَ الْقَوْلَ بِالْمُوجِبِ عن النَّقْضِ وَعَنْ غَيْرِهِ من الِاعْتِرَاضَاتِ وَقَدَّمَهُ على الْمُعَارَضَةِ فَإِنْ كان ذلك لِأَجْلِ الدَّلِيلِ إذَا لم يَسْلَمْ من الْقَوَادِحِ كَالنَّقْضِ وَغَيْرِهِ لَا يُقَالُ بِمُوجِبِهِ لَزِمَ أَنْ يَتَأَخَّرَ أَيْضًا الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ عن الْمُعَارَضَةِ لِأَنَّ الْمُعَارَضَةَ أَيْضًا من جُمْلَةِ الْقَوَادِحِ لِأَنَّهَا مُضَادَّةٌ لِلدَّلِيلِ وما لم يَسْلَمْ الدَّلِيلُ عن الْقَوَادِحِ لَا يُقَالُ بِمُوجِبِهِ وَإِنْ كان سَبَبُ تَقَدُّمِهِ على الْمُعَارَضَةِ كَوْنَ الدَّلِيلِ لم يُنْصَبْ في مَوْضِعِهِ تَوَجَّهَ عليه الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ كَذَلِكَ فَلْيُقَدَّمْ الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ على سَائِرِ الْأَسْئِلَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ عن فَسَادِ الْوَضْعِ لِأَنَّهُ صَارَ شَبِيهًا بِفَسَادِ الْوَضْعِ فَيَظْهَرُ أَنَّ حَقَّ الْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ أَنْ يَتَقَدَّمَ على جَمِيعِهَا أو أَنْ يَتَأَخَّرَ عن جَمِيعِهَا وَحَكَى ابن السَّمْعَانِيِّ عن أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّهُمْ قالوا أَوَّلُ ما يَبْدَأُ السَّائِلُ من الِاعْتِرَاضِ أَنْ يَنْظُرَ في الْمُخْتَلِفِ فيه هل يَجُوزُ إثْبَاتُهُ بِالْقِيَاسِ فَيَمْنَعُ من الْقِيَاسِ إنْ كان لَا يَجُوزُ ثُمَّ يَنْظُرُ في الْأَصْلِ هل يَجُوزُ أَنْ يُعَلَّلَ ثُمَّ يَنْظُرُ في الْعِلَّةِ هل يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِثْلُهَا عِلَّةً ثُمَّ يَذْكُرُ الْمُمَانَعَةَ في الْأَصْلِ إنْ لم يَكُنْ مُسَلِّمًا ثُمَّ يُطَالِبُ بِتَصْحِيحِ الْعِلَّةِ في الْأَصْلِ ثُمَّ يقول بِمُوجِبِ الْعِلَّةِ إنْ أَمْكَنَهُ ثُمَّ يَنْقُضُ وَمِنْهُمْ من يُقَدِّمُ النَّقْضَ على الْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ ثُمَّ يَأْتِي على ما بَقِيَ من عَدَمِ التَّأْثِيرِ وَالْكَسْرِ وَفَسَادِ الْوَضْعِ ثُمَّ يَأْتِي بِالْقَلْبِ وَالْمُعَارَضَةِ قالوا وَإِنْ خَالَفَ ما ذَكَرْنَاهُ وَبَدَأَ بِغَيْرِهِ جَازَ وَإِنْ كان قد تَرَكَ الْأَحْسَنَ إلَّا في الْمُمَانَعَةِ وَالنَّقْضِ فإنه يَجُوزُ أَنْ يَنْقُضَ ثُمَّ يُمَانِعَ لِأَنَّ النَّاقِضَ يَعْتَرِفُ بِوُجُودِ الْعِلَّةِ وَأَمَّا الْمَانِعُ فَيَمْنَعُ وُجُودَ الْعِلَّةِ فإذا مَانَعَ بَعْدَ الْمُنَاقَضَةِ فَقَدْ رَجَعَ فِيمَا سَلَّمَ وَهَذَا لَا يَجُوزُ مَسْأَلَةٌ قال الْخُوَارِزْمِيُّ في النِّهَايَةِ صَارَ جَمَاعَةٌ من أَئِمَّةِ الْعَصْرِ إلَى أَنَّ الْجَمْعَ بين سُؤَالَيْنِ لَا يُتَصَوَّرُ لِأَنَّهُ إذَا مَنَعَ ثُمَّ سَلَّمَ يَكُونُ أَيْضًا مَنَعَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ وهو غَيْرُ مَسْمُوحٍ جَدَلًا وهو فَاسِدٌ لِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ بَعْدَ الْمَنْعِ اعْتِرَافٌ بَعْدَ إنْكَارٍ وهو مَسْمُوحٌ في مَجْلِسِ الْقَضَاءِ في أَمْرِ الْفُرُوجِ وَالدِّمَاءِ فَلَأَنْ يُسْمَعَ ذلك هَاهُنَا أَوْلَى
  52. فَصْلٌ ذَكَرُوا أَنَّ جَمِيعَ الْأَسْئِلَةِ تَرْجِعُ إلَى الْمَنْعِ وَالْمُعَارَضَةِ لِأَنَّهُ مَتَى حَصَلَ الْجَوَابُ عن الْمَنْعِ وَالْمُعَارَضَةِ تَمَّ الدَّلِيلُ وَحَصَلَ الْغَرَضُ من إثْبَاتِ الْمُدَّعَى ولم يَبْقَ لِلْمُعْتَرِضِ مَجَالٌ فَيَكُونُ ما سِوَاهَا من الْأَسْئِلَةِ بَاطِلًا فَلَا يُسْمَعُ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْجَوَابُ عن جَمِيعِ الْمُنُوعِ إلَّا بِإِقَامَةِ الدَّلِيلِ على جَمِيعِ الْمُقَدِّمَاتِ وَبَيَانِ لُزُومِ الْحُكْمِ فيها وَإِلَّا لَاتَّجَهَ الْمَنْعُ وَكَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ الْجَوَابُ عن الْمُعَارَضَةِ إلَّا بِبَيَانِ انْتِفَاءِ الْمُعَارِضِ عن كُلِّهَا وَبَيَانِ كَيْفِيَّةِ رُجُوعِهَا إلَى ذلك أَمَّا الِاسْتِفْسَارُ فَلِأَنَّ الْكَلَامَ إذَا كان مُحْتَمَلًا لَا يَحْصُلُ غَرَضُ الْمُسْتَدِلِّ إلَّا بِتَفْسِيرِهِ فَالْمُطَالَبَةُ بِتَفْسِيرِهِ تَسْتَلْزِمُ مَنْعَ تَحْقِيقِ الْوَصْفِ وَمَنْعَ لُزُومِ الْحُكْمِ عنه فَهُوَ رَاجِعٌ إلَى الْمَنْعِ وَأَمَّا التَّقْسِيمُ فَهُوَ رَاجِعٌ إلَى الْمَنْعِ أو الْمُعَارَضَةِ لِأَنَّ الْكَلَامَ إذَا كان مُحْتَمِلًا لِأَمْرَيْنِ فَيَضْطَرُّهُ الْمَنْعُ إلَى اخْتِيَارِ الْقِسْمَيْنِ وَحِينَئِذٍ يَتَّجِهُ عليه الْمَنْعُ أو الْمُعَارَضَةُ وَأَمَّا الْمُطَالَبَةُ فَهِيَ مع لُزُومِ الْحُكْمِ عن الْوَصْفِ فَهِيَ دَاخِلَةٌ في النَّقْضِ وَأَمَّا النَّقْضُ فَمُعَارَضَةٌ لِأَنَّهُ يُبْطِلُ الْعِلَّةَ وَأَمَّا الْفَرْقُ فَكَذَلِكَ لِأَنَّهُ ما يَكُونُ بَدَا مَعْنًى في الْأَصْلِ أو في الْفَرْعِ عن الْمَعْنَى الذي عَلَّلَ بِهِ الْمُسْتَدِلُّ وَأَمَّا الْكَسْرُ فَهُوَ نَوْعٌ من النَّقْضِ وَالنَّقْضُ مُعَارَضَةٌ وَأَمَّا الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ فَهُوَ رَاجِعٌ إلَى الْمَنْعِ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عن تَسْلِيمِ الدَّلِيلِ مع اسْتِيفَاءِ النِّزَاعِ في الْحُكْمِ وَذَلِكَ مَنْعُ لُزُومِ الْحُكْمِ مِمَّا ادَّعَاهُ الْمُسْتَدِلُّ وَأَمَّا الْقَلْبُ فَمُعَارَضَةٌ في الْحُكْمِ وَقِيلَ إنَّهُ رَاجِعٌ إلَى الْمَنْعِ وَأَمَّا عَدَمُ التَّأْثِيرِ فَمُعَارَضَةٌ في الْمُقَدِّمَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ إذَا احْتَجَّ بِالْقِيَاسِ فقال له الْمُعْتَرِضُ ما ذَكَرْته من الْمَعْنَى الْجَامِعِ غَيْرُ صَالِحٍ لِلْعِلِّيَّةِ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ بِدُونِهِ كان ذلك مُعَارَضَةً في الْمُقَدِّمَةِ لِأَنَّ ثُبُوتَ عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ الْجَامِعِ مُقَدِّمَةٌ في الْقِيَاسِ وَحَاصِلُهُ رَاجِعٌ إلَى الْقَدْحِ في كَوْنِ الْجَامِعِ عِلَّةً بِبَيَانِ ثُبُوتِ الْحُكْمِ بِدُونِ جُزْءٍ من أَجْزَاءِ الْعِلَّةِ وهو في الْحَقِيقَةِ مُعَارَضَةٌ في الْعِلَّةِ لِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ يَدَّعِي كَوْنَ الْمَجْمُوعِ الْمُرَكَّبِ عِلَّةً وَالْمُعْتَرِضُ لِعَدَمِ التَّأْثِيرِ يُبَيِّنُ كَوْنَ بَعْضِ الْمَجْمُوعِ عِلَّةً لَا ذلك الْمَجْمُوعِ كُلِّهِ
  53. وَذَلِكَ مُعَارَضَةٌ لِلْكُلِّ بِالْبَعْضِ وهو لَطِيفٌ غَامِضٌ وَأَمَّا التَّرْجِيحُ فَهُوَ مُعَارَضَةٌ في حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ وَكَيْفِيَّةُ تَوْجِيهِهِ أَنْ يُقَالَ مُوجِبُ ما ذَكَرْنَا من الدَّلِيلِ رَاجِحٌ على ما ذَكَرْتُمْ وَيُبَيِّنُهُ بِطَرِيقِهِ فَلَوْ لم يَثْبُتْ مُوجِبُهُ لَلَزِمَ التَّرْكُ بِالدَّلِيلِ الرَّاجِحِ وَإِنَّهُ مُمْتَنِعٌ وَلِلْخَصْمِ أَنْ يَمْنَعَ أَنَّهُ غَيْرُ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ شَرْطُ الْغَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُغَايِرًا له ذَاتًا بِمَعْنَى أَنَّهُ يُمْكِنُ وُجُودُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِدُونِ الْآخَرِ احْتِرَازًا من الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ فَإِنْ كان من الْمُسْتَدِلِّ فَهُوَ مُعَارَضَتُهُ لِمَا اعْتَرَضَ بِهِ الْمُعْتَرِضُ كان الْمُعَارَضَةُ عِبَارَةً عن إقَامَةِ دَلِيلٍ يُوقَفُ بِهِ دَلِيلُ خَصْمِهِ وَالتَّرْجِيحُ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي ثُبُوتَ الرَّاجِحِ فَيَدْفَعُ ما أَبْدَاهُ الْمُعْتَرِضُ لِكَوْنِهِ مَرْجُوحًا وَأَمَّا فَسَادُ الْوَضْعِ فَهُوَ مَنْعُ لُزُومِ الْحُكْمِ عن الدَّلِيلِ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْحُكْمِ بِالْقِيَاسِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ النَّصُّ مَوْجُودًا لَكِنَّ النَّصَّ مَوْجُودٌ وَأَمَّا فَسَادُ الِاعْتِبَارِ فَيَرْجِعُ إلَى الْمَنْعِ لِأَنَّهُ مع ثُبُوتِ الْقِيَاسِ على مُخَالَفَةِ النَّصِّ وقد وُجِدَ النَّصُّ وَاعْتِبَارُ الْقِيَاسِ على وُجُودِهِ اعْتِبَارٌ فَاسِدٌ فَلَا يَتَرَتَّبُ عليه الْحُكْمُ فَإِذًا فَسَادُ الِاعْتِبَارِ رَاجِعٌ إلَى مَنْعِ لُزُومِ الْحُكْمِ وَأَمَّا دَعْوَى كَوْنِ مَحَلِّ النِّزَاعِ لَا يَجُوزُ فيه الْقِيَاسُ فَهُوَ رَاجِعٌ إلَى الْمُعَارَضَةِ في الْعِلَّةِ أو في الْحُكْمِ وإذا عَلِمْتَ رُجُوعَ جَمِيعِ الِاعْتِرَاضَاتِ إلَى الْمَنْعِ وَالْمُعَارَضَةِ فَاعْلَمْ أَنَّ بَعْضَهُمْ زَعَمَ أَنَّ الْمُعَارَضَةَ رَاجِعَةٌ إلَى الْمَنْعِ فَائِدَةٌ قال بَعْضُهُمْ حَالُ الْمُتَنَاظِرَيْنِ أو النَّاظِرِ مع نَفْسِهِ في طَلَبِ وَجْهِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ كَحَالِ الْخَصْمَيْنِ بين يَدَيْ الْحَاكِمِ فَالْمُسْتَدِلُّ كَالْمُدَّعِي وَالسَّائِلُ كَالْمُدَّعَى عليه وَالْحُكْمُ الْمَطْلُوبُ كَالْحَقِّ الْمُدَّعَى بِهِ وَأَصْلُ الْقِيَاسِ في الشَّاهِدِ وَعِلَّةُ الْأَصْلِ كَنُطْقِ الشَّاهِدِ بِأَدَاءِ شَهَادَتِهِ وَالشَّرْعُ الذي هو الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ الْحَاكِمُ الذي يُنَفِّذُ الْحُكْمَ أو يَرُدُّ بِالتَّصْدِيقِ أو بِالتَّكْذِيبِ وَرَدُّ السَّائِلُ الْقِيَاسَ لِوُجُودِ النَّظَرِ كَتَزْيِيفِ الشُّهُودِ وَرَدِّهِمْ بِأَمْرٍ لَازِمٍ لَا خِلَافَ فيه وَالْمُمَانَعَةُ في حُكْمِ الْأَصْلِ وَوَصْفِهِ كَإِنْكَارِ حُضُورِ الشُّهُودِ وَالْمُمَانَعَةُ في وُجُودِ عِلَّةِ الْأَصْلِ كَإِنْكَارِ شَهَادَتِهِمْ وَمِثْلُهُ إنْكَارُ وُجُودِ الْعِلَّةِ في الْفَرْعِ وَالْوَضْعُ الْفَاسِدُ كَتَنَافِي الشَّهَادَةِ وَتَوَافُقِهَا وَالْمُطَالَبَةُ بِالدَّلِيلِ على صِحَّةِ الْعِلَّةِ كَتَكْلِيفِ الْمُدَّعِي تَعْدِيلَ الشُّهُودِ وَالنَّقْضُ كَإِظْهَارِ كَذِبِ الشُّهُودِ في مِثْلِ ما شَهِدُوا بِهِ عليه وَالْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ كَتَفْسِيرِ الشَّهَادَةِ بِمَا يَحْتَمِلُهَا لِيَخْرُجَ من عُهْدَتِهَا بِالشَّيْءِ الْمُدَّعَى بِهِ وَالْمُعَارَضَةُ
  54. كَمُقَابَلَةِ الشُّهُودِ بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِخِلَافِهَا فَتَتَهَافَتُ الشَّهَادَتَانِ وَكُلُّهَا مُفْسِدَةٌ لِلْقِيَاسِ وإذا سَلِمَ منها كان مَعْمُولًا بِهِ مَسْأَلَةٌ قال الْبَلْعَمِيُّ الِانْقِطَاعُ كَاسْمِهِ وَحُكْمُهُ مُقْتَضَبٌ من لَفْظِهِ وهو قُصُورُهُ عن بُلُوغِ مَغْزَاهُ وَعَجْزُهُ عن إظْهَارِ مُرَادِهِ وَمُبْتَغَاهُ وقال الصَّيْرَفِيُّ الِانْقِطَاعُ من الْمُجِيبِ ما دَامَ السَّائِلُ مُطَالِبًا يَكُونُ إمَّا بِالْخُرُوجِ من مَسْأَلَةٍ إلَى مَسْأَلَةٍ عن جَوَابِ ما سَأَلَ عنه أو الِاعْتِرَافِ بِأَنْ لَا جَوَابَ عنه أو كَوْنِ ما يَدْفَعُهُ عَدَلَهُ على نَفْسِهِ إمَّا جَحَدَ الضَّرُورَةَ أو سمع أو غير ذلك من الْأُصُولِ أو السُّكُوتِ عن الْجَوَابِ بَعْدَ أَنْ أَخَذَ فيه وَانْقِطَاعُ السَّائِلِ بِأَنْ لَا يَكُونَ معه زِيَادَةٌ في سُؤَالِهِ وقد يَتَهَيَّأُ لِلسَّائِلِ أَنْ يَقُولَ هذا مَذْهَبٌ صَحِيحٌ وَإِلَيْهِ كُنْت أَدْعُوك اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ ما قد ظَهَرَ من الْخِلَافِ يَدُلُّ على خِلَافِ هذا وَالْخُرُوجُ من مَسْأَلَةٍ إلَى أُخْرَى لَا يَتَّصِلُ لِمُنَاقَضَةِ الْخَصْمِ أو السُّكُوتِ بَعْدَ أَنْ يَقَعَ الْجَوَابُ قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ الِانْقِطَاعُ عِبَارَةٌ عن الْعَجْزِ عن بُلُوغِ الْغَرَضِ الْمَقْصُودِ إمَّا بِانْتِقَالِهِ من دَلِيلٍ لم يُصَحِّحْهُ إلَى دَلِيلٍ آخَرَ وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ سُئِلَ عن مَسْأَلَةٍ فَأَجَابَ بِالدَّلِيلِ فَقِيلَ انْقِطَاعٌ وَالتَّحْقِيقُ إنْ كان فيه تَنْبِيهٌ على الْحُكْمِ لم يَكُنْ انْقِطَاعًا وَلَا انْتِقَالًا وَهَذَا كما سَأَلَ إِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ الشَّافِعِيَّ عن بَيْعِ دُورِ مَكَّةَ فقال هل تَرَكَ لنا عَقِيلٌ من رِبَاعٍ وَهَذَا إنَّمَا هو دَلِيلٌ اسْتَدَلَّ بِهِ على جَوَازِ الْبَيْعِ
  55. فَصْلٌ في الِانْتِقَالِ وقد مَنَعَهُ الْجُمْهُورُ وقال الشَّاعِرُ وإذا تَنَقَّلَ في الْجَوَابِ مُجَادِلٌ دَلَّ الْعُقُولَ على انْقِطَاعٍ حَاصِرٍ وَلِأَنَّا لو جَوَّزْنَاهُ لِمَ بَاتَ إفْحَامُ الْخَصْمِ وَلَا إظْهَارُ الْحَقِّ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَشْرَعُ في كَلَامٍ وَيَنْتَقِلُ إلَى غَيْرِهِ قبل تَمَامِ الْأَوَّلِ وَهَكَذَا إلَى ما لَا نِهَايَةَ له فَلَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ من الْمُنَاظَرَةِ وهو إظْهَارُ الْحَقِّ وَإِفْحَامُ الْخَصْمِ وَاسْتَثْنَوْا من ذلك ما إذَا اسْتَفَادَ من الْكَلَامِ الْمُتَنَقِّلِ عنه فَائِدَةً لو لم يَذْكُرْهُ أَوَّلًا لم تَحْصُلْ له تِلْكَ الْفَائِدَةُ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْإِرْشَادِ فَأَمَّا السَّائِلُ لو انْتَقَلَ من السُّؤَالِ قبل تَمَامِهِ وقال ظَنَنْتُ أَنَّهُ لَازِمٌ فَبَانَ خِلَافَهُ فَمَكِّنُونِي من سُؤَالٍ آخَرَ فَفِيهِ خِلَافٌ حَكَاهُ بَعْضُهُمْ وقال الْأَصَحُّ أَنَّهُ يُمَكَّنُ منه إذَا كان انْحِدَارًا من الْأَعْلَى إلَى الْأَدْنَى فَإِنْ كان تَرَقِّيًا من الْأَدْنَى إلَى الْأَعْلَى كما لو أَرَادَ التَّرَقِّي من الْمُعَارَضَةِ إلَى الْمَنْعِ فَقِيلَ لَا يُمْكِنُ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِنَفْسِهِ وَقِيلَ يُمَكَّنُ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ الْإِرْشَادُ وَأَمَّا الْمَسْئُولُ فَيُمَكَّنُ من الْغَرَضِ كما سَيَأْتِي وَلَوْ أَرَادَ الْعُدُولَ من دَلِيلٍ إلَى دَلِيلٍ لَا يُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ كان مُنْقَطِعًا فَإِنْ تَرَكَ الدَّلِيلَ الْأَوَّلَ لِعَجْزِ السَّائِلِ عن فَهْمِهِ لَا يُعَدُّ انْقِطَاعًا وَعَلَى ذلك حُمِلَتْ قَضِيَّةُ إبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عليه وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ الِانْتِقَالَ مُطْلَقًا مُحْتَجًّا بِالِاحْتِجَاجِ على الْكَافِرِ فإن اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ من الْمَشْرِقِ فَأْتِ بها من الْمَغْرِبِ بَعْدَ الِاحْتِجَاجِ عليه بِأَنَّ اللَّهَ يُحْيِي وَيُمِيتُ قال الْأَصْفَهَانِيُّ وَهَذَا ليس بِانْتِقَالٍ بَلْ هو في غَايَةِ الْحُسْنِ وَالْكَمَالِ في صَنْعَةِ الْجَدَلِ وَبَيَانُهُ أَنَّهُ لَمَّا وَضَعَ الِاحْتِجَاجَ على الْمُلْحِدِ بِمَا يَعْجِزُ هو عنه وَيَعْتَرِفُ بِهِ وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُحْيِي وَيُمِيتُ أَوْرَدَ الْمُلْحِدُ شُبْهَةً خَيَالِيَّةً عليه فَبَدَّلَ ذلك الْمِثَالَ الْمَعْجُوزَ عنه بِمِثَالٍ لَا يَقْدِرُ على إيرَادِ شُبْهَةٍ خَيَالِيَّةٍ عليه وهو قَوْلُهُ فإن اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ من الْمَشْرِقِ وَهَذَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ من الْمِثَالَيْنِ يَعْجِزُ عنه الْمُلْحِدُ قَطْعًا إلَّا أَنَّ الْمِثَالَ الثَّانِيَ لَا قُدْرَةَ له وَلَا لِغَيْرِهِ على إيرَادِ شُبْهَةٍ خَيَالِيَّةٍ عليه فَإِذَنْ الدَّلِيلُ على أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ على ما
  56. يَعْجِزُ مُدَّعِي الْإِلَهِيَّةِ عنه وَالْمِثَالَانِ مُشْتَرَكَانِ في ذلك إلَّا أَنَّ الْمِثَالَ الْأَوَّلَ أَمْكَنَهُ أَنْ يُبْدِيَ خَيَالًا فَاسِدًا عليه وَالثَّانِي ليس كَذَلِكَ وَالِاسْتِدْلَالُ بِالْمُشْتَرَكِ بين الْمِثَالَيْنِ وَلَيْسَ انْتِقَالًا أَصْلًا وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ ليس هذا انْتِقَالًا لِأَنَّ خَصْمَهُ لم يَفْهَمْ دَلِيلَهُ الْأَوَّلَ وَعَارَضَهُ على إحْيَاءِ الْمَوْتَى بِتَرْكِهِ قَتْلَ من يُمْكِنُهُ قَتْلُهُ وَالْحُجَّةُ عليه بَاقِيَةٌ لِعَجْزِهِ عن إحْيَاءِ من قد مَاتَ فلما تَقَرَّرَتْ هذه الْحُجَّةُ أَلْزَمَهُ حُجَّةً أُخْرَى هِيَ إلَى فَهْمِ خَصْمِهِ أَقْرَبُ فقال إنْ كُنْت إلَهًا فَاقْلِبْ الشَّمْسَ في سَيْرِهَا إلَى طُلُوعِهَا من مَغْرِبِهَا إنْ كُنْت مُجْرِيهَا فَاعْتَرَفَ خَصْمُهُ عن جَوَابِهِ في الْحُجَّةِ الثَّانِيَةِ وكان في التَّحْقِيقِ مُنْقَطِعًا عن الْجَوَابِ في الْأُولَى قبل الثَّانِيَةِ لو أَنْصَفَ من نَفْسِهِ وقال الْإِمَامُ في الْأَرْبَعِينَ الدَّلِيلُ كان شيئا وَاحِدًا وهو حُدُوثُ ما لَا يَقْدِرُ الْإِنْسَانُ على إحْدَاثِهِ فَهُوَ يَدُلُّ على قَادِرٍ آخَرَ غَيْرِ الْخَلْقِ ثُمَّ هذا الْمَعْنَى له أَمْثِلَةُ الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ من مَشْرِقِهَا فَهَذَا كان انْتِقَالًا من مِثَالٍ إلَى مِثَالٍ أَمَّا الدَّلِيلُ فَشَيْءٌ وَاحِدٌ في الْحَالَيْنِ
  57. فَصْلٌ في الْفَرْضِ وَالْبِنَاءِ اعْلَمْ أَنَّ لِلْمَسْئُولِ في الدَّلَالَةِ ثَلَاثَةَ طُرُقٍ أَحَدُهَا أَنْ يَدُلَّ على الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا وَالثَّانِي أَنْ يَفْرِضَ الدَّلَالَةَ في بَعْضِ شُعَبِهَا وَفُصُولِهَا وَالثَّالِثُ أَنْ يَبْنِيَ الْمَسْأَلَةَ على غَيْرِهَا فَإِنْ اسْتَدَلَّ عليها بِعَيْنِهَا فَوَاضِحٌ وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَفْرِضَ الْكَلَامَ في بَعْضِ أَحْوَالِهَا جَازَ لِأَنَّهُ إذَا كان الْخِلَافُ في الْكُلِّ وَثَبَتَ الدَّلِيلُ في بَعْضِهَا ثَبَتَ الْبَاقِي بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَفْرِضَ الدَّلَالَةَ في غَيْرِ فَرْدٍ من أَفْرَادِ الْمَسْأَلَةِ لم يَجُزْ وَأَمَّا إذَا أَرَادَ أَنْ يَبْنِيَ الْمَسْأَلَةَ على غَيْرِهَا فَيَجُوزُ لِأَنَّهُ طَرِيقٌ من طُرُقِ الْمَسْأَلَةِ وَإِمَّا أَنْ يَبْنِيَهَا على مَسْأَلَةٍ أُصُولِيَّةٍ كَقَوْلِ الظَّاهِرِيِّ في الْغُسْلِ لَا بِنَاءً على مَنْعِ الْقِيَاسِ وَإِمَّا أَنْ يَبْنِيَهَا على مَسْأَلَةٍ أُخْرَى فَرْعِيَّةٍ كَالْخِلَافِ في الشَّعْرِ هل يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ بِنَاءً على أَنَّهُ هل تَحِلُّهُ الْحَيَاةُ أَمْ لَا هذا إذَا كان طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا فَإِنْ اخْتَلَفَ لم يَجُزْ بِنَاءُ بَعْضِهَا على بَعْضٍ كما لو سُئِلَ الْحَنَفِيُّ عن قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ فقال أنا أَبْنِيهِ على أَنَّ الْحُرَّ يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ فَهَذَا لَا يَصِحُّ فيه الْبِنَاءُ لِأَنَّهُمَا مَسْأَلَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ وَاعْلَمْ أَنَّهُ قد كَثُرَ في عِبَارَاتِهِمْ وَالْفَرْضُ وَالْبِنَاءُ من غَيْرِ تَحْقِيقٍ وَمَعْنَاهُ أَنْ يَسْأَلَ الْمُسْتَدِلُّ عَامًّا فَيُجِيبُهُ خَاصًّا مِثْلُ أَنْ تَكُونَ الْمَسْأَلَةُ ذَاتَ صُوَرٍ فَيَسْأَلُ السَّائِلُ عنه سُؤَالًا لَا يَقْتَضِي الْجَوَابَ على جَمِيعِ صُوَرِهَا فَيُجِيبُ الْمُسْتَدِلُّ عن صُورَةٍ أو صُورَتَيْنِ منها لِأَنَّ الْفَرْضَ هو الْقَطْعُ وَالتَّقْدِيرُ فَكَأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ اقْتَطَعَ تِلْكَ الصُّورَةَ عن أَخَوَاتِهَا فَأَجَابَ عنها وهو إمَّا فَرْضٌ في الْفَتْوَى كما لو سُئِلَ في الْبَيْعِ الْفَاسِدِ هل يَنْعَقِدُ أَمْ لَا فيقول لَا يَنْعَقِدُ بَيْعُ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ لِوُرُودِ النَّهْيِ فإن بَيْعَ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ من صُوَرِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ لَا عَيْنِهِ وَإِمَّا فَرْضٌ في الدَّلِيلِ بِأَنْ يَبْنِيَ عَامًّا وَيَدُلَّ خَاصًّا مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ الْفَاسِدُ لِأَنَّهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم نهى عن بَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ وَالضَّابِطُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَدِلُّ يُسَاعِدُهُ الدَّلِيلُ عليها فإذا تَمَّ له فيها الدَّلِيلُ بَنَى الْبَاقِيَ من الصُّوَرِ عليها وَلِذَلِكَ يُسَمَّى الْفَرْضُ وَالْبِنَاءُ وإذا عَرَفْت هذا فَقَدْ اُخْتُلِفَ في جَوَازِهِ فَذَهَبَ ابن فُورَكٍ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ حَقَّ الْجَوَابِ أَنْ يُطَابِقَ السُّؤَالَ
  58. وَذَهَبَ غَيْرُهُ من الْجَدَلِيِّينَ إلَى الْجَوَازِ لِأَنَّ الْمَسْئُولَ قد لَا يَجِدُ دَلِيلًا إلَّا على بَعْضِ صُوَرِ السُّؤَالِ وَلِأَنَّهُ قد يَرِدُ على جَوَابِهِ الْعَامِّ إشْكَالٌ لَا يَنْدَفِعُ فَيَتَخَلَّصُ منه بِالْفَرْضِ الْخَاصِّ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إنَّمَا يَجُوزُ إذَا كانت عِلَّةُ الْفَرْضِ شَامِلَةً لِسَائِرِ الْأَطْرَافِ قال وَالْمُسْتَحْسَنُ منه هو الْوَاقِعُ في طَرَفٍ يَشْتَمِلُ عليه عُمُومُ سُؤَالِ السَّائِلِ وَذَلِكَ مَحْمُولٌ على اسْتِشْعَارِ انْتِشَارِ الْكَلَامِ في جَمِيعِ الْأَطْرَافِ وَعَدَمِ وَفَاءِ مَجْلِسٍ وَاحِدٍ بِاسْتِتْمَامِ الْكَلَامِ فيها وَحَاصِلُهُ إنْ ظَهَرَ انْتِظَامُ الْعِلَّةِ الْعَامَّةِ في الصُّورَتَيْنِ كان مُسْتَحْسَنًا وَإِلَّا كان مُسْتَهْجَنًا وَفَائِدَتُهُ كَوْنُ الْعِلَّةِ قد تَخْفَى في بَعْضِ الصُّوَرِ وفي بَعْضِهَا أَظْهَرُ فَالتَّفَاوُتُ بِالْأَوْلَوِيَّةِ خَاصَّةً وَالْعِلَّةُ وَاحِدَةٌ وَهَذَا بِمَثَابَةِ تَوَجُّهِ النَّهْيِ إلَى جَمِيعِ أَذِيَّاتِ الْأَبِ إلَى التَّأْفِيفِ وَيُشْبِهُ الْفَرْقَ بين التَّوَاطُؤِ وَالْمُشْتَرَكِ فإن نِسْبَةَ الْآحَادِ إلَى التَّوَاطُؤِ مُتَسَاوِيَةٌ بِخِلَافِ الْمُشْكِلِ قال ابن الْمُنِيرِ وَأَعْجَبَنِي من الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بن عبد السَّلَامِ كَلَامٌ أَوْرَدَهُ في اسْتِبْعَادِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ في مَسْأَلَةِ الْوَصِيَّةِ بِجُزْءٍ من مَالِهِ أو سَهْمٍ فإن مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ حَمَلَ الْوَصِيَّةَ على الْأَقَلِّ فَمَهْمَا سَلَّمَهُ الْوَرَثَةُ خَرَجُوا بِهِ عن الْعُهْدَةِ فَكَانَ يَسْتَبْعِدُ هذا وَيَفْرِضُ فِيمَا لو اُحْتُضِرَ مُتَمَوِّلٌ وَاسِعُ الْمَالِ فَعَطَفَهُ الْحَاضِرُونَ على وَلَدِ وَلَدٍ تُوُفِّيَ في حَيَاتِهِ وَقِيلَ له إنَّ وَلَدَ وَلَدِك لَا مِيرَاثَ له مع غَيْرِهِ فَلَوْ وَصَلْتَ رَحِمَهُ وَأَغْنَيْتَ فَقْرَهُ بَعْدَك بِأَنْ تُوصِيَ له بِشَيْءٍ من مَالِك لِيَكُونَ له مع وَلَدِك مَدْخَلٌ فقال الْمُحْتَضَرُ قد أَوْصَيْت له بِسَهْمٍ من مَالِي وَأَوْصَى عَمُّهُ بِهِ حين تُوُفِّيَ هذا الْمُحْتَضَرُ فَعَمَدَ وَلَدُهُ إلَى سَفَرْجَلَةٍ أو تَمْرَةٍ فَسَلَّمَهَا لِوَلَدِ الْوَلَدِ زَاعِمًا أَنَّ هذا مُرَادُ أبيه لِقَطْعِ كل عَاقِلٍ بِأَنَّ هذا الْوَارِثَ مُدَافِعٌ لِلْوَصِيَّةِ مُرَادٌ وكان الشَّيْخُ يَسْتَصْوِبُ مَذْهَبَ مَالِكٍ في حَمْلِهِ السَّهْمَ على إلْحَاقِ الْمُوصَى له بِسُهْمَانِ الْوَرَثَةَ لَكِنْ يَرْجِعُ إلَى أَقَلِّهِمْ سَهْمًا فَيُعْطَى مثله جَمْعًا بين الْمُعَرَّفِ وَبَيْنَ الْأَصْلِ في الْحَمْلِ على الْأَقَلِّ وَمِثْلُ هذا الْفَرْضِ يُسْتَحْسَنُ لَا بِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ الْعِلَلِ وَلَكِنْ بِاعْتِبَارِ تَمَكُّنِ الصُّورَةِ الْمَفْرُوضَةِ من الدَّلِيلِ وَإِنْ كان شَامِلًا لِلْجَمِيعِ وَلَكِنْ شُمُولًا مُتَفَاوِتًا قال ثُمَّ وَقَعَ لي بَعْدَ ذلك أَنَّ الشَّيْخَ في فَرْضِهِ إيقَافٌ لِلْأَذْهَانِ في مُبَادِيهَا وإذا تُؤُمِّلَ انْدَفَعَ التَّشْنِيعُ من الْفَقِيهِ الْمُفْتِي بِأَقَلِّ شُمُولٍ لَا الْمُوصِي الذي هو الْحَقِيقُ بِاللَّوْمِ وَآيَةُ ذلك أَنَّ الْمُوصِيَ لو قال في السِّيَاقِ الْمَذْكُورِ ادْفَعُوا له أَقَلَّ مُتَمَوَّلٍ لم يَكُنْ بُدٌّ من
  59. قَبُولِ السَّفَرْجَلَةِ وَنَحْوِهَا على سَائِرِ الْمَذَاهِبِ وَكَذَا لو صَرَّحَ بها وَلَا لَوْمَ على الْفَقِيهِ إذَا قال لَا يَسْتَحِقُّ الْمُوصَى بِهِ أَكْثَرَ من ذلك فَكَذَلِكَ إذَا عَدَلَ الْمُوصِي عن التَّعْيِينِ وقال ادْفَعُوا له سَهْمًا أو جُزْءًا وقد اتَّفَقْنَا على أَنَّ الْأَكْثَرَ لَا يَنْضَبِطُ وَكَذَلِكَ الْأَوْسَطُ لِتَعَدُّدِ حَالِ الْوَسَائِطِ فلم يَبْقَ من الْأَطْرَافِ الثَّلَاثَةِ إلَّا الْأَقَلُّ فَكَانَ كما لو صَرَّحَ فَاللَّائِمَةُ حِينَئِذٍ على الْمُوصِي لَا على الْمُفْتِي وَاعْلَمْ أَنَّ بِنَاءَ مَسْأَلَةٍ على أُخْرَى إنْ كان قبل الشُّرُوعِ في الِاسْتِدْلَالِ فَلَا خِلَافَ في جَوَازِهِ وَإِنْ كان بَعْدَهُ فَإِنْ ابْتَدَأَ الدَّلَالَةَ ولم يذكر أَنَّهُ يُرِيدُ الْبِنَاءَ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ من الْأُصُولِ كَاسْتِدْلَالِ الْمَالِكِيِّ على الْحَنَفِيِّ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ في مَسْأَلَةِ الْأَذَانِ فَإِنْ سَلَّمَ الْحَنَفِيُّ تَسْلِيمًا جَدَلِيًّا عَدَلَ إلَى غَيْرِهِ من الْأَسْئِلَةِ وَإِلَّا قال له الْمَسْئُولُ هذا أَصْلٌ من أُصُولِي وأنا أَبْنِي فَرْعِي على أَصْلِي فَإِنْ سَلَّمْت وَإِلَّا نَقَلْت الْكَلَامَ فَإِنْ نَقَلَ جَازَ وَإِنْ قال لَا أُسَلِّمُ وَلَا أَنْقُلُ الْكَلَامَ إلَيْهِ لم يَكُنْ له ذلك وَإِنْ كان الذي بَنَى عليه فَرْعًا يُمَانِعُهُ السَّائِلُ فَإِنْ أَرَادَ نَقْلَ الْكَلَامِ إلَى مَسْأَلَةِ الْبِنَاءِ فَهَلْ يَجُوزُ ذلك قال أبو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ ليس له ذلك لِأَنَّهُ انْتِقَالٌ وقال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ له ذلك وهو الصَّحِيحُ عِنْدِي اعْتِبَارًا بِبِنَائِهَا على أَصْلٍ من الْأُصُولِ الظَّاهِرَةِ
  60. فَصْلٌ قال الْبَلْعَمِيُّ في الْغَرَرِ أَلْطَفُ حِيَلِ الْمُتَنَاظِرِينَ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ أَحَدُهَا نَقْلُ السَّائِلِ عن سُؤَالٍ وَإِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ اسْتِشْهَادِهِ على الْمُجِيبِ بِمَا يَلْزَمُهُ وَيَقْطَعُهُ فإذا أَرَادَ الْمُجِيبُ نَقْلَهُ جَحَدَ بَعْضَ ما اسْتَشْهَدَ بِهِ عليه وَإِنْ كان وَاضِحًا فإذا بَيَّنَهُ اخْتَلَطَ الْكَلَامَانِ وَبِهِ يَنْقُلُهُ من الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى إلَى غَيْرِهَا فَيَجِبُ على السَّائِلِ إمْعَانُ النَّظَرِ في مِثْلِ هذا وَالثَّانِي تَقْسِيمُ السُّؤَالِ وهو أَنْ يَنْظُرَ الْمُجِيبُ إلَى أَحْوَالِهِ فَإِنْ كان مُحْتَمِلًا لِوُجُوهٍ شَتَّى قَسَّمَهُ على وُجُوهِهِ لِيُطِيلَ مُنَاظَرَةَ السَّائِلِ وَيَشْغَلَ قَلْبَهُ عن قُوَّةِ الْمُنَاظَرَةِ فَيَبْطُلُ غَرَضُ السَّائِلِ في الْجَدَلِ فَالْوَاجِبُ على السَّائِلِ أَنْ لَا يُمَكِّنَهُ من التَّقْسِيمِ لِئَلَّا يَلْتَبِسَ عليه غَرَضُهُ الثَّالِثُ ضَرْبُ الْأَمْثَالِ وهو أَنْ يَقْصِدَ تَكْثِيرَ الْأَمْثَالِ الْمَضْرُوبَةِ في الْقُرْآنِ لِيَجْبُنَ خَصْمُهُ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ في جَوَابِ دَعْوَاهُ قَوْله تَعَالَى وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ وَقَوْلُهُ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عَاصِفٍ فإذا أَرَادَ الْخَصْمُ إلْزَامَهُ فَتَعَذَّرَ عليه وَانْقَطَعَ دُونَهُ تَلَا قَوْله تَعَالَى إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لهم مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عنها مُبْعَدُونَ
  61. فَصْلٌ في التَّعَلُّقِ بِمُنَاقَضَاتِ الْخُصُومِ لَخَّصْتُهُ من كَلَامِ إلْكِيَا لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إثْبَاتُ الْمَذَاهِبِ إلَّا بِدَلِيلٍ إجْمَاعِيٍّ أو مُسْتَقِلٍّ من أَوْضَاعِ الشَّرْعِ وِفَاقًا وَلَكِنْ اخْتَلَفُوا في التَّعَلُّقِ بِمُنَاقَضَاتِ الْخُصُومِ في الْمُنَاظَرَةِ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إلَى جَوَازِهِ من حَيْثُ إنَّ الْمَقْصُودَ من الْجَدَلِ تَضْيِيقُ الْأَمْرِ على الْخَصْمِ وَإِبَانَةُ اسْتِقَامَةِ أَصْلِهِ وَفَصَّلَ الْقَاضِي تَفْصِيلًا حَسَنًا لَا غُبَارَ عليه فقال إنْ كانت الْمُنَاقَضَةُ عَائِدَةً إلَى تَفَاصِيلِ أَصْلٍ لَا يَرْتَبِطُ فَسَادُهَا وَصِحَّتُهَا بِفَسَادِ الْأَصْلِ بِحَالٍ بَلْ الْأَصْلُ إذَا ثَبَتَ اُسْتُصْحِبَ حُكْمُهُ على الْفَرْعِ فَلَا يَجُوزُ التَّعَلُّقُ بها من حَيْثُ إنَّهُ لَا يَعُودُ على الْمَقْصُودِ وَلَئِنْ قِيلَ فيها مَقْصُودٌ صَحِيحٌ وهو اضْطِرَارُ الْخَصْمِ إلَى إبَانَةِ الْحُجَّةِ التي يُعَوِّلُ الْخَصْمُ عليها فَبِهِ يَتِمُّ النَّظَرُ ثُمَّ تَكَلَّمَ على الْمَأْخَذِ على هذا التَّدْرِيجِ وَحِينَئِذٍ فَيَجُوزُ التَّعَلُّقُ بِهِ وَلَكِنَّ كَلَامَنَا فِيمَا إذَا عَلِمَ أَنَّ الْفَرْعَ فَاسِدٌ لِفَسَادِ نَظَرِ الْخَصْمِ فيه على الْخُصُوصِ لَا في الْأَصْلِ وَهَذَا يَعِزُّ وُجُودُهُ وَلَكِنْ إذَا وُجِدَ كان حُكْمُهُ ما ذَكَرْنَا وَإِنْ كان التَّعَلُّقُ بِالْفَرْعِ من قَبْلِ امْتِحَانِ الْأَصْلِ بِسِيَاقِهِ وَعَلِمَ أَنَّ الْفَرْعَ من ضَرُورَاتِ الْأَصْلِ فَيَجُوزُ التَّعَلُّقُ بِهِ وِفَاقًا وَسَبَبُ هذا التَّفْصِيلِ أَنَّ الذي يَسْأَلُ عن مَسْأَلَةٍ فَيُفْتَى فيها فَلَا بُدَّ له من نَصْبِ دَلِيلٍ على ما أَفْتَى بِهِ وَلَنْ يَتَحَقَّقَ نَصْبُ الدَّلِيلِ على ذلك إلَّا بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا الْهُجُومُ على ذِكْرِ الدَّلِيلِ وَالْبَحْثُ عن الْمَعْنَى وَهَذَا هو الْأَصْلُ والثاني أَنْ يَنْقَدِحَ بِإِبْطَالِ مَذْهَبِ الْخَصْمِ إلَى إثْبَاتِ مَذْهَبِهِ إذَا لم يَكُنْ في الْمَسْأَلَةِ إلَّا مَذْهَبَانِ أو اعْتِرَافًا بِأَنَّ ما عَدَا الْمَذْهَبَيْنِ بَاطِلٌ وَإِقْرَارُهُمَا على أَنْفُسِهِمَا حُجَّةٌ مَسْأَلَةٌ قال إذَا ذَكَرَ الْمُعَلِّلُ وَصْفًا وَقَاسَ على أَصْلٍ فَهَلْ عليه إثْبَاتُ عِلَّةِ الْأَصْلِ بِطَرِيقٍ من مَسَالِكِ الْعِلَّةِ أَمْ لَا يَجِبُ عليه وَيُقَالُ لِلسَّائِلِ إنْ أنت أَثْبَتَّ أَنَّهُ ليس بِصَالِحٍ لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ بَطَلَ تَعْلِيلُهُ قال إلْكِيَا فيه خِلَافٌ
  62. فَصَارَ صَائِرُونَ إلَى أَنَّ ذلك على السَّائِلِ من حَيْثُ إنَّ الْمُعَلِّلَ ذَكَرَ وَصْفًا أَصْلًا فَقَدْ وُجِدَ فيه حَدُّ الْقِيَاسِ وَرُكْنُهُ وَالْأَصْلُ أَنَّ الْقِيَاسَ حُجَّةٌ وَأَنَّ كُلَّ وَصْفٍ يَرْبِطُ الْفَرْعَ بِالْأَصْلِ فَهُوَ حُجَّةٌ وَإِنَّمَا يَفْسُدُ لِاخْتِلَالِ الشَّرَائِطِ وَهَذَا ليس بِالْعَرِيِّ عن التَّحْصِيلِ وَلَوْ فُرِضَ التَّوَاطُؤُ عليه لم يَكُنْ هذا وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ مع هذا أَنَّ ذلك على الْمُعَلِّلِ فإن عليه أَنْ يَأْتِيَ بِمَا يَظْهَرُ من مَقْصُودِهِ لِيَخْرُجَ الْكَلَامُ عن حَدِّ الدَّعْوَى بِظُهُورِ مُخَيَّلٍ ثُمَّ الْقَوَادِحُ على الْمُعْتَرِضِ وإذا عَرَفَ هذا فَلَوْ ذَكَرَ مَعْنًى مُنَاسِبًا كَفَاهُ وَإِنْ كانت الْمَعَانِي مُنْقَسِمَةً إلَى صَحِيحٍ وَفَاسِدٍ لِأَنَّ الْأَصْلَ اعْتِبَارُ الْمَعَانِي التي لها أُصُولٌ وَالْبُطْلَانُ مُعَارِضٌ فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ لِلْأَصْلِ اعْتِبَارَ أَوْصَافٍ لها أُصُولٌ فَإِنْ لم تَتَحَقَّقْ الْمُنَاسَبَةُ فَالْأَمْرُ في الْوَصْفِ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا يُمْكِنُ ذلك بِإِثْبَاتِ الطَّرْدِ حُجَّةً وَرَاءَ الذي يُقَالُ فيه إنَّ الْحُكْمَ يَدُلُّ على الْحُكْمِ وَالْأَوْصَافَ تَدُلُّ على الِاجْتِمَاعِ في الطَّرْدِ وَالْوَصْفَ عِنْدَ مُثْبِتِهِ يَدُلُّ على الْحُكْمِ في الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ على السَّوَاءِ فَإِنْ ثَبَتَ هذا فَالْوَصْفُ الْمُطْلَقُ كَالْمُخَيَّلِ وَقِيلَ لَا بُدَّ من إبْرَازِ الْإِخَالَةِ وَالْعَرْضِ على الْأُصُولِ تَحْقِيقًا لِشَرْطِهِ
  63. فَصْلٌ في الِاحْتِجَاجِ بِالْمُخْتَلَفِ فيه بين الْخَصْمَيْنِ قال الصَّيْرَفِيُّ يَصْلُحُ لِمُثْبِتِي الْخَبَرِ وَالْقِيَاسِ الِاحْتِجَاجُ بِهِ على مُخَالِفِيهِمْ في الْمَسَائِلِ التي دَلِيلُهَا من هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فَإِنْ قال قَائِلٌ إنِّي أُخَالِفُك في الْخَبَرِ وَالْقِيَاسِ قِيلَ له إنْ أنت خَالَفْتنِي فِيهِمَا فَوَجْهُ دَلَالَتِي منه كَذَا فَإِنْ خَالَفْتنِي فيه بَيِّنَتُهُ عَلَيْك وَإِنْ سَلَّمْتَهُ فَحُجَّتِي بَيِّنَةٌ وَلَيْسَ عَلَيَّ أَنْ أَدُلَّك على الْأَوَاخِرِ من غَيْرِ إثْبَاتِ الْوَسَائِطِ فَإِمَّا أَنْ يُسَلِّمَ أو يَشُكَّ في الْأَصْلِ فَهَذَا مَوْضِعُ الْمُطَالَبَةِ على الدَّلِيلِ بِالدَّلِيلِ إذْ قد كان الدَّلِيلُ يُسَوَّغُ فيه الْخِلَافُ وَهَذَا يُفَسِّرُ قَوْلَ بَعْضِ الْجَدَلِيِّينَ إنَّهُ إذَا سُئِلَ عن الدَّلِيلِ قال الدَّلِيلُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الدَّلِيلِ وَلَوْ سَاغَ ذلك لَأَدَّى إلَى ما لَا نِهَايَةَ له فَيُقَالُ له لَا نُسَلِّمُ صَيْرُورَتَهُ إلَى ما لَا نِهَايَةَ له لِأَنَّ الْأَسْئِلَةَ مُنْحَصِرَةٌ وَشَوَاهِدُ الْعَقْلِ تَمْنَعُهُ وَلِهَذَا لَمَّا زَعَمَ الْكُفَّارُ أَنَّ هذا قَوْلُ الْبَشَرِ وَأَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ رَدَّهُمْ اللَّهُ تَعَالَى إلَى ما في عُقُولِهِمْ أَيْ أَيُّهَا الْبُلَغَاءُ الْفُصَحَاءُ إنْ كان كما تَقُولُونَ فَأْتُوا بِسُورَةٍ من مِثْلِهِ فإذا عَجَزْتُمْ مع ما اجْتَمَعَ فِيكُمْ من الصِّفَةِ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ ليس من عِنْدِ الْأُمِّيِّ الذي نَشَأَ بَيْنَكُمْ وَأَنَّهُ من عِنْدِ اللَّهِ وقال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُلْزِمَ خَصْمَهُ ما لَا يقول بِهِ إلَّا النَّقْضَ فَأَمَّا غَيْرُهُ كَدَلِيلِ الْخِطَابِ أو الْقِيَاسِ أو الْمُرْسَلِ وَنَحْوِهِ فَلِأَنَّهُ اسْتِشْهَادُ الْخُصُومِ على صَوَابِ مَذْهَبِهِمْ بِخَطَأِ غَيْرِهِمْ قال الصَّيْرَفِيُّ رَأَيْت جَمَاعَةً من الْحُذَّاقِ يُسَمُّونَ هذا الِاعْتِلَالَ حَدًّا وهو قَوْلُهُمْ قُلْت كَذَا ولم أَقُلْ كَذَا كما قُلْت وَهَذَا الْقَوْلُ غَيْرُ مَرْضِيٍّ عِنْدَ الْمُخَالِفِ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ على صَوَابِ قَوْلِهِ في تَرْكِ ما تَرَكَهُ وَاخْتِيَارِ ما اخْتَارَهُ بِخَطَأِ خَصْمِهِ في تَرْكِ ما يَدَّعِيهِ مع اخْتِيَارِهِ لِنَظِيرِهِ مِثَالُهُ لو سَأَلَ الشَّافِعِيُّ مَالِكِيًّا في الْمُصَلِّي تَطَوُّعًا إذَا قَطَعَهُ لِعُذْرٍ ولم يُعِدْ أو مُخْتَارًا أَعَادَ وقد قلت من دخل في صَلَاةِ تَطَوُّعٍ فَقَدْ وَجَبَتْ عليه وقد سَوَّيْت في الْوَاجِبِ من الْفَرْضِ بين من اخْتَارَ الْخُرُوجَ من الصَّلَاةِ الْوَاجِبَةِ وَمَنْ اُضْطُرَّ في الْإِعَادَةِ فَلِمَ لَا جَعَلْتَ الْإِعَادَةَ فِيهِمَا سَوَاءً فيقول له قُلْت في هذا كما قُلْت أنت في صَلَاةِ التَّطَوُّعِ وَالْفَرْضِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِطَهَارَةٍ وَأَنَّ من أَحْدَثَ في الْوَاجِبِ أَعَادَ وَمَنْ أَحْدَثَ في التَّطَوُّعِ لم يُعِدْ فَهَذَا الِاعْتِلَالُ من الْمَالِكِيِّ خَطَأٌ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عِنْدَهُ الْإِعَادَةُ فِيهِمَا فَلْيَقُلْهُ وهو لَا يقول
  64. فَصْلٌ في السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ قال الصَّيْرَفِيُّ السُّؤَالُ إمَّا اسْتِفْهَامٌ مُجَرَّدٌ وهو الِاسْتِخْبَارُ عن الْمَذْهَبِ أو الْعِلَّةِ وَإِمَّا اسْتِفْهَامٌ عن الدَّلَالَةِ أَيْ الْتِمَاسُ وَجْهِ دَلَالَةِ الْبُرْهَانِ ثُمَّ الْمُطَالَبَةُ بِنُفُوذِ الدَّلِيلِ وَجَرَيَانِهِ وَسَبِيلُ الْجَوَابِ هَكَذَا أَخْتَارُ مُجَرَّدٌ ثُمَّ الِاعْتِلَالُ ثُمَّ طَرْدُ الدَّلِيلِ ثُمَّ السَّائِلُ في الِابْتِدَاءِ إمَّا أَنْ يَكُونَ غير عَالِمٍ بِمَذْهَبِ من يَسْأَلُهُ أو يَكُونَ عَالِمًا بِهِ ثُمَّ إمَّا أَنْ لَا يَعْلَمَ صِحَّتَهُ فَسُؤَالُهُ لَا مَعْنَى له وَإِمَّا أَنْ يَعْلَمَ فَسُؤَالُهُ رَاجِعٌ إلَى الدَّلِيلِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ من أَنْكَرَ الْأَصْلَ الذي يَسْتَشْهِدُ بِهِ الْمُجِيبُ فَسُؤَالُهُ عنه أَوْلَى لِأَنَّ الذي أَحْوَجَهُ إلَى الْمَسْأَلَةِ الْخِلَافُ فإذا كان الْخِلَافُ في الشَّاهِدِ فَالسُّؤَالُ عنه أَوْلَى قال أبو بَكْرٍ وَيَنْبَغِي لِلسَّائِلِ أَنْ لَا يَسْأَلَ الْمُنَاظَرَةَ إلَّا بَعْدَ فَهْمِ ما يَسْأَلُ عنه وَكَذَا لَا يَنْبَغِي لِلْمُجِيبِ أَنْ يُجِيبَ عن شَيْءٍ حتى يَعْلَمَهُ وَبِسَبَبِ هذا يَقَعُ الْخَبْطُ في الْمُنَاظَرَاتِ وَلَيْسَ لِلْمُجِيبِ أَنْ يَرْجِعَ على السَّائِلِ بِالْجَوَابِ قبل أَنْ يُجِيبَ هو أو يَعْتَرِفَ بِالْعَجْزِ عنه أو يُضْرِبَ عنه فَإِنْ سَأَلَ السَّائِلُ الْجَوَابَ أَجَابَ فَإِنْ قِيلَ له هذا يَلْزَمُك في مَذْهَبِك كما سَأَلْت فإن هذا رُبَّمَا فُعِلَ لِلْحِيلَةِ فَالْوَجْهُ أَنْ يَقُولَ السَّائِلُ عن حُجَّتِك لِنَفْسِك ثُمَّ إنْ شِئْت فَعُدْ بَعْدَ ذلك سَائِلًا فَإِمَّا أَنْ تُجِيبَ أو تَعْتَرِفَ بِأَنْ لَا جَوَابَ ثُمَّ تَقْبَلُ سُؤَالَهُ إنْ شِئْت وَإِنْ كان إذَا سُئِلْت عن شَيْءٍ يَرْجِعُ على خَصْمِك فَقُلْ إنَّمَا أُجِيبُك عن هذا بِشَرْطِ أَنْ تَصْبِرَ لِقَلْبِنَا عَلَيْك السُّؤَالَ فإن سُؤَالَك رَاجِعٌ عَلَيْك فَهُوَ كما تَسْأَلُ عن نَفْسِك وَلَا يَتْرُكُ الْجَوَابَ عَمَّا يُسْأَلَ وَيَرْجِعُ سَائِلًا إلَّا أَحَدُ رَجُلَيْنِ إمَّا جَاهِلٌ يَجِدُ السُّؤَالَ وَالْجَوَابَ فَلَا يُنَاظِرُ أو يَقْدِرُ أَنْ يَحْتَالَ على خَصْمِهِ من أَنْ يُظْهِرَ الِانْقِطَاعَ أو الْعَجْزَ عن الْجَوَابِ فَإِنْ لم يَقْدِرْ على ذلك فَهُوَ غَبِيٌّ وَلْيَحْذَرْ الْمُجِيبُ تَكْرَارَ اللَّفْظِ الْمُخْتَلِفِ على الْمَعْنَى الْوَاحِدِ فَرُبَّمَا ظَنَّهُ بَعْضُهُمْ زِيَادَةً قال وما رَأَيْت أَحْسَنَ من صَبْرِ الْخَصْمِ على الْخَصْمِ حتى إذَا فَرَغَ من هَذَيَانِهِ قال له لم أَفْهَمْ ما كُنْت فيه فَأَعِدْ عَلَيَّ كَلَامَك في مَهْلٍ وَأَرِنِي مَوْضِعَ النُّكْتَةِ لِأَفْهَمَهَا عَنْك وَأُفْهِمَك الْجَوَابَ فَهَذَا أَقْطَعُ من الْحَدِيدِ لِلْخُصُومِ
  65. وَإِيَّاكَ أَنْ تَسْتَصْغِرَ خَصْمًا فَإِنْ اسْتَصْغَرْته فَالْوَجْهُ أَنْ لَا تُكَلِّمَهُ فَلَرُبَّمَا هَجَمَ من اسْتِصْغَارِهِ الِانْقِطَاعُ لِقِلَّةِ التَّحَفُّظِ منه وَالِاهْتِمَامِ بِهِ فَقَدْ رَأَيْت ذلك مُشَاهَدَةً وَإِنْ كُنْت في مَحْفِلٍ فيه عَامَّةٌ فَمَتَى ذَهَبْتَ تُرَاعِيهِمْ بَطَلَ ما يَحْتَاجُ إلَى تَدَبُّرِهِ وَتَفَهُّمِهِ وَلَا يَغُرَّنَّكَ مَيْلُ بَعْضِ الناس إلَى الْخَصْمِ أو تَفْضِيلُ الْعَامَّةِ لِصِيَاحِ الْخَصْمِ فَالْعَمَلُ على أَهْلِ التَّمْيِيزِ وَمَتَى سَبَقَتْ مِنْك كَلِمَةٌ لَيْسَتْ بِصَوَابٍ فَلَا تَقِفْ عليها وَاعْتَرِفْ بها فَإِنَّهَا سَبْقُ لِسَانٍ فَإِنَّك إنْ أَخَذْت في تَصْحِيحِهَا ذَهَبَ عَنْك صَحِيحُ الْكَلَامِ وَاعْتَرِفْ بِالْحَقِّ إذَا وَضَحَ فَإِنْ لم يُضَحْ فَالْزَمْ بِالْبُرْهَانِ فإنه عَسِرٌ جِدًّا وَامْنَعْ خَصْمَك من الْإِقْبَالِ على غَيْرِك إذَا كان مُنَاظِرًا وَاسْتَعْمِلْ مثله معه وَلَا يَكُنْ هَمُّك إلَّا ما قام بِهِ مَذْهَبُك وَلَا تَشْتَغِلْ بِسِوَاهُ وَلَا يَعْطِفَنَّكَ أُنَاسٌ من خَاطِرٍ فَرُبَّمَا بَانَ وَجَاءَ وَأَنْتَ في حَالِ الْفِكْرِ وَهَذَا عَلَامَةُ الطَّبْعِ الْجَيِّدِ وَلَا تَتَكَلَّمْ في مَوْضِعِ الْعَصَبِيَّةِ عَلَيْك أو في مَجْلِسٍ تَخَافُ منه صَاحِبَهُ فإنه يُمِيتُ الْفِكْرَ وَلَا تُخَاطِبْ من لَا يَفْهَمُ عَنْك إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرْشِدًا وَهَذِهِ سِيَاسَةٌ فَاسْتَوْصِ بها انْتَهَى وَعَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ كُلُّ خَاطِرٍ يَجِيئُك بَعْدَ الْمُنَاظَرَةِ فَاحْبِسْ عليه حَكَاهُ ابن الصَّلَاحِ في الرِّحْلَةِ وكان الْإِمَامُ محمد بن يحيى إذَا أَفْحَمَهُ خَصْمُهُ في الْمُنَاظَرَةِ قال ما أَلْزَمْت لَازِمٌ فَأَنَا فيه نَاظِرٌ وَفَوْقَ كل ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ فَائِدَةٌ إذَا قُلْت لِلْمُسْتَدِلِّ قَوْلُك لَا يَصِحُّ احْتَمَلَ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا الْحُكْمُ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ والثاني أَنَّك لَا تَحْكُمُ بِالصِّحَّةِ وَفَرْقٌ بين الْحُكْمِ بِعَدَمِ الشَّيْءِ وَبَيْنَ عَدَمِ الْحُكْمِ بِالشَّيْءِ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْعَدَمِ لَا يَكُونُ إلَّا من عَالِمٍ بِذَلِكَ الْعَدَمِ وَعَدَمُ الْحُكْمِ بِالشَّيْءِ يَكُونُ من الشَّاكِّ في ذلك الشَّيْءِ وَالْمُتَرَدِّدِ فيه فَتَفَطَّنْ بِمَعَانِي الْعِبَارَاتِ

  66. كتاب الأدلة المختلف فيها
  67. بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرَّحِيمِ كِتَابُ الْأَدِلَّةِ الْمُخْتَلَفِ فيها الِاسْتِدْلَال على فَسَادِ الشَّيْءِ بِعَدَمِ الدَّلِيلِ على صِحَّتِهِ جَوَّزَهُ ابن الْقَطَّانِ قال وكان شَيْخُنَا أبو عَلِيِّ بن أبي هُرَيْرَةَ يَسْتَعْمِلُهُ كَثِيرًا إذَا سُئِلَ عن مَسَائِلَ فَقِيلَ ما أَنْكَرْت منها يقول لِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ تَدُلُّ على صِحَّتِهِ انْتَهَى وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ اُشْتُهِرَتْ بين الْمُتَأَخِّرِينَ يَسْتَدِلُّونَ بها في مَسَائِلَ لَا تُحْصَى إلَى طُرُقِ النَّفْيِ الِاسْتِدْلَال على فَسَادِ الشَّيْءِ بِفَسَادِ نَظِيرِهِ قال الصَّيْرَفِيُّ كُلُّ دَلِيلٍ دَلَّ على صِحَّتِهِ شَيْءٌ بِالْإِثْبَاتِ أو النَّفْيِ فَهُوَ دَالٌّ على فَسَادِ ضِدِّهِ إذَا كان لَا بُدَّ له من ذلك الضِّدِّ لِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِ الشَّيْءِ وَضِدِّهِ وَلِأَصْحَابِنَا في مِثْلِ هذا مُغَالَطَةٌ فِيمَا إذَا كان لِلْأُمَّةِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ فَيَدُلُّ على فَسَادِ اثْنَيْنِ منها ثُمَّ يقول إذَا فَسَدَتْ هذه الْأَقَاوِيلُ صَحَّ الْآخَرُ وَالْوَجْهُ في هذا أَنْ يُقَالَ لِلْخَصْمِ عَرَفْت صِحَّةَ الصَّحِيحِ منها وَفَسَادَ غَيْرِهِ فَدَلَّ على صِحَّتِهَا فإن الذي أَفْسَدَ تِلْكَ غَيْرُ صِحَّةِ هذا الِاسْتِدْلَال على عَدَمِ الْحُكْمِ بِعَدَمِ الدَّلِيلِ حَقٌّ عِنْدَ الْبَيْضَاوِيِّ وَغَيْرِهِ لِأَنَّهُ لو ثَبَتَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَلَا دَلِيلَ عليه لَلَزِمَ منه تَكْلِيفُ الْمُحَالِ
  68. الِاسْتِقْرَاءُ وهو تَصَفُّحُ أُمُورٍ جُزْئِيَّةٍ لِيَحْكُمَ بِحُكْمِهَا على أَمْرٍ يَشْمَلُ تِلْكَ الْجُزْئِيَّاتِ وَيَنْقَسِمُ إلَى تَامٍّ وَنَاقِصٍ فَالتَّامُّ إثْبَاتُ الْحُكْمِ في جُزْئِيٍّ لِثُبُوتِهِ في الْكُلِّيِّ على الِاسْتِغْرَاقِ وَهَذَا هو الْقِيَاسُ الْمَنْطِقِيُّ الْمُسْتَعْمَلُ في الْعَقْلِيَّاتِ وهو حُجَّةٌ بِلَا خِلَافٍ وَمِثَالُهُ كُلُّ صَلَاةٍ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مَفْرُوضَةً أو نَافِلَةً وَأَيُّهُمَا كان فَلَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ مع الطَّهَارَةِ فَكُلُّ صَلَاةٍ فَلَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ مع طَهَارَةٍ وهو يُفِيدُ الْقَطْعَ لِأَنَّ الْحُكْمَ إذَا ثَبَتَ لِكُلِّ فَرْدٍ من أَفْرَادِ شَيْءٍ على التَّفْصِيلِ فَهُوَ لَا مَحَالَةَ ثَابِتٌ لِكُلِّ أَفْرَادِهِ على الْإِجْمَالِ وَالنَّاقِصُ إثْبَاتُ الْحُكْمِ في كُلِّيٍّ لِثُبُوتِهِ في أَكْثَرِ جُزْئِيَّاتِهِ من غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى جَامِعٍ وهو الْمُسَمَّى في اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ بِ الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ وَهَذَا النَّوْعُ اُخْتُلِفَ فيه وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُفِيدُ الظَّنَّ الْغَالِبَ وَلَا يُفِيدُ الْقَطْعَ لِاحْتِمَالِ تَخَلُّفِ بَعْضِ الْجُزْئِيَّاتِ عن الْحُكْمِ كما يُقَالُ التِّمْسَاحُ يُحَرِّكُ الْفَكَّ الْأَعْلَى عِنْدَ الْمَضْغِ فإنه يُخَالِفُ سَائِرَ الْحَيَوَانَاتِ في تَحْرِيكِهَا الْأَسْفَلَ وَاخْتَارَهُ من الْمُتَأَخِّرِينَ صَاحِبُ الْحَاصِلِ وَالْمِنْهَاجِ وَالْهِنْدِيُّ وَمِنْهُمْ من رَدَّهُ بِأَنَّ مَعْرِفَةَ جَمِيعِ الْجُزْئِيَّاتِ مِمَّا يُعْسَرُ الْوُقُوفُ عليها فَلَا يُوثَقُ بِهِ إلَّا إذَا تَأَيَّدَ الِاسْتِقْرَاءُ بِالْإِجْمَاعِ وَاخْتَارَهُ الرَّازِيَّ فقال الْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يُفِيدُ الظَّنَّ إلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ ثُمَّ بِتَقْدِيرِ الْحُصُولِ يَكُونُ حُجَّةً وَاقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هو في أَنَّهُ هل يُفِيدُ الظَّنَّ أَمْ لَا لَا في أَنَّ الظَّنَّ الْمُسْتَفَادَ منه هل يَكُونُ حُجَّةً أَمْ لَا وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَلِهَذَا لَمَّا عَلِمْنَا اتِّصَافَ أَغْلَبِ من في دَارِ الْحَرْبِ أو وَصْفَهُمْ بِالْكُفْرِ غَلَبَ على ظَنِّنَا أَنَّ جَمِيعَ من نُشَاهِدُهُ منهم كَذَلِكَ حتى جَازَ لنا اسْتِرْقَاقُ الْكُلِّ وَرَمْيُ السِّهَامِ إلَى جَمِيعِ من في صَفِّهِمْ وَلَوْ لم يَكُنْ الْأَصْلُ ما ذَكَرْنَا لَمَا جَازَ ذلك وقد احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِالِاسْتِقْرَاءِ في مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ كَعَادَةِ الْحَيْضِ بِتِسْعِ سِنِينَ وفي أَقَلِّهِ وَأَكْثَرِهِ وَجَرَى عليه الْأَصْحَابُ وَقَالُوا فَلَوْ وَجَدْنَا الْمَرْأَةَ تَحِيضُ أو تَطْهُرُ أَقَلَّ من
  69. ذلك فَهَلْ يُتْبَعُ فيه أَوْجُهٌ أَحَدُهَا نعم وَبِهِ أَجَابَ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ وقد تَخْتَلِفُ الْعَادَاتُ بِاخْتِلَافِ الْأَهْوِيَةِ وَالْأَعْصَارِ وَأَصَحُّهَا لَا عِبْرَةَ بِهِ لِأَنَّ الْأَوَّلِينَ أَعْطَوْا الْبَحْثَ حَقَّهُ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى خِلَافِهِ وَالثَّالِثُ إنْ وَافَقَ ذلك مَذْهَبَ وَاحِدٍ من السَّلَفِ صِرْنَا إلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا وقال في الْمُسْتَصْفَى التَّامُّ يَصْلُحُ لِلْقَطْعِيَّاتِ وَغَيْرُ التَّامِّ لَا يُصْلَحُ إلَّا لِلْفِقْهِيَّاتِ لِأَنَّهُ مَهْمَا وُجِدَ الْأَكْثَرُ على نَمَطٍ غَلَبَ على الظَّنِّ أَنَّ الْآخَرَ كَذَلِكَ الْأَصْلُ في الْمَنَافِعِ الْإِذْنُ وفي الْمَضَارِّ الْمَنْعُ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ وَهَذَا عِنْدَنَا من الْأَدِلَّةِ فِيمَا بَعْدَ وُرُودِ الشَّرْعِ أَعْنِي أَنَّ الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ دَلَّ على أَنَّ الْأَصْلَ ذلك فِيهِمَا إلَّا ما دَلَّ دَلِيلٌ خَاصٌّ على خِلَافِهِمَا أَمَّا قَبْلَهُ فَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ في أَوَّلِ الْكِتَابِ لَا حُكْمَ لِلْأَشْيَاءِ قبل الشَّرْعِ ولم يَحْكُمُوا هُنَا قَوْلًا بِالْوَقْفِ كما هُنَاكَ لِأَنَّ الشَّرْعَ نَاقِلٌ وقد خَلَطَ بَعْضُهُمْ الصُّورَتَيْنِ وَأَجْرَى الْخِلَافَ هُنَا أَيْضًا وَكَأَنَّهُ اسْتَصْحَبَ ما قبل السَّمْعِ إلَى ما بَعْدَهُ وَرَأَى أَنَّ ما لم يُشْكِلُ أَمْرُهُ وَلَا دَلِيلَ فيه خَاصٌّ يُشْبِهُ الْحَادِثَةَ قبل الشَّرْعِ وَسَبَقَ هُنَاكَ ما فيه ثُمَّ رَأَيْت الْقَاضِيَ عَبْدَ الْوَهَّابِ حَقَّقَ الْمَسْأَلَةَ تَحْقِيقًا فقال بَعْدَ حِكَايَةِ الْخِلَافِ في الْأَفْعَالِ قبل الشَّرْعِ مَسْأَلَةٌ زَعَمَ قَوْمٌ من الْفُقَهَاءِ أَنَّ الشَّرْعَ قد قَرَّرَ الْأَصْلَ في الْأَشْيَاءِ على أنها على الْإِبَاحَةِ إلَّا ما اسْتَثْنَاهُ الدَّلِيلُ وَفَائِدَةُ ذلك أَنَّهُ إذَا وَقَعَ الْخِلَافُ في حُكْمِ شَيْءٍ في الشَّرْعِ هل هو على الْإِبَاحَةِ أو الْمَنْعِ حَكَمَ بِأَنَّهُ على الْإِبَاحَةِ لِأَنَّ الشَّرْعَ قد قَرَّرَ ذلك فَصَارَ كَالْعَقْلِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالْإِبَاحَةِ وقد حَكَى ذلك عن بَعْضِ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا وَأَشَارَ إلَيْهِ محمد بن عبد اللَّهِ بن عبد الْحَكَمِ قال وَالْبَاقُونَ على أَنَّ الْأَصْلَ في أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ حُكْمَ كل شَيْءٍ إلَّا بِقِيَامِ دَلِيلٍ يَخْتَصُّهُ أو يَخْتَصُّ نَوْعَهُ وَمَنْ ذَهَبَ إلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى قُلْ من حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَقَوْلُهُ قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَى مُحَرَّمًا على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً فَجَعَلَ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةَ وَالتَّحْرِيمَ مُسْتَثْنَى
  70. قال وَيَدُلُّ على فَسَادِ هذا الْقَوْلِ قَوْله تَعَالَى وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هذا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ فَأَخْبَرَ أَنَّ التَّحْرِيمَ وَالتَّحْلِيلَ ليس إلَيْنَا وَإِنَّمَا هو من عِنْدِهِ وَأَنَّ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ لَا يُعْلَمُ إلَّا بِإِذْنِهِ وقال وقد فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ وَكُلُّ هذا يَدُلُّ على إبْطَالِ الْقَوْلِ بِأَنَّ حُكْمَ الْأَشْيَاءِ في السَّمْعِ الْإِبَاحَةُ وَأَمَّا الْجَوَابُ عن أَدِلَّتِهِمْ فَهِيَ فِيمَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِإِبَاحَتِهِ وَالْكَلَامُ في إبَاحَةِ الْجُمْلَةِ بِقَوْلِهِ قُلْ لَا أَجِدُ يَصْلُحُ أَنْ يَحْتَجَّ بِهِ على أَنَّ الْأَصْلَ في الْمَأْكُولَاتِ الْإِبَاحَةُ وَإِنَّمَا الْمُمْتَنِعُ الْإِبَاحَةُ الْمُطْلَقَةُ وَقَوْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم وما سَكَتَ فَهُوَ مِمَّا عُفِيَ عنه يُرِيدُ من ذلك النَّوْعِ الذي كان الْخِطَابُ مُتَعَلِّقًا بِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قال الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ فَشَرَّك بَيْنَهُمَا ولم يَجْعَلْ الْأَصْلَ أَحَدَهُمَا وَاحْتَجَّ غَيْرُهُ لِلْقَائِلَيْنِ بِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى خَلَقَ لَكُمْ ما في الْأَرْضِ جميعا ذَكَرَهُ في مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ وَاللَّامُ لِلِاخْتِصَاصِ وَأَوْرَدَ أنها تَأْتِي لِغَيْرِ الِانْتِفَاعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا وَرَجَّحَ الْأَوَّلَ بِالظُّهُورِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ قُلْ من حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ لِأَنَّهُ اسْتِفْهَامُ إنْكَارٍ فَيَدُلُّ على امْتِنَاعِ تَحْرِيمِ مُطْلَقِ الزِّينَةِ وَيَلْزَمُ من امْتِنَاعِ تَحْرِيمِ مُسَمَّى الزِّينَةِ أَنْ لَا يَحْرُمَ شَيْءٌ من آحَادِهَا فإذا انْتَفَتْ الْحُرْمَةُ بَقِيَتْ الْإِبَاحَةُ وهو الْمَطْلُوبُ وَقَوْلُهُ اللَّهُ الذي سَخَّرَ لَكُمْ الْبَحْرَ إلَى قَوْلِهِ وَسَخَّرَ لَكُمْ ما في السَّمَاوَاتِ وما في الْأَرْضِ جميعا منه وفي الصَّحِيحَيْنِ من حديث سَعْدِ بن أبي وَقَّاصٍ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّهُ قال إنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ في الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا من سَأَلَ عن شَيْءٍ لم يَحْرُمْ على السَّائِلِ فَحُرِّمَ من أَجْلِ
  71. مَسْأَلَتِهِ وَهَذَا ظَاهِرٌ في أَنَّ الْأَصْلَ في الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ وَأَنَّ التَّحْرِيمَ عَارِضٌ وَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قال سُئِلَ رسول اللَّهِ عن السَّمْنِ وَالْجُبْنِ وَالْفِرَاءِ فقال الْحَلَالُ ما أَحَلَّ اللَّهُ في كِتَابِهِ وَالْحَرَامُ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ في كِتَابِهِ وما سَكَتَ عنه فَهُوَ مِمَّا عُفِيَ عنه رَوَاهُ ابن مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَا يَخْفَى أَجْوِبَةُ ذلك مِمَّا سَبَقَ عن الْقَاضِي على أَنَّ هذا الحديث يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُقَالُ في هذا النَّوْعِ أَنَّ الشَّرْعَ أَذِنَ فيه بَلْ عُفِيَ وَلَا يُوصَفُ بِإِذْنٍ وَلَا مَنْعٍ وَلَيْسَ في الْآيَاتِ الْمُسْتَدَلِّ بها إلَّا أنها خُلِقَتْ لنا وَسُخِّرَتْ لنا وَلَا يَدُلُّ ذلك على أنها أُبِيحَتْ لنا إذْ يَجُوزُ أَنْ يُخْلَقَ لنا وَلَا يُبَاحُ بَلْ يَتَوَقَّفُ ذلك على إذْنٍ من جِهَتِهِ كَذَا قَالَهُ ابن بَرْهَانٍ في كَلَامٍ له قال فَصَارَ هذا بِمَثَابَةِ قَوْلِ السُّلْطَانِ لِجُنْدِهِ هذه الْأَمْوَالُ التي أَجْمَعُهَا لَكُمْ فَلَا يَدُلُّ على أَنَّهُ أَبَاحَهَا لهم وَأَذِنَ لهم في التَّنَاوُلِ بَلْ قد يَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَهَا لهم وَإِنَّمَا بِإِذْنٍ في الْأَخْذِ بَعْدَ زَمَانٍ آخَرَ فَلَا بُدَّ إذْنٌ من إذْنٍ جَدِيدٍ وَزَيْفٌ قَوْلُ أبي زَيْدٍ إنَّ الْأَفْعَالَ لَا حُكْمَ لها قبل الشَّرْعِ وَبَعْدَمَا وَرَدَ الشَّرْعُ تَبَيَّنَّا بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ أنها كانت مُبَاحَةً قال ثُمَّ هو مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَنَهَى النَّفْسَ عن الْهَوَى وَأَمَّا احْتِجَاجُ الرَّازِيَّ بِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ لَا يَضُرُّ بِالْمَالِكِ قَطْعًا فَلَيْسَ على أَصْلِنَا لِابْتِنَائِهِ على التَّحْسِينِ الْعَقْلِيِّ وَأَمَّا الدَّلِيلُ على تَحْرِيمِ الْمَضَارِّ فَقَوْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ وهو عَامٌّ وَضَعَّفَ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ الِاسْتِدْلَالَ بِهِ لِأَنَّ السَّابِقَ إلَى الْفَهْمِ النَّهْيُ عن الْإِضْرَارِ وَلَا إضْرَارَ بِالنَّفْسِ فَقَدْ يُؤْخَذُ على عُمُومِهِ فَيَدْخُلُ فيه الْإِضْرَارُ بِالنَّفْسِ فَيَتِمُّ الدَّلِيلُ
  72. تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى من الْمَنَافِعِ الْأَمْوَالُ فإن الْأَصْلَ فيها التَّحْرِيمُ لِقَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ الْحَدِيثُ وهو أَخَصُّ من الدَّلِيلِ الذي اسْتَدَلُّوا بِهِ على الْإِبَاحَةِ فَيُقْضَى عليها قُلْت قد نَصَّ الشَّافِعِيُّ في الرِّسَالَةِ على ذلك فقال أَصْلُ مَالِ كل امْرِئٍ يَحْرُمُ على غَيْرِهِ إلَّا بِمَا أَحَلَّ بِهِ وَذَكَرَ قَبْلَهُ أَنَّ النِّكَاحَ كَذَلِكَ وَالنِّسَاءُ مُحَرَّمَاتُ الْفُرُوجِ إلَّا بِعَقْدٍ أو بِمِلْكِ يَمِينٍ فَجَعَلَ الْأَصْلَ في الْأَمْوَالِ وَالْأَبْضَاعِ التَّحْرِيمُ ثُمَّ قال آخِرُهُ وَهَذَا يَدْخُلُ في عَامَّةِ الْعِلْمِ قال الصَّيْرَفِيُّ وهو كَلَامٌ صَحِيحٌ لَا يَنْكَسِرُ أَبَدًا وهو أَنْ يَنْظُرَ في الْأَصْلِ إلَى الشَّيْءِ الْمَحْظُورِ كَائِنًا ما كان من دَمٍ أو مَالٍ أو فَرْجٍ أو عَرْضٍ فَلَا يَنْتَقِلُ عنه إلَى الْإِبَاحَةِ إلَّا بِدَلِيلٍ يَدُلُّ على نَقْلِهِ انْتَهَى وَيُنَازِعُ فيه تَخْرِيجُ الْمَاوَرْدِيِّ مَسْأَلَةَ النَّهْرِ الْمَشْكُوكِ في أَنَّهُ مُبَاحٌ أو مَمْلُوكٌ على هذا الْخِلَافِ ثُمَّ إنْ سَلَّمَ فَغَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ لِأَنَّ وَضْعَ الْمَسْأَلَةِ في أَصْلِ الْمَنَافِعِ التي لم تَطْرَأْ عليها يَدُ مِلْكٍ وَلَا اخْتِصَاصٍ الثَّانِي من الْقَوَاعِدِ الْمُتَرَتِّبَةِ على هذا الْأَصْلِ الْقَوْلُ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ وَاسْتِصْحَابُ حُكْمِ النَّفْيِ في كل دَلِيلٍ مَشْكُوكٍ فيه حتى يَدُلَّ دَلِيلٌ على الْوُجُوبِ كما في تَعْمِيمِ مَسْحِ الرَّأْسِ في الْوُضُوءِ وَكَلَامُ الْقَرَافِيِّ يَقْتَضِي أَنَّ تِلْكَ غَيْرُ هذه الْمَسْأَلَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَجَعَلَ الْبَرَاءَةَ الْأَصْلِيَّةَ هِيَ اسْتِصْحَابُ حُكْمِ الْعَقْلِ في عَدَمِ الْأَحْكَامِ وَلَيْسَ كما قال فإن الْبَرَاءَةَ تَكُونُ في الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ وَالِاسْتِصْحَابَ يَكُونُ في الطَّارِئِ ثُبُوتًا كان أو عَدَمًا الثَّالِثُ ليس الْمُرَادُ بِالْمَنَافِعِ هُنَا مُقَابِلَ الْأَعْيَانِ بَلْ كُلُّ ما يُنْتَفَعُ بِهِ وَلِهَذَا قال الرَّافِعِيُّ عن الْأَصْحَابِ الْأَصْلُ في الْأَعْيَانِ الْحِلُّ ثُمَّ الْمُرَادُ بِالنَّفْعِ الْمُكْنَةُ أو ما يَكُونُ وَسِيلَةً إلَيْهَا وَبِالْمَضَرَّةِ الْأَلَمُ أو ما يَكُونُ وَسِيلَةً إلَيْهِ
  73. التَّعَلُّقُ بِالْأُولَى قال إلْكِيَا وَهَذَا بَابٌ تَنَازَعُوا في تَعْيِينِهِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ على أَنَّ ما جَمَعَ مَعْنَى الشَّيْءِ وَأَكْثَرَ منه فَهُوَ أَوْلَى منه وقد نَطَقَ الْقُرْآنُ بِأَمْثَالِهِ قال تَعَالَى لِمَنْ اعْتَلَّ عن التَّخَلُّفِ بِشِدَّةِ الْحَرِّ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا في الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا يَعْنِي فَلْيَتَخَلَّفُوا عنها وقال تَعَالَى وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ لِأَنَّ حَقَّهُمْ أَوْجَبُ وَنِعْمَتَهُمْ أَعْظَمُ وقال وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ من الْقَتْلِ وقال وهو أَهْوَنُ عليه وقال صلى اللَّهُ عليه وسلم فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى وقال الْعُلَمَاءُ إذَا حُرِّمَ التَّأْفِيفُ فَالضَّرْبُ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ وقال الشَّافِعِيُّ إذَا جَازَ السَّلَمُ مُؤَجَّلًا فَهُوَ حَالًّا أَجْوَزُ وإذا وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ في الْخَطَأِ فَفِي الْعَمْدِ أَوْلَى وإذا قُبِلَتْ شَهَادَةُ الْفَاسِقِ في أَسْوَأِ حَالَيْهِ أَعْنِي قبل التَّوْبَةِ فَبَعْدَ التَّوْبَةِ أَوْلَى وأبو حَنِيفَةَ يقول وَطِئَ الزَّوْجُ الثَّانِي إذَا كان يَرْفَعُ الثَّلَاثَ فَلَأَنْ يَرْفَعَ ما دُونَهَا أَوْلَى قال الطَّبَرِيُّ وَاَلَّذِي يَجِبُ أَنْ يَحْصُلَ أَنَّ التَّعَلُّقَ بَعْدَ إيضَاحِ الْإِجْمَاعِ في أَصْلِ الْمَعْنَى فإن التَّرْجِيحَ زِيَادَةٌ في عَيْنِ الدَّلِيلِ أو في مَأْخَذِهِ وَلَيْسَ الْأَوْلَى عَيْنَ الدَّلِيلِ وَلَا رُكْنًا منه وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ ذلك بِشَيْءٍ وهو أَنَّهُ إذَا بَانَ الْمَعْنَى الْحَاضِرُ غَيْرُهُ بَطَلَ التَّعَلُّقُ كَقَوْلِ أبي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ هَدَمَ الثَّلَاثَ فَلَأَنْ يَهْدِمَ ما دُونَهُ أَوْلَى فَإِنَّا بَيَّنَّا أَنْ لَا هَدْمَ وإذا امْتَنَعَ الْقَوْلُ بِالْهَدْمِ فَلَا جَمْعَ قال وَلَسْنَا نَرَى في التَّعَلُّقِ كَثِيرَ فَائِدَةٍ من حَيْثُ إثْبَاتُ الْحُكْمِ نعم نَبَّهَ على مَعْنَى الْأَصْلِ كما نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ فَهُوَ يَرْجِعُ إلَى التَّنْبِيهِ على الْعِلَّةِ وَلَيْسَ شيئا زَائِدًا

  74. استصحاب الحال لأمر وجودي أو عدمي عقلي أو شرعي ومعناه أن ما ثبت في الزمن الماضي فالأصل بقاؤه في الزمن المستقبل وهو معنى قولهم الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يوجد المزيل فمن ادعاه فعليه البيان كما في الحسيات أن الجوهر إذا شغل المكان يبقى شاغلا إلى أن يوجد المزيل مأخوذ من المصاحبة وهو ملازمة ذلك الحكم ما لم يوجد مغير فيقال الحكم الفلاني قد كان فلم نظنن عدمه وكل ما كان كذلك فهو مظنون البقاء قال الخوارزمي في الكافي وهو آخر مدار الفتوى فإن المفتي إذا سئل عن حادثة يطلب حكمها في الكتاب ثم في السنة ثم في الإجماع ثم في القياس فإن لم يجده فيأخذ حكمها من استصحاب الحال في النفي والإثبات فإن كان التردد في زواله فالأصل بقاؤه وإن كان في ثبوته فالأصل عدم ثبوته انتهى وهو حجة يفزع إليها المجتهد إذا لم يجد في الحادثة حجة خاصة وبه قال الحنابلة والمالكية وأكثر الشافعية والظاهرية سواء كان في النفي أو الإثبات والنفي له حالتان لأنه إما أن يكون عقليا أو شرعيا وليس له في الإثبات إلا حالة واحدة وهي النفي لأن العقل لا يثبت حكما وجوديا عندنا والمذهب الثاني ونقل عن جمهور الحنفية والمتكلمين كأبي الحسين البصري رحمه الله أنه ليس بحجة لأن الثبوت في الزمان يفتقر إلى الدليل فكذلك في الزمان الثاني لأنه يجوز أن يكون وأن لا يكون ويخالف الحسيات لأن الله أجرى العادة فيها بذلك ولم تجر العادة في الشرعيات فلا تلحق بها ثم منهم من نقل عنه تخصيص النفي بالأمر الوجودي ومنهم من نقل الخلاف مطلقا قال الهندي وهو يقتضي الخلاف في الوجودي والعدمي جميعا لكنه بعيد إذ تفاريعهم تدل على أن استصحاب العدم الأصلي حجة قلت والمنقول في كتب أكثر الحنفية أنه لا يصح حجة على الغير ولكن يصلح للعذر والدفع وقال صاحب الميزان من الحنفية ذهب بعض أصحابنا إلى أنه ليس
  75. بحجة لإبقاء ما كان ولا لإثبات أمر لم يكن وقال أكثر المتأخرين إنه حجة يجب العمل به في نفسه لإبقاء ما كان حتى لا يورث ماله ولا يصلح حجة لإثبات أمر لم يكن كحياة المفقود لما كان الظاهر بقاءها صلحت حجة لإبقاء ما كان حتى لا يرث من الأقارب والثابت لا يزول بالشك وغير الثابت لا يثبت بالشك قال ولكن مشايخنا قالوا إن هذا القسم يصبح حجة على الخصم في موضع النظر ويجب العمل به عند عدم الدليل ولا يجوز تركه بالقياس كذا ذكره الشيخ أبو منصور الماتريدي لأن الحكم متى ثبت شرعا فالظاهر دوامه ولا يزول إلا بدليل يرجح على الأول وإن أوجب في الأول شبهة ولهذا قالوا لا ينقض الاجتهاد بالاجتهاد لأن الحكم الثابت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ثابت في حق كل من كان في زمنه صلى الله عليه وسلم مع احتماله النسخ إذ ذاك وهذا كمن شك في الحدث بعد الوضوء فإن يبني على الطهارة مع احتمال الحدث وكمن شك في طلاق امرأته وعتق أمته فإنه يباح له الانتفاع بهما مع الاحتمال لأن الثابت لا يزول بالشك انتهى وما ذكروه من أنه يصلح للدفع لا للرفع يشبه قول أصحابنا في مسائل كثيرة عملوا فيها بالأصلين كوجوب الفطرة عن العبد المنقطع الخبر وعدم جواز عتقه عن الكفارة وكما إذا ظهر لبنت تسع سنين لبن فارتضع منه صغير حرم ولا يحكم ببلوغها لأن احتمال البلوغ قائم والرضاع كالنسب يكفي فيه الاحتمال والمذهب الثالث واختاره القاضي في التقريب أنه حجة على المجتهد فيما بينه وبين الله تعالى فإنه لم يكلف إلا أقصى الداخل في مقدوره على العادة فإذا فعل ذلك ولم يجد دليلا آخر يبقى الوجوب ولا يسمع فيه إذا انتصب مسئولا في مجلس المناظرة فإن المجتهدين إذا تناظروا وتذكروا طرق الاجتهاد فيما يغني المجيب قوله لم أجد دليلا على الوجوب وهل هو إلا مدع فلا يسقط عنه عهدة الطلب بالدلالة المذهب الرابع أنه يصلح للدفع لا للرفع وهو المنقول عن أكثر الحنفية فيما سبق قال إلكيا ويعبرون عن هذا بأن استصحاب الحال صالح لإبقاء ما كان على ما كان إحالة على عدم الدليل لا لإثبات أمر لم يكن وبنوا على هذا مسائل منها ما لو شهد شاهدان أن الملك كان للأب المدعى والأب ميت فإنها لا تقبل عن أبي حنيفة لأن الملك ثبت لا بهذه الشهادة والبقاء بعد الثبوت إنما يكون باستصحاب الحال فيثبت دفعا عن المشهود عليهم بحق الشهادة فإنه كان أحد
  76. المدعيين فأما لإيجاب حكم مبتدأ فلا وملك الوارث لم يكن وعلى هذا قالوا المفقود لا يرث أباه وإن كان الملك ذلك الملك بعينه لأن الملك غير الأول قال ونحن نسلم لهم أن دلالة الثبوت غير دلالة البقاء لأن أحدهما نص والآخر ظاهر ولكن لا نقول البقاء لعدم المزيل بل لبقاء الدليل الظاهر عليه وهذا لا يجوز أن يكون فيه خلاف انتهى المذهب الخامس أنه يجوز الترجيح به لا غير نقله الأستاذ أبو إسحاق عن الشافعي وقال إنه الذي يصح عنه لا أنه يحتج به قلت ويشهد له قول الشافعي رضي الله عنه والنساء محرمات الفروج فلا يحللن إلا بأحد أمرين نكاح أو ملك يمين والنكاح ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم قال الروياني في البحر وهذا استدلال من الشافعي باستصحاب الحال في جميع هذه المسائل وقيل إنه نوع من أنواعه وهو من أقواها قال وأجمع أصحابنا على أن الاستصحاب صالح للترجيح واختلفوا في استصلاحه للدليل فظاهر كلام الشافعي أنه قصد به الترجيح وهو الظاهر من المذهب هذا كلام الروياني وسيأتي أن هذا الاستدلال من النوع الذي هو محل وفاق وقال بعض المتأخرين من أصحابنا استقرأت الاستصحاب الذي يحكم به الأصحاب فوجدت صورا كثيرة وإنما يستصحب فيها أمر وجودي كمن تيقن الطهارة وشك في الحدث وعكسه وأما استصحاب عدم الحكم فيه فلم أعرفه وبراءة الذمة ونحوها من الأمور العدمية لا علم فيها وإنما يمنع من الحكم بخلافها حتى يقوم دليل عليه المذهب السادس أن المستصحب للحال إن لم يكن غرضه سوى نفي ما نفاه صح استصحابه كمن استدل على إبطال بيع الغائب ونكاح المحرم والشغار بأن الأصل أن لا عقد فلا يثبت إلا بدلالة وإن كان غرضه إثبات خلاف قول خصمه من وجه يمكن استصحاب الحال في نفي ما أثبته فليس له الاستدلال به كمن يقول في مسألة الحرام إنه يمين توجب الكفارة لم يستدل على إبطال قول خصومه بأن الأصل أن لا طلاق ولا ظهار ولا لعان فيتعارض بالأصل أن لا يمين ولا كفارة فيتعارض الاستصحابان ويسقطان حكاه الأستاذ أبو منصور البغدادي عن بعض أصحابنا إذا عرف هذا فلا بد من تنقيح موضع الخلاف فإن أكثر الناس يطلقه ويشتبه عليهم موضع النزاع بغيره فنقول

  77. للاستصحاب صور إحداها استصحاب دل العقل أو الشرع على ثبوته ودوامه كالملك عند جريان القول المقتضي له وشغل الذمة عند جريان إتلاف أو التزام ودوام الحل في المنكوحة بعد تقرير النكاح وهذا لا خلاف في وجوب العمل به إلى أن يثبت معارض له ومن صوره تكرر الحكم بتكرر السبب الثَّانِيَةُ اسْتِصْحَابُ الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ الْمَعْلُومِ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ في الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ كَبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ من التَّكَالِيفِ حتى يَدُلَّ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ على تَغْيِيرِهِ كَنَفْيِ صَلَاةٍ سَادِسَةٍ قال أبو الطَّيِّبِ وَهَذَا حُجَّةٌ بِالْإِجْمَاعِ أَيْ من الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ لَا حُكْمَ قبل الشَّرْعِ وَمِنْ هذا يَسْتَشْكِلُ الْقَوْلُ بهذا من الْقَائِلِينَ بِأَنَّ هُنَاكَ حُكْمًا وقال ابن كَجٍّ في أَوَّلِ كِتَابِهِ في الْأُصُولِ إنَّهُ صَحِيحٌ لَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْعِلْمِ فيه لِأَنَّهُ قد ثَبَتَ عِنْدَنَا أَنَّ حُجَّةَ الْعَقْلِ دَلِيلٌ فإذا لم نَجِدْ سَمْعًا عَلِمْنَا أَنَّ اللَّهَ لَا يُهْمِلُنَا وَأَنَّهُ أَرَادَ بِنَا ما في الْعَقْلِ فَصِرْنَا إلَيْهِ انْتَهَى وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ إنَّ الْعَقْلَ يَدُلُّ على أَنَّ ما لم يَتَعَرَّضْ الشَّرْعُ له فَهُوَ بَاقٍ على النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ فَلَا يَدُلُّ إذًا إلَّا على نَفْيِ الْأَحْكَامِ وَقَوْلنَا لِمَنْ يُوجِبُ الْوِتْرَ الْأَصْلُ عَدَمُ الْوُجُوبِ إلَّا أَنْ يَرِدَ السَّمْعُ فَأَتَمَسَّكُ بهذا الْأَصْلِ حتى يَرِدَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ لِلْوُجُوبِ ولم يَثْبُتْ الثَّالِثَةُ اسْتِصْحَابُ الْحُكْمِ الْعَقْلِيِّ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ فإن عِنْدَهُمْ أَنَّ الْعَقْلَ حَكَمٌ في بَعْضِ الْأَشْيَاءِ إلَى أَنْ يَرِدَ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ وَهَذَا لَا خِلَافَ بين أَهْلِ السُّنَّةِ في أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِلْعَقْلِ في الشَّرْعِيَّاتِ الرَّابِعَةُ اسْتِصْحَابُ الدَّلِيلِ مع احْتِمَالِ الْمُعَارِضِ إمَّا تَخْصِيصًا إنْ كان الدَّلِيلُ ظَاهِرًا أو نَسْخًا إنْ كان الدَّلِيلُ نَصًّا فَهَذَا أَمْرُهُ مَعْمُولٌ له بِالْإِجْمَاعِ وقد اخْتَلَفَ في تَسْمِيَةِ هذا النَّوْعِ بِالِاسْتِصْحَابِ فَأَثْبَتَهُ جُمْهُورُ
  78. الْأُصُولِيِّينَ وَمَنَعَهُ الْمُحَقِّقُونَ منهم إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الْبُرْهَانِ وَإِلْكِيَا في تَعْلِيقِهِ وابن السَّمْعَانِيِّ في الْقَوَاطِعِ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فيه من نَاحِيَةِ اللَّفْظِ لَا من نَاحِيَةِ الِاسْتِصْحَابِ ثُمَّ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إنَّهَا مُنَاقَشَةٌ لَفْظِيَّةٌ وَلَوْ سَمَّاهُ اسْتِصْحَابًا لم يُنَاقَشْ وقال أبو زَيْدٍ هذا قد يُعَدُّ من الِاسْتِصْحَابِ لِأَنَّ دَلِيلَ ثُبُوتِ الْحُكْمِ عِنْدِي غَيْرُ دَلِيلِ بَقَائِهِ فإن النَّصَّ مَثَلًا أَثْبَتَ أَصْلَهُ ثُمَّ بَقَاؤُهُ بِدَلِيلٍ آخَرَ وهو عَدَمُ الْمُزِيلِ لِأَنَّهُ لو كان دَلِيلُ الْبَقَاءِ دَلِيلَ الثُّبُوتِ لَمَا جَازَ النَّسْخُ فإن النَّسْخَ يَرْفَعُ الْبَقَاءَ وَالدَّوَامَ قال إلْكِيَا وَهَذَا ليس بِشَيْءٍ لِأَنَّ الدَّلِيلَ إمَّا أَنْ لَا يَقْتَضِيَ الدَّوَامَ كَالْمُقَيَّدِ بِالْمَرَّةِ أو الْمُطْلَقِ وَقُلْنَا لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ فَلَا يَرِدُ على هذا النَّسْخُ لِأَنَّهُ قد تَمَّ بِفِعْلِ مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ وَإِمَّا أَنْ يَدُلَّ على التَّقْرِيرِ وَالْبَقَاءِ نَصًّا كَقَوْلِهِ افْعَلُوهُ دَائِمًا أَبَدًا وهو في الِاسْتِمْرَارِ ظَاهِرٌ فَهُمَا دَلِيلَانِ نَصٌّ في الثُّبُوتِ وَظَاهِرٌ في الِاسْتِمْرَارِ فَهَذَا هو الذي يَرِدُ عليه النَّسْخُ وأبو زَيْدٍ أَطْلَقَ وَأَصَابَ في قَوْلِهِ دَلِيلُ الثُّبُوتِ غَيْرُ دَلِيلِ الْبَقَاءِ وَأَخْطَأَ في قَوْلِهِ دَلِيلُ الْبَقَاءِ عَدَمُ الْمُزِيلِ فَهَذَا ليس من الِاسْتِصْحَابِ في شَيْءٍ انْتَهَى الْخَامِسَةُ اسْتِصْحَابُ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْإِجْمَاعِ في مَحَلِّ الْخِلَافِ وهو رَاجِعٌ إلَى حُكْمِ الشَّرْعِ بِأَنْ يُتَّفَقَ على حُكْمٍ في حَالَةٍ ثُمَّ تَتَغَيَّرُ صِفَةُ الْمُجْمَعِ عليه وَيَخْتَلِفُ الْمُجْمِعُونَ فيه فَيَسْتَدِلُّ من لم يُغَيِّرْ الْحُكْمَ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ مِثَالٌ إذَا اسْتَدَلَّ من يقول إنَّ الْمُتَيَمِّمَ إذَا رَأَى الْمَاءَ في أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ على صِحَّتِهَا قبل ذلك فَاسْتَصْحَبَ إلَى أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ على أَنَّ رُؤْيَةَ الْمَاءِ مُبْطِلَةٌ وَكَقَوْلِ الظَّاهِرِيَّةِ يَجُوزُ بَيْعُ أُمِّ الْوَلَدِ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ على جَوَازِ بَيْعِ هذه الْجَارِيَةِ قبل الِاسْتِيلَادِ فَنَحْنُ على ذلك الْإِجْمَاعِ بَعْدَ الِاسْتِيلَادِ وَهَذَا النَّوْعُ هو مَحَلُّ الْخِلَافِ كما قَالَهُ في الْقَوَاطِعِ وَكَذَا فَرَضَ أَئِمَّتُنَا الْأُصُولِيُّونَ الْخِلَافَ فيها فَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ منهم الْقَاضِي وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ وابن الصَّبَّاغِ وَالْغَزَالِيُّ إلَى أَنَّهُ ليس بِحُجَّةٍ قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وهو قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْحَقِّ من الطَّوَائِفِ وقال الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ في كِتَابِ الْقَضَاءِ إنَّهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَال بِمُجَرَّدِ الِاسْتِصْحَابِ بَلْ إنْ اقْتَضَى الْقِيَاسُ أو غَيْرُهُ إلْحَاقَهُ بِمَا قبل الصِّفَةِ أُلْحِقَ بِهِ وَإِلَّا فَلَا وقال ابن السَّمْعَانِيِّ إنَّهُ الصَّحِيحُ من الْمَذْهَبِ
  79. وَذَهَبَ أبو ثَوْرٍ وَدَاوُد الظَّاهِرِيُّ إلَى الِاحْتِجَاجِ بِهِ وَنَقَلَ ابن السَّمْعَانِيِّ عن الْمُزَنِيّ وَابْنِ سُرَيْجٍ وَالصَّيْرَفِيِّ وَابْنِ خَيْرَانَ وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ عن أبي عَلِيٍّ الْقُطْنِيُّ وَأَبِي الْحُسَيْنِ الْقَطَّانِ قال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ في شَرْحِ التَّرْتِيبِ كان أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ شَدِيدَ الْقَوْلِ بِهِ حتى أَنَّهُ لو اقْتَصَرَ ما كان يَخْرُجُ إلَى اسْتِصْحَابِ الْحَالِ قال وَإِنَّمَا أَخَذَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ من أَصْحَابِنَا وَأَهْلُ ما وَرَاءَ النَّهْرِ من أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ وَغَيْرُهُمْ أَيْضًا شَدِيدُو الْقَوْلِ بِهِ انْتَهَى وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وابن الْحَاجِبِ وقال سُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ إنَّهُ الذي ذَهَبَ إلَيْهِ شُيُوخُ أَصْحَابِنَا فَيُسْتَصْحَبُ حُكْمُ الْإِجْمَاعِ حتى يَدُلَّ الدَّلِيلُ على ارْتِفَاعِهِ وَحُكِيَ الْأَوَّلُ عن الْحَنَفِيَّةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ وَمُتَكَلِّمِي الْأَشْعَرِيَّةِ وَالْمَعْرُوفُ عن الظَّاهِرِيَّةِ إنَّمَا هو الثَّانِي قال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ كان الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ يقول دَاوُد لَا يقول بِالْقِيَاسِ الصَّحِيحِ وَهُنَا يقول بِقِيَاسٍ فَاسِدٍ لِأَنَّهُ حَمَلَ حَالَةَ الْخِلَافِ على حَالَةِ الْإِجْمَاعِ من غَيْرِ عِلَّةٍ جَامِعَةٍ وَالْمُخْتَارُ هو الْأَوَّلُ لِأَنَّ مَحَلَّ الْوِفَاقِ غَيْرُ مَحَلِّ الْخِلَافِ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ بِوَجْهٍ وَإِنَّمَا يُوجَبُ اسْتِصْحَابُ الْإِجْمَاعِ حَيْثُ لَا يُوجَدُ صِفَةُ تَغَيُّرِهِ وَلِأَنَّ الدَّلِيلَ إنْ كان هو الْإِجْمَاعُ فَهُوَ مُحَالٌ في مَحَلِّ الْخِلَافِ وَإِنْ كان غَيْرَهُ فَلَا مُسْتَنَدَ إلَى الْإِجْمَاعِ الذي يَزْعُمُ أَنَّهُ يُسْتَصْحَبُ قال أَصْحَابُنَا وَالْقَوْلُ بِاسْتِصْحَابِ الْإِجْمَاعِ في مَحَلِّ الْخِلَافِ يُؤَدِّي إلَى التَّكَافُؤِ لِأَنَّهُ ما من أَحَدٍ يَسْتَصْحِبُ حَالَ الْإِجْمَاعِ في شَيْءٍ إلَّا وَلِخَصْمِهِ أَنْ يَسْتَصْحِبَهُ في مُقَابِلِهِ وَبَيَانُهُ أَنَّ في مَسْأَلَةِ التَّيَمُّمِ أَنَّ لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ أَجْمَعْنَا على بُطْلَانِ التَّيَمُّمِ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ خَارِجَ الصَّلَاةِ فَنَسْتَصْحِبُهُ بِرُؤْيَتِهِ فيها وَتَغَيُّرُ الْأَحْوَالِ لَا عِبْرَةَ بِهِ وَنَقَلَ إلْكِيَا عن الْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ على النِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ بِأَنَّ الْأَصْلَ في الْأَبْضَاعِ التَّحْرِيمُ فَمَنْ ادَّعَى ما يُبِيحُ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ قال وَهَذَا ليس بِشَيْءٍ فإنه يُقَالُ الْأَصْلُ التَّحْرِيمُ قبل وُجُودِ أَصْلِ النِّكَاحِ أو بَعْدَهُ إنْ قُلْت قَبْلَهُ فَمُسَلَّمٌ أو بَعْدَهُ فَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ ذلك مُعَارَضَةً لِكَلَامِهِ قُلْت قال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ في شَرْحِ التَّرْتِيبِ وَاتَّفَقَ أَنْ حَضَرَنِي أبو عَلِيٍّ الْهَرَوِيُّ يَعْنِي الزُّبَيْرِيَّ وقال أنا أُقَرِّرُ الِاسْتِصْحَابَ في مَوْضِعٍ لَا يُمْكِنُ فيه الْمُعَارَضَةُ فَقُلْت هَاتِ فقال إذَا قال الْمُسْتَدِلُّ في إبْطَالِ الْوَقْفِ أَنَّ ما وُقِفَ قد تَقَرَّرَ بِالِاتِّفَاقِ مِلْكُ الْمَالِكِ عليه فَلَا يُزَالُ إلَّا بِدَلِيلٍ فَقُلْت الْعَكْسُ فيه من وُجُوهٍ
  80. أَحَدُهَا أَنْ يُقَالَ ما يَحْصُلُ من الْمَنَافِعِ بَعْدَ الْوَقْفِ قد حَصَلَ الِاتِّفَاقُ على أنها غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ لِكَوْنِهَا مَعْدُومَةً فَلَا تَدْخُلُ في مِلْكِ الْوَاقِفِ إلَّا بِدَلِيلٍ الثَّانِي أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ لَا مِلْكَ لِلْوَاقِفِ على الْكِرَاءِ الذي يَأْخُذُ بَدَلًا عن الْمَنَافِعِ فَلَا يَمْلِكُ إلَّا بِدَلِيلٍ الثَّالِثُ ما يَتَصَرَّفُ فيه بَعْدَ الْوَقْفِ من بَيْعِهِ وَهِبَتِهِ الْأَصْلُ أَنَّهُ لم يَكُنْ ثَابِتًا قال الْأُسْتَاذُ إذَا كانت مَسَائِلُ الِاسْتِصْحَابِ هَكَذَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ من جُمْلَةِ الْأَدِلَّةِ في الْأَحْكَامِ قال وما ادَّعَوْهُ على الشَّافِعِيِّ رضي اللَّهُ عنه أَنَّهُ قال بِالِاسْتِصْحَابِ فلم يَذْكُرْهُ احْتِجَاجًا على طَرِيقِ الِابْتِدَاءِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ على سَبِيلِ التَّرْجِيحِ بَعْدَ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ انْتَهَى وقد أَنْكَرَ ابن السَّمْعَانِيِّ الْقَوْلَ بِالِاسْتِصْحَابِ جُمْلَةً وقال إنَّهُ الصَّحِيحُ من مَذْهَبِنَا أَمَّا في اسْتِصْحَابِ الْعَامِّ وَالنَّصُّ قبل الْخَاصِّ وَالنَّاسِخِ فَلَيْسَ ذلك اسْتِصْحَابًا لِأَنَّ الدَّلِيلَ قَائِمٌ وهو الْعَامُّ وَالنَّصُّ وَأَمَّا اسْتِصْحَابُ دَلِيلِ الْعَقْلِ في بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ فَإِنَّمَا وَجَبَ اسْتِصْحَابُ بَرَاءَةِ الذِّمَمِ لِأَنَّ دَلِيلَ الْعَقْلِ في بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ قَائِمٌ في مَوْضِعِ الْخِلَافِ أَيْضًا كما في الْعَامِّ وَالنَّصِّ فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِهِ وَأَمَّا في اسْتِصْحَابِ الْإِجْمَاعِ فَالْإِجْمَاعُ الذي كان دَلِيلًا على الْحُكْمِ قد زَالَ في مَوْضِعِ الْخِلَافِ فَوَجَبَ طَلَبُ دَلِيلٍ آخَرَ وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ حَسَنَةٌ وقد سَبَقَهُ إلَيْهَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْخِلَافَ فِيمَا عَدَا اسْتِصْحَابَ الْإِجْمَاعِ لَفْظِيٌّ وَبِهِ صَرَّحَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ ثُمَّ قال ابن السَّمْعَانِيِّ إنَّا لَا نُثْبِتُ بَرَاءَةَ الذِّمَّةِ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ وَلَا نَحْكُمُ لِشَيْءٍ لِأَجْلِ الِاسْتِصْحَابِ لَكِنْ نَطْلُبُ من الْمُدَّعِي حُجَّةً يُقِيمُهَا فإذا لم يُقِمْ بَقِيَ الْأَمْرُ على ما كان من غَيْرِ أَنْ تَحْكُمَ بِثُبُوتِ شَيْءٍ وَالْخِلَافُ وَاقِعٌ في ثُبُوتِ الْحُكْمِ بِاسْتِصْحَابِ الْحَالِ وَهَذَا لَا نَقُولُ بِهِ في مَوْضِعٍ ما انْتَهَى وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ أُخْرَى تَغَايُرُ الْأُولَى قد ذَكَرَهَا الْمُتَأَخِّرُونَ وَحَاصِلُهَا التَّفْصِيلُ بين الدَّوَامِ وَالِابْتِدَاءِ وَنَقُولُ ليس في الدَّوَامِ إثْبَاتٌ وَإِنَّمَا هُنَاكَ اسْتِمْرَارُ ما كان لِعَدَمِ طَرَيَان ما يَرْفَعُهُ وَهِيَ تَنْبَنِي على الْخِلَافِ الْكَلَامِيِّ في أَنَّ الْبَاقِيَ في مَحَلِّ الْبَقَاءِ هل يَحْتَاجُ إلَى مُؤَثِّرٍ وَفِيهِ قَوْلَانِ فإن قُلْنَا لَا يَحْتَاجُ وَصَحَّتْ وَإِلَّا لم يَنْتَهِضْ لِأَنَّك في
  81. الدَّوَامِ تُرِيدُ دَلِيلًا وَأَنْتَ مُثْبِتٌ بِهِ فَكَيْفَ نَقُولُ لم نَحْكُمْ لِشَيْءٍ وَهَذَا الْخِلَافُ في أَنَّ الْبَاقِيَ هل يَحْتَاجُ إلَى مُؤَثِّرٍ يَنْبَنِي على اخْتِلَافٍ آخَرَ في أَنَّ عِلَّةَ الْحَاجَةِ إلَى الْمُؤَثِّرِ هل هِيَ الْإِمْكَانُ أو الْحُدُوثُ أو مَجْمُوعُهُمَا أو الْإِمْكَانُ بِشَرْطِ الْحُدُوثِ وَالْحَقُّ أَنَّ الْعِلَّةَ الْإِمْكَانُ وَأَنَّ الْبَاقِيَ يَحْتَاجُ إلَى مُؤَثِّرٍ كما تَقَرَّرَ في عِلْمِ الْكَلَامِ فَعَلَى هذا لَا تَنْتَهِضُ هذه الطَّرِيقَةُ وَمِمَّنْ زَعَمَ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ ابن بَرْهَانٍ فقال في كِتَابِهِ الْكَبِيرِ إذَا حُقِّقَ اسْتِصْحَابُ الْحَالِ لم يَبْقَ خِلَافٌ فإن قَوْلَ الْقَائِلِ الْأَصْلُ يَقْتَضِي كَذَا فَإِنَّمَا يَتَمَسَّكُ بِهِ إلَى أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ على خِلَافِهِ إمَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْأَصْلِ أَصْلَ الشَّرْعِ أو أَصْلَ الْعَقْلِ فَإِنْ أَرَادَ الْعَقْلَ فَالْخَصْمُ لَا يَعْتَرِفُ أَنَّ الْعَقْلَ يَقْتَضِي حُكْمًا وَلِأَنَّ الْأَحْكَامَ الْعَقْلِيَّةَ إنَّمَا تَثْبُتُ بِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ فَلَا يُسْتَصْحَبُ الْحَالُ فيها وَإِنْ أَرَادَ أَصْلَ الشَّرْعِ فَبَاطِلٌ أَيْضًا لِأَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ إنَّمَا تَثْبُتُ بِأَدِلَّةٍ شَرْعِيَّةٍ وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ أُخْرَى وقد يُقَالُ بِالْتِزَامِ الثَّانِي بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ مُسْتَقْرَأٍ من جُزْئِيَّاتِ الشَّرِيعَةِ في الْعَمَلِ بِهِ وَبَقِيَ من الْأَنْوَاعِ ما ذَكَرَهُ الْقَاضِي شُرَيْحٌ الرُّويَانِيُّ أَحَدُ أَئِمَّةِ أَصْحَابِنَا في كِتَابِ رَوْضَةِ الْحُكَّامِ أَنَّهُ إذَا كان لِلشَّيْءِ أَصْلٌ مَعْلُومٌ من الْوُجُوبِ أو الْحِلِّ أو الْحَظْرِ فإنه يُرَدُّ إلَيْهِ وَلَا يُتْرَكُ بِالشَّكِّ وَلَا يَخْرُجُ عنه إلَّا بِدَلِيلٍ فَلَوْ أَسْلَمَ إلَيْهِ في لَحْمٍ فَأَتَاهُ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ بِلَحْمٍ فقال الْمُسْلِمُ هو لَحْمُ مَيْتَةٍ أو ذَكَاةُ مَجُوسِيٍّ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَابِضِ لِأَنَّ الْأَصْلَ تَحْرِيمُ ذلك لِأَنَّ الْحَيَوَانَ إنْ كان مُحَرَّمًا يَبْقَى التَّحْرِيمُ ما لم يُعْلَمْ زَوَالُهُ وَلَوْ اشْتَرَى صَاعًا من مَاءِ بِئْرٍ فيه قُلَّتَانِ ثُمَّ قال أَرُدُّهُ بِالْعَيْبِ فَإِنْ فَأْرَةً وَقَعَتْ فيها فَالْقَوْلُ قَوْلُ الدَّافِعِ لِأَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَةُ الْمَاءِ انْتَهَى وَجَعَلَ ابن الْقَطَّانِ الْقَوْلَ بِالِاسْتِصْحَابِ يَرْجِعُ إلَى أَنَّ الْبَاقِيَ لَا دَلِيلَ عليه وهو أَنَّهُ مَتَى كنا على حَالٍ مُجْمَعٍ عليها فَنَحْنُ عليها فَمَنْ ادَّعَى الِانْفِصَالَ عنها احْتَاجَ إلَى دَلِيلٍ قال الْقُرْطُبِيُّ الْقَوْلُ بِالِاسْتِصْحَابِ لَازِمٌ لِكُلِّ أَحَدٍ لِأَنَّهُ أَصْلٌ تَنْبَنِي عليه النُّبُوَّةُ وَالشَّرِيعَةُ فَإِنَّا إنْ لم نَقُلْ بِاسْتِمْرَارِ حَالِ تِلْكَ الْأَدِلَّةِ لم يَحْصُلْ الْعِلْمُ بِشَيْءٍ من تِلْكَ الْأُمُورِ انْتَهَى وقد سَبَقَ أَنَّ هذا مَحَلُّ وِفَاقٍ وَأَمَّا الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ فَجَعَلَ الْخِلَافَ مَعْنَوِيًّا مَبْنِيًّا على الْخِلَافِ في حُكْمِ الْأَشْيَاءِ قبل وُرُودِ الشَّرْعِ فَمَنْ زَعَمَ أنها مُبَاحَةٌ اسْتَصْحَبَ الْحَالَ في كل ما رَآهُ مُبَاحًا فَلَا يَحْظُرُهُ إلَّا بِدَلِيلٍ وَمَنْ زَعَمَ أنها مُحَرَّمَةٌ لم يَسْتَصْحِبْ شيئا
  82. السَّادِسَةُ وَتَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ قَسِيمًا لِمَا سَبَقَ اسْتِصْحَابُ الْحَاضِرِ في الْمَاضِي وهو الْمَقْلُوبُ فإن الْقِسْمَ الْأَوَّلَ ثُبُوتُ أَمْرٍ في الثَّانِي لِثُبُوتِهِ في الْأَوَّلِ لِفُقْدَانِ ما يَصْلُحُ لِلتَّعْيِينِ وَهَذَا الْقِسْمُ في ثُبُوتِهِ في الْأَوَّلِ لِثُبُوتِهِ في الثَّانِي كما إذَا وَقَعَ النَّظَرُ في أَنَّ زَيْدًا هل كان مَوْجُودًا أَمْسِ في مَكَانِ كَذَا وَوَجَدْنَاهُ مَوْجُودًا فيه الْيَوْمَ فَيُقَالُ نعم إذْ الْأَصْلُ مُوَافَقَةُ الْمَاضِي لِلْحَالِ وَهَذَا الْقِسْمُ لم يَتَعَرَّضْ له الْأُصُولِيُّونَ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْجَدَلِيِّينَ من الْمُتَأَخِّرِينَ فَنَقُولُ إذَا ثَبَتَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ في هذا الْمُدَّعِي فَنَدَّعِي أَنَّهُ كان مُسْتَعْمَلًا قبل ذلك لِأَنَّهُ لو كان الْوَضْعُ غَيْرَهُ فِيمَا سَبَقَ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ قد تَغَيَّرَ إلَى هذا الْوَضْعِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ تَغَيُّرِهِ قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ وَهَذَا كَلَامٌ ظَرِيفٌ وَتَصَرُّفٌ غَرِيبٌ قد يُتَبَادَرُ إلَى إنْكَارِهِ وَيُقَالُ الْأَصْلُ اسْتِقْرَارُ الْوَاقِعِ في الزَّمَنِ الْمَاضِي إلَى هذا الزَّمَنِ أَمَّا أَنْ يُقَالَ الْأَصْلُ انْعِطَافُ الْوَاقِعِ في هذا الزَّمَانِ على الزَّمَانِ الْمَاضِي فَلَا وَجَوَابُهُ أَنْ يُقَالَ هذا الْوَضْعُ ثَابِتٌ فَإِنْ كان هو الذي وَقَعَ في الزَّمَانِ الْمَاضِي فَهُوَ الْمَطْلُوبُ وَإِنْ لم يَكُنْ فَالْوَاقِعُ في الزَّمَنِ الْمَاضِي فَعَادَ الْأَمْرُ إلَى أَنَّ الْأَصْلَ اسْتِصْحَابُ الْحَالِ في الزَّمَنِ الْمَاضِي وَهَذَا وَإِنْ كان طَرِيقًا كما ذَكَرْنَا إلَّا أَنَّهُ طَرِيقُ جَدَلٍ لَا جَلَدٍ وَالْجَدَلُ طَرِيقٌ في التَّحْقِيقِ سَالِكٌ على مَحَجٍّ مُضَيِّقٍ وَإِنَّمَا تَضْعُفُ هذه الطَّرِيقَةُ إذَا ظَهَرَ لنا تَغَيُّرُ الْوَضْعِ فَأَمَّا إذَا اسْتَوَى الْأَمْرَانِ فَلَا بَأْسَ قُلْت وَأَمَّا الْفُقَهَاءُ فَظَاهِرُ قَوْلِهِمْ إنَّ الْأَصْلَ في كل حَادِثٍ تَقْدِيرُهُ بِأَقْرَبِ زَمَنٍ مُنَافَاةُ هذا الْقِسْمِ وقال بَعْضُهُمْ لم يَقُلْ بِهِ أَصْحَابُنَا الْفُقَهَاءُ إلَّا في صُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ ما إذَا اشْتَرَى شيئا وَادَّعَاهُ مُدَّعٍ وَأَخَذَهُ منه بِحُجَّةٍ مُطْلَقَةٍ فإنه يَثْبُتُ له الرُّجُوعُ على الْبَائِعِ قالوا فإن الْبَيِّنَةَ لَا تُوجِبُ الْمِلْكَ وَلَكِنَّهَا تُظْهِرُهُ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمِلْكُ سَابِقًا على إقَامَتِهَا وَيُقَدِّرُ له لَحْظَةً لَطِيفَةً وَمِنْ الْمُحْتَمَلِ انْتِقَالُ الْمِلْكِ من الْمُشْتَرِي إلَى الْمُدَّعِي وَلَكِنَّهُمْ اسْتَصْحَبُوا مَقْلُوبًا وهو عَدَمُ الِانْتِقَالِ فيه فِيمَا مَضَى اسْتِصْحَابًا لِلْحَالِ وَكَذَلِكَ قالوا إذَا وَجَدْنَا رِكَازًا ولم نَدْرِ هل هو إسْلَامِيٌّ أَمْ جَاهِلِيٌّ يَحْكُمُ بِأَنَّهُ جَاهِلِيٌّ على وَجْهٍ لِأَنَّا اسْتَدْلَلْنَا بِوُجُودِهِ في الْإِسْلَامِ على أَنَّهُ كان مَوْجُودًا قبل ذلك قُلْت وَمِثْلُهُ إذَا أَشْكَلَ حَالُ الْقَرْيَةِ التي فيها الْكَنِيسَةُ هل أَحْدَثَهَا الْمُسْلِمُونَ أَمْ لَا فقال الرُّويَانِيُّ تُقَرُّ اسْتِصْحَابًا لِظَاهِرِ الْحَالِ ولم يَحْكِ الرَّافِعِيُّ غَيْرَهُ وَيُقَارِبُهَا صُوَرٌ منها
  83. لو أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَشَكَّ هل أَحْرَمَ قبل أَشْهُرِهِ أو بَعْدَهَا كان مُحْرِمًا بِالْحَجِّ قالوا لِأَنَّهُ على يَقِينٍ منه هذا الزَّمَنُ وفي شَكٍّ مِمَّا تَقَدَّمَهُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ أَيْضًا فَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ وَمِنْهَا إذَا اخْتَلَفَ الْغَاصِبُ وَالْمَالِكُ فَالصَّحِيحُ تَصْدِيقُ الْمَالِكِ فَقَدْ اسْتَصْحَبُوا مَقْلُوبًا وهو الْحُدُوثُ فِيمَا مَضَى اسْتِصْحَابًا لِلْحَاضِرِ وَيُمْكِنُ خِلَافُهُ وَكَذَلِكَ مَسَائِلُ الِانْعِطَافِ في اسْتِصْحَابِ حُكْمِ الصَّوْمِ على من نَوَى في النَّفْلِ قبل الزَّوَالِ وَالثَّوَابُ على الْوُضُوءِ جَمِيعِهِ إذَا نَوَى عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ على وَجْهٍ وَتَعْلِيقُ الْعِتْقِ على قُدُومِ زَيْدٍ ثُمَّ يَبِيعُهُ فَقَدِمَ زَيْدٌ ذلك الْيَوْمَ وَنَظَائِرُهُ الْأَخْذُ بِأَقَلِّ ما قِيلَ أَثْبَتَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْقَاضِي قال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ وَحَكَى بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ إجْمَاعَ أَهْلِ النَّظَرِ عليه وَحَقِيقَتُهُ كما قال ابن السَّمْعَانِيِّ أَنْ يَخْتَلِفَ الْمُخْتَلِفُونَ في مُقَدَّرٍ بِالِاجْتِهَادِ على أَقَاوِيلَ فَيُؤْخَذُ بِأَقَلِّهَا عِنْدَ إعْوَازِ الْحُكْمِ أَيْ إذَا لم يَدُلَّ على الزِّيَادَةِ دَلِيلٌ وقال الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ هو أَنْ يَرِدَ الْفِعْلُ من النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم مُبَيِّنًا لِمُجْمَلٍ وَيَحْتَاجُ إلَى تَحْدِيدِهِ فَيُصَارُ إلَى أَقَلِّ ما يُؤْخَذُ كما قَالَهُ الشَّافِعِيُّ في أَقَلِّ الْجِزْيَةِ بِأَنَّهُ دِينَارٌ لِأَنَّ الدَّلِيلَ قام أَنَّهُ لَا بُدَّ من تَوْقِيتٍ فَصَارَ إلَى أَقَلِّ ما حَكَى عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّهُ أَخَذَ من الْجِزْيَةِ قال وَهَذَا أَصْلٌ في التَّوْقِيتِ قد صَارَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ في مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ كَتَحْدِيدِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ بِمَرْحَلَتَيْنِ وما لَا يُنَجَّسُ من الْمَاءِ بِالْمُلَاقَاةِ بِقُلَّتَيْنِ وَأَنَّ دِيَةَ الْيَهُودِيِّ ثُلُثُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ وقال ابن الْقَطَّانِ في كِتَابِهِ هو أَنْ يَخْتَلِفَ الصَّحَابَةُ في تَقْدِيرٍ فَيَذْهَبُ بَعْضُهُمْ إلَى مِائَةٍ مَثَلًا وَبَعْضُهُمْ إلَى خَمْسِينَ فَإِنْ كانت دَلَالَةً تُعَضِّدُ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ صِيرَ إلَيْهَا وَإِنْ لم تَكُنْ دَلَالَةً فَقَدْ اخْتَلَفَ فيه أَصْحَابُنَا فَمِنْهُمْ من قال نَأْخُذُ بِأَقَلِّ ما قِيلَ من حَيْثُ كان أَقَلَّ وَيَقُولُ إنْ هذا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ قال إنَّ دِيَةَ الْيَهُودِيِّ الثُّلُثُ وَحَكَى اخْتِلَافَ الصَّحَابَةِ فيه وَأَنَّ بَعْضَهُمْ قال بِالنِّصْفِ وَبَعْضُهُمْ بِالْمُسَاوَاةِ وَبَعْضُهُمْ بِالثُّلُثِ فَكَانَ هذا أَقَلَّهَا وَمِثْلُهُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ في الدِّيَةِ أنها أَخْمَاسٌ وَرُوِيَ أنها أَرْبَاعٌ فَكَانَتْ رِوَايَةُ الْأَخْمَاسِ أَوْلَى لِأَنَّهَا أَقَلُّ ما رُوِيَ فَنَصِيرُ إلَيْهِ
  84. وَمِنْهُمْ من احْتَجَّ على الْقَوْلِ بِأَقَلِّ ما قِيلَ من كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فِيمَا لو سَرَقَ رَجُلٌ مَتَاعًا لِرَجُلٍ فَشَهِدَ شَاهِدٌ بِأَلْفِ دِينَارٍ وَآخَرُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ إلَّا بِمَا اتَّفَقَا عليه وَمِنْهُمْ من قال هذا قَوْلٌ حَسَنٌ إذَا كان عليه دَلَالَةٌ فَإِنْ لم يَكُنْ معه دَلَالَةٌ فَلَا مَعْنَى له لِأَنَّهُ ليس لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ إلَّا وَلِلْآخَرِ أَنْ يَقُولَ بِمَا هو أَقَلُّ منه أو أَكْثَرُ بِغَيْرِ حُجَّةٍ وَذَلِكَ أَنَّ الْقَائِلِينَ أَجْمَعُوا على هذا الْمِقْدَارِ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَاهُ فَأَخَذَ بِمَا أَجْمَعُوا عليه وَتَرَكَ ما اخْتَلَفُوا فيه يَلْزَمُهُ أَنْ يَقِفَ في الزِّيَادَةِ وَلَا يَقْطَعُ على أَنَّهُ لَا شَيْءَ فيه لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ فيه دَلَالَةٌ وَأَمَّا ما قَالُوهُ في دِيَةِ الْيَهُودِيِّ فإن الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى سَلَكَ فيه غير هذا الطَّرِيقِ وهو أَنَّهُ قال قد دَلَّ على أَنْ لَا مُسَاوَاةَ بِقَوْلِهِ أَفَمَنْ كان مُؤْمِنًا كَمَنْ كان فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ فإذا بَطَلَتْ الْمُسَاوَاةُ فَلَيْسَ لِلنَّاسِ إلَّا قَوْلَانِ فإذا بَطَلَ أَحَدُهُمَا صَحَّ الْآخَرُ وَأَمَّا جَعْلُهُ الدِّيَةَ أَخْمَاسًا فَبِدَلِيلٍ لَا لِأَنَّهُ أَقَلُّ ما قِيلَ وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الشَّهَادَةِ فَإِنَّمَا حَكَمَ فيها بِالْأَقَلِّ لِأَنَّهُ ثَبَتَ ذلك بِشَاهِدَيْنِ وَانْفِرَادُ الْآخَرِ ليس بِحُجَّةٍ وَهَذَا لَا خِلَافَ فيه قال وقد مَنَعَ قَوْمٌ من أَهْلِ النَّظَرِ وَقَالُوا إنَّ أَصْلَكُمْ هذا يَنْتَقِضُ بِالْجُمُعَةِ فإن الناس اخْتَلَفُوا هل تَنْعَقِدُ بِأَرْبَعِينَ أو بِاثْنَيْنِ أو بِثَلَاثَةٍ فَوَجَبَ أَنْ يُؤْخَذَ بِأَقَلِّ ما قِيلَ فَإِنْ قُلْتُمْ الْأَصْلُ هو الظُّهْرُ وَلَا يَنْتَقِلُ عنه إلَّا بِدَلِيلٍ قِيلَ لَكُمْ وَكَذَلِكَ الْأَصْلُ شَغْلُ ذِمَّتِهِ بِالْجِنَايَةِ فَلَا تَبْرَأُ إلَّا بِدَلِيلٍ قالوا وَكَذَلِكَ الْغُسْلُ من وُلُوغِ الْكَلْبِ يَجِبُ أَنْ نَأْخُذَ بِأَقَلَّ ما قِيلَ ثُمَّ أَجَابَ ابن الْقَطَّانِ بِأَنَّ الْكَلَامَ في هذه الْمَسْأَلَةِ ليس في الْحَادِثَةِ التي قام الدَّلِيلُ فيها وَإِنَّمَا كان هُنَا في الْحَادِثَةِ إذَا وَقَعَتْ بين أُصُولِ مُجْتَهِدٍ فيها بِحَادِثَةٍ فَنَصِيرُ إلَى أَقَلِّ ما قِيلَ وَهَذَا هو مَوْضِعُ الْخِلَافِ بين أَصْحَابِنَا الْمَخْرَجُ على وَجْهَيْنِ فَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْجُمُعَةِ فَدَلِيلُنَا الْخَبَرُ وَلَوْ صَحَّ السُّؤَالُ عَلَيْنَا لَانْقَلَبَ لِأَبِي ثَوْرٍ على أبي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ يُجِيزُهَا بِوَاحِدٍ وَأَمَّا وُلُوغُ الْكَلْبِ فَقَدْ صِرْنَا إلَى ما نَصَّ عليه رضي اللَّهُ عنه قال وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ على حَادِثَةٍ قد تَقَدَّمَتْ قَبْلَنَا وَانْقَرَضَ الْعَصْرُ عليها وَاخْتَلَفُوا فيها وَأَمَّا الْيَوْمُ فَالْمَدَارُ على الدَّلِيلِ انْتَهَى وَأَجَابَ الْقَفَّالُ عن مَسْأَلَةِ الْجُمُعَةِ بِأَنَّهَا أَقَلُّ ما قِيلَ لِأَنَّهُ أَقَلُّ ما رُوِيَ عنه عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ جَمَعَ فِيهِمْ في زَمَنِهِ ذلك
  85. وَقَسَّمَ ابن السَّمْعَانِيِّ الْمَسْأَلَةَ إلَى قِسْمَيْنِ يَخْرُجُ مِنْهُمَا الْجَوَابُ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ ذلك فِيمَا أَصْلُهُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ فَإِنْ كان الِاخْتِلَافُ في وُجُوبِ الْحَقِّ وَسُقُوطِهِ كان سُقُوطُهُ أَوْلَى لِمُوَافَقَةِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ ما لم يَقُمْ دَلِيلُ الْوُجُوبِ وَإِنْ كان الِاخْتِلَافُ في قَدْرِهِ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ على وُجُوبِهِ كَدِيَةِ الذِّمَّةِ إذَا وَجَبَتْ على قَاتِلِهِ فَهَلْ يَكُونُ الْأَخْذُ بِأَقَلِّهِ دَلِيلًا اخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فيه على وَجْهَيْنِ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ فِيمَا هو ثَابِتٌ في الذِّمَّةِ كَالْجُمُعَةِ الثَّابِتِ فَرْضُهَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ في عَدَدِ انْعِقَادِهَا فَلَا يَكُونُ الْأَخْذُ بِالْأَقَلِّ دَلِيلًا لِارْتِهَانِ الذِّمَّةِ بها فَلَا تَبْرَأُ الذِّمَّةُ بِالشَّكِّ وَهَلْ يَكُونُ الْأَخْذُ بِالْأَكْثَرِ دَلِيلًا فيه وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا يَكُونُ دَلِيلًا وَلَا يَنْتَقِلُ عنه إلَّا بِدَلِيلٍ لِأَنَّ الذِّمَّةَ تَبْرَأُ بِالْأَكْثَرِ إجْمَاعًا وَبِالْأَقَلِّ خِلَافًا فَلِذَلِكَ جَعَلَهَا الشَّافِعِيُّ تَنْعَقِدُ بِأَرْبَعِينَ لِأَنَّ هذا الْعَدَدَ أَكْثَرُ ما قِيلَ الثَّانِي لَا يَكُونُ دَلِيلًا لِأَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ من الْخِلَافِ دَلِيلٌ في حُكْمٍ وَالشَّافِعِيُّ إنَّمَا اعْتَبَرَ الْأَرْبَعِينَ بِدَلِيلٍ آخَرَ قال ابن السَّمْعَانِيِّ وَهَذَا كُلُّهُ كَلَامُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَلَيْسَ فيه كَبِيرُ مَعْنًى انْتَهَى وَإِنَّمَا يَتِمُّ الْأَخْذُ بِأَقَلِّ ما قِيلَ بِشُرُوطٍ أَحَدُهَا أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدٌ قال بِعَدَمِ وُجُوبِ الشَّيْءِ وَإِلَّا لم يَكُنْ الثُّلُثُ دِيَةَ الذِّمِّيِّ مَثَلًا أَقَلُّ الْوَاجِبِ بَلْ لَا يَكُونُ هُنَاكَ شَيْءٌ هو الْأَقَلُّ ثَانِيهَا أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدٌ قال بِوُجُوبِ شَيْءٍ من ذلك النَّوْعِ كما لو قِيلَ إنَّهُ يَجِبُ هَاهُنَا فَرَسٌ فإن هذا الْقَائِلَ لَا يَكُونُ مُوَافِقًا على وُجُوبِ الثُّلُثِ وَإِنْ نَقَصَ ذلك عن قِيمَةِ الْفَرَسِ وَالْقَائِلُ بِالثُّلُثِ لَا يقول بِالْفَرَسِ وَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا عن ثُلُثِ الدِّيَةِ فَلَا يَكُونُ هُنَاكَ شَيْءٌ هو أَقَلُّ ثَالِثُهَا أَنْ لَا يُوجَدَ دَلِيلٌ أَخَذَ غير الْأَقَلِّ وَإِلَّا كان ثُبُوتُهُ بِذَلِكَ الدَّلِيلِ لَا بهذا الطَّرِيقِ رَابِعُهَا أَنْ لَا يُوجَدَ دَلِيلٌ يَدُلُّ على ما هو زَائِدٌ وَإِلَّا وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ وكان مُبْطِلًا لِحُكْمِ هذا الْأَصْلِ وَلِهَذَا لم يَقُلْ الشَّافِعِيُّ بِانْعِقَادِ الْجُمُعَةِ بِثَلَاثَةِ وَلَا بِالْغُسْلِ من وُلُوغِ الْكَلْبِ ثَلَاثًا وَإِنْ كان أَقَلُّ ما قِيلَ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ على اشْتِرَاطِ ما صَارَ إلَيْهِ وقال بَعْضُ الْفُضَلَاءِ الْأَخْذُ بِأَقَلِّ ما قِيلَ عِبَارَةٌ عن الْأَخْذِ بِالْمُحَقَّقِ وَطَرْحِ الْمَشْكُوكِ فيه فِيمَا أَصْلُهُ الْبَرَاءَةُ وَالْأَخْذُ بِمَا يَخْرُجُ عن الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ فِيمَا أَصْلُهُ اشْتِغَالُ
  86. الذِّمَّةِ وَلِذَلِكَ جَعَلَ الْأَخْذَ بِأَكْثَرَ في الضَّرْبِ الثَّانِي وهو ما أَصْلُهُ اشْتِغَالُ الذِّمَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْأَخْذِ بِالْأَقَلِّ في الْأَوَّلِ وقد وَهَمَ بَعْضُهُمْ فَأَوْرَدَ عَدَدَ الْجُمُعَةِ سُؤَالًا ولم يَعْلَمْ أَنَّ الْأَخْذَ فيه بِالْأَكْثَرِ بِمَنْزِلَةِ الْأَخْذِ بِالْأَقَلِّ وَبَيَانُهُ أَنَّ الْمُرَكَّبَ من أَجْزَاءٍ على قِسْمَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ بَعْضُهَا مُرْتَبِطًا بِبَعْضٍ فَلَا يَعْتَدُّ بِهِ إلَّا مع صَاحِبِهِ كَصِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ في كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَثَانِيهِمَا أَنْ لَا يَرْتَبِطُ كَمَنْ وَجَبَ عليه لِزَيْدٍ عِشْرُونَ دِرْهَمًا يُؤَدِّيهَا كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمًا وَنَظِيرُ الثَّانِي دِيَةُ الْيَهُودِيِّ فإن أَبْعَاضَ الدِّيَةِ من حَيْثُ هِيَ لَا تَعَلُّقَ لِبَعْضِهَا بِبَعْضٍ فَمَنْ وَجَبَ عليه مِائَةٌ من الْإِبِلِ وَجَبَ كُلُّ وَاحِدٍ منها من غَيْرِ تَعَلُّقٍ له بِصَاحِبِهَا فإذا خَرَجَ ثُلُثُهَا بَرِئَ قَطْعًا وَبَقِيَ ما وَرَاءَهُ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ فلم يُوجَدْ وَنَظِيرُ الْأَوَّلِ الْجُمُعَةُ فإن أَبْعَاضَ عَدَدِهَا يَتَعَلَّقُ بِبَعْضٍ فَمَنْ صَلَّاهَا في ثَلَاثَةٍ لم يَخْرُجْ عن الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ ولم يَأْتِ بِمَا أُسْقِطَ عنه شيئا فَأَخَذْنَا بِالْأَصْلِ في الْمَوْضِعَيْنِ وَهُمَا في الْحَقِيقَةِ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَحَاصِلُهُ إيجَابُ الِاحْتِيَاطِ فِيمَا أَصْلُهُ الْوُجُوبُ دُونَ غَيْرِهِ وَالْفُرُوعُ في الْمَوْضِعَيْنِ لَا تَخْفَى وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْأَخْذَ بِأَقَلِّ ما قِيلَ مُرَكَّبٌ من الْإِجْمَاعِ وَمِنْ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ فَلَا يُتَّجَهُ من الْقَائِلِ الْمُخَالَفَةُ فيه وَلَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ فيه بِالْإِجْمَاعِ وَحْدَهُ كما قال الْقَاضِي وَالْغَزَالِيُّ وَتَبِعَهُ ابن الْحَاجِبِ قال الْقَاضِي وَنَقَلَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عن الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ تَمَسَّكَ بِالْإِجْمَاعِ وهو خَطَأٌ عليه وَلَعَلَّ النَّاقِلَ زَلَّ في كَلَامِهِ وقال الْغَزَالِيُّ هو سُوءُ ظَنٍّ بِهِ فإن الْمُجْمَعَ عليه وُجُوبُ هذا الْقَدْرِ وَلَا مُخَالَفَةَ فيه وَالْمُخْتَلَفُ فيه سُقُوطُ الزِّيَادَةِ وَالْإِجْمَاعُ عليه نعم الْمُشْكِلُ جَعْلُهُ دَلِيلًا مُسْتَقِلًّا مع تَرْكِيبِهِ من دَلِيلَيْنِ فَكَيْفَ يُتَّجَهُ مِمَّنْ يُوَافِقُ على الدَّلِيلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ مُخَالَفَةُ الشَّافِعِيِّ فيه وَأَمَّا ابن حَزْمٍ في الْأَحْكَامِ فَأَنْكَرَ الْأَخْذَ بِأَقَلِّ ما قِيلَ وقال إنَّمَا يَصِحُّ إذَا أَمْكَنَ ضَبْطُ أَقْوَالِ جَمِيعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ وَحَكَى قَوْلًا أَنَّهُ يَأْخُذُ بِأَكْثَرِ ما قِيلَ لِيَخْرُجَ عن عَهْدِ التَّكْلِيفِ بِيَقِينٍ قال وَلَيْسَ الثُّلُثُ في دِيَةِ الْيَهُودِيِّ بِأَقَلِّ ما قِيلَ فَقَدْ رَوَيْنَا من طَرِيقِ يُونُسَ بن عُبَيْدٍ عن الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ دِيَةَ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ ثَمَانُمِائَةِ دِرْهَمٍ وهو أَقَلُّ من ثُلُثِ دِيَةِ الْمُسْلِمِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَقُولُوا بِهِ لِأَنَّهُ أَقَلُّ ما قِيلَ وَعَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهُ لَا دِيَةَ لِلْكِتَابِيِّ أَصْلًا فَلَيْسَ ثُلُثُ الدِّيَةِ أَقَلَّ ما قِيلَ قال وَلَنَا فيه تَفْصِيلٌ وقال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْوَاجِبَ الْوَسَطُ من ذلك
  87. وَأَوْضَحُ مِثَالٍ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قِيمَةُ الْمُتْلَفِ بِأَنْ يَجْنِيَ على سِلْعَةٍ يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْخِبْرَةِ في تَقْوِيمِهَا فَيُقَوِّمُهَا بَعْضُهُمْ بِمِائَةٍ وَبَعْضُهُمْ بِمِائَتَيْنِ وَكَذَلِكَ إذَا جَرَحَهُ جِرَاحَةً ليس فيها أَرْشٌ مُقَدَّرٌ مَسْأَلَةٌ في الْقَوْلِ بِالْأَخَفِّ هذا قد يَكُونُ بين الْمَذَاهِبِ وقد يَكُونُ بين الِاحْتِمَالَاتِ الْمُتَعَارِضَةِ أَمَارَاتُهَا وقد صَارَ إلَيْهِ بَعْضُهُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ من حَرَجٍ وَقَوْلُهُ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ وَهَذَا يُخَالِفُ الْأَخْذَ بِالْأَقَلِّ فإن هُنَاكَ يَشْتَرِطُ الِاتِّفَاقَ على الْأَقَلِّ وَلَا يَشْتَرِطُ ذلك هَاهُنَا وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إلَى أَنَّ الْأَصْلَ في الْمَضَارِّ الْمَنْعُ إذْ الْأَخَفُّ مِنْهُمَا هو ذلك وَقِيلَ يَجِبُ الْأَخْذُ بِالْأَشَقِّ كما قِيلَ هُنَاكَ يَجِبُ الْأَخْذُ بِالْأَكْثَرِ مَسْأَلَةٌ النَّافِي لِلْحُكْمِ هل يَلْزَمُهُ الدَّلِيلُ الْمُثْبِتُ لِلْحُكْمِ يَحْتَاجُ لِلدَّلِيلِ بِلَا خِلَافٍ وَأَمَّا النَّافِي فَهَلْ يَلْزَمُهُ الدَّلِيلُ على دَعْوَاهُ فيه مَذَاهِبُ أَحَدُهَا نعم وَجَزَمَ بِهِ الْقَفَّالُ وَالصَّيْرَفِيُّ وَاخْتَارَهُ ابن الصَّبَّاغِ وابن السَّمْعَانِيِّ وَنَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ عن طَوَائِفِ أَهْلِ الْحَقِّ وَنَقَلَهُ ابن الْقَطَّانِ عن
  88. أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وقال الْمَاوَرْدِيُّ إنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَلَا يَجُوزُ نَفْيُ الْحُكْمِ إلَّا بِدَلِيلٍ كما لَا يَجُوزُ إثْبَاتُهُ إلَّا بِدَلِيلٍ وَحَكَاهُ الْبَاجِيُّ عن الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وقال الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ إنَّهُ الصَّحِيحُ وَبِهِ قال الْجُمْهُورُ وقال صَاحِبُ الْمَصَادِرِ إنَّهُ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ مُدَّعٍ وَالْبَيِّنَةُ على الْمُدَّعِي وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لم يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ فَذَمَّهُمْ على نَفْيِ ما لم يَعْلَمُوهُ مُبَيَّنًا فَدَلَّ على أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عليه الدَّلِيلُ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ في جَوَابِ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ الثَّانِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ وابن السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُمَا عن دَاوُد وَأَهْلِ الظَّاهِرِ لِأَنَّ الْأَصْلَ في الْأَشْيَاءِ النَّفْيُ وَالْعَدَمُ فَمَنْ نَفَى الْحُكْمَ فَلَهُ أَنْ يَكْتَفِي بِالِاسْتِصْحَابِ لَكِنَّ ابْنَ حَزْمٍ في الْأَحْكَامِ صَحَّحَ الْأَوَّلَ وَالثَّالِثُ أَنْ يَلْزَمَهُ في النَّفْيِ الْعَقْلِيِّ دُونَ الشَّرْعِيِّ حَكَاهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ وابن فُورَكٍ الرَّابِعُ قال الْغَزَالِيُّ إنَّهُ الْمُخْتَارُ أَنَّ ما ليس بِضَرُورِيٍّ فَلَا يُعْرَفُ إلَّا بِدَلِيلٍ وَالنَّفْيُ فيه كَالْإِثْبَاتِ بِخِلَافِ الضَّرُورِيِّ وَظَنَّ بَعْضُهُمْ انْفِرَادَ الْغَزَالِيِّ بِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَفِي الْكَافِي لِلْخُوَارِزْمِيِّ حِكَايَةُ الْمَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ ثُمَّ قال وَمِنْ أَصْحَابِنَا من قال لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ النَّافِي شَاكًّا في نَفْيِهِ أو نَافِيًا له عن مَعْرِفَةٍ فَإِنْ كان شَاكًّا فَلَا عِلْمَ مع الشَّكِّ وَإِنْ كان يَدَّعِي نَفْيَهُ عن مَعْرِفَةٍ فَتِلْكَ الْمَعْرِفَةُ إمَّا أَنْ تَكُونَ ضَرُورِيَّةً أو اسْتِدْلَالِيَّةً فَإِنْ كانت ضَرُورِيَّةً فَلَا مُنَازِعَ في الضَّرُورِيَّاتِ وَإِنْ كانت اسْتِدْلَالِيَّةً فَلَا بُدَّ من إبْرَازِ الدَّلِيلِ انْتَهَى وقال الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ الْخِلَافُ فِيمَا لَا يُعْلَمُ ثُبُوتُهُ وَانْتِفَاؤُهُ بِالضَّرُورَةِ وَإِنَّمَا يُعْلَمُ بِالدَّلِيلِ وَيُمْكِنُ إقَامَتُهُ عليه فَأَمَّا ما يُعْلَمُ حِسًّا وَاضْطِرَارًا فَلَا سَبِيلَ إلَى إقَامَةِ دَلِيلٍ على ثُبُوتِهِ وَنَفْيِهِ كَعِلْمِ الْإِنْسَانِ بِوُجُودِ نَفْسِهِ وما يَجِدُهَا عليه في أَنَّهُ ليس في لُجَّةِ بَحْرٍ وَلَا على جَنَاحِ طَائِرٍ وَنَحْوَهُ الْخَامِسُ إنَّ نَفْيَ عِلْمِ نَفْسِهِ بِأَنْ يَقُولَ لَا أَعْلَمُ فَلَا يَلْزَمُهُ الدَّلِيلُ وَإِنْ كان يَنْفِي الْحُكْمَ فَيَلْزَمُهُ الدَّلِيلُ لِأَنَّ نَفْيَ الْحُكْمِ حُكْمٌ كما أَنَّ الْإِثْبَاتَ حُكْمٌ وَمَنْ نَفَى حُكْمًا أو أَثْبَتَهُ احْتَاجَ إلَى الدَّلِيلِ قال ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ وَهَذَا التَّفْصِيلُ هو الْحَقُّ
  89. وَالسَّادِسُ ذَكَرَهُ بَعْضُ الْجَدَلِيِّينَ إنْ ادَّعَى لِنَفْسِهِ عِلْمًا بِالنَّفْيِ فَلَا بُدَّ له من الدَّلِيلِ على ما يَدَّعِيهِ وَإِنْ نَفَى عِلْمَهُ فَهُوَ مُخْبِرٌ عن جَهْلِ نَفْسِهِ لَكِنَّ الْجَاهِلَ يَجِبُ أَنْ يَتَوَقَّفَ في إثْبَاتِ الْأَحْكَامِ وَلَا يَحْكُمُ فيها بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ وَاخْتَارَهُ الْمُطَرِّزِيُّ في الْعُنْوَانِ وهو قَرِيبٌ من قَوْلِ أَصْحَابِنَا إنَّ الْإِنْسَانَ إنْ حَلَفَ على فِعْلِ نَفْسِهِ حَلَفَ على الْبَتِّ لِإِمْكَانِ اطِّلَاعِهِ عليه أو على فِعْلِ غَيْرِهِ حَلَفَ على نَفْيِ الْعِلْمِ وَالسَّابِعُ قَالَهُ ابن فُورَكٍ النَّافِي لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ إذَا قال لم أَجِدْ فيه دَلِيلًا وقد تَصَفَّحْت الدَّلَائِلَ وكان من أَهْلِ الِاجْتِهَادِ كان له دَعْوَى ذلك وَيَرْجِعُ إلَى ما تَقْتَضِيهِ الْعُقُولُ من بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ قال وَهَذَا النَّوْعُ قَرِيبٌ من اسْتِصْحَابِ الْحَالِ فَيَجِيءُ على قَوْلِ من يقول بِالْإِبَاحَةِ أو الْحَظْرِ أَنْ لَا دَلِيلَ عليه فَأَمَّا من قال بِالْوَقْفِ فَلَا يَصِحُّ ذلك إلَّا على طَرِيقِ اسْتِصْحَابِ الْحَالِ الشَّرْعِيِّ وَالثَّامِنُ أَنَّهُ حُجَّةٌ دَافِعَةٌ لَا مُوجِبَةٌ حَكَاهُ أبو زَيْدٍ في التَّقْوِيمِ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْقَائِلَ بِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عليه إنْ أَرَادَ أَنَّهُ يَكْفِيهِ اسْتِصْحَابُ الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ بِأَنَّ الْأَصْلَ يُوجِبُ ظَنَّ دَوَامِهِ فَهُوَ صَحِيحٌ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ عليه أَلْبَتَّةَ وَحُصُولُ الْعِلْمِ أو الظَّنِّ بِلَا سَبَبٍ فَهُوَ خَطَأٌ لِأَنَّ النَّفْيَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَذَلِكَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلٍ وقال الْهِنْدِيُّ في هذه خِلَافٌ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالنَّافِي من يَدَّعِي الْعِلْمَ أو الظَّنَّ بِالنَّفْيِ فَهَذَا يَجِبُ عليه الدَّلِيلُ كما في الْإِثْبَاتِ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَفْرُوضَةٌ فِيمَا لَا يُعْلَمُ نَفْيُهُ بِالضَّرُورَةِ وَإِنْ أُرِيدَ من يَدَّعِي عَدَمَ عِلْمِهِ أو ظَنِّهِ فَهَذَا لَا دَلِيلَ عليه لِأَنَّهُ يَدَّعِي جَهْلَهُ بِالشَّيْءِ وَالْجَاهِلُ بِالشَّيْءِ غَيْرُ مُطَالَبٍ بِالدَّلِيلِ على جَهْلِهِ كما لَا يُطَالِبُ بِهِ من يَدَّعِي أَنَّهُ لَا يَجِدُ أَلَمًا وَلَا جُوعًا وَلَا حَرًّا وَلَا بَرْدًا مُنَاظَرَةٌ قال ابن الْعَرَبِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ذَكَرْت حُكْمًا بِحَضْرَةِ الْإِمَامِ أبي الْوَفَاءِ ابْنِ عَقِيلٍ فَطُولِبْت بِالدَّلِيلِ فَقُلْت لَا دَلِيلَ عَلَيَّ لِأَنِّي نَافٍ وَالنَّافِي لَا دَلِيلَ عليه فقال لي ما دَلِيلُك على أَنَّ النَّافِيَ لَا دَلِيلَ عليه قُلْت هذا لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِك أنا نَافٍ أَيْضًا في قَوْلِي لَا دَلِيلَ على النَّافِي فَكَيْفَ تُطَالِبُنِي بِالدَّلِيلِ فَأَجَابَ يَدُلُّ على اللُّزُومِ بِأَنْ يُقَالُ النَّافِي مُفْتٍ كما أَنَّ الْمُثْبِتَ مُفْتٍ وَالْفَتْوَى لَا تَكُونُ إلَّا بِدَلِيلٍ وَاسْتَشْهَدَ بِمَسْأَلَةٍ وَهِيَ أَنَّهُ لو قَامَتْ الْبَيِّنَةُ على رَجُلٍ أَنَّهُ كان بِالْكَرْخِ يوم السَّبْتِ وَشَهِدَتْ أُخْرَى
  90. أَنَّهُ لم يَكُنْ بها يوم السَّبْتِ بَلْ بِالْمَوْصِلِ وَكَذَلِكَ من قال إنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ يُطَالَبُ بِالدَّلِيلِ وَلَيْسَتْ الْوَحْدَانِيَّةُ إلَّا نَفْيَ الثَّانِي فَأَجَبْت بِأَنَّ هذا دَلِيلٌ بَاطِلٌ لِأَنَّك تَرُومُ بِهِ إثْبَاتَ مُحَالٍ وهو الدَّلِيلُ على النَّافِي وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَسْبَابَ الْمُقْتَضِيَةَ مع تَشَعُّبِ طُرُقِهَا وَتَقَارُبِ أَطْرَافِهَا فما من سَبَبٍ يَتَعَرَّضُ لِإِبْطَالِهِ إلَّا وَيَجُوزُ فَرْضُ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِهِ وَهَذَا لَا طَرِيقَ إلَيْهِ مع أَنَّهُ يَفُوتُ بهذا مَقْصُودُ النَّظَرِ من الْعُثُورِ على الْأَدِلَّةِ وَبَدَائِعِ الْأَحْكَامِ قُلْت وما هذا إلَّا كَالْمُدَّعِي وَالْمُنْكِرِ فإن الْمُدَّعِي مُثْبِتٌ وَالْمُنْكِرُ يَنْفِي وَلَا يُطَالَبُ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ على نَفْيِهِ وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الشَّهَادَةِ فَلَا تَلْزَمُ لِلتَّعَارُضِ بين النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وَأَمَّا الْوَحْدَانِيَّةُ فَالتَّعَارُضُ لِإِثْبَاتِ إلَهٍ على صِفَةٍ فَإِثْبَاتُ صِفَةِ الْوَحْدَانِيَّةِ فيها نَفْيُ الشَّرِكَةِ مَسْأَلَةٌ وَلَهَا تَعَلُّقٌ بِالِاسْتِصْحَابِ نَقَلَ الدَّبُوسِيُّ عن الشَّافِعِيِّ أَنَّ عَدَمَ الدَّلِيلِ حُجَّةٌ في إبْقَاءِ ما ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ لَا لِمَا لم يَصِحَّ ثُبُوتُهُ قال وَلِهَذَا لم يَجُزْ الصُّلْحُ على الْإِنْكَارِ ولم يَجُزْ شَغْلُ الذِّمَّةِ بِالدَّيْنِ فلم يَصِحَّ الصُّلْحُ قال وَعِنْدَنَا هو جَائِزٌ وَيَقُولُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ ليس بِحُجَّةٍ على الْمُدَّعِي كَقَوْلِ الْمُدَّعِي ليس بِحُجَّةٍ على الْمُنْكِرِ قال وقال بَعْضُهُمْ هذا الذي قَالَهُ الشَّافِعِيُّ يَكُونُ حُجَّةً في حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَكُونُ حُجَّةً على خَصْمِهِ بِوَجْهٍ انْتَهَى وَأَنْكَرَ عليه ابن السَّمْعَانِيِّ ذلك وقال عَدَمُ الدَّلِيلِ ليس بِحُجَّةٍ في مَوْضِعٍ وَاَلَّذِي ادَّعَاهُ على الشَّافِعِيِّ من مَذْهَبِهِ لَا نَدْرِي كَيْفَ وَقَعَ له وَالْمَنْقُولُ عن الْأَصْحَابِ ما قَدَّمْنَاهُ وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الصُّلْحِ على الْإِنْكَارِ فَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ فَسَادِهِ في الْخِلَافِيَّاتِ وَذَكَرَ أَيْضًا مَسْأَلَةَ الشُّفْعَةِ على هذا الْأَصْلِ وَهِيَ أَنَّ من كان في مِلْكِهِ شِقْصٌ وَبَاعَ شَرِيكُهُ نَصِيبَهُ وَأَرَادَ الشَّرِيكُ أَخْذَهُ بِالشُّفْعَةِ أو كان جَارًا على أُصُولِهِمْ فَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي الشِّقْصَ مِلْكًا قال عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَلْتَفِتُ إلَى إنْكَارِهِ وَيَثْبُتُ له الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ بِظَاهِرِ مِلْكِهِ بيده وَعِنْدَنَا ليس له حَقُّ الشُّفْعَةِ حتى يُقِيمَ الْبَيِّنَةِ أَنَّ الشِّقْصَ مِلْكُهُ قُلْت وقال الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ في بَابِ التَّيَمُّمِ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ السُّكُوتَ وَعَدَمَ النَّقْلِ دَلِيلٌ على عَدَمِ الْحُكْمِ وَلِهَذَا قال في الْمَاسِحِ
  91. على الْخُفَّيْنِ هل يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ إنْ صَحَّ حَدِيثُ عَلِيٍّ رضي اللَّهُ عنه قُلْت بِهِ في الْأَمْرِ بِالْمَسْحِ على الْجَبَائِرِ لِأَنَّهُ لم يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ فَإِنْ صَحَّ قَطَعْت الْقَوْلَ بِهِ قال فَجَعَلَ سُكُوتَهُ عن الْإِعَادَةِ دَلِيلًا على نَفْيِ وُجُوبِهَا قُلْت بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ التَّفْصِيلُ بين أَنْ يَكُونَ مِمَّا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي على نَقْلِهِ أَمْ لَا فإنه قال في تَقْدِيرِ أَنَّ خَبَرَ مَاعِزٍ حَيْثُ رُجِمَ ولم يُجْلَدْ نَاسِخٌ لِحَدِيثِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا قال فَإِنْ قال قَائِلٌ لَعَلَّهُ جَلَدَهُ وَرَجَمَهُ قِيلَ كانت قِصَّتُهُ من مَشَاهِيرِ الْقِصَصِ وَلَوْ جُلِدَ لَنُقِلَ فَإِنْ قِيلَ رُبَّ تَفْصِيلٍ في الْقَصَصِ لَا يَتَّفِقُ نَقْلُهُ وَدَوَاعِي النُّفُوسِ إنَّمَا تَتَوَفَّرُ على نَقْلِ كُلِّيَّاتِ الْقَصَصِ فَإِنْ صَحَّ في الحديث الْمُتَقَدِّمِ التَّصْرِيحُ بِالْجِلْدِ فَلَا يُعَارِضُهُ التَّعَلُّقُ بِعَدَمِ نَقْلٍ في حَدِيثٍ مع اتِّجَاهِ وَجْهٍ بِتَرْكِ النَّقْلِ فيه قال الشَّافِعِيُّ مُجِيبًا الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَالْحَقُّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعُ وَلَوْلَا أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ رَوَى عن جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم رَجَمَ مَاعِزًا ولم يَجْلِدْهُ تَعَارَضَ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ بِقِصَّةِ مَاعِزٍ انْتَهَى أَمَّا إذَا لم يُعْلَمْ على الْحُكْمِ سِوَى دَلِيلٍ وَاحِدٍ وَعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ فَهَلْ يَكُونُ عَدَمُ كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَالًّا على عَدَمِ الْحُكْمِ يَنْبَغِي أَنْ يُفَصَّلَ في ذلك بين الْحُكْمِ الْعَقْلِيِّ وَالشَّرْعِيِّ فَيُقَالُ إنْ كان ذلك الْحُكْمُ عَقْلِيًّا فإن الْعَكْسَ فيه غَيْرُ لَازِمٍ إذْ لَا يَلْزَمُ من نَفْيِ دَلِيلٍ مُعَيَّنٍ أو عِلَّةٍ مُعَيَّنَةٍ نَفْيُ الْحُكْمِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ ثَمَّ دَلِيلٌ آخَرُ أو عِلَّةٌ أُخْرَى ولم يَعْلَمْ بِهِمَا وَعَدَمُ عِلْمِنَا بِالشَّيْءِ لَا يَدُلُّ على عَدَمِهِ فلم يَحْصُلْ الْقَطْعُ وَالْيَقِينُ بِعَدَمِ ذلك الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِ ذلك الدَّلِيلِ أو تِلْكَ الْعِلَّةِ وَإِنْ كان ذلك الْحُكْمُ شَرْعِيًّا فإن الْعَكْسَ فيه لَازِمٌ لِأَنَّا مُكَلَّفُونَ في الْأُمُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ وَنَحْنُ إذَا لم نَعْلَمْ على الْحُكْمِ سِوَى دَلِيلٍ وَاحِدٍ أو عِلَّةٍ وَاحِدَةٍ غَلَبَ على الظَّنِّ عَدَمُ الْحُكْمِ من عَدَمِ ذلك الدَّلِيلِ أو عَدَمِ تِلْكَ الْعِلَّةِ وَالظَّنُّ مُتَعَبَّدٌ بِهِ في الشَّرْعِيَّاتِ بِخِلَافِ الْعَقْلِيَّاتِ فإن الْمَطْلُوبَ فيها الْقَطْعُ وَالْيَقِينُ وَأَنَّهُ غَيْرُ مَظْنُونٍ بِهِ في هذا الْمَوْطِنِ
  92. مَسْأَلَةٌ إذَا قال الْفَقِيهُ بَحَثْت وَفَحَصْت فلم أَظْفَرْ بِالدَّلِيلِ هل يُقْبَلُ منه وَيَكُونُ الِاسْتِدْلَال بِعَدَمِ الدَّلِيلِ قال الْبَيْضَاوِيُّ نعم لِأَنَّهُ يَغْلِبُ ظَنُّ عَدَمِهِ وقال ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ إنْ صَدَرَ هذا عن الْمُجْتَهِدِ في بَابِ الِاجْتِهَادِ وَالْفَتْوَى قُبِلَ منه أو في مَحَلِّ الْمُنَاظَرَةِ لَا يُقْبَلْ لِأَنَّ قَوْلَهُ بَحَثَتْ فلم أَظْفَرْ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ عُذْرًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى أَمَّا انْتِهَاضُهُ في حَقِّ خَصْمِهِ فَلَا لِأَنَّهُ يَدْعُو نَفْسَهُ إلَى مَذْهَبِ خَصْمِهِ وَقَوْلُهُ لم أَظْفَرْ بِهِ إظْهَارُ عَجْزٍ وَلَا يَحْسُنُ قَبُولُهُ فَيَجِبُ على خَصْمِهِ إظْهَارُ الدَّلِيلِ إنْ كان وَهَذَا التَّفْصِيلُ هو حَاصِلٌ ما ذَكَرَهُ إلْكِيَا على طُولٍ فيه بَعْدَ أَنْ قَيَّدَ الْجَوَازَ عَدَمُ التَّعَلُّقِ بِالدَّلِيلِ بِشَرْطِ الْإِحَاطَةِ بِمَآخِذِ الْأَدِلَّةِ إمَّا من جِهَةِ الْعِبَارَةِ أو غَيْرِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَى مُحَرَّمًا على طَاعِمٍ فَجَعَلَ عَدَمَ الْوَحْيِ في الْأَمْرِ دَلِيلًا إذْ هو عَالِمٌ بِالْعَدَمِ وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ اشْتَهَرَتْ بين الْمُتَأَخِّرِينَ يَسْتَدِلُّونَ بها في مَسَائِلَ لَا تُحْصَى في طُرُقِ النَّفْيِ وهو أَنْ يَقُولَ هذا الْحُكْمُ غَيْرُ ثَابِتٍ لِأَنَّهُ لو ثَبَتَ لَثَبَتَ بِدَلِيلٍ وَلَا دَلِيلَ لِأَنَّهُ إمَّا نَصٌّ أو إجْمَاعٌ أو قِيَاسٌ وَالْأَوَّلُ مُنْتَفٍ لِأَنَّهُ لو كان عن نَصٍّ لَنُقِلَ ولم يُنْقَلْ وَلَوْ نُقِلَ لَعَرَفْنَاهُ بَعْدَ الْبَحْثِ وَالْفَحْصِ التَّامِّ وَالْإِجْمَاعُ مُنْتَفٍ لِوُجُودِ الْخِلَافِ بَيْنَنَا وَالْقِيَاسُ مُنْتَفٍ لِقِيَامِ الْفَارِقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَصْلِ الذي هو قِيَاسُ عِلَّةِ الْخَصْمِ وَنَازَعَ الْقَاضِي نَجْمُ الدِّينِ الْقُدْسِيُّ صَاحِبُ الرُّكْنِ الطَّاوُسِيُّ في كِتَابِهِ الْفُصُولِ بِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الِاطِّلَاعِ على جَمِيعِ النُّصُوصِ من الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ثُمَّ إلَى مَعْرِفَةِ جَمِيعِ وُجُوهِ الدَّلَالَات وَهَذَا أَمْرٌ لَا يُسْتَطَاعُ لِلْبَشَرِ وَأَسْرَارُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ كَثِيرَةٌ وَمَظَانُّهَا دَقِيقَةٌ وَعُقُولُ الناس في فَهْمِهَا مُخْتَلِفَةٌ حتى إنَّ منهم من يَتَكَلَّمُ على الْآيَةِ الْوَاحِدَةِ أو الحديث الْوَاحِدِ مُجَلَّدَاتٍ كَثِيرَةً في فَوَائِدِهَا وَدَلَالَتِهَا وَمَعَ ذلك لَا يَنْتَهِي وَلِذَلِكَ قال النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم في الْقُرْآنِ هو الذي لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ فَلَا يُمْكِنُ الْإِنْسَانُ عِلْمَ عَدَمِ النَّصِّ الدَّالِّ على
  93. نَفْيِ الْحُكْمِ إلَّا إذَا عَلِمَ ذلك كُلَّهُ وهو مُسْتَحِيلٌ وَلَوْ فُرِضَ عِلْمُهُ بِهِ لَغَفَلَ عنه في بَعْضِ الْأَوْقَاتِ كما رَوَوْا أَنَّ عُمَرَ رضي اللَّهُ عنه أَنْكَرَ الْمُغَالَاةَ في الْمَهْرِ حتى قالت له الْمَرْأَةُ كَيْفَ مُنِعْنَاهُ وقد أَعْطَانَا اللَّهُ ثُمَّ قَرَأْت وَآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا منه شيئا وَلَا شَكَّ أَنَّ عُمَرَ رضي اللَّهُ عنه كان حَافِظًا لِلْآيَةِ عَالِمًا بها وَلَكِنْ ذَهَبَتْ عنه ذلك الْوَقْتَ فَعَلِمَ أَنَّ ذلك عَسِرٌ جِدًّا فَكَيْفَ يَصِيرُ قَوْلُهُ بَحَثْتُ فلم أَجِدْ دَلِيلًا وقد يَكُونُ عِلْمُهُ قَلِيلًا وَفَهْمُهُ نَاقِصًا وَقَوْلُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ فَلَعَلَّهُ وَجَدَ وَكَتَمَ خَوْفًا أو غَيْرَهُ وفي تَجْوِيزِ ذلك فَسَادٌ عَظِيمٌ انْتَهَى مُلَخَّصًا وقال الْحَوَارِيُّ في النِّهَايَةِ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ يَتَكَايَسُ وَيَقُولُ الدَّلِيلُ على أَنَّهُ لَا نَصَّ هَاهُنَا أَنَّهُ لو كان لَعَثَرَ عليه صَاحِبُ الْمَذْهَبِ مع مُبَالَغَتِهِ في الْبَحْثِ وَعِلْمِهِ بِمَوَارِدِ النُّصُوصِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا عَثَرَ على النَّصِّ لَا يُخَالِفُهُ وَهَذَا قَرِيبٌ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي نَفْيَ الْحُكْمِ قَطْعًا بَلْ ظَنًّا فَيَكْفِيهِ نَفْيُ الدَّلِيلِ ظَاهِرًا إنْ تَمَسَّكَ بِالْقِيَاسِ النَّافِي لِلْحُكْمِ شَرْعُ من قَبْلَنَا وَيَشْتَمِلُ على مَسْأَلَتَيْنِ إحْدَاهُمَا فِيمَا كان النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم مُتَعَبِّدًا بِهِ قبل الْبَعْثَةِ وقد اخْتَلَفُوا في ذلك على مَذَاهِبَ أَحَدُهَا أَنَّهُ كان مُتَعَبِّدًا بِشَرْعٍ قَطْعًا ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ كان على شَرِيعَةِ آدَمَ عليه السَّلَامُ لِأَنَّهُ أَوَّلُ الشَّرَائِعِ وَقِيلَ نُوحٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى شَرَعَ لَكُمْ من الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحًا قِيلَ إبْرَاهِيمُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى إنَّ أَوْلَى الناس بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَحَكَاهُ الرَّافِعِيُّ في كِتَابِ السِّيَرِ عن صَاحِبِ الْبَيَانِ وَأَقَرَّهُ وقال الْوَاحِدِيُّ إنَّهُ الصَّحِيحُ قال ابن الْقُشَيْرِيّ في الْمُرْشِدِ وَعُزِّيَ لِلشَّافِعِيِّ وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَبِهِ نَقُولُ وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ عن أَكْثَرِ أَصْحَابِ أبي حَنِيفَةَ وَإِلَيْهِ أَشَارَ أبو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ وَقِيلَ على شَرِيعَةِ مُوسَى وَقِيلَ عِيسَى لِأَنَّهُ أَقْرَبُ الْأَنْبِيَاءِ إلَيْهِ وَلِأَنَّهُ النَّاسِخُ
  94. الْمُتَأَخِّرُ وَبِهِ جَزَمَ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ فِيمَا حَكَاهُ الْوَاحِدِيُّ عنه لَكِنْ قال ابن الْقُشَيْرِيّ في الْمُرْشِدِ مَيْلُ الْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ إلَى أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا صلى اللَّهُ عليه وسلم كان على شَرْعٍ من الشَّرَائِعِ وَلَا يُقَالُ كان من أُمَّةِ ذَاكَ النبي كما يُقَالُ كان على شَرْعِهِ انْتَهَى وَقِيلَ كان مُتَعَبِّدًا بِشَرِيعَةِ كل من كان قَبْلَهُ إلَّا ما نُسِخَ وَانْدَرَسَ حَكَاهُ صَاحِبُ الْمُلَخَّصِ وَقِيلَ يَتَعَبَّدُ لَا مُلْتَزِمًا دِينًا وَاحِدًا من الْمَذْكُورِينَ حَكَاهُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ وَقِيلَ كان مُتَعَبِّدًا بِشَرْعٍ وَلَكِنَّا لَا نَدْرِي بِشَرْعِ من تَعَبَّدَ حَكَاهُ ابن الْقُشَيْرِيّ وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي أَنَّهُ لم يَكُنْ قبل الْبَعْثَةِ مُتَعَبِّدًا بِشَيْءٍ منها قَطْعًا وَحَكَاهُ في الْمَنْخُولِ عن إجْمَاعِ الْمُعْتَزِلَةِ وقال الْقَاضِي في مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ وابن الْقُشَيْرِيّ هو الذي صَارَ إلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْمُتَكَلِّمِينَ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فقالت الْمُعْتَزِلَةُ بِإِحَالَةِ ذلك عَقْلًا إذْ لو تَعَبَّدَ بِاتِّبَاعِ أَحَدٍ لَكَانَ عَصَى من مَبْعَثِهِ بَلْ كان على شَرِيعَةِ الْعَقْلِ قال ابن الْقُشَيْرِيّ وَهَذَا بَاطِلٌ إذْ ليس لِلْعَقْلِ شَرِيعَةٌ وَذَهَبَتْ عُصْبَةُ أَهْلِ الْحَقِّ إلَى أَنَّهُ لم يَقَعْ وَلَكِنَّهُ مُمْتَنِعٌ عَقْلًا قال الْقَاضِي وَهَذَا نَرْتَضِيهِ وَنَنْصُرُهُ لِأَنَّهُ لو كان على دَيْنٍ لَنُقِلَ وَلَذَكَرَهُ عليه السَّلَامُ إذْ لَا يُظَنُّ بِهِ الْكِتْمَانُ وَعَارَضَ ذلك إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وقال لو لم يَكُنْ على دِينٍ أَصْلًا لَنُقِلَ فإن ذلك أَبْعَدُ عن الْمُعْتَادِ مِمَّا ذَكَرَهُ الْقَاضِي قال فَقَدْ تَعَارَضَ الْأَمْرَانِ وَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ كانت الْعَادَةُ انْخَرَقَتْ في أُمُورِ الرَّسُولِ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ منها انْصِرَافُ هَمِّ الناس عن أَمْرِ دِينِهِ وَالْبَحْثِ عنه وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ التَّوَقُّفُ وَبِهِ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن الْقُشَيْرِيِّ وَإِلْكِيَا وَالْآمِدِيُّ وَالشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى في الذَّرِيعَةِ وَاخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ في الرَّوْضَةِ إذْ ليس فيه دَلَالَةُ عَقْلٍ وَلَا ثَبَتَ فيه نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ وقال ابن الْقُشَيْرِيّ في الْمُرْشِدِ كُلُّ هذه أَقْوَالٌ مُتَعَارِضَةٌ وَلَيْسَ فيها دَلَالَةٌ قَاطِعَةٌ وَالْعَقْلُ يُجَوِّزُ ذلك لَكِنْ أَيْنَ السَّمْعُ فيه ثُمَّ الْوَاقِفِيَّةُ انْقَسَمُوا فَقِيلَ نَعْلَمُ أَنَّهُ كان مُتَعَبَّدًا وَنَتَوَقَّفُ في عَيْنِ ما كان مُتَعَبِّدًا بِهِ وَمِنْهُمْ من تَوَقَّفَ في الْأَصْلِ فَجَوَّزَ أَنْ يَكُونَ وَأَلَّا يَكُونَ تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ الْخِلَافُ في الْفُرُوعِ أَمَّا في الْأُصُولِ فَدِينُ الْأَنْبِيَاءِ كلهم وَاحِدٌ على التَّوْحِيدِ وَمَعْرِفَةِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ
  95. الثَّانِي قال الْعِرَاقِيُّ في شَرْحِ التَّنْقِيحِ الْمُخْتَارُ في هذه الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُقَالَ مُتَعَبِّدٌ بِكَسْرِ الْبَاءِ على أَنَّهُ اسْمُ فَاعِلٍ أَيْ إنَّهُ عليه السَّلَامُ كان كما قِيلَ في سِيرَتِهِ يَنْظُرُ إلَى ما عليه الناس فَيَجِدُهُمْ على طَرِيقَةٍ لَا تَلِيقُ بِصَانِعِ الْعَالَمِ فَكَانَ يَخْرُجُ إلَى غَارِ حِرَاءَ يَتَعَبَّدُ حتى بَعَثَهُ اللَّهُ أَمَّا بِفَتْحِهَا فَيَقْتَضِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَعَبَّدَهُ بِشَرِيعَةٍ سَابِقَةٍ وَذَلِكَ يَأْبَاهُ حِكَايَتُهُمْ الْخِلَافَ هل كان مُتَعَبِّدًا بِشَرِيعَةِ مُوسَى أو عِيسَى فإن شَرَائِعَ بَنِي إسْرَائِيلَ لم تَتَعَدَّ إلَى بَنِي إسْمَاعِيلَ بَلْ كان كُلُّ نَبِيٍّ بين مُوسَى وَعِيسَى يُبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ فَلَا تَتَعَدَّى رِسَالَتُهُ قَوْمَهُ حتى نَقَلَ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ مُوسَى عليه السَّلَامُ لم يُبْعَثْ إلَى أَهْلِ مِصْرَ بَلْ لِبَنِي إسْرَائِيلَ وَلِيَأْخُذَهُمْ من الْقِبْطِ من يَدِ فِرْعَوْنَ وَلِذَلِكَ لَمَّا جَاوَزَ الْبَحْرَ لم يَرْجِعْ إلَى مِصْرَ لِتَعُمَّ فيها شَرِيعَتُهُ بَلْ أَعْرَضَ عَنْهُمْ إعْرَاضًا كُلِّيًّا وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ اللَّهُ تَعَالَى تَعَبَّدَ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا صلى اللَّهُ عليه وسلم بِشَرِيعَتِهِمَا أَلْبَتَّةَ فَبَطَلَ قَوْلُنَا أَنَّهُ كان مُتَعَبِّدًا بِفَتْحِ الْبَاءِ بَلْ بِكَسْرِهَا وَهَذَا بِخِلَافِ ما بَعْدَ نُبُوَّتِهِ فإن اللَّهَ تَعَالَى تَعَبَّدَهُ بِشَرْعِ من قَبْلَهُ على الْخِلَافِ بِنُصُوصٍ خَاصَّةٍ فَيَسْتَقِيمُ الْفَتْحُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ دُونَ ما قَبْلَهَا وَكَلَامُ الْآمِدِيَّ يَقْتَضِي خِلَافَ ذلك فإنه قال غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ في الْعُقُولِ أَنْ يَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى مَصْلَحَةَ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ في تَكْلِيفِهِ شَرِيعَةَ من قَبْلَهُ وَهَذَا يَقْتَضِي فَتْحَ الْبَاءِ ولم نَرَ لِغَيْرِهِ تَعَرُّضًا لِذَلِكَ قُلْت قد وَقَعَ ذلك في عِبَارَةِ غَيْرِهِ كما سَبَقَ الثَّالِثُ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هذه الْمَسْأَلَةُ لَا يَظْهَرُ لها فَائِدَةٌ بَلْ تَجْرِي مَجْرَى التَّوَارِيخِ الْمَنْقُولَةِ وَوَافَقَهُ الْمَازِرِيُّ وَالْإِبْيَارِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَيُمْكِنُ أَنْ يَظْهَرَ في إطْلَاقِ النَّسْخِ على ما تَعَبَّدَ بِهِ بِوُرُودِ شَرِيعَتِهِ الْمُؤَيِّدَةِ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ في أَنَّهُ هل تَعَبَّدَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ بِشَرْعِ من قَبْلَهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَمْ كان مَنْهِيًّا عنها وَالْبَحْثُ هُنَا مع الْقَائِلِينَ بِالتَّعَبُّدِ قَبْلَهُ وَأَمَّا من نَفَاهُ ثَمَّ فَقَدْ نَفَاهُ هَاهُنَا بِالْأَوْلَى على مَذَاهِبَ أَحَدُهَا أَنَّهُ لم يَكُنْ مُتَعَبِّدًا بَلْ كان مَنْهِيًّا عنها وَحَكَاهُ ابن السَّمْعَانِيِّ عن أَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَجَمَاعَةٍ من أَصْحَابِنَا وَمِنْ الْحَنَفِيَّةِ وهو آخَرُ قَوْلَيْ الشَّيْخِ أبي إِسْحَاقَ كما قَالَهُ في اللُّمَعِ وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ في آخَرِ عُمْرِهِ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ إنَّهُ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ وَكَذَا قال الْخُوَارِزْمِيُّ في الْكَافِي لِأَنَّهُ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ لم يُرْشِدْهُ بَلْ ذَكَرَ له الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالِاجْتِهَادَ وَنَصَرَهُ الصَّيْرَفِيُّ في الدَّلَائِلِ قال وَأَمَّا
  96. حَدِيثُ كان يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لم يَنْزِلْ عليه فَإِنْ صَحَّ فَهُوَ مَحْمُولٌ على الِاخْتِيَارِ لَا الْوُجُوبِ انْتَهَى وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ قال بَعْضُهُمْ وَإِنَّمَا ذلك لِأَنَّهُمْ كَانُوا على بَقِيَّةٍ من دِينِ الرُّسُلِ فما تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ لم يُحَرِّفُوهُ وَلَا بَدَّلُوهُ فَأَحَبَّ مُوَافَقَتَهُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ ثُمَّ قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَبِّدٍ بها وَلَا مَنْهِيٍّ عنها وقال النَّوَوِيُّ في زَوَائِدِهِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ ليس بِشَرْعٍ لنا لَكِنْ نَقَلَ ابن الرِّفْعَةِ عن النَّصِّ خِلَافَهُ وقال ابن حَزْمٍ إنَّهُ الصَّحِيحُ قال وَلَقَدْ قَبَّحَ إسْمَاعِيلُ بن إِسْحَاقَ الْقَاضِي من الْمَالِكِيَّةِ في قَوْلِهِ إنَّ رَجْمَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم الْيَهُودِيَّيْنِ الزَّانِيَيْنِ تَعَبُّدٌ بِمَا في التَّوْرَاةِ قال وَهَذَا قَرِيبٌ من الْكُفْرِ وقال في كِتَابِهِ الْإِعْرَابِ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِشَيْءٍ من شَرَائِعِهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ وَالْآمِدِيَّ الْمَذْهَبُ الثَّانِي أَنَّهُ كان مُتَعَبِّدًا بِاتِّبَاعِهَا إلَّا ما نُسِخَ منها وَنَقَلَهُ ابن السَّمْعَانِيِّ عن أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَعَنْ أَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ وَطَائِفَةٍ من الْمُتَكَلِّمِينَ وقال ابن الْقُشَيْرِيّ هو الذي صَارَ إلَيْهِ الْفُقَهَاءُ وقال سُلَيْمٌ أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ أَوَّلًا في التَّبْصِرَةِ وَاخْتَارَهُ ابن بَرْهَانٍ وقال إنَّهُ قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ عن مُحَمَّدِ بن الْحَسَنِ قال وَلِذَلِكَ اسْتَدَلَّ بِقِصَّةِ صَالِحٍ النبي عليه السَّلَامُ وَقَوْمِهِ في شُرْبِ النَّاقَةِ على إجَازَةِ الْمُهَايَأَةِ وقال الْخَفَّافُ في شَرْحِ الْخِصَالِ شَرَائِعُ من قَبْلَنَا وَاجِبَةٌ عَلَيْنَا إلَّا في خَصْلَتَيْنِ إحْدَاهُمَا أَنْ يَكُونَ شَرْعُنَا نَاسِخًا لها أو يَكُونُ في شَرَعْنَا ذِكْرٌ لها فَعَلَيْنَا اتِّبَاعُ ما كان من شَرْعِنَا وَإِنْ كان في شَرْعِهِمْ مُقَدَّمًا انْتَهَى وَاخْتَارَهُ ابن الْحَاجِبِ وهو مَعْنَى قَوْلِهِ إذَا وَجَدْنَا حُكْمًا في شَرْعِ من قَبْلَنَا ولم يَرِدْ في شَرَعْنَا نَاسِخٌ له لَزِمَهُ التَّعَلُّقُ بِهِ قال ابن السَّمْعَانِيِّ وقد أَوْمَأَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ في بَعْضِ كُتُبِهِ قُلْت وقال ابن الرِّفْعَةِ في الْمَطْلَبِ إنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عليه في الْأُمِّ في كِتَابِ الْإِجَارَةِ وَأَنَّهُ أَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ في الْحَاوِي انْتَهَى
  97. وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ مَيْلٌ إلَى هذا وَبَنَى عليه أَصْلًا من أُصُولِهِ في كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ وَتَابَعَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ وقال في النِّهَايَةِ وقد اسْتَأْنَسَ الشَّافِعِيُّ لِصِحَّةِ الضَّمَانِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلِمَنْ جاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ فَكَانَ الْحَمْلُ في مَعْنَى الْجِعَالَةِ لِمَنْ يُنَادِي في الْعِيرِ بِالصُّوَاعِ وَلَعَلَّهُ كان مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ وَتَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِهِ وقال أَيْضًا في كِتَابِ الضَّمَانِ فِيمَنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ مِائَةَ سَوْطٍ فَضَرَبَهُ بِالْعُثْكُولِ إنَّهُ يَبْرَأُ لِقِصَّةِ أَيُّوبَ عليه السَّلَامُ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ على أَنَّ هذه الْآيَةَ مَعْمُولٌ بها في مِلَّتِنَا وَالسَّبَبُ فيه أَنَّ الْمِلَلَ لَا تَخْتَلِفُ في مُوجِبِ الْأَلْفَاظِ وَفِيمَا يَقَعُ بِرًّا وَحِنْثًا وَثَبَتَ عن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سَجَدَ في سُورَةِ ص وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ فَاسْتَنْبَطَ التَّشْرِيعَ من هذه الْآيَةِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَسَعِيدُ بن مَنْصُورٍ وقال أبو بَكْرٍ عبد الْوَهَّابِ إنَّهُ الذي تَقْتَضِيهِ أُصُولُ مَالِكٍ وَكَذَا قال الْقُرْطُبِيُّ ذَهَبَ إلَيْهِ مُعْظَمُ أَصْحَابِنَا وقال ابن الْعَرَبِيِّ في الْقَبَسِ نَصَّ عليه مَالِكٌ في كِتَابِ الدِّيَاتِ من الْمُوَطَّإِ وَلَا خِلَافَ عِنْدَهُ فيه وإذا قُلْنَا بِأَنَّهُ شَرْعٌ لنا فَقِيلَ شَرْعُ إبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عليه وَحْدَهُ وَقِيلَ شَرْعُ مُوسَى عليه السَّلَامُ شَرْعُنَا إلَّا ما نُسِخَ بِشَرِيعَةِ عِيسَى وَقِيلَ شَرِيعَةُ عِيسَى وَحْدَهُ حَكَاهُ الشَّيْخُ في اللُّمَعِ وَالْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ وَغَيْرُهُمَا وَنَقَلَا الْخِلَافَ بِعَيْنِهِ في الْمِلَّتَيْنِ وقال الْمَاوَرْدِيُّ في الْحَاوِي ما تَضَمَّنَتْهُ شَرَائِعُ من قَبْلَنَا فِيمَا لم يَقُصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنَا في كِتَابِهِ لَا يَلْزَمُنَا حُكْمُهُ لِانْتِقَاءِ الْعِلْمِ بِصِحَّتِهِ وَأَمَّا ما قَصَّهُ عَلَيْنَا في كِتَابِهِ لَزِمَنَا فيه شَرَائِعُ إبْرَاهِيمَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ثُمَّ أَوْحَيْنَا إلَيْك أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ وفي لُزُومِ ما شَرَعَهُ غَيْرُهُ من الْأَنْبِيَاءِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا يَلْزَمُهُ لِكَوْنِهِ حَقًّا ما لم يَقُمْ دَلِيلٌ على نَسْخِهِ والثاني لَا يَلْزَمُ لِكَوْنِ أَصْلِهِ مَنْسُوخًا انْتَهَى وما ذَكَرَهُ من الْوِفَاقِ على إبْرَاهِيمَ ذَكَرَهُ الْقَاضِي ابن كَجٍّ في أَوَّلِ كِتَابِ التَّجْرِيدِ فقال اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في شَرَائِعِ من قَبْلَنَا هل تَلْزَمُنَا ولم يَخْتَلِفُوا في أَنَّ شَرِيعَةَ إبْرَاهِيمَ لَازِمَةٌ لنا وقال في كِتَابِهِ الْأُصُولِ إذَا ثَبَتَ في شَرِيعَةِ مُوسَى شَيْءٌ هل يَجُوزُ بَعْدَ بَعْثِ مُحَمَّدٍ صلى اللَّهُ عليه وسلم التَّمَسُّكُ بِهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا يَجِبُ عَلَيْنَا الِاقْتِدَاءُ بِشَرَائِعِهِمْ إلَى أَنْ يَمْنَعَ من ذلك شَرْعُنَا وَالثَّانِي لَا اقْتِدَاءَ إلَّا بِشَرِيعَةِ إبْرَاهِيمَ قال ابن الْقَطَّانِ كان أبو الْعَبَّاسِ بن سُرَيْجٍ يقول ما حَكَى اللَّهُ في كِتَابِهِ عَنْهُمْ فَهُوَ حَقٌّ
  98. وهو وَاجِبٌ في شَرِيعَتِنَا إلَّا أَنْ يُغَيَّرَ عنه وقد كان سَائِرُ أَصْحَابِنَا يَقُولُونَ ما حُكِيَ لنا عَنْهُمْ مِمَّا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ من الْمُسْتَفِيضِ وَالْمُتَوَاتِرِ سَوَاءٌ في أَنَّهُ على وَجْهَيْنِ انْتَهَى الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ أَنَّهُ لم يَتَعَبَّدْ فيها بِأَمْرِ وَلَا نَهْيٍ حَكَاهُ ابن السَّمْعَانِيِّ الْمَذْهَبُ الرَّابِعُ الْوَقْفُ حَكَاهُ ابن الْقُشَيْرِيّ وَحَكَى ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ عن أبي زَيْدٍ أَنَّ ما أَخْبَرَ اللَّهُ عن الْأَنْبَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ كَقِسْمَةِ الْمُهَايَأَةِ في قَوْله تَعَالَى وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ وَقَوْلُهُ وَلِمَنْ جاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ وَقَوْلُهُ وَكَتَبْنَا عليهم فيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ قال فَهَذَا يَكُونُ شَرْعُنَا لِأَنَّهُ مَصُونٌ عن التَّحْرِيفِ وَهَذَا لَا يَصْلُحُ جَعْلُهُ مَذْهَبًا بِالتَّفْصِيلِ لِاقْتِضَائِهِ أَنَّ الْقَائِلَ بِأَنَّهُ شَرْعٌ بِقَوْلِهِ وَإِنْ احْتَمَلَ التَّبْدِيلَ وهو لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْعَلُ الْمَنْقُولُ عَنْهُمْ عَمَّا في الْقُرْآنِ خَاصَّةً كما هو ظَاهِرُ عِبَارَةِ الْمَاوَرْدِيِّ السَّابِقَةِ فَيَجِيءُ حِينَئِذٍ التَّفْصِيلُ إلَّا أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِهَذَا التَّخْصِيصِ وَلِهَذَا قال الْقُرْطُبِيُّ فِيمَا إذَا بَلَغْنَا شَرْعُ من تَقَدَّمَنَا على لِسَانِ الرَّسُولِ أو لِسَانِ من أَسْلَمَ كَعَبْدِ اللَّهِ بن سَلَامٍ وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ ولم يَكُنْ ذلك مَنْسُوخًا وَلَا مَخْصُوصًا بِأَحَدٍ انْتَهَى قُلْت وَيَلْحَقُ بِهِمْ النَّجَاشِيُّ وقد رَوَى ابن حِبَّانَ في صَحِيحِهِ عن عَامِرِ بن شَهْرٍ قال كَلِمَتَانِ سَمِعَتْهُمَا ما أُحِبُّ أَنَّ لي بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا الدُّنْيَا وما فيها إحْدَاهُمَا من النَّجَاشِيِّ وَالْأُخْرَى من النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَأَمَّا التي سَمِعْتُهَا من النَّجَاشِيِّ فَإِنَّا كنا عِنْدَهُ إذْ جَاءَهُ ابْنٌ له من الْكِتَابِ يَعْرِضُ لَوْحَهُ قال وَكُنْت أَفْهَمُ بَعْضَ كَلَامِهِمْ فَمَرَّ بِأَيَّةٍ فَضَحِكْت فقال ما الذي أَضْحَكَك وَاَلَّذِي نَفْسِي بيده لَأُنْزِلَتْ من عِنْدِ ذِي الْعَرْشِ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قال إنَّ اللَّعْنَةَ تَكُونُ في الْأَرْضِ إذَا كانت إمَارَةُ الصَّبِيَّانِ وَاَلَّذِي سَمِعْتُهُ من النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم يقول اسْمَعُوا من قُرَيْشٍ وَدَعُوا فِعْلَهُمْ قُلْت وقد فَرَّقَهُ أبو دَاوُد فَرَوَى أَوَّلَهُ في كِتَابِ الْجِرَاحِ وَبَاقِيَهُ في كِتَابِ السُّنَّةِ وقال فيه ابن عبد الْبَرِّ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَرَوَى عبد اللَّهِ بن الْمُبَارَكِ عن عبد الرحمن بن يَزِيدَ ==
  99. ===============ج 22 ج22. ===========
  100. مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة

  101. ج22. كتاب : البحر المحيط في أصول الفقه
  102. المؤلف : بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي
  103. عن عبد الرحمن رَجُلٌ من أَهْلِ صَنْعَاءَ قال أَرْسَلَ النَّجَاشِيُّ ذَاتَ يَوْمٍ وَرَاءَ أَصْحَابِهِ فَدَخَلُوا عليه وقد جَلَسَ على التُّرَابِ وَلَبِسَ الْخُلْقَانَ فَبَشَّرَهُمْ بِنُصْرَةٍ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِبَدْرٍ فَسَأَلُوهُ عن جُلُوسِهِ على هذه الْحَالَةِ فقال إنَّا نَجِدُ في كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى الذي أَنْزَلَهُ على عِيسَى صلى اللَّهُ عليه وسلم إنَّ حَقًّا على عِبَادِ اللَّهِ أَنْ يُحْدِثُوا لِلَّهِ تَوَاضُعًا عِنْدَ كل ما أَحْدَثَ لهم من نِعْمَةٍ فلما أَحْدَثَ اللَّهُ نَصْرَ نَبِيِّهِ أَحْدَثْت لِلَّهِ هذا التَّوَاضُعَ وَرَوَى الْحَاكِمُ في الْمُسْتَدْرَكِ عن عِكْرِمَةَ عن ابْنِ عَبَّاسٍ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قال مَكْتُوبٌ في التَّوْرَاةِ من سَرَّهُ أَنْ تَطُولَ حَيَاتُهُ وَيَزْدَادُ في رِزْقِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ وقال حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ ولم يُخْرِجَاهُ بِهَذِهِ السِّيَاقَةِ وَالْقَوْلُ بِجَرَيَانِ هذا في أَخْبَارِ من لم يَطَّلِعْ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم عليه بَعِيدٌ وقال إلْكِيَا ما حَاصِلُهُ الْمُرَادُ بِشَرْعِ ما قَبْلَنَا ما حَكَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَنْهُمْ أَمَّا الْمَوْجُودُ بِأَيْدِيهِمْ فَمَمْنُوعٌ اتِّبَاعُهُ بِلَا خِلَافٍ قال وَعِلَّةُ الْمَنْعِ إمَّا لِتُهْمَةِ التَّحْرِيفِ وَإِمَّا لِتَحَقُّقِ النَّسْخِ قال وَوَقَعَ الْإِجْمَاعُ على أَحَدِ هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ وَتَظْهَرُ فَائِدَتُهُمَا فِيمَا حَكَاهُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ من شَرْعِهِمْ فَإِنْ قُلْنَا التُّهْمَةُ التَّحْرِيفُ فَلَا يُتَّجَهُ وَإِنْ قُلْنَا لِتَحَقُّقِ النَّسْخِ اطَّرَدَ ذلك في الْمَحْكِيِّ وَغَيْرِهِ قُلْت وَلِهَذَا فَصَّلَ أبو زَيْدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ ما سَبَقَ تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ قال الْمُقْتَرِحُ هذا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ على أَنَّ كُلَّ شَرِيعَةٍ لَمَّا وَرَدَتْ كانت خَاصَّةً أو كانت عَامَّةً فَاَلَّذِي فَصَّلَ يُقَدِّرُ أَنْ تَكُونَ عَامَّةً وَهَلْ انْدَرَسَتْ أَمْ لَا وَاَلَّذِي يَدَّعِي أنها شَرْعٌ لنا يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ أنها حَيْثُ وَرَدَتْ دَامَتْ ولم تَنْدَرِسْ وقال ابن بَرْهَانٍ هو مَبْنِيٌّ على أَنَّ نَفْسَ بَعْثَةِ الْأَنْبِيَاءِ لَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ نَاسِخَةً وَمُغَيِّرَةً وَعِنْدَهُمْ تَصْلُحُ لِذَلِكَ الثَّانِي قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَغَيْرُهُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ في هذه الْمَسْأَلَةِ تَظْهَرُ في حَادِثَةٍ ليس فيها نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ وَلَهَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ مَعْلُومٌ في شَرْعٍ قبل هذا الشَّرْعِ هل يَجُوزُ الْأَخْذُ بِهِ أَمْ لَا وَمِنْ فُرُوعِهِ ما إذَا تَعَذَّرَ الِاطِّلَاعُ على حُكْمِ ما يَحِلُّ أَكْلُهُ وَيَحْرُمُ وَثَبَتَ تَحْرِيمُهُ بِشَرْعٍ سَابِقٍ بِنَصٍّ أو شَهَادَةٍ فَقَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّا نَسْتَصْحِبُهُ
  104. حتى يَظْهَرَ نَاسِخٌ وَنَاقِلٌ وأصحهما لَا بَلْ يُعْمَلُ بِظَاهِرِ الْآيَةِ من الْحِلِّ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَلَوْ اخْتَلَفَ فيه فَفِي الْحَاوِي لِلْمَاوَرْدِيِّ إنَّمَا يُعْتَبَرُ حُكْمُهُ في أَقْرَبِ الشَّرَائِعِ بِالزَّمَنِ لِلْإِسْلَامِ وَإِنْ اخْتَلَفُوا فَوَجْهُهَا تَعَارُضُ الْأَشْبَاهِ الثَّالِثُ قال الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ ليس تَحْقِيقُ الْخِلَافِ أَنْ يَقُولَ الْمُخَالِفُ إنَّهُ قد أُمِرَ بِمِثْلِ شَرْعِ من تَقَدَّمَ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يُنْكِرُ هذا فَإِنْ كان هذا قَوْلَ الْمُخَالِفِينَ فإنه وَرَدَ عليه أَمْرٌ مُسْتَأْنَفٌ مُبْتَدَأٌ مُوَافِقٌ لِشَرْعِ من قَبْلَهُ فَقَدْ وَافَقُوا على الْمَعْنَى وَإِنَّمَا الْخِلَافُ في أَنَّهُ هل يَلْزَمُهُ بَعْدَ الْمَبْعَثِ الْعَمَلُ بِشَرِيعَةِ من قَبْلَهُ على وَجْهِ الِاتِّبَاعِ لِنَبِيٍّ قَبْلَهُ وَفَرْضِ لُزُومِ دَعْوَتِهِ قال الْقَاضِي فَهَذَا هو الْبَاطِلُ الذي نُنْكِرُهُ الرَّابِعُ إذَا قُلْنَا بِاسْتِصْحَابِ شَرْعِ من قَبْلَنَا فَلَهُ ثَلَاثُ شُرُوطٍ أَحَدُهَا أَنْ يَصِحَّ النَّقْلُ بِطَرِيقَةِ أَنَّهُ شَرْعُهُمْ وَذَلِكَ بِأَرْبَعِ طُرُقٍ إمَّا بِالْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً أو تَصْحِيحُ السُّنَّةِ كما اسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ الْغَارِ على صِحَّةِ بَيْعِ الْفُضُولِيِّ وَشِرَائِهِ أو ثَبَتَ نَقْلٌ بِطَرِيقِ التَّوَاتُرِ الذي لَا يُمْكِنُ الْغَلَطُ فيه وَلَا يُشْتَرَطُ فيه الْإِيمَانُ على ما سَبَقَ في بَابِ الْخَبَرِ هذا هو الذي يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ لَكِنَّ الظَّاهِرَ خِلَافُهُ وَلِهَذَا قال الرَّافِعِيُّ في كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ لَا يُعْتَمَدُ قَوْلُ أَهْلِ الْكِتَابِ وَإِمَّا بِأَنْ يَشْهَدَ بِهِ اثْنَانِ أَسْلَمَا منهم مِمَّنْ يَعْرِفُ الْمُبْدَلَ الشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ لَا تَخْتَلِفَ في تَحْرِيمِ ذلك وَتَحْلِيلِهِ شَرِيعَتَانِ فَإِنْ اخْتَلَفَتَا كَأَنْ كان ذلك حَرَامًا في شَرِيعَةِ إبْرَاهِيمَ وَحَلَالًا في شَرِيعَةِ غَيْرِهِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُؤْخَذَ بِالْمُتَأَخِّرِ وَيُحْتَمَلُ التَّخْيِيرُ وَإِنْ لم نَقُلْ بِأَنَّ الثَّانِيَ نَاسِخٌ لِلْأَوَّلِ فَإِنْ ثَبَتَ كَوْنُ الثَّانِي نَاسِخًا وَجُهِلَ كَوْنُهُ حَرَامًا في الدِّينِ السَّابِقِ أو اللَّاحِقِ تُوَقِّفَ وَيُحْتَمَلُ الرُّجُوعُ إلَى الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ الشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ التَّحْرِيمُ وَالتَّحْلِيلُ ثَابِتًا قبل تَحْرِيفِهِمْ وَتَبْدِيلِهِمْ فَإِنْ اسْتَحَلُّوا وَحَرَّمُوا بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّحْرِيفِ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ أَلْبَتَّةَ الْخَامِسُ هذا كُلُّهُ في فُرُوعِ الدِّينِ فَأَمَّا الْعَقَائِدُ فَهِيَ لَازِمَةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ قال تَعَالَى أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ احْتَجُّوا على أَنَّ اللَّهَ خَالِقٌ لِفِعْلِ الْعَبْدِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى حَاكِيًا عن إبْرَاهِيمَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ وَاَللَّهُ خَلَقَكُمْ وما تَعْمَلُونَ ولم يَرُدَّ الْمُعْتَزِلَةُ هذا بِأَنَّهُ شَرْعٌ سَابِقٌ وَأَلْحَقَ بَعْضُهُمْ بِالْإِيمَانِ تَحْرِيمَ الْقَتْلِ وَالْكُفْرِ وَالسَّرِقَةِ وَالرِّبَا وَنَحْوِهِمَا وقال
  105. اتَّفَقَتْ الشَّرَائِعُ على تَحْرِيمِهَا وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هل حُرِّمَتْ في شَرْعِنَا بِخِطَابٍ مُسْتَأْنَفٍ أَمْ بِالْخِطَابِ الذي أُنْزِلَ على غَيْرِهِ وَتُعُبِّدَ بِاسْتِدَامَتِهِ ولم يَنْزِلْ عليه الْخِطَابُ إلَّا بِمَا يُخَالِفُ شَرْعَهُمْ فقال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ وَالْغَزَالِيُّ كان ذلك بِخِطَابٍ مُسْتَأْنَفٌ وَطَرَدُوا قَوْلَهُمْ لم يَتَعَبَّدْ بِشَرِيعَةِ من قَبْلَهُ السَّادِسُ ذَكَرَ الْقَاضِي أبو عبد اللَّهِ الصَّيْمَرِيُّ من أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ في كِتَابِهِ مَسَائِلُ الْخِلَافِ في الْأُصُولِ خِلَافًا في أَنَّهُ هل يَجُوزُ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيًّا تَكُونُ شَرِيعَتُهُ مِثْلَ الذي قَبْلَهُ أَمْ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ له شَرِيعَةٌ مُفْرَدَةٌ قال أَمَّا من جِهَةِ الْعَقْلِ فَهُوَ جَائِزٌ وَمِنْ الناس من قال لَا بُدَّ أَنْ يَخْتَصَّ بِشَرِيعَةٍ غَيْرِ شَرِيعَةِ من قَبْلَهُ انْتَهَى وَلَعَلَّ هذا الْخِلَافَ هو أَصْلُ الْخِلَافِ في مَسْأَلَتِنَا ثُمَّ رَأَيْت التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ في كِتَابِ الذَّرِيعَةِ لِلشَّرِيفِ الْمُرْتَضَى قال وَقِيلَ يَجُوزُ أَنْ يَتَعَبَّدَ اللَّهُ نَبِيًّا بِمِثْلِ شَرِيعَةِ النبي الْأَوَّلِ بِشَرْطَيْنِ أَنْ تَنْدَرِسَ الْأُولَى فَيُجَدِّدُهَا الثَّانِي أو بِأَنْ يَزِيدَ فيها ما لم يَكُنْ فيها فَأَمَّا على غَيْرِ هذا الْوَجْهِ هو عَبَثٌ قال وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ وَلَا عَبَثَ إذَا عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِالثَّانِي من لَا يَنْتَفِعُ بِالْأَوَّلِ لِتَكُونَ النِّعْمَةُ الثَّانِيَةُ على سَبِيلِ تَرَادُفِ الْأَدِلَّةِ فَائِدَةٌ قال أبو الْفَرَجِ بن الْجَوْزِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَدْءُ الشَّرَائِعِ كان في التَّخْفِيفِ وَلَا يُعْرَفُ في شَرْعِ نُوحٍ وَصَالِحٍ وَإِبْرَاهِيمَ ثَقِيلٌ ثُمَّ جاء مُوسَى بِالتَّشْدِيدِ وَالْأَثْقَالِ وَجَاءَ عِيسَى بِنَحْوٍ من ذلك وَكَانَتْ شَرِيعَةٌ نَبِيِّنَا صلى اللَّهُ عليه وسلم تَنْسَخُ تَشْدِيدَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا تُطْلِقُ بِتَسْهِيلِ من كان قَبْلَهُمْ فَهِيَ على غَايَةِ الِاعْتِدَالِ مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِنَبِيٍّ أو مُجْتَهِدٍ اُحْكُمْ بِمَا شِئْت من غَيْرِ اجْتِهَادٍ فَهُوَ صَوَابٌ أَيْ فَهُوَ حُكْمِي في عِبَادِي إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَخْتَارُ إلَّا الصَّوَابَ وَيَكُونُ قَوْلُهُ إذْ ذَاكَ من جُمْلَةِ الْمَدَارِكِ الشَّرْعِيَّةِ وَيُسَمَّى التَّفْوِيضُ قَالَهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ منهم إلْكِيَا وابن الصَّبَّاغِ وقال إنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ قال الْقَاضِي وقال أَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ لَا يَجُوزُ بِنَاءً على رَأْيِهِمْ أَنَّ الشَّرْعَ مَبْنِيٌّ على الْمَصَالِحِ وقد لَا يَكُونُ في اخْتِيَارِهِ مَصْلَحَةٌ وقال الشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى في الذَّرِيعَةِ
  106. الصَّحِيحُ السَّمَاعُ وَلَا بُدَّ في كل حُكْمٍ من دَلِيلٍ لَا يَرْجِعُ إلَى اخْتِيَارِ الْفَاعِلِ وقال خَالَفَ مُوسَى بن عِمْرَانَ في ذلك وقال لَا فَرْقَ بين أَنْ يَنُصَّ له على الْحُكْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يَخْتَارُ إلَّا ما هو الْمَصْلَحَةُ فَيُفَوِّضُ ذلك إلَى اخْتِيَارِهِ انْتَهَى وقال أبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ في أُصُولِهِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذلك إلَّا بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ وَالثَّالِثُ وَبِهِ قال أبو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ في أَحَدِ قَوْلَيْهِ يَجُوزُ ذلك لِلنَّبِيِّ دُونَ الْعَالِمِ ذَكَرَ ذلك في قَوْله تَعَالَى كُلُّ الطَّعَامِ كان حِلًّا لِبَنِي إسْرَائِيلَ إلَّا ما حَرَّمَ إسْرَائِيلُ على نَفْسِهِ قال أبو الْحُسَيْنِ ثُمَّ رَجَعَ عن هذا الْقَوْلِ وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتَارَهُ ابن السَّمْعَانِيِّ قال وقد ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ في الرِّسَالَةِ ما يَدُلُّ عليه وقال أبو الْحُسَيْنِ في الْمُعْتَمَدِ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ في الرِّسَالَةِ ما يَدُلُّ على أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا عَلِمَ أَنَّ الصَّوَابَ يَتَّفِقُ من نَبِيِّهِ جَعَلَ له ذلك ولم يَقْطَعْ عليه بَلْ جَوَّزَهُ وَجَوَّزَ خِلَافَهُ وقال صَاحِبُ الْمَصَادِرِ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ ما يَدُلُّ على الْجَوَازِ فإنه قال فيها الْحُكْمُ يَثْبُتُ بِالْوَحْيِ أو بِأَنْ يَنْفُثَ في رَوْعِهِ وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ بِذَلِكَ إلَى خَاطِرٍ يُلْقَى إلَيْهِ أو بِاجْتِهَادٍ أو بِأَنْ يُوَفَّقَ في الْحُكْمِ قال وهو مَذْهَبُ مُوسَى بن عِمْرَانَ بِعَيْنِهِ وقد رَدُّوا عليه بِأَنَّهُ لَا بُدَّ في الشَّرْعِيَّاتِ من دَلَالَةٍ مُمَيِّزَةٍ لِلصَّلَاحِ من الْفَسَادِ وَاخْتِيَارُ الْمُكَلَّفِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُمَيِّزًا وقال ابن الصَّبَّاغِ في الْعُدَّةِ حُكِيَ عن الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قال في كِتَابِ الرِّسَالَةِ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا عَلِمَ أَنَّ الصَّوَابَ يَتَّفِقُ من نَبِيِّهِ جَعَلَ ذلك إلَيْهِ ولم يَقْطَعْ بِذَلِكَ قال وَهَذَا لَا يَجِيءُ على قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فإن مَذْهَبَهُ أَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ نُصِبَتْ عليه أَمَارَةٌ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّهُ جَعَلَهُ إلَيْهِ بِالِاجْتِهَادِ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ الصَّوَابَ يَتَّفِقُ معه وَحِينَئِذٍ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ مُطْلَقًا بِخِلَافِ غَيْرِهِ من الْمُجْتَهِدِينَ انْتَهَى وَزَعَمَ الْآمِدِيُّ وَالرَّازِيُّ أَنَّ تَرَدُّدَ الشَّافِعِيِّ في الْجَوَازِ وقال غَيْرُهُمَا بَلْ في الْوُقُوعِ مع الْجَزْمِ بِالْجَوَازِ وهو الْأَصَحُّ نَقْلًا وهو الْمُخْتَارُ إنْ لم يَقَعْ نَقْلًا وَصَرَّحَ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ بِالْجَوَازِ وَتَرَدَّدَ في الْوُقُوعِ قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ مَحَلُّ الْخِلَافِ في هذه الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا هو في الْحُكْمِ بِالرَّأْيِ من غَيْرِ نَظَرٍ في مُسْتَنَدَاتِهِ الشَّرْعِيَّةِ وَإِلَّا كان اجْتِهَادًا جَائِزًا لِلْعُلَمَاءِ من غَيْرِ خِلَافٍ وَالنَّبِيِّ صلى اللَّهُ عليه وسلم على قَوْلٍ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْآتِيَةُ في الِاجْتِهَادِ
  107. وقال ابن السَّمْعَانِيِّ هذه الْمَسْأَلَةُ وَإِنْ أَوْرَدَهَا مُتَكَلِّمُو الْأُصُولِيِّينَ فَلَيْسَتْ بِمَعْرُوفَةٍ بين الْفُقَهَاءِ وَلَيْسَ فيها كَبِيرُ فَائِدَةٍ لِأَنَّ هذا في غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ لم يُوجَدْ وَلَا يُتَوَهَّمُ وُجُودُهُ في الْمُسْتَقْبَلِ فَأَمَّا في حَقِّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَقَدْ وُجِدَ وَسَبَقَ في كَلَامٍ آخَرَ يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ الْكَلَامِ في أَنَّ الْأَحْكَامَ لَا بُدَّ لها من عِلَّةٍ إطْبَاقُ الناس من غَيْرِ نَكِيرٍ هذا الدَّلِيلُ يَسْتَعْمِلُهُ الْفُقَهَاءُ في مَوَاضِعَ كَاسْتِدْلَالِ أَصْحَابِنَا على طَهَارَةِ الْإِنْفَحَةِ بِإِطْبَاقِ الناس على أَكْلِ الْجُبْنِ وَاسْتِدْلَالُهُمْ على جَوَازِ قَرْضِ الْخُبْزِ وَاسْتِدْلَالُ الْحَنَفِيَّةِ على جَوَازِ الِاسْتِصْنَاعِ لِمُشَاهَدَةِ السَّلَفِ له من غَيْرِ إنْكَارٍ مع ظُهُورِهِ وَاسْتِفَاضَتِهِ وَدُخُولُ الْحَمَّامِ من غَيْرِ شَرْطِ أُجْرَةٍ وَلَا تَقْدِيرِ انْتِفَاعٍ وَغَيْرِ ذلك وهو يَقْرُبُ من الْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ من غَيْرِ تَقْرِيرِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم على الْفِعْلِ من غَيْرِ نَكِيرٍ يَقُومُ مَقَامَ التَّصْرِيحِ بِالتَّجْوِيزِ لِأَنَّ النَّهْيَ عن الْمُنْكَرِ لَازِمٌ لَلْأُمَّةِ بَلْ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الْكَلَامِ على وُجُوبِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وقد يَسْتَدِلُّ الشَّافِعِيُّ على وُجُوبِ الشَّيْءِ بِإِطْبَاقِ الناس على الْعَمَلِ وما كان مَقْطُوعًا بِهِ فَالْعَادَةُ لَا تَقْتَضِي تَرَدُّدَ الناس فيه انْتَهَى وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ هذا لَا يَتِمُّ إلَّا إذَا اتَّفَقَ في عَصْرِهِ عليه السَّلَامُ أو في عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَمَّا بَعْدَ ذلك فَتَزَايُدُ الْحَالِ إلَى هذا الزَّمَانِ الذي كَمْ فيه من بِدْعَةٍ وقد تَوَاطَئُوا على عَدَمِ الْإِنْكَارِ لها فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ الْإِطْبَاقَ على الْفِعْلِ مع عَدَمِ النَّكِيرِ دَلِيلًا على الْإِبَاحَةِ على الْإِطْلَاقِ وقد كان عبد اللَّهِ بن الْحَسَنِ يُكْثِرُ الْجُلُوسَ على رَبِيعَةَ فَتَذَاكَرَا يَوْمًا فقال رَجُلٌ ليس الْعَمَلُ على هذا فقال عبد اللَّهِ أَرَأَيْت إنْ كَثُرَ الْجُهَّالِ حتى يَكُونُوا هُمْ الْحُطَامُ فَهُمْ الْحُجَّةُ على الناس قال رَبِيعَةُ أَشْهَدُ أَنَّ هذا الْكَلَامَ لَا يَقْبَلُهُ إلَّا الْأَنْبِيَاءُ عليهم السَّلَامُ وقال الصَّيْرَفِيُّ في كِتَابِ الدَّلَائِلِ وَالْأَعْلَامُ الْمُعْتَادَةُ بين الناس ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا ما يَعْتَادُونَهُ في أَكْلِهِمْ وَشُرْبِهِمْ وَلِبَاسِهِمْ وَنَحْوِهِ فَلَا كَلَامَ فيه لِأَنَّ هذا تَابِعٌ لِلْمَقَاصِدِ لَا حَجْرَ فيه وَالثَّانِي ما اعْتَادُوهُ في دِيَانَاتِهِمْ وَهَذَا إمَّا أَنْ يَكُونَ عَادَةً لِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ فَلَيْسَ هَؤُلَاءِ حُجَّةً على غَيْرِهِمْ إلَّا بِدَلِيلٍ كَقَوْمٍ أَلِفُوا مَذْهَبَ مَالِكٍ في بَلْدَةٍ وَإِمَّا
  108. أَنْ يَكُونَ عَادَةً لِجَمِيعِ الناس في جَمِيعِ الْأَمْصَارِ مُسْتَفِيضًا فَهَذَا لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَفِيضُ بَيْنَهُمْ فِعْلُ شَيْءٍ من الْأَشْيَاءِ إلَّا وهو مُبَاحٌ أو مُوجَبٌ على حَسَبِ ما يُلْزِمُونَهُ أَنْفُسَهُمْ فَإِنْ كان ذلك مَوْجُودًا في الْأَغْلَبِ فَلَيْسَ حُجَّةً قال وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْأَحْكَامَ وَقَعَتْ على الْعَادَاتِ فَغَلَطٌ بَلْ هِيَ مُبْتَدَأَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ دَلَالَةُ السِّيَاقِ أَنْكَرَهَا بَعْضُهُمْ وَمَنْ جَهِلَ شيئا أَنْكَرَهُ وقال بَعْضُهُمْ إنَّهَا مُتَّفَقٌ عليها في مَجَارِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وقد احْتَجَّ بها أَحْمَدُ على الشَّافِعِيِّ في أَنَّ الْوَاهِبَ ليس له الرُّجُوعُ من حديث الْعَائِدُ في هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ في قَيْئِهِ حَيْثُ قال الشَّافِعِيُّ هذا يَدُلُّ على جَوَازِ الرُّجُوعِ إذْ قَيْءُ الْكَلْبِ ليس مُحَرَّمًا عليه فقال أَحْمَدُ أَلَا تَرَاهُ يقول فيه ليس لنا مَثَلُ السُّوءِ الْعَائِدُ في هِبَتِهِ الْحَدِيثُ وهَذَا مَثَلُ سَوْءٍ فَلَا يَكُونُ لنا وَاحْتَجَّ بها في أَنَّ الْمُرَادَ بِأَنَّهُ اسْتِيعَابُهُمْ وَاجِبٌ وَسِيَاقُ الْآيَةِ يَدُلُّ على الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَمِنْهُمْ من يَلْمِزُك في الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا منها رَضُوا وَإِنْ لم يُعْطَوْا منها إذَا هُمْ يَسْخَطُونَ فإن اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا رَأَى بَعْضَ من لَا يَسْتَحِقُّ الصَّدَقَةَ يُحَاوِلُ أَنْ يَأْخُذَ منها وَيَسْخَطُ إذَا لم يُعْطَ يُقْطَعُ طَمَعَهُ بِبَيَانِ أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ لها غَيْرُهُ وَهُمْ الْأَصْنَافُ الثَّمَانِيَةُ وقال الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ في كِتَابِ الْإِمَامِ السِّيَاقُ يُرْشِدُ إلَى تَبْيِينِ الْمُجْمَلَاتِ وَتَرْجِيحِ الْمُحْتَمَلَاتِ وَتَقْرِيرِ الْوَاضِحَاتِ وَكُلُّ ذلك بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ فَكُلُّ صِفَةٍ وَقَعَتْ في سِيَاقِ الْمَدْحِ كانت مَدْحًا وَإِنْ كانت ذَمًّا بِالْوَضْعِ وَكُلُّ صِفَةٍ وَقَعَتْ في سِيَاقِ الذَّمِّ كانت ذَمًّا وَإِنْ كانت مَدْحًا بِالْوَضْعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ذُقْ إنَّك أنت الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ
  109. قَوْلُ الصَّحَابِيِّ اتَّفَقُوا على أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ في مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ ليس بِحُجَّةٍ على صَحَابِيٍّ آخَرَ مُجْتَهِدٍ إمَامًا أو حَاكِمًا أو مُفْتِيًا نَقَلَهُ الْقَاضِي وَتَبِعَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ منهم الْآمِدِيُّ وابن الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمَا فَإِنْ قِيلَ يَقْدَحُ فيه قَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ قال الشَّافِعِيُّ رضي اللَّهُ عنه في بَعْضِ أَقْوَالِهِ إذَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فَالتَّمَسُّكُ بِقَوْلِ الْخُلَفَاءِ أَوْلَى قال الْإِمَامُ وَهَذَا كَالدَّلِيلِ على أَنَّهُ لم يَسْقُطْ الِاحْتِجَاجُ بِأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ من أَجْلِ الِاخْتِلَافِ قُلْنَا مُرَادُهُ أَنَّهُ حُجَّةٌ عَلَيْنَا لَا على من عَاصَرَهُ من الصَّحَابَةِ نعم هُنَا مَسْأَلَتَانِ إحْدَاهُمَا بِالنِّسْبَةِ إلَى وُجُوبِ التَّقْلِيدِ والثانية بِالنِّسْبَةِ إلَى جَوَازِهِ وَالْقَاضِي إنَّمَا حَكَى الِاتِّفَاقَ في الْأُولَى وَحَكَى الْخِلَافَ في الثَّانِيَةِ فقال وقد اتَّفَقَ على أَنَّهُ لَا يَجِبُ على الصَّحَابِيِّ تَقْلِيدُ مِثْلِهِ من الصَّحَابَةِ فَبِذَلِكَ لَا يَجِبُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِمْ من الْعُلَمَاءِ لهم لِتَسَاوِي أَحْوَالِهِمْ قال وقد أَجَازَ بَعْضُهُمْ تَقْلِيدَ بَعْضِ الصَّحَابَةِ بَعْضًا وَاحْتَجُّوا بِإِجَابَةِ عُثْمَانَ إلَى تَقْلِيدِ أبي بَكْرٍ وَعُمَرَ في الْأَحْكَامِ وَإِنْ لم نَعْتَبِرْ وُجُوبَ ذلك انْتَهَى وقد يَدَّعِي أنها مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ ويَلْزَمُ من الْقَوْلِ بِالْجَوَازِ الْوُجُوبُ وَكَلَامُ الشَّيْخِ في اللُّمَعِ يَقْتَضِي ذلك فإنه قال إذَا أَجْمَعُوا بين الصَّحَابَةِ على قَوْلَيْنِ بَنَى على الْقَوْلَيْنِ في أَنَّهُ حُجَّةٌ أَمْ لَا فَإِنْ قُلْنَا ليس بِحُجَّةٍ لم يَكُنْ قَوْلُ بَعْضِهِمْ حُجَّةً على بَعْضٍ ولم يَجُزْ تَقْلِيدُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَلْ يَرْجِعُ إلَى الدَّلِيلِ وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ حُجَّةٌ فَهَاهُنَا دَلِيلَانِ تَعَارَضَا فَيُرَجَّحُ أَحَدُهُمَا على الْآخَرِ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ من الْجَانِبَيْنِ أو يَكُونُ فيه إمَامٌ انْتَهَى ثُمَّ هذا الِاتِّفَاقُ صَحِيحٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى زَمَنِهِمْ أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى من بَعْدِهِمْ إذَا اخْتَلَفُوا فَقَدْ ظَنَّ قَوْمٌ أَنَّ حُجِّيَّةَ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ تَزُولُ إذَا خَالَفَهُ غَيْرُهُ من الصَّحَابَةِ لِأَنَّهُ ليس اتِّبَاعُ قَوْلِ أَحَدِهِمَا أَوْلَى من الْآخَرِ وَتَعَلَّقُوا بِمَا تَقَدَّمَ من نَقْلِ الْإِجْمَاعِ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ ذلك إنَّمَا هو بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِ من الصَّحَابَةِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ الْمَشْهُورُ في أَنَّهُ هل هو حُجَّةٌ على التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدِهِمْ من الْمُجْتَهِدِينَ وَفِيهِ أَقْوَالٌ الْأَوَّلُ أَنَّهُ ليس بِحُجَّةٍ مُطْلَقًا كَغَيْرِهِ من الْمُجْتَهِدِينَ وهو قَوْلُ الشَّافِعِيِّ في الْجَدِيدِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْأُصُولِيِّينَ من أَصْحَابِنَا وَالْمُعْتَزِلَةُ ويُومِئُ إلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَاخْتَارَهُ أبو الْخَطَّابِ من أَصْحَابِهِ وَزَعَمَ عبد الْوَهَّابِ أَنَّهُ الصَّحِيحُ الذي يَقْتَضِيهِ
  110. مَذْهَبُ مَالِكٍ لِأَنَّهُ نَصَّ على وُجُوبِ الِاجْتِهَادِ وَاتِّبَاعِ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ صَحِيحُ النَّظَرِ فقال وَلَيْسَ في اخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ سَعَةٌ إنَّمَا هو خَطَأٌ أو صَوَابٌ الثَّانِي أَنَّهُ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ مُقَدَّمَةٌ على الْقِيَاسِ وهو قَوْلُهُ في الْقَدِيمِ وَنُقِلَ عن مَالِكٍ وَأَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ قال صَاحِبُ التَّقْوِيمِ قال أبو سَعِيدٍ الْبَرْدَعِيُّ تَقْلِيدُ الصَّحَابَةِ وَاجِبٌ يُتْرَكُ بِقَوْلِهِ الْقِيَاسُ وَعَلَيْهِ أَدْرَكْنَا مَشَايِخَنَا وَذَكَرَ محمد بن الْحَسَنِ إنْ شَرَى ما بَاعَ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَ قبل نَقْدِ الثَّمَنِ لَا يَجُوزُ وَاحْتَجَّ بِأَثَرِ عَائِشَةَ رضي اللَّهُ عنها وَالْقِيَاسِ وقال وَلَيْسَ عن أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ مَذْهَبٌ ثَابِتٌ وَالْمَرْوِيُّ عن أبي حَنِيفَةَ إذَا أَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ سَلَّمْنَا لهم وإذا جاء التَّابِعُونَ زَاحَمْنَاهُمْ لِأَنَّهُ كان منهم فَلَا يَثْبُتُ لهم بِدُونِ إجْمَاعٍ انْتَهَى وَمِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ في الْقَدِيمِ لَمَّا ذَكَرَ الصَّحَابَةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عليهم وَهُمْ فَوْقَنَا في كل عِلْمٍ وَاجْتِهَادٍ وَوَرَعٍ وَعَقْلٍ وَأَمْرٍ اُسْتُدْرِكَ فيه عِلْمٌ أو اُسْتُنْبِطَ وَآرَاؤُهُمْ لنا أَجْمَلُ وَأَوْلَى بِنَا من آرَائِنَا عِنْدَنَا لِأَنْفُسِنَا وَمَنْ أَدْرَكْنَا مِمَّنْ يَرْضَى أو حَكَى لنا عنه بِبَلَدِنَا صَارُوا فِيمَا لم يُعْلَمْ لِلرَّسُولِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فيه سُنَّةٌ إلَى قَوْلِهِمْ إنْ أَجْمَعُوا وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ إنْ تَفَرَّقُوا فَهَكَذَا نَقُولُ إذَا اجْتَمَعُوا أَخَذْنَا بِاجْتِمَاعِهِمْ وَإِنْ قال وَاحِدُهُمْ ولم يُخَالِفُهُ غَيْرُهُ أَخَذْنَا بِقَوْلِهِ وَإِنْ اخْتَلَفُوا أَخَذْنَا بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ ولم نَخْرُجُ عن أَقَاوِيلِهِمْ كُلِّهِمْ وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ منه فَإِنْ لم يَكُنْ على قَوْلِ أَحَدِهِمْ دَلَالَةٌ من كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ كان قَوْلُ أبي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ رضي اللَّهُ عَنْهُمْ أَحَبَّ إلَيَّ أَنْ أَقُولَ من غَيْرِهِمْ أَنْ أُخَالِفَهُمْ من قَبْلُ أَنَّهُمْ أَهْلُ عِلْمٍ وَحِكَايَةٍ ثُمَّ قال وَإِنْ اخْتَلَفَ الْمَفْتُونَ بَعْدَ الْأَئِمَّةِ يَعْنِي من الصَّحَابَةِ وَلَا دَلِيلَ فِيمَا اخْتَلَفُوا فيه نَظَرْنَا إلَى الْأَكْثَرِ فَإِنْ تَكَافَئُوا نَظَرْنَا إلَى أَحْسَنِ أَقَاوِيلِهِمْ مَخْرَجًا عِنْدَنَا وَاعْلَمْ أَنَّ هذا الْقَوْلَ اُشْتُهِرَ نَقْلُهُ عن الْقَدِيمِ وقد نَصَّ عليه الشَّافِعِيُّ في الْجَدِيدِ أَيْضًا وقد نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ وهو مَوْجُودٌ في كِتَابِ الْأُمِّ في بَابِ خِلَافِهِ مع مَالِكٍ وهو من الْكُتُبِ الْجَدِيدَةِ فَلْنَذْكُرْهُ بِلَفْظِهِ لِمَا فيه من الْفَائِدَةِ قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ما كان الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مَوْجُودَيْنِ فَالْعُذْرُ على من سَمِعَهُمَا مَقْطُوعٌ إلَّا بِاتِّبَاعِهِمَا فإذا لم يَكُنْ كَذَلِكَ صِرْنَا إلَى أَقَاوِيلِ أَصْحَابِ الرَّسُولِ أو وَاحِدِهِمْ وكان قَوْلُ الْأَئِمَّةِ أبي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ رِضْوَانُ اللَّهِ عليهم أَحَبَّ
  111. إلَيْنَا إذَا صِرْنَا إلَى التَّقْلِيدِ وَلَكِنْ إذَا لم نَجِدْ دَلَالَةً في الِاخْتِلَافِ تَدُلُّ على أَقْرَبِ الِاخْتِلَافِ من الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَنَتَّبِعُ الْقَوْلَ الذي معه الدَّلَالَةُ لِأَنَّ قَوْلَ الْإِمَامِ مَشْهُورٌ فإنه يَلْزَمُ الناس وَمِنْ لَزِمَ قَوْلُهُ الناس كان أَظْهَرُ مِمَّنْ يُفْتِي الرَّجُلَ وَالنَّفَرَ وقد يَأْخُذُ بِفُتْيَاهُ وقد يَدَعُهَا وَأَكْثَرُ الْمُفْتِينَ يُفْتُونَ الْخَاصَّةَ في بُيُوتِهِمْ وَمَجَالِسِهِمْ وَلَا يَعْنِي الْخَاصَّةَ بِمَا قالوا عِنَايَتُهُمْ بِمَا قال الْإِمَامُ ثُمَّ قال فإذا لم يُوجَدْ عن الْأَئِمَّةِ فَأَصْحَابُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم في الدِّينِ في مَوْضِعِ الْأَمَانَةِ أَخَذْنَا بِقَوْلِهِمْ وكان اتِّبَاعُهُمْ أَوْلَى بِنَا من اتِّبَاعِ من بَعْدِهِمْ وَالْعِلْمُ طَبَقَاتٌ الْأُولَى الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ إذَا ثَبَتَتْ السُّنَّةُ وَالثَّانِيَةُ الْإِجْمَاعُ مِمَّا ليس في كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَالثَّالِثَةُ أَنْ يَقُولَ بَعْضُ أَصْحَابِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَلَا نَعْلَمُ له مُخَالِفًا فِيهِمْ وَالرَّابِعَةُ اخْتِلَافُ أَصْحَابِ الرَّسُولِ وَالْخَامِسَةُ الْقِيَاسُ على بَعْضِ هذه الطَّبَقَاتِ وَلَا يُصَارُ إلَى شَيْءٍ غير الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَهُمَا مَوْجُودَانِ وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ الْعِلْمُ من أَعْلَى هذا نَصُّهُ بِحُرُوفِهِ وقد رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عن شُيُوخِهِ عن الْأَصَمِّ عن الرَّبِيعِ عنه وَهَذَا صَرِيحٌ منه في أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ عِنْدَهُ حُجَّةٌ مُقَدَّمَةٌ على الْقِيَاسِ كما نَقَلَهُ عنه إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فَيَكُونُ له قَوْلَانِ في الْجَدِيدِ وَأَحَدُهُمَا مُوَافِقٌ لِلْقَدِيمِ وَإِنْ كان قد غَفَلَ عن نَقْلِهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَيَقْتَضِي أَيْضًا أَنَّ الصَّحَابَةَ إذَا اخْتَلَفُوا كان الْحُجَّةُ في قَوْلِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ إذَا وَجَدَ عَنْهُمْ لِلْمَعْنَى الذي أَشَارَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وهو اشْتِهَارُ قَوْلِهِمْ وَرُجُوعُ الناس إلَيْهِمْ وقد اسْتَعْمَلَ الشَّافِعِيُّ ذلك في الْأُمِّ في مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ منها قال في كِتَابِ الْحُكْمِ في قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ ما نَصُّهُ وَكُلُّ من يَحْبِسُ نَفْسَهُ بِالتَّرَهُّبِ تَرَكْنَا قَتْلَهُ اتِّبَاعًا لِأَبِي بَكْرٍ رضي اللَّهُ عنه ثُمَّ قال وَإِنَّمَا قُلْنَا هذا اتِّبَاعًا لَا قِيَاسًا وقال في كِتَابِ اخْتِلَافُ أبي حَنِيفَةَ وَابْنِ أبي لَيْلَى في بَابِ الْغَصْبِ أَنَّ عُثْمَانَ قَضَى فِيمَا إذَا شَرَطَ الْبَرَاءَةَ في الْعُيُوبِ في الْحَيَوَانِ قال وَهَذَا يَذْهَبُ إلَيْهِ وَإِنَّمَا ذَهَبْنَا إلَى هذا تَقْلِيدًا وَإِنَّمَا كان الْقِيَاسُ عَدَمُ الْبَرَاءَةِ وقال ابن الصَّبَّاغِ إنَّمَا احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِ عُثْمَانَ في الْجَدِيدِ لِأَنَّ مَذْهَبَهُ إذَا لم يَنْتَشِرْ ولم يَظْهَرْ له مُخَالِفٌ كان حُجَّةً انْتَهَى وقال في عِتْقِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا تَقْلِيدًا لِعُمَرَ بن الْخَطَّابِ رضي اللَّهُ عنه
  112. الثَّالِثُ أَنَّهُ حُجَّةٌ إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ قِيَاسٌ فَيُقَدَّمُ حِينَئِذٍ على قِيَاسٍ ليس معه قَوْلُ صَحَابِيٍّ نَصَّ عليه الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في كِتَابِ الرِّسَالَةِ فقال وَأَقْوَالُ أَصْحَابِ النبي عليه السَّلَامُ إذَا تَفَرَّقُوا نَصِيرُ منها إلَى ما وَافَقَ الْكِتَابَ أو السُّنَّةَ أو الْإِجْمَاعَ أو كان أَصَحَّ في الْقِيَاسِ وإذا قال وَاحِدٌ منهم الْقَوْلُ لَا يُحْفَظُ عن غَيْرِهِ منهم له مُوَافَقَةٌ وَلَا خِلَافًا صِرْتُ إلَى اتِّبَاعِ قَوْلِ وَاحِدِهِمْ وإذا لم أَجِدْ كِتَابًا وَلَا سُنَّةً وَلَا إجْمَاعًا وَلَا شيئا يَحْكُمُ له بِحُكْمِهِ أو وُجِدَ معه قِيَاسٌ هذا نَصُّهُ بِحُرُوفِهِ وقال ابن الرِّفْعَةِ في الْمَطْلَبِ حَكَى الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَغَيْرُهُ من أَصْحَابِنَا عن الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَرَى في الْجَدِيدِ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ إذَا عَضَّدَهُ الْقِيَاسُ وَكَذَا حَكَاهُ ابن الْقَطَّانِ في كِتَابِهِ فقال نَقُولُ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ إذَا كان معه قِيَاسٌ انْتَهَى وَكَذَا قال الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ في كِتَابِهِ فقال قال في الْجَدِيدِ إنَّهُ حُجَّةٌ إذَا اعْتَضَدَ بِضَرْبٍ من الْقِيَاسِ يَقْوَى بِمُوَافَقَتِهِ إيَّاهُ وقال الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ في بَابِ الْقَوْلِ في مَنْعِ تَقْلِيدِ الْعَالِمِ لِلْعَالَمِ إنَّ الذي قَالَهُ الشَّافِعِيُّ في الْجَدِيدِ وَاسْتَقَرَّ عليه مَذْهَبُهُ وَحَكَاهُ عنه الْمُزَنِيّ فقال في الْجَدِيدِ أَقُولُ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ إذَا كان معه قِيَاسٌ وقال ابن أبي هُرَيْرَةَ في تَعْلِيقِهِ في بَابِ الرِّبَا عِنْدَنَا أَنَّ الصَّحَابِيَّ إذَا كان له قَوْلٌ وكان معه قِيَاسٌ وَإِنْ كان ضَعِيفًا فَالْمُضِيُّ إلَى قَوْلِهِ أَوْلَى خُصُوصًا إذَا كان إمَامًا وَلِهَذَا مَنَعَ الشَّافِعِيُّ بَيْعَ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ بِجِنْسِهِ وَغَيْرِهِ لِأَثَرِ أبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي اللَّهُ عنه قُلْت وَيَشْهَدُ له أَنَّ الشَّافِعِيَّ اسْتَدَلَّ في الْجَدِيدِ على عَدَمِ وُجُوبِ الْمُوَالَاةِ في الْوُضُوءِ بِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ رضي اللَّهُ عنهما ثُمَّ قال وفي مَذْهَبِ كَثِيرٍ من أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا رَمَى الْجَمْرَةَ الْأُولَى ثُمَّ الْأَخِيرَةَ ثُمَّ الْوُسْطَى أَعَادَ الْوُسْطَى ولم يُعِدْ الْأُولَى وهو دَلِيلٌ في قَوْلِهِمْ على أَنَّ تَقْطِيعَ الْوُضُوءِ لَا يَمْنَعُ أَنْ يُجْزِئَ عنه كما في الْجَمْرَةِ انْتَهَى فَاسْتَدَلَّ بِفِعْلِ الصَّحَابِيِّ الْمُعْتَضَدِ لِلْقِيَاسِ وهو رَمْيُ الْجِمَارِ وَعَلَى الْغُسْلِ أَيْضًا كما وَقَعَ في أَوَّلِ كَلَامِهِ نعم الْمُشْكِلُ على هذا الْقَوْلِ أَنَّ الْقِيَاسَ نَفْسَهُ حُجَّةٌ فَلَا مَعْنَى حِينَئِذٍ لِاعْتِبَارِ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ فيه وَيُؤَوَّلُ حِينَئِذٍ هذا إلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ ليس بِحُجَّةٍ على انْفِرَادِهِ وَلِهَذَا حَكَى ابن السَّمْعَانِيِّ وَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا أَنَّ الْحُجَّةَ في الْقِيَاسِ أو في قَوْلِهِ بَعْدَ أَنْ
  113. قَطَعَ أَنَّهُ حُجَّةٌ إذَا وَافَقَ الْقِيَاسَ وَلِأَجْلِ هذا الْإِشْكَالِ قال ابن الْقَطَّانِ أَجَابَ أَصْحَابُنَا بِجَوَابَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الشَّافِعِيَّ أَرَادَ بِالْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ في الْمَسْأَلَةِ قِيَاسَانِ فَيَكُونُ قَوْلُ الصَّحَابَةِ مع أَحَدِ الْقِيَاسَيْنِ أَوْلَى من الْقِيَاسِ الْمُجَرَّدِ قال وَهَذَا كَالْبَرَاءَةِ من الْعُيُوبِ فإنه اجْتَذَبَهُ قِيَاسَانِ أَحَدُهُمَا يُشْبِهُ وَذَلِكَ أَنَّ الْبَرَاءَةَ إنَّمَا تَجُوزُ فِيمَا عَلِمَهُ فَأَمَّا الْبَرَاءَةُ مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ فَمُمْتَنِعَةٌ وَهَذَا الذي يُوجِبُهُ الْقِيَاسُ على غَيْرِ الْحَيَوَانِ أَنْ يُوجِبَ قِيَاسًا آخَرَ وهو أَنَّ الْحَيَوَانَ مَخْصُوصٌ بِمَا سِوَاهُ من حَيْثُ يُغْتَذَى بِالصِّحَّةِ وَالسُّقُمِ وَيُخْفِي عُيُوبَهُ صَارَ إلَى تَقْلِيدِ عُثْمَانَ مع هذا الْقِيَاسِ وَالثَّانِي كان الشَّافِعِيُّ يَتَحَرَّجُ أَنْ يُقَالَ عنه إنَّهُ لَا يقول بِقَوْلِ الصَّحَابَةِ فَاسْتَحْسَنَ الْعِبَارَةَ فقال بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ إذَا كان معه الْقِيَاسُ انْتَهَى وقال ابن فُورَكٍ إنْ قِيلَ كَيْفَ قال الشَّافِعِيُّ إنَّهُ حُجَّةٌ إذَا كان معه قِيَاسٌ وَالْقِيَاسُ في نَفْسِهِ حُجَّةٌ وَحْدَهُ قِيلَ اجْتَذَبَ الْمَسْأَلَةَ وَجْهَانِ من الْقِيَاسِ قَوِيٌّ وَضَعِيفٌ فَقَوِيَ الْقِيَاسُ الضَّعِيفُ بِقَوْلِ عُثْمَانَ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ تَرَكَ أَقْوَى الْقِيَاسَيْنِ بِقَوْلِ صَحَابِيٍّ وَاحِدٍ فإنه لو انْفَرَدَ الْقِيَاسَانِ عن قَوْلِ الصَّحَابِيِّ كان إمَّا أَنْ يَتَسَاوَيَا فَيَسْقُطَا أو يَصِحُّ أَحَدُهُمَا فَيَبْطُلُ الْآخَرُ وَإِنْ كان قَوْلُ الصَّحَابِيِّ مع الصَّحِيحِ فَهُوَ تَأْكِيدٌ له قِيلَ له إنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ إذَا لم يُعْلَمْ له مُخَالِفٌ له قُوَّةٌ على قَوْلِ الصَّحَابِيِّ الذي ظَهَرَ خِلَافُهُ كما نَقُولُ إنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ إذَا انْتَشَرَ قَوْلُهُ ولم يُعْلَمْ له مُخَالِفٌ أَقْوَى من قَوْلِ من لم يُنْشَرْ ولم يُعْلَمْ له مُخَالِفٌ فَكَانَ أَدْوَنُ هذه الْمَنَازِلِ إذَا عَضَّدَهُ بَعْضُ الْأَشْيَاءِ مُلْحَقَةً بِمَنْزِلَةِ الشَّبَهِ وَإِنْ كان ذلك الشَّبَهُ لو انْفَرَدَ لم يَكُنْ حُجَّةً فَأَمَّا أَوْلَى الْقِيَاسَيْنِ فَلَا يَسْلَمُ من مُعَارَضَةِ ما تَبْطُلُ معه دَلَالَتُهُ وهو قَوْلُ الصَّحَابِيِّ الذي لَا مُخَالِفَ له مُقْتَرِنًا بِالشَّبَهِ الذي ذَكَرْنَاهُ وقال الصَّيْرَفِيُّ في الدَّلَائِلِ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ في الْجَدِيدِ أَنَّهُ ليس بِحَجَّةٍ أَنَّهُ إذَا تَجَاذَبَ الْمَسْأَلَةُ أَصْلَانِ مُحْتَمَلَانِ يُوَافِقُ أَحَدُهُمَا قَوْلَ الصَّحَابِيِّ فَيَكُونُ الدَّلِيلُ الذي معه قَوْلُ الصَّحَابِيِّ أَوْلَى في هذا على التَّقْوِيَةِ وَأَنَّهُ أَقْوَى الْمَذْهَبَيْنِ فَلَا يُغْلَطُ على الشَّافِعِيِّ هذا وَجْهُ قَوْلِهِ إنَّ تَقْلِيدَهُ لَا يَلْزَمُ إلَّا أَنْ يُوجَدَ في الْكِتَابِ أو السُّنَّةِ ما يُخَالِفُهُ وَيُعَضِّدُهُ ضَرْبٌ من الْقِيَاسِ وَعَلَى هذا فَهُوَ مُقَوٍّ لِلْقِيَاسِ وَمُغَلِّبٌ له كما يُغَلَّبُ بِكَثْرَةِ الْأَشْبَاهِ
  114. وَظَاهِرُ نَصِّ الرِّسَالَةِ الْمَذْكُورَةِ يَقْتَضِي تَسَاوِي الْقِيَاسَيْنِ لِأَنَّهُ لم يُفَرِّقْ بين قِيَاسٍ وَقِيَاسٍ نعم قَوْلُهُ وَلَا شيئا في مَعْنَاهُ يَحْكُمُ له بِحُكْمِهِ ظَاهِرٌ في تَقْدِيمِ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ على قَوْلِ الصَّحَابِيِّ وهو مُسْتَنَدُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ في قَوْلِهِ إنَّ الشَّافِعِيَّ قال في بَعْضِ أَقْوَالِهِ الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ وَلَمَّا حَكَى الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ قال وَمِنْ أَصْحَابِنَا من قال الْقَوْلَانِ إذَا لم يَكُنْ معه قِيَاسٌ أَصْلًا فَإِنْ كان مع قَوْلِهِ قِيَاسٌ ضَعِيفٌ فَقَوْلُهُ معه يُقَدَّمُ على الْقِيَاسِ الْقَوِيِّ وهو اخْتِيَارُ الْقَفَّالِ وَجَمَاعَةٍ وهو ضَعِيفٌ عِنْدِي لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ الرُّجُوعُ لِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ بِانْفِرَادِهِ وَكَذَلِكَ الْقِيَاسُ الضَّعِيفُ فَكَيْفَ إذَا اجْتَمَعَ ضَعِيفَانِ غَلَبَا الْقَوِيَّ انْتَهَى وما حَكَاهُ عن الْقَفَّالِ حَكَاهُ الشَّيْخُ في اللُّمَعِ عن الصَّيْرَفِيِّ ثُمَّ خَطَّأَهُ وَحَكَاهُ ابن الصَّبَّاغِ في الْعُدَّةِ عن حِكَايَةِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ عن الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ إذَا كان مع قَوْلِ الصَّحَابِيِّ قِيَاسٌ ضَعِيفٌ فَهُوَ أَوْلَى من الْقِيَاسِ الصَّحِيحِ قَوْلًا وَاحِدًا ثُمَّ ضَعَّفَهُ ابن الصَّبَّاغِ وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ في كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ من الْحَاوِي عن الْقَدِيمِ لَكِنَّهُ قال ذلك في الْقِيَاسِ الْخَفِيِّ مع الْجَلِيِّ وَأَنَّ الْخَفِيَّ يُقَدَّمُ على الْجَلِيِّ إذَا كان مع الْأَوَّلِ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ قال ثُمَّ رَجَعَ الشَّافِعِيُّ عنه في الْجَدِيدِ وقال الْعَمَلُ بِالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ أَوْلَى وقال الْمَاوَرْدِيُّ أَيْضًا في الْحَاوِي في مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ من الْعُيُوبِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ في الْجَدِيدِ أَنَّ قِيَاسَ التَّقْرِيبِ إذَا انْضَمَّ إلَى قَوْلِ الصَّحَابِيِّ أَوْلَى من قِيَاسِ التَّحْقِيقِ وَكَذَلِكَ قال أبو الْحَسَنِ الْجُورِيُّ في شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيّ قُلْت وهو ظَاهِرُ إطْلَاقِهِ في الرِّسَالَةِ وقال ابن كَجٍّ في كِتَابِهِ إذَا قال الصَّحَابِيُّ قَوْلًا وَعَارَضَهُ الْقِيَاسُ الْقَوِيُّ نُظِرَ فَإِنْ كان مع الصَّحَابِيِّ قِيَاسٌ خَفِيٌّ كان الْمَصِيرُ إلَى قَوْلِ الصَّحَابِيِّ أَوْلَى لِقَضِيَّةِ عُثْمَانَ في بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ وَإِنْ كان قَوْلُ الصَّحَابِيِّ فَقَطْ وقد عَارَضَهُ الْقِيَاسُ فقال الشَّافِعِيُّ في الْقَدِيمِ إنَّ قَوْلَهُ يُقَدَّمُ لِعِلْمِهِ بِظَوَاهِرِ الْكِتَابِ وقال في الْجَدِيدِ أَوْلَى وَلِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِالرُّجُوعِ عِنْدَ التَّنَازُعِ إلَى الْكِتَابِ وَلِأَنَّ الصَّحَابِيَّ يَجُوزُ عليه السَّهْوُ الرَّابِعُ أَنَّهُ حُجَّةٌ إذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ لِأَنَّهُ لَا مَحْمَلَ له إلَّا التَّوَقُّفُ وَذَلِكَ أَنَّ الْقِيَاسَ وَالتَّحَكُّمَ في دِينِ اللَّهِ بَاطِلٌ فَيُعْلَمْ أَنَّهُ ما قَالَهُ إلَّا تَوْقِيفًا قال ابن بَرْهَانٍ في الْوَجِيزِ وَهَذَا هو الْحَقُّ الْمُبِينُ قال وَمَسَائِلُ الْإِمَامَيْنِ أبي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ رضي اللَّهُ عنهما تَدُلُّ عليه فإن الشَّافِعِيَّ غَلَّظَ الدِّيَةَ بِالْأَسْبَابِ الثَّلَاثَةِ بِأَقْضِيَةِ الصَّحَابَةِ وَقَدَّرَ دِيَةَ الْمَجُوسِيِّ بِقَوْلِ عُمَرَ وَأَبَا
  115. حَنِيفَةَ قَدَّرَ الْجُعْلَ في رَدِّ الْآبِقِ بِأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا لِأَثَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ وقال الْإِبْيَارِيُّ في شَرْحِهِ هو أَشْبَهُ الْمَذَاهِبِ وقال ابن الْمُنِيرِ هذا الْمَذْهَبُ لَا يَخْتَصُّ الصَّحَابِيَّ فَكُلُّ عَالِمٍ عَدْلٍ إذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ ظُنَّ بِهِ الْمُخَالَفَةُ لِلتَّوْقِيفِ وَالظَّاهِرُ إصَابَتُهُ في شُرُوطِهِ قُلْت وقد طَرَدَهُ ابن السَّمْعَانِيِّ فيه كما سَيَأْتِي ثُمَّ قال ثُمَّ هو لَا يَخْتَصُّ غير الصَّحَابِيِّ إذَا كان الْمُخَالِفُ صَحَابِيًّا فَيَجِبُ إذًا على الصَّحَابِيِّ الِاقْتِدَاءُ بِالصَّحَابِيِّ الْمُخَالِفِ لِلْقِيَاسِ وَالْحَاصِلُ عن الشَّافِعِيِّ أَقْوَالٌ أَحَدُهَا أَنَّهُ حُجَّةٌ مُقَدَّمَةٌ على الْقِيَاسِ كما نَصَّ عليه في اخْتِلَافِهِ مع مَالِكٍ وهو من الْجَدِيدِ وَالثَّانِي أَنَّهُ ليس بِحَجَّةٍ مُطْلَقًا وهو الْمَشْهُورُ بين الْأَصْحَابِ أَنَّهُ الْجَدِيدُ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ حُجَّةٌ إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ قِيَاسٌ فَيُقَدَّمُ حِينَئِذٍ على قِيَاسٍ ليس معه قَوْلُ صَحَابِيٍّ كما أَشَارَ إلَيْهِ في الرِّسَالَةِ ثُمَّ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فيها أَنْ يَكُونَ الْقِيَاسَانِ مُتَسَاوِيَيْنِ وَتَقَدَّمَ في نَقْلِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ عنه في قَوْلِ تَخْصِيصِ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ بِتَقْدِيمِهِ على قَوْلِ الصَّحَابِيِّ فَعَلَى هذا يَكُونُ الْمُرَادُ ب الْقِيَاسُ يُعْتَضَدُ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ الْقِيَاسَ الْخَفِيِّ وَيَكُونُ فِيمَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ قَوْلٌ رَابِعٌ في الْمَسْأَلَةِ من أَصْلِهَا وَتَقَدَّمَ أَيْضًا عن الْمَاوَرْدِيِّ إذَا اعْتَضَدَ بِقِيَاسِ التَّقْرِيبِ فَهُوَ أَوْلَى من قِيَاسِ التَّحْقِيقِ وَعَنْ حِكَايَةِ ابْنِ الصَّلَاحِ إذَا اعْتَضَدَ بِقِيَاسٍ ضَعِيفٍ فَهُوَ أَوْلَى من الْقِيَاسِ الْقَوِيِّ فَيَتَخَرَّجُ من هذا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ إنْ جَعَلْنَا الْقِيَاسَ الضَّعِيفَ أَعَمَّ من قِيَاسِ التَّقْرِيبِ وَغَيْرِهِ وَإِلَّا فَقَوْلٌ خَامِسٌ وَخَصَّ الْمَاوَرْدِيُّ الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ بِمَا إذَا كان مُوَافِقًا لِقِيَاسٍ جَلِيٍّ فَإِنْ لم يَكُنْ معه قِيَاسٌ جَلِيٌّ قَدَّمَ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ قَطْعًا وَخَصَّ الْقَدِيمَ بِمَا إذَا لم يَظْهَرْ له مُخَالِفٌ فَإِنْ ظَهَرَ خِلَافُهُ من صَحَابِيٍّ آخَرَ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً على الْقَدِيمِ وفي كِتَابِ الرَّضَاعِ في الْكَلَامِ على اعْتِبَارِ الْعَدَدِ حِكَايَةٌ حَكَاهَا الْمَاوَرْدِيُّ تَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَ الشَّيْخَيْنِ بِخُصُوصِهِمَا حُجَّةٌ فإنه حَكَى عن الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قال من سَأَلَنِي عن شَيْءٍ أَجَبْتُهُ من الْقُرْآنِ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ عن مُحْرِمٍ قَتَلَ زُنْبُورًا فقال لَا شَيْءَ عليه فقال أَيْنَ هذا في كِتَابِ اللَّهِ فذكر قَوْله تَعَالَى وما آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ
  116. وَقَوْلُهُ عليه السَّلَامُ اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ من بَعْدِي أبي بَكْرٍ وَعُمَرَ وقد سُئِلَ عُمَرُ عن مُحْرِمٍ قَتَلَ زُنْبُورًا فقال لَا شَيْءَ عليه قال ابن الرِّفْعَةِ فَإِنْ صَحَّتْ هذه الْحِكَايَةُ عن الشَّافِعِيِّ لَزِمَ منها أَنْ يَكُونَ قَوْلُ كُلٍّ من الشَّيْخَيْنِ عِنْدَهُ حُجَّةٌ وَمَذْهَبُهُ الْجَدِيدُ أَنَّهُ ليس بِحُجَّةٍ انْتَهَى وقال السِّنْجِيُّ في أَوَّلِ شَرْحِ التَّلْخِيصِ قَوْلُ الْوَاحِدِ من الصَّحَابَةِ إذَا انْتَشَرَ ولم يُعْلَمْ له مُخَالِفٌ وَانْقَرَضَ الْعَصْرُ عليه كان عِنْدَنَا حُجَّةٌ مَقْطُوعًا بِصِحَّتِهَا وَهَلْ يُسَمَّى إجْمَاعًا على وَجْهَيْنِ فَقِيلَ لَا لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ لَا يُنْسَبُ إلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ وَالصَّحِيحُ من الْمَذْهَبِ أَنَّهُ إجْمَاعٌ مَقْطُوعٌ على اللَّهِ بِصِحَّتِهِ وهو مَذْهَبُ كَافَّةِ الْمُتَكَلِّمِينَ ولم يُخَالِفْ فيه إلَّا الْجُعَلُ وَمَنْ تَابَعَهُ فَقَالُوا لَا يَكُون حُجَّةً قال فَأَمَّا إذَا لم يَنْتَشِرْ ولم يُعْرَفْ له مُخَالِفٌ فَلِلشَّافِعِيِّ فيه قَوْلَانِ الْقَدِيمُ أَنَّهُ حُجَّةٌ وَالْجَدِيدُ أَنَّ الْقِيَاسَ أَوْلَى منه وقال في الْقَوَاطِعِ إذَا لم يَنْتَشِرْ ولم يُعْرَفْ له مُخَالِفٌ نُظِرَ فَإِنْ كان مُوَافِقًا لِلْقِيَاسِ فَهُوَ حُجَّةٌ إلَّا أَنَّ أَصْحَابَنَا اخْتَلَفُوا هل الْحُجَّةُ في الْقِيَاسِ أو في قَوْلِهِ على وَجْهَيْنِ وَأَمَّا إذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ أو كان مع الصَّحَابِيِّ قِيَاسٌ خَفِيٌّ وَالْجَلِيُّ مُخَالِفٌ مثله فَهَذَا مَوْضِعُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ فَفِي الْقَدِيمِ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ أَوْلَى من الْقِيَاسِ وفي الْجَدِيدِ الْقِيَاسُ أَوْلَى وقال السُّهَيْلِيُّ في أَدَبِ الْجَدَلِ إنْ انْتَشَرَ وَرَضُوا بِهِ فَهُوَ حُجَّةٌ مَقْطُوعٌ بها وَهَلْ يُسَمَّى إجْمَاعًا وَجْهَانِ وَإِنْ انْتَشَرَ ولم يُعْلَمْ منهم الرِّضَا بِهِ فَوَجْهَانِ وَإِنْ لم يَنْتَشِرْ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فيه على طَرِيقَيْنِ إحْدَاهُمَا أَنَّ الْمَسْأَلَةَ على قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا وهو الْجَدِيدُ أَنَّهُ ليس بِحُجَّةٍ والثانية أَنَّهُ إنْ لَنْ يَنْتَشِرَ في الْبَاقِينَ فَهُوَ حُجَّةٌ بِلَا خِلَافٍ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ إذَا عَارَضَهُ قِيَاسٌ جَلِيٌّ فَحِينَئِذٍ قَوْلٌ خَفِيٌّ انْتَهَى وقال إلْكِيَا إنْ لم يُعْرَفْ له مُخَالِفٌ فَهُوَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ فإذا اخْتَلَفُوا فَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فيه وَقِيلَ يَحْتَجُّ بِأَقْوَالِهِمْ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ على تَقْدِيرِ اتِّبَاعِ قَوْلِ الْأَعْلَمِ منهم وَبِهِ قال الشَّافِعِيُّ في رِسَالَتِهِ الْقَدِيمَةِ لِأَنَّهُ جَوَّزَ تَقْلِيدَ الصَّحَابِيِّ وقال إنْ اخْتَلَفُوا أَخَذَ بِقَوْلِ الْأَئِمَّةِ أو بِقَوْلِ أَعْلَمِهِمْ بِذَلِكَ وَرَجَّحَهُ على الْقِيَاسِ الْمُخَالِفِ له قال إلْكِيَا وَإِنْ لم يَكُنْ بُدٌّ من تَقْلِيدِ الصَّحَابَةِ فَالْوَاجِبُ أَنْ لَا يَفْصِلَ بين أَنْ يَخْتَلِفُوا أو لَا لِأَنَّ
  117. فَقْدَ مَعْرِفَةِ الْخِلَافِ لَا يَنْتَهِضُ إجْمَاعًا وفي جَوَازِ تَقْلِيدِ الْعَالِمِ من هو أَعْلَمُ منه خِلَافٌ رَأَى محمد بن الْحَسَنِ جَوَازَهُ وَإِنْ لم يُنْقَلْ عنه وُجُوبُ ذلك قال ثُمَّ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ قَدِيمًا وَجَدِيدًا اتِّبَاعُ قَضَاءِ عُمَرَ رضي اللَّهُ عنه في تَقْدِيرِ دِيَةِ الْمَجُوسِيِّ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَتَغْلِيظِ الدِّيَةِ بِالْأَسْبَابِ الثَّلَاثَةِ اتِّبَاعًا لِآثَارِ الصَّحَابَةِ وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ في سَبَبِ ذلك فَقِيلَ لِأَنَّ الْوَاقِعَةَ اشْتَهَرَتْ وَسَكَتُوا وَذَلِكَ دَلِيلُ الْإِجْمَاعِ وَقِيلَ لِأَنَّهُ يَرَى الِاحْتِجَاجَ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ إذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ من حَيْثُ لَا مَحْمَلَ له سِوَى التَّوْقِيفِ قال وَيَظْهَرُ هذا في التَّابِعِيِّ إذَا عَلِمَ مَسَالِكَ الْأَحْكَامِ وكان مَشْهُورًا بِالْوَرَعِ لَا يَمِيلُ إلَى الْأَهْوَاءِ إلَّا أَنْ يَلُوحَ لنا في مَجَارِي نَظَرِهِ فَسَادٌ في أَصْلٍ له عليه بَنَى ما بَنَى وَيَخْرُجُ من هذا قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ حُجَّةٌ إذَا لم يَكُنْ مُدْرِكًا بِالْقِيَاسِ دُونَ ما لِلْقِيَاسِ فيه مَجَالٍ وَهَذَا الْقَوْلُ هو الْمُخْتَارُ وَبِهِ تُجْمَعُ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ رضي اللَّهُ عنه وَهَذَا حَكَاهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ وَالْغَزَالِيُّ اسْتِنْبَاطًا من قَوْلِ الشَّافِعِيِّ في كِتَابِ اخْتِلَافِ الحديث أَنَّهُ رُوِيَ عن عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَّهُ صلى في لَيْلَةٍ سِتَّ رَكَعَاتٍ كُلَّ رَكْعَةٍ بِسِتِّ سَجَدَاتٍ ثُمَّ قال إنْ ثَبَتَ ذلك عن عَلِيٍّ قُلْت بِهِ فإنه لَا مَجَالَ لِلْقِيَاسِ فيه فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ جَعَلَهُ تَوْقِيفًا هذا لَفْظُهُ قال الْقَاضِي وَهَذَا من قَوْلِهِ يَدُلُّ على أَنَّهُ كان يَعْتَقِدُ أَنَّ الصَّحَابِيَّ إذَا قال قَوْلًا ليس لِلِاجْتِهَادِ فيه مَدْخَلٌ فإنه لَا يَقُولُهُ إلَّا سَمْعًا وَتَوْقِيفًا وَأَنَّهُ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ عليه لِأَنَّهُ لَا يقول ذلك إلَّا عن خَبَرٍ انْتَهَى لَكِنَّ الْغَزَالِيَّ جَعَلَهُ من تَفَارِيعِ الْقَدِيمِ وهو مَرْدُودٌ لِأَنَّ اخْتِلَافُ الحديث من الْكُتُبِ الْجَدِيدَةِ قَطْعًا رَوَاهُ عنه الرَّبِيعُ بن سُلَيْمَانَ بِمِصْرَ وَبِهَذَا جَزَمَ ابن الصَّبَّاغِ في كِتَابِ الْكَامِلِ في الْخِلَافِ وقال إلْكِيَا في التَّلْوِيحِ إنَّهُ الصَّحِيحُ وَكَذَا صَاحِبُ الْمَحْصُولِ في بَابِ الْأَخْبَارِ وَعَلَى هذا يَنْزِلُ كُلُّ ما وَقَعَ في الْجَدِيدِ من التَّصْرِيحِ فيه بِالتَّقْلِيدِ كَاتِّبَاعِهِ الصِّدِّيقَ في عَدَمِ قَتْلِ الرَّاهِبِ وَتَقْلِيدِهِ عُثْمَانَ في الْبَرَاءَةِ وَعُمَرَ في أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ قال في الْأُمِّ إذَا أَصَابَ الرَّجُلُ بِمَكَّةَ حَمَامًا من حَمَامِهَا فَعَلَيْهِ شَاةٌ اتِّبَاعًا لِعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِمْ وقال في اخْتِلَافِ الحديث أَخَذْت بِقَوْلِ عُمَرَ في الْيَرْبُوعِ وَالضَّبُعِ حَمَلٌ وَحَكَى في الْقَدِيمِ هذا الْقَوْلَ عن الْكَرْخِيِّ وَاخْتَارَهُ الْبَزْدَوِيُّ وابن السَّاعَاتِيِّ وَغَيْرُهُمْ من الْحَنَفِيَّةِ وَهَذَا هو الذي يُعَبِّرُ عنه
  118. ابن الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ إنَّهُ حُجَّةٌ إذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ نعم تَصَرُّفَاتُ الشَّافِعِيِّ في الْجَدِيدِ تَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَهُ حُجَّةٌ بِشَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يَكُونَ لِلِاجْتِهَادِ فيه مَجَالٌ الثَّانِي أَنْ يَرِدَ في مُوَافَقَةِ قَوْلِهِ نَصٌّ وَإِنْ كان لِلِاجْتِهَادِ فيه مَجَالٌ كما فَعَلَ في مَسَائِلِ الْفَرَائِضِ مُقَلِّدًا زَيْدًا فيها لِقَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في النِّهَايَةِ اخْتَارَ الشَّافِعِيُّ أَنْ يَتْبَعَ مَذْهَبَ زَيْدٍ ولم يَضَعْ لِذَلِكَ كِتَابًا في الْفَرَائِضِ لِعِلْمِهِ بِعِلْمِ الناس بِمَذْهَبِ زَيْدٍ وَإِنَّمَا نَصَّ في مَسَائِلَ مُتَفَرِّقَةٍ في الْكِتَابِ فَجَمَعَهَا الْمُزَنِيّ وَضَمَّ إلَيْهَا مَذْهَبَ زَيْدٍ في الْمَسَائِلِ ولم يَقُلْ تَحَرَّيْت مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ كَقَوْلِهِ في أَوَاخِرِ كُتُبٍ مَضَتْ فإن التَّحَرِّيَ اجْتِهَادٌ وَلَا اجْتِهَادَ في النَّقْلِ وقد تَحَقَّقَ اتِّبَاعُ الشَّافِعِيِّ زَيْدًا وَتَرَدَّدَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ حَيْثُ تَرَدَّدَ قَوْلُ زَيْدٍ وَقَرَّبَ مَذْهَبَ زَيْدٍ إلَى الْقِيَاسِ أَنَّ جَعْلَ الْأُمَّ دُونَ الْأَبِ في النَّصِيبِ قِيَاسَ مِيرَاثِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَكَذَا قَوْلُهُ أَوْلَادُ الْأَبَوَيْنِ يُشَارِكُونَ وَلَدَ الْأُمِّ لِاشْتِرَاكِهِمْ في الْقَرَابَةِ وَجَعَلَ الْأَبَوَيْنِ مَانِعَيْنِ الْأُخُوَّةَ في رَدِّ الْأُمِّ إلَى السُّدُسِ قِيَاسًا على جَعْلِ الْبَنِينَ في مَعْنَى الْبَنَاتِ في اسْتِحْقَاقِ الثُّلُثَيْنِ وقد أَوْرَدَ على هذا أَنَّهُ خَالَفَ الْقِيَاسَ في مَسَائِلِ الْجَدِّ وَالْإِخْوَةِ وَالْمُعَادَةِ وَإِعْطَاءِ الْأُمِّ ثُلُثَ ما يَبْقَى وَلَيْسَ فيه كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا قِيَاسٌ لِأَنَّا سَوَّيْنَا بين الْأَبَوَيْنِ مع الِابْنِ وَمُشَارَكَةُ أَوْلَادِ الْأُمِّ خَارِجَةٌ عن الْقِيَاسِ لِأَنَّا نُعْطِي الْعَشَرَةَ من إخْوَةِ الْأَبَوَيْنِ نِصْفَ السُّدُسِ مَثَلًا وَنُعْطِي الْأُخْتَ الْوَاحِدَةَ لِلْأُمِّ السُّدُسَ فَأَيُّ مُرَاعَاةٍ لِاِتِّخَاذِ الْقَرَابَةِ فَإِنْ قِيلَ إذَا كان دَلِيلُ التَّقْلِيدِ الحديث السَّابِقَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتْبَعَ عَلِيًّا رضي اللَّهُ عنه في قَضَائِهِ وَمُعَاذًا في الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ لِقَوْلِهِ أَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ وَأَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذٌ وَالْجَوَابُ كما قال إنَّ الْقَضَاءَ يَتَّسِعُ وَيَتَعَلَّقُ بِمَا لَا يُسَوِّغُ التَّقْلِيدَ فيه وَكَذَلِكَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ قال وَعِنْدَنَا أَنَّ الْمَذْهَبَ لَا يَسْتَقِلُّ بِتَقْلِيدِ زَيْدٍ وما انْتَحَلَ مَذْهَبُهُ إلَّا عن أَصْلٍ يَجُوزُ فيه الرَّأْيُ وَلِهَذَا خَالَفَ الصَّحَابَةُ وَالشَّافِعِيُّ لم يَخْلُ بِمَسْأَلَةٍ عن احْتِجَاجٍ وَإِنَّمَا اعْتَصَمَ بِشَهَادَةِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم تَرْجِيحًا وَبِهَذَا تَبَيَّنَ انْتَهَى وَجَرَى على ذلك
  119. الرَّافِعِيُّ وَأَمَّا ابن الرِّفْعَةِ فقال الظَّاهِرُ أَنَّ اخْتِيَارَ الشَّافِعِيِّ لِمَذْهَبِ زَيْدٍ اخْتِيَارُ تَقْلِيدٍ كما يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ لَفْظِ الْأُمِّ إذْ قال الشَّافِعِيُّ وَقُلْنَا إذَا وَرِثَ الْجَدُّ مع الْإِخْوَةِ قَاسَمَهُمْ ما كانت الْمُقَاسَمَةُ خَيْرًا له من الثُّلُثِ فإذا كان الثُّلُثُ خَيْرًا له منها أُعْطِيَهُ وَهَذَا قَوْلُ زَيْدِ بن ثَابِتٍ وَعَنْهُ قَبْلَنَا أَكْثَرَ الْفَرَائِضِ وَهِيَ التي لَا نَصَّ فيها وَلَا إجْمَاعَ وَجَعَلَ الرَّافِعِيُّ مَوْضِعَ الْقَوْلَيْنِ ما إذَا لم يَنْتَشِرْ فِيهِمْ قال ثُمَّ عن الصَّيْرَفِيِّ وَالْقَفَّالِ أَنَّ الْقَوْلَ فِيمَا إذَا لم يَكُنْ معه قِيَاسٌ أَصْلًا فَإِنْ كان مع قَوْلِهِ قِيَاسٌ ضَعِيفٌ احْتَجَّ بِهِ وَتَرَجَّحَ على الْقِيَاسِ الْقَوِيِّ قال وَالْأَكْثَرُونَ على أَنَّهُ لَا فَرْقَ قال وَإِنْ انْتَشَرَ فَإِمَّا أَنْ يُخَالِفَهُ غَيْرُهُ أو يُوَافِقُهُ سَائِرُ أَصْحَابِهِ أو يَسْكُتُوا فَإِنْ خَالَفَهُ فَعَلَى قَوْلِهِ الْجَدِيدِ هو كَاخْتِلَافِ الْمُجْتَهِدِينَ وَعَلَى الْقَدِيمِ هُمَا حُجَّتَانِ تَعَارَضَتَا فَتَرَجَّحَ من خَارِجٍ وَإِنْ وَافَقَهُ جَمِيعُ الصَّحَابَةِ فَهُوَ إجْمَاعٌ منهم التَّفْرِيعُ على أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ إنْ قُلْنَا أَنَّهُ حُجَّةٌ فَلَا يَجُوزُ لِلتَّابِعِيِّ مُخَالَفَتُهُ وَلِلْمُسْتَدِلِّ أَنْ يَحْتَجَّ بِهِ كما يَحْتَجُّ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ وَالْأَقْيِسَةِ لَكِنَّهُ مُتَأَخِّرٌ عنها في الرُّتْبَةِ فَلَا يَتَمَسَّكُ بِشَيْءٍ منها إلَّا عِنْدَ عَدَمِهَا وفي تَقْدِيمِ الْقِيَاسِ عليه الْخِلَافُ السَّابِقُ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ في شَرْعِ من قَبْلَنَا لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ أَدِلَّةِ شَرْعِنَا وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَخُصَّ بِهِ عُمُومَ كِتَابٍ أو سُنَّةٍ فيه وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَالشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ فَلَوْ اخْتَلَفُوا قال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ كان قَوْلُ الْمُخَالِفِينَ قَبْلَهُمْ بِحُجَّتَيْنِ تَعَارَضَتَا وَبِهِ جَزَمَ الرَّافِعِيُّ قال الشَّيْخُ فَيُرَجَّحُ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ على الْآخَرِ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ فَإِنْ اسْتَوَيَا قُدِّمَ بِالْأَئِمَّةِ فَإِنْ كان في أَحَدِهِمَا الْأَكْثَرُ وفي الْآخَرِ الْأَقَلُّ لَكِنَّ مع الْأَقَلِّ أَحَدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ تَسَاوَيَا فَإِنْ اسْتَوَيَا في الْعَدَدِ وَالْأَئِمَّةِ وَمَعَ أَحَدِهِمَا قَوْلُ الشَّيْخَيْنِ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُمَا سَوَاءٌ والثاني تَرْجِيحُ الْقَوْلِ الذي معه أَحَدُ الْعُمَرَيْنِ لِحَدِيثِ اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ من بَعْدِي
  120. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْفَرْقَ بين اخْتِلَافِ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَاخْتِلَافِ الحديث في أَنَّهُ لَا يَجْمَعُ بين أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ بِتَنْزِيلِ الْمُطْلَقِ على الْمُقَيَّدِ وَتَخْصِيصِ الْعَامِّ بِالْخَاصِّ وَتَأْوِيلِ ما يَحْتَمِلُ وَنَحْوَ ذلك مِمَّا يَجْمَعُ بِهِ بين الْأَخْبَارِ الْمُخْتَلِفَةِ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّ جَمِيعَ الْأَخْبَارِ صَادِرٌ عن وَاحِدٍ وهو مَعْصُومٌ عليه السَّلَامُ فَلَا يَجُوزُ فيها الِاخْتِلَافُ وَالتَّضَادُّ من كل وَجْهٍ فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا مَهْمَا أَمْكَنَ حتى لَا يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُخَالِفًا لِلْآخَرِ وإذا لم يُمْكِنْ ذلك كان الثَّانِي نَاسِخًا لِلْأَوَّلِ وَأَمَّا أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ إذَا اخْتَلَفَتْ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ لِاخْتِلَافِ مَقَاصِدِهِمْ وَأَنَّ ذلك ليس صَادِرًا عن مُتَكَلِّمٍ وَاحِدٍ وقال ابن فُورَكٍ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ في الْقَدِيمِ إلَى قَوْلِ الْأَئِمَّةِ منهم أو أَكْثَرِهِمْ ما لم يَكُنْ فيه وَاحِدٌ من الْأَئِمَّةِ وَمَنْ قال من أَصْحَابِنَا بِتَقْلِيدِ الْعَالِمِ لِمَنْ هو أَعْلَمُ منه قال بِهِ وهو قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ وقال الرُّويَانِيُّ في أَوَّلِ الْبَحْرِ إذَا اخْتَلَفُوا على قَوْلَيْنِ فَإِنْ لم يَكُنْ فِيهِمْ إمَامٌ نُظِرَ فَإِنْ كَانُوا في الْعَدَدِ سَوَاءٌ فَهُمَا سَوَاءٌ وَإِنْ اخْتَلَفَ الْعَدَدُ فَهَلْ يُرَجَّحُ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ فَعَلَى قَوْلِهِ في الْجَدِيدِ لَا يُرَجَّحُ وَيَقُولُ ما يُوجِبُهُ الدَّلِيلُ وَعَلَى الْقَدِيمِ يُرَجَّحُ كما في الْأَخْبَارِ وَإِنْ كان منهم إمَامٌ فَإِنْ كَانُوا في الْعَدَدِ سَوَاءٌ فَاَلَّتِي فيها الْإِمَامُ هل هِيَ أَوْلَى قَوْلَانِ قال في الْقَدِيمِ نعم وقال في الْجَدِيدِ لَا وَإِنْ اخْتَلَفَ الْعَدَدُ وَالْإِمَامُ مع الْأَقَلِّ فَهُمَا سَوَاءٌ على كِلَا الْقَوْلَيْنِ وَلَوْ اتَّفَقَا في الْعَدَدِ وفي أَحَدِهِمَا أبو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَعَلَى الْقَدِيمِ فيه وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا يُرَجَّحُ قَوْلُ أبي بَكْرٍ وَعُمَرَ على غَيْرِهِمَا قال الرَّافِعِيُّ وَيَنْبَغِي جَرَيَانُ الْوَجْهَيْنِ فِيمَا لو تَعَارَضَ الصِّدِّيقُ وَعُمَرُ حتى يَسْتَوِيَا على وَجْهٍ وَيُرَجَّحُ طَرَفُ أبي بَكْرٍ على غَيْرِهِ وقال الْمَاوَرْدِيُّ إذَا اخْتَلَفُوا أَخَذْنَا بِقَوْلِ الْأَكْثَرِ فَإِنْ اسْتَوَيَا أَخَذْنَا بِقَوْلِ من معه أَحَدُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ فَإِنْ لم يَكُنْ رَجَعْنَا إلَى التَّرْجِيحِ وقال ابن الْقَطَّانِ من أَصْحَابِنَا في كِتَابِهِ إذَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ في هذه الْمَسْأَلَةِ فَكَانَ يقول في مَوْضِعٍ من اخْتِلَافِ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ إنَّهُمَا سَوَاءٌ وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ من الْجَدِيدِ أَنَّهُ يَصِيرُ إلَى قَوْلِ أبي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِيهِمْ عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ فَدَلَّ على مَزِيَّةِ قَوْلِهِمْ على أَهْلِ
  121. الْفَتْوَى ثُمَّ مَثَّلَ الْمَسْأَلَةَ بِالْبَيْعِ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ من الْعُيُوبِ فقال قَوْلُ الْأَئِمَّةِ أَوْلَى لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ بَاعَ عَبْدًا بِالْبَرَاءَةِ فقال الْمُشْتَرِي كان فيه عَيْبٌ عَلِمْتُهُ ولم تُسَمِّهِ لي فَكَانَ عِنْدَهُ أَنَّهُ يَبْرَأُ من ذلك إذَا وَقَفَ عليه ولم يَسْمَعْهُ فقال عُثْمَانُ إنْ لم تَحْلِفْ بِاَللَّهِ على هذا لَزِمَك وإذا كان هذا هَكَذَا فَقَدْ صَارَ إلَى قَوْلِ عُثْمَانَ وَإِنَّمَا صَارَ إلَى الْقَوْلِ بِالْقِيَاسِ وَعَلَى هذه الْقَاعِدَةِ إذَا اخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ أَخَذْنَا بِقَوْلِ الْأَكْثَرِ وَذَكَرَ في كِتَابِ اخْتِلَافُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ عَلِيًّا صلى في زَلْزَلَةِ رَكْعَتَيْنِ في كل رَكْعَةٍ سِتُّ سَجَدَاتٍ قال ابن الْقَطَّانِ وَإِنَّمَا سَلَكَ في هَذَيْنِ كَسُلُوكِهِ في الْأَخْبَارِ بِالتَّرْجِيحِ بِالْكَثْرَةِ وَلِهَذَا خَرَّجَهُ على قَوْلَيْنِ قال ابن قُدَامَةَ في الرَّوْضَةِ إذَا اخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ على قَوْلَيْنِ لم يَجُزْ لِلْمُجْتَهِدِ الْأَخْذُ بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ من غَيْرِ دَلِيلٍ خِلَافًا لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهُ يَجُوزُ ذلك ما لم يُنْكِرْ على الْقَائِلِ قَوْلَهُ لِأَنَّ اخْتِلَافَهُمْ دَلِيلٌ على تَسْوِيغِ الْخِلَافِ وَالْأَخْذِ بِكُلِّ وَاحِدٍ من الْقَوْلَيْنِ وَلِهَذَا يَرْجِعُ إلَى مُعَاذٍ في تَرْكِ رَجْمِ الْمَرْأَةِ قال وَهَذَا فَاسِدٌ فإن قَوْلَ الصَّحَابِيِّ لَا يَزِيدُ على الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَوْ تَعَارَضَ دَلِيلَانِ من كِتَابٍ أو سُنَّةٍ لم يَجُزْ الْأَخْذُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بِدُونِ التَّرْجِيحِ وَلَا نَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ صَوَابٌ وَالْآخَرَ خَطَأٌ وَلَا نَعْلَمُهُ إلَّا بِدَلِيلٍ وَإِنَّمَا يَدُلُّ اخْتِلَافُهُمْ على تَسْوِيغِ الِاجْتِهَادِ في كِلَا الْقَوْلَيْنِ أَمَّا على الْأَخْذِ بِدُونِ مُرَجِّحٍ فَكَلَّا وَأَمَّا رُجُوعُهُمْ إلَى قَوْلِ مُعَاذٍ فَلِأَنَّهُ بَانَ له الْحَقُّ بِدَلِيلِهِ فَيَرْجِعُ إلَيْهِ انْتَهَى تَنْبِيهٌ قال الشَّافِعِيُّ أَقُولُ بِقَوْلِ الْأَئِمَّةِ أبي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَسَكَتَ عن عَلِيٍّ فَرَدَّ عليه دَاوُد وقال ما بَالُهُ تَرَكَ عَلِيًّا وَلَيْسَ بِدُونِ من رَضِيَهُ في هذا قال ابن الْقَطَّانِ وَلَا نَظُنُّ بِالشَّافِعِيِّ الْإِعْرَاضَ عن أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ وَلَهُ في هذا مَقَاصِدُ منها أَنَّهُ تَرَكَ ذِكْرَهُ اكْتِفَاءً لِأَنَّهُمْ مَعْلُومُونَ بِبَعْضِهِمْ فَنَبَّهَ على الْبَعْضِ وَلِهَذَا قال في بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أبو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَمِنْهَا أَنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ الرَّدَّ على مَالِكٍ لِأَنَّهُ يُخَالِفُهُ في هذه الْمَسْأَلَةِ فقال أَقُولُ بِقَوْلِ الْأَئِمَّةِ إلَى آخِرِهِ لِأَنَّ كَلَامَهُ على من كان بِالْمَدِينَةِ وَيَشْهَدُ لِهَذَا التَّأْوِيلِ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ في اخْتِلَافِ الحديث أَقُولُ بِقَوْلِ الْأَئِمَّةِ أبي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ
  122. فَدَلَّ على ما سَبَقَ وَمِنْهَا أَنَّ الْكَلَامَ على ظَاهِرِهِ وَأَرَادَ الثَّلَاثَةَ في صُورَةٍ وَهِيَ ما إذَا انْفَرَدُوا وكان عَلِيٌّ حَاضِرًا وَسَائِرُ أَصْحَابِهِ وَسَكَتُوا عَمَّا حَكَمُوا بِهِ وَأَفْتَوْا صَارَ إجْمَاعًا وَحِينَئِذٍ فَيُصَارُ إلَى قَوْلِهِمْ لِأَنَّ عَلِيًّا مُوَافِقٌ في الْمَعْنَى وَلَيْسَ كَذَلِكَ أَمْرُ عَلِيٌّ بِالْكُوفَةِ إنَّمَا كان بِحَضْرَتِهِ من يَأْخُذُ عنه فلم يَكُنْ في سُكُوتِهِمْ له حُجَّةٌ قال ابن الْقَطَّانِ وَالْأَشْبَهُ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ وهو أَنْ يَكُونَ تَرَكَ ذلك اكْتِفَاءً وَكَذَلِكَ قال ابن الْقَاصِّ في التَّلْخِيصِ وقال السِّنْجِيُّ في شَرْحِهِ إنَّهُ الْأَصَحُّ أَنَّهُ ذَكَرَ الْمُعْظَمَ وَأَرَادَ الْكُلَّ قال وَمِنْ أَصْحَابِنَا من قال لَا يُرَجَّحُ بِقَوْلِ عَلِيٍّ كما لَا يُرَجَّحُ بِقَوْلِ غَيْرِهِ من الْخُلَفَاءِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِذِكْرِ ما سَبَقَ إذَا لم يَكُنْ قَوْلُهُ صَادِرًا عن رَأْيِ الْكَافَّةِ بِخِلَافِ من قَبْلَهُ تَنْبِيهٌ آخَرُ حَاصِلُ الْخِلَافِ في اخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ ثَلَاثُهُ أَقْوَالٍ سُقُوطُ الْحُجَّةِ وَأَنَّهُ لَا يُعْتَمَدُ قَوْلٌ منها التَّخْيِيرُ فَيَأْخُذُ بِقَوْلِ من شَاءَ منهم وَحَكَاهُ ابن عبد الْبَرِّ عن الْقَاسِمِ بن مُحَمَّدٍ وَعُمَرَ بن عبد الْعَزِيزِ وَعَزَاهُ بَعْضُهُمْ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ يَعْدِلُ إلَى التَّرْجِيحِ وَنَصَّ عليه الشَّافِعِيُّ في الرِّسَالَةِ فقال نَصِيرُ منها إلَى ما وَافَقَ الْكِتَابَ أو السُّنَّةَ أو الْإِجْمَاعَ أو كان أَصَحُّ في الْقِيَاسِ وهو الْأَصَحُّ وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ وَاحْتَجَّ ابن عبد الْبَرِّ بِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ على تَخْطِئَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَرُجُوعِ بَعْضِهِمْ إلَى قَوْلِ غَيْرِهِ عِنْدَ مُخَالَفَتِهِ إيَّاهُ وهو دَلِيلٌ على أَنَّ اخْتِلَافَهُمْ عِنْدَهُمْ خَطَأٌ وَصَوَابٌ وقال أبو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُ في كِتَابِ أَدَبِ الْقَضَاءِ وإذا كان من الصَّحَابَةِ خِلَافٌ في الْمَسْأَلَةِ لم يَجُزْ لِمَنْ بَعْدَهُمْ الْخُرُوجُ عن أَقَاوِيلِهِمْ لِأَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يَخْرُجَ الْحَقُّ عن جَمِيعِهِمْ أو يَشْمَلُ الْخَطَأُ كُلَّهُمْ وَقِيلَ يَجُوزُ الْخُرُوجُ عن أَقْوَالِهِمْ وَقِيلَ يَتَخَيَّرُ من غَيْرِ دَلِيلٍ انْتَهَى وَلَعَلَّهُ فَرَّعَهُ على الْقَوْلِ بِأَنَّهُ حُجَّةٌ ثُمَّ قال وإذا حَكَى الْقَوْلَ في حَادِثَةٍ عن وَاحِدٍ من الصَّحَابَةِ وَتَظَاهَرَ وَاشْتَهَرَ ولم يُخَالِفْ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْإِجْمَاعِ لِعَدَمِ النَّكِيرِ منهم وإذا نَقَلَ الثِّقَاتُ عن وَاحِدٍ منهم قَوْلًا غير مُنْتَشِرٍ في جَمِيعِهِمْ ولم يُرْوَ عن
  123. وَاحِدٍ منهم وِفَاقُهُ لَا خِلَافُهُ فَقَدْ اخْتَلَفَ فيه وَالْوَاجِبُ عِنْدَنَا الْمَصِيرُ إلَيْهِ لِأَنَّهُ في الْمَعْنَى رَاجِعٌ إلَى أَنَّ الْعَصْرَ قد انْخَرَمَ وَالْحَقُّ مَعْدُومٌ وَهَذَا مع اخْتِصَاصِ الصَّحَابَةِ بِمُشَاهَدَةِ الرَّسُولِ وَمَعْرِفَةِ الْخِطَابِ منه إذْ الشَّاهِدُ يَعْرِفُ بِالْحَالِ ما يَخْفَى على من بَعْدَهُ انْتَهَى فَائِدَةٌ قال ابن عبد السَّلَامِ في فَتَاوِيهِ الْمَوْصِلِيَّةِ إذَا صَحَّ عن بَعْضِ الصَّحَابَةِ مَذْهَبٌ في حُكْمٍ من الْأَحْكَامِ لم يَجُزْ مُخَالَفَتُهُ إلَّا بِدَلِيلٍ أَوْضَحَ من دَلِيلِهِ وَلَا يَجِبُ على الْمُجْتَهِدِينَ تَقْلِيدُ الصَّحَابَةِ في مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَلَا يَحِلُّ لهم ذلك مع ظُهُورِ أَدِلَّتِهِمْ على أَدِلَّةِ الصَّحَابَةِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ الْأَدِلَّةِ ولم يُوجِبْ تَقْلِيدَ الْعُلَمَاءِ إلَّا على الْعَامَّةِ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ أَدِلَّةَ الْأَحْكَامِ فَائِدَةٌ أُخْرَى ذَكَرَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ في كِتَابِ الْفَقِيهِ وَالْمُتَفَقِّهِ عن الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قال إذَا جاء اخْتِلَافٌ عن الصَّحَابَةِ نَظَرَ أَتْبَعَهُمْ لِلْقِيَاسِ إذَا لم يُوجَدْ أَصْلٌ يُخَالِفُهُ فَقَدْ خَالَفَ عَلِيٌّ عُمَرَ في ثَلَاثِ مَسَائِلَ الْقِيَاسُ فيها مع عَلِيٍّ وَبِقَوْلِهِ أَخَذَ منها الْمَفْقُودُ قال عُمَرُ يُضْرَبُ له أَجَلُ أَرْبَعِ سِنِينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ ثُمَّ تُنْكَحُ وقال عَلِيٌّ لَا تُنْكَحُ أَبَدًا وقد اخْتَلَفَ فيه عن عَلِيٍّ حتى يَصِحَّ مَوْتٌ أو فِرَاقٌ وقال عُمَرُ في الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ في سَفَرِهِ ثُمَّ يَرْتَجِعُهَا فَيَبْلُغُهَا الطَّلَاقُ وَلَا تَبْلُغُهَا الرَّجْعَةُ حتى تَحِلَّ وَتُنْكَحَ أَنَّ زَوْجَهَا الْآخَرَ أَوْلَى إذَا دخل بها وقال عَلِيٌّ هِيَ لِلْأَوَّلِ أَبَدًا وهو أَحَقُّ بها وقال عُمَرُ في الذي يَنْكِحُ الْمَرْأَةَ في الْعِدَّةِ وَيَدْخُلُ بها أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ثُمَّ لَا يَنْكِحُهَا أَبَدًا وقال عَلِيٌّ يَنْكِحُهَا بَعْدَهُ مَسْأَلَةٌ قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ في كِتَابِ الْأُصُولِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ أَرْبَعَةٌ من الصَّحَابَةِ تَكَلَّمُوا في جَمِيعِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ وَهُمْ عَلِيٌّ وَزَيْدٌ وابن عَبَّاسٍ وابن مَسْعُودٍ وَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ مَتَى أَجْمَعُوا على مَسْأَلَةٍ على قَوْلٍ فَالْأُمَّةُ فيها مُجْمِعَةٌ على قَوْلِهِمْ غَيْرُ مُبْتَدَعٍ لَا يَعْتَدُّ بِخِلَافِهِ وَكُلُّ مَسْأَلَةٍ انْفَرَدَ فيها عَلِيٌّ بِقَوْلٍ عن سَائِرِ الصَّحَابَةِ تَبِعَهُ فيها ابن أبي لَيْلَى وَالشَّعْبِيُّ وَعُبَيْدَةُ السَّلْمَانِيُّ وَكُلُّ مَسْأَلَةٍ انْفَرَدَ فيها زَيْدٌ بِقَوْلٍ تَبِعَهُ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ في أَكْثَرِهِ وَتَبِعَهُ خَارِجَةُ بن زَيْدٍ لَا مَحَالَةَ وَكُلُّ مَسْأَلَةٍ انْفَرَدَ بها ابن مَسْعُودٍ تَبِعَهُ عَلْقَمَةُ وَالْأَسْوَدُ وأبو أَيُّوبَ
  124. فَصْلٌ التَّفْرِيعُ على أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ ليس بِحُجَّةٍ وَإِنْ قُلْنَا ليس بِحُجَّةٍ فَلَا يَكُونُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ حُجَّةً على الْبَعْضِ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ تَقْلِيدُ الْآخَرِ وَلَا يَمْنَعُ من تَقْلِيدِهِمْ من ليس بِمُجْتَهِدٍ لَكِنَّ الذي صَرَفَ الناس عن تَقْلِيدِهِمْ أَنَّهُمْ اشْتَغَلُوا بِالْجِهَادِ وَفَتْحِ الْبِلَادِ وَنَشْرِ الدَّيْنِ وَإِعْلَامِهِ فلم يَتَفَرَّغُوا لِتَفْرِيعِ الْفُرُوعِ وَتَدْوِينِهَا وَلَا انْتَشَرَ لهم مَذَاهِبُ يُعْرَفُ آحَادُهُمْ بها كما جَرَى ذلك لِمَنْ بَعْدَهُمْ وَأَمَّا تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِ لهم فَفِيهِ ثَلَاثُهُ أَقْوَالِ لِلشَّافِعِيِّ ثَالِثُهَا يَجُوزُ إنْ انْتَشَرَ قَوْلُهُ ولم يُخَالَفْ وَإِلَّا فَلَا وقد أَفْرَدَ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ هذه الْمَسْأَلَةَ بِالذِّكْرِ بَعْدَ الْكَلَامِ في أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابَةِ حُجَّةٌ أَمْ لَا فقال في الْمُسْتَصْفَى إنْ قال قَائِلٌ إذَا لم يَجِبْ تَقْلِيدُهُمْ هل يَجُوزُ تَقْلِيدُهُمْ قُلْنَا أَمَّا الْعَامِّيُّ فَيُقَلِّدُهُمْ وَأَمَّا الْعَالِمُ فَإِنْ جَازَ له تَقْلِيدُ الْعَالِمِ جَازَ له أَنْ يُقَلِّدَهُمْ وَإِنْ حَرَّمْنَا تَقْلِيدَ الْعَالِمِ لِلْعَالِمِ فَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ في تَقْلِيدِ الصَّحَابَةِ فقال في الْقَدِيمِ يَجُوزُ إذَا قال قَوْلًا وَانْتَشَرَ قَوْلُهُ ولم يُخَالَفْ وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ يُقَلِّدُ وَإِنْ لم يَنْتَشِرْ وقال وَرَجَعَ في الْجَدِيدِ إلَى أَنَّهُ لَا يُقَلِّدُ الْعَالِمُ صَحَابِيًّا كما لَا يُقَلِّدُ الْعَالِمُ عَالِمًا آخَرَ نَقَلَ الْمُزَنِيّ عنه ذلك وَأَنَّ الْعَمَلَ على الْأَدِلَّةِ التي فيها يَجُوزُ لِلصَّحَابِيِّ الْفَتْوَى وهو الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا انْتَهَى وقد تَبِعَهُ على إفْرَادِ هذه الْمَسْأَلَةِ وَجَعَلَهَا فَرْعًا لِمَا قَبْلَهَا ابن السَّمْعَانِيِّ وَالرَّازِيُّ وَأَتْبَاعُهُ وَالْآمِدِيُّ وَيُوَافِقُهُ حِكَايَةُ ابْنِ الْقَطَّانِ في كِتَابِهِ قَوْلَيْنِ في الصَّحَابِيِّ إذَا قال قَوْلًا ولم يَنْتَشِرْ أَحَدُهُمَا أَنَّ تَقْلِيدَهُ وَاجِبٌ وَلَيْسَ لِلتَّابِعِيِّ مُخَالَفَتُهُ والثاني أَنَّ له مُخَالَفَتَهُ وَالنَّظَرَ في الْأَدِلَّةِ وَأَعْرَضَ ابن الْحَاجِبِ عن إفْرَادِ هذه الْمَسْأَلَةِ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا عَيْنُ ما قَبْلَهَا وهو الْحَقُّ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ حَيْثُ صَرَّحَ بِتَقْلِيدِ الصَّحَابِيِّ لم يُرِدْ بِهِ التَّقْلِيدَ الْمَشْهُورَ وهو قَبُولُ قَوْلِ غَيْرِهِ مِمَّنْ لَا يَجِبُ عليه اتِّبَاعُهُ من غَيْرِ حُجَّةٍ بَلْ مُرَادُهُ بِذَلِكَ الِاحْتِجَاجُ فإنه اسْتَعْمَلَهُ في مَوْضِعِ الْحُجَّةِ فقال في مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيّ في
  125. بَابِ الْقَضَاءِ في الْكَلَامِ على الْمُشَاوِرِ وَلَا يُقْبَلُ وَإِنْ كان أَعْلَمَ منه حتى يَعْلَمَ كَعِلْمِهِ أَنَّ ذلك لَازِمٌ له فَأَمَّا أَنْ يُقَلِّدَهُ فلم يَجْعَلْ اللَّهُ ذلك لِأَحَدٍ بَعْدَ الرَّسُولِ هذا نَصُّهُ فَأَطْلَقَ اسْمَ التَّقْلِيدِ على الِاحْتِجَاجِ بِقَوْلِ النَّبِيّ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَلَا سِيَّمَا مع ما اسْتَقَرَّ من قَوْلِهِ الْمُتَكَرِّرِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ بِالنَّهْيِ عن التَّقْلِيدِ وَالْمَنْعِ منه وَيَدُلُّ على ذلك قَوْلُ الْمَاوَرْدِيِّ وَالْجَوْرِيِّ إنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ في الْقَدِيمِ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ بِمُفْرَدِهِ إذَا اشْتَهَرَ ولم يَظْهَرْ له مُخَالِفٌ قال الْمَاوَرْدِيُّ لَا سِيَّمَا إذَا كان الصَّحَابِيُّ إمَامًا وَأَغْرَبَ ابن الصَّبَّاغِ فَحَكَى ذلك عن الْجَدِيدِ وقد سَبَقَ ثُمَّ قَوْلُ الْغَزَالِيِّ أَنَّهُ رَجَعَ عنه في الْجَدِيدِ مُعَارِضٌ بِمَا نَصَّ عليه في كِتَابِ الْأُمِّ في غَيْرِ مَوْضِعٍ بِتَقْلِيدِ الصَّحَابَةِ كما سَبَقَ في الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ وَقَوْلُهُ قُلْتُهُ تَقْلِيدًا لِعُثْمَانَ نَقَلَهُ الْمُزَنِيّ في مُخْتَصَرِهِ وَالرَّبِيعُ في اخْتِلَافِ الْعِرَاقِيِّينَ فَإِنْ كان أَرَادَ الشَّافِعِيُّ بِالتَّقْلِيدِ لِلصَّحَابِيِّ في الْقَدِيمِ مَعْنَاهُ الْمَعْرُوفَ فَهُوَ كَذَلِكَ هُنَا أَيْضًا في الْجَدِيدِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الِاحْتِجَاجَ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ وَأَطْلَقَ اسْمَ التَّقْلِيدِ عليه مَجَازًا كما أَطْلَقَهُ في الِاحْتِجَاجِ بِقَوْلِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وقد قال الْغَزَالِيُّ في الْمُسْتَصْفَى بَعْدَمَا سَبَقَ فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ تَرَكَ الشَّافِعِيُّ في الْجَدِيدِ الْقِيَاسَ في تَغْلِيظِ الدِّيَةِ في الْحَرَمِ لِقَوْلِ عُثْمَانَ وَلِذَلِكَ فَرَّقَ بين الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ في شَرْطِ الْبَرَاءَةِ لِقَوْلِ عُثْمَانَ قُلْنَا له في مَسْأَلَةِ شَرْطِ الْبَرَاءَةِ أَقْوَالٌ فَلَعَلَّ هذا مَرْجُوعٌ عنه انْتَهَى وَهَذَا مَرْدُودٌ بِأَنَّا قد بَيَّنَّا أَنَّهُ نَصَّ عليه في غَيْرِ مَوْضِعٍ من كُتُبِهِ الْجَدِيدَةِ وقال إنَّهُ الذي ذَهَبَ إلَيْهِ وَبِهِ قَطَعَ أبو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وابن خَيْرَانَ وَغَيْرُهُمَا ولم يَجْعَلَا لِلشَّافِعِيِّ قَوْلًا في الْمَسْأَلَةِ غَيْرَهُ وهو الذي صَحَّحَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ وَأَمَّا مَسْأَلَةُ تَغْلِيظِ الدِّيَةِ فَقَدْ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ فيها بِمَا رُوِيَ عن عُثْمَانَ أَنَّهُ قَضَى في امْرَأَةٍ قُتِلَتْ بِالدِّيَةِ وَثُلُثِ الدِّيَةِ وَرُوِيَ نَحْوَهُ عن عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَلَا مُخَالِفَ لهم من الصَّحَابَةِ فَيَكُونُ اعْتَمَدَ ذلك بِنَاءً على أَنَّهُ إجْمَاعٌ سُكُوتِيٌّ أو لِأَنَّهُ قَضَى بِهِ عُثْمَانُ وهو قد نَصَّ في الْجَدِيدِ على الرُّجُوعِ إلَى قَوْلِ أَحَدِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ لِأَنَّهُ يَشْتَهِرُ غَالِبًا بِخِلَافِ قَوْلِ الْمُفْتَى وقد حَكَى الْغَزَالِيُّ أَيْضًا في الْمَوْضِعِ الْمُشَارِ إلَيْهِ أَيْضًا أَنَّ الشَّافِعِيَّ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَ الْإِفْتَاءُ وَالْحُكْمُ من الصَّحَابَةِ فقال مَرَّةً الْحُكْمُ أَوْلَى لِأَنَّ الْعِنَايَةَ بِهِ أَشَدُّ
  126. وَالْمَشُورَةَ فيه أَبْلَغُ وقال مَرَّةً الْفَتْوَى أَوْلَى لِأَنَّ سُكُوتَهُمْ على الْحُكْمِ يُحْمَلُ على الطَّاعَةِ لِأُولِي الْأَمْرِ وَعَزَا هذا الِاخْتِلَافُ لِلْقَدِيمِ وَجَعَلَهُ مَرْجُوعًا عنه وَفِيهِ من النَّظَرِ ما سَلَفَ نَصُّهُ في كُتُبِهِ الْجَدِيدَةِ تَنْبِيهٌ ظَهَرَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ أَنْ ذَكَرَ الْمِنْهَاجُ هذا الْقَوْلَ الثَّالِثَ في أَصْلِ مَسْأَلَةِ الْحُجِّيَّةِ ليس بِغَلَطٍ كما زَعَمَ شُرَّاحُهُ بَلْ هو الصَّوَابُ
  127. فَصْلٌ أَمَّا إذَا انْضَمَّ إلَى قَوْلِ الصَّحَابِيِّ الْقِيَاسُ فَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ إحْدَاهُمَا إذَا تَعَارَضَ قَوْلُ صَحَابِيَّيْنِ وَاعْتَضَدَ أَحَدُهُمَا بِالْقِيَاسِ وقد سُبِقَتْ عن النَّصِّ الثَّانِيَةُ إذَا تَعَارَضَ قِيَاسَانِ وَاعْتَضَدَ أَحَدُهُمَا بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ فَحَكَى الرَّافِعِيُّ عن الْغَزَالِيِّ أَنَّهُ قد قِيلَ تَمِيلُ نَفْسُ الْمُجْتَهِدِ إلَى ما يُوَافِقُ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ وَيُرَجَّحُ عِنْدَهُ قال النَّوَوِيُّ وقد صَرَّحَ الشَّيْخُ في اللُّمَعِ وَغَيْرُهُ من الْأَصْحَابِ بِالْجَزْمِ بِالْمُوَافِقِ انْتَهَى وأنا أَقُولُ من يَرَى أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ بِمُفْرَدِهِ حُجَّةٌ مُقَدَّمَةٌ على الْقِيَاسِ يَكُونُ احْتِجَاجُهُ هُنَا بِقَوْلِ الصَّحَابَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَمَنْ يَرَى أَنَّهُ ليس بِحُجَّةٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْقِيَاسَانِ صَحِيحَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ أو لَا فَإِنْ كَانَا كَذَلِكَ ولم يَتَرَجَّحْ أَحَدُهُمَا على الْآخَرِ بِمُرَجِّحٍ في الْأَصْلِ أو حُكْمِهِ أو في الْعِلَّةِ أو دَلِيلِهَا أو في الْفَرْعِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقِيَاسَ الْمُعْتَضَدَ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ مُقَدَّمٌ وَيَكُونُ ذلك من التَّرْجِيحَاتِ بِالْأُمُورِ الْخَارِجِيَّةِ كما تَرَجَّحَ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ الْمُعَارِضَيْنِ بِعَمَلِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ دُونَ الْآخَرِ وَأَمَّا إذَا كان أَحَدُ الْقِيَاسَيْنِ مُرَجَّحًا على الْآخَرِ في شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا وَمَعَ الْمَرْجُوحِ قَوْلُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ فَهَذَا مَحَلُّ النَّظَرِ على الْقَوْلِ بِأَنَّ قَوْلَهُ ليس بِحُجَّةٍ وَالِاحْتِمَالُ مُنْقَدِحٌ وقد تَقَدَّمَ حِكَايَةُ ابْنِ الصَّبَّاغِ عن بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْقِيَاسَ الضَّعِيفَ إذَا اعْتَضَدَ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ يُقَدَّمُ على الْقِيَاسِ الْقَوِيِّ وَذَاكَ هُنَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَتَقَدَّمَ نَقْلُ الْمَاوَرْدِيِّ عن الشَّافِعِيِّ أَنَّ رَأْيَهُ في الْجَدِيدِ أَنَّ قِيَاسَ التَّقْرِيبِ إذَا انْضَمَّ إلَى قَوْلِ الصَّحَابِيِّ كان أَوْلَى من قِيَاسِ التَّحْقِيقِ وَمَثَّلَ الْمَاوَرْدِيُّ قِيَاسَ التَّقْرِيبِ بِمَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ في مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ من الْعُيُوبِ أَنَّ الْحَيَوَانَ يُفَارِقُهُ ما سِوَاهُ لِأَنَّهُ يُغْتَذَى بِالصِّحَّةِ وَالسَّقَمِ وَتَحَوُّلِ طَبَائِعِهِ وَقَلَّمَا يَخْلُو من عَيْبٍ وَإِنْ خَفِيَ فَلَا يُمْكِنُ الْإِخْبَارُ عن عُيُوبِهِ الْخَفِيَّةِ بِالْإِشَارَةِ إلَيْهَا وَالْوُقُوفُ عليها وَلَيْسَ كَذَلِكَ غير الْحَيَوَانِ لِأَنَّهُ قد يَخْلُو من الْعُيُوبِ وَيُمْكِنُ الْإِخْبَارُ فيها بِالْإِشَارَةِ إلَيْهَا لِظُهُورِهَا فَدَلَّ على افْتِرَاقِ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ من جِهَةِ الْمَعْنَى مع ما رُوِيَ معه من قِصَّةِ عُثْمَانَ وَحَاصِلُهُ على ما نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عن الْجَدِيدِ من مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْقِيَاسَ الْمَرْجُوحَ إذَا اعْتَضَدَ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ كان مُقَدَّمًا على الْقِيَاسِ الرَّاجِحِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ
  128. يَكُونَ هذا تَفْرِيعًا منه على أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ كما تَقَدَّمَ عنه في الرِّسَالَةِ الْجَدِيدَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ على الْقَوْلِ الْآخَرِ الذي اشْتَهَرَ عِنْدَ الْأَصْحَابِ عن الْجَدِيدِ أَنَّهُ ليس بِحُجَّةٍ وهو ظَاهِرُ كَلَامِ الْمَاوَرْدِيِّ وقد تَرْجَمَ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَحَكَى خِلَافَ الْقِيَاسِ وَأَنَّهُ هل يَتَرَجَّحُ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ بِذَلِكَ الْقِيَاسِ الضَّعِيفِ على الْقِيَاسِ الْقَوِيِّ أو يَجِبُ الْعَمَلُ بِأَقْوَى الْقِيَاسَيْنِ ثُمَّ رَجَّحَ هذا الثَّانِي مَسْأَلَةٌ فَإِنْ قال التَّابِعِيُّ قَوْلًا لَا مَجَالَ لِلْقِيَاسِ فيه لم يَلْتَحِقْ بِالصَّحَابِيِّ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلسَّمْعَانِيِّ كما سَبَقَ قال صَاحِبُ الْغَايَةِ من الْحَنَابِلَةِ من قام من نَوْمِ اللَّيْلِ فَغَمَسَ يَدَهُ في إنَاءٍ قبل أَنْ يَغْسِلَهَا ذَهَبَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ إلَى زَوَالِ طَهُورِيَّتِهِ وهو يُخَالِفُ الْقِيَاسَ وَالتَّابِعِيُّ إذَا قال مِثْلَ ذلك كان حُجَّةً لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ قال تَوْقِيفًا عن الصَّحَابَةِ أو عن نَصٍّ ثَبَتَ عِنْدَهُ قال صَاحِبُ الْمُسَوَّدَةِ وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِذَلِكَ بَلْ يُجْعَلُ كَمُجْتَهَدَاتِهِ الْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ قد مَرَّ الْكَلَامُ في الْقِيَاسِ في الْمُنَاسِبِ الذي اعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ أو أَلْغَاهُ وَالْكَلَامُ فِيمَا جَهِلَ أَيْ سَكَتَ الشَّرْعُ عن اعْتِبَارِهِ وَإِهْدَارِهِ وهو الْمُعَبَّرُ عنه ب الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ وَيُلَقَّبُ ب الِاسْتِدْلَالِ الْمُرْسَلِ وَلِهَذَا سُمِّيَتْ مُرْسَلَةً أَيْ لم تُعْتَبَرْ ولم تُلْغَ وَأَطْلَقَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن السَّمْعَانِيِّ عليه اسْمَ الِاسْتِدْلَالِ وَعَبَّرَ عنه الْخُوَارِزْمِيَّ في الْكَافِي ب الِاسْتِصْلَاحِ قال وَالْمُرَادُ بِالْمَصْلَحَةِ الْمُحَافَظَةُ على مَقْصُودِ الشَّرْعِ بِدَفْعِ الْمَفَاسِدِ على الْخَلْقِ وَفَسَّرَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ بِأَنْ يُوجَدَ مَعْنَى يُشْعِرُ بِالْحُكْمِ مُنَاسِبٌ له عَقْلًا وَلَا يُوجَدُ أَصْلٌ مُتَّفِقٌ عليه وَالتَّعْلِيلُ الْمُصَوَّرُ جَارٍ فيه وَفَسَّرَهُ ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ بِأَنْ لَا يَسْتَنِدَ إلَى أَصْلٍ كُلِّيٍّ وَلَا جُزْئِيٍّ وَفِيهِ مَذَاهِبُ أَحَدُهَا مَنْعُ التَّمَسُّكِ بِهِ مُطْلَقًا وهو قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ منهم الْقَاضِي وَأَتْبَاعُهُ وَحَكَاهُ ابن بَرْهَانٍ عن الشَّافِعِيِّ قال الْإِمَامُ وَبِهِ قال طَوَائِفُ من مُتَكَلِّمِي
  129. الْأَصْحَابِ الثَّانِي الْجَوَازُ مُطْلَقًا وهو الْمَحْكِيُّ عن مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ قال الْإِمَامُ في الْبُرْهَانِ وَأَفْرَطَ في الْقَوْلِ بِهِ حتى جَرَّهُ إلَى اسْتِحْلَالِ الْقَتْلِ وَأَخْذِ الْمَالِ لِمَصَالِحَ تَقْتَضِيهَا في غَالِبِ الظَّنِّ وَإِنْ لم يَجِدْ لها مُسْتَنِدًا وَحَكَاهُ غَيْرُهُ قَوْلًا قَدِيمًا عن الشَّافِعِيِّ وقال أبو الْعِزِّ الْمُقْتَرِحُ في حَوَاشِيهِ على الْبُرْهَانِ إنَّ هذا الْقَوْلَ لم يَصِحَّ نَقْلُهُ عن مَالِكٍ هَكَذَا قَالَهُ أَصْحَابُهُ وَأَنْكَرَهُ ابن شَاسٍ أَيْضًا في التَّحْرِيرِ على الْإِمَامِ وقال أَقْوَالُهُ تُؤْخَذُ من كُتُبِهِ وَكُتُبِ أَصْحَابِهِ لَا من نَقْلِ النَّاقِلِينَ وَكَذَلِكَ اسْتَنْكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ في كِتَابِهِ فقال ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَمُعْظَمُ أَصْحَابِ أبي حَنِيفَةَ إلَى الِاعْتِمَادِ عليه وهو مَذْهَبُ مَالِكٍ قال وقد اجْتَرَأَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَجَازَفَ فِيمَا نَسَبَهُ إلَى مَالِكٍ من الْإِفْرَاطِ في هذا الْأَصْلِ وَهَذَا لَا يُوجَدُ في كِتَابِ مَالِكٍ وَلَا في شَيْءٍ من كُتُبِ أَصْحَابِهِ وَهَذَا تَحَامُلٌ من الْقُرْطُبِيِّ فإن الْإِمَامَ قد حَمَلَ كَلَامَ مَالِكٍ على ما يَصِحُّ وَسَيَأْتِي وقد قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ نعم الذي لَا شَكَّ فيه أَنَّ لِمَالِكٍ تَرْجِيحًا على غَيْرِهِ من الْفُقَهَاءِ في هذا النَّوْعِ وَيَلِيهِ أَحْمَدُ بن حَنْبَلٍ وَلَا يَكَادُ يَخْلُو غَيْرُهُمَا عن اعْتِبَارِهِ في الْجُمْلَةِ وَلَكِنْ لِهَذَيْنِ تَرْجِيحٌ في الِاسْتِعْمَالِ على غَيْرِهِمَا انْتَهَى وقال الْقَرَافِيُّ هِيَ عِنْدَ التَّحْقِيقِ في جَمِيعِ الْمَذَاهِبِ لِأَنَّهُمْ يَعْقِدُونَ وَيَقُومُونَ بِالْمُنَاسَبَةِ وَلَا يَطْلُبُونَ شَاهِدًا بِالِاعْتِبَارِ وَلَا يَعْنِي بِالْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ إلَّا ذلك قال وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ قد عَمِلَ في كِتَابِهِ الْغِيَاثِيِّ أُمُورًا وَحَرَّرَهَا وَأَفْتَى بها وَالْمَالِكِيَّةُ بَعِيدُونَ عنها وَحَثَّ عليها وَقَالَهَا لِلْمَصْلَحَةِ الْمُطْلَقَةِ وَكَذَلِكَ الْغَزَالِيُّ في شِفَاءِ الْغَلِيلِ مع أَنَّ الِاثْنَيْنِ شَدِيدَا الْإِنْكَارِ عَلَيْنَا في الْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ قُلْت وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُ مَذْهَبِ الرَّجُلَيْنِ وقال الْبَغْدَادِيُّ في جَنَّةِ النَّاظِرِ لَا تَظْهَرُ مُخَالَفَةُ الشَّافِعِيِّ لِمَالِكٍ في الْمَصَالِحِ فإن مَالِكًا يقول إنَّ الْمُجْتَهِدَ إذَا اسْتَقْرَأَ مَوَارِدَ الشَّرْعِ وَمَصَادِرَهُ أَفْضَى نَظَرُهُ إلَى الْعِلْمِ بِرِعَايَةِ الْمَصَالِحِ في جُزْئِيَّاتِهَا وَكُلِّيَّاتِهَا وَأَنْ لَا مَصْلَحَةَ إلَّا وَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ في جِنْسِهَا لَكِنَّهُ اسْتَثْنَى من هذه الْقَاعِدَةِ كُلَّ مَصْلَحَةٍ صَادَمَهَا أَصْلٌ من أُصُولِ الشَّرِيعَةِ قال وما حَكَاهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عنه لَا يَعْدُو هذه الْمَقَالَةَ إذْ لَا أَخُصُّ منها إلَّا ا
  130. لأخذ بِالْمَصْلَحَةِ الْمُعْتَبَرَةِ بِأَصْلٍ مُعَيَّنٍ وَذَلِكَ مُغَايِرٌ لِلِاسْتِرْسَالِ الذي اعْتَقَدُوهُ مَذْهَبًا فَبَانَ أَنَّ من أَخَذَ بِالْمَصْلَحَةِ غَيْرِ الْمُعْتَبَرَةِ فَقَدْ أَخَذَ بِالْمُرْسَلَةِ التي قال بها مَالِكٌ إذْ لَا وَاسِطَةَ بين الْمَذْهَبَيْنِ وَالثَّالِثُ إنْ كانت الْمَصْلَحَةُ مُلَائِمَةً لِأَصْلٍ كُلِّيٍّ من أُصُولِ الشَّرْعِ أو لِأَصْلٍ جُزْئِيٍّ جَازَ بِنَاءُ الْأَحْكَامِ وَإِلَّا فَلَا وَنَسَبَهُ ابن بَرْهَانٍ في الْوَجِيزِ لِلشَّافِعِيِّ وقال إنَّهُ الْحَقُّ الْمُخْتَارُ وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ في الْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ إنَّهُ لَا يَحِلُّ وَطْؤُهَا لِأَنَّ الْعِدَّةَ شُرِعَتْ لِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ وَالْوَطْءُ سَبَبُ الشَّغْلِ فَلَوْ جَوَّزْنَاهُ في الْعِدَّةِ لَاجْتَمَعَ الضِّدَّانِ فَلَيْسَ لِهَذَا الْأَصْلِ جُزْئِيٌّ وَإِنَّمَا أَصْلُهُ كُلِّيٌّ مُهْدَرٌ وهو أَنَّ الضِّدَّيْنِ لَا يَجْتَمِعَانِ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَمُعْظَمُ أَصْحَابِ أبي حَنِيفَةَ إلَى اعْتِمَادِ تَعْلِيقِ الْأَحْكَامِ بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ بِشَرْطِ مُلَائِمَتِهِ لِلْمَصَالِحِ الْمُعْتَبَرَةِ الْمَشْهُودِ لها بِالْأُصُولِ وَهَذَا قَرِيبٌ من نَقْلِ ابْنِ بَرْهَانٍ وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْزِلَ على ذلك قَوْلُ الْخُوَارِزْمِيِّ في الْكَافِي إنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ يَقْتَضِي اعْتِبَارَهَا وَتَعْلِيقَ أَحْكَامِ الشَّرْعِ بها لَكِنْ إذَا قَيَّدْنَاهُ بهذا انْسَلَخَتْ الْمَسْأَلَةُ من الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ فإنه إذَا شَرَطَ التَّقْرِيبَ من الْأُصُولِ الْمُمَهَّدَةِ وَفَسَّرَهُ بِالْمُلَاءَمَةِ كان من بَابِ الْقِيَاسِ في الْأَسْبَابِ فَيَكُونُ من قِسْمِ الْمُعْتَبَرِ وَبِهِ يَخْرُجُ عن الْإِرْسَالِ وَيَعُودُ النِّزَاعُ لَفْظِيًّا وَلِهَذَا قال ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ لَا يَظُنُّ بِمَالِكٍ على جَلَالَتِهِ أَنْ يُرْسِلَ النَّفْسَ على سَجِيَّتِهَا وَطَبِيعَتِهَا فَيَتْبَعُ الْمَصَالِحَ الْجَامِدَةَ التي لَا تَسْتَنِدُ إلَى أُصُولِ الشَّرْعِ بِحَالٍ لَا على كُلِّيٍّ وَلَا على جُزْئِيٍّ إلَّا أَنَّ أَصْحَابَهُ سَمِعُوا أَنَّهُ بَنَى الْأَحْكَامَ على الْمَصَالِحِ الْمُطْلَقَةِ فَأَطْلَقُوا النَّقْلَ عنه في ذلك وَمِثْلُهُ قَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ في بَابِ تَرْجِيحِ الْأَقْيِسَةِ وَلَا نَرَى التَّعْلِيقَ عِنْدَهُ بِكُلِّ مَصْلَحَةٍ ولم يَرَ ذلك أَحَدٌ من الْعُلَمَاءِ قال وَمَنْ ظَنَّ ذلك بِمَالِكٍ فَقَدْ أَخْطَأَ وقال ابن الْمُنِيرِ في الْخِلَافِ من الْعُلَمَاءِ من رَأَى أَنَّ وُرُودَ الْحُكْمِ الْمُعَيَّنِ على الْوَفْقِ نَازِلٌ مَنْزِلَةَ الْبَيِّنَةِ ثُمَّ الْمُلَائِمَةُ نَازِلَةٌ مَنْزِلَةَ تَزْكِيَةِ الْبَيِّنَةِ بِالشُّهُودِ الْمُقَرَّرَةِ عِنْدَ التُّهْمَةِ فَهَذَا يَرُدُّ الِاسْتِدْلَالَ الْمُرْسَلَ لِأَنَّ صَاحِبَهُ ما أَقَامَ على صِحَّتِهِ بَيِّنَةً غير دَعْوَاهُ فَلَا يَتَوَقَّعُ لِلتَّزْكِيَةِ وَلَا بَيِّنَةَ وَمِنْهُمْ من نَزَّلَ الْمُلَائِمَةَ مَنْزِلَةَ الْبَيِّنَةِ على صِدْقِ الدَّعْوَى في صِدْقِ الْوَصْفِ وَجَعَلَ وُرُودَ الْحُكْمِ الْمُعَيَّنِ على الْوَفْقِ كَالِاسْتِظْهَارِ فلم يَضُرَّهُ فَوَاتُهُ في أَصْلِ الِاعْتِبَارِ وَالرَّابِعُ اخْتِيَارُ الْغَزَالِيِّ وَالْبَيْضَاوِيِّ وَغَيْرُهُمَا تَخْصِيصَ الِاعْتِبَارِ بِمَا إذَا كانت تِلْكَ الْمَصْلَحَةُ ضَرُورِيَّةً قَطْعِيَّةً كُلِّيَّةً فَإِنْ فَاتَ أَحَدُ هذه الثَّلَاثَةِ لم يَعْتَبِرْ
  131. وَالْمُرَادُ ب الضَّرُورِيَّةِ ما يَكُونُ من الضَّرُورِيَّاتِ الْخَمْسِ التي يَجْزِمُ بِحُصُولِ الْمَنْفَعَةِ منها والكلية لِفَائِدَةٍ تَعُمُّ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ احْتِرَازًا عن الْمَصْلَحَةِ الْجُزْئِيَّةِ لِبَعْضِ الناس أو في حَالَةٍ مَخْصُوصَةٍ كَمَنْ أَجَازَ لِلْمُسَافِرِ إذَا أَعْجَلَهُ السَّفَرُ أَنْ يَدْفَعَ التِّبْرَ لِدَارِ الضَّرْبِ وَيَنْظُرُ مِقْدَارَ ما يَخْلُصُ منه فَيَأْخُذُ بِقَدْرِهِ بَعْدَ طَرْحِ الْمَئُونَةِ فَهَذِهِ مَصْلَحَةٌ لِضَرُورَةِ الِانْقِطَاعِ من الرُّفْقَةِ لَكِنَّهَا جُزْئِيَّةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ وَحَالَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَمَثَّلَ الْغَزَالِيُّ لِاسْتِجْمَاعِهِ الشَّرَائِطَ بِمَسْأَلَةِ التَّتَرُّسِ وَهِيَ ما إذَا تَتَرَّسَ الْكُفَّارُ بِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَوْ رَمَيْنَا التُّرْسَ لَقَتَلْنَا مُسْلِمًا من دُونِ جَرِيمَةٍ صَدَرَتْ منه قال الْغَزَالِيُّ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَقُولَ الْمُجْتَهِدُ هذا الْأَسِيرُ مَقْتُولٌ بِكُلِّ حَالٍّ لِأَنَّا لو كَفَفْنَا عن التُّرْسِ لَسَلَّطْنَا الْكُفَّارَ على جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فَيَقْتُلُونَهُمْ ثُمَّ يَقْتُلُونَ الْأَسَارَى أَيْضًا فَحِفْظُ الْمُسْلِمِينَ أَقْرَبُ إلَى مَقْصُودِ الشَّرْعِ لِأَنَّا نَقْطَعُ أَنَّ الشَّارِعَ يَقْصِدُ تَقْلِيلَ الْقَتْلِ كما يَقْصِدُ حَسْمَهُ عِنْدَ الْإِمْكَانِ فَحَيْثُ لم يَقْدِرْ على الْحَسْمِ فَقَدْ قَدَرْنَا على التَّقْلِيلِ وكان هذا الْتِفَاتًا على مَصْلَحَةِ عِلْمٍ بِالضَّرُورَةِ كَوْنُهَا مَقْصُودَةً بِالشَّرْعِ لَا بِدَلِيلٍ وَاحِدٍ بَلْ بِأَدِلَّةٍ خَارِجَةٍ عن الْحَصْرِ وَلَكِنَّ تَحْصِيلَ هذا الْمَقْصُودِ بهذا الطَّرِيقِ وهو قَتْلُ من لم يُذْنِبْ لم يَشْهَدْ له أَصْلٌ مُعَيَّنٌ فَيَنْقَدِحُ اعْتِبَارُ هذه الْمَصْلَحَةِ بِالْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ وهو كَوْنُهَا ضَرُورِيَّةً كُلِّيَّةً قَطْعِيَّةً فَخَرَجَ بِ الْكُلِّيَّةِ ما إذَا أَشْرَفَ جَمَاعَةٌ في سَفِينَةِ على الْغَرَقِ وَلَوْ غَرِقَ بَعْضُهُمْ لَنَجَوْا فَلَا يَجُوزُ تَغْرِيقُ الْبَعْضِ وَبِ الْقَطْعِيَّةِ ما إذَا شَكَكْنَا في أَنَّ الْكُفَّارَ يَتَسَلَّطُونَ عِنْدَ عَدَمِ رَمْيِ التُّرْسِ وَبِ الضَّرُورِيَّةِ ما إذَا تَتَرَّسُوا في قَلْعَةٍ بِمُسْلِمٍ فَلَا يَحِلُّ رَمْيُ التُّرْسِ إذْ لَا ضَرُورَةَ بِنَا إلَى أَخْذِ الْقَلْعَةِ وَهَذَا من الْغَزَالِيِّ تَصْرِيحٌ بِاعْتِبَارِ الْقَطْعِ بِحُصُولِ الْمَصْلَحَةِ لَكِنَّ الْأَصْحَابَ حَكَوْا في مَسْأَلَةِ التَّتَرُّسِ وَجْهَيْنِ ولم يُصَرِّحُوا بِاشْتِرَاطِ الْقَطْعِ وقد يُقَالُ إنَّ هذا التَّفْصِيلَ يُؤَوَّلُ إلَى ما نُقِلَ عن الشَّافِعِيِّ وَلِهَذَا قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هو لَا يَسْتَجِيزُ التَّأَنِّي وَالْإِفْرَاطَ في الْبُعْدِ وَإِنَّمَا يُسَوِّغُ تَعْلِيقَ الْأَحْكَامِ لِمَصَالِحَ رَآهَا شَبِيهَةً بِالْمَصَالِحِ الْمُعْتَبَرَةِ وَفَاءً بِالْمَصَالِحِ الْمُسْتَنِدَةِ إلَى أَحْكَامٍ ثَابِتَةِ الْأُصُولِ وَاخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أو نَحْوًا منه وقال الْقُرْطُبِيُّ هِيَ بِهَذِهِ الْقُيُودِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَلِفَ في اعْتِبَارِهَا وَأَمَّا ابن الْمُنِيرِ فقال هو احْتِكَامٌ من قَائِلِهِ ثُمَّ هو تَصْوِيرٌ بِمَا لَا يُمْكِنُ عَادَةً وَلَا
  132. شَرْعًا أَمَّا عَادَةً فَلِأَنَّ الْقَطْعَ في الْحَوَادِثِ الْمُسْتَقْبَلَةِ لَا سَبِيلَ إلَيْهِ إذْ هو غَيْبٌ عنها وَأَمَّا شَرْعًا فَلِأَنَّ الصَّادِقَ الْمَعْصُومَ أخبرنا بِأَنَّ الْأُمَّةُ لَا يَتَسَلَّطُ عَدُوٌّ عليها لِيَسْتَأْصِلَ شَأْفَتِهَا قال وَحَاصِلُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ رَدُّ الِاسْتِدْلَالِ لِتَضْيِيقِهِ في قَبُولِهِ بِاشْتِرَاطِ ما لَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُ انْتَهَى وَهَذَا تَحَامُلٌ منه فإن الْفَقِيهَ يَفْرِضُ الْمَسَائِلَ النَّادِرَةَ لِاحْتِمَالِ وُقُوعِهَا بَلْ الْمُسْتَحِيلَةَ لِلرِّيَاضَةِ وَلَا حُجَّةَ له في الحديث لِأَنَّ الْمُرَادَ كَافَّةُ الْخَلْقِ وَصُورَةُ الْغَزَالِيِّ إنَّمَا هِيَ في أَهْلِ مَحَلَّةٍ بِخُصُوصِهِمْ اسْتَوْلَى عليهم الْكُفَّارُ لَا جَمِيعِ الْعَالَمِ وَهَذَا وَاضِحٌ وقال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ لَسْت أُنْكِرُ على من اعْتَبَرَ أَصْلَ الْمَصَالِحِ لَكِنَّ الِاسْتِرْسَالَ فيها وَتَحْقِيقَهَا يَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ شَدِيدٍ رُبَّمَا خَرَجَ عن الْحَدِّ الْمُعْتَبَرِ وقد نَقَلُوا عن عُمَرَ رضي اللَّهُ عنه أَنَّهُ قَطَعَ لِسَانَ الْحُطَيْئَةَ بِسَبَبِ الْهَجْوِ فَإِنْ صَحَّ ذلك فَهُوَ من بَابِ الْعَزْمِ على الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ فَحَمْلُهُ على التَّهْدِيدِ الرَّادِعِ لِلْمَصْلَحَةِ أَوْلَى من حَمْلِهِ على حَقِيقَةِ الْقَطْعِ لِلْمَصْلَحَةِ وَهَذَا نَحْوُ النَّظَرِ فِيمَا يُسَمَّى مَصْلَحَةً مُرْسَلَةً قال وقد شَاوَرَنِي بَعْضُ الْقُضَاةِ في قَطْعِ أُنْمُلَةِ شَاهِدٍ وَالْغَرَضُ مَنْعُهُ عن الْكِتَابَةِ بِسَبَبِ قَطْعِهَا وَكُلُّ هذه مُنْكَرَاتٌ عَظِيمَةُ الْوَقْعِ في الدِّينِ وَاسْتِرْسَالٌ قَبِيحٌ في أَذَى الْمُسْلِمِينَ تَنْبِيهٌ حَيْثُ اُعْتُبِرَتْ الْمَصَالِحُ عِنْدَنَا بِالْمَعْنَى السَّابِقِ فَذَاكَ حَيْثُ لم يُعَارِضْهَا قِيَاسٌ فَإِنْ عَارَضَهَا خَرَجَ لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فيه قَوْلَانِ من الْقَوْلَيْنِ فِيمَا إذَا وَقَعَ في الْمَاءِ الْقَلِيلِ ما لَا نَفْسَ له سَائِلَةً وَلِهَذَا قال الشَّيْخُ في التَّنْبِيهِ تُنَجِّسُهُ في أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وهو الْقِيَاسُ ولم تُنَجِّسْهُ في الْآخَرِ وهو الْأَصْلَحُ لِلنَّاسِ وقال الشَّيْخُ أبو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ في كِتَابِ الْقِرَاضِ من السِّلْسِلَةِ إذَا تَاجَرَ الْعَامِلُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ أو اشْتَرَى بِغَيْرِ الْمَالِ وَرَبِحَ فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ تِلْكَ الْعُقُودَ بَاطِلَةٌ والثاني أَنَّ الْمَالِكَ مُخَيَّرٌ بين إجَازَةِ الْعُقُودِ وَبَيْنَ فَسْخِهَا قال وَالْقِيَاسُ مع الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَالْمَصْلَحَةُ مع الثَّانِي
  133. سَدُّ الذَّرَائِعِ قال الْبَاجِيُّ ذَهَبَ مَالِكٌ إلَى الْمَنْعِ من سَدِّ الذَّرَائِعِ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ التي ظَاهِرُهَا الْإِبَاحَةُ وَيُتَوَصَّلُ بها إلَى فِعْلِ الْمَحْظُورِ مِثْلُ أَنْ يَبِيعَ السِّلْعَةَ بِمِائَةٍ إلَى أَجَلٍ وَيَشْتَرِيهَا بِخَمْسِينَ نَقْدًا فَهَذَا قد تَوَصَّلَ إلَى خَمْسِينَ بِذِكْرِ السِّلْعَةِ وقال أبو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ الْمَنْعُ من سَدِّ الذَّرَائِعِ قُلْنَا قَوْله تَعَالَى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقَوْلُهُ وَاسْأَلْهُمْ عن الْقَرْيَةِ التي كانت حَاضِرَةَ الْبَحْرِ وَقَوْلُهُ عليه السَّلَامُ لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عليهم الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا وَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا وَقَوْلُهُ عليه السَّلَامُ دَعْ ما يَرِيبُك إلَى ما لَا يَرِيبُك وَقَوْلُهُ عليه السَّلَامُ الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ انْتَهَى وقال الْقُرْطُبِيُّ وَسَدُّ الذَّرَائِعِ ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَخَالَفَهُ أَكْثَرُ الناس تَأْصِيلًا وَعَمِلُوا عليه في أَكْثَرِ فُرُوعِهِمْ تَفْصِيلًا ثُمَّ حَرَّرَ مَوْضِعَ الْخِلَافِ فقال اعْلَمْ أَنَّ ما يُفْضِي إلَى الْوُقُوعِ في الْمَحْظُورِ إمَّا أَنْ يَلْزَمَ منه الْوُقُوعُ قَطْعًا أو لَا وَالْأَوَّلُ ليس من هذا الْبَابِ بَلْ من بَابِ ما لَا خَلَاصَ من الْحَرَامِ إلَّا بِاجْتِنَابِهِ فَفِعْلُهُ حَرَامٌ من بَابِ ما لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ وَاَلَّذِي لَا يَلْزَمُ إمَّا أَنْ يُفْضِيَ إلَى الْمَحْظُورِ غَالِبًا أو يَنْفَكُّ عنه غَالِبًا أو يَتَسَاوَى الْأَمْرَانِ وهو الْمُسَمَّى ب الذَّرَائِعِ عِنْدَنَا فَالْأَوَّلُ لَا بُدَّ من مُرَاعَاتِهِ وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ اخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فيه فَمِنْهُمْ من يُرَاعِيهِ وَمِنْهُمْ من لَا يُرَاعِيهِ وَرُبَّمَا يُسَمِّيهِ التُّهْمَةَ الْبَعِيدَةَ وَالذَّرَائِعَ الضَّعِيفَةَ
  134. وَقَرِيبٌ من هذا التَّقْرِيرِ قَوْلُ الْقَرَافِيِّ في الْقَوَاعِدِ إنَّ مَالِكًا لم يَنْفَرِدْ بِذَلِكَ بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ يقول بها وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلْمَالِكِيَّةِ بها إلَّا من حَيْثُ زِيَادَتُهُ فيها قال فإن من الذَّرَائِعِ ما هو مُعْتَبَرٌ إجْمَاعًا كَالْمَنْعِ من حَفْرِ الْآبَارِ في طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ وَإِلْقَاءِ السُّمِّ في طَعَامِهِمْ وَسَبِّ الْأَصْنَامِ عِنْدَ من يُعْلَمْ من حَالِهِ أَنَّهُ يَسُبُّ اللَّهَ ومنها ما هو مَلْغِيٌّ إجْمَاعًا كَزِرَاعَةِ الْعِنَبِ فَإِنَّهَا لَا تُمْنَعُ خَشْيَةَ الْخَمْرِ وَإِنْ كان وَسِيلَةً إلَى الْمُحَرَّمِ ومنها ما هو مُخْتَلَفٌ فيه كَبُيُوعِ الْآجَالِ فَنَحْنُ نَعْتَبِرُ الذَّرِيعَةَ فيها وَخَالَفَنَا غَيْرُنَا فَحَاصِلُ الْقَضِيَّةِ أَنَّا قُلْنَا بِسَدِّ الذَّرَائِعِ أَكْثَرَ من غَيْرِنَا لَا أنها خَاصَّةٌ قال وَبِهَذَا نَعْلَمُ بُطْلَانَ اسْتِدْلَالِ أَصْحَابِنَا على الشَّافِعِيَّةِ في هذه الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ من دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا وَقَوْلُهُ وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اعْتَدُّوا مِنْكُمْ في السَّبْتِ فَقَدْ ذَمُّهُمْ بِكَوْنِهِمْ تَذَرَّعُوا لِلصَّيْدِ يوم السَّبْتِ الْمُحَرَّمِ عليهم بِحَبْسِ الصَّيْدِ يوم الْجُمُعَةِ وَقَوْلُهُ عليه السَّلَامُ لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عليهم الشُّحُومُ الْحَدِيثُ وَبِالْإِجْمَاعِ على جَوَازِ الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ مُفْتَرِقَيْنِ وَتَحْرِيمِهِمَا مُجْتَمِعَيْنِ لِلذَّرِيعَةِ إلَيْهَا وَبِقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَظَنِينٍ خَشْيَةَ الشَّهَادَةِ بِالْبَاطِلِ وَمَنْعِ شَهَادَةِ الْآبَاءِ لِلْأَبْنَاءِ وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّ هذه الْأَدِلَّةَ لَا تُفِيدُ في مَحَلِّ النِّزَاعِ لِأَنَّهَا تَدُلُّ على اعْتِبَارِ الشَّرْعِ سَدَّ الذَّرَائِعِ في الْجُمْلَةِ وَهَذَا أَمْرٌ مُجْمَعٌ عليه وَإِنَّمَا النِّزَاعُ في ذَرِيعَةٍ خَاصَّةٍ وَهِيَ بُيُوعُ الْآجَالِ وَنَحْوُهَا فَيَنْبَغِي أَنْ تُذْكَرَ أَدِلَّةٌ خَاصَّةٌ بِمَحِلِّ النِّزَاعِ وَإِنْ قَصَدُوا الْقِيَاسَ على هذه الذَّرَائِعِ الْمُجْمَعُ عليها فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ حُجَّتُهُمْ الْقِيَاسَ وَحِينَئِذٍ فَلْيَذْكُرُوا الْجَامِعَ حتى يَتَعَرَّضَ الْخَصْمُ لِرَفْعِهِ بِالْفَارِقِ وَهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ دَلِيلَهُمْ الْقِيَاسُ فإن من أَدِلَّةِ مَحَلِّ النِّزَاعِ حَدِيثَ زَيْدِ بن أَرْقَمَ أَنَّ أَمَةً قالت لِعَائِشَةَ إنِّي بِعْت منه عَبْدًا بِثَمَانِمِائَةٍ إلَى الْعَطَاءِ وَاشْتَرَيْتُهُ نَقْدًا بِسِتِّمِائَةٍ فقالت عَائِشَةُ بِئْسَ ما اشْتَرَيْت وَأَخْبِرِي زَيْدَ بن أَرْقَمَ أَنَّهُ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مع رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم إلَّا أَنْ يَتُوبَ قال أبو الْوَلِيدِ بن رُشْدٍ وَهَذِهِ الْمُبَالَغَةُ كانت من أُمِّ وَلَدِ زَيْدِ بن أَرْقَمَ وَمَوْلَاهَا قبل الْعِتْقِ فَيَتَخَرَّجُ قَوْلُ عَائِشَةَ على تَحْرِيمِ الرِّبَا بين السَّيِّدِ وَعَبْدِهِ مع الْقَوْلِ بِتَحْرِيمِ
  135. هذه الذَّرَائِعِ وَلَعَلَّ زَيْدًا لَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَ الرِّبَا بين السَّيِّدِ وَعَبْدِهِ قال وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَعْتَقِدَ في زَيْدٍ أَنَّهُ وَاطَأَ أُمَّ وَلَدِهِ على الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ مُتَفَاضِلًا إلَى أَجَلٍ وَقَوْلُ عَائِشَةَ أَحْبَطَ عَمَلَهُ مع أَنَّ الْإِحْبَاطَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالشِّرْكِ لم تُرِدْ إحْبَاطَ الْإِسْقَاطِ بَلْ إحْبَاطَ الْمُوَازَنَةِ وهو وَزْنُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ بِشَيْءٍ كَقَوْلِهِ من تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَالْقَصْدُ ثَمَّ الْمُبَالَغَةُ في الْإِنْكَارِ لَا التَّحْقِيقُ وَأَنَّ مَجْمُوعَ الثَّوَابِ الْمُتَحَصِّلِ من الْجِهَادِ ليس بَاقِيًا بَعْدَ هذه السَّيِّئَةِ بَلْ بَعْضُهُ فَيَكُونُ الْإِحْبَاطُ في الْمَجْمُوعِ من حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ بِحَيْثُ لو اقْتَدَى بِهِ الناس انْفَتَحَ بَابُ الرِّبَا نَسِيئَةً قال وَوَافَقَنَا أبو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ في سَدِّ ذَرَائِعِ بُيُوعَ الْآجَالِ وَخَالَفَ الشَّافِعِيُّ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا وفي الصَّحِيحِ أَنَّهُ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أتى بِتَمْرٍ جَنِيبٍ فقال لَا تَفْعَلُوا وَلَكِنْ بِيعُوا تَمْرَ الْجَمْعِ بِالدَّرَاهِمِ وَاشْتَرُوا بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا فَهَذَا بَيْعُ صَاعٍ بِصَاعَيْنِ وَإِنَّمَا تَوَسَّطَ بَيْنَهُمَا عَقْدُ الدَّرَاهِمِ وَلَيْسَ في الحديث أَنَّ الْعَقْدَ الثَّانِي مع الْبَائِعِ الْأَوَّلِ وَالْكَلَامَ فيه قُلْت وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ عَائِشَةَ إنَّمَا قالت ذلك بِاجْتِهَادِهَا وَاجْتِهَادُ وَاحِدٍ من الصَّحَابَةِ لَا يَكُونُ حُجَّةً على الْآخَرِ بِالْإِجْمَاعِ كما سَبَقَ نَقْلُهُ عن الْقَاضِي ثُمَّ قَوْلُهَا مُعَارِضٌ لِفِعْلِ زَيْدِ بن أَرْقَمَ ثُمَّ إنَّمَا أَنْكَرَتْ ذلك لِفَسَادِ الْبَيْعَيْنِ فإن الْأَوَّلَ فَاسِدٌ لِجَهَالَةِ الْأَجَلِ فإن وَقْتَ الْعَطَاءِ غَيْرُ مَعْلُومٍ وَالثَّانِي بِنَاءً على الْأَوَّلِ فَيَكُونُ أَيْضًا فَاسِدًا وَاعْلَمْ أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ بن الرِّفْعَةِ رَحِمَهُ اللَّهُ حَاوَلَ تَخْرِيجَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ في الذَّرَائِعِ من نَصِّهِ في بَابِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ من الْأُمِّ إذْ قال بَعْدَمَا ذَكَرَ النَّهْيَ عن بَيْعِ الْمَاءِ لِيَمْنَعَ بِهِ الْكَلَأَ وَإِنَّمَا يَحْتَمِلُ إنَّمَا كان ذَرِيعَةً إلَى مَنْعِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لم يَحِلَّ وَكَذَا ما كان ذَرِيعَةً إلَى إحْلَالِ ما حَرَّمَ اللَّهُ ما نَصُّهُ وإذا كان هَكَذَا فَفِي هذا ما يَثْبُتُ أَنَّ الذَّرَائِعَ إلَى الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ يُشْبِهُ مَعَانِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ انْتَهَى وَنَازَعَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وقال إنَّمَا أَرَادَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَحْرِيمَ الْوَسَائِلِ لَا سَدَّ الذَّرَائِعِ وَالْوَسَائِلُ مُسْتَلْزَمَةُ الْمُتَوَسَّلِ إلَيْهِ وَمِنْ هذا بَيْعُ الْمَاءِ فإنه مُسْتَلْزَمٌ عَادَةً
  136. لِمَنْعِ الْكَلَأِ الذي هو حَرَامٌ وَنَحْنُ لَا نُنَازِعُ فِيمَا يَسْتَلْزِمُ من الْوَسَائِلِ قال وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ في نَفْسِ الذَّرَائِعِ لَا في سَدِّهَا وَالنِّزَاعُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمَالِكِيَّةِ إنَّمَا هو في سَدِّهَا ثُمَّ قال الذَّرِيعَةُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا ما يَقْطَعُ بِتَوْصِيلِهِ إلَى الْحَرَامِ فَهُوَ حَرَامٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ وَالثَّانِي ما يَقْطَعُ بِأَنَّهَا لَا تُوصِلُ وَلَكِنْ اخْتَلَطَتْ بِمَا يُوصِلُ فَكَانَ من الِاحْتِيَاطِ سَدُّ الْبَابِ وَإِلْحَاقُ الصُّورَةِ النَّادِرَةِ التي قَطَعَ بِأَنَّهَا لَا تُوصِلُ إلَى الْحَرَامِ بِالْغَالِبِ منها الْمُوصِلُ إلَيْهِ وَهَذَا غُلُوٌّ في الْقَوْلِ بِسَدِّ الذَّرَائِعِ وَالثَّالِثُ ما يَحْتَمِلُ وَيَحْتَمِلُ وَفِيهِ مَرَاتِبُ مُتَفَاوِتَةٌ وَيَخْتَلِفُ التَّرْجِيحُ عِنْدَهُمْ بِسَبَبِ تَفَاوُتِهَا قال وَنَحْنُ نُخَالِفُهُمْ في جَمِيعِهَا إلَّا الْقِسْمَ الْأَوَّلَ لِانْضِبَاطِهِ وَقِيَامِ الدَّلِيلِ انْتَهَى وَقِيلَ أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَوَاضِحٌ بَلْ نَقُولُ بِهِ في الْوَاجِبَاتِ كما نَقُولُ ما لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ أَمَّا مُخَالَفَتُهُمْ في الثَّانِي فَكَذَلِكَ وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلَعَلَّهُ الذي حَاوَلَ ابن الرِّفْعَةِ تَخْرِيجَ قَوْلٍ منه بِمَا ذَكَرَهُ عن النَّصِّ وقد عَرَفَ ما فيه وَاسْتَشْهَدَ له أَيْضًا بِالْوَصِيِّ يَبِيعُ شِقْصًا على الْيَتِيمِ فَلَا يَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ على الْأَصَحِّ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ وَبِالْمَرِيضِ يَبِيعُ الشِّقْصَ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ أَنَّ الْوَارِثَ لَا يَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ على وَجْهٍ سَدًّا لِذَرِيعَةِ الشَّرْعِ وَحَاوَلَ ابن الرِّفْعَةِ بِذَلِكَ تَخْرِيجَ وَجْهٍ في مَسْأَلَةِ الْعَيِّنَةِ وَلَا يَتَأَتَّى له هذا فَتِلْكَ عُقُودٌ قَائِمَةٌ بِشُرُوطِهَا وَلَا خَلَلَ فيها وَإِنْ مَنَعَهَا الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ وقد يقول بِالْقِسْمِ الثَّالِثِ في مَسَائِلَ منها إقْرَارُ الْمَرِيضِ لِلْوَارِثِ على قَوْلِ الْإِبْطَالِ وَلَيْسَ ذلك من سَدِّ الذَّرَائِعِ بَلْ لِأَنَّ الْمَرِيضَ مَحْجُورٌ عليه ثُمَّ هو قَوْلٌ ضَعِيفٌ ومنها إذَا ادَّعَتْ الْمُجْبَرَةُ مَحْرَمِيَّةً أو رَضَاعًا بَعْدَ الْعَقْدِ قال ابن الْحَدَّادِ يُقْبَلُ قَوْلُهَا لِأَنَّهُ من الْأُمُورِ الْخَفِيَّةِ وَرُبَّمَا انْفَرَدَتْ بِعِلْمِهِ وقال ابن سُرَيْجٍ لَا يُقْبَلُ وهو الصَّحِيحُ لِأَنَّ النِّكَاحَ مَعْلُومٌ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْمَحْرَمِيَّةِ وَفَتْحُ هذا الْبَابِ طَرِيقُ الْفَسَادِ وَلَيْسَ هذا من سَدِّ الذَّرَائِعِ بَلْ اعْتِمَادٌ على الْأَصْلِ قُلْت وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في الْبُوَيْطِيِّ على كَرَاهِيَةِ التَّجْمِيعِ بِالصَّلَاةِ في مَسْجِدٍ قد صُلِّيَتْ فيه تِلْكَ الصَّلَاةُ إذَا كان له إمَامٌ رَاتِبٌ قال وَإِنَّمَا كَرِهْتُهُ لِئَلَّا يَعْمِدَ قَوْمٌ لَا يَرْضَوْنَ إمَامًا فَيُصَلُّونَ بِإِمَامٍ غَيْرَهُ انْتَهَى وقال في الْأُمِّ في مَنْعِ
  137. قَرْضِ الْجَارِيَةِ التي يَحِلُّ لِلْمُسْتَقْرِضِ وَطْؤُهَا وَتَجْوِيزُ ذلك يُفْضِي إلَى أَنْ يَصِيرَ ذَرِيعَةً أَنْ يَطَأَهَا وهو يَمْلِكُ رَدَّهَا قال الْمَحَامِلِيُّ يَعْنِي أَنَّهُ يَسْتَبِيحُ بِالْقَرْضِ وَطْءَ الْجَارِيَةِ ثُمَّ يَرُدُّهَا على الْمُقْرِضِ فَيَسْتَبِيحُ الْوَطْءَ من غَيْرِ عِوَضٍ قِيلَ وَفِيهِ مَنْعُ الذَّرَائِعِ الِاسْتِحْسَانُ وقد نُوزِعَ في ذِكْرِهِ في جُمْلَةِ الْأَدِلَّةِ بِأَنَّ الِاسْتِحْسَانَ الْعَقْلِيَّ لَا مَجَالَ له في الشَّرْعِ وَالِاسْتِحْسَانُ الشَّرْعِيُّ لَا يَخْرُجُ عَمَّا ذَكَرْنَاهُ فما وَجْهُ ذِكْرِهِ وهو لُغَةً اعْتِمَادُ الشَّيْءِ حَسَنًا سَوَاءٌ كان عِلْمًا أو جَهْلًا وَلِهَذَا قال الشَّافِعِيُّ الْقَوْلُ بِالِاسْتِحْسَانِ بَاطِلٌ فإنه لَا يُنَبِّئُ عن انْتِحَالِ مَذْهَبٍ بِحُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ وما اقْتَضَتْهُ الْحُجَّةُ الشَّرْعِيَّةُ هو الدِّينُ سَوَاءٌ اسْتَحْسَنَهُ نَفْسُهُ أَمْ لَا وَنَسَبَ الْقَوْلَ بِهِ إلَى أبي حَنِيفَةَ وَعَنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ أَحَدُ الْقِيَاسَيْنِ وقد حَكَاهُ عنه الشَّافِعِيُّ وَبِشْرٌ الْمَرِيسِيِّ قال الْمَاوَرْدِيُّ وَأَنْكَرَ أَصْحَابُهُ ما حَكَى الشَّافِعِيُّ عنه وَنَسَبَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إلَى مَالِكٍ وَأَنْكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ وقال ليس مَعْرُوفًا من مَذْهَبِهِ وقد أَنْكَرَهُ الْجُمْهُورُ حتى قال الشَّافِعِيُّ من اسْتَحْسَنَ فَقَدْ شَرَّعَ وَهِيَ من مَحَاسِنِ كَلَامِهِ قال الرُّويَانِيُّ وَمَعْنَاهُ أَنْ يَنْصِبَ من جِهَةِ نَفْسِهِ شَرْعًا غير شَرْعِ الْمُصْطَفَى قال أَصْحَابُنَا وَمَنْ شَرَّعَ فَقَدْ كَفَرَ وَسَكَتَ الشَّافِعِيُّ عن الْمُقَدَّمَةِ الثَّانِيَةِ لِوُضُوحِهَا قال السِّنْجِيُّ في شَرْحِ التَّلْخِيصِ مُرَادُهُ لو جَازَ الِاسْتِحْسَانُ بِالرَّأْيِ على خِلَافِ الدَّلِيلِ لَكَانَ هذا بَعْثَ شَرِيعَةٍ أُخْرَى على خِلَافِ ما أَمَرَ اللَّهُ وَالدَّلِيلُ عليه أَنَّ أَكْثَرَ الشَّرِيعَةِ مَبْنِيٌّ على خِلَافِ الْعَادَاتِ وَعَلَى أَنَّ النُّفُوسَ لَا تَمِيلُ إلَيْهَا وَلِهَذَا قال عليه السَّلَامُ حُفَّتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَجُوزُ اسْتِحْسَانُ ما في الْعَادَاتِ على خِلَافِ الدَّلِيلِ وقال الشَّافِعِيُّ في الرِّسَالَةِ الِاسْتِحْسَانُ تَلَذُّذٌ وَلَوْ جَازَ لِأَحَدٍ
  138. الِاسْتِحْسَانُ في الدِّينِ جَازَ ذلك لِأَهْلِ الْعُقُولِ من غَيْرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَجَازَ أَنْ يَشْرَعَ في الدِّينِ في كل بَابٍ وَأَنْ يُخْرِجَ كُلُّ وَاحِدِ لِنَفْسِهِ شَرْعًا وَأَيُّ اسْتِحْسَانٍ في سَفْكِ دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ وَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى إيجَابِ الْحَدِّ على الْمَشْهُودِ عليه بِالزِّنَى في الزَّوَايَا قال أبو حَنِيفَةَ الْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا رَجْمَ عليه وَلَكِنَّا نَرْجُمُهُ اسْتِحْسَانًا وقال في آخَرِ الرِّسَالَةِ تَلَذُّذٌ وَإِنَّمَا قال ذلك لِأَنَّهُ قد اشْتَهَرَ عَنْهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ حُكْمُ الْمُجْتَهِدِ بِمَا يَقَعُ في خَاطِرِهِ من غَيْرِ دَلِيلٍ وقال ابن الْقَطَّانِ قد كان أَهْلُ الْعِرَاقِ على طَرِيقَةٍ في الْقَوْلِ بِالِاسْتِحْسَانِ وهو ما اسْتَحْسَنَتْهُ عُقُولُهُمْ وَإِنْ لم يَكُنْ على أَصْلٍ فَقَالُوا بِهِ في كَثِيرٍ من مَسَائِلِهِمْ حتى قالوا في الْجَزَاءِ إنَّ الْقِيَاسَ أَنَّ فيه الْقِيمَة وَالِاسْتِحْسَانُ شَاةٌ وَقَالُوا في الشُّهُودِ بِالزَّوَايَا الْحَدُّ اسْتِحْسَانًا قال وقد تَكَلَّمَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ عن بُطْلَانِهِ بِقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ حين بَعَثَ مُعَاذًا وَدَلَّهُ على الِاجْتِهَادِ عِنْدَ فَقْدِ النَّصِّ ولم يذكر له الِاسْتِحْسَانَ وقد نهى اللَّهُ عن اتِّبَاعِ الْهَوَى وَمِمَّنْ أَنْكَرُوا الِاسْتِحْسَانَ من الْحَنَفِيَّةِ الطَّحْطَاوِيُّ حَكَاهُ ابن حَزْمٍ وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا حُرِّرَ الْمُرَادُ بِالِاسْتِحْسَانِ زَالَ التَّشْنِيعُ وأبو حَنِيفَةَ بَرِيءَ إلَى اللَّهِ من إثْبَاتِ حُكْمٍ بِلَا حُجَّةٍ قال الْفَارِضُ الْمُعْتَزِلِيُّ في النُّكَتِ وقد جَرَتْ لَفْظَةُ الِاسْتِحْسَانِ لِإِيَاسِ بن مُعَاوِيَةَ وَلِمَالِكِ بن أَنَسٍ في كِتَابِهِ وَلِلشَّافِعِيِّ في مَوَاضِعَ انْتَهَى وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قال مَالِكٌ تِسْعَةُ أَعْشَارِ الْعِلْمِ الِاسْتِحْسَانُ قال أَصْبَغُ بن الْفَرَجِ الِاسْتِحْسَانُ في الْعِلْمِ يَكُونُ أَبْلَغُ من الْقِيَاسِ ذَكَرَهُ في كِتَابِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ من الْمُسْتَخْرَجَةِ نَقَلَهُ ابن حَزْمٍ في الْأَحْكَامِ وقال الْبَاجِيُّ ذَكَرَ محمد بن خُوَيْزِ مَنْدَادٍ مَعْنَى الِاسْتِحْسَانِ الذي ذَهَبَ إلَيْهِ أَصْحَابُ مَالِكٍ هو الْقَوْلُ بِأَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ كَتَخْصِيصِ بَيْعِ الْعَرَايَا من بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ وَتَخْصِيصُ الرُّعَافِ دُونَ الْقَيْءِ بِالْبِنَاءِ لِلْحَدِيثِ فيه وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لو لم تَرِدْ سُنَّةٌ بِالْبِنَاءِ في الرُّعَافِ لَكَانَ في حُكْمِ الْقَيْءِ في أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْبِنَاءُ لِأَنَّ الْقِيَاسُ يَقْتَضِي تَتَابُعَ الصَّلَاةِ فإذا وَرَدَتْ السُّنَّةُ في الرُّخْصَةِ بِتَرْكِ التَّتَابُعِ في بَعْضِ الْمَوَاضِعِ صِرْنَا إلَيْهِ
  139. وَأَبْقَيْنَا الْبَاقِي على الْأَصْلِ قال وَهَذَا الذي ذَهَبَ إلَيْهِ هو الدَّلِيلُ فَإِنْ سَمَّاهُ اسْتِحْسَانًا فَلَا مُشَاحَّةَ في التَّسْمِيَةِ انْتَهَى وقال الْإِبْيَارِيُّ الذي يَظْهَرُ من مَذْهَبِ مَالِكٍ الْقَوْلُ بِالِاسْتِحْسَانِ لَا على ما سَبَقَ بَلْ حَاصِلُهُ اسْتِعْمَالُ مَصْلَحَةٍ جُزْئِيَّةٍ في مُقَابَلَةِ قِيَاسٍ كُلِّيٍّ فَهُوَ يُقَدِّمُ الِاسْتِدْلَالَ الْمُرْسَلَ على الْقِيَاسِ وَمِثَالُهُ لو اشْتَرَى سِلْعَةً بِالْخِيَارِ ثُمَّ مَاتَ وَلَهُ وَرَثَةٌ فَقِيلَ يُرَدُّ وَقِيلَ يَخْتَارُ الْإِمْضَاءَ قال أَشْهَبُ الْقِيَاسُ الْفَسْخُ وَلَكِنَّا نَسْتَحْسِنُ إنْ أَرَادَ الْإِمْضَاءَ أَنْ يَأْخُذَ من لم يَمْضِ إذَا امْتَنَعَ الْبَائِعُ من قَبُولِ نَصِيبِ الرَّادِّ وقال ابن الْقَاسِمِ قُلْت لِمَالِكٍ لم يَقْضِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ في جِرَاحِ الْعَمْدِ وَلَيْسَ بِمَالٍ فقال إنَّهُ لِشَيْءٍ اسْتَحْسَنَّاهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَاسَهُ على الْأَمْوَالِ وقال بَعْضُ مُحَقِّقِي الْمَالِكِيَّةِ بَحَثْت عن مَوَارِدِ الِاسْتِحْسَانِ في مَذْهَبِنَا فإذا هو يَرْجِعُ إلَى تَرْكِ الدَّلِيلِ بِمُعَارَضَةِ ما يُعَارِضُهُ بَعْضُ مُقْتَضَاهُ كَتَرْكِ الدَّلِيلِ لِلْعُرْفِ في رَدِّ الْأَيْمَانِ إلَى الْعُرْفِ أو الْمُصَالَحَةِ كما في تَضْمِينِ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرِكِ وَلِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كما في إيجَابِ غُرْمِ الْقِيمَةِ على من قَطَّ ذَنَبَ بَغْلَةِ الْحَاكِمِ أو في الْيَسِيرِ كَرَفْعِ الْمَشَقَّةِ وَإِيثَارِ التَّوْسِعَةِ كما جَازَ التَّفَاضُلُ الْيَسِيرُ في الْمُرَاطَلَةِ وَإِجَازَةِ بَيْعٍ وَصَرْفٍ في الْيَسِيرِ وقال بَعْضُهُمْ هو مَعْنَى ليس في سُلُوكِهِ إبْطَالُ الْقَوَاعِدِ وَلَا يَجْرِي عليها جَرْيًا مُخْلِصًا كما في مَسْأَلَةِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ إنْ كان الِاسْتِحْسَانُ هو الْقَوْلُ بِمَا يَسْتَحْسِنُهُ الْإِنْسَانُ وَيَشْتَهِيهِ من غَيْرِ دَلِيلٍ فَهُوَ بَاطِلٌ وَلَا أَحَدَ يقول بِهِ ثُمَّ حَكَى كَلَامُ أبي زَيْدٍ أَنَّهُ اسْمٌ لِضَرْبِ دَلِيلٍ يُعَارِضُ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ حتى كان الْقِيَاسُ غير الِاسْتِحْسَانِ على سَبِيلِ الْمُعَارَضَةِ وَكَأَنَّهُمْ سَمَّوْهُ بهذا الِاسْمِ لِاسْتِحْسَانِهِمْ تَرْكَ الْقِيَاسِ أو الْوُقُوفَ عن الْعَمَلِ بِهِ بِدَلِيلٍ آخَرَ فَوْقَهُ في الْمَعْنَى الْمُؤَثِّرِ أو مِثْلِهِ ولم يَكُنْ لهم من هذه التَّسْمِيَةِ إلَّا التَّمْيِيزُ بين حُكْمِ الْأَصْلِ الذي يُبْنَى على الْأَصْلِ قِيَاسًا وَاَلَّذِي قال اسْتِحْسَانًا وَهَذَا كما مَيَّزَ أَهْلُ النَّحْوِ بين وُجُوهِ النَّصْبِ فَقَالُوا هذا نُصِبَ على الظَّرْفِ وَهَذَا نُصِبَ على الْمَصْدَرِ ثُمَّ نَبَّهَ ابن السَّمْعَانِيِّ على أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ لَفْظِيٌّ فإن تَفْسِيرَ الِاسْتِحْسَانِ بِمَا يُشَنَّعُ عليهم لَا يَقُولُونَ بِهِ وَاَلَّذِي يَقُولُونَ بِهِ إنَّهُ الْعُدُولُ في الْحُكْمِ من دَلِيلٍ إلَى دَلِيلٍ هو أَقْوَى منه فَهَذَا مِمَّا لم يُنْكِرْهُ لَكِنْ هذا الِاسْمُ لَا نَعْرِفُهُ اسْمًا لِمَا يُقَالُ بِهِ بِمِثْلِ هذا الدَّلِيلِ وَقَرِيبٌ منه قَوْلُ الْقَفَّالِ إنْ كان الْمُرَادُ بِالِاسْتِحْسَانِ ما دَلَّ عليه الْأُصُولُ
  140. لِمَعَانِيهَا فَهُوَ حَسَنٌ لِقِيَامِ الْحُجَّةِ له وَتَحْسِينِ الدَّلَائِلِ فَهَذَا لَا نُنْكِرُهُ وَنَقُولُ بِهِ وَإِنْ كان ما يُقَبَّحُ في الْوَهْمِ من اسْتِقْبَاحِ الشَّيْءِ وَاسْتِحْسَانِهِ بِحُجَّةٍ دَلَّتْ عليه من أَصْلٍ وَنَظِيرٍ فَهُوَ مَحْظُورٌ وَالْقَوْلُ بِهِ غَيْرُ سَائِغٍ وقال السِّنْجِيُّ الِاسْتِحْسَانُ كَلِمَةٌ يُطْلِقُهَا أَهْلُ الْعِلْمِ وَهِيَ على ضَرْبَيْنِ أَحَدُهُمَا وَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ وهو أَنْ يُقَدَّمَ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ أو الْعَقْلِيُّ على حُسْنِهِ كَالْقَوْلِ بِحُدُوثِ الْعَالَمِ وَقِدَمِ الْمُحْدِثِ وَبَعْثِهِ الرُّسُلَ وَإِثْبَاتِ صِدْقِهِمْ وَكَوْنِ الْمُعْجِزَةِ حُجَّةً عليهم وَمِثْلُ مَسَائِلِ الْفِقْهِ لِهَذَا الضَّرْبِ يَجِبُ تَحْسِينُهُ لِأَنَّ الْحُسْنَ ما حَسَّنَهُ الشَّرْعُ وَالْقُبْحُ ما قَبَّحَهُ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ على مُخَالَفَةِ الدَّلِيلِ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مَحْظُورًا بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ وفي عَادَاتِ الناس إبَاحَتُهُ وَيَكُونُ في الشَّرْعِ دَلِيلٌ يُغَلِّظُهُ وفي عَادَاتِ الناس التَّخْفِيفُ فَهَذَا عِنْدَنَا يَحْرُمُ الْقَوْلُ بِهِ وَيَجِبُ اتِّبَاعُ الدَّلِيلِ وَتَرْكُ الْعَادَةِ وَالرَّأْيِ وَسَوَاءٌ كان ذلك الدَّلِيلُ نَصًّا أو إجْمَاعًا أو قِيَاسًا وَذَهَبَ أبو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إلَى أَنَّ ذلك الدَّلِيلَ إنْ كان خَبَرَ وَاحِدٍ أو قِيَاسًا اُسْتُحْسِنَ تَرْكُهُمَا وَالْأَخْذُ بِالْعَادَاتِ كَقَوْلِهِ في خَبَرِ الْمُتَبَايِعَيْنِ أَرَأَيْت لو كَانَا في سَفِينَةٍ فَرَدَّ الْخَبَرَ بِالِاسْتِحْسَانِ وَعَادَةِ الناس وَكَقَوْلِهِ في شُهُودِ الزَّوَايَا انْتَهَى إذَا عَلِمْت هذا فَاعْلَمْ أَنَّهُ قد اخْتَلَفَتْ الْحَنَفِيَّةُ في حَقِيقَةِ الِاسْتِحْسَانِ على أَقْوَالٍ
  141. أَحَدُهَا أَنَّهُ الْعَمَلُ بِأَقْوَى الْقِيَاسَيْنِ وَعَلَى هذا يَرْتَفِعُ الْخِلَافُ كما قال الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ لِأَنَّا نُوَافِقُهُمْ عليه لِأَنَّهُ الْأَحْسَنُ وَالثَّانِي أَنَّهُ تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ كما خَصَّ خُرُوجَ الْجِصِّ وَالنُّورَةِ من عِلَّةِ الرِّبَا في الْبُرِّ وَإِنْ كان مَكِيلًا وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْعُنْوَانِ قال شَارِحُهُ وفي حَصْرِهِ في هذا الْمَعْنَى نَظَرٌ عِنْدِي وَعَلَى هذا التَّفْسِيرِ قال الْقَفَّالُ وَالْمَاوَرْدِيُّ نَحْنُ نُخَالِفُهُمْ بِنَاءً على أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ عِنْدَنَا قال ابن الصَّبَّاغِ وَلَوْ كان هذا التَّخْصِيصُ لَمَا جَازَ تَرْكُهُ إلَى الْقِيَاسِ كما لَا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِالْعَامِّ مع قِيَامِ دَلِيلِ الْمُخَصِّصِ الثَّالِثُ أَنَّهُ تَرَكَ أَقْوَى الْقِيَاسَيْنِ بِأَضْعَفِهِمَا إذَا كان حَتْمًا كما قال في شُهُودِ الزِّنَى الْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ وَلَكِنْ أَحَدَّهُ اسْتِحْسَانًا قال الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وهو بهذا التَّفْسِيرِ يُخَالِفُ فيه لِأَنَّ أَقْوَى الْقِيَاسَيْنِ عِنْدَنَا أَحْسَنُ من أَضْعَفِهِمَا وَلِأَنَّ في مَسْأَلَةِ الزَّوَايَا لَا قِيَاسَ أَصْلًا وَلَا خَبَرًا الرَّابِعُ أَنَّهُ تَخْصِيصُ الْقِيَاسِ بِالسُّنَّةِ حَكَاهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَلِأَجْلِهِ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُمْ رُبَّمَا يُسْنِدُونَ لِمَا يَرَوْنَهُ إلَى خَبَرٍ كَمَصِيرِهِمْ إلَى أَنَّ النَّاسِي بِالْأَكْلِ لَا يُفْطِرُ لِخَبَرِ أبي هُرَيْرَةَ الْخَامِسُ قال إلْكِيَا وهو أَحْسَنُ ما قِيلَ في تَفْسِيرِهِ ما قَالَهُ أبو الْحَسَنِ الْكَرْخِيّ أَنَّهُ قَطَعَ الْمَسَائِلَ عن نَظَائِرِهَا لِدَلِيلٍ خَاصٍّ يَقْتَضِي الْعُدُولَ عن الْحُكْمِ الْأَوَّلِ فيه إلَى الثَّانِي سَوَاءٌ كان قِيَاسًا أو نَصًّا يَعْنِي أَنَّ الْمُجْتَهِدَ يَعْدِلُ عن الْحُكْمِ من مَسْأَلَةٍ بِمَا يَحْكُمُ في نَظَائِرِهَا إنَّ الْحُكْمَ بِخِلَافِهِ لِوَجْهٍ يَقْتَضِي الْعُدُولَ عنه كَتَخْصِيصِ أبي حَنِيفَةَ قَوْلَ الْقَائِلِ ما لي صَدَقَةٌ على الزَّكَاةِ فإن هذا الْقَوْلَ منه عَامٌّ في التَّصْدِيقِ بِجَمِيعِ مَالِهِ وقال أبو حَنِيفَةَ يَخْتَصُّ بِمَالِ الزَّكَاةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى خُذْ من أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً وَالْمُرَادُ من الْأَمْوَالِ الْمُضَافَةِ إلَيْهِمْ أَمْوَالُ الزَّكَاةِ فَعَدَلَ عن الْحُكْمِ في مَسْأَلَةِ الْمَالِ الذي ليس هو بِزَكَوِيٍّ بِمَا حَكَمَ بِهِ في نَظَائِرِهَا من الْأَمْوَالِ الزَّكَوِيَّةِ إلَى خِلَافِ ذلك الْحُكْمِ لِدَلِيلٍ اقْتَضَى الْعُدُولَ وهو الْآيَةُ وقال عبد الْوَهَّابِ هو قَوْلُ الْمُحَصِّلِينَ من الْحَنَفِيَّةِ قال وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ هو الذي قال بِهِ أَصْحَابُنَا فقال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذلك الدَّلِيلُ أَقْوَى من الْقِيَاسِ الذي اقْتَضَى إلْحَاقَهَا بِنَظَائِرِهَا لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرْكُ الْقِيَاسِ وَلَا غَيْرِهِ من الْأَدِلَّةِ إلَّا لِمَا هو أَقْوَى منه وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ مَذْهَبُهُ كُلُّهُ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّهُ عُدُولٌ بِالْخَاصِّ عن
  142. بَقِيَّةِ أَفْرَادِ الْعَامِّ لِدَلِيلٍ وَحَكَى ابن الْقَطَّانِ عن الْكَرْخِيِّ أَنَّهُ فَسَّرَهُ بِأَدَقِّ الْقِيَاسَيْنِ وقال في الْمَنْخُولِ الصَّحِيحُ في ضَبْطِهِ قَوْلُ الْكَرْخِيِّ وقد قَسَّمَهُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا اتِّبَاعُ الحديث وَتَرْكُ الْقِيَاسِ كما فَعَلُوا في مَسْأَلَةِ الْقَهْقَهَةِ وَنَبِيذِ التَّمْرِ الثَّانِي اتِّبَاعُ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ إذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ كما قالوا في أُجْرَةِ الْعَبْدِ الْآبِقِ بِأَرْبَعِينَ اتِّبَاعًا لِابْنِ عَبَّاسٍ الثَّالِثُ اتِّبَاعُ الْعَادَةِ الْمُطَّرِدَةِ كَالْمُعَاطَاةِ فإن اسْتِمْرَارَهَا يَشْهَدُ بِصِحَّةِ نَقْلِهَا خَلَفًا عن سَلَفٍ وَيَغْلِبُ على الظَّنِّ أَنَّهُ في عَصْرِ الرَّسُولِ الرَّابِعُ اتِّبَاعُ مَعْنَى خَفِيٍّ هو أَخَصُّ بِالْمَقْصُودِ كما في إيجَابِ الْحَدِّ بِشُهُودِ الزَّوَايَا لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ فَعْلَةً وَاحِدَةً كَأَنْ يَزْحَفُ فيها قال الْغَزَالِيُّ وَتَقْدِيمُ الْخَبَرِ على الْقِيَاسِ وَجَبَ عِنْدَنَا لَكِنَّ الْخَبَرَ الصَّحِيحَ وَكَذَلِكَ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ إذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ يُتَّبَعُ عِنْدَنَا وَأَمَّا أَنَّ الْأَعْصَارَ لَا تَتَفَاوَتُ فَمَرْدُودٌ لِأَنَّ الْعُقُودَ الْفَاسِدَةَ في الْكَثْرَةِ حَدَثَتْ بَعْدَ عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ فَأَمَّا الْمَعْنَى الْخَفِيُّ إذَا كان أَخَصَّ فَهُوَ مُتَّبَعٌ وَلَكِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لم يَكْتَفِ بِمُوجِبِهِ حتى أتى بِالْعَجَبِ فقال يَجِبُ الْحَدُّ على من شَهِدَ عليه أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَى أَرْبَعُ زَوَايَا كُلُّ وَاحِدٍ يَشْهَدُ على زَاوِيَةٍ قال وَلَعَلَّهُ كان يَتَزَحَّفُ في زَنْيَةٍ وَاحِدَةٍ وَأَيُّ اسْتِحْسَانٍ في سَفْكِ دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بهذا الْخَيَالِ انْتَهَى وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ أَنَّ الْخِلَافَ في الثَّالِثِ فقال الْمَنْقُولُ عن أبي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَتَّبِعُ ما اُسْتُحْسِنَ بِالْعَادَةِ وَيَتْرُكُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ الْمُتَوَاتِرَةَ وَمَثَّلَهُ بِشُهُودِ الزِّنَى انْتَهَى وَذَكَرَ أبو بَكْرٍ محمد بن أَحْمَدَ الْبَلْعَمِيُّ الْحَنَفِيُّ في كِتَابِ الْغَرَرِ في الْأُصُولِ أَنَّهُ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالْمَعْنَى الْخَفِيِّ قال وَلَا عَيْبَ إذَنْ في إطْلَاقِهِ بَلْ الْعَيْبُ على من جَهِلَ حَقِيقَتَهُ وقال بِهِ من حَيْثُ عِيبَ عن قَائِلِهِ قال وَذَكَرَ أبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ في كِتَابِهِ قال حدثني بَعْضُ قُضَاةِ مَدِينَةِ السَّلَامِ مِمَّنْ كان يَلِي الْقَضَاءَ في زَمَانِ الْمُسْتَعِينِ بِاَللَّهِ قال سَمِعْت إبْرَاهِيمَ بن جَابِرٍ وكان رَجُلًا كَثِيرَ الْعِلْمِ صَنَّفَ في اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ وكان يقول بِنَفْيِ الْقِيَاسِ بَعْدَ أَنْ أَثْبَتَهُ
  143. قُلْت له ما الذي أَوْجَبَ عِنْدَك الْقَوْلَ بِنَفْيِ الْقِيَاسِ بَعْدَ الْقَوْلِ بِهِ قال قَرَأْت كِتَابَ إبْطَالِ الِاسْتِحْسَانِ لِلشَّافِعِيِّ فَرَأَيْتُهُ صَحِيحًا في مَعْنَاهُ إلَّا أَنَّ جَمِيعَ ما احْتَجَّ بِهِ هو بِعَيْنِهِ يُبْطِلُ الْقِيَاسَ وَصَحَّ بِهِ عِنْدِي بُطْلَانُهُ قال فَهَذِهِ حِكَايَةٌ تُنَادِي على الْخَصْمِ أَنَّهُ يقول بِمَا يَعُودُ عليه بِالنَّقْضِ قُلْت إنْ كان الِاسْتِحْسَانُ كما نَقُولُ فَهُوَ نَوْعٌ من الْقِيَاسِ فَلَا وَجْهَ لِتَسْمِيَتِك بِهِ بِاسْمٍ آخَرَ وَلَئِنْ قُلْت لَا مُشَاحَّةَ في الِاصْطِلَاحِ قُلْنَا هُنَا يُوهِمُ أَنَّهُ دَلِيلٌ غَيْرُ الْقِيَاسِ فَقُلْ هو قِيَاسٌ في الْمَعْنَى وَلَهُ اسْمٌ آخَرُ في اللَّفْظِ وهو أَحَدُ أَنْوَاعِ الْقِيَاسِ وَحِينَئِذٍ فَيَرْتَفِعُ الْخِلَافُ السَّادِسُ أَنَّهُ دَلِيلٌ يَنْقَدِحُ في نَفْسِ الْمُجْتَهِدِ تَقْتَصِرُ عنه عِبَارَتُهُ فَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَتَفَوَّهَ بِهِ قال الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَهَذَا هو بَيِّنٌ لِأَنَّ ما يَقْدِرُ على التَّعْبِيرُ عنه لَا يَدْرِي هو وَهْمٌ أو تَحْقِيقٌ وَرَدَّ عليه الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّ ما يَحْصُلُ في النَّفْسِ من مَجْمُوعِ قَرَائِنِ الْأَقْوَالِ من عِلْمٍ أو ظَنٍّ لَا يَتَأَتَّى عن دَلِيلِهِ عِبَارَةٌ مُطَابِقَةٌ له ثُمَّ لَا يَلْزَمُ من الِاخْتِلَالِ بِالْعِبَارَةِ الْإِخْلَالُ بِالْمُعَبَّرِ عنه فإن تَصْحِيحَ الْمَعَانِي بِالْعِلْمِ الْيَقِينِيِّ لَا بِالنُّطْقِ اللَّفْظِيِّ قال وَيَظْهَرُ لي أَنَّ هذا أَشْبَهَ ما يُفَسَّرُ بِهِ الِاسْتِحْسَانُ قُلْت وَعَلَى هذا يَنْبَغِي أَنْ يَتَمَسَّكَ بِهِ الْمُجْتَهِدُ فِيمَا غَلَبَ على ظَنِّهِ أَمَّا الْمُنَاظِرُ فَلَا يُسْمَعُ منه بَلْ لَا بُدَّ من بَيَانِهِ لِيَظْهَرَ خَطَؤُهُ من صَوَابِهِ وقال الْخُوَارِزْمِيُّ في الْكَافِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هذا هو مَحَلُّ الْخِلَافِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حُجَّةً إذْ لَا شَاهِدَ له السَّابِعُ أَنَّهُ مِمَّا يَسْتَحْسِنُهُ الْمُجْتَهِدُ بِرَأْيِ نَفْسِهِ وَحَدِيثِهِ من غَيْرِ دَلِيلٍ وَهَذَا هو ظَاهِرُ لَفْظِ الِاسْتِحْسَانِ وهو الذي حَكَاهُ الشَّافِعِيُّ عن أبي حَنِيفَةَ كما قال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ في تَعْلِيقِهِ قال وَأَنْكَرَهُ أَصْحَابُ أبي حَنِيفَةَ وقال الشَّيْخُ الشِّيرَازِيُّ إنَّهُ الذي يَصِحُّ عنه وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ من اسْتَحْسَنَ فَقَدْ شَرَّعَ وَهَذَا مَرْدُودٌ لِأَنَّهُ قَوْلٌ في الشَّرِيعَةِ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي وَمُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وما اخْتَلَفْتُمْ فيه من شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلَى اللَّهِ لَكِنَّ الْحَنَفِيَّةَ يُنْكِرُونَ هذا التَّفْسِيرَ لِمَا فيه من الشَّنَاعَةِ قُلْت وهو الصَّوَابُ في النَّقْلِ عن أبي حَنِيفَةَ وَفْد صَنَّفَ الشَّافِعِيُّ كِتَابًا في الْأُمِّ في الرَّدِّ على أبي حَنِيفَةَ في الِاسْتِحْسَانِ وقال من جُمْلَتِهِ قال أبو حَنِيفَةَ لَمَّا رَدَّ خِيَارَ الْمَجْلِسِ بين الْمُتَتَابِعَيْنِ أَرَأَيْت لو كَانَا في سَفِينَةٍ فَتَرَكَ الحديث الصَّحِيحَ بهذا
  144. التَّخْمِينِ وقال في مَسْأَلَةِ شُهُودِ الزَّوَايَا الْقِيَاسُ أَنَّهُمْ قَذَفَةٌ يُحَدُّونَ وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُمْ لَكِنْ اسْتَحْسَنَ قَبُولَهَا وَرَجْمَ الْمَشْهُودِ عليه قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَيُّ اسْتِحْسَانٍ في قَتْلِ مُسْلِمِينَ وقال في الزَّوْجَيْنِ إذَا تَقَاذَفَا قال لها يا زَانِيَةُ فقالت بَلْ أنت زَانٍ لَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ لِأَنِّي أَسْتَقْبِحُ أَنْ أُلَاعِنَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ أَحُدُّهَا قال الشَّافِعِيُّ وَأَقْبَحُ منه تَعْلِيلُ حُكْمِ اللَّهِ عَلَيْهِمَا انْتَهَى وَهَذَا صَرِيحٌ في أَنَّ الشَّافِعِيَّ فَهِمَ عن أبي حَنِيفَةَ أَنَّ مُرَادَهُ بِالِاسْتِحْسَانِ هذا فَلَا وَجْهَ لِإِنْكَارِ أَصْحَابِهِ ذلك وقد احْتَجَّ أَصْحَابُنَا على بُطْلَانِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إلَى ذلك خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا فَجَعَلَ الْأَحْسَنَ ما كان كَذَلِكَ وَقَوْلُهُ وما اخْتَلَفْتُمْ فيه من شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلَى اللَّهِ ولم يَقُلْ إلَى الِاسْتِحْسَانِ وَلِأَنَّ الْقِيَاسَ أَقْوَى من الِاسْتِحْسَانِ بِدَلِيلِ جَوَازِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِهِ دُونَ الِاسْتِحْسَانِ فلم يَجُزْ أَنْ يَتَقَدَّمَ عليه الِاسْتِحْسَانُ وقد اسْتَدَلَّ الْخَصْمُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ وَقَوْلُهُ عليه السَّلَامُ ما رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ وَلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعُوا على أَحْكَامٍ عَدَلُوا عن الْأُصُولِ فيها إلَى الِاسْتِحْسَانِ منها دُخُولُ الْوَاحِدِ إلَى الْحَمَّامِ لِيَسْتَعْمِلَ مَاءً غير مُقَدَّرٍ وَيَشْتَرِي الْمَأْكُولَ بِالْمُسَاوَمَةِ من غَيْرِ عَقْدٍ يَتَلَفَّظُ بِهِ فَدَلَّ على أَنَّ اسْتِحْسَانَ الْمُسْلِمِينَ حُجَّةٌ وَإِنْ لم يَقْتَرِنْ بِحُجَّةٍ وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا عن الْآيَةِ بِأَنَّهَا تَتَضَمَّنُ الْأَخْذَ بِالْأَحْسَنِ دُونَ الْمُسْتَحْسَنِ وهو ما جاء بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ لَا غَيْرُهُمَا وَالْحَدِيثُ مَوْقُوفٌ على ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَنْ الْإِجْمَاعِ بِأَنَّ الْمَصِيرَ إلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ لَا بِالِاسْتِحْسَانِ
  145. فَصْلٌ ما اسْتَحْسَنَهُ الشَّافِعِيُّ المراد ( ( ( والمراد ) ) ) منه قال ابن الْقَاصِّ لم يَقُلْ الشَّافِعِيُّ بِالِاسْتِحْسَانِ إلَّا في ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ قال وَأَسْتَحْسِنُ في الْمُتْعَةِ أَنْ تُقَدَّرَ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا وقال رأيت بَعْضَ الْحُكَّامِ يَحْلِفُ على الْمُصْحَفِ وَذَلِكَ حَسَنٌ وقال في مُدَّةِ الشُّفْعَةِ وَأَسْتَحْسِنُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وقال الْخَفَّافُ في الْخِصَالِ قال الشَّافِعِيُّ بِالِاسْتِحْسَانِ في سِتَّةِ مَوَاضِعَ فذكر هذه الثَّلَاثَةَ وزاد قَوْلَهُ في بَابِ الصَّدَاقِ من أَعْطَاهَا بِالْخَلْوَةِ فَذَاكَ ضَرْبٌ من الِاسْتِحْسَانِ يَعْنِي قَوْلَهُ الْقَدِيمَ وَكَذَلِكَ في الشَّهَادَاتِ كَتَبَ قَاضٍ إلَى قَاضٍ ذلك اسْتِحْسَانٌ وَمَرَاسِيلُ سَعِيدٍ حَسَنٌ وقد أَجَابَ الْأَصْحَابُ منهم الْإِصْطَخْرِيُّ وابن الْقَاصِّ وَالْقَفَّالُ وَالسِّنْجِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ الشَّافِعِيَّ إنَّمَا اسْتَحْسَنَ ذلك بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عليه وهو الِاسْتِحْسَانُ حُجَّةٌ أَيْ أَنَّهُ حَسَنٌ لِأَنَّ كُلَّ ما ثَبَتَتْ حُجَّتُهُ كان حَسَنًا أَمَّا الْأَوَّلُ فَرَوَاهُ عن ابْنِ عُمَرَ وهو صَحَابِيٌّ فَاسْتَحْسَنَهُ على قَوْلِ غَيْرِهِ وقال الْقَفَّالُ إنَّمَا ذَكَرَهُ في الْقَدِيمِ بِنَاءً على قَوْلِهِ في تَقْلِيدِ الصَّحَابَةِ وقال الصَّيْرَفِيُّ في شَرْحِ الرِّسَالَةِ إنَّمَا اسْتَحَبَّ الْفَضْلَ ولم يُوجِبْهُ وَإِنَّمَا يُنْكَرُ الْقَضَاءُ بِالِاسْتِحْسَانِ فَأَمَّا أَنْ يُسْتَحَبَّ الْكَرَمُ وَالزِّيَادَةُ فَلَا يُنْكَرُ وَأَمَّا الثَّانِي فإن ابْنَ عَبَّاسٍ وَابْنَ الزُّبَيْرِ فَعَلَاهُ وَأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِاعْتِبَارِ ما فيه إرْهَابٌ وَزَجْرٌ عن الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ وَالتَّحْلِيفُ بِالْمُصْحَفِ تَعْظِيمٌ فَكَأَنَّهُ من بَابِ الْقِيَاسِ تَغْلِيظًا بِالْيَمِينِ كما غَلُظَتْ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ الشَّرِيفَيْنِ وقال الْقَفَّالُ هذا مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ أَلْبَتَّةَ وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلِأَنَّ الناس أَجْمَعُوا على تَأْجِيلِ الشُّفْعَةِ في قَرِيبٍ من الزَّمَانِ فَجَعَلَهُ هو مُقَدَّرًا بِثَلَاثَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى تَمَتَّعُوا في دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَهِيَ حَدُّ الْقُرْبِ وَلِأَنَّهَا مُدَّةٌ مَضْرُوبَةٌ في خِيَارِ الشَّرْطِ وفي مَقَامِ الْمُسَافِرِ وفي
  146. أَكْثَرِ مُدَّةِ الْمَسْحِ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ في الْبَوَاقِي فإنه اسْتَحْسَنَ مَرَاسِيلَ سَعِيدٍ لِأَنَّهُ وَجَدَهَا مُسْنَدَةً وَأَنَّهُ لَا يُرْسِلُ إلَّا عن صَحَابِيٍّ فَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ حَيْثُ قال بِهِ كان لِدَلِيلٍ لَا بِاعْتِبَارِ مَيْلِ النَّفْسِ قال الْإِصْطَخْرِيُّ وَلَا يَجُوزُ عِنْدَنَا أَنْ يُسْتَحْسَنَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ إلَّا من بَابِ الْمُمَاثَلَةِ بِالِاجْتِهَادِ وَالنَّظَرِ إلَى الْأُولَى وَإِنَّمَا الْمَذْمُومُ من الِاسْتِحْسَانِ هو الذي يُحَدِّثُهُ الْإِنْسَانُ عن نَفْسِهِ بِلَا مِثَالٍ كما في إيجَابِ الْحَدِّ بِشُهُودِ الزَّوَايَا قُلْت لَكِنْ رَأَيْت في سُنَنِ الشَّافِعِيِّ التي يَرْوِيهَا الْمُزَنِيّ عنه قال الطَّحَاوِيُّ سَمِعْت الْمُزَنِيّ يقول قال الشَّافِعِيُّ إذَا عَلِمَ صَاحِبُ الشُّفْعَةِ فَأَكْثَرُ ما يَجُوزُ له طَلَبُ الشُّفْعَةِ في ثَلَاثِهِ أَيَّامٍ فإذا كان في ثَلَاثِهِ أَيَّامٍ لم يَجُزْ طَلَبُهُ هذا اسْتِحْسَانٌ مِنِّي وَلَيْسَ بِأَصْلٍ انْتَهَى وَالْمُشْكَلُ فيه قَوْلُهُ وَلَيْسَ بِأَصْلٍ وَيَنْبَغِي تَأْوِيلُهُ على أَنَّ الْمُرَادَ ليس بِأَصْلٍ خَاصٍّ يَدُلُّ عليه لَا نَفْيِ الدَّلِيلِ أَلْبَتَّةَ وقال الْغَزَالِيُّ في الْبَسِيطِ قال الشَّافِعِيُّ لو كان بِرَأْسِ الْمُحْرِمِ هَوَامُّ فَنَحَّاهَا تَصَدَّقَ بِشَيْءٍ ثُمَّ قال لَا أَدْرِي من أَيْنَ قُلْت ما قُلْت قال الْإِمَامُ في النِّهَايَةِ وَالْغَزَالِيُّ في الْبَسِيطِ هذا من قَبِيلِ اسْتِحْسَانِ أبي حَنِيفَةَ وهو مُشْكِلٌ فَالصَّحِيحُ أَنَّ ذلك من الشَّافِعِيِّ اسْتِحْسَانٌ فإنه بَيَّنَ أَنَّهُ لَا أَصْلَ له قُلْت ليس هذا من الِاسْتِحْسَانِ بَلْ مُرَادُ الشَّافِعِيِّ أَنِّي لَا أَذْكُرُ دَلِيلَ ما قُلْتُهُ لِأَجْلِهِ لَا أَنَّهُ قَالَهُ من غَيْرِ دَلِيلٍ بِهَوَى نَفْسِهِ وقد وَقَعَ الِاسْتِحْسَانُ في كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ بِالْمَعْنَى السَّابِقِ في مَوَاضِعَ أُخْرَى منها قال وَحَسَنٌ أَنْ يَضَعَ الْمُؤَذِّنُ إصْبَعَهُ في أُذُنَيْهِ لِأَنَّ حَدِيثَ بِلَالٍ اشْتَمَلَ على ذلك ومنها قال في الْوَسِيطِ إنَّ الشَّافِعِيَّ ذَهَبَ في أَحَدِ قَوْلَيْهِ لِمَنْعِ قَرْضِ الْجَوَارِي مِمَّنْ هِيَ حَلَالٌ له اسْتِحْسَانًا ومنها قال في التَّغْلِيظِ على الْمُعَطِّلِ أَسْتَحْسِنُ إذَا حَلَفَ أَنْ يُسْأَلَ بِاَللَّهِ الذي خَلَقَك وَرَزَقَك ومنها قال الشَّافِعِيُّ أَسْتَحْسِنُ أَنْ يُتْرَكَ شَيْءٌ من نُجُومِ الْكِتَابَةِ ومنها إذَا قَالَا نَشْهَدُ أَنَّهُ لَا وَارِثَ له قال الشَّافِعِيُّ سَأَلْتُهُمَا عن ذلك فَإِنْ قَالَا هو لَا نَعْلَمُ فَذَا وَإِنْ قالوا تَيَقَّنَّاهُ قَطْعًا فَقَدْ أَخْطَئُوا لَكِنْ لَا تُرَدُّ بِذَلِكَ
  147. شَهَادَتُهُمَا وَلَكِنْ أَرُدُّهَا اسْتِحْسَانًا حَكَاهُ ابن الصَّبَّاغِ من بَابِ الْإِقْرَارِ من الشَّامِلِ ومنها قال أبو زَيْدٍ بَعْدَ ذِكْرِ الْأَوْجُهِ في الْجَارِيَةِ الْمُغَنِّيَةِ كُلُّ هذا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ الصِّحَّةُ ومنها قال الرَّافِعِيُّ في الْإِيلَاءِ في وَلِيِّ الْمَجْنُونَةِ وَحَسَنٌ أَنْ يَقُولَ الْحَاكِمُ لِلزَّوْجِ ومنها اسْتِحْسَانُ الشَّافِعِيِّ تَقْدِيرَ نَفَقَةِ الْخَادِمِ ومنها قال في الْوَسِيطِ إذَا أَخْرَجَ السَّارِقُ يَدَهُ الْيُسْرَى بَدَلَ الْيُمْنَى فَالِاسْتِحْسَانُ أَنْ لَا تُقْطَعَ وَقَالُوا في تَعَيُّنِ الرَّمْيِ في النِّضَالِ وَمِنْهَا قال الرُّويَانِيُّ فِيمَا إذَا قال أَمْهِلُونِي لِأَسْأَلَ الْفُقَهَاءَ أَعْنِي الْمُدَّعِيَ في الْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ اسْتَحْسَنَ فيها قُلُوبُنَا إمْهَالَهُ يَوْمًا وَذَكَرَ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ في كِتَابِ اقْتِنَاصِ السَّوَانِحِ ثَلَاثَ صُوَرٍ تَرْجِعُ إلَى الِاسْتِحْسَانِ أو الْمَصَالِحِ قال بها الْأَصْحَابُ إحْدَاهَا الْحُصُرُ الْوَقْفُ وَنَحْوُهُ إذَا بَلِيَ قِيلَ إنَّهُ يُبَاعُ وَيُصْرَفُ في مَصَالِحِ الْمَسْجِدِ وَمِثْلُهُ الْجِذْعُ الْمُنْكَسِرُ وَالدَّارُ الْمُنْهَدِمَةُ وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَقِيلَ إنَّهُ يُحْفَظُ فإنه عَيْنُ الْوَقْفِ فَلَا يُبَاعُ وَهَذَا الْقِيَاسُ الثَّانِيَةُ حَقُّ التَّوْلِيَةِ على الْوَقْفِ قِيلَ إنَّهُ لِلْوَاقِفِ وَعَلَّلَ بِأَنَّهُ الْمُتَقَرِّبُ بِصَدَقَتِهِ فَهُوَ أَحَقُّ من يَقُومُ بِإِمْضَائِهَا وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ الثَّالِثَةُ إذَا أَعَارَ أَرْضًا لِلْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ فَبَنَى الْمُسْتَعِيرُ أو غَرَسَ ثُمَّ رَجَعَ وَاتَّفَقَا على أَنْ يَبِيعَ الْأَرْضَ وَالْبِنَاءَ لِثَالِثٍ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ فَقِيلَ هو كما لو كان لِهَذَا عَبْدٌ وَلِهَذَا عَبْدٌ فَبَاعَاهُمَا بِثَمَنٍ وَاحِدٍ وَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ لِلْحَاجَةِ وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ فَهُوَ اسْتِحْسَانٌ أو اسْتِصْلَاحٌ فَائِدَةٌ قَيَّدَ الطَّبَرِيُّ في الْعُدَّةِ مَحَلَّ الْخِلَافِ في الِاسْتِحْسَانِ بِالْمُخَالِفِ لِلْقِيَاسِ فَإِنْ لم يَكُنْ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ فَهُوَ جَائِزٌ كما اسْتَحْسَنَ الشَّافِعِيُّ الْحَلِفَ بِالْمُصْحَفِ وَنَظَائِرِهِ وهو رَاجِعٌ لِمَا سَبَقَ
  148. دَلَالَةُ الِاقْتِرَانِ قال بها الْمُزَنِيّ وابن أبي هُرَيْرَةَ وَالصَّيْرَفِيُّ مِنَّا وأبو يُوسُفَ من الْحَنَفِيَّةِ وَنَقَلَهُ الْبَاجِيُّ عن نَصِّ الْمَالِكِيَّةِ قال وَرَأَيْت ابْنَ نَصْرٍ يَسْتَعْمِلُهَا كَثِيرًا وَقِيلَ إنَّ مَالِكًا احْتَجَّ في سُقُوطِ الزَّكَاةِ عن الْخَيْلِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً فَقَرَنَ في الذِّكْرِ بين الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ لَا زَكَاةَ فيها إجْمَاعًا فَكَذَلِكَ الْخَيْلُ وَأَنْكَرَهَا الْجُمْهُورُ فَيَقُولُونَ الْقِرَانُ في النَّظْمِ لَا يُوجِبُ الْقِرَانَ في الْحُكْمِ وَصُورَتُهُ أَنْ يَدْخُلَ حَرْفُ الْوَاوِ بين جُمْلَتَيْنِ تَامَّتَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ أو فِعْلٌ وَفَاعِلٌ بِلَفْظٍ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ في الْجَمِيعِ أو الْمَعْمُومَ في الْجَمِيعِ وَلَا مُشَارَكَةَ بَيْنَهُمَا في الْعِلَّةِ ولم يَدُلَّ دَلِيلٌ على التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى كُلُوا من ثَمَرِهِ
  149. إذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يوم حَصَادِهِ وَقَوْلِهِ فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ وَكَاسْتِدْلَالِ الْمُخَالِفِ في أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْمَاءِ يُنَجِّسُهُ بِقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ لَا يَبُولَنَّ أحدكم في الْمَاءِ الدَّائِمِ وَلَا يَغْتَسِلُ فيه من الْجَنَابَةِ لِكَوْنِهِ مَقْرُونًا بِالنَّهْيِ عن الْبَوْلِ فيه وَالْبَوْلُ فيه يُفْسِدُهُ فَكَذَلِكَ الِاغْتِسَالُ فيه وهو غَيْرُ مَرْضِيٍّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ عن الِاغْتِسَالِ فيه لِمَعْنَى غَيْرِ الْمَعْنَى الذي مُنِعَ من الْبَوْلِ فيه لِأَجْلِهِ وَلَعَلَّ الْمَعْنَى في النَّهْيِ عن الِاغْتِسَالِ لَا تَرْتَفِعُ جَنَابَتُهُ كما هو مَذْهَبُ الْحُصَرِيِّ من أَصْحَابِنَا وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بها بِأَنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ وَقِيَاسًا على الْجُمْلَةِ النَّاقِصَةِ إذَا عُطِفَتْ على الْكَامِلَةِ وَأُجِيبُ بِأَنَّ الشَّرِكَةَ إنَّمَا وَجَبَتْ في النَّاقِصَةِ لِافْتِقَارِهَا إلَى ما تَتِمُّ بِهِ فإذا تَمَّتْ بِنَفْسِهَا لَا تَجِبُ الْمُشَارَكَةُ إلَّا فِيمَا يُفْتَقَرُ إلَيْهِ وَيَدُلُّ على فَسَادِ هذا الْمَذْهَبِ قَوْله تَعَالَى مُحَمَّدٌ رسول اللَّهِ وَاَلَّذِينَ معه أَشِدَّاءُ على الْكُفَّارِ فإن هذه الْجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ على ما قَبْلَهَا وَلَا تَجِبُ لِلثَّانِيَةِ الشَّرِكَةُ في الرِّسَالَةِ وقَوْله تَعَالَى كُلُوا من ثَمَرِهِ إذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يوم حَصَادِهِ وَالْإِيتَاءُ وَاجِبٌ دُونَ الْأَكْلِ وَالْأَكْلُ يَجُوزُ في الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَالْإِيتَاءُ لَا يَجِبْ إلَّا في خَمْسَةِ أَوْسُقٍ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ في كل كَلَامٍ تَامٍّ أَنْ يَنْفَرِدَ بِحُكْمِهِ وَلَا يُشَارِكُهُ فيه الْأَوَّلُ فَمَنْ ادَّعَى خِلَافَ هذا في بَعْضِ الْمَوَاضِعِ فَلِدَلِيلٍ من خَارِجٍ لَا من نَفْسِ النَّظْمِ أَمَّا إذَا كان الْمَعْطُوفُ نَاقِصًا بِأَنْ لم يُذْكَرْ فيه الْخَبَرُ فَلَا خِلَافَ في مُشَارَكَتِهِ لِلْأَوَّلِ كَقَوْلِك زَيْنَبُ طَالِقٌ وَعَمْرَةٌ لِأَنَّ الْعَطْفَ يُوجِبُ الْمُشَارَكَةَ وَأَمَّا إذَا كان بَيْنَهُمَا مُشَارَكَةٌ في الْعِلَّةِ فَيَثْبُتُ التَّسَاوِي من هذه الْحَيْثِيَّةِ لَا من جِهَةِ الْقِرَانِ احْتِجَاجُ أَصْحَابِنَا أَنَّ اللَّمْسَ حَدَثٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى أو جاء أَحَدٌ مِنْكُمْ من الْغَائِطِ أو لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ وَمِثْلُهُ عَطْفُ الْمُفْرَدَاتِ وَاحْتِجَاجُ الشَّافِعِيِّ على إيجَابِ الْعُمْرَةِ بِقَوْلِهِ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ قال الْبَيْهَقِيُّ قال الشَّافِعِيُّ رضي اللَّهُ عنه الْوُجُوبُ أَشْبَهَ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ لِأَنَّهُ قَرَنَهَا بِالْحَجِّ وقال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ إنَّهَا لِقَرِينَتِهَا إنَّمَا أَرَادَ بها لِقَرِينَةِ الْحَجِّ في الْأَمْرِ وهو قَوْلُهُ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ فَكَانَ احْتِجَاجُهُ بِالْأَمْرِ دُونَ الِاقْتِرَانِ وقال الصَّيْرَفِيُّ في شَرْحِ الرِّسَالَةِ في حديث أبي سَعِيدٍ غُسْلُ الْجُمُعَةِ على كل مُحْتَلِمٍ وَالسِّوَاكُ وَأَنْ تَمَسَّ الطِّيبَ فيه دَلَالَةٌ على أَنَّ الْغُسْلَ غَيْرُ وَاجِبٍ لِأَنَّهُ قَرَنَهُ بِالسِّوَاكِ وَالطِّيبِ وَهُمَا غَيْرُ وَاجِبَيْنِ بِالِاتِّفَاقِ وقال غَيْرُهُ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ على أَنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى الصُّبْحُ من حَيْثُ قِرَانُهَا بِالْقُنُوتِ في قَوْلِهِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ولم يُحَرِّمْ الْأَصْحَابُ خِطْبَةَ النِّكَاحِ على الْمُحْرِمِ مع أنها مُقَارِنَةٌ لِلنِّكَاحِ لِقَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يَخْطُبُ قال صَاحِبُ الْوَافِي وَلِأَصْحَابِنَا في الْأُصُولِ وَجْهٌ أَنَّ ما ثَبَتَ من الْحُكْمِ لِشَيْءٍ ثَبَتَ لِقَرِينِهِ وَلَا يَبْعُدُ أَنَّ قَائِلَهُ يُحَرِّمُ الْخِطْبَةَ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ لِلْقَرِينِ إلَّا بِأَنْ يُسَاوِيَهُ في اللَّفْظِ أو يُشَارِكَهُ في الْعِلَّةِ وقد بَيَّنَّا مُفَارَقَةَ الْخِطْبَةِ لِلْعَقْدِ وَهَكَذَا إذَا قَرَنَ بَيْنَهُمَا في اللَّفْظِ ثُمَّ ثَبَتَ لِأَحَدِهِمَا
  150. حُكْمٌ بِالْإِجْمَاعِ لم يَثْبُتْ أَيْضًا لِلْآخَرِ ذلك الْحُكْمُ إلَّا بِدَلِيلٍ يَدُلُّ على التَّسْوِيَةِ كَاسْتِدْلَالِ الْمُخَالِفِ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُ النَّجَاسَةِ بِالْمَاءِ بَلْ يَجُوزُ بِالْخَلِّ وَنَحْوِهِ بِقَوْلِهِ حُتِّيهِ ثُمَّ اُقْرُصِيهِ بِالْمَاءِ فَقَرَنَ بين الْحَتِّ وَالْقَرْصِ وَالْغَسْلِ بِالْمَاءِ وَأَجْمَعْنَا على أَنَّ الْحَتَّ وَالْقَرْصَ لَا يَجِبَانِ فَكَذَلِكَ الْغَسْلُ بِالْمَاءِ وقال بَعْضُهُمْ يُقَوِّي الْقَوْلَ بِهِ إذَا وَقَعَتْ حَادِثَةٌ لَا نَصَّ فيها كان رَدُّهَا إلَى ما قُرِنَ مَعَهَا من الْأَعْيَانِ في بَعْضِ الْأَحْوَالِ أَوْلَى من رَدِّهَا إلَى غَيْرِ شَيْءٍ أَصْلًا هذا ما يُمْكِنُ خُرُوجُهُ على أَصْلِ أَصْحَابِنَا وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا إذَا عَطَفَ جُمْلَةً على جُمْلَةٍ فَإِنْ كَانَتَا تَامَّتَيْنِ كانت الْمُشَارَكَةُ في أَصْلِ الْحُكْمِ لَا في جَمِيعِ صِفَاتِهِ وقد لَا يَقْتَضِي مُشَارَكَةً أَصْلًا وَهِيَ التي تُسَمَّى وَاوُ الِاسْتِئْنَافِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فَإِنْ يَشَأْ اللَّهُ يَخْتِمْ على قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ فَإِنْ قَوْلَهُ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لَا تَعَلُّقَ لها بِمَا قَبْلَهَا وَلَا هِيَ دَاخِلَةٌ في جَوَابِ الشَّرْطِ وَإِنْ كانت الثَّانِيَةُ نَاقِصَةً شَارَكَتْ الْأُولَى في جَمِيعِ ما هِيَ عليه فإذا قال هذه طَالِقٌ ثَلَاثًا وَهَذِهِ طَلُقَتْ الثَّانِيَةُ ثَلَاثًا بِخِلَافِ ما إذَا قال وَهَذِهِ طَالِقٌ لَا تَطْلُقُ إلَّا وَاحِدَةً لِاسْتِقْلَالِ الْجُمْلَةِ بِتَمَامِهَا وَعَلَى هذا بَنَوْا بَحْثَهُمْ الْمَشْهُورَ في قَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَسَبَقَ في بَابِ الْعُمُومِ وقد الْتَزَمَ ابن الْحَاجِبِ في أَثْنَاءِ كَلَامٍ له في مُخْتَصَرِهِ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ ضَرَبَ زَيْدًا يوم الْجُمُعَةِ وَعَمْرًا يَتَقَيَّدُ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ أَيْضًا وَهِيَ تَقْتَضِي أَنَّ عَطْفَ الْجُمْلَةِ النَّاقِصَةِ عِنْدَهُ على الْكَامِلَةِ يَقْتَضِي مُشَارَكَتَهَا في أَصْلِ الْحُكْمِ وَتَفَاصِيلِهِ وَحُكِيَ ذلك عن ابْنِ عُصْفُورٍ من النَّحْوِيِّينَ
  151. وَأَمَّا أَصْحَابُنَا فَكَلَامُهُمْ مُخْتَلِفٌ فَقَالُوا إذَا قال إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَفُلَانَةُ أَنَّ الثَّانِيَةَ تَتَقَيَّدُ أَيْضًا بِالشَّرْطِ وَكَذَا لو قَدَّمَ الْجَزَاءَ وَقَالُوا فِيمَا إذَا قال لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفٌ وَدِرْهَمٌ إنَّهُ لَا يَكُونُ الدِّرْهَمُ مُفَسِّرًا لِلْأَلْفِ بَلْ له تَفْسِيرُهَا بِمَا شَاءَ وهو مَذْهَبٌ وَلَوْ قال أَنْتِ طَالِقٌ وَهَذِهِ وَأَشَارَ إلَى أُخْرَى فَهَلْ تَطْلُقُ أو تَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ وَجْهَانِ وَلَوْ قال كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ وَأَنْتِ يا أُمَّ أَوْلَادِي فقال الْعَبَّادِيُّ لَا تَطْلُقُ فَرْعٌ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ من رَأْسِ الْمَالِ وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بها من الثُّلُثِ فَلَوْ قَرَنَهَا بِأَشْيَاءَ تَخْرُجُ من الثُّلُثِ كَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَسَقْيِ الْمَاءِ فقال ابن أبي هُرَيْرَةَ تُعْتَبَرُ من الثُّلُثِ لِأَنَّ الِاقْتِرَانَ قَرِينَةٌ تُفِيدُ أَنَّهُ قَصَدَ كَوْنَهُ من الثُّلُثِ وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ لِأَنَّ اقْتِرَانَ الشَّيْئَيْنِ في اللَّفْظِ لَا يُوجِبُ اقْتِرَانَهُمَا في الْحُكْمِ دَلَالَةُ الْإِلْهَامِ ذَكَرَهَا بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ وقال ما وَقَعَ في الْقَلْبِ من عَمَلِ الْخَيْرِ فَهُوَ إلْهَامٌ أو الشَّرِّ فَهُوَ وَسْوَاسٌ وقال بها بَعْضُ الشِّيعَةِ فِيمَا حَكَاهُ صَاحِبُ اللُّبَابِ قال الْقَفَّالُ وَلَوْ ثَبَتَتْ الْعُلُومُ بِالْإِلْهَامِ لم يَكُنْ لِلنَّظَرِ مَعْنًى ولم يَكُنْ في شَيْءٍ من الْعَالَمِ دَلَالَةٌ وَلَا عِبْرَةٌ وقد قال تَعَالَى سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا في الْآفَاقِ وفي أَنْفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لهم أَنَّهُ الْحَقُّ فَلَوْ كانت الْمَعَارِفُ إلْهَامًا لم يَكُنْ لِإِرَادَةِ الْأَمَارَاتِ وَجْهٌ قال وَيُسْأَلُ الْقَاتِلُ بهذا عن دَلِيلِهِ فَإِنْ احْتَجَّ بِغَيْرِ الْإِلْهَامِ فَقَدْ نَاقَضَ قَوْلَهُ وَإِنْ احْتَجَّ بِهِ أَبْطَلَ بِمِنْ ادَّعَى إلْهَامًا في إبْطَالِ الْإِلْهَامِ وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ في بَابِ الْقَضَاءِ في حُجِّيَّةِ الْإِلْهَامِ خِلَافًا وَفَرَّعَا عليه أَنَّ الْإِجْمَاعَ هل يَجُوزُ انْعِقَادُهُ لَا عن دَلِيلٍ فَإِنْ قُلْنَا لم يَصِحَّ جَعْلُهُ دَلِيلًا شَرْعِيًّا جَوَّزْنَا الِانْعِقَادَ لَا عن دَلِيلٍ وَإِلَّا فَلَا قال الْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَائِلُ بِانْعِقَادِهِ لَا عن دَلِيلٍ هو قَوْلُ من جَعَلَ الْإِلْهَامَ دَلِيلًا قُلْت وقد اخْتَارَ جَمَاعَةٌ من الْمُتَأَخِّرِينَ اعْتِمَادَ الْإِلْهَامِ منهم الْإِمَامُ في تَفْسِيرِهِ في أَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ وابن الصَّلَاحِ في فَتَاوِيهِ فقال إلْهَامُ خَاطِرٍ حَقٌّ من الْحَقِّ قال وَمِنْ عَلَامَاتِهِ أَنْ يُشْرَحَ له الصَّدْرُ وَلَا يُعَارِضَهُ مُعَارِضٌ من خَاطِرٍ آخَرَ وقال أبو عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ في كِتَابِ التَّذْكِرَةِ في أُصُولِ الدِّينِ ذَهَبَ بَعْضُ
  152. الصُّوفِيَّةِ إلَى أَنَّ الْمَعَارِفَ تَقَعُ اضْطِرَارًا لِلْعِبَادِ على سَبِيلِ الْإِلْهَامِ بِحُكْمِ وَعْدِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِشَرْطِ التَّقْوَى وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا أَيْ تُفَرِّقُونَ بِهِ بين الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ له مَخْرَجًا أَيْ مَخْرَجًا على كل ما الْتَبَسَ على الناس وَجْهُ الْحُكْمِ فيه وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ فَهَذِهِ الْعُلُومُ الدِّينِيَّةُ تَحْصُلُ لِلْعِبَادِ إذَا زَكَتْ أَنْفُسُهُمْ وَسَلِمَتْ قُلُوبُهُمْ لِلَّهِ تَعَالَى بِتَرْكِ الْمَنْهِيَّاتِ وَامْتِثَالِ الْمَأْمُورَاتِ إذْ خَبَرُهُ صِدْقٌ وَوَعْدُهُ حَقٌّ فَتَزْكِيَةُ النَّفْسِ بَعْدَ الْقَلْبِ لِحُصُولِ الْمُعَارَضَةِ فيه بِطَرِيقِ الْإِلْهَامِ بِحُكْمِ وَعْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَذَلِكَ كَإِعْدَادِهِ بِإِحْضَارِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ فيه مع التَّفَطُّنِ لِوُجُوهِ لُزُومِ النَّتِيجَةِ عَقِيبَ النَّظَرِ لِقُدْرَةِ اللَّهِ اضْطِرَارًا وَلَا مَدْخَلَ لِلْقُدْرَةِ الْحَادِثَةِ فيه وَأَمَّا حُصُولُ هذه الْمَعَارِفِ على سَبِيلِ إلْهَامِ الْمُبْتَدَأِ من غَيْرِ اسْتِعْدَادٍ يَكُونُ من الْعَبْدِ فَأَحَدُ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ غَيْرُ مُمْكِنٍ في الْعَقْلِ وَيَمْتَنِعُ في الْعَادَةِ وما ذُكِرَ من أَنَّ مَدَارَكَ الْعُلُومِ الْإِلْهَامُ يَحْتَاجُ إلَى هذا التَّفْصِيلِ وهو غَلَطٌ في الْحَصْرِ إذْ ليس هو جَمِيعُ الْمَدَارِكِ بَلْ مُدْرَكٌ وَاحِدٌ على ما بَيِّنَاهُ وَتَأَوَّلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ قَوْلَهُمْ وقال يُمْكِنُ أَنْ يُرِيدُوا أَنَّ الْعُلُومَ كُلَّهَا ضَرُورِيَّةٌ مُخْتَرَعَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى وقال الْإِمَامُ شِهَابُ الدِّينِ السُّهْرَوَرْدِي رَحِمَهُ اللَّهُ في بَعْضِ أَمَالِيهِ مُحْتَجًّا على الْإِلْهَامِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَأَوْحَيْنَا إلَى أُمِّ مُوسَى وَقَوْلِهِ وَأَوْحَى رَبُّكَ إلَى النَّحْلِ فَهَذَا الْوَحْيُ مَجْرَدُ الْإِلْهَامِ ثُمَّ إنَّ من الْإِلْهَامِ عُلُومًا تَحْدُثُ في النُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ الْمُطْمَئِنَّةِ قال عليه السَّلَامُ إنَّ من أُمَّتِي لَمُحَدَّثِينَ وَمُكَلَّمِينَ وَإِنَّ عُمَرَ لَمِنْهُمْ وقال تَعَالَى وَنَفْسٍ وما سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا فَأَخْبَرَ أَنَّ النُّفُوسَ مُلْهَمَةٌ فَالنَّفْسُ الْمُلْهَمَةُ عُلُومٌ لَدُنِّيَّةٌ هِيَ التي تَبَدَّلَتْ صِفَتُهَا وَاطْمَأَنَّتْ بَعْدَ أَنْ كانت أَمَّارَةً قال وَهَذَا النَّوْعُ لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْمَصَالِحُ الْعَامَّةُ من عَالِمِ الْمُلْكِ وَالشَّهَادَةِ بَلْ تَخْتَصُّ فَائِدَتُهُ بِصَاحِبِهِ دُونَ غَيْرِهِ إذْ لم تَكُنْ له ثَمَرَةُ السِّرَايَةِ إلَى الْغَيْرِ على طَرِيقِ الْعُمُومِ وَإِنْ كانت له فَائِدَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالِاعْتِبَارِ على وَجْهٍ خَاصٍّ قال وَإِنَّمَا لم تَكُنْ له السِّرَايَةُ إلَى الْغَيْرِ على طَرِيقِ الْعُمُومِ عن مَفَاتِيحِ الْمُلْكِ لِكَوْنِ مَحَلِّهَا النَّفْسَ وَقُرْبِهَا من
  153. الْأَرْضِ وَالْعَالَمِ السُّفْلِيُّ بِخِلَافِ الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى وهو الْوَحْيُ الذي قام بِنَقْلِهِ الْمَلَكُ الْمُلَقَّى لِأَنَّ مَحَلَّهُ الْقَلْبُ الْمُجَانِسُ لِلرُّوحِ الرُّوحَانِيِّ الْعُلْوِيِّ قال وَبَيْنَهُمَا ثَالِثَةٌ وَهِيَ النَّفْثُ في الرَّوْعِ يَزْدَادُ بها الْقَلْبُ عِلْمًا بِاَللَّهِ وَبِإِدْرَاكِ الْمُغَيَّبَاتِ وَهِيَ رَحْمَةٌ خَاصَّةٌ تَكُونُ لِلْأَوْلِيَاءِ فيها نَصِيبٌ وَإِنَّمَا يَكُونُ بَعْثًا في حَقِّ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا يَتَّصِلُ بِرُوحِ الْقُدْسِ وَتَرِدُ عليه كَمَوْجَةٍ تَرِدُ على الْبَحْرِ فَيَكْشِفُ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم جِبْرِيلُ عَقِبَ وُرُودِهَا على جِبْرِيلَ عليه السَّلَامُ فَتَصِيرُ الرَّحْمَةُ بِوَاسِطَةِ جِبْرِيلَ وَاصِلَةً إلَى رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بِنَفْثٍ في رَوْعِهِ انْتَهَى وَاحْتَجَّ غَيْرُهُ بِمَا في الصَّحِيحِ من قَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قد كان في الْأُمَمِ مُحَدَّثُونَ فَإِنْ يَكُنْ في أُمَّتِي أَحَدٌ فَعُمَرُ قال ابن وُهَيْبٍ يَعْنِي مُلْهَمُونَ وَلِهَذَا قال صَاحِبُ نِهَايَةِ الْغَرِيبِ جاء في الحديث تَفْسِيرُهُ أَنَّهُمْ الْمُلْهَمُونَ وَالْمُلْهَمُ هو الذي يُلْقَى في نَفْسِهِ الشَّيْءُ فَيُخْبِرُ بِهِ حَدْسًا وَفِرَاسَةً وهو نَوْعٌ يَخُصُّ اللَّهُ بِهِ من يَشَاءُ من عِبَادِهِ كَأَنَّهُمْ حُدِّثُوا بِشَيْءٍ فَقَالُوهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم اسْتَفْتِ قَلْبَك وَإِنْ أَفْتَاك الناس فَذَلِكَ في الْوَاقِعَةِ التي تَتَعَارَضُ فيها الشُّبَهُ وَالرِّيَبُ قال الْغَزَالِيُّ وَاسْتِفْتَاءُ الْقَلْبِ إنَّمَا هو حَيْثُ أَبَاحَ الشَّيْءَ أَمَّا حَيْثُ حُرِّمَ فَيَجِبُ الِامْتِنَاعُ ثُمَّ لَا يُعَوَّلُ على كل قَلْبٍ فَرُبَّ مُوَسْوَسٍ يَنْفِي كُلَّ شَيْءٍ وَرُبَّ مُسَاهِلٍ نَظَرَ إلَى كل شَيْءٍ فَلَا اعْتِبَارَ بِهَذَيْنِ الْقَلْبَيْنِ وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِقَلْبِ الْعَالِمِ الْمُوَفَّقِ الْمُرَاقِبِ لِدَقَائِقِ الْأَحْوَالِ فَهُوَ الْمِحَكُّ الذي تُمْتَحَنُ بِهِ حَقَائِقُ الصُّوَرِ وما أَعَزَّ هذا الْقَلْبَ وقال الْبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الْإِيمَانِ هذا مَحْمُولٌ على أَنَّهُ يُعْرَفُ في شَأْنِهِ من عِلْمِ الْغَيْبِ ما عَسَى يَحْتَاجُ إلَيْهِ أو يحدث على لِسَانِ مَلَكٍ بِشَيْءٍ من ذلك كما وَرَدَ في بَعْضِ طُرُقِ الحديث وَكَيْفَ يُحَدَّثُ قال يَتَكَلَّمُ الْمَلَكُ على لِسَانِهِ وقد رُوِيَ عن إبْرَاهِيمَ بن سَعْدٍ أَنَّهُ قال في هذا الحديث يَعْنِي يُلْقَى في رَوْعِهِ تَنْبِيهٌ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ بهذا في غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ عليهم السَّلَامُ وَإِلَّا فَمِنْ جُمْلَةِ طُرُقِ الْوَحْيِ الْإِلْهَامُ
  154. الْهَاتِفُ الذي يُعْلَمُ أَنَّهُ حَقٌّ مِثْلُ الذي سَمِعُوهُ يَأْمُرُ بِغُسْلِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم في قَمِيصِهِ كَذَا أَوْرَدَهُ صَاحِبُ الْمُسَوَّدَةِ في ذَيْلِ الْأَدِلَّةِ الْمُخْتَلَفِ فيها قال لَكِنَّهُ من بَابِ الْفَضَائِلِ وَكَذَلِكَ ما اسْتَخَارَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ كَقَوْلِ الْعَبَّاسِ في حَدْوِ الصَّارِخِ اللَّهُمَّ خِرْ لِنَبِيِّك وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْقُرْعَةِ فَعَلَهُ تَكْرِيمًا له قُلْت وقد صَنَّفَ ابن أبي الدُّنْيَا كِتَابًا في الْهَوَاتِفِ وَصَدَّرَهُ بِحَدِيثِ هَتَفَ جِبْرِيلُ بين السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ
  155. رُؤْيَا النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم في النَّوْمِ على وَجْهٍ حَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ يَكُونُ حُجَّةً وَيَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِهِ وقد سَبَقَ فيه مَزِيدُ بَيَانٍ في صَدْرِ الْكِتَابِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمَنَامَ لَا يُثْبِتُ حُكْمًا شَرْعِيًّا وَلَا بَيِّنَةً وَإِنْ كانت رُؤْيَا النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم حَقًّا وَالشَّيْطَانُ لَا يَتَمَثَّلُ بِهِ وَلَكِنْ النَّائِمُ ليس من أَهْلِ التَّحَمُّلِ وَالرِّوَايَةِ لِعَدَمِ تَحَفُّظِهِ وَأَمَّا الْمَنَامُ الذي رُوِيَ في الْأَذَانِ وَأَمَرَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِالْعَمَلِ بِهِ فَلَيْسَ الْحُجَّةُ فيه الْمَنَامَ بَلْ الْحُجَّةُ فيه أَمْرُهُ بِذَلِكَ في مَدَارِكِ الْعِلْمِ

  156. كتاب التعادل والتراجيح
  157. كِتَابٌ التَّعَادُلُ وَالتَّرَاجِيحُ وَالْقَصْدُ منه تَصْحِيحُ الصَّحِيحِ وَإِبْطَالُ الْبَاطِلِ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لم يُنَصِّبْ على جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ أَدِلَّةً قَاطِعَةً بَلْ جَعَلَهَا ظَنِّيَّةً قَصْدًا لِلتَّوْسِيعِ على الْمُكَلَّفِينَ لِئَلَّا يَنْحَصِرُوا في مَذْهَبٍ وَاحِدٍ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عليه وإذا ثَبَتَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ في الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْأَدِلَّةُ الظَّنِّيَّةُ فَقَدْ تُعَارَضُ بِعَارِضٍ في الظَّاهِرِ بِحَسَبِ جَلَائِهَا وَخَفَائِهَا فَوَجَبَ التَّرْجِيحُ بَيْنَهُمَا وَالْعَمَلُ بِالْأَقْوَى وَالدَّلِيلُ على تَعَيُّنِ الْأَقْوَى أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ دَلِيلَانِ أو أَمَارَتَانِ فَإِمَّا أَنْ يَعْمَلَا جميعا أو يُلْغَيَا جميعا أو يُعْمَلَ بِالْمَرْجُوحِ وَالرَّاجِحِ وَهَذَا مُتَعَيَّنٌ وَفِيهِ فَصْلَانِ
  158. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ في التَّعَارُضِ وَالنَّظَرِ في حَقِيقَتِهِ وَشُرُوطِهِ وَأَقْسَامِهِ وَأَحْكَامِهِ أَمَّا حَقِيقَتُهُ فَهُوَ تَفَاعُلٌ من الْعُرْضِ بِضَمِّ الْعَيْنِ وهو النَّاحِيَةُ وَالْجِهَةُ وَكَأَنَّ الْكَلَامَ الْمُتَعَارِضَ يَقِفُ بَعْضُهُ في عُرْضِ بَعْضٍ أَيْ نَاحِيَتِهِ وَجِهَتِهِ فَيَمْنَعُهُ من النُّفُوذِ إلَى حَيْثُ وُجِّهَ وفي الِاصْطِلَاحِ تَقَابُلُ الدَّلِيلَيْنِ على سَبِيلِ الْمُمَانَعَةِ أَمَّا شُرُوطُهُ فَمِنْهَا التَّسَاوِي في الثُّبُوتِ فَلَا تَعَارُضَ بين الْكِتَابِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ إلَّا من حَيْثُ الدَّلَالَةُ وَمِنْهَا التَّسَاوِي في الْقُوَّةِ فَلَا تَعَارُضَ بين الْمُتَوَاتِرِ وَالْآحَادِ بَلْ يُقَدَّمُ الْمُتَوَاتِرُ بِالِاتِّفَاقِ كَذَا نَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ لَكِنْ قال ابن كَجٍّ في كِتَابِهِ إذَا وَرَدَ خَبَرَانِ أَحَدُهُمَا مُتَوَاتِرٌ وَالْآخَرُ آحَادٌ أو آيَةٌ وَخَبَرٌ ولم يُمْكِنْ اسْتِعْمَالُهُمَا وَكَانَا يُوجِبَانِ الْعَمَلَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ يَتَعَارَضَانِ وَيَرْجِعُ إلَى غَيْرِهِمَا لِاسْتِوَائِهِمَا في لُزُومِ الْحُجَّةِ لو انْفَرَدَ كُلٌّ مِنْهُمَا فلم يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا مَزِيَّةٌ على الْآخَرِ وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في تَعَارُضِ الظَّاهِرِ من الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَذَاهِبَ أَحَدُهَا يُقَدَّمُ الْكِتَابُ لِخَبَرِ مُعَاذٍ وَالثَّانِي يُقَدَّمُ السُّنَّةُ لِأَنَّهَا الْمُفَسِّرَةُ لِلْكِتَابِ وَالْمُبَيِّنَةُ له وَالثَّالِثُ التَّعَارُضُ وَصَحَّحَهُ وَاحْتَجَّ عليه بِالِاتِّفَاقِ السَّابِقِ وَزَيَّفَ الثَّانِيَ بِأَنَّهُ ليس الْخِلَافُ في السُّنَّةِ الْمُفَسِّرَةِ بَلْ الْمُعَارِضَةُ قُلْت وَلِهَذَا نُقِلَ عن أَحْمَدَ أَنَّهُ كان يُقَدِّمُ السُّنَّةَ على الْكِتَابِ بِطَرِيقِ الْبَيَانِ كَتَخْصِيصِ الْعُمُومِ وَنَحْوِهِ قال بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَلَيْسَ هذا مُخَالِفًا لِمَا حَكَى من تَقْدِيمِ الْكِتَابِ على السُّنَّةِ لِأَنَّهُ دَلَّ الدَّلِيلُ على كَوْنِهِ بَيَانًا فَيُرَجَّحُ بِاعْتِبَارِ ذلك لَا بِطَرِيقِ تَرْجِيحِ النَّوْعِ على النَّوْعِ وَسَبَقَ في بَابِ
  159. التَّخْصِيصِ الْخِلَافُ في قِيَاسِ نَصٍّ خَاصٍّ إذَا عَارَضَ عُمُومَ نَصٍّ آخَرَ مَذَاهِبُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا اتِّفَاقُهُمَا في الْحُكْمِ مع اتِّحَادِ الْوَقْتِ وَالْمَحَلِّ وَالْجِهَةِ فَلَا امْتِنَاعَ بين الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ وَالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ في زَمَانَيْنِ في مَحَلٍّ أو مَحَلَّيْنِ أو مَحَلَّيْنِ في زَمَانٍ أو بِجِهَتَيْنِ كَالنَّهْيِ عن الْبَيْعِ في وَقْتِ النِّدَاءِ مع الْجَوَازِ وَذَكَرَ الْمُنَاطَقَة شُرُوطَ التَّنَاقُضِ في الْقَضَايَا الشَّخْصِيَّةِ ثَمَانِيَةٌ اتِّحَادُ الْمَوْضُوعِ وَالْمَحْمُولِ وَالْإِضَافَةِ وَالْجُزْءِ وَالْكُلِّ وفي الْقُوَّةِ وَالْفِعْلِ وفي الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وزاد بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ تَاسِعًا وهو اتِّحَادُهَا في الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ لِيَخْرُجَ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى وَتَرَى الناس سُكَارَى وما هُمْ بِسُكَارَى وهو رَاجِعٌ إلَى الْإِضَافَةِ أَيْ يَرَاهُمْ بِالْإِضَافَةِ إلَى أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ سُكَارَى مَجَازًا وما هُمْ بِسُكَارَى بِالْإِضَافَةِ إلَى الْخَمْرِ وَمِنْهُمْ من رَدَّ الثَّمَانِيَةَ إلَى ثَلَاثَةٍ وَهِيَ اتِّحَادُ الْمَوْضُوعِ وَالْمَحْمُولِ وَالزَّمَانِ وَمِنْهُمْ من يَرُدُّهَا إلَى الْأَوَّلَيْنِ لِانْدِرَاجِ وَحِدَةِ الزَّمَانِ تَحْتَ وَحِدَةِ الْمَحْمُولِ وَمِنْهُمْ من يَرُدُّهَا إلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ وهو الِاتِّحَادُ في النِّسْبَةِ الْحُكْمِيَّةِ لَا غير فَتَنْدَرِجُ الشُّرُوطُ الثَّمَانِيَةُ تَحْتَ هذا الشَّرْطِ الْوَاحِدِ وَنَبَّهَ الْأَصْفَهَانِيُّ شَارِحُ الْمَحْصُولِ على أَنَّ هذه الشُّرُوطَ ليس الْمُرَادُ بها اعْتِبَارُهَا في تَنَاقُضِ كل وَاحِدَةٍ وَاحِدَةً من الْقَضَايَا بَلْ الْقَضِيَّةُ إنْ كانت مَكَانِيَّةً اُعْتُبِرَ فيها وَحْدَةُ الْمَوْضُوعِ وَالْمَحْمُولِ وَالْمَكَانِ كَقَوْلِنَا زَيْدٌ جَالِسٌ زَيْدٌ ليس بِجَالِسٍ وَإِنْ كانت زَمَانِيَّةً اُعْتُبِرَ فيها وَحْدَةُ الزَّمَانِ وَبِالْجُمْلَةِ فَوَحْدَةُ الْمَوْضُوعِ وَالْمَحْمُولِ مُعْتَبَرَةٌ في تَنَاقُضِ الْقَضَايَا بِأَسْرِهَا وَأَمَّا بَقِيَّةُ الشُّرُوطِ فَبِحَسَبِ ما يُنَاسِبُهَا قَضِيَّةً قَضِيَّةً فَافْهَمْهُ وَاعْلَمْ أَنَّ الْبَاحِثَ في أُصُولِ الشَّرْعِ الثَّابِتَةِ في نَفْسِ الْأَمْرِ لَا يَجِدُ ما يُحَقِّقُ هذه الشُّرُوطَ فَإِذًا لَا تَنَاقُضَ فيها وَأَمَّا أَقْسَامُهُ فَبِحَسَبِ الْقِسْمَةِ الْعَقْلِيَّةِ عَشَرَةٌ لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ أَرْبَعَةٌ ثُمَّ يَقَعُ بين كل وَاحِدٍ منها وَبَاقِيهَا فَيَقَعُ بين الْكِتَابِ وَالْكِتَابِ وَبَيْنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالسُّنَّةِ وَالسُّنَّةِ وَبَيْنَ الْكِتَابِ وَالْإِجْمَاعِ وَبَيْنَ الْكِتَابِ وَالْقِيَاسِ فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ وَبَيْنَ السُّنَّةِ وَالسُّنَّةِ وَبَيْنَ السُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَبَيْنَ السُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ فَهَذِهِ ثَلَاثَةٌ وَبَيْنَ الْإِجْمَاعِ وَالْإِجْمَاعِ وَبَيْنَ الْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ وَبَيْنَ الْقِيَاسِ وَالْقِيَاسِ فَهَذِهِ ثَلَاثَةٌ أَمَّا التَّعَارُضُ بين الْكِتَابِ وَالْكِتَابِ فَلَا حَقِيقَةَ له في نَفْسِ الْأَمْرِ وَإِنَّمَا قد يُظَنُّ
  160. التَّعَارُضُ بَيْنَهُ ثُمَّ لَا بُدَّ من دَفْعِهِ بِحَمْلِ عَامٍّ على خَاصٍّ أو مُطْلَقٍ على مُقَيَّدٍ أو مُجْمَلٍ على مُبَيَّنٍ وَغَيْرِ ذلك من التَّصَرُّفَاتِ فَأَمَّا التَّعَارُضُ بين الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَإِنْ كان الْخَبَرُ مُتَوَاتِرًا فَالْقَوْلُ فيه كَتَعَارُضِ الْآيَتَيْنِ وَإِنْ لم يَكُنْ مُتَوَاتِرًا فَالْكِتَابُ مُقَدَّمٌ على ما سَبَقَ وَأَمَّا التَّعَارُضُ بين الْكِتَابِ وَالْإِجْمَاعِ فَإِنْ ثَبَتَ عِصْمَةُ الْإِجْمَاعِ لم يُتَصَوَّرْ كَالْآيَتَيْنِ وَإِلَّا فَالْكِتَابُ مُقَدَّمٌ وَأَمَّا التَّعَارُضُ بين الْكِتَابِ وَالْقِيَاسِ فَالْكِتَابُ مُقَدَّمٌ طَبْعًا لِعِصْمَتِهِ دُونَ الْقِيَاسِ وَأَمَّا تَعَارُضُ السُّنَّتَيْنِ فَإِنْ كَانَتَا مُتَوَاتِرَيْنِ فَكَالْكِتَابِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وَإِنْ كَانَتَا آحَادًا طُلِبَ تَرْجِيحُ إحْدَاهُمَا على الْأُخْرَى بِطَرِيقَةٍ فَإِنْ تَعَذَّرَ فَالْخِلَافُ في التَّخْيِيرِ أو التَّسَاقُطِ وَإِنْ كان إحْدَاهُمَا مُتَوَاتِرًا وَالْأُخْرَى آحَادًا فَالْمُتَوَاتِرُ وَأَمَّا تَعَارُضُ السُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ فَإِنْ كَانَا قَطْعِيَّيْنِ لم يَكُنْ التَّعَارُضُ بَيْنَهُمَا كَالْآيَتَيْنِ وَإِنْ كان الْإِجْمَاعُ قَطْعِيًّا مع خَبَرِ الْوَاحِدِ فَالْإِجْمَاعُ مُقَدَّمٌ وَإِنْ كان ظَنِّيًّا مع خَبَرِ الْوَاحِدِ فَقَدْ تَعَارَضَ دَلِيلَانِ وَالِاحْتِمَالَاتُ ثَلَاثَةٌ ثَالِثُهَا يُقَدَّمُ الْإِجْمَاعُ اللَّفْظِيُّ الْمُتَوَاتِرُ دُونَ السُّكُوتِيِّ وَنَحْوِهِ وَأَمَّا تَعَارُضُ السُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ فَلَا شَكَّ في تَقَدُّمِ قَاطِعِ السُّنَّةِ عليه أَمَّا السُّنَّةُ غَيْرُ الْمَقْطُوعِ بها فَإِنْ كان الْقِيَاسُ جَلِيًّا فَفِي تَقْدِيمِهِ عليها وَعَكْسِهِ تَرَدُّدٌ بِنَاءً على أَنَّهُ دَلَالَةٌ لَفْظِيَّةٌ أو قِيَاسِيَّةٌ وَإِنْ كان غير جَلِيٍّ قُدِّمَ الْخَبَرُ وَأَمَّا تَعَارُضُ الْإِجْمَاعِ وَالْإِجْمَاعِ فَإِنْ ثَبَتَ عِصْمَتُهُمَا لم يَتَقَدَّرْ التَّعَارُضُ بَيْنَهُمَا كَالْآيَتَيْنِ وَإِنْ لم يَثْبُتْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أو يُرَجَّحُ أَحَدُهُمَا بِقُوَّةِ مُسْتَنَدِهِ أو صِفَتِهِ كَتَقَدُّمِ الْإِجْمَاعِ النَّصِّيِّ على الْقِيَاسِيِّ وَالنُّطْقِيِّ على السُّكُوتِيِّ وَاللَّفْظِيِّ الْحَقِيقِيِّ على الْمَعْنَوِيِّ وَأَمَّا تَعَارُضُ الْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ فَإِنْ ثَبَتَ عِصْمَةُ الْإِجْمَاعِ قُدِّمَ وَإِنْ لم يَثْبُتْ فَهُوَ تَقَدُّمُ الشَّبَهِيِّ وَالطَّرْدِيِّ وَنَحْوِهِمَا من الْأَقْيِسَةِ الضَّعِيفَةِ أَمَّا الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ مع الْإِجْمَاعِ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ وَأَمَّا تَعَارُضُ الْقِيَاسِ وَالْقِيَاسِ فَهُمَا إمَّا جَلِيَّانِ أو خَفِيَّانِ أو أَحَدُهُمَا جَلِيٌّ دُونَ الْآخِرِ فَالْجَلِيَّانِ يُسْتَعْمَلُ بَيْنَهُمَا التَّرْجِيحُ وَغَيْرُ الْجَلِيَّيْنِ لَا بُدَّ من التَّرْجِيحِ بَيْنَهُمَا وَإِنْ كان أَحَدُهُمَا جَلِيًّا قُدِّمَ على غَيْرِ الْجَلِيِّ وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ
  161. وَأَمَّا تَقْدِيرُ أَقْسَامِ التَّعَارُضِ من جِهَةِ دَلَالَةِ الْأَلْفَاظِ قَطْعًا وَمَفْهُومًا وَعُمُومًا وَخُصُوصًا وَغَيْرَ ذلك فَكَثِيرٌ وَسَنُفَصِّلُهَا تَنْبِيهٌ يَقَعُ التَّعَارُضُ في الشَّرْعِ بين الدَّلِيلَيْنِ كما ذَكَرْنَا وَبَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ بِأَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ لِزَيْدٍ بِكَذَا وَلِعَمْرٍو بِهِ وَبَيْنَ الْأَصْلِيَّيْنِ كما لو قَدَّ مَلْفُوفًا وَزَعَمَ الْوَلِيُّ حَيَاتَهُ وَالْجَانِي مَوْتَهُ فإن الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَيَاةِ وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ وَبَيْنَ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ كَثِيَابِ الْكُفَّارِ وَيَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ في ذلك كُلِّهِ وَاتَّفَقُوا على تَغْلِيبِ الْأَصْلِ على الْغَالِبِ في الدَّعَاوَى وَعَلَى تَغْلِيبِ الْغَالِبِ على الْأَصْلِ في الْبَيِّنَةِ فإن الْغَالِبَ صِدْقُهَا وَالْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في بَابِ زَكَاةِ الْفِطْرِ من النِّهَايَةِ تَقَابُلُ الْأَصْلَيْنِ مِمَّا يَسْتَهِينُ بِهِ الْفُقَهَاءُ وهو من غَوَامِضِ مَآخِذِ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَكَيْفَ يَسْتَجِيزُ الْمُحَصِّلُ اعْتِقَادَ تَقَابُلِ أَصْلَيْنِ لَا يَرْجَحُ أَحَدُهُمَا على الْآخَرِ وَحَكَى فِيهِمَا النَّفْيَ وَالْإِثْبَاتَ وَهَذَا لو فُرِضَ لَكَانَ مُبَاهَتَةً وَمُحَاوَرَةً لَا سَبِيلَ إلَى بَتِّ قَوْلٍ فيها في فَتْوَى أو حُكْمٍ إذَا عَلِمَتْ ذلك فَالتَّعَادُلُ بين الدَّلِيلَيْنِ الْقَطْعِيَّيْنِ الْمُتَنَافِيَيْنِ مُمْتَنِعٌ اتِّفَاقًا سَوَاءٌ كَانَا عَقْلِيَّيْنِ أو نَقْلِيَّيْنِ وَكَذَلِكَ بين الْقَطْعِيِّ وَالظَّنِّيِّ لِتَقَدُّمِ الْقَطْعِيِّ لِأَنَّهُ لو وَقَعَ لَاجْتَمَعَ النَّقِيضَانِ أو ارْتَفَعَا وَهَذَا فيه أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ بِنَاءٌ منهم على أَنَّ الْعُلُومَ غَيْرُ مُتَفَاوِتَةٍ فَإِنْ قُلْنَا بِتَفَاوُتِهِمَا اتَّجَهَ التَّرْجِيحُ بين الْقَطْعِيَّاتِ لِأَنَّ بَعْضَهَا أَجْلَى من بَعْضٍ ثَانِيهَا أَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى ما في نَفْسِ الْأَمْرِ وَأَمَّا في الْأَذْهَانِ فَجَائِزٌ فإنه قد يَتَعَارَضُ عِنْدَ الْإِنْسَانِ دَلِيلَانِ قَاطِعَانِ بِحَيْثُ يَعْجِزُ عن الْقَدْحِ في أَحَدِهِمَا وقد ذَكَرُوا هذا التَّفْصِيلَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَمَارَتَيْنِ فَلْيَجِئْ مِثْلُهُ في الْقَاطِعَيْنِ وَأَمَّا التَّعَادُلُ بين الْأَمَارَتَيْنِ في الْأَذْهَانِ فَصَحِيحٌ وَأَمَّا في نَفْسِ الْأَمْرِ على مَعْنَى أَنَّهُ يُنَصِّبُ اللَّهُ تَعَالَى على الْحُكْمِ أَمَارَتَيْنِ مُتَكَافِئَتَيْنِ في نَفْسِ الْأَمْرِ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ لِأَحَدِهِمَا مُرَجِّحٌ فَاخْتَلَفُوا فيه فَمَنَعَهُ الكرخي وَغَيْرُهُ وَقَالُوا لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ أَرْجَحَ وَإِنْ جَازَ خَفَاؤُهُ على بَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيرُ اعْتِدَالِهِمَا قال إلْكِيَا وهو الظَّاهِرُ من مَذْهَبِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ وَبِهِ قال الْعَنْبَرِيُّ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ إنَّهُ مَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ وَنَصَرَهُ
  162. وَحَكَاهُ الْآمِدِيُّ عن أَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ وهو الذي ذَكَرَهُ الْقَاضِي وأبو الْخَطَّابِ من أَصْحَابِهِ وَصَارَ صَائِرُونَ إلَى أَنَّ ذلك جَائِزٌ وهو مَذْهَبُ أبي عَلِيٍّ وَأَبِي هَاشِمٍ وَنُقِلَ عن الْقَاضِي أبي بَكْرٍ قال إلْكِيَا وهو الْمَنْقُولُ عن الشَّافِعِيِّ ثُمَّ اخْتَارَ إلْكِيَا قَوْلَ الْكَرْخِيِّ وَنَقَلَهُ عن إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وقال إنَّهُ قَطَعَ بِهِ قال وَالِاسْتِحَالَةُ مُتَلَقَّاةٌ من الْعَادَةِ الْمُطَّرِدَةِ وما نَقَلَهُ عن الشَّافِعِيِّ إنْ كان من جِهَةِ قَوْلِهِ بِالْقَوْلَيْنِ في مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ فَلَا يَدُلُّ لِأَنَّهُ تَعَادُلٌ ذِهْنِيٌّ وَلَا نِزَاعَ فيه وَإِنْ كان من جِهَةِ قَوْلِهِ في الْبَيِّنَتَيْنِ فَالْمَأْخَذُ مُخْتَلِفٌ بَلْ نَصَّ على الِامْتِنَاعِ في الرِّسَالَةِ فقال في بَابِ عِلَلِ الْأَحَادِيثِ ولم نَجِدْ عنه صلى اللَّهُ عليه وسلم حَدِيثَيْنِ نُسِبَا لِلِاخْتِلَافِ فَكَشَفْنَاهُ إلَّا وَجَدْنَا لَهُمَا مَخْرَجًا وَعَلَى أَحَدِهِمَا دَلَالَةٌ بِمُوَافَقَةِ كِتَابٍ أو سُنَّةٍ أو غَيْرِهِ من الدَّلَائِلِ انْتَهَى وَقَرَّرَهُ الصَّيْرَفِيُّ في شَرْحِهَا فقال قد صَرَّحَ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَبَدًا حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ مُتَضَادَّانِ يَنْفِي أَحَدُهُمَا ما يُثْبِتُهُ الْآخَرُ من غَيْرِ جِهَةِ الْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ وَالْإِجْمَالِيِّ وَالتَّفْسِيرِ إلَّا على وَجْهِ النَّسْخِ وَإِنْ لم يَجِدْهُ وقد حَكَى الْجُرْجَانِيُّ من الْحَنَفِيَّةِ قَوْلَ الْكَرْخِيِّ بِالْمَنْعِ ثُمَّ قال وهو اخْتِلَافُ قَوْلِ أبي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ في سُؤْرِ الْحِمَارِ لَمَّا تَسَاوَى عِنْدَهُ الدَّلِيلَانِ تَوَقَّفَ عنه وَلَيْسَ كما قال لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لم يُخَيِّرْ في الْأَخْذِ بِأَيِّهِمَا شَاءَ بَلْ أَخَذَ بِالْأَحْوَطِ وَجَمَعَ بين الدَّلِيلَيْنِ فقال يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيَتَيَمَّمُ نعم حُكِيَ عنه التَّخْيِيرُ في وُجُوبِ زَكَاةِ الْخَيْلِ وَعَدَمِهِ وَهَذَا هو الْخِلَافُ الذي يُعَبِّرُونَ عنه بِتَكَافُؤِ الْأَدِلَّةِ وَالرَّاجِحُ كما قَالَهُ في اللُّمَعِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَلْ لَا بُدَّ من تَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا على الْآخَرِ وهو الذي نَصَرَهُ ابن السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُ وقال سُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ إنَّهُ الْأَشْبَهُ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ أُحَادِيَّةً تُؤَدِّي إلَى تَكَافُؤِ الْأَدِلَّةِ وَتَعَارُضِهَا وهو خِلَافُ مَوْضُوعِ الشَّرِيعَةِ لِئَلَّا يَلْزَمَ خُلُوُّ الْوَقَائِعِ عن حُكْمِ اللَّهِ وَفَصَّلَ الْقَاضِي من الْحَنَابِلَةِ بين مَسَائِلِ الْأُصُولِ فَيَمْتَنِعُ وَبَيْنَ الْفُرُوعِ فَيَجُوزُ فَإِنْ أَرَادَ بِالْأُصُولِ الْقَطْعِيَّ فَلَيْسَ خِلَافُنَا فيه ثُمَّ قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ هذا الْخِلَافُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ في الْوُقُوعِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ في التَّجْوِيزِ الْعَقْلِيِّ قُلْت هو جَارٍ فِيهِمَا فَقَدْ حَكَى ابن فُورَكٍ قَوْلًا بِامْتِنَاعِ وُجُودِ خَبَرَيْنِ لَا تَرْجِيحَ بَيْنَهُمَا وَعَزَاهُ ابن بَرْهَانٍ لِأَحْمَدَ وَالْإِمَامِ وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ في خِلَافِ تَكَافُؤِ الْأَدِلَّةِ وَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا وَنَقَلَ أَنَّ الْأَكْثَرِينَ على جَوَازِهِ وَوُقُوعِهِ وقد قال عُثْمَانُ رضي اللَّهُ عنه لَمَّا سُئِلَ عن الْجَمْعِ بين
  163. الْأُخْتَيْنِ الْمَمْلُوكَتَيْنِ فقال حَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ وَأَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ ثُمَّ قَضِيَّةُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ في مَوْضِعِ أَنَّ الْجَوَازَ جَارٍ سَوَاءٌ قُلْنَا الْمُصِيبُ وَاحِدٌ أو كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وقال الْقَاضِي وَالْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَالْغَزَالِيُّ وابن الصَّبَّاغِ التَّرْجِيحُ بين الظَّوَاهِرِ الْمُتَعَارِضَةِ إنَّمَا يَصِحُّ على قَوْلِ من رَأَى أَنَّ الْمُصِيبَ في الْفُرُوعِ وَاحِدٌ وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فَلَا مَعْنَى لِتَرْجِيحِ ظَاهِرٍ على ظَاهِرٍ لِأَنَّ الْكُلَّ صَوَابٌ عِنْدَهُ وَاخْتَارَ الرَّازِيَّ وَأَتْبَاعُهُ أَنَّ تَعَادُلَ الْأَمَارَتَيْنِ على حُكْمٍ وَاحِدٍ في فِعْلَيْنِ مُتَبَايِنَيْنِ جَائِزٌ وَوَاقِعٌ كَمَنْ مَلَكَ مِائَتَيْنِ من الْإِبِلِ فإن وَاجِبَهُ أَرْبَعُ حِقَاقٍ أو خَمْسُ بَنَاتٍ لَبُونٍ وَأَمَّا تَعَارُضُهُمَا على حُكْمَيْنِ مُتَبَايِنَيْنِ لِفِعْلٍ وَاحِدٍ كَالْإِبَاحَةِ وَالتَّحْرِيمِ مَثَلًا فإنه جَائِزٌ عَقْلًا وَلَكِنَّهُ مُمْتَنِعٌ شَرْعًا التَّفْرِيعُ التَّعَادُلُ الذِّهْنِيُّ حُكْمُهُ الْوَقْفُ أو التَّسَاقُطُ أو الرُّجُوعُ إلَى غَيْرِهِمَا وَأَمَّا التَّعَادُلُ في نَفْسِ الْأَمْرِ فَإِنْ قُلْنَا بِالْجَوَازِ وَتَعَادَلَا وَعَجَزَ الْمُجْتَهِدُ عن التَّرْجِيحِ وَتَحَيَّرَ ولم يَجِدْ دَلِيلًا آخَرَ فَاخْتَلَفُوا على مَذَاهِبَ أَحَدِهَا أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ وَبِهِ قال الْجُبَّائِيّ وَابْنُهُ أبو هَاشِمٍ قال إلْكِيَا وَسَوَّيَا في ذلك بين تَعَارُضِ الْخَبَرَيْنِ وَالْقِيَاسَيْنِ وَنَقَلَهُ الرَّازِيَّ وَالْبَيْضَاوِيُّ عن الْقَاضِي وَاَلَّذِي في التَّقْرِيبِ أَنَّهُ رَأْيٌ لِلْقَائِلِينَ بِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَالثَّانِي التَّسَاقُطُ كَالْبَيِّنَتَيْنِ إذَا تَعَارَضَتَا وَيُطْلَبُ الْحُكْمُ من مَوْضِعٍ آخَرَ وَيَرْجِعُ إلَى الْعُمُومِ أو إلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ وَهَذَا ما قَطَعَ بِهِ ابن كَجٍّ في كِتَابِهِ قال لِأَنَّ دَلَائِلَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ لَا تَتَعَارَضُ فَوَجَبَ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِتَعَارُضِهِمَا على وَهَائِهَا جميعا أو وَهَاءِ أَحَدِهَا غير أَنَّا لَا نَعْرِفُهُ فَأَسْقَطْنَاهَا جميعا وَكَلَامُهُ يُشْعِرُ بِتَفْرِيعِهِ على الْقَوْلِ بِمَنْعِ التَّعَادُلِ وَنَقَلَهُ إلْكِيَا عن الْقَاضِي وَالْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ عن أَهْلِ الظَّاهِرِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَدِيثَيْنِ وَأَنْكَرَهُ ابن حَزْمٍ في كِتَابِ الْإِعْرَابِ وقال إنَّمَا هو بَعْضُ شُيُوخِنَا وهو خَطَأٌ بَلْ الْوَاجِبُ الْأَخْذُ بِالزَّائِدِ إذَا لم يَقْدِرْ على اسْتِعْمَالِهَا جميعا فَاسْتَثْنَى أَحَدَهُمَا من الْآخِرِ الثَّالِثُ إنْ كان التَّعَارُضُ بين حَدِيثَيْنِ تَسَاقَطَا وَلَا يُعْمَلُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أو بين قِيَاسَيْنِ فَيَتَخَيَّرُ حَكَاهُ ابن بَرْهَانٍ في الْوَجِيزِ عن الْقَاضِي وَنَصَرَهُ وَالْفَرْقُ أَنَّا نَقْطَعُ أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم ما يَتَكَلَّمُ بِهِمَا فَأَحَدُهُمَا مَنْسُوخٌ قَطْعًا ولم نَعْلَمْهُ فَتَرَكْنَاهُمَا بِخِلَافِ الْقِيَاسَيْنِ وقد عُرِفَ أَنَّ الْقَاضِيَ نُسِبَ إلَيْهِ كُلٌّ من هذه الْأَقْوَالِ
  164. الرَّابِعُ الْوَقْفُ كَالتَّعَادُلِ الذِّهْنِيِّ حَكَاهُ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ وَجَزَمَ بِهِ سُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ وَاسْتَبْعَدَهُ الْهِنْدِيُّ إذْ الْوَقْفُ فيه إلَى غَايَةٍ وَأَمَدٍ إذْ لَا يُرْجَى فيه ظُهُورُ الرُّجْحَانِ وَإِلَّا لم تَكُنْ مَسْأَلَتَنَا بِخِلَافِ التَّعَادُلِ الذِّهْنِيِّ فإنه يَتَوَقَّفُ فيه إلَى أَنْ يَظْهَرَ الْمُرَجِّحُ قُلْت لَعَلَّ قَائِلَهُ أَرَادَ بِالتَّوَقُّفِ عن الْحُكْمِ وَالْتِحَاقِهِمَا بِالْوَقَائِعِ قبل وُرُودِ الشَّرْعِ فَيَجِيءُ فيه الْخِلَافُ الْمَشْهُورُ لَا وَقْفُ خَبَرِهِ ولم يذكر الْإِمَامُ في الْبُرْهَانِ غَيْرَهُ قال وَهَذَا حُكْمُ الْأُصُولِيِّ وَلَكِنْ بِمَا يَرَاهُ أَنَّ الشَّرِيعَةَ إذَا كانت مُتَعَلِّقَةً بِالْمُفْتِينَ ولم يَشْعُرْ الزَّمَانُ منهم فَلَا يَقَعُ مِثْلُ هذه الْوَقْعَةِ وَمِنْ هَاهُنَا حَكَى ابن بَرْهَانٍ في الْوَجِيزِ عن الْإِمَامِ امْتِنَاعَ وُجُودِ خَبَرَيْنِ لَا تَرْجِيحَ لِأَحَدِهِمَا على الْآخَرِ وَالْخَامِسُ يَأْخُذُ بِالْأَغْلَظِ كما حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَالسَّادِسُ يُصَارُ إلَى التَّوْزِيعِ إنْ أَمْكَنَ تَنْزِيلُ كل أَمَارَةٍ على أَمْرٍ وَالْأُخْرَى على غَيْرِهِ كما في الثُّلُثَيْنِ يُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا على قَوْلٍ وَكَمَا في الشُّفْعَةِ تُوَزَّعُ على عَدَدِ الرُّءُوسِ وَتَارَةً على عَدَدِ الْأَنْصِبَاءِ وَالسَّابِعُ إنْ وَقَعَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوَاجِبَاتِ فَالتَّخْيِيرُ إذْ لَا يَمْتَنِعُ التَّخْيِيرُ في الشَّرْعِ كَمَنْ مَلَكَ مِائَتَيْنِ من الْإِبِلِ وَإِنْ وَقَعَ بِالنِّسْبَةِ إلَى حُكْمَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ كَالْإِبَاحَةِ وَالتَّحْرِيمِ فَالتَّسَاقُطُ وَالرُّجُوعُ إلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ ذَكَرَهُ في الْمُسْتَصْفَى وَالثَّامِنُ يُقَلِّدُ عَالِمًا أَكْبَرَ منه وَيَصِيرُ كَالْعَامِّيِّ لِعَجْزِهِ عن الِاجْتِهَادِ حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالتَّاسِعُ أَنَّهُ كَالْحُكْمِ قبل وُرُودِ الشَّرْعِ فَتَجِيءُ فيه الْأَقْوَالُ الْمَشْهُورَةُ حَكَاهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيُّ وهو غَيْرُ قَوْلِ الْوَقْفِ على ما سَبَقَ فيه تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ ما فَرَضْنَاهُ من الْخِلَافِ عِنْدَ الْعَجْزِ عن التَّرْجِيحِ وَعَنْ دَلِيلٍ آخَرَ هو الصَّوَابُ وَصَرَّحَ بِهِ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ وَأَطْلَقَ جَمَاعَةٌ الْخِلَافَ في مُطْلَقِ التَّعَادُلِ وَمُرَادُهُمْ ما ذَكَرْنَاهُ الثَّانِي سَتَأْتِي فِيمَا إذَا اخْتَلَفَ على الْعَامِّيِّ جَوَابُ مُفْتِيَيْنِ مَذَاهِبُ أُخْرَى يَنْبَغِي اسْتِحْضَارُهَا هُنَا لَكِنْ الْمَذْهَبُ هُنَاكَ التَّخْيِيرُ وَهُنَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في التَّرْجِيحِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْعَامِّيَّ يُضْطَرُّ إلَى الْمُرَجَّحِ وَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ فَلَهُ تَصَرُّفٌ وَرَاءَ التَّعَارُضِ الثَّالِثُ إذَا تَخَيَّرَ فَلِلْمُنَاظِرِ ثَلَاثَة أَحْوَالٍ فَإِنْ كان مُجْتَهِدًا تَخَيَّرَ في إلْحَاقِهِ بِمَا شَاءَ
  165. إنْ قُلْنَا كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فَإِنْ قُلْنَا الْحَقُّ في وَاحِدٍ امْتَنَعَ التَّخْيِيرُ قَالَهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ وَإِنْ كان مُفْتِيًا فقال الْقَاضِي قالت الْمُصَوِّبَةُ لَا يَجُوزُ له تَأْخِيرُ الْمُسْتَفْتِي بَلْ يَجْزِمُ بِمُقْتَضَى أَحَدِهِمَا وَقِيلَ يَجُوزُ وهو الْأَوْلَى عِنْدَنَا وَبِهِ أَجَابَ في الْمَحْصُولِ وَاسْتَشْكَلَ الْهِنْدِيُّ الْجَزْمَ بِأَحَدِهِمَا وقال ليس في التَّخْيِيرِ الْأَخْذُ بِأَيِّ الْحُكْمَيْنِ شَاءَ وَاخْتَارَ رَأْيًا ثَالِثًا وهو أَنَّ الْمُفْتِيَ بِالْخِيَارِ بين أَنْ يَجْزِمَ له الْفُتْيَا وَبَيْنَ أَنْ يُخَيِّرَهُ إذْ ليس في كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُخَالَفَةُ دَلِيلٍ وَلَا فَسَادٌ فَيَسُوغُ الْأَمْرَانِ وَإِنْ كان حَاكِمًا فقال الْقَاضِي أَجْمَعَ الْكُلُّ يَعْنِي الْمُصَوِّبَةَ وَالْمُخَطِّئَةَ أَنَّهُ ليس له تَخْيِيرُ الْمُتَحَاكِمَيْنِ في الْحُكْمِ بِأَيِّهِمَا شَاءَ بَلْ عليه بَتُّ الْحُكْمِ بِاعْتِقَادِهِ لِأَنَّهُ نُصِبَ لِقَطْعِ الْخُصُومَاتِ وَلَوْ خَيَّرَهُمَا لَمَا انْقَطَعَتْ خُصُومَتُهُمَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَخْتَارُ الذي هو أَرْفَقُ له بِخِلَافِ حَالِ الْمُفْتِي فَلَوْ اخْتَارَ الْقَاضِي إحْدَى الْأَمَارَتَيْنِ وَحَكَمَ بها لم يَكُنْ له أَنْ يَحْكُمَ بِالْأُخْرَى في وَقْتٍ آخَرَ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى اتِّهَامِهِ بِالْحُكْمِ بِالْبَاطِلِ حَكَاهُ الْقَاضِي عن كَثِيرٍ من الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْكُلَّ مُصِيبٌ وَحُكِيَ عن الْعَنْبَرِيِّ جَوَازَهُ وَلَيْسَ ما قَالَهُ بِبَعِيدٍ لِأَنَّ هذه التُّهْمَةَ قَائِمَةٌ في الْحُكْمِ إذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ وَحَكَمَ بِالْقَوْلِ وَضِدِّهِ وقد قال عُمَرُ رضي اللَّهُ عنه في الْمُشَرَّكَةِ ذلك على ما قَضَيْنَا وَهَذَا على ما نَقْضِي نعم احْتَجَّ في الْمَحْصُولِ وَالْمِنْهَاجِ لِلْمَنْعِ بِقَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لِأَبِي بَكْرٍ رضي اللَّهُ عنه لَا تَحْكُمْ في قَضِيَّةٍ بِحُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وقد أُنْكِرَ عليهم هذا الْحَدِيثُ وَسُئِلَ عنه الذَّهَبِيُّ فلم يَعْرِفْهُ قُلْت وهو تَحْرِيفٌ وَإِنَّمَا هو لِأَبِي بَكْرَةَ كَذَلِكَ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ في سُنَنِهِ في الْأَقْضِيَةِ مَسْأَلَةٌ تَنَاقَشُوا في الذي يُضَافُ إلَيْهِ التَّعَارُضُ فَمِنْهُمْ من تَسَمَّحَ وَأَضَافَهُ إلَى الْأَمَارَاتِ وَمِنْهُمْ من نَاقَشَ نَفْسَهُ وَأَضَافَهُ إلَى صُوَرِ الْأَمَارَاتِ بِنَاءً على أَنَّ الْمَرْجُوحِيَّةَ لَيْسَتْ بِأَمَارَةٍ حَقِيقَةً إذْ الْحُكْمُ عِنْدَهَا مَفْقُودٌ مَظْنُونٌ الْعَدَمُ نعم صُورَتُهَا مَحْفُوظَةٌ وَمَعْنَى الصُّورَةِ عِنْدَهُمْ رَاجِعٌ إلَى تَقْدِيرِ الِانْفِرَادِ أَيْ لو انْفَرَدَتْ هذه الْأَمَارَةُ عن
  166. الْمُعَارِضِ لَكَانَتْ أَمَارَةً حَقِيقَةً وَيَلْزَمُ هذا الْقَائِلَ أَنْ يَقُولَ بِتَعَارُضِ الْقَاطِعَيْنِ وَالتَّرْجِيحُ بَيْنَهُمَا بهذا الِاعْتِبَارِ وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْأَمَارَةَ وُجِدَ فيها مُقْتَضَى الصِّحَّةِ وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ الْعَمَلُ بها لِمُعَارِضٍ فَجَازَ أَنْ يُطْلَقَ عليها التَّصْحِيحُ وَالتَّرْجِيحُ وَأَمَّا الشُّبْهَةُ فَلَا مُقْتَضَى فيها لِلصِّحَّةِ أَلْبَتَّةَ وإذا عُرِفَ الْفَرْقُ بين كَوْنِ الشَّيْءِ فيه مُقْتَضَى الصِّحَّةِ وَيَخْتَلِفُ عَمَلُهُ وَبَيْنَ كَوْنِهِ لَا مُقْتَضَى لِلصِّحَّةِ فيه فَبِاعْتِبَارِ مُقْتَضَى الصِّحَّةِ أَطْلَقْنَا على الْمَرْجُوحِيَّةِ أنها أَمَارَةٌ بِخِلَافِ الشُّبْهَةِ في الْقَوَاطِعِ مَسْأَلَةٌ قَوْلُ الْعَالِمِ في الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ قال ابن السَّمْعَانِيِّ لَا يُعْلَمُ قبل الشَّافِعِيِّ بِهِ تَصْرِيحًا وهو رَحِمَهُ اللَّهُ قد ابْتَكَرَ هذه الْعِبَارَةَ وَذَكَرَهَا في كُتُبِهِ وقد أَنْكَرَ عليه كَثِيرٌ من مُخَالِفِيهِ وَنَسَبُوهُ إلَى الْخَطَأِ وَقَالُوا هذا دَلِيلٌ على نُقْصَانِ الْآلَةِ وَقِلَّةِ الْمَعْرِفَةِ فَقَالُوا وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عن أبي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ رضي اللَّهُ عنهما فَذَلِكَ في حَالَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ وَالْمُجْتَهِدُ قد يَجْتَهِدُ في مُجْتَهَدٍ في وَقْتٍ فَيُؤَدِّي اجْتِهَادُهُ إلَى شَيْءٍ ثُمَّ يَجْتَهِدُ في وَقْتٍ آخَرَ فَيُؤَدِّي إلَى خِلَافِهِ إلَّا أَنَّ الثَّانِيَ يَكُونُ عن الْأَوَّلِ وَإِنَّمَا الْمُسْتَنْكَرُ اعْتِقَادُهُ قَوْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ في وَقْتٍ وَاحِدٍ في حَادِثَةٍ وَاحِدَةٍ فَهَذَا طَعْنُ الْمُخَالِفِينَ في الْقَوْلَيْنِ قال وقد صَنَّفَ بَعْضُهُمْ في ذلك تَصْنِيفًا وَرَأَيْت لِأَبِي عبد اللَّهِ الْبَصْرِيِّ الْمُلَقَّبِ بِجُعَلٍ في هذا كِتَابًا مُفْرَدًا صَنَّفَهُ لِلْمَعْرُوفِ بِالصَّاحِبِ وهو إسْمَاعِيلُ بن عَبَّادٍ أَيْ في إنْكَارِ ذلك على الشَّافِعِيِّ رضي اللَّهُ عنه وقد قَسَّمَ أَصْحَابُنَا الْقَوْلَيْنِ تَقْسِيمًا بَيَّنُوا فيه فَسَادَ هذا الِاعْتِرَاضِ وَأَنَّ الذي قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ليس هو مَوْضِعَ الْإِنْكَارِ ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ الْمَاوَرْدِيِّ الْآتِيَ وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ في مَسْأَلَةِ الْقَوْلَيْنِ في مَوْضِعَيْنِ أَحَدِهِمَا ما طُعِنَ بِهِ على الشَّافِعِيِّ وَالثَّانِي في كَيْفِيَّةِ إضَافَتِهِمَا إلَيْهِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَأَجَابَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّهُ لَا عَيْبَ فيه بَلْ فيه دَلَالَةٌ على صِحَّةِ قَرِيحَتِهِ وَتَبَحُّرِهِ في الشَّرِيعَةِ مع التَّنْبِيهِ على النَّظَرِ في الْمَأْخَذِ وَمَعْرِفَةِ أُصُولِ الْحَوَادِثِ وَتَعْلِيمِهِمْ طُرُقَ
  167. الِاسْتِنْبَاطِ وقال سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ أَنْكَرَ جَمَاعَةٌ الْقَوْلَيْنِ وَقَالُوا إنَّمَا يَسُوغُ ذلك على الْقَوْلِ بِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَأَمَّا على قَوْلِهِ إنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ فَلَا وقال الْمُحَقِّقُونَ بَلْ لِمَخْرَجِهَا طُرُقٌ فَذَكَرَهَا وقال ابن كَجٍّ وابن فُورَكٍ وَغَيْرُهُمَا من قُدَمَاءِ الْأَصْحَابِ الْمُسْتَنْكَرُ اعْتِقَادُهُمَا مَعًا في حَالَةٍ وَاحِدَةٍ كما يَسْتَحِيلُ كَوْنُ الشَّيْءِ على ضِدَّيْنِ من الْحُدُوثِ وَالْقِدَمِ وَالْوُجُودِ وَالْعَدَمِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ هذا ليس كَذَلِكَ بَلْ لِقَوْلِهِ مَخَارِجُ ثَلَاثَةٌ أَحَدُهَا اعْتِقَادُهُ الْقَطْعَ بِبُطْلَانِ ما عَدَا ذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ وقد يَكُونُ وَاقِفًا فِيهِمَا وقد أَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ على قَوْلَيْنِ ولم يُنْكَرْ عليهم ثَانِيهَا أَنْ يَخْتَلِفَ قَوْلُهُ لِتَعَارُضِ الدَّلِيلَيْنِ كَقَوْلِ عُثْمَانَ رضي اللَّهُ عنه أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ ثَالِثِهَا أَنْ يَقُولَهُ على طَرِيقِ التَّخْيِيرِ لِتَسَاوِي الدَّلِيلَيْنِ عِنْدَهُ من جَمِيعِ الْوُجُوهِ بِنَاءً على أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وهو كما عَمِلَ عُمَرُ في الشُّورَى جَعَلَ الْأَمْرَ بين سِتَّةٍ وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الِاعْتِذَارَ الْأَوَّلَ عن أبي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيّ وَزَيَّفَهُ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ لَا يَقْطَعُ بِتَخْطِئَةِ مُخَالِفِهِ وَمَنْ تَدَبَّرَ أُصُولَهُ عَرَفَ ذلك وَحَكَى الثَّالِثَ عن الْقَاضِي وقال إنَّهُ بَنَاهُ على اعْتِقَادِهِ أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ تَصْوِيبُ الْمُجْتَهِدِينَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مَذْهَبُهُ أَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ ثُمَّ لَا يُمْكِنُ التَّخْيِيرُ فِيمَا إذَا كان أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ تَحْرِيمًا وَالْآخَرُ تَحْلِيلًا إذْ يَسْتَحِيلُ التَّخْيِيرُ بين حَرَامٍ وَمُبَاحٍ قال وَعِنْدِي أَنَّهُ حَيْثُ نَصَّ على قَوْلَيْنِ في مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَلَيْسَ له فيها مَذْهَبٌ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْقَوْلَيْنِ لِتَرَدُّدِهِ فِيهِمَا وَعَدَمِ اخْتِيَارِهِ لِأَحَدِهِمَا وَلَا يَكُونُ ذلك خَطَأً منه بَلْ يَدُلُّ على عُلُوِّ رُتْبَةِ الرَّجُلِ وَتَوَسُّعِهِ في الْعِلْمِ وَعَمَلِهِ بِطُرُقِ الْأَشْبَاهِ فَإِنْ قِيلَ فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِكُمْ لِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ إذْ ليس له على هذه الْمَسَائِلِ قَوْلٌ وَلَا قَوْلَانِ قُلْنَا هَكَذَا نَقُولُ وَلَا نَتَحَاشَى منه وَإِنَّمَا وَجْهُ الْإِضَافَةِ إلَى الشَّافِعِيِّ هو ذِكْرُهُ لَهُمَا وَاسْتِقْصَاؤُهُ وُجُوهَ الْأَشْبَاهِ فِيهِمَا هذا أَسَدُّهَا وَأَوْضَحُهَا وَأَمَّا الثَّانِي فَاعْلَمْ أَنَّهُ نُقِلَ عن مُجْتَهِدٍ في مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ قَوْلَانِ مُتَنَافِيَانِ فَلَهُ حَالَتَانِ الْحَالَةُ الْأُولَى أَنْ يَكُونَ في مَوْضِعٍ وَاحِدٍ بِأَنْ يَقُولَ في هذه الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ ثُمَّ إمَّا أَنْ يُعَقِّبَ بِمَا يُشْعِرُ بِالتَّرْجِيحِ لِأَحَدِهِمَا بِأَنْ يَقُولَ أَحَبُّهُمَا إلَيَّ وَأَشْبَهُهُمَا
  168. بِالْحَقِّ عِنْدِي وَهَذَا مِمَّا أَسْتَخِيرُ اللَّهَ فيه أو يقول هذا قَوْلٌ مَدْخُولٌ أو مُنْكَرٌ فَيَكُونُ ذلك قَوْلَهُ لِأَنَّهُ الذي تَرَجَّحَ عِنْدَهُ قال أبو الْقَاسِمِ بن كَجٍّ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ على قَوْلَيْنِ لِأَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَ الْآخَرَ لِيَبْعَثَ على طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ وَإِمَّا أَنْ لَا يَفْعَلَ ذلك فَاخْتَلَفُوا فيه على ثَلَاثِهِ مَذَاهِبَ أَصَحِّهَا أَنَّهُ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ قَوْلٌ في الْمَسْأَلَةِ بَلْ هو مُتَوَقِّفٌ لِعَدَمِ تَرْجِيحِ دَلِيلِ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ في نَظَرِهِ وَقَوْلُهُ فيه قَوْلَانِ أَيْ احْتِمَالَانِ لِوُجُودِ دَلِيلَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ لَا أَنَّهُمَا مَذْهَبَانِ لِمُجْتَهِدَيْنِ قال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وَلَا نَعْرِفُ مَذْهَبَهُ مِنْهُمَا لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَا مَذْهَبَيْنِ وَهَذَا ما جَزَمَ بِهِ في الْمَحْصُولِ وَغَيْرِهِ وَالثَّانِي يَجِبُ اعْتِقَادُ نِسْبَةِ أَحَدِهِمَا إلَيْهِ وَرُجُوعِهِ عن الْآخَرِ غير مُعَيَّنٍ دُونَ نِسْبَتِهِمَا جميعا وَيَمْتَنِعُ الْعَمَلُ بِهِمَا حتى يَتَبَيَّنَ كَالنَّصَّيْنِ إذَا عَلِمْنَا نَسْخَ أَحَدِهِمَا غير مُعَيَّنٍ وَكَالرَّاوِي إذَا اشْتَبَهَ عليه ما رَوَاهُ من شَيْئَيْنِ وَهَذَا قَوْلُ الْآمِدِيَّ وهو أَحْسَنُ من الذي قَبْلَهُ وَإِنْ كان خِلَافَ عَمَلِ الْفُقَهَاءِ وَالثَّالِثِ أَنَّ له قَوْلَيْنِ وَحُكْمُهُمَا التَّخْيِيرُ قَالَهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في التَّلْخِيصِ وَهَذَا بَنَاهُ الْقَاضِي على اعْتِقَادِهِ أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ تَصْوِيبُ الْمُجْتَهِدِينَ لَكِنْ الصَّحِيحُ من مَذْهَبِهِ أَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ فَلَا يُمْكِنُ منه الْقَوْلُ بِالتَّخْيِيرِ وَأَيْضًا فَقَدْ يَكُونُ الْقَوْلَانِ بِتَحْرِيمٍ وَإِبَاحَةٍ وَيَسْتَحِيلُ التَّخْيِيرُ بَيْنَهُمَا وَاعْلَمْ أَنَّ وُقُوعَ ذلك في مَجْلِسٍ وَاحِدٍ من دُونِ تَرْجِيحٍ قَلِيلٌ حتى نَقَلَ ابن كَجٍّ عن الْقَاضِي أبي حَامِدٍ الْمَرْوَزِيّ أَنَّهُ ليس لِلشَّافِعِيِّ مِثْلُ ذلك إلَّا سَبْعَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا وقال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في شَرْحِ اللُّمَعِ إلَّا بِضْعَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا سِتَّةَ عَشَرَ أو سَبْعَةَ عَشَرَ وَوَقَعَ في الْمَحْصُولِ ذلك لِلشَّيْخِ أبي حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَجَزَمَ بِأَنَّهَا سَبْعَةَ عَشَرَ وَكَأَنَّهُ اشْتَبَهَ عليه لَكِنْ رأيت بِخَطِّ الشَّيْخِ أبي عَمْرِو بن الصَّلَاحِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِيمَا انْتَخَبَهُ من كِتَابِ شَرْحِ التَّرْتِيبِ لِلْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ ما لَفْظُهُ كان أبو حَامِدٍ يَذْكُرُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَا يَبْلُغُ ما له من الْمَسَائِلِ التي اخْتَلَفَ أَقَاوِيلُهُ فيها أَكْثَرَ من أَرْبَعٍ أو خَمْسٍ وَالْبَاقِيَ كُلَّهَا قَطَعَ فيها بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَالْأَقَاوِيلِ فإنه ذَكَرَ في بَعْضِهَا وَهَذَا أَشْبَهُ بِالْحَقِّ وفي بَعْضِهَا وهو الْأَقْيَسُ وفي بَعْضِهَا وهو أَوْلَاهَا وَغَيْرُ ذلك من الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ على الْقَطْعِ وقال الْقَاضِي أبو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ في مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ قال الْمُحَقِّقُونَ إنَّ ذلك لَا يَبْلُغُ عَشَرًا
  169. وقال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ قال أَصْحَابُنَا لم يُوجَدْ له من هذا النَّوْعِ إلَّا سِتَّةَ عَشَرَ قالوا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قد تَعَيَّنَ له الْحَقُّ مِنْهُمَا وَمَاتَ قبل بَيَانِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قد تَعَيَّنَ له وكان مُتَوَقِّفًا فِيهِمَا فَإِنْ قِيلَ فإذا لم يَكُونَا مَذْهَبَيْنِ فَلَيْسَ لِذِكْرِهِمَا في مَوْضِعٍ وَاخْتِيَارِ أَحَدِهِمَا مَعْنًى وَكَذَلِكَ إذَا لم يَتَبَيَّنْ له الْحَقُّ فِيهِمَا فَلَيْسَ لِذِكْرِهِمَا فَائِدَةٌ فَالْجَوَابُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ ذَكَرَهُمَا لَيُعَلِّمَ أَصْحَابَهُ طُرُقَ اسْتِخْرَاجِ الْعِلَلِ وَالِاجْتِهَادِ وَبَيَانَ ما يُصَحِّحُ الْعِلَلَ وَيُفْسِدُهَا لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يُبَيِّنَ مَدَارِكَ الْأَحْكَامِ كما يُبَيِّنُ الْأَحْكَامَ وَلِأَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ ما عَدَاهُمَا بَاطِلٌ وَأَنَّ الْحَقَّ في أَحَدِهِمَا انْتَهَى كَلَامُ الْقَاضِي وقال الْغَزَالِيُّ إنَّمَا يَذْكُرُ الْقَوْلَيْنِ في هذه الْحَالَةِ إمَّا لِأَنَّهُ لم يَتِمَّ نَظَرُهُ في الْمَسْأَلَةِ وَإِنَّهُ في مُدَّةِ النَّظَرِ وَيَرْجِعُ حَاصِلُهُ إلَى الْوَقْفِ وَالِاحْتِيَاطِ وَذَلِكَ غَايَةُ الْوَرَعِ وهو دَأْبُ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ كما قال عُثْمَانُ في الْجَمْعِ بين الْأُخْتَيْنِ في مِلْكِ الْيَمِينِ أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ قال وَيُتَّجَهُ في هذا ثَلَاثَةُ أَسْئِلَةٍ أَحَدِهَا أَنَّ الْمُفْتِيَ إنَّمَا يُفْتِي بِالْحُكْمِ لَا بِالتَّرَدُّدِ وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمَسَائِلَ الْمَنْقُولَةَ عن الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في مَسَائِلِ الْفُرُوعِ قَرِيبٌ من سِتِّينَ أَلْفَ مَسْأَلَةٍ على ما حَكَى بَعْضُ الْأَصْحَابِ وَإِنَّمَا جَمْعُ الْقَوْلِ مُتَرَدِّدٌ في بِضْعِ عَشْرَةِ مَسْأَلَةٍ وما نَصَّ عليه يُوجَدُ منه حُكْمُ هذا التَّرَدُّدِ الثَّانِي إنْ كان حَاصِلُهُ التَّرَدُّدَ فما فَائِدَةُ ذِكْرِهَا وَجَوَابُهُ له خَمْسُ فَوَائِدَ 1 وَضْعُ تَصْوِيرِ الْمَسَائِلِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ صَعْبٌ 2 وَالتَّحْرِيكُ لِدَاعِيَةِ النَّظَرِ فيها 3 وَحَثُّهُ لِأَصْحَابِهِ لِتَخْرِيجِهَا على أَشْبَهِ أُصُولِهِ 4 وَإِنَّهُ يَكْفِي مُؤْنَةَ النَّظَرِ من الِاحْتِمَالَاتِ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ سِوَى ما ذَكَرَهُ 5 وَذَكَرَ تَوْجِيهَهَا فإنه لَا بُدَّ أَنْ يَذْكُرَ وَجْهَ كُلٍّ فَتَحْصُلُ مَعْرِفَةُ الْأَدِلَّةِ وَمَدَارِكُ الْعُلَمَاءِ وَيَهُونُ النَّظَرُ في طَلَبِ التَّرْجِيحِ فإن طَلَبَ التَّرْجِيحِ وَحْدَهُ أَهْوَنُ من طَلَبِ الدَّلِيلِ فَعَلَى كل نَاظِرٍ في الْمَسْأَلَةِ هذه الْوَظَائِفُ الْخَمْسُ تَصْوِيرُهَا وَطَلَبُ الِاحْتِمَالَاتِ فيها وَحَصْرُ ما يَنْقَدِحُ من تِلْكَ الِاحْتِمَالَاتِ وَطَلَبُ أَدِلَّتِهَا وَطَلَبُ التَّرْجِيحِ وَالشَّافِعِيُّ قام بِالْوَظَائِفِ الْأَرْبَعِ ولم يَتْرُكْ إلَّا الْخَامِسَةَ فَكَيْفَ تُنْكِرُ فَائِدَةَ الْقَوْلَيْنِ الثَّالِثِ ما يَلْزَمُ عليه أَنْ لَا قَوْلَ لِلشَّافِعِيِّ في الْمَسْأَلَةِ فَكَيْفَ يُقَالُ له
  170. قَوْلَانِ وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ تَحْتَمِلُ قَوْلَيْنِ وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَالَ لِفُلَانٍ في الْحَادِثَةِ رَأْيَانِ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَهُمَا انْتَهَى وَكَذَلِكَ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في التَّلْخِيصِ لَا يَمْتَنِعُ من إطْلَاقِ الْقَوْلَيْنِ وَإِنَّمَا وَجْهُ الْإِضَافَةِ إلَى الشَّافِعِيِّ ذِكْرُهُ لها وَاسْتِقْصَاؤُهُ وُجُوهَ الْأَشْبَاهِ فيها الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ في مَوْضِعَيْنِ بِأَنْ يَنُصَّ في مَوْضِعٍ على إبَاحَةِ شَيْءٍ وفي آخَرَ على تَحْرِيمِهِ فَإِمَّا أَنْ يَعْلَمَ الْمُتَأَخِّرَ مِنْهُمَا فَهُوَ مَذْهَبُهُ وَيَكُونُ الْأَوَّلُ مَرْجُوعًا عنه وَيَجْعَلُ الْأَوَّلَ كَالْمَنْسُوخِ فَلَا يَكُونُ الْأَوَّلُ قَوْلًا له قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وابن السَّمْعَانِيِّ وَذَهَبَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَنُصَّ على الرُّجُوعِ فَلَوْ لم يَنُصَّ في الْجَدِيدِ الرُّجُوعَ عن الْقَدِيمِ لم يَكُنْ رُجُوعًا حَكَاهُ الشَّيْخُ وَكَذَا الرَّافِعِيُّ في بَابِ صِفَةِ الْأَئِمَّةِ عن الصَّيْدَلَانِيِّ أَنَّ أَصْحَابَنَا اخْتَلَفُوا في نَصِّ الشَّافِعِيِّ إذَا خَالَفَ الْآخِرُ الْأَوَّلَ هل يَكُونُ الْآخِرُ رُجُوعًا عن الْأَوَّلِ أَمْ لَا على وَجْهَيْنِ أَحَدِهِمَا أَنَّهُ لَا يَكُونُ رُجُوعًا لِأَنَّهُ قد يَنُصُّ في مَوْضِعٍ وَاحِدٍ على قَوْلَيْنِ فَيَجُوزُ أَنْ يَذْكُرَهُمَا مُتَعَاقِبَيْنِ والثاني يَكُونُ رُجُوعًا ولم يُرَجِّحْ الرَّافِعِيُّ شيئا وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لو صَرَّحَ بِالرُّجُوعِ عن الْأَوَّلِ فَلَيْسَ الْأَوَّلُ مَذْهَبًا بِهِ قَطْعًا وَإِنْ لم يُصَرِّحْ فَوَجْهَانِ وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ رُجُوعٌ إلَّا في مَسَائِلَ مُسْتَثْنَاةٍ عِنْدَ الْأَصْحَابِ لِقِيَامِ دَلِيلٍ على الْقَوْلِ بِهِ قال سُلَيْمٌ وَيَكُونُ إضَافَةُ الْقَدِيمِ إلَيْهِ على مَعْنَى أَنَّهُ قَالَهُ في وَقْتٍ لَا على وَجْهٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَوْلِ الْآخِرِ كما يُقَالُ مِثْلُهُ في إضَافَةِ الرِّوَايَتَيْنِ إلَى أبي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَغَيْرِهِمَا قُلْت وقد صَحَّ عن الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قال لَا أُحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَرْوِيَ عَنِّي الْكِتَابَ الْقَدِيمَ وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِالرُّجُوعِ عَمَّا فيه فَلَا يَبْقَى لِلتَّفْصِيلِ السَّابِقِ وَجْهٌ نعم هذا يُشْكِلُ على أَصْحَابِنَا في مَسَائِلَ عَمِلُوا بها على الْقَدِيمِ حَيْثُ لم يَجِدُوا في الْجَدِيدِ ما يُخَالِفُهَا وَإِمَّا أَنْ يُجْهَلَ الْحَالُ وَلَا يُعْلَمُ التَّارِيخُ فَإِنْ بَيَّنَ اخْتِيَارَهُ من الْقَوْلَيْنِ فَهُوَ مَذْهَبُهُ وَإِنْ لم يُبَيِّنْهُ فَالْوَقْفُ قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ وَالْوَقْفُ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ أَحَدِهِمَا أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ الْحُكْمَ الْوَقْفُ عن الْحُكْمِ بِأَنَّ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ مَذْهَبُهُ والثاني أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ الْحُكْمَ بِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ وَاقِفٌ غَيْرُ حَاكِمٍ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَهَذَا الثَّانِي إنَّمَا يَقْوَى إذَا
  171. قَالَهُمَا الْمُجْتَهِدُ في وَقْتٍ وَاحِدٍ وَلَيْسَ ذلك صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ وَحِينَئِذٍ فَيُحْكَى عنه قَوْلَانِ من غَيْرِ الْحُكْمِ على أَحَدِهِمَا بِالتَّرْجِيحِ وقد وَقَعَ الْحَالَانِ لِلشَّافِعِيِّ رضي اللَّهُ عنه وهو دَلِيلٌ على عُلُوِّ شَأْنِهِ في الْعِلْمِ وَالدِّينِ أَمَّا الْعِلْمُ فَلِأَنَّهُ كُلَّمَا زَادَ الْمُجْتَهِدُ عِلْمًا وَتَدْقِيقًا كان نَظَرُهُ أَتَمَّ وَاطِّلَاعُهُ على الْأَدِلَّةِ أَعَمَّ وَأَمَّا الدِّينُ فلم يَكُنْ مِمَّنْ إذَا ظَهَرَ له وَجْهُ الرُّجْحَانِ أَقَامَ على مَقَالَتِهِ الْأُولَى بَلْ صَرَّحَ على بُطْلَانِهَا وَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنْ تَشْنِيعَ الْخَصْمِ بَاطِلٌ وقد صَنَّفَ أَصْحَابُنَا في نُصْرَةِ الْقَوْلَيْنِ منهم ابن الْقَاصِّ وَالْغَزَالِيُّ وَإِلْكِيَا وَالرُّويَانِيُّ وَتَكَلَّمَ عليه الْأَصْحَابُ في كُتُبِهِمْ الْأُصُولِيَّةِ وَالْفُرُوعِيَّةِ وقد سَبَقَ بِذَلِكَ السَّلَفُ فإن عُمَرَ نَصَّ في الشُّورَى على سِتَّةٍ وَحَصَرَ الْخِلَافَةَ فِيهِمْ تَنْبِيهًا على حَصْرِ الِاسْتِحْقَاقِ ولم يَعْتَرِضْ أَحَدٌ عليه وَاعْلَمْ أَنَّهُ في هذه الْحَالَةِ تَرَجَّحَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ على الْآخِرِ بِأُمُورٍ منها أَنْ تَكُونَ أُصُولُ مَذْهَبِهِ مُوَافِقَةً دُونَ الْآخَرِ فَيَكُونُ هو الْمَذْهَبُ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ ومنها أَنْ يُكَرَّرَ أَحَدُهُمَا أو يُفَرَّعَ عليه فَهَلْ يَكُونُ رُجُوعًا عن الْآخَرِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَنَسَبَ ابن كَجٍّ الرُّجُوعَ في حَالَةِ التَّفْرِيعِ إلَى الْمُزَنِيّ قال وَعَامَّةُ أَصْحَابِنَا أَنَّ ذلك ليس بِرُجُوعٍ وَجَزَمَ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ أَنَّهُ رُجُوعٌ في التَّفْرِيعِ وَحَكَى خِلَافَ الْمُزَنِيّ في التَّكْرِيرِ وقال خَالَفَهُ أبو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيّ فقال هذا لَا يَدُلُّ على اخْتِيَارِهِ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَكَرَهُ اكْتِفَاءً بِمَا ذَكَرَهُ قال الْقَاضِي وَاَلَّذِي قَالَهُ الْمُزَنِيّ هو الصَّحِيحُ وَكَذَا قال ابن السَّمْعَانِيِّ ومنها ما لو كان أَحَدُهُمَا يُوَافِقُ مَذْهَبَ أبي حَنِيفَةَ فقال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ ما يُخَالِفُهُ مَذْهَبُ أبي حَنِيفَةَ أَرْجَحُ وَعَكَسَ الْقَفَّالُ وَاخْتَارَهُ ابن الصَّلَاحِ وَالنَّوَوِيُّ وَالْأَصَحُّ التَّرْجِيحُ بِالنَّظَرِ فَإِنْ لم يَظْهَرْ تَرْجِيحٌ فَالْوَقْفُ ومنها أَنْ يَنُصَّ على أَحَدِهِمَا في مَوْضِعٍ آخَرَ فَهَلْ يَكُونُ ذلك اخْتِيَارًا منه لِذَلِكَ الْقَوْلِ فيه وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ قبل الدِّيَاتِ وَحَكَى ابن السَّمْعَانِيِّ عن الْقَاضِي والماوردي أَنَّهُ قَسَمَ الْقَوْلَيْنِ في هذه الْحَالَةِ إلَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ قِسْمًا أَحَدِهَا أَنْ يُقَيِّدَ جَوَابَهُ في مَوْضِعٍ وَيُطْلِقَهُ في آخَرَ كَقَوْلِهِ في أَقَلِّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وفي مَوْضِعٍ آخَرَ يُرِيدُ مع لَيْلَتِهِ فَحَمَلَ الْمُطْلَقَ على الْمُقَيَّدِ لَكِنْ لَا يُقَالُ له قَوْلَانِ
  172. وَإِنَّمَا هو وَاحِدٌ ثَانِيهَا أَنْ تَخْتَلِفَ أَلْفَاظُهُ مع اتِّفَاقِ مَعَانِيهَا من وَجْهٍ وَاخْتِلَافِهَا من وَجْهٍ فَغَلَّبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا حُكْمَ الِاخْتِلَافِ ولم يُغَلِّبْ حُكْمَ الِاتِّفَاقِ فَخَرَّجَهُمَا على قَوْلَيْنِ كَقَوْلِهِ في الْمُظَاهِرِ أُحِبُّ أَنْ يَمْتَنِعَ عن الْقُبْلَةِ وقال في الْقَدِيمِ رَأَيْت ذلك فَيُحْتَمَلُ حَمْلُهُ على الْإِيجَابِ أو الِاسْتِحْبَابِ فَحَمْلُهَا على ما صَرَّحَ بِهِ من الِاسْتِحْبَابِ أَوْلَى ثَالِثِهَا أَنْ يَخْتَلِفَ قَوْلُهُ لِاخْتِلَافِ حَالَيْهِ كَصَدَاقِ السِّرِّ فإنه قال في مَوْضِعٍ بِاعْتِبَارِهِ وفي مَوْضِعٍ بِاعْتِبَارِ الْعَلَانِيَةِ وَلَيْسَ ذلك بِاخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ وَإِنَّمَا هو لِاخْتِلَافِ حَالَيْنِ فَإِنْ اقْتَرَنَ الْعَقْدُ بِصَدَاقِ السِّرِّ فَهُوَ الْمُسْتَحَقُّ وَإِلَّا فَعَكْسُهُ رَابِعِهَا لِاخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ كَتَرَدُّدِهِ في نَقْضِ الْمَلْمُوسِ لِأَجْلِ لَمَسْتُمْ أو لَامَسْتُمْ وَكَاخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ في صَلَاةِ الْعِشَاءِ نِصْفَ اللَّيْلِ أو ثُلُثَهُ خَامِسِهَا لِأَنَّهُ عَمِلَ في أَحَدِهِمَا بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ ثُمَّ بَلَغَتْهُ سُنَّةٌ نَقَلَتْهُ عن الْأَوَّلِ كَصِيَامِ الْمُتَمَتِّعِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ في الْحَجِّ ثُمَّ جاء النَّهْيُ عن صِيَامِهَا فَأَوْجَبَ صِيَامَهَا بَعْدَ إحْرَامِهِ وَقِيلَ يوم عَرَفَةَ اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ وَمِثْلُ هذا قال في الصَّلَاةِ الْوُسْطَى سَادِسِهَا لِأَنَّهُ عَمِلَ في أَحَدِهِمَا بِالْقِيَاسِ ثُمَّ بَلَغَتْهُ سُنَّةٌ لم تَثْبُتْ عِنْدَهُ فَجَعَلَ مَذْهَبَهُ من بَعْدُ مَوْقُوفًا على ثُبُوتِ السُّنَّةِ كَالصِّيَامِ عن الْمَيِّتِ وَالْغُسْلِ من غَسْلِهِ سَابِعِهَا أَنْ يَقْصِدَ بِذَكَرِهِمَا إبْطَالَ ما عَدَاهُمَا فَيَكُونُ الِاجْتِهَادُ مَقْصُودًا عَلَيْهِمَا وَلَا يَعْدُوهُمَا ثَامِنِهَا أَنْ يَقْصِدَ بِذِكْرِهِمَا إبْطَالَ ما يَتَوَسَّطُهُمَا وَيَكُونُ مَذْهَبُهُ مِنْهُمَا ما حَكَمَ بِهِ وَفُرِّعَ عليه مِثْلُ قَوْلِهِ في وَضْعِ الْجَوَائِحِ وقد قَدَّرَهَا مَالِكٌ بِالثُّلُثِ فقال الشَّافِعِيُّ ليس إلَّا وَاحِدٌ من قَوْلَيْنِ إمَّا أَنْ يُوضَعَ جَمِيعُهَا أو لَا يُوضَعَ شَيْءٌ منها تَاسِعِهَا أَنْ يَذْكُرَ قَوْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ في مَسْأَلَتَيْنِ مُتَّفِقَتَيْنِ فَخَرَّجَهُمَا أَصْحَابُهُ على قَوْلَيْنِ وَهَذَا على الْإِطْلَاقِ خَطَأٌ لِأَنَّهُ إنْ كان بَيْنَهُمَا فَرْقٌ لم يَسَعْ التَّخْرِيجُ وَإِنْ لم يَكُنْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ لم يَخْلُ قَوْلَاهُ إمَّا أَنْ يَكُونَا في وَقْتٍ أو وَقْتَيْنِ فَإِنْ كَانَا في وَقْتٍ كما لو قال في مَسْأَلَةٍ بِقَوْلٍ ثُمَّ قال بَعْدَهُ فيها بِقَوْلٍ آخَرَ فَيَكُونُ على ما سَنَذْكُرُهُ وَإِنْ قَالَهُمَا في وَقْتٍ فَيَكُونُ على ما نَذْكُرُهُ في قَوْلِهِ في حَالَةٍ وَاحِدَةٍ عَاشِرِهَا لِأَنَّهُ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى أَحَدِهِمَا فقال بِهِ ثُمَّ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى الْآخَرِ
  173. فَعَدَلَ إلَيْهِ فَمَذْهَبُهُ الثَّانِي وَلَا يُرْسِلُ الْقَوْلَيْنِ إلَّا بَعْدَ التَّقْيِيدِ بِالْجَدِيدِ وَالْقَدِيمِ حَادِيَ عَشَرَهَا أَنْ يَكُونَ قال في مَسْأَلَةٍ بِقَوْلٍ في مَوْضِعٍ وقال فيها بِقَوْلٍ في مَوْضِعٍ آخَرَ فَيُخَرِّجُهَا أَصْحَابُهُ على قَوْلَيْنِ وَهَذَا وَإِنْ كان النَّقْلُ صَحِيحًا فَهُوَ في إضَافَتِهِمَا إلَيْهِ على التَّسَاوِي غَلَطٌ وَيُنْظَرُ إنْ تَقَدَّمَ أَحَدُهُمَا فَالْعَمَلُ لِلْمُتَأَخِّرِ وَإِنْ جَهِلَ تَوَقَّفَ إلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِأَحَدِهِمَا من أُصُولِ مَذْهَبِهِ ما يُوَافِقُهُ فَيَكُونُ هو الْمَذْهَبُ فَإِنْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ أو فَرَّعَ عليه قال الْمُزَنِيّ وَطَائِفَةٌ من الْأَصْحَابِ إنَّ الْمُتَكَرِّرَ وَذَا التَّفْرِيعِ مَذْهَبُهُ دُونَ الْآخَرِ ثَانِيَ عَشَرَهَا أَنْ يَذْكُرَهُمَا حِكَايَةً عن مَذْهَبِ غَيْرِهِ فَلَا يَجُوزُ نِسْبَتُهُمَا إلَيْهِ وَمَثَّلَهُ ابن كَجٍّ بِقَوْلِهِ في الْجَدِّ مع الْإِخْوَةِ في الْوَلَاءِ قال طَائِفَةٌ بِكَذَا وَقَالَتْ طَائِقَةٌ بِكَذَا ثُمَّ قَطَعَ بِأَحَدِ الْأَقْوَالِ فَإِنْ أَشَارَ إلَيْهِمَا بِالْإِنْكَارِ كان الْحَقُّ عِنْدَهُ في غَيْرِهِمَا أو بِالْجَوَازِ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ عِنْدَهُ فِيهِمَا وفي غَيْرِهِمَا أو بِالِاخْتِيَارِ فِيهِمَا ثَالِثَ عَشَرَهَا أَنْ يَذْكُرَهُمَا مُعْتَقِدًا لِأَحَدِهِمَا وَزَاجِرًا بِالْآخَرِ كما فَعَلَ في قَضَاءِ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ وفي تَضْمِينِ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ وَعَبَّرَ عنه الشَّيْخُ نَصْرٌ فقال أَنْ يَذْكُرَ أَحَدَهُمَا على طَرِيقِ الْمَصْلَحَةِ وَمَذْهَبُهُ الْأَخِيرُ رَابِعَ عَشَرَهَا أَنْ يَقُولَهُمَا في مَوْضِعٍ فَإِنْ نَبَّهَ على اخْتِيَارِ أَحَدِهِمَا فَهُوَ مَذْهَبُهُ وزاد الْغَزَالِيُّ أَنْ يَذْكُرَهُمَا على سَبِيلِ التَّخْيِيرِ بَيْنَهُمَا وَأَنَّ الْكُلَّ جَائِزٌ وَأَنْ يَذْكُرَهُمَا على سَبِيلِ التَّخْيِيرِ بَيْنَهُمَا على الْبَدَلِ لَا الْجَمْعِ وقال وَهَذَا الْوَجْهُ ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَأَنْكَرَهُ جَمِيعُ الْأَصْحَابِ وَلَيْسَ عِنْدِي بِمُنْكَرٍ بَلْ مُتَّجَهٌ قُلْت ذَكَرَهُ ابن كَجٍّ كما سَبَقَ مَسْأَلَةٌ إذَا قال الشَّافِعِيُّ في مَوْضِعٍ بِقَوْلٍ ثُمَّ قال وَلَوْ قال قَائِلٌ كَذَا وَكَذَا كان مَذْهَبًا لم يَجُزْ أَنْ يَجْعَلَ ذلك قَوْلًا له على الْأَصَحِّ عِنْدَ الشَّيْخِ أبي إِسْحَاقَ وَابْنِ السَّمْعَانِيِّ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ عن احْتِمَالٍ في الْمَسْأَلَةِ وَوَجْهٌ من وُجُوهِ الِاجْتِهَادِ
  174. مَسْأَلَةٌ إذَا لم يُعْرَفْ لِلْمُجْتَهِدِ قَوْلٌ في الْمَسْأَلَةِ لَكِنْ له قَوْلٌ في نَظِيرِهَا ولم يُعْلَمْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ فَهُوَ الْقَوْلُ الْمُخَرَّجُ فيها وَلَا يَجُوزُ التَّخْرِيجُ حَيْثُ أَمْكَنَ الْفَرْقُ كما قال ابن كَجٍّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَأَشَارَ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في التَّبْصِرَةِ إلَى خِلَافٍ فيه فقال لَا يَجُوزُ على الصَّحِيحِ ثُمَّ لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ لِلشَّافِعِيِّ ما يَتَخَرَّجُ على قَوْلِهِ فَيُجْعَلُ قَوْلًا له على الْأَصَحِّ بِنَاءً على أَنَّ لَازِمَ الْمَذْهَبِ ليس بِمَذْهَبٍ وَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ فَلَا يُضَافُ إلَيْهِ مع قِيَامِ الِاحْتِمَالِ فَإِنْ قِيلَ أَلَيْسَ أَنَّهُ يُنْسَبُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ما يَقْتَضِيهِ قِيَاسُ قَوْلِهِمَا فَكَذَلِكَ يُنْسَبُ إلَى صَاحِبِ الْمَذْهَبِ ما يَقْتَضِيهِ قِيَاسُ قَوْلِهِ قُلْنَا ما دَلَّ عليه الْقِيَاسُ في الشَّرْعِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ أَنَّهُ قَوْلُ اللَّهِ وَلَا قَوْلُ رَسُولِهِ وَإِنَّمَا يُقَالُ هذا دِينُ اللَّهِ وَدِينُ رَسُولِهِ بِمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ دَلَّ عليه وَمِثْلُهُ لَا يَصِحُّ في قَوْلِ الشَّافِعِيِّ قَالَهُ ابن السَّمْعَانِيِّ فَرْعٌ الْأَوْجُهُ الْمَحْكِيَّةُ عن الْأَصْحَابِ هل تُنْسَبُ إلَى الشَّافِعِيِّ لم أَرَ فيها كَلَامًا وَيُشْبِهُ تَخْرِيجُهَا على التي قَبْلَهَا وَيَكُونُ على طَرِيقِ التَّرْتِيبِ وَأَوْلَى بِالْمَنْعِ لِأَنَّهُمْ يُخَرِّجُونَهَا على قَوَاعِدَ عَامَّةٍ في الْمَذْهَبِ وَالْقَوْلُ الْمُخَرَّجُ إنَّمَا يَكُونُ في صُوَرٍ خَاصَّةٍ
  175. فَصْلٌ وَأَمَّا اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ عن أَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فَلَيْسَ هو من بَابِ الْقَوْلَيْنِ لِأَنَّ الْقَوْلَيْنِ نَقْطَعُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ ذَكَرَهُمَا بِالنَّصِّ عَلَيْهِمَا بِخِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ فإن الِاخْتِلَافَ جاء من جِهَةِ النَّاقِلِ لَا من جِهَةِ الْمَنْقُولِ عنه لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ لم يُدَوِّنْ قال أبو بَكْرٍ الْبَلْعَمِيُّ في الْغَرَرِ الِاخْتِلَافُ في الرِّوَايَةِ عن أبي حَنِيفَةَ من وُجُوهٍ منها الْغَلَطُ في السَّمَاعِ كَأَنْ يُجِيبَ بِحَرْفِ النَّفْيِ إذَا سُئِلَ عن حَادِثَةٍ يقول لَا يَجُوزُ فَيُشْتَبَهُ على الرَّاوِي فَيَنْقُلُ ما سمع ومنها أَنْ يَكُونَ لِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْلٌ قد رَجَعَ عنه يَعْلَمُ بَعْضُ من يَخْتَلِفُ إلَيْهِ رُجُوعَهُ عنه فَيَرْوِي الْقَوْلَ الثَّانِيَ وَالْآخَرُ لم يَعْلَمْهُ فَيَرْوِي الْقَوْلَ الْأَوَّلَ ومنها أَنْ يَكُونَ قال أبو حَنِيفَةَ الثَّانِيَ على وَجْهِ الْقِيَاسِ ثُمَّ قال ذلك على وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ فَيَسْمَعُ كُلُّ وَاحِدٍ منه أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ فَيَنْقُلُ كما سمع ومنها أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ في الْمَسْأَلَةِ من وَجْهَيْنِ من جِهَةِ الْحُكْمِ وَمِنْ جِهَةِ الْبَرَاءَةِ لِلِاحْتِيَاطِ فَيَذْكُرُ الْجَوَابَ من جِهَةِ الْحُكْمِ في مَوْضِعٍ وَمِنْ جِهَةِ الِاحْتِيَاطِ في مَوْضِعٍ آخَرَ فَيَنْقُلُ كما سمع قال وَأَمَّا الْفَرْقُ بين الْقَوْلَيْنِ وَالرِّوَايَتَيْنِ فَهُوَ أَنَّ الِاخْتِلَافَ في الرِّوَايَةِ وَقَعَ من جِهَةِ النَّاقِلِ دُونَ الْمَنْقُولِ عنه فَأَبُو حَنِيفَةَ حَصَلَ على قَوْلٍ وَاحِدٍ وَأَمَّا إطْلَاقُ الْقَوْلَيْنِ وَتَعَلُّقُ الْحُكْمِ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ من غَيْرِ تَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا فَعَجَبٌ انْتَهَى
  176. الْفَصْلُ الثَّانِي في التَّرْجِيحِ وهو تَقْوِيَةُ إحْدَى الْإِمَارَتَيْنِ على الْأُخْرَى بِمَا ليس ظَاهِرًا مَأْخُوذٌ من رُجْحَانِ الْمِيزَانِ وَفَائِدَةُ الْقَيْدِ الْأَخِيرِ أَنَّ الْقُوَّةَ لو كانت ظَاهِرَةً لم يَحْتَجْ إلَى التَّرْجِيحِ قال إلْكِيَا التَّرْجِيحُ إظْهَارُ الزِّيَادَةِ لِأَحَدِ الْمِثْلَيْنِ على الْآخَرِ أَصْلًا مَأْخُوذٌ من رَجَّحْت الْوَزْنَ إذَا زِدْتَ جَانِبَ الْمَوْزُونِ حتى مَالَتْ كِفَّتُهُ وَلَوْ أَفْرَدْتَ الزِّيَادَةَ على الْوَزْنِ لم يَقُمْ بها الْوَزْنُ في مُقَابِلَةِ الْكِفَّةِ الْأُخْرَى قُلْت هذا حَدٌّ لِلْمُرَجِّحِ لَا لِلتَّرْجِيحِ وَقِيلَ بَيَانُ اخْتِصَاصِ الدَّلِيلِ بِمَزِيدِ قُوَّةٍ عن مُقَابِلِهِ لِيَعْمَلَ بِالْأَقْوَى وَرَجَحَ على الْأَوَّلِ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ يَجْرِي في الظَّوَاهِرِ وَالْأَخْبَارِ تَارَةً وفي الْمَعَانِي أُخْرَى فَالتَّعْرِيفُ الْأَوَّلُ يَخْرُجُ منه الْأَخْبَارُ وَالظَّوَاهِرُ لِاخْتِصَاصِ اسْمِ الْأَمَارَةِ بِالْمَعَانِي وَهَذَا مُنْدَفِعٌ بِالْغَايَةِ وَفِيهِ مَسَائِلُ الْأُولَى أَنَّهُ إذَا تَحَقَّقَ التَّرْجِيحُ وَجَبَ الْعَمَلُ بِالرَّاجِحِ وَإِهْمَالُ الْآخَرِ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ على الْعَمَلِ بِمَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُمْ من الْأَخْبَارِ وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ التَّرْجِيحَ في الْأَدِلَّةِ كما يَنْبَغِي في الْبَيِّنَاتِ وقال عِنْدَ التَّعَارُضِ يَلْزَمُ التَّخْيِيرُ أو الْوَقْفُ قال الْإِمَامُ وقد حَكَاهُ الْقَاضِي عن الْبَصْرِيِّ الْمُلَقَّبِ بِ جُعَلٍ قال ولم أَرَ في شَيْءٍ من مُصَنَّفَاتِهِ مع بَحْثِي عنها وَلَعَلَّ الْقَاضِيَ أَلْزَمَهُ إنْكَارَ الرَّاجِحِ إلْزَامًا على مَذْهَبِهِ في إنْكَارِ التَّرْجِيحِ في الْبَيِّنَاتِ وَاسْتَبْعَدَ الْإِبْيَارِيُّ وُقُوعَ الْقَاضِي في مِثْلِ ذلك وقال ابن الْمُنِيرِ ليس بِبَعِيدٍ لِلْخِلَافِ في أَنَّ لَازِمَ الْمَذْهَبِ هل هو مَذْهَبٌ فَإِنْ كان الْقَاضِي وَجَدَ له نَصًّا فَذَاكَ وَإِنْ لم يَجِدْهُ بَلْ أَلْزَمَهُ بِجَعْلِهِ مَذْهَبًا له فَصَحِيحٌ عِنْدَ من يَرَى ذلك وَإِنْ ثَبَتَ فَهُوَ قَوْلٌ بَاطِلٌ وهو مَسْبُوقٌ بِالْإِجْمَاعِ على اسْتِعْمَالِهِ التَّرْجِيحَ الثَّانِيَةُ سَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرْنَا كان التَّرْجِيحُ مَعْلُومًا أو مَظْنُونًا قال الْقَاضِي لَا يَجُوزُ
  177. الْعَمَلُ بِالتَّرْجِيحِ الْمَظْنُونِ لِأَنَّ الْأَصْلَ امْتِنَاعُ الْعَمَلِ بِشَيْءٍ من الْمَظْنُونِ وَخَرَجَ من ذلك الظُّنُونُ الْمُسْتَقِلَّةُ بِأَنْفُسِهَا لِانْعِقَادِ إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عليها وما وَرَاءَ ذلك يَبْقَى على الْأَصْلِ وَالتَّرْجِيحُ عَمَلُ نَظَرٍ لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ دَلِيلًا وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ على وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالظَّنِّ الذي لَا يَسْتَقِلُّ كما انْعَقَدَ على الْمُسْتَقِلِّ الثَّالِثَةُ أَنَّ الْمَرْجُوحَ هل هو كَالْعَدَمِ شَرْعًا أَمْ نَجْعَلُ له أَثَرًا يَخْرُجُ من كَلَامِهِمْ فيه خِلَافٌ وَكَلَامُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ يَقْتَضِي الْأَوَّلَ وَكَلَامُ غَيْرِهِ يَقْتَضِي الثَّانِيَ وَادَّعَى الْإِبْيَارِيُّ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ وقال لو كان كَالْعَدَمِ لَمَا ضَعُفَ الظَّنُّ بِالرَّاجِحِ وَلِذَلِكَ لَا يَبْقَى الْإِنْسَانُ على ظَنِّهِ في الرَّاجِحِ بِمَثَابَةِ ما لو كان الرَّاجِحُ مُنْفَرِدًا بَلْ ظَنًّا بِالرَّاجِحِ إذَا لم يُعَارِضْ أَقْوَى من ظَنِّنَا بِهِ بَعْدَ الْمُعَارَضَةِ وَخَالَفَ ابن الْمُنِيرِ وَنَقَلَ الْإِجْمَاعَ على أَنَّ الْمَرْجُوحَ سَاقِطُ الِاعْتِبَارِ ثُمَّ لِلتَّرْجِيحِ شُرُوطٌ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ بَيِّنَ الْأَدِلَّةِ فَالدَّعَاوَى لَا يَدْخُلُهَا التَّرْجِيحُ وَانْبَنَى عليه أَنَّهُ لَا يَجْرِي في الْمَذَاهِبِ لِأَنَّهَا دَعَاوَى مَحْضَةٌ تَحْتَاجُ إلَى الدَّلِيلِ وَالتَّرْجِيحُ بَيَانُ اخْتِصَاصِ الدَّلِيلِ بِمَزِيدِ قُوَّةٍ فَلَيْسَ هو دَلِيلًا وَإِنَّمَا هو قُوَّةٌ في الدَّلِيلِ وَحَكَى عبد الْجَبَّارِ في الْعُمْدَةِ عن بَعْضِ أَصْحَابِهِمْ دُخُولَ التَّرْجِيحِ منها وَضَعُفَ بِأَنَّ التَّرْجِيحَ يَنْشَأُ من مُنْتَهَى الدَّلِيلِ فإذا لم يَكُنْ دَلِيلًا لم يَثْبُتْ التَّرْجِيحُ وَالْحَقُّ أَنَّ التَّرْجِيحَ يَدْخُلُ الْمَذَاهِبَ بِاعْتِبَارِ أُصُولِهَا وَنَوَادِرِهَا وَبَيَانِهَا فإن بَعْضَهَا قد يَكُونُ أَرْجَحَ من بَعْضٍ وَلِذَلِكَ جَرَى التَّرْجِيحُ في الْبَيِّنَاتِ وَأَمَّا إذَا تَعَارَضَ عِنْدَ عَامِّيٍّ قَوْلُ مُجْتَهِدَيْنِ وَقُلْنَا يَجِبُ تَقْلِيدُ الْأَعَمِّ فَلَيْسَ هو من بَابِ التَّرْجِيحِ الثَّانِي قَبُولُ الْأَدِلَّةِ التَّعَارُضَ في الظَّاهِرِ وَيُبْنَى عليه مَسَائِلُ أَحَدُهَا أَنَّهُ لَا مَجَالَ له في الْقَطْعِيَّاتِ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ عِبَارَةٌ عن تَقْوِيَةِ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ على الْآخَرِ كَيْ يَغْلِبَ على الظَّنِّ صِحَّتُهُ وَالْأَخْبَارُ الْمُتَوَاتِرَةُ مَقْطُوعٌ بها فَلَا يُفِيدُ التَّرْجِيحُ فيها شيئا وما يُوجَدُ من ذلك في كُتُبِ الْمُتَكَلِّمِينَ فَإِنَّمَا هو تَعَارُضٌ بين دَلِيلٍ وَشِبْهِهِ وَهَذَا وَإِنْ أَطْبَقُوا عليه لَكِنْ سَبَقَ أَنَّ التَّعَادُلَ بين الْقَطْعِيَّيْنِ مُمْكِنٌ في الْأَذْهَانِ فَهَلَّا قِيلَ يَتَطَرَّقُ التَّرْجِيحُ إلَيْهِ بِنَاءً على هذا التَّعَارُضِ كما في الْأَمَارَاتِ ثُمَّ رَأَيْت أَبَا الْحُسَيْنِ صَرَّحَ بِأَنَّ الْعِلَّةَ الْمَعْلُومَةَ تَقْبَلُ التَّرْجِيحَ وَلَا شَكَّ في جَرَيَانِ هذا النَّصِّ وَإِلَّا فَلَا فَرْقَ وَلَا بُعْدَ فيه فإن ما مُقَدَّمَاتُهُ أَعْلَى وَأَوْضَحُ رَاجِحًا على
  178. ما ليس كَذَلِكَ وَرَأَيْت الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ صَرَّحَ بِأَنَّهُ مَنَعَ ذلك بِنَاءً على أَنَّ الْعُلُومَ لَا تَتَفَاوَتُ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ خِلَافِيَّةٌ سَبَقَتْ أَوَّلَ الْكِتَابِ والثانية قِيلَ إنَّ الظَّنِّيَّاتِ لَا تَتَعَارَضُ وَالْمُرَادُ بِهِ اجْتِمَاعُ ظَنَّيْنِ بِحُكْمٍ وَاحِدٍ بِأَمَارَتَيْنِ وَسَيَأْتِي في أَوَّلِ تَرْجِيحِ الْأَقْيِسَةِ عن الْقَاضِي أَنَّهُ يَمْتَنِعُ التَّرْجِيحُ في الْأَقْيِسَةِ الْمَظْنُونَةِ وَتَأَوَّلْنَاهُ الثَّالِثَةُ لَا مَجَالَ له في الْعَقْلِيَّاتِ أَعْنِي التَّقْلِيدَ نَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عن إطْلَاقِ الْأَئِمَّةِ وَحَكَاهُ في الْمَنْخُولِ عن الْأُسْتَاذِ وقال هذا إشَارَةٌ منه إلَى أنها مَعَارِفُ وَلَا تَرْجِيحَ في الْمَعَارِفِ قال وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْعَقَائِدَ يُرَجَّحُ الْبَعْضُ بِالْبَعْضِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ عُلُومًا وَالثِّقَةُ بها مُخْتَلِفَةٌ وَفَصَّلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بين عَقَائِدِ الْعَامَّةِ وَغَيْرِهِمْ فَيَجُوزُ في عَقَائِدِ الْعَامَّةِ بِنَاءً على أَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ بِالِاعْتِقَادِ لَا بِالْعِلْمِ وقال الْأُرْمَوِيُّ الْحَقُّ أَنَّا إنْ جَوَّزْنَا لِلْعَوَامِّ التَّقْلِيدَ فيها لم يَمْتَنِعْ ذلك وقال ابن النَّفِيسِ في الْإِيضَاحِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمَنْعُ مُخْتَصًّا بِالْبُرْهَانِيَّةِ منها أَمَّا التي تَكُونُ فيها الْحُجَجُ الظَّنِّيَّةُ فَلَا مَانِعَ من دُخُولِهِ فيها وَكَذَا قال الْهِنْدِيُّ الْقَطْعِيُّ منها لَا يَقْبَلُ التَّرْجِيحَ لَكِنَّهُ ليس مَخْصُوصًا بِهِ بَلْ الْقَطْعِيَّاتُ الشَّرْعِيَّاتُ أَيْضًا لَا تَقْبَلُ التَّرْجِيحَ الثَّالِثُ أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ على التَّرْجِيحِ وَهَذَا على طَرِيقَةِ كَثِيرٍ من الْأُصُولِيِّينَ لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ يُخَالِفُونَهُمْ وَتَابَعَهُمْ في الْمَحْصُولِ وَشَرَطُوا أَنْ لَا يُمْكِنَ الْعَمَلُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَإِنْ أَمْكَنَ وَلَوْ من وَجْهٍ امْتَنَعَ بَلْ يُصَارُ إلَى ذلك لِأَنَّهُ أَوْلَى من إلْقَاءِ أَحَدِهِمَا وَالِاسْتِعْمَالُ أَوْلَى من التَّعْطِيلِ قال في الْمَحْصُولِ الْعَمَلُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا من وَجْهٍ أَوْلَى من الْعَمَلِ بِالرَّاجِحِ من كل وَجْهٍ وَتَرْكِ الْآخَرِ لِأَنَّ دَلَالَةَ الدَّلِيلِ على بَعْضِ مَدْلُولَاتِهِ تَابِعَةٌ لِدَلَالَتِهِ على كُلِّهَا لِأَنَّ دَلَالَةَ التَّضَمُّنِ تَابِعَةٌ لِدَلَالَةِ الْمُطَابَقَةِ وَتَرْكُ التَّبَعِ أَوْلَى من تَرْكِ الْأَصْلِ فإذا عَمِلْنَا بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا من وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَقَدْ تَرَكْنَا الْعَمَلَ بِالدَّلَالَةِ التَّضْمِينِيَّةِ وَإِنْ عَمِلْنَا بِأَحَدِهِمَا دُونَ الثَّانِي فَقَدْ تَرَكْنَا الْعَمَلَ بِالدَّلَالَةِ السَّمْعِيَّةِ إذَا عَلِمْت هذا فَالْعَمَلُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا من وَجْهٍ يَقَعُ على ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدِهَا تَوْزِيعُ مُتَعَلَّقِ الْحُكْمِ إنْ أَمْكَنَ كما تُقْسَمُ الدَّارُ الْمُدَّعَى مِلْكُهَا عِنْدَ
  179. تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ ثَانِيهَا يَنْزِلُ على الْأَحْكَامِ بَعْضُ كل وَاحِدٍ عِنْدَ التَّعَدُّدِ بِأَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُقْتَضِيًا أَحْكَامًا فَيَعْمَلُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا في بَعْضِهَا وَبِالْآخِرِ في الْبَعْضِ الْآخَرِ كَالنَّهْيِ عن الشُّرْبِ وَالْبَوْلِ قَائِمًا ثُمَّ فَعَلَهُ فإن فِعْلَهُ يَقْتَضِي عَدَمَ الْأَوْلَوِيَّةِ وَالْحَرَجِ وَنَهْيُهُ بِالْعَكْسِ فَيُحْمَلُ النَّهْيُ على عَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ وَالْفِعْلُ على رَفْعِ الْحَرَجِ وَبَيَانِ الْجَوَازِ وَكَنَهْيِهِ عن الِاغْتِسَالِ بِفَضْلِ وُضُوءِ الْمَرْأَةِ ثُمَّ فَعَلَهُ مع عَائِشَةَ ثَالِثِهَا التَّنْزِيلُ على بَعْضِ الْأَحْوَالِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ كَقَوْلِهِ أَلَا أُخْبِرُكُمْ عن خَيْرِ الشُّهُودِ أَنْ يَشْهَدَ الرَّجُلُ قبل أَنْ يَسْتَشْهِدَ وَقَوْلِهِ في حَدِيثٍ آخَرَ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حتى يَشْهَدَ الرَّجُلُ قبل أَنْ يَسْتَشْهِدَ فَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ على حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَالثَّانِي على حَقِّ الْآدَمِيِّينَ وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ أَطْبَقَ عليها الْفُقَهَاءُ أَعْنِي الْجَمْعَ الْمُسْتَقِلَّ بِنَفْسِهِ من غَيْرِ إقَامَةِ دَلِيلٍ وَعَزَوْا ذلك إلَى تَعَارُضِ الْقِرَاءَتَيْنِ كَقِرَاءَةِ أَرْجُلَكُمْ بِالنَّصْبِ وَالْخَفْضِ فَحَمَلُوا إحْدَاهُمَا على مَسْحِ الْخُفِّ وَالْأُخْرَى على غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ قَوْلَهُ يَطْهُرْنَ ويطهرن إحْدَاهُمَا على ما دُونَ الْعَشَرَةِ وَالْأُخْرَى على الْعَشَرَةِ وقد ذَكَرَ ذلك من أَصْحَابِنَا الْأُصُولِيِّينَ الشَّيْخُ في اللُّمَعِ فقال إذَا تَعَارَضَ عَامَّانِ فَإِنْ أَمْكَنَ اسْتِعْمَالُهُمَا في حَالَيْنِ اُسْتُعْمِلَا وَإِلَّا وَجَبَ التَّوَقُّفُ وَكَذَا قال سُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ إذَا وَرَدَ مِثْلُ اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ لَا تَقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّهُمَا يُسْتَعْمَلَانِ فَيُحْمَلُ كُلٌّ مِنْهُمَا على بَعْضِ ما تَنَاوَلَهُ وَيَخُصُّ في الثَّانِي وَقِيلَ يَتَوَقَّفُ فِيهِمَا وَأَمَّا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فَنَقَلَ ذلك عن الْفُقَهَاءِ وقال هو مَرْدُودٌ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ بَلْ لَا بُدَّ من دَلِيلٍ خَارِجٍ عن ذلك وَأَمَّا أَنْ يَجْعَلَ أَحَدَهُمَا دَلِيلًا في تَخْصِيصِ التَّالِي وَالثَّانِيَ في تَخْصِيصِ الْأَوَّلِ فَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ وَهَذَا تَابَعَ فيه الْقَاضِي ثُمَّ قال وَكَأَنَّ الْفُقَهَاءَ رَأَوْا تَصَرُّفًا في الظَّوَاهِرِ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا على تَعَارُضِهِمَا إلَّا أَنْ يَتَّجِهَ تَأْوِيلٌ وَيَنْتَصِبَ عليه دَلِيلٌ قال ابن الْمُنِيرِ وَكَأَنَّ الْإِمَامَ ظَنَّ أَنَّ الْفُقَهَاءَ يَتَحَكَّمُونَ بِتَعْيِينِ
  180. صُورَةٍ من صُورَةٍ حتى تَكُونَ هذه ثَابِتَةً وَهَذِهِ مُخْرَجَةً وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ صَنِيعُهُمْ رَاجِعٌ إلَى أَنَّ الْعَمَلَ مع الْإِمْكَانِ خَيْرٌ من التَّعْطِيلِ وَالْقَائِلُ بِالتَّعَارُضِ عَطَّلَهُمَا جميعا وَالْقَائِلُ بِتَخْصِيصِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِبَعْضِ صُوَرِهِ عَمِلَ بِهِمَا جميعا حَسَبَ إمْكَانِهِ ثُمَّ لهم في التَّعْيِينِ طَرِيقَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ صُوَرَ الْعَامِّ لَا بُدَّ أَنْ تَتَفَاوَتَ بِاعْتِبَارِ ثُبُوتِ ذلك الْحُكْمِ فَتَعْيِينُ الْفُقَهَاءِ أَوْلَى الصُّوَرِ بِالْحُكْمِ لِأَنَّهُمْ لو عَيَّنُوا الْقِسْمَ الْآخَرَ لَزِمَ عُمُومُ الْحُكْمِ ضَرُورَةَ أَنَّ ثُبُوتَهُ في الْأَدْنَى يَقْتَضِي ثُبُوتَهُ في الْأَعْلَى مِثَالُهُ إذَا قَابَلْنَا بين حديث أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ الناس حتى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مع قَوْلِهِ خُذْ من كل حَالِمٍ دِينَارًا كان الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ يَقْتَضِي أَنْ لَا تُقْبَلَ الْجِزْيَةُ من أَحَدٍ وَالثَّانِي يَقْتَضِي قَبُولَهَا من كل أَحَدٍ فإذا حَمَلْنَا كُلًّا مِنْهُمَا على بَعْضِ صُوَرِهِ نَظَرْنَا في صُوَرِ الْكُفَّارِ وَجَدْنَاهَا قِسْمَيْنِ كِتَابِيًّا وَغَيْرَ كِتَابِيٍّ فَعَيَّنَّا الْكِتَابِيَّ لِلْجِزْيَةِ وَغَيْرَهُ لِلسَّيْفِ وَلَيْسَ هذا احْتِكَامًا وَلَكِنْ لَمَّا لم يَكُنْ بُدٌّ من التَّخْصِيصِ وَجَدْنَا الْكِتَابِيَّ أَوْلَى بِالْقَبُولِ من غَيْرِهِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى أَنْ يُسْتَبْقَى إذْ له عَقِيدَةٌ ما وَلِهَذَا أَجَازَ الشَّرْعُ نِكَاحَ الْكِتَابِيَّاتِ دُونَ الْوَثَنِيَّاتِ وَلِهَذَا لَمَّا نَشِبَتْ الْحَرْبُ بين فَارِسَ وَالرُّومِ كان الْمُسْلِمُونَ يَتَمَنَّوْنَ نُصْرَةَ الرُّومِ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ وكان الْمُشْرِكُونَ يَتَمَنَّوْنَ نُصْرَةَ فَارِسٍ لِأَنَّهُمْ مِثْلُهُمْ بِلَا كِتَابٍ فَبِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ يُعَيِّنُ الْفُقَهَاءُ صُوَرَ الْإِثْبَاتِ من صُوَرِ الْإِخْرَاجِ لَا بِالِاحْتِكَامِ وَبِذَلِكَ يَزُولُ عَنْهُمْ أَلْسِنَةُ الطَّاعِنِينَ وَأَمَّا قَوْلُ الْإِبْيَارِيِّ تَخْصِيصُ الْعُمُومَيْنِ تَعْطِيلٌ لَهُمَا فَلَا يَصِحُّ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ في الْجَمْعِ عَمَلٌ بِهِمَا فَهَذَا يَنْتَقِضُ عليه بِمَا إذَا تَعَارَضَ عَامٌّ وَخَاصٌّ فإنه وَافَقَ على أَنَّ الْقَضَاءَ بِالْخَاصِّ على الْعَامِّ يَتَعَيَّنُ لِأَنَّهُ عَمَلٌ بِهِمَا قُلْت وَالتَّحْقِيقُ إنَّهُ إذَا لم نَجِدْ مُتَعَلِّقًا سِوَاهُمَا تَصَدَّى لنا الْإِلْغَاءُ وَالْجَمْعُ وَالْأَلْيَقُ بِالشَّرْعِ الْجَمْعُ وَإِنْ وَجَدْنَا مُتَعَلِّقًا سِوَاهُمَا فَالْمُتَعَلِّقُ هو الْمُتَّبَعُ وهو الظَّاهِرُ من تَصَرُّفِ الشَّافِعِيِّ فإنه حَمَلَ حَدِيثَ ابْنِ بُرَيْدَةَ على عُمُومِهِ في أَهْلِ الْكِتَابِ وَحَدِيثَ أبي هُرَيْرَةَ في أَهْلِ الْأَوْثَانِ فقال لَا يَقْضِي بِأَحَدِهِمَا على الْآخَرِ لِتَسَاوِيهِمَا في الْقَضَاءِ إلَّا أَنَّهُ
  181. ليس له أَنْ يَقُولَ حتى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أو يُعْطُوا إلَّا وَلِلْآخَرِ أَنْ يَقُولَ إنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَهُمْ إلَى إحْدَى خِلَالٍ إذَا كَانُوا من أَهْلِ الْكِتَابِ وَإِذْ تَعَارَضَا رَجَعْنَا إلَى دَلَالَةِ الْكِتَابِ فَقَدْ قال تَعَالَى وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ من الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حتى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ فَدَلَّ على أَنَّ من لم يَكُنْ من أَهْلِ الْكِتَابِ لَا تُؤْخَذُ منه الْجِزْيَةُ وَلِهَذَا امْتَنَعَ عُمَرُ من أَخْذِهَا من مَجُوسِ هَجَرَ وَمِثْلُهُ اخْتِلَافُ قَوْلَيْهِ في إتْمَامِ وُضُوءِ الْجَنَابَةِ لِأَجْلِ اخْتِلَافِ رِوَايَتَيْ عَائِشَةَ وَمَيْمُونَةَ ولم يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا كما فَعَلَ مَالِكٌ بَلْ رَجَّحَ حَدِيثَ عَائِشَةَ لِمُوَافَقَتِهِ تَشْرِيعَ الْعِبَادَةِ وَكَذَلِكَ فَعَلَ في الْقِرَاءَتَيْنِ فإنه اخْتَلَفَ قَوْلَاهُ في انْتِقَاضِ وُضُوءِ الْمَلْمُوسِ لِأَجْلِ تَعَارُضِ قِرَاءَةِ لَمَسْتُمْ ولامستم وَرَجَّحَ النَّقْضَ بِأَمْرٍ خَارِجِيٍّ تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ لَمَّا كَثُرَ على عَادَاتِ الْمُتَأَخِّرِينَ طَرِيقَةُ الْجَمْعِ وَتَقْدِيمُهَا على طَرِيقَةِ التَّرْجِيحِ أَخَذَهَا الشَّيْخُ في شَرْحِ الْإِلْمَامِ مُسَلَّمَةً وزاد فيها قَيْدًا فقال هو عِنْدِي فِيمَا إذَا كان التَّأْوِيلُ في طَرِيقَةِ الْجَمْعِ مَقْبُولًا عِنْدَ النَّفْسِ مُطْمَئِنَّةً بِهِ فَإِنْ لم يَكُنْ كَذَلِكَ فَالْأَشْبَهُ تَقْدِيمُ رُتْبَةِ التَّرْجِيحِ على رُتْبَةِ الْجَمْعِ فَيُنْظَرُ إلَى التَّرْجِيحِ بين الرُّوَاةِ بِحَسَبِ حَالِهِمْ في الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ لِأَنَّ الْأَصْلَ في التَّرْجِيحِ هو سُكُونُ النَّفْسِ وَسُكُونُهَا إلَى احْتِمَالِ الْغَلَطِ في بَعْضِهِمْ أَقْوَى من سُكُونِهَا إلَى التَّأْوِيلَاتِ الْمُسْتَبْعَدَةِ الْمُسْتَنْكَرَةِ عِنْدَهَا لَا سِيَّمَا مع من كانت رِوَايَتُهُ خَطَأً قال فَهَذَا هو الذي اسْتَقَرَّ عليه رَأْيِي وَنَظَرِي وَلَا أَقُولُ هذا في كل تَأْوِيلٍ ضَعِيفٍ مَرْجُوحٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى الظَّاهِرِ وَإِنَّمَا ذلك حَيْثُ يَشْتَدُّ اسْتِكْرَاهُهُ ذَكَرَ ذلك في اخْتِلَافِ الْأَحَادِيثِ في تَقْدِيرِ مَدَى حَوْضِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قال وَلَقَدْ سَمِعْت الشَّيْخَ أَبَا مُحَمَّدِ بن عبد السَّلَامِ يقول قَوْلًا أَوْجَبَتْهُ شَجَاعَةُ نَفْسِهِ لَا أَرَى ذِكْرَهُ وَإِنْ كان صَحِيحًا قُلْت وَذَلِكَ أَنَّ الشَّيْخَ سُئِلَ عن حديث أَنَسٍ الْمُخَرَّجِ في الصَّحِيحَيْنِ ما بين نَاحِيَتَيْهِ كما بين جَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ قال عبد اللَّهِ فَسَأَلْت عنهما فقال هُمَا قَرْيَتَانِ بِالشَّامِ بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ ثَلَاثِ لَيَالٍ فَأَجَابَ الشَّيْخُ الْمُرَادُ بِالنَّاحِيَتَيْنِ في حديث الْحَوْضِ الْمُقَدَّرُ بِمَا بين مَكَّةَ وَبُصْرَى نَاحِيَتَاهُ من الْعَرْضِ قُلْت
  182. وَهَذَا الْجَوَابُ ليس بِصَحِيحٍ كما زَعَمَهُ الشَّيْخُ لِلْأَحَادِيثِ الْمُصَرِّحَةِ بِالتَّسْوِيَةِ بين الْعَرْضِ وَالطُّولِ وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَرْضُهُ مِثْلُ طُولِهِ وفي الصَّحِيحَيْنِ رِوَايَاتٌ سَوَاءٌ أَيْ عَرْضُهُ وَطُولُهُ سَوَاءٌ الثَّانِي سَبَقَ أَنَّ طَرِيقَةَ التَّنْزِيلِ على حَالَتَيْنِ لَيْسَتْ على الْحُكْمِ فَعَلَى هذا إذَا تَعَارَضَ الْخَبَرَانِ وَأَمْكَنَ اسْتِعْمَالُهُمَا في مَوْضِعِ الْخِلَافِ فَهُوَ أَوْلَى من اسْتِعْمَالِهِمَا في غَيْرِ الْمُخْتَلَفِ فيه ذَكَرَهُ ابن الْقَطَّانِ قال وَهَذَا يَقُولُهُ أَصْحَابُنَا في قَوْلِهِ لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ على الصِّغَارِ وَالْمَجَانِينِ وَحَمَلُوا الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا من وَلِيِّهَا وَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ مع الثَّيِّبِ أَمْرٌ فَاسْتَعْمَلَهُ أَهْلُ الْعِرَاقِ في الْمَرْأَتَيْنِ وَحَمَلُوا قَوْلَهُ لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ على الصِّغَارِ وَالْمَجَانِينِ وَحَمَلُوا الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا على الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ قال أَصْحَابُنَا وَنَحْنُ نَسْتَعْمِلُهَا في الْمَوْضِعِ الْمُخْتَلَفِ فيه وَهِيَ الْبَالِغَةُ لِأَنَّا اسْتَفَدْنَا كَوْنَ الصِّغَارِ لَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِنَّ إلَّا الْوَلِيُّ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِ النِّكَاحِ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ فإذا صَحَّ هذا كان حَمْلُنَا أَوْلَى لِأَنَّهُ أَكْثَرُ فَائِدَةٍ الشَّرْطُ الرَّابِعُ أَنْ يَتَرَجَّحَ بِالْمَزِيَّةِ التي لَا تَسْتَقِلُّ وَهَلْ يَجُوزُ التَّرْجِيحُ بِالدَّلِيلِ الْمُسْتَقِلِّ فيه قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا نعم كَالْمَزِيَّةِ بَلْ أَوْلَى فإن الْمُسْتَقِلَّ أَقْوَى من غَيْرِ الْمُسْتَقِلِّ والثاني
  183. وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَعَزَاهُ إلَى الْأَكْثَرِينَ الْمَنْعُ لِأَنَّ الرُّجْحَانَ وَصْفٌ لِلدَّلِيلِ وَالْمُسْتَقِلُّ ليس وَصْفًا له وَلِأَنَّهُ إنْ كان دُونَهُ فَهُوَ بَاطِلٌ لَا تَرْجِيحَ فيه وَإِنْ كان فَوْقَهُ فَهُوَ مُسْتَمْسِكٌ بِهِ لَا بِطَرِيقِ التَّرْجِيحِ وَإِنْ كان مثله رَجَعَ الْبَحْثُ إلَى التَّرْجِيحِ بِالْعَدَدِ وَلِأَنَّ الْأَدِلَّةَ إذَا تَمَاثَلَتْ سَقَطَ الزَّائِدُ لِأَنَّ أَثَرَهُ مِثْلُ الْأَوَّلِ وَإِلَّا يَلْزَمُ اجْتِمَاعُ الْمِثْلَيْنِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَزِيَّةِ أَنَّ الْفَضْلَةَ مُسْتَغْنًى عنها لَا اتِّصَالَ لها بِالدَّلِيلِ بِخِلَافِ الدَّلِيلِ فإنه لَا يُمْكِنُ الِاسْتِغْنَاءُ عنه وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ بِنَاءً على رُجُوعِهِ إلَى أَوْصَافٍ لَا إلَى ذَوَاتٍ وهو كَثْرَةُ النَّظَائِرِ وَكَثْرَتُهَا وَصْفٌ في الدَّلِيلِ وَلِأَنَّ الْمِزْيَةَ أَيْضًا مُسْتَغْنًى عنها وَلِهَذَا لو فَرَضْنَا خُلُوَّ الدَّلِيلِ منها لَاسْتَقَلَّ وَقَوْلُ النَّافِي يَلْزَمُ اجْتِمَاعُ الْمِثْلَيْنِ مَمْنُوعٌ بَلْ التَّقْوِيَةُ تَرْجِعُ إلَى التَّرْجِيحِ بِأَوْصَافٍ لَا بِذَوَاتٍ وهو كَثْرَةُ النَّظَائِرِ فإن ذلك وَصْفٌ في الدَّلِيلِ وَكَأَنَّا رَجَّحْنَا بِالتَّأْكِيدِ لَا بِالتَّأْسِيسِ لِأَنَّ التَّأْكِيدَ يُبْعِدُ احْتِمَالَ الْمَجَازِ وَفَصَّلَ صَاحِبُ الْمُقْتَرَحِ فقال إنْ كان الدَّلِيلُ الْمُسْتَقِلُّ مُغْنِيًا عن الْأَوَّلِ لم يَصِحَّ التَّرْجِيحُ بِهِ لِأَنَّهُ تَطْوِيلٌ بِلَا فَائِدَةٍ وَإِنْ لم يَكُنْ مُغْنِيًا عنه صَحَّ التَّرْجِيحُ بِهِ لِأَنَّهُ مَانِعٌ منه وَمَثَّلَ الْأَوَّلَ بِمَا إذَا تَمَسَّكَ بِقِيَاسٍ فَعُورِضَ بِقِيَاسٍ فَرَجَحَ قِيَاسُهُ بِالنَّصِّ فَهَذَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّ النَّصَّ الذي رَجَحَ بِهِ يُغْنِي عن الْقِيَاسِ فإن ذِكْرَ الْقِيَاسِ تَطْوِيلٌ بِلَا فَائِدَةٍ وَمَثَّلَ الثَّانِيَ بِمَا إذَا تَمَسَّكَ بِنَصٍّ وَهَذَا التَّفْصِيلُ لَا يَرْجِعُ إلَى أَمْرٍ أُصُولِيٍّ بَلْ إلَى أَمْرٍ جَدَلِيٍّ اصْطِلَاحِيٍّ وَانْبَنَى على هذا الْخِلَافِ في هذا الْأَصْلِ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ منها أَنَّهُ يَجُوزُ التَّرْجِيحُ بِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ لِأَنَّ الظَّنَّيْنِ أَقْوَى من الظَّنِّ الْوَاحِدِ فَيُعْمَلُ بِالْأَقْوَى ومنها تَرْجِيحُ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ على الْآخَرِ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّ الْعَدَدَ إذَا كَثُرَ قَرُبَ من التَّوَاتُرِ فَالْتَحَقَ بِتَقْدِيمِ الْمُتَوَاتِرِ على الْآحَادِ وَالْخِلَافُ في هذا أَضْعَفُ وَلِهَذَا وَافَقَ هُنَا من خَالَفَ وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عن بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ الْمَنْعَ كَالشَّهَادَةِ وقال الذي ذَهَبَ إلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ التَّرْجِيحُ بِهِ لِأَنَّهُ يُورِثُ مَزِيدًا في غَلَبَةِ الظَّنِّ وَسَيَأْتِي فيه مَزِيدُ كَلَامٍ ومنها أَنَّهُ انْضَمَّ إلَى أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ قِيَاسٌ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فَاَلَّذِي ارْتَضَاهُ الشَّافِعِيُّ تَقْدِيمُ الحديث الْمُوَافِقِ لِلْقِيَاسِ وقال الْقَاضِي لَا مُرَجِّحَ بِهِ لِأَنَّهُ ظَنٌّ مُسْتَقِلٌّ فَتَسَاقَطَا وَيَرْجِعُ إلَى الْقِيَاسِ فَالْمَسْلَكَانِ يُفْضِيَانِ إلَى حُكْمِ الْقِيَاسِ وَلَكِنَّ الشَّافِعِيَّ يَرَى تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالْخَبَرِ الرَّاجِحِ بِمُوَافَقَةِ الْقِيَاسِ فَالْقَاضِي يَعْمَلُ بِالْقِيَاسِ وَيَسْقُطُ
  184. الْخَبَرُ فَإِنْ قُلْت فَالْخِلَافُ لَفْظِيٌّ قُلْت بَلْ يَرْجِعُ إلَى أَنَّ الْمَسْأَلَةَ تَوْقِيفِيَّةٌ أو قِيَاسِيَّةٌ وَيَظْهَرُ أَثَرُ ذلك فِيمَا لو حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ يَنْقُضُ وَالصُّورَةُ أَنَّهُ غَيْرُ جَلِيٍّ وفي الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبٌ ثَالِثٌ حَكَاهُ أبو الْعِزِّ في شَرْحِ الْمُقْتَرَحِ التَّفْصِيلُ بين ما يَظْهَرُ من قَصْدِ الشَّارِعِ إرَادَةَ الْمُجْمَلِ الظَّاهِرِ فَلَا يَصِحُّ عَضُدُهُ بِقِيَاسٍ وَإِنْ لم يَظْهَرْ قَصْدُهُ لِذَلِكَ فَيَصِحُّ تَفْرِقَةً بين تَأْيِيدِهِ ظُهُورَ اللَّفْظِ في الْمَعْنَى لِظُهُورِ الْقَصْدِ وَبَيْنَ ما لم يَتَأَيَّدْ بِذَلِكَ وقال إلْكِيَا إنْ كان مع أَحَدِهِمَا قِيَاسٌ وفي الْجَانِبِ الْآخَرِ مَزِيدُ وُضُوحٍ كَزِيَادَةِ الرُّوَاةِ وَالْعَدَالَةِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُعْمَلَ بِالْقِيَاسِ لِاسْتِقْلَالِهِ وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ من جِهَةِ أَنَّ الْقِيَاسَ حُجَّةٌ ضَرُورَةً عِنْدَ فَقْدِ النَّصِّ وَدَلَالَةُ النَّصِّ ثَابِتَةٌ في أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهَا ضَعُفَتْ بِالتَّعَارُضِ وَالْقِيَاسُ مُسْتَقِلٌّ فَيَتَعَارَضُ النَّظَرَانِ قال وَالْأَشْبَهُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ تَقْدِيمُ الْخَبَرِ الرَّاجِحِ ثُمَّ حَكَى قَوْلًا أَنَّهُ كَالْحُكْمِ قبل وُرُودِ الشَّرِيعَةِ فَيَجِيءُ فيه الْخِلَافُ الْمَشْهُورُ ومنها أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ أَقْرَبَ إلَى الْقَوَاعِدِ وَالْفَرْقُ بين هذا وَاَلَّذِي قَبْلَهُ أَنَّ في هذا له مُخَالَفَةَ الْقِيَاسِ فإذا ثَبَتَ أَنَّ مُخَالِفَ الْقِيَاسِ يُرَجَّحُ فَكُلَّمَا كان أَقَلَّ مُخَالَفَةً كان أَكْثَرَ قُرْبًا فَكَانَ أَرْجَحَ فَإِنَّا لو أَرَدْنَا أَنْ نُثْبِتَ الْقِيَاسَ على وَفْقِ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ لَعَجَزْنَا وَلَا يَجِيءُ هُنَا خِلَافُ الْقَاضِي بِالتَّسَاقُطِ إذْ لو أَسْقَطْنَاهَا لم نَقْدِرْ على إثْبَاتِ هَيْئَةِ الْقِيَاسِ فَتَعَيَّنَ الْعَمَلُ بِأَحَدِهِمَا بِمُرَجِّحِ الْقُرْبِ مَسْأَلَةٌ قال ابن كَجٍّ يَقَعُ التَّرْجِيحُ بِوُجُوهٍ ذَكَرَهَا الشَّافِعِيُّ أَحَدِهَا بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ على اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ ثَانِيهَا بِالنَّقْلِ فإنه يَكُونُ أَحَدُهُمَا مُوَافِقًا لِمَا قبل الشَّرْعِ وَالْآخَرُ نَاقِلًا فَيُقَدَّمُ لِأَنَّ معه زِيَادَةً كما لو شَهِدَا بِأَنَّ هذه الدَّارَ لِزَيْدٍ خَلَفَهَا لِوَرَثَتِهِ وَشَهِدَ آخَرَانِ بِأَنَّهُ بَاعَهَا من عَمْرٍو تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْبَيْعِ لِأَنَّ أُولَئِكَ بَنَوْا على الْحَالِ الْأَوَّلِ ثَالِثِهَا أَنْ يَتَقَدَّمَ أَحَدُهُمَا فَالْمُتَأَخِّرُ أَوْلَى لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ كنا نَأْخُذُ بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ رَابِعِهَا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَشْبَهَ بِاسْتِعْمَالِ الصَّحَابَةِ
  185. خَامِسِهَا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَشْبَهَ بِاسْتِعْمَالِ الْفُقَهَاءِ سَادِسِهَا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَشْبَهَ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ لِأَنَّ السُّنَنَ أَكْثَرُهَا لها أَصْلٌ في الْكِتَابِ إمَّا نَصًّا أو اسْتِدْلَالًا سَابِعِهَا أَنْ يَكُونَ أَشْبَهَ بِالْقِيَاسِ وَهَذَا كُلُّهُ سَيَأْتِي مُفَصَّلًا وَلَكِنْ أَحْبَبْت مَعْرِفَتَهُ من كَلَامِ الشَّافِعِيِّ مَجْمُوعًا قال ابن كَجٍّ وإذا اجْتَمَعَ مُرَجَّحَاتٌ في خَبَرٍ وَاثْنَانِ في خَبَرٍ فَاَلَّذِي اجْتَمَعَ فيه الثَّلَاثَةُ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مَسْأَلَةٌ إذَا تَعَارَضَ نَصَّانِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَا عَامَّيْنِ أو خَاصَّيْنِ أو أَحَدُهُمَا عَامًّا وَالْآخَرُ خَاصًّا أو كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَامًّا من وَجْهٍ خَاصًّا من وَجْهٍ آخَرَ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ وَكُلُّ وَاحِدٍ من هذه الْأَنْوَاعِ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ لِأَنَّهُمَا إمَّا أَنْ يَكُونَا مَعْلُومَيْنِ أو مَظْنُونَيْنِ أو أَحَدُهُمَا مَعْلُومًا وَالْآخَرُ مَظْنُونًا فَحَصَلَ اثْنَا عَشَرَ وَكُلٌّ منها إمَّا أَنْ يُعْلَمَ تَقَدُّمُهُ أو تَأَخُّرُهُ أو يُجْهَلَ فَتَصِيرُ الْقِسْمَةُ من سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ أَمَّا النَّوْعُ الْأَوَّلُ فَهُوَ أَنْ يَكُونَا مَعْلُومَيْنِ وَيَقَعُ على ثَلَاثِهِ أَضْرُبٍ الضَّرْبُ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَا مَعْلُومَيْنِ وَعُلِمَ التَّارِيخُ فَالْمُتَأَخِّرُ نَاسِخٌ لِلْمُتَقَدِّمِ سَوَاءٌ كَانَا آيَتَيْنِ أو خَبَرَيْنِ أو أَحَدُهُمَا آيَةً وَالْآخَرُ خَبَرًا عِنْدَ من يُجَوِّزُ النَّسْخَ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ أَمَّا من يَمْنَعُهُ فَيَمْنَعُ الْفَسْخَ في هذا الْأَخِيرِ قَالَهُ الْهِنْدِيُّ وقال الْأُرْمَوِيُّ الشَّافِعِيُّ وَإِنْ لم نَقُلْ بِوُقُوعِ نَسْخِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ بِالْكِتَابِ وَلَا بِالْعَكْسِ وَلَكِنَّهُ إذَا تَعَارَضَا وَأَحَدُهُمَا مُتَقَدِّمٌ تَعَيَّنَ الْمُتَأَخِّرُ وَهَذَا إذَا كان حُكْمُ الْمُتَقَدِّمِ قَابِلًا لِلنَّسْخِ وَإِلَّا كَصِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى قال الْإِمَامُ فَيَتَسَاقَطَانِ وَيَجِبُ الرُّجُوعُ إلَى دَلِيلٍ وَاعْتَرَضَ عليه النقشواني فإن الْمَدْلُولَ إذَا لم يَقْبَلْ النَّسْخَ يَمْتَنِعُ الْعَمَلُ بِالْمُتَأَخِّرِ فَلَا يُعَارِضُ الْمُتَقَدِّمَ بَلْ يَجِبُ إعْمَالُ الْمُتَقَدِّمِ كما كان قبل وُرُودِ الْمُتَأَخِّرِ قُلْت وَهَذَا إذَا كان نَقْلُ التَّارِيخِ مُتَوَاتِرًا أَيْضًا فَإِنْ كان النَّصَّانِ مُتَوَاتِرَيْنِ وَالنَّسْخُ آحَادًا فَيُتَّجَهُ فيه طَرِيقَتَانِ
  186. إحْدَاهُمَا إجْرَاءُ خِلَافٍ مَبْنِيٍّ على النَّسْخِ بِالْآحَادِ فَإِنْ جَوَّزْنَاهُ نَسَخْنَا بِمَا دَلَّتْ الْآحَادُ على أَنَّهُ مُتَقَدِّمٌ وَعَمِلْنَا بِالْمُتَأَخِّرِ وَإِنْ مَنَعْنَاهُ حَكَمْنَا بِتَعَارُضِ الظَّنَّيْنِ وَرَجَعْنَا إلَى الْأَصْلِ أو التَّخْيِيرِ والثانية الْقَطْعُ بِقَبُولِ الْآحَادِ في تَارِيخِ الْمُتَوَاتِرِ وَهِيَ الصَّحِيحَةُ لِأَنَّ انْسِحَابَ الْعَمَلِ بِالْمُتَوَاتِرِ في سَائِرِ الْأَزْمِنَةِ مَظْنُونٌ فما رَفَضْنَا إلَّا مَظْنُونًا بِمَظْنُونٍ وَأَمَّا عَكْسُ هذه الصُّورَةِ أَنْ يُفْرَضَ التَّارِيخُ مُتَوَاتِرًا أو الْمَتْنُ آحَادًا فَهَذَا غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ هذا كُلُّهُ إذَا عُلِمَ الْمُتَقَدِّمُ فَإِنْ عُلِمَ مُقَارَنَتُهُمَا فَإِنْ أَمْكَنَ التَّخْيِيرُ بَيْنَهُمَا تَعَيَّنَ الْقَوْلُ بِهِ فإنه إذَا تَعَذَّرَ الْجَمْعُ لم يَبْقَ إلَّا التَّخْيِيرُ وَإِنْ جُهِلَ التَّارِيخُ تَسَاقَطَا وَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَى غَيْرِهِمَا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هو الْمُتَأَخِّرُ فَيَكُونُ نَاسِخًا إذْ التَّقَدُّمُ يَكُونُ مَنْسُوخًا هَكَذَا أَطْلَقُوهُ وَهَذَا إذَا لم يُمْكِنْ تَطَرُّقُ النَّسْخِ إلَى أَحَدِهِمَا فَإِنْ أَمْكَنَ فَالشَّافِعِيُّ يُرَجِّحُ ما لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ ذلك وَرَآهُ أَوْلَى من الْحُكْمِ بِتَسَاقُطِهِمَا حَكَاهُ عنه الْإِمَامُ في الْبُرْهَانِ وَذَكَرَ له مِثَالَيْنِ تَخْرُجُ مِنْهُمَا صُورَتَانِ إحْدَاهُمَا إذَا أَرَّخَ أَحَدُهُمَا وَسَكَتَ الْآخَرُ عن التَّارِيخِ كَحَدِيثِ إذَا صلى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ مع جُلُوسِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم في مَرَضِ وَفَاتِهِ وَالْمُقْتَدُونَ بِهِ قِيَامٌ وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ مُطْلَقٌ فَغَلَبَ على الظَّنِّ أَنَّهُ كان قَالَهُ في صِحَّتِهِ والثانية أَنْ يَكُونَ إسْلَامُ رَاوِي أَحَدِهِمَا مُتَأَخِّرًا عن إسْلَامِ الْآخَرِ كَحَدِيثِ قَيْسِ بن طَلْقٍ في عَدَمِ نَقْضِ الْوُضُوءِ بِمَسِّ الذَّكَرِ وهو مُتَقَدِّمُ الْإِسْلَامِ
  187. مع حديث أبي هُرَيْرَةَ بِالنَّقْضِ وهو مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ فَيَتَطَرَّقُ النَّسْخُ إلَى حديث قَيْسٍ ثُمَّ حَكَى الْإِمَامُ عن قَوْمٍ بَقَاءَ التَّعَارُضِ إذْ لَا يُصَارُ إلَى الْفَسْخِ بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ ثُمَّ تَوَسَّطَ فقال إنْ عَدِمَ الْمُجْتَهِدُ مُتَعَلَّقًا سِوَاهُ فَكَقَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ أَوْلَى من تَعْطِيلِ الْحُكْمِ وَتَعْرِيَةِ الْحَادِثِ عن مُوجِبِ الشَّرْعِ وَإِنْ وَجَدَ غَيْرَهَا وَوَجَدَ الْقِيَاسَ مُضْطَرِبًا عَدَلَ عنهما وَتَمَسَّكَ بِالْقِيَاسِ ثُمَّ الْخَبَرُ الذي بَعْدَ ظَنِّ النَّسْخِ يُسْتَعْمَلُ مُرَجِّحًا لِأَحَدِ الْقِيَاسَيْنِ على الْآخَرِ وَهَذَا التَّفْصِيلُ يَفْرِضُ الْمَسْأَلَةَ في قِيَاسَيْنِ تَعَارَضَا أو خَبَرَيْنِ كَذَلِكَ وهو مُخَالِفٌ لِتَصْوِيرِهِ السَّابِقِ في تَعَارُضِ خَبَرَيْنِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ وُجِدَ الْقِيَاسُ مع كُلٍّ مِنْهُمَا أو مع أَحَدِهِمَا أو لم يُوجَدْ أَلْبَتَّةَ وَأَوْرَدَ الْإِبْيَارِيُّ على تَفْصِيلِهِ أَنَّهُ هَلَّا عَمِلَ بِالْخَبَرِ الرَّاجِحِ وَجَعَلَ الْقِيَاسَ الْمُوَافِقَ له مُرَجِّحًا وَأَجَابَ ابن الْمُنِيرِ بِأَنَّهُ لَمَّا لم يَجِدْ في التَّوْقِيفِ مُسْتَنَدًا اسْتَأْنَفَ الظَّنَّ في الْأَقْيِسَةِ فَوَجَدَهَا أَيْضًا مُتَعَارِضَةً وَلَكِنْ وَجَدَ أَحَدَ قِيَاسَيْهِ على وَفْقِ الْخَبَرِ الرَّاجِحِ فَجَعَلَ الْقِيَاسَ مُسْتَنَدًا لِأَنَّهُ لو جَعَلَ الْخَبَرَ الرَّاجِحَ مُسْتَنَدًا بَعْدَ أَنْ سَبَقَ منه إلْغَاءُ كَوْنِهِ مُسْتَنَدًا لَكَانَ نَقْضًا لِحُكْمٍ ثَبَتَ وَحَاصِلُ الْخِلَافِ يَرْجِعُ إلَى أَنَّ الْمَسْأَلَةَ تَوْقِيفِيَّةٌ أو قِيَاسِيَّةٌ وَيَظْهَرُ أَثَرُهُ في نَقْضِ حُكْمِ الْحَاكِمِ وَنَقَلَ ابن الْمُنِيرِ في الصُّورَةِ الْأُولَى أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ يُقَدَّمُ الْمُؤَرَّخُ على الْمُهْمَلِ لِأَنَّ الْمُؤَرَّخَ يَقْطَعُ بِهِ في وَقْتٍ مُعَيَّنٍ بِخِلَافِ الْمُهْمَلِ فإنه ما من وَقْتٍ إلَّا وَيُحْتَمَلُ فيه الثُّبُوتُ وَالْعَدَمُ فَيُقَدَّمُ الْمَقْطُوعُ بِهِ في تَارِيخٍ مُعَيَّنٍ لِأَنَّ الْمُبَيَّنُ مُقَدَّمٌ على الْمُجْمَلِ فَالتَّرْجِيحُ في هذه الصُّورَةِ مَبْنِيٌّ على الْمُقَابَلَةِ بين الْبَيَانِ وَالْإِجْمَالِ وَالتَّرْجِيحُ في الثَّانِيَةِ مَبْنِيٌّ على الْمُقَابَلَةِ بين الْإِجْمَالِ الْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ وَهَذَا يَرُدُّ إيرَادَ الْإِبْيَارِيّ على الْمَنْقُولِ عن الشَّافِعِيِّ احْتِمَالَ أَنَّ مُتَأَخِّرَ الْإِسْلَامِ تَحَمَّلَ في حَالِ الْكِبَرِ وَجَوَابُهُ أَنَّ التَّحَمُّلَ في حَالِ الْإِسْلَامِ أَغْلَبُ وَقَبْلَ الْإِسْلَامِ أَنْدَرُ فَيُقَدَّمُ الْغَالِبُ على النَّادِرِ وَلَيْسَ كُلُّ احْتِمَالٍ وَاقِعًا فَتَأَمَّلْ هذا الْفَصْلَ فإن مَعْرِفَتَهُ من غَايَاتِ الْآمَالِ الضَّرْبُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَا مَظْنُونَيْنِ فَإِنْ عُلِمَ تَقَدُّمُ أَحَدِهِمَا على الْآخَرِ نَسَخَ الْمُتَأَخِّرُ الْمُتَقَدِّمَ وَإِلَّا وَجَبَ التَّرْجِيحُ فَيُعْمَلُ بِالْأَقْوَى الضَّرْبُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مَعْلُومًا وَالْآخَرُ مَظْنُونًا فَإِنْ عُلِمَ تَقَدُّمُ أَحَدِهِمَا وكان هو الْمَظْنُونُ كان
  188. الْمَعْلُومُ الْمُتَأَخِّرُ نَاسِخًا وَإِنْ كان الْمَعْلُومُ مُتَقَدِّمًا ما لم يَنْسَخْهُ الْمَظْنُونُ فَنَعْمَلُ بِالْمَعْلُومِ وَإِنْ جُهِلَ عُمِلَ بِالْمَعْلُومِ سَوَاءٌ عُلِمَتْ الْمُقَارَنَةُ أو لَا النَّوْعُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَا خَاصَّيْنِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَا مَعْلُومَيْنِ أو مَظْنُونَيْنِ أو أَحَدُهُمَا مَعْلُومًا وَالْآخَرُ مَظْنُونًا وَالْحُكْمُ فيها ما تَقَدَّمَ في النَّوْعِ الْأَوَّلِ قال سُلَيْمٌ إنْ تَعَارَضَ نَصَّانِ فَإِنْ كَانَا من أَخْبَارِ الْآحَادِ وَعُلِمَ تَقَدُّمُ أَحَدِهِمَا نَسَخَهُ الْمُتَأَخِّرُ وَإِلَّا قُدِّمَ أَحَدُهُمَا على الْآخَرِ بِضَرْبٍ من التَّرْجِيحِ وَإِنْ كَانَا قَطْعِيَّيْنِ كَالْآيَتَيْنِ وَالْخَبَرَيْنِ الْمُتَوَاتِرَيْنِ وَعُلِمَ تَقَدُّمُ أَحَدِهِمَا نَسَخَهُ الْمُتَأَخِّرُ وَإِنْ لم يُعْلَمْ تَوَقَّفَ فِيهِمَا ولم يُقَدَّمْ أَحَدُهُمَا على الْآخَرِ بِتَرْجِيحٍ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ طَرِيقَةُ غَلَبَةِ الظَّنِّ فَلَا يَدْخُلُ في تَقْوِيَةِ ما طَرِيقُهُ الْقَطْعُ النَّوْعُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا عَامًّا وَالْآخَرُ خَاصًّا كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حتى يُؤْمِنَّ مع قَوْلِهِ وَالْمُحْصَنَاتُ من الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ من قَبْلِكُمْ فَفِيهِ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ فَإِنْ كَانَا مَعْلُومَيْنِ فَإِنْ عُلِمَ تَقَدُّمُ الْعَامِّ وَتَأَخُّرُ الْخَاصِّ فَأَطْلَقَ في الْمَحْصُولِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْخَاصَّ يَكُونُ نَاسِخًا أَيْ الْعَامَّ في ذلك الْفَرْدِ الذي تَنَاوَلَهُ الْخَاصُّ وَهَذَا حَكَاهُ الشَّيْخُ في اللُّمَعِ عن بَعْضِ الْأَصْحَابِ وقال إنَّهُ بِنَاءً على أَنَّ تَأَخُّرَ الْبَيَانِ عن وَقْتِ الْخِطَابِ لَا يَجُوزُ وهو قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ قال وَالْمَذْهَبُ أَنْ يَقْضِيَ بِالْخَاصِّ على الْعَامِّ مُطْلَقًا وَقِيلَ يَتَعَارَضَانِ وهو قَوْلُ الْقَاضِي وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ إنْ كان الْخَاصُّ مُخْتَلَفًا فيه وَالْعَامُّ مُجْمَعًا عليه لم يَقْضِ بِهِ على الْعَامِّ وَإِنْ كان مُتَّفَقًا عليه قَضَى بِهِ على الْعَامِّ وقال الْهِنْدِيُّ ما قال في الْمَحْصُولِ مَوْضِعُهُ إذَا وَرَدَ بَعْدَ مَظْنُونٍ وَقْتَ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ فَإِنْ وَرَدَ قبل حُضُورِ وَقْتِهِ كان الْخَاصُّ الْمُتَأَخِّرُ مُخَصِّصًا لِلْعَامِّ الْمُتَقَدِّمِ وَأَمَّا من لَا يُجَوِّزُ تَأْخِيرَ بَيَانِ التَّخْصِيصِ عن وَقْتِ الْخِطَابِ فَعِنْدَهُ في الصُّورَتَيْنِ يَكُونُ الْخَاصُّ خَاصًّا وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ إطْلَاقُ الْمَحْصُولِ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ سُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ وَإِنْ عُلِمَ تَقَدُّمُ الْخَاصِّ فَعِنْدَنَا يُبْنَى الْعَامُّ على الْخَاصِّ وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَنْسَخُهُ وَإِنْ عُلِمَ مُقَارَنَتُهُمَا فَيَكُونُ الْخَاصُّ مُخَصِّصًا لِلْعَامِّ وَإِنْ جُهِلَ يُبْنَى الْعَامُّ على الْخَاصِّ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ يَتَوَقَّفُ فيه وقال سُلَيْمٌ الْحُكْمُ في الْمَسْأَلَتَيْنِ أَعْنِي الْمُقَارَنَةَ وَجَهْلَ التَّارِيخِ أَنْ يُبْنَى الْعَامُّ على الْخَاصِّ وقال عِيسَى بن أَبَانَ وَالْكَرْخِيُّ إنْ عُلِمَ لِلصَّحَابَةِ فيه اسْتِعْمَالٌ عُمِلَ بِهِ وَإِلَّا وَجَبَ
  189. التَّوَقُّفُ وَإِنْ كَانَا مَظْنُونَيْنِ فَالْحُكْمُ فيه كما كَانَا مَعْلُومَيْنِ إنْ كان أَحَدُهُمَا مَعْلُومًا وَالْآخَرُ مَظْنُونًا قال الْإِمَامُ فَهَاهُنَا اتَّفَقُوا على تَقْدِيمِ الْمَعْلُومِ على الْمَظْنُونِ إلَّا إذَا كان الْمَعْلُومُ عَامًّا وَالْمَظْنُونُ خَاصًّا وَوَرَدَا مَعًا وَذَلِكَ مِثْلُ تَخْصِيصِ الْكِتَابِ وَالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ قال الْهِنْدِيُّ وهو غَيْرُ مَرْضِيٍّ لِإِشْعَارِهِ بِأَنَّ ذلك يَخْتَصُّ بِحَالَةِ وُرُودِهِمَا مَعًا لَكِنَّهُ ليس كَذَلِكَ لِأَمْرَيْنِ أَحَدِهِمَا لو تَأَخَّرَ الْخَاصُّ الْمَظْنُونُ عن الْعَامِّ الْمَعْلُومِ وكان قبل حُضُورِ وَقْتِ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ الْمَعْلُومِ كان أَيْضًا مُخَصِّصًا وكان اخْتِلَافُ الناس فيه كما في الْمُتَقَارِنَيْنِ نعم يَسْتَقِيمُ ذلك على مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ وثانيهما لو تَقَدَّمَ الْخَاصُّ الْمَظْنُونُ على الْعَامِّ الْمَعْلُومِ فإنه يُبْنَى الْعَامُّ عليه عِنْدَنَا وهو تَقْدِيمُ الْخَاصِّ الْمَظْنُونِ على الْعَامِّ الْمَعْلُومِ مع أَنَّهُمَا لم يَرِدَا مَعًا وَحِينَئِذٍ فَالْحُكْمُ في هذا تَقْدِيمُ الْمَعْلُومِ على الْمَظْنُونِ إلَّا في هذه الصُّوَرِ الثَّلَاثِ الصُّورَةِ التي ذَكَرَهَا الْإِمَامُ وَالصُّورَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا النَّوْعُ الرَّابِعُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَامًّا من وَجْهٍ خَاصًّا من وَجْهٍ فَيُمْكِنُ أَنْ يَخُصَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عُمُومَ الْآخَرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَأَنْ تَجْمَعُوا بين الْأُخْتَيْنِ مع قَوْلِهِ أو ما مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فإن الْأُولَى خَاصَّةٌ في الْأُخْتَيْنِ عَامَّةٌ في الْجَمْعِ في مِلْكِ الْيَمِينِ وَالثَّانِيَةَ عَامَّةٌ في الْأُخْتَيْنِ وَغَيْرِهِمَا خَاصَّةٌ في مِلْكِ الْيَمِينِ وَكَقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ من نَامَ عن صَلَاةٍ أو نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا مع نَهْيِهِ عن الصَّلَاةِ في الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ فإن الْأَوَّلَ خَاصٌّ في وَقْتِ الْقَضَاءِ عَامٌّ في الْأَوْقَاتِ وَالثَّانِيَ عَامٌّ في الصَّلَاةِ خَاصٌّ في الْأَوْقَاتِ فَفِيهِ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ أَيْضًا فَإِنْ كَانَا مَعْلُومَيْنِ وَعُلِمَ الْمُتَقَدِّمُ فَالْمُتَأَخِّرُ نَاسِخٌ عِنْدَ من يقول إنَّ الْعَامَّ الْمُتَأَخِّرَ يَنْسَخُ الْخَاصَّ الْمُتَقَدِّمَ بَلْ هُنَا أَوْلَى لِأَنَّهُ لم يَخْلُصْ خُصُوصُ الْأَوَّلِ وَأَمَّا عِنْدَ من لَا يقول بِهِ فَاللَّائِقُ بِمَذْهَبِهِ أَنْ لَا يَقُولَ بِالنَّسْخِ هُنَا كما في الْأَوَّلِ من جِهَةِ الْخُصُوصِ وفي
  190. الثَّانِي من جِهَةِ الْعُمُومِ بَلْ يَذْهَبُ في التَّرْجِيحِ وَإِنْ لم يَعْلَمْ ذلك سَوَاءٌ عُلِمَتْ الْمُقَارَنَةُ أو لم تُعْلَمْ أَيْضًا فَاللَّائِقُ بِالْمَذْهَبَيْنِ أَنْ يُصَارَ إلَى التَّرْجِيحِ بِكَوْنِ أَحَدِهِمَا حَظْرًا وَالْآخَرِ إبَاحَةً أو بِكَوْنِ أَحَدِهِمَا مُثْبَتًا وَالْآخَرِ مَنْفِيًّا أو شَرْعِيًّا وَالْآخَرِ فِعْلِيًّا لِأَنَّ الْحُكْمَ بِذَلِكَ طَرِيقُهُ الِاجْتِهَادُ وَلَيْسَ في تَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا على الْآخَرِ إطْرَاحُ الْآخَرِ بِخِلَافِ الْمُتَعَارِضَيْنِ من كل وَجْهٍ وَأَمَّا إذَا كَانَا مَظْنُونَيْنِ فَكَمَا في الْمَعْلُومَيْنِ إلَّا أَنَّهُ يُرَجَّحُ فيها بِقُوَّةِ الْأَشْبَاهِ وَإِنْ كان أَحَدُهُمَا مَعْلُومًا وَالْآخَرُ مَظْنُونًا فَإِنْ عُلِمَ تَقَدُّمُ الْمَعْلُومِ عُمِلَ بِهِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا وَإِنْ عُلِمَ تَأْخِيرُهُ عُمِلَ بِهِ لِكَوْنِهِ نَاسِخًا وَهَذَا على رَأْيِ من يَنْسَخُ الْخَاصَّ بِالْعَامِّ وَأَمَّا على رَأَيْنَا فَالْعَمَلُ بِالْمَعْلُومِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا لِتَعَذُّرِ النَّسْخِ وَإِنْ لم يُعْلَمْ ذلك سَوَاءٌ عُلِمَ التَّقَارُنُ أو جُهِلَ فَإِنَّا نَحْكُمُ بِالْمَعْلُومِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا هذا حَاصِلُ ما ذَكَرَهُ أبو الْحُسَيْنِ في الْمُعْتَمَدِ وَتَابَعَهُ صَاحِبُ الْمَحْصُولِ وَغَيْرُهُ وَأَطْلَقَ الشَّيْخُ في اللُّمَعِ وَسُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ وَغَيْرُهُمَا أَنَّهُمَا يَتَعَارَضَانِ وَلَا يُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا على الْآخَرِ بِدَلِيلٍ وفي جَوَازِ خُلُوِّ مِثْلِ هذا عن التَّرْجِيحِ قَوْلَانِ وإذا خَلَا سَقَطَا وَرَجَعَ الْمُجْتَهِدُ إلَى الْبَرَاءَةِ وَنَقَلَ سُلَيْمٌ عن أبي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَقْدِيمَ الْخَبَرِ الذي فيه ذِكْرُ الْوَقْتِ لِأَنَّ الْخِلَافَ وَاقِعٌ في الْوَقْتِ فَقُدِّمَ ما فيه وَذَكَرَ الصَّيْرَفِيُّ في الدَّلَائِلِ في تَعَارُضِ الْآيَتَيْنِ أَنَّهُ إنْ كان هُنَاكَ تَوْقِيفٌ صِرْنَا إلَيْهِ وَإِنْ لم يَكُنْ إلَّا الْعُمُومُ فَفِيهَا وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّا نَنْظُرُ إلَى أَيِّهِمَا أَعَمَّ اللَّفْظَيْنِ بِوَجْهٍ فَيُجْعَلُ الْآخَرُ في الْخَاصَّةِ والثاني إلَى أَيِّ اللَّفْظَتَيْنِ اُبْتُدِئَ بها فَالْأُخْرَى مَعْطُوفَةٌ عليها لِأَنَّك لو أَثْبَتَّ اللَّفْظَةَ الثَّانِيَةَ كان فيها رَفْعُ ما اُبْتُدِئَ بِذِكْرِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ من الثَّانِيَةِ إلَّا ما لَا يُبْطِلُ الْأُولَى فَيَكُونُ مُوَافِقًا لِلثَّانِي على ما قُلْنَا في التَّرْتِيبِ كَأَنَّا قُلْنَا كُلُّ مِلْكِ يَمِينٍ فَهُوَ مُبَاحٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى أو ما مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فذكر عُمُومَ الزَّوْجَاتِ وَعُمُومَ مِلْكِ الْيَمِينِ فَكَانَ أَخَصَّ مِمَّا ذَكَرْت من الزَّوْجَاتِ وَمِلْكِ الْيَمِينِ فَثَبَتَ أَنَّ الْجَمْعَ بين الْأُخْتَيْنِ الْمِلْكُ وَالنِّكَاحُ مُسْتَثْنَى من عُمُومِ قَوْلِهِ إلَّا على أَزْوَاجِهِمْ أو ما مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ولم يَصِحَّ أَنْ تُقَابِلَ الْآيَةَ بِالْآيَةِ الْأُخْرَى لِمَا وَصَفْتُهُ انْتَهَى قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ هذه الْمَسْأَلَةُ من مُشْكِلَاتِ الْأُصُولِ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ الْوَقْفُ إلَّا بِتَرْجِيحٍ يَقُومُ على أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآخَرِ قال وَكَأَنَّ
  191. مُرَادَهُمْ التَّرْجِيحُ الْعَامُّ الذي لَا يَخُصُّ مَدْلُولَ الْعُمُومِ كَالتَّرْجِيحِ بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ وَسَائِرِ الْأُمُورِ الْخَارِجَةِ عن مَدْلُولِ الْعُمُومِ من حَيْثُ هو مَدْلُولُ الْعُمُومِ وَذَكَرَ أبو الْحُسَيْنِ في الْمُعْتَمَدِ التَّفْصِيلَ السَّابِقَ ثُمَّ قال وقال الْفَاضِلُ أبو سَعِيدٍ محمد بن يحيى فِيمَا وَجَدْتُهُ مُعَلَّقًا عنه الْعَامَّانِ إذَا تَعَارَضَا فَكَمَا يُخَصَّصُ هذا بِذَاكَ لِمُعَارِضَتِهِ أَمْكَنَ أَنْ يُخَصَّصَ ذلك بهذا وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى من الْآخَرِ فَيُنْظَرُ فِيهِمَا إنْ دخل أَحَدَهُمَا تَخْصِيصٌ مُجْمَعٌ عليه فَهُوَ أَوْلَى بِالتَّخْصِيصِ وَكَذَلِكَ إذَا كان أَحَدُهُمَا مَقْصُودًا بِالْعُمُومِ رَجَحَ على ما كان عُمُومُهُ اتِّفَاقًا انْتَهَى قُلْت وَهَذَا هو اللَّائِقُ بِتَصَرُّفِ الشَّافِعِيِّ في أَحَادِيثِ النَّهْيِ عن الصَّلَاةِ في الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ فإنه قال لَمَّا دَخَلَهَا التَّخْصِيصُ بِالْإِجْمَاعِ في صَلَاةِ الْجِنَازَةِ ضَعُفَتْ دَلَالَتُهَا تَقَدَّمَ عليها أَحَادِيثُ الْمَقْضِيَّةِ وَتَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ وَغَيْرُهَا وَلِذَلِكَ نَقُولُ دَلَالَةُ وَأَنْ تَجْمَعُوا بين الْأُخْتَيْنِ على تَحْرِيمِ الْجَمْعِ مُطْلَقًا في النِّكَاحِ وَالْمِلْكُ أَوْلَى من دَلَالَةِ الثَّانِيَةِ على جَوَازِ الْجَمْعِ بِالْيَمِينِ لِأَنَّ هذه الْآيَةَ ما سِيقَتْ لِبَيَانِ حُكْمِ الْجَمْعِ مَسْأَلَةٌ إذَا عَارَضَ قِيَاسٌ مُسْتَنْبَطٌ من نَصِّ كِتَابٍ ما في حديث آحَادٍ فَقِيلَ إنْ سَمَّيْنَاهُ قِيَاسًا رَجَّحْنَا عليه الْخَبَرَ لِأَنَّ مُسْتَنَدَهُ مَقْطُوعٌ بِهِ قال في الْمَنْخُولِ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُرَجَّحُ عليه لِأَنَّ تَسْمِيَتَهُ قِيَاسًا يَرْجِعُ لِلَّقَبِ وهو مَقْطُوعٌ بِهِ كَالْمَنْصُوصِ وَأَخْبَارُ الْآحَادِ تُقَدَّمُ على قِيَاسِ الْمُسْتَنْبَطِ من الْقُرْآنِ مَسْأَلَةٌ قال الصَّيْرَفِيُّ كُلُّ مُتَعَارِضَيْنِ لَا يَخْرُجَانِ عن وَجْهٍ من أَوْجُهٍ ثَلَاثَةٍ أَحَدُهَا أَنْ لَا يَكُونَ لها في الْأَصْلِ حُكْمٌ مَعْلُومٌ كَالْوَاقِعِ بِابْتِدَاءِ الشَّرْعِ مِثْلُ الْإِحْدَاثِ في الْوُضُوءِ فَيَتْرُكُ اعْتِقَادَ الْأَمْرِ بِأَحَدِهِمَا وَالنَّهْيَ عن الْآخَرِ لِأَنَّا لَا نَدْرِي أَيَّهُمَا الْأَوْلَى وَيُصَارُ إلَى ما عَضَّدَهُ الدَّلِيلُ أو رَجَّحَهُ بِقِيَاسٍ أو حِفْظٍ أو كَثْرَةِ عَدَدٍ وثانيها أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَجِبُ إبَاحَتُهُ أو حَظْرُهُ فَأَيُّ الْخَبَرَيْنِ جاء بِخِلَافِ ما كان مُتَقَدِّمًا في الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ فَالْخَبَرُ هو الذي معه دَلِيلُ الِانْتِقَالِ لِأَنَّ الْخَبَرَ إنَّمَا جاء بِتَوْكِيدِ ما تَقَدَّمَ وقد عُلِمَ زَوَالُ الْأَوَّلِ إلَى الثَّانِي ولم يُعْلَمْ زَوَالُ الثَّانِي كَقَوْلِهِ عليه
  192. السَّلَامُ فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ وَقَوْلِهِ ليس فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ وثالثها أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا فَيَأْتِي بِمِثْلِ ما جاء بِهِ الْحُكْمُ كَالْمُزَارَعَةِ فإن الناس كَانُوا يَسْتَبِيحُونَ الْمُزَارَعَةَ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ فَنَهَى عنهما وَوَرَدَ الْخَبَرُ بِإِجَازَتِهِمَا ولم يَفِدْ شيئا أَفَادَ فِيمَا كان الناس عليه فَخَبَرُ النَّهْيِ أَوْلَى بِالِاسْتِعْمَالِ هذا إذَا عَلِمَ تَقْرِيرَهُ على الْمُزَارَعَةِ مُدَّةً ثُمَّ جاء الْخَبَرَانِ فَإِنْ كَانُوا مُسْتَعْمَلَيْنِ لها وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُمْ أَقَرُّوا عليها فإذا جاء النَّهْيُ عنها ثُمَّ جاء الْخَبَرُ بِإِجَازَتِهَا نَظَرَ فِيهِمَا على هذا الْحَالِ فَأَمَّا آيُ الْقُرْآنِ فَكُلُّ آيَةٍ وَرَدَتْ بِإِبَاحَةِ شَيْءٍ في جُمْلَةِ الْخِطَابِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا فَأَخْبَرَ بِتَحْرِيمِ شَيْءٍ مِمَّا تَضَمَّنَتْهُ الْآيَةُ فَهِيَ مَخْصُوصَةٌ لَا مَحَالَةَ وَلَوْ جاء خَبَرٌ بِتَحْلِيلِ ما جاء الْخَبَرُ الْآخَرُ بِتَحْرِيمِهِ نَظَرَ في الْخَبَرَيْنِ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يُوجِبُ خُصُوصَ الْآيَةِ وَالْآخَرَ يُوجِبُ عُمُومَهَا وَلَيْسَ هذا مِمَّا يَصْلُحُ أَنْ يَأْتِيَ بَعْدَ الْحَظْرِ وَلَا قَبْلَهُ وَلَا في الْأَخْبَارِ لِأَنَّ السُّنَّةَ لَا تَنْسَخُ الْقُرْآنَ فَإِنْ كان الْحَظْرُ بَيَانَ الْآيَةِ لم يَجُزْ أَنْ يُرْفَعَ ذلك بِالْخَبَرِ لِأَنَّهُ يَكُونُ نَسْخًا لِلْقُرْآنِ وَيَكُونُ خَبَرُ التَّحْلِيلِ بِإِزَاءِ خَبَرِ التَّحْرِيمِ فَكَأَنَّهُ لم يَقُمْ دَلِيلُ الْخُصُوصِ فَإِنْ قَوِيَ أَحَدُهُمَا على صَاحِبِهِ فَالْحُكْمُ له قال وَيَجِيءُ الْخَبَرَانِ مُخْتَلِفَيْنِ وَالْإِنْسَانُ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمَا كَالْإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ لِلْحَاجِّ فَلَا يَضُرُّ ذلك الِاخْتِلَافُ وَإِنْ كان مُحَالًا أَنْ يَفْعَلَهُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم في حَجَّةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنْ لم يُمْكِنْ اسْتِعْمَالُهُمَا كَخَبَرِ مَيْمُونَةَ نَكَحَهَا وهو مُحْرِمٌ وما نَكَحَهَا إلَّا وهو حَلَالٌ فَأَحَدُهُمَا غَلَطٌ من الرَّاوِي فَيُصَارُ إلَى الدَّلِيلِ يُعَضِّدُ أَحَدَهُمَا سَبَبُ الِاخْتِلَافِ في الرِّوَايَاتِ قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في الرِّسَالَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم يقول الْقَوْلَ عَامًّا يُرِيدُ بِهِ الْعَامَّ وَعَامًّا يُرِيدُ بِهِ الْخَاصَّ وَيُسْأَلُ عن الشَّيْءِ فَيُجِيبُ على قَدْرِ الْمَسْأَلَةِ وَيُؤَدِّي عنه الْمُخْبَرُ الْخَبَرَ مُبَعَّضًا وَالْخَبَرَ مُخْتَصَرًا وَالْخَبَرُ يَأْتِي بِبَعْضِ مَعْنَاهُ دُونَ بَعْضٍ وَيُحَدِّثُ الرَّجُلُ عنه الحديث قد أَدْرَكَ جَوَابَهُ ولم يُدْرِكْ الْمَسْأَلَةَ على حَقِيقَةِ الْجَوَابِ
  193. لِمَعْرِفَتِهِ السَّبَبَ الذي يُخَرَّجُ عليه الْجَوَابُ وَيَسُنُّ في الشَّيْءِ سُنَّةً وَفِيمَا يُخَالِفُهُ أُخْرَى فَلَا يَخْلُصُ بَعْضُ السَّامِعِينَ من اخْتِلَافِ الْحَالَتَيْنِ اللَّتَيْنِ سُنَّ فِيهِمَا وَيَسُنُّ سُنَّةً في نَصِّ مَعْنَاهُ فَيَحْفَظُهُمَا حَافِظٌ آخَرُ في مَعْنَى يُخَالِفُهُ في مَعْنَى وَيُجَامِعُهُ في مَعْنَى سُنَّةِ غَيْرِهَا لِاخْتِلَافِ الْحَالَيْنِ فَيَحْفَظُ غَيْرُهُ تِلْكَ السُّنَّةَ فإذا أَدَّى كُلٌّ ما حَفِظَ رَآهُ بَعْضُ السَّامِعِينَ اخْتِلَافًا وَلَيْسَ فيه شَيْءٌ وَيَسُنُّ بِلَفْظٍ مَخْرَجُهُ عَامٌّ جُمْلَةً بِتَحْرِيمِ شَيْءٍ أو تَحْلِيلِهِ وَلَيْسَ في غَيْرِهِ خِلَافُ الْجُمْلَةِ فَيُسْتَدَلُّ على أَنَّهُ لم يُرِدْ بِمَا حَرَّمَ ما أَحَلَّ وَلَا بِمَا أَحَلَّ ما حَرَّمَ قال ولم نَجِدْ عنه شيئا مُخْتَلِفًا فَكَشَفْنَاهُ إلَّا وَجَدْنَا له وَجْهًا يَحْتَمِلُ بِهِ أَنْ لَا يَكُونَ مُخْتَلِفًا وَأَنْ يَكُونُ دَاخِلًا في الْوُجُوهِ التي وُصِفَتْ انْتَهَى الْقَوْلُ في تَرْجِيحِ الظَّوَاهِرِ من الْأَخْبَارِ الْمُتَعَارِضَةِ وهو إنَّمَا يَكُونُ بِالنِّسْبَةِ إلَى ظَنِّ الْمُجْتَهِدِ أو بِمَا يَحْصُلُ من خَلَلٍ بِسَبَبِ الرُّوَاةِ كما سَبَقَ وَأَمَّا التَّعَارُضُ في نَفْسِ الْأَمْرِ بين حَدِيثَيْنِ صَحِيحَيْنِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ قال ابن خُزَيْمَةَ لَا أَعْرِفُ أَنَّهُ رُوِيَ عن الرَّسُولِ حَدِيثَانِ بِإِسْنَادَيْنِ صَحِيحَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ وَمَنْ كان عِنْدَهُ فَلِيَأْتِ بِهِ حتى أُؤَلِّفَ بَيْنَهُمَا وقال الشَّافِعِيُّ في الرِّسَالَةِ ولم نَجِدْ حَدِيثَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ إلَّا وَلَهُمَا مَخْرَجٌ أو على أَحَدِهِمَا دَلَالَةٌ إمَّا مُوَافِقَةُ كِتَابِ اللَّهِ أو غَيْرِهِ من السُّنَّةِ أو بَعْضِ الدَّلَائِلِ انْتَهَى وهو بِاعْتِبَارَيْنِ أَحَدِهِمَا أَنْ يُرَجَّحَ أَحَدُهُمَا على الْآخَرِ من جِهَةِ الْإِسْنَادِ والثاني بِالْمَتْنِ أَمَّا التَّرْجِيحُ بِالْإِسْنَادِ فَلَهُ اعْتِبَارَاتٌ أَوَّلُهَا بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ فَيُرَجَّحُ ما رُوَاتُهُ أَكْثَرُ على ما رُوَاتُهُ أَقَلُّ بِخِلَافِهِ كَاحْتِجَاجِ الْحَنَفِيَّةِ على عَدَمِ الرَّفْعِ في الرُّكُوعِ بِحَدِيثِ إبْرَاهِيمَ عن عَلْقَمَةَ عن ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم كان يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ ثُمَّ لَا يَعُودُ فيقول قد رَوَى الرَّفْعَ ثَلَاثَةٌ وَأَرْبَعُونَ
  194. صَحَابِيًّا وَكَثِيرٌ منها في الصَّحِيحَيْنِ وَكَرِوَايَةِ التَّغْلِيسِ بِالصُّبْحِ على رِوَايَةِ الْإِسْفَارِ هذا مَذْهَبُ الْأَكْثَرِينَ وهو الصَّحِيحُ عِنْدَنَا وَنَصَّ عليه الشَّافِعِيُّ في الرِّسَالَةِ وقال الْأَخْذُ بِحَدِيثِ عُبَادَةَ بن الصَّامِتِ في الرِّبَا أَوْلَى من حديث
  195. أُسَامَةَ إنَّمَا الرِّبَا في النَّسِيئَةِ لِأَنَّهُ رَوَاهُ مع عُبَادَةَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وأبو سَعِيدٍ وأبو هُرَيْرَةَ وَرِوَايَةُ خَمْسَةٍ أَوْلَى من رِوَايَةِ وَاحِدٍ وَقَرَّرَهُ الصَّيْرَفِيُّ وَاحْتَجَّ له بِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ الزِّيَادَةَ من الْعَدَدِ بِالنِّسْبَةِ لِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مُوجِبًا لِلتَّذَكُّرِ فقال أَنْ تَضِلَّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَكَذَلِكَ جِنْسُ الرِّجَالِ كُلَّمَا كَثُرَ الْعَدَدُ قَوِيَ الْحِفْظُ وَنَقَلَهُ ابن الْقَطَّانِ عن الْجَدِيدِ قال وَأَشَارَ إلَى الْفَرْقِ بِأَنَّ الشُّهُودَ مَنْصُوصٌ على عَدَالَتِهِمْ فَكُفِينَا مَئُونَةَ الِاجْتِهَادِ وَالْأَخْبَارُ مَبْنِيَّةٌ على الِاجْتِهَادِ وَالِاسْتِدْلَالِ وَالْأَوْلَى تَرْجِيحُ الْأَكْثَرِ لِأَنَّهُمْ عن الْخَطَأِ أَبْعَدُ قال وَذَهَبَ في الْقَدِيمِ إلَى أَنَّهُمَا سَوَاءٌ وَشَبَّهَ بِالشَّهَادَاتِ قلت وَعَكَسَ ابن كَجٍّ وابن فُورَكٍ في كِتَابَيْهِمَا هذا النَّقْلَ فَقَالَا قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في الْقَدِيمِ يُرَجَّحُ الْخَبَرُ الذي هو أَكْثَرُ رُوَاةً لِأَنَّ الْمَصِيرَ إلَى الْأَخْبَارِ إنَّمَا هو من طَرِيقِ عِلْمِ الظَّاهِرِ وَيُحْتَمَلُ الْغَلَطُ وَالْكَثْرَةُ تَدْفَعُ الْغَلَطَ وقال في الْجَدِيدِ إنَّهُمَا سَوَاءٌ وَعَوَّلَ في ذلك على أَنَّهُمَا قد اسْتَوَيَا جميعا في لُزُومِ الْحُجَّةِ عِنْدَ الِانْفِرَادِ فإذا اجْتَمَعَا فَقَدْ اسْتَوَيَا وَيَطْلُبُ دَلَالَةً سِوَاهُمَا وَبِالْقِيَاسِ على الشَّهَادَةِ انْتَهَى وقال سُلَيْمٌ أَوْمَأَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهُمَا سَوَاءٌ في مَوْضِعٍ آخَرَ وَحَيْثُ قُلْنَا يُرَجَّحُ بِالْكَثْرَةِ فقال الْقَاضِي لَا أَرَاهُ قَطْعِيًّا وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إنْ لم يُمْكِنْ الرُّجُوعُ إلَى دَلِيلٍ آخَرَ قُطِعَ بِاتِّبَاعِ الْأَكْثَرِ فإنه أَوْلَى من الْإِلْغَاءِ وَلِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الصَّحَابَةَ لو تَعَارَضَ لهم خَبَرَانِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لم يُعَطِّلُوا الْوَاقِعَةَ بَلْ كَانُوا يُقَدِّمُونَ هذا قال وَأَمَّا إذَا كان في الْمَسْأَلَةِ قِيَاسٌ وَخَبَرَانِ مُتَعَارِضَانِ كَثُرَتْ رُوَاةُ أَحَدِهِمَا فَالْمَسْأَلَةُ ظَنِّيَّةٌ وَالِاعْتِمَادُ على ما يُؤَدِّي إلَيْهِ اجْتِهَادُ النَّاظِرِ
  196. وفي الْمَسْأَلَةِ رَأْيٌ رَابِعٌ صَارَ إلَيْهِ الْقَاضِي وَالْغَزَالِيُّ أَنَّ الِاعْتِمَادَ على ما غَلَبَ على ظَنِّ الْمُجْتَهِدِ فَرُبَّ عَدْلٍ أَقْوَى في النَّفْسِ من عَدْلَيْنِ لِشِدَّةِ تَيَقُّظِهِ وَضَبْطِهِ فلما كَثُرَ الْعَدَدُ ولم يَقْوَ الظَّنُّ بِصِدْقِهِمْ كان خَبَرُهُمْ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ سَوَاءٌ وَبِالْجُمْلَةِ فَالرَّاجِحُ هو الْأَوَّلُ قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ بَلْ هو أَقْوَى الْمُرَجَّحَاتِ فإن الظَّنَّ يَتَأَكَّدُ عن تَرَادُفِ الرِّوَايَاتِ وَلِهَذَا يَقْوَى الظَّنُّ إلَى أَنْ يَصِيرَ الْعِلْمُ بِهِ مُتَوَاتِرًا وَهُنَا تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ لو تَعَارَضَتْ الْكَثْرَةُ من جَانِبٍ وَالْعَدَالَةُ من جَانِبٍ آخَرَ فَفِيهِ احْتِمَالَانِ لِإِلْكِيَا إحْدَاهُمَا تَرْجِيحُ الْكَثْرَةِ لِقُرْبِهَا من الْمُسْتَفِيضِ وَالتَّوَاتُرِ والثاني تَرْجِيحُ الْعَدَالَةِ فإنه رُبَّ رَجُلٍ يَعْدِلُ أَلْفَ رَجُلٍ في الثِّقَةِ وَنَعْلَمُ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُقَدِّمُونَ رِوَايَةَ الصِّدِّيقِ على رِوَايَةِ عَدَدٍ من أَوْسَاطِ الناس قال وَهَذَا لَا نَجِدُ له مِثَالًا من النَّصِّ فإن الذي أَوْرَدَهُ كَثِيرٌ من الْعُلَمَاءِ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ كَتَعَارُضِ الْأَخْبَارِ في الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ وَتَعَارُضِ الْأَخْبَارِ في الْأَذَانِ لِلصُّبْحِ قبل الْوَقْتِ وَلِلْقِيَاسِ مَجَالٌ وَرَاءَ الْخَبَرِ وَإِنْ وَجَدْنَا مِثَالًا فَحُكْمُهُ ما ذَكَرْنَا وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قد ذَكَرَهَا أُسْتَاذُهُ في الْبُرْهَانِ وَحَكَى فيها الْخِلَافَ عن الْمُحَدِّثِينَ وَأَنَّ منهم من يُقَدِّمُ الْعَدَدَ وَمِنْهُمْ من يُقَدِّمُ مَزِيَّةَ الثِّقَةِ ثُمَّ قال وَالْمَسْأَلَةُ لَا تَبْلُغُ الْقَطْعَ وَالْغَالِبُ تَقْدِيمُ مَزِيَّةِ الثِّقَةِ الثَّانِي لَا يَخْفَى أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ أَنْ لَا يَبْلُغَ عَدَدُ الْمُخْبِرِينَ في الْكَثْرَةِ إلَى حَالَةٍ تَقْتَضِي الْعِلْمَ الثَّالِثُ أَنَّ هذا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَخْبَارِ أَمَّا الْآيَاتُ فإذا جَاءَتْ آيَتَانِ تَدُلُّ على مَعْنًى وَاحِدٍ وَآيَةٌ وَاحِدَةٌ تَدُلُّ على خِلَافِهِ فَهَلْ تُرَجَّحُ الْأُولَى قال ابن الْقَطَّانِ في كِتَابِهِ ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى تَخَرُّجِهِ على قَوْلَيْنِ فَيُرَجَّحُ بِكَثْرَةِ الْآيِ كما يُرَجَّحُ الْخَبَرُ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُمَا سَوَاءٌ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْأَخْبَارِ أَنَّ الْخَطَأَ من الرُّوَاةِ مُمْكِنٌ وهو شَيْءٌ مَبْنِيٌّ على الِاجْتِهَادِ بِخِلَافِ الْآيِ وَمَنْ قال بِالْأَوَّلِ قال إنَّ ذلك يُسَاوِي الْأَخْبَارَ في قُوَّةِ الدَّلَالَةِ عليها وَالْعُمُومَانِ أَقْوَى في النَّفْسِ من عُمُومٍ وَاحِدٍ كما قال الشَّافِعِيُّ رضي اللَّهُ عنه في شَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَشَاهِدَيْنِ أَنَّهُ يُؤْخَذُ بِالْأَقْوَى وَتِلْكَ على قَوْلَيْنِ وَهَذِهِ على وَجْهَيْنِ
  197. ثَانِيهَا بِقِلَّةِ الْوَسَائِطِ وَعُلُوِّ الْإِسْنَادِ لِأَنَّ احْتِمَالَ الْغَلَطِ وَالْخَطَأِ فِيمَا قَلَّتْ وَسَائِطُهُ أَقَلُّ وهو أَحَدُ فَوَائِدِ طَلَبِ الْإِسْنَادِ الْعَالِي كَقَوْلِ الْحَنَفِيِّ الْإِقَامَةُ مَثْنَى كَالْأَذَانِ لِمَا رَوَى عَامِرٌ الْأَحْوَلُ عن مَكْحُولٍ أَنَّ أَبَا مُحَيْرِيزٍ حدثه أَنَّ أَبَا مَحْذُورَةَ حدثه أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم عَلَّمَهُ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ وَذَكَرَ فيه الْإِقَامَةَ مَثْنَى مَثْنَى فَنَقُولُ بَلْ هِيَ فُرَادَى لِمَا رَوَى خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عن أبي قِلَابَةَ عن أَنَسٍ قال أَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُشَفِّعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ فإن خَالِدًا وَعَامِرًا من طَبَقَةٍ وَاحِدَةٍ رَوَى عنهما شُعْبَةُ وَحَدِيثُ عَامِرٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم ثَلَاثَةٌ وَخَالِدٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم اثْنَانِ وَاعْلَمْ أَنَّ التَّرْجِيحَ بهذا ظَاهِرٌ إذَا كان لَا يَعِزُّ وُجُودُ مِثْلِهِ فَإِنْ كان فَهُوَ مَرْجُوحٌ من هذه الْحَيْثِيَّةِ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ بِالْأَغْلَبِ مُقَدَّمٌ على الْأَنْدَرِ وَثَالِثُهَا تَقَدُّمُ رِوَايَةِ الْكَبِيرِ على رِوَايَةِ الصَّغِيرِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الضَّبْطِ وَمَثَّلُوهُ بِرِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ الْإِفْرَادَ في الْحَجِّ وَرِوَايَةِ أَنَسٍ الْقِرَانَ وما قِيلَ فيه يَتَوَلَّجُ على النَّسَا وَسَبَبُ هذا التَّرْجِيحِ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ زِيَادَةُ الظَّنِّ بِالضَّبْطِ وقد رَجَّحَ الشَّافِعِيُّ في الرِّسَالَةِ بِتَقْدِيمِ أَنَسٍ في أَحَادِيثِ رِبَا الْفَضْلِ وفي صَلَاةِ الْخَوْفِ فقال بِتَقَدُّمِ أَنَسٍ في الصُّحْبَةِ وَهَلْ تَتَقَدَّمُ رِوَايَةُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ على غَيْرِهِمْ أَمْ لَا فيه رِوَايَتَانِ عن أَحْمَدَ وَمِثْلُهُ رِوَايَةُ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ على غَيْرِ الْأَكَابِرِ وَرَابِعُهَا بِفِقْهِ الرَّاوِي سَوَاءٌ كانت الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى أو بِاللَّفْظِ فَتُقَدَّمُ رِوَايَةُ الْفَقِيهِ على من دُونَهُ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِمُقْتَضَيَاتِ الْأَلْفَاظِ وَقِيلَ هذا في خَبَرَيْنِ مَرْوِيَّيْنِ بِالْمَعْنَى فَإِنْ رُوِيَا بِاللَّفْظِ فَلَا مُرَجِّحَ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ لِلْفَقِيهِ مَزِيَّةُ التَّمْيِيزِ بين ما يَجُوزُ وما لَا يَجُوزُ قال ابن بَرْهَانٍ أو يَكُونُ أَحَدُهُمَا أَفْقَهَ من الْآخَرِ مِثْلُ رِوَايَةِ عَائِشَةَ أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم كان يُصْبِحُ جُنُبًا من غَيْرِ احْتِلَامٍ وَيَصُومُ على رِوَايَةِ أبي هُرَيْرَةَ من أَصْبَحَ جُنُبًا فَلَا صَوْمَ
  198. له قال وَسَبَبُ تَقْدِيمِهِ أَنَّ عَائِشَةَ كانت أَفْقَهَ من أبي هُرَيْرَةَ قُلْت وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ هذا مِثَالًا لِتَقْدِيمِ شَاهِدِ الْقِصَّةِ على من لم يُشَاهِدْهَا وَإِنَّمَا أَخْبَرَ بها فإن أَبَا هُرَيْرَةَ لَمَّا سُئِلَ عن ذلك ذَكَرَ أَنَّ الْفَضْلَ بن عَبَّاسٍ حدثه بِهِ وَعَائِشَةُ كانت مُبَاشِرَةً لِلْوَاقِعَةِ وقال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ وَهَذَا لَا يَنْبَغِي تَمْثِيلُهُ بِالصَّحَابَةِ تَأَدُّبًا وقد مَثَّلَ بِرِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ عن عَلْقَمَةَ عن عبد اللَّهِ بن مَسْعُودٍ مع رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ عن أبي وَائِلٍ عن ابْنِ مَسْعُودٍ فإن الْأَوَّلَيْنِ فَقِيهَانِ مَشْهُورَانِ وَالْأَخِيرَيْنِ إمَّا شَيْخَانِ أو دُونَهُمَا في الْفِقْهِ خَامِسُهَا بِعِلْمِهِ بِالْعَرَبِيَّةِ فَإِنْ الْعَالِمَ بها يُمْكِنُهُ التَّحَفُّظُ عن مَوَاقِعِ الزَّلَلِ فَيَكُونُ الْوُثُوقُ بِرِوَايَتِهِ أَكْثَرَ قال وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ مَرْجُوحٌ لِأَنَّ الْعَالِمَ بها يَعْتَمِدُ على مَعْرِفَتِهِ فَلَا يُبَالِغُ في الْحِفْظِ وَالْجَاهِلُ بها يَكُونُ خَائِفًا فَيُبَالِغُ في الْحِفْظِ سَادِسُهَا الْأَفْضَلِيَّةُ فَتُقَدَّمُ رِوَايَةُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ في رَفْعِ الْيَدَيْنِ على رِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ سَابِعُهَا حُسْنُ الِاعْتِقَادِ فَتُقَدَّمُ رِوَايَةُ السُّنِّيِّ على الْمُبْتَدِعِ كَرِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ بن أبي يحيى مع غَيْرِهِ قال الْهِنْدِيُّ وَهَذَا فيه نَظَرٌ لِأَنَّ بِدْعَتَهُ إنْ كانت بِذَهَابِهِ إلَى أَنَّ الْكَذِبَ كَبِيرَةٌ كان ظَنُّ صِدْقِهِ أَكْبَرَ ثَامِنُهَا كَوْنُ الرَّاوِي صَاحِبَ الْوَاقِعَةِ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِالْقِصَّةِ كَقَوْلِ مَيْمُونَةَ تَزَوَّجَنِي رسول صلى اللَّهُ عليه وسلم وَنَحْنُ حَلَالَانِ فَتُقَدَّمُ على رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَكَحَهَا وهو مُحْرِمٌ وقد خَالَفَ في هذا الْجُرْجَانِيُّ من الْحَنَفِيَّةِ
  199. تَاسِعُهَا كَوْنُ أَحَدِهِمَا مُبَاشِرًا لِمَا رَوَاهُ كَتَرْجِيحِ خَبَرِ أبي رَافِعٍ في تَزْوِيجِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم مَيْمُونَةَ وَهُمَا حَلَالَانِ على خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِأَنَّ أَبَا رَافِعٍ كان السَّفِيرَ بَيْنَهُمَا وَحَدِيثِ عَائِشَةَ في صَوْمِ الْجُنُبِ على أبي هُرَيْرَةَ عَاشِرُهَا الْأَقْرَبُ إلَى الرَّسُولِ صلى اللَّهُ عليه وسلم على غَيْرِهِ وَإِنَّمَا كان سَبَبًا لِلتَّرْجِيحِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ وَالْغَالِبَ أَنَّ كَثْرَةَ الْمُخَالَطَةِ تَقْتَضِي زِيَادَةً في الِاطِّلَاعِ وَهَذَا ذَكَرَهُ ابن بَرْهَانٍ وَمَثَّلَهُ بِرِوَايَةِ عَلِيٍّ رضي اللَّهُ عنه أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم ما كان يَحْجِزُهُ شَيْءٌ عن الْقُرْآنِ سِوَى الْجَنَابَةِ على رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذلك كَوْنَ أَحَدِهِمَا أَعْرَفَ بِحَالِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم من غَيْرِهِ كَأَزْوَاجِهِ فَتُقَدَّمُ رِوَايَتُهُنَّ على رِوَايَةِ غَيْرِهِنَّ حَادِي عَشَرَهَا إذَا كان أَحَدُهُمَا أَقْرَبَ إلَيْهِ بِاعْتِبَارِ الْجِسْمِ كَتَقْدِيمِ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ الْإِفْرَادَ على غَيْرِهِ فإنه قال كنت آخِذًا بِزِمَامِ نَاقَةِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وقال لِيَلِيَنِّي مِنْكُمْ ذَوُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى ثَانِي عَشَرَهَا كَوْنُ أَحَدِهِمَا جَلِيسَ الْمُحَدِّثِينَ أو أَكْثَرَ مُجَالَسَةً من الْآخَرِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى مَعْرِفَةِ ما يَعْتَوِرُ الرِّوَايَةَ وَيُدَاخِلُهَا من الْخَلَلِ ثَالِثُ عَشَرَهَا كَثْرَةُ الصُّحْبَةِ تُرَجَّحُ رِوَايَتُهُ على قَلِيلِهَا لِمَا يَحْصُلُ من زِيَادَةِ الظَّنِّ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الصُّحْبَةِ في الْمَعْرِفَةِ بِأَحْوَالِ الْمَصْحُوبِ وقد نُقِلَ هذا عن بَعْضِ التَّابِعِينَ فَقَدَّمَ رِوَايَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ على رِوَايَةِ وَائِلٍ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ وَبِسَبَبِ طُولِ الصُّحْبَةِ رَابِعُ عَشَرَهَا بِكَوْنِهِ مُخْتَبَرًا فَيُرَجَّحُ الْعَدْلُ بِالتَّزْكِيَةِ على الْعَدْلِ بِالظَّاهِرِ هذا إنْ قَبِلْنَا رِوَايَةَ الْمَسْتُورِ وَإِلَّا فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا
  200. خَامِسُ عَشَرَهَا الْعَدْلُ بِالْمُمَارَسَةِ وَالِاخْتِبَارِ على من عُرِفَتْ عَدَالَتُهُ بِالتَّزْكِيَةِ فإنه ليس الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ سَادِسَ عَشَرَهَا بِكَوْنِهِ مُعَدَّلًا بِصَرِيحِ التَّزْكِيَةِ فَيُرَجَّحُ على الْمُعَدَّلِ بِالْحُكْمِ بِالشَّهَادَةِ لِأَنَّ عَدَالَتَهُ ضِمْنِيَّةٌ سَابِعُ عَشَرَهَا بِكَوْنِهِ مُعَدَّلًا بِالْحُكْمِ بها على الْمُعَدَّلِ بِالْعَمَلِ على رِوَايَتِهِ لِلْخِلَافِ في كَوْنِ ذلك تَعْدِيلًا وَأَطْلَقَ في الْمَحْصُولِ أَنَّ عَمَلَ الْمُزَكَّى بِرِوَايَةِ من زَكَّاهُ مُرَجِّحٌ لِرِوَايَتِهِ على من لم يَعْمَلْ بها ثَامِنُ عَشَرَهَا التَّزْكِيَةُ مع ذِكْرِ أَسْبَابِ الْعَدَالَةِ أَرْجَحُ من التَّزْكِيَةِ الْمُجَرَّدَةِ قَالَهُ في الْمَحْصُولِ تَاسِعُ عَشَرَهَا بِكَثْرَةِ الْمُزَكِّينَ لِلرَّاوِي كَتَقْدِيمِ حديث بُسْرَةَ على حديث طَلْقٍ لِكَثْرَةِ الْمُزَكِّينَ وَالرُّوَاةِ لِبُسْرَةَ وَقِلَّةِ ذلك في حديث طَلْقٍ الْعِشْرُونَ حِفْظُ الرَّاوِي لِلَفْظِ الحديث وَاعْتِمَادُ الْآخَرِ على الْمَكْتُوبِ فَالْحَافِظُ أَوْلَى لِمَا لَعَلَّهُ يَعْتَوِرُ الْخَطَّ من نَقْصٍ وَتَغَيُّرٍ قال الْإِمَامُ وَفِيهِ احْتِمَالٌ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ رَوَى في كِتَابِهِ الْمُفْرَدِ في رَفْعِ الْيَدَيْنِ رَوَى حَدِيثَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عن عَاصِمِ بن كُلَيْبٍ عن عبد الرحمن بن الْأَسْوَدِ عن عَلْقَمَةَ عن ابْنِ مَسْعُودٍ قال أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِصَلَاةِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فلم يَرْفَعْ يَدَيْهِ إلَّا في أَوَّلِ مَرَّةٍ ثُمَّ لم يُعِدْ قال قال أَحْمَدُ بن حَنْبَلٍ عن يحيى بن آدَمَ نَظَرْتُ في كِتَابِ عبد اللَّهِ بن إدْرِيسَ قال عَاصِمٌ فلم أَجِدْ فيه ثُمَّ لم يُعِدْ قال الْبُخَارِيُّ هذا أَصَحُّ لِأَنَّ الْكِتَابَ أَثْبَتُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ قُلْت وَمِنْ هذا يُؤْخَذُ تَرْجِيحُ رِوَايَةِ عبد اللَّهِ بن عَمْرِو بن الْعَاصِ على رِوَايَةِ أبي هُرَيْرَةَ فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عن أبي هُرَيْرَةَ قال ما من أَصْحَابِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَحَدٌ أَكْثَرُ حَدِيثًا عنه مِنِّي إلَّا ما كان من عبد اللَّهِ بن عَمْرٍو فإنه كان يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ ==
  201. ====================ج23 ج23. ج23.=========================
  202. مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة

  203. ج23. كتاب : البحر المحيط في أصول الفقه
  204. المؤلف : بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي
  205. الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ قُوَّةُ حِفْظِهِ وَزِيَادَةُ ضَبْطِهِ وَشِدَّةُ اعْتِنَائِهِ فَيُرَجَّحُ على من كان أَقَلَّ في ذلك حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عن إجْمَاعِ أَهْلِ الحديث وَمَثَّلَهُ بِرِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بن عُمَرَ بن عبد الْعَزِيزِ على رِوَايَةِ عبد اللَّهِ بن عُمَرَ بن عبد الْعَزِيزِ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قال بَيْنَهُمَا فَضْلُ ما بين الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ وَالتَّفْضِيلُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ ثُمَّ قال وهو عِنْدِي كَاخْتِصَاصِ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ سُرْعَةُ حِفْظِ أَحَدِهِمَا وَإِبْطَاءُ نِسْيَانِهِ مع سُرْعَةِ حِفْظِ الْآخَرِ وَسُرْعَةِ نِسْيَانِهِ لِأَنَّ نِسْيَانَ الْأَوَّلِ بَعْدَ الْحِفْظِ بَطِيءٌ وَهَذَا ذَكَرَهُ الْهِنْدِيُّ احْتِمَالًا وَصَدَّرَ كَلَامَهُ بِأَنَّهُمَا مُتَعَارِضَانِ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ أَنْ لَا يَكْثُرَ تَفَرُّدُهُ بِالرِّوَايَاتِ عن الْحُفَّاظِ فَإِنْ كَثُرَ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَدَّمَ خَبَرُهُ عليه على خَبَرِهِ قَالَهُ الْغَزَالِيُّ أَيْ وَإِنْ قُلْنَا زِيَادَةَ الثِّقَةِ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ دَوَامُ عَقْلِهِ فَيُرَجَّحُ على من اخْتَلَطَ في عُمُرِهِ ولم يُعْرَفْ أَنَّهُ رَوَى الْخَبَرَ في حَالَةِ سَلَامَةِ عَقْلِهِ أو حَالَ اخْتِلَاطِهِ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ شُهْرَةُ الرَّاوِي بِالْعَدَالَةِ وَالثِّقَةِ فَيُرَجَّحُ رِوَايَةُ الْمَشْهُورِ على الْخَامِلِ لِأَنَّ الدِّينَ كما يَمْنَعُ من الْكَذِبِ كَذَلِكَ الشُّهْرَةُ وَالْمَنْصِبُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ شُهْرَةُ نَسَبِهِ فإن احْتِرَازَ مَشْهُورِ النَّسَبِ مِمَّا يُوجِبُ نَقْصَ مَنْزِلَتِهِ الْمَشْهُورَةِ فَيَكُونُ أَكْثَرَ قَالَهُ الْآمِدِيُّ وابن الْحَاجِبِ وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِذَلِكَ في التَّرْجِيحِ نعم قال في الْمَحْصُولِ رِوَايَةُ مَعْرُوفِ النَّسَبِ رَاجِحَةٌ على رِوَايَةِ مَجْهُولِهِ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ عَدَمُ الْتِبَاسِ اسْمِهِ فَيُرَجَّحُ رِوَايَةُ من لم يَلْتَبِسْ اسْمُهُ بِاسْمِ غَيْرِهِ من الضُّعَفَاءِ على رِوَايَةِ من يَلْتَبِسُ فيه ذلك وَهَذَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَعْسَرَ التَّمْيِيزُ قَالَهُ في الْمُسْتَصْفَى وَالْمَحْصُولِ الثَّانِي بِوَقْتِ الرِّوَايَةِ فَيُرَجَّحُ الرَّاوِي في الْبُلُوغِ على الذي رَوَى في الصِّبَا وفي الْبُلُوغِ لِأَنَّ الْبَالِغَ
  206. أَقْرَبُ إلَى الضَّبْطِ وَيُرَجَّحُ الْخَبَرُ الذي لم يَتَحَمَّلْ رِوَايَةً إلَّا في زَمَنِ بُلُوغِهِ على من لم يَتَحَمَّلْ إلَّا في زَمَنِ صِبَاهُ وَلِهَذَا قَدَّمَ رِوَايَةَ ابْنِ عُمَرَ في الْإِفْرَادِ على رِوَايَةِ أَنَسٍ في الْقِرَانِ فَإِنْ قِيلَ فَكَيْفَ قَدَّمَ الشَّافِعِيُّ رِوَايَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ في التَّشَهُّدِ على رِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ قُلْنَا لِأَنَّ مُتَأَخِّرَ الصُّحْبَةِ مُقَدَّمٌ على مُتَقَدِّمِهَا في الرِّوَايَةِ لِاحْتِمَالِ النَّسْخِ وَيُرَجَّحُ من لم يَرْوِ إلَّا في حَالِ الْإِسْلَامِ وَيُرَجَّحُ مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ فَيُرَجَّحُ من تَأَخَّرَ إسْلَامُهُ على من تَقَدَّمَ إسْلَامُهُ لِأَنَّ تَأَخُّرَ الْإِسْلَامِ دَلِيلٌ على رِوَايَتِهِ آخِرًا كَتَقْدِيمِ رِوَايَةِ أبي هُرَيْرَةَ في النَّقْضِ من مَسِّ الذَّكَرِ على رِوَايَةِ قَيْسٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّ رِوَايَتَهُ بَعْدَ إسْلَامِهِ هَكَذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وابن بَرْهَانٍ وَتَبِعَهُمْ الْبَيْضَاوِيُّ وَغَيْرُهُ وَجَزَمَ الْآمِدِيُّ بِعَكْسِهِ مُعْتَلًّا بِعَرَاقَةِ الْمُتَقَدِّمِ في الْإِسْلَامِ وَمَعْرِفَتِهِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ يُقَدَّمُ خَبَرُ الْمُتَأَخِّرِ الْإِسْلَامَ إنْ كان في أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ ما يَدُلُّ على أَنَّهُ كان في ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ وَإِنْ جَازَ أَنْ تَكُونَ رِوَايَتُهُ مُتَأَخِّرَةً عن رِوَايَةِ الْمُتَأَخِّرِ فإذا مَاتَ الْمُتَقَدِّمُ قبل إسْلَامِ الْمُتَأَخِّرِ وَعَلِمْنَا أَنَّ الْأَكْثَرَ رِوَايَةً الْمُتَقَدِّمُ فَتُقَدَّمُ على رِوَايَةِ الْمُتَأَخِّرِ فَهَاهُنَا نَحْكُمُ بِالرُّجْحَانِ لِأَنَّ النَّادِرَ مُلْحَقٌ بِالْغَالِبِ وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ إنْ جُهِلَ تَارِيخُهُمَا فَالْغَالِبُ أَنَّ رِوَايَةَ مُتَأَخِّرِ الْإِسْلَامِ نَاسِخٌ كما نَسَخْنَا رِوَايَةَ طَلْقٍ بِرِوَايَةِ أبي هُرَيْرَةَ وَإِنْ عُلِمَ التَّارِيخُ في أَحَدِهِمَا وَجُهِلَ في الْآخَرِ نُظِرَ فَإِنْ كان الْمُؤَرَّخُ مِنْهُمَا في آخِرِ أَيَّامِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَهُوَ النَّاسِخُ لِمَا لَا يُعْلَمُ تَارِيخُهُ فَيُنْسَخُ قَوْلُهُ عليه السَّلَامُ إذَا صلى الْإِمَامُ قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا بِصَلَاةِ أَصْحَابِهِ قِيَامًا خَلْفَهُ وهو يُصَلِّي قَاعِدًا في مَرَضِهِ الذي مَاتَ فيه وَإِنْ لم يُعْلَمْ التَّارِيخُ فِيهِمَا وَلَا في أَحَدِهِمَا وَاحْتِيجَ إلَى نَسْخِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ فَقِيلَ النَّاقِلُ منهم عن الْعَادَةِ أَوْلَى من الْمُوَافِقِ لها وَقِيلَ الْمُحَرِّمُ أَوْلَى من الْمُبِيحِ وَكَذَا الْمُوجِبُ أَوْلَى فَإِنْ كان أَحَدُهُمَا مُوجِبًا وَالْآخَرُ مُحَرِّمًا لم يُقَدَّمْ أَحَدُهُمَا على الْآخَرِ إلَّا بِدَلِيلٍ وقال إلْكِيَا يُرَجَّحُ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ على الْآخَرِ بِإِمْكَانِ تَطَرُّقِ النَّسْخِ إلَى أَحَدِهِمَا إنْ لم يَجِدْ مُتَعَلِّقًا سِوَاهُمَا كَحَدِيثِ طَلْقٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ هذا إذَا لم يَكُنْ أَحَدُهُمَا مُحْتَمَلًا فَإِنْ كان فَلَا كَحَدِيثِ ابْنِ عُكَيْمٍ جَاءَنَا كِتَابُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قبل مَوْتِهِ بِشَهْرٍ أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا من الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ فإنه يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ قبل الدِّبَاغِ
  207. فإن الْإِهَابَ اسْمٌ له قبل الدِّبَاغِ وَبَعْدَهُ يُسَمَّى السِّخْتِيَانُ لِلْأَدِيمِ وَيَدْخُلُ في هذا الْقَوْلِ في التَّرْجِيعِ في الْأَذَانِ وَإِيتَارِ الْإِقَامَةِ لِأَنَّ التَّرْجِيعَ في رِوَايَةِ أبي مَحْذُورَةَ وَسَعْدِ الْقَرَظِ مُتَأَخِّرٌ عن أَذَانِ بِلَالٍ رضي اللَّهُ عَنْهُمْ وَاعْلَمْ أَنَّ التَّرَاجِيحَ كَثِيرَةٌ وَمَنَاطَهَا ما كان إفَادَتُهُ لِلظَّنِّ أَكْثَرَ فَهُوَ الْأَرْجَحُ وقد تَتَعَارَضُ هذه الْمُرَجَّحَاتُ كما في كَثْرَةِ الرُّوَاةِ وَقُوَّةِ الْعَدَالَةِ وَغَيْرِهِ فَيَعْتَمِدُ الْمُجْتَهِدُ في ذلك ما غَلَبَ على ظَنِّهِ فَائِدَةٌ قال إلْكِيَا الطَّبَرِيُّ إنَّا لَا نُنْكِرُ تَفَاوُتًا بين الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ في جَوْدَةِ الْفَهْمِ وَقُوَّةِ الْحِفْظِ وَمَعَ هذا لم يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّ رِوَايَةَ الذَّكَرِ تُقَدَّمُ على رِوَايَةِ الْأُنْثَى لِأَنَّ هذا أَمْرٌ يَرْجِعُ إلَى الْجِنْسِ وَالتَّرْجِيحُ إنَّمَا يَكُونُ بِالنَّوْعِ قُلْت قد حَكَى سُلَيْمٌ فيه الْخِلَافَ فقال لَا تُقَدَّمُ رِوَايَةُ الذَّكَرِ على الْأُنْثَى وَلَا الْحُرِّ على الْعَبْدِ خِلَافًا لِمُحَمَّدِ بن الْحَسَنِ لِأَنَّ الذُّكُورَةَ وَالْحُرِّيَّةَ لَا تَأْثِيرَ لَهُمَا في قُوَّةِ الْخَبَرِ فَلَا يَدْخُلَانِ في التَّرْجِيحِ انْتَهَى وَكَذَا قال الْأُسْتَاذُ لَا تُرَجَّحُ رِوَايَةُ الذَّكَرِ وَقِيلَ إنَّمَا يُقَدَّمُ الذَّكَرُ فَيُغَيِّرُ أَحْكَامَ النِّسَاءِ أَمَّا أَحْكَامُهُنَّ فَيُقَدَّمْنَ على غَيْرِهِنَّ لِأَنَّ هِمَّتَهُنَّ وَقَصْدَهُنَّ لِمَا حَفِظْنَهُ أَكْثَرُ وَبِهِ جَزَمَ السُّهَيْلِيُّ في أَدَبِ الْجَدَلِ فَحَصَلَ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ الثَّالِثُ بِكَيْفِيَّةِ الرِّوَايَةِ فَمِنْهَا يُرَجَّحُ الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ على رَفْعِهِ إلَى النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم على الْمُخْتَلَفِ في رَفْعِهِ وَالْمُتَّفَقُ على وَقْفِهِ كَتَقْدِيمِ حديث عُبَادَةَ في لَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ على حديث جَابِرٍ كُلُّ صَلَاةٍ لَا يُقْرَأُ فيها بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَرَاءَ الْإِمَامِ فإنه مَوْقُوفٌ في الْمُوَطَّإِ وثانيها يُرَجَّحُ الْخَبَرُ الْمُؤَدَّى بِلَفْظِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم على الْمَرْوِيِّ بِمَعْنَاهُ وَحَكَى
  208. صَاحِبُ الْمَصَادِرِ عن الشَّرِيفِ الْمُرْتَضَى أَنَّهُ إنْ كان رَاوِي الْمَعْنَى عَارِفًا فَلَا تَرْجِيحَ لِأَحَدِهِمَا على الْآخَرِ وَإِلَّا قُدِّمَ من رَوَى اللَّفْظَ وثالثها يُرَجَّحُ الْخَبَرُ الذي اتَّفَقَتْ رُوَاتُهُ على أَنَّهُ من لَفْظِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم على الْخَبَرِ الذي اُخْتُلِفَ فيه هل هو من لَفْظِهِ أو هو مُدْرَجٌ من لَفْظِ غَيْرِهِ كَخَبَرِ السِّعَايَةِ وما يُعَارِضُهُ في الْعِتْقِ قَالَهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ رَابِعُهَا يُرَجَّحُ الْخَبَرُ الذي حَكَى الرَّاوِي سَبَبَ وُرُودِهِ على من لم يَحْكِهِ لِزِيَادَةِ الِاهْتِمَامِ من الْحَاكِي كما رَجَّحَ الشَّافِعِيُّ رِوَايَةَ مَيْمُونَةَ في النِّكَاحِ وهو حَلَالٌ على رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَمَّا إذَا انْطَبَقَ أَحَدُهُمَا على سَبَبٍ خَاصٍّ وَالْآخَرُ مُطْلَقٌ فَيُقَدَّمُ الْمُطْلَقُ كما قَالَهُ إلْكِيَا بِنَاءً على أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْعُمُومِ قال وقد يُتَصَوَّرُ بِصُورَةِ السَّبَبِ وَلَا يَكُونُ في حَقِيقَتِهِ كما رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً كانت تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ فَتَجْحَدُهُ فَقَطَعَهَا النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فقال قَوْمٌ من الْمُحَدِّثِينَ لَمَّا ذَكَرَ الِاسْتِعَارَةَ وَالْجُحُودَ دَلَّ على أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ إذَا جَحَدَ يُقْطَعُ قِيلَ هذا ظَاهِرُهُ لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا نَقَلَ الْجُحُودَ وَالِاسْتِعَارَةَ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِمُوَافَقَةِ ما يُوجِبُ الْقَطْعَ كما قال من يَرْتَعْ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فيه وَلِأَنَّهُ رُوِيَ في حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّ امْرَأَةً مَخْزُومِيَّةً كانت تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ فَتَجْحَدُهُ فَسَرَقَتْ فَأَهَمَّ قُرَيْشًا شَأْنُهَا فقال وَاَللَّهِ لو سَرَقَتْ فُلَانَةُ وَأَشَارَ إلَى امْرَأَةٍ عَظِيمَةِ الْقَدْرِ لَقَطَعْتُهَا فلما ذَكَرَ السَّرِقَةَ عُلِمَ أنها سَبَبُ الْقَطْعِ لَا الِاسْتِعَارَةُ وَأَنَّ الِاسْتِعَارَةَ كانت سَبَبَ جُرْأَتِهَا على السَّرِقَةِ خَامِسُهَا أَنْ يَتَرَدَّدَ الْأَصْلُ في رِوَايَةِ الْفَرْعِ عنه فَإِنَّهَا مَقْبُولَةٌ على الْمُخْتَارِ إذَا لم يَجْزِمْ بِالْإِنْكَارِ وَحِينَئِذٍ فَالْخَبَرُ الذي لم يَتَرَدَّدْ فيه الْأَصْلُ رَاجِحٌ على هذه سَادِسُهَا أَنْ يَخْتَلِفَ رُوَاةُ أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ وَيَتَّفِقَ رُوَاةُ الْآخَرِ قال أبو مَنْصُورٍ فَرِوَايَةُ من لم تَخْتَلِفْ طُرُقُ رِوَايَاتِهِ أَوْلَى وَذَلِكَ كَرِوَايَةِ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ حَدِيثَ نُصُبِ الزَّكَاةِ أَوْلَى من ذِكْرِ الِاسْتِئْنَافِ بَعْدَ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ من الْإِبِلِ لِأَنَّ الِاسْتِئْنَافَ في إحْدَى رِوَايَتَيْ عَلِيٍّ وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عنه بِخِلَافِهِ وَحَكَى في اللُّمَعِ فيه وَجْهَيْنِ
  209. أَحَدَهُمَا تُقَدَّمُ رِوَايَةُ من لم يَخْتَلِفْ عليه والثاني يَتَعَارَضَانِ عَمَّنْ اخْتَلَفَ عليه وَيَتَسَاقَطَانِ وَتَبْقَى رِوَايَةُ من لم يَخْتَلِفْ قُلْت وهو في الْحَقِيقَةِ رَاجِعٌ إلَى الْأَوَّلِ وَجَزَمَ ابن بَرْهَانٍ بِالْأَوَّلِ ثُمَّ قال وَمِنْ الناس من قال اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ كَثْرَةِ الرُّوَاةِ لِأَنَّهُ يُوَافِقُ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ في شَيْءٍ وَيُسْتَعْمَلُ بِزِيَادَةٍ فَكَانَ ذلك كَكَثْرَةِ الرُّوَاةِ وَقِيلَ اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ لَا يُقَدَّمُ على رِوَايَةِ من لم تَخْتَلِفْ عنه الرِّوَايَةُ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الرِّوَايَةِ يَكُونُ لِحِفْظِ الرَّاوِي قال وَمِثَالُ ذلك حَدِيثُ الِاسْتِئْنَافِ وَالِاسْتِقْرَارِ فإن النبي عليه السَّلَامُ قال إذَا بَلَغَتْ مِائَةً وَعِشْرِينَ اسْتَقَرَّتْ الْفَرِيضَةُ وأبو بَكْرٍ يَرْوِي الِاسْتِقْرَارَ وَرُوِيَ عنه أَيْضًا أَنَّهُ قال اُسْتُؤْنِفَتْ الْفَرِيضَةُ وَمَثَّلَهُ إلْكِيَا بِحَدِيثِ وَائِلٍ أَنَّهُ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كان يَضَعُ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَدَيْهِ ثُمَّ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ ولم يَخْتَلِفْ الرُّوَاةُ عنه فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَيْهِ وَرَوَى حَدِيثَ أبي هُرَيْرَةَ مِثْلَ ذلك وَرُوِيَ عنه النَّهْيُ عن الْبُرُوكِ بَرْكَ الْإِبِلِ في الصَّلَاةِ أَيْ وَضْعُ الرُّكْبَتَيْنِ قبل الْيَدَيْنِ فقال الشَّافِعِيُّ حَدِيثُ وَائِلٍ انْفَرَدَ من الْمُعَارَضَةِ فَهُوَ أَوْلَى من حديث أبي هُرَيْرَةَ وَحَدِيثُهُ قد عَاضَدَتْهُ إحْدَى رِوَايَتَيْ أبي هُرَيْرَةَ فَهُوَ أَوْلَى قال وَيَدْخُلُ في هذا نِكَاحُ الْمُحْرِمِ وَتَخْيِيرُ بَرِيرَةَ وَغَيْرُ ذلك وهو رَاجِعٌ إلَى التَّرْجِيحِ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ قال وَمِمَّا يُقَارِبُ هذا ما نُقِلَ عن الشَّافِعِيِّ في تَرْجِيحِ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ على الْآخَرِ إذَا كان مِثْلُ مَعْنَى أَحَدِهِمَا مَنْقُولًا بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ من وُجُوهٍ كَرِوَايَةِ وَابِصَةَ بن مَعْبَدٍ في الصَّلَاةِ خَلْفَ الصَّفِّ أَعِدْ صَلَاتَك فإنه لَا صَلَاةَ لِمُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفِّ وَرَوَى الْجُمْهُورُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَقَفَ بين النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَبَيْنَ الناس فَكَانَ يُؤْذِنُهُمْ
  210. بِتَكْبِيرِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَرَوَى من وَجْهٍ آخَرَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَحْرَمَ خَلْفَ الصَّفِّ ثُمَّ تَقَدَّمَ فَدَخَلَ فيه ولم يَأْمُرْهُ بِإِعَادَةٍ وَوَقَفَ أَعْرَابِيٌّ على يَسَارِ الرَّسُولِ فَأَدَارَهُ عن يَمِينِهِ وَرُوِيَ أَنَّهُ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَمَّ أَنَسًا وَعَجُوزًا مُنْفَرِدَةً خَلْفَ أَنَسٍ فَتُقَدَّمُ على رِوَايَةِ وَابِصَةَ وهو يَرْجِعُ أَيْضًا إلَى التَّرْجِيحِ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ سَابِعُهَا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَحْسَنَ اسْتِيفَاءً لِلْحَدِيثِ من الْآخَرِ كَتَرْجِيحِ رِوَايَةِ جَابِرٍ على رِوَايَةِ غَيْرِهِ في الْإِفْرَادِ لِأَنَّهُ سَرَدَ الحديث من حَالِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم من الْمَدِينَةِ إلَى أَنْ عَادَ إلَيْهَا ثَامِنُهَا أَنْ يَسْمَعَ أَحَدٌ الرِّوَايَتَيْنِ من وَرَاءِ حِجَابٍ وَالْآخَرُ شِفَاهًا فإن رِوَايَةَ الْمُشَافَهَةِ تُقَدَّمُ على رِوَايَةِ الْآخَرِ كَحَدِيثِ عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم خَيَّرَ بَرِيرَةَ حين عَتَقَتْ وَلَوْ كان زَوْجُهَا حُرًّا ما خَيَّرَهَا وَرِوَايَةِ الْأَسْوَدِ عن عَائِشَةَ أَنَّهُ كان حُرًّا قُلْنَا رِوَايَتُهُ مُقَدَّمَةٌ لِأَنَّ رَاوِيَهَا عن عَائِشَةَ عُرْوَةُ وهو ابن أُخْتِهَا وكان يَدْخُلُ عليها وَيَسْمَعُ الحديث منها شِفَاهًا وَغَيْرُهُ يَسْمَعُ من وَرَاءِ الْحِجَابِ تَاسِعُهَا أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ بِرِوَايَةِ حدثنا وَالْآخَرُ بِرِوَايَةِ أخبرنا فَاَلَّذِي بِرِوَايَةِ حدثنا أَوْلَى قَالَهُ السُّهَيْلِيُّ في أَدَبِ الْجَدَلِ لِأَنَّ أخبرنا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ قُرِئَ عليه فَغَفَلَ أو سَهَا بِخِلَافِ حدثنا وَقِيلَ إنَّهُمَا سَوَاءٌ لِأَنَّهُ كما يُحْتَمَلُ سَهْوُ الشَّيْخِ في أخبرنا يُحْتَمَلُ سَهْوُ الرَّاوِي في حدثنا
  211. عَاشِرُهَا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا يَرْوِيهِ عن حِفْظِهِ وَكِتَابِهِ وَالْآخَرُ يَرْوِيهِ عن أَحَدِهِمَا فَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِبُعْدِهِ من الزَّلَلِ ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ أَيْضًا وَحَكَى صَاحِبُ الْمَصَادِرِ عن الشَّرِيفِ أَنَّهُ إذَا كان أَحَدُهُمَا رَوَاهُ وَسَمِعَهُ وهو ذَاكِرٌ له وَالْآخَرُ يَرْوِيهِ من كِتَابِهِ فَالْأَوَّلُ أَوْلَى فَإِنْ ذَكَرَ أَنَّ جَمِيعَ ما في كِتَابِهِ سَمَاعُهُ فَلَا تَرْجِيحَ حَادِي عَشَرَهَا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا يَرْوِيهِ بِسَمَاعِهِ من لَفْظِ الشَّيْخِ وَالْآخَرُ بِقِرَاءَتِهِ على شَيْخِهِ إذَا قُلْنَا قِرَاءَةُ الشَّيْخِ أَعْلَى كَذَا ذَكَرُوهُ وَهَذَا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ إذَا قَرَأَهُ الْعَالِمُ على الْعَالِمِ أَمَّا إذَا قَرَأَهُ الْجَاهِلُ على الْجَاهِلِ فَهُمَا سِيَّانِ ثَانِي عَشَرَهَا ما يَرْوِيهِ بِالسَّمَاعِ على ما يَرْوِيهِ بِالْإِجَازَةِ ثَالِثُ عَشَرَهَا الْمُسْنَدُ رَاجِحٌ على الْمُرْسَلِ إنْ قُبِلَ الْمُرْسَلُ لِلِاتِّفَاقِ على قَبُولِهِ بِخِلَافِ الْمُرْسَلِ وقال قَوْمٌ منهم عِيسَى بن أَبَانَ الْمُرْسَلُ أَوْلَى وقال قَوْمٌ منهم عبد الْجَبَّارِ يَسْتَوِيَانِ قال في الْمَحْصُولِ وما قَالَهُ عِيسَى إنَّمَا يَصِحُّ حَيْثُ يقول الرَّاوِي قال الرَّسُولُ فَأَمَّا إذَا لم يَقُلْ ذلك بَلْ قال ما يَحْتَمِلُهُ كَقَوْلِهِ عن النبي عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا تَرَجُّحَ فيه لِأَنَّهُ في مَعْنَى قَوْلِهِ رُوِيَ عن الرَّسُولِ وَذَلِكَ يُوجِبُ الْمَرْجُوحِيَّةَ أو الرَّدَّ وَضَعَّفَهُ الْهِنْدِيُّ بِأَنَّهُ ظَاهِرٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ من سَمَاعٍ ولم يذكر عَمَّنْ بَلَغَهُ ولم يَصْدُرْ منه ما يُنَبِّئُ عن حُصُولِ غَلَبَةِ الظَّنِّ له فلم تُقْبَلْ رِوَايَتُهُ قال وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا تَرْجِيحَ فيه لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْمُسْنَدِ وَلِهَذَا قَبِلَهُ من لم يَقْبَلْ الْمُرْسَلَ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ وَهُنَا فَرْعَانِ أَحَدُهُمَا هذا الْخِلَافُ في غَيْرِ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ فإن مَرَاسِيلَهُمْ مَقْبُولَةٌ على الصَّحِيحِ فَهِيَ كَالْمُسْنَدَةِ حتى لو عَارَضَهَا صَحَابِيٌّ صَرَّحَ بِالسَّمَاعِ فَهُمَا سَوَاءٌ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يَتَطَرَّقُهُ خِلَافٌ وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ من صُوَرِ الْخِلَافِ فَهُوَ مُقَدَّمٌ على مَرَاسِيلِ التَّابِعِيِّ لِأَنَّ ظَاهِرَ رِوَايَتِهِ عن الصَّحَابَةِ وَكُلَّمَا عُلِمَ من الْمَرَاسِيلِ قِلَّةُ الْوَسَائِطِ فَهُوَ أَرْجَحُ على ما لم يُعْلَمْ منه ذلك وَحِينَئِذٍ فَمَرَاسِيلُ كل عَصْرٍ أَوْلَى من مَرَاسِيلِ ما بَعْدَهُ ثَانِيهِمَا إذَا كان لَا يُرْسِلُ إلَّا عن عَدْلٍ كَابْنِ الْمُسَيِّبِ فَهُوَ وَالْمُسْنَدُ سَوَاءٌ وَمِنْ ثَمَّ رَجَّحَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَمَّا إذَا عُلِمَ من حَالِهِ أَنَّهُ لَا يُرْسِلُ إلَّا إذَا حَصَلَ له غَلَبَةُ الظَّنِّ
  212. بِصِدْقِ الْخَبَرِ فَمُرْسَلُهُ رَاجِحٌ على مُسْنَدِهِ الرَّابِعُ بِوَقْتِ وُرُودِ الْخَبَرِ وَيُرَجَّحُ بِوُجُوهٍ وَهِيَ غَيْرُ قَوِيَّةٍ في الرُّجْحَانِ كما قال الْإِمَامُ أَوَّلُهَا الْخَبَرُ الْمَدَنِيُّ أَيْ الذي رُوَاتُهُ من الْمَدِينَةِ مُقَدَّمٌ على غَيْرِهِ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ مَهْبِطِ الْوَحْيِ وَمَوْضِعَهُمْ مَوْضِعُ النَّاسِخِ وَلَهُمْ الْعِنَايَةُ بِمَا وَقَعَ عِنْدَهُمْ لِأَنَّ الْمَدَنِيَّاتِ مُتَأَخِّرَةٌ عن الْهِجْرَةِ قال ابن بَرْهَانٍ وَلِذَلِكَ قَدَّمْنَا رِوَايَتَهُمْ على رِوَايَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ في تَرْجِيعِ الْأَذَانِ وَإِفْرَادِ الْإِقَامَةِ قال الْأُسْتَاذُ وَكَذَلِكَ تَعَارُضُ الْآيَتَيْنِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمَدَنِيَّةَ نَاسِخَةٌ لِلْمَكِّيَّةِ مع إمْكَانِ نُزُولِ الْمَكِّيَّةِ بَعْدَ النَّسْخِ وَنُزُولِ الْمَدَنِيَّةِ قَبْلَهُ إلَّا أَنَّ نَسْخَ الْمَكِّيَّاتِ بِالْمَدَنِيَّاتِ أَكْثَرُ من الْعَكْسِ ثَانِيهَا تَرْجِيحُ الْخَبَرِ الدَّالِ على عُلُوِّ شَأْنِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم على ما ليس كَذَلِكَ ثَالِثُهَا الْمُتَضَمِّنُ لِلتَّغْلِيظِ على الْمُتَضَمِّنِ لِلتَّخْفِيفِ لِأَنَّهُ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كان في ابْتِدَاءِ أَمْرِهِ يَرْأَفُ بِالنَّاسِ وَيَأْخُذُهُمْ شيئا فَشَيْئًا وَلَا يَتَعَبَّدُ بِالتَّغْلِيظِ فَاحْتِمَالُ تَأْخِيرِ التَّشْدِيدِ أَظْهَرُ هَكَذَا ذَكَرَهُ الْآمِدِيُّ وابن الْحَاجِبِ حَيْثُ قال أو شَدِيدُهُ لِتَأَخُّرِ التَّشْدِيدَاتِ لَكِنَّهُ ذَكَرَ قبل ذلك أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْأَخَفُّ على الْأَثْقَلِ وَكَذَا قال الْبَيْضَاوِيُّ يُقَدَّمُ الْمُتَضَمِّنُ لِلتَّخْفِيفِ رَابِعُهَا يُرَجَّحُ الْخَبَرُ الْمَرْوِيُّ مُطْلَقًا على الْمَرْوِيِّ بِتَارِيخٍ مُتَقَدِّمٍ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ أَشْبَهَ بِالتَّأَخُّرِ كَذَا قالوا وهو مُخَالِفٌ لِتَرْجِيحِ الْأَصْحَابِ في الْبَيِّنَاتِ إذَا أُطْلِقَتْ وَاحِدَةٌ وَأُرِّخَتْ الْأُخْرَى أَنَّهُمَا سَوَاءٌ على الْمَذْهَبِ خَامِسُهَا الْمُؤَرَّخُ بِتَارِيخٍ مُضَيَّقٍ في آخِرِ عُمْرِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم على الْمُطْلَقِ لِأَنَّهُ أَظْهَرُ تَأَخُّرًا وَسَبَقَ ما فيه من الْخِلَافِ وَجَعَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ منه أَخْبَارَ الدِّبَاغِ وقد سَبَقَ أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ فيها سَادِسُهَا إذَا حَصَلَ إسْلَامُ رَاوِيَيْنِ مَعًا كَإِسْلَامِ خَالِدٍ وَعَمْرِو بن الْعَاصِ وَعُلِمَ أَنَّ أَحَدَهُمَا يَحْمِلُ الحديث بَعْدَ إسْلَامِهِ فَيُرَجَّحُ خَبَرُهُ على الْخَبَرِ الذي لَا يُعْلَمُ هل تَحَمَّلَهُ الْآخَرُ قبل الْإِسْلَامِ أو بَعْدَهُ لِأَنَّهُ أَظْهَرُ تَأَخُّرًا وَهَذَا يَسْتَقِيمُ لو كان ذلك الْخَبَرُ الذي وَقَعَ التَّعَارُضُ فيه على ما ذَكَرَهُ من الْوَصْفِ أو كان يَعْلَمُ أَنَّ أَكْثَرَ رِوَايَاتِ أَحَدِهِمَا كان بِسَمَاعِهِ بَعْدَ إسْلَامِهِ فَأَمَّا إذَا لم يَكُنْ على هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فَلَا يَسْتَقِيمُ
  213. الْقَوْلُ في التَّرْجِيحِ من جِهَةِ الْمَتْنِ وهو بِاعْتِبَارَاتٍ الْأَوَّلُ التَّرْجِيحُ بِحَسَبِ اللَّفْظِ وَيَقَعُ بِأُمُورٍ أَوَّلُهَا فَصَاحَةُ أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ مع رَكَاكَةِ الْآخَرِ وَهَذَا إنْ قَبِلْنَا كُلًّا مِنْهُمَا فَإِنْ لم نَقْبَلْ الرَّكِيكَ كما صَارَ إلَيْهِ بَعْضُهُمْ لم يَكُنْ مِمَّا نَحْنُ فيه وقال قَوْمٌ يُرَجَّحُ الْأَفْصَحُ على الْفَصِيحِ لِأَنَّ الظَّنَّ بِأَنَّهُ لَفْظُ النبي عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَقْوَى وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُرَجَّحُ بِهِ لِأَنَّ الْبَلِيغَ قد يَتَكَلَّمُ بِالْأَفْصَحِ وَالْفَصِيحِ لَا سِيَّمَا إذَا كان مع ذَوِي لُغَةٍ لَا يَعْرِفُونَ سِوَى تِلْكَ الْفَصِيحَةِ كَرِوَايَةِ ليس من امْبِرِّ امْصِيَامُ في امْسَفَرِ ثَانِيهَا يُرَجَّحُ الْخَاصُّ على الْعَامِّ قال إلْكِيَا وَالْفِقْهُ على ذلك يَدُورُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَرَاءَ ذَلِكُمْ ثُمَّ رُوِيَ أَنَّهُ نهى عن نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَالشِّغَارِ وَالْمُحْرِمِ وَنِكَاحِ الْمَرْأَةِ على عَمَّتِهَا وَالنِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ وَشَاهِدٍ وقال تَعَالَى وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ثُمَّ نهى عن بَيْعِ الْغَرَرِ وَالْحَصَاةِ وَبَيْعَتَيْنِ في بَيْعَةٍ وَبَيْعٍ وَسَلَفٍ وقال تَعَالَى قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ الْآيَةُ ثُمَّ نهى عن أَكْلِ ذِي نَابٍ من السِّبَاعِ وَمِخْلَبٍ من الطَّيْرِ وَلَئِنْ حَمَلَ حَامِلٌ النَّهْيَ على التَّنْزِيهِ بِدَلَالَةِ الْعُمُومِ وَجَدَ مَقَالًا وَلَكِنْ يُقَالُ الْخَاصُّ يَقْضِي على الْعَامِّ فإن الْخَاصَّ أَقْرَبُ إلَى التَّعْيِينِ من الْجُمْلَةِ إذْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَقْصِدَ بها تَمْهِيدَ الْأُصُولِ ثَالِثُهَا يُقَدَّمُ الْعَامُّ الذي لم يُخَصَّصْ على الْعَامِّ الذي خُصَّ نَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عن الْمُحَقِّقِينَ وَجَزَمَ بِهِ سُلَيْمٌ وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ دُخُولَ التَّخْصِيصِ يُضْعِفُ اللَّفْظَ وَلِأَنَّهُ يَصِيرُ بِهِ مَجَازًا على قَوْلٍ وقال الْإِمَامُ الرَّازِيَّ لِأَنَّ الذي قد دَخَلَهُ قد أُزِيلَ عن
  214. تَمَامِ مُسَمَّاهُ وَالْحَقِيقَةُ تُقَدَّمُ على الْمَجَازِ وَاعْتَرَضَ الْهِنْدِيُّ بِأَنَّ الْمَخْصُوصَ رَاجِحٌ من حَيْثُ كَوْنُهُ خَاصًّا بِالنِّسْبَةِ إلَى ذلك الْعَامِّ الذي لم يَدْخُلْهُ التَّخْصِيصُ وَحَكَى ابن كَجٍّ التَّقْدِيمَ عن قَوْمٍ وَوَجَّهَهُ بِإِجْمَاعِهِمْ على التَّعَلُّقِ بِمَا لم يُخَصَّ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا خُصَّ قال وَعِنْدَنَا أَنَّهُمَا سَوَاءٌ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا في حُكْمِ سَمَاعِ الْحَادِثَةِ من هذا اللَّفْظِ كَهُوَ من اللَّفْظِ الْآخَرِ وَأَيْضًا فإن الْمَخْصُوصَ يَدُلُّ على قُوَّتِهِ لِأَنَّهُ قد صَارَ كَالنَّصِّ على تِلْكَ الْعَيْنِ قال وقد أَجْمَعُوا كلهم على أَنَّ الْعُمُومَ إذَا اُسْتُثْنِيَ بَعْضُهُ صَحَّ التَّعَلُّقُ بِهِ وَاخْتَارَ ابن الْمُنِيرِ مَذْهَبًا ثَالِثًا وهو تَقْدِيمُ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ على الْعَامِّ الذي لم يُخَصَّ لِأَنَّ الْمَخْصُوصَ قد قَلَّتْ أَفْرَادُهُ حتى قَارَبَ النَّصَّ إذْ كُلُّ عَامٍّ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ نَصًّا في أَقَلِّ مُتَنَاوَلَاتِهِ فإذا قَرُبَ من الْأَقَلِّ بِالتَّخْصِيصِ فَقَدْ قَرُبَ من التَّنْصِيصِ فَهُوَ أَوْلَى بِالتَّقَدُّمِ رَابِعُهَا يَتَقَدَّمُ الْعَامُّ الْمُطْلَقُ على الْعَامِّ الْوَارِدِ على سَبَبٍ إنْ قُلْنَا الْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لِأَنَّهُ يُوهِنُهُ وَيَحُطُّهُ عن رُتْبَةِ الْعُمُومِ الْمُطْلَقِ وَمَبْنَى التَّرْجِيحِ على غَلَبَةِ الظُّنُونِ قَالَهُ الْإِمَامُ في الْبُرْهَانِ وَسَبَقَ مِثْلُهُ عن إلْكِيَا وَقَطَعَ بِهِ الشَّيْخُ في اللُّمَعِ وَسُلَيْمٌ في التَّقْرِيبِ وَصَاحِبُ الْمَحْصُولِ وَغَيْرُهُمْ قالوا لِأَنَّ الْوَارِدَ على غَيْرِ السَّبَبِ مُتَّفَقٌ على عُمُومِهِ وَالْوَارِدَ على سَبَبٍ مُخْتَلَفٌ في عُمُومِهِ قال الْهِنْدِيُّ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ هذا التَّرْجِيحَ إنَّمَا يَتَأَتَّى بِالنِّسْبَةِ إلَى ذلك السَّبَبِ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى سَائِرِ الْأَفْرَادِ الْمُنْدَرِجَةِ تَحْتَ الْعَامَّيْنِ فَلَا وَالْمُرَادُ من قَوْلِهِمْ الْوَارِدُ على سَبَبٍ رَاجِحٍ أَيْ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُسَبَّبِ لَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَفْرَادِ وَإِنْ كان كَلَامُهُمْ مُطْلَقًا غير مُقَيَّدٍ بِحَالَةٍ دُونَ حَالَةٍ قُلْت وَإِلَيْهِ أَشَارَ ابن الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ في الْمُسَبَّبِ خَامِسُهَا تَرْجِيحُ الْحَقِيقَةِ على الْمَجَازِ لِتَبَادُرِهَا إلَى الذِّهْنِ وَهَذَا ظَاهِرٌ إذَا لم يُغَلَّبْ الْمَجَازُ فَإِنْ غُلِّبَ كان أَظْهَرَ دَلَالَةً منها فَلَا تُقَدَّمُ الْحَقِيقَةُ عليه سَادِسُهَا أَنْ يَكُونَ مَجَازُ أَحَدِهِمَا أَشْبَهَ بِالْحَقِيقَةِ فَيُقَدَّمُ على ما مَجَازُهُ يُشْبِهُهَا سَابِعُهَا الْمُشْتَمِلُ على الْحَقِيقَةِ الْعُرْفِيَّةِ أو الشَّرْعِيَّةِ على الْمُشْتَمِلِ على الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ قال في الْمَحْصُولِ وَهَذَا ظَاهِرٌ في اللَّفْظِ الذي صَارَ شَرْعِيًّا أَيْ بِأَنْ
  215. يَكُونَ اللَّفْظُ وَاحِدًا وَالْمَعْنَى في أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ يَدُلُّ على الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ وفي الْآخَرِ على اللُّغَوِيِّ أَمَّا الذي لم يَثْبُتْ ذلك فيه مِثْلَ أَنْ يَدُلَّ هذا اللَّفْظُ بِوَضْعِهِ الشَّرْعِيِّ على حُكْمٍ وَاللَّفْظُ الثَّانِي بِوَضْعِهِ اللُّغَوِيِّ على حُكْمٍ وَلَيْسَ لِلشَّرْعِ في هذا اللَّفْظِ اللُّغَوِيِّ عُرْفٌ شَرْعِيٌّ فَلَا يَسْلَمُ تَرْجِيحُ الشَّرْعِيِّ على اللُّغَوِيِّ لِأَنَّ هذا اللُّغَوِيَّ إذَا لم يَنْقُلْهُ الشَّرْعُ فَهُوَ لُغَوِيٌّ عُرْفِيٌّ شَرْعِيٌّ وَأَمَّا الثَّانِي فَهُوَ شَرْعِيٌّ وَلَيْسَ بِلُغَوِيٍّ وَلَا عُرْفِيٍّ وَالنَّقْلُ خِلَافُ الْأَصْلِ ثَامِنُهَا وَالْخَبَرُ الْمُسْتَغْنَى عن الْإِضْمَارِ في الدَّلَالَةِ على الْمُفْتَقِرِ إلَيْهَا تَاسِعُهَا يُقَدَّمُ الْخَبَرُ الدَّالُّ على الْمُرَادِ من وَجْهَيْنِ على الدَّالِّ عليه من وَجْهٍ وَاحِدٍ كَقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ إنَّمَا الشُّفْعَةُ فِيمَا لم يُقْسَمْ فَقَضِيَّتُهُ أَنَّ ما يُقْسَمُ لَا شُفْعَةَ فيه ثُمَّ قال فإذا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ فَيُقَدَّمُ على رِوَايَةِ الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَتِهِ لِأَنَّ هذا الحديث يَدُلُّ بِوَجْهٍ وَحَدِيثُنَا يَدُلُّ بِوَجْهَيْنِ عَاشِرُهَا تَرْجِيحُ الْخَبَرِ الدَّالِّ على الْحُكْمِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ على ما يَدُلُّ عليه بِوَاسِطَةٍ لِزِيَادَةِ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِقِلَّةِ الْوَاسِطَةِ كَقَوْلِهِ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فإنه لَا يَدُلُّ على بُطْلَانِ نِكَاحِهَا إذَا نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِإِذْنِ وَلِيِّهَا إلَّا بِوَاسِطَةِ الْإِجْمَاعِ أو يُقَالُ إذَا بَطَلَ عِنْدَ عَدَمِ الْإِذْنِ بَطَلَ بِالْإِذْنِ إذْ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا من وَلِيِّهَا فإنه يَدُلُّ على بُطْلَانِ نِكَاحِهَا إذَا نَكَحَتْ نَفْسَهَا مُطْلَقًا من غَيْرِ وَاسِطَةٍ فَالْحَدِيثُ الثَّانِي أَرْجَحُ حَادِيَ عَشَرَهَا يُرَجَّحُ الْخَبَرُ الْمَذْكُورُ من لَفْظٍ مُومٍ إلَى عِلَّةِ الْحُكْمِ على ما ليس كَذَلِكَ لِأَنَّ الِانْقِيَادَ إلَيْهِ أَكْثَرُ من الِانْقِيَادِ إلَى غَيْرِ الْمُعَلَّلِ لِأَنَّ ظُهُورَ التَّعْلِيلِ من أَسْبَابِ قُوَّةِ التَّعْمِيمِ كَتَقْدِيمِ قَوْلِهِ عليه السَّلَامُ من بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ على حديث النَّهْيِ عن قَتْلِ النِّسَاءِ من جِهَةِ أَنَّ التَّبْدِيلَ إيمَاءٌ إلَى الْعِلَّةِ
  216. ثَانِيَ عَشَرَهَا الْمُتَقَدِّمُ فيه ذِكْرُ الْعِلَّةِ على الْحُكْمِ وَعَكَسَ النَّقْشَوَانِيُّ ثَالِثَ عَشَرَهَا الْمَذْكُورُ مع مُعَارَضَةٍ أَوْلَى مِمَّا ليس كَذَلِكَ كَحَدِيثِ نَهَيْتُكُمْ عن زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا فَيُرَجَّحُ على الدَّالِّ على تَحْرِيمِ الزِّيَارَةِ رَابِعَ عَشَرَهَا الْمَقْرُونُ بِنَوْعٍ من التَّهْدِيدِ لِأَنَّهُ يَدُلُّ على تَأَكُّدِ الْحُكْمِ الذي تَضَمَّنَتْهُ كَقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ من صَامَ يوم الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ خَامِسَ عَشَرَهَا الْمَقْرُونُ بِالتَّأْكِيدِ بِأَنْ يُكَرَّرَ أَحَدُهُمَا ثَلَاثًا وَالْآخَرُ لم يُؤَكَّدْ فَيُرَجَّحُ الْمُؤَكَّدُ على غَيْرِهِ لِأَنَّ التَّأْكِيدَ يُبْعِدُ احْتِمَالَ الْمَجَازِ وَالتَّأْوِيلِ كَقَوْلِهِ أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ فإنه رَاجِحٌ على ما يَرَوْنَهُ الْحَنَفِيَّةُ الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا من وَلِيِّهَا لو سَلِمَ دَلَالَتُهُ على الْمَطْلُوبِ سَادِسَ عَشَرَهَا الْمَقْصُودُ بِهِ بَيَانُ الْحُكْمِ كَقَوْلِهِ فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ من التَّمْرِ مع قَوْلِهِ ليس فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ من التَّمْرِ صَدَقَةٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَأَوَّلَ فَيُقَالُ مَعْنَاهُ ليس فيها صَدَقَةٌ يَأْخُذُهَا الْعَامِلُ بِدَلِيلِ الْخَبَرِ الْآخَرِ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا قُصِدَ فيه بَيَانُ الْمُزَكَّى وَالْآخَرَ بَيَانُ الزَّكَاةِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ الْكَلَامُ يُجْمَلُ في غَيْرِ مَقْصُودِهِ وَيُفَصَّلُ في مَقْصُودِهِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ في سَائِمِ الْغَنَمِ زَكَاةٌ مع قَوْلِهِ في أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ وَكَذَلِكَ ليس فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ من الْوَرِقِ صَدَقَةٌ مع قَوْلِهِ في الرِّقَّةِ رُبُعُ الْعُشْرِ فَيُحْمَلُ الْأَمْرُ على بَيَانِ الْمُزَكَّى وَالزَّكَاةِ لَا على ما لم يُنْقَلْ له الْخَبَرُ ولم يَدُلَّ عليه الْمَسْمُوعُ ذَكَرَهُ إلْكِيَا ثُمَّ قال نعم قد يَرِدُ على صُورَةِ الْبَيَانِ وَإِنْ لم يَكُنْ بَيَانًا حَقًّا كَقَوْلِهِ في حديث مَاعِزٍ أَشَهِدْت على نَفْسِك أَرْبَعًا وفي لَفْظٍ أنت تَشْهَدُ وَأَنَّهُ رَدَّدَهُ فقال أَهْلُ الْعِرَاقِ إنَّهُ لَمَّا رَدَّدَهُ مِرَارًا ثُمَّ قال أَشَهِدْت على نَفْسِك أَرْبَعًا دَلَّ على أَنَّ قَوْلَهُ فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا أَيْ اعْتَرَفَتْ أَرْبَعًا فَقُلْنَا لم يَكُنْ التَّرَدُّدُ وَالرَّدُّ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِالِاعْتِرَافِ الْأَوَّلِ وَلَكِنْ لم يُفْصِحْ أَوَّلًا بِمَا يَلْزَمُهُ الْحَدُّ وَرَأَى فيه دَلَائِلَ الْخَبَلِ وَالْجُنُونِ وَلِذَلِكَ قال لَعَلَّك لَمَسْت وَسَأَلَ عن النُّونِ وَالْكَافِ فَقُلْنَا في مِثْلِ ذلك رِوَايَةُ مَاعِزٍ مُقَدَّمَةٌ وَقَلَبُوا الْأَمْرَ فلم يَجْعَلُوا الْبَيَانَ في
  217. الْقِسْمِ الْمُتَقَدِّمِ مُعْتَبَرًا قَدَّمُوا الْعُمُومَ عليه وَقَدَّمُوا الْبَيَانَ على الْعُمُومِ هَاهُنَا وَمِنْ هذا اخْتِلَافُ الرِّوَايَاتِ في سُجُودِ السَّهْوِ قبل السَّلَامِ وَبَعْدَهُ فَكَانَ ما رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ أَوْلَى لِأَنَّ فِيمَا رَوَاهُ وَاسْجُدْ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ قبل السَّلَامِ فَإِنْ كان أَرْبَعًا فَالسَّجْدَتَانِ تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ وَإِنْ كان خَمْسًا شَفَعْتَهَا بِالسَّجْدَتَيْنِ فَذِكْرُ التَّرْغِيمِ وَالشَّفْعِ لَا يَكُونُ مع الْفَصْلِ وَالتَّخَلُّلِ فَكَانَ ما نَقَلْنَاهُ إيمَاءً إلَى بَيَانِ السَّبَبِ على ما رَدَّدَهُ وَلَهُ وَجْهٌ آخَرُ من التَّرْجِيحِ وهو وُرُودُ الْأَمْرِ وَالْفِعْلِ وَنَقَلُوا الْأَمْرَ فَقَطْ وَالْأَمْرُ أَبْيَنُ من الْفِعْلِ الذي يُمْكِنُ تَقْدِيرُ اخْتِصَاصِهِ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم سَابِعَ عَشَرَهَا مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ على الْمُخَالَفَةِ على الصَّحِيحِ لِأَنَّهُ أَقْوَى وَقِيلَ تُقَدَّمُ الْمُخَالَفَةُ لِأَنَّهَا تُفِيدُ تَأْسِيسًا وَالْمُوَافَقَةُ لِلتَّأْكِيدِ وَالتَّأْسِيسُ أَوْلَى وَقِيلَ يَتَعَارَضُ مَفْهُومُ الْغَايَةِ وَالشَّرْطِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُمَثَّلَ له بِقَوْلِهِ تَعَالَى حتى يَطْهُرْنَ فإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ فإن مَفْهُومَ الْغَايَةِ يَقْتَضِي حِلَّ الْقُرْبَانِ قبل الْغُسْلِ وَمَفْهُومَ الشَّرْطِ يَقْتَضِي الْمَنْعَ قبل الْغُسْلِ الثَّانِي التَّرْجِيحُ بِحَسَبِ مَدْلُولِهِ وهو الْحُكْمُ وَيَقَعُ على أُمُورٍ أَوَّلُهَا أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ مُفِيدًا لِحُكْمِ الْأَصْلِ وَالْبَرَاءَةِ وَالثَّانِي نَاقِلًا فَالْجُمْهُورُ على أَنَّهُ يَجِبُ تَرْجِيحُ النَّاقِلِ وَبِهِ جَزَمَ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ وَنَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ عن أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَجَزَمَ بِهِ ابن الْقَطَّانِ في كِتَابِهِ قال وَإِنَّمَا لم نَقُلْ إنَّهُمَا سَوَاءٌ لِأَنَّ النَّاقِلَ زَائِدٌ على الْمُقَرَّرِ وَمِنْ أَصْلِنَا قَبُولُ الزِّيَادَةِ كما لو شَهِدَا على رَجُلٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَشَهِدَ آخَرَانِ بِالْبَرَاءَةِ أو الْقَضَاءِ فَالْإِبْرَاءُ أَوْلَى لِأَنَّهُمَا قد شَهِدَا بِمَا شَهِدَ الْأَوَّلَانِ وزاد النَّقْلُ على تِلْكَ الْحَالَةِ وَكَمَا قُلْنَا في الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ إذَا اجْتَمَعَا فَالْجَرْحُ أَوْلَى انْتَهَى وَقِيلَ يَجِبُ تَرْجِيحُ الْمُقَرَّرِ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ وَالْبَيْضَاوِيُّ كَحَدِيثَيْ مَسِّ الذَّكَرِ فإن النَّاقِضَ نَاقِلٌ عن حُكْمِ الْأَصْلِ وَالْآخَرَ مُقَرِّرٌ له
  218. تَنْبِيهٌ قال الْقَاضِي عبد الْجَبَّارِ هذا الْخِلَافُ ليس من بَابِ التَّرْجِيحِ بَلْ من بَابِ النَّسْخِ لِأَنَّا نَعْمَلُ بِالنَّاقِلِ على أَنَّهُ نَاسِخٌ وَلِأَنَّهُ لو كان من بَابِ التَّرْجِيحِ لَوَجَبَ أَنْ يَعْمَلَ بِالْخَبَرِ الْآخَرِ لَوْلَاهُ لَكِنَّا إنَّمَا نَحْكُمُ بِحُكْمِ الْأَصْلِ لِدَلَالَةِ الْعَقْلِ لَا لِأَجْلِ الْخَبَرِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ من بَابِ التَّرْجِيحِ وَلِهَذَا أَوْرَدُوهُ في بَابِهِ لَا في بَابِ النَّسْخِ لِأَنَّا لَا نَقْطَعُ بِالنَّسْخِ بَلْ نَقُولُ الظَّاهِرُ ذلك وَإِنْ كان خِلَافُهُ فَهُوَ دَاخِلٌ في بَابِ الْأَوْلَى وهو تَرْجِيحٌ ثَانِيهَا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَقْرَبَ إلَى الِاحْتِيَاطِ بِأَنْ يَقْتَضِيَ الْحَظْرَ وَالْآخَرُ الْإِبَاحَةَ فَيُقَدَّمُ مُقْتَضَى الْحَظْرِ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَاتِ يُحْتَاطُ لِإِثْبَاتِهَا ما أَمْكَنَ وَلِحَدِيثِ دَعْ ما يَرِيبُك إلَى ما لَا يَرِيبُك قال الشَّيْخُ في اللُّمَعِ وابن بَرْهَانٍ هذا هو الصَّحِيحُ وَقِيلَ يُرَجَّحُ الْمُقْتَضِي لِلْإِبَاحَةِ لِأَنَّهَا تَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْحَرَجِ الذي هو الْأَصْلُ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ في الْمُلَخَّصِ وَأَشَارَ الْآمِدِيُّ إلَى الْقَوْلِ بِهِ بَحْثًا وَحَكَاهُمَا الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَجْهَيْنِ وقال الْقَاضِي وَالْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ يَتَسَاوَيَانِ فَلَا يُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا على الْآخَرِ لِأَنَّهُمَا حُكْمَانِ شَرْعِيَّانِ صَدَقَ الرَّاوِي فِيهِمَا على وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ وَصَحَّحَهُ الْبَاجِيُّ وَنَقَلَهُ عن شَيْخِهِ الْقَاضِي أبي جَعْفَرٍ وَصَوَّرَ في الْحَاصِلِ الْمَسْأَلَةَ بِأَنْ يَقْتَضِيَ الْعَقْلُ حُرْمَةَ وَإِبَاحَةَ ما أَبَاحَهُ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ وَحَرَّمَهُ الْآخَرُ ثُمَّ نَقَلَ فيه التَّسَاوِي ثُمَّ قال لَا يَسْتَقِيمُ ذلك على أَصْلِنَا الْعَازِلِ لِلْعَقْلِ عن أَحْكَامِ الشَّرْعِ أَمَّا على أَصْلِ الْمُعْتَزِلَةِ فَنَعَمْ وقال سُلَيْمٌ إنْ كان لِلشَّيْءِ أَصْلُ إبَاحَةٍ وَحَظْرٍ وَأَحَدُ الْخَبَرَيْنِ يُوَافِقُ ذلك الْأَصْلَ وَالْآخَرُ بِخِلَافِهِ كان النَّاقِلُ عن ذلك الْأَصْلِ أَوْلَى كَتَقْدِيمِ الْخَبَرِ في تَحْرِيمِ النَّبِيذِ وَإِنْ لم يَكُنْ له أَصْلٌ من حَظْرٍ وَلَا إبَاحَةٍ فَيَرِدُ خَبَرٌ يَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ وَآخَرُ الْحَظْرَ فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْحَظْرَ أَوْلَى لِلِاحْتِيَاطِ وَلِأَنَّ الْحَرَامَ يَغْلِبُ
  219. والثاني أَنَّهُمَا سَوَاءٌ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْمُبَاحِ كَتَحْلِيلِ الْحَرَامِ فلم يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا مَزِيَّةٌ على الْآخَرِ وقد رَوَيْنَا في الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ لِلطَّبَرَانِيِّ عن مُحَمَّدِ بن عبد اللَّهِ الْحَضْرَمِيِّ حدثنا يحيى الْحَمَّامِيُّ حدثنا مُوسَى بن مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيُّ عن يحيى بن الْحَارِثِ التَّمِيمِيِّ عن أُمِّ مَعْبَدٍ مَوْلَاةِ قَرَظَةَ بن كَعْبٍ قال أَيْ نَبِيُّ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم إنَّ الْمُحَرِّمَ ما أَحَلَّ اللَّهُ كَالْمُسْتَحِلِّ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وقال إلْكِيَا إنْ كانت الْإِبَاحَةُ هِيَ الْأَصْلُ فَالْحَظْرُ أَوْلَى وَهَذَا ليس من الْمُتَعَارِضِ فَنُقَدِّمُ الْإِبَاحَةَ على طَرَيَان الْحَظْرِ فَكَأَنَّ الْإِبَاحَةَ في حُكْمِ الْمَنْسُوخِ وَإِنْ كان الْحَظْرُ هو الْأَصْلُ فَالْأَخْذُ بِالْإِبَاحَةِ أَوْلَى أَمَّا إذَا تَعَارَضَا ولم يُعْلَمْ أَصْلُ أَحَدِهِمَا فَهُوَ مَوْضِعُ التَّوَقُّفِ فَذَهَبَ عِيسَى بن أَبَانَ إلَى أَنَّ الْحَظْرَ يُرَجَّحُ وَقِيلَ إنَّهُ مَذْهَبُ الْكَرْخِيِّ لِأَنَّ الْحَرَامَ يَغْلِبُ وقال أبو هَاشِمٍ يَسْتَحِيلُ وُرُودِ الْخَبَرَيْنِ في الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ وَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ الْمُسْتَحِيلِ ثُمَّ قال إلْكِيَا وَالْحَقُّ ما قَالَهُ أبو هَاشِمٍ إذَا أَمْكَنَ من تَعَارُضِهِمَا من هذا الْوَجْهِ وَالرُّجُوعُ إلَى وَجْهٍ آخَرَ في التَّرْجِيحِ إمَّا من حَيْثُ الِاحْتِيَاطُ إذَا أَمْكَنَ الْقَوْلُ بِهِ في التَّرْجِيحِ على ما بَيَّنَّاهُ أو بِوَجْهٍ آخَرَ قَدَّمْنَاهُ فَائِدَةٌ من أَمْثِلَةِ هذا الْقِسْمِ أَنَّ الْقَاضِيَ بَكَّارًا وَالْمُزَنِيَّ اجْتَمَعَا في جِنَازَةٍ وكان الْقَاضِي يُرِيدُ أَنْ يَسْمَعَ كَلَامَ الْمُزَنِيِّ فَسَأَلَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ الْمُزَنِيَّ فقال يا أَبَا إبْرَاهِيمَ جاء في الْأَحَادِيثِ تَحْرِيمُ النَّبِيذِ وَجَاءَ تَحْلِيلُهُ فَلِمَ قَدَّمْتُمْ التَّحْرِيمَ على التَّحْلِيلِ فقال الْمُزَنِيّ لم يَذْهَبْ أَحَدٌ من الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّ النَّبِيذَ كان حَرَامًا في الْجَاهِلِيَّةِ ثُمَّ نُسِخَ وَوَقَعَ الِاتِّفَاقُ على أَنَّهُ كان حَلَالًا فَهَذَا يَعْضِدُ صِحَّةَ الْأَحَادِيثِ بِالتَّحْرِيمِ فَاسْتَحْسَنَ ذلك منه
  220. ثَالِثُهَا أَنْ يَقْتَضِيَ أَحَدُهُمَا التَّحْرِيمَ وَالْآخَرُ الْإِيجَابَ وَرَجَّحَ الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ الْمُقْتَضِيَ لِلتَّحْرِيمِ لِأَنَّهُ يَسْتَدْعِي دَفْعَ الْمَفْسَدَةِ وَهِيَ أَهَمُّ من جَلْبِ الْمَصْلَحَةِ وَرَجَّحَ الْبَيْضَاوِيُّ التَّسَاوِي وَهِيَ أَقْرَبُ لِتَعَذُّرِ الِاحْتِيَاطِ لِأَنَّهُ بِالْعَقْلِ بِخِلَافِ التَّحْرِيمِ بِالتَّرْكِ بِخِلَافِ الْإِيجَابِ فَكِلَاهُمَا يُوقِعُ في الْعِقَابِ وَجَزَمَ بِهِ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وقال لَا يُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا على الْآخَرِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَمِثَالُهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ إنَّمَا الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ فَلَا تَصُومُوا حتى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا له قال نَافِعٌ فَكَانَ عبد اللَّهِ إذَا مَضَى من شَعْبَانَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ بَعَثَ من يَنْظُرُ فَإِنْ رَأَى فَذَاكَ وَإِنْ لم يَرَ ولم يَحُلْ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ وَلَا قَتَرٌ أَصْبَحَ مُفْطِرًا وَإِلَّا أَصْبَحَ صَائِمًا وَهَذَا يَسْتَدِلُّ بِهِ من يقول بِوُجُوبِ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ وَيُعَارِضُهُ خَصْمُهُ بِحَدِيثِ عَمَّارِ بن يَاسِرٍ من صَامَ يوم الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ وَذَكَرَ الْقَاضِي في مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ في تَعَارُضِ الْعِلَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْإِيجَابِ مع الْعِلَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلنَّدَبِ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَدَّمَ الْإِيجَابَ قال وَفِيهِ نَظَرٌ فإن في الْوُجُوبِ قَدْرًا زَائِدًا على النَّدْبِ وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ رَابِعُهَا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُثْبِتًا وَالْآخَرُ نَافِيًا وَهُمَا شَرْعِيَّانِ قال فَالصَّحِيحُ تَقْدِيمُ الْمُثْبِتِ وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عن جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ لِأَنَّ معه زِيَادَةَ عِلْمٍ وَلِهَذَا قَدَّمُوا خَبَرَ بِلَالٍ في صَلَاتِهِ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ دَاخِلَ الْبَيْتِ على خَبَرِ أُسَامَةَ أَنَّهُ لم يُصَلِّ وَقِيلَ بَلْ يُقَدَّمُ النَّافِي وَقِيلَ بَلْ هُمَا سَوَاءٌ لِاحْتِمَالِ وُقُوعِهَا في الْحَالَيْنِ وَاخْتَارَهُ في الْمُسْتَصْفَى بِنَاءً على أَنَّ الْفِعْلَيْنِ لَا يَتَعَارَضَانِ وهو قَوْلُ الْقَاضِي عبد الْجَبَّارِ قال الْبَاجِيُّ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ شَيْخُهُ أبو جَعْفَرٍ وهو الصَّحِيحُ وَقِيلَ إلَّا في الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَفَصَّلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فقال النَّافِي إنْ نَقَلَ لَفْظًا مَعْنَاهُ النَّفْيُ كما إذَا نَقَلَ أَنَّهُ
  221. لَا يَحِلُّ وَنَقَلَ الْآخَرُ أَنَّهُ يَحِلُّ فَهُمَا سَوَاءٌ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُثْبِتٌ وَإِنْ لم يَكُنْ كَذَلِكَ بَلْ أَثْبَتَ أَحَدُهُمَا فِعْلًا أو قَوْلًا وَنَفَاهُ الْآخَرُ بِقَوْلِهِ ولم يَقُلْهُ أو لم يَفْعَلْهُ فَالْإِثْبَاتُ مُقَدَّمٌ لِأَنَّ الْغَفْلَةَ تَتَطَرَّقُ إلَى الْمُصْغِي وَالْمُسْتَمِعِ وَإِنْ كان مُحَدِّثًا وَحَكَى ابن الْمُنِيرِ عن إمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ فَصَّلَ بين إمْكَانِ الِاطِّلَاعِ على النَّفْيِ يَقِينًا بِضَبْطِ الْمَجْلِسِ وَتَحَقُّقِ السُّكُوتِ أو لَا فَإِنْ اطَّلَعَ على النَّفْيِ يَقِينًا وَادَّعَى سَبَبًا يُوَصِّلُ لِلْيَقِينِ تَعَارَضَا وَلَا يُرَجَّحُ الْإِثْبَاتُ وَالنَّفْيُ وقال إلْكِيَا إذَا تَعَارَضَ رِوَايَةُ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وَكَانَا جميعا شَرْعِيَّيْنِ اُسْتُفْسِرَ النَّافِي فَإِنْ أَخْبَرَ عن سَبَبِ عِلْمِهِ بِالنَّفْيِ صَارَ هو وَالْمُثْبِتُ سَوَاءً وَلِهَذَا لم يُرَجِّحْ الشَّافِعِيُّ رِوَايَةَ نَفْيِ الصَّلَاةِ على شُهَدَاءِ أُحُدٍ على رِوَايَةِ الْإِثْبَاتِ لِأَنَّ النَّفْيَ اُعْتُضِدَ بِمَزِيدِ ثِقَةٍ وهو أَنَّ الرَّاوِيَ جَابِرٌ وَأَنَسٌ وَالْمَقْتُولَ عَمُّ أَحَدِهِمَا وَوَالِدُ الْآخَرِ وَلَا يَخْفَى ذلك عَلَيْهِمَا وَإِنْ قال النَّافِي لم أَعْلَمْ بِمَا يُزِيلُهُ فَعَدَمُ الْعِلْمِ لَا يُعَارِضُ الْإِثْبَاتَ كَرِوَايَةِ عَائِشَةَ أَنَّهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم قَبَّلَهَا وهو صَائِمٌ وَأَنْكَرَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ لِأَنَّهَا أَخْبَرَتْ عن عِلْمِهَا
  222. فَلَا يَدْفَعُ حَدِيثَ عَائِشَةَ وَكَحَدِيثِ الصَّلَاةِ في الْكَعْبَةِ وَحَاصِلُهُ إنْ كان النَّافِي قد اسْتَنَدَ إلَى الْعِلْمِ فَهُوَ مُقَدَّمٌ على الْمُثْبِتِ وفي كَلَامِ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ نَحْوُهُ وهو حِينَئِذٍ كَالْمُثْبِتِ وهو نَظِيرُ النَّفْيِ الْمَحْصُورِ وقد صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِقَبُولِ الشَّهَادَةِ فيه وَكَذَلِكَ لو شَهِدَ اثْنَانِ بِالْقَتْلِ في وَقْتٍ مُعَيَّنٍ وَآخَرَانِ أَنَّهُ لم يَقْتُلْ في ذلك الْوَقْتِ لِأَنَّهُ كان مَعَنَا ولم يَغِبْ عَنَّا تَعَارَضَا وَبَحَثَ فيه الرَّافِعِيُّ وَرَدَّهُ النَّوَوِيُّ وقال الصَّوَابُ أَنَّ النَّفْيَ إنْ كان مَحْصُورًا يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِهِ قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ وما قَالَهُ النَّوَوِيُّ صَحِيحٌ وَالنَّفْيُ الْمَحْصُورُ وَالْإِثْبَاتُ سِيَّانِ وقال ابن فُورَكٍ إنْ كان الْمُثْبِتُ حُكْمًا شَرْعِيًّا وَالنَّافِي على حُكْمِ الْعَادَةِ فَالْمُثْبِتُ أَوْلَى وَإِنْ كان الْحُكْمَانِ شَرْعِيَّيْنِ فَقَدْ تَسَاوَيَا إلَّا أَنْ يَكُونَ ما وَرَدَ بِالنَّفْيِ بَيَّنَ أَنَّهُ لم يَعْلَمْ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فَيَكُونُ الْمُثْبِتُ أَوْلَى كَرِوَايَةِ عَائِشَةَ في تَقْبِيلِهَا وهو صَائِمٌ وَأَنْكَرَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ لِأَنَّهَا أَخْبَرَتْ عن عَدَمِ عِلْمِهَا وَذَلِكَ لَا يَدْفَعُ حَدِيثَ عَائِشَةَ قال وَإِنْ كان النَّافِي أَخَصَّ من الْمُثْبِتِ فَالْحُكْمُ لِلْأَخَصِّ وَتَحَصَّلَ أَنَّ الْمُثْبِتَ يُقَدَّمُ إلَّا في صُوَرٍ أَحَدُهُمَا أَنْ يَنْحَصِرَ النَّفْيُ فَيُضَافُ الْفِعْلُ إلَى مَجْلِسٍ وَاحِدٍ لَا تَكْرَارَ فيه فَحِينَئِذٍ يَتَعَارَضَانِ الثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ رَاوِي النَّفْيِ له عِنَايَةٌ بِهِ فَيُقَدَّمُ على الْإِثْبَاتِ كما قُدِّمَ حَدِيثُ جَابِرٍ في تَرْكِ الصَّلَاةِ على قَتْلَى أُحُدٍ على حديث عُقْبَةَ بن عَامِرٍ أَنَّهُ صلى عليهم لِأَنَّ أَبَاهُ كان من جُمْلَةِ الْقَتْلَى وَكَمَا قُدِّمَ حَدِيثُهُ في الْإِفْرَادِ على حديث أَنَسٍ في الْقِرَانِ لِأَنَّهُ صَرَفَ هِمَّتَهُ إلَى صِفَةِ حَجِّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم مُنْذُ خَرَجَ من الْمَدِينَةِ إلَى آخِرِهِ الثَّالِثَةُ أَنْ يَسْتَنِدَ نَفْيُ النَّافِي إلَى عِلْمٍ
  223. خَامِسُهَا تَرْجِيحُ الْخَبَرِ النَّافِي لِلْحَدِّ وَالْعِقَابِ على مُوجِبٍ لَهُمَا على أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ كَحَدِيثِ ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ وَالثَّانِي أَنَّهُمَا سَوَاءٌ حَكَاهُ سُلَيْمٌ وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ أَنَّ ذلك مِمَّا يُعَدُّ تَرْجِيحًا وَلَيْسَ بِتَرْجِيحٍ قال لِأَنَّ هذا لَا يُوجِبُ تَفَاوُتًا في صِدْقِ الرَّاوِي فِيمَا نَقَلَهُ من لَفْظِ الْإِيجَابِ أو الْإِسْقَاطِ وَضَعَّفَ قَوْلَ من يقول الرَّافِعُ أَوْلَى وَإِنْ كان الْحَدُّ يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ وَهَذَا الْخِلَافُ يَجْرِي في أَنَّهُ هل تُرَجَّحُ الْعِلَّةُ الْمُثْبِتَةُ لِلْعِتْقِ على النَّافِيَةِ له لِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ إلَى الْعِتْقِ سَادِسُهَا الْمُثْبِتُ لِلطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ مُقَدَّمٌ على النَّافِي لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّغْيِيرِ وَعَكَسَ قَوْمٌ لِمُوَافَقَةِ التَّأْسِيسِ سَابِعُهَا إذَا كان أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ أَخَفَّ وَحُكْمُ الْآخَرِ أَثْقَلَ فَقِيلَ إنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى وَقِيلَ بِالْعَكْسِ ثَامِنُهَا أَنْ يَكُونَ حُكْمُ أَحَدِهِمَا لَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى وَالْآخَرُ تَعُمُّ بِهِ فَالْأَوَّلُ رَاجِحٌ لِلِاتِّفَاقِ فيه تَاسِعُهَا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُوجِبًا لِحُكْمَيْنِ وَالْآخَرُ مُوجِبًا لِحُكْمٍ وَاحِدٍ فَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِاشْتِمَالِهِ على زِيَادَةِ عِلْمٍ يَنْفِيهَا الثَّانِي وفي تَقْدِيمِ الثَّانِي عليه إبْطَالُهَا عَاشِرُهَا الْحُكْمُ الْمُثْبِتُ لِلْحُكْمِ الْوَضْعِيِّ أَوْلَى من الْحُكْمِ الْمُثْبِتِ لِلْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ لِأَنَّ الْوَضْعِيَّ لَا يَتَوَقَّفُ على ما يَتَوَقَّفُ
  224. عليه التَّكْلِيفِيُّ من أَهْلِيَّةِ الْمُخَاطَبِ وَفَهْمِهِ وَتَمَكُّنِهِ لِأَنَّ غير الْمُتَوَقِّفِ أَوْلَى من الْمُتَوَقِّفِ وَقِيلَ التَّكْلِيفِيُّ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مَثُوبَةً وَأَنَّهُ مَقْصُودُ الشَّارِعِ بِالذَّاتِ وَأَنَّهُ الْأَكْثَرُ من الْأَحْكَامِ فَكَانَ أَوْلَى الثَّالِثُ التَّرْجِيحُ بِحَسَبِ الْأُمُورِ الْخَارِجِيَّةِ وَلَهُ أَسْبَابٌ أَوَّلُهَا اعْتِضَادُ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ بِقَرِينَةِ الْكِتَابِ كَتَقْدِيمِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَرِيضَتَانِ على رِوَايَةِ الْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ لِمُوَافَقَتِهِ لِحُكْمِ الْقُرْآنِ من كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وهو قَوْله تَعَالَى وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ وَهَذَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فَعَارَضَهُ الْقَاضِي وقال وَقَوْلُهُ أَتِمُّوا دَلِيلٌ مُسْتَقِلٌّ وَنَحْنُ نَقُولُ لِلْقَاضِي يَجُوزُ التَّرْجِيحُ بِالْمُسْتَقِلِّ وَإِنْ مَنَعْنَاهُ لَكِنَّا أَخَذْنَا من الْمُسْتَقِلِّ وَصْفًا في الدَّلِيلِ وهو تَرَاخِي النَّظْمِ وكان الشَّافِعِيُّ يقول ما وَافَقَ ظَاهِرَ الْكِتَابِ كانت النُّفُوسُ أَمْيَلَ إلَيْهِ وَالْقَاضِي يقول بَلْ الذي يُخَالِفُ ظَاهِرَ الْكِتَابِ لَا يُنْقَلُ ما نُقِلَ إلَّا عن زِيَادَةِ الثَّبْتِ وما ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَقْرَبُ إلَى قِيَاسِ الْأُصُولِ وما ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ أَوْفَقُ لِلْعُرْفِ وهو الْمُعْتَبَرُ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ ما ذَكَرُوهُ عن الشَّافِعِيِّ فيه نَظَرٌ فإن إتْمَامَ الْحَجِّ ليس فيه تَعَرُّضٌ لِلِابْتِدَاءِ وَهُمَا مُفْتَرِقَانِ في وُجُوبِ إتْمَامِهِمَا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِمَا قال ولم يذكر هذا لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ ذَكَرَهُ مُتَنَمِّقًا بِإِيرَادِ كَلَامِهِ وَنَحْنُ نَقُولُ لِلْإِمَامِ الْإِتْمَامُ يُطْلَقُ تَارَةً على أَصْلِ الْفِعْلِ وَعَلَى إتْمَامِهِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فيه لَكِنَّ الْمُرَادَ هُنَا الْأَوَّلُ فإن الْآيَةَ نَزَلَتْ في عَامِ الْحُدَيْبِيَةِ ولم يَكُنْ صلى اللَّهُ عليه وسلم مُحْرِمًا بِالْحَجِّ حتى يُؤْمَرَ بِإِتْمَامِهِ
  225. وَمِنْ مُثُلِهِ التَّغْلِيسُ بِالْفَجْرِ فإنه مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَسَارِعُوا إلَى مَغْفِرَةٍ من رَبِّكُمْ وَكَتَرْجِيحِ حديث ابْنِ عَبَّاسٍ في التَّشَهُّدِ لِمُوَافَقَتِهِ لِقَوْلِهِ تَحِيَّةً من عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً وَتَرْجِيحِ حديث عَائِشَةَ في الْبُكَاءِ على الْمَيِّتِ لِقَوْلِهِ لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَهَذَا يَسْتَعْمِلُهُ الشَّافِعِيُّ كَثِيرًا وَبَنَى عليه هذه الْأُصُولَ وَكَذَا قُدِّمَ حَدِيثُ خَوَّاتٍ في صَلَاةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ على رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ لِأَجْلِ الْحَذَرِ الْمَأْمُورِ بِهِ في الْقُرْآنِ وَجَعَلَهُ في الْمَنْخُولِ من أَصْلِهِ فَوَافَقَ الْأُصُولَ لِأَنَّ رِوَايَةَ خَوَّاتُ الْأَفْعَالُ فيها قَلِيلَةٌ قال وقال الْقَاضِي لِلشَّافِعِيِّ إنْ كُنْت تَتَّهِمُ ابْنَ عُمَرَ بِحَيْدِهِ عن الْقِيَاسِ فَمُحَالٌ وَلَيْسَ الْقِيَاسُ مُنَاسِبًا لِمَأْخَذِ الدَّلِيلِ حتى يَقْدَحَ فيه وَإِنْ قُلْت إنَّ الْغَالِبَ على الرَّسُولِ الْجَرْيُ على قِيَاسِ الْأُصُولِ فَيُعَارِضُهُ أَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ النَّاقِلَ عن الْقِيَاسِ يَكُونُ أَثْبَتَ في الرِّوَايَةِ من الْمُسْتَمِرِّ عليه وَلِهَذَا تُقَدَّمُ شَهَادَةُ الْإِبْرَاءِ على شَهَادَةِ أَصْلِ الدَّيْنِ قال إلْكِيَا وما ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ أَوْجَهُ في مُطَّرِدِ الْعَادَةِ وَالْعُرْفِ وَلَا يَظْهَرُ لِلْمَسْأَلَةِ فَائِدَةٌ في الْحُكْمِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ في الطَّرِيقِ وَهَذَا الْخِلَافُ بين الشَّافِعِيِّ وَالْقَاضِي فِيمَا يَرْجِعُ إلَى النَّصِّ أَمَّا إذَا تَعَارَضَ ظَاهِرَانِ وَاعْتُضِدَ أَحَدُهُمَا بِقِيَاسٍ فَلَا شَكَّ أَنَّ الذي لم يُتَّجَهْ فيه تَأْوِيلٌ مُتَأَيِّدٌ لِلْقِيَاسِ لَا يُبَالَى بِهِ وَلَوْ تَعَارَضَ قِيَاسَانِ عَاضَدَانِ لِلتَّأْوِيلِ وَأَحَدُهُمَا أَجْلَى قُدِّمَ الْأَجْلَى وَلَوْ تَعَارَضَ ظَاهِرَانِ أو نَصَّانِ وَأَحَدُهُمَا أَقْرَبُ إلَى الِاحْتِيَاطِ فَالْقَاضِي يَرَى تَعَارُضَهُمَا أَخْذًا مِمَّا تَقَدَّمَ وَالشَّافِعِيُّ يَرَى تَقْدِيمَ الْأَحْوَطِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى مَقْصُودِ الشَّارِعِ كَرِوَايَةِ خَوَّاتٍ مع ابْنِ عُمَرَ وَكَإِحْدَى الْآيَتَيْنِ إذَا تَضَمَّنَتْ إحْدَاهُمَا تَحْلِيلًا وَالْأُخْرَى تَحْرِيمًا وقد قال عُثْمَانُ أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ فَلَا يُتَّجَهُ في ذلك إلَّا الْحُكْمُ بِالِاحْتِيَاطِ ثَانِيهَا أَنْ يَكُونَ فِعْلُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم مُوَافِقًا له فإنه يُقَدَّمُ على الْآخَرِ كَحَدِيثِ التَّغْلِيسِ ثَالِثُهَا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَوْلًا وَالْآخَرُ فِعْلًا فَيُقَدَّمُ الْقَوْلُ لِأَنَّ له صِيغَةً وَالْفِعْلُ لَا صِيغَةَ له وقد سَبَقَ في الْأَفْعَالِ الْخِلَافُ في ذلك
  226. رَابِعُهَا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُصَرِّحًا بِالْحُكْمِ وَالْآخَرُ على طَرِيقِ ضَرْبِ الْمِثَالِ كَاحْتِجَاجِنَا في وُجُوبِ الصَّلَاةِ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ وُجُوبًا مُوَسَّعًا بِحَدِيثِ صلى بِي جِبْرِيلُ الْحَدِيثُ وَاسْتِدْلَالِهِمْ بِحَدِيثِ ما مِثْلُكُمْ مع من كان قَبْلَكُمْ إلَّا كَمَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا إلَى آخِرِهِ فَاحْتَجُّوا بِهِ على أَنَّ وَقْتَ الْعَصْرِ آخَرُ الْوَقْتِ ذَكَرَهُ ابن بَرْهَانٍ وَغَيْرُهُ وقال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ تُرَجَّحُ الْعِبَارَةُ على الْإِشَارَةِ فإن حَدِيثَ الْإِجَارَةِ سِيقَ لِبَيَانِ فَضِيلَةِ هذه الْأُمَّةِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ أَكْثَرُ من وَقْتِ الْعَصْرِ بِأَنْ يَبْقَى وَقْتُ الظُّهْرِ إلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كل شَيْءٍ مِثْلَيْهِ كما قَالَهُ أبو حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ لو انْتَهَى لِصَيْرُورَةِ ظِلِّ الشَّيْءِ مثله لَكَانَ وَقْتُ الْعَصْرِ أَكْثَرَ من وَقْتِ الظُّهْرِ لَكِنَّهُ مُتَعَارِضٌ بِصَلَاةِ جِبْرِيلَ وَهِيَ عِبَارَةٌ تَرَجَّحَتْ على الْإِشَارَةِ خَامِسُهَا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا عليه عَمَلُ أَكْثَرِ أَهْلِ السَّلَفِ فَيُقَدَّمُ على ما ليس كَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَكْثَرَ يُوَفَّقُ لِلصَّوَابِ ما لَا يُوَفَّقُ له الْأَقَلُّ كَتَقْدِيمِنَا حَدِيثَ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ في الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَأَنَّهَا سَبْعَةٌ سِوَى تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وفي الثَّانِيَةِ خَمْسٌ سِوَاهَا أَيْضًا على حديث الْحَنَفِيَّةِ أنها في الْأُولَى خَمْسٌ وفي الثَّانِيَةِ أَرْبَعٌ لِعَمَلِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ على الْأَوَّلِ وَقِيلَ لَا يُرَجَّحُ وَبِهِ قال الْكَرْخِيّ وَالْجُبَّائِيُّ لِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ في قَوْلِ الْأَكْثَرِ وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا إذَا تَعَارَضَا وَعَمِلَ بِأَحَدِهِمَا بَعْضُ الصَّحَابَةِ ولم يُنْقَلْ مِثْلُ ذلك في الْآخَرِ فَيُرَجَّحُ الْأَوَّلُ قال في الْمَنْخُولِ وَإِنْ كنا لَا نَرَى تَقْدِيمَ عَمَلِ الصَّحَابَةِ على الحديث خِلَافًا لِمَالِكٍ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ اسْتَشْهَدَ الشَّافِعِيُّ بِمَا رَوَاهُ أَنَسٌ في نُصُبِ
  227. النَّعَمِ وَقَدَّمَهُ على رِوَايَةِ عَلِيٍّ فيها لِأَنَّ عَمَلَ الشَّيْخَيْنِ يُوَافِقُ رِوَايَةَ أَنَسٍ فقال رضي اللَّهُ عنه أُقَدِّمُ حَدِيثَ أَنَسٍ قال الْإِمَامُ وَهَذَا مِمَّا يَجِبُ التَّأَنِّي فيه فَلَيْسَ هذا من بَابِ عَمَلِ الصَّحَابَةِ بِخِلَافِ الْخَبَرِ إذْ لم يَصِحَّ عِنْدَنَا بُلُوغُهُمْ حَدِيثَ عَلِيٍّ ثُمَّ لم يَعْمَلُوا بِهِ وَالرَّأْيُ تَعَارُضُهُمَا وَيُقَدَّمُ حَدِيثُ أَنَسٍ من جِهَةِ أَنَّ النُّصُبَ مَقَادِيرُ لَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ فيها فَيُقَدَّمُ من هذه الْجِهَةِ قال إلْكِيَا وَاَلَّذِي قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّا إنْ تَحَقَّقْنَا بُلُوغَ الْحَدِيثَيْنِ الصَّحَابَةَ وَخَالَفُوا أَحَدَهُمَا فَمُخَالَفَةُ الصَّحَابَةِ لِلْحَدِيثِ قَادِحَةٌ فيه سَوَاءٌ عَارَضَهُ غَيْرُهُ أَمْ لَا وَفِيهِ خِلَافٌ وَإِنْ لم يَتَحَقَّقْ بُلُوغُ الحديث إيَّاهُمْ فَالشَّافِعِيُّ يُرَجِّحُ بِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ على الْجُمْلَةِ فإن الحديث الْآخَرَ إذَا لم يَبْلُغْهُمْ لم يَكُونُوا مُخَالِفِينَ له حتى يُقَالَ لَعَلَّهُمْ عَمِلُوا بِنَاسِخٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ ما عَمِلُوا بِهِ مُدَّةَ عُمْرِهِمْ يَدُلُّ على أَنَّهُ الْأَصَحُّ وَالْأَوْضَحُ سَادِسُهَا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا يَتَوَارَثُهُ أَهْلُ الْحَرَمَيْنِ وَالْآخَرُ لم يَتَوَارَثُوهُ فَيُقَدَّمُ الْأَوَّلُ على الثَّانِي كَتَقْدِيمِ رِوَايَةِ التَّرْجِيعِ في الْأَذَانِ قَالَهُ ابن بَرْهَانٍ سَابِعُهَا أَنْ يَكُونَ مع أَحَدِهِمَا عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَكَرَهُ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ قال وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في عَمَلِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ إذَا انْضَافَ إلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ولم يَكُنْ مع الْأُخْرَى عَمَلُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَلَا الْكَثِيرُ الظَّاهِرُ فَقِيلَ مُوَافَقَةُ الْعَمَلِ من هذه الْجِهَةِ يُوجِبُ التَّقْدِيمَ وَيَرْجَحُ وقال الْأَكْثَرُونَ إنَّهُ لَا يَكُونُ تَرْجِيحًا ثَامِنُهَا أَنْ يَكُونَ مع أَحَدِهِمَا مُرْسَلٌ عن ثِقَةٍ فَتُقَدَّمُ بِهِ الرِّوَايَةُ التي تُوَافِقُهُ تَاسِعُهَا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُوَافِقًا لِلْقِيَاسِ وَالْآخَرُ مُخَالِفًا له كَحَدِيثِ الضَّحِكُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مع حديث يُبْطِلُ
  228. الصَّلَاةَ وَلَا يُبْطِلُ الْوُضُوءَ قَالَهُ ابن بَرْهَانٍ وَغَيْرُهُ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمَعْقُولَ الْمَعْنَى أَغْلَبُ شَرْعًا فَالْإِلْحَاقُ بِالْغَالِبِ أَوْلَى من الْإِلْحَاقِ بِالنَّادِرِ وَسَبَقَ ما فيه من الْخِلَافِ عَاشِرُهَا أَنْ يَكُونَ مع كُلٍّ مِنْهُمَا تَأْوِيلٌ وَقِيَاسُ أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ أَوْضَحُ فَهُوَ مُقَدَّمٌ قال في الْمَنْخُولِ وَاخْتَلَفُوا في أَنَّ هذا هل يَكُونُ تَرْجِيحًا بِالْقِيَاسِ قال الْقَاضِي جَوَّزَ الشَّافِعِيُّ تَرْجِيحَ النَّصِّ بِالْقِيَاسِ وَالظَّاهِرَ بِالْقِيَاسِ وأنا أُجَوِّزُ تَرْجِيحَ الظَّاهِرِ دُونَ النَّصِّ وقال الْغَزَالِيُّ الْمُخْتَارُ أَنَّ هذا تَقْدِيمُ حَدِيثٍ غَيْرِ مُؤَوَّلٍ على حَدِيثٍ مُؤَوَّلٍ وَلَكِنْ من التَّأْوِيلِ بِالْقِيَاسِ الْكَلَامُ على تَرَاجِيحِ الْأَقْيِسَةِ وَهِيَ إمَّا أَنْ تَكُونَ قَطْعِيَّةً فَيَدْخُلُهَا التَّرْجِيحُ وَإِنْ قُلْنَا بِتَفَاوُتِ الْمَعْلُومِ وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ ظَنِّيَّةً فَكَذَلِكَ على الْمَشْهُورِ وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عن الْقَاضِي أَنَّهُ ليس في الْأَقْيِسَةِ الْمَظْنُونَةِ تَقْدِيمٌ وَلَا تَأْخِيرٌ وَإِنَّمَا الظُّنُونُ على حَسَبِ الِاتِّفَاقِ قال وَبَنَاهُ على أَصْلِهِ أَنَّهُ ليس في مَجَالِ الظُّنُونِ مَطْلُوبٌ وإذا لم يَكُنْ مَطْلُوبٌ فَلَا طَرِيقَ على التَّعْيِينِ وَإِنَّمَا الْمَظْنُونُ على حَسَبِ الْوِفَاقِ ثُمَّ عَظَّمَ الْإِمَامُ النَّكِيرَ على الْقَاضِي وقال هذه هَفْوَةٌ عَظِيمَةٌ وَأَلْزَمَهُ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لَا أَصْلَ لِلِاجْتِهَادِ وَالْحَقُّ أَنَّ الْقَاضِيَ لم يُرِدْ ما حَكَاهُ الْإِمَامُ عنه كَيْفَ وقد عَقَدَ فُصُولًا في التَّقْرِيبِ في تَقْدِيمِ بَعْضِ الْعِلَلِ على بَعْضٍ فَعُلِمَ أَنَّهُ ليس يَعْنِي إنْكَارَ التَّرْجِيحِ فيها وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنَّهُ لَا يُقَدِّمُ نَوْعًا على نَوْعٍ على الْإِطْلَاقِ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُرَدَّ الْأَمْرُ في ذلك إلَى ما يَظُنُّهُ الْمُجْتَهِدُ رَاجِحًا وَالظُّنُونُ تَخْتَلِفُ فإنه قد يَتَّفِقُ في آحَادِ النَّوْعِ الْقَوِيِّ شَيْءٌ يَتَأَخَّرُ عن النَّوْعِ الضَّعِيفِ وَهَذَا صَحِيحٌ وهو رَاجِعٌ إلَى ما قَالَهُ الْإِمَامُ عن تَقْدِيمِ الشَّبَهِ الْجَلِيِّ على الْمَعْنَى الْخَفِيِّ مع أَنَّ غَالِبَ الْمَعْنَى مُقَدَّمٌ على غَالِبِ الشَّبَهِ وَكَأَنَّهُ يقول التَّرْجِيحُ في الْأَقْيِسَةِ الظَّنِّيَّةِ ثَابِتٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى عُمُومِ آحَادِ كل نَوْعٍ لَا بِالنِّسْبَةِ إلَى غَالِبِ كل نَوْعٍ وَأَمَّا قَوْلُ الْإِمَامِ إنَّهُ بَنَاهُ على أَصْلِهِ في أَنَّهُ ليس في الْمُجْتَهَدَاتِ حُكْمٌ مُعَيَّنٌ فَضَعِيفٌ وَشُبْهَةُ الْإِمَامِ في ذلك أَنَّهُ إذَا قال لَا حُكْمَ فَكَأَنَّهُ قال لَا مَطْلُوبَ
  229. فَنَقُولُ إنْ كان كما قُلْت اسْتَحَالَ الظَّنُّ وَالْحُكْمُ بِأَنَّ الظُّنُونَ لَا تَقْدِيمَ فيها وَلَا تَأْخِيرَ فَرْعُ وُجُودِهَا نعم الْقَاضِي يقول لَا حُكْمَ في الْمُجْتَهَدَاتِ قبل الظَّنِّ وَلَكِنْ فيها مَطْلُوبٌ وهو السَّبَبُ الذي يُبْنَى على ظَنِّهِ وُجُودُ الْحُكْمِ كَصِحَّةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ أو الظَّاهِرِ أو الْقِيَاسِ مَثَلًا فَيَطْلُبُ الْمُجْتَهِدُ ظَنَّ وُجُودِ ذلك وَالظُّنُونُ تَخْتَلِفُ وَيَكُونُ بِاعْتِبَارَاتٍ الْأَوَّلُ بِحَسَبِ الْعِلَّةِ قال ابن السَّمْعَانِيِّ تَعَارُضُ الْعِلَّتَيْنِ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَتَعَارَضَا في حَقِّ مُجْتَهِدَيْنِ فَلَا يُوجِبُ التَّعَارُضُ فَسَادَهُمَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَأْخُذُ بِمَا أَدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ والثاني تَعَارُضُهُمَا في حَقِّ مُجْتَهِدٍ وَاحِدٍ فَيُوجِبُ التَّعَارُضُ فَسَادَهُمَا إلَّا أَنْ يُوجَدَ تَرْجِيحٌ لِإِحْدَاهُمَا على الْأُخْرَى ثُمَّ إنَّ التَّرْجِيحَ لَا يَقَعُ بين دَلِيلَيْنِ مُوجِبَيْنِ لِلْعِلْمِ وَلَا بين دَلِيلٍ يُوجِبُ الْعِلْمَ وَآخَرَ يُوجِبُ الظَّنَّ وَإِنَّمَا يَتَعَارَضَا الْمُفِيدَانِ لِلظَّنِّ وَلَا بُدَّ من تَرْجِيحٍ انْتَهَى فَنَقُولُ له اعْتِبَارَاتٌ أَوَّلُهَا يُرَجَّحُ الْقِيَاسُ الْمُعَلَّلُ بِالْوَصْفِ الْحَقِيقِيِّ الذي هو مَظِنَّةُ الْحِكْمَةِ على الْقِيَاسِ الْمُعَلَّلِ بِنَفْسِ الْحِكْمَةِ لِلْإِجْمَاعِ من الْقِيَاسَيْنِ على صِحَّةِ التَّعْلِيلِ بِالْمَظِنَّةِ فَيَرْجِعُ التَّعْلِيلُ بِالسَّفَرِ الذي هو مَظِنَّةُ الْمَشَقَّةِ على التَّعْلِيلِ بِنَفْسِ الْمَشَقَّةِ ثَانِيهَا تَرْجِيحُ التَّعْلِيلِ بِالْحِكْمَةِ على التَّعْلِيلِ بِالْوَصْفِ الْعَدَمِيِّ لِأَنَّ الْعَدَمَ لَا يَكُونُ عِلَّةً إلَّا إذَا عُلِمَ اشْتِمَالُهُ على الْحِكْمَةِ فَالدَّاعِي إلَى شَرْعِ الْحُكْمِ في الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هو الْحِكْمَةُ وإذا كانت الْعِلَّةُ الْحِكْمَةَ لَا ذلك الْعَدَمَ كان التَّعْلِيلُ بها أَوْلَى وَقَضِيَّةُ هذه الْعِلَّةِ أَنْ يَكُونَ التَّعْلِيلُ بِالْحِكْمَةِ رَاجِحًا على التَّعْلِيلِ بِالْوَصْفِ الْوُجُودِيِّ الْحَقِيقِيِّ لَكِنَّ التَّعْلِيلَ بِالْحَقِيقِيِّ رَاجِحٌ عليه من جِهَةِ كَوْنِهِ مُنْضَبِطًا وَلِهَذَا اتَّفَقُوا عليه بِخِلَافِ التَّعْلِيلِ بِالْحِكْمَةِ وَالْحَاجَةِ فإنه غَيْرُ مُنْضَبِطٍ ثَالِثُهَا يُرَجَّحُ الْمُعَلَّلُ حُكْمُهُ بِالْوَصْفِ الْعَدَمِيِّ على الْمُعَلَّلِ حُكْمُهُ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ بِالْعَدَمِيِّ يَسْتَدْعِي كَوْنَهُ مُنَاسِبًا لِلْحُكْمِ وَالْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ لَا يَكُونُ عِلَّةً إلَّا بِمَعْنَى الْأَمَارَةِ وَالتَّعْلِيلُ بِالْمُنَاسِبِ أَوْلَى من
  230. التَّعْلِيلِ بِالْأَمَارَةِ هذا اخْتِيَارُ صَاحِبِ الْمِنْهَاجِ وَالتَّحْصِيلِ وَالْفَائِقِ وَذَكَرَ الْإِمَامُ في الْمَسْأَلَةِ احْتِمَالَيْنِ بِلَا تَرْجِيحِ أَحَدُهُمَا هذا وَالثَّانِي عَكْسُهُ لِأَنَّ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ أَشْبَهُ بِالْوُجُودِ رَابِعُهَا يُرَجَّحُ الْمُعَلَّلُ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ على الْمُعَلَّلِ بِغَيْرِهِ خَامِسُهَا يُرَجَّحُ الْمُعَلَّلُ بِالْمُتَعَدِّيَةِ على الْمُعَلَّلِ بِالْقَاصِرَةِ في قَوْلِ الْقَاضِي وَالْأُسْتَاذِ أبي مَنْصُورٍ وَابْنِ بَرْهَانٍ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إنَّهُ الْمَشْهُورُ فإنه أَغْزَرُ فَائِدَةً وقال أبو إِسْحَاقَ الْقَاصِرَةُ مُتَقَدِّمَةٌ لِأَنَّهَا مُعْتَضِدَةٌ بِالنَّصِّ وَمَالَ إلَيْهِ في الْمُسْتَصْفَى فَقِيلَ له الْحُكْمُ هو الْمُعْتَضِدُ دُونَ الْعِلَّةِ وَقِيلَ هُمَا سَوَاءٌ وَاخْتَارَهُ ابن السَّمْعَانِيِّ وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عن الْقَاضِي وَاخْتَارَ في الْمَنْخُولِ أَنَّهُمَا إنْ تَوَارَدَا على حُكْمٍ وَاحِدٍ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فَلَا تَرْجِيحَ وَإِنْ تَنَافَيَا فَلَا يَلْتَقِيَانِ نعم يَكْفِي طَرْدُ الْمُتَعَدِّيَةِ عَكْسَ الْقَاصِرَةِ وَلَا يُقَاوِمُ الطَّرْدُ الْعَكْسَ أَصْلًا وَإِنْ فُرِضَ ازْدِحَامٌ على حُكْمِ تَقْدِيرِ الِاتِّفَاقِ على اتِّحَادِ الْعِلَّةِ فَالْمُتَعَدِّيَةُ أَوْلَى لِمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَالْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ على جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِأَكْثَرَ من عِلَّةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنْ مَنَعْنَاهُ كما اخْتَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ فَلَا تَعَارُضَ ثُمَّ أَوْرَدَ على نَفْسِهِ سُؤَالًا مَضْمُونُهُ وُقُوعُ التَّعَارُضِ بَيْنَهُمَا وَاسْتَمَدَّ منه أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَجَّحَ الْقَاصِرَةَ وَذَلِكَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ وَأَبَا حَنِيفَةَ اتَّفَقَا على أَنَّ الْأَمَةَ تُخَيَّرُ إذَا عَتَقَتْ تَحْتَ الْعَبْدِ وَاخْتُلِفَ إذَا عَتَقَتْ تَحْتَ الْحُرِّ وَنَشَأَ اخْتِلَافُهُمَا من الِاخْتِلَافِ في عِلَّةِ الْأَصْلِ فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ إنَّمَا خُيِّرَتْ تَحْتَ الْعَبْدِ لِفَضْلِهَا حِينَئِذٍ عليه بِالْحُرِّيَّةِ فَلَا تُخَيَّرُ تَحْتَ الْحُرِّ فَالْعِلَّةُ حِينَئِذٍ قَاصِرَةٌ وَعِنْدَ أبي حَنِيفَةَ إنَّمَا خُيِّرَتْ لِأَنَّهَا مَلَكَتْ نَفْسَهَا فَتُخَيَّرُ تَحْتَ الْحُرِّ لِأَنَّ الْعِلَّةَ مُطَّرِدَةٌ مُتَعَدِّيَةٌ ثُمَّ انْفَصَلَ عن هذا السُّؤَالِ بِإِبْطَالِ الْعِلَّتَيْنِ جميعا أَمَّا عِلَّةُ أبي حَنِيفَةَ فقال الْقَاضِي لَا مَعْنًى لِتَعْلِيلِ الْخِيَارِ بِتَمَلُّكِهَا نَفْسَهَا لِأَنَّهَا إنْ مَلَكَتْ مَوْرِدَ النِّكَاحِ انْفَسَخَ فَلَا اخْتِيَارَ وَإِنْ مَلَكَتْ غَيْرَهُ فَهُوَ أَجْنَبِيٌّ فَلَا تَخْتَارُ في غَيْرِ ما مَلَكَتْ تَنْبِيهٌ قد يُنَازَعُ في دُخُولِ التَّرْجِيحِ من هَذَيْنِ في الْقِيَاسِ لِأَنَّ الْقَاصِرَةَ لَا وُجُودَ لها في غَيْرِ مَحَلِّ النَّصِّ وَلَا يَخْفَى امْتِنَاعُ الْقِيَاسِ بِنَاءً على عِلَّةٍ يَخْتَصُّ بها مَحَلُّهَا فَكَيْفَ
  231. صُورَةُ التَّرْجِيحِ وَالْجَوَابُ أَنَّ نَتِيجَةَ التَّرْجِيحِ بَيْنَهُمَا إمْكَانُ الْقِيَاسِ وَعَدَمُ إمْكَانِهِ مِثَالُهُ الثَّمَنِيَّةُ وَالْوَزْنُ في النَّقْدَيْنِ لِمَنْ رَجَّحَ الْوَزْنَ مُرَتِّبٌ على تَرْجِيحِهِ إمْكَانَ الْقِيَاسِ فَتَرَتَّبَ على تَرْجِيحِ الثَّمَنِيَّةِ امْتِنَاعُ الْقِيَاسِ وَهَذِهِ فَائِدَةٌ سَادِسُهَا إذَا فَرَّعْنَا على تَقْدِيمِ التَّعَدِّيَةِ فَتَعَارَضَتْ عِلَّتَانِ مُتَعَدِّيَتَانِ وَفُرُوعُ إحْدَاهُمَا أَكْثَرُ من فُرُوعِ الْأُخْرَى يُقَدَّمُ ما مَجَالُ تَعَدِّيهِ أَكْثَرُ لِكَثْرَةِ الْفَائِدَةِ قَالَهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَزَيَّفَهُ في الْمَنْخُولِ وقال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ فيه نَظَرٌ وَكَلَامُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ يَقْتَضِي أَنْ لَا تَرْجِيحَ فيها ثُمَّ قال وَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ كَثْرَةَ الْفُرُوعِ تَقْتَضِي التَّرْجِيحَ فَلَوْ كَثُرَتْ فُرُوعُ عِلَّةٍ وَقَلَّتْ فُرُوعُ أُخْرَى وَلَكِنَّ الْقَلِيلَةَ الْفُرُوعُ اعْتَضَدَتْ بِنَظَائِرَ تُضَاهِي في عِدَّتِهَا فُرُوعَ الْعِلَّةِ الْكَثِيرَةِ كانت كَثِيرَةَ النَّظَائِرِ في مُقَابَلَةِ كَثِيرَةِ الْفُرُوعِ ثُمَّ مَثَّلَهَا بِعِلَّتَيْ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ في إيجَابِ الْكَفَّارَةِ في الْجِمَاعِ فَالْعِلَّةُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَطْءُ الْمَرْأَةِ في قُبُلِهَا وَفُرُوعُهُ قَلِيلَةٌ وَهِيَ الْإِتْيَانُ في الدُّبُرِ وَإِتْيَانُ الْبَهِيمَةِ لَكِنَّ نَظَائِرَهُ كَثِيرَةٌ فإن الشَّرْعَ رَتَّبَ الْأَحْكَامَ على الْوَطْءِ كَالْإِحْلَالِ وَالْإِحْصَانِ وَالْحَدِّ وَإِفْسَادِ الْحَجِّ وَغَيْرِ ذلك وَالْعِلَّةُ عِنْدَ أبي حَنِيفَةَ إفْسَادُ الصَّوْمِ وَفُرُوعُهَا كَثِيرَةٌ وَهِيَ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَكُلُّ سَبَبٍ يَفْسُدُ بِهِ الصَّوْمُ وَأَسْبَابُ فَسَادِ الصَّوْمِ وَاسِعَةٌ ثُمَّ تَكَلَّمَ الْإِمَامُ على هذا الْمِثَالِ بِمَا يَبْطُلُ انْدِرَاجُهُ تَحْتَ الْقَاعِدَةِ فقال النَّظَائِرُ الْمَذْكُورَةُ لَا اعْتِبَارَ بها أَلْبَتَّةَ وَلَيْسَتْ كَالنَّظَائِرِ التي اعْتَدَّ بها في الْأَشْبَاهِ كَضَرْبِ الْعَقْلِ الْقَلِيلِ اعْتِبَارًا بِضَرْبِ حِصَصِ الشُّرَكَاءِ لِأَنَّ ذلك في غَيْر الْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ الْمَرْتَبَةُ على الْوَطْءِ نَائِبَةٌ عن إيجَابِ الْكَفَّارَةِ لَا يَجْمَعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْحُكْمِ الْمُنَظَّرِ إلَّا اسْمُ الْحُكْمِ وَلَقَبُهُ خَاصَّةً وَهَذَا الذي قَالَهُ الْإِمَامُ صَحِيحٌ فَإِنَّا لو اعْتَبَرْنَا الِاشْتِرَاكَ في عُمُومِ الْحُكْمِ لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ مُلَائِمًا وَلَاسْتَحَالَ الْغَرِيبُ ثُمَّ حُكِيَ عن جَمَاعَةٍ من أَصْحَابِنَا أَنَّهُ إذَا كانت إحْدَاهُمَا أَكْثَرَ فُرُوعًا وَالْأُخْرَى مُطَبَّقَةً على الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِلَا تَأْوِيلٍ وَالْكَثِيرَةُ الْفُرُوعِ تَحْتَاجُ إلَى تَأْوِيلٍ في بَعْضِ مَجَارِيهَا فَهَذَا نَقْصٌ من جَرَيَانِهَا وَيُقْدَحُ في التَّرْجِيحِ بِكَثْرَةِ فُرُوعِهَا كَاعْتِبَارِنَا في الْقَرَابَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلنَّفَقَةِ وَالْعِتْقِ بِالتَّعْصِيبِ وَهَذَا يَجْرِي في الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ على انْطِبَاقٍ وَاعْتَبَرَ أبو حَنِيفَةَ الرَّحِمَ وَالْمَحْرَمِيَّةَ وَفُرُوعَ عِلَّتِهِ وَإِنْ كانت مُرَكَّبَةً أَكْثَرَ فَإِنَّمَا تَتَنَاوَلُ الْأَصْلَ وَالْفَرْعَ غير أَنَّ الرَّحِمَ وَالْمَحْرَمِيَّةَ لَا يَجْرِيَانِ إلَّا على تَأْوِيلٍ من الذَّكَرَيْنِ وَالْأُنْثَى وهو من رَكِيكِ الْكَلَامِ
  232. سَابِعُهَا تَرَجُّحُ الْعِلَلِ الْبَسِيطَةِ على الْعِلَلِ الْمُرَكَّبَةِ كَتَعْلِيلِ الشَّافِعِيِّ في الْجَدِيدِ الرِّبَا بِالطُّعْمِ في الْأَشْيَاءِ الْأَرْبَعَةِ مع ضَمِّهِ في الْقَدِيمِ النَّقْدِيَّةَ إلَى الطُّعْمِ على الْقَوْلِ بِأَنَّ الْعِلَّةَ في الْحَدِّ بَسِيطَةٌ وهو أَحَدُ الْأَوْجُهِ عِنْدَنَا هذا ما عليه الْجَدَلِيُّونَ وَأَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ من الْأُصُولِيِّينَ وَبِهِ جَزَمَ ابن بَرْهَانٍ إذْ يُحْتَمَلُ في الْمُرَكَّبَةِ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ هِيَ الْأَجْزَاءُ لَا هِيَ جُمْلَتُهَا وَلِأَنَّ الْبَسِيطَةَ تَكْثُرُ فُرُوعُهَا وَفَوَائِدُهَا وَلِأَنَّ الِاجْتِهَادَ فيها يَقِلُّ فَيَقِلُّ خَطَرُهُ وَلِأَنَّ الْخِلَافَ وَاقِعٌ في جَوَازِ التَّرْكِيبِ في الْعِلَلِ فَالْمُتَّفَقُ عليه أَوْلَى قال الْإِمَامُ هذا الْمَسْلَكُ بَاطِلٌ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ وَقِيلَ بَلْ تُرَجَّحُ الْمُرَكَّبَةُ وَقِيلَ هُمَا سَوَاءٌ قال الْقَاضِي في مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ وَلَعَلَّهُ الصَّحِيحُ ثَامِنُهَا تُرَجَّحُ الْعِلَّةُ الْقَلِيلَةُ الْأَوْصَافِ على الْكَثِيرَةِ الْأَوْصَافِ كَتَعْلِيلِ الشَّافِعِيِّ في الْجَدِيدِ وَالْقَدِيمِ على الْقَوْلِ بِأَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ وَحَكَى الشَّيْخُ أبو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ في شَرْحِ التَّلْخِيصِ إجْمَاعَ النُّظَّارِ وَالْأُصُولِيِّينَ عليه قال وَإِنَّمَا رَجَّحْت بِذَلِكَ لِأَنَّ الْوَصْفَ الزَّائِدَ لَا أَثَرَ له في الْحُكْمِ وَصَحَّ تَعَلُّقُ الْحُكْمِ مع عَدَمِهِ وَلِأَنَّ الْكَثِيرَةَ الْأَوْصَافِ يَقِلُّ فيها إلْحَاقُ الْفُرُوعِ فَكَانَ كَاجْتِمَاعِ الْمُتَعَدِّيَةِ وَالْقَاصِرَةِ قال وَلَا أَعْرِفُ خِلَافًا بين أَصْحَابِنَا في ذلك إذْ الْقَلِيلَةُ الْأَوْصَافِ دَاخِلَةٌ تَحْتَ الْأَكْثَرِ فَإِنْ كانت غير دَاخِلَةٍ مِثْلُ أَنْ تَكُونَ أَوْصَافُ إحْدَاهُمَا غير أَوْصَافِ الْأُخْرَى مِثْلَ أَنْ تَجْعَلَ إحْدَاهُمَا الْعِلَّةَ الطَّعْمَ وَالْأُخْرَى الْكَيْلَ وَالْجِنْسَ فَاخْتَلَفُوا فيه فَقِيلَ الْقَلِيلَةُ الْأَوْصَافِ أَوْلَى لِأَنَّهَا أَكْثَرُ فُرُوعًا وهو الْأَصَحُّ من أَصْحَابِنَا من قال هُمَا سَوَاءٌ تَاسِعُهَا الْقِيَاسُ الذي يَكُونُ الْوَصْفُ فيه وُجُودِيًّا على ما إذَا كان أَحَدُهُمَا عَدَمِيًّا أو كَانَا عَدْمَيْنِ وَيُرَجَّحُ تَعْلِيلُ الْعَدَمِيِّ بِالْعَدَمِيِّ على ما إذَا كان أَحَدُهُمَا وُجُودِيًّا لِلْمُشَابَهَةِ بين التَّعْلِيلِ بِالْعَدَمِيِّ لِلْعَدَمِيِّ هَكَذَا قال في الْمَحْصُولِ وقال ابن بَرْهَانٍ إذَا كانت إحْدَى الْعِلَّتَيْنِ مَحْسُوسَةً وَالْأُخْرَى حُكْمِيَّةً فَقِيلَ تُقَدَّمُ الْمَحْسُوسَةُ لِقُوَّتِهَا وَقِيلَ الْحُكْمِيَّةُ لِأَنَّ الْكَلَامَ في الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ فَيُقَدَّمُ الْحُكْمِيُّ على الْحِسِّيِّ وَمِثَالُهُ تَرْجِيحُ عِلَّتِنَا في مَسْأَلَةِ الْمَنِيِّ أَنَّهُ مَبْدَأُ خِلْقَةِ الْآدَمِيِّ على عِلَّتِهِمْ أَنَّ الْمَنِيَّ ليس في عَيْنِهِ وَلَا في حُكْمِهِ ما يَدُلُّ على النَّجَاسَةِ عَاشِرُهَا أَنْ تَكُونَ إحْدَى الْعِلَّتَيْنِ أَقَلَّ مُقَدَّمَاتٍ وَالْأُخْرَى مَوْقُوفَةٌ على أَكْثَرِهَا فَالْمَوْقُوفَةُ على الْأَقَلِّ أَرْجَحُ لِأَنَّ ما تَوَقَّفَ على
  233. مُقَدَّمَاتٍ أَقَلُّ صِدْقِهِ أَغْلَبُ في الظَّنِّ مِمَّا يَتَوَقَّفُ على أَكْثَرَ وَالْعَمَلُ بِأَرْجَحِ الظَّنَّيْنِ وَاجِبٌ وقال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ تُرَجَّحُ الْعِلَّةُ الْقَلِيلَةُ الْأَوْصَافِ على الْكَثِيرَةِ الْأَوْصَافِ وَقِيلَ الْكَثِيرَةُ أَوْلَى وَقِيلَ هُمَا سَوَاءٌ حَادِيَ عَشَرَهَا أَنْ تَكُونَ إحْدَى الْعِلَّتَيْنِ مُطَّرِدَةٌ مُنْعَكِسَةٌ وَالْأُخْرَى غَيْرُ مُنْعَكِسَةٍ فَالْأُولَى أَوْلَى لِأَنَّهُ قد اُشْتُرِطَ الِانْعِكَاسُ في الْعِلَلِ فَتَكُونُ هذه الْعِلَّةُ مُجْمَعًا على صِحَّتِهَا وَالْأُخْرَى لَيْسَتْ كَذَلِكَ هَكَذَا حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عن مُعْظَمِ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الِانْعِكَاسَ من التَّرْجِيحَاتِ الْمُعْتَمَدَةِ قال وهو مُتَّجَهٌ على قَوْلِنَا أَنَّ الِانْعِكَاسَ دَلِيلُ صِحَّةِ الْعِلَّةِ مَعْنًى فَأَمَّا إذَا جَعَلْنَاهُ شَرْطًا فَلَا تَعَارُضَ فَلَا تَرْجِيحَ لِأَنَّ التي لم تَنْعَكِسْ حِينَئِذٍ بَاطِلَةٌ لِفِقْدَانِ شَرْطِهَا فَاعْتَرَضَهُ ابن الْمُنِيرِ بِقَوْلِهِ إنَّ الْأَدِلَّةَ لَا يُرَجِّحُ بَعْضُهَا بَعْضًا فإذا بَنَيْنَا على أَنَّ الْإِخَالَةَ وَالْعَكْسَ كُلٌّ مِنْهُمَا دَلِيلٌ مُسْتَقِلٌّ على صِحَّةِ الْعِلَّةِ فَكَيْفَ نُرَجِّحُ مُسْتَقِلًّا بِمُسْتَقِلٍّ وَجَوَابُهُ أَنَّ التَّرْجِيحَ بِاعْتِبَارِ وَصْفِهَا لَا بِذَاتِهَا ثُمَّ اخْتَارَ أَنَّ الْعَكْسَ لَا يُرَجَّحُ بِهِ لِأَنَّ النَّفْيَ ما جاء من قِبَلِ الْعِلَّةِ بَلْ من الْأَصْلِ فَلَا يَكُونُ دَلِيلًا عليها وَلَا مُرَجِّحًا ثَانِيَ عَشَرَهَا أَنْ تَكُونَ إحْدَاهُمَا صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ وَالْأُخْرَى حُكْمِيَّةٌ قال ابن السَّمْعَانِيِّ فَالْحُكْمِيَّةُ أَوْلَى وَمِنْ أَصْحَابِنَا من قال الذَّاتِيَّةُ أَوْلَى لِأَنَّهَا أَلْزَمُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْحُكْمِ أَشْبَهُ فَيَكُونُ بِالدَّلِيلِ عليه أَوْلَى ثَالِثَ عَشَرَهَا أَنْ تَكُونَ إحْدَاهُمَا مُوجِبَةَ الْحُكْمِ وَالْأُخْرَى لِلتَّسْوِيَةِ بين حُكْمٍ وَحُكْمٍ فَاَلَّتِي أَوْجَبَتْ الْحُكْمَ أَوْلَى من الْعِلَّةِ التي تُوجِبُ التَّسْوِيَةَ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا في جَوَازِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْعِلَلِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّسْوِيَةِ ولم يَخْتَلِفُوا في الْمُوجِبَةِ لِلْحُكْمِ حَكَاهُ السُّهَيْلِيُّ قال وَذَكَرَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ سَهْلٌ الصُّعْلُوكِيُّ في بَعْضِ الْمُنَاظَرَاتِ أَنَّ عِلَّةَ التَّسْوِيَةِ أَوْلَى لِكَثْرَةِ الشَّبَهِ فيه وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ الِاعْتِبَارُ الثَّانِي بِحَسَبِ الدَّلِيلِ الدَّالِّ على وُجُودِ الْعِلَّةِ فَنَقُولُ الذي يَدُلُّ على الْعِلِّيَّةِ إمَّا قَطْعِيٌّ أو ظَنِّيٌّ أَمَّا الْأَوَّلُ فَاعْلَمْ أَنَّ الْعِلَّةَ الْمَعْلُومَةَ مُقَدَّمَةٌ على الْعِلَّةِ الْمَظْنُونَةِ
  234. سَوَاءٌ أَكَانَ الْعِلْمُ بِوُجُودِهَا بَدِيهِيًّا أو ضَرُورِيًّا وَإِنَّمَا الْغَرَضُ أَنَّ ما عُلِمَ وُجُودُهُ بِشَيْءٍ من هذه الطُّرُقِ هل يُرَجَّحُ بَعْضُهُ على بَعْضٍ كما إذَا عُلِمَ وُجُودُ كُلِّهِ بِالْبَدِيهَةِ وَالْحِسِّ هل يُرَجَّحُ على ما عُلِمَ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ فَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ التَّرْجِيحُ بين الْعِلَّتَيْنِ الْمَعْلُومَتَيْنِ سَوَاءٌ كانت إحْدَاهُمَا مَعْلُومَةً بِالْبَدَاهَةِ وَالْأُخْرَى بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ وهو قِيَاسُ ما سَبَقَ في النَّصَّيْنِ أَنَّهُ لَا يَجْرِي بَيْنَهُمَا التَّرْجِيحُ لِعَدَمِ قَبُولِهِمَا احْتِمَالَ النَّقِيضِ قال في الْمَحْصُولِ وَكَلَامُ أبي الْحُسَيْنِ يَدُلُّ على أَنَّ الْعِلَّةَ الْمَعْلُومَةَ تَقْبَلُ التَّرْجِيحَ قُلْت وَعَلَى هذا فَالْبَدِيهِيَّاتُ وَالْحِسِّيَّاتُ رَاجِحَةٌ على النَّظَرِيَّاتِ وَأَمَّا أَنَّ الْبَدِيهِيَّاتِ تُرَجَّحُ على الْحِسِّيَّاتِ أو الْعَكْسَ فَمَحَلُّ نَظَرٍ وَلَا شَكَّ في تَرْجِيحِ بَعْضِ الْبَدِيهِيَّاتِ على بَعْضٍ وَكَذَلِكَ الضَّرُورِيَّاتُ وَالنَّظَرِيَّاتُ وَالضَّابِطُ أَنَّ كُلَّ ما كان أَجْلَى وَأَظْهَرَ عِنْدَ الْعَقْلِ فَهُوَ رَاجِحٌ على ما ليس كَذَلِكَ وَأَمَّا الثَّانِي فَقَدْ قِيلَ كُلَّمَا كانت الْمُقَدَّمَاتُ الْمُنْتِجَةُ له أَقَلَّ فَهُوَ أَوْلَى قال الْهِنْدِيُّ وهو غَيْرُ مَرْضِيٍّ على إطْلَاقِهِ لِأَنَّهُ قد تَكُونُ الْمُقَدَّمَاتُ الْمُنْتِجَةُ له أَقَلَّ وهو مَرْجُوحٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى ما تَكُونُ مُقَدَّمَاتُهُ أَكْثَرَ بِكَوْنِ كل وَاحِدٍ من تِلْكَ الْمُقَدَّمَاتِ مَظْنُونًا ظَنًّا قَوِيًّا وَالْمُقَدَّمَاتُ الْقَلِيلَةُ تَكُونُ مَظْنُونَةً ظَنًّا ضَعِيفًا بَلْ الْأَقَلُّ إنَّمَا يُرَجَّحُ إذَا سَاوَى الْأَكْثَرَ في كَيْفِيَّةِ الظَّنِّ فَحَصَلَ إنْ كان ما يُفِيدُ ظَنًّا أَرْجَحَ من الذي يُفِيدُهُ الْآخَرُ فَهُوَ أَوْلَى وَيَخْتَلِفُ ذلك بِقِلَّةِ الْمُقَدَّمَاتِ وَكَثْرَتِهَا وَضَعْفِهَا وَقُوَّتِهَا إذَا عَلِمْت هذا فَالدَّلِيلُ الظَّنِّيُّ الذي يَدُلُّ على وُجُودِ الْعِلَّةِ إمَّا أَنْ يَكُونَ نَصًّا أو إجْمَاعًا أو قِيَاسًا أَمَّا النَّصُّ فَالْكَلَامُ فيه كما في الْأَوَّلِ وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَيَسْتَحِيلُ تَعَارُضُهُمَا إنْ كَانَا قَطْعِيَّيْنِ أو أَحَدُهُمَا قَطْعِيًّا وَإِنْ كَانَا قَطْعِيَّيْنِ فَهُمَا في مَحَلِّ التَّرْجِيحِ وَأَمَّا الْقِيَاسُ فإذا عَارَضَ الْخَصْمُ قِيَاسَ الْمُسْتَدِلِّ بِقِيَاسٍ آخَرَ وكان وُجُودُ الْأَمْرِ الذي جَعَلَ عِلَّةً الْحُكْمِ في الْأَصْلِ في أَحَدِ الْقِيَاسَيْنِ مَعْلُومًا وفي الْآخَرِ مَظْنُونًا كان الْأَوَّلُ أَوْلَى الِاعْتِبَارُ الثَّالِثُ بِحَسَبِ الدَّلِيلِ الدَّالِّ على عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ لِلْحُكْمِ وَذَلِكَ بِأُمُورٍ أَوَّلُهَا يُرَجَّحُ الْقِيَاسُ الذي تُثْبِتُ عِلِّيَّتُهُ الْوَصْفَ بِحُكْمِ أَصْلِهِ بِالنَّصِّ الْقَاطِعِ على ما لم يَثْبُتْ بِالْقَاطِعِ لِأَنَّهُ لَا يُحْتَمَلُ فيه عَدَمُ الْعِلِّيَّةِ
  235. بِخِلَافِ ما ليس بِقَاطِعٍ وقال في الْمُسْتَصْفَى ذَكَرُوا في التَّرْجِيحِ أَنْ تَثْبُتَ إحْدَى الْعِلَّتَيْنِ بِنَصٍّ قَاطِعٍ وهو ضَعِيفٌ لِأَنَّ الظَّنَّ يُمْحَى في مُقَابَلَةِ الْقَاطِعِ وَلَا يَبْقَى معه حتى يَحْتَاجَ إلَى تَرْجِيحٍ إذْ لو بَقِيَ معه لَتَطَرَّقَ إلَيْهِ الشَّكُّ وَيَخْرُجُ عن كَوْنِهِ مَعْلُومًا وقد بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا تَرْجِيحَ لِمَعْلُومٍ على مَعْلُومٍ وَلَا مَظْنُونٍ على مَظْنُونٍ ثَانِيهَا يُرَجَّحُ ما يُثْبِتْ عَلِيَّ ةَ الْوَصْفِ بِالظَّاهِرِ على ما لم يُثْبِتْ بِالظَّاهِرِ من سَائِرِ الْأَدِلَّةِ سِوَى النَّصِّ الْقَاطِعِ وَالْأَلْفَاظُ الظَّاهِرَةُ في إفَادَةِ الْعِلِّيَّةِ ثَلَاثَةٌ اللَّامُ وَإِنْ وَالْبَاءُ وَأَقْوَاهَا اللَّامُ وَتَرَدَّدَ الْإِمَامُ في تَقْدِيمِ الْبَاءِ على إنْ وَاخْتَارَ الْهِنْدِيُّ تَقْدِيمَهَا ثَالِثُهَا يُرَجَّحُ ما يُثْبِتُ عِلِّيَّةَ الْوَصْفِ فيه بِالْمُنَاسَبَةِ على ما عَدَاهَا من الدَّوَرَانِ وَأَشْبَاهِهِ لِقُوَّةِ دَلَالَةِ الْمُنَاسَبَةِ وَاسْتِقْلَالِهَا في إفَادَةِ الْعِلِّيَّةِ وَقِيلَ ما دَلَّ عليه الدَّوَرَانُ أَوْلَى وَعَبَّرُوا عنه بِأَنَّ الْعِلَّةَ الْمُطَّرِدَةَ الْمُنْعَكِسَةَ أَقْوَى مِمَّا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ لِشَبَهِهَا بِالْعَقْلِيَّةِ وهو ضَعِيفٌ لِأَنَّ الظَّنَّ بِغَلَبَةِ الْمُنَاسَبَةِ أَكْثَرُ من الدَّوَرَانِ وَيُرَجَّحُ الثَّابِتُ عِلِّيَّتُهُ بِالْمُنَاسَبَةِ على ما ثَبَتَ بِالسَّبْرِ خِلَافًا لِقَوْمٍ وَلَيْسَ هذا الْخِلَافُ في السَّبْرِ الْمَقْطُوعِ بِهِ فإن الْعَمَلَ بِهِ مُتَعَيَّنٌ وَلَا يَدْخُلُهُ تَرْجِيحٌ لِوُجُوبِ تَقْدِيمِ الْمَقْطُوعِ بِهِ على الْمَظْنُونِ بَلْ في السَّبْرِ الْمَظْنُونِ الذي كُلُّ مُقَدَّمَاتِهِ ظَنِّيَّةٌ فَإِنْ كان بَعْضُهَا قَطْعِيًّا اخْتَلَفَ حَالُهُ بِحَسَبِهَا وإذا ثَبَتَ رُجْحَانُ الْمُنَاسَبَةِ على الدَّوَرَانِ وَالسَّبْرِ كان رُجْحَانُهُ على الْبَاقِي أَظْهَرَ ثُمَّ الْمُنَاسَبَةُ تَخْتَلِفُ مَرَاتِبُهَا فَيُرَجَّحُ منها ما هو وَاقِعٌ في مَحَلِّ الضَّرُورَةِ على ما هو في مَحَلِّ الْحَاجَةِ وهو الْمَصْلَحِيُّ أو التَّتِمَّةُ وهو التَّحْسِينِيُّ وَالضَّرُورِيَّةُ الدِّينِيَّةُ على الدُّنْيَوِيَّةِ وَيُرَجَّحُ في هذا ما هو أَقْرَبُ اعْتِبَارًا في الشَّرْعِ فَيُرَجَّحُ ما ثَبَتَ اعْتِبَارُ نَوْعِ وَصْفِهِ في نَوْعِ الْحُكْمِ على الْمُعْتَبَرِ نَوْعُ وَصْفِهِ في جِنْسِ الْحُكْمِ وَأَمَّا الْمُرَجَّحُ فِيهِمَا فقال الْإِمَامُ هُمَا كَالْمُتَعَارَضِينَ وقال الْهِنْدِيُّ الْأَظْهَرُ تَقْدِيمُ الْمُعْتَبَرِ نَوْعُ وَصْفِهِ في جِنْسِ الْحُكْمِ على عَكْسِهِ
  236. تَنْبِيهٌ لو تَعَارَضَ قِيَاسَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا يَدُلُّ بِالْمُنَاسَبَةِ لَكِنَّ مَصْلَحَةَ أَحَدِهِمَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالدِّينِ وَالْأُخْرَى بِالدُّنْيَا فَالْأُولَى مُقَدَّمَةٌ لِأَنَّ ثَمَرَةَ الدِّينِيَّةِ هِيَ السَّعَادَةُ الْأَبَدِيَّةُ التي لَا يُعَادِلُهَا شَيْءٌ كَذَا جَزَمَ بِهِ الرَّازِيَّ وَالْآمِدِيَّ وَحَكَى ابن الْحَاجِبِ قَوْلًا أَنَّ الْمَصْلَحَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ مُقَدَّمَةٌ لِأَنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ مَبْنِيَّةٌ على الْمُشَاحَّةِ ولم يذكر الْآمِدِيُّ ذلك قَوْلًا وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ سُؤَالًا رَابِعُهَا يُرَجَّحُ الْقِيَاسُ الذي ثَبَتَ عِلِّيَّةُ وَصْفِهِ بِالدَّوَرَانِ على الثَّابِتِ بِالسَّبْرِ وما بَعْدَهُ لِاجْتِمَاعِ الِاطِّرَادِ وَالِانْعِكَاسِ في الْعِلَّةِ الْمُسْتَفَادَةِ من الدَّوَرَانِ دُونَ غَيْرِهِ بَلْ قَدَّمَهُ بَعْضُهُمْ على الْمُنَاسَبَةِ لِأَنَّ الِاطِّرَادَ وَالِانْعِكَاسَ شَبِيهٌ بِالْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ ثُمَّ الثَّابِتُ بِالدَّوَرَانِ الْحَاصِلُ في مَحَلٍّ وَاحِدٍ على الْحَاصِلِ في مَحَلَّيْنِ لِقِلَّةِ احْتِمَالِ الْخَطَأِ في الْأَوَّلِ خَامِسُهَا يُرَجَّحُ الثَّابِتُ عِلَّتُهُ بِالسَّبْرِ على الثَّابِتِ بِالشَّبَهِ وما بَعْدَهُ لِأَنَّهُ أَقْوَى في إفَادَةِ الظَّنِّ وَقِيلَ يُقَدَّمُ على الْمُنَاسَبَةِ لِإِفَادَتِهِ لِظَنِّ الْغَلَبَةِ وَبَقِيَ الْمُعَارِضُ بِخِلَافِ الْمُنَاسِبِ فَإِنَّهَا لَا تَدُلُّ على نَفْيِ الْمُعَارِضِ اخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وابن الْحَاجِبِ وَيَلْزَمُ منه تَقْدِيمُهُ على الدَّوَرَانِ أَيْضًا عِنْدَ من يُقَدِّمُ الدَّوَرَانِ على الْمُنَاسَبَةِ وَالْمُنَازَعَةِ في غَيْرِ الْمَقْطُوعِ بِهِ سَادِسُهَا يَتَرَجَّحُ الثَّابِتُ عِلَّتُهُ على الثَّابِتِ عِلَّتُهُ بِالطَّرْدِ لِضَعْفِ الظَّنِّ الْحَاصِلِ منه قال الْبَيْضَاوِيُّ وَكَذَا على الثَّابِتِ عِلَّتُهُ بِالْإِيمَاءِ وَاَلَّذِي في الْمَحْصُولِ اتِّفَاقُ الْجُمْهُورِ على أَنَّ ما ثَبَتَ عِلَّتُهُ بِالْإِيمَاءِ رَاجِحٌ على ما ظَهَرَتْ عِلَّتُهُ بِالْوُجُوهِ الْعَقْلِيَّةِ من الْمُنَاسَبَةِ وَالدَّوَرَانِ وَالسَّبْرِ وهو ظَاهِرُ كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ في الْبُرْهَانِ وقال الْهِنْدِيُّ هذا ظَاهِرٌ إنْ قُلْنَا لَا تُشْتَرَطُ الْمُنَاسَبَةُ في الْوَصْفِ الْمُومَى إلَيْهِ وَإِنْ قُلْنَا يُشْتَرَطُ فَالظَّاهِرُ تَرْجِيحُ بَعْضِ الطُّرُقِ الْعَقْلِيَّةِ عليها كَالْمُنَاسَبَةِ لِأَنَّهَا تَسْتَقِلُّ بِإِثْبَاتِ الْعِلِّيَّةِ بِخِلَافِ الْإِيمَاءِ فإنه لَا يَسْتَقِلُّ بِذَلِكَ بِدُونِهَا فَكَانَتْ وقال الْإِبْيَارِيُّ شَارِحُ الْبُرْهَانِ وقد يُعْكَسُ كما فَعَلُوا في قَوْلِهِ عليه السَّلَامُ لَا يَقْضِي الْقَاضِي وهو غَضْبَانُ فإن في الحديث إيمَاءٌ إلَى خُصُوصِ الْغَضَبِ لَكِنْ قَدَّمُوا عليه الْعِلَّةَ الْمُسْتَنْبَطَةَ وهو الدَّهَشُ وَالْحِيرَةُ وَلَيْسَ كما قال وَإِنَّمَا تَمَسَّكَ بِالْإِيمَاءِ
  237. الْمُجَرَّدِ وَلَا اسْتِنْبَاطَ فإنه أَدَّى بِالْغَضَبِ إلَى الدَّهَشِ الذي اشْتَمَلَ الْغَضَبُ عليه وَالْغَضَبُ طَرْدٌ لَا خُصُوصِيَّةَ له وَإِنَّمَا ذُكِرَ لِخُرُوجِهِ مَخْرَجَ الْغَالِبِ نعم إنْ قَوِيَ اجْتِهَادٌ بِهِ فَلْيُوكَلْ إلَى نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ قُوَّةً وَضَعْفًا وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِيَ مع قَوْلِهِ بِبُطْلَانِ قِيَاسِ الْأَشْبَاهِ قال هُنَا الْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّرْجِيحُ بِهِ وَإِنْ لم يَجُزْ التَّمَسُّكُ بِهِ ابْتِدَاءً الِاعْتِبَارُ الرَّابِعُ بِحَسَبِ دَلِيلِ الْحُكْمِ فَيُرَجَّحُ من الْقِيَاسَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ ما دَلِيلُ حُكْمِ أَصْلِهِ أَقْوَى من دَلِيلِ حُكْمِ الْأَصْلِ الْآخَرِ فَمِنْهَا أَنَّهُ يُرَجَّحُ الْقِيَاسُ الثَّابِتُ حُكْمُ أَصْلِهِ بِالْإِجْمَاعِ على الثَّابِتِ بِالنَّصِّ فإن الذي ثَبَتَ الْحُكْمُ في أَصْلِهِ بِالدَّلَائِلِ اللَّفْظِيَّةِ يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ وَالنَّسْخَ وَالتَّأْوِيلَ وَالْإِجْمَاعُ لَا يَقْبَلُهَا هَكَذَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ ثُمَّ قال وَيَحْتَمِلُ تَقْدِيمَ الثَّابِتِ بِالنَّصِّ على الْإِجْمَاعِ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ فَرْعُ النَّصِّ لِكَوْنِ الْمُثْبِتِ له النَّصَّ وَالْفَرْعُ لَا يَكُونُ أَقْوَى من الْأَصْلِ وَبِهَذَا جَزَمَ صَاحِبُ الْحَاصِلِ وَالْمِنْهَاجِ وهو ضَعِيفٌ لِأَنَّ الْأَصْلَ الذي ثَبَتَ بِهِ الْإِجْمَاعُ مَعْلُومٌ أَنَّهُ لم يُنْسَخْ فَلَا يَكُونُ الْإِجْمَاعُ أَقْوَى من ذلك وَأَمَّا ما لَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ أَقْوَى منه وَمِنْهَا قال ابن بَرْهَانٍ إذَا كان أَحَدُ الْقِيَاسَيْنِ مُخَرَّجًا من أَصْلٍ مَنْصُوصٍ عليه وَالْآخَرُ مُخَرَّجًا من غَيْرِ مَنْصُوصٍ عليه قُدِّمَ الْأَوَّلُ على الثَّانِي كَقَوْلِنَا في جِلْدِ ما لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ كَجِلْدِ الْمَيْتَةِ وَهِيَ مَنْصُوصٌ عليها أَوْلَى من قَوْلِ الْمُخَالِفِ لَا يَطْهُرُ قِيَاسًا على جِلْدِ الْكَلْبِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَنْصُوصٍ عليه وَمِنْهَا قال في الْمَنْخُولِ إذَا عَارَضَ قِيَاسٌ عَامٌّ تَشْهَدُ له الْقَوَاعِدُ قِيَاسًا هو أَخَصُّ منه بِالْمَسْأَلَةِ فَالْأَخَصُّ مُقَدَّمٌ فِيمَا قَالَهُ الْقَاضِي مِثَالُهُ تَوْجِيهُ قَوْلِنَا لَا تَتَحَمَّلُ الْعَاقِلَةُ قِيمَةَ الْعَبْدِ لِأَنَّ الْجَانِيَ أَوْلَى بِجِنَايَتِهِ وَيُعَضِّدُ هذا سَائِرُ الْغَرَامَاتِ يُعَارِضُهُ قِيَاسٌ أَخَصُّ وهو أَنَّ الْغَالِبَ على الْعَبْدِ الذِّمَّةُ بِدَلِيلِ الْكَفَّارَةِ وَالْقِصَاصِ وَضَرْبُ الْعَقْلِ سَبَبُهُ مَسِيسُ حَاجَةِ الْعَرَبِ إلَى مُعَاطَاةِ الْأَسْلِحَةِ وَإِيقَافِ هَفَوَاتٍ وَنَقْلِ الْأُرُوشِ عن الْجُنَاةِ فإن هذا مِثَالٌ فَاسِدٌ فإن ضَرْبَ الْعَقْلِ مُسْتَثْنًى عن الْقِيَاسِ وَهَذِهِ الْحِكْمَةُ تَعْوِيلٌ عليها
  238. الِاعْتِبَارُ الْخَامِسُ بِحَسَبِ كَيْفِيَّةِ الْحُكْمِ وقد سَبَقَ في تَرْجِيحِ الْأَخْبَارِ فَلْيَأْتِ مِثْلُهُ هَاهُنَا فإذا كانت إحْدَى الْعِلَّتَيْنِ نَاقِلَةً عن حُكْمِ الْعَقْلِ وَالْأُخْرَى مُقَرَّرَةً على الْأَصْلِ فَالنَّاقِلَةُ أَوْلَى على الصَّحِيحِ كما قَالَهُ الْغَزَالِيُّ وابن السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُمَا لِأَنَّ النَّاقِلَةَ أَثْبَتَتْ حُكْمًا شَرْعِيًّا وَالْمُقَرَّرَةُ ما أَثْبَتَتْ شيئا وَمِنْهُمْ من قال الْمُبْقِيَةُ أَوْلَى لِاعْتِضَادِهَا بِحُكْمِ الْعَقْلِ الْمُسْتَقِلِّ بِالنَّفْيِ لَوْلَا هذه الْعِلَّةُ وَكَذَا قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ ذَهَبَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا إلَى تَرْجِيحِ النَّاقِلَةِ عن الْعَادَةِ وَبِهِ جَزَمَ إلْكِيَا لِأَنَّ النَّاقِلَةَ مُسْتَفَادَةٌ من الشَّرْعِ وَالْأُخْرَى تَرْجِعُ إلَى عَدَمِ الدَّلِيلِ فَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُمَا وَقِيلَ النَّاقِلَةُ وَالْمُوَافِقَةُ لِلْعَادَةِ سِيَّانِ لِأَنَّ النَّسْخَ بِالْعِلَلِ لَا يَجُوزُ بِخِلَافِ الْخَبَرَيْنِ لِأَنَّ النَّسْخَ لِأَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ جَائِزٌ وَالْغَالِبُ في النَّسْخِ نَسْخُ ما يُوَافِقُ الْعَادَةَ لِمَا يُنْقِلُ عنها فَلِذَلِكَ قُلْنَا في الْأَخْبَارِ إنَّ النَّاقِلَ أَوْلَى قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وكان عَلِيُّ بن حَمْزَةَ الطَّبَرِيُّ يُفَرِّقُ بين الْعِلَلِ وَالْأَخْبَارِ فيقول في الْخَبَرِ النَّاقِلُ أَوْلَى وفي الْعِلَلِ إنَّ الْمُبْقِيَةَ فيها على الْعَادَةِ أَوْلَى من النَّاقِلَةِ فَأَمَّا إذَا كانت إحْدَاهُمَا مُثْبِتَةً وَالْأُخْرَى نَافِيَةً فقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ تُقَدَّمُ الْمُثْبِتَةُ قال وَيُعَبَّرُ عن هذا بِتَقْدِيمِ النَّاقِلَةِ على الْمُبْقِيَةِ لِلْأَصْلِ على ما كان قال وَرُبَّمَا خَلَطَ في هَذَيْنِ من لَا تَحْقِيقَ له وَهُمَا يَجْرِيَانِ على مَعْنًى وَاحِدٍ وقال الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَدَّمَ قَوْمٌ الْمُثْبِتَةَ على النَّافِيَةِ وهو غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ النَّفْيَ الذي لَا يَثْبُتُ إلَّا شَرْعًا كَالْإِثْبَاتِ وَإِنْ كان نَفْيًا أَصْلِيًّا رَجَعَ إلَى ما قَدَّمْنَاهُ في النَّاقِلَةِ وَالْمُقَرَّرَةِ وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ الصَّحِيحُ أَنَّ التَّرْجِيحَ في الْعِلَّةِ لَا يَقَعُ بِذَلِكَ لِاسْتِوَاءِ الْمُثْبِتِ وَالنَّافِي في الِافْتِقَارِ إلَى الدَّلِيلِ قال وَإِلَى هذا الْقَوْلِ ذَهَبَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ وهو كما قال وَكَأَنَّ من رَجَّحَ بِهِ لَاحَظَ إلْحَاقَهَا بِالْخَبَرِ وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ فإن مَدَارَ التَّرْجِيحِ في الْأَخْبَارِ على أَنَّ الْعَقْلِيَّةَ أَشْبَهُ من الِاخْتِلَافِ وَمَدَارُ التَّرْجِيحِ في الْعِلَلِ على غَيْرِ ذلك من قُوَّةِ الْمُنَاسَبَةِ وَتَوَفُّرِ الشَّوَاهِدِ وَهَذَا أَجْنَبِيٌّ عن النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فَالْحَقُّ كما قال ابن الْمُنِيرِ إنْ قُلْنَا إنَّ النَّفْيَ فيها مُسْتَفَادٌ من النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ أَنْ يُلْتَمَسَ التَّرْجِيحُ من خَارِجٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّ النَّفْيَ لَا يَكُونُ مُقْتَضًى لِأَنَّ الْعَدَمَ لَا يُقْتَضَى كما لَا يَقْتَضِي
  239. وقال ابن السَّمْعَانِيِّ وَالصَّحِيحُ أَنَّ التي تَقْتَضِي الْحَظْرَ أَوْلَى من التي تَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ وَقِيلَ هُمَا سَوَاءٌ وَإِنْ كانت إحْدَاهُمَا تَقْتَضِي حَدًّا وَالْأُخْرَى تُسْقِطُهُ أو تُوجِبُ الْعِتْقَ وَالْأُخْرَى تُسْقِطُهُ فَقِيلَ الْمُوجِبَةُ لِلْعِتْقِ وَالْمُسْقِطَةُ لِلْحَدِّ أَوْلَى لِأَنَّ الْعِتْقَ مَبْنِيٌّ على الِاتِّسَاعِ وَالتَّكْمِيلِ وَالْحَدُّ مَبْنِيٌّ على الْإِسْقَاطِ وَالدَّرْءِ وَقِيلَ على السَّوَاءِ وَلَوْ كانت إحْدَاهُمَا مُبْقِيَةً لِلْعُمُومِ على عُمُومِهِ وَالْأُخْرَى تُوجِبُ تَخْصِيصَهُ قال الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ فَقِيلَ يَجِبُ تَرْجِيحُ الْمُبْقِيَةِ لِلْعُمُومِ لِأَنَّهُ كَالنَّصِّ في وُجُوبِ اسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ وَمِنْ حَقِّ الْعِلَّةِ أَنْ لَا تَرْفَعَ النُّصُوصَ فإذا أَخْرَجَتْ ما اشْتَمَلَ عليه الْعَامُّ كانت مُخَالِفَةً لِلْأُصُولِ التي يَجِبُ سَلَامَتُهَا عنه وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّ الْمُخَصِّصَةَ له أَوْلَى لِأَنَّهَا زَائِدَةٌ الِاعْتِبَارُ السَّادِسُ بِحَسَبِ الْأُمُورِ الْخَارِجِيَّةِ وهو بِأُمُورٍ أَوَّلُهَا أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْقِيَاسَيْنِ مُوَافِقًا لِلْأُصُولِ في الْعِلَّةِ بِأَنْ تَكُونَ عِلَّةُ أَصْلِهِ على وَفْقِ الْأُصُولِ الْمُمَهَّدَةِ في الشَّرْعِ فَيُرَجَّحُ على مُوَافَقَةِ أَصْلٍ وَاحِدٍ لِأَنَّ وُجُودَهَا في الْأُصُولِ الْكَثِيرَةِ دَلِيلٌ على قُوَّةِ اعْتِبَارِهَا في نَظَرِ الشَّرْعِ فَهِيَ أَوْلَى وَهَذَا ما صَحَّحَهُ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وابن السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُمَا وَقِيلَ هُمَا سَوَاءٌ وهو اخْتِيَارُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ كما لَا تَرْجِيحَ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ في الرِّوَايَةِ عِنْدَهُ أَمَّا إذَا كانت إحْدَاهُمَا أَكْثَرَ فُرُوعًا من الْأُخْرَى فَهَلْ الْكَثِيرَةُ أَوْلَى لِكَثْرَةِ فَائِدَتِهَا أو هُمَا سِيَّانِ فيه وَجْهَانِ حَكَاهُمَا ابن السَّمْعَانِيِّ وَجَزَمَ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ بِتَقْدِيمِ الْكَثِيرَةِ وَزَيَّفَهُ الْغَزَالِيُّ لِأَنَّ تَقْدِيمَ الْمُتَعَدِّيَةِ على الْقَاصِرَةِ تَلَقَّيْنَاهُ من مَسْلَكِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عليهم ولم يَظْهَرْ ذلك عِنْدَ كَثْرَةِ الْفُرُوعِ ثَانِيهَا يُرَجَّحُ الْمُوَافِقُ لِلْأُصُولِ في الْحُكْمِ بِأَنْ يَكُونَ حُكْمُ أَصْلِهِ على وَفْقِ الْأُصُولِ الْمُقَرَّرَةِ على ما ليس كَذَلِكَ لِلِاتِّفَاقِ على الْأَوَّلِ ثَالِثُهَا يُرَجَّحُ الذي يَكُونُ مُطَّرِدًا في الْفُرُوعِ بِأَنْ يَلْزَمَ الْحُكْمُ عليه في جَمِيعِ الصُّوَرِ على ما ليس كَذَلِكَ
  240. رَابِعُهَا انْضِمَامُ عِلَّةٍ أُخْرَى إلَيْهَا لِأَنَّهَا تُزِيدُ قُوَّةَ الظَّنِّ وَالْحُكْمَ في الْمُجْتَهَدَاتِ بِقُوَّةِ الظَّنِّ وَاخْتَارَهُ في الْقَوَاطِعِ وَحُكِيَ عن أبي زَيْدٍ تَصْحِيحُ عَدَمِ التَّرْجِيحِ بِذَلِكَ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَتَقَوَّى إلَّا بِصِفَةٍ في ذَاتِهِ أَمَّا بِانْضِمَامِ غَيْرِهِ إلَيْهِ فَلَا خَامِسُهَا أَنْ يَكُونَ مع إحْدَاهُمَا فَتْوَى صَحَابِيٍّ فَيُرَجَّحُ على ما ليس كَذَلِكَ لِأَنَّهُ مِمَّا يُثِيرُ الظَّنَّ بِاجْتِمَاعِهِمَا وقد سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ في تَفَارِيعِ مَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ فَإِنْ جَعَلْنَا مَذْهَبَهُ حُجَّةً مُسْتَقِلَّةً كان هذا من التَّرْجِيحِ بِدَلِيلٍ آخَرَ وَإِنْ قُلْنَا ليس بِحُجَّةٍ مُطْلَقًا فَهَلْ تَكُونُ له مَزِيَّةُ تَرْجِيحِ الدَّلِيلِ أو لَا اخْتَلَفُوا على ثَلَاثِهِ مَذَاهِبَ أَحَدُهَا أَنَّهُ بِمَزِيَّةٍ كَغَيْرِهِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقَاضِي وَالثَّانِي نعم مُطْلَقًا وَالثَّالِثُ وهو رَأْيُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ التَّفْصِيلُ بين أَنْ يَكُونَ ذلك الصَّحَابِيُّ مَشْهُورًا بِالْمَزِيَّةِ في ذلك الْفَنِّ كَزَيْدٍ في الْفَرَائِضِ وَعَلِيٍّ في الْقَضَاءِ اقْتَضَى التَّرْجِيحَ وَإِلَّا فَلَا وَعَزَاهُ بَعْضُهُمْ إلَى الشَّافِعِيِّ وَبَنَى الْإِبْيَارِيُّ الْخِلَافَ على قَوْلِ الْمُصَوِّبَةِ وَالْمُخَطِّئَةِ فقال على قَوْلِ التَّصْوِيبِ بِعَدَمِ التَّرْجِيحِ وَعَلَى الثَّانِي بِالتَّرْجِيحِ وَجَعَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْمَرَاتِبَ أَرْبَعًا أَعْلَاهَا الشَّهَادَةُ لِزَيْدٍ في الْفَرَائِضِ لِأَنَّهَا تَامَّةٌ ثُمَّ يَلِيهِ مُعَاذٌ ثُمَّ يَلِيه عَلِيٌّ ثُمَّ يَلِيهِ الشَّيْخَانِ في قَوْلِهِ اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ من بَعْدِي ثُمَّ قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَوْلُ عَلِيٍّ في الْأَقْضِيَةِ كَقَوْلِ زَيْدٍ في الْفَرَائِضِ وَقَوْلُ مُعَاذٍ في الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ إذَا لم يَتَعَلَّقْ بِالْفَرَائِضِ كَقَوْلِ زَيْدٍ في الْفَرَائِضِ
  241. مَبَاحِثُ الِاجْتِهَادِ والتقليد ( ( ( وأركانه ) ) ) والفتوى ( ( ( ثلاثة ) ) )
  242. الْأَوَّلُ نَفْسُ الِاجْتِهَادِ وهو لُغَةً افْتِعَالٌ من الْجَهْدِ وهو الْمَشَقَّةُ وهو الطَّاقَةُ وَيَلْزَمُ من ذلك أَنْ يَخْتَصَّ هذا الِاسْمُ بِمَا فيه مَشَقَّةٌ لِتَخْرُجَ عنه الْأُمُورُ الضَّرُورِيَّةُ التي تُدْرَكُ ضَرُورَةً من الشَّرْعِ إذْ لَا مَشَقَّةَ في تَحْصِيلِهَا وَلَا شَكَّ أَنَّ ذلك من الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وفي الِاصْطِلَاحِ بَذْلُ الْوُسْعِ في نِيلِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ عَمَلِي بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ فَقَوْلُنَا بَذْلُ أَيْ بِحَيْثُ يُحِسُّ من نَفْسِهِ الْعَجْزَ عن مَزِيدِ طَلَبٍ حتى لَا يَقَعَ لَوْمٌ في التَّقْصِيرِ وَخَرَّجَ الشَّرْعِيُّ اللُّغَوِيَّ وَالْعَقْلِيَّ وَالْحِسِّيَّ فَلَا يُسَمَّى عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مُجْتَهِدًا وَكَذَلِكَ الْبَاذِلُ وُسْعَهُ في نَيْلِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ عِلْمِيٍّ وَإِنْ كان قد يُسَمَّى عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ مُجْتَهِدًا وَإِنَّمَا قُلْنَا بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ لِيَخْرُجَ بِذَلِكَ بَذْلُ الْوُسْعِ في نَيْلِ تِلْكَ الْأَحْكَامِ من النُّصُوصِ ظَاهِرًا أو بِحِفْظِ الْمَسَائِلِ وَاسْتِعْلَامِهَا من الْمَعْنَى أو بِالْكَشْفِ عنها من الْكُتُبِ فإنه وَإِنْ سُمِّيَ اجْتِهَادًا فَهُوَ لُغَةً لَا اصْطِلَاحًا وَسَبَقَ في أَوَّلِ الْقِيَاسِ تَأْوِيلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ الْقِيَاسُ وَالِاجْتِهَادُ بِمَعْنًى وَقِيلَ طَلَبُ الصَّوَابِ بِالْأَمَارَاتِ الدَّالَّةِ عليه قال ابن السَّمْعَانِيِّ وهو أَلْيَقُ بِكَلَامِ الْفُقَهَاءِ وقال أبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ اسْمُ الِاجْتِهَادِ يَقَعُ في الشَّرْعِ على ثَلَاثَةِ مَعَانٍ أَحَدُهَا الْقِيَاسُ الشَّرْعِيُّ لِأَنَّ الْعِلَّةَ لَمَّا لم تَكُنْ مُوجِبَةَ الْحُكْمِ لِجَوَازِ وُجُودِهَا خَالِيَةً منه لم يُوجِبْ ذلك الْعِلْمَ بِالْمَطْلُوبِ فَلِذَلِكَ كان طَرِيقُهُ الِاجْتِهَادَ وَالثَّانِي ما يَغْلِبُ في الظَّنِّ من غَيْرِ عِلَّةٍ كَالِاجْتِهَادِ في الْمِيَاهِ وَالْوَقْتِ وَالْقِبْلَةِ وَتَقْوِيمِ الْمُتْلَفَاتِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ وَمَهْرِ الْمِثْلِ وَالْمُتْعَةِ وَالنَّفَقَةِ وَغَيْرِ ذلك وَالثَّالِثُ الِاسْتِدْلَال بِالْأُصُولِ
  243. مَسْأَلَةٌ قال الشِّهْرِسْتَانِيّ في الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ الِاجْتِهَادُ فَرْضُ كِفَايَةٍ حتى لو اشْتَغَلَ بِتَحْصِيلِهِ وَاحِدٌ سَقَطَ الْفَرْضُ عن الْجَمِيعِ وَإِنْ قَصَّرَ منه أَهْلُ عَصْرٍ عَصَوْا بِتَرْكِهِ وَأَشْرَفُوا على خَطَرٍ عَظِيمٍ فإن الْأَحْكَامَ الِاجْتِهَادِيَّةَ إذَا كانت مُتَرَتِّبَةً على الِاجْتِهَادِ تَرْتِيبَ الْمُسَبَّبِ على السَّبَبِ ولم يُوجَدْ السَّبَبُ كانت الْأَحْكَامُ عَاطِلَةً وَالْآرَاءُ كُلُّهَا مُتَمَاثِلَةً فَلَا بُدَّ إذًا من مُجْتَهِدٍ قُلْت وَسَيَأْتِي في مَسْأَلَةِ جَوَازِ خُلُوِّ الْعَصْرِ عن الْمُجْتَهِدِ ما يُنَازَعُ في ذلك مَسْأَلَةٌ يَجِبُ الْعَمَلُ بِالِاجْتِهَادِ في الْحَوَادِثِ خِلَافًا لِلنَّظَّامِ وَخِلَافُهُ فيه وفي الْقِيَاسِ وَاحِدٌ كما قَالَهُ الرَّازِيَّ وَإِنْكَارُهُ مُكَابَرَةٌ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مَسْأَلَةٌ وما يُوجِبُهُ الِاجْتِهَادُ هل يُسَمَّى دِينُ اللَّهِ فيه الْخِلَافُ السَّابِقُ في الْقِيَاسِ حَكَاهُ أبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ قال وَالصَّحِيحُ نعم تَنْبِيهٌ ما ذَكَرْتُهُ من جَعْلِ الِاجْتِهَادِ رُكْنًا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ وَنَازَعَ فيه الْعَبْدَرِيّ وقال رُكْنُ الشَّيْءِ غَيْرُ الشَّيْءِ الثَّانِي الْمُجْتَهِدُ الْفَقِيهُ وهو الْبَالِغُ الْعَاقِلُ ذُو مَلَكَةٍ يَقْتَدِرُ بها على اسْتِنْتَاجِ الْأَحْكَامِ من مَأْخَذِهَا وَإِنَّمَا يَتَمَكَّنُ من ذلك بِشُرُوطٍ أَوَّلُهَا إشْرَافُهُ على نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَإِنْ قَصَّرَ في أَحَدِهِمَا لم يَجُزْ له أَنْ يَجْتَهِدَ وَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ جَمِيعِ الْكِتَابِ بَلْ ما يَتَعَلَّقُ فيه بِالْأَحْكَامِ
  244. قال قال الْغَزَالِيُّ وابن الْعَرَبِيِّ وهو مِقْدَارُ خَمْسِمِائَةِ آيَةٍ وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عن بَعْضِهِمْ وَكَأَنَّهُمْ رَأَوْا مُقَاتِلَ بن سُلَيْمَانَ أَوَّلَ من أَفْرَدَ آيَاتِ الْأَحْكَامِ في تَصْنِيفٍ وَجَعَلَهَا خَمْسَمِائَةِ آيَةٍ وَإِنَّمَا أَرَادَ الظَّاهِرَةَ لَا الْحَصْرَ فإن دَلَالَةَ الدَّلِيلِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْقَرَائِحِ فَيَخْتَصُّ بَعْضُهُمْ بِدَرْكِ ضَرُورَةٍ فيها وَلِهَذَا عُدَّ من خَصَائِصِ الشَّافِعِيِّ التَّفَطُّنُ لِدَلَالَةِ قَوْله تَعَالَى وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا على أَنَّ من مَلَكَ وَلَدَهُ عَتَقَ عليه وقَوْله تَعَالَى امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ على صِحَّةِ أَنْكِحَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِ ذلك من الْآيَاتِ التي لم تُسَقْ لِلْأَحْكَامِ وقد نَازَعَهُمْ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ أَيْضًا وقال هو غَيْرُ مُنْحَصِرٍ في هذا الْعَدَدِ بَلْ هو مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الْقَرَائِحِ وَالْأَذْهَانِ وما يَفْتَحُهُ اللَّهُ على عِبَادِهِ من وُجُوهِ الِاسْتِنْبَاطِ وَلَعَلَّهُمْ قَصَدُوا بِذَلِكَ الْآيَاتِ الدَّالَّةَ على الْأَحْكَامِ دَلَالَةً أَوَّلِيَّةً بِالذَّاتِ لَا بِطَرِيقِ التَّضَمُّنِ وَالِالْتِزَامِ قُلْت وَمَنْ أَرَادَ التَّحْقِيقَ بِذَلِكَ فَعَلَيْهِ بِكِتَابِ الْإِمَامِ عِزِّ الدِّينِ بن عبد السَّلَامِ قال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ ما يَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ الشَّرْعِ وَلَا يُشْتَرَطُ ما فيها من الْقَصَصِ وَالْمَوَاعِظِ وإذا كان عَالِمًا بِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ فَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ حَافِظًا لِتِلَاوَتِهِ قال في الْقَوَاطِعِ ذَهَبَ كَثِيرٌ من أَهْلِ الْعِلْمِ إلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ حَافِظًا لِلْقُرْآنِ لِأَنَّ الْحَافِظَ أَضْبَطُ لِمَعَانِيهِ من النَّاظِرِ فيه وقال آخَرُونَ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَحْفَظَ ما فيه من الْأَمْثَالِ وَالزَّوَاجِرِ وَجَزَمَ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْحِفْظُ وَجَرَى عليه الرَّافِعِيُّ وَثَانِيهَا مَعْرِفَةُ ما يَحْتَاجُ إلَيْهِ من السُّنَنِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَحْكَامِ قال الْمَاوَرْدِيُّ وَقِيلَ إنَّهَا خَمْسُمِائَةِ حَدِيثٍ وقال ابن الْعَرَبِيِّ في الْمَحْصُولِ هِيَ ثَلَاثَةُ آلَافِ سُنَّةٍ وَشَدَّدَ أَحْمَدُ وقال أبو الضَّرِيرِ قُلْت له كَمْ يَكْفِي الرَّجُلَ من الحديث حتى يُمْكِنُهُ أَنْ يُفْتِيَ يَكْفِيهِ مِائَةُ أَلْفٍ قال لَا قُلْت مِائَتَا أَلْفٍ قال لَا قُلْت ثَلَاثُمِائَةِ أَلْفٍ قال لَا قُلْت أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفٍ قال لَا قُلْت خَمْسُمِائَةِ أَلْفٍ قال أَرْجُو وفي رِوَايَةٍ قُلْت فَثَلَاثُمِائَةِ أَلْفٍ قال لَعَلَّهُ وَكَأَنَّ مُرَادَهُ بهذا الْعَدَدِ آثَارُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَطُرُقُ الْمُتُونِ وَلِهَذَا قال من لم يَجْمَعْ طُرُقَ الحديث لَا يَحِلُّ له الْحُكْمُ على الحديث وَلَا الْفُتْيَا بِهِ وقال بَعْضُ أَصْحَابِهِ ظَاهِرُ هذا أَنَّهُ لَا يَكُونُ من أَهْلِ الِاجْتِهَادِ حتى يَحْفَظَ هذا
  245. الْقَدْرَ وهو مَحْمُولٌ على الِاحْتِيَاطِ وَالتَّغْلِيظِ في الْفُتْيَا أو يَكُونُ أَرَادَ وَصْفَ أَكْمَلِ الْفُقَهَاءِ فَأَمَّا ما لَا بُدَّ منه فَقَدْ قال أَحْمَدُ الْأُصُولُ التي يَدُورُ عليها الْعِلْمُ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ أَلْفًا وَمِائَتَيْنِ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْإِحَاطَةُ بِجَمِيعِ السُّنَنِ وَإِلَّا لَا نَسُدُّ بَابَ الِاجْتِهَادِ وقد اجْتَهَدَ عُمَرُ رضي اللَّهُ عنه وَغَيْرُهُ من الصَّحَابَةِ في مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ ولم يَسْتَحْضِرُوا فيها النُّصُوصَ حتى رَوَيْت لهم فَرَجَعُوا إلَيْهَا قال أبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ وَلَا يُشْتَرَطُ اسْتِحْضَارُهُ جَمِيعَ ما وَرَدَ في ذلك الْبَابِ إذْ لَا تُمْكِنُ الْإِحَاطَةُ بِهِ وَلَوْ تُصُوِّرَ لِمَا حَضَرَ ذِهْنَهُ عِنْدَ الِاجْتِهَادِ جَمِيعُ ما رُوِيَ فيه وقال الْغَزَالِيُّ وَجَمَاعَةٌ من الْأُصُولِيِّينَ يَكْفِيهِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ أَصْلٌ يَجْمَعُ أَحَادِيثَ الْأَحْكَامِ كَسُنَنِ أبي دَاوُد وَمَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالْآثَارِ لِلْبَيْهَقِيِّ أو أَصْلٌ وَقَعَتْ الْعِنَايَةُ فيه بِجَمْعِ أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ وَيَكْتَفِي فيه بِمَوَاقِعِ كل بَابٍ فَيُرَاجِعُهُ وَقْتَ الْحَاجَةِ وَتَبِعَهُ على ذلك الرَّافِعِيُّ وَنَازَعَهُ النَّوَوِيُّ وقال لَا يَصِحُّ التَّمْثِيلُ بِسُنَنِ أبي دَاوُد فإنه لم يَسْتَوْعِبْ الصَّحِيحَ من أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ وَلَا مُعْظَمَهَا وَكَمْ في صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ من حَدِيثٍ حُكْمِيٍّ ليس في سُنَنِ أبي دَاوُد انْتَهَى وَكَذَا قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ في شَرْحِ الْعُنْوَانِ التَّمْثِيلُ بِسُنَنِ أبي دَاوُد ليس بِجَيِّدٍ عِنْدَنَا لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يَحْوِي السُّنَنَ الْمُحْتَاجَ إلَيْهَا والثاني أَنَّ في بَعْضِهِ ما لَا يُحْتَجُّ بِهِ في الْأَحْكَامِ انْتَهَى وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ حِفْظُ السُّنَنِ بِلَا خِلَافٍ لِعُسْرِهِ وَلَا يَجْرِي الْخِلَافُ في حِفْظِ الْقُرْآنِ هَاهُنَا وَلَا بُدَّ من مَعْرِفَةِ الْمُتَوَاتِرِ من الْآحَادِ لِيُمَيِّزَ بين ما يَقْطَعُ بِهِ منها وما لَا يَقْطَعُ وَثَالِثُهَا الْإِجْمَاعُ فَلْيَعْرِفْ مَوَاقِعَهُ حتى لَا يُفْتِيَ بِخِلَافِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ حِفْظُ جَمِيعِهِ بَلْ كُلُّ مَسْأَلَةٍ يُفْتِي فيها يَعْلَمُ أَنَّ فَتْوَاهُ لَيْسَتْ مُخَالِفَةً لِلْإِجْمَاعِ وَإِنَّمَا يُوَافِقُهُ مَذْهَبُ عَالِمٍ أو تَكُونُ الْحَادِثَةُ مُوَلَّدَةً وَلَا بُدَّ مع ذلك أَنْ يَعْرِفَ الِاخْتِلَافَ ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ في الرِّسَالَةِ وَفَائِدَتُهُ حتى لَا يُحْدِثَ قَوْلًا يُخَالِفُ أَقْوَالَهُمْ فَيَخْرُجَ بِذَلِكَ عن الْإِجْمَاعِ وَرَابِعُهَا الْقِيَاسُ فَلْيَعْرِفْهُ بِشُرُوطِهِ وَأَرْكَانِهِ فإنه مَنَاطُ الِاجْتِهَادِ وَأَصْلُ الرَّأْيِ وَمِنْهُ يَتَشَعَّبُ الْفِقْهُ
  246. وَيَحْتَاجُ إلَيْهِ في بَعْضِ الْمَسَائِلِ فَمَنْ لَا يَعْرِفُ ذلك لَا يُمْكِنُهُ الِاسْتِنْبَاطُ في تِلْكَ الْمَوَاضِعِ نعم إنْ جَوَّزْنَا تَجَزُّؤَ الِاجْتِهَادِ فَهَذِهِ الْحَاجَةُ لَا تَعُمُّ وَالْمَسَائِلُ التي تَرْجِعُ إلَى النَّصِّ لَا يُحْتَاجُ إلَى ذلك فيها قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ قال وَيَلْزَمُ من اشْتِرَاطِ هذا أَنْ لَا يَكُونَ الظَّاهِرِيَّةُ النُّفَاةُ لِلْقِيَاسِ مُجْتَهِدِينَ وَخَامِسُهَا كَيْفِيَّةُ النَّظَرِ فَلْيَعْرِفْ شَرَائِطَ الْبَرَاهِينِ وَالْحُدُودِ وَكَيْفِيَّةَ تَرْكِيبِ الْمُقَدَّمَاتِ وَيَسْتَفْتِحُ الْمَطْلُوبَ لِيَكُونَ على بَصِيرَةٍ كَذَا ذَكَرَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ وَأَصْلُهُ اشْتِرَاطُ الْغَزَالِيُّ مَعْرِفَتَهُ بِعِلْمِ الْمَنْطِقِ قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ وَلَا شَكَّ أَنَّ في اشْتِرَاطِ ذلك على حَسَبِ ما يَقَعُ اصْطِلَاحُ أَرْبَابِ هذا الْفَنِّ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ لِعِلْمِنَا بِأَنَّ الْأَوَّلِينَ من الْمُجْتَهِدِينَ لم يَكُونُوا خَائِضِينَ فيه وَلَا شَكَّ أَيْضًا أَنَّ كُلَّ ما يَتَوَقَّفُ عليه تَصْحِيحُ الدَّلِيلِ وَمَعْرِفَةُ الْحَقَائِقِ لَا بُدَّ من اعْتِبَارِهِ وَسَادِسُهَا أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِلِسَانِ الْعَرَبِ وَمَوْضُوعِ خِطَابِهِمْ لُغَةً وَنَحْوًا وَتَصْرِيفًا فَلْيَعْرِفْ الْقَدْرَ الذي يَفْهَمُ بِهِ خِطَابَهُمْ وَعَادَتَهُمْ في الِاسْتِعْمَالِ إلَى حَدٍّ يُمَيِّزُ بِهِ بين صَرِيحِ الْكَلَامِ وَظَاهِرِهِ وَمُجْمَلِهِ وَمُبَيَّنِهِ وَعَامِّهِ وَخَاصِّهِ وَحَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ قال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ وَيَكْفِيهِ من اللُّغَةِ أَنْ يَعْرِفَ غَالِبَ الْمُسْتَعْمَلِ وَلَا يُشْتَرَطُ التَّبَحُّرُ وَمِنْ النَّحْوِ الذي يَصِحُّ بِهِ التَّمْيِيزُ في ظَاهِرِ الْكَلَامِ كَالْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ وَالْخَافِضِ وَالرَّافِعِ وما تَتَّفِقُ عليه الْمَعَانِي في الْجَمْعِ وَالْعَطْفِ وَالْخِطَابِ وَالْكِنَايَاتِ وَالْوَصْلِ وَالْفَصْلِ وَلَا يَلْزَمُ الْإِشْرَافُ على دَقَائِقِهِ وقال ابن حَزْمٍ في كِتَابِ التَّقْرِيبِ يَكْفِيهِ مَعْرِفَةُ ما في كِتَابِ الْجُمَلِ لِأَبِي الْقَاسِمِ الزَّجَّاجِيِّ وَيَفْصِلُ بين ما يَخْتَصُّ منها بِالْأَسْمَاءِ وَالْأَفْعَالِ لِاخْتِلَافِ الْمَعَانِي بِاخْتِلَافِ الْعَوَامِلِ الدَّاخِلَةِ عليها قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ وَاشْتِرَاطُ الْأَصْلِ فيه مُتَعَيَّنٌ لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ عَرَبِيَّةٌ مُتَوَقِّفَةٌ على مَعْرِفَةِ اللُّغَةِ نعم لَا يُشْتَرَطُ التَّوَسُّعُ الذي أُحْدِثَ في هذا الْعِلْمِ وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ ما يَتَوَقَّفُ عليه فَهْمُ الْكَلَامِ قال الْمَاوَرْدِيُّ وَمَعْرِفَةُ لِسَانِهِ فَرْضٌ على كل مُسْلِمٍ من مُجْتَهِدٍ وَغَيْرِهِ وقد قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ على كل مُسْلِمٍ أَنْ يَتَعَلَّمَ من لِسَانِ الْعَرَبِ ما يَبْلُغُهُ جَهْدُهُ في أَدَاءِ فَرْضِهِ وقال في الْقَوَاطِعِ مَعْرِفَةُ لِسَانِ الْعَرَبِ فَرْضٌ على الْعُمُومِ في جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ إلَّا أَنَّهُ في حَقِّ الْمُجْتَهِدِ على الْعُمُومِ في إشْرَافِهِ على الْعِلْمِ بِأَلْفَاظِهِ وَمَعَانِيهِ أَمَّا في حَقِّ غَيْرِهِ من الْأُمَّةِ فَفَرْضٌ فِيمَا وَرَدَ التَّعَبُّدُ بِهِ في الصَّلَاةِ من الْقِرَاءَةِ وَالْأَذْكَارِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِغَيْرِ
  247. الْعَرَبِيَّةِ فَإِنْ قِيلَ إحَاطَةُ الْمُجْتَهِدِ بِلِسَانِ الْعَرَبِ تَتَعَذَّرُ لِأَنَّ أَحَدًا من الْعَرَبِ لَا يُحِيطُ بِجَمِيعِ لُغَاتِهِمْ فَكَيْفَ نُحِيطُ نَحْنُ قُلْنَا لِسَانُ الْعَرَبِ وَإِنْ لم يُحِطْ بِهِ وَاحِدٌ من الْعَرَبِ فإنه يُحِيطُ بِهِ جَمِيعُ الْعَرَبِ كما قِيلَ لِبَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ من يَعْرِفُ كُلَّ الْعِلْمِ قال كُلُّ الناس وَاَلَّذِي يَلْزَمُ الْمُجْتَهِدَ أَنْ يَكُونَ مُحِيطًا بِأَكْثَرِهِ وَيَرْجِعُ فِيمَا عَزَبَ عنه إلَى غَيْرِهِ كَالْقَوْلِ في السُّنَّةِ وقد زَلَّ كَثِيرٌ بِإِغْفَالِهِمْ الْعَرَبِيَّةَ كَرِوَايَةِ الْإِمَامِيَّةِ ما تَرَكْنَاهُ صَدَقَةً بِالنَّصْبِ وَالْقَدَرِيَّةُ فَحَجَّ آدَمَ مُوسَى بِنَصَبِ آدَمَ وَنَظَائِرُهُ وَيَلْحَقُ بِالْعَرَبِيَّةِ التَّصْرِيفُ لِمَا يَتَوَقَّفُ عليه من مَعْرِفَةِ أَبْنِيَةِ الْكَلِمِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا كما في بَابِ الْمُجْمَلِ من لَفْظِ مُخْتَارٍ وَنَحْوِهِ فَاعِلًا وَمَفْعُولًا وَسَابِعُهَا مَعْرِفَةُ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ مُخَالَفَةَ أَنْ يَقَعَ في الْحُكْمِ بِالْمَنْسُوخِ الْمَتْرُوكُ وَلِهَذَا قال عَلِيٌّ رضي اللَّهُ عنه لِقَاضٍ أَتَعْرِفُ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ قال لَا قال هَلَكْت وَأَهْلَكْت وَكَذَلِكَ مَعْرِفَةُ وُجُوهِ النَّصِّ في الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ وَالْمُفَسَّرِ وَالْمُجْمَلِ وَالْمُبَيَّنِ وَالْمُقَيَّدِ وَالْمُطْلَقِ فَإِنْ قَصَّرَ فيها لم يَجُزْ وَثَامِنُهَا مَعْرِفَةُ حَالِ الرُّوَاةِ في الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ وَتَمْيِيزُ الصَّحِيحِ عن الْفَاسِدِ وَالْمَقْبُولِ عن الْمَرْدُودِ قال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ وَالْغَزَالِيُّ وَيَقُولُ على قَوْلِ أَئِمَّةِ الحديث كَأَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَالدَّارَقُطْنِيِّ وَأَبِي دَاوُد لِأَنَّهُمْ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ فَجَازَ الْأَخْذُ بِقَوْلِهِمْ كما نَأْخُذُ بِقَوْلِ الْمُقَوِّمِينَ في الْقِيَمِ قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ وَهَذَا مُضْطَرٌّ إلَيْهِ في الْأَحْكَامِ الْمَبْنِيَّةِ على الْأَحَادِيثِ التي هِيَ في بَابِ الْآحَادِ فإنه الطَّرِيقُ الْمُوَصِّلُ إلَى مَعْرِفَةِ الصَّحِيحِ من السَّقِيمِ قال الصَّيْرَفِيُّ وَمَنْ عَرَفَ هذه الْعُلُومَ فَهُوَ في الرُّتْبَةِ الْعُلْيَا وَمَنْ قَصَّرَ عنه فَمِقْدَارُهُ ما أَحْسَنَ وَلَنْ يَجُوزُ أَنْ يُحِيطَ بِجَمِيعِ هذه الْعُلُومِ أَحَدٌ غَيْرُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وهو مُتَفَرِّقٌ في جُمْلَتِهِمْ وَالْغَرَضُ اللَّازِمُ من عِلْمِ ما وَصَفْت ما لَا يَقْدِرُ الْعَبْدُ بِتَرْكِ فِعْلِهِ وَكُلَّمَا
  248. ازْدَادَ عِلْمًا ازْدَادَ مَنْزِلَةً قال اللَّهُ تَعَالَى وَفَوْقَ كل ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ قال وَالشَّرْطُ في ذلك كُلِّهِ مَعْرِفَةُ جُمَلِهِ لَا جَمِيعِهِ حتى لَا يَبْقَى عليه شَيْءٌ لِأَنَّ هذا لم نَرَهُ في السَّادَةِ الْقُدْوَةِ من الصَّحَابَةِ فَقَدْ كان يَخْفَى على كَثِيرٍ من أَدِلَّةِ الْأَحْكَامِ فَيَعْرِفُونَهَا من الْغَيْرِ وقال الْغَزَالِيُّ وَهَذِهِ الْعُلُومُ التي يُسْتَفَادُ منها مَنْصِبُ الِاجْتِهَادِ وَعِظَمُ ذلك يَشْتَمِلُ على ثَلَاثِهِ فُنُونٍ الحديث وَاللُّغَةِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ وقال الْإِمَامُ أَهَمُّ الْعُلُومِ لِلْمُجْتَهِدِ أُصُولُ الْفِقْهِ وَشَرَطَ الْغَزَالِيُّ وَالرَّازِيَّ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ وَبِأَنَّنَا مُكَلَّفُونَ وَشَرَطَ الْمَاوَرْدِيُّ وَإِلْكِيَا الطَّبَرِيُّ فيه الْفِطْنَةَ وَالذَّكَاءَ لِيَصِلَ بِهِمَا إلَى مَعْرِفَةِ الْمَسْكُوتِ عنه من أَمَارَاتِ الْمَنْطُوقِ فَإِنْ قُلْت فيه الْفِطْنَةُ وَالذَّكَاءُ لم يَصِحَّ وَشَرَطَ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَالْغَزَالِيُّ وَإِلْكِيَا وَغَيْرُهُمْ الْعَدَالَةَ بِالنِّسْبَةِ إلَى جَوَازِ الِاعْتِمَادِ على قَوْلِهِ قالوا وَأَمَّا هو في نَفْسِهِ إذَا كان عَالِمًا فَلَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ لِنَفْسِهِ وَيَأْخُذَ بِاجْتِهَادِهِ لِنَفْسِهِ فَالْعَدَالَةُ شَرْطٌ لِقَبُولِ الْفَتْوَى لَا لِصِحَّةِ الِاجْتِهَادِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِ غَيْرِهِمْ أَنَّ الْعَدَالَةَ رُكْنٌ وقال الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وابن السَّمْعَانِيِّ إنْ قَصَدَ بِالِاجْتِهَادِ الْعِلْمَ صَحَّ اجْتِهَادُهُ وَإِنْ لم يَكُنْ عَدْلًا وَإِنْ قَصَدَ بِهِ الْحُكْمَ وَالْفُتْيَا كانت الْعَدَالَةُ شَرْطًا في نُفُوذِ حُكْمِهِ وَقَبُولِ فُتْيَاهُ لِأَنَّ شَرَائِطَ الْحُكْمِ أَغْلَظُ من شَرَائِطِ الْفُتْيَا قال ابن السَّمْعَانِيِّ لَكِنْ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ ثِقَةً مَأْمُونًا غير مُتَسَاهِلٍ في أَمْرِ الدِّينِ قال وما ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ من عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ مُرَادُهُمْ بِهِ ما وَرَاءَ هذا وَاخْتَلَفُوا في اشْتِرَاطِ تَبَحُّرِهِ في أُصُولِ الدِّينِ على وَجْهَيْنِ حَكَاهُمَا الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ أَحَدُهُمَا الِاشْتِرَاطُ وهو قَوْلُ الْقَدَرِيَّةِ والثاني لَا يُشْتَرَطُ بَلْ من أَشْرَفَ منه على وَصْفِ الْمُؤْمِنِ كَفَاهُ قال وَعَلَى هذا الْقَوْلِ جُلُّ أَصْحَابِ كُتُبِ الحديث وَالْفِقْهِ وَغَيْرُهُمْ وَأَطْلَقَ الرَّازِيَّ عَدَمَ اشْتِرَاطِ عِلْمِ الْكَلَامِ وَفَصَّلَ الْآمِدِيُّ فَشَرَطَ الضَّرُورِيَّاتِ كَالْعِلْمِ بِوُجُودِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَصِفَاتِهِ وما يَسْتَحِقُّهُ وُجُوبُ وُجُودِهِ لِذَاتِهِ وَالتَّصْدِيقُ بِالرَّسُولِ وما جاء بِهِ لِيَكُونَ فِيمَا يُسْنِدُهُ إلَيْهِ من الْأَحْكَامِ مُحِقًّا وَلَا يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ بِدَقَائِق الْكَلَامِ وَلَا بِالْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ وَأَجْوِبَتِهَا كَالنَّحَارِيرِ من عُلَمَائِهِ وَكَلَامُ الرَّازِيَّ مَحْمُولٌ على هذا التَّفْصِيلِ وَاخْتَلَفُوا في اشْتِرَاطِ التَّفَارِيعِ في الْفِقْهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وَإِلَّا لَزِمَ الدَّوْرُ وَكَيْفَ يَحْتَاجُ إلَيْهَا وهو الذي يُوَلِّدُهَا بَعْدَ حِيَازَةِ مَنْصِبِ الِاجْتِهَادِ فَكَيْفَ يَكُونُ شَرْطًا
  249. لِمَا تَقَدَّمَ وُجُودُهُ عليها وَذَهَبَ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ وأبو مَنْصُورٍ إلَى اشْتِرَاطِهِ وَحَمَلَ على اشْتِرَاطِ مُمَارَسَتِهِ الْفِقْهَ كما صَرَّحَ بِهِ الْغَزَالِيُّ فقال إنَّمَا يَحْصُلُ الِاجْتِهَادُ في زَمَانِنَا بِمُمَارَسَتِهِ فَهُوَ طَرِيقُ تَحْصِيلِ الدُّرْبَةِ في هذا الزَّمَانِ ولم يَكُنْ الطَّرِيقُ في زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَكَلَامُ الْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ يُخَالِفُهُ فإنه قال يُشْتَرَطُ مَعْرِفَتُهُ بِجُمَلٍ من فُرُوعِ الْفِقْهِ يُحِيطُ بِالْمَشْهُورِ وَبِبَعْضِ الْغَامِضِ كَفُرُوعِ الْحَيْضِ وَالرَّضَاعِ وَالدَّوْرِ وَالْوَصَايَا وَالْعَيْنِ وَالدَّيْنِ قال وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في الْمُتَعَلِّقِ بِالْحِسَابِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ شَرْطٌ لِأَنَّ منها ما لَا يُمْكِنُ اسْتِخْرَاجُ الْجَوَابِ منه إلَّا بِالْحِسَابِ وَكَذَلِكَ قال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ مَعْرِفَةُ أُصُولِ الْفَرَائِضِ وَالْحِسَابِ وَالضَّرْبِ وَالْقِسْمَةِ لَا بُدَّ منه وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُحِيطًا بِأَدِلَّةِ الشَّرْعِ في غَالِبِ الْأَمْرِ مُتَمَكِّنًا من اقْتِبَاسِ الْأَحْكَامِ منها عَارِفًا بِحَقَائِقِهَا وَرُتَبِهَا عَالِمًا بِتَقْدِيمِ ما يَتَقَدَّمُ منها وَتَأْخِيرِ ما يَتَأَخَّرُ وقد عَبَّرَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عن الشُّرُوطِ كُلِّهَا بِعِبَارَةٍ وَجِيزَةٍ جَامِعَةٍ فقال من عَرَفَ كِتَابَ اللَّهِ نَصًّا وَاسْتِنْبَاطًا اسْتَحَقَّ الْإِمَامَةَ في الدِّينِ وَلَيْسَ من شَرْطِ الْمُجْتَهِدِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِكُلِّ مَسْأَلَةٍ تَرِدُ عليه فَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عن أَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً فقال في سِتٍّ وَثَلَاثِينَ لَا أَدْرِي وَكَثِيرًا ما يقول الشَّافِعِيُّ لَا أَدْرِي وَتَوَقَّفَ كَثِيرٌ من الصَّحَابَةِ في مَسَائِلَ وقال بَعْضُهُمْ من أَفْتَى في كل ما سُئِلَ عنه فَهُوَ مَجْنُونٌ وَهَذَا كُلُّهُ في الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ أَمَّا الْمُجْتَهِدُ في حُكْمٍ خَاصٍّ فَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى قُوَّةِ قَامَةٍ في النَّوْعِ الذي هو فيه مُجْتَهِدٌ فَمَنْ عَرَفَ طُرُقَ النَّظَرِ الْقِيَاسِيِّ له أَنْ يَجْتَهِدَ في مَسْأَلَةٍ قِيَاسِيَّةٍ وَإِنْ لم يَعْرِفْ غَيْرَهُ وَكَذَا الْعَالِمُ بِالْحِسَابِ وَالْفَرَائِضِ هذا بِنَاءً على جَوَازِ تَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ وهو الصَّحِيحُ كما سَيَأْتِي وَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ الْمُقَيَّدُ الذي لَا يَعْدُو مَذْهَبَ إمَامٍ خَاصٍّ فَلَيْسَ عليه غَيْرُ مَعْرِفَةِ قَوَاعِدِ إمَامِهِ وَلْيُرَاعِ فيها ما يُرَاعِيهِ الْمُطْلَقُ في قَوَانِينِ الشَّرْعِ قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ من عَرَفَ مَأْخَذَ إمَامٍ وَاسْتَقَلَّ بِإِجْرَاءِ الْمَسَائِلِ على قَوَاعِدِهِ يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْقَوَاعِدُ مِمَّا يَخْتَصُّ بها ذلك الْإِمَامُ وَبَعْضُ الْمُجْتَهِدِينَ معه فَهَذَا يُمْكِنُ فيه الِاجْتِهَادُ الْمُقَيَّدُ وَأَمَّا الْقَوَاعِدُ الْعَامَّةُ التي لَا تَخْتَصُّ بِبَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ كَكَوْنِ خَبَرِ الْوَاحِدِ حُجَّةً وَالْقِيَاسِ وَغَيْرِ ذلك من الْقَوَاعِدِ فَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى ما يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ فَتَنَبَّهْ لِهَذَا وقد اسْتَقَلَّ قَوْمٌ من الْمُقَلِّدِينَ بِبِنَاءِ أَحْكَامٍ على أَحَادِيثَ غَيْرِ صَحِيحَةٍ مع أَنَّ تِلْكَ
  250. الْأَحْكَامَ غَيْرُ مَنْصُوصَةٍ لِإِمَامِهِمْ وَهُمْ يَحْتَاجُونَ في هذا إلَى ما يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ فإذا قَصَّرُوا عنه لم يَكُنْ لهم ذلك ولم يَجُزْ أَنْ تُنْسَبَ تِلْكَ الْأَحْكَامُ إلَى ذلك الْإِمَامِ انْتَهَى وَهَذَا مَوْضِعٌ نَفِيسٌ يَنْبَغِي التَّفَطُّنُ له وَبِهِ يَزُولُ الْإِشْكَالُ في التَّعَرُّضِ لِمَسْأَلَةٍ غَيْرِ مَنْصُوصَةٍ لِلْإِمَامِ ذَكَرَهَا بَعْضُ أَتْبَاعِهِ مُحْتَجًّا فيها بِقَاعِدَةٍ عَامَّةٍ فَيَظُنُّ الْوَاقِفُ أَنَّ ذلك مَذْهَبُ ذلك الْإِمَامِ لِكَوْنِ ذلك الْمُسْتَنْبَطِ من جُمْلَةِ مُقَلِّدِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَسْأَلَةٌ لَا يُمْكِنُ وُقُوعُ الِاجْتِهَادِ في كل مَسْأَلَةٍ فِقْهِيَّةٍ بَلْ فِيمَا هو منها خَفِيٌّ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ بَذْلُ الْوُسْعِ فَيَطْلُبَهَا لِأَنَّهَا تُنَالُ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ مَسْأَلَةٌ لَمَّا لم يَكُنْ بُدٌّ من تَعَرُّفِ حُكْمِ اللَّهِ في الْوَقَائِعِ وَتَعَرُّفُ ذلك بِالنَّظَرِ غَيْرُ وَاجِبٍ على التَّعْيِينِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ وُجُودُ الْمُجْتَهِدِ من فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ في كل قُطْرٍ ما تَقُومُ بِهِ الْكِفَايَاتُ وَلِهَذَا قالوا إنَّ الِاجْتِهَادَ من فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ قال ابن الصَّلَاحِ وَاَلَّذِي رَأَيْت في كَلَامِ الْأَئِمَّةِ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى فَرْضُ الْكِفَايَةِ بِالْمُجْتَهِدِ الْمُقَيَّدِ قال وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى في الْفَتْوَى وَإِنْ لم يَتَأَدَّ بِهِ في آحَادِ الْعُلُومِ التي منها الِاسْتِمْدَادُ في الْفَتْوَى قال بَعْضُهُمْ الِاجْتِهَادُ في حَقِّ الْعُلَمَاءِ على ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ 1 فَرْضُ عَيْنٍ 2 وَفَرْضُ كِفَايَةٍ 3 وَنَدْبٌ فَالْأَوَّلُ على حَالَيْنِ أَحَدُهُمَا اجْتِهَادُهُ في حَقِّ نَفْسِهِ عِنْدَ نُزُولِ الْحَادِثَةِ والثاني اجْتِهَادُهُ فِيمَا تَعَيَّنَ عليه الْحُكْمُ فيه فَإِنْ ضَاقَ فَرْضُ الْحَادِثَةِ كان على الْفَوْرِ وَإِلَّا على التَّرَاخِي وَالثَّانِي على حَالَيْنِ أَحَدُهُمَا إذَا نَزَلَتْ بِالْمُسْتَفْتِي حَادِثَةٌ فَاسْتَفْتَى أَحَدَ الْعُلَمَاءِ تَوَجَّهَ الْفَرْضُ على جَمِيعِهِمْ وَأَخَصُّهُمْ بِمَعْرِفَتِهَا من خُصَّ بِالسُّؤَالِ عنها فَإِنْ أَجَابَ هو أو غَيْرُهُ سَقَطَ الْفَرْضُ وَإِلَّا أَثِمُوا جميعا لَكِنْ حَكَى أَصْحَابُنَا وَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا كان هُنَاكَ غَيْرُ الْمُفْتِي هل يَأْثَمُ بِالرَّدِّ أَصَحُّهُمَا لَا وَالثَّانِي إنْ تَرَدَّدَ الْحُكْمُ بين قَاضِيَيْنِ مُشْتَرَكَيْنِ في النَّظَرِ فَيَكُونُ فَرْضُ الِاجْتِهَادِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا فَأَيُّهُمَا تَفَرَّدَ بِالْحُكْمِ فيه سَقَطَ فَرْضُهُ عنهما وَالثَّالِثُ على حَالَيْنِ أَحَدُهُمَا فِيمَا يَجْتَهِدُ فيه الْعَالِمُ من غَيْرِ النَّوَازِلِ
  251. لِيَسْبِقَ إلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِهِ قبل نُزُولِهِ والثاني أَنْ يَسْتَفْتِيَهُ قبل نُزُولِهَا مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ خُلُوُّ الْعَصْرِ عن الْمُجْتَهِدِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ وَجَزَمَ بِهِ في الْمَحْصُولِ وقال الرَّافِعِيُّ الْخَلْقُ كَالْمُتَّفِقِينَ على أَنَّهُ لَا مُجْتَهِدَ الْيَوْمَ وَلَعَلَّهُ أَخَذَهُ من الْإِمَامِ الرَّازِيَّ أو من قَوْلِ الْغَزَالِيِّ في الْوَسِيطِ قد خَلَا الْعَصْرُ عن الْمُجْتَهِدِ الْمُسْتَقِلِّ وَنَقْلُ الِاتِّفَاقِ فيه عَجِيبٌ وَالْمَسْأَلَةُ خِلَافِيَّةٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْحَنَابِلَةِ وَسَاعَدَهُمْ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا وَالْحَقُّ أَنَّ الْفَقِيهَ الْفَطِنَ الْقَيَّاسَ كَالْمُجْتَهِدِ في حَقِّ الْعَامِّيِّ لَا النَّاقِلِ فَقَطْ وَقَالَتْ الْحَنَابِلَةُ لَا يَجُوزُ خُلُوُّ الْعَصْرِ عن مُجْتَهِدٍ وَبِهِ جَزَمَ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ وَالزُّبَيْرِيُّ في الْمُسْكِتِ فقال الْأُسْتَاذُ وَتَحْتَ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ لَا يُخْلِي اللَّهُ زَمَانًا من قَائِمٍ بِالْحُجَّةِ أَمْرٌ عَظِيمٌ وَكَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَلْهَمَهُمْ ذلك وَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لو خَلَّى زَمَانًا من قَائِمٍ بِحُجَّةٍ زَالَ التَّكْلِيفُ إذْ التَّكْلِيفُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالْحُجَّةِ الظَّاهِرَةِ وإذا زَالَ التَّكْلِيفُ بَطَلَتْ الشَّرِيعَةُ وقال الزُّبَيْرِيُّ لَنْ تَخْلُوَ الْأَرْضُ من قَائِمٍ لِلَّهِ بِالْحُجَّةِ في كل وَقْتٍ وَدَهْرٍ وَزَمَانٍ وَلَكِنَّ ذلك قَلِيلٌ في كَثِيرٍ فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ غير مَوْجُودٍ كما قال الْخَصْمُ فَلَيْسَ بِصَوَابٍ لِأَنَّهُ لو عَدِمَ الْفُقَهَاءُ لم تَقُمْ الْفَرَائِضُ كُلُّهَا وَلَوْ عُطِّلَتْ الْفَرَائِضُ كُلُّهَا لَحَلَّتْ النِّقْمَةُ بِذَلِكَ في الْخَلْقِ كما جاء في الْخَبَرِ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إلَّا على شِرَارِ الناس وَنَحْنُ نَعُوذُ بِاَللَّهِ أَنْ نُؤَخَّرَ مع الْأَشْرَارِ انْتَهَى وقال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ هذا هو الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا لَكِنْ إلَى الْحَدِّ الذي يُنْتَقَضُ بِهِ الْقَوَاعِدُ بِسَبَبِ زَوَالِ الدُّنْيَا في آخَرِ الزَّمَانِ وقال في شَرْحِ خُطْبَةِ الْإِلْمَامِ وَالْأَرْضُ لَا تَخْلُو من قَائِمٍ لِلَّهِ بِالْحُجَّةِ وَالْأُمَّةُ الشَّرِيفَةُ لَا بُدَّ لها من سَالِكٍ إلَى الْحَقِّ على وَاضِحِ الْمُحَجَّةِ إلَى أَنْ يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ في أَشْرَاطِ السَّاعَةِ الْكُبْرَى وَيَتَتَابَعُ بَعْدَهُ ما بَقِيَ معه إلَى قُدُومِ الْأُخْرَى وَمُرَادُهُ بِالْأَشْرَاطِ الْكُبْرَى طُلُوعُ الشَّمْسِ من مَغْرِبِهَا مَثَلًا وَلَهُ وَجْهٌ حَسَنٌ وهو أَنَّ الْخُلُوَّ من مُجْتَهِدٍ يَلْزَمُ منه إجْمَاعُ الْأُمَّةِ على الْخَطَأِ وهو تَرْكُ الِاجْتِهَادِ الذي هو فَرْضُ كِفَايَةٍ وقال وَالِدُهُ الْعَلَّامَةُ مَجْدُ الدِّينِ في كِتَابِهِ تَلْقِيحِ الْأَفْهَامِ عز الْمُجْتَهِدُ في هذه الْأَعْصَارِ وَلَيْسَ ذلك لِتَعَذُّرِ حُصُولِ آلَةِ الِاجْتِهَادِ بَلْ لِإِعْرَاضِ الناس
  252. في اشْتِغَالِهِمْ عن الطَّرِيقِ الْمُفْضِيَةِ إلَى ذلك وَتَوْقِيفُ الْفُتْيَا على حُصُولِ الْمُجْتَهِدِ يُفْضِي إلَى حَرَجٍ عَظِيمٍ فَالْمُخْتَارُ قَبُولُ فَتْوَى الرَّاوِي عن الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ كما سَيَأْتِي وقال جَدُّهُ الْإِمَامُ تَقِيُّ الدِّينِ أبو الْعِزِّ الْمُقْتَرَحِ مُعْتَرِضًا على قَوْلِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ لَا يَجُوزُ انْحِطَاطُ الْعُلَمَاءِ إنْ أَرَادَ الْمُجْتَهِدِينَ فَلَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ يَجُوزُ ذلك في الْعَادَةِ وَزَمَانُنَا هذا قد يَشْغَرُ منهم وَإِنْ أَرَادَ بِهِ النَّقَلَةَ فَهَذَا يُتَّجَهُ فإن الْعَادَةَ لم تَقْضِ بِانْحِطَاطِهِمْ وَالدَّوَاعِي تَتَوَفَّرُ على نَقْلِ الْأَحَادِيثِ وَلَفْظِ الْمَذَاهِبِ وَنَقْلِ الْقُرْآنِ نعم إنْ فَتَرَتْ الدَّوَاعِي وَقَلَّتْ الْهِمَمُ فَيَجُوزُ شُغُورُ الزَّمَانِ عَنْهُمْ ولم يُوجَدْ ذلك انْتَهَى وَأَمَّا قَوْلُ الْغَزَالِيِّ وقد خَلَا الْعَصْرُ عن الْمُجْتَهِدِ الْمُسْتَقِلِّ فَقَدْ سَبَقَهُ إلَيْهِ الْقَفَّالُ شَيْخُ الْخُرَاسَانِيِّينَ فَقِيلَ الْمُرَادُ مُجْتَهِدٌ قَائِمٌ بِالْقَضَاءِ فإن الْمُحَقِّقِينَ من الْعُلَمَاءِ كَانُوا يَرْغَبُونَ عنه وَلَا يَلِي في زَمَانِهِمْ غَالِبًا إلَّا من هو دُونَ ذلك وَكَيْفَ يُمْكِنُ الْقَضَاءُ على الْأَعْصَارِ بِخُلُوِّهَا عن مُجْتَهِدٍ وَالْقَفَّالُ نَفْسُهُ كان يقول لِلسَّائِلِ في مَسْأَلَةِ الصُّبْرَةِ تَسْأَلُ عن مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَمْ ما عِنْدِي وقال هو وَالشَّيْخُ أبو عَلِيٍّ وَالْقَاضِي الْحُسَيْنُ لَسْنَا مُقَلِّدَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ بَلْ وَافَقَ رَأْيُنَا رَأْيَهُ فَمَاذَا كَلَامُ من يَدَّعِي رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ ولم يَخْتَلِفْ اثْنَانِ أَنَّ ابْنَ عبد السَّلَامِ بَلَغَ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ وَكَذَلِكَ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ كما قَالَهُ ابن الرِّفْعَةِ وَالْحَقُّ أَنَّ الْعَصْرَ خَلَا عن الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ لَا عن مُجْتَهِدٍ في مَذْهَبِ أَحَدِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وقد وَقَعَ الِاتِّفَاقُ بين الْمُسْلِمِينَ على أَنَّ الْحَقَّ مُنْحَصِرٌ في هذه الْمَذَاهِبِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِغَيْرِهَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ الِاجْتِهَادُ إلَّا فيها مَسْأَلَةٌ الصَّحِيحُ جَوَازُ تَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَكُونُ مُجْتَهِدًا في بَابٍ دُونَ غَيْرِهِ وَعَزَاهُ الْهِنْدِيُّ لِلْأَكْثَرِينَ وَحَكَاهُ صَاحِبُ النُّكَتِ عن أبي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ وَأَبِي عبد اللَّهِ الْبَصْرِيِّ قال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ وهو الْمُخْتَارُ لِأَنَّهُ قد يُمْكِنُ الْعِنَايَةُ بِبَابٍ من الْأَبْوَابِ الْفِقْهِيَّةِ حتى يَحْصُلَ الْمَعْرِفَةُ بِمَأْخَذِ أَحْكَامِهِ وإذا حَصَلَتْ الْمَعْرِفَةُ بِالْمَأْخَذِ أَمْكَنَ الِاجْتِهَادُ وقال الرَّافِعِيُّ تَبَعًا لِلْغَزَالِيِّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَالِمُ بِمَنْصِبِ الِاجْتِهَادِ في بَابٍ دُونَ بَابٍ وَالنَّاظِرُ في مَسْأَلَةِ الْمُشَارَكَةِ تَكْفِيهِ مَعْرِفَةُ أُصُولِ الْفَرَائِضِ وَلَا يَضُرُّهُ أَنْ لَا يَعْرِفَ الْأَخْبَارَ الْوَارِدَةَ في تَحْرِيمِ الْمُسْكِرِ مَثَلًا
  253. وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى الْمَنْعِ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ في نَوْعٍ من الْفِقْهِ رُبَّمَا كان أَصْلُهَا نَوْعًا آخَرَ منه كَتَعْلِيلِ الشَّافِعِيِّ تَحْلِيلَ الْخَمْرِ بِالِاسْتِعْجَالِ فَلَا تَكْتَمِلُ شَرَائِطُ الِاجْتِهَادِ في جُزْءٍ حتى يَسْتَقِلَّ بِالْفُنُونِ كُلِّهَا وَمِنْ فَوَائِدِ الْخِلَافِ في هذا أَنَّهُ هل يُعْتَبَرُ خِلَافُ الْأُصُولِيِّ في الْفِقْهِ فَإِنْ قُلْنَا يَتَجَزَّأُ اُعْتُبِرَ خِلَافُهُ وَإِلَّا فَلَا قِيلَ وَكَلَامُهُمْ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ الْخِلَافِ إذَا عَرَفَ بَابًا دُونَ بَابٍ أَمَّا مَسْأَلَةً دُونَ مَسْأَلَةٍ فَلَا تَتَجَزَّأُ قَطْعًا وَالظَّاهِرُ جَرَيَانُ الْخِلَافِ في الصُّورَتَيْنِ وَبِهِ صَرَّحَ الْإِبْيَارِيُّ وَتَوَسَّطَ فقال إنْ أَجْمَعُوا في مَسْأَلَةٍ على ضَبْطِ مَآخِذِهَا وكان النَّاظِرُ الْمَخْصُوصُ مُحِيطًا بِالنَّظَرِ في تِلْكَ الْمَآخِذِ صَحَّ أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا فيها وَإِلَّا لم يَصِحَّ بِنَاءً على ما سَبَقَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ له الْحُكْمُ بِالدَّلِيلِ حتى تَحْصُلَ غَلَبَةُ الظَّنِّ وَفِقْدَانُ الْمُعَارِضِ من الشَّرِيعَةِ فإذا لم يَكُنْ النَّاظِرُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَكَيْفَ يَجْزِمُ أو يَظُنُّ قال أبو الْمَعَالِي بن الزَّمْلَكَانِيِّ الْحَقُّ التَّفْصِيلُ فما كان من الشُّرُوطِ كُلِّيًّا كَقُوَّةِ الِاسْتِنْبَاطِ وَمَعْرِفَةِ مَجَارِي الْكَلَامِ وما يُقْبَلُ من الْأَدِلَّةِ وما يُرَدُّ وَنَحْوُهُ فَلَا بُدَّ من اسْتِجْمَاعِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى كل دَلِيلٍ وَمَدْلُولٍ فَلَا تَتَجَزَّأُ تِلْكَ الْأَهْلِيَّةِ وما كان خَاصًّا بِمَسْأَلَةٍ أو مَسَائِلَ أو بَابٍ فإذا اسْتَجْمَعَهُ الْإِنْسَانُ بِالنِّسْبَةِ إلَى ذلك الْبَابِ أو تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ أو الْمَسَائِلِ مع الْأَهْلِيَّةِ كان فَرْضُهُ في ذلك الْجُزْءِ الِاجْتِهَادَ دُونَ التَّقْلِيدِ
  254. فَصْلٌ في الْمُجْتَهِدِ من الْقُدَمَاءِ وَمَنْ الذي حَازَ الرُّتْبَةَ منهم ذَكَرَهُ إلْكِيَا وهو فَصْلٌ عَظِيمُ النَّفْعِ فإن مَذَاهِبَهُمْ نُقِلَتْ إلَيْنَا وَلَا بُدَّ من مَعْرِفَةِ الْمُجْتَهِدِ منهم لِيُعْلَمَ من الذي تُعْتَبَرُ فَتْوَاهُ وَمَنْ يَقْدَحُ الْإِجْمَاعُ مُخَالَفَتَهُ وَمَنْ لَا يَقْدَحُ قال اعْلَمْ أَنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ الْأَرْبَعَةَ لَا شَكَّ في حِيَازَتِهِمْ هذه الرُّتْبَةَ وَأُلْحِقَ بِهِمْ أَهْلُ الشُّورَى الَّذِينَ جَعَلَهُمْ عُمَرُ رضي اللَّهُ عَنْهُمْ قال وَأَمَّا أبو هُرَيْرَةَ فَقَدْ مَالَ الْأَكْثَرُونَ إلَى إخْرَاجِهِ عن أَحْزَابِ الْمُجْتَهِدِينَ لِأَنَّهُ لم يُنْقَلْ عنه التَّصَدِّي لِلْفَتْوَى وَإِنَّمَا كان يَتَصَدَّى لِلرِّوَايَةِ وَتُوُقِّفَ في ابْنِ عُمَرَ رضي اللَّهُ عنهما إذْ لم يُنْقَلْ عنه التَّصَدِّي لِلْفَتْوَى وَأَمَّا ابن مَسْعُودٍ فَكَانَ فَقِيهَ الصَّحَابَةِ وَمُنْتَدَبًا لِلْفَتْوَى وَكَذَلِكَ ابن عَبَّاسٍ وَزَيْدُ بن ثَابِتٍ مِمَّنْ شَهِدَ الرَّسُولُ بِأَنَّهُ أَفْرَضُ الْأَئِمَّةِ وَالْمُعْتَبَرُ تَصَدِّيهِ لِهَذَا الْمَعْنَى من غَيْرِ نَكِيرٍ أو شَهَادَةُ الرَّسُولِ وَمُرَاجَعَةُ الْأَوَّلِينَ له وَبَعْدَ النُّزُولِ عن هذه الطَّبَقَةِ الْعَالِيَةِ لِلشَّافِعِيِّ وَقْفَةٌ في الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ وَيَقُولُ فِيهِمَا وَاعِظٌ وَمُعَبِّرٌ ولم يَرَهُمَا مُتَصَدِّيَيْنِ لِهَذَا الشَّأْنِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا من الْمُجْتَهِدِينَ فَإِنَّهُمَا كَانَا يُفْتِيَانِ على ما قَالَهُ السَّلَفُ وقال ابن بَرْهَانٍ أَمَّا الصَّحَابَةُ فَلَا شَكَّ أَنَّ الْفُقَهَاءَ الْمَشْهُورِينَ منهم من أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَأَسَامِيهِمْ مَعْلُومَةٌ في التَّوَارِيخِ وَلَا شَكَّ في كَوْنِ الْعَشَرَةِ من أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَكَذَلِكَ من انْتَشَرَتْ فَتَاوِيهِ كَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَائِشَةَ وَغَيْرِهِمْ فَإِنَّهُمْ كَثُرَتْ فَتَاوِيهِمْ وَنُقِلَ عن الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُمْ قالوا أبو هُرَيْرَةَ وابن عُمَرَ وَأَنَسٌ وَجَابِرٌ لَيْسُوا فُقَهَاءَ وَإِنَّمَا هُمْ رُوَاةُ أَحَادِيثَ وهو بَاطِلٌ فإن ابْنَ عُمَرَ أَفْتَى في زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَتَأَهَّلَ لِلْإِمَامَةِ فَزَهِدَ فيها وأبو هُرَيْرَةَ وَلِيَ الْقَضَاءَ وَأَنَسٌ وَجَابِرٌ أَفْتَيَا في زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَأَمَّا التَّابِعُونَ فَقَدْ اشْتَهَرَ الْمُجْتَهِدُونَ فِيهِمْ كَسَعِيدِ بن الْمُسَيِّبِ وَالْأَوْزَاعِيِّ
  255. وَالنَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وقد نُقِلَ عن الشَّافِعِيِّ وقد نُقِلَ أَنَّهُ قال في الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ وَاعِظٌ وَمُعَبِّرٌ ظَنَّ قَوْمٌ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُمَا لَيْسَا من أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَهَذَا بَاطِلٌ فإن الْحَسَنَ أَفْتَى في زَمَنِ الصَّحَابَةِ وابن سِيرِينَ كَذَلِكَ وقد شَهِدَ لَهُمَا أَهْلُ عَصْرِهِمَا بِالْجَلَالَةِ وَالْإِمَامَةِ وَأَمَّا الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ فَأَهْلٌ لِلِاجْتِهَادِ وَلَا مَحَالَةَ وَكَذَلِكَ الْفُقَهَاءُ الْخَمْسَةُ أَرْبَابُ الْمَذَاهِبِ وقد اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا وَأَصْحَابُ أبي حَنِيفَةَ في الْمُزَنِيّ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدِ بن الْحَسَنِ وَابْنِ سُرَيْجٍ فَمِنْهُمْ من أَلْحَقَ هَؤُلَاءِ بِرُتْبَةِ الْمُجْتَهِدِينَ في الدِّينِ وَمِنْهُمْ من جَعَلَهُمْ من الْمُجْتَهِدِينَ في الْمَذَاهِبِ قُلْت وما ذَكَرَهُ إلْكِيَا في أبي هُرَيْرَةَ تَابَعَ فيه الْقَاضِي فإنه قال إنَّهُ لم يَكُنْ مُفْتِيًا وَإِنَّمَا كان من الرُّوَاةِ وَالصَّوَابُ ما قَالَهُ ابن بَرْهَانٍ وقد ذَكَرَهُ ابن حَزْمٍ في الْفُقَهَاءِ من الصَّحَابَةِ وقال عبد الْعَزِيزِ الْحَنَفِيُّ في التَّحْقِيقِ كان أبو هُرَيْرَةَ فَقِيهًا ولم يَعْدَمْ شيئا من أَسْبَابِ الِاجْتِهَادِ وقد كان يُفْتِي في زَمَنِ الصَّحَابَةِ وما كان يُفْتِي في ذلك الزَّمَانِ إلَّا فَقِيهٌ مُجْتَهِدٌ وقد جَمَعَ الشَّيْخُ أبو الْحَسَنِ السُّبْكِيُّ جُزْءًا في فَتَاوَى أبي هُرَيْرَةَ قال في الْمَنْخُولِ وَالضَّابِطُ عِنْدَنَا فيه أَنَّ كُلَّ من عَلِمْنَا قَطْعًا أَنَّهُ تَصَدَّى لِلْفَتْوَى في أَعْصَارِ الصَّحَابَةِ ولم يُمْنَعْ عنه فَهُوَ من الْمُجْتَهِدِينَ وَمَنْ لم يَتَصَدَّ له قَطْعًا فَلَا وَمَنْ تَرَدَّدْنَا في ذلك فيه تَرَدَّدْنَا في صِفَتِهِ وقد انْقَسَمَتْ الصَّحَابَةُ إلَى مُتَنَسِّكِينَ لَا يَعْتَنُونَ بِالْعِلْمِ وَإِلَى مُعْتَنِينَ بِهِ فَهُمْ الْمُجْتَهِدُونَ وَلَا مَطْمَعَ في عَدِّ آحَادِهِمْ بَعْدَ ذِكْرِ الضَّابِطِ وهو الضَّابِطُ أَيْضًا في التَّابِعِينَ وَعَدَّ ابن حَزْمٍ في الْأَحْكَامِ فُقَهَاءَ الصَّحَابَةِ فَبَلَغَ بِهِمْ مِائَةً وَنَيِّفًا وَهَذَا حَيْفٌ وقد قال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ في طَبَقَاتِهِ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ الْمُلَازِمِينَ لِلنَّبِيِّ صلى اللَّهُ عليه وسلم كَانُوا فُقَهَاءَ لِأَنَّ طَرِيقَ الْفِقْهِ فِيهِمْ خِطَابُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَفْعَالُهُ وَكَانُوا عَارِفِينَ بِذَلِكَ لِنُزُولِ الْقُرْآنِ بِلُغَتِهِمْ وَلِهَذَا قال أبو عُبَيْدٍ في كِتَابِ الْمَجَازِ لم يُنْقَلْ أَنَّ أَحَدًا من الصَّحَابَةِ رَجَعَ في تَفْسِيرِ شَيْءٍ من الْقُرْآنِ إلَى النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَلِهَذَا قال أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ غير أَنَّ الذي اشْتَهَرَ منهم بِالْفَتَاوَى وَالْأَحْكَامِ جَمَاعَةٌ مَخْصُوصَةٌ
  256. فَصْلٌ في زَمَانِهِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ في جَوَازِ الِاجْتِهَادِ أَنْ يَكُونَ الْمُجْتَهِدُ غير النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَلَا أَنْ يَكُونَ في غَيْرِ زَمَنِ النُّبُوَّةِ وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ إحْدَاهُمَا في جَوَازِ الِاجْتِهَادِ لِلْأَنْبِيَاءِ عليهم الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَجْمَعُوا على أَنَّهُ كان يَجُوزُ لهم أَنْ يَجْتَهِدُوا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَصَالِح الدُّنْيَا وَتَدْبِيرِ الْحُرُوبِ وَنَحْوِهَا وقد فَعَلُوا ذلك كما قال سُلَيْمٌ وَكَذَلِكَ ابن حَزْمٍ وَمَثَّلَهُ بِإِرَادَةِ النبي عليه السَّلَامُ أَنْ يُصَالِحَ غَطَفَانَ على ثُلُثِ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ فَهَذَا مُبَاحٌ لِأَنَّ لهم أَنْ يَهَبُوا من أَمْوَالِهِمْ ما أَحَبُّوا وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ في تَلْقِيحِ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ لِأَنَّهُ يُبَاحُ لِلْمَرْءِ أَنْ يُلَقِّحَ نَخْلَةً وَأَنْ يَتْرُكَهَا قال وقد أخبرني بَعْضُهُمْ أَنَّهُ تَرَكَ ثِمَارَهُ سِنِينَ دُونَ تَأْبِيرٍ فَاسْتَغْنَى عنه انْتَهَى فَأَمَّا اجْتِهَادُهُمْ في أَمْرِ الشَّرْعِ فَاخْتَلَفُوا أَنَّهُ هل كان لهم أَنْ يَجْتَهِدُوا فِيمَا لَا نَصَّ فيه على مَذَاهِبَ الْأَوَّلُ ليس لهم ذلك لِقُدْرَتِهِمْ على النَّصِّ بِنُزُولِ الْوَحْيِ وقد قال تَعَالَى إنْ هو إلَّا وَحْيٌ يُوحَى وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ على النُّطْقِ وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ عن أَصْحَابِ الرَّأْيِ وقال الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ كُلُّ من نَفَى الْقِيَاسَ أَحَالَ تَعَبُّدَهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم بِهِ قُلْت وهو ظَاهِرُ اخْتِيَارِ ابْنِ حَزْمٍ وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم كان إذَا سُئِلَ يَنْتَظِرُ الْوَحْيَ وَيَقُولُ ما أُنْزِلَ عَلَيَّ في هذا الشَّيْءِ ذَكَرَ ذلك في حديث زَكَاةِ الْحُمُرِ وَمِيرَاثِ الْبَنِينَ مع الزَّوْجِ وَالْعَمَّةِ قال وَلَنَا أَخْذُهُ عليه السَّلَامُ الْفِدَاءَ ثُمَّ نَزَلَ عِتَابُهُ عليه فَلَا يُنْكِرُ أَنْ يُفْعَلَ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ما لم يَتَقَدَّمْ نَهْيُ رَبِّهِ تَعَالَى فيه إلَّا أَنَّهُ لَا يَتْرُكُ بَلْ لَا بُدَّ من تَنْبِيهِهِ عليه
  257. قُلْت ثُمَّ قِيلَ هو مُمْتَنِعٌ عَقْلًا حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في التَّلْخِيصِ وَذَهَبَ أبو عَلِيٍّ وَابْنُهُ أبو هَاشِمٍ إلَى أَنَّهُ لم يَكُنْ مُتَعَبَّدًا بِهِ وَتَوَقَّفَ فيه كَثِيرُونَ منهم الرَّازِيَّ وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وهو ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ كما قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَسُلَيْمٌ وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ وَأَكْثَرِ الْمَالِكِيَّةِ منهم الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ وَالْقَاضِيَانِ أبو يُوسُفَ وَعَبْدُ الْجَبَّارِ وأبو الْحُسَيْنِ وَالْقَاضِي في التَّقْرِيبِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِنَبِيِّنَا وَغَيْرِهِ من الْأَنْبِيَاءِ عليهم السَّلَامُ ذلك وَأَوْمَأَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ في الرِّسَالَةِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَاطَبَ نَبِيَّهُ كما خَاطَبَ عِبَادَهُ وَضَرَبَ له الْأَمْثَالَ وَأَمَرَهُ بِالتَّدَبُّرِ وَالِاعْتِبَارِ وهو أَجَلُّ الْمُتَفَكِّرِينَ في آيَاتِ اللَّهِ وَأَعْظَمُ الْمُعْتَبِرِينَ بها وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى إنْ هو إلَّا وَحْيٌ يُوحَى فَالْمُرَادُ بِهِ الْقُرْآنُ لِأَنَّهُمْ قالوا إنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ سَلَّمْنَا أَنَّ الضَّمِيرَ لِلنُّطْقِ وَلَا يَلْزَمُ منه ما ذَكَرْتُمْ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ الشَّرْعِيَّ مَأْذُونٌ فيه وَالدَّلِيلُ عليه في الْآرَاءِ وَالْحُرُوبِ كَثِيرٌ كَقَتْلِهِ النَّضْرَ وَنَحْوَهُ في الْأُمُورِ التي تَحَرَّى فيها وَاخْتَارَ أَحَدَ الْجَائِزَيْنِ وَأَمَّا الْأَحْكَامُ فَلِأَنَّهُ أَكْمَلُ من غَيْرِهِ لِعِصْمَتِهِ من الْخَطَأِ فإذا جَازَ لِغَيْرِهِ الذي هو عُرْضَةٌ لِلْخَطَأِ فَلَأَنْ يَجُوزَ لِلْكَامِلِ أَوْلَى وَلِأَنَّ الْعَمَلَ بِالِاجْتِهَادِ أَشَقُّ من الْعَمَلِ بِالْيَقِينِ فَيَكُونُ أَكْثَرَ ثَوَابًا وَالثَّالِثُ الْوَقْفُ عن الْقَطْعِ بِشَيْءٍ من ذلك لِجَوَازِهِ كُلِّهِ وَزَعَمَ الصَّيْرَفِيُّ في شَرْحِ الرِّسَالَةِ أَنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ حَكَى الْأَقْوَالَ ولم يَخْتَرْ شيئا فقال ما سَنَّ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم مِمَّا ليس فيه نَصُّ كِتَابٍ اخْتَلَفُوا فيه فَمِنْهُمْ من قال جَعَلَ اللَّهُ له ذلك لِعِلْمِهِ بِتَوْفِيقِهِ وَمِنْهُمْ من قال لم يَسُنَّ سُنَّةً قَطُّ إلَّا وَلَهَا أَصْلٌ في الْكِتَابِ وَمِنْهُمْ من قال بَلْ جَاءَتْهُ رِسَالَةُ اللَّهِ فَأَثْبَتَ سُنَّتَهُ بِفَرْضِ اللَّهِ وَمِنْهُمْ من قال أُلْقِيَ في رُوعِهِ كُلُّ ما سَنَّ انْتَهَى لَكِنَّهُ قال بَعْدَ هذا في بَابِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ قال قال بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ وفي قَوْله تَعَالَى ما يَكُونُ لي أَنْ أُبَدِّلَهُ من تِلْقَاءِ نَفْسِي دَلَالَةٌ على أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِرَسُولِهِ أَنْ يَقُولَ من تِلْقَاءِ نَفْسِهِ بِتَوْفِيقِهِ فِيمَا لم يَنْزِلْ بِهِ كِتَابٌ قال قِيلَ في قَوْله تَعَالَى يَمْحُو اللَّهُ ما يَشَاءُ وَيُثْبِتُ يَمْحُو فَرْضَ ما يَشَاءُ وَيُثْبِتُ فَرْضَ ما يَشَاءُ قال الشَّافِعِيُّ وَهَذَا يُشْبِهُ ما قِيلَ انْتَهَى وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ في الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ لِأَصْحَابِنَا ثَالِثُهَا وَاخْتَارَهُ في كِتَابِ الْقَضَاءِ التَّفْصِيلُ بين أَنْ يَكُونَ ذلك الْحُكْمُ مِمَّا يُشَارِكُ فيه الْأُمَّةَ كَتَحْرِيمِ الْكَلَامِ في الصَّلَاةِ وَالْجَمْعِ بين الْأُخْتَيْنِ فَلَيْسَ له أَنْ يَجْتَهِدَ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَمْرِ الشَّخْصِ لِنَفْسِهِ وَبَيَّنَ أَنْ لَا يُشَارِكَهُمْ فيه كَمَنْعِ تَوْرِيثِ الْقَاتِلِ وَحَدِّ الشَّارِبِ وَقِيلَ يَجُوزُ لِنَبِيِّنَا دُونَ غَيْرِهِ
  258. وَأَمَّا وُقُوعُهُ فَاخْتَلَفُوا فيه على أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى وُقُوعِهِ مُطْلَقًا وَمِنْهُمْ الْآمِدِيُّ وابن الْحَاجِبِ قال الْمَاوَرْدِيُّ وَتَدُلُّ عليه قِصَّةُ سُلَيْمَانَ وَدَاوُد وَقَوْلُهُ لِعُمَرَ أَرَأَيْت لو تَمَضْمَضْت وَقَوْلُ الْعَبَّاسِ له إلَّا الْإِذْخِرَ فقال إلَّا الْإِذْخِرَ فَلَوْ كان بِالْوَحْيِ لَمَا تَأَخَّرَ الِاسْتِثْنَاءُ وَمِنْهُمْ من أَنْكَرَ وُقُوعَهُ مُطْلَقًا وَمِنْهُمْ من فَصَّلَ فقال كان لَا يَجْتَهِدُ في الْقَوَاعِدِ وكان يَجْتَهِدُ في الْفُرُوعِ كَقَوْلِهِ أَرَأَيْت لو تَمَضْمَضْت وَاخْتَارَهُ في الْمَنْخُولِ وَمِنْهُمْ من تَوَقَّفَ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فقال في الْمُسْتَصْفَى وهو الْأَصَحُّ فإنه لم يَثْبُتْ فيه قَاطِعٌ وَالْمُنْكِرُونَ لِلْوُقُوعِ قالوا السُّنَّةُ كُلُّهَا وَحْيٌ وَلَكِنَّهُ لَا يُتْلَى وَالْقُرْآنُ وَحْيٌ يُتْلَى وفي السُّنَنِ أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قال أَلَا إنِّي أُوتِيت الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ معه وفي حديث الذي سَأَلَهُ عن الْعُمْرَةِ فَأَخَذَهُ ما كان يَأْخُذُهُ عِنْدَ نُزُولِ الْوَحْيِ ثُمَّ سُرِّيَ عنه فقال اصْنَعْ في عُمْرَتِك ما تَصْنَعُ في حَجَّتِك وهو حَدِيثٌ صَحِيحٌ وهو دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ على
  259. أَنَّ السُّنَّةَ كانت تَنْزِلُ كما يَنْزِلُ الْقُرْآنُ وهو أَخْذُ نُزُولِ الْوَحْيِ وَأَعْظَمُهَا وَصَرَّحَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في الرِّسَالَةِ بِأَنَّ السُّنَّةَ مُنْزَلَةٌ كَالْقُرْآنِ وفي الحديث بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً وَالْمَسْأَلَةُ مُتَجَاذِبَةٌ وَلَيْسَ فيها كَثِيرُ فَائِدَةٍ فإنه على كل حَالٍ يَجِبُ الْأَخْذُ بها وَطَاعَتُهَا كَالْقُرْآنِ وَمِنْ أَقْوَى أَدِلَّةِ الْقَائِلِينَ بِالْوُقُوعِ قَوْلُهُ إلَّا الْإِذْخِرَ عَقِيبَ ما قِيلَ له إلَّا الْإِذْخِرَ وَنَحْوُ ذلك وَلَيْسَ قَاطِعًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَوْحَى إلَيْهِ في تِلْكَ اللَّحْظَةِ وَادَّعَى الْقَرَافِيُّ في أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ في الْفَتَاوَى وَأَنَّ الْأَقْضِيَةَ يَجُوزُ فيها بِلَا نِزَاعٍ وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا سَيَأْتِي وقال أبو الْحُسَيْنِ في الْمُعْتَمَدِ إنْ أُرِيدَ بِاجْتِهَادِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم الِاسْتِدْلَال بِالنُّصُوصِ على مُرَادِ اللَّهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ قَطْعًا وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الِاسْتِدْلَال بِالْأَمَارَاتِ الشَّرْعِيَّةِ فَإِنْ كان أَخْبَارُ آحَادٍ فَلَا يَتَأَتَّى منه عليه السَّلَامُ وَإِنْ كانت أَمَارَاتٌ مُسْتَنْبَطَةٌ وَهِيَ التي يُجْمَعُ بها بين الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فَهُوَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ في أَنَّهُ هل كان يَجُوزُ له أَنْ يَتَعَبَّدَ بِهِ عليه وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ فُرُوعٌ الْأَوَّلُ إذَا جَوَّزْنَا فَهَلْ كان يَجِبُ عليه فيه وَجْهَانِ حَكَاهُمَا ابن أبي هُرَيْرَةَ في تَعْلِيقِهِ في الْأَقْضِيَةِ وَصَحَّحَ الْوُجُوبَ وَكَذَا حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ في الْأَقْضِيَةِ ثُمَّ قال وَالْأَصَحُّ عِنْدِي التَّفْصِيلُ بين حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فَيَجِبُ عليه لِأَنَّهُمْ لَا يَصِلُونَ إلَى حُقُوقِهِمْ إلَّا بِالِاجْتِهَادِ وَلَا يَجِبُ في حُقُوقِ اللَّهِ الثَّانِي إذَا اجْتَهَدَ فَهَلْ يَسْتَبِيحُ الِاجْتِهَادُ بِرَأْيِهِ أو يَرْجِعُ فيها إلَى دَلَائِلِ الْكِتَابِ على وَجْهَيْنِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ أَيْضًا أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَرْجِعُ في اجْتِهَادِهِ إلَى الْكِتَابِ لِأَنَّ سُنَنَهُ أَصْلٌ كَالْكِتَابِ وقال الْغَزَالِيُّ يَجُوزُ الْقِيَاسُ على الْفَرْعِ الذي قَاسَهُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَعَلَى كل فَرْعٍ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ على إلْحَاقِهِ بِالْأَصْلِ قال لِأَنَّهُ صَارَ أَصْلًا بِالْإِجْمَاعِ وَالنَّصِّ فَلَا يُعْطَى إلَى مَآخِذِهِمْ الثَّالِثُ إذَا جَوَّزْنَا له الِاجْتِهَادَ فَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَتَطَرَّقُ الْخَطَأُ إلَى اجْتِهَادِهِ لِأَنَّهُ لو جَازَ لَوَجَبَ عَلَيْنَا اتِّبَاعُهُ فيه وهو يُنَافِي كَوْنَهُ خَطَأً وَالْمَسْأَلَةُ قد نَصَّ عليها الشَّافِعِيُّ في الْأُمِّ فقال في كِتَابِ الْإِقْرَارِ وَالِاجْتِهَادُ في الْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ وَلَنْ يُؤْمَرَ الناس أَنْ يَتَّبِعُوا إلَّا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ الذي عَصَمَهُ اللَّهُ من الْخَطَأِ وَبَرَّأَهُ اللَّهُ منه فقال وَإِنَّك
  260. لَتَهْدِي إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فَأَمَّا من رَأْيُهُ خَطَأٌ وَصَوَابٌ فَلَنْ يُؤْمَرَ أَحَدٌ بِاتِّبَاعِهِ انْتَهَى وقال ابن فُورَكٍ هو مَعْصُومٌ في اجْتِهَادِهِ كما هو مَعْصُومٌ في خَبَرِهِ وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ عن أَصْحَابِنَا وقال الْهِنْدِيُّ إنَّهُ الْحَقُّ عِنْدَنَا وَمِمَّنْ جَزَمَ بِهِ الْحَلِيمِيُّ في شُعَبِ الْإِيمَانِ فقال في خَصَائِصِ الْأَنْبِيَاءِ وَمِنْهَا الْعِصْمَةُ من الْخَطَأِ في الِاجْتِهَادِ وَخُصُّوا بِأَدِلَّاءٍ حتى تَتَّسِعَ الضُّرُوبُ من الِاسْتِنْبَاطِ فِيمَا أُوحِيَ إلَيْهِ وإذا تَفَاوَتَتْ الْعُلَمَاءُ من أَجْلِهِ في ذلك فَالنَّبِيُّ هو الذي أَعْلَمَ الْعُلَمَاءَ أَوْلَى بِالِارْتِقَاءِ فيه وقد قال بَعْضُهُمْ أَنَّ عَامَّةَ سُنَنِ الرَّسُولِ تَرْجِعُ إلَى الْقُرْآنِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذلك لَا يَقِفُ عليه الْعُلَمَاءُ وَإِنْ بَذَلُوا الْجَهْدَ فيه فَهُوَ إذًا يَفْهَمُهُ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَهْمًا لَا يَبْلُغُهُ فَهْمُ غَيْرِهِ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ انْتَهَى وَقِيلَ يَجُوزُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُقَرَّ عليه وهو اخْتِيَارُ الشَّيْخِ أبي إِسْحَاقَ في اللُّمَعِ وَحَكَاهُ ابن بَرْهَانٍ عن أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَالْخَطَّابِيُّ في أَعْلَامِ الحديث عن أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَجَعَلَهُ عُذْرًا لِعُمَرَ في الْكِتَابِ الذي أَرَادَ النبي أَنْ يَكْتُبَهُ وَارْتِضَاءُ الرَّافِعِيِّ في الْعَدَدِ في الْكَلَامِ عن سُكْنَى الْمُعْتَدَّةِ عن الْوَفَاةِ وَكَذَا ابن حَزْمٍ في الْإِحْكَامِ قال كَفِعْلِهِ بِابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ إذْ أُنْزِلَتْ عَبَسَ قُلْت وهو قَوْلٌ لَا نُورَ عليه وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّهُ الْمُخْتَارُ غَيْرُ صَوَابٍ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّقْرِيرُ عليه وقال الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ في كِتَابِ الْقَضَاءِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ من الْخَطَأِ في الِاجْتِهَادِ على وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ وهو مُقْتَضَى الْوَجْهِ الْقَائِلِ بِأَنَّهُمْ لَا يَجْتَهِدُونَ إلَّا عن دَلِيلٍ وَنَصٍّ والثاني الْمَنْعُ لَكِنْ لَا يُقِرُّهُمْ اللَّهُ عليه لِيَزُولَ الِارْتِيَابُ بِهِ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُمْ من الْعُلَمَاءِ مُقِرًّا عليه وهو مُقْتَضَى الْوَجْهِ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَجْتَهِدَ بِالرَّأْيِ من غَيْرِ اسْتِدْلَالٍ بِنَصٍّ وَقَالَا قال ابن أبي هُرَيْرَةَ نَبِيُّنَا عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَعْصُومٌ في الِاجْتِهَادِ من الْخَطَأِ دُونَ غَيْرِهِ من الْأَنْبِيَاءِ لِأَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ يَسْتَدْرِكُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ من الْأَنْبِيَاءِ قُلْت وَهَكَذَا رَأَيْتُهُ في تَعْلِيقِهِ في الْأَقْضِيَةِ
  261. فَحَصَلَ في عِصْمَتِهِمْ في الِاجْتِهَادِ مَذَاهِبُ ثَالِثُهَا نَبِيُّنَا فَقَطْ وقال الْمَاوَرْدِيُّ وَهَذَا لَا وَجْهَ له لِأَنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ غَيْرُ مُقِرِّينَ على الْخَطَأِ في وَقْتِ التَّنْفِيذِ وَلَا يُمْهِلُونَ على التَّرَاخِي حتى يَسْتَدْرِكَهُ من بَعْدَهُمْ قُلْت وهو قَوْلٌ حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وهو أَفْسَدُ الْأَقْوَالِ وَقِيلَ الْخِلَافُ في غَيْرِ أُمُورِ الدُّنْيَا أَمَّا أُمُورُ الدُّنْيَا فَيَجُوزُ على الْكُلِّ لِحَدِيثِ التَّلْقِيحِ مَسْأَلَةٌ تَصَرُّفَاتُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم تَنْحَصِرُ فِيمَا يَكُونُ بِالْإِمَامَةِ وَالْقَضَاءِ وَالْفَتْوَى وَوَجْهُ الْحَصْرِ أَنَّهُ إنْ كان فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِبَعْثِ الْجُيُوشِ وَقِسْمَةِ الْغَنَائِمِ فَهُوَ من تَصَرُّفِ الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى وَإِنْ تَعَلَّقَ بِإِنْقَاذِهِ وَالْحُكْمِ بين الْخَصْمَيْنِ فَهُوَ الْقَضَاءُ الذي يَتَوَلَّاهُ الْقُضَاةُ وَإِنْ تَعَلَّقَ بِالْعِبَادَاتِ وَالْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَهُوَ الْفَتْوَى وَالْخِلَافُ في الْكُلِّ ثُمَّ إذَا دَارَتْ الْحَادِثَةُ بين تَنْزِيلِهَا على الْقَضَاءِ أو على الْفَتْوَى فَعِنْدَنَا تَنْزِيلُهَا على الْقَضَاءِ أَوْلَى الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ في جَوَازِ الِاجْتِهَادِ من غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ في زَمَانِهِمْ كَاجْتِهَادِ الصَّحَابَةِ في عَصْرِ الرَّسُولِ وَالْكَلَامُ فيه في مَقَامَيْنِ الْجَوَازُ وَالْوُقُوعُ أَمَّا الْجَوَازُ فَمِنْهُمْ من مَنَعَ منه مُطْلَقًا وَنُقِلَ عن الْجُبَّائِيُّ وَأَبِي هَاشِمٍ وهو ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي إلَى مُسْتَحِيلٍ فَإِنْ أَرَادُوا مَنْعَ الشَّرْعِ تَوَقَّفَ على الدَّلِيلِ فَهُوَ مَفْقُودٌ وَمِنْهُمْ من جَوَّزَهُ مُطْلَقًا وَبِهِ قال أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا كما نَقَلَهُ ابن فُورَكٍ وَالْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُمَا وَنَقَلَهُ إلْكِيَا عن مُحَمَّدِ بن الْحَسَنِ وهو الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ منهم صَاحِبُ الْمُسْتَصْفَى وقال في التَّقْرِيبِ إنَّهُ الْمُخْتَارُ وَمِنْهُمْ من فَصَلَ بين الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ
  262. وَمِنْهُمْ من فَصَلَ بين الْغَائِبِ وَالْحَاضِرِ مُطْلَقًا وَمِنْهُمْ من فَصَلَ بين الْغَائِبِ عنه من الْوُلَاةِ وَالْقُضَاةِ فَيَجُوزُ دُونَ الْحَاضِرِينَ حَكَاهُ الْغَزَالِيُّ ثُمَّ الْمُجَوِّزُونَ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ يُكْتَفَى بِسُكُوتِهِ عليه السَّلَامُ حَكَاهُ في الْمُسْتَصْفَى وَمِنْهُمْ من قال يَجُوزُ إنْ لم يُوجَدْ في ذلك مَنْعٌ قال الْهِنْدِيُّ وَلَيْسَ بِمَرَضِيٍّ لِأَنَّ ما بَعْدَهُ أَيْضًا كَذَلِكَ فلم تَكُنْ له خُصُوصِيَّةٌ بِزَمَانِهِ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَمِنْهُمْ من قال إنْ وَرَدَ الْإِذْنُ بِذَلِكَ جَازَ وَإِلَّا فَلَا ثُمَّ من هَؤُلَاءِ من نَزَّلَ السُّكُوتَ على الْمَنْعِ منه مع الْعِلْمِ بِوُقُوعِهِ مَنْزِلَةَ الْإِذْنِ وَمِنْهُمْ من اشْتَرَطَ صَرِيحَ الْإِذْنِ حَكَاهُ ابن السَّمْعَانِيِّ ثُمَّ قال وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ إنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْحَاضِرِ الِاجْتِهَادُ قبل سُؤَالِ النبي عليه السَّلَامُ كما لَا يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ قبل طَلَبِ النَّصِّ وَكَمَا لَا يَجُوزُ لِلسَّالِكِ في بَرِّيَّةٍ مَخُوفَةٍ أَنْ يَقُولَ على رَأْيِهِ مع تَمَكُّنِهِ من سُؤَالِ من يُخْبِرُهُ عن الطَّرِيقِ عن عِلْمٍ وإذا سَأَلَ النبي عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَجُوزُ أَنْ يَكِلَهُ النبي عليه السَّلَامُ إلَى اجْتِهَادِهِ وَلَا مَانِعَ من ذلك عَقْلًا وَلَا شَرْعًا وقال ابن فُورَكٍ يُشْتَرَطُ تَقْرِيرُهُ عليه قال وَيَجُوزُ أَنْ يَجْتَهِدَ مع النَّصِّ ثُمَّ يَتَأَمَّلُ فَإِنْ كان النَّصُّ بِخِلَافِهِ صِرْنَا إلَى النَّصِّ كَذَلِكَ يَجْتَهِدُ بِحَضْرَتِهِ فَإِنْ أَفْتَى عليه عَلِمْنَا أَنَّهُ حَقٌّ وَفَصَّلَ ابن حَزْمٍ في الْحَاضِرِ بين الِاجْتِهَادِ في الْأَحْكَامِ كَإِيجَابِ شَيْءٍ أو تَحْرِيمِهِ فَلَا يَجُوزُ وقد أَفْتَى أبو السَّنَابِلِ بِاجْتِهَادِهِ في الْمُتَوَفَّى عنها الْحَامِلِ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ فَأَخْطَأَ وَأَمَّا غَيْرُ ذلك فَيَجُوزُ كَاجْتِهَادِهِمْ فِيمَا يَجْعَلُونَ عَلَمًا لِلدُّعَاءِ إلَى الصَّلَاةِ ولم يَكُنْ ذلك على إيجَابِ شَرِيعَةٍ تُلْزِمُ وَإِنَّمَا كان إيذَانًا من بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ وَاجْتَهَدَ قَوْمٌ بِحَضْرَتِهِ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِيمَنْ هُمْ السَّبْعُونَ أَلْفًا الذي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَأَخْطَئُوا في ذلك حتى بَيَّنَ لهم النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم من هُمْ ولم يُعَنِّفْهُمْ في اجْتِهَادِهِمْ قُلْت وإذا جَوَّزْنَا لِلْغَائِبِ فما ضَابِطُ الْغَيْبَةِ هل هِيَ مَسَافَةُ الْقَصْرِ أَمْ لَا لم أَرَ فيه نَصًّا لَكِنْ ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ أَنَّهُ من بَعُدَ عنه بِفَرْسَخٍ أو
  263. فَرَاسِخَ وَأَمَّا الْوُقُوعُ فَاخْتَلَفَ الْمُجَوِّزُونَ فيه فَمِنْهُمْ من مَنَعَهُ لِقُدْرَتِهِ على الْيَقِينِ بِأَنْ يَسْأَلَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَمِنْهُمْ من قال وَقَعَ ظَنًّا لَا قَطْعًا وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وابن الْحَاجِبِ وَمِنْهُمْ من فَصَّلَ بين الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ فقال وَقَعَ لِلْغَائِبِ دُونَ الْحَاضِرِ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ وَالْغَزَالِيُّ وابن الصَّبَّاغِ في الْعُدَّةِ وَإِلَيْهِ مَيْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَنَقَلَهُ إلْكِيَا عن أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ قال وهو اُسْتُبْشِعَ في الِاسْتِقَامَةِ وَأَمْيَلُ إلَى الِاقْتِصَادِ من حَيْثُ تَعَذُّرُ الْمُرَاجَعَةِ مع تَأَنِّي الدَّارِّ في كل وَاقِعَةٌ وقال عبد الْوَهَّابِ إنَّ الْأَقْوَى على أُصُولِ أَصْحَابِهِمْ وقال صَاحِبُ اللُّبَابِ إنَّهُ الصَّحِيحُ وَمِنْهُمْ من تَوَقَّفَ في الْحَاضِرِ وَقَطَعَ في الْغَائِبِ بِالْوُقُوعِ هذا حَاصِلُ ما في كُتُبِ الْأُصُولِ من الْأَقْوَالِ وقال الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ في كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ اجْتِهَادُ الصَّحَابَةِ في زَمَنِهِ له حَالَتَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ له وِلَايَةٌ كَعَلِيِّ بن أبي طَالِبٍ وَمُعَاذِ بن جَبَلٍ حين بَعَثَهُمَا إلَى الْيَمَنِ فَيَجُوزُ اجْتِهَادُهُمَا لِأَنَّ مُعَاذًا قال أَجْتَهِدُ بِرَأْيِي فَاسْتَصْوَبَهُ وَسَوَاءٌ اجْتَهَدَ في حَقِّ نَفْسِهِ أو غَيْرِهِ وَيَكُونُ اجْتِهَادُهُ أَمْرًا مُسَوَّغًا ما لم يَرِدْ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم خِلَافُهُ ثَانِيهِمَا أَنْ لَا يَكُونَ لِلْمُجْتَهِدِ وِلَايَةٌ فَلَهُ حَالَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَظْفَرَ بِأَصْلٍ من كِتَابٍ أو سُنَّةٍ فَيَجُوزُ اجْتِهَادُهُ في الرُّجُوعِ إلَيْهِمَا وَلَا يَلْزَمُ إذَا قَدَرَ على النبي أَنْ يَسْأَلَهُ عَمَّا اجْتَهَدَ فيه لِأَنَّهُ إذَا أَخَذَ بِأَصْلٍ لَازِمٍ وثانيهما أَنْ يَعْدَمَ أَصْلًا من كِتَابٍ أو سُنَّةٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْتَهِدَ في حَقِّ غَيْرِهِ لِعَدَمِ وِلَايَتِهِ وَأَمَّا في حَقِّ نَفْسِهِ فَإِنْ كان مِمَّا يَخَافُ فَوَاتَهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْتَهِدَ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ منه أَنْ يَشْرَعَ والثاني يَجُوزُ إنْ كان أَهْلًا لِلِاجْتِهَادِ وَعَلَى هذا فَفِي جَوَازِ تَقْلِيدِهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَنْ يُقَلِّدَهُ فيه لِوُجُودِ ما هو أَقْوَى منه فَعَلَى هذا لَا يَلْزَمُ الْمُجْتَهِدَ إذَا قَدِمَ الرَّسُولُ أَنْ يَسْأَلَهُ
  264. الْقِسْمُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْمُجْتَهِدُ حَاصِلًا في مَدِينَةِ الرَّسُولِ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَغَائِبًا عن مَحَلَّتِهِ فَإِنْ رَجَعَ في اجْتِهَادِهِ إلَى أَصْلٍ من كِتَابٍ أو سُنَّةٍ صَحَّ وَجَازَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ لِأَنَّ الْعَجْلَانِيُّ سَأَلَ بَعْضَ الصَّحَابَةِ بِالْمَدِينَةِ عن قَذْفِ امْرَأَتِهِ بِمَا سَمَّاهُ فقال له حَدٌّ في ظَهْرِك إنْ لم تَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ثُمَّ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَأَخْبَرَهُ بِمَا قِيلَ له فَتَوَقَّفَ فيه حتى نَزَلَتْ آيَةُ اللِّعَانِ ولم يُنْكِرْ على من أَجَابَهُ وَإِنْ لم يَرْجِعْ الْمُجْتَهِدُ إلَى أَصْلٍ فَفِي جَوَازِ اجْتِهَادِهِ وَجْهَانِ قال صَاحِبُ الْحَاوِي وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ يَصِحُّ اجْتِهَادُهُ في الْمُعَامَلَاتِ دُونَ الْعِبَادَاتِ لِأَنَّ الْعِبَادَاتِ تَكْلِيفٌ فَتَتَوَقَّفُ على الْأَوَامِرِ بها وَالْمُعَامَلَاتُ تَخْفِيفٌ فَتُعْتَبَرُ النَّوَاهِي عنها الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ الْمُجْتَهِدُ حَاضِرًا في مَجْلِسِ الرَّسُولِ فَإِنْ أَمَرَهُ بِالِاجْتِهَادِ صَحَّ اجْتِهَادُهُ كما حَكَمَ سَعْدُ بن مُعَاذٍ في بَنِي قُرَيْظَةَ وَإِنْ لم يَأْمُرْهُ بِالِاجْتِهَادِ لم يَصِحَّ اجْتِهَادُهُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ بِهِ فَيُقِرَّهُ عليه فَيَصِيرُ بِإِقْرَارِهِ عليه صَحِيحًا كما قال أبو بَكْرٍ رضي اللَّهُ عنه بِحَضْرَةِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم في سَلَبَ الْقَتِيلِ وقد أَخَذَهُ غَيْرُ قَاتِلِهِ قُلْت وفي مَعْنَى أَمْرِهِ بِهِ
  265. الْمُشَاوَرَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَشَاوِرْهُمْ في الْأَمْرِ وقد شَاوَرَهُمْ في أَمْرِ الْأَسْرَى وَغَيْرِهِ وَكَذَلِكَ اجْتِهَادُهُمْ بِحَضْرَتِهِ لِيَعْرِضُوا عليه رَأْيَهُمْ فَإِنْ صَحَّ قَبِلَهُ وَإِلَّا رَدَّهُ كَبَحْثِ الطَّالِبِ عِنْدَ أُسْتَاذِهِ وقد اجْتَهَدَ مُعَاذٌ في تَرْكِهِ قَضَاءَ الْغَائِبِ أَوَّلًا ثُمَّ الدُّخُولُ في الصَّلَاةِ وَرَضِيَهُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وقال قد سَنَّ لَكُمْ مُعَاذٌ وَكَذَلِكَ امْتِنَاعُ عَلِيٍّ رضي اللَّهُ عنه من مَحْوِ اسْمِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم من الصَّحِيفَةِ وكان اجْتِهَادًا عَظِيمًا لِلنَّبِيِّ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَخَرَجَ من ذلك صُوَرٌ يَجُوزُ فيها الِاجْتِهَادُ بِحَضْرَةِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ من مَوْضِعِ الْخِلَافِ وقد احْتَجَّ الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ على الْوُقُوعِ 1 بِقَضِيَّةِ أبو بَكْرٍ هذه وَقَوْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم صَدَقَ ولم يَقُلْهُ الصِّدِّيقُ بِغَيْرِ الِاجْتِهَادِ 2 وَكَذَلِكَ حَكَّمَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم سَعْدَ بن مُعَاذٍ في بَنِي قُرَيْظَةَ بِاجْتِهَادِهِ ثُمَّ قال لقد حَكَمْت بِحُكْمِ اللَّهِ 3 وَرُوِيَ أَنَّهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم
  266. أَمَرَ عَمْرَو بن الْعَاصِ وَعُقْبَةَ بن عَامِرٍ أَنْ يَحْكُمَا بين خَصْمَيْنِ وقال لَهُمَا إنْ أَصَبْتُمَا فَلَكُمَا عَشْرُ حَسَنَاتٍ وَإِنْ أَخْطَأْتُمَا فَلَكُمَا حَسَنَةٌ وَاحِدَةٌ وفي الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ نَظَرٌ أَمَّا الْأَوَّلُ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ ما حَاصِلُهُ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ قَتَلَ عَامَ حُنَيْنٍ مُشْرِكًا ثُمَّ إنَّهُ عليه السَّلَامُ قال من قَتَلَ قَتِيلًا له عليه بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ في كل مَرَّةٍ يَقُومُ أبو قَتَادَةَ فَلَا يَجِدُ من يَشْهَدُ له فلما كان الثَّالِثَةُ قال يا أَبَا قَتَادَةَ ما لَك قال فَقَصَصْت عليه الْقِصَّةَ فقال رَجُلٌ من الْقَوْمِ صَدَقَ يا رَسُولَ اللَّهِ سَلَبُ ذلك الْقَتِيلِ عِنْدِي فَأَرْضِهِ من حَقِّهِ قال أبو بَكْرٍ الحديث وَظَاهِرُهُ أَنَّ الصِّدِّيقَ لم يَقُلْهُ بِالِاجْتِهَادِ بَلْ هو تَنْفِيذٌ لِقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ من قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ وَأَمَّا الثَّانِي فَالنِّزَاعُ أَنَّ الصَّحَابِيَّ إذَا وَقَعَتْ له وَاقِعَةٌ هل يَجِبُ عليه أَنْ يَسْأَلَهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم لِيُخْبِرَهُ كَغَالِبِ عَادَاتِهِمْ وَيَجُوزُ له أَنْ يَجْتَهِدَ فيها بِرَأْيِهِ مِمَّا أَدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ فَهُوَ حُكْمُ اللَّهِ وَتَحْكِيمُ سَعْدِ بن مُعَاذٍ ليس من هذا الْقَبِيلِ لِأَنَّهُ عليه السَّلَامُ فَوَّضَ إلَيْهِ الْحُكْمَ في وَاقِعَةٍ فَلَا يَلْزَمُ من ذلك جَوَازُ الِاجْتِهَادِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ عليه السَّلَامُ وَأَمَّا الثَّالِثُ فَقِيلَ ليس له أَصْلٌ بَلْ رَوَى عبد بن حُمَيْدٍ في مُسْنَدِهِ عن يَزِيدَ بن الْحُبَابِ حدثه عن فَرَجِ بن فَضَالَةَ حدثني محمد بن عبد الْأَعْلَى عن أبيه عن عبد اللَّهِ بن عَمْرِو بن الْعَاصِ عن أبيه أَنَّ خَصْمَيْنِ جَاءَا إلَى النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فقال اقْضِ بَيْنَهُمَا وَذَكَرَ أبو سَعِيدٍ النَّقَّاشُ في كِتَابِ الْقُضَاةِ عن بَقِيَّةَ عن فَرَجِ بن فَضَالَةَ عن مُحَمَّدِ بن عبد اللَّهِ الْبَهْرَانِيِّ عن أبيه عن عبد اللَّهِ بن عَمْرِو بن الْعَاصِ جاء خَصْمَانِ إلَى النبي ص فقال عليه السَّلَامُ اقْضِ بَيْنَهُمَا فَقُلْت يا رَسُولَ اللَّهِ كُنْتَ أَوْلَى بِهِ قال وَإِنْ كان قُلْتَ ما أَقْضِي قال على أَنَّك إنْ أَصَبْتَ كان لَك عَشْرُ حَسَنَاتٍ وَإِنْ أَخْطَأْتَ كان لَك حَسَنَةٌ وَاحِدَةٌ وَمَدَارُهُ على فَرَجٍ وقد ضَعَّفَهُ الْأَكْثَرُونَ وَشَيْخُهُ مُحَمَّدٌ وَأَبُوهُ مَجْهُولَانِ مع الِاخْتِلَافِ في اسْمِ أبيه وَالِاخْتِلَافُ هل هو عن عبد اللَّهِ بن عَمْرٍو أو عن أبيه وقد صَحَّحَ الْحَاكِمُ في الْمُسْتَدْرَكِ الحديث وَفِيهِ نَظَرٌ وَاسْتَدَلَّ الْبَيْهَقِيُّ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَادَى يوم انْصَرَفَ من الْأَحْزَابِ لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الظُّهْرَ إلَّا في بَنِي قُرَيْظَةَ فَتَخَوَّفَ نَاسٌ فَوْتَ الْوَقْتِ فَصَلَّوْا
  267. دُونَ بَنِي قُرَيْظَةَ وقال آخَرُونَ لَا نُصَلِّي إلَّا حَيْثُ أَمَرَنَا النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَإِنْ فَاتَ الْوَقْتُ قال فما عَنَّفَ وَاحِدًا من الْفَرِيقَيْنِ مُتَّفَقٌ عليه وَفِيهِ نَظَرٌ من وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ النِّزَاعَ في أَنَّهُ هل يَجْتَهِدُ فِيمَا ليس مَنْصُوصًا عليه أو يُرَاجِعُ وَهَذَا اجْتِهَادٌ في نَصِّهِ عليه السَّلَامُ ما الْمُرَادُ بِهِ وقد يُقَالُ إنَّ الْمَقْصُودَ وُقُوعُ الِاجْتِهَادِ في الْجُمْلَةِ والثاني أَنَّهُمْ كَانُوا غَائِبِينَ وقد سَبَقَ الْقَوْلُ بِجَوَازِهِ لهم وَمِمَّا يَدُلُّ على الْجَوَازِ حَدِيثُ مُعَاذٍ لَمَّا بَعَثَهُ قال أَجْتَهِدُ بِرَأْيِي وَصَوَّبَهُ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَدِيثُ بَعْثِهِ عليه السَّلَامُ عَلِيًّا قَاضِيًا وقال لَا عِلْمَ لي بِالْقَضَاءِ فقال اللَّهُمَّ اهْدِ قَلْبَهُ وَثَبِّتْ لِسَانَهُ أَخْرَجَهُ أبو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وابن مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ في الْمُسْتَدْرَكِ وَعَنْ زَيْدِ بن أَرْقَمَ أَنَّ رَجُلًا من أَهْلِ الْيَمَنِ حَدَّثَ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّ ثَلَاثَةً وَقَعُوا على امْرَأَةٍ في طُهْرٍ فَأَتَوْا عَلِيًّا يَخْتَصِمُونَ في الْوَلَدِ فقال أَنْتُمْ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ أَرَى أَنْ نُقْرِعَ بَيْنَكُمْ فَقَرَعَ أَحَدُهُمْ فَدَفَعَ إلَيْهِ الْوَلَدَ فقال عليه السَّلَامُ ما أَعْلَمُ فيها إلَّا ما قال عَلِيٌّ وَرَوَى أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ على شَرْطِهِمَا عن ابْنِ أبي لَيْلَى عن مُعَاذٍ قال كان الناس على عَهْدِ الرَّسُولِ صلى اللَّهُ عليه وسلم إذَا سُبِقَ الرَّجُلُ بِبَعْضِ صَلَاتِهِ سَأَلَهُمْ فَأَوْمَئُوا إلَيْهِ بِاَلَّذِي سُبِقَ فقال عليه السَّلَامُ اصْنَعُوا كما صَنَعَ مُعَاذٌ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْحُكْمَ تَغَيَّرَ من يَوْمئِذٍ وَأَنَّهُ إنَّمَا فَعَلَ ذلك بِاجْتِهَادِهِ بِأَمْرِهِ عليه السَّلَامُ وَنُسِخَ بِهِ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ بَلْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ هذا الحديث في مُعْجَمِهِ بِسَنَدٍ على شَرْطِهِمَا إلَّا فُلَيْحًا فَعَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَلَفْظُهُ عن مُعَاذٍ قال فَجِئْت يَوْمًا وقد سُبِقْت وَأُشِيرَ إلَيَّ بِاَلَّذِي سُبِقْت بِهِ فقلت لَا أَجِدُهُ على حَالٍ كُنْت عليها فَكُنْت بِحَالِهِمْ التي وَجَدْتُهُمْ عليها فلما فَرَغَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قُمْتُ فَصَلَّيْتُ وَاسْتَقْبَلَ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الناس وقال من الْقَائِلُ كَذَا وَكَذَا قالوا مُعَاذٌ فقال قد سَنَّ لَكُمْ فَاقْتَدُوا بِهِ إذَا جاء أحدكم
  268. وقد سُبِقَ بِشَيْءٍ من الصَّلَاةِ فَلِيُصَلِّ مع الْإِمَامِ بِصَلَاتِهِ فإذا فَرَغَ الْإِمَامُ فَلْيَقْضِ ما سَبَقَهُ بِهِ وَكَذَلِكَ حَدِيثُ مُوَافَقَةِ عُمَرَ رضي اللَّهُ عنه رَبَّهُ عز وجل في صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فَدَلَّ ذلك على جَوَازِ الِاجْتِهَادِ بِحَضْرَتِهِ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَائِدَةٌ قال الرَّازِيَّ في الْمَحْصُولِ الْخِلَافُ في هذه الْمَسْأَلَةِ لَا ثَمَرَةَ له في الْفِقْهِ وَاعْتَرَضَهُ ابن الْوَكِيلِ وقال بَلْ في مَسَائِلَ الْفِقْهِ ما يُبْنَى عليه من ذلك ما إذَا شَكَّ في نَجَاسَةِ أَحَدِ الْإِنَاءَيْنِ وَمَعَهُ مَاءٌ طَاهِرٌ بِيَقِينٍ فَفِي جَوَازِ الِاجْتِهَادِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا يَجْتَهِدُ وَلَا يُكَلِّفُ الْغَيْرَ بِدَلِيلِ طَهَارَتِهِ من الْإِنَاءِ الْمَظْنُونِ طَهَارَتُهُ وهو على شَاطِئِ الْبَحْرِ وَهَذَا قَوْلُ من يُجَوِّزُ الِاجْتِهَادَ في زَمَنِهِ الثَّانِي لَا وهو قَوْلُ من يَمْنَعُ الِاجْتِهَادَ وَكَذَلِكَ من اجْتَهَدَ في دُخُولِ الْوَقْتِ هل تَجُوزُ له الصَّلَاةُ مع الْقُدْرَةِ على تَمَكُّنِ الْوَقْتِ وَرُجْحَانُ الْعَمَلِ بِالِاجْتِهَادِ فيها أَقْوَى من التي قَبْلَهَا وقال بَعْضُهُمْ هذا التَّرْجِيحُ وَهْمٌ فَالْقَادِرُ على سُؤَالِ الرَّسُولِ لَا يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ قَادِرٌ على الْيَقِينِ حتى يَتَيَقَّنَ أَنَّهُ أُنْزِلَ عليه في مَسْأَلَةٍ وَحْيٌ وَإِلَّا فما لم يَنْزِلْ الْوَحْيُ فَلَا حُكْمَ فَلَا قَطْعَ وَلَا ظَنَّ فَغَايَةُ الْقَادِرِ سُؤَال على الرَّسُولِ أَنْ يُجَوِّزُ نُزُولَ الْوَحْيِ فَيَكُونُ مُجَوِّزًا لِلْيَقِينِ وَإِنَّمَا مَأْخَذُ هذا الْخِلَافِ الْأُصُولِيِّ ما في الِاجْتِهَادِ مع رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم من التَّحَرِّي وما فيه من سُلُوكِ طَرِيقٍ لَا يَأْمَنُ فيها الْخَطَأُ مع التَّمَكُّنِ من طَرِيقٍ يَأْمَنُ فيه الْخَطَأَ فما قَالَهُ الرَّازِيَّ أَنَّهُ لَا ثَمَرَةَ لِلْخِلَافِ صَحِيحٌ نعم الْخِلَافُ في جَوَازِ الِاجْتِهَادِ له عليه السَّلَامُ تَظْهَرُ ثَمَرَتُهُ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ لِقُدْرَتِهِ على الْيَقِينِ بِسُؤَالِ اللَّهِ وَهَذَا كَلَامٌ عَجِيبٌ بَلْ قُدْرَتُهُ على الْيَقِينِ مَقْطُوعٌ بها سَوَاءٌ وَقَعَ الْجَوَابُ في الْحَالِ كما كان أَغْلَبُ أَحْوَالِهِ أو بَعْدَ انْتِظَارِ الْوَحْيِ كما في اجْتِهَادِهِ سَوَاءٌ وَإِنَّمَا الْمَانِعُ من التَّخْرِيجِ أَنَّ الِاجْتِهَادَ في ذلك ليس في حُكْمٍ شَرْعِيٍّ لِأَنَّ الْحُكْمَ قد عُلِمَ وَإِنَّمَا هو اجْتِهَادٌ في تَعْيِينِهِ وَمَسْأَلَتُنَا اجْتِهَادٌ في حُكْمٍ شَرْعِيٍّ غَيْرِ مَعْلُومٍ له فَلَا يَلْزَمُ من التَّجْوِيزِ في الْمُشْتَبَهِ بَعْدَ عِلْمِهِ الْجَوَازُ في أَصْلِ الْحُكْمِ مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم اُحْكُمْ بِمَا تَشَاءُ وما تَرَى من غَيْرِ اجْتِهَادٍ فَإِنَّك لَا تَحْكُمُ إلَّا بِالصَّوَابِ بِنَاءً على أَنَّهُ كان يَجُوزُ له الِاجْتِهَادُ نَصَّ عليه الشَّافِعِيُّ وَعَزَاهُ بَعْضُهُمْ إلَى غَيْرِهِ من الْمُجْتَهِدِينَ وقد سَبَقَتْ
  269. الرُّكْنُ الثَّالِثُ الْمُجْتَهَدُ فيه وهو كُلُّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ عَمَلِيٍّ أو عِلْمِيٍّ يُقْصَدُ بِهِ الْعِلْمُ ليس فيه دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ فَخَرَجَ بِالشَّرْعِيِّ الْعَقْلِيُّ فَالْحَقُّ فيها وَاحِدٌ وَالْمُرَادُ بِالْعَمَلِ ما هو كَسْبٌ لِلْمُكَلَّفِ إقْدَامًا وَإِحْجَامًا وَبِالْعَمَلِيِّ ما تَضَمَّنَهُ عِلْمُ الْأُصُولِ من الْمَظْنُونَاتِ التي يَسْتَنِدُ الْعَمَلُ إلَيْهَا وَقَوْلُنَا ليس فيها دَلِيلٌ قَاطِعٌ احْتِرَازًا عَمَّا وُجِدَ فيه ذلك من الْأَحْكَامِ فإنه إذَا ظَفِرَ فيه بِالدَّلِيلِ حَرُمَ الرُّجُوعُ إلَى الظَّنِّ مَسْأَلَةٌ في الْحَادِثَةِ بِحَضْرَةِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم ولم يَحْكُمْ فيها بِشَيْءٍ يَجُوزُ لنا أَنْ نَحْكُمَ في نَظِيرِهَا خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ في قَوْلِهِ لَا يَجُوزُ وقال أبو الْوَفَاءِ ابن عَقِيلٍ إنْ كان له صلى اللَّهُ عليه وسلم حُكْمٌ في نَظِيرِهَا يَصِحُّ اسْتِخْرَاجُهُ من مَعْنَى نُطْقِهِ جَازَ وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ لِرُجُوعِنَا إلَى طَلَبِ الْحُكْمِ مع إمْسَاكِهِ عنه قُلْت وَهَذَا كُلُّهُ بَحْثٌ في الْجَوَازِ الْعَقْلِيِّ أَمَّا الْوُقُوعُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لم يَقَعْ لِوُجُوبِ الْبَيَانِ في وَقْتِ الْحَاجَةِ
  270. فَصْلٌ في تَحْلِيلِ الْحُجَجِ ليس يَكْفِي في حُصُولِ الْمَلَكَةِ على شَيْءٍ تَعَرُّفُهُ بَلْ لَا بُدَّ مع ذلك من الِارْتِيَاضِ في مُبَاشَرَتِهِ فَلِذَلِكَ إنَّمَا تَصِيرُ لِلْفَقِيهِ مَلَكَةُ الِاحْتِجَاجِ وَاسْتِنْبَاطِ الْمَسَائِلِ أَنْ يَرْتَاضَ في أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ وما أَتَوْا بِهِ في كُتُبِهِمْ وَرُبَّمَا أَغْنَاهُ ذلك عن الْعَنَاءِ في مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ وَإِنَّمَا يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ إذَا تَمَكَّنَ من مَعْرِفَةِ الصَّحِيحِ من تِلْكَ الْأَقْوَالِ من فَاسِدِهَا وَمِمَّا يُعِينُهُ على ذلك أَنْ تَكُونَ له قُوَّةٌ على تَحْلِيلِ ما في الْكِتَابِ وَرَدِّهِ إلَى الْحُجَجِ فما وَافَقَ منها التَّأْلِيفُ الصَّوَابَ فَهُوَ صَوَابٌ وما خَرَجَ عن ذلك فَهُوَ فَاسِدٌ وما أَشْكَلَ أَمْرُهُ تَوَقَّفَ فيه
  271. فَصْلٌ في وَظِيفَةِ الْمُجْتَهِدِ إذَا عَرَضَتْ له وَاقِعَةٌ اعْلَمْ أَنَّهُ حَقٌّ على الْمُجْتَهِدِ أَنْ يَطْلُبَ لِنَفْسِهِ أَقْوَى الْحُجَجِ عِنْدَ اللَّهِ ما وَجَدَ إلَى ذلك سَبِيلًا لِأَنَّ الْحُجَّةَ كُلَّمَا قَوِيَتْ أَمِنَ على نَفْسِهِ من الزَّلَلِ وما أَحْسَنَ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ في الْأُمِّ وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ الْعِلْمُ من أَعْلَى وقال فِيمَا حَكَاهُ عنه الْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ إذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ فيه فَلْيَعْرِضْهَا على نُصُوصِ الْكِتَابِ فَإِنْ أَعْوَزَهُ فَعَلَى الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ ثُمَّ الْآحَادِ فَإِنْ أَعْوَزَهُ لم يُخَضْ في الْقِيَاسِ بَلْ يَلْتَفِتُ إلَى ظَوَاهِرِ الْكِتَابِ فَإِنْ وَجَدَ ظَاهِرًا نَظَرَ في الْمُخَصِّصَاتِ من قِيَاسٍ وَخَبَرٍ فَإِنْ لم يَجِدْ مُخَصِّصًا حَكَمَ بِهِ وَإِنْ لم يَعْثُرْ على ظَاهِرٍ من كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ نَظَرَ إلَى الْمَذَاهِبِ فَإِنْ وَجَدَهَا مُجْمَعًا عليها اتَّبَعَ الْإِجْمَاعَ وَإِنْ لم يَجِدْ إجْمَاعًا خَاضَ في الْقِيَاسِ وَيُلَاحِظُ الْقَوَاعِدَ الْكُلِّيَّةَ أَوَّلًا وَيُقَدِّمُهَا على الْجُزْئِيَّاتِ كما في الْقَتْلِ بِالْمُثَقِّلِ فَيُقَدِّمُ قَاعِدَةَ الرَّدْعِ على مُرَاعَاةِ الْأَلَمِ فَإِنْ عَدِمَ قَاعِدَةً كُلِّيَّةً نَظَرَ في النُّصُوصِ وَمَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ فَإِنْ وَجَدَهَا في مَعْنًى وَاحِدٍ أَلْحَقَ بِهِ وَإِلَّا انْحَدَرَ إلَى قِيَاسٍ مُخَيَّلٍ فَإِنْ أَعْوَزَهُ تَمَسَّكَ بِالشَّبَهِ وَلَا يُعَوِّلُ على طَرْدٍ قال الْغَزَالِيُّ هذا تَدْرِيجُ النَّظَرِ على ما قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَلَقَدْ أَخَّرَ الْإِجْمَاعَ عن ذلك الْأَخْبَارُ وَذَلِكَ تَأْخِيرُ مَرْتَبَةٍ لَا تَأْخِيرُ عَمَلٍ إذْ الْعَمَلُ بِهِ مُقَدَّمٌ وَلَكِنَّ الْعَمَلَ بِهِ مُقَدَّمٌ في الْمَرْتَبَةِ فإنه مُسْتَنَدُ قَبُولِ الْإِجْمَاعِ وَخَالَفَ بَعْضُهُمْ وقال الصَّحِيحُ أَنَّ نَظَرَهُ في الْإِجْمَاعِ يَكُونُ أَوَّلًا إذْ النُّصُوصُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَنْسُوخَةً وَلَا كَذَلِكَ الْإِجْمَاعُ وَإِنَّمَا قَدَّمَ الشَّافِعِيُّ النَّصَّ على الظَّاهِرِ تَنْبِيهًا على أَنَّهُ يَطْلُبُ من كل شَيْءٌ ما هو الْأَشْرَفُ فَأَوَّلُ ما يَطْلُبُ من الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ النَّصَّ فَإِنْ لم يَجِدْ فَالظَّاهِرَ فَإِنْ لم يَجِدْ ذلك في مَنْطُوقِهَا وَلَا مَفْهُومِهَا رَجَعَ إلَى أَفْعَالِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم ثُمَّ في تَقْرِيرِهِ بَعْضَ أُمَّتِهِ فَإِنْ لم يَجِدْ نَظَرَ في الْإِجْمَاعِ ثُمَّ في الْقِيَاسِ إنْ لم
  272. يَجِدْ الْإِجْمَاعَ وَسَكَتَ الشَّافِعِيُّ عَمَّا بَعْدَ ذلك وَلَا شَكَّ أَنَّ آخِرَ الْمَرَاتِبِ إذَا لم يَجِدْ شيئا الْحُكْمُ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ وقد ذَكَرَ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ ذلك كُلَّهُ وقال في الْمُسْتَصْفَى يَجِبُ أَنْ يَرُدَّ نَظَرَهُ في كل مَسْأَلَةٍ وفي النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ قبل وُرُودِ السَّمْعِ ثُمَّ يَبْحَثُ عن الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ فَيَنْظُرُ في الْإِجْمَاعِ فَإِنْ وَجَدَهُ وَإِلَّا فَفِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَيْنِ وَهُمَا في مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ لِإِفَادَةِ الْقَطْعِ فَإِنْ وَجَدَ أَخَذَ بِهِ وَإِلَّا نَظَرَ بَعْدُ في عُمُومَاتِهَا وَظَوَاهِرِهَا فَإِنْ وَجَدَ وَإِلَّا نَظَرَ في مُخَصِّصَاتِ الْعُمُومِ من أَخْبَارِ الْآحَادِ وَالْأَقْيِسَةِ فَإِنْ عَارِضَ الْقِيَاسُ عُمُومًا أو خَبَرٌ وَاحِدٌ عُمُومًا وَعَدِمَ التَّرْجِيحَ تَوَقَّفَ على رَأْيٍ وَتَخَيَّرَ على رَأْيٍ وَإِنْ تَعَارَضَ دَلِيلَانِ نَظَرَ في النَّسْخِ وَالتَّرْجِيحِ فَإِنْ عَدِمَهُمَا جاء الْخِلَافُ في التَّخْيِيرِ وَالْوَقْفِ فَإِنْ عَدِمَ بَنَاهُ على حُكْمِ الْأَصْلِ في الْعَقْلِ وهو نَفْيُ الْحُكْمِ على ما هو الْمُخْتَارُ مَسْأَلَةٌ يُشْتَرَطُ في الْعَمَلِ بِالنَّصِّ الظَّاهِرِ الْبَحْثُ عن الْمُعَارِضِ هل له نَاسِخٌ أو مُخَصِّصٌ أو مُقَيِّدٌ أو غَيْرُ ذلك وَحُكِيَ عن قَوْمٌ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وَلَهُ الْحُكْمُ بِالدَّلِيلِ بِمُجَرَّدِ الِاطِّلَاعِ عليه وَهَذَا هو الْخِلَافُ السَّابِقُ في بَابِ الْعُمُومِ في التَّمَسُّكِ بِالْعَامِّ قبل الْمُخَصِّصِ وإذا أَوْجَبْنَا الْبَحْثَ فَإِلَى أَيِّ وَقْتٍ يَبْحَثُ فيه الْخِلَافُ السَّابِقُ هُنَاكَ فَاسْتَحْضِرْهُ وَالْعَجَبُ من صَاحِبِ الْمَحْصُولِ أَنَّهُ قَطَعَ هُنَا بِالْبَحْثِ عن الْمُعَارِضِ مع قَوْلِهِ في بَابِ الْعُمُومِ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِالْعَامِّ قبل الْبَحْثِ عن الْمُخَصِّصِ وَحُكِيَ الْخِلَافُ فيه عن ابْنِ سُرَيْجٍ وَيَجْرِي هذا في كل دَلِيلٍ مع مُعَارِضِهِ كَالْقِيَاسِ مع الِاسْتِصْحَابِ وَغَيْرِهَا نعم إذَا وَجَدَ الْمُجْتَهِدُ الْإِجْمَاعَ عَمِلَ بِهِ من غَيْرِ بَحْثٍ وَلَا طَلَبٍ على الصَّحِيحِ كما قال الْإِبْيَارِيُّ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ له مُعَارِضٌ فإن الْإِجْمَاعَيْنِ لَا يَتَعَارَضَانِ وَلَا يَصِحُّ نَسْخُهُ
  273. فَصْلٌ قال الْمَاوَرْدِيُّ الِاجْتِهَادُ بَعْدَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم تَنْقَسِمُ طُرُقُهُ إلَى ثَمَانِيَةِ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا ما كان الِاجْتِهَادُ مُسْتَخْرَجًا من مَعْنَى النَّصِّ كَاسْتِخْرَاجِ عِلَّةِ الرِّبَا من الْبُرِّ فَهَذَا صَحِيحٌ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالْقِيَاسِ ثَانِيهَا ما اسْتَخْرَجَهُ من شَبَهِ النَّصِّ كَالْعَبْدِ في ثُبُوتِ مِلْكِهِ لِتَرَدُّدِ شَبَهِهِ بِالْحُرِّ في أَنَّهُ يَمْلِكُ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ وَشَبَهِهِ بِالْبَهِيمَةِ في أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ فَهُوَ صَحِيحٌ غَيْرُ مَدْفُوعٍ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالْقِيَاسِ وَالْمُنْكِرِينَ له غير أَنَّ الْمُنْكَرِينَ له جَعَلُوهُ دَاخِلًا في عُمُومِ أَحَدِ الشَّبَهَيْنِ وَمَنْ قال بِالْقِيَاسِ جَعَلَهُ مُلْحَقًا بِأَحَدِ الشَّبَهَيْنِ ثَالِثُهَا ما كان مُسْتَخْرَجًا من عُمُومِ النَّصِّ كَاَلَّذِي بيده عُقْدَةُ النِّكَاحِ في قَوْله تَعَالَى أو يَعْفُوَ الذي بيده عُقْدَةُ النِّكَاحِ يَعُمُّ الْأَبَ وَالزَّوْجَ وَالْمُرَادُ بِهِ أَحَدُهُمَا وَهَذَا صَحِيحٌ يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ بِالتَّرْجِيحِ رَابِعُهَا ما اُسْتُخْرِجَ من إجْمَالِ النَّصِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى في الْمُتْعَةِ وَمَتِّعُوهُنَّ على الْمُوسِعُ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُعْسِرِ قَدَرُهُ فَيَصِحُّ الِاجْتِهَادُ في قَدْرِ الْمُتْعَةِ بِاعْتِبَارِ حَالِ الزَّوْجَيْنِ خَامِسُهَا ما اُسْتُخْرِجَ من أَحْوَالِ النَّصِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى في الْمُتَمَتِّعِ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ في الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ فَاحْتَمَلَ صِيَامَ الثَّلَاثَةِ قبل عَرَفَةَ وَاحْتَمَلَ صِيَامَ السَّبْعَةِ إذَا رَجَعَ في طَرِيقِهِ وإذا رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ فَصَحَّ الِاجْتِهَادُ في تَغْلِيبِ إحْدَى الْحَالَتَيْنِ على الْأُخْرَى سَادِسُهَا ما اُسْتُخْرِجَ من دَلَائِلِ النَّصِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ من سَعَتِهِ فَاسْتَدْلَلْنَا على تَقْدِيرِ نَفَقَةِ الْمُوسِرِ فإنه أَكْثَرُ ما جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ في فِدْيَةِ الْأَذَى في أَنَّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مَدِينٍ فَاسْتَدْلَلْنَا على تَقْدِيرِ نَفَقَةِ الْمُعْسِرِ بِمُدٍّ فإنه أَقَلُّ ما جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ في كَفَّارَةِ الْوَطْءِ أَنَّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدًّا سَابِعُهَا ما اُسْتُخْرِجَ من أَمَارَاتِ النَّصِّ كَاسْتِخْرَاجِ دَلَائِلِ الْقِبْلَةِ لِمَنْ خَفِيَتْ عليه مع قَوْله تَعَالَى وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ مع الِاجْتِهَادِ
  274. في الْقِبْلَةِ بِالْأَمَارَاتِ وَالدَّلَالَةِ عليها من هُبُوطِ الرِّيَاحِ وَمَطَالِعِ النُّجُومِ ثَامِنُهَا ما اُسْتُخْرِجَ من غَيْرِ نَصٍّ وَلَا أَصْلَ قال وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في صِحَّةِ الِاجْتِهَادِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ على وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا لَا يَصِحُّ حتى يَقْتَرِنَ بِأَصْلٍ فإنه لَا يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ في الشَّرْعِ إلَى غَيْرِ أَصْلٍ وهو ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَلِهَذَا كان يُنْكِرُ الْقَوْلَ بِالِاسْتِحْسَانِ لِأَنَّهُ تَغْلِيبُ ظَنٍّ بِغَيْرِ أَصْلٍ والثاني يَصِحُّ الِاجْتِهَادُ بِهِ لِأَنَّهُ في الشَّرْعِ أَصْلٌ فَجَازَ أَنْ يُسْتَغْنَى عن أَصْلٍ وقد اجْتَهَدَ الْعُلَمَاءُ في التَّقْدِيرِ على ما دُونَ الْحَدِّ بِآرَائِهِمْ في أَصْلِهِ من ضَرْبٍ وَحَبْسٍ وفي تَقْدِيرِهِ بِعَشْرِ جَلَدَاتٍ في حَالٍ وَبِعِشْرِينَ في حَالٍ وَلَيْسَ لهم في هذه الْمَقَادِيرِ أَصْلٌ مَشْرُوعٌ وَالْفَرْقُ أَنَّ الِاجْتِهَادَ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ يُسْتَعْمَلُ مع عَدَمِ الْقِيَاسِ مَسْأَلَةٌ قال الْمُزَنِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ في كِتَابِ فَسَادِ التَّقْلِيدِ إذَا اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ وَادَّعَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ بِأَنَّ قَوْلَهَا نَظَرُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَجَبَ الِاقْتِدَاءُ بِالصَّحَابَةِ وَطَلَبُهُمْ الْحَقَّ بِالشُّورَى الْمَوْرُوثَةِ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قال تَعَالَى وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ فَيُحْضِرُ الْإِمَامُ أَهْلَ زَمَانِهِ فَيُنَاظِرُهُمْ فِيمَا مَضَى وَحَدَثَ من الْخِلَافِ وَيَسْأَلُ كُلَّ فِرْقَةٍ عَمَّا اخْتَارَتْ وَيَمْنَعُهُمْ من الْغَلَبَةِ وَالْمُفَاخَرَةِ وَيَأْمُرُهُمْ بِالْإِنْصَافِ وَالْمُنَاصَحَةِ وَيَحُضُّهُمْ على الْقَصْدِ بِهِ إلَى اللَّهِ فإن اللَّهَ تَعَالَى يقول إنْ يُرِيدَا إصْلَاحًا يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا فَبِذَلِكَ يَتَبَيَّنُ لهم النَّظَرُ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَإِنْ قِيلَ إذَا لم يَقُمْ الْإِمَامُ بِذَلِكَ فَالسَّبِيلُ إلَى مَعْرِفَتِهِ قِيلَ على الْعَالِمِ الذي وَقَفَ في الْفَتْوَى مَوْقِفَ الْإِمَامِ أَنْ يَطْلُبَ الْعُلَمَاءَ فَيُنَاظِرَهُمْ بِمِثْلِ مُنَاظَرَةِ الْإِمَامِ فَإِنْ كان أو كَانُوا بِمَوْضِعٍ لَا يَصِلُ فيه إلَيْهِمْ فَأَقْرَبُ ما بَعْدَ ذلك النَّظَرُ في كُتُبِ من تَقَدَّمَ من السَّلَفِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ من الْعُلَمَاءِ وَالِاحْتِجَاجُ لهم وَعَلَيْهِمْ تَتَبُّعُ الْحَقِّ مِمَّنْ قَامَتْ حُجَّتُهُ فِيهِمْ بِمَا وُصِفَتْ وَإِدَامَةُ الرَّغْبَةِ إلَى اللَّهِ في تَوْفِيقِهِ لِلْفَهْمِ في كِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صلى اللَّهُ عليه وسلم فإنه لَا يُدْرِكُ خَيْرًا إلَّا بِمَعْرِفَتِهِ انْتَهَى وَهِيَ فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ فَائِدَةٌ على فَقِيهِ النَّفْسِ ذِي الْمَلَكَةِ الصَّحِيحَةِ تَتَبُّعُ أَلْفَاظِ الْوَحْيَيْنِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَاسْتِخْرَاجُ الْمَعَانِي مِنْهُمَا وَمَنْ جَعَلَ ذلك دَأْبَهُ وَجَدَهَا مَمْلُوءَةً وَوَرَدَ الْبَحْرَ الذي لَا يَنْزِفُ وَكُلَّمَا ظَفِرَ بِأَيَّةٍ طَلَبَ ما هو أَعْلَى منها وَاسْتَمَدَّ من الْوَهَّابِ
  275. وَمِنْ فِقْهِ الْفِقْهِ قَوْلُهُمْ في حديث مَيْمُونَةَ هَلَّا أَخَذْتُمْ إهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ إنَّ فيه احْتِيَاطًا لِلْمَالِ وَإِنَّهُ مَهْمَا أَمْكَنَ أَنْ لَا يُضَيَّعَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُضَيَّعَ وَالْفَقِيهُ أَعْلَى يَأْخُذُ من هذا ما هو أَعْلَى منه وهو أَنَّ الْجَالِسَ على الْحَاجَةِ أو الْمُسْتَرِيحَ على الْقَارِعَةِ تَحْتَ ظِلِّ شَجَرَةٍ إذَا بَاحَثَ نَفْسَهُ قال لها هَلَّا حَصَّلْت ثَوَابًا وَعَمَلًا صَالِحًا فإذا قال له الْوَسْوَاسُ أنت على الْخَلَاءِ وما عَسَاك تُحَصِّلُ من الطَّاعَةِ وَأَنْتَ بِمَكَانٍ تَنَزَّهَ عنه ذِكْرُ اللَّهِ يقول إنَّمَا مُنِعْنَا ذِكْرَ اللَّهِ بِالْأَلْسُنِ فَهَلَّا اسْتَحْضَرْتَ ذِكْرَ الْمُنْعِمِ بِدَفْعِ هذا الْأَذَى عَنَّا وَتَهَيُّؤِ الْقُوَّةِ الدَّافِعَةِ حتى لَا يَخْلُو تَحْصِيلُ الطَّاعَةِ من الْمَحَالِّ الْقَذِرَةِ كما أَنَّ الشَّارِعَ لم يَغْفُلْ عن فَتْحِ تَحْصِيلِ الْمَالِ من الْمُقَذَّرَاتِ وَالْمَيْتَاتِ بِمُعَالَجَةِ الدِّبَاغِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ على عَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا فَإِنَّكُمْ إذَا فَعَلْتُمْ ذلك قَطَعْتُمْ أَرْحَامَهُنَّ فَيَتَعَدَّى اسْتِنْبَاطُهُ إلَى تَحْرِيمِ كل ما يُوقِعُ الْقَطِيعَةَ وَالْوَحْشَةَ بين الْمُسْلِمِينَ وَإِفْسَادَ ما بَيْنَهُمْ حتى السَّعْيَ على بَعْضِهِمْ في مَنَاصِبِ بَعْضٍ وَوَظِيفَتِهِ من غَيْرِ مُوجِبٍ شَرْعِيٍّ وَقِسْ على ذلك وَأَمْثَالِهِ تَغْنَمُ بِتَحْصِيلِ الْفَوَائِدِ وَتَثْمِيرِ الْأَعْمَالِ مَسْأَلَةٌ ادَّعَى الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ على أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ غَلَبَ على ظَنِّهِ حُكْمٌ كان ذلك حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى في حَقِّهِ وَحَقِّ من قَلَّدَهُ حتى لو اعْتَقَدَ خِلَافَ الْإِجْمَاعِ لِدَلِيلٍ كان حُكْمَ اللَّهِ في حَقِّهِ إلَى أَنْ يَطَّلِعَ على مُخَالَفَتِهِ الْإِجْمَاعَ وفي ذلك نَظَرٌ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ رضي اللَّهُ عنه قال في سِيَرِ الْوَاقِدِيِّ وهو من كُتُبِ الْأُمِّ من أَوَاخِرِهَا فإذا قَدِمَ الْمُرْتَدُّ لِيُقْتَلَ فَشَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَقَتَلَهُ بَعْضُ الْوُلَاةِ فَاَلَّذِينَ لَا يَرَوْنَ أَنْ يُسْتَتَابَ الْمُرْتَدُّ فَعَلَى قَاتِلِهِ الْكَفَّارَةُ وَالدِّيَةُ وَلَوْلَا الشُّبْهَةُ لَكَانَ عليه الْقَوَدُ وَحَكَى الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ في كِتَابِ الْحَجِّ في بَابِ الْإِحْصَارِ من تَعْلِيقِهِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ قال في كِتَابِ الْمَنَاسِكِ الْكَبِيرِ لو كان يَذْهَبُ أَيْ الْمُحْرِمُ إلَى أَنَّ الْمَرِيضَ يَحِلُّ إذَا بَعَثَ الْهَدْيَ بِمِنًى فَبَعَثَ الْهَدْيَ فَنَحَرَ هُنَاكَ أو ذَبَحَ لم يَحِلَّ وكان على إحْرَامِهِ وإذا رَجَعَ إلَى مَكَّةَ كان حَرَامًا كما كان قال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ رَحِمَهُ اللَّهُ
  276. وَهَذَا يَدُلُّ من الشَّافِعِيِّ على أَنَّ من اعْتَقَدَ مَذْهَبًا وَعَمِلَ بِهِ لم يَحْكُمْ بِصِحَّةِ فِعْلِهِ عِنْدَهُ لِأَنَّ هذا اعْتَقَدَ جَوَازَ التَّحَلُّلِ وَتَحَلَّلَ ولم يَجْعَلْهُ حَلَالًا بِذَلِكَ ولم نُصَحِّحْهُ في حَقِّهِ وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ عن الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وَأَقَرَّهُ وقال الْأَصْحَابُ في بَابِ الزِّنَا في الشُّبْهَةِ كُلُّ جِهَةٍ صَحَّحَهَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَبَاحَ الْوَطْءَ بها لَا حَدَّ فيها على الْمَذْهَبِ وَإِنْ كان الْوَاطِئُ يَعْتَقِدُ التَّحْرِيمَ وَقِيلَ يَجِبُ على من يَعْتَقِدُ حُرْمَتَهُ دُونَ غَيْرِهِ مَسْأَلَةٌ نَصَّ الشَّافِعِيُّ رضي اللَّهُ عنه على أَنَّ الْعَالِمَ لَا يقول في مَسْأَلَةٍ لَا أَعْلَمُ حتى يُجْهِدَ نَفْسَهُ في النَّظَرِ فيها ثُمَّ يَقِفُ كما أَنَّهُ لَا يقول أَعْلَمُ وَيَذْكُرُ ما عَلِمَهُ حتى يُجْهِدَ نَفْسَهُ وَيَعْلَمَ نَقَلَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْعَالِمَ ليس كَالْعَامِّيِّ فَقَوْلُهُ لَا أَعْلَمُ يُهَوِّنُ أَمْرَ الْمَسْأَلَةِ وَيُطْمِعُ السَّائِلَ في الْإِقْدَامِ مع أنها قد تَكُونُ مَنْصُوصَةَ الْحُكْمِ وَأَيْضًا فَالْعَالِمُ مَأْمُورٌ بِالنَّظَرِ لِيَتَعَلَّمَ وَيَعْلَمَ فَلَيْسَ قَوْلُهُ لَا أَعْلَمُ من الدِّينِ في شَيْءٍ حتى يَقِفَ عِنْدَ مُقْتَضَيَاتِ الْعِلْمِ بَعْدَ سَبْرِهَا وَلَا شَكَّ أَنَّ هذا مَحْمُولٌ على من يُطْلِقُ لَا أَعْلَمُ إطْلَاقًا أَمَّا من يُقَيِّدُ كَلَامَهُ بِمَا يَعْرِفُ فيه الْمَعْنَى فَلَا يَمْنَعُ مَسْأَلَةٌ هل على الْمُجْتَهِدِ بَيَانُ الدَّلِيلِ الذي دَلَّ عِلْمُهُ على الْمَسْأَلَةِ يُتَّجَهُ فيه تَخْرِيجُ خِلَافٍ من الْمُفْتِي هل يَجِبُ عليه كما سَنَذْكُرُهُ في بَابِ الْفَتْوَى أو لَا يَجِبُ الشَّاهِدُ هل يَجِبُ عليه بَيَانُ مُسْتَنَدِهِ من مُشَاهَدَةٍ أو اسْتِفَاضَةٍ أو لَا يَجِبُ بِنَاءً على أَنَّهُ لم يَأْتِ بها إلَّا على اعْتِقَادِ صِحَّةِ وُقُوعِهَا وَالْمَشْهُورُ الثَّانِي نعم قال الرَّافِعِيُّ في بَابِ الشَّهَادَةِ على الشَّهَادَةِ يُبَيِّنُ الْفَرْعَ في الْأَدَاءِ جِهَةُ التَّحَمُّلِ من اسْتِدْعَاءٍ أو أَدَاءً أو بَيَانِ سَبَبٍ قال الْإِمَامُ لِأَنَّ الْغَالِبَ الْجَهْلُ بِطَرِيقِهِ فَإِنْ كان يَعْلَمُ وَوَثِقَ بِهِ الْقَاضِي جَازَ تَرْكُهُ مَسْأَلَةٌ إذَا وَجَدْنَا عن مُجْتَهِدٍ حُكْمًا وَظَفِرْنَا له بِدَلِيلٍ مُنَاسِبٍ وَفَقَدْنَا غَيْرَهُ فَهَلْ يَجُوزُ لنا جَعْلُهُ مُعْتَمَدًا لِهَذَا الْمُجْتَهِدِ جَزَمَ بِهِ الْقَرَافِيُّ في الْقَوَاعِدِ قال وَلِهَذَا أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ على أَنَّا إذَا رَأَيْنَا في كَلَامِ الشَّارِعِ حُكْمًا وَظَفِرْنَا له بِمُنَاسَبَةٍ جَزَمْنَا بِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهَا مع تَجْوِيزِ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ عَقْلًا لَكِنَّ الِاسْتِقْرَاءَ دَلَّ عليه
  277. مَسْأَلَةٌ يَجِبُ على الْمُجْتَهِدِ أَنْ يَقْصِدَ بِاجْتِهَادِهِ طَلَبَ الْحَقِّ عِنْدَ اللَّهِ وَإِصَابَةَ الْعَيْنِ التي يَجْتَهِدُ فيها قال الْمَاوَرْدِيُّ هذا هو الظَّاهِرُ من مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ قال وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ من مَذْهَبِ الْمُزَنِيّ أَنَّ عليه أَنْ يَقْصِدَ بِاجْتِهَادِهِ طَلَبَ الْحَقِّ عِنْدَ نَفْسِهِ لِأَنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ لَا يُعْلَمُ إلَّا بِالنَّصِّ وَعَلَى كِلَا الْمَذْهَبَيْنِ عليه أَنْ يَتَوَصَّلَ بِاجْتِهَادِهِ إلَى طَلَبِ الْحَقِّ وَإِصَابَةِ الْعَيْنِ فَيَجْمَعُ بين هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ وقال بَعْضُ الْعِرَاقِيِّينَ من الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ عليه الِاجْتِهَادُ وَلْيَعْمَلْ بِمَا يُؤَدِّيهِ اجْتِهَادُهُ إلَيْهِ فَيَجْعَلُونَ عليه الِاجْتِهَادَ وَلَا يَجْعَلُونَ عليه طَلَبَ الْحَقِّ بِالِاجْتِهَادِ وَنُسِبَ إلَى أبي يُوسُفَ وَاخْتُلِفَ عن أبي حَنِيفَةَ فَقِيلَ في بَعْضِ الْأَحْكَامِ عليه طَلَبُ الْحَقِّ بِالِاجْتِهَادِ كَقَوْلِنَا وفي بَعْضِهَا يَعْمَلُ بِمَا يُؤَدِّيهِ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ كَأَبِي يُوسُفَ وقد اخْتَلَطَتْ مَذَاهِبُ الناس في هذا حتى الْتَبَسَتْ وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ عليه طَلَبَ الِاجْتِهَادِ لَا طَلَبَ الْحَقِّ بِأَنَّ ما أَخْفَاهُ اللَّهُ لَا طَرِيقَ لنا إلَى إظْهَارِهِ وفي إلْزَامِهِ تَكْلِيفُ ما لَا يُطَاقُ وهو غَلَطٌ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ نَوْعٌ من الِاسْتِدْلَالِ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ في بَابِ الِاجْتِهَادِ في الْقِبْلَةِ عن الصَّيْدَلَانِيِّ قَوْلَيْنِ أَنَّهُ هل الْمُكَلَّفُ بِهِ الِاجْتِهَادُ لَا غَيْرُ أو كُلِّفَ التَّوَجُّهَ لِلْقِبْلَةِ وَفَائِدَتُهُمَا فِيمَا لو اجْتَهَدَ ثُمَّ تَيَقَّنَ الْخَطَأَ هل يَجِبُ الْقَضَاءُ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَجِبُ وَعَلَى الثَّانِي يَجِبُ وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في النِّهَايَةِ هُنَاكَ هذا الْخِلَافَ أَيْضًا وقال إنَّهُ يَجْرِي في كل مُجْتَهَدٍ فيه فَفِي قَوْلٍ يُكَلَّفُ إصَابَةَ الْمَطْلُوبِ وفي قَوْلٍ يُكَلَّفُ بَذْلَ الْمَجْهُودِ في الِاجْتِهَادِ في حُكْمِ الِاجْتِهَادِ لَا يَخْلُو حَالُ الْمُجْتَهِدِ فيه إمَّا أَنْ تَتَّفِقَ عليه أَقْوَالُ الْمُجْتَهِدِينَ أو تَخْتَلِفَ فَإِنْ اتَّفَقَتْ فَهُوَ إجْمَاعٌ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَقْوَالُهُمْ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ في حُكْمٍ عَقْلِيٍّ أو شَرْعِيٍّ الْأَوَّلُ الْعَقْلِيُّ فَإِنْ كان الْغَلَطُ مِمَّا يَمْنَعُ مَعْرِفَةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَرَسُولَهُ كما في إثْبَاتِ الْعِلْمِ بِالصَّانِعِ وَالْوَحْدَانِيَّةِ وما يَتَعَلَّقُ بِالْعَدْلِ وَالتَّوْحِيدِ فَالْحَقُّ فيها وَاحِدٌ هو الْمُكَلَّفُ وما عَدَاهُ بَاطِلٌ فَمَنْ أَصَابَهُ أَصَابَ الْحَقَّ وَمَنْ أَخْطَأَهُ فَهُوَ كَافِرٌ وَإِنْ كان في غَيْرِ ذلك كما في مَسْأَلَةِ الرُّؤْيَةِ وَخَلْقِ الْقُرْآنِ وَكَمَا في وُجُوبِ مُتَابَعَةِ الْإِجْمَاعِ وَالْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَقَدْ أَطْلَقَ الشَّافِعِيُّ عليه اسْمَ الْكُفْرِ فَمِنْ أَصْحَابِهِ من أَجْرَاهُ على ظَاهِرِهِ وَمِنْهُمْ من أَوَّلَهُ على كُفْرَانِ النِّعَمِ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ
  278. وَغَيْرُهُ وَلَا شَكَّ في أَنَّهُ مُبْتَدِعٌ فَاسِقٌ لِعُدُولِهِ عن الْحَقِّ هذا كُلُّهُ إذَا كانت الْمَسْأَلَةُ دِينِيَّةً أَمَّا ما ليس كَذَلِكَ كما في وُجُوبِ تَرْكِيبِ الْأَجْسَامِ من ثَمَانِيَةِ أَجْزَاءٍ وَانْحِصَارِ اللَّفْظِ في الْمُفْرَدِ وَالْمُؤَلَّفِ فَلَا الْمُخْطِئُ فيه آثِمٌ وَلَا الْمُصِيبُ مَأْجُورٌ إذْ يَجْرِي مِثْلُ هذا مَجْرَى الْخَطَأِ في أَنَّ مَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ أَكْبَرَ من الْمَدِينَةِ أو أَصْغَرَ وقال عُبَيْدُ اللَّهِ بن الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيُّ قَاضِي الْبَصْرَةِ كُلُّ مُجْتَهِدٍ في الْأُصُولِ مُصِيبٌ وَنُقِلَ مِثْلُهُ عن الْجَاحِظِ وَيَلْزَمُ من مَذْهَبِ الْعَنْبَرِيِّ أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدٌ من الْمُخَالِفِينَ في الدِّينِ مُخْطِئًا وَأَمَّا الْجَاحِظُ فَجَعَلَ الْحَقَّ في هذه الْمَسَائِلِ وَاحِدًا وَلَكِنَّهُ يَجْعَلُ الْمُخْطِئَ في جَمِيعِهَا غير آثِمٍ أَمَّا رَأْيُ الْعَنْبَرِيِّ فَبَيَّنَ الِاسْتِحَالَةَ فإنه يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ أَنَّ الْعَالَمَ قَدِيمٌ وَأَنَّهُ مُحْدَثٌ وَأَمَّا رَأْيُ الْجَاحِظِ فَبَاطِلٌ فإن النبي عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَاتَلَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ وَلَوْلَا أَنَّهُمْ مُخْطِئُونَ لَمَا كان كَذَلِكَ قال ابن السَّمْعَانِيِّ وكان ابن الْعَنْبَرِيِّ يقول في مُثْبِتِي الْقَدَرِ هَؤُلَاءِ عَظَّمُوا اللَّهَ وفي نَافِي الْقَدَرِ هَؤُلَاءِ نَزَّهُوا اللَّهَ وقد اُسْتُبْشِعَ هذا الْقَوْلُ منه فإنه يَقْتَضِي تَصْوِيبَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَسَائِرِ الْكُفَّارِ في اجْتِهَادِهِمْ قال وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أُصُولَ الدِّيَانَاتِ التي اخْتَلَفَ فيها أَهْلُ الْقِبْلَةِ كَالرُّؤْيَةِ وَخَلْقِ الْأَفْعَالِ وَنَحْوِهِ وَأَمَّا ما اخْتَلَفَ فيه الْمُسْلِمُونَ وَغَيْرُهُمْ من أَهْلِ الْمِلَلِ كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس فَهَذَا مِمَّا يُقْطَعُ فيه بِقَوْلِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ قُلْت وَهَذَا أَحَدُ الْمَنْقُولَاتِ عنه قال الْقَاضِي في مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عن الْعَنْبَرِيِّ فقال في أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ إنَّمَا أُصَوِّبُ كُلَّ مُجْتَهِدٍ في الدِّينِ تَجْمَعُهُمْ الْمِلَّةُ وَأَمَّا الْكَفَرَةُ فَلَا يُصَوِّبُونَ وَغَلَا بَعْضُ الرُّوَاةِ عنه فَصَوَّبَ الْكَافِرِينَ الْمُجْتَهِدِينَ دُونَ الرَّاكِنِينَ إلَى الْبِدْعَةِ وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ مَعَهُمَا مُخْتَصَرًا فَنَقُولُ أَنْتُمَا أَوَّلًا مَحْجُوجَانِ بِالْإِجْمَاعِ قَبْلَكُمَا وَبَعْدَكُمَا وثانيا إذَا أَرَدْتُمَا بِذَلِكَ مُطَابَقَةَ الِاعْتِقَادِ لِلْمُعْتَقِدِ فَقَدْ خَرَجْتُمَا عن حَيِّزِ الْعُقَلَاءِ وَانْخَرَطْتُمَا في سِلْكِ الْأَنْعَامِ وَإِنْ أَرَدْتُمَا الْخُرُوجَ عن عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ وَنَفْيِ الْحَرَجِ كما نُقِلَ عن الْجَاحِظِ فَالْبَرَاهِينُ الْعَقْلِيَّةُ من الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ الْخَارِجَةِ عن حَدِّ الْحَصْرِ تَرُدُّ هذه الْمَقَالَةَ وَأَمَّا تَخْصِيصُ التَّصْوِيبِ بِالْمُجْمِعِينَ على الْمِلَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ فَنَقُولُ مِمَّا خَاضَ فيه الْمُسْلِمُونَ الْقَوْلَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَغَيْرَ ذلك مِمَّا يَعْظُمُ خَطَرُهُ وَأَجْمَعُوا قبل الْعَنْبَرِيِّ على أَنَّهُ يَجِبُ على الْمَرْءِ إدْرَاكُ بُطْلَانِهِ
  279. وقال الْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ لَعَلَّهُ أَرَادَ خَلْقَ الْأَفْعَالِ وَخَلْقَ الْقُرْآنِ إذْ الْمُسْلِمُ لَا يُكَلَّفُ الْخَوْضَ فيه بِخِلَافِ قِدَمِ الْعَالَمِ وَنَفْيِ النُّبُوَّاتِ وهو مع هذا فَاسِدٌ فإن اعْتِقَادَ الْإِصَابَةِ الْمُحَقَّقَةِ على هذا مُحَالٌ وقال إلْكِيَا ذَهَبَ الْعَنْبَرِيُّ إلَى أَنَّ الْمُصِيبَ في الْعَقْلِيَّاتِ وَاحِدٌ وَلَكِنْ ما يَتَعَلَّقُ بِتَصْدِيقِ الرُّسُلِ وَإِثْبَاتِ حُدُوثِ الْعَالَمِ وَإِثْبَاتِ الصَّانِعِ فَالْمُخْطِئُ فيه غَيْرُ مَعْذُورٌ وَأَمَّا ما يَتَعَلَّقُ بِالْقَدَرِ وَالْجَبْرِ وَإِثْبَاتِ الْجِهَةِ وَنَفْيِهَا فَالْمُخْطِئُ فيه غَيْرُ مَعْذُورٍ وَلَوْ كان مُبْطِلًا في اعْتِقَادِهِ بَعْدَ الْمُوَافَقَةِ بِتَصْدِيقِ الرُّسُلِ وَالْتِزَامِ الْمِلَّةِ وَبَيَّنَ ذلك على أَنَّ الْخَلْقَ ما كُلِّفُوا إلَّا اعْتِقَادَ تَعْظِيمِ اللَّهِ وَتَنْزِيهِهِ من وَجْهٍ وَلِذَلِكَ لم يَبْحَثْ الصَّحَابَةُ عن مَعْنَى الْأَلْفَاظِ الْمُوهِمَةِ لِلتَّشْبِيهِ عِلْمًا منهم بِأَنَّ اعْتِقَادَهَا لَا يَجُرُّ حَرَجًا وقال ابن بَرْهَانٍ لَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ مَعْذُورٌ في اجْتِهَادِهِ وَلَكِنْ عَبَّرَ عنه بِالْمُصِيبِ وَاَلَّذِي نَقَلَهُ الْإِمَامُ عنهما الْجَوَازُ في الْأُصُولِ مُطْلَقًا بِمَعْنَى حَطِّ الْإِثْمِ لَا بِمَعْنَى الْمُطَابَقَةِ لِلْحَقِّ في نَفْسِ الْأَمْرِ إذْ فيه الْجَمْعُ بين النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وهو مُحَالٌ وما ذَكَرَاهُ ليس بِمُحَالٍ عَقْلًا لَكِنَّهُ مُحَالٌ شَرْعًا لِلْإِجْمَاعِ على تَخْلِيدِ الْكُفَّارِ في النَّارِ وَلَوْ كَانُوا غير آثِمِينَ لَمَا سَاغَ ذلك وَأَمَّا ابن فُورَكٍ فَنُقِلَ عنه ذلك فِيمَا يُمْكِنُ فيه التَّأْوِيلُ نَحْوُ الْقَوْلِ بِالْقَدَرِ وَالْإِرْجَاءِ وقال الْقَاضِي عِيَاضٌ في الشِّفَاءِ ذَهَبَ الْعَنْبَرِيُّ إلَى تَصْوِيبِ أَقْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ في أُصُولِ الدِّينِ فِيمَا كان عُرْضَةً لِلتَّأْوِيلِ وَحَكَى الْقَاضِي ابن الْبَاقِلَّانِيِّ مثله عن دَاوُد بن عَلِيٍّ الْأَصْفَهَانِيِّ وَحَكَى قَوْمٌ عنهما أَنَّهُمَا قَالَا ذلك فِيمَنْ عَلِمَ اللَّهُ من حَالِهِ اسْتِفْرَاغَ الْوُسْعِ في طَلَبِ الْحَقِّ من أَهْلِ مِلَّتِنَا وَغَيْرِهِمْ وقال الْجَاحِظُ نحو هذا الْقَوْلِ وَتَمَامُهُ في أَنَّ كَثِيرًا من الْعَامَّةِ وَالنِّسَاءِ وَالْبُلْهِ مُقَلِّدَةِ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ لَا حُجَّةَ لِلَّهِ تَعَالَى عليهم إذْ لم يَكُنْ لهم طِبَاعٌ يُمْكِنُ مَعَهَا الِاسْتِدْلَال وقد نَحَا الْغَزَالِيُّ قَرِيبًا من هذا الْمَنْحَى في كِتَابِ التَّفْرِقَةِ بين الْإِسْلَامِ وَالزَّنْدَقَةِ وَقَائِلُ هذا كُلِّهِ كَافِرٌ بِالْإِجْمَاعِ على كُفْرِ من لم يُكَفِّرْ أَحَدًا من النَّصَارَى وَالْيَهُودِ وَكُلُّ من فَارَقَ دِينَ الْمُسْلِمِينَ وَوَقَفَ في تَكْفِيرِهِمْ أو شَكَّ لِقِيَامِ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ على كُفْرِهِمْ فَمَنْ وَقَفَ فيه فَقَدْ كَذَّبَ النَّصَّ انْتَهَى
  280. وما نَسَبَهُ لِلْغَزَالِيِّ غَلَطٌ عليه فَقَدْ صَرَّحَ بِفَسَادِ مَذْهَبِ الْعَنْبَرِيِّ كما سَبَقَ عنه وهو بَرِيءٌ من هذه الْمَقَالَةِ وَاَلَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ في كِتَابِ التَّفْرِقَةِ هو قَوْلُهُ إنَّ من لم تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ من نَصَارَى الرُّومِ أو التُّرْكِ أَنَّهُمْ مَعْذُورُونَ وَلَيْسَ فيه تَصْوِيبُهُمْ وَالْكَلَامُ إنَّمَا هو فِيمَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ وَعَانَدَ وَإِنَّمَا نَبَّهْت على هذا لِئَلَّا يَغْتَرَّ بِهِ الْوَاقِفُ عليه وقال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ ما نُقِلَ عن الْعَنْبَرِيِّ وَالْجَاحِظِ إنْ أَرَادَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ من الْمُجْتَهِدِينَ مُصِيبٌ لَا في نَفْسِ الْأَمْرِ فَهُوَ بَاطِلٌ قَطْعًا لِأَنَّ الْحَقَّ مُتَعَيَّنٌ في نَفْسِ الْأَمْرِ في جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَالْمُتَفَاضِلَانِ لَا يَكُونَانِ حَقَّيْنِ في نَفْسِ الْأَمْرِ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّ من بَذَلَ الْوُسْعَ ولم يُقَصِّرْ في الْأُصُولِيَّاتِ أَنَّهُ يَكُونُ مَعْذُورًا غير مُعَاقَبٍ فَهَذَا أَقْرَبُ وَجْهًا لِكَوْنِهِ نَظَرِيًّا وَلِأَنَّهُ قد يُعْقَدُ فيه أَنَّهُ لو عُوقِبَ وَكُلِّفَ بَعْدَ اسْتِفْرَاغِهِ غَايَةَ الْجَهْدِ لَزِمَ تَكْلِيفُهُ لِمَا لَا يُطَاقَ وقال في شَرْحِ الْإِلْمَامِ يُمْكِنُ أَنْ يُجِيبَ الْعَنْبَرِيُّ عَمَّا رُدَّ بِهِ عليه من تَبْيِيتِ الْمُشْتَرَكِينَ وَاغْتِرَارِهِمْ وَعَدَمِ الْمَعْرِفَةِ بِالْفَرْقِ بين الْمُعَانِدِ وَغَيْرِهِ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ الْمُكَلَّفُ منه مع إمْكَانِ النَّظَرِ بين مُعَانِدٍ وَمُقَصِّرٍ وأنا أَقُولُ بِهَلَاكِ كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا هذا إنْ كان ما قَالَا بِنَاءً على ما ذَكَرْنَاهُ وَأَمَّا الذي حُكِيَ عنه من الْإِصَابَةِ في الْعَقَائِدِ الْقَطْعِيَّةِ فَبَاطِلٌ قَطْعًا وَلَعَلَّهُ لَا يَقُولُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَمَّا الْمُخْطِئُ في الْأُصُولِ وَالْمُجَسِّمَةِ فَلَا شَكَّ في تَأْثِيمِهِ وَتَفْسِيقِهِ وَتَضْلِيلِهِ وَاخْتُلِفَ في تَكْفِيرِهِ وَلِلْأَشْعَرِيِّ قَوْلَانِ قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وابن الْقُشَيْرِيّ وَغَيْرُهُمَا وَأَظْهَرُ مَذْهَبَيْهِ تَرْكُ التَّكْفِيرِ وهو اخْتِيَارُ الْقَاضِي في كِتَابِ إكْفَارِ الْمُتَأَوِّلِينَ وقال ابن عبد السَّلَامِ رَجَعَ الْأَشْعَرِيُّ عِنْد مَوْتِهِ عن تَكْفِيرِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ لِأَنَّ الْجَهْلَ بِالصِّفَاتِ ليس جَهْلًا بِالْمَوْصُوفَاتِ وقال اخْطَفْنَا في عِبَارَةٍ وَالْمُشَارُ إلَيْهِ وَاحِدٌ وَالْخِلَافُ فيه وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا كما قَالَهُ ابن الْقُشَيْرِيّ وكان الْإِمَامُ أبو سَهْلٍ الصُّعْلُوكِيُّ لَا يُكَفِّرُ قِيلَ له أَلَا تُكَفِّرُ من يُكَفِّرُك فَعَادَ إلَى الْقَوْلِ بِالتَّكْفِيرِ وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ فَهُمْ يُكَفِّرُونَ خُصُومَهُمْ وَيُكَفِّرُ كُلُّ فَرِيقٍ منهم الْآخَرَ قال الْإِمَامُ وَمُعْظَمُ الْأَصْحَابِ على تَرْكِ التَّكْفِيرِ وَقَالُوا إنَّمَا نُكَفِّرُ من جَهِلَ وُجُودَ الرَّبِّ أو عَلِمَ وُجُودَهُ وَلَكِنْ فَعَلَ فِعْلًا أو قال قَوْلًا أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ على أَنَّهُ لَا يَصْدُرُ ذلك إلَّا عن كَافِرٍ وَمَنْ قال بِتَكْفِيرِ الْمُتَأَوِّلِينَ يَلْزَمُهُ أَنْ يُكَفِّرَ أَصْحَابَهُ في نَفْيِ الْبَقَاءِ أَيْضًا كما يُكَفَّرُ في نَفْيِ الْعِلْمِ وَغَيْرِهِ من الْمَسَائِلِ الْمُخْتَلَفِ فيها قُلْت وقد أَطْلَقَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَكْفِيرَ الْقَائِلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ لَكِنَّ جُمْهُورَ أَصْحَابِهِ تَأَوَّلُوهُ على كُفْرَانِ النِّعْمَةِ كما قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ
  281. الثَّانِي ما يَتَعَلَّقُ بِالْمَسَائِلِ الْأُصُولِيَّةِ كَكَوْنِ الْإِجْمَاعِ حُجَّةً وَكَوْنِ الْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ حُجَّةً وَكَالْخِلَافِ في اشْتِرَاطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ في الْإِجْمَاعِ وفي الْحَاصِلِ عن اجْتِهَادٍ وَمِنْهُ اعْتِقَادُ كَوْنِ الْمُصِيبِ وَاحِدًا في الظَّنِّيَّاتِ قال الْغَزَالِيُّ فَهَذِهِ الْمَسَائِلُ وَأَدِلَّتُهَا قَطْعِيَّةٌ وَالْمُخَالِفُ فيها آثِمٌ مُخْطِئٌ وقال أبو الْحُسَيْنِ في شَرْحِ الْعُمَدِ لَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ في أُصُولِ الْفِقْهِ وَلَا يَكُونُ كُلُّ مُجْتَهِدٌ مُصِيبًا بَلْ الْمُصِيبُ وَاحِدٌ بِخِلَافِ الْفِقْهِ في الْأَمْرَيْنِ قال وَالْمُخْطِئُ في أُصُولِ الْفِقْهِ يَلْحَقُ بِأُصُولِ الدِّينِ كَذَا قال ولم يَحْكِ فيه خِلَافًا قال الْقَرَافِيُّ وقد خَالَفَ جَمَاعَةٌ من الْأَئِمَّةِ في مَسَائِلَ ضَعِيفَةِ الْمَدَارِكِ كَالْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ وَالْإِجْمَاعِ على الْحُرُوبِ وَنَحْوِهِمَا فَلَا يَنْبَغِي تَأْثِيمُهُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ قَطْعِيَّةً كما أَنَّا في أُصُولِ الدِّينِ لَا نُؤَثِّمُ من يقول الْعَرْضُ يَبْقَى زَمَانَيْنِ أو بِنَفْيِ الْخَلَا وَإِثْبَاتِ الْمَلَا وَغَيْرِ ذلك الثَّالِثُ ما يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفِقْهِيَّةِ فقال الْأَصَمُّ وَبِشْرٌ الْمَرِيسِيِّ إنَّ الْحَقَّ فيها وَاحِدٌ وَأَنَّ أَدِلَّتَهَا قَاطِعَةٌ فَلِذَلِكَ من تَعَدَّى الْحَقَّ فيها فَهُوَ مُخْطِئٌ وَآثِمٌ فَكَيْفَ بِمَسَائِلِ الْعَقَائِدِ وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ هذا الْمَذْهَبُ إذَا لم يَكُنْ الْقِيَاسُ حُجَّةً وَكَذَلِكَ خَبَرُ الْوَاحِدِ وَالْعُمُومَاتُ كُلُّهَا فَالْحُجَجُ الْمُثْبِتَةُ لِكَوْنِ هذه حُجَّةً يَلْزَمُهَا بُطْلَانُ هذا الْمَذْهَبِ وَأَمَّا جُمْهُورُ الْأُمَّةِ فَقَدْ قالوا إنَّ هذه الْمَسَائِلَ منها ما لَا يَسُوغُ فيه الِاجْتِهَادُ وَمِنْهَا ما ليس كَذَلِكَ وَاَلَّتِي لَا يَسُوغُ فيها الِاجْتِهَادُ وَهِيَ التي أَدِلَّتُهَا قَاطِعَةٌ فيها فَإِنَّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنها من دِينِ النبي عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَوُجُوبِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ وَتَحْرِيمِ الزِّنَى وَالْخَمْرِ وَالْمُخْطِئُ في هذا كَافِرٌ لِتَكْذِيبِهِ اللَّهَ تَعَالَى وَرَسُولَهُ وَمِنْهَا ما ليس كَذَلِكَ كَجَوَازِ بَيْعِ الْحَصَا وَتَحْرِيمِ الْخِنْزِيرِ وَالْمُخْطِئُ في هذه آثِمٌ غَيْرُ كَافِرٍ وَأَمَّا التي يَسُوغُ فيها الِاجْتِهَادُ فَهِيَ الْمُخْتَلَفُ فيها كَوُجُوبِ الزَّكَاةِ في مَالِ الصَّبِيِّ وَنَفْيِ وُجُوبِ الْوِتْرِ وَغَيْرِهِ مِمَّا عُدِمَتْ فيها النُّصُوصُ في الْفُرُوعِ وَغَمُضَتْ فيها الْأَدِلَّةُ وَيُرْجَعُ فيها إلَى الِاجْتِهَادِ فَلَيْسَ بِآثِمٍ قال ابن السَّمْعَانِيِّ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ عِوَضِهَا امْتِحَانًا من اللَّهِ لِعِبَادِهِ لِيَتَفَاضَلَ بَيْنَهُمْ في دَرَجَاتِ الْعِلْمِ وَمَرَاتِبِ الْكَرَامَةِ كما قال تَعَالَى يَرْفَعُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَاَلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَفَوْقَ كل ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ
  282. وَعَلَى هذا يَتَأَوَّلُ ما وَرَدَ في بَعْضِ الْأَخْبَارِ اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ فَعَلَى هذا النَّوْعِ يُحْمَلُ هذا لِلَّفْظِ دُونَ النَّوْعِ الْآخَرِ فَيَكُونُ اللَّفْظُ عَامًّا وَالْمُرَادُ خَاصًّا وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ في حُكْمِ أَقْوَالِ الْمُجْتَهِدِينَ هل كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ أو الْمُصِيبُ وَاحِدٌ وَاخْتَلَفَ النَّقْلُ في ذلك وَنَحْنُ نَذْكُرُ ما وَقَفْنَا عليه من كَلَامِهِمْ فَنَقُولُ قال الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ في كِتَابِ الْقَضَاءِ ذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إلَى أَنَّ الْحَقَّ في جَمِيعِهَا وَأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ وَمُصِيبٌ في الْحُكْمِ لِأَنَّ جَوَازَ الْجَمِيعِ دَلِيلٌ على صِحَّةِ الْجَمِيعِ قال الْمَاوَرْدِيُّ وهو قَوْلُ أبي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَقَالَتْ الْأَشْعَرِيَّةُ بِخُرَاسَانَ لَا يَصِحُّ هذا الْمَذْهَبُ عن أبي الْحَسَنِ قال وَالْمَشْهُورُ عنه عِنْدَ أَهْلِ الْعِرَاقِ ما ذَكَرْنَاهُ وَأَنَّ من أَدَّى اجْتِهَادَهُ إلَى حُكْمٍ يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِهِ وَلَا تَحِلُّ له مُخَالَفَتُهُ فَدَلَّ على أَنَّهُ الْحَقُّ وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وأبو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ إلَى أَنَّ الْحَقَّ في أَحَدِهِمَا وَإِنْ لم يَتَعَيَّنْ لنا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ مُتَعَيَّنٌ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ في الزَّمَانِ الْوَاحِدِ في الشَّخْصِ الْوَاحِدِ حَلَالًا حَرَامًا وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ تَنَاظَرُوا في الْمَسَائِلِ وَاحْتَجَّ كُلُّ وَاحِدٍ على قَوْلِهِ وَخَطَّأَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَطْلُبُ إصَابَةَ الْحَقِّ ثُمَّ اخْتَلَفُوا هل كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ أَمْ لَا فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُصِيبَ منهم وَاحِدٌ وَإِنْ لم يَتَعَيَّنْ وَأَنَّ جَمِيعَهُمْ مُخْطِئٌ إلَّا ذلك الْوَاحِدُ وَبِهِ قال مَالِكٌ وَغَيْرُهُ وقال أبو يُوسُفَ وَغَيْرُهُ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَإِنْ كان الْحَقُّ في وَاحِدٍ فَمَنْ أَصَابَهُ فَقَدْ أَصَابَ الْحَقَّ وَمَنْ أَخْطَأَهُ فَقَدْ أَخْطَأَهُ وَنَسَبَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ إلَى الشَّافِعِيِّ تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ وَأَدَّى ما كُلِّفَ فَظَنَّ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ أَصَابَ وَغَلَّطُوهُ فيه وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ في مَعْنَى من أَدَّى ما كُلِّفَ بِهِ أَنَّهُ لَا يَأْثَمُ انْتَهَى وقال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ الْحَقُّ من قَوْلِ الْمُجْتَهِدِينَ وَاحِدٌ وَالْآخَرُ بَاطِلٌ وَإِنْ اخْتَلَفُوا على ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ فَأَكْثَرَ قال أبو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ في الشَّرْحِ في
  283. أَدَبِ الْقَضَاءِ هذا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ في الْجَدِيدِ وَالْقَدِيمِ لَا أَعْلَمُ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ في ذلك وقد نَصَّ عليه في مَوَاضِعَ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا من الصَّحَابَةِ اخْتَلَفَ في ذلك على مَذْهَبِهِ وَإِنَّمَا نَسَبَ قَوْمٌ من الْمُتَأَخِّرِينَ مِمَّنْ لَا مَعْرِفَةَ لهم بِمَذْهَبِهِ إلَيْهِ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَادُّعُوا ذلك عليه وَتَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ في الْمُجْتَهِدِ أَدَّى ما كُلِّفَ فَقَالُوا الْمُؤَدِّي ما كُلِّفَ مُصِيبٌ قال أبو إِسْحَاقَ وَإِنَّمَا قَصَدَ الشَّافِعِيُّ بِذَلِكَ رَفْعَ الْإِثْمِ عنه لِأَنَّهُ لو قَصَدَ خِلَافَ الْحَقِّ لَأَثِمَ وإذا خَالَفَ من غَيْرِ قَصْدٍ لم يَكُنْ آثِمًا وكان بِمَنْزِلَةِ الْمُؤَدِّي ما كُلِّفَ قال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَدَّى ما كُلِّفَ عِنْدَ نَفْسِهِ فإنه يَعْتَقِدُ وَضْعَ الدَّلِيلِ في حَقِّهِ وَسَلَكَ ما وَجَبَ من طَرِيقِهِ قال أبو إِسْحَاقَ وَكُلُّ مَوْضِعٍ رَأَيْت فيه من كَلَامِ الشَّافِعِيِّ هذه الْأَلْفَاظَ فَاقْرَأْ الْبَابَ فَإِنَّك تَجِدُ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ نَصًّا على أَنَّ الْحَقَّ في وَاحِدٍ وَأَنَّ ما عَدَاهُ خَطَأٌ ثُمَّ غَلَّطَ أبو إِسْحَاقَ الْقَوْلَ على من نَسَبَ إلَى الشَّافِعِيِّ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ قال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وَيَدُلُّ على أَنَّ هذا مَذْهَبُهُ إذَا اجْتَهَدَ اثْنَانِ في الْقِبْلَةِ فَأَدَّى اجْتِهَادُهُمَا إلَى جِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ فَتَوَجَّهَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى جِهَتِهِ وَلَوْ ائْتَمَّ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ لم تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَهَذَا يَدُلُّ على أَنَّ الْإِمَامَ مُخْطِئٌ عِنْدَهُ وَكَذَلِكَ من صَلَى خَلَفَ من لَا يَقْرَأُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَلَهُ نَظَائِرُ وَحُكِيَ عن أبي إِسْحَاقَ أَنَّهُ قال وَيُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ الْمَسْأَلَةُ على قَوْلَيْنِ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ ذَكَرَ قَوْلَيْنِ فِيمَنْ أَخْطَأَ الْقِبْلَةَ بِيَقِينٍ هل تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ أَمْ لَا وَالْأَصَحُّ عليه الْإِعَادَةُ وَمَنْ يقول كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ يقول لَا إعَادَةَ عليه وَكَذَلِكَ قال لو دَفَعَ الزَّكَاةَ إلَى من ظَاهِرُهُ الْفَقْرُ فَبَانَ غَنِيًّا تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ قَوْلَانِ قال الْقَاضِي وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ اخْتِيَارُ أبي حَامِدٍ وهو الذي حَكَاهَا عن أبي إِسْحَاقَ وَالصَّحِيحُ عن أبي إِسْحَاقَ ما ذَكَرْنَا وقال أبو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ صَاحِبُ الْإِيضَاحِ في أُصُولِهِ إنَّ اللَّهَ نَصَّبَ على الْحَقِّ عَلَمًا وَجَعَلَ لهم إلَيْهِ طَرِيقًا فَمَنْ أَصَابَهُ فَقَدْ أَصَابَ الْحَقَّ وَمَنْ أَخْطَأَهُ عُذِرَ بِخَطَئِهِ وَأُجِرَ على قَصْدِهِ ثُمَّ قال وَبِهِ قال الشَّافِعِيُّ وَجُمْلَةُ أَصْحَابِهِ وقد اسْتَقْصَى الْمُزَنِيّ ذلك في كِتَابِ التَّرْغِيبِ في الْعِلْمِ وَقَطَعَ بِأَنَّ الْحَقَّ في وَاحِدٍ وَدَلَّ عليه وقال إنَّهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ وهو مَذْهَبُ كل من صَنَّفَ من أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ من الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ من الْأَشْعَرِيِّينَ أبو بَكْرِ بن مُجَاهِدٍ وابن فَوْرَك وأبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ وقال نُقِضَتْ هذه الْمَسْأَلَةُ على الْبَصْرِيِّ الْمَعْرُوفِ بِجُعَلٍ وقال الْقَاضِي وقد ذَكَرَ أبو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ الْقَوْلَيْنِ جميعا وقد أَبَانَ
  284. الْحَقَّ في وَاحِدٍ وَلَكِنَّهُ مَالَ إلَى اخْتِيَارِ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَهَذَا مَذْهَبُ مُعْتَزِلَةِ الْبَصْرَةِ وَهُمْ الْأَصْلُ في هذه الْبِدْعَةِ وَقَالُوا هذا لِجَهْلِهِمْ بِمَعَانِي الْفِقْهِ وَطُرُقِهِ الدَّالَّةِ على الْحَقِّ الْفَاصِلَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ما عَدَاهُ من الشُّبَهِ الْبَاطِلَةِ وَقَالُوا ليس فيها طَرِيقٌ أَوْلَى من طَرِيقٍ وَلَا أَمَارَةَ أَقْوَى من أُخْرَى وَالْجَمِيعُ مُتَكَافِئُونَ وَمَنْ غَلَبَ على ظَنِّهِ شَيْءٌ حَكَمَ بِهِ فَيَحْكُمُونَ فِيمَا لَا يَعْلَمُونَهُ وَلَيْسَ من شَأْنِهِمْ وَبَسَطُوا لِذَلِكَ أَلْسِنَةَ نُفَاةِ الْقِيَاسِ منهم وَمِنْ غَيْرِهِمْ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ وَالِاجْتِهَادُ لِأَنَّ ذلك يَصِحُّ في طَلَبٍ يُؤَدِّي إلَى الْعِلْمِ أو إلَى الظَّنِّ وَلَيْسَ في هذه الْأُصُولِ ما يَدُلُّ على أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ عِلْمًا وظَنًّا قال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وفي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ وهو أَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لم يُكَلِّفْنَا إصَابَتَهُ وَإِنَّمَا كَلَّفَ الِاجْتِهَادَ في طَلَبِهِ وَكُلُّ من اجْتَهَدَ في طَلَبِهِ فَهُوَ مُصِيبٌ وقد أَدَّى ما كُلِّفَ وقال أبو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ في أُصُولِهِ قد أَضَافَ قَوْمٌ من أَصْحَابِنَا هذا إلَى الشَّافِعِيِّ وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ لِأَنَّهُ أَدَّى ما كُلِّفَ قال وهو خَطَأٌ على أَصْلِهِ لِأَنَّهُ نَصَّ على أَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ وَأَنَّ أَحَدَهُمَا مُخْطِئٌ لَا مَحَالَةَ قال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وَاخْتَلَفَ النَّقْلُ عن أبي حَنِيفَةَ فَنُقِلَ أَنَّهُ ذَكَرَ في بَعْضِ الْمَسَائِلِ كَقَوْلِنَا وفي بَعْضِهَا كَقَوْلِ أبي يُوسُفَ وَلَنَا أَنَّ الْحَقَّ لَمَّا كان في وَاحِدٍ لم يَكُنْ الْمُصِيبُ إلَّا وَاحِدًا وَلَوْ كان كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا ما أَخْطَأَ مُجْتَهِدٌ وقال عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَخْطَأَ انْتَهَى وقال ابن كَجٍّ صَارَ عَامَّةُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّ الْحَقَّ في وَاحِدٍ وَالْمُخْطِئُ له مَعْذُورٌ وقال أَهْلُ الْعِرَاقِ وَأَصْحَابُ مَالِكٍ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابن سُرَيْجٍ وأبو حَامِدٍ إلَّا أَنَّهُ كُلِّفَ ما أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ ثُمَّ نَصَّ ابن كَجٍّ على هذا بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ على تَصْوِيبِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا فِيمَا اخْتَلَفُوا فيه وَلَا يَجُوزُ إجْمَاعُهُمْ على خَطَأٍ ثُمَّ قال إنَّهُ مَعْذُورٌ وقال ابن فُورَكٍ في كِتَابِهِ لِلنَّاسِ فيها ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ أَحَدُهَا أَنَّ الْحَقَّ في وَاحِدٍ وهو الْمَطْلُوبُ وَعَلَيْهِ دَلِيلٌ مَنْصُوبٌ فَمَنْ وَضَعَ النَّظَرَ مَوْضِعَهُ أَصَابَ الْحَقَّ وَمَنْ قَصَرَ عنه وَفَقَدَ الصَّوَابَ فَهُوَ مُخْطِئٌ وَلَا إثْمَ وَلَا نَقُولُ إنَّهُ مَعْذُورٌ لِأَنَّ الْمَعْذُورَ من يَسْقُطُ عنه التَّكْلِيفُ لَا عُذْرَ في تَرْكِهِ كَالْعَاجِزِ على الْقِيَامِ في الصَّلَاةِ وهو عِنْدَنَا قد كُلِّفَ إصَابَةَ الْعَيْنِ لَكِنَّهُ خَفَّفَ أَمْرَ خَطَئِهِ وَأُجِرَ على قَصْدِهِ الصَّوَابَ وَحُكْمُهُ نَافِذٌ على الظَّاهِرِ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ وَعَلَيْهِ نَصَّ في كِتَابِ الرِّسَالَةِ وَ
  285. أَدَبِ الْقَاضِي وقال كُلُّ مُجْتَهِدَيْنِ اخْتَلَفَا فَالْحَقُّ في وَاحِدٍ من قَوْلَيْهِمَا وَالثَّانِي أَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ إلَّا أَنَّ الْمُجْتَهِدَيْنِ لم يُكَلَّفُوا إصَابَتَهُ وَكُلُّهُمْ مُصِيبُونَ لِمَا كُلِّفُوا من الِاجْتِهَادِ وَإِنْ كان بَعْضُهُمْ مُخْطِئًا وَالثَّالِثُ أَنَّهُمَا كُلِّفُوا الرَّدَّ إلَى الْأَشْبَهِ على طَرِيقِ الظَّنِّ انْتَهَى فَحَصَلَ وَجْهَانِ في أَنَّهُ يُقَالُ فيه مَعْذُورٌ أَمْ لَا وقال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فَقِيلَ الْحَقُّ في وَاحِدٍ وما عَدَاهُ بَاطِلٌ إلَّا أَنَّ الْإِثْمَ مَرْفُوعٌ عن الْمُخْطِئِ وَقِيلَ إنَّ هذا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَقِيلَ فيه قَوْلَانِ هذا أَحَدُهُمَا وَالثَّانِي إنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وهو ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وهو مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ وَأَبِي الْحُسَيْنِ وَحَكَى الْقَاضِي أبو بَكْرٍ عن أبي عَلِيِّ بن أبي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كان يقول بِأَخَرَةٍ إنَّ الْحَقَّ في وَاحِدٍ مَقْطُوعٍ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ وَأَنَّ مُخْطِئَهُ مَأْثُومٌ وَالْحُكْمُ بِخِلَافِهِ مَنْقُوضٌ وهو قَوْلُ الْأَصَمِّ وَابْنِ عُلَيَّةَ وَبِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ من أَصْحَابِنَا بِأَنَّ الْحَقَّ في وَاحِدٍ في أَنَّهُ هل الْكُلُّ مُصِيبٌ في اجْتِهَادِهِ أَمْ لَا فَقِيلَ الْمُخْطِئُ في الْحُكْمِ مُخْطِئٌ في الِاجْتِهَادِ وَقِيلَ الْكُلُّ مُصِيبٌ في الِاجْتِهَادِ وَإِنْ جَازَ أَنْ يُخْطِئَ في الْحُكْمِ وَحُكِيَ عن أبي الْعَبَّاسِ وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فقال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إنَّ عِنْدَ اللَّهِ شَبَهًا رُبَّمَا أَصَابَهُ الْمُجْتَهِدُ وَرُبَّمَا أَخْطَأَهُ وَمِنْهُمْ من أَنْكَرَ ذلك وَالْقَائِلُونَ بِالْأَشْبَهِ اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِهِ فَقِيلَ تَفْسِيرُهُ بِأَكْثَرَ من أَنَّهُ أَشْبَهَ وَقِيلَ الشَّبَهُ عِنْدَ اللَّهِ في حُكْمِ الْحَادِثَةِ قُوَّةُ الشُّبْهَةِ فَهُوَ الْأَمَارَةُ وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْحَقَّ في وَاحِدٍ يَجِبُ طَلَبُهُ وَقِيلَ الْأَشْبَهُ عِنْدَ اللَّهِ أَنَّهُ عِنْدَهُ في الْحَادِثَةِ حُكْمُ لو نَصَّ عليه وَبَيَّنَهُ لم يَنُصَّ إلَّا عليه وَالصَّحِيحُ من مَذَاهِبِ أَصْحَابِنَا هو الْأَوَّلُ أَنَّ الْحَقَّ في وَاحِدٍ وما سِوَاهُ بَاطِلٌ وَأَنَّ الْإِثْمَ مَرْفُوعٌ عن الْمُخْطِئِ انْتَهَى وقال ابن الصَّبَّاغِ في الْعُدَّةِ كان أبو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وأبو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ يَقُولَانِ إنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الْحَقَّ في وَاحِدٍ إلَّا أَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مُصِيبٌ وَإِنَّمَا يَظُنُّ ذلك وقال سُلَيْمٌ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ في أَكْثَرِ كُتُبِهِ إلَى أَنَّ الْحَقَّ فيها وَاحِدٌ وَأَنَّ اللَّهَ يُنَصِّبُ على ذلك دَلِيلًا إمَّا غَامِضًا وَإِمَّا جَلِيًّا وَكُلِّفَ الْمُجْتَهِدُ طَلَبَهُ وَإِصَابَتَهُ بِذَلِكَ الدَّلِيلِ فإذا اجْتَهَدَ وَأَصَابَهُ كان مُصِيبًا عِنْدَ اللَّهِ وفي الْحُكْمِ وَلَهُ أَجْرٌ على اجْتِهَادِهِ وَأَجْرٌ على إصَابَتِهِ وَإِنْ أَخْطَأَهُ كان مُخْطِئًا عِنْدَ اللَّهِ وفي الْحُكْمِ إلَّا أَنَّ له أَجْرًا على اجْتِهَادِهِ وَالْخَطَأُ مَرْفُوعٌ وَحُكِيَ هذا عن مَالِكٍ
  286. وَبِهِ قال الْمَرِيسِيِّ وابن عُلَيَّةَ وَالْأَصَمُّ وَزَادُوا فَقَالُوا عليه دَلِيلٌ مَقْطُوعٌ بِهِ ثُمَّ أَخْطَأَهُ كان آثِمًا مُضَلِّلًا وقال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في كِتَابِ إبْطَالِ الْقَوْلِ بِالِاسْتِحْسَانِ إنَّ الْحَقَّ عِنْدَ اللَّهِ وَاحِدٌ وَعَلَيْهِ دَلِيلٌ إلَّا أَنَّهُ لم يُكَلِّفْ الْمُجْتَهِدَ إصَابَتَهُ وَإِنَّمَا كَلَّفَهُ طَلَبَهُ فَإِنْ أَصَابَهُ كان مُصِيبًا وَإِنْ أَخْطَأَ كان مُخْطِئًا عِنْدَ اللَّهِ لَا في الْحُكْمِ وَحُكِيَ هذا عن أبي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وهو اخْتِيَارُ الْمُزَنِيّ وَذَهَبَ الْمُعْتَزِلَةُ بِأَسْرِهَا إلَى أَنَّهُ ليس هُنَاكَ حُكْمٌ مَطْلُوبٌ على الْيَقِينِ وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ على الْمُجْتَهِدِ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا غَلَبَ على ظَنِّهِ وَيَكُونُ مُصِيبًا وَاخْتَلَفُوا هل هُنَاكَ أَشْبَهُ مَطْلُوبٌ أَمْ لَا على قَوْلَيْنِ وَمَعْنَى الْأَشْبَهِ أَنَّ اللَّهَ لو أَنْزَلَ حُكْمًا في الْحَادِثَةِ لَكَانَ هو فَيَجِبُ طَلَبُ ذلك الْأَشْبَهِ وَحَكَى ابن فُورَكٍ عَنْهُمْ قَوْلًا ثَالِثًا أَنَّ اللَّهَ نَصَّبَ على الْحُكْمَيْنِ مَعًا دَلِيلًا إلَّا أَنَّ الْأَدِلَّةَ إذَا تَكَافَأَتْ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ وَغَمُضَتْ تَحَيَّرَ وَذَهَبَ الْكَرْخِيّ وَغَيْرُهُ من الْحَنَفِيَّةِ إلَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَهُنَاكَ أَشْبَهُ مَطْلُوبٌ فَإِنْ أَصَابَهُ أَصَابَ الْحَقَّ وَإِنْ أَخْطَأَهُ كان مُخْطِئًا لِلْمَطْلُوبِ مُصِيبًا في اجْتِهَادِهِ كَالْقَوْلِ الثَّانِي لِلْمُعْتَزِلَةِ وَأَمَّا الْأَشْعَرِيَّةُ فَاَلَّذِي حَكَاهُ عَنْهُمْ الْخُرَاسَانِيُّونَ أبو إِسْحَاقَ وابن فُورَكٍ أَنَّ مَذْهَبَهُمْ أَنَّ الْحَقَّ في وَاحِدٍ وَأَنَّ على الْمُجْتَهِدِ طَلَبَهُ بِالدَّلِيلِ فَإِنْ أَخْطَأَهُ كان مُخْطِئًا عِنْدَ اللَّهِ وفي الْحُكْمِ لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ في الْأَوَّلِ وَحَكَى الْقَاضِي أَنَّ لِأَبِي الْحُسَيْنِ فيها قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا هذا وَالثَّانِي أَنَّهُ ليس لِلَّهِ حُكْمٌ في هذه الْمَسَائِلِ وَأَنَّ الْمَأْخُوذَ على الْمُكَلَّفِ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا غَلَبَ على ظَنِّهِ فيها وَاخْتَارَ هذا وَنَصَرَهُ وقال ليس هُنَاكَ أَشْبَهُ مَطْلُوبٌ وَلَا دَلِيلٌ مَنْصُوبٌ مِثْلُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لِلْمُعْتَزِلَةِ انْتَهَى وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في تَصْوِيبِ الْمُجْتَهِدِينَ في الْفُرُوعِ فَمِنْهُمْ من قال إنَّ الْحَقَّ في كل وَاحِدٍ وهو الْمَطْلُوبُ وَعَلَيْهِ دَلِيلٌ مَنْصُوبٌ وَاَلَّذِي يُؤَدِّي إلَى غَيْرِهِ شُبْهَةٌ وَلَيْسَ بِالدَّلِيلِ وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ إنَّ اللَّهَ كَلَّفَ الْمُجْتَهِدِينَ إصَابَةَ الْحَقِّ بِالدَّلِيلِ الذي نَصَّبَهُ عليه وَمَنْ أَخْطَأَهُ كان مَعْذُورًا على خَطَئِهِ مُثَابًا على قَصْدِهِ قال وَهَذَا هو الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ من مَذَاهِبِ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَبِهِ قال ابن عُلَيَّةَ وَالْمَرِيسِيُّ وقال الْمُزَنِيّ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ إلَّا أَنَّ الْحَقَّ في وَاحِدٍ من أَقْوَالِهِمْ قال
  287. أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فيها مَسَائِلُ نَقَضُوا فيها الْحُكْمَ على من خَالَفَهُمْ كَالْحُكْمِ بِالنُّكُولِ وَسَائِرِ ما حَكَمَ بِهِ أَهْلُ الْعِرَاقِ بِالِاسْتِحْسَانِ وَأَوْجَبُوا الْحَدَّ على وَاطِئِ الْأُمِّ وَالْبِنْتِ وَالْأُخْتِ بَعْدَ الْعَقْدِ عَلَيْهِنَّ وَعَلَى الْمُسْتَأْجَرَةِ وَإِنْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِإِسْقَاطِ الْحَدِّ في ذلك وَأَوْجَبُوا إعَادَةَ الصَّلَاةِ على من تَوَضَّأَ بِنَبِيذِ التَّمْرِ أو تَرَكَ النِّيَّةَ أو التَّرْتِيبَ في الْوُضُوءِ وَإِعَادَةَ الصَّوْمِ على من تَرَكَ نِيَّتَهُ قبل الْفَجْرِ أو نَوَى في فَرْضِهِ التَّطَوُّعَ وَكَذَلِكَ نَقَضُوا الْحُكْمَ على من حَكَمَ بِخِلَافِ خَبَرِ الْمُصَرَّاةِ وَخَبَرِ الْخِيَارِ في الْبَيْعِ وَالْعَرَايَا وَالْفَلَسِ وكان الْإِصْطَخْرِيُّ وَالصَّيْرَفِيُّ يَنْقُضَانِ الْحُكْمَ على من حَكَمَ بِصِحَّةِ نِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ وَلَا شَهَادَةَ أو شَهَادَةَ فَاسِقَيْنِ وقال أَصْحَابُ الرَّأْيِ قبل قَوْلِ الْمُزَنِيّ إنَّ الْحَقَّ في وَاحِدٍ إلَّا أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ لِأَنَّهُ لم يُكَلَّفْ إصَابَةَ الْحَقِّ وَإِنَّمَا كُلِّفَ فِعْلَ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ وَلِذَلِكَ قال الْمُزَنِيّ وأبو حَنِيفَةَ فِيمَنْ صلى إلَى بَعْضِ الْجِهَاتِ بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ عَلِمَ خَطَأَهُ بِيَقِينٍ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ لِأَنَّهُ لم يُكَلَّفْ عِنْدَهُمَا إصَابَةَ عَيْنِ الْقِبْلَةِ وَإِنَّمَا كُلِّفَ الصَّلَاةَ بِالِاجْتِهَادِ انْتَهَى وَاَلَّذِي رَأَيْتُهُ في كِتَابِ فَسَادِ التَّقْلِيدِ لِلْمُزَنِيِّ تَرْجِيحَ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ وَأَطَالَ في الِاسْتِدْلَالِ عليه وَمِنْهُ إنْكَارُ الصَّحَابَةِ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ في الْفَتَاوَى وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قال لِمُخَالِفِهِ قد أَصَبْت فِيمَا خَالَفْتَنِي فيه قال وهو قَوْلُ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ وَيُرْوَى عن السَّمْتِيِّ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قال أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ خَطَأٌ وَالْإِثْمُ فيه مَرْفُوعٌ قال وَجَاءَ عن أبي حَنِيفَةَ أَنَّهُ حَكَمَ بين خَصْمَيْنِ في طَسْتٍ ثُمَّ غَرِمَهُ لِلْمُقْضَى عليه قال الْمُزَنِيّ فَلَوْ كان يَقْطَعُ بِأَنَّ الذي قَضَى بِهِ هو الْحَقُّ لَمَا تَأَثَّمَ من الْحَقِّ الذي ليس عليه غَيْرُهُ وَلَا غَرِمَ لِلظَّالِمِ ثَمَنَ طَسْتٍ في حُكْمِ اللَّهِ أَنَّهُ ظَالِمٌ بِمَنْعِهِ إيَّاهُ من صَاحِبِهِ قال وَلَكِنَّهُ عِنْدِي خَافَ أَنْ يَكُونَ قَضَى عليه بِمَا أَغْفَلَ منه وَظَلَمَهُ من حَيْثُ لَا يَعْلَمُ فَتَوَرَّعَ فَاسْتَحَلَّ ذلك منه وَغَرِمَهُ له وَلَوْ كان غَرِمَهُ له وهو يَسْتَيْقِنُ أَنَّهُ ليس عليه إلَّا طَلَبُ الثَّوَابِ لَمَا خَفِيَ عليه أَنَّ إعْطَاءَهُ لِمُحْتَاجٍ أَعْظَمَ لِأَجْرِهِ انْتَهَى وقال في الْمَنْخُولِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَالْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ وَجَمَاعَةٌ من الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ وَصَارَ الْقَاضِي وأبو الْحُسَيْنِ في طَبَقَةِ الْمُتَكَلِّمِينَ إلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مُصِيبٌ وَالْغُلَاةُ منهم أَثْبَتُوا أو نَفَوْا مَطْلُوبًا مُعَيَّنًا وَعَزَا الْقَاضِي مَذْهَبَهُ لِلشَّافِعِيِّ
  288. وقال لَوْلَاهُ لَكُنْت لَا أَعُدُّهُ من أَحْزَابِ الْأُصُولِيِّينَ ثُمَّ قال وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ في عَمَلِهِ قَطْعًا وقال في الْمُسْتَصْفَى الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا وهو الذي يُقْطَعُ بِهِ وَيُخْطِئُ الْمُخَالِفُ فيه أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ في الظَّنِّيَّاتِ وَأَنَّهُ ليس فيها حُكْمٌ مُعَيَّنٌ لِلَّهِ تَعَالَى وقال إلْكِيَا انْقَسَمُوا على قِسْمَيْنِ غُلَاةٌ وَمُقْتَصِدَةٌ فَالْغُلَاةُ افْتَرَقُوا من وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِكُلٍّ منها أَنْ يَأْخُذَ بِالتَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ من غَيْرِ اجْتِهَادٍ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يُسْتَدْرَكُ كُلُّ وَاحِدٍ منهم بِالِاجْتِهَادِ وَيَأْخُذُ بِمَا يَشَاءُ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ هذا الْمَذْهَبُ أَوَّلُهُ سَفْسَطَةٌ وَآخِرُهُ زَنْدَقَةٌ أَمَّا السَّفْسَطَةُ فَلِكَوْنِهِ حَلَالًا حَرَامًا في حَقِّ كل وَاحِدٍ وَأَمَّا الزَّنْدَقَةُ فَهُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِ الْإِبَاحَةِ والثاني ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ الْمَطَالِبَ مُتَعَدِّدَةٌ فَلَا بُدَّ من أَصْلِ الِاجْتِهَادِ وَلَكِنَّ الْمَطْلُوبَ من كل مُجْتَهِدٍ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ الِاجْتِهَادُ وَأَمَّا الْمُقْتَصِدَةُ فَقَالُوا كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ في عَمَلِهِ قَطْعًا وَلَا يُقْطَعُ بِإِصَابَةِ ما عِنْدَ اللَّهِ وَادَّعُوا أَنَّ في الْآرَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ حُكْمًا عِنْدَ اللَّهِ هو أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ وهو شَوْقُ الْمُجْتَهِدِينَ وَمَطْلُوبُ الْبَاحِثِينَ وَرُبَّمَا عَبَّرَ عنه بِأَنَّهُ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ غير أَنَّ الْمُجْتَهِدَ لم يُكَلَّفْ غير إصَابَتِهِ وَهَذَا الْقَوْلُ عن أبي حَنِيفَةَ نَصًّا وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْحَقَّ في وَاحِدٍ فِيمَا دَلَّ عليه دَلِيلٌ وَالْمُجْتَهِدُ مُقَصِّرٌ بِالنَّظَرِ فيه وَالْمَصِيرُ إلَيْهِ وَمَنْ قَصَّرَ في ذلك ولم يَصِرْ إلَيْهِ فإنه مُخْطِئٌ فيه وَيَخْتَلِفُ خَطَؤُهُ على قَدْرِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحُكْمُ فَقَدْ يَكُونُ كَبِيرَةً وقد يَكُونُ صَغِيرَةً وَهَذَا مَذْهَبُ الْغُلَاةِ وَمِنْهُمْ الْأَصَمُّ وَالْمَرِيسِيُّ وهو قَوْلُ أَصْحَابِ الظَّوَاهِرِ فِيمَا طَرِيقُهُ الِاسْتِدْلَال وَقِيلَ في وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَعَلَيْهِ دَلِيلٌ إلَّا أَنَّ الْمُجْتَهِدَ إذَا لم يَصِلْ إلَيْهِ لِدِقَّتِهِ وَغُمُوضِ طَرِيقِهِ فَهُوَ مَعْذُورٌ آثِمٌ وهو قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَنَفَرٍ من الْحَنَفِيَّةِ وَحُكِيَ عن الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قال في الْفُرُوعِ التي لها أَصْلٌ وَاحِدٌ وهو الذي يُسَمَّى طَرِيقُ إثْبَاتِهَا الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ وَالْقِيَاسُ الْمَعْنَى أَنَّ الْمُصِيبَ فيها وَاحِدٌ وَالْفُرُوعُ التي تَتَجَاذَبُهَا أُصُولٌ كَثِيرَةٌ وَيُسَمَّى طَرِيقُ إثْبَاتِهَا قِيَاسُ عِلِّيَّةِ الْأَشْبَاهِ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٌ فيها مُصِيبٌ وهو الذي حَكَاهُ عنه الْمُحَصِّلُونَ
  289. وقال في بَعْضِ مَجْمُوعَاتِهِ في جَوَابٍ سُئِلَ عنه في قَوْلِهِ إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ أَنَّهُ لو كان أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ خَطَأً لم يَجُزْ أَنْ يُثَابَ عنه لِأَنَّ الثَّوَابَ لَا يَكُونُ فِيمَا لَا يَسُوغُ وَلَا في الْخَطَأِ الْمَوْضُوعِ ثُمَّ قال لو كان خَطَأً قُصَارَى أَمْرِهِ أَنْ يَغْفِرَ له فَكَيْفَ يَطْمَعُ في الثَّوَابِ على خَطَأٍ لم يَصْنَعْهُ وقد تَكَرَّرَتْ أَلْفَاظُهُ في كُتُبِهِ على مُوَافَقَةِ ما حَكَيْنَاهُ عنه من أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَالْفَرْقُ بين ما حَكَيْنَا عن أبي حَنِيفَةَ آخِرًا وَبَيْنَ قَوْلِ الْمُخَالِفِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يقول إنَّ الْمُجْتَهِدَ لم يُكَلَّفْ الْأَشْبَهَ وَاَلَّذِي هو الْحَقُّ عِنْدَ اللَّهِ وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ أَنَّهُ كُلِّفَ إصَابَتَهُ وَلَكِنَّهُ يَكُونُ مَعْذُورًا إنْ كان خَطَؤُهُ صَغِيرًا وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِاتِّحَادِ الْحَقِّ في هذه الْمَسَائِلِ فَقِيلَ يُمْنَعُ من وُرُودِ التَّعَبُّدِ في الْفُرُوعِ بِالْأَحْكَامِ الْمُتَضَادَّةِ وَقِيلَ السَّمْعُ هو الذي يَمْنَعُ من ذلك وقال ابن بَرْهَانٍ في الْأَوْسَطِ الْمَنْقُولُ عن الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ وَأَنَّ الْحَقَّ في جَمِيعِهِ وَاحِدٌ وَذَهَبَ شَيْخُنَا أبو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَالْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَأَنَّ الْمَطَالِبَ مُتَعَدِّدَةٌ وهو مَذْهَبُ الْقَاضِي أَيْ أَنَّ الْمُصَوِّبَةَ انْقَسَمُوا إلَى غُلَاةٍ وَمُقْتَصِدَةٍ وَذَكَرَ نحو ما قَالَهُ إلْكِيَا وقال في الْقَوَاطِعِ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُصِيبَ من الْمُجْتَهِدِينَ وَاحِدٌ وَالْبَاقُونَ مُخْطِئُونَ غير أَنَّهُ خَطَأٌ يُعْذَرُ فيه الْمُخْطِئُ وَلَا يُؤَثَّمُ وقد قال بَعْضُ أَصْحَابِنَا إنَّ هذا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمَذْهَبُهُ وَلَا يُعْرَفُ له قَوْلٌ سِوَاهُ وَبِهِ قال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وقال بَعْضُ أَصْحَابِنَا لِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا ما قُلْنَاهُ والآخر أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وهو ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ وَنَقَلُوهُ عن أبي حَنِيفَةَ وهو قَوْلُ أبي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَالْمُعْتَزِلَةِ وقال الْأَصَمُّ وابن عُلَيَّةَ وَالْمَرِيسِيُّ إنَّ الْحَقَّ في وَاحِدٍ وَمُخَالِفُهُ خَطَأٌ وَصَاحِبُهُ مَأْثُومٌ قال وقال أبو زَيْدٍ في أُصُولِهِ قال فَرِيقٌ من الْمُتَكَلِّمِينَ الْحَقُّ في هذه الْحَوَادِثِ التي يَجُوزُ الْفَتْوَى في أَحْكَامِهَا بِالْقِيَاسِ وَالِاجْتِهَادِ حُقُوقٌ وَكُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ لِلْحَقِّ بِعَيْنِهِ ثُمَّ إنَّهُمْ افْتَرَقُوا فقال قَوْمٌ الْجَمِيعُ حَقٌّ على التَّسَاوِي وقال قَوْمٌ الْوَاحِدُ من الْجَمَاعَةِ أَحَقُّ وَسَمُّوهُ تَقْوِيمَ ذَاتِ الِاجْتِهَادِ وقال بَعْضُ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْكَلَامُ الْحَقُّ عِنْدَ اللَّهِ وَاحِدٌ ثُمَّ افْتَرَقُوا فقال قَوْمٌ إذَا لم يُصِبْ الْمُجْتَهِدُ الْحَقَّ عِنْدَ اللَّهِ كان مُخْطِئًا ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً حتى أَنَّ عَمَلَهُ لَا يَصِحُّ وقال عُلَمَاؤُنَا كان مُخْطِئًا لِلْحَقِّ عِنْدَ اللَّهِ مُصِيبًا في حَقِّ عَمَلِهِ حتى لو عَمِلَهُ يَقَعُ بِهِ صَحِيحًا شَرْعًا كَأَنَّهُ أَصَابَ الْحَقَّ عِنْدَ اللَّهِ
  290. قال وَبَلَغَنَا عن أبي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قال لِيُوسُفَ بن خَالِدٍ السَّمْتِيِّ كُلٌّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَالْحَقُّ عِنْدَ اللَّهِ وَاحِدٌ فَبَيَّنَ أَنَّ الذي أَخْطَأَ ما عِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ مُصِيبٌ في حَقِّ عَمَلِهِ وقال محمد بن الْحَسَنِ في كِتَابِ الطُّرُقِ إذَا تَلَاعَنَ الزَّوْجَانِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَفَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا نَفَذَ قَضَاؤُهُ وقد أَخْطَأَ السُّنَّةَ فَجَعَلَ قَضَاءَهُ في حَقِّهِ صَوَابًا مع قَوْلِهِ إنَّهُ مُخْطِئُ الْحَقِّ عِنْدَ اللَّهِ قال أبو زَيْدٍ وَهَذَا قَوْلُ التَّوَسُّطِ بين الْغُلُوِّ وَالنَّقْصِ وَاعْلَمْ أَنَّ هذا الْقَوْلَ هو الْقَوْلُ بِالْأَشْبَهِ وهو أَنْ يَكُونَ الْمُجْتَهِدُ مُصِيبًا في اجْتِهَادِهِ مُخْطِئًا في حُكْمِهِ قالوا وما كُلِّفَ الْإِنْسَانُ إصَابَةَ الْأَشْبَهِ وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ هذا نَصًّا عن أبي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَحُكِيَ الْقَوْلُ بِالْأَشْبَهِ عن أبي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ قال ابن السَّمْعَانِيِّ وَالصَّحِيحُ من هذه الْأَقَاوِيلِ أَنَّ الْحَقَّ عِنْدَ اللَّهِ وَاحِدٌ وَالنَّاسُ بِطَلَبِهِ مُكَلَّفُونَ إصَابَتَهُ فإذا اجْتَهَدُوا وَأَصَابُوا حُمِدُوا وَأُجِرُوا وَإِنْ أَخْطَئُوا عُذِرُوا ولم يَأْثَمُوا إلَّا أَنْ يُقَصِّرُوا في أَسْبَابِ الطَّلَبِ وَهَذَا هو مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رضي اللَّهُ عنه وهو الْحَقُّ وما سِوَاهُ بَاطِلٌ ثُمَّ يقول إنَّهُ مَأْجُورٌ في الطَّلَبِ إذَا لم يُقَصِّرْ وَإِنْ أَخْطَأَ الْحَقَّ وَمَعْذُورٌ على خَطَئِهِ وَعَدَمِ إصَابَتِهِ لِلْحَقِّ وقد يُوجَدُ لِلشَّافِعِيِّ في بَعْضِ كَلَامِهِ وَمُنَاظَرَاتِهِ مع خُصُومِهِ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ إذَا اجْتَهَدَ فَقَدْ أَصَابَ وَتَأْوِيلُهُ أَنَّهُ أَصَابَ عن نَفْسِهِ بِأَنَّهُ بَلَغَ عِنْدَ نَفْسِهِ مَبْلَغَ الصَّوَابِ وَإِنْ لم يَكُنْ أَصَابَ عَيْنَ الْحَقِّ وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ على مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ إلَّا ما قُلْنَاهُ وَمَنْ قال غير هذا فَقَدْ أَخْطَأَ على مَذْهَبِهِ وقال ما قال عن شَهَوَاتِهِ انْتَهَى وقال الْقَاضِي الْحُسَيْنُ في تَعْلِيقِهِ الْمُخْتَارُ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ إلَّا أَنَّ أَحَدَهُمْ يُصِيبُ الْحَقَّ عِنْدَ اللَّهِ وَالْبَاقُونَ يُصِيبُونَ الْحَقَّ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ وَحَكَى ابن فُورَكٍ عن بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قال إنَّ الْمُجْتَهِدَ مُصِيبٌ عِنْدَ اللَّهِ عِنْدِي وَلَيْسَ هذا مَوْضِعُ خِلَافٍ لِأَنَّ الْقَائِلَ بِذَلِكَ غَيْرُ مُتَيَقِّنٍ أَنَّ كُلًّا مُصِيبٌ عِنْدَ اللَّهِ فَلِذَلِكَ قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ عِنْدِي وَلِذَلِكَ يقول إنَّ الْمُخَالِفَ له مُصِيبٌ عِنْدَ اللَّهِ عِنْدَهُ فَهَذَا كَلَامٌ لَا حَاصِلَ له قُلْت وَالْحَاصِلُ في الْمَسْأَلَةِ على مَذْهَبِنَا ثَلَاثُهُ طُرُقٍ أَحَدُهَا قال الرَّافِعِيُّ وَهِيَ الْأَشْهَرُ إثْبَاتُ قَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ وَهِيَ التي حَكَاهَا أبو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ من أَصْحَابِنَا وَأَصَحُّهُمَا وهو الذي ذَكَرَهُ في كُتُبِهِ الْجَدِيدَةِ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ مَأْمُورٌ بِإِصَابَةِ الْحَقِّ وَمَنْ ذَهَبَ إلَى غَيْرِهِ فَهُوَ مُخْطِئٌ وقال ابن الْقَطَّانِ وابن فُورَكٍ في كِتَابَيْهِمَا إنَّ هذا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ قال في كِتَابِ الْقَضَاءِ وفي الرِّسَالَةِ
  291. وَكُلُّ مُجْتَهِدَيْنِ اخْتَلَفَا في شَيْءٍ فَالْحَقُّ في وَاحِدٍ من قَوْلِهِمَا قَالَا هذا هو مَذْهَبُهُ وَلَا مَعْنَى لِلِاشْتِغَالِ بِأَشْيَاءَ أَطْلَقَهَا وكان مُرَادُهُ فيها ما عُرِفَ من مَذْهَبِهِ انْتَهَى وَهَذَا ما حَكَاهُ الْأَشْعَرِيُّ بِخُرَاسَانَ عنه وَعَنْ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ قال ابن الصَّبَّاغِ وَنِسْبَةُ هذا إلَى الْأَشْعَرِيِّ أَشْهَرُ لِأَنَّ كُلًّا منهم مَأْمُورٌ بِالْعَمَلِ بِمَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ وَغَيْرُ الْحَقِّ لَا يُؤْمَرُ بِالْعَمَلِ بِهِ وَعَلَى هذا فَهَلْ يقول الْحُكْمُ وَالْحَقُّ على كل وَاحِدٌ من الْمُجْتَهِدِينَ ما غَلَبَ على ظَنِّهِ أو يقول الْحَقُّ وَاحِدٌ وهو أَشْبَهُ مَطْلُوبٌ إلَّا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ منهم مُكَلَّفٌ بِمَا غَلَبَ على ظَنِّهِ لِإِصَابَةِ الْأَشْبَهِ فيه وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالْغَزَالِيُّ وَحَكَاهُ ابن الصَّبَّاغِ عن الْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ قال الْقَاضِي الْحُسَيْنُ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ من الْأَمْرِ شيئا وَاحَدَا وَالْمَطْلُوبُ من الْمَأْمُورِ غَيْرُهُ أَلَا تَرَى أَنَّ من أَبَقَ عَبْدُهُ فقال لِعَبِيدِهِ اُطْلُبُوهُ فَالْمَقْصُودُ من الْأَمْرِ وُجُودُ الْآبِقِ وَمِنْ الْعَبِيدِ طَلَبُهُ فَحَسْبُ فَإِنْ لم يَجِدُوهُ فما ذَمَّهُمْ من حَيْثُ لم يَتَوَانَوْا فيه فَكَذَا هُنَا وَبِالثَّانِي أَجَابَ أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ كما قال الرَّافِعِيُّ وَحَكَوْا عن الْقَاضِي أبي حَامِدٍ وَزَعَمَ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ أَنَّ كَلَامَ الشَّافِعِيِّ في الرِّسَالَةِ وفي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ وفي رِسَالَةِ الْمَصْرِيِّينَ مُحْتَمَلٌ وَأَنَّ الْأَظْهَرَ من كَلَامِهِ وَالْأَشْبَهَ بِمَذْهَبِهِ وَمَذْهَبِ أَمْثَالِهِ من الْعُلَمَاءِ الْقَوْلُ بِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَتَابَعَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فقال ليس لِلشَّافِعِيِّ نَصٌّ في الْمَسْأَلَةِ على التَّخْصِيصِ لَا نَفْيًا وَلَا إثْبَاتًا وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ النَّقَلَةُ عنه في اسْتِنْبَاطِهِمْ من كَلَامِهِ وَلَيْسَ كما قال بَلْ نُصُوصُهُ في الرِّسَالَةِ وَغَيْرِهَا طَافِحَةٌ بِهِ وَالطَّرِيقُ الثَّانِي الْقَطْعُ بِالْأَوَّلِ وَيُحْكَى عن أبي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ وَالْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيِّ وَأَبِي إِسْحَاقَ الرَّازِيَّ وهو اخْتِيَارُ الْقَاضِي أبي الطَّيِّبِ وَالثَّالِثُ التَّفْصِيلُ بين قِيَاسِ الْعِلَّةِ وَقِيَاسِ الشَّبَهِ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ إلْكِيَا في النَّقْلِ عن الشَّافِعِيِّ كما سَبَقَ وَكَذَلِكَ نَقَلَهَا عنه صَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ قال زَلَّ كَثِيرٌ من الناس فَظَنُّوا أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْحَقَّ في وَاحِدٍ في جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ وَإِلَّا فَكَيْفَ كان يَسُوغُ له مُخَالَفَةُ أبي حَنِيفَةَ في كَثِيرٍ من الْأَحْكَامِ فَلِهَذَا قال ما ليس له
  292. أَصْلٌ مَقِيسٌ عليه إلَّا وَاحِدٌ فَالْحَقُّ فيه وَاحِدٌ لِأَنَّهُ مُسْتَفَادٌ من دَلِيلٍ وَاحِدٍ وَأَمَّا ما تَجَاذَبَهُ أَصْلَانِ فَأَكْثَرُ فَكُلُّ مُجْتَهِدٍ فيه مُصِيبُ قُلْت وَهَذَا لَا يَعْرِفُهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ التَّفْرِيعُ إذَا قُلْنَا بِالصَّحِيحِ أَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ فَعَلَيْهِ فُرُوعٌ منها أَنَّهُ هل يَقْطَعُ بِصِحَّةِ قَوْلِهِ وَخَطَأِ الْمُخَالِفِ أَمْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ في غَيْرِهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا وَبِهِ قال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ اعْلَمْ إصَابَتَنَا لِلْحَقِّ وَاقْطَعْ بِخَطَأِ من خَالَفَنَا وَمَنْعِهِ من الْحُكْمِ بِاجْتِهَادِهِ غير أَنِّي لَا أُؤَثِّمُهُ قال أبو الْخَطَّابِ من الْحَنَابِلَةِ وقد أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ في رِوَايَةِ ابْنِ الْحَكَمِ وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْمَسَائِلَ تَنْقَسِمُ إلَى ما يُقْطَعُ فيه بِالْإِصَابَةِ وَإِلَى ما لَا يَدْرِي أَصَابَ الْحَقَّ أَمْ أَخْطَأَ بِحَسَبِ الْأَدِلَّةِ وَهَذَا هو الذي يَقْتَضِيهِ تَصَرُّفُ أَصْحَابِنَا في نَقْضِ حُكْمِ الْحَاكِمِ ومنها أَنَّ الْمُخْطِئَ هل يُقَالُ إنَّهُ مَعْذُورٌ فيه وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا وَنَقَلَهُ ابن كَجٍّ عن عَامَّةِ الْأَصْحَابِ نعم والثاني وهو الذي أَوْرَدَهُ ابن فُورَكٍ لَا ومنها اتَّفَقَ الْقَائِلُونَ على أَنَّ لِلَّهِ في كل وَاقِعَةٍ حُكْمًا مُعَيَّنًا هو مَقْصِدُ الطَّالِبِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا هل نَصَبَ عليه دَلِيلًا أَمْ لَا فَقِيلَ لَا دَلِيلَ عليه وَإِنَّمَا هو مِثْلُ دَفِينٍ يُعْثَرُ عليه فَمَنْ عَثَرَ عليه فَلَهُ أَجْرَانِ وَمَنْ أَخْطَأَهُ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ وَالْأَكْثَرُونَ على أَنَّ اللَّهَ نَصَّبَ عليه دَلِيلًا ثُمَّ اخْتَلَفُوا هل هذا الدَّلِيلُ قَطْعِيٌّ أو ظَنِّيٌّ فَحَكَى الْقَاضِي عن ابْنِ أبي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كان يقول في آخِرِ عُمْرِهِ أَنَّهُ قَطْعِيٌّ وهو قَوْلُ الْأَصَمِّ وَابْنِ عُلَيَّةَ وَالْمَرِيسِيِّ وَجَمِيعِ نُفَاةِ الْقِيَاسِ إلْحَاقًا لِلْفُرُوعِ بِالْأُصُولِ وَمِنْهُمْ من يُعَبِّرُ عن هذا الْخِلَافِ بِأَنَّهُ هل دَلَّ عليه السَّمْعُ أو الْعَقْلُ ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ في مُخْطِئِ هذا الدَّلِيلِ الْقَاطِعِ هل هو مَأْثُومٌ مَحْطُوطٌ عنه فَحُكِيَ عن ابْنِ أبي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كان يقول بِأُخَرَةٍ إنَّ مُخْطِئَهُ مَأْثُومٌ وَالْحُكْمُ بِخِلَافِهِ مَنْقُوضٌ وهو قَوْلُ الْأَصَمِّ وَمَنْ وَافَقَهُ لِأَنَّهُ خَالَفَ دَلِيلًا قَطْعِيًّا وَقِيلَ بَلْ الْإِثْمُ مَحْطُوطٌ عنه وَحَكَاهُ السَّرَخْسِيُّ عن الْمَرِيسِيِّ وَالْأَصَمِّ وَابْنِ عُلَيَّةَ وَذَهَبَ عَامَّةُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّهُ ظَنِّيٌّ وَأَنَّ الْإِثْمَ مَوْضُوعٌ عن مُخْطِئِهِ وَأَنَّ الْمُجْتَهِدَ كُلِّفَ طَلَبَهُ قال الرَّافِعِيُّ وهو الْمَذْهَبُ وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عليه وَهَلْ كُلِّفَ إصَابَتَهُ فيه قَوْلَانِ أو وَجْهَانِ
  293. أَحَدُهُمَا نعم وهو قَوْلُ أبي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ وَيُحْكَى عن الْمُزَنِيّ وهو الصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَنَسَبَهُ ابن الْقَطَّانِ إلَى الشَّافِعِيِّ فَعَلَى هذا إنْ أَصَابَهُ الْمُجْتَهِدُ كان مُصِيبًا عِنْدَ اللَّهِ وَإِنْ أَخْطَأَهُ كان الْإِثْمُ مَرْفُوعًا عنه وَلَهُ أَجْرٌ بِقَصْدِهِ الْحَقَّ والثاني وَبِهِ قال ابن سُرَيْجٍ وَنُسِبَ إلَى الشَّافِعِيِّ أَنَّ اللَّهَ لم يُكَلِّفْ الْمُجْتَهِدَ إصَابَتَهُ وَإِنَّمَا كَلَّفَهُ الِاجْتِهَادَ في طَلَبِهِ فَكُلُّ من اجْتَهَدَ في طَلَبِهِ فَهُوَ مُصِيبٌ في اجْتِهَادِهِ وَلِأَنَّهُ قد أَدَّى ما كُلِّفَ وإذا قُلْنَا بِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهِ هل الْحَقُّ في كل وَاحِدٍ من الْمُجْتَهِدِينَ ما غَلَبَ على ظَنِّهِ أو نَقُولُ الْحَقُّ وَاحِدٌ وهو أَشْبَهُ مَطْلُوبٍ إلَّا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ منهم مُكَلَّفٌ بِمَا يَغْلِبُ على ظَنِّهِ لِإِصَابَةِ الْأَشْبَهِ قال الرَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فيه وَجْهَانِ اخْتِيَارُ الْغَزَالِيِّ مِنْهُمَا الْأَوَّلُ وَبِالثَّانِي أَجَابَ أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ وَحَكَوْهُ عن الْقَاضِي أبي حَامِدٍ وَالدَّارَكِيِّ انْتَهَى وَالْمَعْنَى أَنَّهُ هل يَرْجِعُ إلَيْهِ في كل مَسْأَلَةٍ حُكْمًا مَطْلُوبًا هو أَشْبَهُ بِحُكْمِ الْأَصْلِ في غَالِبِ ظَنِّ الْمُجْتَهِدِ فَلِهَذَا قِيلَ هُنَاكَ أَشْبَهُ ثُمَّ اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِهِ فَقِيلَ هو ما غَلَبَ على ظَنِّ الْمُجْتَهِدِ وَقِيلَ هو قُوَّةُ الشَّبَهِ لِقُوَّةِ الْأَمَارَةِ وقال ابن سُرَيْجٍ هو ما لو وَرَدَ بِهِ نَصٌّ لِطَابَقِهِ قال في الْمَنْخُولِ وَهَذَا حُكْمٌ على الْغَيْبِ وَقِيلَ ليس هُنَاكَ أَشْبَهُ وَالْجَمِيعُ وَاحِدٌ إلَّا ما عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ أَنَّهُ الْأَوْلَى أَنْ يَحْكُمَ بِهِ وَحَكَاهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ عن الْجُمْهُورِ وَحَكَاهُ عن الْأَشْعَرِيِّ وقال ابن الْقَطَّانِ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْحَقَّ في كل ما أَدَّى إلَيْهِ الِاجْتِهَادُ اخْتَلَفُوا هل نَصَّبَ اللَّهُ تَعَالَى أَدِلَّةً مُخْتَلِفَةً يُؤَدِّي اجْتِهَادُ كل وَاحِدٍ منهم إلَى دَلِيلٍ مَنْصُوبٍ أَمْ لَا على قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا نعم كَالتَّخْيِيرِ في كَفَّارَةِ الْيَمِينِ أَيُّهَا فَعَلَ أَجْزَأَهُ فَكَذَا أَيْ الْأَدِلَّةُ صَارَ إلَيْهِ وَأَخَذَ بِهِ كان حَقًّا والثاني أَنَّهُ لم يُنَصِّبْ عليها دَلَالَةً وَإِنَّمَا الْأَمْرُ فيها على غَالِبِ الظَّنِّ لِأَنَّهُ الْمُتَعَبَّدُ بِهِ تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ أَنَّ الصَّفِيَّ الْهِنْدِيَّ قد حَرَّرَ الْمَذَاهِبَ في هذه الْمَسْأَلَةِ تَحْرِيرًا جَيِّدًا فقال الْوَاقِعَةُ التي وَقَعَتْ إمَّا أَنْ يَكُونَ عليها نَصٌّ أَمْ لَا فَإِنْ كان الْأَوَّلُ فَإِمَّا أَنْ يَجْتَهِدَ الْمُجْتَهِدُ أَمْ لَا وَالثَّانِي على قِسْمَيْنِ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُقَصِّرَ في طَلَبِهِ أو لَا يُقَصِّرَ وَإِنْ وَجَدَهُ فَحَكَمَ بِمُقْتَضَاهُ فَلَا كَلَامَ وَإِنْ لم يَحْكُمْ بِمُقْتَضَاهُ فَإِنْ كان مع الْعِلْمِ بِوَجْهِ
  294. دَلَالَتِهِ على الْمَطْلُوبِ فَهُوَ مُخْطِئٌ وَآثِمٌ وِفَاقًا وَإِنْ لم يَكُنْ مع الْعِلْمِ وَلَكِنْ قُدِّرَ في الْبَحْثِ عنه فَكَذَلِكَ وَإِنْ لم يُقَصِّرْ بَلْ بَالَغَ في الِاسْتِكْشَافِ وَالْبَحْثِ ولم يَعْثُرْ على وَجْهِ دَلَالَتِهِ على الْمَطْلُوبِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ ما إذَا لم يَجِدْهُ مع الطَّلَبِ الشَّدِيدِ وَسَيَأْتِي وَإِنْ لم نَجِدْهُ فَإِنْ كان لِتَقْصِيرٍ في الطَّلَبِ فَهُوَ مُخْطِئٌ وَآثِمٌ وَإِنْ لم يُقَصِّرْ بِأَنْ بَالَغَ في التَّنْقِيبِ عنه وَأَفْرَغَ الْوُسْعَ في طَلَبِهِ وَمَعَ ذلك لم يَجِدْهُ فَإِنْ خَفِيَ عليه الرَّاوِي الذي عِنْدَهُ النَّصُّ أو عَرَفَهُ وَلَكِنْ مَاتَ قبل وُصُولِهِ إلَيْهِ فَهُوَ غَيْرُ آثِمٍ قَطْعًا وَهَلْ هو مُخْطِئٌ أَمْ مُصِيبٌ على الْخِلَافِ الْآتِي فِيمَا لَا نَصَّ فيه وَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ مُخْطِئًا وَأَمَّا التي لَا نَصَّ فيها فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ لِلَّهِ فيها قبل اجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِ حُكْمٌ مُعَيَّنٌ أو لَا بَلْ حُكْمُهُ تَابِعٌ لِاجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِ فَهَذَا الثَّانِي قَوْلُ من قال كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وهو مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْمُتَكَلِّمِينَ كَالشَّيْخِ أبي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَالْقَاضِي وَالْغَزَالِيِّ وَالْمُعْتَزِلَةِ كَأَبِي الْهُذَيْلِ وَأَبِي عَلِيٍّ وَأَبِي هَاشِمٍ وَأَتْبَاعِهِمْ وَنُقِلَ عن الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْمَشْهُورُ عنهما خِلَافُهُ وَهَذَا في أَنَّهُ وَإِنْ لم يُوجَدْ في الْوَاقِعَةِ حُكْمٌ مُعَيَّنٌ فَهَلْ وُجِدَ فيها ما لو حَكَمَ اللَّهُ فيها بِحُكْمٍ لَمَا حَكَمَ إلَّا بِهِ أو لم يُوجَدْ ذلك وَالْأَوَّلُ هو الْقَوْلُ بِالْأَشْبَهِ وهو قَوْلُ كَثِيرٍ من الْمِصْرِيِّينَ وَإِلَيْهِ صَارَ أبو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بن الْحَسَنِ وابن سُرَيْجٍ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عنه قال الْقَاضِي في مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ في الْأَشْبَهِ إلَى أَنَّهُ ليس هذا بَلْ هو أَوْلَى طُرُقِ الشَّبَهِ في الْمَقَايِيسِ وَالْعِبَرِ وَمَثَّلُوا ذلك بِإِلْحَاقِ الْأُرْزِ بِالْبُرِّ بِوَصْفِ الطُّعْمِ أو الْقُوتِ أو الْكَيْلِ وَأَحَدُ هذه الْأَوْصَافِ أَشْبَهُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْرَبُ في التَّمْثِيلِ وَأَمَّا الثَّانِي فَقَوْلُ الْمُخْلِصِ من الْمُصَوِّبَةِ وَأَمَّا الْأَوَّلُ وهو أَنَّ لِلَّهِ في الْوَاقِعَةِ حُكْمًا مُعَيَّنًا فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ عليه دَلَالَةٌ أو أَمَارَةٌ فَقَطْ أو ليس عليه دَلَالَةٌ وَلَا أَمَارَةٌ فَأَمَّا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ وهو أَنَّ على الْحُكْمِ دَلِيلًا يُفِيدُ الْعِلْمَ فَهُوَ قَوْلُ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ وَالْأَصَمِّ وَابْنِ عُلَيَّةَ وَهَؤُلَاءِ اتَّفَقُوا على أَنَّ الْمُجْتَهِدَ مَأْمُورٌ بِطَلَبِهِ وَأَنَّهُ إذَا وَجَدَهُ فَهُوَ مُصِيبٌ وإذا أَخْطَأَهُ فَهُوَ مُخْطِئٌ وَلَكِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا في الْمُخْطِئِ هل يَأْثَمُ وَيَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ فَذَهَبَ بَشَرٌ إلَى التَّأْثِيمِ وَأَنْكَرَهُ الْبَاقُونَ لِخَفَاءِ الدَّلِيلِ وَغُمُوضِهِ وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا في أَنَّهُ هل يُنْقَضُ قَضَاءُ الْقَاضِي فيه فَذَهَبَ الْأَصَمُّ إلَى أَنَّهُ يُنْقَضُ وَخَالَفَهُ الْبَاقُونَ وَأَمَّا الْقَوْلُ الثَّانِي وهو أَنَّ على الْحُكْمِ أَمَارَةً فَقَطْ فَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَكَثِيرٍ من الْمُتَكَلِّمِينَ وَهَؤُلَاءِ اخْتَلَفُوا فَمِنْ قَائِلٍ إنَّ الْمُجْتَهِدَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِإِصَابَتِهِ لِخَفَائِهِ وَغُمُوضِهِ وَإِنَّمَا هو مُكَلَّفٌ بِمَا غَلَبَ على ظَنِّهِ فَهُوَ وَإِنْ أَخْطَأَ على
  295. تَقْدِيرِ عَدَمِ إصَابَتِهِ لَكِنَّهُ مَعْذُورٌ مَأْجُورٌ وهو مَنْسُوبٌ إلَى الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَمَّا الْقَوْلُ الثَّالِثُ وهو أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ عليه وَلَا أَمَارَةَ فَذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ من الْمُتَكَلِّمِينَ وَزَعَمُوا أَنَّ ذلك الْحُكْمَ كَدَفِينٍ قال الْقَاضِي في مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ وَاخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ الْعُثُورَ عليه ليس بِوَاجِبٍ وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ الِاجْتِهَادُ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ الْعُثُورَ عليه مِمَّا يَجِبُ على الْمُكَلَّفِ وَإِنْ لم يَكُنْ عليه دَلِيلٌ الثَّانِي قال ابن فُورَكٍ هذا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ على إثْبَاتِ الْقَوْلِ بِالْقِيَاسِ فَأَمَّا من نَفَاهُ فَلَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ الْحَقَّ في وَاحِدٍ لَا غير الثَّالِثُ مِمَّا يَحْتَجُّ بِهِ الْمُصَوِّبَةُ حَدِيثُ بَعْثَةِ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ السَّرِيَّةِ لِسَبْيِ بَنِي قُرَيْظَةَ وقال لَا تَنْزِلُوا حتى تَأْتُوهُمْ فَجَاءَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ في أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ فَاخْتَلَفُوا حِينَئِذٍ فَمِنْهُمْ من نَزَلَ فَصَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ تَوَجَّهَ وَمِنْهُمْ من تَمَادَى وَحَمَلَ قَوْلَهُ لَا تَنْزِلُوا على ظَاهِرِهِ فلما عُرِضَتْ الْقِصَّةُ على النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لم يُخَطِّئْ أَحَدًا منهم ولم يُؤَثِّمْهُ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا اخْتَلَفَ الصِّدِّيقُ وَالْفَارُوقُ في أَفْضَلِيَّةِ الْوِتْرِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا أَصَبْتُمَا وَكَذَا الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ فَكَانَ مِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ ولم يَعِبْ أَحَدٌ على أَحَدٍ لِأَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا في أَفْضَلِيَّةِ الْعَزِيمَةِ على الرُّخْصَةِ أو الْعَكْسِ فَفَضَّلَ كُلٌّ جِهَةً وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ أَخَذَ بِالْأَفْضَلِ وَصَوَّبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مع الِاخْتِلَافِ وَيُحْتَجُّ لِلْمُخَطِّئَةِ بِحَدِيثِ إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِنْ أَخْطَأَ فَأَجْرٌ وَبِحَدِيثِ الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ لِأَنَّهُ لو لم يَكُنْ هَكَذَا لم يَكُنْ لِلتَّقْسِيمِ مَعْنًى
  296. وَبِقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ وَإِنْ طَلَبَ مِنْك أَهْلُ حِصْنٍ النُّزُولَ على حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ على حُكْمِ اللَّهِ فَإِنَّك لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لَا الرَّابِعُ قد سَأَلَ الْمِصِّيصِيُّ الْغَزَالِيَّ عن هذه الْمَسْأَلَةِ فقال الصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ الْوَقَائِعَ الشَّرْعِيَّةَ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ الْأَوَّلُ ما فيه نَصٌّ صَرِيحٌ كَأَكْلِ الضَّبِّ على مَائِدَةِ الرَّسُولِ عليه السَّلَامُ فَالْمُصِيبُ في مِثْلِ هذه الْمَسْأَلَةِ وَاحِدٌ إذْ النَّصُّ وَاحِدٌ وقد وَضَعَ الشَّرْعُ إبَاحَةَ الضَّبِّ وَعَلَى الْمُجْتَهِدِينَ تَعَرُّفُ ما وَضَعَهُ الشَّرْعُ فَمَنْ عَرَفَ فَقَدْ أَصَابَ وَمَنْ أَخْطَأَ النَّصَّ ولم يَعْثُرْ عليه فَقَدْ أَخْطَأَ أَيْ أَخْطَأَ النَّصَّ الذي كان مَأْمُورًا بِطَلَبِهِ وَلَوْ وَجَدَهُ لَلَزِمَهُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ وَيَكُونُ النَّصُّ كَالْقِبْلَةِ في حَقِّهِ وَالْمُصِيبُ فيها وَاحِدٌ وَلَهُ أَجْرَانِ وَلِلْمُخْطِئِ أَجْرٌ الثَّانِي ما لَا نَصَّ فيه وَلَكِنْ يَدُلُّ النَّصُّ عليه كَسِرَايَةِ عِتْقِ الْأَمَةِ إذْ لَا نَصَّ فيها وَلَكِنْ يَدُلُّ النَّصُّ عليه وَكَذَلِكَ ما شَهِدَ له النَّصُّ شَهَادَةً جَلِيَّةً بِقِيَاسٍ جَلِيٍّ فَمَنْ أَخْطَأَ مَعْنَى النَّصِّ كَمَنْ أَخْطَأَ عَيْنَ النَّصِّ لِأَنَّ النَّصَّ ثَبَتَ الْحُكْمُ لِمَعْنَاهُ لَا لِلَفْظِهِ وَمَهْمَا تَعَيَّنَ الْمَطْلُوبُ كان مُصِيبُهُ وَاحِدًا وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ أَخْطَأَ إلَّا أَنَّهُ أَخْطَأَ ما قَصَدَ الشَّرْعُ منه أَنْ يَعْثُرَ عليه وما لو عَثَرَ عليه وَجَبَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ عليه وَهَذَا كَالْأَوَّلِ الثَّالِثُ ما لَا يَتَعَرَّضُ له الشَّرْعُ لَا بِلَفْظٍ يَخُصُّهُ وَلَا يَخُصُّ غَيْرَهُ وَيَسْرِي إلَيْهِ وَلَكِنْ لِلْخَلْقِ فيه أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ فيه هو الْأَصْلَحُ لِلْعِبَادِ فَاطْلُبُوهُ فَهَذَا يَنْقَسِمُ إلَى ما هو أَصْلَحُ لِلْعِبَادِ فَكُلُّ ما عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ أَصْلَحُ لِلْعِبَادِ فَالْمُصِيبُ من أَمْرِ بِهِ وَمَنْ تَعَدَّاهُ فَهُوَ مُخْطِئٌ لِأَنَّ الْأَصْلَحَ قد تَعَيَّنَ عِنْدَ اللَّهِ وَصَارَ مَطْلُوبًا وَكُلُّ من طَلَبَ شيئا مُعَيَّنًا فَإِمَّا أَنَّهُ يُصِيبُ وَإِمَّا أَنْ يُخْطِئَ فَيُتَصَوَّرُ فيه الْخَطَأُ وَالصَّوَابُ وَكُلُّ ما تُصَوِّرَ فيه ذلك فَيُمَيَّزُ الْمُخْطِئُ لَا مَحَالَةَ في عِلْمِ اللَّهِ من الْمُصِيبِ
  297. الرَّابِعُ ما ليس لِلشَّرْعِ فيه حُكْمٌ مُعَيَّنٌ وَلَكِنْ قِيلَ لِلْمُجْتَهِدِينَ اُطْلُبُوا الْحُكْمَ وَتَرَدَّدُوا بين رَأْيَيْنِ وَكُلُّ وَاحِدٍ من الرَّأْيَيْنِ مُسَاوٍ لِلْآخَرِ في الصَّلَاحِ وَالْفَسَادِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَكُلُّ وَاحِدٍ من الْمُجْتَهِدِينَ هَاهُنَا مُصِيبٌ وَهَذَا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ في الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ أَمَّا شَرْعًا فَكُلُّ حُكْمٍ نِيطَ بِاجْتِهَادِ الْوُلَاةِ كَتَفْرِقَةِ الْعَطَاءِ على الْمُسْلِمِينَ وَالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمْ أو التَّفَاوُتِ كما اخْتَلَفَ فيه أبو بَكْرٍ وَعُمَرُ إذْ ليس فيه نَصٌّ على عَيْنِهِ وَلَا على مَسْأَلَةٍ قَرِيبَةٍ منه يُقَالُ إنَّهُ في مَعْنَاهُ وَلَكِنْ فيه إهْمَالٌ لِمَصْلَحَةِ تَمَيُّزِ الْفَاضِلِ من الْفُضُولِ وهو من الْمَصَالِحِ وفي التَّفَاوُتِ إحْدَى الْمَصْلَحَتَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى وَمَهْمَا قُوبِلَ ما في إحْدَاهُمَا من الْمَضَرَّةِ بِمَا في إحْدَاهُمَا من الْمَصْلَحَةِ يَجُوزُ أَنْ تَتَرَجَّحَ إحْدَاهُمَا وَيَجُوزُ أَنْ تَتَسَاوَيَا في عِلْمِ اللَّهِ بِالْجَبْرِ وَالْمُقَابَلَةِ وإذا تَسَاوَيَا في عِلْمِ اللَّهِ كان كُلُّ وَاحِدٍ صَوَابًا وَلَوْلَا هذا لَرَدَّ الْمَفْضُولُ في زَمَنِ عُمَرَ بَعْضَ ما أَخَذَهُ في زَمَانِ أبي بَكْرٍ أو لَامْتَنَعَ الْفَاضِلُ في زَمَنِ عُمَرَ من أَخْذِ الزِّيَادَةِ وَكُلُّهُمْ أَجْمَعُوا على أَخْذِ الْمَالَيْنِ وَتَقْرِيرِ الْحُكْمَيْنِ فَهَذَا منهم إجْمَاعٌ على أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَكَذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعُقُوبَةِ وَالنَّفَقَاتِ كما في شُرْبِ الْخَمْرِ إذْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ في التَّرَقِّي إلَى الثَّمَانِينَ مَضَرَّةٌ من وَجْهٍ وَمَصْلَحَةٌ من وَجْهٍ وَكَذَا الِاقْتِصَارُ على الْأَرْبَعِينَ وَهُمَا عِنْدَ اللَّهِ مُتَسَاوِيَانِ بِالْجَبْرِ وَالْمُقَابَلَةِ وَكَذَا كُلُّ وَاقِعَةٍ لَا نَصَّ فيها وَلَا هِيَ في مَعْنَى الْمَنْصُوصِ الْخَامِسُ مَسْأَلَةٌ تَدُورُ بين نَصَّيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ فَحُكْمُ اللَّهِ فيه الْأَصْلَحُ إنْ كان مَعْقُولَ الْمَعْنَى فَيُلْحَقُ بِالْقِسْمِ الرَّابِعِ وَالثَّالِثِ وَحُكْمُ اللَّهِ فيه الْأَخْذُ بِالْأَشْبَهِ إذَا لم يَكُنْ مَعْقُولَ الْمَعْنَى وقد يَكُونُ أَحَدُهُمَا عِنْدَ اللَّهِ أَشْبَهَ وقد تَكُونُ نِسْبَتُهُ في الشَّبَهِ إلَى الْجَانِبَيْنِ على التَّسَاوِي في عِلْمِ اللَّهِ فَهَذَا مُمْكِنٌ وإذا أَمْكَنَ فَكُلُّ وَاحِدٍ من الْقَوْلَيْنِ صَوَابٌ وَلَا مُخْطِئَ فيه إذْ الْخَطَأُ وَالصَّوَابُ يَسْتَدْعِي شيئا مُعَيَّنًا يَعْسُرُ الْوُقُوفُ عليه بِالصَّوَابِ وَعَنْ الْغَفْلَةِ عنه بِالْخَطَأِ وَهَاهُنَا يَتَعَيَّنُ أَحَدُ الْجَانِبَيْنِ على الْآخَرِ فَإِذًا إنْ كان التَّسَاوِي في الصَّلَاحِ أو الشَّبَهِ مُمْكِنًا في عِلْمِ اللَّهِ فَقَدْ صَحَّ ما قُلْنَاهُ وَمَنْ أَنْكَرَ هذا وَإِمْكَانَهُ أَثْبَتَ عليه بِقَوَاطِعِ الْعَقْلِ فإن الْمُبَاحَاتِ كُلَّهَا إنَّمَا سَوَّى الشَّرْعُ بين فِعْلِهَا وَتَرْكِهَا لِتَسَاوِيهَا عِنْدَهُ في صَلَاحِ الْخَلْقِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَحْكَامِ السِّيَاسَاتِ وَجَمِيعُ مَسَائِلِ تَقَابُلِ الْأَصْلَيْنِ يَكَادُ يَكُونُ من هذا الْجِنْسِ إذْ قَلَّمَا يَكُونُ فيها تَرْجِيحٌ فإذا قَضَى قَاضٍ بِتَحْلِيفِ أَحَدٍ وَقَضَى آخَرُ بِتَحْلِيفِ الْآخَرِ فَقَدْ أَصَابَا بَلْ أَقُولُ لو اسْتَوَى عِنْدَ قَاضٍ وَاحِدٍ الْمَصْلَحَةُ وَالْمَضَرَّةُ في
  298. أَمْرَيْنِ أو اسْتَوَى عِنْدَهُ الشَّبَهُ بِالْأَصْلَيْنِ أو الِاسْتِصْحَابُ في مُقَابِلِ الْأَصْلَيْنِ وَامْتَنَعَ التَّرْجِيحُ صَارَ مُخَيَّرًا كما في سَائِرِ الْمُبَاحَاتِ فَإِذًا من الْمَسَائِلِ ما يُعْلَم أَنَّ الْمُصِيبَ فيها وَاحِدٌ وهو كُلُّ ما يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَخْلُوَ عن حُكْمٍ مَذْكُورٍ في زَمَانِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم كَالْخَيْلِ مَثَلًا في أَنَّهُ هل يَحِلُّ أَكْلُهُ لِأَنَّهُ مع كَثْرَتِهِ في زَمَانِ الرَّسُولِ يُعْلَمُ أَنَّهُ ما أَغْفَلَهُ عن بَيَانِ حُكْمِهِ فَيَقْطَعُ بِأَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ وَإِنْ لم يَبْلُغْنَا فيه نَصٌّ مَثَلًا فَهَذَا حُكْمُ الْمُجْتَهِدِينَ عِنْدَ اللَّهِ فَأَمَّا عِنْدَنَا فَلَا يَطَّلِعُ عليه في حَقِّ آحَادِ الْأَشْخَاصِ وَأَعْيَانِ الْمَسَائِلِ وَيَدُلُّ على ذلك تَشْدِيدُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ في بَيْعِ الْعَيِّنَةِ وَاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ ذلك مُجَاوَزَةٌ لِحُكْمٍ ثَابِتٍ بِإِجْمَاعٍ وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ في زَمَانِ عُمَرَ على أَخْذِ الْفَضْلِ يَدُلُّ على وُجُودِ الْقِسْمِ الثَّانِي انْتَهَى وقال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ في شَرْحِ الْعُنْوَانِ اخْتَلَفُوا في كل مُجْتَهِدٍ في الْفُرُوعِ مُصِيبٌ أَمْ لَا وهو بِنَاءٌ على أَنَّهُ هل لِلَّهِ تَعَالَى في الْوَاقِعَةِ حُكْمٌ مُعَيَّنٌ أَمْ لَا وَلْنُقَدِّمْ عليه مُقَدِّمَةً وَهِيَ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى حُكْمَيْنِ أَحَدُهُمَا مَطْلُوبٌ بِالِاجْتِهَادِ وَنُصِبَ عليه الدَّلَائِلُ وَالْأَمَارَاتُ فإذا أُصِيبَ حَصَلَ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا أَجْرُ الْإِصَابَةِ وَالْآخَرُ أَجْرُ الِاجْتِهَادِ والثاني وُجُوبُ الْعَمَلِ بِمَا أَدَّى إلَيْهِ الِاجْتِهَادُ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عليه فَمَنْ يَنْظُرْ إلَى هذا الْحُكْمِ الثَّانِي ولم يَنْظُرْ في الْأَوَّلِ قال إنَّ حُكْمَ اللَّهِ على كل أَحَدٍ ما أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ وَمَنْ نَظَرَ إلَى الْأَوَّلِ قال الْمُصِيبُ وَاحِدٌ وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ حَقٌّ من وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَبِالنَّظَرِ إلَى وُجُوبِ الْمَصِيرِ إلَى ما أَدَّى إلَيْهِ الِاجْتِهَادُ وَأَمَّا الْآخَرُ فَبِالنَّظَرِ إلَى الْحُكْمِ الذي في نَفْسِ الْأَمْرِ الْمَطْلُوبِ بِالنَّظَرِ وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ بِقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ وَأَصَابَ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِالْإِصَابَةِ وَالْخَطَأِ وهو يَسْتَلْزِمُ أَمْرًا مُعَيَّنًا وقَوْله تَعَالَى فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَهَذَا الْقَوْلُ مَنْسُوبٌ إلَى الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ خَلَا أَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ وقال الْمُتَكَلِّمُونَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ قال وَنَحْنُ قد بَيَّنَّا غَوْرَ الْمَسْأَلَةِ وهو أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ الْإِصَابَةُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحُكْمِ
  299. على كل إنْسَانٍ بِمَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ فَهُوَ حَقٌّ وقد وَافَقَ الْغَزَالِيُّ الْمُتَكَلِّمِينَ وقال إنْ كان ثَمَّ تَقْصِيرٌ فَالْخَطَأُ وَاقِعٌ لِتَقْصِيرِهِ لَا لِخَطَئِهِ إصَابَةَ أَمْرٍ مُعَيَّنٍ وَإِنْ لم يَكُنْ ثَمَّ تَقْصِيرٌ فَلَا حُكْمَ في حَقِّهِ ما لم يَبْلُغْهُ النَّصُّ وَاسْتَدَلَّ بِمَسْأَلَةِ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ فإن أَهْلَ قُبَاءَ بَلَغَهُمْ النَّصُّ فَأَسْرَعُوا في الصَّلَاةِ ولم يَثْبُتْ الْحُكْمُ في حَقِّهِمْ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِدَلِيلِ عَدَمِ بُطْلَانِ الصَّلَاةِ وَكَذَلِكَ الْمُخَابَرَةُ فإن ابْنَ عُمَرَ كان يُخَابِرُ وَلَا يَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا حتى بَلَغَهُ خَبَرُ رَافِعِ بن خَدِيجٍ بِالنَّهْيِ عنها انْتَهَى مَسْأَلَةٌ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ مُكَلَّفٌ بِمَا غَلَبَ على ظَنِّهِ وَإِنْ أَخْطَأَ قالوا بِأَنَّهُ مَأْجُورٌ على الِاجْتِهَادِ وَإِنْ أَخْطَأَ وَالْمُخْطِئُ غَيْرُ مَأْجُورٍ على الْخَطَأِ وقال ابن أبي هُرَيْرَةَ الْمُخْطِئُ آثِمٌ وَقِيلَ غَيْرُ مَأْجُورٍ وَلَا آثِمٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ غَيْرُ آثِمٍ بَلْ هو مَأْجُورٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا قال الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَوْلَا هذه الْآيَةُ لَرَأَيْت أَنَّ الْحُكَّامَ قد هَلَكُوا ثُمَّ وَعَلَى مَاذَا يُؤْجَرُ اخْتَلَفُوا فقال الْمَاوَرْدِيُّ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ مَأْجُورٌ على الِاجْتِهَادِ وَإِنْ أَخْطَأَ فيه لِقَصْدِهِ الصَّوَابَ وَإِنْ لم يَظْفَرْ بِهِ إنَّمَا لَا يُؤْجَرُ على الْخَطَأِ لِأَنَّ الْأَجْرَ لِلتَّرْغِيبِ في الْمُثَابِ وَلَا تَرْغِيبَ في الْخَطَأِ قال أبو إِسْحَاقَ وَيَجُوزُ أَنْ يُؤْجَرَ على قَصْدِهِ وَإِنْ كان الْفِعْلُ خَطَأً كما لو اشْتَرَى رَقَبَةً فَأَعْتَقَهَا تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ ثُمَّ وَجَدَهَا حُرَّةَ الْأَصْلِ بَعْدَ تَلَفِ ثَمَنِهَا وهو مَأْجُورٌ وَإِنْ لم يَصِحَّ شِرَاؤُهُ وَعِتْقُهُ لم يَقَعْ لِمَا أتى بِهِ من الْقَصْدِ إلَى فَكِّ الرَّقَبَةِ وَالتَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ قال وقد نَصَّ الشَّافِعِيُّ على هذا وَأَيْضًا لَا بُدَّ لِلْمُجْتَهِدِ أَنْ يَعْدِلَ في اجْتِهَادِهِ عن طُرُقٍ فَاسِدَةٍ فَيَفْتَحَ له فَاسِدَهَا إلَى طُرُقٍ مُسْتَقِيمَةٍ يَظُنُّ فيه الْحَقَّ فَعُدُولُهُ عن تِلْكَ الطَّرِيقَةِ الْفَاسِدَةِ اجْتِهَادٌ صَحِيحٌ فَأُثِيبَ على ذلك قال أبو إِسْحَاقَ وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرَ أَنَّهُ يُؤْجَرُ على نِيَّتِهِ وَعَلَى نَفْسِ الِاجْتِهَادِ وَلَا يُؤْجَرُ على الْحُكْمِ لِخَطَئِهِ فيه فَأَمَّا اجْتِهَادُهُ بِمَا بَلَغَ فيه فَصَوَابٌ وما بَقِيَ عليه من اجْتِهَادِهِ إلَى بُلُوغِ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ فَهُوَ مَعْذُورٌ في تَخَلُّفِهِ عنه لِأَنَّ فَهْمَهُ بَلَغَ فيه بَعْضَ طُرُقِهِ ولم يَبْلُغْ بِهِ أَقْصَى ما طَلَبَهُ وهو فِيمَا إذَا أتى بِهِ منه مَأْجُورٌ وَمُصِيبٌ فيه وَمَنْزِلَتُهُ مَنْزِلَةُ الْحَاجِّ الذي أُمِرَ بِقَطْعِ الْمَسَافَةِ لِيَبْلُغَ بِهِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ فَسَلَكَ بَعْضَ الطَّرِيقِ وَضَعُفَ عن
  300. بَاقِيهِ وَتَلِفَتْ رَاحِلَتُهُ يُؤْجَرُ على الْقَدْرِ الذي قَصَدَهُ وَعَبَّرَ الْقَفَّالُ عن هذا فقال لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ في قَصْدِهِ الْخَطَأَ الْمَوْضُوعَ عنه وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ على إنْشَاءِ قَصْدِ الثَّوَابِ وَمِثَالُهُ أَنْ يَقُومَ لِيَخْرُجَ إلَى مَكَّةَ فَأَخْطَأَ في وَصْفِ الطَّرِيقِ وَعَدَلَ إلَى طَرِيقٍ آخَرَ فَثَوَابُهُ من ابْتِدَاءِ قَصْدِهِ إلَى مَوْضِعِ عُدُولِهِ عن الْخَطَأِ قال وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ لَا يُؤْجَرُ على الْخَطَأِ إنَّمَا لَا يُؤْجَرُ على قَصْدِ الثَّوَابِ وقد قال النبي عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ من عَمَلِهِ وَلَهُ ثَلَاثُ احْتِمَالَاتٍ أَحَدُهَا أَنَّ نِيَّتَهُ في الِاجْتِهَادِ خَيْرٌ من خَطَئِهِ في الِاجْتِهَادِ وَثَانِيهَا أَنَّ نِيَّتَهُ خَيْرٌ من صَوَابِ عَمَلِهِ وَثَالِثُهَا أَنَّ النِّيَّةَ أَوْسَعُ من الْعَمَلِ لِأَنَّهَا تَسْبِقُ الْأَقْوَالَ وَالْأَفْعَالَ فَتُعَجِّلُ عليها وقال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ ما قَالَهُ أبو إِسْحَاقَ أَوَّلًا أَصَحُّ لِأَنَّ ذلك الِاجْتِهَادَ هو خِلَافُ الِاجْتِهَادِ الذي يُصِيبُ بِهِ الْحَقَّ لِأَنَّهُ لو وَصَفَهُ في صِفَتِهِ وَرَتَّبَهُ على تَرْتِيبِهِ لَقَضَى بِهِ إلَى الْحَقِّ فَلَا يُؤْجَرُ عليه وَلَا على بَعْضِ أَجْزَائِهِ وقال أبو عبد اللَّهِ الطَّبَرِيُّ في الْعُدَّةِ يُثَابُ الْمُخْطِئُ على مَاذَا فيه قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا على الِاجْتِهَادِ كَرَجُلَيْنِ سَلَكَا الْجَامِعَ من طَرِيقَيْنِ قَصَدَ أَحَدُهُمَا الطَّرِيقَ أُثِيبَ عليه وَإِنْ لم يَصِلْ إلَى الْجَامِعِ والثاني على الْقَصْدِ كَرَجُلَيْنِ رَمَيَا إلَى كَافِرٍ فَأَصَابَهُ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ يُثَابُ الْمُخْطِئُ على الْقَصْدِ وَحَكَاهَا الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ عن بَعْضِ أَصْحَابِنَا بِخُرَاسَانَ ثُمَّ قال وَإِطْلَاقُ الْقَوْلَيْنِ خَطَأٌ على ما بَيَّنْت وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الذي ذَهَبَ إلَيْهِ الْأَئِمَّةُ أَنَّهُ لَا يُؤْجَرُ على الْخَطَأِ بَلْ على قَصْدِهِ الصَّوَابَ وَقِيلَ بَلْ على اسْتِدَادِهِ في تَقَصِّي النَّظَرِ فإن الْمُخْطِئَ يَسْتَدُّ أَوَّلًا ثُمَّ يَزُولُ قال وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ لِأَنَّ الْمُخْطِئَ قد يَحِيدُ في الْأَوَّلِ عن سُنَنِ الصَّوَابِ ثُمَّ هو مَأْجُورٌ بِحُكْمِ الْخَبَرِ لِقَصْدِ الصَّوَابِ وَإِنْ أَخْطَأَهُ وقال الرَّافِعِيُّ في الشَّرْحِ ثُمَّ الْأَجْرُ على مَاذَا فيه وَجْهَانِ عن أبي إِسْحَاقَ
  301. الْمَرْوَزِيِّ أَحَدُهُمَا وهو ظَاهِرُ النَّصِّ وَاخْتِيَارُ الْمُزَنِيّ وَأَبِي الطَّيِّبِ أَنَّهُ على الْقَصْدِ إلَى الصَّوَابِ دُونَ الِاجْتِهَادِ لِأَنَّهُ أَفْضَى بِهِ إلَى الْخَطَأِ فَكَأَنَّهُ لم يَسْلُكْ الطَّرِيقَ الْمَأْمُورَ بِهِ قُلْت حَكَاهُ الْمُزَنِيّ في كِتَابِ ذَمِّ التَّقْلِيدِ عن النَّصِّ فقال قال الشَّافِعِيُّ في الحديث إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ لَا يُؤْجَرُ على الْخَطَأِ في الدِّينِ لم يُؤْمَرْ بِهِ أَحَدٌ وَإِنَّمَا يُؤْجَرُ لِإِرَادَتِهِ الْحَقَّ الذي أَخْطَأَهُ قال الْمُزَنِيّ فَقَدْ ثَبَتَ الشَّافِعِيُّ في هذا أَنَّ الْمُخْطِئَ أَحْدَثَ في الدِّينِ ما لم يُؤْمَرْ بِهِ ولم يُكَلِّفْهُ وَإِنَّمَا أَجْرُهُ على نِيَّتِهِ لَا على خَطَئِهِ انْتَهَى وَشَبَّهَهُ الْقَفَّالُ في الْفَتَاوَى بِرَجُلَيْنِ رَمَيَا إلَى كَافِرٍ فَأَخْطَأَ أَحَدُهُمَا يُؤْجَرُ على قَصْدِهِ الْإِصَابَةَ بِخِلَافِ السَّاعِي إلَى الْجُمُعَةِ إذَا فَاتَتْهُ يُؤْجَرُ على الْقَصْدِ وَإِنْ لم يَنَلْ ثَوَابَ الْعَمَلِ والثاني أَنَّهُ يُؤْجَرُ على الْقَصْدِ وَالِاجْتِهَادِ جميعا لِأَنَّهُ بَذَلَ وُسْعَهُ في طَلَبِ الْحَقِّ وَالْوُقُوفِ عليه وَرُبَّمَا سَلَكَ الطَّرِيقَ في الِابْتِدَاءِ ولم يَتَيَسَّرْ له الْإِتْمَامَ قال ابن الرِّفْعَةِ وَهَذَا مُنَاسِبٌ إذَا سَلَكَهُ في الِابْتِدَاءِ فَإِنْ حَادَ عنه في الْأَوَّلِ تَعَيَّنَ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ وَاسْتَدَلَّ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ بِأَنَّهُ لو كان الْقَصْدُ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عُشْرَ أَجْرِ الْمُصِيبِ لِقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ من هَمَّ بِحَسَنَةٍ ولم يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ له حَسَنَةٌ فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ له عَشْرُ حَسَنَاتٍ قُلْت وقد جاء ذلك مُصَرَّحًا بِهِ في مُسْنَدِ أَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وقد سَبَقَ بَيَانُ حَالِهِ في مَسْأَلَةِ الِاجْتِهَادِ في زَمَانِهِ قال الشَّافِعِيُّ في الرِّسَالَةِ في الرَّجُلِ يَطَأُ أَمَتَهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ أنها أُخْتُهُ أَمَّا في الْغَيْبِ فلم تَزَلْ أُخْتَهُ أَوَّلًا وَآخِرًا وَأَمَّا في الظَّاهِرِ فَكَانَتْ له حَلَالًا ما لم يَعْلَمْ وَعَلَيْهِ حَرَامٌ حين عَلِمَ وَقِيلَ له إنَّ غَيْرَك يقول إنَّهُ لم يَزَلْ آثِمًا بِإِصَابَتِهَا وَلَكِنَّ الْإِثْمَ مَرْفُوعٌ عنه
  302. مَسْأَلَةٌ نُقِلَ عن دَاوُد وَأَصْحَابِ الظَّاهِرِ أَنَّ كُلَّ من أَفْتَى في حَادِثَةٍ بِحُكْمٍ يُرِيدُ بِهِ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ فَهُوَ مُصِيبٌ سَوَاءٌ كان مُجْتَهِدًا أو لم يَكُنْ وَهَذَا يَزِيدُ على الْعَنْبَرِيِّ لِأَنَّ ذَاكَ صَوَّبَ كُلَّ مُجْتَهِدٍ في الْأَصْلِ وَهَذَا صَوَّبَ في كل شَيْءٍ وَإِنْ لم يَكُنْ مُجْتَهِدًا بَعْدَمَا بَذَلَ وُسْعَهُ تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ من صَوَّبَ الْمُجْتَهِدِينَ شَرَطَ في ذلك أَنْ لَا يَكُونَ مَذْهَبُ الْخَصْمِ مُسْتَنِدًا إلَى دَلِيلٍ يَنْقُضُ الْحُكْمَ الْمُسْتَنِدَ إلَيْهِ قَالَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ في قَوَاعِدِهِ قال وَلِهَذَا لم يَكُنْ شُرْبُ الْحَنَفِيِّ لِلنَّبِيذِ مُبَاحًا وَإِنْ قُلْنَا بِتَصْوِيبِهِمْ وقد أَوْرَدَ على الْقَائِلِينَ بِهِ قَوْلَهُمْ إنَّهُ لَا حُكْمَ في النَّازِلَةِ مُعَيَّنًا فَصَارَ كَمَنْ يقول ليس في الْبَيْتِ مَتَاعٌ وَكُلُّ من وَجَدَ فيه مَتَاعًا وَجَدَهُ وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ يَعْنِي لَا حُكْمَ أَيْ مُعَيَّنًا فيها فَيُدْرَكُ قبل الطَّلَبِ كما يُدْرَكُ بِغَيْرِ طَلَبٍ من النَّصِّ الظَّاهِرِ بَلْ فيها حُكْمٌ لها وَلِغَيْرِهَا يُدْرِكُهُ الْمُجْتَهِدُ عِنْدَ تَصَفُّحِ قَوَانِينِ الشَّرْعِ الْكُلِّيَّةِ تَلْحَقُ بها الْجُزَيْئَاتُ فَفِي كل مَسْأَلَةٍ حُكْمٌ مُعَيَّنٌ على هذا الْوَجْهِ قال تَعَالَى ما فَرَّطْنَا في الْكِتَابِ من شَيْءٍ الثَّانِي قِيلَ على أُصُولِ الْمُصَوِّبَةِ إنَّا نَقْطَعُ بِالْأَحْكَامِ وَإِنَّ الْمُخَطِّئَةَ تَظُنُّهَا ظَنًّا قال ابن الْمُنَيَّرِ وهو عِنْدِي وَهْمٌ على الْقَوْمِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُصَوِّبَةَ تَقُولُ لَا يَكْفِيهِ أَيُّ ظَنٍّ كان بَلْ لَا بُدَّ من اجْتِهَادٍ وَبَذْلِ وَسْعٍ في تَصْحِيحِ الْمُقْتَضَى وَتَحْقِيقِ الشَّرْطِ وَرَفْعِ الْمُعَارَضَاتِ بِحَيْثُ لو دخل بِذَلِكَ لَكَانَ مُخْطِئًا آثِمًا الثَّالِثُ قِيلَ الدَّلِيلُ على أَنَّهُ ليس كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا قَوْلُ من قال من الْمُجْتَهِدِينَ ليس كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا لِأَنَّهُ إنْ أَصَابَ فما قَالَهُ حَقٌّ وَإِنْ أَخْطَأَ فَقَدْ نَقَضَ قَوْلَهُ فلم يَكُنْ كُلُّ مُجْتَهِد مُصِيبًا وَلَك في حَلِّ هذه الشُّبْهَةِ طُرُقٌ إحْدَاهَا أَنَّ الْمَسْأَلَةَ قَطْعِيَّةٌ كما صَرَّحَ بِهِ الْأُصُولِيُّونَ وَالْخِلَافُ في أَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ إنَّمَا هو في الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ أَمَّا الْمَسَائِلُ الْأُصُولِيَّةُ الْقَطْعِيَّةُ فَالْمُصِيبُ فيها وَاحِدٌ قَطْعًا الثَّانِيَةُ يَلْتَزِمُ أَنَّهُ مُصِيبٌ في قَوْلِهِ ليس كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا وَلَكِنْ لَمَّا قُلْت أَنَّهُ
  303. يَلْزَمُ من ذلك أَنْ يَكُونَ الْوَاقِعُ في نَفْسِ الْأَمْرِ ليس إلَّا أَنَّهُ ليس كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا وَقَوْلُك أَنَّهُ مُصِيبٌ قُلْنَا وَكَذَلِكَ خَصْمُهُ أَيْضًا مُصِيبٌ بِنَاءً على الْقَوْلِ الْمُصَوِّبِ بِحُكْمِ اللَّهِ في حَقِّ هذا أَنَّهُ ليس كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا غير أَنَّهُ في حَقِّ خَصْمِهِ أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ الرَّابِعُ سَلَّمْنَا أَنَّ هذه الْمَسْأَلَةَ من الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ الْفِقْهِيَّةِ لَكِنْ ما الذي يَعْنِي الْقَائِلُ بِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ إمَّا أَنْ يَعْتَقِدَ بُطْلَانَ قَوْلِ الْقَائِلِ بِأَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ أو يَعْتَقِدَ صِحَّتَهُ وَإِنْ عَنَيْت بِالْبَاطِلِ ما لَا يَكُونُ مُطَابِقًا لِمَا في نَفْسِ الْأَمْرِ وَبِالصِّحَّةِ ما يَكُونُ مُطَابِقًا له فَهُوَ فَاسِدٌ مِنَّا لِأَنَّهُ مَحَلُّ النِّزَاعِ كَيْفَ وَأَنَّ مَذْهَبَ الْقَائِلِ بِتَصْوِيبِ الْجَمِيعِ أَنَّهُ لَا حُكْمَ له أَصْلًا وَإِنَّمَا الْأَحْكَامُ تَابِعَةٌ لِظُنُونِ الْمُجْتَهِدِينَ وَإِنْ عَنَيْت بِالْبَاطِلِ وَالْحَقِّ ما في ظَنِّ الْمُجْتَهِدِينَ من غَيْرِ أَنْ يَكُونَ في الْوَاقِعَةِ حُكْمٌ مُعَيَّنٌ في نَفْسِ الْأَمْرِ فَجَمِيعُ الْأَحْكَامِ الِاجْتِهَادِيَّةِ على هذا التَّقْدِيرِ حَقٌّ وَصَوَابٌ فَإِذًا الْقَوْلُ بِتَصْوِيبِ الْكُلِّ وَعَدَمِهِ حَقٌّ وَصَوَابٌ لِأَنَّهُ غَالِبٌ على ظَنِّ تَقْيِيدِهِ الْخَامِسُ إنَّ من فُرُوعِ هذه الْمَسْأَلَةِ اقْتِدَاءَ الشَّافِعِيِّ كما قال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في النِّهَايَةِ وَالْأَصَحُّ فيه الصِّحَّةُ إلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ إخْلَالُهُ بِمَا يَشْتَرِطُهُ وَيُوجِبُهُ لِأَنَّا نَقْطَعُ بِالْمُخَالَفَةِ حِينَئِذٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبًا رَاجِحًا عِنْدَهُ وَلِهَذَا قال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ لَا يَجُوزُ لِلشَّافِعِيِّ أَنْ يُفَوِّضَ الْقَضَاءَ إلَى الْحَنَفِيِّ في مَسْأَلَةٍ يَعْتَقِدُ الْمُفَوِّضُ أَنَّ مَذْهَبَ أبي حَنِيفَةَ فيها غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ يُعِينُ على ما يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ قال وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يُفَوِّضَ إلَيْهِ الْحُكْمَ فيها لِاحْتِمَالِ أَنْ يَتَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فَيُوَافِقُ الشَّافِعِيَّ فَلَا يَكُونُ الْمُفَوِّضُ عِنْدَ التَّفْوِيضِ مُعِينًا على ما يَعْتَقِدُ مَنْعَهُ فُرُوعٌ الْأَوَّلُ قد رَاعَى الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ خِلَافَ الْخَصْمِ في مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ وهو إنَّمَا يَتَمَشَّى على الْقَوْلِ بِأَنَّ مُدَّعِيَ الْإِصَابَةِ لَا يَقْطَعُ بِخَطَأِ مُخَالِفِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَمَّا كان يَجُوزُ خِلَافُ ما غَلَبَ على ظَنِّهِ وَنَظَرَ في مُتَمَسِّكِ خَصْمِهِ فَرَأَى له مَوْقِعًا رَاعَاهُ على وَجْهٍ لَا يُخِلُّ بِمَا غَلَبَ على ظَنِّهِ وَأَكْثَرُهُ من بَابِ الِاحْتِيَاطِ وَالْوَرَعِ وَهَذَا من دَقِيقِ النَّظَرِ وَالْأَخْذِ بِالْحَزْمِ وقال الْقُرْطُبِيُّ وَلِذَلِكَ رَاعَى مَالِكٌ الْخِلَافَ قال وَتَوَهَّمَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ يُرَاعِي صُورَةَ الْخِلَافِ وهو جَهْلٌ أو عَدَمُ إنْصَافٍ وَكَيْفَ هذا وهو لم يُرَاعِ كُلَّ خِلَافٍ وَإِنَّمَا رَاعَى خِلَافًا لِشِدَّةِ قُوَّتِهِ ==
  304. =======ج24.==========ج24.=====ج24.=============================
  305. مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة

  306. ج24. كتاب : البحر المحيط في أصول الفقه
  307. المؤلف : بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الزركشي
  308. قُلْت وقد يُرَاعِي الشَّافِعِيُّ الْخِلَافَ الْمُشَدَّدَ على نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ وَلِهَذَا لَمَّا قَرَّرَ الْقَصْرَ على مَرْحَلَتَيْنِ قال فَأَمَّا أنا فَأُحِبُّ أَنْ لَا أَقْصُرَ في أَقَلَّ من ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ احْتِيَاطًا على نَفْسِي قال الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وهو كَقَوْلِهِ إذَا مَرِضَ الْإِمَامُ أَنَّهُ يُصَلِّي قَاعِدًا وَالنَّاسُ قِيَامٌ خَلْفَهُ ولَا أُفَضِّلُ له أَنْ يَسْتَخْلِفَ من يُصَلِّي بِهِمْ حتى يَخْرُجَ من الْخِلَافِ وَلَهُ نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ على أَنَّ الْإِبْيَارِيَّ اسْتَشْكَلَ اسْتِحْبَابَ الْخُرُوجِ من الْخِلَافِ فإن الْأُمَّةَ إذَا اخْتَلَفَتْ على قَوْلَيْنِ بِالتَّحْرِيمِ وَالْإِبَاحَةِ فَالْقَوْلُ بِأَنَّ التَّرْكَ مُتَعَلِّقٌ بِالثَّوَابِ وَالْفِعْلُ جَائِزٌ قَوْلٌ لم يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ نعم الْوَرَعُ يَلِيقُ بِهِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ عَيْنَ الْخِلَافِ لَا يَنْتَصِبُ شُبْهَةً وَلَا يُرَاعَى بَلْ النَّظَرُ إلَى الْمَأْخَذِ وَقُوَّتِهِ قال الرُّويَانِيُّ في بَابِ الشَّهَادَاتِ من الْبَحْرِ لو كان الْخِلَافُ بِنَفْسِهِ يَنْتَصِبُ شُبْهَةً لَاسْتَوَتْ الْمَسْأَلَتَانِ يَعْنِي مَسْأَلَةَ إيجَابِ الْحَدِّ على الْحَنَفِيِّ بِشُرْبِ النَّبِيذِ وَشَهَادَتِهِ وَإِنَّمَا الشُّبْهَةُ في الدَّلَائِلِ الثَّانِي لو كان الزَّوْجَانِ مُجْتَهِدَيْنِ فَخَاطَبَهَا الزَّوْجُ بِلَفْظَةٍ نَوَى بها الْكِنَايَةَ في الطَّلَاقِ وَلَا نِيَّةَ وَتَرَى الْمَرْأَةُ أنها صَرِيحَةٌ فيه فَلِلزَّوْجِ طَلَبُ الِاسْتِمْتَاعِ بها وَلَهَا الِامْتِنَاعُ منه عَمَلًا مع كُلٍّ مِنْهُمَا بِمُقْتَضَى اجْتِهَادِهِ وَطَرِيقُ قَطْعِ الْمُنَازَعَةِ بَيْنَهُمَا أَنْ يُرَاجِعَا مُجْتَهِدًا آخَرَ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمَا بِمَا يُؤَدِّي إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ سَوَاءٌ قُلْنَا الْمُصِيبُ وَاحِدٌ أَمْ كُلٌّ مُصِيبٌ فَإِنْ كَانَا مُقَلِّدَيْنِ قَلَّدَ من شَاءَ فَإِنْ اخْتَلَفَا يُخَيَّرُ إنْ اسْتَوَيَا وَإِلَّا فَيُقَلِّدُ الْأَعْلَمَ وَالْأَوْرَعَ وَإِنْ كانت تَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ عَمِلَ بِمَا قُلْنَا في الْمُجْتَهِدِينَ هَكَذَا قال في الْمَحْصُولِ وَغَيْرِهِ وَأَمَّا الْقَاضِي فذكر في مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ أَنَّ من الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ من صَارَ في هذه الصُّورَةِ إلَى الْوَقْفِ حتى يَرْفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي فَعَلَى هذا يَكُونُ حُكْمُ اللَّهِ فيها هو الْوَقْفُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا حتى يَرْفَعَ أَمْرَهَا إلَى الْقَاضِي فَيَنْزِلَهَا على اعْتِقَادِ نَفْسِهِ وَهَذَا حُكْمُ اللَّهِ حِينَئِذٍ وَمِنْهُمْ من قال تُسَلَّمُ الْمَرْأَةُ إلَى الزَّوْجِ الْأَوَّلِ فَإِنْ نَكَحَهَا نِكَاحًا يَعْتَقِدُ صِحَّتَهُ وهو السَّابِقُ بِهِ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ هذا هو الْحُكْمُ قال وَهَذِهِ الصُّورَةُ وَأَمْثَالُهَا من الْمُجْتَهِدَاتِ وَفِيهَا تَقَابُلُ الِاحْتِمَالَاتِ فَيَجْتَهِدُ الْمُجْتَهِدُ فيها عِنْدَنَا وما أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ فَهُوَ حَقٌّ من وَقْفٍ أو تَقْدِيمٍ أو غَيْرِهِمَا من وُجُوهِ الْجَوَابِ
  309. الثَّالِثُ وَلَا يُنْقَضُ الِاجْتِهَادُ بِالِاجْتِهَادِ وَإِلَّا يُؤَدِّي إلَى نَقْضِ النَّقْضِ وَيَتَسَلْسَلُ فَتَضْطَرِبُ الْأَحْكَامُ وَلَا يُوثَقُ فيها فَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ الْمُجْتَهِدَ خَالَعَ امْرَأَتَهُ وَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى أَنَّ الْخُلْعَ فَسْخٌ وَلَيْسَ بِطَلَاقٍ فَتَزَوَّجَهَا الرَّابِعَةَ بَعْدَ ذلك بِمُقْتَضَى هذا الِاعْتِقَادِ من غَيْرِ مُحَلِّلٍ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ وَأَدَّاهُ إلَى أَنَّهُ طَلَاقٌ فَإِنْ تَغَيَّرَ بَعْدَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِمُقْتَضَى الِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ لم يَنْقَضِ بِالِاجْتِهَادِ الثَّانِي بَلْ يَبْقَى على النِّكَاحِ وَإِنْ تَغَيَّرَ قبل الْقَضَاءِ بِالصِّحَّةِ وَجَبَ عليه مُفَارَقَتُهَا لِأَنَّ الْمُصَاحِبَ الْآنَ قَاضٍ بَانَ اجْتِهَادُهُ الْأَوَّلُ خَطَأً فَيُعْمَلُ بِهِ وَلَيْسَ هذا نَقْضَ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ بَلْ تَرْكَ الْعَمَلِ بِالِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ هَكَذَا ذَكَرَهُ في الْمُسْتَصْفَى وَالْمَحْصُولِ وَالْمِنْهَاجِ وَقَوْلُهُ في الْحَاكِمِ مَبْنِيٌّ على أَنَّ حُكْمَهُ يَنْفُذُ بَاطِنًا وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُ من فِرَاقِهِ إيَّاهَا نَقْضُ حُكْمِ الْحَاكِمِ لِأَنَّ هذا بِالنِّسْبَةِ إلَى أَمْرِهِ في خَاصَّةِ نَفْسِهِ وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ عن الْغَزَالِيِّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَسْرِيحُهَا ولم يذكر هذا التَّفْصِيلَ ثُمَّ قال وَأَبْدَى تَرَدُّدًا فِيمَا إذَا فَعَلَ الْمُقَلِّدُ مِثْلَ ذلك ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُ مُقَلَّدِهِ قال وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْجَوَابَ كَذَلِكَ لو تَغَيَّرَ اجْتِهَادُ الْمُقَلِّدِ في الصَّلَاةِ فإنه يَتَحَوَّلُ وَهَذَا الذي قَالَهُ الْغَزَالِيُّ نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عن الصَّيْمَرِيِّ وَالْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ قال وَلَا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا لِأَصْحَابِنَا هذا فِيمَا إذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ في حَقِّ نَفْسِهِ فَلَوْ تَغَيَّرَ في حَقِّ غَيْرِهِ كما لو أَفْتَى مُقَلِّدُهُ بِصِحَّةِ نِكَاحِ الْمُخْتَلِعَةِ ثَلَاثًا وَنَكَحَهَا الْمُقَلِّدُ عَمَلًا بِقَوْلِهِ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ قال في الْمَحْصُولِ وَالْإِحْكَامِ وَتَبِعَهُ الْإِبْيَارِيُّ في شَرْحِ الْبُرْهَانِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجِبُ عليه تَسْرِيحُهَا كما في حَقِّ نَفْسِ الْمُجْتَهِدِ بِخِلَافِ قَضَاءِ الْقَاضِي فإنه مَتَى اتَّصَلَ بِالْحُكْمِ الْمُجْتَهَدِ فيه اسْتَقَرَّ ولم يَكُنْ له النَّقْضُ عِنْدَ تَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ وقال صَاحِبُ الْمَحْصُولِ لو نَكَحَ رَجُلٌ نِكَاحًا في مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ ثُمَّ اسْتَفْتَى فَأَفْتَاهُ بِالْإِفْسَادِ فَهَلْ تَبِينُ الْمَرْأَةُ على الزَّوْجِ لِمُجَرَّدِ الْفَتْوَى فيه وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا نعم وَالثَّانِي لَا حتى يَقْضِيَ الْقَاضِي قُلْت وَحَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في النِّهَايَةِ في بَابِ الِامْتِنَاعِ عن الْيَمِينِ عن رِوَايَةِ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ قال وَذَكَرَ وَجْهًا ثَالِثًا مُفَصَّلًا فقال إنْ صَحَّحَ النِّكَاحُ قَاضٍ فَالْفَتْوَى لَا تَرْفَعُهُ وَإِنْ لم يَتَّصِلْ تَصْحِيحُهُ بِقَضَاءِ قَاضٍ ارْتَفَعَ بِالْفَتْوَى وَحَكَاهَا الْمَاوَرْدِيُّ أَيْضًا في
  310. بَابِ عَدَدِ الشُّهُودِ قال وَهَذَا إذَا اعْتَمَدَ في الْعَقْدِ الْفَتْوَى فَلَوْ كان الْحَاكِمُ مُتَوَلِّيَهُ لم يَرْتَفِعْ إلَّا بِحُكْمِهِ وَخَصَّ الْخِلَافَ بِمَا إذَا لم يَكُونَا مُجْتَهِدَيْنِ فَإِنْ كان الزَّوْجَانِ مُجْتَهِدَيْنِ وَاخْتَلَفَا فَلَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ وَجَزَمَ ابن السَّمْعَانِيِّ بِأَنَّ الْمُفْتِيَ إذَا أَفْتَاهُ بِاجْتِهَادِهِ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ لَا يَلْزَمُهُ تَعْرِيفُ الْمُسْتَفْتَى بِتَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ إذَا كان قد عَمِلَ بِهِ وَإِلَّا فَيَنْبَغِي أَنْ يُعَرِّفَهُ إنْ تَمَكَّنَ منه لِأَنَّ الْعَامِّيَّ إنَّمَا يَعْمَلُ بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ وقد خَرَجَ عن ذلك فَيَنْبَغِي أَنْ يُخْبِرَهُ عن قَوْلِهِ وَلَوْ قال مُجْتَهِدٌ لِلْمُقَلِّدِ وَالصُّورَةُ هذه أَخْطَأَ بِهِ من قَلَّدْتَهُ فَإِنْ كان الذي قَلَّدَهُ أَعْلَمَ فَهُوَ كما لو تَغَيَّرَ اجْتِهَادُ مُقَلِّدِهِ وَإِلَّا فَلَا أَثَرَ له قال النَّوَوِيُّ وَهَذَا ليس بِشَيْءٍ بَلْ الْوَجْهُ الْجَزْمُ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَلَا أَثَرَ لِقَوْلِ الثَّانِي الرَّابِعُ حَيْثُ كانت حُجَّةُ الْحُكْمِ قَطْعِيَّةً فَالْمُخْتَارُ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ إذَا وَقَعَ بِخِلَافِهِ يُنْتَقَضُ بِخِلَافِ الظَّنِّيَّةِ وَقِيلَ في جَمِيعِ الْأَحْكَامِ وَعَلَى هذا قَوْلُ من يَجْعَلُ على الْحَاكِمِ دَلِيلًا قَاطِعًا وَبَعْضُ هَؤُلَاءِ قال لَا يُنْقَضُ في شَيْءٍ من الْأَحْكَامِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُنْتَقَضُ في الِاجْتِهَادِيَّاتِ وَإِنْ قُلْنَا الْمُصِيبُ وَاحِدٌ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهِ وَمِنْهُ ما لو حَكَمَ بِاجْتِهَادِهِ لِدَلِيلٍ أو أَمَارَةٍ ثُمَّ ظَهَرَ له أَمَارَةٌ تُسَاوِي الْأُولَى وَكَذَا ما هو أَرْجَحُ من الْأُولَى لَكِنْ لَا يَنْتَهِي إلَى ظُهُورِ النَّصِّ وَإِنْ كان لو قَارَنَ لَوَجَبَ الْحُكْمُ بِهِ لِأَنَّ الرُّجْحَانَ حَاصِلٌ حَالَ الْحُكْمِ أَمَّا لو ظَهَرَ نَصٌّ أو إجْمَاعٌ أو قِيَاسٌ جَلِيٌّ بِخِلَافِهِ نُقِضَ هو وَغَيْرُهُ لِأَنَّهُ مَقْطُوعٌ بِهِ فلم يَنْقُضْهُ الظَّنُّ وَإِنَّمَا نُقِضَ بِالدَّلِيلِ الْقَاطِعِ على تَقْدِيمِ النَّصِّ وَالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ على الِاجْتِهَادِ فَهُوَ آمِرٌ لو قَارَنَ الْعِلْمَ بِهِ لَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ قَطْعًا فَكَذَلِكَ نُقِضَ بِهِ قال ابن الرِّفْعَةِ وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ في الْأُمِّ مُصَرِّحٌ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِالنَّصِّ الذي يُنْتَقَضُ بِهِ قَضَاءُ الْقَاضِي إذَا خَالَفَهُ هو الظَّاهِرُ خَاتِمَةٌ مَضَى الْكَلَامُ على الْخِلَافِ في الْعَقَائِدِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ وَهَكَذَا اخْتِلَافُ الْقُرَّاءِ وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْكُلَّ مُصِيبٌ لِصِحَّةِ الْكُلِّ عن النبي عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَخِلَافُهُمْ إنَّمَا هو في الِاخْتِيَارِ وَمَنْ قَرَأَ عن إمَامٍ لَا يَمْنَعُ الْقِرَاءَةَ الْأُخْرَى وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْحَقَّ في الْقِرَاءَاتِ كُلِّهَا ابن فُورَكٍ في كِتَابِهِ في الْأُصُولِ قال وَلَيْسَتْ كَالْأَحْكَامِ لِأَنَّهَا غَيْرُ
  311. مُتَضَادَّةٍ وَأَحْكَامُ الْقِرَاءَاتِ لَا يَجُوزُ وُرُودُ الْعِبَارَةِ بها مَعًا في زَمَنٍ وَاحِدٍ وَنَظِيرُ قِرَاءَةِ وما هو على الْغَيْبِ بِظَنِينٍ وما هو على الْغَيْبِ بِضَنِينٍ نَظِيرُ من قال هو حَلَالٌ وقال الْآخَرُ هو مِثْلُهُ لَا نَظِيرَ من قال هو حَلَالٌ وقال الْآخَرُ هو حَرَامٌ
  312. التَّقْلِيدُ مَأْخُوذٌ من الْقِلَادَةِ التي يُقَلِّدُ غَيْرَهُ بها وَمِنْهُ قَلَّدْت الْهَدْيَ فَكَأَنَّ الْحُكْمَ في تِلْكَ الْحَادِثَةِ قد جُعِلَ كَالْقِلَادَةِ في عُنُقِ من قُلِّدَ فيه وَاخْتَلَفُوا في حَقِيقَتِهِ هل هو قَبُولُ قَوْلِ الْقَائِلِ وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُ من أَيْنَ قَالَهُ أَيْ من كِتَابٍ أو سُنَّةٍ أو قِيَاسٍ أو قَبُولِ الْقَوْلِ من غَيْرِ حُجَّةٍ تَظْهَرُ على قَوْلِهِ وَجَزَمَ الْقَفَّالُ في شَرْحِ التَّلْخِيصِ بِالْأَوَّلِ وَالشَّيْخُ أبو حَامِدٍ في تَعْلِيقِهِ وَالْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ بِالثَّانِي وَعَلَيْهِ ابن الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ وَتَنْبَنِي عَلَيْهِمَا مَسْأَلَتَانِ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى أَنَّ الْعَمَلَ بِقَوْلِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم هل يُسَمَّى تَقْلِيدًا وَفِيهِ وَجْهَانِ فَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي فَلَا يُسَمَّى تَقْلِيدًا لِأَنَّهُ قَوْلُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم نَفْسُ الْحُجَّةِ كَذَا قال ابن الْقَطَّانِ وَغَيْرُهُ وَتَرَدَّدَ فيه ابن دَقِيقِ الْعِيدِ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالسَّبَبِ الذي قِيلَ فيه خُصُوصُ ذلك السَّبَبِ وَعَيْنِهِ فَهَذَا مُتَوَجِّهٌ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ اتِّبَاعُهُمْ تَقْلِيدًا وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَمْرٌ أَعَمُّ من هذا فَإِنْ قُلْنَا إنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يَجْتَهِدُونَ فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ سَبَبَ أَقْوَالِهِمْ الْوَحْيُ فَلَا يَكُونُ تَقْلِيدًا أَيْضًا على الْأَوَّلِ وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُمْ يَجْتَهِدُونَ فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ السَّبَبَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ إمَّا الْوَحْيُ أو الِاجْتِهَادُ وَعَلَى كل تَقْدِيرٍ فَقَدْ عَلِمْنَا السَّبَبَ وَاجْتِهَادُهُمْ مَعْلُومُ الْعِصْمَةِ قُلْت وَيَشْهَدُ له أَنَّ الْقَفَّالَ بَنَى الْخِلَافَ في تَسْمِيَتِهِ مُقَلِّدًا على الْخِلَافِ في أَنَّهُ هل كان عليه السَّلَامُ يقول عن قِيَاسٍ فَإِنْ كان يَقُولُهُ وهو الْأَصَحُّ فَيُقَلَّدُ لِأَنَّهُ لَا يُدْرَى أَقَالَهُ عن وَحْيٍ أو قِيَاسٍ وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَنْعِ فَلَيْسَ بِتَقْلِيدٍ وقال الْقَاضِي الْحُسَيْنُ في التَّعْلِيقِ لَا خِلَافَ أَنَّ قَبُولَ قَوْلِ غَيْرِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم من الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ يُسَمَّى تَقْلِيدًا وَأَمَّا قَبُولُ قَوْلِهِ عليه السَّلَامُ فَهَلْ يُسَمَّى تَقْلِيدًا وَجْهَانِ يَنْبَنِيَانِ على الْخِلَافِ في حَقِيقَةِ التَّقْلِيدِ مَاذَا قُلْت وَذَكَرَ الشَّيْخُ أبو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ في الْمَسْأَلَةِ في أَوَّلِ السِّلْسِلَةِ أَنَّ الذي نَصَّ عليه الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ يُسَمَّى تَقْلِيدًا فإنه قال في حَقِّ الصَّحَابِيِّ لَمَّا ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْأَخْذُ بِقَوْلِهِ ما نَصُّهُ فَإِمَّا أَنْ يُقَلِّدَهُ فلم يَجْعَلْ اللَّهُ ذلك لِأَحَدٍ بَعْدَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم
  313. انْتَهَى وَخَطَّأَ الْمَاوَرْدِيُّ من قال إنَّهُ ليس بِتَقْلِيدٍ وَلَكِنْ قال الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ أَطْلَقَ الشَّافِعِيُّ على جَعْلِ الْقَبُولِ من النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم تَقْلِيدًا ولم يُرِدْ حَقِيقَةَ التَّقْلِيدِ وَإِنَّمَا أَرَادَ الْقَبُولَ من السُّؤَالِ عن وَجْهِهِ وفي وُقُوعِ اسْمِ التَّقْلِيدِ عليه وَجْهَانِ قال وَالصَّحِيحُ من الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَتَنَاوَلُهُ هذا الِاسْمُ وفي هذا إشَارَةٌ إلَى رُجُوعِ الْخِلَافِ إلَى اللَّفْظِ وَبِهِ صَرَّحَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في التَّلْخِيصِ وقال هو اخْتِلَافٌ في عِبَارَةٍ يَهُونُ مَوْقِعُهَا عِنْدَ ذَوِي التَّحْقِيقِ وَاخْتَارَ ابن السَّمْعَانِيِّ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى تَقْلِيدًا بَلْ هو اتِّبَاعُ شَخْصٍ لِأَنَّ الدَّلِيلَ قد قام في أَنَّ له حُجَّةً فَلَا يَكُونُ قَبُولُ قَوْلِهِ قَبُولَ قَوْلٍ في الدِّينِ من قَائِلِهِ بِلَا حُجَّةٍ وَأَغْرَبَ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ فَنَقَلَ الْإِجْمَاعَ على أَنَّ الْآخِذَ بِقَوْلِ النبي عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَالرَّاجِعَ إلَيْهِ ليس بِمُقَلِّدٍ بَلْ هو صَائِرٌ إلَى دَلِيلٍ وَعِلْمٍ يَقِينٍ فَأَمَّا كَوْنُهُ صَائِرًا إلَى دَلِيلٍ وَعِلْمٍ يَقِينٍ فَلَا رَيْبَ فيه وَأَمَّا كَوْنُهُ لَا يُسَمَّى تَقْلِيدًا فَمَرْدُودٌ بِالْخِلَافِ السَّابِقِ وقد قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ أَحَدٍ سِوَى النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَهَذَا نَصٌّ في أَنَّ الرَّسُولَ صلى اللَّهُ عليه وسلم يُقَلَّدُ بَلْ وفي أَنَّهُ لَا يُقَلَّدُ سِوَاهُ وَأَمَّا الْقَاضِي فإنه أَوَّلَ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وقال لَعَلَّهُ أَرَادَ بِتَقْلِيدِهِ عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ ليس لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ له من أَيْنَ قُلْت وَلَا لِمَ قُلْت ثُمَّ قال فَإِنْ كان أَرَادَ هَكَذَا فَكَذَا أَيْضًا جاء في الْعَامِّيِّ مع الْمُجْتَهِدِ فإنه لَا يَسْأَلُهُ من أَيْنَ قُلْت وإذا لم يَكُنْ الْعَامِّيُّ عنه مُقَلِّدًا فَلَا يَكُونُ أَيْضًا هذا كَذَلِكَ وَهَذَا الذي قَالَهُ الْقَاضِي مَمْنُوعٌ بَلْ الْأَصْحَابُ اخْتَلَفُوا في كَلَامِ الشَّافِعِيِّ على طُرُقٍ أَحَدُهَا تَأْوِيلُ من اعْتَقَدَ أَنَّهُ لَا تَقْلِيدَ في اتِّبَاعِ الرَّسُولِ وَلَا في اتِّبَاعِ الْعَامِّيِّ الْمُجْتَهِدَ وَرَأْسُ هذه الطَّائِفَةِ الْقَاضِي وقد أَوَّلَهُ كما رَأَيْت وَتَبِعَهُ الْغَزَالِيُّ وَاتَّفَقَتْ هذه الطَّائِفَةُ على الِاعْتِضَادِ بهذا النَّصِّ من الشَّافِعِيِّ على أَنَّ اتِّبَاعَ الْعَامِّيِّ الْمُجْتَهِدَ ليس بِتَقْلِيدٍ فَجَرَتْ على ظَاهِرِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ في الْمُسْتَثْنَى دُونَ الْمُسْتَثْنَى منه وَتَصَرَّفَتْ في الْمُسْتَثْنَى بِالتَّأْوِيلِ إمَّا مع الِاعْتِرَاضِ كَالْقَاضِي أو لَا معه كَالْغَزَالِيِّ وثانيها فِرْقَةٌ اعْتَقَدَتْ أَنَّ الْعَامِّيَّ مُقَلِّدٌ وَأَنَّ الْأَخْذَ بِقَوْلِ النبي عليه السَّلَامُ مَقْبُولٌ ليس بِتَقْلِيدٍ وَهَذِهِ الطَّائِفَةُ لم تَجْرِ على ظَاهِرِ النَّصِّ لَا في الْمُسْتَثْنَى وَلَا في الْمُسْتَثْنَى منه وَمِنْهُمْ ابن السَّمْعَانِيِّ فقال هذا مَذْكُورٌ على طَرِيقِ التَّوَسُّعِ لَا على طَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَرَأْسُ هذه الطَّائِفَةِ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ فقال في أَوَّلِ تَعْلِيقِهِ إذَا قُلْنَا بِقَوْلِهِ الْجَدِيدِ فَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ أَحَدٍ بِحَالٍ وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ في أَدَبِ الْقَضَاءِ إنَّهُ
  314. لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُقَلِّدَ أَحَدًا إلَّا الرَّسُولَ فَمَنْ فَهِمَ منه أَنَّ قَبُولَ قَوْلِهِ يُسَمَّى تَقْلِيدًا فَقَدْ غَلِطَ وَتَقْلِيدُ الرَّسُولِ لَا يَجُوزُ وَإِنَّمَا صُورَتُهُ صُورَةُ التَّقْلِيدِ وَلَيْسَ في الْحَقِيقَةِ تَقْلِيدٌ وَذَلِكَ أَنَّهُ إنْ سُئِلَ عن شَيْءٍ فَأَجَابَ كان جَوَابُهُ في الصُّورَةِ مِثْلَ أَنْ يُسْأَلَ الشَّافِعِيُّ فَيُجِيبَ لَكِنَّ حَقِيقَةَ التَّقْلِيدِ قَبُولُ قَوْلِ الْمُجِيبِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ فَجَوَابُ الشَّافِعِيِّ لَا يُمْكِنُ هُنَا فَلَا بُدَّ فيه من الدَّلِيلِ وَجَوَابُ الرَّسُولِ بِعَيْنِهِ حُجَّةٌ وَدَلِيلٌ فَلَا يَكُونُ مِثْلُهُ في الْجَوَابِ انْتَهَى وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ لِلنَّصِّ تَأْوِيلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِكُلِّ أَحَدٍ تَقْلِيدُ أَحَدٍ بَعْدَ الرَّسُولِ بَلْ يَفْتَرِقُونَ فَعَالِمُهُمْ لَا يُقَلِّدُ وَعَامِّيُّهُمْ يُقَلِّدُ وَأَمَّا الرَّسُولُ فَنِسْبَةُ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ إلَيْهِ سَوَاءٌ وَالْكُلُّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الْجَاهِلِ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ يَأْخُذُ بِقَوْلِهِ تَقْلِيدًا بَلْ لِأَنَّا قد قُلْنَا إنَّ لِلْعَامِّيِّ سُؤَالَ الْعَالِمِ عن مَأْخَذِهِ وَلَا كَذَلِكَ الرَّسُولُ فَلَيْسَ لِعَامِّيٍّ وَلَا لِلْعَالِمِ أَنْ يَقُولَ له لِمَ وَلَا من أَيْنَ وَهَذَا التَّأْوِيلُ أَبْقَى لِكَلَامِ الشَّافِعِيِّ في الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى منه على ظَاهِرِهِ وَلَيْسَ فيه عَمَلٌ إلَّا في تَعْمِيمِ قَوْلِهِ أَحَدٍ على أَنَّ الْمَعْنَى كُلُّ أَحَدٍ وثانيهما إبْقَاءُ الْكَلَامِ على ظَاهِرِهِ من كل وَجْهٍ وهو مَبْنِيٌّ على أَنَّهُ لَا يُقَلَّدُ إلَّا الرَّسُولُ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ فَلَا يُقَلَّدُ وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى التَّقْلِيدِ أَنْ يُلْقِيَ الْمَرْءُ الْمَقَالِيدَ وَيَطْرَحَ كُلَّهُ وَيَجْعَلَ اعْتِمَادَهُ فِيمَا يَقَعُ له من الْحَوَادِثِ وفي تَفَرُّقِ حَمْلِهَا على الرَّسُولِ وَالرُّجُوعِ إلَيْهِ في كل نَائِبَةٍ نُدْرَةٌ وَإِنَّمَا تَطْمَئِنُّ فِيمَنْ لَا يُخْطِئُ وَذَلِكَ هو من قَوْلُهُ حُجَّةٌ وهو الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عليه فَإِنْ قُلْت وَالرُّجُوعُ إلَى الْمُجْتَهِدِ رُجُوعٌ إلَيْهِ قِيلَ وَلَكِنْ لَا وُثُوقَ بِصَوَابِ الْمُجْتَهِدِ فَإِذًا لَا يُقَلَّدُ إلَّا الرَّسُولُ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَعَلَى هذا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ نَهْيُ الشَّافِعِيِّ عن التَّقْلِيدِ حَيْثُ قال الْمُزَنِيّ هذا مُخْتَصَرٌ اخْتَصَرْتُهُ من عِلْمِ الشَّافِعِيِّ وَمِنْ مَعْنَى قَوْلِهِ مع عِلْمِهِ نَهْيُهُ عن تَقْلِيدِهِ وَتَقْلِيدِ غَيْرِهِ انْتَهَى فَعَلَى التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ يُقَلَّدُ وَعَلَى الثَّانِي لَا يُقَلَّدُ فَتْوَاهُ وَأَمَّا دَعْوَى الْقَاضِي الِاتِّفَاقَ على أَنَّ الرَّسُولَ لَا يُقَلَّدُ فَكَانَ الْحَامِلُ له على ذلك اعْتِقَادَهُ أَنَّ الْمُقَلِّدَ شَاكٌّ فِيمَنْ يُقَلِّدُهُ وَلَيْسَ ذلك عِنْدَنَا بَلْ الْمُقَلِّدُ لَا شَكَّ عِنْدَهُ لِوُثُوقِهِ بِالْمُقَلَّدِ الذي أَلْقَى بِتَقَالِيدِهِ إلَيْهِ وَلَمَّا تَقَارَبَ الْخِلَافُ زَعَمَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ لَفْظِيٌّ وَلَمَّا اعْتَقَدَ الْقَاضِي أَنَّ اتِّبَاعَ الْعَامِّيِّ تَقْلِيدٌ وَأَنَّ الْمُقَلِّدَ شَاكٌّ مع التَّقْلِيدِ تَبَعًا لِلشَّيْخِ أبي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَهِيَ مَسْأَلَةُ إيمَانِ الْمُقَلِّدِ التي تُعْزَى لِأَبِي الْحَسَنِ وَلِذَلِكَ أَطْلَقْنَا الْكَلَامَ في بَيَانِ مَعْنَى التَّقْلِيدِ لِيَخْرُجَ منه هذه الْمَسْأَلَةُ وَمِنْ ثَمَّ عَقَدَ الْقَاضِي في
  315. التَّقْرِيبِ بَابًا في إمْكَانِ التَّقْلِيدِ في جُمْلَةِ أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ ثُمَّ لَمَّا فَرَغَ عَقَدَ بَابًا في أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ في فُرُوعِ الْأَحْكَامِ كما لَا يَجُوزُ في أُصُولِهَا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ في أَنَّ أَخْذَ الْعَامِّيِّ بِقَوْلِ الْمُجْتَهِدِ هل يُسَمَّى تَقْلِيدًا أَمْ لَا فَقِيلَ ليس بِتَقْلِيدٍ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ له من نَوْعِ اجْتِهَادٍ وَبِهِ جَزَمَ الْقَاضِي وَالْغَزَالِيُّ وَالْآمِدِيَّ وابن الْحَاجِبِ وَحَكَاهُ الْعَبَّادِيُّ في زِيَادَتِهِ عن الْأُسْتَاذِ أبي إِسْحَاقَ لِأَنَّهُ بَذَلَ مَجْهُودَهُ في الْأَخْذِ بِقَوْلِ الْأَعْلَمِ وقال الْقَاضِي في مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ الذي نَخْتَارُهُ أَنَّ ذلك ليس بِتَقْلِيدٍ أَصْلًا فإن قَوْلَ الْعَالِمِ حُجَّةٌ في حَقِّ الْمُسْتَفْتِي نَصَبَهُ الرَّبُّ عَلَمًا في حَقِّ الْعَامِّيِّ فَأَوْجَبَ عليه الْعَمَلَ بِهِ كما أَوْجَبَ على الْمُجْتَهِدِ الْعَمَلَ بِاجْتِهَادِهِ وَاجْتِهَادُهُ عَلَمٌ عليه وَيَتَخَرَّجُ من هذا أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ تَقْلِيدٌ مُبَاحٌ في الشَّرِيعَةِ لَا في الْأُصُولِ وَلَا في الْفُرُوعِ إذْ التَّقْلِيدُ على ما عَرَّفَهُ الْقَاضِي اتِّبَاعُ من لم يَقُمْ بِاتِّبَاعِهِ حُجَّةٌ ولم يَسْتَنِدْ إلَى عِلْمٍ قال وَلَوْ سَاغَ تَسْمِيَةُ الْعَامِّيِّ مُقَلِّدًا مع أَنَّ قَوْلَ الْعَالِمِ في حَقِّهِ وَاجِبُ الِاتِّبَاعِ جَازَ أَنْ يُسَمَّى الْمُتَمَسِّكَ بِالنُّصُوصِ وَغَيْرِهَا من الدَّلَائِلِ مُقَلِّدًا قال الْقَاضِي وَلِأَنَّهُ يَسْتَنِدُ إلَى حُجَّةٍ قَطْعِيَّةٍ وهو الْإِجْمَاعُ فَلَا يَكُونُ تَقْلِيدًا وَهَذَا بِنَاءً منه على أَحَدِ تَفْسِيرَيْ التَّقْلِيدِ وَذَهَبَ مُعْظَمُ الْأُصُولِيِّينَ قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إلَى أَنَّهُ مُقَلِّدٌ له فِيمَا يَأْخُذُهُ لِأَنَّا إنْ فَسَّرْنَاهُ بِقَبُولِ الْقَوْلِ بِلَا حُجَّةٍ فَقَدْ تَحَقَّقَ ذلك إذْ قَوْلُهُ في نَفْسِهِ ليس بِحُجَّةٍ وَإِنْ فَسَّرْنَاهُ بِقَبُولِ الْقَوْلِ مع الْجَهْلِ بِمَأْخَذِهِ فَهُوَ مُتَحَقِّقٌ في قَوْلِ الْمُفْتِي أَيْضًا قال ابن السَّمْعَانِيِّ وَلَعَلَّهُ الْأَوْلَى لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ حُجَّةُ ما يَصِيرُ إلَيْهِ من الْحُكْمِ قَبْلُ وَالْإِجْمَاعُ سَبَقَ الْقَاضِي على أَنَّ الْعَوَامَّ يُقَلِّدُونَ الْمُجْتَهِدِينَ وَلَوْ لم يَكُنْ تَقْلِيدًا فَلَيْسَ في الدُّنْيَا تَقْلِيدٌ وَمَنْ نَظَرَ كُتُبَ الْعُلَمَاءِ وَالْخِلَافِيِّينَ وَجَدَهَا طَافِحَةً بِجَعْلِ الْعَوَامّ مُقَلِّدِينَ وَلِهَذَا قال في الْمُسْتَصْفَى بَعْدَمَا ذَكَرَ أَنَّ الْعَامِّيَّ إذَا أَخَذَ بِقَوْلِ الْمُجْتَهِدِ فَهُوَ ظَانٌّ صِدْقَهُ وَالظَّنُّ مَعْلُومٌ وَوُجُوبُ الْحُكْمِ عِنْدَ الظَّنِّ وَهَذَا عِلْمٌ قَاطِعٌ وَالتَّقْلِيدُ جَهْلٌ فَإِنْ قِيلَ قد رَفَعْتُمْ التَّقْلِيدَ من الْبَيْنِ وقال الشَّافِعِيُّ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ تَقْلِيدَ أَحَدٍ سِوَى الرَّسُولِ فَقَدْ أَثْبَتَ تَقْلِيدًا قُلْنَا قد صَرَّحَ بِإِبْطَالِ التَّقْلِيدِ إلَّا ما اسْتَثْنَى فَظَهَرَ أَنَّهُ لم يَجْعَلْ الِاسْتِفْتَاءَ وَقَبُولَ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَشَهَادَةَ الْعُدُولِ تَقْلِيدًا نعم يَجُوزُ تَسْمِيَةُ قَوْلِ الرَّسُولِ تَقْلِيدًا تَوَسُّعًا وَاسْتِثْنَاءً من غَيْرِ جِنْسِهِ وَوَجْهُ التَّجَوُّزِ أَنْ يَقُولَ قَوْلُهُ وَإِنْ كان حُجَّةً دَلَّتْ على صِدْقِهِ جُمْلَةً فَلَا يُطْلَبُ منه حُجَّةٌ على غَيْرِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ فَكَانَ
  316. تَصْدِيقًا بِغَيْرِ حُجَّةٍ خَاصَّةٍ وَيَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى ذلك تَقْلِيدًا مَجَازًا انْتَهَى وَهَذَا أَخَذَهُ من كَلَامِ الْقَاضِي وَلَا يُوَافِقُ على أَنَّ رُجُوعَ الْعَامِّيِّ ليس بِتَقْلِيدٍ وَالْقَاضِي إنَّمَا قال ذلك بِنَاءً على أَنَّ الْمُقَلِّدَ شَاكٌّ ولم يَقْتَصِرْ الْآمِدِيُّ وابن الْحَاجِبِ على ما فَعَلَ الْقَاضِي وَالْغَزَالِيُّ بَلْ زَادَا لو سَمَّى مُسَمٍّ الرُّجُوعَ إلَى من قَوْلُهُ حُجَّةٌ تَقْلِيدًا فَلَا مُشَاحَّةَ في التَّسْمِيَةِ قُلْت وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ أَيْضًا وَهَذَا صَحِيحٌ على قَوْلِنَا أَمَّا على قَوْلِ الْقَاضِي وَالْآمِدِيَّ أَنَّ الْمُقَلِّدَ شَاكٌّ فِيمَنْ يُقَلِّدُهُ فَلَا تَنْبَغِي هذه التَّسْمِيَةُ لِخُرُوجِهَا عن وَضْعِ اللِّسَانِ وَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الْمُقَلِّدَ شَاكٌّ فَيَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعَ من تَسْمِيَةِ الرَّسُولِ مُقَلَّدًا وإذا عُرِفَتْ الْمَدَارِكُ هَانَتْ الْمَسَالِكُ وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِيَ وَالْغَزَالِيَّ يَقُولَانِ لَا تَقْلِيدَ في الدُّنْيَا وَأَمَّا الْآمِدِيُّ فيقول لَا تَقْلِيدَ في رُجُوعِ الْمَرْءِ إلَى قَوْلِ الْعَامِّيِّ وَالْمُجْتَهِدِ إلَى قَوْلِ مِثْلِهِ يَعْنِي حَيْثُ لَا يَجُوزُ له الْأَخْذُ بِهِ وَإِنَّمَا قُلْنَا ذلك لِيَخْرُجَ الْأَخْذُ بِقَوْلِهِ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ وَنَحْوِهِ مِمَّا جَوَّزَهُ قَوْمٌ وَاعْتَرَضَ الْآمِدِيُّ تَبَعًا لِلْغَزَالِيِّ بِأَنَّهُ لو سَمَّى مُسَمٍّ الرُّجُوعَ إلَى الرَّسُولِ وَإِلَى الْإِجْمَاعِ وَالْمُفْتِي وَالشُّهُودِ تَقْلِيدًا بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ فَلَا مُشَاحَّةَ في اللَّفْظِ وابن الْحَاجِبِ تَبِعَ الْآمِدِيَّ وَكَذَا ابن الصَّلَاحِ صَرَّحَ بِمَا يُوَافِقُهُمْ حُكْمًا غير أَنَّهُ أتى بِغَيْرِ تَعْرِيفِهِمْ لِلتَّقْلِيدِ وما صَرَّحَ بِهِ من أَنَّ رُجُوعَ الْعَامِّيِّ إلَى الْمُفْتِي ليس بِتَقْلِيدٍ مع دَعْوَاهُ في كِتَابِ أَدَبِ الْفُتْيَا من مُنَازَعَةِ الشَّيْخِ أبي عَلِيٍّ وَأَمْثَالِهِ من كَوْنِهِمْ لَيْسُوا مُقَلِّدِينَ لِلشَّافِعِيِّ فَعَجَبٌ إذْ كَيْفَ يُقْضَى على أبي عَلِيٍّ وهو الْحَبْرُ بِالتَّقْلِيدِ وَلَا يُقْضَى بِذَلِكَ على الْعَامِّيِّ الصِّرْفِ وما ذَاكَ إلَّا أَنَّهُ وَقْتَ التَّعْرِيفِ مع الْغَزَالِيِّ وَعِنْدَ الِانْفِصَالِ جَرَى على ما هو مُقَرَّرٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ من أَنَّ رُجُوعَ الْعَامِّيِّ إلَى الْمُجْتَهِدِ تَقْلِيدٌ وقد يَأْخُذُ الْمُجْتَهِدُ بِقَوْلِ مُجْتَهِدٍ وَلَكِنْ تَسْمِيَةُ ذلك أَخْذًا مَجَازٌ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَخَذَهُ منه لِمَا أَدَّاهُ إلَيْهِ نَظَرُهُ لَا لِكَوْنِ ذلك قَالَهُ وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ إنْ سُمِّيَ لِسَبْقِهِ إلَيْهِ كما نَقُولُ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِ مَالِكٍ أو بِقَوْلِ أبي حَنِيفَةَ في مَسَائِلَ سَبَقَاهُ إلَى الْقَوْلِ بها وَمَنْ تَبَحَّرَ في مَذْهَبِ إمَامٍ ولم يَبْلُغْ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ فَأَفْتَى على مَذْهَبِ ذلك الْإِمَامِ كان الْمُسْتَفْتِي مُقَلِّدًا لِذَلِكَ الْإِمَامِ لَا لِلْمُفْتِي حَكَاهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ عن شَيْخِهِ الْقَفَّالِ ذَكَرَهُ في الْكَافِي وَجَزَمَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الْغِيَاثِيِّ وقال الرَّافِعِيُّ إنَّهُ الْمَشْهُورُ لِلْأَصْحَابِ إلَّا أَنَّ أَبَا الْفَتْحِ الْهَرَوِيَّ أَحَدُ أَصْحَابِ الْإِمَامِ صَرَّحَ بِأَنَّهُ يُقَلِّدُ الْمُتَبَحِّرَ في نَفْسِهِ وقال ابن الصَّلَاحِ يَنْبَغِي تَخْرِيجُ هذا على
  317. الْخِلَافِ في أَنَّ ما يُخَرِّجُهُ أَصْحَابُنَا على مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ هل يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ وَفِيهِ خِلَافٌ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مَسْأَلَةٌ قال ابن فُورَكٍ أَقَمْنَا الدَّلَالَةَ على أَنَّ التَّقْلِيدَ ليس من طُرُقِ الْعِلْمِ بِوَجْهٍ لِأَنَّ الرُّجُوعَ إلَى الدَّعْوَى لَا يُثْمِرُ عِلْمًا لِأَنَّ صُورَةَ دَعْوَى الْمُحِقِّ صُورَةُ دَعْوَى الْمُبْطِلِ وَإِنَّمَا يُثْمِرُ بِالدَّلِيلِ مَسْأَلَةٌ قال الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ قِيلَ من يَجُوزُ تَقْلِيدُهُمْ أَرْبَعَةُ أَصْنَافِ أَحَدُهَا النبي عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِنَاءً على أَنَّ قَوْلَهُ يُسَمَّى تَقْلِيدًا وهو الْأَصَحُّ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ على صِدْقِهِ وَالثَّانِي الْمُخَبِّرُ عن الرَّسُولِ وَالثَّالِثُ الْمُجْمِعُونَ على حُكْمٍ فَتَقْلِيدُهُمْ فِيمَا أَجْمَعُوا عليه وَاجِبٌ وَالرَّابِعُ الصَّحَابَةُ على أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَحَكَى ابن السَّمْعَانِيِّ وَجْهَيْنِ في تَسْمِيَةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ تَقْلِيدًا قال وَأَوْلَاهُمَا أَنَّهُ لَا يُسَمَّى تَقْلِيدًا لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ التَّسْلِيمُ لِقَوْلِهِ إلَّا بَعْدَ الِاجْتِهَادِ في عَدَالَتِهِ فَصَارَ قَوْلُهُ مَقْبُولًا بِدَلِيلٍ قال وَأَمَّا تَقْلِيدُ الْأُمَّةِ إذَا قالت قَوْلًا عن إجْمَاعٍ فَهُوَ حُجَّةٌ وقال الْمُتَأَخِّرُونَ الرُّجُوعُ إلَى قَوْلِ الرَّسُولِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقَاضِي إلَى الْبَيِّنَةِ ليس بِتَقْلِيدٍ قُلْت وَالْخِلَافُ يَرْجِعُ إلَى عِبَارَةٍ كما سَبَقَ
  318. فَصْلٌ التَّقْلِيدُ يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْمُقَلَّدُ عَالِمًا بِأَنَّ الذي يُقَلِّدُهُ لَا يُخْطِئُ فِيمَا قَلَّدَهُ فيه فَيَلْزَمُهُ الْقَبُولُ بِمُجَرَّدِهِ كَقَبُولِ الْأَئِمَّةِ عن الرَّسُولِ الْأَحْكَامَ وَقَبُولِ قَوْلِ الْمُجْمِعِينَ قال الْأُسْتَاذُ وَأَجْمَعَ أَصْحَابُنَا على وُجُوبِ هذا الْقَوْلِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا في تَسْمِيَتِهِ تَقْلِيدًا وَالثَّانِي قَبُولُهُ على احْتِمَالِ الصَّوَابِ وَالْخَطَأِ وَالْعُلُومُ نَوْعَانِ عَقْلِيٌّ وَشَرْعِيٌّ الْأَوَّلُ الْعَقْلِيُّ وهو الْمَسَائِلُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِوُجُودِ الْبَارِي وَصِفَاتِهِ وَاخْتَلَفُوا فيها وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ بَلْ يَجِبُ تَحْصِيلُهَا بِالنَّظَرِ وَجَزَمَ بِهِ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَالشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ في تَعْلِيقِهِ وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ في شَرْحِ التَّرْتِيبِ عن إجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ من أَهْلِ الْحَقِّ وَغَيْرِهِمْ من الطَّوَائِفِ وقال أبو الْحُسَيْنِ بن الْقَطَّانِ في كِتَابِهِ لَا نَعْلَمُ خِلَافًا في امْتِنَاعِ التَّقْلِيدِ في التَّوْحِيدِ وقال بَعْضُهُمْ لو خَشَى الْمُكَلَّفُ أَنْ يَمُوتَ لم يَجُزْ التَّقْلِيدُ وَحَكَاهُ ابن السَّمْعَانِيِّ عن جَمِيعِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَطَائِفَةٍ من الْفُقَهَاءِ وَقَالُوا لَا يَجُوزُ لِلْعَامِّيِّ التَّقْلِيدُ فيها وَلَا بُدَّ أَنْ يَعْرِفَ ما يَعْرِفُهُ بِالدَّلِيلِ وَقَالُوا الْعَقَائِدُ الْأُصُولِيَّةُ عَقْلِيَّةٌ وَالنَّاسُ مُشْتَرِكُونَ في الْعَقْلِ وقال وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ على خِلَافِ هذا وَقَالُوا لَا يَجُوزُ أَنْ يُكَلَّفَ الْعَوَامُّ لِاعْتِقَادِ الْأُصُولِ بِدَلَائِلِهَا لِمَا في ذلك من الْمَشَقَّةِ وَمِثْلُهُ ما نَقَلَهُ صَاحِبُ الْعُنْوَانِ عن الْفُقَهَاءِ من جَوَازِ التَّقْلِيدِ فيها تَأَسِّيًا بِالسَّلَفِ إذْ لم يَأْمُرْ النبي عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَجْلَافَ الْعَرَبِ بِالنَّظَرِ وَنَازَعَهُ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ في هذا الِاسْتِدْلَالِ بِأَنَّهُ إذَا أُرِيدَ بِالنَّظَرِ الْمُصْطَلَحُ من تَرْتِيبِ الْمُقَدِّمَاتِ فَلَا يُعْتَبَرُ اتِّفَاقًا وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لم يَحْصُلْ لهم النَّظَرُ في نَفْسِ الْأَمْرِ من غَيْرِ هذا التَّرْتِيبِ وَالِاصْطِلَاحُ مَمْنُوعٌ وَكَيْفَ وقد شَاهَدُوا الْمُعْجِزَةَ وَأَحْوَالَ الرَّسُولِ وَالْقَرَائِنُ التي شَاهَدُوهَا أَفَادَتْهُمْ الْقَطْعَ وَقِيلَ بَلْ يَجِبُ التَّقْلِيدُ وَالِاجْتِهَادُ فيه حَرَامٌ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْأَحْوَذِيِّ عن الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وقال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الشَّامِلِ لم يَقُلْ بِالتَّقْلِيدِ في الْأُصُولِ إلَّا الْحَنَابِلَةُ وقال الْإسْفَرايِينِيّ لم يُخَالِفْ فيه إلَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ وقال الْقَرَافِيُّ وَسَأَلْت
  319. الْحَنَابِلَةَ فَقَالُوا مَشْهُورُ مَذْهَبِنَا مَنْعُ التَّقْلِيدِ وَالْغَزَالِيُّ يَمِيلُ إلَيْهِ وَحَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ في الشِّفَاءِ عن غَيْرِهِ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ ذَهَبَ قَوْمٌ من كَتَبَةِ الحديث أَنَّ طَلَبَ الدَّلِيلِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّوْحِيدِ غَيْرُ وَاجِبٍ وَإِنَّمَا الْغَرَضُ هو الرُّجُوعُ إلَى قَوْلِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَيَرَوْنَ الشُّرُوعَ في مُوجِبَاتِ الْعُقُولِ كُفْرًا وَإِنَّ الِاسْتِدْلَالَ وَالنَّظَرَ ليس هو الْمَقْصُودُ في نَفْسِهِ وَإِنَّمَا وهو طَرِيقٌ إلَى حُصُولِ الْعِلْمِ حتى يَصِيرَ بِحَيْثُ لَا يَتَرَدَّدُ فَمَنْ حَصَلَ له هذا الِاعْتِقَادُ الذي لَا شَكَّ فيه من غَيْرِ دَلَالَةٍ فَقَدْ صَارَ مُؤْمِنًا وَزَالَ عنه كُلْفَةُ طَلَبِ الْأَدِلَّةِ وَمَنْ أَحْسَنَ اللَّهُ إلَيْهِ أَنْعَمَ عليه بِالِاعْتِقَادِ الصَّافِي من الشُّبْهَةِ وَالشُّكُوكِ فَقَدْ أَنْعَمَ عليه بِأَكْلِ أَنْوَاعِ النَّعَمِ وَأَحَلَّهَا حتى لم يَكِلْهُ إلَى النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ لَا سِيَّمَا الْعَوَامُّ فإن كَثِيرًا منهم تَجِدُهُ في صِيَانَةِ اعْتِقَادِهِ أَكْثَرَ مِمَّنْ شَاهَدَ ذلك بِالْأَدِلَّةِ وَمَنْ كان هذا وَصْفُهُ كان مُقَلِّدًا في الدَّلِيلِ غير أَنَّ أَصْحَابَنَا أَجْمَعُوا على أَنَّ هذا الِاعْتِقَادَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ في النِّيَّاتِ بِحَيْثُ لَا يَرِدُ عليه من الشُّبْهَةِ إلَّا ما يَرِدُ على صَاحِبِ الِاسْتِدْلَالِ وَجَزَمَ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ بِوُجُوبِ النَّظَرِ ثُمَّ قال فَلَوْ اعْتَقَدَ من غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِالدَّلِيلِ فَاخْتَلَفُوا فيه فقال أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ إنَّهُ مُؤْمِنٌ من أَهْلِ الشَّفَاعَةِ وَإِنْ فَسَقَ بِتَرْكِ الِاسْتِدْلَالِ وَبِهِ قال أَئِمَّةُ الحديث وقال الْأَشْعَرِيُّ وَجُمْهُورُ الْمُعْتَزِلَةِ لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا حتى يَخْرُجَ فيها عن جُمْلَةِ الْمُقَلِّدِينَ انْتَهَى وقد اُشْتُهِرَتْ هذه الْمَقَالَةُ عن الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ إيمَانَ الْمُقَلِّدِ لَا يَصِحُّ وقد أَنْكَرَ أبو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيّ وَالشَّيْخُ أبو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَغَيْرُهُمَا من الْمُحَقِّقِينَ صِحَّتَهُ عنه وَقِيلَ لَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ قَبُولَ قَوْلِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ فإن التَّقْلِيدَ بهذا الْمَعْنَى قد يَكُونُ ظَنًّا وقد يَكُونُ وَهْمًا فَهَذَا لَا يَكْفِي في الْإِيمَانِ أَمَّا التَّقْلِيدُ بِمَعْنَى الِاعْتِقَادِ الْجَازِمِ لَا الْمُوجِبِ فلم يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ لَا يَكْفِي في الْإِيمَانِ إلَّا أبو هَاشِمٍ من الْمُعْتَزِلَةِ وإذا مَنَعْنَا التَّقْلِيدَ في ذلك قال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ فَاتَّفَقُوا على أَنَّهُ لَا يَجِبُ أَنْ يَبْلُغَ فيه رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ بِحَيْثُ يَحِلُّ له الْفَتْوَى في الْحُكْمِ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ إيجَابُ مَعْرِفَةِ الْأُصُولِ على ما يَقُولُهُ الْمُتَكَلِّمُونَ بَعِيدٌ جِدًّا عن الصَّوَابِ وَمَتَى أَوْجَبْنَا ذلك فَمَتَى يُوجَدُ من الْعَوَامّ من يَعْرِفُ ذلك وَيَصْدُرُ عَقِيدَتُهُ عنه كَيْفَ وَهُمْ لو عُرِضَتْ عليهم تِلْكَ الْأَدِلَّةُ لم يَفْهَمُوهَا وَإِنَّمَا غَايَةُ الْعَامِّيِّ أَنْ يَتَلَقَّى ما يُرِيدُ أَنْ يَعْتَقِدَهُ وَيَلْقَى بِهِ رَبَّهُ من الْعُلَمَاءِ وَيَتْبَعَهُمْ في ذلك وَيُقَلِّدَهُمْ ثُمَّ يُسَلِّمُ عليها بِقَلْبٍ طَاهِرٍ عن الْأَهْوَاءِ وَالْإِدْخَالِ ثُمَّ يَعَضُّ عليها بِالنَّوَاجِذِ
  320. فَلَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ وَلَوْ قُطِّعَ إرْبًا فَهَنِيئًا لهم السَّلَامَةُ وَالْبَعْدُ عن الشُّبُهَاتِ الدَّاخِلَةِ على أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْوَرَطَاتِ التي تَغُولُهَا حتى أَدَّتْ بِهِمْ إلَى الْمَهَاوِي وَالْمَهَالِكِ وَدَخَلَتْ عليهم الشُّبُهَاتُ الْعَظِيمَةُ وَصَارُوا مُتَجَرِّئِينَ وَلَا يُوجَدُ فِيهِمْ مُتَوَرِّعٌ عَفِيفٌ إلَّا الْقَلِيلَ فَإِنَّهُمْ أَعْرَضُوا عن وَرَعِ الْأَلْسِنَةِ وَأَرْسَلُوهَا في صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى بِجُرْأَةٍ وَعَدَمِ مَهَابَةٍ وَحُرْمَةٍ فَفَاتَهُمْ وَرَعُ سَائِرِ الْجَوَارِحِ وَذَهَبَ عَنْهُمْ بِذَلِكَ وَرَعُ اللِّسَانِ وَالْإِنْسَانُ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فإذا خَرِبَ جَانِبٌ منه تَدَاعَى سَائِرُهُ إلَى الْخَرَابِ وَلِأَنَّهُ ما من دَلِيلٍ لِفَرِيقٍ منهم يَعْتَمِدُونَ عليه إلَّا وَلِخُصُومِهِمْ عليه من الشُّبْهَةِ الْقَوِيَّةِ وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ من الدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ بِقَدْرِ ما يَنَالُ الْمُسْلِمُ بِهِ رَدَّ الْخَاطِرِ وَإِنَّمَا الْمُنْكَرُ إيجَابُ التَّوَصُّلِ إلَى الْعَقَائِدِ في الْأُصُولِ بِالطَّرِيقِ الذي اعْتَقَدُوا وَسَامُوا بِهِ الْخَلْقَ وَزَعَمُوا أَنَّ من لم يَفْعَلْ ذلك لم يَعْرِفْ اللَّهَ تَعَالَى ثُمَّ أَدَّى بِهِمْ ذلك إلَى تَكْفِيرِ الْعَوَامّ أَجْمَعَ وَهَذَا هو الْخَطِيئَةُ الشَّنْعَاءُ وَالدَّاءُ الْعُضَالُ وإذا كان السَّوَادُ الْأَعْظَمُ هُمْ الْعَوَامُّ وَبِهِمْ قِوَامُ الدِّينِ وَعَلَيْهِمْ مَدَارُ رَحَى الْإِسْلَامِ وَلَعَلَّ لَا يُوجَدُ في الْبَلْدَةِ الْوَاحِدَةِ التي تَجْمَعُ الْمِائَةَ أَلْفٍ من يَقُومُ بِالشَّرَائِطِ التي تَعْتَبِرُونَهَا إلَّا الْعَدَدَ الْقَلِيلَ الشَّاذَّ الشَّارِدَ النَّادِرَ وَلَعَلَّهُ لَا يَبْلُغُ عَقْدَ الْعَشَرَةِ فَمَنْ يَجِدُ الْمُسْلِمُ من قَبْلَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِكُفْرِ هَؤُلَاءِ الناس أَجْمَعَ وَيَعْتَقِدُ أَنَّهُمْ لَا عَقِيدَةَ لهم في أُصُولٍ أَصْلًا وَإِنَّهُمْ أَمْثَالُ الْبَهَائِمِ انْتَهَى الثَّانِي الشَّرْعِيُّ وهو الْمُتَعَلِّقُ بِالْفُرُوعِ وَالْمَذَاهِبِ وَفِيهِ ثَلَاثَةٌ فِرْقَةٌ أَوْجَبَتْ التَّقْلِيدَ وَفِرْقَةٌ حَرَّمَتْهُ وَفِرْقَةٌ تَوَسَّطَتْ الْأَوَّلُ فَذَهَبَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ إلَى تَحْرِيمِ التَّقْلِيدِ مُطْلَقًا كَالتَّقْلِيدِ في الْأُصُولِ وَوَافَقَهُمْ ابن حَزْمٍ وَكَادَ يَدَّعِي الْإِجْمَاعَ على النَّهْيِ عن التَّقْلِيدِ قال وَنُقِلَ عن مَالِكٍ أَنَّهُ قال أنا بَشَرٌ أُخْطِئُ وَأُصِيبُ فَانْظُرُوا في رَأْيِي فما وَافَقَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فَخُذُوا بِهِ وما لم يُوَافِقْ فَاتْرُكُوهُ وقال عِنْدَ مَوْتِهِ وَدِدْت أَنِّي ضُرِبْت بِكُلِّ مَسْأَلَةٍ تَكَلَّمْت فيها بِرَأْيٍ سَوْطًا على أَنَّهُ لَا صَبْرَ لي على السِّيَاطِ قال فَهَذَا مَالِكٌ يَنْهَى عن تَقْلِيدِهِ وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وأبو حَنِيفَةَ وقد ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم حَدِيثًا فقال بَعْضُ جُلَسَائِهِ يا أَبَا عبد اللَّهِ أَتَأْخُذُ بِهِ فقال له أَرَأَيْت عَلَيَّ زُنَّارًا أَرَأَيْتَنِي خَارِجًا من كَنِيسَةٍ حتى تَقُولَ لي في حديث النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَتَأْخُذُ بهذا ولم يَزَلْ رَحِمَهُ اللَّهُ في كُتُبِهِ يَنْهَى عن تَقْلِيدِهِ وَتَقْلِيدِ غَيْرِهِ هَكَذَا رَوَاهُ الْمُزَنِيّ في أَوَّلِ مُخْتَصَرِهِ عنه وَهَذَا الذي قَالَهُ مَمْنُوعٌ وَإِنَّمَا نَهَوْا الْمُجْتَهِدَ خَاصَّةً عن تَقْلِيدِهِمْ دُونَ من لم يَبْلُغْ
  321. هذه الرُّتْبَةَ قال الْقَرَافِيُّ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وُجُوبُ الِاجْتِهَادِ وَإِبْطَالُ التَّقْلِيدِ لِقَوْلِهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ وَاسْتَثْنَى مَالِكٌ أَرْبَعَ عَشْرَةَ صُورَةً لِلضَّرُورَةِ وُجُوبَ التَّقْلِيدِ على الْعَوَامّ وَتَقْلِيدَ الْقَائِفِ إلَى آخِرِ ما ذَكَرَهُ وَالثَّانِي يَجِبُ مُطْلَقًا وَيَحْرُمُ النَّظَرُ وَنُسِبَ إلَى بَعْضِ الْحَشْوِيَّةِ وَالثَّالِثُ وهو الْحَقُّ وَعَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَغَيْرُهُمْ يَجِبُ على الْعَامِّيِّ وَيَحْرُمُ على الْمُجْتَهِدِ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ لَا يَحِلُّ تَقْلِيدُ أَحَدٍ مُرَادُهُمْ على الْمُجْتَهِدِ قال عبد اللَّهِ بن أَحْمَدَ سَأَلْت أبي الرَّجُلُ يَكُونُ عِنْدَهُ الْكُتُبُ الْمُصَنَّفَةُ فيها قَوْلُ الرَّسُولِ وَاخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَلَيْسَ له بَصِيرَةٌ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ الْمَتْرُوكِ وَلَا الْإِسْنَادِ الْقَوِيِّ من الضَّعِيفِ هل يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا شَاءَ وَيُفْتِي بِهِ قال لَا يَعْمَلُ حتى يَسْأَلَ أَهْلَ الْعِلْمِ عَمَّا يُؤْخَذُ بِهِ منها قال الْقَاضِي أبو يَعْلَى ظَاهِرُ هذا أَنَّ فَرْضَهُ التَّقْلِيدُ وَالسُّؤَالُ إذَا لم يَكُنْ له مَعْرِفَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ انْتَهَى وَأَمَّا تَحْرِيمُهُ على الْمُجْتَهِدِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرَدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ يَعْنِي كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ بِالِاسْتِنْبَاطِ وفي حديث مُعَاذٍ الْمُتَلَقَّى بِالْقَبُولِ لَمَّا قال له الرَّسُولُ صلى اللَّهُ عليه وسلم بِمَ تَحْكُمُ قال بِكِتَابِ اللَّهِ قال فَإِنْ لم تَجِدْ قال بِسُنَّةِ رسول اللَّهِ قال فَإِنْ لم تَجِدْ قال أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلَا آلُو فقال الْحَمْدُ لِلَّهِ الذي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِهِ إلَى ما يَرْضَاهُ رسول اللَّهِ قالوا فَصَوَّبَهُ في ذلك ولم يذكر من جُمْلَتِهِ التَّقْلِيدَ فَدَلَّ ذلك على أَنَّ التَّقْلِيدَ يَحْرُمُ على الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ هُمْ من أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَالِاسْتِنْبَاطِ وَلِهَذَا قال تَعَالَى لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ منهم قال الْمُزَنِيّ في كِتَابِهِ فَسَادِ التَّأْوِيلِ تَوْفِيقُ اللَّهِ تَعَالَى لِمُعَاذٍ في اجْتِهَادِهِ لِمَا يَرْضَاهُ رَسُولُهُ عِنْدَنَا إنَّمَا هو لِنَظَرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَوْ كان تَأْوِيلُهُ أَفَرْضَ ما رَأَيْت في الْحَادِثَةِ لَوَجَبَ فَرْضُ ذلك على جَمِيعِ الناس قال وقد ذَمَّ اللَّهُ التَّقْلِيدَ في غَيْرِ ما آيَةٍ كَقَوْلِهِ إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا على أُمَّةٍ وَقَوْلِهِ وَقَالُوا رَبَّنَا إنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا وقال تَعَالَى اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا من دُونِ اللَّهِ وفي الحديث إنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا وَإِنَّمَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ
  322. الْعُلَمَاءِ قال وَيُقَالُ لِمَنْ حَكَمَ بِالتَّقْلِيدِ هل لَك من حُجَّةٍ فَإِنْ قال نعم أُبْطِلَ التَّقْلِيدُ لِأَنَّ الْحُجَّةَ أَوْجَبَتْ ذلك عِنْدَهُ لَا التَّقْلِيدَ وَإِنْ قال بِغَيْرِ عِلْمٍ قِيلَ له فَلِمَ أَرَقْت الدِّمَاءَ وَأَبَحْت الْفُرُوجَ وَالْأَمْوَالَ وقد حَرَّمَ اللَّهُ ذلك إلَّا بِحُجَّةٍ فَإِنْ قال أنا أَعْلَمُ أَنِّي قد أَصَبْت وَإِنْ لم أَعْرِفْ الْحُجَّةَ لِأَنَّ مُعَلِّمِي من كِبَارِ الْعُلَمَاءِ قِيلَ له تَقْلِيدُ مُعَلِّمِ مُعَلِّمِك أَوْلَى من تَقْلِيدِ مُعَلِّمِك لِأَنَّهُ لَا يقول إلَّا بِحُجَّةٍ خَفِيَتْ عن مُعَلِّمِهِ كما لم يَقُلْ مُعَلِّمُك إلَّا بِحُجَّةٍ قد خَفِيَتْ عَنْك فَإِنْ قال نعم تَرَكَ تَقْلِيدَ مُعَلِّمِهِ إلَى تَقْلِيدِ مُعَلِّمِ مُعَلِّمِهِ وَكَذَلِكَ حتى يَنْتَهِيَ إلَى الْعَالِمِ من الصَّحَابَةِ فَإِنْ أَبَى ذلك نُقِضَ قَوْلُهُ وَقِيلَ له كَيْفَ يَجُوزُ تَقْلِيدُ من هو أَصْغَرُ وَأَقَلُّ عِلْمًا وَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ من هو أَكْبَرُ وَأَغْزَرُ عِلْمًا وقد رُوِيَ عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّهُ حَذَّرَ من زَلَّةِ الْعَالِمِ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي اللَّهُ عنه أَنَّهُ قال لَا يُقَلِّدَنَّ أحدكم دِينَهُ رَجُلًا فَإِنْ آمَنَ آمَنَ وَإِنْ كَفَرَ كَفَرَ فإنه لَا أُسْوَةَ في الشَّرِّ وَأَمَّا وُجُوبُهُ على الْعَامَّةِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ وَقَوْلُهُ فَلَوْلَا نَفَرَ من كل فِرْقَةٍ منهم طَائِفَةٌ فَأَمَرَ بِقَبُولِ قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيمَا كان من أَمْرِ دِينِهِمْ وَلَوْلَا أَنَّهُ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِمْ لَمَا كان لِلنِّذَارَةِ مَعْنًى وَلِقَضِيَّةِ الذي شُجَّ فَأَمَرُوهُ أَنْ يَغْتَسِلَ وَقَالُوا لَسْنَا نَجِدُ لَك رُخْصَةً فَاغْتَسَلَ وَمَاتَ فقال النبي عليه السَّلَامُ قَتَلُوهُ قَتَلَهُمْ اللَّهُ إنَّمَا كان شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالَ فَبَانَ بِذَلِكَ جَوَازُ التَّقْلِيدِ
  323. قال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ وَلِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ من فُرُوضِ الْكِفَايَةِ التي إذَا قام بها الْبَعْضُ سَقَطَ عن الْبَاقِينَ وَلَوْ مَنَعْنَا التَّقْلِيدَ لَأَفْضَى إلَى أَنْ يَكُونَ من فُرُوضِ الْأَعْيَانِ وَنَقَلَ غَيْرُ وَاحِدٍ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ عليه فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُفْتُونَ الْعَوَامَّ وَلَا يَأْمُرُونَهُمْ بِنَيْلِ دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ وَلِأَنَّ الذي يَذْكُرُهُ الْمُجْتَهِدُ له من الدَّلِيلِ إنْ كان بِحَيْثُ لَا يَكْفِي في الْحُكْمِ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ وَإِنْ كان يَذْكُرُ له ما يَكْفِي فَأَسْنَدَ إلَيْهِ الْحُكْمَ في مِثْلِ ذلك الْتَزَمَهُ قَطْعًا وقال الْقَاضِي أبو الْمَعَالِي عَزِيزِيُّ بن عبد الْمَلِكِ في بَعْضِ مُؤَلَّفَاتِهِ لو وَجَبَ على الْكَافَّةِ التَّحْقِيقُ دُونَ التَّقْلِيدِ أَدَّى ذلك إلَى تَعْطِيلِ الْمَعَاشِ وَخَرَابِ الدُّنْيَا فَجَازَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ مُقَلِّدًا وَبَعْضُهُمْ مُعَلِّمًا وَبَعْضُهُمْ مُتَعَلِّمًا ولم تَرْفَعْ دَرَجَةُ أَحَدٍ في الْجِنَانِ لِدَرَجَةِ الْعُلَمَاءِ وَالْمُتَعَلِّمِينَ ثُمَّ دَرَجَةِ الْمُحِبِّينَ وقال الْمَصِيرُ في الْمُوجِبِ لِتَقْلِيدِ الْعَامِّيِّ لِلْعَالِمِ عَدَمُ آلَةِ الِاسْتِنْبَاطِ وَتَعَذُّرُهَا عليه في الْحَالِ وَالْتِمَاسُ أُصُولِ ذلك فَلَوْ تَرَكَهُ حتى يَعْلَمَ جَمِيعَهَا وَيَسْتَنْبِطَ منها لَتَعَطَّلَتْ الْفَرَائِضُ من الْعَالِمِ حتى يَصِيرُوا كلهم عُلَمَاءَ وَهَذَا فَاسِدٌ فَرَخَّصَ له في قَبُولِ قَوْلِ الْعَالِمِ الْبَاحِثِ وَلَا يَجُوزُ له قَبُولُ قَوْلِ من هو مِثْلُهُ وَمِنْ هذا امْتَنَعَ تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِ لِمِثْلِهِ لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُوجِبَ لِدَفْعِ التَّقْلِيدِ وُجُودُ الْأَدِلَّةِ وهو مُتَمَكِّنٌ منها قُلْت وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَقَائِدِ أَنَّ الْمَطْلُوبَ في الْعَقَائِدِ الْعِلْمُ وَالْمَطْلُوبَ في الْفُرُوعِ الظَّنُّ وَالتَّقْلِيدُ قَرِيبٌ من الظَّنِّ وَلِأَنَّ الْعَقَائِدَ أَهَمُّ من الْفُرُوعِ وَالْمُخْطِئُ فيها كَافِرٌ وَأَوْرَدَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ شُبْهَةً لِلْمَانِعِينَ من التَّقْلِيدِ قال إنَّهُمْ يَمْنَعُونَ الْعَمَلَ بِالْإِجْمَاعِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ وَيَتَمَسَّكُونَ بِالظَّوَاهِرِ وَيَقُولُونَ حُكْمُ الْعَقْلِ في الْمَنَافِعِ الْإِبَاحَةُ وفي الْمَضَارِّ الْحُرْمَةُ وَلَا يُتْرَكُ هذا إلَّا لِنَصٍّ قَاطِعِ الْمَتْنِ وَالدَّلَالَةِ وَالْعَامِّيُّ الذَّكِيُّ يَعْلَمُ ذلك وَإِلَّا نَبَّهَهُ الْمُفْتِي عليه وَعَلَى النَّصِّ الْقَاطِعِ في الْوَاقِعَةِ إنْ جَهِلَهُ وَلَا يُقَالُ مَعْرِفَةُ ذلك تَمْنَعُهُ من الْمَعَاشِ وَالْمَصَالِحِ التي الِاشْتِغَالُ عنها يُفْضِي إلَى خَرَابِ الْعَالَمِ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي إيجَابَ مَعْرِفَةِ أُصُولِ الدِّينِ وَلَا يُجَابُ بِأَنَّ الْوَاجِبَ مَعْرِفَةُ أَدِلَّةِ النُّبُوَّةِ وَالتَّوْحِيدِ جُمْلَةً وَهِيَ سَهْلَةٌ بِخِلَافِ الْفُرُوعِ لِكَثْرَتِهَا وَتَشَعُّبِهَا لِأَنَّهُ إنْ لم يَعْلَمْ جَمِيعَ مُقَدِّمَاتِ الدَّلِيلِ الْجَلِيِّ فَقَدْ قَلَّدَ في بَعْضِهَا فَيَكُونُ مُقَلِّدًا في النَّتِيجَةِ وَإِنْ عَلِمَهَا وما يَرِدُ فَقَدْ حَصَلَ الِاشْتِغَالُ وَجَوَابُهُ على تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ تَقْلِيلِ الْأَدِلَّةِ فَذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى تَأَمُّلٍ وَمُمَارَسَةٍ وهو مَفْقُودٌ في الْعَامِّيِّ إذَا عَلِمْت هذا فَلَا بُدَّ من تَقْسِيمٍ يَجْمَعُ أَفْرَادَ الْمَسْأَلَةِ وَيَضْبِطُ شُعَبَهَا فَنَقُولُ الْعُلُومُ نَوْعَانِ
  324. نَوْعٌ يَشْتَرِك في مَعْرِفَتِهِ الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ وَيُعْلَمُ من الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ كَالْمُتَوَاتِرِ فَلَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فيه لِأَحَدٍ كَعَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَتَعْيِينِ الصَّلَاةِ وَتَحْرِيمِ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَالزِّنَى وَاللِّوَاطِ فإن هذا مِمَّا لَا يَشُقُّ على الْعَامِّيِّ مَعْرِفَتُهُ وَلَا يَشْغَلُهُ عن أَعْمَالِهِ وَكَذَا في أَهْلِيَّةِ الْمُفْتِي وَنَوْعٌ مُخْتَصٌّ مَعْرِفَتُهُ بِالْخَاصَّةِ وَالنَّاسُ فيه ثَلَاثَةُ ضُرُوبٍ مُجْتَهِدٌ وَعَامِّيٌّ وَعَالِمٌ لم يَبْلُغْ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ أَحَدُهَا الْعَامِّيُّ الصِّرْفُ وَالْجُمْهُورُ على أَنَّهُ يَجُوزُ له الِاسْتِفْتَاءُ وَيَجِبُ عليه التَّقْلِيدُ في فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ جَمِيعِهَا وَلَا يَنْفَعُهُ ما عِنْدَهُ من الْعُلُومِ لَا تُؤَدِّي إلَى اجْتِهَادٍ وَحَكَى ابن عبد الْبَرِّ فيه الْإِجْمَاعَ ولم يَخْتَلِفْ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْعَامَّةَ عليها تَقْلِيدُ عُلَمَائِهَا وَأَنَّهُمْ الْمُرَادُونَ بِقَوْلِهِ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ قال وَأَجْمَعُوا على أَنَّ الْأَعْمَى لَا بُدَّ له من تَقْلِيدِ غَيْرِهِ في الْقِبْلَةِ نَقَلَ لَك من لَا عِلْمَ له وَلَا بِغَيْرِهِ بِمَعْنًى ما يَدِينُ بِهِ انْتَهَى وَمَنَعَ منه بَعْضُ مُعْتَزِلَةِ بَغْدَادَ كَالتَّقْلِيدِ في الْأُصُولِ وَقَالُوا يَجِبُ عليه الْوُقُوفُ على طَرِيقِ الْحُكْمِ وَعِلَّتِهِ وَلَا يَرْجِعُ إلَى الْعَالِمِ إلَّا لِتَنْبِيهِهِ على أُصُولِهَا وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عبد الْوَهَّابِ عن الْجَعْفَرِ بن مُبَشِّرٍ وَابْنِ حَرْبٍ منهم عن الْجُبَّائِيُّ يَجُوزُ في الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ دُونَ ما طَرِيقُهُ الْقَطْعُ فإنه يَصِيرُ مِثْلَ الْعَقْلِيَّاتِ وَنَحْوِهِ قَوْلُ الْأُسْتَاذِ يَجِبُ عليه تَحْصِيلُ عِلْمِ كل مَسْأَلَةٍ في الْفِقْهِ يُدْرِكُهَا الْقَطْعُ وَيَجُوزُ له التَّقْلِيدُ في ظَنِّيَّاتِهِ إلَى الْقَطْعِيَّاتِ الْفُرُوعُ بِالْأُصُولِ وَحَكَى ابن بَرْهَانٍ الْخِلَافَ على وَجْهٍ آخَرَ فقال من صَارَ له التَّقْلِيدُ لم يَجِبْ عليه السُّؤَالُ عن الدَّلِيلِ وَنُقِلَ عن أبي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ أَنَّهُ قال يَجِبُ عليه أَنْ يَعْلَمَ كُلَّ مَسْأَلَةٍ بِدَلِيلِهَا وَصَارَ بَعْضُ الناس إلَى أَنَّ الْمَسَائِلَ الظَّاهِرَةَ يَجِبُ عليه مَعْرِفَتُهَا دُونَ الْخَفِيَّةِ انْتَهَى وإذا قُلْنَا بِأَنَّ وَظِيفَةَ الْعَامِّيِّ التَّقْلِيدُ جاء الْخِلَافُ السَّابِقُ أَنَّهُ هل هو تَقْلِيدٌ حَقِيقَةً فَالْقَاضِي يَمْنَعُهُ وَيَقُولُ إنَّمَا مُسْتَدِلٌّ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ عليه اتِّبَاعَ الْعَالِمِ وهو خِلَافٌ يَرْجِعُ إلَى الْعِبَارَةِ لِأَنَّ الْقَائِلَ بِالتَّقْلِيدِ لم يَرَ إلَّا هذا وَلَكِنَّ لِسَانَ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ جَرَى على صِحَّةِ إطْلَاقِ التَّقْلِيدِ لِلْعَامِّيِّ وَالنَّهْيُ عن إطْلَاقِ الِاجْتِهَادِ عليه الثَّانِي الْعَالِمُ الذي حَصَّلَ بَعْضَ الْعُلُومِ الْمُعْتَبَرَةِ ولم يَبْلُغْ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ فَاخْتَارَ ابن الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ كَالْعَامِّيِّ الصِّرْفِ لِعَجْزِهِ عن الِاجْتِهَادِ وقال
  325. قَوْمٌ لَا يَجُوزُ ذلك وَيَجِبُ عليه مَعْرِفَةُ الْحُكْمِ بِطَرِيقِهِ لِأَنَّ صَلَاحِيَّةَ مَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَيَجِيءُ عليه الْخِلَافُ السَّابِقُ عن الْجُبَّائِيُّ وَالْأُسْتَاذِ هُنَا من بَابِ الْأَوْلَى وما أَطْلَقُوهُ من إلْحَاقِهِ هُنَا بِالْعَامِّيِّ فيه نَظَرٌ لَا سِيَّمَا أَتْبَاعُ الْمَذَاهِبِ الْمُتَبَحِّرِينَ فَإِنَّهُمْ لم يُنَصِّبُوا أَنْفُسَهُمْ نَصَبَةَ الْمُقَلِّدِينَ وقد سَبَقَ قَوْلُ الشَّيْخِ أبي عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ من أَصْحَابِنَا لَسْنَا مُقَلِّدِينَ لِلشَّافِعِيِّ وَكَذَلِكَ الْإِشْكَالُ في إلْحَاقِهِمْ بِالْمُجْتَهِدِينَ إذْ لَا يُقَلِّدُ مُجْتَهِدٌ مُجْتَهِدًا وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَاسِطَةً بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ ليس لنا سِوَى حَالَتَيْنِ قال ابن الْمُنَيَّرِ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُمْ مُجْتَهِدُونَ مُلْتَزِمُونَ أَنْ لَا يُحْدِثُوا مَذْهَبًا أَمَّا كَوْنُهُمْ مُجْتَهِدِينَ فَلِأَنَّ الْأَوْصَافَ قَائِمَةٌ بِهِمْ وَأَمَّا كَوْنُهُمْ مُلْتَزِمِينَ أَنْ لَا يُحْدِثُوا مَذْهَبًا فَلِأَنَّ إحْدَاثَ مَذْهَبٍ زَائِدٍ بِحَيْثُ يَكُونُ لِفُرُوعِهِ أُصُولٌ وَقَوَاعِدُ مُبَايِنَةٌ لِسَائِرِ قَوَاعِدِ الْمُتَقَدِّمِينَ مُتَعَذِّرُ الْوُجُودِ لِاسْتِيعَابِ الْمُتَقَدِّمِينَ سَائِرَ الْأَسَالِيبِ نعم لَا يَمْتَنِعُ عليهم تَقْلِيدُ إمَامٍ في قَاعِدَةٍ إذَا ظَهَرَ له صِحَّةُ مَذْهَبِ غَيْرِ إمَامِهِ في وَاقِعَةٍ لم يَجُزْ له أَنْ يُقَلِّدَ إمَامَهُ لَكِنَّ وُقُوعَ ذلك مُسْتَبْعَدٌ لِكَمَالِ نَظَرِ من قَبْلَهُ وَسَبَقَ في آخِرِ الْكَلَامِ على شُرُوطِ الْمُجْتَهِدِ كَلَامٌ لِابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ يَتَعَلَّقُ بِمَا نَحْنُ فيه الثَّالِثُ أَنْ يَبْلُغَ الْمُكَلَّفُ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ فَإِنْ كان اجْتَهَدَ في الْوَاقِعَةِ فَلَا يَجُوزُ له تَقْلِيدُ غَيْرِهِ من الْمُجْتَهِدِينَ فيها خِلَافُ ما ظَنَّهُ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّ ظَنَّهُ لَا يُسَاوِي الظَّنَّ الْمُسْتَفَادَ من غَيْرِهِ وَالْعَمَلُ بِأَقْوَى الظَّنَّيْنِ وَاجِبٌ ولو خَالَفَ وَحَكَمَ بِخِلَافِ ظَنِّهِ فَقَدْ أَثِمَ وَإِنْ كان مَذْهَبًا لِغَيْرِهِ وَهَلْ يُنْتَقَضُ حُكْمُهُ فيه وَجْهَانِ لِلْحَنَابِلَةِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ وهو يَقْدَحُ في نَقْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ الِاتِّفَاقَ على بُطْلَانِ حُكْمِهِ وَاسْتَثْنَى الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ من هذا الْقِسْمِ ما إذَا كان حُكْمًا يَجِبُ هل أو عليه يَحْتَاجُ في فَصْلِهِ إلَى حَاكِمٍ بَيْنَهُمَا بِاجْتِهَادِهِ فَيَجُوزُ له تَقْلِيدُهُ في هذه الصُّورَةِ وَإِنْ لم يَكُنْ قد اجْتَهَدَ فَفِيهِ بِضْعَةَ عَشَرَ مَذْهَبًا الْأَوَّلُ الْمَنْعُ منه مُطْلَقًا وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ منهم الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ وابن الصَّبَّاغِ وَاخْتَارَهُ الرَّازِيَّ وَالْآمِدِيَّ وابن الْحَاجِبِ قال الْبَاجِيُّ وهو قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وهو الْأَشْبَهُ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ وَسَوَاءٌ كان الْوَقْتُ مُوَسَّعًا أو مُضَيَّقًا وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ عن عَامَّةِ الْأَصْحَابِ وَظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ذَكَرَهُ في أَوَّلِ الْبَحْرِ وَكَذَا نَقَلَهُ
  326. الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ عن عَامَّةِ الْأَصْحَابِ خَلَا ابْنِ سُرَيْجٍ قال وقال أبو إِسْحَاقَ إنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَنَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وأبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ عن أبي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وهو النَّصُّ لِأَحْمَدَ بن حَنْبَلٍ وَالثَّانِي يَجُوزُ مُطْلَقًا وَعَلَيْهِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ وَحَكَاهُ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ عن أبي حَنِيفَةَ وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ قال الْكَرْخِيّ يَجُوزُ في قَوْلِ أبي حَنِيفَةَ وَكَذَا حَكَاهُ عنه أبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ في أُصُولِهِ قال وَلِهَذَا جَوَّزَ تَقْلِيدَ الْقَاضِي فِيمَا اُبْتُلِيَ بِهِ من الْحُكْمِ قال الْقُرْطُبِيُّ وهو الذي ظَهَرَ من تَمَسُّكَاتِ مَالِكٍ في الْمُوَطَّأ وقال بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ حَكَى الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ أَنَّ مَذْهَبَنَا ذلك وَلَا نَعْرِفُ وَالثَّالِثُ يَجُوزُ تَقْلِيدُ الصَّحَابَةِ فَقَطْ وَنُقِلَ عن الشَّافِعِيِّ في الْقَدِيمِ وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ من تَقْلِيدِهِ زَيْدَ بن ثَابِتٍ وَعُثْمَانَ وَغَيْرَهُمَا وقد أَجَابَ الرُّويَانِيُّ بِأَنَّ ذلك ليس تَقْلِيدًا وَإِنَّمَا هو اتِّفَاقُ رَأْيِهِ لِرَأْيِهِمْ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ صَرَّحَ في عُثْمَانَ بِالتَّقْلِيدِ وَنَقَلَ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ عن أَحْمَدَ أَنَّهُ يَجُوزُ تَقْلِيدُ الصَّحَابَةِ وَلَا يُقَلَّدُ أَحَدٌ بَعْدَهُمْ غير عُمَرَ بن عبد الْعَزِيزِ وَاسْتَغْرَبَهُ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْحَنَابِلَةِ وَالرَّابِعُ يَجُوزُ تَقْلِيدُ الصَّحَابَةِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ أَرْجَحَ في نَظَرِهِ من غَيْرِهِ فَإِنْ اسْتَوَوْا في نَظَرِهِ فيها تَخَيَّرَ في التَّقْلِيدِ لِمَنْ شَاءَ منهم وَلَا يَجُوزُ له تَقْلِيدُ من عَدَاهُمْ وَعَزَاهُ ابن الْحَاجِبِ إلَى الشَّافِعِيِّ وَالْخَامِسُ يَجُوزُ تَقْلِيدُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ وَالسَّادِسُ يُقَلِّدُ من هو أَعْلَمُ منه وَلَا يُقَلِّدُ من هو مِثْلُهُ وَنَقَلَهُ أبو بَكْرٍ الرَّازِيَّ عن الْكَرْخِيِّ وقال إنَّهُ ضَرْبٌ من الِاجْتِهَادِ وَمَنْ يُقَوِّيهِ رَأْيُ الْآخَرُ في نَفْسِهِ على رَأْيِهِ لَفَضَلَ عليه فلم يَخْلُ في تَقْلِيدِهِ إيَّاهُ من اسْتِعْمَالِ الِاجْتِهَادِ وَنَقَلَهُ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ وَالرُّويَانِيُّ عن مُحَمَّدِ بن الْحَسَنِ وَكَذَا إلْكِيَا قال وَرُبَّمَا قال إنَّهُمَا سَوَاءٌ وَعَنْ هذا أَوْجَبَ قَوْمٌ تَقْلِيدَ الصَّحَابَةِ لِأَنَّهُمْ أَعْلَمُ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ عن ابْنِ سُرَيْجٍ وَشَرَطَ معه ضِيقَ الْوَقْتِ وَالسَّابِعُ يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِهِ دُونَ ما يُفْتِي بِهِ حَكَاهُ ابن الْقَاصِّ عن ابْنِ سُرَيْجٍ وهو يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ له الْحُكْمُ بِهِ من بَابِ أَوْلَى وهو مَبْنِيٌّ على تَصْوِيبِ الْمُجْتَهِدِينَ وَالثَّامِنُ يَجُوزُ تَقْلِيدُ مِثْلِهِ فِيمَا يَخُصُّهُ إذَا خَشَى فَوَاتَ الْوَقْتِ فيها بِاشْتِغَالِهِ بِالْحَادِثَةِ وهو رَأْيُ ابْنِ سُرَيْجٍ قال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ حَكَى عنه أَنَّهُ قال إنَّهُمْ إذَا
  327. كَانُوا في سَفِينَةٍ وَخَفِيَتْ عليهم جِهَةُ الْقِبْلَةِ قَلَّدُوا الْمَلَّاحِينَ قال أبو الْعَبَّاسِ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ قال في الصَّلَاةِ فَإِنْ خَفِيَتْ عليه الدَّلَائِلُ فَهُوَ كَالْأَعْمَى وقد ثَبَتَ أَنَّ الْأَعْمَى يُقَلِّدُ وَرَدَّ عليه أبو إِسْحَاقَ بِأَنَّهُ جَعَلَهُ كَالْأَعْمَى في الصَّلَاةِ يُصَلِّي على حَسَبِ حَالِهِ ثُمَّ يُعِيدُ ليس في أَنَّهُ يَجُوزُ له التَّقْلِيدُ وقد حَكَى الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ هذا الْمَذْهَبَ عن ابْنِ سُرَيْجٍ ثُمَّ غَلَّطَهُ وقال ابن دَقِيقِ الْعِيدِ وَقِيلَ إنْ ضَاقَ الْوَقْتُ عن الِاجْتِهَادِ فَلَهُ ذلك وَهَذَا قَرِيبٌ لِأَنَّ الْمُكْنَةَ التي جَعَلْنَاهَا سَبَبًا لِوُجُوبِ الِاجْتِهَادِ قد تَعَذَّرَتْ بِسَبَبِ تَضَيُّقِ الْوَقْتِ وقد نَفَى الْقَفَّالُ الْخِلَافَ بين الْأَصْحَابِ في الْمَنْعِ من التَّقْلِيدِ مع التَّمَكُّنِ من الِاجْتِهَادِ وَلَكِنَّ الْمَحْكِيَّ عن ابْنِ سُرَيْجٍ نَقَلَهُ عن صَاحِبِ التَّلْخِيصِ سَمَاعًا منه وَالتَّاسِعُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الْقَاضِي وَالْمُفْتِي في الْمُشْكِلِ عليه حَكَاهُ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ عن بَعْضِ أَصْحَابِنَا قال لِأَنَّهُ في الْمُشْكِلِ عليه كَالْعَامِّيِّ وَلَكِنَّ الْحَاكِمَ لَا ضَرُورَةَ له إلَى التَّقْلِيدِ بِمَا عِنْدَهُ من الْأَقَاوِيلِ وَتَوَلِّي غَيْرِهِ الْحُكْمَ فيه وَكَذَلِكَ الْمُفْتِي يُفَوِّضُ ذلك إلَى غَيْرِهِ من أَهْلِ الْعِلْمِ بِخِلَافِ الْمُجْتَهِدِ إذَا حَلَّتْ بِهِ نَازِلَةٌ فإنه مُضْطَرٌّ إلَى تَعْرِيفِ الْحُكْمِ فإذا اشْتَبَهَ عليه ولم يَصِلْ إلَى تَعْرِيفِ الْحُكْمِ إلَّا بِتَقْلِيدِ غَيْرِهِ وَجَبَ عليه وهو قَرِيبٌ من السَّابِعِ وَالْعَاشِرُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْقَاضِي دُونَ غَيْرِهِ وَهَذَا ظَاهِرُ ما نَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ عن ابْنِ سُرَيْجٍ فإنه نَصَّبَ الْخِلَافَ في حَاكِمٍ تَحْضُرُهُ الْحَادِثَةُ وَيَضِيقُ الْوَقْتُ عن الِاجْتِهَادِ وَنُقِلَ عن ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ يَجُوزُ له أَنْ يَحْكُمَ بِالتَّقْلِيدِ وَلَا يُفْتِيَ بِهِ إلَّا بَعْدَ اجْتِهَادِهِ قال وقال أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا ليس له الْحُكْمُ بِالتَّقْلِيدِ كما ليس له الْإِفْتَاءُ وَعَلَيْهِ أَنْ يُؤَخِّرَ حتى يَجْتَهِدَ أو يَسْتَخْلِفَ من اجْتَهَدَ فيه قَبْلَهُ انْتَهَى وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْمَنْعَ من الْإِفْتَاءِ مَحَلُّ وِفَاقٍ وَجَعَلَ ابن كَجٍّ في كِتَابِهِ في الْأُصُولِ وَالشَّيْخُ أبو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ الْخِلَافَ في تَقْلِيدِهِ في حَقِّ نَفْسِهِ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُقَلِّدَهُ لِيُفْتِيَ غَيْرَهُ أو يَحْكُمَ بِهِ على غَيْرِهِ ولم يَجُزْ له بِالِاتِّفَاقِ وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ وابن الصَّبَّاغِ وَالْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ عن ابْنِ سُرَيْجٍ إنْ حَضَرَ ما يَنُوبُهُ كَالْحُكْمِ بين الْمُسَافِرِينَ وَهُمْ على الْخُرُوجِ جَازَ أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَهُ وَيَحْكُمَ قال الرَّافِعِيُّ وَيَنْبَغِي أَنْ يَطْرُدَهُ في الْفَتْوَى وَخَالَفَ ابن الرِّفْعَةِ وَفَرَّقَ بِأَنَّ الْمُسْتَفْتِي بِسَبِيلٍ من تَقْلِيدِ الْمُجْتَهِدِ وَلَا ضَرُورَةَ إذًا وَلَا حَاجَةَ بِإِفْتَاءِ الْمُقَلِّدِ وَلَا كَذَلِكَ الْحَاكِمُ خُصُوصًا إذَا مَنَعَ من الِاسْتِخْلَافِ
  328. الْحَادِيَ عَشَرَ الْوَقْفُ وَبِهِ يُشْعِرُ كَلَامُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ فإنه قال يَجُوزُ في الْعَقْلِ وُرُودُ التَّعَبُّدِ بِهِ وَلَكِنْ لم يَقُمْ الدَّلِيلُ على وُجُودِهِ وَالْأَمْرَانِ يَسُوغَانِ في الْعَقْلِ وقد تَبَيَّنَ في الشَّرْعِ وُجُوبُ أَحَدِهِمَا وهو الْإِجْمَاعُ على أَنَّ لِلْمُجْتَهِدِ الِاجْتِهَادَ فَهَذَا الْوَاجِبُ لَا يَزُولُ إلَّا بِدَلِيلٍ وَنُوزِعَ في الْإِجْمَاعِ فإن الْمُجَوِّزَ يقول الْوَاجِبُ إمَّا الِاجْتِهَادُ وَإِمَّا التَّقْلِيدُ فَحَقِيقَةُ قَوْلِهِ الْوَقْفُ فَرْعٌ لو كان لِمُجْتَهِدٍ حُكُومَةٌ فَحَكَمَ حَاكِمًا فيها يُخَالِفُ اجْتِهَادَهُ فإنه يَتَدَيَّنُ في الْبَاطِنِ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ وَبِتَرْكِ اجْتِهَادِهِ سَوَاءٌ كان الْحُكْمُ له أو عليه وَلَيْسَ هذا من مَوْضِعِ الْخِلَافِ ذَكَرَهُ ابن بَرْهَانٍ وَغَيْرُهُ وَقِيلَ يَعْمَلُ في الْبَاطِنِ بِنَقِيضِ اجْتِهَادِهِ ذَكَرَهُ أبو الْخَطَّابِ في الِانْتِصَارِ وَعَلَيْهِ يَتَخَرَّجُ أَنَّهُ هل يَحِلُّ له أَخْذُ ما كان حَرَامًا في نَظَرِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ على الْخِلَافِ في أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ هل يُغَيِّرُ ما في الْبَاطِنِ فيه وَجْهَانِ وَلَهُمَا الْتِفَاتٌ إلَى أَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ أَمْ لَا مَسْأَلَةٌ مُجْتَهِدُ الصَّحَابَةِ إذَا لم يُجْعَلْ قَوْلُهُ حُجَّةً فَفِي جَوَازِ تَقْلِيدِهِ في هذه الْأَعْصَارِ خِلَافٌ ذَهَبَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْعَامِّيَّ لَا يُقَلِّدُهُ وَنَقَلَهُ عن إجْمَاعِ الْمُحَقِّقِينَ قالوا وَلَيْسَ هذا لِأَنَّ دُونَ الْمُجْتَهِدِينَ دُونَ الصَّحَابَةِ مَعَاذَ اللَّهِ فَهُمْ أَعْظَمُ وَأَجَلُ قَدْرًا بَلْ لِأَنَّ مَذْهَبَهُمْ لم يَثْبُتْ حَقَّ الثُّبُوتِ كما ثَبَتَتْ مَذَاهِبُ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ لهم أَتْبَاعٌ قد طَبَقُوا الْأَرْضَ وَلِأَنَّهُمْ لم يَعْتَنُوا بِتَهْذِيبِ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ ولم يُقَرِّرُوا لِأَنْفُسِهِمْ أُصُولًا تَفِي بِأَحْكَامِ الْحَوَادِثِ كُلِّهَا بِخِلَافِ من بَعْدَهُمْ فَإِنَّهُمْ كَفَوْا النَّظَرَ في ذلك وَسَبَرُوا وَنَظَرُوا وَأَكْثَرُوا أَوْضَاعَ الْمَسَائِلِ وَنَازَعَ الْمُقْتَرَحُ وقال لَا يَلْزَمُ من سَبْرِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وُجُوبُ تَقْلِيدِهِمْ لِأَنَّ من بَعْدَهُمْ جَمَعَ سَبْرًا أَكْثَرَ منهم وَيَنْبَغِي أَنْ يَتْبَعَ الْمُتَأَخِّرِينَ منهم على قَضِيَّةِ هذا قال إنَّمَا الظَّاهِرُ في التَّعْلِيلِ في الْعَوَامّ أَنَّهُمْ لو كُلِّفُوا تَقْلِيدَ الصَّحَابَةِ لَكَانَ فيه من الْمَشَقَّةِ عليهم ما لَا يُطِيقُونَ من تَعْطِيلِ مَعَاشِهِمْ وَغَيْرِ ذلك فَلِهَذَا سَقَطَ عَنْهُمْ تَقْلِيدُ الصَّحَابَةِ
  329. قُلْت وَسُئِلَ محمد بن سِيرِينَ فَأَحْسَنَ فيها الْجَوَابَ فقال له السَّائِلُ ما مَعْنَاهُ ما كانت الصَّحَابَةُ لِتُحْسِنَ أَكْثَرَ من هذا فقال مُحَمَّدٌ لو أَرَدْنَا فِقْهَهُمْ لَمَا أَدْرَكَهُ عُقُولُنَا رَوَاهُ أبو نُعَيْمٍ في الْحِلْيَةِ وَمَالَ ابن الْمُنَيَّرِ إلَى ما قَالَهُ الْإِمَامُ وَلَكِنْ لِغَيْرِ هذا الْمَأْخَذِ فقال ما حَاصِلُهُ إنَّهُ يَتَطَرَّقُ إلَى مَذْهَبِ الصَّحَابَةِ احْتِمَالَاتٌ لَا يَتَمَكَّنُ الْعَامِّيُّ مَعَهَا من التَّقْلِيدِ من قُوَّةِ عِبَارَاتِهِمْ وَاسْتِصْعَابِهَا على أَفْهَامِ الْعَامَّةِ وَمِنْهَا احْتِمَالُ رُجُوعِ الصَّحَابِيِّ عن ذلك الْمَذْهَبِ كما وَقَعَ لِعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْإِجْمَاعُ قد انْعَقَدَ بَعْدَ ذلك الْقَوْلِ على قَوْلٍ آخَرَ وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ إسْنَادُ ذلك إلَى الصَّحَابَةِ على شَرْطِ الصِّحَّةِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَذَاهِبِ الْمُصَنِّفِينَ فَإِنَّهَا مُدَوَّنَةٌ في كُتُبِهِمْ وَهِيَ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْهُمْ بِنَقْلِهَا عن الْأَئِمَّةِ فَلِهَذِهِ الْغَوَائِلِ حَجَرْنَا على الْعَامِّيِّ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِمَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ ثُمَّ وَرَاءَ ذلك غَائِلَةٌ هَائِلَةٌ وَهِيَ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنَّ الْوَاقِعَةَ التي وَقَعَتْ له هِيَ الْوَاقِعَةُ التي أَفْتَى فيها الصَّحَابِيُّ وَيَكُونُ غَلَطًا لِأَنَّ تَنْزِيلَ الْوَقَائِعِ على الْوَقَائِعِ من أَدَقِّ وُجُوهِ الْفِقْهِ وَأَكْثَرِهَا لِلْغَلَطِ وَبِالْجُمْلَةِ فَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْعَامِّيَّ لَا يَتَأَهَّلُ لِتَقْلِيدِ الصَّحَابَةِ قَرِيبٌ من الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يَتَأَهَّلُ لِلْعَمَلِ بِأَدِلَّةِ الشَّرْعِ وَنُصُوصِهِ وَظَوَاهِرِهِ إمَّا لِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ على أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فَهُوَ مُلْحَقٌ بِقَوْلِ الشَّارِعِ وَإِمَّا لِأَنَّهُ في عُلُوِّ الْمَرْتَبَةِ يَكَادُ يَكُونُ حُجَّةً فَامْتِنَاعُ تَقْلِيدِهِ لِعُلُوِّ قَدْرِهِ لَا لِنُزُولِهِ وَأَمَّا ابن الصَّلَاحِ فَجَزَمَ في كِتَابِ الْفُتْيَا بِمَا قَالَهُ الْإِمَامُ وزاد أَنَّهُ لَا يُقَلِّدُ التَّابِعِينَ أَيْضًا وَلَا من لم يُدَوَّنْ مَذْهَبُهُ وَإِنَّمَا يُقَلِّدُ الَّذِينَ دُوِّنَتْ مَذَاهِبُهُمْ وَانْتَشَرَتْ حتى ظَهَرَ منها تَقْيِيدُ مُطْلَقِهَا وَتَخْصِيصُ عَامِّهَا بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ فإنه نُقِلَتْ عَنْهُمْ الْفَتَاوَى مُجَرَّدَةً فَلَعَلَّ لها مُكَمِّلًا أو مُقَيِّدًا أو مُخَصِّصًا أو أُنِيطَ كَلَامُ قَائِلِهِ فَامْتِنَاعُ التَّقْلِيدِ إنَّمَا هو لِتَعَذُّرِ نَقْلِ حَقِيقَةِ مَذْهَبِهِمْ وَعَلَى هذا فَيَنْحَصِرُ التَّقْلِيدُ في الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَسُفْيَانَ وَإِسْحَاقَ وَدَاوُد على خِلَافٍ في دَاوُد حَكَاهُ ابن الصَّلَاحِ وَغَيْرُهُ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ هُمْ ذَوُو الْأَتْبَاعِ وَلِأَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ جَرِيرٍ أَتْبَاعٌ قَلِيلَةٌ جِدًّا وَذَهَبَ غَيْرُهُمْ إلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ يُقَلَّدُونَ لِأَنَّهُمْ قد نَالُوا رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ وَهُمْ بِالصُّحْبَةِ يَزْدَادُونَ رِفْعَةً وَهَذَا هو الصَّحِيحُ إنْ عُلِمَ دَلِيلُهُ وقد قال الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ
  330. في فَتَاوِيهِ إذَا صَحَّ عن بَعْضِ الصَّحَابَةِ مَذْهَبٌ في حُكْمٍ من الْأَحْكَامِ لم تَجُزْ مُخَالَفَتُهُ إلَّا بِدَلِيلٍ أَوْضَحَ من دَلِيلِهِ وقد قال لَا خِلَافَ بين الْفَرِيقَيْنِ في الْحَقِيقَةِ بَلْ إنَّ تَحَقُّقَ ثُبُوتِ مَذْهَبٍ عن وَاحِدٍ منهم جَازَ تَقْلِيدُهُ وِفَاقًا وَإِلَّا فَلَا لَا لِكَوْنِهِ لَا يُقَلَّدُ بَلْ لِأَنَّ مَذْهَبَهُ لم يَثْبُتْ حَقَّ الثُّبُوتِ وقال ابن بَرْهَانٍ تَقْلِيدُ الصَّحَابَةِ يَنْبَنِي على جَوَازِ الِانْتِقَالِ في الْمَذَاهِبِ فَمَنْ مَنَعَهُ قال مَذَاهِبُ الصَّحَابَةِ لم تَكْثُرْ فُرُوعُهَا حتى يُمْكِنَ الْمُكَلَّفُ الِاكْتِفَاءَ بها فَيُؤَدِّيهِ ذلك إلَى الِانْتِقَالِ وهو مَمْنُوعٌ وَمَذَاهِبُ الْمُتَأَخِّرِينَ ضُبِطَتْ فَيَكْفِي الْمَذْهَبُ الْوَاحِدُ الْمُكَلَّفَ طُولَ عُمُرِهِ فَيَكْمُلُ هذا الْحُكْمُ وهو مَنْعُ تَقْلِيدِ الصَّحَابَةِ وقال إلْكِيَا بَعْدَ أَنَّ قَرَّرَ مَنْعَ الِانْتِقَالِ الْوَاحِدُ مِنَّا لَا يَأْخُذُ بِمَذْهَبِ الصَّحَابَةِ إذَا كان مُقَلِّدًا بَلْ يَأْخُذُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أو غَيْرِهِ من أَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ من حَيْثُ إنَّ الْأُصُولَ التي وَضَعَهَا أبو بَكْرٍ لَا تَفِي بِمَجَامِعِ الْمَسَائِلِ وَأَمَّا الْأُصُولُ التي وَضَعَهَا الشَّافِعِيُّ وأبو حَنِيفَةَ فَهِيَ وَافِيَةٌ بها فَلَوْ قُلْنَا بِتَقْلِيدِ الصِّدِّيقِ في حُكْمٍ لَزِمَ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ في حُكْمٍ آخَرَ وقد لَا يَجِدُهُ مَسْأَلَةٌ الْقَائِلُونَ بِالتَّقْلِيدِ أَوْجَبُوا التَّقْلِيدَ في هذه الْأَعْصَارِ وَمُسْتَنَدُهُمْ فيه أَنَّهُمْ اسْتَوْعَبُوا الْأَسَالِيبَ الشَّرْعِيَّةَ فلم يَبْقَ لِمَنْ بَعْدَهُمْ أُسْلُوبٌ مُتَمَاسِكٌ على السَّبْرِ وَلِهَذَا لَمَّا أَحْدَثَتْ الظَّاهِرِيَّةُ وَالْجَدَلِيَّةُ بَعْدَهُمْ خِلَافَ أَسَالِيبِهِمْ قَطَعَ كُلُّ مُحَقِّقٍ أنها بِدَعٌ وَمَخَارِقُ لَا حَقَائِقَ لَكِنَّ الْجَدَلِيَّةَ يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّ الشَّرِيعَةَ لَا تَثْبُتُ بِتِلْكَ الْأَسَالِيبِ الْجَدَلِيَّةِ وَإِنَّمَا عُمْدَتُهُمْ في اسْتِحْدَاثِهَا تَمْرِينُ الْأَذْهَانِ وَتَفْتِيحُ الْأَفْكَارِ وَأَمَّا كَوْنُهُمْ يَعْتَقِدُونَ أنها مُسْتَنَدَاتٌ وَحُجَجٌ عِنْدَ اللَّهِ يَلْقَى بها فَلَا وَأَمَّا الظَّاهِرِيَّةُ فلما أَحْدَثُوا قَوَاعِدَ تُخَالِفُ قَوَاعِدَ الْأَوَّلِينَ أَفْضَتْ بِهِ إلَى الْمُنَاقَضَةِ لِمَجْلِسِ الشَّرِيعَةِ وَلَمَّا اجْتَرَءُوا على دَعْوَى أَنَّهُمْ على الْحَقِّ وَأَنَّ غَيْرَهُمْ على الْبَاطِلِ أُخْرِجُوا من أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ ولم يَعُدَّهُمْ الْمُحَقِّقُونَ من أَحْزَابِ الْفُقَهَاءِ وَسَبَقَ في بَابِ الْإِجْمَاعِ الْكَلَامُ على أَنَّهُ هل يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ وَهَذَا كُلُّهُ يُوَضِّحُ أَنَّ الضَّرُورَةَ دَعَتْ الْمُتَأَخِّرِينَ إلَى اتِّبَاعِ الْمُتَقَدِّمِينَ لِأَنَّهُمْ سَبَقُوهُمْ بِالْبُرْهَانِ حتى لم يُبْقُوا لهم بَاقِيَةً يَسْتَبِدُّونَ بها وَذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ من يَشَاءُ وَلَكِنَّ الْفَضْلَ لِلْمُتَقَدِّمِ وَظَهَرَ بهذا تَعَذُّرُ إثْبَاتِ مَذْهَبٍ مُسْتَقِلٍّ بِقَوَاعِدَ
  331. مَسْأَلَةٌ قال الشَّيْخُ أبو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ في كِتَابِ الْمُحِيطِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَنْتَحِلَ نِحْلَةَ الشَّافِعِيِّ أو غَيْرِهِ فَلَا بُدَّ له من نَوْعِ اجْتِهَادٍ وَسَهَّلَ ذلك على الْعَامِّيِّ فإنه إذَا قِيلَ له فُلَانٌ يَتَّبِعُ السُّنَنَ وَفُلَانٌ يُخَالِفُهَا بِالرَّأْيِ وَالِاسْتِحْسَانِ ثُمَّ قال بَعْدَ كَلَامٍ له خَرَجَ لنا من هذا أَنَّ الْجُهَّالَ مَمْنُوعُونَ من التَّقْلِيدِ في شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا أَصْلُ التَّوْحِيدِ والثاني أَصْلُ الْمَذْهَبِ وقال الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ في شَرْحِ التَّرْتِيبِ اخْتَلَفَ الناس فِيمَا اخْتَلَفَ فيه الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ ما الذي أَوْجَبَ على قَوْمٍ اخْتِيَارَ مَذْهَبٍ من الْمَذَاهِبِ دُونَ غَيْرِهِ فَذَهَبَ أَصْحَابُ دَاوُد وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ أبي حَنِيفَةَ إلَى أَنَّا إنَّمَا رَجَعْنَا إلَى مَذَاهِبِهِمْ وَالْأَخْذِ بِأَقَاوِيلِهِمْ وَالْعَمَلِ بِفَتَاوَاهُمْ تَقْلِيدًا له وَلَا يَجِبُ الْفَحْصُ وَالْبَحْثُ عن الْأَدِلَّةِ وَمِنْهُمْ من قال بِصِحَّةِ قَوْلِهِمْ دُونَ قَوْلِ غَيْرِهِمْ وَهَذَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَدَّعِيَ لِأَحَدٍ منهم الْعِصْمَةَ في جَمِيعِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ وَقَالَهُ فإن هذه مَرْتَبَةُ الْأَنْبِيَاءِ قال وَالصَّحِيحُ الذي ذَهَبَ إلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ ما ذَهَبَ إلَيْهِ أَصْحَابُنَا أَنَّا إنَّمَا صِرْنَا إلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لَا على طَرِيقِ التَّقْلِيدِ وَإِنَّمَا هو من طَرِيقِ الدَّلِيلِ وَذَلِكَ أَنَّا وَجَدْنَاهُ أَهْدَى الناس في الِاجْتِهَادِ وَأَكْمَلَهُمْ آلَةً وَهِدَايَةً فيه فلما كانت طَرِيقَتُهُ أَسَدَّ الطُّرُقِ سَلَكْنَاهُ في الِاجْتِهَادِ وَالنَّظَرِ في الْأَحْكَامِ وَالْفَتَاوَى لَا أَنَّا قَلَّدْنَاهُ أَمَّا في اللُّغَةِ وَمُقْتَضَيَاتِ الْأَلْفَاظِ فَلِأَنَّهُ كان أَعْلَمَ الْأَئِمَّةِ بِذَلِكَ بَلْ قَوْلُهُ حُجَّةٌ في اللُّغَةِ وهو أَوَّلُ من صَنَّفَ في الْأُصُولِ قال أَحْمَدُ لم نَكُنْ نَعْرِفُ الْخُصُوصَ وَالْعُمُومَ حتى وَرَدَ الشَّافِعِيُّ وَأَمَّا في الحديث فَقَدْ فَزِعَ أَصْحَابُنَا من أَنْ يَذْكُرُوا فَضْلَهُ على غَيْرِهِ مَخَافَةَ أَنْ لَا يُقْبَلَ منهم لِأَجْلِ مَالِكٍ وَمِنْهُ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ وَلَيْسَ كما زَعَمُوا بَلْ جَمِيعُ ما عَوَّلَ عليه مَالِكٌ حَفِظَهُ الشَّافِعِيُّ وزاد عليه بِرِوَايَتِهِ عن غَيْرِهِ فَهَذَا يَدُلُّ على أَنَّهُ كان أَقْدَمَ في هذه الصَّنْعَةِ من مَالِكٍ وَكَذَلِكَ أَحْمَدُ وَأَمَّا الْآي وَالسُّنَنُ وَالْآثَارُ فَكَانَ أَعْلَمَهُمْ بها انْتَهَى قال ابن الصَّلَاحِ وَدَعْوَى انْتِفَاءِ التَّقْلِيدِ عَنْهُمْ مُطْلَقًا مَمْنُوعٌ إلَّا أَنْ يَكُونُوا قد أَحَاطُوا بِعُلُومِ الِاجْتِهَادِ الْمُطْلَقِ وَذَلِكَ خِلَافُ الْمَعْلُومِ من أَحْوَالِهِمْ وَذَهَبَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ إلَى أَنَّ الشَّافِعِيَّ هو الذي يَجِبُ على كل مَخْلُوقٍ عَامِّيٍّ تَقْلِيدُهُ وَتَابَعَهُمَا على ذلك طَائِفَةٌ
  332. وَذَهَبَ ابن حَزْمٍ إلَى أَنَّهُ لَا يُقَلَّدُ إلَّا الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ فَإِنْ كان لَا بُدَّ من غَيْرِهِمْ تَقْلِيدًا فَيَتَعَيَّنُ محمد بن نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ من أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَطْنَبَ في وَصْفِ مُحَمَّدِ بن نَصْرٍ وَهَذَا لَا يَخْرُجُ من مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فَكَأَنَّ ابْنَ حَزْمٍ يَدَّعِي أَنَّهُ إنْ كان لَا بُدَّ من تَقْلِيدٍ فَلْيُقَلَّدْ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ قال وَالتَّقْلِيدُ إنَّمَا اُبْتُدِئَ بِهِ بَعْدَ الْمِائَةِ وَالْأَرْبَعِينَ من الْهِجْرَةِ ولم يَكُنْ في الْإِسْلَامِ قبل ذلك مُسْلِمٌ وَاحِدٌ فَصَاعِدًا يُقَلِّدُ عَالِمًا بِعَيْنِهِ لَا يُخَالِفُهُ قال ابن الْمُنَيَّرِ وقد ذَكَرَ قَوْمٌ من أَتْبَاعِ الْمَذَاهِبِ في تَفْضِيلِ أَئِمَّتِهِمْ وَأَحَقُّ ما يُقَالُ في ذلك ما قالت أُمُّ الْكَمَلَةِ عن بَنِيهَا ثَكِلْتُهُمْ إنْ كُنْت أَعْلَمُ أَيَّهُمْ أَفْضَلَ كَالْحَلْقَةِ الْمُفْرَغَةِ لَا يُدْرَى أَيْنَ طَرَفَاهَا فما من وَاحِدٍ منهم إذَا تَجَرَّدَ النَّظَرُ إلَى خَصَائِصِهِ إلَّا وَيَفْنَى الزَّمَانُ حتى لَا يَبْقَى فِيهِمْ فَضْلَةٌ لِتَفْضِيلٍ على غَيْرِهِ وَهَذَا سَبَبُ هُجُومِ الْمُفَضَّلِينَ على التَّعْيِينِ لِأَجْلِ غَلَبَةِ الْعَادَةِ فَلَا يَكَادُ يَسَعُ ذِهْنُ أَحَدٍ من أَصْحَابِهِ لِتَفْضِيلِ غَيْرِ مُقَلِّدِهِ إلَى ضِيقِ الْأَذْهَانِ عن اسْتِيعَابِ خَصَائِصِ الْمُفَضَّلِينَ جَاءَتْ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وما نُرِيهِمْ من آيَةٍ إلَّا هِيَ أَكْبَرُ من أُخْتِهَا يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ آيَةٍ إذَا جُرِّدَ النَّظَرُ إلَيْهَا قال النَّاظِرُ حِينَئِذٍ هذه أَكْبَرُ الْآيَاتِ وَإِلَّا فما يُتَصَوَّرُ في آيَتَيْنِ أَنْ تَكُونَ كُلُّ وَاحِدَةٍ أَكْبَرَ من الْأُخْرَى بِكُلِّ اعْتِبَارٍ لِتَنَاقُضِ الْأَفْضَلِيَّةِ وَالْمَفْضُولِيَّةِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ انْخَرَقَتْ بِهِمْ الْعَادَةُ على مَعْنَى الْكَرَامَةِ عِنَايَةً من اللَّهِ بِهِمْ فإذا قِيسَ أَحْوَالُهُمْ بِأَحْوَالِ أَقْرَانِهِمْ كانت خَارِقَةً لِعَوَائِدِ أَشْكَالِهِمْ مَسْأَلَةٌ من قَلَّدَ بَعْضَ الْأَئِمَّةِ ثُمَّ ارْتَفَعَ قَلِيلًا إلَى دَرَجَةِ الْفَهْمِ وَالِاسْتِبْصَارِ فإذا رَأَى حَدِيثًا مُحْتَجًّا بِهِ يُخَالِفُ رَأْيَ إمَامِهِ وقال بِهِ قَوْمٌ فَهَلْ له الِاجْتِهَادُ وفي ذلك أَطْلَقَ إلْكِيَا الطَّبَرِيُّ وابن بَرْهَانٍ في الْوَجِيزِ أَنَّهُ يَجِبُ عليه الْأَخْذُ بِالْحَدِيثِ لِأَنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فَقَدْ قال إذَا رَأَيْتُمْ قَوْلِي بِخِلَافِ قَوْلِ النبي عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَخُذُوا بِهِ وَدَعُوا قَوْلِي وقال الْقَرَافِيُّ قد اعْتَمَدَ كَثِيرٌ من فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ على هذا وهو غَلَطٌ فإنه لَا بُدَّ من انْتِفَاءِ الْمُعَارِضِ وَالْعِلْمُ بِعَدَمِ الْمُعَارِضِ يَتَوَقَّفُ على من له أَهْلِيَّةُ اسْتِقْرَاءِ الشَّرِيعَةِ حتى يُحْسِنَ أَنْ يُقَالَ لَا مُعَارِضَ لِهَذَا الحديث أَمَّا اسْتِقْرَاءُ غَيْرِ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ وَهَذَا الذي قَالَهُ الْقَرَافِيُّ تَحْجِيرٌ وما يُرِيدُ بِ انْتِفَاءِ الْمُعَارِضِ إنْ كان في نَفْسِ الْأَمْرِ فَبَاطِلٌ أَمَّا على قَوْلِ الْمُصَوِّبَةِ فَبَاطِلٌ وَأَمَّا على قَوْلِ أَنَّ الْمُصِيبَ
  333. وَاحِدٌ فَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِمَا في نَفْسِ الْأَمْرِ بَلْ بِمَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ وَإِنْ كان الْمُرَادُ بِهِ في نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ فَكَذَلِكَ أَيْضًا لِأَنَّ مِثْلَ هذا الْقَوْلِ إذَا كان له الْحُكْمُ الْمُؤَدِّي إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ دَلِيلٌ ثُمَّ يقول إذَا صَحَّ حَدِيثٌ أَقْوَى مِمَّا عِنْدِي فَذَلِكَ مَذْهَبِي فَخُذُوا بِهِ وَاتْرُكُوا قَوْلِي فَكَيْفَ يَصِحُّ هذا مع عَدَمِ الْمُعَارِضِ قال ابن الصَّلَاحِ وقد عَمِلَ بهذا جَمْعٌ من الْأَصْحَابِ كَالْبُوَيْطِيِّ وَالدَّارَكِيِّ وَغَيْرِهِمَا من الْأَصْحَابِ وَلَيْسَ هذا بِالْهَيِّنِ فَلَيْسَ كُلُّ فَقِيهِ يُسَوِّغُ أَنْ يَسْتَقِلَّ بِالْعَمَلِ بِمَا يَرَاهُ حُجَّةً من الْمَذْهَبِ وقد عَمِلَ أبو الْوَلِيدِ بن الْجَارُودِ بِحَدِيثٍ تَرَكَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَجَابَ عنه وهو حَدِيثُ أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ وَعَنْ ابْنِ خُزَيْمَةَ أَنَّهُ قِيلَ له هل تَعْرِفُ سُنَّةً لِلرَّسُولِ في الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ لم يُودِعْهَا الشَّافِعِيُّ كِتَابَهُ قال لَا قال أبو عَمْرٍو وَعِنْدَ هذا نَقُولُ إنْ كان فيه آلَاتُ الِاجْتِهَادِ مُطْلَقًا أو في ذلك الْبَابِ أو في تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ كان له الِاسْتِقْلَالُ بِالْعَمَلِ بِذَلِكَ الحديث وَإِنْ لم تَكْتَمِلُ آلَتُهُ وَوَجَدَ في قَلْبِهِ حَزَازَةً من الحديث ولم يَجِدْ له مُعَارِضًا بَعْدَ الْبَحْثِ فَإِنْ كان قد عَمِلَ بِذَلِكَ الحديث إمَامٌ مُسْتَقِلٌّ فَلَهُ التَّمَذْهُبُ بِهِ وَيَكُونُ ذلك عُذْرًا له في تَرْكِ قَوْلِ إمَامِهِ وقال أبو زَكَرِيَّا النَّوَوِيُّ إنَّمَا يَكُونُ هذا لِمَنْ له رُتْبَةُ الِاجْتِهَادِ في الْمَذْهَبِ أو قَرِيبٌ منه وَشَرْطُهُ أَنْ يَغْلِبَ على ظَنِّهِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ لم يَقِفْ على هذا الحديث أو لم يَعْلَمْ صِحَّتَهُ وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ مُطَالَعَةِ كُتُبِ الشَّافِعِيِّ كُلِّهَا وَنَحْوِهَا من كُتُبِ أَصْحَابِ الْآخِذِينَ عنه وَهَذَا شَرْطٌ صَعْبٌ قَلَّ من يَتَّصِفُ بِهِ وقال ابن الزَّمْلَكَانِيِّ إنْ كانت له قُوَّةٌ لِلِاسْتِنْبَاطِ لِمَعْرِفَتِهِ بِالْقَوَاعِدِ وَكَيْفِيَّةِ اسْتِثْمَارِ الْأَحْكَامِ من الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ ثُمَّ اسْتَقَلَّ بِالْمَنْقُولِ بِحَيْثُ عَرَفَ ما في الْمَسْأَلَةِ من إجْمَاعٍ أو اخْتِلَافٍ وَجَمَعَ الْأَحَادِيثَ التي فيها وَالْأَدِلَّةَ وَرُجْحَانَ الْعَمَلِ بِبَعْضِهَا فَهَذَا هو الْمُجْتَهِدُ في الْجُزْئِيِّ وَالْمُتَّجَهُ أَنَّهُ يَجِبُ عليه الْعَمَلُ بِمَا قام عِنْدَهُ على الدَّلِيلِ وَلَا يُسَوَّغُ له التَّقْلِيدُ وإذا تَأَمَّلَ الْبَاحِثُ عن حَالِ الْأَئِمَّةِ الْمَنْقُولِ أَقَاوِيلُهُمْ وَعُدُّوا من أَهْلِ الِاجْتِهَادِ ثُمَّ أَنَّهُمْ إنَّمَا عُدُّوا لِذَلِكَ لِاسْتِجْمَاعِهِمْ شُرُوطَ الِاجْتِهَادِ الْكُلِّيَّةَ الْمُشْتَرَكَةَ بين جَمِيعِ الْمَسَائِلِ وَأَحَاطُوا بِأَدِلَّةِ جُمْلَةِ غَالِبٍ من الْأَحْكَامِ وقد عُلِمَ من حَالِ جَمْعٍ منهم
  334. في بَعْضِ الْمَسَائِلِ عَدَمُ الِاطِّلَاعِ على ما وَرَدَ في تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ وَمِنْهُمْ من يُعَلِّقُ الْقَوْلَ على صِحَّةِ حَدِيثٍ لم يَكُنْ قد صَحَّ عِنْدَهُ وَمِنْهُمْ من يقول إنْ صَحَّ هذا الْحَدِيثُ كَذَا وَإِنْ صَحَّ قُلْت بِهِ ثُمَّ يَجِدُ تِلْكَ الزِّيَادَةَ قد صَحَّتْ وَهَذَا الْحَدِيثُ الْمُعَلَّقُ عليه قد صَحَّ أو يُعَلِّلُ رَدَّ الحديث بِعِلَّةٍ ظَهَرَتْ له يَظْهَرُ انْتِفَاؤُهَا وَمِثْلُ ذلك في قَوْلِ الْأَئِمَّةِ كَثِيرٌ وَلَا سِيَّمَا من كَثُرَ أَخْذُهُ بِالرَّأْيِ وَتَرْجِيحِ الْأَقْيِسَةِ فإذا كان هذا الْمَوْصُوفُ يُقَلِّدُ الْإِمَامَ في مَسَائِلَ يُسَوَّغُ له التَّقْلِيدُ فيها وَقَعَ له في مَسْأَلَةٍ هذه الْأَهْلِيَّةُ تَعَيَّنَ عليه الرُّجُوعُ إلَى الدَّلِيلِ وَالْعَمَلِ بِهِ وَامْتَنَعَ عليه التَّقْلِيدُ وَأَمَّا من لم يَبْلُغْ هذه الدَّرَجَةَ بَلْ له أَهْلِيَّةُ النَّظَرِ وَالتَّرْجِيحِ وَفِيهِ قُصُورٌ عن جَمِيعِ أَهْلِيَّةِ الِاجْتِهَادِ الْمُشْتَرَكَةِ وَلَكِنْ جَمَعَ أَدِلَّةَ تِلْكَ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا وَعَرَفَ مَذْهَبَ الْعُلَمَاءِ فيها لِهَذَا لَا يَتَعَيَّنُ عليه الْعَمَلُ بِقَوْلِ إمَامِهِ وَلَا بهذا الدَّلِيلِ بَلْ يَجُوزُ له التَّقْلِيدُ وَيَنْبَغِي له تَقْلِيدُ من الْحَدِيثُ في جَانِبِهِ إذَا لم يَعْلَمْ اطِّلَاعَ إمَامِهِ عليه وَتَرَكَهُ لِعِلَّةٍ فيه أو لِوُجُودِ أَقْوَى منه أَمَّا إنْ كان قد جَمَعَ أَهْلِيَّةَ الِاجْتِهَادِ الْمُشْتَرَكَةِ بين جَمِيعِ الْمَسَائِلِ ولم يَجْمَعْ أَدِلَّةَ هذه الْمَسَائِلِ بَلْ رَأَى فيها حَدِيثًا يَقُومُ بمثله الْحُجَّةُ فَهَذَا له أَحْوَالٌ أَحَدُهَا أَنْ يَعْلَمَ حُجَّةَ إمَامِهِ كَمُخَالَفَةِ مَالِكٍ لِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ على خِلَافِهِ فَإِنْ كان مِمَّنْ يَعْتَقِدُ رُجْحَانَ مَذْهَبِ إمَامِهِ بِطَرِيقِهِ فَلْيَعْمَلْ بِقَوْلِهِ وهو أَوْلَى وَإِنْ لم يَتَعَيَّنْ الثَّانِيَةُ أَنْ يَعْلَمَ إجْمَالًا أَنَّ لِإِمَامِهِ أو لِمَنْ خَالَفَ الْعَمَلَ بهذا الحديث أَدِلَّةً يَجُوزُ مَعَهَا الْمُخَالَفَةُ أو يَقْوَى فَلَا يَتَعَيَّنُ عليه بَلْ لَا يَتَرَجَّحُ مُخَالَفَةُ إمَامِهِ وَلَهُ تَقْلِيدُ الْقَائِلِ بِالْحَدِيثِ من الْمُجْتَهِدِينَ الثَّالِثَةُ أَنْ لَا يَعْلَمَ الْحُجَّةَ الْمُقْتَضِيَةَ لِمُخَالَفَةِ الحديث إجْمَالًا وَلَا تَفْصِيلًا وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُخَالِفِ حُجَّةٌ تَسُوغُ مَعَهَا الْمُخَالَفَةُ وَأَنْ لَا يَكُونَ لِكَوْنِهِ لم يَجْمَعْ أَدِلَّةَ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ نَقْلًا وَاسْتِدْلَالًا فَالْأَوْلَى بهذا تَتَبُّعُ الْمَآخِذِ فإذا لم يَتَبَيَّنْ له ما يُعَارِضُ الحديث من أَدِلَّةِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فَالْعَمَلُ بِالْحَدِيثِ أَوْلَى تَقْلِيدًا لِمَنْ عَمِلَ بِهِ وَلَهُ الْبَقَاءُ على تَقْلِيدِ إمَامِهِ وَيَدُلُّ لِهَذَا ما اُسْتُقْرِئَ من أُصُولِ الصَّحَابَةِ وَمُقَلِّدِيهِمْ فَإِنَّهُمْ لم يُنْكِرُوا على من اسْتَفْتَاهُمْ في مَسْأَلَةٍ وَسَأَلَ غَيْرَهُمْ عن أُخْرَى أُمِرَ بِالْعَوْدِ إلَى من قَلَّدَ قبل ذلك
  335. مَسْأَلَةٌ الْبَارِعُ في الْمَذْهَبِ وَمَآخِذِهِ هل له أَنْ يُفْتِيَ أو يَحْكُمَ بِالْوُجُوهِ الْمَرْجُوحَةِ إذَا قَوِيَ مُدْرِكُهَا لم أَرَ فيه نَصًّا وَيَحْتَمِلُ أَوْجُهًا منها التَّفْصِيلُ بين أَنْ يَكُونَ قَائِلُ ذلك الْوَجْهِ أَفْتَى بِهِ فَيَجُوزُ أو قَالَهُ على سَبِيلِ التَّجْوِيزِ وَالِاحْتِمَالِ وَتَبَيَّنَ الْمَأْخَذُ فَلَا ومنها وهو الْأَقْرَبُ التَّفْصِيلُ بين أَنْ يَكُونَ ذلك من بَابِ الِاحْتِيَاطِ في الدِّينِ كَجَرَيَانِ الرَّبَّا في الْفُلُوسِ إذَا رَاجَتْ رَوَاجَ النُّقُودِ وَبُطْلَانِ بَيْعِ الْعَيِّنَةِ أَنْ يَكُونَ لِمَنْ اتَّخَذَهُ عَادَةً وَنَحْوِهِ فَيَجُوزُ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ من بَابِ التَّرْخِيصِ وَالتَّخْفِيفِ فَمُمْتَنِعٌ وَهَذَا كُلُّهُ بَعْدَ تَبَحُّرِ ذلك الْمُفْتِي أو الْحَاكِمِ في الْمَذْهَبِ وَإِلَّا فَيَمْتَنِعُ قَطْعًا وَحَيْثُ جَازَ فَلَا يُنْسَبُ ذلك إلَى الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ إذَا لم يَثْبُتْ له الْقَوْلُ الْمُخَرَّجُ فَالْوَجْهُ أَوْلَى وهو فِيمَا إذَا كان له نَصٌّ بِخِلَافِهَا أَوْلَى وَلِهَذَا قال الْقَفَّالُ في فَتَاوِيهِ لو قال بِعْتُك صَاعًا من هذه الصُّبْرَةِ نَصَّ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ يَجُوزُ وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فَقِيلَ له كَيْفَ تُفْتِي في هذه الْمَسْأَلَةِ فقال على مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فإن من يَسْأَلُنِي إنَّمَا يَسْأَلُنِي عن مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لَا عن مَذْهَبِي انْتَهَى وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِفَتْوَى غَيْرِهِ أَمَّا في حَقِّ نَفْسِهِ وَقَوِيَ عِنْدَهُ مَذْهَبُ غَيْرِ إمَامِهِ لم يَجُزْ له تَقْلِيدُهُ لَكِنَّ وُقُوعَ هذا نَادِرٌ لِأَنَّ نَظَرَ الْأَئِمَّةِ كان نَظَرًا مُتَنَاسِبًا مُفَرَّعًا في كل مَذْهَبٍ على قَوَاعِدَ لَا تَنْخَرِمُ مَسْأَلَةٌ في تَقْلِيدِ الْمَفْضُولِ مَذَاهِبُ أَحَدُهَا امْتِنَاعُهُ وَنُقِلَ عن أَحْمَدَ وَابْنِ شُرَيْحٍ لِأَنَّ اعْتِقَادَ الْمَفْضُولِ كَاعْتِقَادِ الْمُجْتَهِدِ الدَّلِيلَ الْمَرْجُوحَ مع وُجُودِ الْأَرْجَحِ الثَّانِي وهو أَصَحُّهَا وَاخْتَارَهُ ابن الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ الْجَوَازُ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ على تَفَاوُتِهِمْ في الْفَهْمِ ثُمَّ إجْمَاعُهُمْ على تَسْوِيغِ تَقْلِيدِ الْمَفْضُولِ مع وُجُودِ الْأَفْضَلِ وَالثَّالِثُ يَجُوزُ لِمَنْ يَعْتَقِدُهُ فَاضِلًا أو مُسَاوِيًا وَالْخِلَافُ بِالنِّسْبَةِ لِلنَّظَرِ الْوَاحِدِ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عليه تَقْلِيدُ أَفْضَلِ أَهْلِ الدُّنْيَا وَإِنْ كان نَائِبًا عن إقْلِيمِهِ فَهَذِهِ الصُّورَةُ لَا تَحْتَمِلُ الْخِلَافَ فَعَلَى هذا لَا يَجِبُ على أَحَدٍ الِاشْتِغَالُ بِتَرْجِيحِ إمَامٍ على
  336. إمَامٍ بَعْدَ اجْتِمَاعِ شَرَائِطِ الْفَتْوَى وَمِنْ فُرُوعِ الْمَسْأَلَةِ اجْتِهَادُ الْعَامِّيِّ في النَّظَرِ في الْأَعْلَمِ وَسَيَأْتِي مَسْأَلَةٌ غَيْرُ الْمُجْتَهِدِ يَجُوزُ له تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِ الْحَيِّ بِاتِّفَاقٍ كَذَا قالوا لَكِنْ مَنَعَهُ ابن حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ وَرَوَى بِسَنَدِهِ إلَى ابْنِ مَسْعُودٍ رضي اللَّهُ عنه النَّهْيَ عن تَقْلِيدِ الْأَحْيَاءِ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ عليه الْفِتْنَةُ قال وَإِنْ كان لَا مَحَالَةَ مُقَلِّدًا فَلْيُقَلِّدْ الْمَيِّتَ انْتَهَى فَإِنْ قَلَّدَ مَيِّتًا فَفِيهِ مَذَاهِبُ أَحَدُهَا وهو الْأَصَحُّ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا كما قَالَهُ الرُّويَانِيُّ الْجَوَازُ وقد قال الشَّافِعِيُّ الْمَذَاهِبُ لَا تَمُوتُ بِمَوْتِ أَرْبَابِهَا وَلَا بِفَقْدِ أَصْحَابِهَا وَرُبَّمَا حُكِيَ فيه الْإِجْمَاعُ وَأَيَّدَهُ الرَّافِعِيُّ بِمَوْتِ الشَّاهِدِ بَعْدَمَا يُؤَدِّي شَهَادَتَهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ فإن شَهَادَتَهُ لَا تَبْطُلُ قُلْت وَلِقَوْلِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ من بَعْدِي أبي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَقَوْلُهُ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ وَلِهَذَا يُعْتَدُّ بِأَقْوَالِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ في الْإِجْمَاعِ وَالْخِلَافِ وَاحْتَجَّ الْأُصُولِيُّونَ عليه بِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ في زَمَانِنَا على جَوَازِ الْعَمَلِ بِفَتَاوَى الْمَوْتَى وَالْإِجْمَاعُ حُجَّةٌ قال الْهِنْدِيُّ وَهَذَا فيه نَظَرٌ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ من أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ وَهُمْ الْمُجْتَهِدُونَ وَالْمُجْمِعُونَ لَيْسُوا مُجْتَهِدِينَ فَلَا يُعْتَبَرُ إجْمَاعُهُمْ بِحَالٍ أو نَقُولُ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى إنَّمَا يُعْتَبَرُ اتِّفَاقُهُمْ على جَوَازِ إفْتَاءِ غَيْرِ الْمُجْتَهِدِ فَلَوْ أَثْبَتَ جَوَازَ إفْتَائِهِ بهذا لَزِمَ الدَّوْرُ انْتَهَى وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ إجْمَاعُ الْمُجْتَهِدِينَ قَاطِبَةً ثُمَّ قال وَالْأَوْلَى في ذلك التَّمَسُّكُ بِالضَّرُورَةِ فَإِنَّا لو لم نُجَوِّزْ ذلك لَأَدَّى إلَى فَسَادِ أَحْوَالِ الناس وَهَذَا شَيْءٌ سَبَقَهُ إلَيْهِ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ فَقَالُوا لو مَنَعْنَا من تَقْلِيدِ الْمَاضِينَ لَتَرَكْنَا الناس حَيَارَى وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْخِلَافَ يَجْرِي وَإِنْ لم يَكُنْ في الْعَصْرِ مُجْتَهِدٌ وَذَلِكَ هو صَرِيحُ قَوْلِ الْمَحْصُولِ إنَّهُ لَا يَجْتَهِدُ الْيَوْمَ مع قَوْلِهِ قَبْلَهُ لَا يُقَلَّدُ الْمَيِّتُ وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا كان في الْقُطْرِ مُجْتَهِدٌ وَمُجْتَهِدُونَ فَمِنْ
  337. قَائِلٍ مَوْتُ الْمُجْتَهِدِ لَا يُمِيتُ قَوْلَهُ فَكَأَنَّهُ أَحَدُ الْأَحْيَاءِ فَيُقَلَّدُ وَلَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ وَمِنْ قَائِلٍ بَلْ يَبْطُلُ قَوْلُهُ وَيَتَعَيَّنُ الْأَخْذُ بِقَوْلِ الْحَيِّ وقد كان يُمْكِنُ أَنْ يُفَصِّلَ بين أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ أَرْجَحَ من الْحَيِّ فَلَا يُتْرَكُ قَوْلُهُ لَا سِيَّمَا إذَا أَوْجَبْنَا تَقْلِيدَ الْأَعْلَمِ أو يُفَصِّلَ بين أَنْ يَطَّلِعَ الْمُجْتَهِدُ الْحَيُّ على مَأْخَذِ الْمَيِّتِ ثُمَّ يُخَالِفُهُ فَلَا يُقَلِّدُ الْمَيِّتَ حِينَئِذٍ أو لَا يَطَّلِعُ فَيُقَلِّدُ فيه نَظَرٌ وَاحْتِمَالٌ وَالثَّانِي الْمَنْعُ الْمُطْلَقُ إمَّا لِأَنَّهُ ليس من أَهْلِ الِاجْتِهَادِ كَمَنْ تَجَدَّدَ فِسْقُهُ بَعْدَ عَدَالَتِهِ لَا يَبْقَى حُكْمُ عَدَالَتِهِ وَإِمَّا لِأَنَّ قَوْلَهُ وَصْفُهُ وَبَقَاءُ الْوَصْفِ مع زَوَالِ الْأَصْلِ مُحَالٌ وَإِمَّا لِأَنَّهُ لو كان حَيًّا لَوَجَبَ عليه تَجْدِيدُ الِاجْتِهَادِ وَعَلَى تَقْدِيرِ تَجْدِيدِهِ لَا يَتَحَقَّقُ بَقَاؤُهُ على الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَتَقْلِيدُهُ بِنَاءً على وَهْمٍ أو تَرَدُّدٍ وَالْقَوْلُ بِذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ وَهَذَا الْوَجْهُ نَقَلَهُ ابن حَزْمٍ عن الْقَاضِي قال وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ قَبْلَهُ وَنَصَرَهُ ابن الْفَارِضِ الْمُعْتَزِلِيُّ في كِتَابِ النُّكَتِ وَحَكَى الْغَزَالِيُّ في الْمَنْخُولِ فيه إجْمَاعَ الْأُصُولِيِّينَ وقال الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ إنَّهُ الْقِيَاسُ وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْمَحْصُولِ فيه فقال اخْتَلَفُوا في غَيْرِ الْمُجْتَهِدِ هل يَجُوزُ له الْفَتْوَى بِمَا يَحْكِيهِ عن الْمُفْتِينَ فَنَقُولُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَحْكِيَ عن مَيِّتٍ أو عن حَيٍّ فَإِنْ حَكَى عن مَيِّتٍ لم يَجُزْ له الْأَخْذُ بِقَوْلِهِ لِأَنَّهُ لَا قَوْلَ لِلْمَيِّتِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَنْعَقِدُ مع خِلَافِهِ حَيًّا وَيَنْعَقِدُ مع مَوْتِهِ وَهَذَا يَدُلُّ على أَنَّهُ لم يَبْقَ له قَوْلٌ بَعْدَ مَوْتِهِ فَإِنْ قُلْت لِمَ صُنِّفَتْ كُتُبُ الْفِقْهِ مع فَنَاءِ أَصْحَابِهَا قُلْت لِفَائِدَتَيْنِ إحْدَاهُمَا اسْتِبَانَةُ طُرُقِ الِاجْتِهَادِ من تَصَرُّفِهِمْ في الْحَوَادِثِ وَكَيْفَ بُنِيَ بَعْضُهَا على بَعْضٍ وَالثَّانِيَةُ مَعْرِفَةُ الْمُتَّفَقِ عليه من الْمُخْتَلِفِ فَلَا يُفْتَى بِغَيْرِ الْمُتَّفَقِ عليه ثُمَّ قال وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إذَا كان الرَّاوِي عَدْلًا ثِقَةً مُتَمَكِّنًا من فَهْمِ كَلَامِ الْمُجْتَهِدِ الذي مَاتَ ثُمَّ رَوَى لِلْعَامِّيِّ قَوْلَهُ حَصَلَ لِلْعَامِّيِّ ظَنَّ صِدْقِهِ ثُمَّ إذَا كان الْمُجْتَهِدُ عَدْلًا ثِقَةً عَالِمًا فَذَلِكَ يُوجِبُ ظَنَّ صِدْقِهِ في تِلْكَ الْفَتْوَى فَحِينَئِذٍ يَتَوَلَّدُ من هَاتَيْنِ الطَّبَقَتَيْنِ لِلْعَامِّيِّ أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ نَفْسُ ما رَوَى له هذا الرَّاوِي الْحَيُّ عن ذلك الْمُجْتَهِدِ الْمَيِّتِ وَالْعَمَلُ بِالظَّنِّ وَاجِبٌ فَوَجَبَ أَنْ يَجِبَ على الْعَامِّيِّ الْعَمَلُ بِذَلِكَ وَأَيْضًا فَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ في زَمَانِنَا هذا على جَوَازِ الْعَمَلِ بهذا النَّوْعِ من الْفَتْوَى لِأَنَّهُ ليس في هذا الزَّمَانِ مُجْتَهِدٌ وَالْإِجْمَاعُ حُجَّةٌ
  338. قال النَّقْشَوَانِيُّ في قَوْلِ الْإِمَامِ ليس في الزَّمَانِ مُجْتَهِدٌ مع قَوْلِهِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ مُنَاقَضَةٌ وقد سَلِمَ في الْمُنْتَخَبِ منها ولم يَقُلْ فيه أَنَّهُ لَا يَجْتَهِدُ في زَمَنِنَا وَاخْتَصَرَهُ صَاحِبُ التَّحْصِيلِ إلَّا أَنَّهُ لم يَقُلْ وَالْإِجْمَاعُ حُجَّةٌ وَلَكِنْ قال وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ في زَمَانِنَا وَكُلُّ ذلك سَعْيٌ في دَفْعِ التَّنَاقُضِ وَاَلَّذِي فَعَلَهُ في الْمُنْتَخَبِ هو الذي فَعَلَهُ صَاحِبُ الْحَاصِلِ تِلْمِيذُ الْإِمَامِ وهو أَعْرَفُ أَصْحَابِهِ بِكَلَامِهِ فقال وَأَيْضًا فَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ في زَمَانِنَا على جَوَازِ الْعَمَلِ بِفَتَاوَى الْمَوْتَى وَالْإِجْمَاعُ حُجَّةٌ وَتَبِعَهُ الْبَيْضَاوِيُّ فقال في الْمِنْهَاجِ وَاخْتُلِفَ في تَقْلِيدِ الْمَيِّتِ وَالْمُخْتَارُ جَوَازُهُ لِلْإِجْمَاعِ عليه في زَمَانِنَا فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَصَرَّفُوا في كَلَامِ الْإِمَامِ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَاَلَّذِينَ نَقَلُوا كَلَامَهُ اعْتَرَضُوا عليه بِالْمُنَاقَضَةِ كالنقشواني وَاَلَّذِي يَدْفَعُ التَّنَاقُضَ أَنَّ قَوْلَ الْإِمَامِ لَا مُجْتَهِدَ في الزَّمَانِ لَا يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ في زَمَانِنَا لِأَنَّ الْمَعْنَى بِهِ إجْمَاعُ السَّابِقِينَ على حُكْمِ أَهْلِ هذا الزَّمَانِ فيه كما أَنَّا نَحْكُمُ الْآنَ على أَهْلِ الزَّمَانِ الذي تَنْدَرِسُ فيه أَعْلَامُ الشَّرِيعَةِ وقد عَقَدَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الْغِيَاثِيِّ بَابًا عَظِيمًا في ذلك وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ سَيَأْتِي وَالثَّالِثُ الْجَوَازُ بِشَرْطِ فَقْدِ الْحَيِّ وَجَزَمَ إلْكِيَا وابن بَرْهَانٍ وَالرَّابِعُ التَّفْصِيلُ بين أَنْ يَكُونَ النَّاقِلُ له أَهْلٌ لِلْمُنَاظَرَةِ مُجْتَهِدًا في ذلك الْمُجْتَهَدِ الذي يُحْكَى عنه فَيَجُوزُ وَإِلَّا فَلَا قَالَهُ الْآمِدِيُّ وَالْهِنْدِيُّ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هذا مَأْخُوذًا من وَجْهٍ حَكَاه الرَّافِعِيُّ في مَسْأَلَةِ ما إذَا عَرَفَ الْعَامِّيُّ مَسْأَلَةً أو مَسَائِلَ بِدَلَائِلِهَا أَنَّهُ إنْ كان الدَّلِيلُ نَقْلِيًّا جَازَ أو قِيَاسِيًّا فَلَا وَعَلَى هذا فَيَنْبَغِي لِلْهِنْدِيِّ أَنْ يُقَيِّدَ تَفْصِيلَهُ بِمَا إذَا كان الْمَنْقُولُ قِيَاسِيًّا وَأَنْ لَا يُجَوِّزَهُ إذَا كان نَقْلِيًّا لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ فإن الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ وَلَا فُتْيَاهُ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ بهذا الْقَدْرِ من الْمَعْرِفَةِ لَا يَخْرُجُ عن كَوْنِهِ عَامًّا وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْهِنْدِيَّ إنَّمَا أَخَذَ تَفْصِيلَهُ من بِنَاءِ الْأَصْحَابِ جَوَازَ فُتْيَا مُتَبَحِّرِ الْمَذْهَبِ بِمَذْهَبِ الْمَيِّتِ على جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمَيِّتِ فَإِنْ فُرِضَ أَنَّ النَّاقِلَ بِحَيْثُ لَا يُوثَقُ بِنَقْلِهِ فَهْمًا وَإِنْ وُثِقَ بِهِ نَقْلًا تَطَرَّقَ عَدَمُ الْوُثُوقِ بِفَهْمِهِ إلَى عَدَمِ الْوُثُوقِ بِنَقْلِهِ وَصَارَ عَدَمُ قَبُولِهِ لِعَدَمِ حُجَّةِ الْمَذْهَبِ الْمَنْقُولِ إلَيْهِ لَا لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يُقَلِّدُ فَلَيْسَ التَّفْصِيلُ وَاقِفًا غير أَنَّ عُذْرَ الْهِنْدِيِّ أَنَّهُ لم يَعْقِدْ الْمَسْأَلَةَ لِتَقْلِيدِ الْمَيِّتِ كما فَعَلَ الْإِمَامُ
  339. تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ قِيلَ الْخِلَافُ هُنَا مُخْرِجٌ من الْخِلَافِ في إعَادَةِ الِاجْتِهَادِ عِنْدَ حُدُوثِ الْحَادِثَةِ مَرَّةً أُخْرَى الثَّانِي قَيَّدَ بَعْضُهُمْ الْخِلَافَ في هذه الْمَسْأَلَةِ بِمَا إذَا كان في الْعَصْرِ مُجْتَهِدٌ أو مُجْتَهِدُونَ فَإِنْ لم يَكُنْ فَلَا خِلَافَ في تَقْلِيدِ الْمَيِّتِ لِئَلَّا تَضِيعَ الشَّرِيعَةُ قال وَإِطْلَاقُ من أَطْلَقَ مَحْمُولٌ عليه إنَّمَا النَّظَرُ في شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا إذَا لم يَخْلُ عن مُجْتَهِدٍ فَفِي ظَنِّ كَثِيرٍ من الناس أَنَّهُ يُقَلِّدُ الْمَيِّتَ حِينَئِذٍ وَالْمَنْقُولُ عن الْغَزَالِيِّ وَابْنِ عبد السَّلَامِ أَنَّهُ يَجِبُ تَقْلِيدُ مُجْتَهِدِ الْعَصْرِ وَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْمَيِّتِ وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْإِجْمَاعُ على تَقْلِيدِ الْمَوْتَى إلَّا من غَيْرِ الْمُجْتَهِدِينَ فَاجْتَمَعَ قَوْلُ الْإِمَامِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ وَقَوْلُهُ لَا مُجْتَهِدَ في الزَّمَانِ إذَا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لو كان في الزَّمَانِ مُجْتَهِدٌ لم يَنْعَقِدْ الْإِجْمَاعُ على تَقْلِيدٍ بَلْ إمَّا أَنْ تَخْتَلِفَ في ذلك إنْ كان في تَقْلِيدِ الْمَيِّتِ عِنْدَ وُجُودِ مُجْتَهِدٍ حَيٍّ خِلَافٌ وَإِمَّا أَنْ يَتَّفِقَ على أَنَّ الْمَيِّتَ لَا يُقَلَّدُ حِينَئِذٍ لِلِاسْتِغْنَاءِ عنه بِالْمُجْتَهِدِ الْحَيِّ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْغَزَالِيِّ وَابْنِ عبد السَّلَامِ وَثَانِيهِمَا إذَا خَلَا عن مُجْتَهِدٍ وَنَقَلَ عن الْمُجْتَهِدِينَ نَاقِلُونَ هل يُؤْخَذُ بِنَقْلِ كل عَدْلٍ أَمْ لَا يُؤْخَذُ إلَّا بِنَقْلِ عَارِفٍ مُجْتَهِدٍ في مَذْهَبِ من يَنْقُلُ عنه هذا مَوْضِعُ الْخِلَافِ وَقَوْلُ الْإِمَامِ فُتْيَا غَيْرِ الْمُجْتَهِدِ بِقَوْلِ الْمَيِّتِ لَا يَجُوزُ إنْ أَرَادَ رِوَايَتَهُ فَهِيَ مَقْبُولَةٌ قَطْعًا إذَا كان عَدْلًا وَأَمَّا الْعَمَلُ بِالْمَرْوِيِّ فَإِنْ كان حَيًّا فَلَا شَكَّ في جَوَازِهِ وَإِنْ كان مَيِّتًا فَهِيَ مَسْأَلَةُ تَقْلِيدِ الْمَيِّتِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّ هذا إذَا كان نَاقِلًا مَحْضًا عن نَصٍّ أَمَّا إذَا كان مُخْرِجًا فَلَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فيه لِأَنَّ الْعَامِّيَّ الصِّرْفَ لَا قُدْرَةَ له على التَّخْرِيجِ فَلَا يُمْكِنُهُ فَعَلَى هذا فَالْخِلَافُ في النَّاقِلِ الْمَحْضِ وَاَلَّذِي رَجَّحَهُ الْهِنْدِيُّ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ إلَّا بِنَقْلِ مُجْتَهِدٍ في الْمَذْهَبِ قَادِرٍ على النَّظَرِ في الْمُنَاظَرَةِ وَرَجَّحَ غَيْرُهُ أَنَّهُ يُؤْخَذُ بِنَقْلِ كل عَدْلٍ وَلَا يَخْفَى في أَنَّ ذلك عِنْدَ التَّعَارُضِ في النَّقْلِ فَرْعٌ لو اسْتَفْتَى مُجْتَهِدًا فَأَجَابَهُ ولم يَعْمَلْ بِفَتْوَاهُ حتى مَاتَ الْمُجْتَهِدُ فَهَلْ يَجُوزُ له الْعَمَلُ بِفَتْوَاهُ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ وَالْجَوَازُ هُنَا أَقْرَبُ من التي قَبْلَهَا
  340. مَسْأَلَةٌ غَرِيبَةٌ تَعُمُّ بها الْبَلْوَى من عَاصَرَ مُفْتِيًا أَفْتَى بِشَيْءٍ وَصَادَفَ فَتْوَاهُ مُخَالِفَةً لِمَذْهَبِ الْإِمَامِ الذي تَقَلَّدَهُ فَهَلْ يَتَّبِعُ الْمُفْتِيَ لِأَنَّهُ لَا يُخَالِفُهُ إلَّا بَعْدَ اعْتِقَادِ تَأْوِيلِهِ أو الْإِمَامَ الْمُتَقَدِّمَ لِظُهُورِ كَلَامِهِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ ذَكَرَهَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ في الْغِيَاثِيِّ وقال فيه تَرَدُّدٌ ثُمَّ قال وَالِاخْتِيَارُ اتِّبَاعُ مُفْتِي الزَّمَانِ من حَيْثُ إنَّهُ بِتَأَخُّرِهِ سَبَرَ مَذَاهِبَ من كان قَبْلَهُ وَنَظَرُهُ في التَّفَاصِيلِ أَشَدُّ من نَظَرِ الْمُقَلَّدِ على الْجُمْلَةِ قال وَلَا يَجِيءُ ذلك في اتِّبَاعِ مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ عن الشَّافِعِيِّ لِتَفَاوُتِ مَرَاتِبِهِمْ وَعُسْرِ الْوُقُوفِ عليها قُلْت وقد عَمِلَ بِذَلِكَ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أبو شَامَةَ وَقَدَّمَ فَتْوَى ابْنِ عبد السَّلَامِ في تَزْوِيجِ الصَّغِيرَةِ على ظَاهِرِ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَصَنَّفَ فيه تَصْنِيفًا قال الْإِمَامُ وَهَذَا إذَا كان الْإِمَامُ الْمُقَلَّدُ نَصَّ في الْمَسْأَلَةِ فَأَمَّا إذَا لم يَصِحَّ فيه مَذْهَبٌ فَلَيْسَ إلَّا تَقْلِيدُ مُفْتِي الزَّمَانِ مَسْأَلَةٌ إذَا اجْتَهَدَ مُجْتَهِدٌ في حَادِثَةٍ فَلَهُ ثَلَاثُ حَالَاتٍ أَحَدُهُمَا أَنْ يَغْلِبَ على ظَنِّهِ شَيْءٌ فَيَعْمَلُ بِهِ ثُمَّ لَا يَتَبَيَّنُ له خِلَافُهُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ فَإِنْ كان مُسْتَنَدُ الثَّانِي أَيْضًا ظَنًّا فَإِنْ كان في حُكْمٍ لم يَنْقُضْهُ إذْ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ وَإِنْ كان في الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ أَخَذَ بِالثَّانِي الذي رَجَحَ عِنْدَهُ وَإِنْ كان مُسْتَنَدُ الثَّانِي أَيْضًا يَقِينًا أَخَذَ بِهِ الثَّالِثَةُ أَنْ لَا يَظْهَرَ لِلْمُجْتَهِدِ فيه شَيْءٌ فَفِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ وَالْأَصَحُّ الِامْتِنَاعُ وَعَلَى هذا فَيَجِيءُ خِلَافُ التَّخْيِيرِ أو الْوَقْفِ مَسْأَلَةٌ إذَا اجْتَهَدَ مُجْتَهِدٌ في حُكْمِ وَاقِعَةٍ وَبَلَغَ إلَى حُكْمِهَا ثُمَّ تَكَرَّرَتْ تِلْكَ الْوَاقِعَةُ وَتَجَدَّدَ ما يَقْتَضِي الرُّجُوعَ ولم يَكُنْ ذَاكِرًا لِلدَّلِيلِ الْأَوَّلِ وَجَبَ تَجْدِيدُ الِاجْتِهَادِ وَكَذَا إنْ لم يَتَجَدَّدْ لَا إنْ كان ذَاكِرًا على الْمُخْتَارِ وَقِيلَ يَلْزَمُهُ تَجْدِيدُ النَّظَرِ لَعَلَّهُ يَظْفَرُ بِخَطَأٍ أو زِيَادَةٍ لِمُقْتَضٍ ذَكَرَ بَعْضَ هذا التَّفْصِيلِ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ وَأَتْبَاعُهُ وَفَصَّلَ
  341. أبو الْخَطَّابِ من الْحَنَابِلَةِ بين ما دَلَّ عليه دَلِيلٌ قَاطِعٌ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى إعَادَتِهِ وَأَمَّا ابن السَّمْعَانِيِّ فَأَطْلَقَ حِكَايَةَ وَجْهَيْنِ وَاخْتَارَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَكْرِيرُ الِاجْتِهَادِ وَأَطْلَقَ الرَّافِعِيُّ أَيْضًا حِكَايَةَ وَجْهَيْنِ وقال النَّوَوِيُّ أَصَحُّهُمَا لُزُومُ الِاجْتِهَادِ قال وَهَذَا إذَا لم يَكُنْ ذَاكِرًا لِلدَّلِيلِ الْأَوَّلِ ولم يَتَجَدَّدْ ما قد يُوجِبُ رُجُوعَهُ فَإِنْ كان ذَاكِرًا لم يَلْزَمْهُ قَطْعًا وَإِنْ تَجَدَّدَ ما قد يُوجِبُ الرُّجُوعَ لَزِمَهُ قَطْعًا وقال الْقَاضِي شُرَيْحٌ الرُّويَانِيُّ في كِتَابِهِ رَوْضَةِ الْحُكَّامِ إذَا اجْتَهَدَ لِنَازِلَةٍ فَحَكَمَ أو لم يَحْكُمْ ثُمَّ حَدَثَتْ تِلْكَ النَّازِلَةُ ثَانِيًا فَهَلْ يَسْتَأْنِفُ الِاجْتِهَادَ وَجْهَانِ وَالصَّحِيحُ إنْ كان الزَّمَانُ قَرِيبًا لَا يَخْتَلِفُ في مِثْلِهِ الِاجْتِهَادُ لَا يَسْتَأْنِفُ الِاجْتِهَادَ وَإِنْ تَطَاوَلَ الزَّمَانُ اسْتَأْنَفَ انْتَهَى وَهَكَذَا الْعَامِّيُّ يَسْتَفْتِي ثُمَّ تَقَعُ له الْوَاقِعَةُ هل يُعِيدُ السُّؤَالَ فيه هذا الْخِلَافُ وقال الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ وَالْخُوَارِزْمِيُّ في الْكَافِي وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ يَنْظُرُ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَفْتَاهُ عن نَصِّ كِتَابٍ أو سُنَّةٍ أو إجْمَاعٍ أو كان قد تَبَحَّرَ في مَذْهَبٍ وَاحِدٍ من أَئِمَّةِ السَّلَفِ ولم يَبْلُغْ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ فَأَفْتَاهُ عن نَصِّ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ فَلَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِالْفَتْوَى الْأُولَى وَكَذَا لو كان الْمُقَلَّدُ مَيِّتًا وَجَوَّزْنَاهُ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَفْتَاهُ عن اجْتِهَادٍ أو شَكٍّ فَلَا يَدْرِي وَالْمُقَلَّدُ حَيٌّ فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى السُّؤَالِ ثَانِيًا لِأَنَّ الظَّاهِرَ اسْتِمْرَارُهُ على الْجَوَابِ الْأَوَّلِ وَأَصَحُّهُمَا قال الرَّافِعِيُّ وَاخْتَارَهُ الْقَفَّالُ أَنَّهُ يَجِبُ عليه تَجْدِيدُ السُّؤَالِ ثَانِيًا لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَتَغَيَّرُ اجْتِهَادُهُ فَعَلَى هذا يُعْمَلُ بِالْفَتْوَى الثَّانِيَةِ سَوَاءً وَافَقَتْ الْأُولَى أَمْ لَا قال في الْبَحْرِ وَهُمَا كَالْوَجْهَيْنِ فِيمَنْ صلى الظُّهْرَ إلَى جِهَةِ الِاجْتِهَادِ ثُمَّ صلى الْعَصْرَ هل يَعْمَلُ على اجْتِهَادِهِ الْأَوَّلِ وَجْهَانِ قال وَهَذَا عِنْدِي إذَا مَضَتْ مُدَّةُ الْفَتْوَى الْأُولَى يَجُوزُ لِغَيْرِ الِاجْتِهَادِ فيها غَالِبًا فَإِنْ قَرُبَ لم يَلْزَمْ الِاسْتِفْتَاءُ ثَانِيًا قال النَّوَوِيُّ مَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا لم يَكْثُرْ وُقُوعُ هذه الْمَسْأَلَةِ فَإِنْ كَثُرَ لم يَجِبْ على الْعَامِّيِّ تَجْدِيدُ السُّؤَالِ قَطْعًا وَحَكَى في الْمَنْخُولِ وَجْهَيْنِ في وُجُوبِ الْمُرَاجَعَةِ ثُمَّ اخْتَارَ التَّفْصِيلَ بين أَنْ تَبْعُدَ الْمَسَافَةُ بَيْنَهُمَا أو تَكَرَّرَ الْوَاقِعَةُ في كل يَوْمٍ كَالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ فَلَا يُرَاجِعُ قَطْعًا وَأَطْلَقَ الْقَاضِي أبو الطَّيِّبِ في تَعْلِيقِهِ الْقَوْلَ بِوُجُوبِ الْمُرَاجَعَةِ على الْمُقَلِّدِ عِنْدَ التَّكْرَارِ وَكَلَامُهُ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ ذلك بِمَا إذَا كانت الْمَسْأَلَةُ مُجْتَهَدًا فيها أَمَّا لو كان الْمُفْتِي حين أَفْتَاهُ قال له ذلك عن نَصٍّ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْإِعَادَةِ وَجَعَلَ الْهِنْدِيُّ في النِّهَايَةِ فِيمَا إذَا كان الْعَامِّيُّ ذَاكِرًا لِلْحُكْمِ وَإِلَّا وَجَبَ عليه الِاسْتِفْتَاءُ
  342. ثَانِيًا قَطْعِيًّا وَخَصَّ ابن الصَّلَاحِ الْخِلَافَ بِمَا إذَا قَلَّدَ حَيًّا وَقَطَعَ فِيمَا إذَا كان خَبَرًا عن مَيِّتٍ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْعَامِّيَّ تَجْدِيدُ السُّؤَالِ مَسْأَلَةٌ إذَا اجْتَهَدَ في حَادِثَةٍ وَأَفْتَى فيها ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ لَزِمَ إعْلَامُ الْمُسْتَفْتِي بِالرُّجُوعِ قبل الْعَمَلِ وَكَذَا بَعْدَهُ حَيْثُ يَجِبُ النَّقْضُ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ وَنَقَلَ في الْقَوَاطِعِ أَنَّهُ إنْ كان عَمِلَ بِهِ لم يَلْزَمْهُ وَإِنْ لم يَكُنْ عَمِلَ بِهِ يَلْزَمُهُ لِأَنَّ الْعَامِّيَّ إنَّمَا يَعْمَلُ بِهِ لِأَنَّهُ قَوْلُ الْمُفْتِي وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ ليس قَوْلَهُ من تِلْكَ الْحَالَةِ التي يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ وَهَلْ يَجِبُ نَقْضُ ما عَمِلَ يُنْظَرُ فَإِنْ كان الثَّانِي في مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ لم يَنْقُضْهُ وَإِنْ كان بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ وَجَبَ نَقْضُهُ لَا مَحَالَةَ مَسْأَلَةٌ إذَا رَجَعَ الْمُجْتَهِدُ عن قَوْلٍ تَقَدَّمَ له ولم يَقْطَعْ بِخَطَأِ نَفْسِهِ فَهَلْ يَسُوغُ تَقْلِيدُهُ في ذلك الْقَوْلِ الْمَرْجُوعِ عنه كَلَامُ الشَّافِعِيِّ يَقْتَضِي الْمَنْعَ فإنه قال ليس في حِلٍّ من رَوَى عَنِّي الْقَدِيمَ
  343. الْإِفْتَاءُ وَالِاسْتِفْتَاءُ الْمُفْتِي هو الْفَقِيهُ وقد تَقَدَّمَ في حَدِّ الْفِقْهِ ما يُؤْخَذُ منه اسْمُ الْفَقِيهِ لِأَنَّ من قَامَتْ بِهِ صِفَةٌ جَازَ أَنْ يُشْتَقَّ لها منها اسْمُ فَاعِلٍ قال الصَّيْرَفِيُّ وَمَوْضُوعُ هذا الِاسْمِ لِمَنْ قام لِلنَّاسِ بِأَمْرِ دِينِهِمْ وَعَلِمَ جُمَلَ عُمُومِ الْقُرْآنِ وَخُصُوصِهِ وَنَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ وَكَذَلِكَ في السُّنَنِ وَالِاسْتِنْبَاطِ ولم يُوضَعْ لِمَنْ عَلِمَ مَسْأَلَةً وَأَدْرَكَ حَقِيقَتَهَا فَمَنْ بَلَغَ هذه الْمَرْتَبَةَ سَمَّوْهُ هذا الِاسْمَ وَمَنْ اسْتَحَقَّهُ أَفْتَى فِيمَا اُسْتُفْتِيَ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ الْمُفْتِي من اسْتَكْمَلَ فيه ثَلَاثَ شَرَائِطَ الِاجْتِهَادُ وَالْعَدَالَةُ وَالْكَفُّ عن التَّرْخِيصِ وَالتَّسَاهُلِ وَلِلْمُتَسَاهِلِ حَالَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنْ يَتَسَاهَلَ في طَلَبِ الْأَدِلَّةِ وَطُرُقِ الْأَحْكَامِ وَيَأْخُذُ بِمَبَادِئِ النَّظَرِ وَأَوَائِلِ الْفِكَرِ فَهَذَا مُقَصِّرٌ في حَقِّ الِاجْتِهَادِ وَلَا يَحِلُّ له أَنْ يُفْتِيَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَفْتَى وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَتَسَاهَلَ في طَلَبِ الرُّخَصِ وَتَأَوُّلِ الشُّبَهِ فَهَذَا مُتَجَوِّزٌ في دِينِهِ وهو آثَمُ من الْأَوَّلِ فَأَمَّا إذَا عَلِمَ الْمُفْتِي جِنْسًا من الْعِلْمِ بِدَلَائِلِهِ وَأُصُولِهِ وَقَصَّرَ فِيمَا سِوَاهُ كَعِلْمِ الْفَرَائِضِ وَعِلْمِ الْمَنَاسِكِ لم يَجُزْ له أَنْ يُفْتِيَ في غَيْرِهِ وَهَلْ يَجُوزُ له أَنْ يُفْتِيَ فيه قِيلَ نعم لِإِحَاطَتِهِ بِأُصُولِهِ وَدَلَائِلِهِ وَمَنَعَهُ الْأَكْثَرُونَ لِأَنَّ لِتَنَاسُبِ الْأَحْكَامِ وَتَجَانُسِ الْأَدِلَّةِ امْتِزَاجًا لَا يَتَحَقَّقُ إحْكَامُ بَعْضِهَا إلَّا بَعْدَ الْإِشْرَافِ على جَمِيعِهَا انْتَهَى وَتَجَوَّزَ ابن الصَّبَّاغِ فَجَوَّزَهُ في الْفَرَائِضِ دُونَ غَيْرِهِ لِأَنَّ الْفَرَائِضَ لَا تُبْنَى على غَيْرِهَا بِخِلَافِ ما عَدَاهَا من الْأَحْكَامِ فَإِنَّهَا يَرْتَبِطُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ وهو حَسَنٌ وَسَوَاءٌ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَقِيلَ لَا يَقْضِي الْقَاضِي في الْمُعَامَلَاتِ وقال ابن السَّمْعَانِيِّ وَيَلْزَمُ الْحَاكِمَ من الِاسْتِظْهَارِ في الِاجْتِهَادِ أَكْثَرُ مِمَّا يَلْزَمُ الْمُفْتِي وفي فَتْوَى الْمَرْأَةِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا ابن الْقَطَّانِ عن بَعْضِ أَصْحَابِنَا قال وَخَصَّهُمَا بِمَا عَدَا أَزْوَاجِ النبي عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الذُّكُورَةَ لَا تُشْتَرَطُ وَلَا يَلْزَمُ عليه كَوْنُ الْحُكْمِ لَا تَتَوَلَّاهُ امْرَأَةٌ لِأَنَّهَا لَا تَلِي الْإِمَامَةَ فَلَا تَلِي الْحُكْمَ قال ابن الْقَطَّانِ وَهَذَا التَّخْرِيجُ غَلَطٌ بَلْ الصَّوَابُ الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ وَالْمُسْتَفْتِي من ليس بِفَقِيهٍ ثُمَّ إنْ قُلْنَا بِتَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ فَقَدْ يَكُونُ الشَّخْصُ مُفْتِيًا بِالنِّسْبَةِ إلَى أَمْرٍ مُسْتَفْتِيًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآخَرِ وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَنْعِ فَالْمُفْتِي من كان عَالِمًا بِجَمِيعِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِالْقُوَّةِ
  344. الْقَرِيبَةِ من الْفِعْلِ وَالْمُسْتَفْتِي من لَا يَعْرِفُ جَمِيعَهَا مسألة المجتهد يجوز له الإفتاء وأما المقلد فقال أبو الحسين البصري وغيره ليس له الإفتاء مطلقا وجوزه قوم مطلقا إذا عرف المسألة بدليلها فذهب الأكثرون إلى أنه إن تحرى مذهب ذلك المجتهد واطلع على مأخذه وكان أهلا للنظر والتفريع على قواعده جاز له الفتوى وإلا فلا ونقله القاضي حسين عن القفال قال القاضي وله أن يخرج على أصوله إن لم يجد له تلك الواقعة قال الروياني وأصل الخلاف أن تقليد المستفتي هل هو لذلك المفتي أو لذلك الميت أي صاحب المذهب وفيه وجهان فإن قلنا للميت فله أن يفتي وإن قلنا للمفتي فليس له ذلك لأنه لم يبلغ مبلغ المجتهدين وقال العلامة مجد الدين بن دقيق العيد في التلقيح توقيف الفتيا على حصول المجتهد يفضي إلى حرج عظيم أو استرسال الخلق في أهوائهم فالمختار أن الراوي عن الأئمة المتقدمين إذا كان عدلا متمكنا من فهم كلام الإمام ثم حكى للمقلد قوله فإنه يكتفي به لأن ذلك مما يغلب على ظن العامي أنه حكم الله عنده وقد انعقد الإجماع في زماننا على هذا النوع من الفتيا هذا مع العلم الضروري بأن نساء الصحابة كن يرجعن في أحكام الحيض وغيره إلى ما يخبر به أزواجهن عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك فعل علي رضي الله عنه حين أرسل المقداد في قصة المذي وفي مسألتنا أظهر فإن مراجعة النبي صلى الله عليه وسلم إذ ذاك ممكنة ومراجعة المقلد الآن للأئمة السابقين متعذرة وقد أطبق الناس على تنفيذ أحكام القضاة مع عدم شرائط الاجتهاد اليوم انتهى وقال آخرون إن عدم المجتهد جاز له الإفتاء وإلا فلا وقيل يجوز لمقلد الحي أن يفتي بما شافهه به أو ينقله إليه موثوق بقوله أو وجده مكتوبا في كتاب معتمد عليه ولا يجوز له تقليد الميت وجعل القاضي في مختصر التقريب الخلاف في العالم قال وأجمعوا على أنه لا يحل لمن شدا شيئا من العلم أن يفتي انتهى قال الماوردي والروياني إذا علم العامي حكم الحادثة ودليلها فهل له أن يفتي لغيره
  345. فيه أوجه ثالثها إن كان الدليل نصا من كتاب أو سنة جاز وإن كان نظرا واستنباطا لم يجز قال والأصح أنه لا يجوز مطلقا لأنه قد يكون هناك دلالة تعارضها أقوى منها وقال الجويني في شرح الرسالة من حفظ نصوص الشافعي وأقوال الناس بأسرها غير أنه لا يعرف حقائقها ومعانيها لا يجوز له أن يجتهد ويقيس ولا يكون من أهل الفتوى ولو أفتى به لا يجوز وكان القفال يقول إنه يجوز ذلك إذا كان يحكي مذهب صاحب المذهب لأنه يقلد صاحب المذهب وقوله ولهذا كان يقول أحيانا لو اجتهدت وأدى اجتهادي إلى مذهب أبي حنيفة فأقول مذهب الشافعي كذا ولكن أقول بمذهب أبي حنيفة لأنه جاء ليعلم ويستفتي عن مذهب الشافعي فلا بد أن أعرفه بأني أفتي بغيره قال الشيخ أبو محمد وهذا ليس بصحيح واختار الأستاذ أبو إسحاق خلافه ونص الشافعي يدل عليه وذلك أنه إذا لم يكن عالما بمعانيه فيكون حاكيا مذهب الغير ومن حكى مذهب الغير والغير ميت لا يلزمه القبول لأنه لو كان حيا وأخبره عنه بفتواه أو مذهبه في زمان لا يجوز له أن يقلده ويقبله كما أن اجتهاد المفتي يتغير في كل زمان ولهذا قلنا إنه لا يجوز لعامي أن يعمل بفتوى مضت لعام مثله فإن قلت أليس خلافه لا يموت بموته فدل على بقاء مذهبه قلنا كما زعمتم لكن هذا الرجل لم يقلده قول هذا الرجل بأن الأمر فيه كيت وكيت فينبغي أن يكون عالما بمصادره وموارده ويدل على فساد ما قاله أنه لو صح فتواه من غير معرفة حقيقة معناه لجاز للعامي الذي جمع فتاوى المفتين أن يفتي ويلزمه مثله ولجاز أن يقول هو مقلد صاحب المقالة ولكن اتفق القائلون به على الامتناع من هذا أما إذا أفتى بمذهب غيره فإن كان متبحرا فيه جاز وإلا فلا قال وكان ابن سريج يفتي أحيانا بمذهب مالك وكان متبحرا لأنه حكى أن أصحاب مالك كانوا يأتونه بمسائل يسألونه إخراجها على أصل مالك فيستخرجها على أصله فدل على أنه من كان بهذه الصفة يجوز وإلا فيمتنع وهكذا كل من كان في مذهب نفسه لا يعرف إلا يسيرا ليس له أن يفتي قال والعلوم أنواع أحدها الفقه وهو فن على حدة فمن بلغ فيه غاية ما وصفناه فله أن يفتي وإن لم يكن معه من أصول التوحيد إلا ما لا بد من اعتقاده ليصح إيمانه وثانيها علم أصول الفقه وما زال الأستاذ أبو إسحاق يقول هو علم بين علمين لا يقوى الفقه دونه ولا يقوى هو دون أصول التوحيد فكأنه فرع لأحدهما
  346. أصل للآخر فيخرج من هذا أن لا نقول أصول الفقه من جنسه حتى لا بد من ضمه إليه لكن لا يقوم دليله دونه وثالثها تفسير القرآن وكل ما تتعلق به الأحكام فليس ذلك من شأن المفسر بل من وظيفة الفقهاء والعلماء وما يتعلق بالوعظ والقصص والوعد والوعيد فيقبل من المفسرين والرابع سنن الرسول لا يقبل من المحدثين ما يتعلق بالأحكام لأنه يحتاج إلى جمع وترتيب وتخصيص وتعميم وهم لا يهتدون إليه وقد حكي عن بعض أكابر المحدثين أنه سئل عن امرأة حائض هل يجوز لها أن تغسل زوجها فقال لهم انصرفوا إلى سويعة أخرى فانصرفوا وعادوا ثانيا وثالثا حتى قال من كان يتردد إلى الفقهاء أليس أيها الشيخ رويت لنا عن عائشة أنها غسلت رأس الرسول صلى الله عليه وسلم وهي حائض فقال الله أكبر ثم أفتى به انتهى وقد سبق آخر الكلام على شروط الاجتهاد كلام لابن دقيق العيد ينبغي استحضاره هنا مَسْأَلَةٌ وَإِنَّمَا يُسْأَلُ من عُرِفَ عِلْمُهُ وَعَدَالَتُهُ بِأَنْ يَرَاهُ مُنْتَصِبًا لِذَلِكَ وَالنَّاسُ مُتَّفِقُونَ على سُؤَالِهِ وَالرُّجُوعِ إلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ عَرَفَ بِضِدِّ ذلك إجْمَاعًا وَالْحَقُّ مَنْعُ ذلك مِمَّنْ جُهِلَ حَالُهُ خِلَافًا لِقَوْمٍ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ كَوْنُهُ جَاهِلًا أو فَاسِقًا كَرِوَايَتِهِ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّ الْأَصْلَ في الناس الْعَدَالَةُ فَخَبَرُ الْمَجْهُولِ يَغْلِبُ على الظَّنِّ عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِ وَلَيْسَ الْأَصْلُ في الناس الْعِلْمَ وَمِمَّنْ حَكَى الْخِلَافَ في اسْتِفْتَاءِ الْمَجْهُولِ الْغَزَالِيُّ وَالْآمِدِيَّ وابن الْحَاجِبِ وَنُقِلَ في الْمَحْصُولِ الِاتِّفَاقُ على الْمَنْعِ فَحَصَلَ طَرِيقَانِ وإذا لم يُعْرَفْ عِلْمُهُ بُحِثَ عن حَالِهِ ثُمَّ شَرَطَ الْقَاضِي في التَّقْرِيبِ إخْبَارَ من يُوجِبُ خَبَرُهُ الْعِلْمَ بِكَوْنِهِ عَالِمًا في الْجُمْلَةِ وَلَا يَكْفِي خَبَرُ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ وَاكْتَفَى في الْمَنْخُولِ في الْعَدَالَةِ خَبَرُ عَدْلَيْنِ وفي الْعِلْمِ بِقَوْلِهِ
  347. إنِّي مُفْتٍ قال وَاشْتِرَاطُ تَوَاتُرِ الْخَبَرِ بِكَوْنِهِ مُجْتَهِدًا كما قَالَهُ الْأُسْتَاذُ غَيْرُ سَدِيدٍ لِأَنَّ التَّوَاتُرَ يَعْتَمِدُ في الْمَحْسُوسَاتِ وَهَذَا ليس منه وقال الْقَاضِي يَكْفِيهِ أَنْ يُخْبِرَهُ عَدْلَانِ بِأَنَّهُ مُفْتٍ انْتَهَى وَشَرَطَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ من الْمُحَقِّقِينَ امْتِحَانَهُ بِأَنْ يُلَفِّقَ مَسَائِلَ مُتَفَرِّقَةً وَيُرَاجِعَهُ فيها فَإِنْ أَصَابَ فيها غَلَبَ على ظَنِّهِ كَوْنُهُ مُجْتَهِدًا وَقَلَّدَهُ وَإِلَّا تَرَكَهُ وَذَهَبَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا إلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ وَتَكْفِي الِاسْتِفَاضَةُ من الناس وهو الرَّاجِحُ في الرَّوْضَةِ وَنَقَلَهُ عن الْأَصْحَابِ وَقِيلَ ليس له اعْتِمَادُ قَوْلِ الْمُفْتِي أَنَّهُ أَهْلٌ لِلْفَتْوَى وَالْمُخْتَارُ في الْغِيَاثِيِّ اعْتِمَادُهُ بِشَرْطِ أَنْ يَظْهَرَ وَرَعُهُ كما يَحْصُلُ بِاسْتِفَاضَةِ الْخَبَرِ عنه وَسَبَقَ مِثْلُهُ عن الْغَزَالِيِّ وقال ابن بَرْهَانٍ في الْوَجِيزِ قِيلَ يقول له أَمُجْتَهِدٌ أنت فَأُقَلِّدُك فَإِنْ أَجَابَهُ قَلَّدَهُ وَهَذَا أَصَحُّ الْمَذَاهِبِ وإذا لم يَعْرِفْ الْعَدَالَةَ فَلِلْغَزَالِيِّ احْتِمَالَانِ قال الرَّافِعِيُّ وَأَشْبَهَهُمَا الِاكْتِفَاءُ فإن الْغَالِبَ من حَالِ الْعُلَمَاءِ الْعَدَالَةُ بِخِلَافِ الْبَحْثِ عن الْعِلْمِ فَلَيْسَ الْغَالِبُ في الناس الْعِلْمَ ثُمَّ ذَكَرَ احْتِمَالَيْنِ في أَنَّهُ إذَا وَجَبَ الْبَحْثُ فَيَفْتَقِرُ إلَى عَدَدِ التَّوَاتُرِ أَمْ يَكْفِي إخْبَارُ عَدْلٍ أو عَدْلَيْنِ قال وَأَقْرَبُهُمَا الثَّانِي قُلْت وَجَزَمَ الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ بِأَنَّهُ يَكْفِيهِ خَبَرُ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ عن فِقْهِهِ وَأَمَانَتِهِ لِأَنَّ طَرِيقَهُ طَرِيقُ الْإِخْبَارِ قال النَّوَوِيُّ وَالِاحْتِمَالَانِ في مَجْهُولِ الْعَدَالَةِ هُمَا في الْمَسْتُورِ وهو الذي ظَاهِرُهُ الْعَدَالَةُ ولم يَخْتَبِرْ بَاطِنَهُ وَهُمَا وَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا غَيْرُهُ وَأَصَحُّهُمَا الِاكْتِفَاءُ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ الْبَاطِنَةَ تَعَسَّرَ مَعْرِفَتُهَا على غَيْرِ الْقُضَاةِ فَيَعْسُرُ على الْعَوَامّ تَكْلِيفُهُمْ وَأَمَّا الِاحْتِمَالَانِ الْمَذْكُورَانِ ثَانِيًا فَهُمَا مُحْتَمَلَانِ لَكِنَّ الْمَنْقُولَ خِلَافُهُمَا وَاَلَّذِي قال الْأَصْحَابُ أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِفْتَاءُ من اسْتَفَاضَتْ أَهْلِيَّتُهُ وَقِيلَ لَا تَكْفِي الِاسْتِفَاضَةُ وَلَا يُعْتَمَدُ قَوْلُهُ أنا أَهْلٌ لِلْفَتْوَى وَيَجُوزُ اسْتِفْتَاءُ من أَخْبَرَ ثَابِتَ الْأَهْلِيَّةِ بِأَهْلِيَّتِهِ قال ابن الْقَطَّانِ في كِتَابِهِ الْأُصُولِ من أَسْلَمَ وهو قَرِيبُ الْعَهْدِ فَلَقِيَهُ رَجُلٌ من الْمُسْلِمِينَ على ظَاهِرِ الْإِسْلَامِ فَأَخْبَرَهُ بِشَيْءٍ فَاخْتَلَفُوا فيه فقال أبو بَكْرٍ في كِتَابِهِ يَجِبُ عليه قَبُولُ ما أَخْبَرَ بِهِ وَلَا يَعْتَبِرُ فيه شَرَائِطَ الْمُفْتِي السَّابِقَةِ وَإِنَّمَا تَجِبُ تِلْكَ الشَّرَائِطُ فِينَا لِأَنَّهُ لَا يَشُقُّ عَلَيْنَا الِاعْتِبَارُ فيها فَأَمَّا الْمُسْلِمُ الْآنَ فَيَشُقُّ عليه هذا وقال ابن أبي هُرَيْرَةَ يُنْظَرُ فَإِنْ كان شيئا وَقْتُهُ مُوَسَّعٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَوَقَّفُ حتى يَسْتَعْلِمَ ذلك من خَلْقٍ وَلَا يُبَادِرُ حتى يَعْلَمَ حَالَ من أَفْتَاهُ وَيُتَابِعُ عليه وَإِنْ كان شيئا وَقْتُهُ مُضَيَّقٌ فَعَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ كَقَوْلِ أبي عَلِيٍّ والثاني يَتَوَقَّفُ في ذلك كما
  348. يَتَوَقَّفُ الْحَاكِمُ في الْعُدُولِ وَغَيْرِهَا مَسْأَلَةٌ قال ابن السَّمْعَانِيِّ وَيَجُوزُ لِلْعَامِّيِّ أَنْ يُطَالِبَ الْعَالِمَ بِدَلِيلِ الْجَوَابِ لِأَجْلِ احْتِيَاطِهِ لِنَفْسِهِ وَيُلْزِمَ الْعَالِمَ أَنْ يَذْكُرَ له الدَّلِيلَ إنْ كان مَقْطُوعًا بِهِ لِإِشْرَافِهِ على الْعِلْمِ بِصِحَّتِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ إنْ لم يَكُنْ مَقْطُوعًا بِهِ لِافْتِقَارِهِ إلَى اجْتِهَادٍ يَقْصُرُ عنه فَهْمُ الْعَامِّيِّ مَسْأَلَةٌ إذَا لم يَكُنْ هُنَاكَ إلَّا مُفْتٍ وَاحِدٌ تَعَيَّنَتْ مُرَاجَعَتُهُ وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً فَهَلْ يَلْزَمُهُ النَّظَرُ في الْأَعْلَمِ فيه وَجْهَانِ بِنَاءً على الْخِلَافِ السَّابِقِ في تَقْلِيدِ الْمَفْضُولِ أَحَدُهُمَا وَبِهِ قال ابن سُرَيْجٍ وَالْقَفَّالُ أَنَّ عليه اجْتِهَادًا آخَرَ في طَلَبِهِ لِأَنَّهُ يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ بِالسَّمَاعِ من الثِّقَاتِ وَلَا يَشُقُّ عليه وَصَحَّحَهُ الْأُسْتَاذُ أبو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ وَإِلْكِيَا فإن الْأَفْضَلَ أَهْدَى إلَى أَسْرَارِ الشَّرْعِ والمختار أَنَّهُ لَا يَجِبُ بَلْ يَتَخَيَّرُ وَيَسْأَلُ من شَاءَ مِنْهُمَا قال الرَّافِعِيُّ وهو الْأَصَحُّ عِنْدَ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ وقال إنَّهُ الْأَصَحُّ كما لَا يَلْزَمُ الِاجْتِهَادُ في طَلَبِ الدَّلِيلِ وقد قال الشَّافِعِيُّ رضي اللَّهُ عنه في الْأَعْمَى كُلُّ من دَلَّهُ من الْمُسْلِمِينَ على الْقِبْلَةِ وَسِعَهُ اتِّبَاعُهُ ولم نَأْمُرْهُ بِالِاجْتِهَادِ في الْأَوْثَقِ وفي خَبَرِ الْعَسِيفِ قال وَالِدُ الزَّانِي فَسَأَلْت رَجُلًا من أَهْلِ الْعِلْمِ وَهُنَاكَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَعْلَمُ الْكُلِّ ولم يُنْكِرْ عليه انْتَهَى قال إلْكِيَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا يَجِبُ عِنْدَ اخْتِلَافِ الرَّأْيَيْنِ فَإِنْ لم يَظْهَرْ فَلَا يَجِبُ الْأَفْضَلُ وقال الشَّيْخُ أبو إِسْحَاقَ جاء رَجُلٌ إلَى الصَّيْمَرِيِّ الْحَنَفِيِّ بِفَتْوَى أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ إذَا كان الْوَلِيُّ فَاسِقًا فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ ثَلَاثًا لم يَنْفُذْ الطَّلَاقُ وَلَهُ تَزْوِيجُهَا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ فقال الصَّيْمَرِيُّ هَؤُلَاءِ قد أَفْتَوْك أَنَّك كُنْت على فَرْجٍ حَرَامٍ وَأَنَّهَا حَلَالٌ لَك الْيَوْمَ وأنا أَقُولُ لَك إنَّهَا كانت مُبَاحَةً لَك قبل هذا وَهِيَ الْيَوْمَ حَرَامٌ عَلَيْك وَقَصَدَ بِذَلِكَ رَدَّ الْعَامِّيِّ إلَى مَذْهَبِهِ قال أبو إِسْحَاقَ فَرَجَعْت إلَى الْقَاضِي أبي الطَّيِّبِ وَحُكِيَتْ له الْقِصَّةَ فقال كُنْت تَقُولُ إنَّهُ كما قُلْت بِهِ غير أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لم يُكَلِّفْهُ
  349. تَقْلِيدَ الصَّيْمَرِيِّ وَإِنَّمَا كَلَّفَهُ تَقْلِيدَ من شَاءَ من الْعُلَمَاءِ وإذا قَلَّدَ ثِقَةٌ شَافِعِيًّا تَخَلَّصَ من الْإِثْمِ وَالتَّبِعَةِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَسْأَلَةٌ إذَا قُلْنَا له أَنْ يَجْتَهِدَ في أَعْيَانِ الْمُفْتِينَ هل له أَنْ يَجْتَهِدَ في أَعْيَانِ الْمَسَائِلِ التي يُقَلِّدُ فيها بِحَيْثُ إذَا غَلَبَ على ظَنِّهِ أَنَّ بَعْضَ الْمَسَائِلِ على مَذْهَبِ فَقِيهٍ أَقْوَى وَجَبَ عليه تَقْلِيدُهُ اخْتَلَفَ جَوَابُ الْقَاضِي أبي الطَّيِّبِ وَالْقُدُورِيِّ فَأَوْجَبَهُ الْقُدُورِيُّ وقال الْقَاضِي ليس لِلْعَامِّيِّ اسْتِحْسَانُ الْأَحْكَامِ فِيمَا اخْتَلَفَ فيه الْفُقَهَاءُ وَلَا أَنْ يَقُولَ قَوْلُ فُلَانٍ أَقْوَى من قَوْلِ فُلَانٍ وَلَا حُكْمَ لِمَا يَغْلِبُ على ظَنِّهِ وَلَا اعْتِنَاءَ بِهِ وَلَا طَرِيقَ له إلَى الِاسْتِحْسَانِ كما لَا طَرِيقَ له إلَى الصِّحَّةِ وَلَوْ كان يَعْتَقِدُ أَنَّ أَحَدَهُمْ أَعْلَمُ نَقَلَ الرَّافِعِيُّ عن الْغَزَالِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَهُ وَإِنْ قُلْنَا لَا يَجِبُ عليه الْبَحْثُ عن الْأَعْلَمِ إذَا لم يَعْتَقِدْ اخْتِصَاصَ أَحَدِهِمْ بِزِيَادَةِ عِلْمٍ قال النَّوَوِيُّ وَهَذَا وَإِنْ كان ظَاهِرًا فَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا ذَكَرْنَا من سُؤَالِ آحَادِ الصَّحَابَةِ مع وُجُودِ أَفَاضِلِهِمْ ثُمَّ قال وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَالْمُخْتَارُ ما ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ لِمَا سَبَقَ من جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمَفْضُولِ مع وُجُودِ الْأَفْضَلِ وإذا قُلْنَا يَطْلُبُ الْأَعْلَمَ فَهَلْ عليه أَنْ يَطْلُبَ الْأَوْرَعَ كَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ عليه اسْتِنْبَاطًا وَقِيلَ لَا إذْ لَا تَعَلُّقَ لِمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ بِالْوَرَعِ وَالْأَصَحُّ تَرْجِيحُ الرَّاجِحِ عِلْمًا على الرَّاجِحِ وَرَعًا فَإِنْ اسْتَوَيَا قُدِّمَ الْأَسَنُّ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْإِصَابَةِ لِطُولِ الْمُمَارَسَةِ وإذا كان هُنَاكَ رَجُلَانِ من أَهْلِ مَذْهَبَيْنِ أَحَدُهُمَا شَافِعِيٌّ مَثَلًا وَالْآخَرُ حَنَفِيٌّ فَهَلْ يَجِبُ عليه أَنْ يُمَيِّزَ بين أَصْلِ الْمَذْهَبَيْنِ فَيَعْلَمُ أَيَّهُمَا أَصَحَّ قِيلَ يَجِبُ عليه ذلك فإنه لَا يَشُقُّ عليه أَنَّ أَحَدَهُمَا بَنَى مَذْهَبَهُ على الْقِيَاسِ وَالِاسْتِحْسَانِ وَالرَّأْيِ وَالْآخَرُ على النَّصِّ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ لِتَعَذُّرِ ذلك عليه وَمِنْ ثَمَّ لَا يَجِبُ طَلَبُ الْأَعْلَمِ في الْأَصَحِّ وقال إلْكِيَا أَمَّا اتِّبَاعُ الشَّافِعِيِّ أو أبي حَنِيفَةَ على التَّخْيِيرِ من غَيْرِ اجْتِهَادٍ مع اخْتِلَافِ مَذَاهِبِهِمْ فَاخْتَلَفُوا فيه فَقِيلَ يَجُوزُ كما يُتَّبَعُ مُجْتَهِدِي الْعَصْرِ في آحَادِ الْمَسَائِلِ وَقِيلَ لَا يَجُوزُ من حَيْثُ إمْكَانُ دَرْكِ التَّنَاقُضِ وَلَوْ اخْتَلَفَ جَوَابُ مُجْتَهِدَيْنِ فَالْقَصْرُ في حَقِّ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ وَاجِبٌ عِنْدَ أبي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَالْإِتْمَامُ وَاجِبٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رضي اللَّهُ عنه فَإِنْ قُلْنَا بِقَوْلِ ابن سُرَيْجٍ
  350. اجْتَهَدَ في الْأَوْثَقِ وَالْأَفْقَهِ وَإِنْ قُلْنَا بِخِلَافِهِ قال الرُّويَانِيُّ فَفِيهِ أَوْجُهٌ أَصَحُّهَا في الرَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ وَيَعْمَلُ بِقَوْلِ من شَاءَ مِنْهُمَا وَنَقَلَهُ الْمَحَامِلِيُّ عن أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ في اللُّمَعِ وَالْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ وَاخْتَارَهُ ابن الصَّبَّاغِ فِيمَا إذَا تَسَاوَيَا في نَفْسِهِ وَنُقِلَ عن الْقَاضِي وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ مُسْتَدِلًّا بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَأَنَّهُمْ لم يُنْكِرُوا الْعَمَلَ بِقَوْلِ الْمَفْضُولِ مع وُجُودِ الْأَفْضَلِ وَأَغْرَبَ الرُّويَانِيُّ فقال إنَّهُ غَلَطٌ قال ابن الْمُنِيرِ لو لم أَجِدْ تَخْيِيرَ الْعَامِّيِّ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمُفْتِينَ مَنْصُوصًا عليه في الحديث لَمَا كان الْهُجُومُ على تَقْرِيرِهِ سَائِغًا وَدَلَّ أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بَعَثَ سَرِيَّةً إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ وقال لَا تَنْزِلُوا حتى تَأْتُوهُمْ فَحَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ في أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ فَاخْتَلَفُوا حِينَئِذٍ فَمِنْهُمْ من صلى الْعَصْرَ ثُمَّ تَوَجَّهَ وَمِنْهُمْ من تَمَادَى وَحَمَلَ قَوْلَهُ لَا تَنْزِلُوا على ظَاهِرِهِ فلما عُرِضَتْ الْقِصَّةُ على النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لم يُخَطِّئْ أَحَدًا منهم وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ السَّرِيَّةَ ما خَلَتْ عَمَّنْ لَا نَظَرَ له وَلَا مَفْزَعَ إلَّا تَقْلِيدُ وُجُوهِ الْقَوْمِ وَعُلَمَائِهِمْ وكان ذلك الْمُقَلِّدُ مُخَيَّرًا وَبِاخْتِيَارِهِ قَلَّدَ ولم يَلْحَقْهُ عَتْبٌ وَلَا عَيْبٌ والثاني يَأْخُذُ بِالْأَغْلَظِ وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ عن أَهْلِ الظَّاهِرِ والثالث يَأْخُذُ بِالْأَيْسَرِ وَالْأَخَفِّ والرابع يَجِبُ عليه تَقْلِيدُ أَعْلَمِهِمَا عِنْدَهُ فَإِنْ اسْتَوَيَا قَلَّدَ أَيَّهُمَا شَاءَ وهو ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّهُ قال في الْأُمِّ في الْقِبْلَةِ فِيمَا إذَا اخْتَلَفُوا على الْأَعْمَى عليه أَنْ يُقَلِّدَ أَوْثَقَهُمَا وَأَدْيَنَهُمَا عِنْدَهُ وَيُفَارِقُ ما قبل السُّؤَالِ حَيْثُ لَا يَلْزَمُهُ الِاجْتِهَادُ لِأَنَّ في الِاجْتِهَادِ في أَعْيَانِهِمْ مَشَقَّةً والخامس يَأْخُذُ بِقَوْلِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ لَزِمَهُ حين سَأَلَهُ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عن حِكَايَةِ الرُّويَانِيِّ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُمَا لو أَجَابَاهُ في مَجْلِسٍ وَاحِدٍ دَفْعَةً أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ قَطْعًا لِأَنَّهُ لم يَسْبِقْ أَحَدُهُمَا فَنَقُولُ قد لَزِمَهُ قَوْلُ السَّابِقِ والسادس حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ يَأْخُذُ بِقَوْلِ من يَبْنِي على الْأَثَرِ دُونَ الرَّأْيِ وَحَكَى ابن السَّمْعَانِيِّ سَابِعًا وقال إنَّهُ الْأَوْلَى أَنَّهُ يَجْتَهِدُ في قَوْلِ من يَأْخُذُ مِنْهُمَا وَحَكَى الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ ثَامِنًا وهو التَّفْصِيلُ بين ما في حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَبَيْنَ حَقِّ عِبَادِهِ فَإِنْ كان فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى أَخَذَ بِأَيْسَرِهِمَا وما كان في حُقُوقِ الْعِبَادِ فَبِأَثْقَلِهِمَا وَبِهِ قال الْكَعْبِيُّ وَحَكَى الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ في كِتَابِ الْفَقِيهِ وَالْمُتَفَقِّهِ تَاسِعًا عن أبي عبد اللَّهِ الزُّبَيْرِيِّ أَنَّهُ إنْ اتَّسَعَ عَقْلُهُ لِلْفَهْمِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ الْمُخْتَلِفَيْنِ عن حُجَّتِهِمَا فَيَأْخُذَ بِأَرْجَحِ
  351. الْحُجَّتَيْنِ عِنْدَهُ وَإِنْ قَصَّرَ عن ذلك أَخَذَ بِقَوْلِ الْمُعْتَبَرِ عِنْدَهُ وَيَخْرُجُ من كَلَامِ الْمَاوَرْدِيِّ عَاشِرٌ وهو الْأَخْذُ بِقَوْلِهِمَا إنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ فإنه قال في بَابِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَلَوْ كَانَا عِنْدَهُ في الْعِلْمِ سَوَاءً فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا يَتَخَيَّرُ والثاني يَأْخُذُ بِقَوْلِهِمَا وَيُصَلِّي إلَى جِهَةِ كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ في الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلًا بَيَّنَ أَنْ يَتَسَاوَيَا فَيُرَاجِعَهُمَا مَرَّةً أُخْرَى وَيَقُولُ تَنَاقَضَ على جَوَابِكُمَا وَتَسَاوَيْتُمَا فما الذي يَلْزَمُنِي فَإِنْ خَيَّرَاهُ بين الْجَوَابَيْنِ اخْتَارَ أَحَدَهُمَا وَإِنْ اتَّفَقَا في الْأَخْذِ بِالِاحْتِيَاطِ أو الْمِيلِ إلَى أَحَدِهِمَا فَعَلَ وَإِنْ أَصَرَّا على الْخِلَافِ فَإِنْ كَانَا سَوَاءً في اعْتِقَادِهِ اخْتَارَ أَحَدَهُمَا وَإِنْ كان أَحَدُهُمَا عِنْدَهُ أَرْجَحَ فَوَجْهَانِ اخْتَارَ الْقَاضِي التَّخْيِيرَ وَاخْتَارَ الْغَزَالِيُّ اتِّبَاعَ الْأَفْضَلِ لِرُجْحَانِ الظَّنِّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وَهَذَا يَدُلُّ على تَرْجِيحِ قَوْلِ الْأَعْلَمِ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ مع اخْتِيَارِهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ وَكَأَنَّهُ إنَّمَا أَوْجَبَ هُنَا ما عَرَضَ له من الضَّرُورَةِ وَالْإِصْرَارِ وَقَبْلَ ذلك لَا ضَرُورَةَ بِهِ تَدْعُو إلَى اتِّبَاعِ الْأَعْلَمِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ تَعْرِيفَهُ إمَّا بِاعْتِبَارِ الضَّرُورَةِ وَعَدَمِهَا فَلَا يَلْزَمُ من اعْتِبَارِ حَالِ الضَّرُورَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى حُكْمِ اعْتِبَارِ ضِدِّهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى ذلك الْحُكْمِ وَإِمَّا لِأَنَّ الْعَمَلَ الذي أَشَارُوا إلَيْهِ في زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَعَدَمُ وُجُوبِ تَقْلِيدِ الْأَعْلَمِ لَا يَتَنَاوَلُ هذه الصُّورَةَ قِيلَ وَكَأَنَّ الْخِلَافَ هُنَا مُخَرَّجٌ على الْخِلَافِ في الْعِلَّتَيْنِ إذَا تَعَارَضَتَا وَإِحْدَاهُمَا تَقْتَضِي الْحَظْرَ وقال الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ بَلْ من الْخِلَافِ في أَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ أو كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فَمَنْ خَيَّرَ بَيْنَهُمَا بَنَاهُ على أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَمَنْ أَوْجَبَ تَقْلِيدَ الْأَعْلَمِ قال الْمُصِيبُ وَاحِدٌ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لم يَكُنْ عَمِلَ بِأَحَدِهِمَا فَلَوْ اسْتَفْتَى عَالِمًا فَعَمِلَ بِفَتْوَاهُ ثُمًّ أَفْتَاهُ آخَرُ بِخِلَافِهِ لم يَجُزْ الرُّجُوعُ إلَيْهِ في ذلك الْحُكْمِ قَالَهُ في الْإِحْكَامِ وقال إلْكِيَا إنْ تَسَاوَيَا في ظَنِّهِ وَلَا تَرْجِيحَ اُخْتُلِفَ فيه فَقِيلَ يَحْكُمُ بِخَاطِرِهِ وهو قَوْلُ أَصْحَابِ الْإِلْهَامِ وَقِيلَ يَتَعَيَّنُ عليه التَّعْلِيقُ بِعِلْمِ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ بِتِلْكَ الْوَاقِعَةِ لِيَكُونَ بَانِيًا على اجْتِهَادِ نَفْسِهِ وَقِيلَ يَتَوَقَّفُ في ذلك انْتَهَى وقال في الْمَحْصُولِ يَجْتَهِدُ فَإِنْ ظَنَّ أَرْجَحِيَّةً في أَحَدِهِمَا عَمِلَ بِهِ وَإِنْ ظَنَّ اسْتِوَاءَهُمَا مُطْلَقًا فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ لِتَعَارُضِ أَمَارَتَيْ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِوُقُوعِهِ وَيَسْقُطَ التَّكْلِيفُ وَيَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا وَإِنْ ظَنَّ الِاسْتِوَاءَ في الدِّينِ دُونَ الْعِلْمِ قَلَّدَ الْأَعْلَمَ وَقِيلَ يَتَخَيَّرُ وَبِالْعَكْسِ الْأَدْيَنَ وَإِنْ ظَنَّ أَحَدَهَا أَعْلَمَ وَالْآخَرَ
  352. أَدْيَنَ فَالْأَقْرَبُ الْأَعْلَمُ فإن الْعِلْمَ أَصْلٌ وَالدِّينُ مُكَمِّلٌ مَسْأَلَةٌ إذَا اسْتَفْتَى الْمُتَنَازِعَانِ فَقِيهًا مع وُجُودِ الْحَاكِمِ قال ابن السَّمْعَانِيِّ فَإِنْ الْتَزَمَا فُتْيَاهُ عَمِلَا بِهِ وَإِلَّا فَالْحَاكِمُ أَحَقُّ بِالنَّظَرِ بَيْنَهُمَا وَلَوْ لم يَجِدَا حَاكِمًا لم يَلْزَمْهُمَا فُتْيَا الْفَقِيهِ حتى يَلْتَزِمَاهُ وَإِنْ الْتَزَمَا فُتْيَا الْفَقِيهِ ثُمَّ تَنَازَعَا إلَى الْحَاكِمِ فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِهِ لَزِمَهُمَا فُتْيَا الْفَقِيهِ في الْبَاطِنِ وَحُكْمُ الْحَاكِمِ في الظَّاهِرِ وَقِيلَ يَلْزَمُهُمَا حُكْمُ الْحَاكِمِ في الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ وَلَوْ اخْتَلَفَا فَدَعَا أَحَدُهُمَا إلَى فَتْوَى الْفُقَهَاءِ وَدَعَا الْآخَرُ إلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ أُجِيبَ الدَّاعِي إلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ لِأَنَّ فُتْيَا الْفَقِيهِ إخْبَارٌ وَحُكْمَ الْحَاكِمِ إجْبَارٌ وإذا دَعَا الْخَصْمُ إلَى فَتَاوَى الْفُقَهَاءِ لم تُجْبِرْهُ وَإِنْ دَعَا إلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ أَجْبَرَهُ وإذا كان الْفَقِيهُ عَدْلًا وَالْحَاكِمُ ليس بِعَدْلٍ فَأَفْتَاهُمَا الْفَقِيهُ بِحُكْمٍ وَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِغَيْرِهِ لَزِمَهُمَا في الْبَاطِنِ أَنْ يَعْمَلَا بِحُكْمِ الْفَقِيهِ وَلَزِمَهُمَا في الظَّاهِرِ أَنْ يَعْمَلَا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ وَحُكِيَ عن بَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ بِالْحِكَايَةِ عن غَيْرِهِ بَلْ إنَّمَا يُفْتِي بِاجْتِهَادِهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا سُئِلَ قَوْلَهُ فَإِنْ سُئِلَ عن حِكَايَةِ قَوْلِ غَيْرِهِ جَازَتْ حِكَايَتُهُ وَلَوْ جَازَ لِلْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ بِالْحِكَايَةِ جَازَ لِلْعَامِّيِّ أَنْ يُفْتِيَ بِمَا في كُتُبِ الْفُقَهَاءِ قال وإذا أَفْتَاهُ بِاجْتِهَادِهِ ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ فَإِنْ كان قد عَمِلَ بِهِ لم يَلْزَمْهُ أَنْ يُعَرِّفَهُ بِتَغَيُّرِ الِاجْتِهَادِ وَإِلَّا لَزِمَهُ قال وإذا أَفْتَاهُ بِقَوْلٍ مُجْمَعٍ عليه لم يُخْبِرْ في الْقَبُولِ فيه وَإِنْ كان مُخْتَلَفًا فيه خُيِّرَ بين أَنْ يَقْبَلَ منه أو من غَيْرِهِ وَهَذِهِ الشُّبْهَةُ على قَوْلِ من قال كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٍ وَكَذَا إنْ قُلْنَا الْمُصِيبُ وَاحِدٌ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عليه الْأَخْذُ بِقَوْلِ وَاحِدٍ من الْمُفْتِينَ بِغَيْرِ حُجَّةٍ بِأَوْلَى من الْآخَرِ فَإِنْ كان هذا التَّخْيِيرِ مَعْلُومًا من قَصْدِ الْمُفْتِي لم يَجِبْ عليه أَنْ يُخَيِّرَهُ لَفْظًا بَلْ يَذْكُرَ له قَوْلَهُ فَقَطْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْحُكْمُ لِأَنَّ الْحَاكِمَ مَنْصُوبٌ لِقَطْعِ الْخُصُومَاتِ قال ابن السَّمْعَانِيِّ وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ عليه أَنْ يُبَيِّنَ له تَخْيِيرَهُ لِأَنَّا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْمُسْتَفْتِي من الِاجْتِهَادِ في أَعْيَانِ الْمُفْتِينَ وإذا وَجَبَ عليه ذلك فَاخْتَارَ أَحَدَ الْعُلَمَاءِ بِاجْتِهَادِهِ فَكَذَلِكَ الْعَامِّيُّ يَلْزَمُهُ الْأَخْذُ بِقَوْلِ هذا الْعَالِمِ وَلَا يَجِبُ تَخْيِيرُهُ
  353. مَسْأَلَةٌ هل يَجُوزُ لِلْمُجْتَهِدِ وقد سَأَلَهُ الْعَامِّيُّ على يَمِينٍ مَثَلًا وكان مُعْتَقَدُهُ الْحِنْثَ أَنْ يُحِيلَهُ على آخَرَ يُخَالِفُ مُعْتَقَدَهُ أو لَا الظَّاهِرُ الْمَنْعُ لِأَنَّهُ إذَا غَلَبَ على ظَنِّهِ شَيْءٌ فَهُوَ حُكْمُ اللَّهِ في حَقِّهِ وَحَقِّ من قَلَّدَهُ وَكَمَا لَا يَجُوزُ له الْعُدُولُ عنه لَا يَجُوزُ له أَمْرُ مُقَلِّدِهِ بِذَلِكَ وَالْأَحْوَطُ أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ في حَقِّ الْمُسْتَفْتِي لَا تَشْدِيدًا وَلَا تَسْهِيلًا وَلَا بِحِيلَةٍ وقد عَرَفَ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى عليه على غَيْرِهِ ثُمَّ رَأَيْت عن أَحْمَدَ التَّصْرِيحَ بِجَوَازِ إرْشَادِهِ إلَى آخَرَ مُعْتَبَرٍ وَإِنْ كان يُخَالِفُ مَذْهَبَهُ وفي تَعْلِيقِ الْقَاضِي أبي الطَّيِّبِ في بَابِ الْإِحْصَارِ في الْحَجِّ أَنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَتَحَلَّلُ بِالْمَرَضِ وَإِنْ كان يَعْتَقِدُ جَوَازَهُ كَالْحَنَفِيِّ نَصَّ عليه الشَّافِعِيُّ وَهَذَا يَرُدُّ قَوْلَ الدَّارَكِيِّ أَنَّ الطَّلَاقَ في النِّكَاحِ الْفَاسِدِ كَالنِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ يَقَعُ على مُعْتَقِدِ إبَاحَتِهِ إذْ لو كان كَذَلِكَ لَأَفْتَى الشَّافِعِيُّ من يَرَى مَذْهَبَ أبي حَنِيفَةَ بِجَوَازِ التَّحَلُّلِ فلما أَفْتَاهُ بِمَذْهَبِهِ دُونَ مَذْهَبِ الْمُخَالِفِ بَطَلَ قَوْلُ هذا الْقَائِلِ مَسْأَلَةٌ هل يَجُوزُ لِلْعَالَمِ أَنْ يُفْتِيَ في حَقِّ نَفْسِهِ فِيمَا يَجْرِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ قال بَعْضُ شُرَّاحِ اللُّمَعِ ذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ كما لَا يُحَكِّمُ نَفْسَهُ فِيمَا يَجْرِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ قال وَقِيَاسُ هذا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فَتْوَاهُ لِوَالِدِهِ وَوَلَدِهِ فِيمَا هذا شَأْنُهُ قُلْت قد حَكَى الرُّويَانِيُّ في الْبَحْرِ في هذا احْتِمَالَيْنِ فَلَوْ رضي الْآخَرُ بِفَتْوَاهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَالظَّاهِرُ الْجَوَازُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ إذَا أَفْتَى بِنَصٍّ يُقْبَلُ قَطْعًا وَإِنْ كان قِيَاسًا فَفِيهِ نَظَرٌ وَأَمَّا فَتْوَى نَفْسِهِ مِمَّا يَعُودُ على أَمْرِ دِينِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ فَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ له أَنْ يَعْمَلَ بِمَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ وقد قال النبي عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ اسْتَفْتِ نَفْسَك وَإِنْ أَفْتَاك الناس وَأَفْتَوْك وَأَمَّا فَتْوَاهُ فِيمَا يَعُودُ على وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجِيءَ فيه ما سَبَقَ مَسْأَلَةٌ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا لِلْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ بِقَوْلِ بَعْضِ السَّلَفِ وهو لَا يَعْرِفُ عِلَّتَهُ خِلَافًا لِأَصْحَابِ الرَّأْيِ قَالَهُ الْأُسْتَاذُ أبو مَنْصُورٍ
  354. مَسْأَلَةٌ مَتَى يَلْزَمُ الْعَامِّيَّ الْعَمَلُ بِمَا يُلَقِّنُهُ الْمُجْتَهِدُ فيه أَوْجُهٌ أَحَدُهَا بِمُجَرَّدِ الْإِفْتَاءِ والثاني إذَا وَقَعَ في نَفْسِهِ صِدْقُهُ وَحَقِيقَتُهُ قال ابن السَّمْعَانِيِّ إنَّهُ أَوْلَى الْأَوْجُهِ قال ابن الصَّلَاحِ ولم أَجِدْهُ لِغَيْرِهِ والثالث ذَكَرَهُ احْتِمَالًا أَنَّهُ إذَا شَرَعَ في الْعَمَلِ بِهِ كَالْكَفَّارَاتِ وهو يَقْوَى على قَوْلِ من يقول إنَّ الشُّرُوعَ فِيمَا يَلْزَمُ مُلْزِمٌ والرابع وهو الْأَصَحُّ لَا يَلْزَمُهُ بِهِ إلَّا بِالْتِزَامِهِ كَالنَّذْرِ فَيَصِيرُ بِالْتِزَامِهِ لَازِمًا له لَا بِالْفُتْيَا وَيُؤَيِّدُهُ ما سَبَقَ من التَّخْيِيرِ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَ عليه جَوَابُ الْمُفْتِينَ والخامس وَاخْتَارَهُ ابن الصَّلَاحِ أَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُهُ إذَا لم يَجِدْ غَيْرَهُ سَوَاءٌ الْتَزَمَ أو لَا أو بِرُجْحَانِ أَحَدِهِمَا أو بِحُكْمِ حَاكِمٍ وإذا قُلْنَا بِالْأَوَّلِ فَكَانَ السُّؤَالُ مَثَلًا عن يَمِينٍ فقال له الْمُجْتَهِدُ حَنِثْت فَهَلْ يُقَدَّرُ الْحِنْثُ وَاقِعًا بِقَوْلِ الْمُجْتَهِدِ كَحُكْمِ الْحَاكِمِ أو إنَّمَا يَقَعُ الْحِنْثُ بِالِالْتِزَامِ بِلَفْظِهِ أو بِنِيَّةٍ فيه نَظَرٌ مَسْأَلَةٌ هل يَجِبُ على الْعَامِّيِّ الْتِزَامُ تَقْلِيدِ مُعَيَّنٍ في كل وَاقِعَةٍ فيه وَجْهَانِ قال إلْكِيَا يَلْزَمُهُ وقال ابن بَرْهَانٍ لَا وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ في أَوَائِلِ الْقَضَاءِ وهو الصَّحِيحُ فإن الصَّحَابَةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عليهم لم يُنْكِرُوا على الْعَامَّةِ تَقْلِيدَ بَعْضِهِمْ من غَيْرِ تَقْلِيدٍ وقد رَامَ بَعْضُ الْخُلَفَاءِ زَمَنَ مَالِكٍ حَمْلَ الناس في الْآفَاقِ على مَذْهَبِ مَالِكٍ فَمَنَعَهُ مَالِكٌ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ اللَّهَ فَرَّقَ الْعِلْمَ في الْبِلَادِ بِتَفْرِيقِ الْعُلَمَاءِ فيها فلم يَرَ الْحَجْرَ على الناس وَرُبَّمَا نُودِيَ لَا يُفْتَى أَحَدٌ وَمَالِكٌ بِالْمَدِينَةِ قال ابن الْمُنَيَّرِ وهو عِنْدِي مَحْمُولٌ على أَنَّ الْمُرَادَ لَا يُفْتَى أَحَدٌ حتى يَشْهَدَ له مَالِكٌ بِالْأَهْلِيَّةِ وَذَكَرَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ هذا مَذْهَبُ أَحْمَدَ فإنه قال لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ لَا تَحْمِلْ على مَذْهَبِك فَيُحْرَجُوا دَعْهُمْ يَتَرَخَّصُوا بِمَذَاهِبِ الناس وَسُئِلَ عن مَسْأَلَةٍ من الطَّلَاقِ فقال يَقَعُ يَقَعُ فقال له الْقَائِلُ فَإِنْ أَفْتَانِي أَحَدٌ أَنَّهُ لَا يَقَعُ يَجُوزُ قال نعم وَدَلَّهُ على حَلْقَةِ الْمَدَنِيِّينَ في الرَّصَافَةِ فقال إنْ أَفْتَوْنِي جَازَ قال نعم وقد كان السَّلَفُ يُقَلِّدُونَ من شَاءُوا قبل ظُهُورِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وقد قال النبي الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عليه إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُؤْخَذَ بِرُخَصِهِ كما يُحِبُّ أَنْ يُؤْخَذَ بِعَزَائِمِهِ
  355. وَتَوَسَّطَ ابن الْمُنَيَّرِ فقال الدَّلِيلُ يَقْتَضِي الْتِزَامَ مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ بَعْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ لَا قَبْلَهُمْ وَالْفَرْقُ أَنَّ الناس كَانُوا قبل الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ لم يُدَوِّنُوا مَذَاهِبَهُمْ وَلَا كَثُرَتْ الْوَقَائِعُ عليهم حتى عُرِفَ مَذْهَبُ كل وَاحِدٍ منهم في كل الْوَقَائِعِ وفي أَكْثَرِهَا وكان الذي يَسْتَفْتِي الشَّافِعِيَّ مَثَلًا لَا عِلْمَ له بِمَا يَقُولُهُ الْمُفْتِي لِأَنَّهُ لم يَشْتَهِرْ مَذْهَبُهُ في تِلْكَ الْوَاقِعِ أو لِأَنَّهَا ما وَقَعَتْ له قبل ذلك فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُعَضِّدَهُ إلَّا سِرٌّ خَاصٌّ وَأَمَّا بَعْدَ أَنْ فُهِمَتْ الْمَذَاهِبُ وَدُوِّنَتْ وَاشْتُهِرَتْ وَعُرِفَ الْمُرَخِّصُ من الْمُشَدِّدِ في كل وَاقِعَةٍ فَلَا يَنْتَقِلُ الْمُسْتَفْتِي وَالْحَالَةُ هذه من مَذْهَبٍ إلَى مَذْهَبٍ إلَّا رُكُونًا إلَى الِانْحِلَالِ وَالِاسْتِسْهَالِ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ عن أبي الْفَتْحِ الْهَرَوِيِّ أَحَدِ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَنَّ مَذْهَبَ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْعَامِّيَّ لَا مَذْهَبَ له مَسْأَلَةٌ فَلَوْ الْتَزَمَ مَذْهَبًا مُعَيَّنًا كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَاعْتَقَدَ رُجْحَانَهُ من حَيْثُ الْإِجْمَالُ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُخَالِفَ إمَامَهُ في بَعْضِ الْمَسَائِلِ وَيَأْخُذَ بِقَوْلِ غَيْرِهِ من مُجْتَهِدٍ آخَرَ فيه مَذَاهِبُ أَحَدُهَا الْمَنْعُ وَبِهِ جَزَمَ الْجِيلِيُّ في الْإِعْجَازِ لِأَنَّ قَوْلَ كل إمَامٍ مُسْتَقِلٌّ بِآحَادِ الْوَقَائِعِ فَلَا ضَرُورَةَ إلَى الِانْتِقَالِ إلَّا التَّشَهِّيَ وَلِمَا فيه من اتِّبَاعِ التَّرَخُّصِ وَالتَّلَاعُبِ بِالدِّينِ والثاني يَجُوزُ وهو الْأَصَحُّ في الرَّافِعِيِّ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لم يُوجِبُوا على الْعَوَامّ تَعْيِينَ الْمُجْتَهِدِينَ لِأَنَّ السَّبَبَ وهو أَهْلِيَّةُ الْمُقَلِّدِ لِلتَّقْلِيدِ عَامٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَقْوَالِهِ وَعَدَمُ أَهْلِيَّةِ الْمُقَلِّدِ مُقْتَضٍ لِعُمُومِ هذا الْجَوَابِ وَوُجُوبُ الِاقْتِصَارِ على مُفْتٍ وَاحِدٍ بِخِلَافِ سِيرَةِ الْأَوَّلِينَ بَلْ يَقْوَى الْقَوْلُ بِالِانْتِقَالِ في صُورَتَيْنِ إحْدَاهُمَا إذَا كان مَذْهَبُ غَيْرِ إمَامِهِ يَقْتَضِي تَشْدِيدًا كَالْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ على فِعْلِ شَيْءٍ ثُمَّ فَعَلَهُ نَاسِيًا أو جَاهِلًا وكان مَذْهَبُ مُقَلَّدِهِ عَدَمَ الْحِنْثِ فَخَرَجَ منه لِقَوْلِ من أَوْقَعَ الطَّلَاقَ فإنه يُسْتَحَبُّ له الْأَخْذُ بِالِاحْتِيَاطِ وَالْتِزَامِ الْحِنْثِ قَطْعًا وَلِهَذَا قال الشَّافِعِيُّ إنَّ الْقَصْرَ في سَفَرٍ جَاوَزَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَفْضَلُ من الْإِتْمَامِ والثانية إذَا رَأَى لِلْقَوْلِ الْمُخَالِفِ لِمَذْهَبِ إمَامِهِ دَلِيلًا صَحِيحًا ولم يَجِدْ في مَذْهَبِ إمَامِهِ دَلِيلًا قَوِيًّا عنه وَلَا مُعَارِضًا رَاجِحًا عليه فَلَا وَجْهَ لِمَنْعِهِ من التَّقْلِيدِ حِينَئِذٍ
  356. مُحَافَظَةً على الْعَمَلِ بِظَاهِرِ الدَّلِيلِ وَأَمَّا ما نَقَلَهُ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ من الْإِجْمَاعِ على مَنْعِ رُجُوعِ الْمُقَلِّدِ عَمَّنْ قَلَّدَهُ فَهُوَ إنْ صَحَّ مَحْمُولٌ على تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا بَعْدَ أَنْ عَمِلَ بِقَوْلِهِ فيها وَاعْلَمْ أَنَّا حَيْثُ قُلْنَا بِالْجَوَازِ فَشَرْطُهُ أَنْ يَعْتَقِدَ رُجْحَانَ ذلك الْمَذْهَبِ الذي قَلَّدَ في هذه الْمَسْأَلَةِ وَعَلَى هذا فَلَيْسَ لِلْعَامِّيِّ ذلك مُطْلَقًا إذْ لَا طَرِيقَ له إلَيْهِ وَلِهَذَا قال الْبَغَوِيّ لو أَنَّ عَامِّيًّا شَافِعِيًّا لَمَسَ امْرَأَتَهُ وَصَلَّى ولم يَتَوَضَّأْ وقال عِنْدَ بَعْضِ الناس الطَّهَارَةُ بِحَالِهَا لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ بِالِاجْتِهَادِ يَعْتَقِدُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ فَأَشْبَهَ ما إذَا اجْتَهَدَ في الْقِبْلَةِ فَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى جِهَةٍ فَأَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى غَيْرِهَا لَا يَصِحُّ قال وَلَوْ جَوَّزْنَاهُ لَأَدَّى ذلك إلَى أَنْ يَرْتَكِبَ جَمِيعَ مَحْظُورَاتِ الْمَذْهَبِ كَشُرْبِ الْمُثَلَّثِ وَالنِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ وَنَحْوِهِ وَيَقُولُ هذا جَائِزٌ وَيَتْرُكُ أَرْكَانَ الصَّلَاةِ وَيَقُولُ هذا جَائِزٌ وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ انْتَهَى والثالث أَنَّهُ كَالْعَامِّيِّ الذي لم يَلْتَزِمْ مَذْهَبًا مُعَيَّنًا فَكُلُّ مَسْأَلَةٍ عَمِلَ فيها بِقَوْلِ إمَامِهِ ليس له تَقْلِيدُ غَيْرِهِ وَكُلُّ مَسْأَلَةٍ لم يَعْمَلْ فيها بِقَوْلِهِ فَلَا مَانِعَ فيها من تَقْلِيدِ غَيْرِهِ والرابع إنْ كان قبل حُدُوثِ الْحَوَادِثِ فَلَا يَجِبُ التَّخْصِيصُ بِمَذْهَبٍ وَإِنْ حَدَثَ وَقَلَّدَ إمَامًا في حَادِثَةٍ وَجَبَ عليه تَقْلِيدُهُ في الْحَوَادِثِ التي يُتَوَقَّعُ وُقُوعُهَا في حَقِّهِ وَاخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لِأَنَّ قبل تَقْرِيرِ الْمَذَاهِبِ مُمْكِنٌ وَأَمَّا بَعْدُ فَلَا لِلْخَبْطِ وَعَدَمِ الضَّبْطِ والخامس إنْ غَلَبَ على ظَنِّهِ أَنَّ بَعْضَ الْمَسَائِلِ على مَذْهَبِ غَيْرِ مُقَلَّدِهِ أَقْوَى من مُقَلَّدِهِ جَازَ قَالَهُ الْقُدُورِيُّ الْحَنَفِيُّ والسادس وَاخْتَارَهُ ابن عبد السَّلَامِ في الْقَوَاعِدِ التَّفْصِيلُ بين أَنْ يَكُونَ الْمَذْهَبُ الذي أَرَادَ الِانْتِقَالَ عنه بِمَا يَنْقُضُ الْحُكْمَ أو لَا فَإِنْ كان الْأَوَّلُ فَلَيْسَ له الِانْتِقَالُ إلَى حُكْمٍ يَجِبُ نَقْضُهُ لِبُطْلَانِهِ وَإِنْ كان الْمَأْخَذَانِ مُتَقَارِبَيْنِ جَازَ التَّقْلِيدُ وَالِانْتِقَالُ لِأَنَّ الناس لم يَزَالُوا كَذَلِكَ في عَصْرِ الصَّحَابَةِ إلَى أَنْ ظَهَرَتْ الْمَذَاهِبُ الْأَرْبَعَةُ من غَيْرِ نَكِيرٍ من أَحَدٍ يُعْتَبَرُ إنْكَارُهُ وَلَوْ كان ذلك بَاطِلًا لَأَنْكَرُوهُ وقال في الْفَتَاوَى الْمَوْصِلِيَّةِ وقد سُئِلَ عن شَافِعِيٍّ حَضَرَ نِكَاحَ صَبِيَّةٍ لَا أَبَ لها وَلَا جَدَّ وَالشَّهَادَةُ على إذْنِهَا له في التَّزْوِيجِ فَأَجَابَ إنْ قَلَّدَ الْمُخَالِفَ في مَذَاهِبَ جَازَ وَإِلَّا فَلَا وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ النَّوَوِيِّ في الرَّوْضَةِ في النِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ أَنَّهُ
  357. يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ سَوَاءٌ اعْتَقَدَ التَّحْرِيمَ أو الْإِبَاحَةَ بِاجْتِهَادٍ أو تَقْلِيدٍ أو حُسْبَانٍ أو مُجَرَّدٍ والسابع وَاخْتَارَهُ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ الْجَوَازُ بِشُرُوطٍ أَحَدُهَا أَنْ لَا يَجْتَمِعَ في صُورَةٍ يَقَعُ الْإِجْمَاعُ على بُطْلَانِهَا كما إذَا افْتَصَدَ وَمَسَّ الذَّكَرَ وَصَلَّى وَالثَّانِي أَلَّا يَكُونَ ما قَلَّدَ فيه مِمَّا يُنْقَضُ فيه الْحُكْمُ لو وَقَعَ بِهِ وَالثَّالِثُ انْشِرَاحُ صَدْرِهِ لِلتَّقْلِيدِ الْمَذْكُورِ وَعَدَمُ اعْتِقَادِهِ لِكَوْنِهِ مُتَلَاعِبًا بِالدِّينِ مُتَسَاهِلًا فيه وَدَلِيلُ اعْتِبَارِ هذا الشَّرْطِ قَوْلُهُ وَالْإِثْمُ ما حَاكَ في نَفْسِك فَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ ما حَاكَ في نَفْسِك فَفِعْلُهُ إثْمٌ بَلْ أَقُولُ إنَّ هذا شَرْطُ جَمِيعِ التَّكَالِيفِ وهو أَلَّا يُقْدِمَ الْإِنْسَانُ على ما يَعْتَقِدُهُ مُخَالِفًا لِأَمْرِ اللَّهِ وَلَا اشْتِرَاطَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مِمَّا يُنْقَضُ فيه قَضَاءُ الْقَاضِي بَلْ إذَا كان مُخَالِفًا لِظَاهِرِ النُّصُوصِ بِحَيْثُ يَكُونُ التَّأْوِيلُ مُسْتَكْرَهًا فَيَكْفِي في ذلك عَدَمُ جَوَازِ التَّقْلِيدِ لِقَائِلِ الْقَوْلِ الْمُخَالِفِ لِذَلِكَ الظَّاهِرِ انْتَهَى وَنَقَلَ الْقَرَافِيُّ عن الزَّنَاتِيِّ من أَصْحَابِهِمْ الْجَوَازَ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ أَحَدُهَا أَنْ لَا يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا على صُورَةٍ تُخَالِفُ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ كَمَنْ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ صَدَاقٍ وَلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ والثاني أَنْ يَعْتَقِدَ فِيمَنْ يُقَلِّدُهُ الْفَضْلَ بِوُصُولِ أَخْبَارِهِ إلَيْهِ وَلَا يُقَلِّدُهُ في عَمَلِهِ والثالثة أَنْ لَا يَتَّبِعَ رُخَصَ الْمَذَاهِبِ قال وَالْمَذَاهِبُ كُلُّهَا مَسْلَكٌ إلَى الْجَنَّةِ وَطُرُقٌ إلَى الْخَيْرَاتِ فَمَنْ سَلَكَ منها طَرِيقًا وَصَّلَهُ انْتَهَى وَحَكَى بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ هذا الْخِلَافَ في أَنَّ الْأَوْلَى الْأَخْذُ بِالْأَخَفِّ أو الْأَثْقَلِ ثُمَّ قال وَالْأَوْلَى أَنَّ من بُلِيَ بِوَسْوَاسٍ أو شَكٍّ أو قُنُوطٍ فَالْأَوْلَى أَخْذُهُ بِالْأَخَفِّ وَالْإِبَاحَةِ وَالرُّخَصِ لِئَلَّا يَزْدَادَ ما بِهِ وَيَخْرُجَ عن الشَّرْعِ وَمَنْ كان قَلِيلَ الدِّينِ كَثِيرَ التَّسَاهُلِ أَخَذَ بِالْأَثْقَلِ وَالْعَزِيمَةِ لِئَلَّا يَزْدَادَ ما بِهِ فَيَخْرُجَ إلَى الْإِبَاحَةِ وَمَرَّ بِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بن الْمُبَارَكِ سُئِلَ عَمَّنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَلَّا يَتَزَوَّجَ ثُمَّ بَدَا له فَهَلْ له أَنْ يَأْخُذَ بِقَوْلِ من يُجَوِّزُ له ذلك فقال إنْ كان يَرَى هذا الْقَوْلَ حَقًّا أَنْ يُبْتَلَى بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَنَعَمْ إلَّا فَلَا وما أَحْسَنَ هذا الْجَوَابَ من مُتَوَرِّعٍ
  358. وَقَسَّمَ بَعْضُهُمْ الْمُلْتَزِمَ لِمَذْهَبٍ إذَا أَرَادَ تَقْلِيدَ غَيْرِهِ إلَى أَحْوَالٍ إحْدَاهَا أَنْ يَعْتَقِدَ بِحَسَبِ حَالِهِ رُجْحَانَ مَذْهَبِ ذلك الْغَيْرِ في تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ فَيَجُوزُ اتِّبَاعًا لِلرَّاجِحِ في ظَنِّهِ الثَّانِيَةُ أَنْ يَعْتَقِدَ مَذْهَبَ إمَامِهِ أو لَا يَعْتَقِدَ رُجْحَانًا أَصْلًا لَكِنْ في كِلَا الْأَمْرَيْنِ أَعْنِي اعْتِقَادَهُ رُجْحَانَ مَذْهَبِ إمَامِهِ وَعَدَمَ الِاعْتِقَادِ يَقْصِدُ تَقْلِيدَهُ احْتِيَاطًا لِدِينِهِ كَالْحِيلَةِ إذَا قَصَدَ بها الْخَلَاصَ من الرِّبَا كَبَيْعِ الْجَمْعِ بِالدَّرَاهِمِ وَشِرَاءِ الْجَنِيبِ بها فَلَيْسَ بِحَرَامٍ وَلَا مَكْرُوهٍ بِخِلَافِ الْحِيلَةِ على غَيْرِ هذا الْوَجْهِ حَيْثُ يُحْكَمُ بِكَرَاهَتِهَا الثَّالِثَةُ أَنْ يَقْصِدَ بِتَقْلِيدِهِ الرُّخْصَةَ فِيمَا هو مُحْتَاجٌ إلَيْهِ لِحَاجَةٍ لَحِقَتْهُ أو ضَرُورَةٍ أَرْهَقَتْهُ فَيَجُوزُ أَيْضًا إلَّا إنْ اعْتَقَدَ رُجْحَانَ مَذْهَبِ إمَامِهِ وَيَقْصِدُ تَقْلِيدَ الْأَعْلَمِ فَيَمْتَنِعُ وهو صَعْبٌ وَالْأَوْلَى الْجَوَازُ الرَّابِعَةُ أَلَّا تَدْعُوَهُ إلَى ضَرُورَةٍ وَلَا حَاجَةٍ بَلْ مُجَرَّدِ قَصْدِ التَّرَخُّصِ من غَيْرِ أَنْ يَغْلِبَ على ظَنِّهِ رُجْحَانُهُ فَيَمْتَنِعُ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُتَّبِعٌ لِهَوَاهُ لَا لِلدِّينِ الْخَامِسَةُ أَنْ يَكْثُرَ منه ذلك وَيَجْعَلَ اتِّبَاعَ الرُّخْصِ دَيْدَنَهُ فَيَمْتَنِعُ لِمَا قُلْنَا وَزِيَادَةُ فُحْشِهِ السَّادِسَةُ أَنْ يَجْتَمِعَ من ذلك حَقِيقَةٌ مُرَكَّبَةٌ مُمْتَنِعَةٌ بِالْإِجْمَاعِ فَيَمْتَنِعُ السَّابِعَةُ أَنْ يَعْمَلَ بِتَقْلِيدِهِ الْأَوَّلَ كَالْحَنَفِيِّ يَدَّعِي شُفْعَةَ الْجِوَارِ فَيَأْخُذَهَا بِمَذْهَبِ أبي حَنِيفَةَ ثُمَّ تُسْتَحَقُّ عليه فَيُرِيدُ أَنْ يُقَلِّدَ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ فَيَمْتَنِعُ لِتَحَقُّقِ خَطَئِهِ إمَّا في الْأَوَّلِ وَإِمَّا في الثَّانِي وهو شَخْصٌ وَاحِدٌ مُكَلَّفٌ تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ ادَّعَى الْآمِدِيُّ وابن الْحَاجِبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قبل الْعَمَلِ وَلَا بَعْدَهُ بِالِاتِّفَاقِ وَلَيْسَ كما قَالَا فَفِي كَلَامِ غَيْرِهِمَا ما يَقْتَضِي جَرَيَانَ الْخِلَافِ بَعْدَ الْعَمَلِ أَيْضًا وَكَيْفَ يَمْتَنِعُ إذَا اعْتَقَدَ صِحَّتَهُ لَكِنَّ وَجْهَ ما قَالَاهُ أَنَّهُ بِالْتِزَامِهِ مَذْهَبَ إمَامٍ مُكَلَّفٌ ما لم يَظْهَرْ له غَيْرُهُ وَالْعَامِّيُّ لَا يَظْهَرُ له بِخِلَافِ الْمُجْتَهِدِ حَيْثُ يَنْتَقِلُ من أَمَارَةٍ إلَى أَمَارَةٍ وَفَصَّلَ بَعْضُهُمْ فقال التَّقْلِيدُ بَعْدَ الْعَمَلِ إنْ كان من الْوُجُوبِ إلَى الْإِبَاحَةِ لِيَتْرُكَ كَالْحَنَفِيِّ يُقَلِّدُ في الْوِتْرِ وَمِنْ الْحَظْرِ إلَى الْإِبَاحَةِ لِيَفْعَلَ كَالشَّافِعِيِّ يُقَلِّدُ في أَنَّ النِّكَاحَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ جَائِزٌ وَالْفِعْلُ وَالتَّرْكُ لَا يُنَافِي الْإِبَاحَةَ وَاعْتِقَادُ الْوُجُوبِ أو التَّحْرِيمِ خَارِجٌ
  359. عن الْعَمَلِ وَحَاصِلٌ قَبْلَهُ فَلَا مَعْنَى لِلْقَوْلِ بِأَنَّ الْعَمَلَ فيها مَانِعٌ من التَّقْلِيدِ وَإِنْ كان بِالْعَكْسِ فَإِنْ كان يَعْتَقِدُ الْإِبَاحَةَ فَقَلَّدَ في الْوُجُوبِ أو التَّحْرِيمِ فَالْقَوْلُ بِالْمَنْعِ أَبْعَدُ وَلَيْسَ في الْعَامِّيِّ إلَّا هذه الْأَقْسَامُ نعم الْمُفْتِي على مَذْهَبِ إمَامٍ إذَا أَفْتَى بِكَوْنِ الشَّيْءِ وَاجِبًا أو مُبَاحًا أو حَرَامًا ليس له أَنْ يُقَلِّدَ وَيُفْتِيَ بِخِلَافِهِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مَحْضُ تَشَهٍّ وَالثَّانِي ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ جَرَيَانُ هذا الْخِلَافِ في تَتَبُّعِ الرُّخْصِ وَغَيْرِهَا وَرُبَّمَا قِيلَ اتِّبَاعُ الرُّخْصِ مَحْبُوبٌ لِقَوْلِهِ عليه السَّلَامُ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ وَيُشْبِهُ جَعْلَهُ في غَيْرِ الْمُتَتَبِّعِ من الِانْتِقَالِ قَطْعًا خَشْيَةَ الِانْحِلَالِ وَحَكَى ابن الْمُنِيرِ عن بَعْضِ مَشَايِخِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ فَاوَضَهُ في ذلك وقال أَيُّ مَانِعٍ يَمْنَعُ من تَتَبُّعِ الرُّخَصِ وَنَحْنُ نَقُولُ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَأَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَالْكُلُّ دِينُ اللَّهِ وَالْعُلَمَاءُ أَجْمَعُونَ دُعَاةٌ إلَى اللَّهِ قال حتى كان هذا الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ من غَلَبَةِ شَفَقَتِهِ على الْعَامِّيِّ إذَا جاء يَسْتَفْتِيهِ مَثَلًا في حِنْثٍ يَنْظُرُ في وَاقِعَتِهِ فَإِنْ كان يَحْنَثُ على مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَلَا يَحْنَثُ على مَذْهَبِ مَالِكٍ قال لي أَفْتِهِ أنت يَقْصِدُ بِذَلِكَ التَّسْهِيلَ على الْمُسْتَفْتِي وَرَعًا كان يَنْظُرُ أَيْضًا في فَسَادِ الزَّمَانِ وَأَنَّ الْغَالِبَ عَدَمُ التَّقَيُّدِ فَيَرَى أَنَّهُ إنْ شَدَّدَ على الْعَامِّيّ رُبَّمَا لَا يَقْبَلُ منه في الْبَاطِنِ فَيُوَسِّعُ على نَفْسِهِ فَلَا مُسْتَدْرَكَ وَلَا تَقْلِيدَ بَلْ جُرْأَةٌ على اللَّهِ تَعَالَى وَاجْتِرَاءٌ على الْمُحَرَّمِ قُلْت كما اتَّفَقَ لِمَنْ سَأَلَ التَّوْبَةَ وقد قَتَلَ تِسْعًا وَتِسْعِينَ قال فإذا عَلِمَ أَنَّهُ يَئُولُ بِهِ إلَى هذا الِانْحِلَالِ الْمَحْضِ فَرُجُوعُهُ حِينَئِذٍ في الرُّخْصَةِ إلَى مُسْتَنَدٍ وَتَقْلِيدُ الْإِمَامِ أَوْلَى من رُجُوعِهِ إلَى الْحَرَامِ الْمَحْضِ قُلْت فَلَا يَنْبَغِي حِينَئِذٍ إطْلَاقُ الْقَوْلِ بِالْجَوَازِ مُطْلَقًا لِكُلِّ أَحَدٍ بَلْ يَرْجِعُ النَّظَرُ إلَى حَالِ الْمُسْتَفْتِي وَقَصْدِهِ قال ابن الْمُنِيرِ في الْحِكَايَاتِ الْمُسْنَدَةِ إلَى وَلَدِ ابْنِ الْقَاسِمِ حَنِثَ في يَمِينٍ حَلَفَ فيها بِالْمَشْيِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ فَاسْتَفْتَى أَبَاهُ فقال له أُفْتِيك فيها بِمَذْهَبِ اللَّيْثِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَإِنْ عُدْت أَفْتَيْتُك بِمَذْهَبِ مَالِكٍ يَعْنِي بِالْوَفَاءِ قال وَمَحْمَلُ ذلك عِنْدِي أَنَّهُ نَقَلَ له مَذْهَبَ اللَّيْثِ لَا أَنَّهُ أَفْتَاهُ بِهِ وَحَمَلَهُ عليه عِلْمُهُ بِمَشَقَّةِ الْمَشْيِ على الْحَالِفِ أو
  360. خَشْيَةُ ارْتِكَابِ مَفْسَدَةٍ أُخْرَى فَخَلَّصَهُ من ذلك ثُمَّ هَدَّدَهُ بِمَا يَقْتَضِي تَحَرُّزَهُ من الْعَادَةِ قُلْت وَرُبَّمَا كان ابن الْقَاسِمِ يَرَى التَّخْيِيرَ فَلَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا إذَا رَآهُ مَصْلَحَةً وَأَمَّا بِالتَّشَهِّي فَلَا قال وَكَانَتْ هذه الْوَقَائِعُ تُتَّفَقُ نَوَادِرَ وَأَمَّا الْآنَ فَقَدْ سَاءَتْ الْقُصُودُ وَالظُّنُونُ وَكَثُرَ الْفُجُورُ وَتَغَيَّرَ إلَى فُتُونٍ فَلَيْسَ إلَّا إلْجَامُ الْعَوَامّ عن الْإِقْدَامِ على الرُّخَصِ أَلْبَتَّةَ مَسْأَلَةٌ فَلَوْ اخْتَارَ من كل مَذْهَبٍ ما هو الْأَهْوَنُ عليه فَفِي تَفْسِيقِهِ وَجْهَانِ قال أبو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ يُفَسَّقُ وقال ابن أبي هُرَيْرَةَ لَا حَكَاهُ الْحَنَّاطِيُّ في فَتَاوِيهِ وَأَطْلَقَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ لو أَنَّ رَجُلًا عَمِلَ بِكُلِّ رُخْصَةٍ بِقَوْلِ أَهْلِ الْكُوفَةِ في النَّبِيذِ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ في السَّمَاعِ وَأَهْلِ مَكَّةَ في الْمُتْعَةِ كان فَاسِقًا وَخَصَّ الْقَاضِي من الْحَنَابِلَةِ التَّفْسِيقَ بِالْمُجْتَهِدِ إذَا لم يُؤَدِّ اجْتِهَادُهُ إلَى الرُّخْصَةِ وَاتَّبَعَهَا وَبِالْعَامِّيِّ الْمُقْدِمِ عليها من غَيْرِ تَقْلِيدٍ لِإِخْلَالِهِ بِغَرَضِهِ وهو التَّقْلِيدُ فَأَمَّا الْعَامِّيُّ إذَا قَلَّدَ في ذلك فَلَا يُفَسَّقُ لِأَنَّهُ قَلَّدَ من يَسُوغُ اجْتِهَادُهُ وفي فَتَاوَى النَّوَوِيِّ الْجَزْمُ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَتَبُّعُ الرُّخَصِ وقال في فَتَاوٍ له أُخْرَى وقد سُئِلَ عن مُقَلِّدِ مَذْهَبٍ هل يَجُوزُ له أَنْ يُقَلِّدَ غير مَذْهَبِهِ في رُخْصَةٍ لِضَرُورَةٍ وَنَحْوِهَا أَجَابَ يَجُوزُ له أَنْ يَعْمَلَ بِفَتْوَى من يَصْلُحُ لِلْإِفْتَاءِ إذَا سَأَلَهُ اتِّفَاقًا من غَيْرِ تَلَقُّطِ الرُّخَصِ وَلَا تَعَمُّدِ سُؤَالِ من يَعْلَمُ أَنَّ مَذْهَبَهُ التَّرْخِيصُ في ذلك وَسُئِلَ أَيْضًا هل يَجُوزُ أَكْلُ ما وَلَغَ فيه الْكَلْبُ أو شُرْبُهُ تَقْلِيدًا لِمَالِكٍ فَأَجَابَ ليس له أَكْلُهُ وَلَا شُرْبُهُ إنْ نَقَصَ عن قُلَّتَيْنِ إذَا كان على مَذْهَبِ من يَعْتَقِدُ نَجَاسَتَهُ انْتَهَى وفي أَمَالِي الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ إذَا كان في الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ بِالْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ كَشُرْبِ النَّبِيذِ مَثَلًا فَشَرِبَهُ شَخْصٌ ولم يُقَلِّدْ أَبَا حَنِيفَةَ وَلَا غَيْرَهُ هل يَأْثَمُ أَمْ لَا لِأَنَّ إضَافَتَهُ لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ لَيْسَتْ بِأَوْلَى من إضَافَتِهِ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَحَاصِلُ ما قال إنَّهُ يُنْظَرُ إلَى الْفِعْلِ الذي فَعَلَهُ الْمُكَلَّفُ فَإِنْ كان مِمَّا اشْتَهَرَ تَحْرِيمُهُ في الشَّرْعِ أَثِمَ وَإِلَّا لم يَأْثَمْ انْتَهَى وَعَنْ الْحَاوِي لِلْمَاوَرْدِيِّ أَنَّ من شَرِبَ من النَّبِيذِ ما لَا يُسْكِرُ مع عِلْمِهِ بِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ ولم يَعْتَقِدْ الْإِبَاحَةَ وَلَا الْحَظْرَ حُدَّ وفي فَتَاوَى الْقَاضِي حُسَيْنٍ عَامِّيٌّ شَافِعِيٌّ لَمَسَ امْرَأَةَ رَجُلٍ ولم يَتَوَضَّأْ فقال عِنْدَ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ الطَّهَارَةُ بِحَالِهَا لَا
  361. تَصِحُّ صَلَاتُهُ لِأَنَّ بِالِاجْتِهَادِ يَعْتَقِدُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ فَلَا يَجُوزُ له أَنْ يُخَالِفَ اجْتِهَادَهُ كما إذَا اجْتَهَدَ في الْقِبْلَةِ وَأَدَّى اجْتِهَادُهُ إلَى جِهَةٍ وَأَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى غَيْرِ تِلْكَ الْجِهَةِ لَا يَصِحُّ وَلَوْ جَوَّزْنَا له ذلك لَأَدَّى إلَى أَنْ يَرْتَكِبَ مَحْظُورَاتِ الْمَذَاهِبِ وَشُرْبَ الْمُثَلَّثِ وَالنِّكَاحَ بِلَا وَلِيٍّ وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ انْتَهَى وفي السُّنَنِ لِلْبَيْهَقِيِّ عن الْأَوْزَاعِيِّ من أَخَذَ بِنَوَادِرِ الْعُلَمَاءِ خَرَجَ عن الْإِسْلَامِ وَعَنْهُ يُتْرَكُ من قَوْلِ أَهْلِ مَكَّةَ الْمُتْعَةُ وَالصَّرْفُ وَمِنْ قَوْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ السَّمَاعُ وَإِتْيَانُ النِّسَاءِ في أَدْبَارِهِنَّ وَمِنْ قَوْلِ أَهْلِ الشَّامِ الْحَرْبُ وَالطَّاعَةُ وَمِنْ قَوْلِ أَهْلِ الْكُوفَةِ النَّبِيذُ قال وَأَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ قال أخبرنا أبو الْوَلِيدِ يقول سَمِعْت ابْنَ سُرَيْجٍ يقول سَمِعْت إسْمَاعِيلَ الْقَاضِيَ قال دَخَلْت على الْمُعْتَضِدِ فَدَفَعَ إلَيَّ كِتَابًا نَظَرْت فيه وقد جَمَعَ فيه الرُّخَصَ من زَلَلِ الْعُلَمَاءِ وما احْتَجَّ بِهِ كُلٌّ منهم فَقُلْت مُصَنِّفُ هذا زِنْدِيقٌ فقال لم تَصِحَّ هذه الْأَحَادِيثُ قُلْت الْأَحَادِيثُ على ما رَوَيْت وَلَكِنْ من أَبَاحَ الْمُسْكِرَ لم يُبِحْ الْمُتْعَةَ وَمَنْ أَبَاحَ الْمُتْعَةَ لم يُبِحْ الْمُسْكِرَ وما من عَالِمٍ إلَّا وَلَهُ زَلَّةٌ وَمَنْ جَمَعَ زَلَلَ الْعُلَمَاءِ ثُمَّ أَخَذَ بها ذَهَبَ دِينُهُ فَأَمَرَ الْمُعْتَضِدُ بِإِحْرَاقِ ذلك الْكِتَابِ وَمِنْ فُرُوعِ هذه الْقَاعِدَةِ أَنَّهُ هل يَجُوزُ لِلشَّافِعِيِّ مَثَلًا أَنْ يَشْهَدَ على الْخَطِّ عِنْدَ الْمَالِكِيِّ الذي يَرَى الْعَمَلَ بِهِ صَرَّحَ ابن الصَّبَّاغِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ وهو ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ في كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ قالوا ليس له أَنْ يَشْهَدَ على خَطِّ نَفْسِهِ وَالظَّاهِرُ الْجَوَازُ إذَا وَثِقَ بِهِ وَقَلَّدَ الْمُخَالِفَ وَيَدُلُّ عليه تَصْحِيحُ النَّوَوِيِّ قَبُولَ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ على ما لَا يَعْتَقِدُهُ كَالشَّافِعِيِّ يَشْهَدُ بِشُفْعَةِ الْجِوَارِ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ فيه وَجْهَيْنِ بِلَا تَرْجِيحٍ وَمِنْهَا أَنَّ الْحَنَفِيَّ إذَا حَكَمَ لِلشَّافِعِيِّ بِشُفْعَةِ الْجِوَارِ هل يَجُوزُ له وَفِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْحِلُّ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُشْكِلُ على قَاعِدَتِهِمْ في كِتَابِ الصَّلَاةِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِعَقِيدَةِ الْإِمَامِ لَا الْمَأْمُومِ مَسْأَلَةٌ الْعَامِّيُّ إذَا اتَّبَعَ مُجْتَهِدًا ثُمَّ مَاتَ وفي الْعَصْرِ مُجْتَهِدٌ آخَرُ فَقِيلَ عليه اتِّبَاعُ من عَاصَرَهُ فإن نَظَرَهُ أَوْلَى من نَظَرِ الْمَيِّتِ قال إلْكِيَا وَهَذَا ليس مَقْطُوعًا بِهِ فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ مُحَمَّدَ بن الْحَسَنِ من الْمُجْتَهِدِينَ وما كُلِّفَ الناس بِاتِّبَاعِ مَذْهَبِهِ بَعْدَ أبي حَنِيفَةَ فَإِذَنْ الِاخْتِيَارُ مُفَوَّضٌ إلَى الْعَامِّيِّ في الْقَبُولِ وَكَأَنَّ هذا تَفْرِيعٌ على عَدَمِ جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمَيِّتِ وَالْأَصَحُّ الْجَوَازُ
  362. مَسْأَلَةٌ إذَا فَعَلَ الْمُكَلَّفُ فِعْلًا مُخْتَلَفًا في تَحْرِيمِهِ غير مُقَلِّدٍ لِأَحَدٍ فَهَلْ نُؤَثِّمُهُ بِنَاءً على الْقَوْلِ بِالتَّحْرِيمِ أو لَا بِنَاءً على التَّحْلِيلِ مع أَنَّهُ ليس إضَافَتُهُ لِأَحَدِ الْمَذْهَبَيْنِ أَوْلَى من الْآخَرِ ولم يَسْأَلْنَا عن مَذْهَبِنَا فَنُجِيبُهُ قال الْقَرَافِيُّ لم أَرَ فيه نَصًّا وكان الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بن عبد السَّلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ يقول إنَّهُ آثِمٌ من جِهَةِ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَجِبُ عليه أَنْ لَا يُقْدِمَ على فِعْلٍ حتى يَعْلَمَ حُكْمَ اللَّهِ فيه وَهَذَا أَقْدَمَ غير عَالِمٍ فَهُوَ آثِمٌ بِتَرْكِ التَّعَلُّمِ وَأَمَّا تَأْثِيمُهُ بِالْفِعْلِ نَفْسِهِ فَإِنْ كان مِمَّا عُلِمَ في الشَّرْعِ قُبْحُهُ أَثَّمْنَاهُ وَإِلَّا فَلَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ تَمَّ الْكِتَابُ بِعَوْنِ الْمِلْكِ الْوَهَّابِ وَجَدْت في آخِرِ الْمَنْقُولِ منه ما صُورَتُهُ قال مُؤَلِّفُهُ فَسَحَ اللَّهُ في مُدَّتِهِ وَنَفَعَ الْمُسْلِمِينَ بِبَرَكَتِهِ نُجِزَ سَابِعَ عَشَرَ شَوَّالٍ من سَنَةِ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ بِالْقَاهِرَةِ جَعَلَهُ اللَّهُ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ مَقْرُونًا بِالزُّلْفَى وَالْقَبُولِ إلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الذي هَدَانَا لِهَذَا وما كنا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ وَنَسْأَلُهُ الْمَزِيدَ من فَضْلِهِ إنَّهُ الْوَهَّابُ وأنا أَرْغَبُ إلَى من وَقَفَ عليه أَنْ لَا يَنْسُبَ فَوَائِدَهُ إلَيْهِ فَإِنِّي أَفْنَيْت الْعُمُرَ في اسْتِخْرَاجِهَا من الْمُخَبَّآتِ وَاسْتِنْتَاجِهَا من الْأُمَّهَاتِ وَاطَّلَعْت في ذلك على ما يَحْسُرُ على غَيْرِي مَرَامُهُ وَعَزَّ عليه اقْتِحَامُهُ وَتَحَرَّزْت في النُّقُولِ من الْأُصُولِ بِالْمُشَافَهَةِ لَا بِالْوَاسِطَةِ وَرَأَيْت الْمُتَأَخِّرِينَ قد وَقَعَ لهم الْغَلَطُ الْكَثِيرُ بِسَبَبِ التَّقْلِيدِ فإذا رَأَيْت في كِتَابِي هذا شيئا من النُّقُولِ فَاعْتَمِدْهُ فإنه الْمُحَرَّرُ الْمَقْبُولُ وإذا تَأَمَّلْتَهُ وَإِسْعَافَهُ وَجَدْتَهُ قد زَادَ في أُصُولِ الْفِقْهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُتُبِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَضْعَافَهُ وقد أَحْيَيْت من كَلَامِ الْأَقْدَمِينَ خُصُوصًا الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ ما قد دَرَسَ وَأَسْفَرَ صَبَاحُهُ بَعْدَ أَنْ تَلَبَّسَ بِالْغَلَسِ وَلَقَدْ كان من أَدْرَكْت من الْأَكَابِرِ يقول مَسَائِلُ أُصُولِ الْفِقْهِ إذَا اُسْتُقْصِيَتْ تَجِيءُ نحو الثَّمَانِمِائَةِ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أنها إلَى الثَّمَانِيَةِ آلَافٍ وَأَزْيَدَ أَقْرَبُ منها إلَى ما ذَكَرَهُ وَتَتَضَاعَفُ عِنْدَ التَّوْلِيدِ وَالنَّظَرِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَوَّلًا وَآخِرًا وهو حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ وَصَلَوَاتُهُ وَسَلَامُهُ على سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الْمَخْلُوقِينَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَعِتْرَتِهِ وَذُرِّيَّتِهِ الطَّاهِرِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
  363.  
  364. أقسام الكتاب 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24* جميع الحقوق متاحة لجميع المسلمين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الجديد في عكس النقيض وتفسيره علي انه قد أخطأ من تصور أن بين الحيض والطهر تضاد وتناقد وبيان أن الحيض ليس هو نقيض الطهر انما قصد آخر العدة تحديدا

  مقدمة يستفتح بها في بيان غياب الوعي عند عامة الفقهاء في فتاواهم بالأحكام في الطلاق المنسوخة وعزوفهم عن الاحكام الناسخة لقواعد الطلاق بين أ...